######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023628 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 741 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: لباب التأويل في معاني التنزيل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023628 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23628 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23628 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تصحيح محمد علي شاهين #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1415 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | سورة الفاتحة ### || [سورة الفاتحة (1): الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5) # اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين (7) # وهي سبع آيات بالاتفاق وسبع وعشرون كلمة ومائة وأربعون حرفا. واختلف ~~العلماء في نزولها فقيل نزلت بمكة وهو قول أكثر العلماء. وقيل نزلت ~~بالمدينة وهو قول مجاهد. وقيل نزلت مرتين بمكة ومرة بالمدينة وسبب ذلك ~~التنبيه على شرفها وفضلها ولها عدة أسماء وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ~~وفضله. (فأول ذلك فاتحة الكتاب) سميت بذلك لأن بها افتتح القرآن، وبها ~~تفتتح كتابة المصاحف، وبها تفتتح الصلاة. (الثاني سورة الحمد) سميت بذلك ~~لافتتاحها بالحمد لله (الثالث أم القرآن) وأم الكتاب، سميت بذلك لأنها أصل ~~القرآن وأم كل شيء أصله، وقيل هي إمام لما يتلوها من السور. (الرابع السبع ~~المثاني) سميت بذلك لأنها تثنى في الصلاة ويقرأ بها في كل ركعة، وقيل لأن ~~الله تعالى استثناها لهذه الأمة وادخرها لهم لم ينزلها على غيرهم وقيل ~~لأنها أنزلت مرتين (الخامس الوافية) سميت بذلك لأنها لا تقسم في القراءة في ~~الصلاة كما يقسم غيرها من السور (السادس الكافية) سميت بذلك لأنها تكفي عن ~~غيرها في الصلاة ولا يكفي عنها غيرها. # (فصل: في ذكر فضلها) # (خ) عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد ~~فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت يا رسول إلي ~~إني كنت أصلي فقال: ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ثم قال لي ~~لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي ~~فلما أراد أن يخرج قلت له يا رسول ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم السور في ~~القرآن قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته ورواه مالك في الموطأ عنه وقال فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نادى أبي بن كعب وهو يصلي ms0001 وذكر نحوه وفيه حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ~~ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها ورواه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي وهو يصلي وذكر نحو رواية الموطأ وقال ~~فيه حديث حسن صحيح عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني ~~وهو مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله رب العالمين أم ~~القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني» أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ~~صحيح (م) عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سمع نقيصا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح # PageV01P015 # اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ~~ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: ~~فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته (قوله سمع ~~نقيضا) هو بالقاف والضاد المعجمة أي صوتا كصوت فتح الباب (م) عن أبي هريرة ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ~~فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام» قال فقلت يا أبا هريرة إنا أحيانا نكون ~~وراء الإمام فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: «قسمت الصلاة بيني ~~وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد ~~الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال ~~أثنى علي عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدني وربما قال فوض إلي ~~عبدي، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا ms0002 بيني وبين عبدي ولعبدي ما ~~سأل، وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». # (قوله: فهي خداج) أي ناقصة (قوله: فغمز ذراعي) أي كبس ساعدي بيده. (قوله ~~قسمت الصلاة) أراد بالصلاة هنا القراءة لأنه فسرها بها ولأن القراءة ركن من ~~أركانها وجزء من أجزائها. (قوله: نصفين) حقيقة هذه القسمة التي جعلها بينه ~~وبين عبده راجعة إلى المعنى لا إلى اللفظ لأن هذه السورة من جهة المعنى ~~نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء وقسم الثناء انتهى عند قوله تعالى: إياك ~~نعبد وإياك نستعين من قسم الدعاء ولهذا قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما ~~سأل. (قوله: حمدني عبدي ومجدني) أي أثنى علي لأن الحمد هو الثناء بجميل ~~الفعال والتمجيد الثناء بصفات الجلال وقيل التحميد والتمجيد التعظيم (قوله: ~~وربما قال فوض إلي عبدي) وجه مطابقة هذا لقوله مالك يوم الدين يقال فلان ~~فوض أمره إلى فلان إذا رده إليه وعول فيه عليه وفي الحديث دليل على وجوب ~~قراءة الفاتحة وأنها متعينة وهو مذهب الشافعي وجماعة وستأتي هذه المسألة إن ~~شاء الله تعالى بعد ذكر تفسير الفاتحة، والله أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم الباء في بسم الله حرف خافض يخفض ما بعده مثل من ~~وعن والمتعلق به مضمر محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: أبدأ بسم الله أو ~~باسم الله أبدأ أو أقرأ، وإنما طولت الباء في بسم الله وأسقطت الألف طلبا ~~للخفة، وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طولها على الباء ليدل طولها على الألف ~~المحذوفة وأثبتت الألف في قوله تعالى: فسبح باسم ربك العظيم لقلة استعماله ~~وقيل إنما طولوا الباء لأنهم أرادوا أن يستفتحوا كتاب الله بحرف معظم وقيل ~~الباء حرف منخفض الصورة فلما اتصل باسم الله ارتفع واستعلى وقيل إن عمر بن ~~عبد العزيز كان يقول لكتابه طولوا الباء من بسم الله وأظهروا السين ودوروا ~~الميم تعظيما لكتاب الله عز وجل. والاسم هو المسمى عينه وذاته قال الله ~~تعالى: إنا نبشرك ms0003 بغلام اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال يا يحيى وقال سبح اسم ~~ربك، وتبارك اسم ربك وهذا القول ليس بقوي، والصحيح المختار أن الاسم غير ~~المسمى وغير التسمية، فالاسم ما تعرف به ذات الشيء، وذلك لأن الاسم هو ~~الأصوات المقطعة والحروف المؤلفة الدالة على ذات ذلك الشيء المسمى به، فثبت ~~بهذا أن الاسم غير المسمى وأيضا قد تكون الأسماء كثيرة والمسمى واحد كقوله ~~تعالى: ولله الأسماء الحسنى. وقد يكون الاسم واحدا والمسميات به كثيرة ~~كالأسماء المشتركة وذلك يوجب المغايرة وأيضا فقوله: فادعوه بها أمر أن يدعي ~~الله تعالى بأسمائه فالاسم آلة الدعاء والمدعو هو الله تعالى فالمغايرة ~~حاصلة بين ذات المدعو وبين اللفظ المدعو به. وأجيب عن قوله تعالى: إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى بأن المراد ذات الشخص المعبر عنه بيحيى لا نفس ~~الاسم. وأجيب عن قوله تعالى سبح اسم ربك وتبارك اسم ربك بأن معنى هذه ~~الألفاظ يقتضي إضافة الاسم إلى الله تعالى وإضافة الشيء إلى # PageV01P016 # نفسه محال وقيل كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى عن النقص فكذلك يجب ~~تنزيه أسمائه وكون الاسم غير التسمية هو أن التسمية عبارة عن تعيين اللفظ ~~المعين لتعريف ذات الشيء، والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق ظاهر. ~~واختلفوا في اشتقاق الاسم فقال البصريون من السمو وهو العلو، فاسم الشيء ما ~~علاه حتى ظهر به وعلا عليه، فكأنه علا على معناه وصار علما له. وقال ~~الكوفيون من السمة وهي العلامة فكأنه علامة لمسماه، وحجة البصريين لو كان ~~الاسم اشتقاقه من السمة لكان تصغيره وسيم وجمعه أوسام وأجمعوا على أن ~~تصغيره سمي وجمعه أسماء وأسام (الله) هو اسم علم خاص لله تعالى تفرد به ~~الباري سبحانه وتعالى ليس بمشتق ولا يشركه فيه أحد وهو الصحيح المختار ~~دليله قوله تعالى: هل تعلم له سميا يعني لا يقال لغيره الله، وقيل هو مشتق ~~من أله يأله إلاهة مثل عبد الرجل يعبد عبادة دليله «ويذرك وآلهتك» أي ~~وعبادتك ومعناه المستحق للعبادة دون غيره. وقيل: من الوله وهو ms0004 الفزع لأن ~~الخلق يولهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم، قال بعضهم: # ولهت إليكم في بلايا تنوبني ... فألفتكم فيها كرائم محتد # وقيل أصله أله، يقال: ألهت إلى فلان أي سكنت إليه فكأن الخلق يسكنون إليه ~~ويطمئنون بذكره، وقيل أصله ولاه فأبدلت الواو همزة سمي بذلك لأن كل مخلوق ~~وإله نحوه إما بالتخير أو بالإرادة ومن هذا قيل الله محبوب كل الأشياء يدل ~~عليه، «وإن من شيء إلا يسبح بحمده» ومن خصائص هذا الاسم أنك إذا حذفت منه ~~شيئا بقي الباقي يدل عليه فإن حذفت الألف بقي الله، وإن حذفت اللام وأثبت ~~الألف بقي إله، وإن حذفتهما بقي له وإن حذفت الألف واللامين معا بقي هو ~~والواو عوض عن الضمة. وذهب بعضهم إلى أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم لأنه ~~يدل على الذات وباقي الأسماء تدل على الصفات (الرحمن الرحيم) قال ابن عباس: ~~هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، قيل: هما بمعنى مثل ندمان ونديم ~~ومعناهما ذو الرحمة وإنما جمع بينهما للتأكيد، وقيل: ذكر أحدهما بعد الآخر ~~تطميعا لقلوب الراغبين إليه، وقيل الرحمن فيه معنى العموم والرحيم فيه معنى ~~الخصوص فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق المؤمن ~~والكافر والرحيم بمعنى الغفور الكافي للمؤمنين في الآخرة فهو على الخصوص، ~~ولذلك قيل رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ورحمة الله إرادة الخير والإحسان ~~لأهله، وقيل هي ترك عقوبة من يستحق العقاب وإسداء الخير والإحسان إلى من لا ~~يستحق فهو على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل، وقيل الرحمن بكشف ~~الكروب والرحيم بغفر الذنوب، وقيل: # الرحمن بتبيين الطريق، والرحيم بالعصمة والتوفيق. # (فصل: في حكم البسملة) # وفيه مسألتان: (الأولى) في كون البسملة الفاتحة ~~وغيرها من السور سوى سورة براءة. اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي ~~وجماعة من العلماء إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ذكرت في أولها سوى ~~سورة براءة، وهو قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء ~~وابن المبارك وأحمد في إحدى الروايتين عنه ms0005 وإسحاق، ونقل البيهقي هذا القول ~~عن علي بن أبي طالب والزهري والثوري ومحمد بن كعب. وذهب الأوزاعي ومالك ~~وأبو حنيفة إلى أن البسملة ليست بآية من الفاتحة، زاد أبو داود ولا من ~~غيرها من السور، وإنما هي بعض آية في سورة النمل، وإنما كتبت للفصل والتبرك ~~قال مالك ولا يستفتح بها في الصلاة المفروضة، وللشافعي قول إنها ليست من ~~أوائل السور مع القطع بأنها من الفاتحة. فأما حجة من منع كون البسملة آية ~~من الفاتحة ومن غيرها فحديث أنس المشهور المخرج في الصحيحين وحديث عائشة ~~قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ~~بالحمد لله رب العالمين» قالوا ولأن أول ما نزل به جبريل: اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق ولم يذكر البسملة في أولها فدل على أنها ليست منها قالوا ولأن محل ~~القرآن لا يثبت إلا بالتواتر # PageV01P017 # والاستفاضة ولأن الصحابة أجمعوا على عدد كثير من السور منها سورة الملك ~~ثلاثون آية وسورة الكوثر ثلاث آيات وسورة الإخلاص أربع آيات فلو كانت ~~البسملة منها لكانت خمسا. وأما حجة من ذهب إلى إثباتها في أوائل السور من ~~جهة النقل فقد صح عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في ~~أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية منها» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~في قوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم قال هي فاتحة ~~الكتاب قيل فأين السابعة قال بسم الله الرحمن الرحيم أخرجهما ابن خزيمة ~~وغيره، وروى عن ابن عباس: # «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم فصل السورة وفي رواية انقضاء ~~السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» أخرجه أبو داود والحاكم أبو ~~عبد الله في مستدركه وقال فيه: إنه صحيح على شرط الشيخين. وروى الدارقطني ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ تم الحمد لله ~~فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ~~وبسم الله الرحمن ms0006 الرحيم أحد آياتها» قال الدارقطني في رجال إسناده كلهم ~~ثقات وروى موقوفا، وروى الدارقطني عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها ~~قطعها آية آية وعدها عد الأعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد ~~عليهم» وأخرج مسلم في أفراده عن أنس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين أظهرنا إذ غفا غفوة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول ~~الله؟ قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك ~~الكوثر الحديث. قال البيهقي: أحسن ما احتج به أصحابنا في أن بسم الله ~~الرحمن الرحيم من القرآن وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة ما رويناه في ~~جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف وأنهم كتبوا فيها بسم الله الرحمن ~~الرحيم على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها ~~مائة وثلاثة عشر آية ليست في القرآن، قال وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ~~ابن عباس أنه كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة وروى الشافعي ~~بسنده عن ابن عمر أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ~~والسورة التي بعدها زاد غيره عنه إنه كان يقول لما كتبت في المصحف لم لم ~~تقرأ وروى الشافعي عن ابن عباس أنه كان يفعله ويقول انتزع الشيطان منهم خير ~~آية في القرآن. وفي أفراد البخاري من حديث أنس «أنه سئل كيف كانت قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ~~يمد الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم» فقد ثبت بهذه الأدلة الصحيحة الواضحة أن ~~البسملة من الفاتحة من كل موضع ذكرت فيه وأيضا فأجمع الصحابة على إثباتها ~~في المصاحف، وأنهم طلبوا بكتابة المصاحف تجريد كلام الله عز وجل المنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم قرآنا وتدوينه مخافة من أن يزيدوا فيه أو ينقصوا ~~منه، ms0007 ولهذا لم يكتبوا فيه لفظة آمين، وإن كان قد ورد أنه كان يقولها بعد ~~الفاتحة فلو لم تكن البسملة من القرآن في أوائل السور لما كتبوها وكان ~~حكمها حكم آمين. # (المسألة الثانية في حكم الجهر بالبسملة والإسرار) # إذا ثبت بما تقدم من ~~الأدلة أن البسملة آية من الفاتحة ومن غيرها من السور حيث كتبت كان حكمها ~~في الجهر والإسرار حكم الفاتحة فيجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية ~~ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية وممن قال بالجهر بالبسملة من الصحابة ~~أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير. ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن ~~جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاوس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم ~~بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن ~~عمر ويزيد بن أسلم وعمر ومكحول وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار ومسلم بن ~~خالد وإليه ذهب الشافعي وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك ويحكى أيضا عن ابن ~~المبارك وأبي ثور. وممن ذهب إلى الإسرار بها من الصحابة أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن مغفل وغيرهم. ومن التابعين فمن ~~بعدهم الحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري وإليه ذهب ~~مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. أما حجة من قال بالجهر فقد روى جماعة من # PageV01P018 # الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب ~~وأم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالبسملة فمنهم من صرح بذلك ~~ومنهم من فهم ذلك من عبارته ولم يرد في صريح الإسرار بها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا روايتان إحداهما ضعيفة وهي رواية عبد الله بن مغفل والأخرى ~~عن أنس وهي في الصحيح وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها، وروى نعيم بن ~~عبد الله المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم ~~قرأ بأم القرآن وذكر الحديث وفيه ثم يقول إذا سلم إني لأشبهكم صلاة ms0008 برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وقال أما ~~الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقد ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وروى الدارقطني بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا ~~قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم» وذكر الحديث قال ~~الدارقطني إسناده كلهم ثقات وعن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» أخرجه الدارقطني وقال ليس في روايته ~~مجروح وأخرجه الحاكم أبو عبد الله وقال إسناده صحيح وليس له علة وفي رواية ~~عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة ببسم ~~الله الرحمن الرحيم» أخرجه الدارقطني وقال صحيح ليس في إسناده مجروح وأخرجه ~~الترمذي وقال ليس إسناده بذلك قال الشيخ أبو شامة أي لا يماثل إسناده ما في ~~الصحيح ولكن إذا انضم إلى ما تقدم من الأدلة رجح على ما في الصحيح وعن أنس ~~قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن ~~الرحيم» أخرجه الدارقطني وقال إسناده صحيح وفيه عن محمد بن أبي السري ~~العسقلاني قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصى صلاة الصبح والمغرب، ~~فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر ~~يقول: ما ألوي أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك: # وقال أنس بن مالك ما ألوي أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخرجه الدارقطني وقال: كلهم ثقات. وأخرجه الحاكم أبو عبد الله وقال: رواة ~~هذا الحديث عن آخرهم كلهم ثقات. قلت وفي الباب أحاديث وأدلة وإيرادات ~~وأجوبة من الجانبين يطول ذكرها وفي هذا القدر كفاية وبالله التوفيق. قوله ~~عز وجل: الحمد لله لفظه خبر كأنه سبحانه وتعالى يخبر أن المستحق للحمد هو ~~الله تعالى، ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله وفيه تعليم الخلق كيف يحمدونه ~~والحمد والمدح أخوان، وقيل بينهما فرق وهو أن المدح قد يكون قبل الإحسان ms0009 ~~وبعده والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان، وقيل إن المدح قد يكون منهيا عنه، ~~وأما الحمد فمأمور به، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة ويكون بمعنى ~~الثناء بجميل الأفعال، تقول: حمدت الرجل على علمه وكرمه والشكر لا يكون إلا ~~على النعمة، فالحمد أعم من الشكر، إذ لا تقول شكرت فلانا على علمه فكل حامد ~~شاكر وليس كل شاكر حامدا، وقيل: الحمد باللسان قولا، والشكر بالأركان فعلا، ~~والحمد ضد الذم واللام في لله لام الاستحقاق كقولك الدار لزيد يعني أنه ~~المستحق للحمد لأنه المحسن المتفضل على كافة الخلق على الإطلاق رب العالمين ~~الرب بمعنى المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه ويكون بمعنى ~~التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها فالله تعالى، ~~مالك العالمين ومربيهم ومصلحهم، ولا يقال الرب للمخلوق معرفا بل يقال رب ~~الشيء مضافا. والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لكل موجود ~~سوى الله تعالى فيدخل فيه جميع الخلق. وقال ابن عباس: هم الجن والإنس لأنهم ~~المكلفون بالخطاب وقيل العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والجن والإنس ولا ~~يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل. واختلف في مبلغ عددهم فقيل لله ألف عالم ~~ستمائة عالم في البحر وأربعمائة في البر. وقيل ثمانون ألف عالم أربعون ألفا ~~في البر ومثلهم في البحر. # وقيل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد وما العمران في الخراب ~~إلا كفسطاط في صحراء. الفسطاط الخيمة واشتقاق العالم من العلم وقيل من ~~العلامة، وإنما سمي بذلك لأنه دال على الخالق سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم ~~فالرحمن هو المنعم بما لا يتصور صدور تلك النعمة من العباد، والرحيم هو ~~المنعم بما يتصور صدور تلك النعمة من العباد فلا يقال لغير الله رحمن، ~~ويقال لغيره من العباد رحيم. فإن قلت قد سمي # PageV01P019 # مسيلمة الكذاب برحمان اليمامة وهو قول شاعرهم فيه: وأنت غيث الورى لا زلت ~~رحمانا. قلت هو من باب تعنتهم في كفرهم ومبالغتهم في مدح صاحبهم فلا يلتفت ~~إلى قولهم ms0010 هذا. فإن قلت: قد ذكر الرحمن الرحيم في البسملة فما فائدة تكريره ~~هنا مرة ثانية. قلت: ليعلم أن العناية بالرحمة أكثرها من غيرها من الأمور ~~وأن الحاجة إليها أكثر فنبه سبحانه وتعالى بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها ~~وأنه هو المتفضل بها على خلقه. قوله تعالى: # مالك يوم الدين يعني أنه تعالى صاحب ذلك اليوم الذي يكون فيه الجزاء. ~~والمالك هو المتصرف بالأمر والنهي، وقيل: هو القادر على اختراع الأعيان من ~~العدم إلى الوجود ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. وقيل: # مالك أوسع من ملك لأنه يقال مالك العبد والدابة ولا يقال ملك هذه الأشياء ~~ولأنه لا يكون ملكا لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مالكا لشيء ولا يملكه ~~وقيل ملك أولى، لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا وقيل هما بمعنى واحد مثل ~~فرهين وفارهين، قال ابن عباس: مالك يوم الدين قاضي يوم الحساب. وقيل الدين ~~الجزاء ويقع على الخير والشر يقال كما تدين تدان وقيل هو يوم لا ينفع فيه ~~إلا الدين وقيل الدين القهر. يقال: دنته فدان أي قهرته فذل. فإن قلت: لم خص ~~يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها؟ قلت: لأن ملك الأملاك يومئذ ~~زائل فلا ملك ولا أمر يومئذ إلا لله تعالى كما قال تعالى: الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وقال: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقد يسمى في دار الدنيا ~~آحاد الناس بالملك وذلك على المجاز لا على الحقيقة. قوله تعالى: إياك نعبد ~~رجع من الخبر إلى الخطاب، وفائدة ذلك من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء ~~في الغيبة أولى. ومن قوله: إياك نعبد دعاء والخطاب في الدعاء أولى. وقيل ~~فيه ضمير أي قولوا: إياك نعبد والمعنى إياك نخص بالعبادة ونوحدك ونطيعك ~~خاضعين لك. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، وسمي العبد عبدا لذلته ~~وانقياده. وقيل: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤدي به الفرض لتعظيم الله ~~تعالى، فقول العبد إياك نعبد معناه لا أعبد أحدا سواك، والعبادة غاية ~~التذلل من العبد ونهاية ms0011 التعظيم للرب سبحانه وتعالى لأنه العظيم المستحق ~~للعبادة ولا تستعمل العبادة إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم ~~وهي إيجاد العبد من العدم إلى الوجود ثم هداه إلى دينه فكان العبد حقيقا ~~بالخضوع والتذلل به وإياك نستعين أي منك نطلب المعونة على عبادتك وعلى جميع ~~أمورنا. فإن قلت: الاستعانة على العمل إنما تكون قبل الشروع فيه فلم أخر ~~الاستعانة على العبادة وما الحكمة فيه؟. قلت ذكروا فيه وجوها أحدها أن هذا ~~يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل ونحن بحمد الله نجعل التوفيق والاستطاعة ~~مع الفعل فلا فرق بين التقديم والتأخير. الثاني أن الاستعانة نوع تعبد ~~فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ثانيا. الثالث كأن ~~العبد يقول شرعت في العبادة فإني أستعين بك على إتمامها فلا يمنعني من ~~إتمامها مانع. الرابع إن العبد إذا قال إياك نعبد حصل له الفخر وذلك منزلة ~~عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله وإياك نستعين ليزول ذلك العجب ~~الحاصل بسبب تلك العبادة اهدنا الصراط المستقيم أي أرشدنا، وقيل ثبتنا، وهو ~~كما تقول للقائم قم حتى أعود إليك ومعناه دم على ما أنت عليه وهذا الدعاء ~~من المؤمنين مع كونهم على الهداية يعني سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية لأن ~~الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى وهذا مذهب أهل السنة والصراط الطريق، ~~قال جرير: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # أي على طريقة حسنة، قال ابن عباس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن وروى ~~ذلك مرفوعا. وقيل السنة والجماعة وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة ~~صراط الذين أنعمت عليهم هذا بدل من الأول، أي الذين مننت عليهم بالهداية ~~والتوفيق، وهم الأنبياء والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقال ~~ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيروا ولم يبدلوا وقيل هم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته غير المغضوب عليهم يعني غير صراط ms0012 الذين ~~غضبت # PageV01P020 # عليهم. والغضب في الأصل هو ثوران دم القلب لإرادة الانتقام ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى ~~انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه» وإذا وصف الله به فالمراد منه الانتقام فقط دون ~~غيره وهو انتقامه من العصاة وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق ~~الكافرين ولا الضالين أي وغير الضالين عن الهدى وأصل الضلال الغيبوبة ~~والهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه وهلك وقيل غير المغضوب عليهم ~~هم اليهود والضالين هم النصارى. عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال» أخرجه الترمذي، وذلك لأن ~~الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: من لعنه الله وغضب عليه وحكم على ~~النصارى بالضلال فقال: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وقيل: غير ~~المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة والله أعلم. # (فصل: في آمين وحكم الفاتحة)وفيه مسألتان: الأولى: # السنة للقارئ بعد فراغه من الفاتحة أن يقول آمين مفصولا عنها بسكتة، وهو ~~مخفف وفيه لغتان المد والقصر قال في المد: ويرحم الله عبدا قال آمينا. وقال ~~في القصر: آمين فزاد الله ما بيننا بعدا. ومعنى آمين اللهم اسمع واستجب. ~~وقال ابن عباس: معناه كذلك يكون. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى وقيل هو ~~خاتم الله تعالى على عباده به يدفع عنهم الآثام (ق) عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول آمين وفي رواية للبخاري «أن الإمام إذا قرأ غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق ~~تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». # (قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة). معناه وافقهم في وقت التأمين ~~فأمن مع تأمينهم، وقيل: وافقهم في الصفة ms0013 والخشوع والإخلاص والقول الأول هو ~~الصحيح. واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم من ~~الملائكة. # (قوله غفر له ما تقدم من ذنبه): يعني تغفر له الذنوب الصغائر دون الكبائر ~~وقول ابن شهاب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين معناه أن هذه ~~صيغة تأمينه صلى الله عليه وسلم. # المسألة الثانية في حكم الفاتحة: اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة ~~فذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى وجوب الفاتحة وأنها متعينة في ~~الصلاة ولا تجزئ إلا بها، واحتجوا بما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» أخرجاه ~~في الصحيحين وبحديث أبي هريرة: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ~~فهي خداج ثلاثا غير تمام» الحديث وقد تقدم في فضل سورة الفاتحة وذهب أبو ~~حنيفة إلى أن الفاتحة لا تتعين على المصلي بل الواجب عليه قراءة آية من ~~القرآن طويلة أو ثلاث آيات قصار واحتج بقوله تعالى: فاقرؤا ما تيسر منه ~~وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي المسيء صلاته «ثم اقرأ بما ~~تيسر معك من القرآن» أخرجاه في الصحيحين دليل الجمهور ما تقدم من الأحاديث. ~~فإن قيل المراد من الحديث لا صلاة كاملة قلنا هذا خلاف ظاهر لفظ الحديث ~~ومما يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تجزئ صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» أخرجه الدارقطني وقال إسناده ~~صحيح وعنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي لا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب فما زاد» أخرجه أبو داود. وأجيب عن حديث الأعرابي بأنه ~~محمول على الفاتحة فإنها متيسرة أو على ما زاد على الفاتحة أو على العاجز ~~عن قراءة الفاتحة، والله أعلم. # PageV01P021 ### | سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة البقرة (2): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما ms0014 رزقناهم ينفقون (3) # قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة قيل سوى آية وهي قوله تعالى: ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنها نزلت يوم النحر بمكة في حجة الوداع ~~وهي مائتان وست وقيل سبع وثمانون آية وستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة ~~وخمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف. # (فصل: في فضلها) (م) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا ~~الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرءوا البقرة فإن ~~أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» قال معاوية بن سلام بلغني أن ~~البطلة السحرة (قوله اقرءوا الزهراوين) سميتا بذلك لنورهما يقال لكل مستنير ~~زاهر. قوله: كأنهما غمامتان أو غيايتان: قال أهل اللغة الغمامة والغياية كل ~~شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيرها والمعنى أن ثوابهما يأتي ~~كغمامتين (قوله: فرقان من طير صواف) الفرقان الجماعة من الطير والصواف جمع ~~صافة وهي التي تصف أجنحتها عند الطيران يحاجان. المحاجة المجادلة والمخاصمة ~~وإظهار الحجة والبطلة السحرة كما جاء في الحديث مبينا يقال أبطل إذا جاء ~~بالباطل. وفي الحديث دليل على جواز قول سورة البقرة وسورة آل عمران وكذا ~~باقي السور، وأنه لا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين. وقال: إنما يقال ~~السورة التي يذكر فيها البقرة وكذا باقي السور والصواب هو الأول وبه قال ~~الجمهور لورود النص به (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة ~~البقرة» وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء سنام وإن ~~سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب (بسم الله الرحمن الرحيم) قوله عز وجل: الم قيل إن ~~حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر ms0015 الله بعلمه، وهي سر ~~الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى، ~~وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في كل كتاب ~~سر وسر الله في القرآن أوائل السور وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن ~~لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وأورد على هذا القول بأنه لا ~~يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكلف الله ~~عباده بما لا يعقل معناه كرمي الجمار فإنه مما لا يعقل معناه والحكمة فيه ~~هو كمال الانقياد والطاعة # PageV01P022 # فكذلك هذه الحروف يجب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها. وقال آخرون من ~~أهل العلم: هي معروفة المعاني. # ثم اختلفوا فيها فقيل كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى فالألف ~~مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد وقيل الألف ~~آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه، ويؤيد هذا أن العرب تذكر حرفا من كلمة ~~تريد كلها قال الراجز: # قلت لها قفي فقالت قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف # قولها: قاف أي وقفت فاكتفت بجزء الكلمة عن كلها، والإيجاف الإسراع في ~~السير قال ابن عباس: الم أنا الله أعلم. وقيل: هي أسماء الله مقطعة لو علم ~~الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ألا ترى أنك تقول الر وحم ون فيكون ~~مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا وقيل أسماء ~~السور وبه قال جماعة من المحققين وقال ابن عباس: هي أقسام فقيل أقسم الله ~~بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته ~~العليا، وإنما اقتصر على بعضها وإن كان المراد كلها فهو كما تقول قرأت ~~الحمد لله، وتريد أنك قرأت السورة بكمالها فكأنه تعالى أقسم بهذه الحروف أو ~~هذا الكتاب هو الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ وقيل إن الله تعالى لما ~~تحداهم بقوله: فأتوا بسورة من مثله وفي آية بعشر سور مثله فعجزوا عنه أنزل ~~هذه الأحرف ومعناه ms0016 أن القرآن ليس هو إلا من هذه الأحرف وأنتم قادرون عليها ~~فكان يجب أن تأتوا بمثله فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من ~~عند البشر. وقيل: إنهم لما أعرضوا عن سماع القرآن وأراد الله صلاح بعضهم ~~أنزل هذه الأحرف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين اسمعوا إلى ما يجيء به ~~محمد فإذا أصغوا إليه وسمعوه رسخ في قلوبهم، فكان ذلك سببا لإيمانهم، وقيل: ~~إن الله تعالى غير عقول الخلق في ابتداء خطابه ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى ~~معرفة خطابه إلا باعترافهم بالعجز عن معرفة كنه حقيقة خطابه. واعلم أن ~~مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا في تسع وعشرين سورة ~~وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء ~~والسين والحاء والقاف والنون وهي نصف حروف المعجم، وسيأتي الكلام على ~~باقيها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: ذلك الكتاب أي هذا ~~الكتاب هو القرآن وقيل فيه إضمار، والمعنى هذا الكتاب الذي وعدتك به وكان ~~الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ~~ولا يخلق على كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك ~~به وقيل إن الله وعد بني إسرائيل أن ينزل كتابا ويرسل رسولا من ولد ~~إسماعيل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبها من ~~اليهود خلق كثير أنزل الله تعالى هذه الآية الم ذلك الكتاب أي هذا الكتاب ~~الذي وعدت به على لسان موسى أن أنزله على النبي الذي هو من ولد إسماعيل ~~والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع ومنه يقال للجند كتيبة ~~لاجتماعها فسمي الكتاب كتابا لأنه يجمع الحروف بعضها إلى بعض والكتاب اسم ~~من أسماء القرآن لا ريب فيه أي لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق ~~والصدق، وقيل: هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه. فإن قلت قد ارتاب به ~~قوم فما معنى لا ريب فيه. ms0017 قلت معناه أنه في نفسه حق وصدق فمن حقق النظر عرف ~~حقيقة ذلك هدى للمتقين الهدى عبارة عن الدلالة وقيل دلالة بلطف وقيل ~~الهداية الإرشاد والمعنى هو هدى للمتقين وقيل هو هاد لا ريب في هدايته ~~والمتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف وقيل ~~التقوى في عرف الشرع حفظ النفس مما يؤثم وذلك بترك المحظور وبعض المباحات ~~قال ابن عباس: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش، وهو مأخوذ من ~~الاتقاء وأصله الحجز بين الشيئين، يقال: اتقى بترسه إذا جعله حاجزا بينه ~~وبين ما يقصده وفي الحديث «كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» معناه أنا كنا إذا اشتد الحرب جعلنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حاجزا بيننا وبين العدو فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله واجتناب ~~نواهيه حاجزا بينه وبين النار وقيل المتقي هو من لا يرى نفسه خيرا من أحد. ~~وقيل: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض. وقيل # PageV01P023 # التقوى ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة. وقيل: التقوى أن ~~لا يراك مولاك حيث نهاك وقيل: # التقوى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي الحديث «جماع ~~التقوى في قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية» وقيل المتقي هو ~~الذي يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وخص المتقين بالذكر تشريفا لهم، ~~لأن مقام التقوى مقام شريف عزيز، لأنهم هم المنتفعون بالهداية، ولو لم يكن ~~للمتقين فضل إلا قوله تعالى هدى للمتقين لكناهم. فإن قلت كيف قال هدى ~~للمتقين والمتقون هم المهتدون. قلت هو كقولك للعزيز الكريم أعزك الله ~~وأكرمك تريد طلب الزيادة له إلى ما هو ثابت فيه كقوله تعالى: اهدنا الصراط ~~المستقيم الذين يؤمنون بالغيب أي يصدقون بالغيب، وأصل الإيمان في اللغة ~~التصديق قال الله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق فإذا فسر الإيمان بهذا ~~فإنه لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق لا يتجزأ حتى يتصور كما له مرة ونقصانه ~~أخرى. ms0018 والإيمان في لسان الشرع عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان ~~والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا فإنه يزيد وينقص وهو مذهب أهل السنة من أهل ~~الحديث وغيرهم، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة وهي أن المصدق بقلبه إذا ~~لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~ونحو ذلك من أركان الدين هل يسمى مؤمنا أم لا؟ فيه خلاف، والمختار عند أهل ~~السنة أنه لا يسمى مؤمنا لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن» فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان وأنكر أكثر المتكلمين ~~زيادة الإيمان ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقص كان ذلك شكا وكفرا. ~~وقال المحققون من متكلمي أهل السنة: إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص ~~والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصانها وبهذا أمكن الجمع بين ~~ظواهر نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بزيادة الإيمان ونقصانه وبين أصله من ~~اللغة. وقال بعض المحققين: # إن نفس التصديق قد يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة والبراهين وقلة ~~إمعان النظر في ذلك ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى وأثبت من إيمان غيرهم ~~لأنهم لا تعتريهم شبهة في إيمانهم ولا تزلزل، وما غيرهم من آحاد الناس فليس ~~كذلك، إذ لا يشك عاقل أن نفس تصديق أبي بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق ~~غيره من آحاد الأمة وقيل إنما سمي الإقرار والعمل إيمانا لوجه المناسبة ~~لأنه من شرائعه، والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما روي عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها ~~قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من ~~الإيمان» أخرجاه في الصحيحين. البضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى العشرة ~~والشعبة القطعة من الشيء وإماطة الأذى عن الطريق وهو عزل الحجر والشوك ونحو ~~ذلك عنه. والحياء بالمد وهو انقباض النفس عن فعل القبيح وإنما جعل من ~~الإيمان وهو اكتساب لأن المستحيي ينزجر باستحيائه عن المعاصي فصار من ~~الإيمان، ms0019 وقيل الإيمان مأخوذ من الأمن فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من ~~عذاب الله. # والإسلام هو الانقياد والخضوع فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا إن ~~لم يكن معه تصديق وذلك أن الرجل قد يكون مسلما في الظاهر غير مصدق في ~~الباطن (ق) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا ~~للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإيمان «قال أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر» قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: ~~«أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة ~~المفروضة، وتصوم رمضان». قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال «أن تعبد الله ~~كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: يا رسول الله متى الساعة؟ ~~قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها. إذا ولدت ~~الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من ~~أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، وخمس لا ~~يعلمهن إلا الله» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام إلى قوله: عليم خبير قال ثم أدبر ~~الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردوا علي هذا الرجل» فأخذوا ~~ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل جاء ~~ليعلم # PageV01P024 # الناس دينهم» وفي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو هذا الحديث ~~وبمعناه، وقد تقدم الكلام على معنى الإيمان والإسلام. وبقي أشياء تتعلق ~~بمعنى الحديث، فقوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا أي ~~ظاهرا، وقوله: أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر هو بكسر الخاء. ~~وقيل في الجامع بين قوله وتؤمن بلقاء الله وبالبعث فإن اللقاء يحصل بمجرد ~~الانتقال إلى الدار الآخرة وهو الموت والبعث هو بعده عند قيام الساعة وفي ~~تقييده بالآخر وجه آخر وهو أن خروجه إلى ms0020 الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من ~~القبر إلى الآخرة بعث آخر. قوله ما الإحسان هو هنا الإخلاص في العمل وهو ~~شرط في صحة الإيمان والإسلام لأن من أتى بلفظ الشهادة وأتى بالعمل من غير ~~إخلاص لم يكن محسنا، وقيل أراد بالإحسان المراقبة وحسن الطاعة، فإن من راقب ~~الله حسن عمله، وهو المراد بقوله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأشراط ~~الساعة علاماتها التي تظهر قبلها. قوله: إذا ولدت الأمة ربها يعني سيدها ~~والمعنى أن الرجل تكون له الأمة فتلد له ولدا فيكون ذلك الولد ابنها ~~وسيدها، ورعاء البهم بكسر الراء وفتح الباء وإسكان الهاء من البهم وهي ~~الصغار من أولاد الضأن، والمعنى أنه يبسط المال على أهل البادية وأشباههم ~~حتى يتباهون في البناء ويسودون الناس فذلك من أشراط الساعة والله أعلم. ~~قوله تعالى بالغيب، والغيب هنا مصدر وضع موضع الاسم، فقيل: الغائب غيب وهو ~~ما كان مغيبا عن العيون قال ابن عباس: الغيب هنا كل ما أمرت بالإيمان به ~~مما غاب عن بصرك من الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل: ~~الغيب هنا هو الله تعالى وقيل القرآن وقيل بالآخرة وقيل بالوحي وقيل بالقدر ~~وقال عبد الرحمن بن يزيد كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبد الله بن مسعود إن أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان ~~بغيب ثم قرأ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه إلى قوله وأولئك هم المفلحون ~~ويقيمون الصلاة أي يداومون عليها في مواقيتها بحدودها وإتمام أركانها ~~وحفظها من أن يقع فيها خلل في فرائضها وسنتها وآدابها، يقال: قام بالأمر ~~وأقام الأمر إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد به الصلوات الخمس. والصلاة في ~~اللغة الدعاء والرحمة ومنه وصل عليهم أي ادع لهم وأصله من صليت العود إذا ~~لينته فكأن المصلي يلين ويخشع. وفي الشرع اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع ~~وسجود ms0021 وقعود ودعاء مع النية ومما رزقناهم أي أعطيناهم من الرزق وهو اسم لما ~~ينتفع به من مال وولد # وأصله الحظ والنصيب ينفقون أي يخرجون ويتصدقون في طاعة الله تعالى ~~وسبيله، ويدخل فيه إنفاق الواجب كالزكاة والنذر والإنفاق على النفس وعلى من ~~تجب نفقته عليه والإنفاق في الجهاد إذا وجب عليه والإنفاق في المندوب، وهو ~~صدقه التطوع ومواساة الإخوان، وهذه كلها مما يمدح بها وأدخل من التي هي ~~للتبعيض صيانة لهم وكفا عن السرف والتبذير المنهي عنهما في الإنفاق. # ### || [سورة البقرة (2): آية 4] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك أي يصدقون بالقرآن المنزل ~~عليك وبالكتب المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف ~~الأنبياء كلها فيجب الإيمان بذلك كله وبالآخرة يعني بالدار الآخرة سميت ~~آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها هم يوقنون من الإيقان وهو العلم ~~والمعنى يستيقنون ويعلمون أنها كائنة. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 5 الى 8] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين (8) # PageV01P025 # أولئك أي الذين هذه صفتهم على هدى من ربهم أي على رشاد ونور من ربهم وقيل ~~على استقامة وأولئك هم المفلحون أي الناجون الفائزون نجوا من النار وفازوا ~~بالجنة والمفلح الظافر بالمطلوب أي الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق ~~عليه ويكون الفلاح بمعنى البقاء قال الشاعر: # لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح # يريد البقاء فيكون المعنى أولئك هم الباقون في النعيم المقيم والفلاح ~~والظفر وإدراك البغية من السعادة والعز والبقاء والغنى وأصل الفلاح الشق ~~كما قيل: إن الحديد بالحديد يفلح، أي يقطع، فعلى هذا يكون المعنى أولئك هم ~~المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. واعلم أن الله عز وجل صدر هذه ~~السورة بأربع آيات ms0022 أنزلها في المؤمنين وبآيتين أنزلهما في الكافرين وبثلاث ~~عشرة آية أنزلها في المنافقين فأما التي في الكفار فقوله تعالى: إن الذين ~~كفروا أي جحدوا وأنكروا وأصل الكفر في اللغة الستر والتغطية، ومنه سمي ~~الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته قال الشاعر، في ليلة كفر النجوم ~~غمامها، أي سترها والكفر على أربعة أضرب: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله ~~أصلا ككفر فرعون وهو قوله ما علمت لكم من إله غيري، وكفر جحود وهو أن يعرف ~~الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس، وكفر عناد وهو أن يعرف الله بقلبه ~~ويقر بلسانه ولا يدين به ككفر أمية بن أبي الصلت وأبي طالب حيث يقول في شعر ~~له: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه، فجميع هذه ~~الأنواع كفر. وحاصله أن من جحد الله أو أنكر وحدانيته أو أنكر شيئا مما ~~أنزله على رسوله أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أحدا من الرسل ~~فهو كافر فإن مات على ذلك فهو في النار خالدا فيها ولا يغفر الله له نزلت ~~في مشركي العرب. وقيل في اليهود سواء عليهم أي متساو لديهم أأنذرتهم أي ~~خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون أي لا يصدقون وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة ~~العذاب في سابق علم الله الأزلي أنهم لا يؤمنون. ثم ذكر سبب تركهم الإيمان ~~فقال تعالى: ختم الله على قلوبهم أي طبع الله عليها فلا تعي خيرا ولا تفهمه ~~وأصل الختم التغطية وحقيقة الاستيثاق من الشيء لكي لا يخرج منه ما حصل فيه ~~ولا يدخله ما خرج، منه ومنه ختم الكتاب. قال أهل السنة: ختم الله على ~~قلوبهم بالكفر لما سبق في علمه الأزلي فيهم وإنما خص القلب بالختم لأنه محل ~~الفهم والعلم وعلى سمعهم أي ms0023 وختم على موضوع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ~~ينتفعون به لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه كأنها مستوثق منها بالختم ~~أيضا، وذكر السمع بلفظ التوحيد ومعناه الجمع قيل إنما وحده لأنه مصدر ~~والمصدر لا يثنى ولا يجمع وعلى أبصارهم غشاوة هذا ابتداء كلام والغشاوة ~~الغطاء، ومنه غاشية السرج أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق وهي ~~غطاء التعامي عن آيات الله ودلائل توحيده ولهم عذاب عظيم يعني في الآخرة ~~وقيل الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. وحقيقة العذاب هو ~~كل ما يؤلم الإنسان ويعيبه ويشق عليه وقيل هو الإيجاع الشديد وقيل هو ما ~~يمنع الإنسان من مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش والعظيم ضد ~~الحقير. قوله عز وجل: ومن الناس من يقول آمنا بالله نزلت في المنافقين عبد ~~الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم وذلك أنهم أظهروا ~~كلمة الإسلام ليسلموا بها من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأسروا ~~الكفر واعتقدوه وأكثرهم من اليهود. وصفة المنافق أن يعترف بلسانه بالإيمان ~~ويقربه وينكره بقلبه ويصبح على حال ويمسي على غيرها، والناس جمع إنسان سمي ~~به لأنه عهد إليه فنسي قال الشاعر. سميت إنسانا لأنك ناسي، وقيل سمي إنسانا ~~لأنه يستأنس بمثله # PageV01P026 # وباليوم الآخر أي وآمنا باليوم الآخر وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يأتي ~~بعد الدنيا وهو آخر الأيام المحدودة المعدودة وما بعده فلا حد له ولا آخر ~~قال الله تعالى ردا على المنافقين وما هم بمؤمنين نفى عنهم الإيمان ~~بالكلية. ### || [سورة البقرة (2): آية 9] # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # يخادعون الله والذين آمنوا أي يخالفون الله والخديعة الحيلة والمكر وأصله ~~في اللغة لإخفاء والمخادع يظهر ضد ما يضمر ليتخلص فهو بمنزلة النفاق، وهو ~~خادعهم أي يظهر لهم نعيم الدنيا ويعجله لهم بخلاف ما يغيب عنهم من عذاب ~~الآخرة. فإن قلت المخادعة مفاعلة، وإنما تجيء في الفعل المشترك، والله ~~تعالى منزه عن المشاركة قلت المفاعلة قد ترد ms0024 لا على وجه المشاركة تقول ~~عافاك الله وطارقت النعل وعاقبت اللص، فالمخادعة هنا عبارة عن فعل الواحد ~~والله تعالى منزه عن أن يكون منه خداع. فإن قلت: كيف يخادع الله وهو يعلم ~~الضمائر والأسرار؟ فمخادعة الله ممتنعة فكيف يقال يخادعون الله؟. قلت إن ~~الله تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك تفخيم لأمره ~~وتعظيم لشأنه، وقيل أراد به المؤمنين وإذا خادعوا المؤمنين فكأنهم خادعوا ~~الله تعالى وذلك أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لم ~~يعلموا حالهم ولتجري عليهم أحكام الإسلام في الظاهر وهم، على خلافه في ~~الباطن وما يخدعون إلا أنفسهم أي إن الله تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم ~~عليه فلا يكونون في الحقيقة إلا خادعين أنفسهم، وقيل: إن وبال ذلك الخداع ~~راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم ~~فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى. والنفس ذات الشيء وحقيقته. ~~وقيل للدم نفس لأن به قوة البدن وما يشعرون أي لا يعلمون أن وبال خداعهم ~~راجع عليهم. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 10 الى 14] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) ~~وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزؤن (14) # في قلوبهم مرض أي شك ونفاق وأصل المرض الضعف والخروج عن الاعتدال الخاص ~~بالإنسان وسمي الشك في الدين والنفاق مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف ~~البدن فزادهم الله مرضا يعني أن الآيات كانت تنزل تترى، أي آية بعد آية ~~فلما كفروا بآية ازدادوا بعد ذلك كفرا ونفاقا ولهم عذاب أليم أي مؤلم يخلص ~~وجعه إلى قلوبهم بما كانوا يكذبون أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر، وقرئ ~~بالتخفيف أي بكذبهم ms0025 إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين وإذا قيل لهم يعني ~~المنافقين وقيل اليهود والمعنى إذا قال لهم المؤمنون لا تفسدوا في الأرض أي ~~بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن قالوا ~~إنما نحن مصلحون يعني يقولونه كذبا إلا كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب إنهم ~~هم المفسدون يعني في الأرض بالكفر وهو أشد الفساد ولكن لا يشعرون وذلك ~~لأنهم يظنون أن ما هم عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد. # وقيل لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب وإذا قيل لهم يعني المنافقين ~~وقيل اليهود آمنوا كما آمن الناس يعني المهاجرين والأنصار. وقيل عبد الله ~~بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب، والمعنى أخلصوا في إيمانكم كما أخلص ~~هؤلاء في إيمانهم لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء أي الجهال. فإن قلت كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما ~~آمن السفهاء. قلت كانوا يظهرون هذا # PageV01P027 # القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بذلك فرد الله ذلك عليهم بقوله ألا إنهم هم السفهاء يعني الجهال. ~~وأصل السفه خفة العقل ورقة العلم وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم ~~كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء ولكن لا يعلمون ~~يعني أنهم كذلك. قوله تعالى: # وإذا لقوا الذين آمنوا يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار ~~قالوا آمنا كإيمانكم وإذا خلوا أي رجعوا. وقيل هو من الخلوة إلى قيل بمعنى ~~الباء أي ب شياطينهم وقيل بمعنى مع أي مع شياطينهم والمراد بشياطينهم ~~رؤساؤهم وكهنتهم قال ابن عباس وهم خمسة نفر: كعب بن الأشرف من اليهود ~~بالمدينة وأبو بردة من بني أسلم، وعبد الدار في جهينة وعوف بن عامر في بني ~~أسد وعبد الله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع لهم، ~~وقيل لهم رؤساؤهم الذين شابهوا الشياطين في تمردهم قالوا إنا معكم أي على ~~دينكم إنما نحن مستهزؤن أي بمحمد وأصحابه ms0026 بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن ~~شرهم ونقف على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم. قال ابن عباس نزلت هذه ~~الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن أبي لأصحابه ~~انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق فقال: ~~مرحبا بالصديق سيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد ~~عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل ~~نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا يا ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختمه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فقال له علي: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق فإن ~~المنافقين شر خليقة الله. فقال مهلا يا أبا الحسن إني لا أقول هذا نفاقا ~~والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم تفرقوا فقال عبد الله ~~لأصحابه كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 15 الى 19] # الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~(17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # الله يستهزئ بهم أي يجازيهم جزاء استهزائهم بالمؤمنين فسمي الجزاء باسمه ~~لأنه في مقابلته قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم ~~وردوا إلى النار ويمدهم أي يتركهم ويمهلهم. والمد والإمداد واحد وأصله ~~الزيادة وأكثر ما يأتي المد في الشر والإمداد في الخير في طغيانهم أي في ~~ضلالهم وأصل الطغيان ms0027 مجاوزة الحد يعمهون أي يترددون في الضلالة متحيرين ~~أولئك يعني المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى أي استبدلوا الكفر ~~بالإيمان وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة لأن ~~الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. فإن قلت كيف قال اشتروا الضلالة بالهدى وما ~~كانوا على هدى. # قلت جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلي الضلالة فقد عطلوه ~~واستبدلوه بها. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء فما ربحت تجارتهم أي ~~ما ربحوا في تجارتهم والربح الفضل عن رأس المال وأضاف الربح إلى التجارة ~~لأن الربح يكون فيها وما كانوا مهتدين أي مصيبين في تجارتهم، لأن رأس المال ~~هو الإيمان فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى. وقيل وما ~~كانوا مهتدين في ضلالتهم. قوله عز وجل مثلهم كمثل الذي استوقد نارا المثل ~~عبارة عن قول يشبه ذلك القول قولا آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ~~ويصوره، ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه، وهو أحد أقسام القرآن ~~السبعة ولما ذكر الله تعالى حقيقة # PageV01P028 # وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في ~~القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، ~~فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح، وشرطه أن يكون قولا ~~فيه غرابة من بعض الوجوه كمثل الذي استوقد نارا لينتفع بها فلما أضاءت يعني ~~النار ما حوله يعني حول المستوقد ذهب الله بنورهم فإن قلت كيف وحد أولا ثم ~~جمع ثانيا. قلت يجوز وضع الذي يوضع الذين كقوله: وخضتم كالذي خاضوا وقيل ~~إنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، وقيل معناه مثل الواحد منهم كمثل الذي ~~استوقد نارا وتركهم في ظلمات لا يبصرون قال ابن عباس: نزلت في المنافقين ~~يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ~~ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة ~~حائرا متخوفا، فكذلك حال المنافقين أظهروا كلمة الإيمان فأمنوا بها على ~~أنفسهم ms0028 وأموالهم وأولادهم وناكحوا المسلمين وقاسموهم في الغنائم فذلك ~~نورهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم عقيدتهم ~~للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل ذهاب نورهم في القبر ~~أو على الصراط. فإن قلت ما وجه تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة؟ قلت: ~~وجه تشبيه الإيمان بالنور أن النور أبلغ الأشياء في الهداية إلى المحجة ~~القصوى وإلى الطريق المستقيم وإزالة الحيرة وكذلك الإيمان هو الطريق الواضح ~~إلى الله تعالى وإلى جنانه، وشبه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق ~~المسلوكة في الظلمة لا يزداد إلا حيرة وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه في ~~الآخرة إلا حيرة. وفي ضرب المثل للمنافقين بالنار ثلاث حكم: إحداها أن ~~المستضيء بالنار مستضيء بنور غيره فإذا ذهب ذلك بقي هو في ظلمته فكأنهم لما ~~أقروا بالإيمان من غير اعتقاد قلوبهم كان إيمانهم كالمستعار. الثانية أن ~~النار تحتاج في دوامها إلى مادة الحطب لتدوم فكذلك الإيمان يحتاج إلى مادة ~~الاعتقاد ليدوم الثالثة أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ~~ظلمة لم يجد قبلها ضياء فشبه حالهم بذلك. ثم وصفهم الله تعالى فقال صم أي ~~عن سماع الحق لأنهم لا يقبلونه وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه بكم أي خرس ~~عن النطق بالحق فهم لا يقولونه عمي أي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق ~~والباطل ومن لا بصيره له كمن لا بصر له فهو أعمى، كانت حواسهم سليمة ولكن ~~لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ألسنتهم وأن ينظروا إليه ~~بعيونهم جعلوا كمن تعطلت حواسه وذهب إدراكه قال الشاعر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء كلهم أذن # فهم لا يرجعون أي عن ضلالتهم ونفاقهم. قوله تعالى: أو كصيب أي كأصحاب صيب ~~وهو المطر، وكل ما أنزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب من السماء أي من ~~السحاب لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء ومنه قيل لسقف البيت سماء وقيل من ~~السماء بعينها، وإنما ذكر الله تعالى ms0029 السماء وإن كان المطر لا ينزل إلا ~~منها ليرد على من زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض فأبطل مذهب الحكماء ~~بقوله من السماء ليعلم أن المطر ليس من أبخرة الأرض كما زعم الحكماء فيه أي ~~الصيب ظلمات جمع ظلمة ورعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب وبرق يعني النار ~~التي تخرج منه. قال ابن عباس: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط ~~من نور يزجر به السحاب. وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب إذا تبددت جمعها ~~وضمها فإذا اشتد غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق والصواعق، وقيل الرعد ~~تسبيح الملك. وقيل اسمه يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق جمع صاعقة وهي ~~الصيحة التي يموت كل من يسمعها أو يغشى عليه، وقيل الصاعقة قطعة من العذاب ~~ينزلها الله على من يشاء. عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك ~~وعافنا قبل ذلك» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب حذر الموت أي مخافة الهلاك ~~والله محيط بالكافرين أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم. يكاد البرق أي ~~يقرب، يقال كاد يفعل ولم يفعل يخطف أبصارهم أي يختلسها. والخطف # PageV01P029 # استلاب الشيء بسرعة كلما أي متى ما جاء أضاء لهم يعني البرق مشوا فيه أي ~~في إضاءته ونوره وإذا أظلم عليهم قاموا أي وقفوا متحيرين، وهذا مثل آخر ~~ضربه الله تعالى للمنافقين، ووجه التمثيل أن الله عز وجل شبههم في كفرهم ~~ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات وهي ظلمة ~~الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب من صفة تلك الظلمات أن الساري لا يمكنه ~~المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق ~~من صفته أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدته فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن ~~وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر هو القرآن لأنه حياة القلوب كما أن ~~المطر حياة الأرض، والظلمات ما في القرآن من ذكر ms0030 الكفر والشرك والنفاق. ~~والرعد ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان ~~والوعد وذكر الجنة فالكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن ~~وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم إليه لأن الإيمان به عندهم كفر والكفر موت، ~~وقيل هذا مثل ضربه الله تعالى للإسلام، فالمطر هو الإسلام، والظلمات ما فيه ~~من البلاء والمحن، والرعد ما فيه من ذكر الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ~~ما فيه من الوعد، يجعلون أصابعهم في آذانهم يعني المنافقين إذا رأوا في ~~الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك والله محيط بالكافرين يعني لا ~~ينفعهم الهرب لأن الله من ورائهم يجمعهم ويعذبهم. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 20 الى 23] # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم ~~صادقين (23) # يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من ~~الشقاوة كلمة أضاء لهم يعني المنافقين، وإضاءته لهم هو تركهم بلا ابتلاء ~~ولا امتحان مشوا فيه يعني على المسالمة بإظهار كلمة الإيمان وقيل كلما ~~نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم، وإذا أظلم عليهم ~~قاموا يعني إذا رأوا شدة وبلاء تأخروا ولو شاء الله لذهب بسمعهم أي بصوت ~~الرعد وأبصارهم بوميض البرق. وقيل: أي لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ~~أذهب أسماعهم وأبصارهم الباطنة إن الله على كل شيء قدير أي هو الفاعل لما ~~يشاء لا منازع له فيه. قوله عز وجل: يا أيها الناس قال ابن عباس: يا أيها ~~الناس خطاب لأهل مكة ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة، ms0031 وهو هنا خطاب ~~عام لسائر المكلفين اعبدوا ربكم قال ابن عباس: # وحدوا ربكم وكل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد. وأصل ~~العبودية التذلل والعبادة غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال ~~والإنعام وهو الله تعالى الذي خلقكم أي ابتدع خلقكم على غير مثال سبق ~~والذين من قبلكم أي وخلق الذين من قبلكم لعلكم لعل وعسى حرفا ترج وهما أي ~~كل منهما من الله واجب تتقون أي لكي تنجوا من العذاب، وقيل معناه تكونوا ~~على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله وحكم الله من ~~ورائكم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الذي جعل لكم الأرض فراشا أي خلق لكم ~~الأرض بساطا ووطاء مذللة ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها، والحزن ما ~~غلط من الأرض والسماء بناء أي سقفا مرفوعا قيل إذا تأمل الإنسان المتفكر في ~~العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف ~~والأرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح والإنسان كمالك البيت وفيه ضروب ~~النبات المهيأة لمنافعه وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه، فيجب على الإنسان ~~المسخر له هذه الأشياء شكر الله # PageV01P030 # تعالى عليها وأنزل من السماء يعني السحاب ماء يعني المطر فأخرج به أي ~~بذلك الماء من الثمرات يعني من ألوان الثمرات وأصناف النبات رزقا لكم أي ~~وعلفا لدوابكم فلا تجعلوا لله أندادا يعني أمثالا تعبدونهم كعادته، والند ~~المثل وأنتم تعلمون يعني أنكم بعقولكم تعلمون أن هذه الأشياء والأمثال لا ~~يصح جعلها أندادا لله، وأنه واحد خالق لجميع الأشياء وأنه لا مثل له ولا ضد ~~له. # قوله تعالى: وإن كنتم في ريب أي إن كنتم في شك لأن الله تعالى عليهم أنهم ~~شاكون مما نزلنا على عبدنا أي محمد صلى الله عليه وسلم لما تقرر إثبات ~~الربوبية لله سبحانه وتعالى وأنه الواحد الخالق وأنه لا ضد له ولا ند أتبعه ~~بإقامة الحجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما يدحض الشبهة في ~~كون القرآن معجزة، وأنه من ms0032 عند الله تعالى لا من عند نفسه كما تدعون فيه، ~~وقوله على عبدنا إضافة تشريف لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن منزل ~~عليه من عند الله سبحانه وتعالى فأتوا أمر تعجيز بسورة والسورة قطعة من ~~القرآن معلومة الأول والآخر وقيل السورة اسم للمنزلة الرفيعة، ومنه سور ~~البلد لارتفاعه، سميت سورة لأن القارئ ينال بها منزلة رفيعة حتى يستكمل ~~المنازل باستكمال سور القرآن من مثله أي مثل القرآن، وقيل الضمير في مثله ~~راجع إلى عبدنا، يعني من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لم يحسن الكتابة ~~ولم يجالس العلماء ولم يأخذ العلم عن أحد، ورد الضمير إلى القرآن أوجه ~~وأولى ويدل عليه أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في التحدي وإنما وقع ~~الكلام في المنزل ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند ~~الله فأتوا أنتم بسورة مما يماثله ويجانسه، ولو كان الضمير مردودا إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم لقال وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا ~~مثل محمد صلى الله عليه وسلم، ويدل على كون القرآن معجزا ما اشتمل عليه من ~~الفصاحة والبلاغة في طرفي الإيجاز والإطالة فتارة يأتي بالقصة باللفظ ~~الطويل ثم يعيدها باللفظ الوجيز ولا يخل بالمقصود الأول، وأنه فارقت ~~أساليبه أساليب الكلام وأوزانه أوزان الأشعار والخطب والرسائل ولهذا تحديت ~~العرب به، فعجزوا عنه وتحيروا فيه واعترفوا بفضله وهم معدن البلاغة وفرسان ~~الفصاحة ولهم النظم والنثر من الأشعار والخطب والرسائل، حتى قال الوليد بن ~~المغيرة في وصف القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمغدق ~~وإن أعلاه لمثمر وادعوا شهداءكم من دون الله أي استعينوا بآلهتكم التي ~~تعبدونها من دون الله والمعنى إن كان الأمر كما تقولون أنها تستحق العبادة ~~فاجعلوا الاستعانة بها في دفع ما نزل بكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في دعواكم أنها إلهة. وقيل معناه وادعوا أناسا ~~يشهدون لكم إن كنتم صادقين أن محمدا صلى الله ms0033 عليه وسلم تقوله من تلقاء ~~نفسه. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 24 الى 25] # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # فإن لم تفعلوا أي فيما مضى ولن تفعلوا فيما بقي وهذه الآية دالة على ~~عجزهم وأنهم لم يأتوا بمثله ولا بمثل شيء منه. وذلك أن النفوس الأبية إذا ~~قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة ~~منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وبان عجزهم وهم أهل الفصاحة والبلاغة، والقرآن من جنس ~~كلامهم، وكانوا حراصا على إطفاء نوره وإبطال أمره ثم مع هذا الحرص الشديد ~~لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبى الذراري وأخذ الأموال والقتل وإذا ~~ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان الأمر ~~كذلك وجب ترك العناد وهو قوله تعالى: فاتقوا النار أي فآمنوا واتقوا ~~بالإيمان النار التي وقودها أي حطبها الناس والحجارة قال ابن عباس يعني ~~حجارة الكبريت # PageV01P031 # لأنها أكثر التهابا. وقيل جميع الحجارة وفيه دليل على عظم تلك النار ~~وقوتها. وقيل أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت من الحجارة وإنما قرن ~~الناس مع الحجارة لأنهم كانوا يعبدونها معتقدين فيها أنها تنفعهم وتشفع لهم ~~فجعلها الله عذابهم في نار جهنم أعدت أي هيئت للكافرين قوله عز وجل: وبشر ~~الذين آمنوا أي أخبر المؤمنين، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~والبشارة إيراد الخبر السار على سامع يستبشر به ويظهر السرور في بشرة وجهه ~~لأن الإنسان إذا فرح بشيء وسر به ظهر ذلك على بشرة وجهه ثم كثر حتى وضع ~~موضع الخير والشر ومنه قوله: فبشرهم بعذاب أليم ولكن هو في السرور والخير ~~أغلب وعملوا ms0034 الصالحات أي الفعلات الصالحات وهي الطاعات. قيل العمل الصالح ~~ما كان فيه أربعة أشياء: العلم والنية والصبر والإخلاص. وقال عثمان بن ~~عفان: وعملوا الصالحات أي أخلصوا الأعمال يعني عن الرياء أن لهم جنات جمع ~~جنة وهي البستان الذي فيه أشجار مثمرة سميت جنة لاجتنابها وتسترها بالأشجار ~~والأوراق. وقيل: الجنة ما فيه نخيل والفردوس ما فيه كرم تجري من تحتها أي ~~من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار أي تجري المياه في الأنهار لأن الأنهار لا ~~تجري وقيل معناه تجري بأمرهم وفي الحديث «إن أنهار الجنة تجري في غير ~~أخدود» أي في غير شق والخد الشق كلما رزقوا أي أطعموا منها أي من الجنة من ~~ثمرة رزقا أي طعاما قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي في الدنيا، وقيل: إن ~~ثمار الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ~~ظنوا أنها الأولى وأتوا به أي بالرزق متشابها قال ابن عباس مختلفا في ~~الطعوم وقيل يشبه بعضه بعضا في الجودة لا رداءة فيها وقيل يشبه ثمار الدنيا ~~في الاسم لا في الطعم (م) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ~~ولا يمتخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم ~~جشاء ورشح كرشح المسك» وفي رواية «ورشحهم المسك». قوله: يلهمون التسبيح كما ~~يلهمون النفس أي يجري على ألسنتهم كما يجري النفس فلا يشغلهم عن شيء كما أن ~~النفس لا يشغل عن شيء قوله طعامهم جشاء، يعني أن فضول طعامهم يخرج في ~~الجشاء وهو تنفس المعدة. والرشح العرق وقوله العرق. # وقوله تعالى ولهم فيها أي في الجنات أزواج أي من الحور العين مطهرة يعني ~~من البول والغائط والحيض والولد وسائر الأقذار وقيل هن عجائزكم الغمص العمش ~~طهرن من قذرات الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق قيل في الجنة جماع ما شئت ~~ولا ولد وهم فيها خالدون أي لا يخرجون منها ولا يموتون. # والخلد ms0035 البقاء الدائم الذي لا انقطاع له (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة ~~البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون ولا ~~يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم ~~الألوة وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد وعلى صورة أبيهم آدم ستون ~~ذراعا في السماء» وفي رواية «ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء ~~اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله ~~بكرة وعشيا» (ق) عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا ~~للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا» عن أبي هريرة ~~قال: «قلت يا رسول الله مم خلق الله الخلق؟ قال من الماء، قلت الجنة ما ~~بناؤها؟ قال لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها ~~اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم ولا ييأس ويخلد ولا يموت ~~ولا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم» أخرجه الترمذي بزيادة وقال ليس إسناده ~~بذلك القوي. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس ~~أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس» أخرجه الترمذي (م) عن أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال ~~فتحثو في وجوههم # PageV01P032 # وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا ~~فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله ~~لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن في الجنة لمجتمعا للحور ms0036 العين يرفعن بأصوات لم تسمع ~~الخلائق مثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن ~~الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~غريب. قوله تعالى: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 26 الى 27] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون (27) # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها سبب نزول هذه الآية ~~أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وذكر النحل والنمل قالت ~~اليهود. ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة. وقيل قال المشركون إنا لا ~~نعبد إلها يذكر هذه الأشياء وذلك لأن الكفار كانوا متفقين على إيذاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك، فأنزل الله تعالى إن الله لا يستحيي ~~الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم عليه. وقيل هو ~~انقباض النفس عن القبائح هذا أصله في وصف الإنسان، والله تعالى منزه عن ذلك ~~كله فإذا وصف الله تعالى به يكون معناه الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ~~ونهاية، فبداية الحياء هو التغير الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه ~~ذلك الفعل القبيح، ونهايته ترك ذلك الفعل القبيح، فإذا ورد وصف الحياء في ~~حق الله تعالى فليس المراد منه بدايته وهو التغير والخوف، بل المراد منه ~~ترك الفعل الذي هو نهاية الحياء وغايته فيكون معنى إن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا أي لا يترك المثل لقول الكفار واليهود «ما» قيل ما صلة فيكون ~~المعنى أن يضرب مثلا بعوضة، وقيل ليس هي بصلة بل هي للإبهام والنكرة، ~~والبعوض صغار البق وهو من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصغر ms0037 وله ~~خرطوم مجوف وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ ~~منه الغاية حتى أن الجمل يموت من قرصه فما فوقها يعني الذباب والعنكبوت وما ~~هو أعظم منهما في الجثة. # وقيل معناه فما دونها وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان ~~أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير وقد ضرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثلا للدنيا بجناح البعوضة وهو أصغر منها، وقد ضربت العرب ~~المثل بالمحقرات، فقيل: هو أحقر من ذرة وأجمع من نملة وأطيش من ذبابة وألح ~~من ذبابة فأما الذين آمنوا يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فيعلمون ~~أنه يعني ضرب المثل الحق يعني الصدق من ربهم الثابت الذي لا يجوز إنكاره ~~لأن ضرب المثل من الأمور المستحسنة في العقل وعند العرب وأما الذين كفروا ~~فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا أي بهذا المثل يضل به كثيرا أي من الكفار ~~وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ضلالا ويهدي به كثيرا يعني المؤمنين يصدقونه ~~ويعلمون أنه حق وما يضل به إلا الفاسقين يعني الكافرين وقيل المنافقين. ~~وقيل اليهود، والفسق الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصفهم فقال تعالى: ~~الذين ينقضون أي يخالفون ويتركون وأصل النقض الفسخ وفك المركب عهد الله أي ~~أمر الله وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال من بعد ميثاقه أي من ~~بعد عقده وتوكيده وفي معنى هذا العهد أقوال أحدها أنه الذي أخذه عليهم يوم ~~الميثاق وهو قوله تعالى: ألست بربكم قالوا بلى الثاني المراد به الذي أخذه ~~على إجبار اليهود في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا ~~نعته وصفته الثالث المراد به الكفار والمنافقون الذين نقضوا عهدا أبرمه # PageV01P033 # الله تعالى وأحكمه بما أنزل في كتابه من الآيات الدالة على توحيده ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وجميع الرسل فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وهم اليهود. وقيل أراد به قطع الأرحام ~~التي أمر الله ms0038 بوصلها ويفسدون في الأرض يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن أولئك هم الخاسرون أي المغبونون. ~~وأصل الخسار النقص ثم قال تعالى لمشركي العرب على وجه التعجب لكن فيه تبكيت ~~وتعنيف لهم. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 28 الى 29] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # كيف تكفرون بالله يعني بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على ~~وحدانيته ثم ذكر الدلائل فقال تعالى: وكنتم أمواتا يعني نطفا في أصلاب ~~آبائكم فأحياكم يعني في الأرحام والدنيا ثم يميتكم أي عند انقضاء آجالكم ثم ~~يحييكم يعني بعد الموت للبعث ثم إليه ترجعون أي تردون في الآخرة فيجزيكم ~~بأعمالكم. قوله عز وجل: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا يعني من المعادن ~~والنبات والحيوان والجبال والبحار والمعنى كيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا لتنتفعوا به في مصالح الدين والدنيا أما مصالح الدين فهو ~~الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات الله تعالى الدالة على وحدانيته وأما ~~مصالح الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها ثم استوى إلى السماء أي قصد وأقبل ~~على خلقها وقيل عمد، وقال ابن عباس: ارتفع وفي رواية عنه صعد. قال الأزهري ~~معناه صعد أمره وكذا ذكره صاحب المحكم وذلك أن الله تعالى خلق الأرض أولا ~~ثم عمد إلى خلق السماء. فإن قلت كيف الجمع بين هذا وقوله تعالى: والأرض بعد ~~ذلك دحاها قلت: الدحو البسط فيحتمل أن الله تعالى خلق جرم الأرض ولم يبسطها ~~ثم خلق السماء وبسط جرم الأرض بعد ذلك، فإن قلت هذا مشكل أيضا لأن قوله ~~تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا يقتضي أن ذلك لا يكون إلا بعد الدحو. قلت: ~~يحتمل أنه ليس هنا ترتيب وإنما هو على سبيل تعداد النعم كقوله الرجل لمن ~~يذكره ما أنعم به عليه: ألم أعطك؟ ألم أرفع ms0039 قدرك؟ ألم أدفع عنك؟ ولعل بعض ~~هذه النعم متقدمة على بعض والله أعلم فسواهن سبع سماوات خلقهن سبع سموات ~~مستويات لا صدع فيها ولا فطور وسيأتي ذكر خلق الأرض عند قوله تعالى: قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين في سورة حم السجدة إن شاء الله ~~تعالى وهو بكل شيء عليم يعني يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات قوله تعالى: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 30 الى 32] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم (32) # وإذ قال ربك أي واذكر يا محمد إذ قال ربك وكل ما ورد في القرآن من هذا ~~النحو فهذا سبيله، وقيل إذ زائدة والأول أوجه للملائكة جمع ملك وأصله مألك ~~من المألكة والألوكة وهي لفظ البغوي وهي الرسالة وأراد بالملائكة الذين ~~كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق الأرض والسماء وخلق الملائكة والجن ~~فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض، فعبدوا دهرا طويلا، ثم ظهر فيهم ~~الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا، فبعث # PageV01P034 # الله إليهم جنا من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان الجنان ~~فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا هم ~~الأرض وخفف الله عنهم العبادة وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك السماء ~~الدنيا وخزانة الجنة، وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فكان يعبد الله ~~تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب وقال في نفسه: ~~ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده إني ~~جاعل في الأرض خليفة أي إني خالق خليفة يعني بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ~~ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة والمراد بالخليفة هنا آدم عليه الصلاة ~~والسلام لأنه خلف الجن وجاء بعدهم. # وقيل ms0040 لأنه يخلفه غيره والصحيح إنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة الله في ~~أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها أي ~~بالمعاصي ويسفك الدماء أي بغير حق كما فعل الجن. فإن قلت من أين عرفوا ذلك ~~حتى قالوا هذا القول؟ قلت يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بإخبار الله إياهم أو ~~قاسوا الشاهد على الغائب، وقيل إنهم لما رأوا أن آدم خلق من أخلاط مركبة ~~علموا أنه يكون فيه الحقد والغضب ومنهما يتولد الفساد وسفك الدماء فلهذا ~~قالوا ذلك. وقيل لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة، وقالوا لمن خلقت ~~هذه النار؟ قال لمن عصاني فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا هو ذلك. ~~فإن قلت الملائكة معصومون فكيف وقع منهم هذا الاعتراض. قلت ذهب بعضهم إلى ~~أنهم غير معصومين واستدل على ذلك بوجوه منها قوله أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ومن ذهب إلى عصمتهم أجاب عنه بأن هذا السؤال إنما وقع على سبيل التعجب لا ~~على سبيل الإنكار والاعتراض فإنهم تعجبوا من كمال حكم الله تعالى وإحاطة ~~علمه بما خفي عليهم، ولهذا أجابهم بقوله إني أعلم ما لا تعلمون وقيل: إن ~~العبد المخلص في حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على ~~وجه المبالغة في إعظام الله عز وجل: ونحن نسبح بحمدك أي نقول: سبحان الله ~~وبحمده وهي صلاة الخلق وعليها يرزقون (م) عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال «ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان ~~الله وبحمده» قال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما جاء في القرآن من التسبيح ~~فالمراد منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك. وقيل أصل التسبيح تنزيه ~~الله عما لا يليق بجلاله فيكون المعنى، ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة. ومعنى ~~بحمدك حامدين لك أو متلبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم ~~نتمكن من ذلك ونقدس لك أصل التقديس التطهير أن نطهرك عن النقائص وكل سوء ms0041 ~~ونصفك بما يليق بعزك وجلالك من العلو والعظمة واللام صلة وقيل معناه نطهر ~~أنفسنا لطاعتك وعبادتك قال إني أعلم ما لا تعلمون قيل إنه جواب لقول ~~الملائكة أتجعل فيها فقال تعالى: أعلم من وجوه المصلحة والحكمة ما لا ~~تعلمون. وقيل أعلم أن فيهم من يعبدني ويطيعني وهم الأنبياء والأولياء ~~والصالحون، ومن يعصيني منكم وهو إبليس، وقيل أعلم أنهم يذنبون ويستغفرون ~~فاغفر لهم. # (فصل: في ماهية الملائكة وقصة خلق آدم عليه السلام) قيل إن الملائكة ~~أجسام لطيفة هوائية خلقت من النور تقدر أن تتشكل بأشكال مختلفة، مسكنهم ~~السموات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنى أرى ما لا ~~ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع ~~أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا» أخرجه الترمذي بزيادة، وقال حديث حسن ~~غريب. # وأما صفة خلق آدم عليه السلام فقال وهب بن منبه: لما أراد الله تعالى أن ~~يخلق آدم أوحى إلى الأرض أني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من ~~يعصيني فمن أطاعني أدخلته الجنة، ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق ~~مني خلقا يكون للنار قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم ~~القيامة، فبعث الله إليها جبريل ليأتيه بقبضة منها من أحمرها وأسودها ~~وطيبها وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك ~~إلي أن لا تأخذ مني شيئا فرجع جبريل إلى مكانه وقال: يا رب استعاذت بك مني ~~فكرهت أن أقدم # PageV01P035 # عليها فقال الله تعالى لميكائيل: انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها ~~ليقبض منها قالت له مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه فقال ما قالت له، ~~فقال لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة من الأرض فلما أتاها قالت له الأرض، أعوذ ~~بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي ~~له أمرا. وقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ومرها ~~وطيبها وخبيثها، وصعد بها إلى السماء ms0042 فسأله ربه عز وجل وهو أعلم بما صنع ~~فأخبره بما قالت له الأرض وبما رد عليها فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي ~~لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك. ثم جعل الله ~~تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء الله ثم أخرجها ~~فعجنها طينا لازبا مدة ثم حمأ مسنونا مدة ثم صلصالا ثم جعلها جسدا وألقاه ~~على باب الجنة فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته لأنهم لم يكونوا رأوا ~~مثله، وكان إبليس يمر عليه ويقول لأمر ما خلق هذا ونظر إليه فإذا هو أجوف ~~فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة إن فضل هذا عليكم ما تصنعون؟ ~~فقالوا نطيع ربنا ولا نعصيه فقال إبليس في نفسه لئن فضل علي لأعصينه ولئن ~~فضلت عليه لأهلكنه فلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل ~~في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلا ضيقا فقال يا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله ~~عز وجل لها ادخليه كرها وستخرجين منه كرها فدخلت في يافوخه فوصلت إلى عينيه ~~فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا فصارت إلى أن وصلت منخريه فعطس فلما بلغت ~~لسانه قال: الحمد لله رب العالمين وهي أول كلمة قالها فناداه الله تعالى ~~رحمك ربك يا أبا محمد ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى الركبتين هم ليقوم ~~فلم يقدر، قال الله تعالى: خلق الإنسان من عجل فلما بلغت إلى الساقين ~~والقدمين استوى قائما بشرا سويا لحما ودما وعظاما وعروقا وعصبا وأحشاء وكسي ~~لباسا من ظفر يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة ~~في رأسه وهي الأذنان يسمع بهما والعينان يبصر بهما والمنخران يشم بهما ~~والفم فيه اللسان يتكلم به والأسنان يطحن بها ما يأكله ويجد لذة المطعومات ~~بها وبابين في أسفل جسده وهما القبل والدبر يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه ~~وجعل عقله في دماغه وفكره وصرامته في قلبه وشرهه في كليته وغضبه في كبده ~~ورغبته في رئته ms0043 وضحكه في طحاله وفرجه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع ~~بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم وركب فيه الشهوة وحجزه بالحياء (ق) ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خلق الله تعالى آدم عليه السلام وطوله ستون ~~ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك به ~~فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة ~~الله فزاده ورحمة فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص ~~حتى الآن (م) عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما صور الله ~~آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو فلما رآه ~~أجوف عرف أنه لا يتمالك. عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء ~~بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك # والسهل والحزن والخبيث والطيب. أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله عز وجل ~~وعلم آدم الأسماء كلها سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وقيل لأنه كان آدم ~~اللون وكنيته أبو محمد، وقيل: أبو البشر ولما خلق الله آدم وتم خلقه علمه ~~أسماء الأشياء كلها، وذلك أن الملائكة قالوا ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق ~~خلقا أكرم علم منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم ~~يره، فأظهر الله فضل آدم عليهم بالعلم. وفيه دليل لمذهب أهل السنة أن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا، قال ابن عباس: علمه اسم كل شيء ~~حتى القصعة والقصيعة، وقيل: خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك، ~~وعلم آدم أسماءها كلها فقال يا آدم هذا بعير وهذا فرس وهذه شاة حتى أتى على ~~آخرها. # وقيل علم آدم أسماء الملائكة وقيل أسماء ذريته وقيل علمه اللغات كلها ثم ~~عرضهم يعني تلك الأشخاص، وإنما قال عرضهم ولم يقل عرضها ms0044 لأن المسميات إذا ~~جمعت من يعقل ومن لا يعقل عبر عنه بلفظ من يعقل # PageV01P036 # لتغليب العقلاء عليهم كما يعبر عن الذكور والإناث بلفظ الذكور على ~~الملائكة فقال يعني تعجيزا لهم أنبئوني أي أخبروني بأسماء هؤلاء يعني تلك ~~الأشخاص إن كنتم صادقين أي إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه وأعلم قالوا ~~يعني الملائكة سبحانك تنزيها لك وذلك لما ظهر عجزهم لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا أي إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~أي بخلقك وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات الحكيم أي ~~في أمرك، وله معنيان أحدهما أنه القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كيلا ~~يتطرق إليه الفساد. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 33 الى 35] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34) ~~وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين (35) # قال يعني الله تعالى يا آدم أنبئهم بأسمائهم وذلك لما ظهر عجز الملائكة ~~فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لها فلما أنبأهم بأسمائهم قال ~~يعني الله تعالى ألم أقل لكم يعني يا ملائكتي إني أعلم غيب السماوات والأرض ~~يعني ما كان وما سيكون وذلك أنه سبحانه وتعالى علم أحوال آدم قبل أن يخلقه ~~فلهذا قال لهم: إني أعلم ما لا تعلمون وأعلم ما تبدون يعني قول الملائكة: ~~أتجعل فيها وما كنتم تكتمون يعني قولكم لن يخلق الله تعالى خلقا أكرم عليه ~~منا وقال ابن عباس أعلم ما تبدون من الطاعة وما كنتم تكتمون، يعني إبليس من ~~المعصية. قوله عز وجل: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم قيل هذا الخطاب كان ~~مع الملائكة الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة ~~بدليل قوله: «فسجد الملائكة كلهم ms0045 أجمعون إلا إبليس» فسجدوا يعني الملائكة ~~وفي هذا السجود قولان أصحهما أنه كان لآدم على الحقيقة ولم يكن فيه وضع ~~الجبهة على الأرض وإنما هو الانحناء وكان سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة ~~كسجود إخوة يوسف له في قوله: وخروا له سجدا فلما جاء الإسلام أبطل ذلك ~~بالسلام. وفي سجود الملائكة لآدم معنى الطاعة لله تعالى والامتثال لأمره. ~~والقول الثاني أن آدم كان كالقبلة، وكان السجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة ~~قبلة للصلاة والصلاة لله تعالى، وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في ~~تفضيل الأنبياء على الملائكة إلا إبليس سمي به لأنه أبلس من رحمة الله أي ~~يئس، وكان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه فسمي ~~إبليس وغيرت صورته قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه ~~منهم وقيل إنه من الجن لأنه خلق من النار ولملائكته خلقوا من النور ولأنه ~~أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو ~~داخل فيهم ثم استثناه منهم أبى أي امتنع من السجود فلم يسجد واستكبر أي ~~تكبر وتعظم عن السجود لآدم وكان من الكافرين أي في علم الله تعالى فإنه ~~وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته (م) عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان ~~يبكي يقول يا ويله» وفي رواية يا ويلتاه أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله ~~الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. قوله عز وجل وقلنا يا آدم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة أي اتخذها مأوى ومنزلا وليس معناه الاستقرار لأنه لم يقل ~~أسكنتك الجنة لأنه خلق لعمارة الأرض ولما أسكن الله آدم في الجنة بقي وحده ~~ليس معه من يستأنس به ويجالسه فألقى الله عليه النوم ثم أخذ ضلعا من أضلاع ~~جنبه الأيسر، وهو الأقصر فخلق منه زوجته حواء، ووضع مكان الضلع لحما من غير ~~أن يحس بذلك آدم ولم يجد ألما، ولو وجد ms0046 ألما لما عطف رجل على امرأة قط، ~~وسميت # PageV01P037 # حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ آدم من نومه ورآها جالسة كأحسن ما ~~خلق الله تعالى فقال لها: من أنت؟ # قالت: أنا زوجتك حواء قال: ولماذا خلقت؟ قالت: لتسكن إلي وأسكن إليك. ~~واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض بدليل ~~أنه لو كانت الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لما أخرج منها. # وأجاب صاحب هذا القول عن قوله تعالى: اهبطا بأن المراد من الهبوط التحول ~~والانتقال فهو كقوله تعالى: # اهبطوا مصرا والقول الصحيح أنها الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لأن ~~الألف واللام للعهد والجنة بين المسلمين وفي عرفهم التي هي دار الجزاء. ~~وقيل: كلا القولين ممكن فلا وجه للقطع وكلا منها رغدا أي واسعا كثيرا حيث ~~شئتما أي كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما والمقصود منه الإطلاق في الأكل ~~من الجنة بلا منع إلا ما نهى عنه، وهو قوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة ~~يعني للأكل قيل إنما وقع هذه النهي عن جنس الشجرة. وقيل عن شجرة مخصوصة قال ~~ابن عباس هي السنبلة وقيل الكرمة. وقيل هي شجرة التين وقيل هي شجرة العلم. ~~وقيل الكافور. وقيل: ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة ~~إليه لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصود لا يجب بيانه ~~فتكونا من الظالمين يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن جوز ~~ارتكاب الذنوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية. وأصل الظلم وصنع الشيء ~~في غير موضعه ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء جعل الظلم على أنه فعل ما كان ~~الأولى أن لا يفعله. وقيل: يحمل على أنه فعل هذا قبل النبوة. فإن قلت: هل ~~يجوز وصف الأنبياء بالظلم أو بظلم أنفسهم؟ # قلت: لا يجوز أن يطلق عليهم ذلك لما فيه من الذم. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 36 الى 38] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ms0047 بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ~~إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) # فأزلهما الشيطان أي استزل آدم وحواء ودعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة، ~~وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على عصمة الأنبياء والجواب عما صدر منهم ~~عند قوله عز وجل: وعصى آدم ربه فغوى في سورة طه عنها أي الجنة فأخرجهما مما ~~كانا فيه يعني من النعيم وذلك أن إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس لآدم ~~وحواء فمنعه الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب ~~لها أربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسألها أن تدخله الجنة ~~في فيها فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون. وقيل إنما رآهما على ~~باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منهما، وكان إبليس بقرب الباب فوسوس لهما ~~وذلك أن آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم قال لو أن خلدا فاغتنم ~~ذلك الشيطان منه وأتاه من قبل الخلد. وقيل لما دخل الجنة وقف على آدم وحواء ~~وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا ~~ما يبكيك قال أبكي عليكما لأنكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة ~~فوقع ذلك في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال يا آدم هل ~~أدلك على شجرة الخلد فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إني لكما لمن ~~الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل ~~الشجرة، ثم ناولت آدم فأكل منها. قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة ~~حزنا طويلا، قال ابن عباس: قال الله تعالى: «يا آدم ألم يكن فيما أبحتك من ~~الجنة مندوحة عن الشجرة قال بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك ~~كاذبا. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا ~~فاهبط ms0048 من الجنة وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع وسقى حتى إذا بلغ ~~واشتد حصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه وخبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى ~~بلغ منه الجهد». وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة ~~التي نهى عنها قال الله تعالى: يا آدم ما # PageV01P038 # حملك على ما صنعت؟ قال يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل ~~إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك فقيل ~~عليك الرنة وعلى بناتك. والرنة الصوت، فلما أكلا من الشجرة تهافتت عنهما ~~ثيابهما، وأخرجا من الجنة، فذلك قوله عز وجل وقلنا اهبطوا أي انزلوا إلى ~~الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل ~~يقال له نود، وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة والحية ~~بأصبهان بعضكم لبعض عدو يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين ~~إبليس وإليه الإشارة بقوله عز وجل: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~والعداوة التي بين ذرية آدم والحية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالماهن منذ ~~حاربناهن» أخرجه أبو داود، وله عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثأرهن فليس مني» وفي رواية ~~«اقتلوا الكبار كلها إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة» (م) عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا ~~فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما ~~هو شيطان» وفي رواية «إن بهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فاخرجوا ~~عليه ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر» ولكم في الأرض مستقر أي موضع ~~قرار ومتاع أي بلغة ومستمتع إلى حين أي إلى وقت انقضاء آجالكم. قوله عز وجل ~~فتلقى آدم ms0049 أي فتلقن، والتلقي هو قبول عن فطنة وفهم. وقيل هو التعلم من ربه ~~كلمات أي كانت سبب توبته. وقيل إن تلك الكلمات هي قوله ربنا ظلمنا أنفسنا ~~الآية وقيل هي لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا ~~وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور # الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني ~~إنك أنت أرحم الراحمين، وقيل قال آدم: يا رب أرأيت ما أتيت أشيء ابتدعته من ~~تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدرته عليك قبل أن ~~أخلقك. قال: يا رب فكما قدرته علي فاغفر لي. وقيل: إن الله تعالى أمر آدم ~~بالحج وعلمه أركانه فطاف بالبيت سبعا وهو يومئذ ربوة حمراء ثم صلى ركعتين ~~ثم استقبل البيت وقال اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم ~~حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، فأوحى الله تعالى إليه ~~يا آدم قد غفرت لك ذنوبك. وقيل: إن آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة ~~سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى. # وقيل هي ثلاثة أشياء: الحياء والدعاء والبكاء. قال ابن عباس: بكى آدم ~~وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين ~~يوما. وقيل: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أصاب ~~الخطيئة لو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث ~~أخرجه الله من الجنة فتاب عليه أي فتجاوز عنه وغفر له. وأصل التوبة من تاب ~~يتوب إذا رجع فكأن التائب رجع عن ذلك الذنب الذي كان عليه، ولا تتحقق ~~التوبة منه إلا بثلاثة أمور. علم وحال وعمل. أما العلم فهو أن يعلم العبد ~~ضرر الذنب وأنه حجاب عن الله تعالى، فإذا حصل هذا العلم تألم القلب فعند ~~ذلك يحصل الندم ms0050 وهو الحال فيترك العبد الذنب، ويعزم في المستقبل أن لا يعود ~~إليه وهو العمل فإذا تحققت هذه الثلاثة الأمور وحصلت التوبة، وسيأتي بسط ~~هذا عند قوله تعالى: توبوا إلى الله توبة نصوحا في سورة التحريم إن شاء ~~الله تعالى إنه هو التواب أي الرجاع على عباده بقبول التوبة. والتواب في ~~وصف الله سبحانه وتعالى: المبالغ في قبول توبة عباده الرحيم أي بخلقه وصف ~~سبحانه وتعالى نفسه مع كونه بأنه رحيم قلنا اهبطوا منها جميعا يعني هؤلاء ~~الأربعة. وقيل إن الهبوط الأول من الجنة إلى سماء الدنيا والهبوط الثاني من ~~السماء الدنيا إلى الأرض، وفيه ضعف لأنه قال في الهبوط الأول «ولكم في ~~الأرض مستقر» فدل على أنه كان من الجنة إلى الأرض، والأصح أنه للتأكيد فإما ~~يأتينكم مني هدى فيه تنبيه على عظم نعم الله على آدم وحواء كأنه قال وإن ~~أهبطتكم من الجنة إلى # PageV01P039 # الأرض فقد أنعمت عليكم بهدايتي التي تؤديكم إلى الجنة مرة أخرى على ~~الدوام الذي لا ينقطع وقيل المخاطب هم ذرية آدم يعني يا ذرية آدم إما ~~يأتينكم مني رشد وبيان وشريعة وقيل كتاب ورسول فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~يعني فيما يستقبلهم ولا هم يحزنون أي على ما خلفوا وقيل لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون في الآخرة. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 39 الى 44] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) يا ~~بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين (43) # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # والذين كفروا أي جحدوا وكذبوا بآياتنا أي بالقرآن أولئك أصحاب النار أي ~~يوم القيامة هم فيها خالدون أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها قوله عز وجل ~~يا بني إسرائيل اتفق المفسرون على ms0051 أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~صلى الله عليهم وسلم أجمعين ومعنى إسرائيل عبد الله وقيل صفوة الله والمعنى ~~يا أولاد يعقوب اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم أي اشكروا نعمتي وإنما عبر ~~عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة فقد شكرها ومن جحدها فقد كفرها وقيل الذكر ~~يكون بالقلب ويكون باللسان ووحد النعمة لأنها المنفعة المفعولة على جهة ~~الإحسان إلى الغير ومعناه أن المضرة المحضة لا تكون نعمة ولو فعل الإنسان ~~منفعة وقصد نفسه بها لا تسمى نعمة إذا لم يقصد بها الغير ثم إن النعم ~~ثلاثة: نعمة تفرد بها الله تعالى وهي إيجاد الإنسان ورزقه ونعمة وصلت إلى ~~الإنسان بواسطة الغير لكن الله مكنه من ذلك فالمنعم بها في الحقيقة هو الله ~~تعالى ونعمة حصلت للإنسان بسبب الطاعة وهي أيضا من الله تعالى، فالله هو ~~المنعم المطلق في الحقيقة لأن أصول النعم كلها منه. وأما النعم المختصة ~~ببني إسرائيل فكثيرة لأن قوله اذكروا نعمتي لفظها واحد ومعناها الجمع فمن ~~النعم أن الله تعالى أنقذهم من فرعون وفلق البحر لهم وأغرق فرعون وتظليلهم ~~بالغمام وإنزال المن والسلوى في التيه عليهم وإنزال التوراة ونعم غير هذه ~~كثيرة فإن قلت إذا فسر النعمة بهذا فما كانت على المخاطبين بها بل كانت على ~~آبائهم فكيف تكون نعمة عليهم حتى يذكروها. قلت إنما ذكر المخاطبين بها لأن ~~فخر الآباء فخر الأبناء ولأن الأبناء إذا تيقنوا أن الله قد أنعم على ~~آبائهم بهذه النعم فقد وجب عليهم ذكرها وشكرها. وقيل إن هذه النعم هي إدراك ~~المخاطبين بها زمن محمد صلى الله عليه وسلم وذكرها الإيمان به وأوفوا بعهدي ~~أي امتثلوا أمري أوف بعهدكم أي بالقول والثواب وأصل للعهد حفظ الشيء ~~ومراعاته حالا بعد حال ومنه سمي الموثق الذي تلزم مراعاته عهدا وقيل أراد ~~بالعهد جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكليف دون بعض وقيل أراد ~~به ما ذكر في سورة المائدة وهو قوله: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~وبعثنا منهم ms0052 اثني عشر نقيبا إلى قوله لأكفرن عنكم سيئاتكم فهذا قوله: أوف ~~بعهدكم وقيل هو قوله: وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ~~آتيناكم بقوة يعني شريعة التوراة. وقيل هو قوله: وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل لا تعبدون إلا الله. وقيل أراد بهذا العهد ما أثبته في كتب ~~الأنبياء المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث في آخر ~~الزمان، وذلك أن الله عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة ~~والسلام أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق النور الذي يأتي ~~به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين، وهو قوله: وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس يعني أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم وصفته وإياي فارهبون أي # PageV01P040 # فخافون في نقضكم العهد وآمنوا بما أنزلت يعني بالقرآن مصدقا لما معكم ~~يعني أن القرآن موافق لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعمت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن تصديق ~~للتوراة لأن التوراة فيها الإشارة إلى نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~نبي مبعوث فمن آمن به فقد آمن بما في التوراة ومن كذبه وكفر به فقد كذب ~~التوراة وكفر بها ولا تكونوا أول كافر به الخطاب لليهود، نزلت في كعب بن ~~الأشرف ورؤساء اليهود، والمعنى ولا تكونوا يا معشر اليهود أول من كفر به. ~~فإن قلت كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب من ~~أهل مكة وغيرهم؟ قلت: هذا تعريض لهم والمعنى كان يجب أن تكونوا أول من آمن ~~به لأنكم تعرفون صفته ونعته بخلاف غيركم وكنتم تستفتحون به على الكفار فلما ~~بعث كان أمر اليهود بالعكس. # وقيل معناه ولا تكونوا أول كافر به من اليهود فيتبعكم غيركم على ذلك ~~فتبوءوا بإثمكم وإثم غيركم ممن تبعكم على ذلك ولا تشتروا أي ولا تستبدلوا ~~بآياتي أي ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في التوراة ms0053 ثمنا قليلا ~~أي عوضا يسيرا من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء اليسير ~~الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشيء اليسير ~~بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل فلهذا قال الله تعالى: ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وذلك أن كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود وعلماءهم كانوا ~~يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئا معلوما ~~من زرعهم وثمارهم ونقودهم وضروعهم فخافوا إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه واختاروا ~~الدنيا على الآخرة وأصروا على الكفر وإياي فاتقون أي فخافون في أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم. والتقوى قريب من معنى الرهبة والفرق بينهما أن الرهبة ~~خوف مع حزن واضطراب والتقوى جعل النفس في وقاية مما تخاف. قوله عز وجل: ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق ~~المنزل بالباطل الذي كتبتم. وقيل معناه ولا تخلطوا الحق الذي أنزل عليكم من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة الباطل الذي تكتبونه بأيديكم من ~~تغيير صفته وقيل لا تخلطوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي الحق ~~بالباطل أي بصفة الدجال وذلك أنه لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حسده اليهود وقالوا ليس هو الذي ننتظره وإنما هو المسيح ابن داود يعني ~~الدجال وكذبوا فيما قالوا: وتكتموا الحق وأنتم تعلمون يعني أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم نبي مرسل. وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذا ~~الخطاب وإن كان خاصا في الصورة لكنه عام في المعنى فعلى كل أحد أن لا يلبس ~~الحق بالباطل ولا يكتم الحق لما فيه من الضرر والفساد وفيه دلالة أيضا على ~~أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه وأقيموا الصلاة يعني ~~الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها وآتوا الزكاة أي أدوا ~~الزكاة المفروضة عليكم في أموالكم واركعوا مع الراكعين أي صلوا مع المصلين، ~~يعني محمدا ms0054 صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعبر عن الصلاة بالركوع لأنه ركن من ~~أركانها وهذا خطاب لليهود لأن صلاتهم ليس فيها ركوع فكأنه قال لهم صلوا ~~صلاة ذات ركوع فلهذا المعنى أعاده بعد قوله وأقيموا الصلاة لأن الأول خطاب ~~الكافة والثاني خطاب قوم مخصوصين وهم اليهود. وفيه حث على إقامة الصلاة في ~~الجماعة فكأنه قال صلوا مع المصلين في الجماعة. قوله عز وجل: أتأمرون الناس ~~بالبر الاستفهام فيه للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم. والبر اسم جامع ~~لجميع أعمال الخير والطاعات، نزلت هذه الآية في علماء اليهود، وذلك أن ~~الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق وقيل إن جماعة من ~~اليهود قالوا لمشركي العرب: إن رسولا سيظهر منكم ويدعوكم إلى الحق، وكانوا ~~يرغبونهم في اتباعه فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسدوه وكفروا ~~به فبكتهم الله ووبخهم بذلك حيث إنهم كانوا يأمرون الناس باتباعه قبل ~~ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عنه. وقيل كانوا يأمرون الناس بالطاعة ~~والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونه فوبخهم الله بذلك وتنسون أنفسكم ~~أي وتعدلون عما لها فيه نفع والنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم ~~والمعنى أتتركون أنفسكم ولا تتبعون محمدا صلى الله عليه وسلم وأنتم تتلون ~~الكتاب # PageV01P041 # يعني تقرؤون التوراة وتدرسونها وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ~~وفيها أيضا الحث على الأفعال الحسنة والإعراض عن الأفعال القبيحة والإثم ~~أفلا تعقلون يعني أنه حق فتتبعونه والعقل قوة يهيئ قبول العلم ويقال للعلم ~~الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل ومنه قول علي بن أبي طالب: # وإن العقل عقلان ... فمطبوع ومسموع # ولا ينفع مطبوع ... إذا لم يك مسموع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # وأصل العقل الإمساك لأنه مأخوذ من عقال الدابة كعقل البعير بالعقال ~~ليمنعه من الشرود فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود والأفعال ~~القبيحة. ومعنى الآية أن المقصود من الأمر بالمعروف ms0055 والنهي عن المنكر هو ~~إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة والإحسان إلى ~~النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك لأن الإنسان إذا وعظ غيره ولم يتعظ ~~هو فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال أفلا تعقلون وقيل إن من ~~وعظ الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب فإذا خالف قوله فعله كان ذلك ~~سبب تنفير القلوب عن قبول موعظته (ق) عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق ~~أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار ~~فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بل كنت ~~آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه» قوله فتندلق، أي تخرج أقتاب ~~بطنه أي أمعاء بطنه واحدها قتب وروى البغوي بسنده عن أنس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # «رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا ~~جبريل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون ~~الكتاب أفلا يعقلون قيل مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج ~~يضيء للناس ويحرق نفسه. وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت ~~سهامه، وقال بعضهم: # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك يسمع ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم ### || [سورة البقرة (2): الآيات 45 الى 49] # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) ~~وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # قوله عز وجل: واستعينوا بالصبر والصلاة قيل ms0056 إن المخاطبين بهذا هم ~~المؤمنون لأن من ينكر الصلاة والصبر على دين محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~يقال له استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وآمن به. وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لبني إسرائيل لأن صرف الخطاب ~~إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن ولأن اليهود لم ينكروا أصل الصلاة والصبر ~~لكن صلاتهم غير صلاة المؤمنين، فعلى هذا القول أن الله تعالى لما أمرهم ~~بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتزام شريعته وترك الرياسة وحب الجاه ~~والمال قال لهم استعينوا بالصبر أي بحبس النفس عن اللذات وإن ضممتم إلى ذلك ~~الصلاة هان عليكم ترك ما أنتم فيه من حب الرياسة والجاه والمال. # وعلى القول الأول يكون معنى الآية واستعينوا على حوائجكم إلى الله. وقيل: ~~على ما يشغلكم من أنواع البلاء. # وقيل: على طلب الآخرة بالصبر وهو حبس النفس عن اللذات وترك المعاصي. وقيل ~~بالصبر على أداء الفرائض. # PageV01P042 # وقيل الصبر هو الصوم لأن فيه حبس النفس عن المفطرات وعن سائر اللذات وفيه ~~انكسار النفس والصلاة، أي اجمعوا بين الصبر والصلاة وقيل معناه واستعينوا ~~بالصبر على الصلاة وعلى ما يجب فيها من تصحيح النية وإحضار القلب ومراعاة ~~الأركان والآداب مع الخشوع والخشية، فإن من اشتغل بالصلاة ترك ما سواها. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي إذا ~~أهمه أمر لجأ إلى الصلاة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نعي له ~~أخوه قثم وهو في سفره فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فصلى ركعتين أطال فيهما ~~السجود، ثم قام إلى راحلته وهو يقول: فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها يعني ~~الصلاة وقيل الاستعانة لكبيرة أي ثقيلة إلا على الخاشعين يعني المؤمنين ~~وقيل الخائفين: وقيل المطيعين المتواضعين لله وأصل الخشوع السكون فالخاشع ~~ساكن إلى الطاعة وقيل الخشوع الضراعة وأكثر ما تستعمل في الجوارح وإنما ~~كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين لأن من لا يرجو لها ثوابا ولا يخاف على ms0057 ~~تركها عقابا فهي ثقيلة عليه. وأما الخاشع الذي يرجو لها ثوابا ويخاف على ~~تركها عقابا فهي سهلة عليه الذين يظنون أي يستيقنون وقيل يعلمون أنهم ~~ملاقوا ربهم يعني في الآخرة وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة ~~وأنهم إليه راجعون يعني بعدت فيجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى ~~توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وأني ~~فضلتكم على العالمين يعني على عالمي زمانكم وهذا التفضيل وإن كان في حق ~~الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء واتقوا يوما أي واخشوا عذاب يوم لا تجزي ~~أي لا تقضى نفس عن نفس شيئا يعني حقا لزمها. وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس ~~يوم القيامة، ولا ترد عنها شيئا مما أصابها، بل يفر المرء من أخيه وأمه ~~وأبيه ولا يقبل منها شفاعة أي في ذلك اليوم والمعنى لا تقبل الشفاعة إذا ~~كانت النفس كافرة، وذلك أن اليهود قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد الله عليهم ~~ذلك بقوله ولا تقبل منها شفاعة وقيل إن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما ~~كان واجبا عليه وقيل معناه أن النفس الكافرة لو جاءت بشفيع لا يقبل منها ~~ولا يؤخذ منها عدل أي فدية وهو مماثلة الشيء بالشيء ولا هم ينصرون أي لا ~~يمنعون من العذاب. # قوله عز وجل: وإذ نجيناكم أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجوادكم فاعتدها ~~نعمة ومنة عليهم لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم من آل فرعون أي من أتباعه وأهل ~~دينه وفرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق وفرعون هذا كان ~~اسمه الوليد بن مصعب بن الريان وعمر أكثر من أربعمائة سنة يسومونكم أي ~~يكلفونكم ويذيقونكم سوء العذاب أي أشد العذاب وأسوأه، وقيل: يصرفونكم في ~~العذاب مرة كذا ومرة كذا، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا، ~~وصنفهم في الأعمال أصنافا: صنف يبنون ويزرعون، وصنف يخدمونه ومن لم يكن في ~~عمل وضع ms0058 عليه الجزية وقال ابن وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون فذوو القوة ~~يسلخون السواري من الجبال، حتى تقرعت أيديهم وأعناقهم ودبرت ظهورهم من ~~قطعها ونقلها وصنف ينقلون الحجارة والطين يبنون له القصور، وطائفة يضربون ~~اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم ~~الخراج يعني الجزية ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ~~ضريبته، غلبت يداه إلى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجنه وقيل تفسير ~~يسومونكم سوء العذاب، ما بعده وهو قوله عز وجل: يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم أي يتركونهن أحياء. وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من ~~بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ~~ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد غلام يكون على يديه هلاكك وزوال ~~ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، ووكل بالقوابل فكن ~~يفعلن ذلك حتى قتل في طلب موسى اثني عشر ألفا وقيل: سبعين ألفا، وأسرع ~~الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤساء القبط على فرعون وقالوا: إن الموت ~~قد وقع ببني إسرائيل # PageV01P043 # فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن ~~يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبح فيها وولد موسى ~~في السنة التي يذبح فيها وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم أي اختيار وامتحان، ~~والبلاء يطلق على النعمة العظيمة وعلى المحنة الشديدة ليختبر الله العبد ~~على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر فإن حمل قوله: وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم على صنع فرعون كان من البلاء والمحنة وإن حمل على الإنجاء كان من ~~النعمة. قوله عز وجل: وإذ فرقنا بكم البحر أي فصلنا بعضه من بعض وجعلنا فيه ~~مسالك بسبب دخولكم البحر وسمي بحرا لاتساعه. # (ذكر سياق القصة) وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون، أمر الله موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر بالليل، فأمر موسى قومه أن ~~يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح، وأن ms0059 يستعيروا حلى القبط لتبقى لهم أو ~~ليتبعوهم لأجل المال، وأخرج الله كل ولد زنا كان في القبط من بني إسرائيل ~~إلى بني إسرائيل وكل ولد زنا كان في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى ~~يرجع كل ولد إلى أبيه وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم فاشتغلوا ~~بدفنهم وقيل: بلغ ذلك فرعون فقال لا أخرج في طلبهم حتى يصيح الديك فما صاح ~~تلك الليلة ديك وخرج موسى في بني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا لا ~~يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين سنة لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر ~~مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة فلما أرادوا السير ضرب ~~عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ~~ذلك فقالوا: إن يوسف لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من ~~مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم ~~يعلموه فقال موسى. ينادي أنشد الله كل من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني به ~~ومن لم يعلم صمت أذناه عن سماع قولي: فكان يمر بالرجل وهو ينادي فلا يسمع ~~صوته حتى سمعته عجوز منهم فقالت له: # أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما أسألك فأبى عليها وقال: حتى أسأل ~~ربي فأمره أن يعطيها سؤالها فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي فاحملني معك ~~وأخرجني من مصر هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من ~~غرف الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم، قالت: إنه في النيل في جوف الماء فادع ~~الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخر عنه ~~طلوع الفجر حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموضع فاستخرجه وهو في ~~صندوق من مرمر وحمله معه حتى دفنه بالشام، فعند ذلك فتح لهم الطريق فسار ~~موسى ببني إسرائيل هو في ساقتهم وهارون في مقدمتهم، ثم خرج فرعون في طلبهم ~~في ms0060 ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر ~~الشيات وقيل: كان معهن مائة ألف حصان أدهم وكان فرعون في الدهم وكان على ~~مقدمة عسكر هامان، وكان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ألف ~~ناشب ومائة ألف ألف حراب ومائة في ألف ألف، معهم الأعمدة وسار بنو إسرائيل ~~حتى وصلوا البحر والماء في غاية الزيادة، ونظروا حين أشرقت الشمس فإذا هم ~~بفرعون في جنوده فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى أين ما وعدتنا به فكيف نصنع ~~هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، فأوحى ~~الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أن كنه ~~فضربه، وقال: انفلق يا أبا خالد فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر ~~فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط منهم طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل ~~وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر، حتى صار يبسا وخاضت بنو إسرائيل ~~البحر كل سبط في طريق عن جوانبهم الماء كالجبال الضخم لا يرى بعضهم بعضا ~~فخافوا، وقال: كل سبط منهم قد هلك إخواننا فأوحى الله إلى جبال الماء أن ~~تشبكي فصار الماء كالشباك يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا ~~البحر سالمين فذلك قوله تعالى: # PageV01P044 ### || [سورة البقرة (2): آية 50] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم يعني من فرعون وأغرقنا آل فرعون. وذلك أن ~~فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منفلقا، قال لقومه: انظروا إلى البحر كيف ~~انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا مني ادخلوا البحر فهاب قومه أن ~~يدخلوا، وقيل: قالوا له: إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون ~~على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل عليه السلام على ~~فرس أنثى وديق فتقدمه، وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في ~~أثرها ولم يملك فرعون من أمره شيئا، واقتحمت ms0061 الخيول خلفه في البحر وجاء ~~ميكائيل خلفهم يسوقهم وهو على فرس ويقول: الحقوا بأصحابكم حتى صاروا كلهم ~~في البحر وخرج جبريل من البحر وهم أولهم بالخروج فأمر الله البحر أن ~~يأخذهم، فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربع فراسخ وهو ~~بحر القلزم وهو على طرف من بحر فارس، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال له: ~~إساف وكان إغراق آل فرعون بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله: وأنتم تنظرون ~~يعني إلى هلاكهم وقيل: إلى مصارعهم وقيل: إن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم ~~ووافق ذلك يوم عاشوراء فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 51 الى 54] # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ~~ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) # وإذ واعدنا من المواعدة وهو من الله الأمر ومن موسى القبول وذلك أن الله ~~وعده بمجيء الميقات موسى اسم عبري معرب فموسى بالعبرية الماء والشجر سمي ~~موسى لأنه أخذ من بين الماء والشجر ثم قلبت الشين سينا فسمي موسى أربعين ~~ليلة أي انقضاء أربعين ليلة ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن ~~التاريخ بالليل دون النهار لأن الأشهر العربية وضعت على سير القمر وقيل لأن ~~الظلمة أقدم من الضوء. # (ذكر القصة في ذلك) قال العلماء: لما أنجى الله بني إسرائيل من البحر ~~وأغرق عدوهم ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، وعد الله موسى أن ~~ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب إلى ميقات ربي لآتيكم منه ~~بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، ووعدهم أربعين ليلة واستخلف عليهم أخاه ~~هارون فلما جاء الموعد أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام على فرس يقال له: ~~فرس الحياة لا ms0062 يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه فرآه السامري، ~~وكان صائغا اسمه ميخا وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر، وقيل: كان من أهل ~~ماحرا وقيل كرمان وقيل من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة وكان ~~منافقا يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك ~~الفرس ورأى موضع قدم الفرس يخضر في الحال فقال في نفسه إن لهذا لشأنا وقيل ~~رأى جبريل حين دخل البحر قدام فرعون فقبض قبضة من تراب فرسه وألقى في روعه، ~~أنه إذا ألقي في شيء حيي فلما ذهب موسى إلى الميقات، ومكث على الطور أربعين ~~ليلة وأنزل الله عليه التوراة في الألواح وكانت الألواح من زبرجد، وقربه ~~نجيا وأسمعه صرير الأقلام وقيل: إنه بقي أربعين ليلة لم يحدث فيها حدثا حتى ~~هبط من الطور، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرا من القبط حين ~~أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فلما هلك فرعون وقومه بقي ذلك الحلي في ~~أيديهم فلما فصل موسى قال لهم السامري: إن الحلي الذي استعرتموه # PageV01P045 # من القبط غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة وادفنوه فيها حتى يرجع موسى، ~~ويرى فيها رأيه وقيل: إن هارون أمرهم بذلك فلما اجتمعت الحلي أخذها السامري ~~وصاغها عجلا في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس ~~جبريل عليه الصلاة والسلام فصار عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر وخار خورة ~~وقيل: كان يخور ويمشي، فقال لهم السامري «هذا إلهكم وإله موسى فنسي» أي ~~فتركه هاهنا وخرج يطلبه وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد، فعدوا اليوم مع ~~الليلة يومين فلما مضى عشرون يوما، ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة وقيل: # كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة ~~فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول ~~السامري فعكف عليه ثمانية آلاف رجل يعبدونه، وقيل: # عبده كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح فذلك ms0063 قوله عز وجل: ثم ~~اتخذتم العجل يعني إلها من بعده أي من بعد موسى وأنتم ظالمون أي وأنتم ~~ضارون لأنفسكم بالمعصية حيث وضعتم العبادة في غير موضعها ثم عفونا عنكم أي ~~محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم من بعد ذلك أي من بعد عبادتكم لعجل لعلكم ~~تشكرون أي لكي تشكروا عفوي عنكم، وحسن صنيعي إليكم وأصل الشكر هو تصور ~~النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها والشكر على ثلاث ~~أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة. وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة. وشكر ~~بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها، وقيل الشكر هو الطاعة ~~بجميع الجوارح في السر والعلانية وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وحكي ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ وأمرتني ~~بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه يا موسى تعلمت ~~العلم الذي لا فوقه علم حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهي مني. ~~وقال داود عليه الصلاة والسلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره ~~شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة وقال الفضيل: شكر كل نعمة أن ~~لا يعصى بعدها بتلك النعمة وقيل شكر النعمة ذكرها وقيل: شكر النعمة أن لا ~~يراها البتة ويرى المنعم وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء ولنظيرك ~~بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال. قوله عز وجل: وإذ آتينا موسى ~~الكتاب يعني التوراة والفرقان قيل: هو نعت الكتاب والواو زائدة. والمعنى ~~الكتاب المفرق بين الحلال والحرام والكفر والإيمان وقيل: الفرقان هو النصر ~~على الأعداء والواو أصلية لعلكم تهتدون يعني بالتوراة وإذ قال موسى لقومه ~~يعني الذين عبدوا العجل يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل يعني إلها ~~تعبدونه فكأنهم قالوا ما نصنع قال فتوبوا إلى بارئكم أي ارجعوا إلى خالقكم ~~بالتوبة قالوا كيف نتوب قال فاقتلوا أنفسكم يعني ليقتل البريء منكم المجرم. ~~فإن قلت التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح والعزم على أن لا يعود إليه ~~وهذا مغاير للقتل. فكيف ms0064 يجوز تفسير التوبة بالقتل. # قلت: ليس المراد تفسير التوبة بالقتل بل بيان أن توبتهم لا تتم إلا ~~بالقتل، وإنما كان كذلك لأن الله أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن ~~توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. فإن قلت: التائب من الردة لا يقتل فكيف ~~استحقوا القتل وقد تابوا من الردة. قلت ذلك مما تختلف فيه الشرائع فلعل شرع ~~موسى كان يقتضي أن يقتل التائب من الردة إما عاما في حق الكل أو خاصا في حق ~~الذين عبدوا العجل ذلكم خير لكم عند بارئكم يعني القتل وتحمل هذه الشدة لأن ~~الموت لا بد منه فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله تعالى ~~فجلسوا محتبين من الحبوة وهو ضم الساق إلى البطن بثوب، وقيل لهم من حل ~~حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، ~~وأصلت القوم الخناجر والسيوف، وأقبلوا عليهم فكان الرجل يرى ابنه وأباه ~~وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له، فما يمكنهم المضي لأمر الله تعالى ~~فقالوا يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم سحابة سوداء لا يبصر ~~بعضهم بعضا فكانوا يقتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون الله ~~وبكيا وتضرعا إليه وقال: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله ~~السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل، # PageV01P046 # فتكشف عن ألوف من القتلى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان عدد ~~القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله إليه أما يرضيك أن أدخل ~~القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه ~~فذلك قوله تعالى: فتاب عليكم أي فعلتم ما أمرتم به فتجاوز عنكم إنه هو ~~التواب أي الرجاع بالمغفرة القابل التوبة الرحيم بخلقه. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 55 الى 57] # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم ~~الغمام وأنزلنا عليكم ms0065 المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك أي لن نصدقك حتى نرى الله جهرة أي عيانا ~~وذلك أن الله عز وجل أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه ~~من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا من خيارهم وقال لهم: صوموا ~~وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا وخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه ~~فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا قال: أفعل فلما دنا من الجبل وقع ~~عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله فدخل موسى في الغمام، وقال للقوم: ~~ادنوا حتى دخلوا تحت الغمام وخروا سجدا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجه ~~نور ساطع فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه يكلم موسى ~~يأمره وينهاكم وأسمعهم الله تعالى: (إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة ~~أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى ~~وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وإنما ~~قالوا: جهرة توكيد للرؤية لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم ~~فأخذتكم الصاعقة قيل: هي الموت وفيه ضعف لأن قوله وأنتم تنظرون يرده إذ لو ~~كان المراد منها الموت لامتنع كونهم ناظرين إليها وقيل: إن الصاعقة هي سبب ~~الموت واختلفوا في ذلك السبب فقيل: إن نارا نزلت من السماء فأحرقتهم. وقيل: ~~جاءت صيحة من السماء وقيل: أرسل جموعا من الملائكة فسمعوا بحسهم فخروا ~~صعقين وأنتم تنظرون أي ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت فلما هلكوا جعل ~~موسى يبكي ويتضرع ويقول إلهي ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد هلك ~~خيارهم «لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» فلم يزل ~~يناشد ربه حتى أحياهم الله رجلا بعد رجل، بعد ما ماتوا يوما وليلة ينظر ~~بعضهم إلى بعض كيف يحيون فذلك قوله تعالى: # ثم بعثناكم أي أحييناكم من بعد ms0066 موتكم أي لتستوفوا بقية آجالكم وأرزاقكم ~~ولو أنهم كانوا قد ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة لعلكم ~~تشكرون قوله عز وجل: وظللنا عليكم الغمام يعني في التيه يقيكم حر الشمس، ~~وذلك أنه لم يكن لهم في التيه شيء يسترهم ولا يستظلون به فشكوا إلى موسى ~~فأرسل الله غماما أبيض رقيقا يسترهم من الشمس وجعل لهم عمودا من نور يضيء ~~لهم الليل إذا لم يكن قمر وأنزلنا عليكم المن والسلوى أي في التيه الأكثرون ~~على أن المن هو الترنجبين وقيل: هو شيء كالصمغ يقع على الشجر طعمه كالشهد. ~~وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وأصل المن هو ما يمن الله به من غير تعب (ق) عن ~~سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكماة من المن ~~وماؤها شفاء للعين» ومعنى الحديث أن الكمأة شيء أنبته الله من غير سعي أحد ~~ولا مؤنة وهو بمنزلة المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، وقوله: وماؤها ~~شفاء للعين معناه أن يخلط مع الأدوية فينتفع به لا أنه يقطر ماؤها بحتا في ~~العين وقيل: إن تقطيره في العين ينفع لكن لوجع مخصوص، وليس يوافق كل وجع ~~العين وكان هذا المن ينزل على أشجارهم في كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع ~~الشمس، كالثلج لكل إنسان صاع فقالوا: يا موسى قد قتلنا هذا المن بحلاوته، ~~فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأرسل الله عليهم السلوى، وهو طائر يشبه ~~السماني وقيل هو السماني بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوما # PageV01P047 # وليلة، فإذا كان يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم ~~السبت شيء كلوا أي وقلنا لهم كلوا من طيبات أي حلالات ما رزقناكم أي ولا ~~تدخروا لغد فخالفوا وادخروا فدود وفسد، فقطع الله عنهم ذلك (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا بنو ~~إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ~~الدهر» قوله: لم ms0067 يخنز اللحم لم ينتن ولم يتغير وما ظلمونا أي وما بخسوا ~~حقنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يعني بأخذهم أكثر مما حولهم فاستحقوا بذلك ~~عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في الدنيا ولا ~~حساب في العقبى. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 58 الى 60] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ~~(59) وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية سميت قرية لاجتماع الناس فيها قال ابن عباس: ~~هي أريحاء قرية الجبارين وقيل: كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: ~~العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون لأنه هو ~~الذي فتح أريحاء بعد موت موسى لأن موسى مات في التيه، وقيل: هي بيت المقدس ~~وعلى هذا فيكون القائل موسى. والمعنى إذا خرجتم من التيه بعد مضي الأربعين ~~سنة، ادخلوا بيت المقدس فكلوا منها حيث شئتم رغدا أي موسعا عليكم وادخلوا ~~الباب فمن قال: إن القرية أريحاء قال ادخلوا من أي باب كان من أبوابها وكان ~~لها سبعة أبواب ومن قال إن القرية هي بيت المقدس قال هو باب حطة سجدا ~~منحنين خضعا متواضعين كالراكع ولم يرد به نفس السجود وقولوا حطة أي حط عنا ~~خطايانا أمروا بالاستغفار. وقال ابن عباس قولوا لا إله إلا الله لأنها تحط ~~الذنوب والخطايا على تقدير مسألتنا حطة نغفر لكم خطاياكم # أي نسترها عليكم من الغفر وهو الستر لأن المغفرة تستر الذنوب وسنزيد ~~المحسنين يعني ثوابا فبدل أي فغير الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم أي ~~قالوا قولا غير ما قيل لهم، وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، ms0068 وقالوا ~~بلسانهم حطانا سمقاثا أي حنطة حمراء، وذلك استخفافا منهم بأمر الله تعالى. ~~وقيل: طؤطئ لهم للباب ليخفضوا رؤوسهم فأبوا ذلك ودخلوا زحفا على أستاههم ~~فخالفوا في الفعل كما خالفوا في القول، وبدلوه (ق) عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة» فأنزلنا على ~~الذين ظلموا رجزا من السماء يعني عذابا من السماء، قيل: # أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا بما كانوا ~~يفسقون أي يعصون ويخرجون عن أمر الله تعالى. قوله عز وجل: وإذ استسقى موسى ~~لقومه أي طلب السقيا لقومه، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن ~~يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال مبينا فقلنا اضرب بعصاك وكانت ~~العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه الصلاة والسلام ولها ~~شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق، وقيل: نبعة حملها آدم معه من ~~الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى الحجر قال وهب: لم ~~يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان فيتفجر عيونا لكل سبط عين، ~~وكانوا اثني عشر سبطا، وقيل: كان حجرا معينا بدليل أنه عرفه بالألف واللام ~~قال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا قدر رأس الرجل وكان موسى عليه الصلاة ~~والسلام يضعه في مخلاة، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه وقيل: # PageV01P048 # كان للحجر أربعة وجوه في كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل كان من ~~الرخام وقيل، كان من الكذان وهي الحجارة اللينة وقيل: هو الحجر الذي وضع ~~عليه موسى ثوبه ليغتسل، ففر به فأتاه جبريل وقال إن الله يأمرك أن ترفع هذا ~~الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة فوضعه في مخلاة فلما سألوه السقيا قيل ~~اضرب بعصاك الحجر فكان إذا احتاجوا إلى الماء، وضعه وضربه بعصاه فتتفجر منه ~~عيون لكل سبط عين تسيل إليهم في جدول، وكان ms0069 إذا أراد حمله ضربه بعصاه فيذهب ~~الماء وييبس الحجر فذلك قوله تعالى: فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا يعني على ~~عدد أسباط بني إسرائيل، والمعنى فضربه فانفجرت قال المفسرون: انفجرت ~~وانبجست: بمعنى واحد وقيل انبجست أي عرقت وانفجرت أي سالت قد علم كل أناس ~~مشربهم أي موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره كلوا واشربوا أي وقلنا لهم كلوا ~~واشربوا من رزق الله يعني المن والسلوى والماء فهذا كله من رزق الله كان ~~يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة ولا تعثوا في الأرض مفسدين العيث أشد الفساد في ~~هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه الصلاة والسلام، حيث انفجر من الحجر ~~الصغير ما روى منه الجمع الكثير ومعجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ~~لأنه انفجر الماء من بين إصبعيه فروى منه الجم الغفير، لأن انفجار الماء من ~~الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى ~~وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سببا لنقصان ~~الشهوة. فإن قلت: هما طعامان فما بالهم قالوا على طعام واحد. قلت: أرادوا ~~بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل عدة ألوان يداوم ~~عليها في كل يوم لا يبدلها كانت بمنزلة الطعام الواحد فادع لنا ربك أي ~~فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها قال ابن ~~عباس: الفوم الخبز وقيل هو الحنطة، وقيل هو الثوم وعدسها وبصلها إنما طلبوا ~~هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية ms0070 الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في ~~التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وكان غرضهم الوصول ~~إلى البلاد لا تلك الأطعمة قال يعني موسى أتستبدلون الذي هو أدنى أي الذي ~~هو أخس وأردأ وهو الذي طلبوه بالذي هو خير يعني بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما ~~هم فيه اهبطوا مصرا يعني إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصرا من الأمصار، وقيل: ~~بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه ودخول التنوين عليه كدخوله على نوح ولوط، ~~والقول هو الأول فإن لكم ما سألتم يعني من نبات الأرض وضربت عليهم الذلة أي ~~جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان وقيل: الذلة ~~الجزية وزي اليهودية وفيه بعد لأنه لم تكن ضربت عليهم الجزية بعد والمسكنة ~~أي الفقر والفاقة وسمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، ~~فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم فقراء فلا ترى أحدا من أهل ~~الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود وباؤ أي رجعوا ولا يقال باء إلا ~~بشر بغضب من الله وغضب الله إرادة الانتقام ممن عصاه ذلك أي الغضب بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله أي بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي ~~في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن ويقتلون النبيين النبي معناه المخبر ~~من أنبأ ينبئ وقيل هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهو المكان المرتفع ~~بغير الحق أي بغير جرم. فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون # PageV01P049 # إلا بغير حق فما فائدة ذكره. قلت: ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة ~~بالحق وهو ما أمر الله به وتارة بغير الحق وهو قتل العدوان فهو كقوله: قال ~~رب احكم بالحق فالحق وصف للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى حق وجور. يروى أن ~~اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار، وقامت إلى سوق بقلها في آخره وقتلوا ~~زكريا ويحيى وشعياء وغيرهم من الأنبياء ذلك بما عصوا أي ذلك القتل والكفر ~~بما عصوا أمري وكانوا يعتدون أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي قوله ms0071 عز ~~وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 62 الى 63] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون (63) # إن الذين آمنوا والذين هادوا يعني اليهود سموا بذلك لقولهم: «إنا هدنا ~~إليك» أي ملنا إليك وقيل: # هادوا أي تابوا عن عبادة العجل وقيل إنهم مالوا عن دين الإسلام ودين موسى ~~عليه السلام والنصارى سموا بذلك لقول الحواريين نحن «أنصار الله» وقيل: ~~لاعتزائهم إلى قرية يقال لها ناصرة وكان المسيح ينزلها والصابئين أصله من ~~صبأ إذا خرج من دين إلى دين آخر سموا بذلك لخروجهم من الدين قال عمر وابن ~~عباس: هم قوم من أهل الكتاب قال عمر ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب وقال ابن ~~عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس لا تحل ~~ذبائحهم ولا مناكحتهم وقيل: هم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم ~~وقيل: هم قوم يقرون بالله ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى ~~الكعبة أخذوا من كل دين شيئا، والأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب وذلك أنهم ~~يعتقدون أن الله تعالى خلق هذا العالم وجعل الكواكب مدبرة له فيجب على ~~البشر عبادتها وتعظيمها، وأنها هي التي تقرب إلى الله تعالى. ولما ذكر هذه ~~الوظائف قال من آمن بالله واليوم الآخر فإن قلت: كيف قال في أول الآية إن ~~الذين آمنوا وقال في آخرها من آمن بالله فما فائدة التعميم أولا ثم التخصيص ~~آخرا قلت: اختلف العلماء في حكم الآية فلهم فيه طريقان أحدهما أنه أراد أن ~~الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا فيهم فقيل هم الذين آمنوا في زمن ~~الفطرة وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وبحيرا ~~الراهب وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتابعه ومنهم من لم يدركه فكأنه تعالى قال: إن الذين ms0072 آمنوا قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود ~~والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فلهم أجرهم عند ربهم، وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية وقيل: هم ~~المؤمنون من هذه الأمة والذين هادوا يعني الذين كانوا على دين موسى ولم ~~يبدلوا والنصارى الذين كانوا على دين عيسى ولم يغيروا والصابئين يعني في ~~زمن استقامة أمرهم من آمن منهم ومات وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان تكون ~~بالوفاة. وأما الطريقة الثانية فقالوا إن المذكورين بالإيمان في أول الآية ~~إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ~~ولم يؤمنوا بك وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم ~~واليهود والنصارى والصابئون، فكأنه تعالى قال هؤلاء المطلوبون كل من آمن ~~منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمنا عند الله، وقيل: إن المراد من قوله إن ~~الذين آمنوا يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم في الحقيقة حين الماضي، ثبتوا ~~على ذلك في المستقبل وهو المراد من قوله تعالى: # من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا أي في إيمانه فلهم أجرهم عند ربهم ~~أي جزاء أعمالهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي في الآخرة. قوله عز وجل: ~~وإذ أخذنا ميثاقكم أي عهدكم يا معشر اليهود ورفعنا فوقكم الطور يعني الجبل ~~العظيم قال ابن عباس: أمر الله جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام ~~على رؤوسهم وسبب ذلك أن الله تعالى لما أنزل التوراة على موسى، وأمرهم أن ~~يعملوا بأحكامها فأبوا أن # PageV01P050 # يقبلوها لما فيها من الآصار يعني الأثقال والتكاليف الشاقة أمر الله ~~تعالى جبريل عليه السلام، أن يقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان قدره فرسخا في ~~فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم قدر قامة كالظلة وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما في ~~التوراة وإلا أرسلت هذا الجبل عليكم خذوا أي قلنا لهم خذوا ما آتيناكم أي ~~ما أعطيناكم بقوة أي بجد واجتهاد واذكروا ما فيه أي ادرسوا ما ms0073 فيه لعلكم ~~تتقون أي لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى وإلا رضت رؤوسكم ~~بهذا الجبل فلما رأوا ذلك نازلا بهم قبلوا وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل ~~وهم سجود فصار ذلك سنة في سجود اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ~~ويقولون: بهذا السجود رفع عنا العذاب. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 64 الى 67] # ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~(64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) وإذ قال ~~موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين (67) # ثم توليتم أي أعرضتم من بعد ذلك أي من بعد ما قبلتم التوراة فلولا فضل ~~الله عليكم ورحمته أي بالإمهال لكنتم من الخاسرين أي المغبونين بذهاب ~~الدنيا والعذاب في العقبى. قوله عز وجل: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم أي ~~جاوزوا الحد في السبت يقال: سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم، ~~وأصل السبت القطع. # (ذكر الإشارة إلى القصة) قال العلماء: بالأخبار إنهم كانوا في زمن داود ~~عليه الصلاة والسلام بقرية بأرض أيلة وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، ~~فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى لا يرى ~~الماء من كثرتها. فإذا مضى السبت تفرقت الحيتان ولزمن قعر البحر فذلك قوله ~~تعالى: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ثم إن ~~الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ولم تنهوا عن ~~أخذها في غيره فعمد رجال منهم فحفروا حياضا كبارا حول البحر، وشرعوا منه ~~إليها أنهارا فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فيقبل الموج من البحر ~~بالحيتان إلى تلك الحياض فيقعن فيها ولا يقدرن على الخروج منها لعمقها، ~~فإذا كان يوم الأحد أخذوها وقيل: إنهم كانوا ينصبون الشخوص والحبائل يوم ~~الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ms0074 ولم تنزل بهم عقوبة فتجرؤوا ~~على السبت وقالوا ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأخذوا وملحوا وأكلوا وباعوا ~~واشتروا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية ثلاثة أصناف، وكانوا نحو سبعين ألفا ~~صنف أمسك عن الصيد ونهى عن الاصطياد وصنف أمسك ولم ينه وصنف انهمكوا في ~~الذنب وهتكوا الحرمة وكان الصنف الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى المجرمون ~~قبول نصيحتهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينهم ~~بجدار فغيروا على ذلك سنين، ثم لعنهم داود وغضب الله عليهم لإصرارهم على ~~المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد، ولم ~~يفتحوا الباب فلما أبطئوا تسوروا عليهم الجدار فإذا هم جميع قردة لهم أذناب ~~وهم تتعاوون، وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم ~~هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاث ولم يتولدوا. قال الله عز وجل: فقلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين أمر تحويل وتكوين، ومعنى خاسئين مبعدين مطرودين وقيل فيه ~~تقديم وتأخير معناه كونوا خاسئين قردة ولهذا لم يقل خاسئات فجعلناها يعني ~~عقوبتهم بالمسخ نكالا أي عقوبة وعبرة لما بين يديها وما خلفها قيل: # PageV01P051 # معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم وقيل: جعلنا عقوبة قرية ~~أصحاب السبت عبرة لمن بين يديها من القرى التي كانت عامرة في الحال وما ~~خلفها أي. ما يحدث بعدها من القرى ليتعظوا بذلك وقوله عز وجل: # وموعظة للمتقين أي المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لئلا يفعلوا ~~مثل فعلهم. قوله عز وجل: وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~البقرة واحدة البقر وهي الأنثى وأصلها البقر وهو الشق سميت بذلك لأنها تشق ~~الأرض للحراثة. # (ذكر الإشارة إلى القصة في ذلك) قال علماء السير والأخبار: إنه كان في ~~زمن بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال عليه ~~موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها ثم أصبح يطلب ثاره ~~وجاء بناس إلى موسى ms0075 يدعي عليهم بالقتل، فجحدوا واشتبه أمر القتيل على موسى ~~عليه الصلاة والسلام. فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ما أشكل عليم، ~~فسأل موسى ربه في ذلك فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها فقال لهم: إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا أي نحن نسألك أمر القتيل، ~~وأنت تستهزئ بنا وتأمرنا بذبح بقرة وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في ~~الظاهر، ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه قال يعني موسى أعوذ بالله أي أمتنع ~~بالله أن أكون من الجاهلين أي المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين ~~بالجواب لا على وفق السؤال فلما علموا أن ذبح البقرة عزم من الله تعالى ~~استوصفوه إياها ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم ولكن ~~شددوا فشدد عليهم وكان في ذلك حكمة الله عز وجل، وذلك أنه كان رجل صالح في ~~بني إسرائيل، وله ابن طفل وله عجلة فأتى بها غيضة وقال: اللهم إني استودعتك ~~هذه العجلة لابني حتى يكبر ومات ذلك الرجل، وصارت العجلة في الغيضة عوانا ~~وكانت تهرب من الناس، فلما كبر ذلك الطفل، وكان بارا بأمه وكان يقسم ليله ~~ثلاثة أجزاء يصلي ثلثا وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح انطلق ~~فيحتطب ويأتي به السوق فيبيعه بما يشاء الله فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي ~~أمه ثلثه، فقالت له أمه يوما: يا بني إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في ~~غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك وعلامتها ~~أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى ~~المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى غيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال أعزم ~~عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، فأقبلت البقرة حتى وقفت بين يديه فقبض ~~على قرنها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى، وقالت: أيها الفتى البار ~~بأمه اركبني فإنه أهون عليك. فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك فقالت ~~البقرة والله لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق ms0076 فإنك لو أمرت الجبل أن ~~ينقلع من أصله لانقلع لبرك بأمك فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له أمه: إنك ~~رجل فقير ولا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع ~~البقرة، فقال: بكم أبيعها قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ~~ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الفتى إلى السوق، وبعث الله ملكا ليرى ~~خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره بأمه، وهو أعلم فقال له الملك: بكم هذه ~~البقرة؟ قال بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضى أمي فقال له الملك: لك ستة ~~دنانير ولا تستأمر أمك فقال له الفتى لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا ~~برضا أمي. ورجع الفتى إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت له: ارجع فبعها بستة ~~دنانير ولا تبعها إلا برضاي فرجع بها إلى السوق وأتى الملك فقال له: ~~استأمرت أمك فقال الفتى: نعم. إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على رضاها. ~~فقال الملك: إني أعطيتك اثني عشر دينارا ولا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى ~~أمه فأخبرها بذلك فقالت له أمه: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجربك، ~~فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ففعل فقال له الملك: ~~اذهب إلى أمك فقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك ~~لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهبا والمسك الجلد ~~فأمسكتها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، # PageV01P052 # فما زالوا يستوصفون البقرة حتى وصفت لهم تلك البقرة بعينها مكافأة بذلك ~~الفتى على بره بأمه فضلا من الله تعالى ورحمة فذلك قوله تعالى: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 68 الى 71] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا ms0077 وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~(70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا ~~شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي أي ما سنها قال يعني موسى إنه يقول ~~يعني الله عز وجل: # إنها بقرة لا فارض ولا بكر أي لا كبيرة ولا صغيرة والفارض المسنة التي لم ~~تلد، والبكر الفتية التي لم تلد عوان أي نصف بين ذلك أي بين السنين فافعلوا ~~ما تؤمرون أي من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها قال ابن عباس شديد ~~الصفرة وقيل: لونها صاف وقيل الصفراء السوداء والأول أصح لأنه يقال أصفر ~~فاقع وأسود حالك تسر الناظرين أي يعجبهم حسنها وصفاء لونها قالوا ادع لنا ~~ربك يبين لنا ما هي أي سائمة أو عاملة إن البقر تشابه علينا أي التبس ~~واشتبه أمرها علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون أي إلى وصفها قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «وايم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الدهر» قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول أي ليست مذللة بالعمل تثير الأرض أي تقلبها ~~للزراعة ولا تسقي الحرث أي ليست بسنانية والسانية هي التي تستسقي الماء من ~~البئر لسقي الأرض مسلمة أي بريئة من العيوب لا شية فيها أي لا لون فيها غير ~~لونها قالوا الآن جئت بالحق أي بالبيان التام الذي لا إشكال فيه فطلبوها ~~فلم يجدوا بقرة بكمال وصفها، إلا بقرة ذلك الفتى فاشتروها منه بملء مسكها ~~ذهبا فذبحوها وما كادوا يفعلون أي وما قاربوا أن يفعلوا ما أمروا به، قيل ~~لغلاء ثمنها وقيل: لخوف الفضيحة وقيل: لعزة وجودها بهذه الأوصاف جميعا. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 72 الى 74] # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ms0078 (73) ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون (74) # وإذ قتلتم نفسا خوطبت الجماعة بذلك لوجود القتل فيهم فادارأتم فيها قال ~~ابن عباس أي اختلفتم واختصمتم من الدرء وهو الدفع لأن المتخاصمين يدفع ~~بعضهم بعضا والله مخرج ما كنتم تكتمون أي مظهر ما كنتم من أمر القتيل لا ~~محالة ولا يتركه مكتوما فقلنا اضربوه # يعني القتيل ببعضها # أي ببعض البقرة قال ابن عباس ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل ~~الأذن وقيل: ضربوه بلسانها وقيل: بعجب الذنب وقيل: # بفخذها اليمين والأقرب أنهم كانوا مخيرين في ذلك البعض وإنهم إذا ضربوه ~~بأي جزء منها أجزأ وحصل المقصود وإنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك البعض ~~ما هو. وذلك يقتضي التخيير وفي الآية إضمار تقديره فضربوه فحيي وقام بإذن ~~الله تعالى، وأوداجه تشخب دما وقال قتلني فلان يعني ابن عمه ثم سقط ميتا ~~مكانه. # فحرم قاتله الميراث وفي الخبر ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة كذلك # أي كما أحيا الله عاميل صاحب البقرة # PageV01P053 # يحي الله الموتى # يعني يوم القيامة ويريكم آياته لعلكم تعقلون # أي تمنعون أنفسكم عن المعاصي. فإن قلت كان حق هذه القصة أن يقدم ذكر ~~القتيل أولا، ثم ذكر ذبح البقرة بعد ذلك، فما وجه ترتيب هذه القصة على هذا ~~الترتيب؟ قلت: وجهه أن الله لما ذكر من قصص بني إسرائيل وما وجد من ~~خياناتهم تقريعا لهم على ذلك وما وجد فيهم من الآيات العظيمة، وهاتان قصتان ~~كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين في نفس ~~الأمر، فالأولى لتقريعهم على ترك المسارعة إلى امتثال الأمر وما يتبعه ~~والثانية لتقريعهم على قتل النفس المحرمة فلو قدم قصة القتيل على قصة الذبح ~~لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض من تثنية التقريع، فلهذا قدم ذكر الذبح أولا ~~ثم عقبه بذكر القتل. ms0079 فإن قلت ما فائدة ضرب القتيل ببعض البقرة والله تعالى ~~قادر على أن يحييه ابتداء من غير ضرب بشيء؟ قلت: الفائدة فيه أن تكون الحجة ~~أوكد وعن الحيلة أبعد لاحتمال أن يتوهم متوهم أن موسى عليه السلام، إنما ~~أحياه بضرب من السحر والحيلة فإذا أحيى القتيل، عند ما ضرب ببعض البقرة ~~انتفت الشبهة، وعلم أن ذلك من عند الله تعالى وبأمره كان ذلك. فإن قلت: هلا ~~أمروا بذبح غير البقرة؟ قلت: # الكلام في غير البقرة لو أمروا به كالكلام في البقرة ثم في ذبح البقرة ~~فوائد منها التقرب بالقربان على ما كانت العادة جارية عندهم، ومنها أن هذا ~~القربان كان عندهم من أعظم القرابين ومنها تحمل المشقة العظيمة في تحصيلها ~~بتلك الصفة ومنها حصول ذلك المال العظيم الذي أخذه صاحبها من ثمنها. # (فصل: في حكم هذه المسألة في شريعة الإسلام إذا وقعت) وذلك أن: إذا وجد ~~قتيل في موضع، ولا يعرف قاتله فإن كان ثم لوث على إنسان ادعى به. واللوث أن ~~يغلب على الظن صدق المدعى بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء ثم تفرقوا عن ~~قتيل فيغلب على الظن أن القاتل فيهم أو وجد قتيل في محلة أو قرية وكلهم ~~أعداء القتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على الظن أنهم قتلوه فإن ادعى الولي ~~على بعضهم حلف خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع ~~الإيمان عليهم فإذا حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه، إن ادعوا قتل ~~خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن مال المدعى عليه ولا قود عليه في قول الأكثرين، ~~وذهب عمر بن عبد العزيز إلى وجوب القود وبه قال مالك وأحمد فإن لم يكن ثم ~~لوث فالقول قول المدعي عليه لأن الأصل براءة ذمته من القتل وهل يحلف يمينا ~~واحدة أم خمسين يمينا؟ # فيه قولان: أحدهما: أنه يحلف يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى. والثاني: ~~أنه يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر القتيل، وعند أبي حنيفة لا حكم للوث ولا ~~يبدأ بيمين المدعي ms0080 بل إذا وجد قتيل في محلة، يختار الإمام خمسين رجلا من ~~صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلا، فإن حلفوا وإلا ~~أخذ الدية من سكانها. والدليل على أن البداءة بيمين المدعي عند وجود اللوث. ~~ما روى عن سهل بن أبي خيثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود ~~إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط ~~في دمه قتيلا فدفنه. ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة ~~وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كبر كبر وهو أحدث القوم سنا» فسكت، ~~فتكلما فقال أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو قال صاحبكم قالوا: كيف نحلف ولم ~~نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: كيف نأخذ بأيمان ~~قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده وفي رواية يقسم خمسون ~~منكم على رجل منهم فيدفع برمته وذكر نحوه وزاد في رواية فكره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة أخرجاه في ~~الصحيحين، ووجه الدليل من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ~~بأيمان المدعين ليقوى جانبهم باللوث لأن اليمين أبدا تكون لمن يقوى جانبه ~~وعند عدم اللوث تكون من جانب المدعى عليه من حيث إن الأصل براءة ذمته، فكان ~~القول قوله مع يمينه والله أعلم. قوله عز وجل: ثم قست قلوبكم أي يبست وجفت ~~وقساوة القلب انتزاع الرحمة منه، وقيل معناه غلظت واسودت من بعد ذلك أي من ~~بعد ظهور الدلالات التي جاء بها # PageV01P054 # موسى، وقيل: هي إشارة إلى إحياء القتيل بعد ضربه ببعض البقرة فهي يعني ~~القلوب في الغلظ والشدة كالحجارة أي كالشيء الصلب الذي لا تخلخل فيه أو ~~قيل: أو بمعنى بل وقيل بمعنى الواو أي وأشد قسوة فإن قلت: لم شبه قلوبهم ~~بالحجارة ولم يشبهها بالحديد وهو أشد من الحجارة وأصلب. ms0081 قلت: لأن الحديد ~~قابل للين بالنار وقد لان لداود عليه الصلاة والسلام والحجارة ليست قابلة ~~للين فلا تلين قط. ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال وإن من الحجارة ~~لما يتفجر منه الأنهار قيل: أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي ~~كان يضرب عليه موسى ليسقي الأسباط والتفجير التفتح بالسعة والكثرة وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه الماء يعني العيون الصغار التي دون الأنهار وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، وخشيتها عبارة عن ~~انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود ~~لا تلين ولا تخشع. فإن قلت: الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى؟ قلت: ~~إن الله تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه لها، ~~ومذهب أهل السنة إن الله تعالى أودع في الجمادات والحيوانات، علما وحكمة لا ~~يقف عليهما غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله: وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده وقال تعالى: والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه فيجب على ~~المرء الإيمان به وبكل علمه إلى الله تعالى (م) عن جابر بن سمرة قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ~~أبعث، وإني لأعرفه الآن» عن علي قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فخرجنا إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام ~~عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب (خ) ~~عن جابر بن عبد الله قال: «كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع ~~في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته فلما وضع المنبر ~~سمعنا للجذع حنينا مثل صوت العشار حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوضع يده عليه، وفي رواية: صاحت النخلة صياح الصبي فنزل صلى الله عليه # وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت ms0082 تئن أنين الصبي الذي لا يسكت حتى ~~استقرت. قال: # بكت على ما كانت تسمع من الذكر» قال مجاهد: ما ينزل حجر من أعلى إلى أسفل ~~إلا من خشية الله وذلك يشهد لما قلنا وما الله بغافل عما تعملون فيه وعيد ~~وتهديد والمعنى أن الله بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم حتى ~~يجازيهم بها في الآخرة. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 75 الى 76] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون (76) # أفتطمعون خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الداعي إلى الإيمان ~~وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه لأنهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان أيضا ومعنى أفتطمعون أفترجعون أن ~~يؤمنوا لكم أي يصدقكم اليهود بما تخبرونهم وقيل: معناه أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم مع أنهم لم يؤمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وكان هو السبب في خلاصهم ~~من الذل وظهور المعجزات على يده وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله قيل ~~المراد بالفريق: هم الذين كانوا مع موسى يوم الميقات، وهم الذين سمعوا كلام ~~الله تعالى، وقيل المراد بهم: الذي كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو الأقرب لأن الضمير راجع إليهم في أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، فعلى هذا ~~يكون معنى يسمعون كلام الله يعني التوراة، لأنه يصح أن يقال لمن يسمع ~~التوراة يسمع كلام الله ثم يحرفونه أي يغيرون كلام الله، ويبدلونه فمن فسر ~~الفريق الذين يسمعون كلام الله بالفريق الذين كانوا مع موسى عليه السلام ~~استدل بقول ابن عباس رضي الله عنهما إنها نزلت في السبعين الذين اختارهم ~~موسى لميقات ربه، وذلك لأنهم لما رجعوا إلى قومهم بعد ما سمعوا كلام الله ~~أما الصادقون منهم فإنهم أدوا كما سمعوا وقالت طائفة # PageV01P055 # منهم: سمعنا الله ms0083 يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا وإن ~~شئتم فلن تفعلوا، فكان هذا تحريفهم ومن فسر الفريق الذين كانوا يسمعون كلام ~~الله بالذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان تحريفهم ~~تبديلهم صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة من بعد ما ~~عقلوه أي علموا صحة كلام الله ومراده فيه ثم مع ذلك خالفوه وهم يعلمون أي ~~فساد مخالفته ويعلمون أيضا أنهم كاذبون. قوله عز وجل وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا نزلت هذه الآية في اليهود، الذين كانوا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به وإن ~~صاحبكم صادق وقوله حق وإنا نجد نعته وصفته في كتابنا وإذا خلا بعضهم إلى ~~بعض يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا ورؤساء اليهود لاموا ~~منافقي اليهود على ذلك وقالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم يعني قص الله ~~عليكم في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه حق وقوله صدق ~~ليحاجوكم به أي ليخاصمكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا عليكم ~~بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم لم لا تتبعونه، وذلك أن ~~اليهود قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في إتباع محمد صلى الله عليه وسلم: ~~آمنوا به فإنه نبي حق ثم لام بعضهم بعضا، وقالوا: أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم أي في الدنيا والآخرة وقيل: هو قول ~~يهود بني قريظة بعضهم لبعض. # حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا إخوان القردة والخنازير. ~~قالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ هذا ما خرج إلا منكم وقيل: # إن اليهود أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به من الجنايات. فقال بعضهم ~~لبعض: أتحدثونهم بما قضى الله عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم ~~عند الله أفلا تعقلون أي ms0084 إن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 77 الى 79] # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # أولا يعلمون يعني اليهود أن الله يعلم ما يسرون أي ما يخفون وما يعلنون ~~أي ما يبدون وما يظهرون. قوله عز وجل: ومنهم أي من اليهود أميون أي لا ~~يحسنون الكتابة ولا القراءة جمع أمي وهو المنسوب إلى أمه كأنه باق على ما ~~انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة لا يعلمون الكتاب إلا أماني جمع ~~أمنية وهي التلاوة، ومنه قول الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنى داود الزبور على رسل # أي تلا كتاب الله. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه غير عارفين ~~بمعاني كتاب الله تعالى وقيل الأماني الأحاديث الكاذبة المختلفة وهي ~~الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم وأضافوها إلى الله تعالى وذلك من ~~تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وغير ذلك، وقيل: هو من التمني ~~وهو قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وغير ذلك مما تمنوه فعلى هذا ~~يكون المعنى لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم وإن هم إلا ~~يظنون أي على يقين فويل الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة وأصلها ~~في اللغة العذاب والهلاك وقال ابن عباس: الويل شدة العذاب وعن أبي سعيد ~~الخدري. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الويل واد في جهنم يهوي ~~فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. ~~الخريف سنة للذين يكتبون الكتاب بأيديهم تأكيد للكتابة لأنه يحتمل أن يأمر ~~غيره بأن يكتب فقال: بأيديهم لنفي هذه الشبهة والمراد بالذين يكتبون الكتاب ~~اليهود وذلك أن رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم حين قدم ~~النبي ms0085 صلى الله عليه وسلم المدينة فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن الإيمان به ~~فعمدوا إلى صفته في التوراة فغيروها، وكانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر ~~أكحل العينين ربعة فغيروا ذلك وكتبوا مكانه طوال أزرق العينين سبط الشعر # PageV01P056 # فكانوا إذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرءوا عليهم ما كتبوا ثم يقولون هذا من ~~عند الله يعني هذه الصفة التي كتبوها. فإذا نظروا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإلى تلك وجدوه مخالفا لها فيكذبونه ويقولون إنه ليس به ليشتروا به أي ~~بما كتبوا ثمنا قليلا أي المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من سفلتهم، قال ~~الله تعالى: فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 80 الى 81] # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) # وقالوا أي اليهود لن تمسنا أي لن تصيبنا النار إلا أياما معدودة أي قدرا ~~مقدرا ثم يزول عنا العذاب قال ابن عباس: قالت اليهود: مدة الدنيا سبعة آلاف ~~سنة، وإنا نعذب بكل ألف سنة يوما ثم ينقطع عنا العذاب بعد سبعة أيام وقيل: ~~إنهم عنوا بالأيام الأربعين يوما التي عبدوا فيها العجل وقيل: إن اليهود ~~زعموا أن الله تعالى عتب عليهم في أمر فأقسم ليعذبنهم أربعين يوما تحلة ~~القسم فقال الله ردا عليهم وتكذيبا لهم قل أي يا محمد لليهود أتخذتم عند ~~الله عهدا أي موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة فلن يخلف الله عهده أي وعده ~~أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: لن ~~تمسنا النار والمعنى بلى تمسكم النار أبدا من كسب سيئة السيئة اسم يتناول ~~جميع المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة، والسيئة هنا الشرك في قول ابن عباس ~~وأحاطت به خطيئته أي أحدقت به من جميع جوانبه قال ابن عباس: هي ms0086 الشرك يموت ~~عليه صاحبه وقيل: أحاطت به أي أهلكته خطيئته وأحبطت ثواب طاعته فعلى مذهب ~~أهل السنة يتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية، بالكفر والشرك لقوله ~~تعالى: فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فإن الخلود في النار هو للكفار ~~والمشركين. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 82 الى 84] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى ~~واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم ~~توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات. فإن قلت: العمل الصالح خارج عن اسم ~~الإيمان لأنه تعالى قال: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر ~~العمل الصالح بعد الإيمان تكرارا. قلت: أجاب بعضهم بأن الإيمان وإن كان ~~يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلا أن قوله: آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلا ~~واحدا من أفعال الإيمان فإذا حسن أن يقول: والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقيل: إن قوله آمنوا يفيد الماضي وعملوا الصالحات يفيد المستقبل فكأنه ~~تعالى قال آمنوا أولا ثم داوموا عليه آخرا ويدخل فيه جميع الأعمال الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون قوله عز وجل: وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل يعني في التوراة. والميثاق العهد الشديد لا تعبدون إلا الله أي أمر ~~الله تعالى بعبادته فيدخل تحته النهي عن عبادة غيره لأن الله تعالى هو ~~المستحق للعبادة لا غيره وبالوالدين إحسانا أي برا بهما ورحمة لهما ونزولا ~~عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه، ~~ولا يؤذيهما البتة وإن كانا كافرين بل يجب عليه الإحسان إليهما ومن الإحسان ~~إليهما أن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا فاسقين يأمرهما # PageV01P057 # بالمعروف بالرفق، واللين من غير عنف وإنما عطف بر الوالدين على الأمر ~~بعبادته، لأن شكر المنعم واجب، ولله على عبده أعظم ms0087 النعم لأنه هو الذي خلقه ~~وأوجده بعد العدم فيجب تقديم شكره على شكر، غيره ثم إن للوالدين على الولد ~~نعمة عظيمة، لأنهما السبب في كون الولد ووجوده ثم إن لهما عليه حق التربية ~~أيضا فيجب شكرهما ثانيا وذي القربى أي القرابة لأن حق القرابة تابع لحق ~~الوالدين والإحسان إليهم: إنما هو بواسطة الوالدين فلهذا حسن عطف القرابة ~~على الوالدين واليتامى جمع يتيم وهو الذي مات أبوه وهو طفل صغير، فإذا بلغ ~~الحلم زال عنه اليتم وتجب رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور: لصغره ويتمه ~~ولخلوه، عمن يقوم بمصلحته إذ لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه، ولا يقوم بحوائجه ~~والمساكين جمع مسكين وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وإنما تأخرت درجة ~~المساكين عن اليتامى، لأنه قد يمكن أن ينتفع بنفسه وينفع غيره بالخدمة ~~وقولوا للناس حسنا فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب للحاضرين من اليهود في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا عدل من الغيبة إلى الحضور، والمعنى قولوا: ~~حقا وصدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا ~~صفته ولا تكتموها قاله ابن عباس. الوجه الثاني إن المخاطبين به هم الذين ~~كانوا في زمن موسى عليه السلام، وأخذ عليهم الميثاق وإنما عدل من الغيبة ~~إلى الحضور على طريق الالتفات كقوله: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~وقيل: فيه حذف تقديره وقلنا لهم: في الميثاق وقولوا: للناس حسنا ومعناه ~~مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن ~~الخلق وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولما أمرهم الله تعالى بهذه التكاليف ~~الثمانية لتكون لهم المنزلة عنده بما التزموا به أخبر عنهم أنهم ما وفوا ~~بذلك بقوله تعالى: ثم توليتم أي أعرضتم عن العهد إلا قليلا منكم يعني من ~~الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه فإنهم وفوا بالعهد وأنتم معرضون أي ~~كإعراض آبائكم. قوله عز وجل: وإذ أخذنا ميثاقكم قيل: هو خطاب لمن كان في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود وقيل: هو خطاب ms0088 لآبائهم وفيه تقريع ~~لهم لا تسفكون أي لا تريقون دماءكم أي لا يسفك بعضكم دم بعض وقيل: معناه لا ~~تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم أنتم سفكتم دماء أنفسكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره، وقيل: لا تفعلوا شيئا ~~فتخرجوا بسببه من دياركم ثم أقررتم أي بهذا العهد أنه حق وأنتم تشهدون يعني ~~أنتم يا معشر اليهود اليوم تشهدون على ذلك. ### || [سورة البقرة (2): آية 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) # ثم أنتم هؤلاء يعني يا هؤلاء اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضا ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم أي يخرج بعضكم بعضا من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم وإن يأتوكم أسارى جمع ~~أسير تفادوهم أي بالمال وهو استنقاذهم بالشراء، وقرئ تفادوهم أي تبادلوهم ~~وهو مفاداة الأسير بالأسير، ومعنى الآية أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل ~~في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا. ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما ~~عبد أو أمة من بني إسرائيل وجدتموه فاشتروه بما قام من ثمنه، وأعتقوه وكانت ~~قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حروب ~~فكانت بنو النضير تقاتل مع حلفائهم وبنو قريظة تقاتل مع حلفائهم فإذا غلب ~~أحد الفريقين أخرجوهم من ديارهم وخربوها. وكان إذا أسر رجل من الفريقين ~~جمعوا له مالا يفدونه به فعيرتهم العرب. وقالوا: كيف # PageV01P058 # تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فقالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فقالوا: كيف ~~تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نستحي أن تذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى فقال: ثم ~~أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم وإن ~~يأتوكم أسارى ms0089 تفدوهم فكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك ~~الإخراج وترك المظاهر مع أعدائهم وفك أسراهم فأعرضوا عن الكل إلا الفداء ~~قال الله عز وجل: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض معناه إن وجدتموهم في ~~يد غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل ~~بعضهم بعضا فذمهم على مناقضة أفعالهم لا على الفداء لأنهم أتوا ببعض ما وجب ~~عليهم وتركوا البعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم يعني يا معشر اليهود إلا خزي ~~في الحياة الدنيا أي عذاب وهوان فكان خزي بني قريظة القتل والسبي وخزي بني ~~النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات من أرض الشام ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب يعني عذاب النار وما الله بغافل عما تعملون ~~فيه وعيد وتهديد عظيم. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 86 الى 88] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # أولئك الذين اشتروا أي استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة لأن الجمع بين ~~لذات الدنيا والآخرة غير ممكن فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات ~~الآخرة فلا يخفف عنهم العذاب أي فلا يهون عليهم ولا هم ينصرون أي ولا ~~يمنعون من عذاب الله تعالى. قوله عز وجل: ولقد آتينا أي أعطينا موسى الكتاب ~~يعني التوراة جملة واحدة وقفينا أي وأتبعنا من التقفية وهو أن يقفو أثر ~~الآخر من بعده بالرسل يعني رسولا بعد رسول وكانت الرسل بعد موسى إلى زمن ~~عيسى عليهم السلام متواترة يظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة: قيل إن ~~الرسل بعد موسى يوشع بن نون وأشمويل وداود وسليمان وأرمياء وحزقيل وإلياس ~~ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله ~~تعالى عيسى عليه السلام فجاءهم بشريعة جديدة، وغير بعض ms0090 أحكام التوراة فذلك ~~قوله تعالى: وآتينا عيسى ابن مريم البينات أي الدلالات الواضحات وهي ~~المعجزات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل هي الإنجيل. واسم ~~عيسى بالسريانية أيشرع ومريم بمعنى الخادم وقيل هو اسم علم لها كزيد من ~~الرجال وأيدناه أي وقويناه بروح القدس قيل: # أراد بالروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى وأضاف روح عيسى إليه ~~تشريفا وتكريما وتخصيصا له كما تقول عبد الله وأمة الله وبيت الله وناقة ~~الله وقال ابن عباس هو اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى وقيل ~~هو الإنجيل لأنه حياة القلوب سماه روحا كما سمى القرآن روحا وقيل هو جبريل ~~ووصف بالقدس وهو الطهارة لأنه لم يفترق ذنبا قط وقيل القدس هو الله تعالى ~~والروح جبريل كما تقول عبد الله، سمي جبريل روحا للطافته لأنه روحاني خلق ~~من النور وقيل سمى روحا لمكانه من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب وحمل روح ~~القدس هنا على جبريل أولى لأنه تعالى قال وأيدناه أي قويناه بجبريل وذلك ~~أنه أمر أن يكون مع عيسى ويسير معه حيث سار فلم يفارقه حتى صعد به إلى ~~السماء فلما سمعت اليهود بذكر عيسى قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم ~~عملت ولا كما يقص علينا من أخبار الأنبياء فعلت فأتنا بما أتى به عيسى إن ~~كنت صادقا قال الله تعالى: أفكلما جاءكم يعني يا معشر اليهود رسول بما لا ~~تهوى تقبل أنفسكم استكبرتم أي تعظمتم عن الإيمان به # PageV01P059 # ففريقا كذبتم يعني مثل عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وفريقا تقتلون ~~يعني مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوه، وذلك أن اليهود كانوا إذا جاءهم رسول ~~بما لا يهوون كذبوه فإن تهيأ لهم قتله قتلوه وإنما كانوا كذلك لإرادتهم ~~الدنيا وطلب الرياسة وقالوا يعني اليهود قلوبنا غلف جمع أغلف وهو الذي عليه ~~غشاوة فلا يعي ولا يفقه. قال ابن عباس غلف بضم اللام جمع غلاف والمعنى أن ~~قلوبنا أوعية للعلم فلا تحتاج إلى علمك وقيل أوعية من ms0091 الوعي لا تسمع حديثا ~~إلا وعته إلا حديثك فإنها لا تعيه ولا تعقله ولو كان خيرا لفهمته ووعته قال ~~الله تعالى: بل لعنهم الله بكفرهم أي طردهم وأبعدهم من كل خير. وسبب كفرهم ~~أنهم اعترفوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أنكروه وجحدوه فلهذا ~~لعنهم الله تعالى: فقليلا ما يؤمنون أي لم يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن ~~من المشركين كان أكثر منهم. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 89 الى 90] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) # ولما جاءهم كتاب من عند الله يعني القرآن مصدق لما معهم يعني التوراة ~~وهذا التصديق في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن نبوته وصفته ثابتة ~~في التوراة وكانوا يعني اليهود من قبل أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستفتحون أي يستنصرون به على الذين كفروا يعني مشركي العرب وذلك أنهم ~~كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في ~~آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون ~~لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه ~~قتل عاد وإرم فلما جاءهم ما عرفوا أي الذي عرفوه يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه من غير بني إسرائيل كفروا به أي جحدوه وأنكروه ~~بغيا وحسدا فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أي بئس شيء ~~اشتروا به أنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق واشتروا بمعنى باعوا والمعنى ~~بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله يعني القرآن بغيا أي ~~حسدا أن ينزل الله من فضله يعني الكتاب والنبوة على من يشاء من ms0092 عباده يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فباؤ أي فرجعوا بغضب على غضب أي مع غضب قال ابن ~~عباس الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل والثاني بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن. # وقيل: الأول بعبادتهم العجل والثاني: بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وللكافرين يعني الجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم عذاب ~~مهين أي يهانون فيه. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 91 الى 93] # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين (91) ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون (92) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله يعني بالقرآن وقيل: بكل ما أنزل الله ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا يعني التوراة وما أنزل على أنبيائهم ويكفرون بما ~~وراءه أي بما سواه من الكتب وقيل: بما بعده يعني الإنجيل # PageV01P060 # والقرآن وهو الحق يعني القرآن مصدقا لما معهم يعني التوراة قل يا محمد ~~فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إنما أضاف القتل للمخاطبين من اليهود، وإن ~~كان سلفهم قتلوا لأنهم رضوا بفعلهم قيل: إذا عملت المعصية في الأرض فمن ~~كرهها وأنكرها بريء منها، ومن رضيها كان من أهلها إن كنتم مؤمنين أي ~~بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء. قوله عز وجل ولقد جاءكم موسى ~~بالبينات أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة ثم اتخذتم العجل من بعده ~~أي من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات وأنتم ظالمون إنما كرره تبكيتا لهم ~~وتأكيدا للحجة عليهم وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واسمعوا أي استجيبوا وأطيعوا أي فيما أمرتم به قالوا سمعنا يعني قولك ~~وعصينا يعني أمرك ms0093 وقيل إنهم لم يقولوا بألسنتهم، ولكن لما سمعوه وتلقوه ~~تلقوه بالعصيان فنسب ذلك إليهم وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أي تداخل ~~حبه في قلوبهم والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ في الثوب. وقيل: إن موسى ~~أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه ~~شيء من حب العجل، ظهر سحالة الذهب على شاربه قل بئسما يأمركم به إيمانكم أي ~~بأن تعبدوا العجل والمعنى بئس الإيمان إيمان يأمر بعبادة العجل إن كنتم ~~مؤمنين أي بزعمكم وذلك أنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا فكذبهم الله تعالى ~~بذلك في قوله تعالى: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 94 الى 96] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ~~(95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس وذلك أن اليهود ~~ادعوا دعاوى باطلة منها قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقولهم: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه فكذبهم الله وألزمهم الحجة فقال: قل يا محمد لليهود إن ~~كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة خالصة لكم دون الناس فتمنوا الموت أي ~~فاطلبوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه وأنها له حن إليها ولا سبيل إلى ~~دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني إن كنتم صادقين أي في قولكم ~~ودعواكم، روي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو تمنوا ~~الموت لغص كل إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات» قال الله ~~تعالى: ولن يتمنوه أبدا أي لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون بما قدمت أيديهم ~~يعني من الأعمال السيئة، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات ~~الإنسان تكون من يده والله عليم بالظالمين فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما ~~خصهم بالظلم ms0094 لأنه أعم من الكفر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا فلهذا ~~كان أعم وكانوا أولى به ولتجدنهم اللام للقسم والنون للتوكيد تقديره والله ~~لتجدنهم يا محمد يعني اليهود أحرص الناس على حياة أي حياة متطاولة، والحرص ~~أشد الطلب ومن الذين أشركوا قيل هو متصل بما قبله ومعطوف عليه والمعنى ~~وأحرص من الذين أشركوا. فإن قلت: # الذين أشركوا قد دخلوا تحت الناس في قوله أحرص الناس فلم أفردهم بالذكر؟. ~~قلت: أفردهم بالذكر لشدة حرصهم وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين لا يؤمنون ~~بالمعاد ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا لا يستبعد حرصهم عليها، فإذا زاد ~~عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالبعث والجزاء كان حقيقا بالتوبيخ ~~العظيم وقيل: إن الواو واو استئناف تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم ~~وهم المجوس سموا بذلك لأنهم يقولون: # بالنور والظلمة يود أن يتمنى أحدهم لو يعمر ألف سنة أي تعمير ألف سنة ~~وإنما خص الألف لأنها نهاية العقود # PageV01P061 # ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون: زه هزار سال أي عش ألف سنة أو ألف ~~نيروز أو ألف مهرجان فهذه تحيتهم. والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين ~~يقولون ذلك وما هو بمزحزحه أي بمباعده من العذاب أي النار أن يعمر أي لو ~~عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب والله بصير بما يعملون أي لا يخفى عليه ~~خافية من أحوالهم. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 97] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) # قل من كان عدوا لجبريل قال ابن عباس سبب نزول هذه الآية أن عبد الله بن ~~صوريا حبر من أحبار اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم أي ملك يأتيك من ~~السماء؟ قال جبريل قال ذلك عدونا ولو كان ميكائيل لآمنا بك إن جبريل ينزل ~~بالعذاب والشدة والخسف، وإنه عادانا مرارا وأشد ذلك علينا أن الله أنزل على ~~نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له: ms0095 بختنصر فلما كان زمنه بعثنا ~~من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكينا، فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن ~~كان الله أمره بهلاككم فلن تسلط عليه وإن لم يكن هو فعلى أي حق تقتله فلما ~~كبر ذلك الغلام وقوى غزانا وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله ~~هذه الآية وقيل: قالوا إن الله أمره أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا ~~فاتخذناه عدوا. وقيل إن عمر بن الخطاب كان له أرض بأعلى المدينة وكان ممره ~~إليها على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا يوما ما في ~~أصحاب محمد أحب إلينا منك وإنا لنطمع فيك فقال عمر والله ما آتيكم لحبكم ~~ولا أسألكم، لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم فقالوا من صاحب محمد الذي يأتيه ~~من الملائكة قال جبريل قالوا ذلك عدونا يطلع محمدا على سرنا وهو صاحب كل ~~عذاب وخسف وشدة، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلامة، فقال لهم: تعرفون جبريل ~~وتنكرون محمدا صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم قال فأخبروني عن منزلة جبريل ~~وميكائيل من الله تعالى قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل ~~عدو لجبريل فقال عمر أشهد أن من كان عدوا لأحدهما كان عدوا للآخر. ومن كان ~~عدوا لهما كان عدوا لله ثم رجع عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد ~~جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات وقال: ~~لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر: والله لقد رأيتني بعد ذلك في ديني أصلب من ~~الحجر. والأقرب أن سبب هذه العداوة كون جبريل كان ينزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالوحي لأن قوله: # فإنه نزله على قلبك مشعر بذلك وقوله فإنه نزله يعني جبريل نزل بالقرآن ~~كناية عن غير مذكور على قلبك يا محمد وإنما خص القلب بالذكر لأنه محل الحفظ ~~بإذن الله أي بأمره مصدقا أي موافقا لما بين يديه أي لما ms0096 قبله من الكتب ~~وهدى وبشرى للمؤمنين أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي ~~يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 98 الى 100] # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ~~(98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أوكلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال لما بين في الآية الأولى ~~أن من كان عدوا لجبريل لأجل، أنه نزل بالقرآن على قلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وجب أن يكون عدوا لله. لأن الله تعالى هو الذي نزله على محمد بين في ~~هذه الآية أن كل من كان عدوا لأحد هؤلاء، فإنه عدو لجميعهم وبين أن الله ~~عدوه بقوله: فإن الله عدو للكافرين فأما عداوتهم لله فإنها لا تضره ولا ~~تؤثر وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الدائم، الذي لا ضرر أعظم # PageV01P062 # منه، وقيل: المراد من عداوتهم لله وعداوتهم لأوليائه وأهل طاعته فهو ~~كقوله «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» أي يحاربون أولياء الله وأهل ~~طاعته. وقوله وملائكته ورسله، يعني أن من عادى واحدا منهم فقد عادى جميعهم ~~ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بجميعهم وجبريل وميكائيل إنما خصهما بالذكر وإن ~~كانا داخلين في جملة الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما وعلو منزلتهما وقدم ~~جبريل على ميكائيل لفضله عليه لأن جبريل ينزل بالوحي الذي هو غذاء الأرواح ~~وميكائيل ينزل بالمطر الذي هو سبب غذاء الأبدان، وجبريل وميكائيل اسمان ~~أعجميان. # ومعناهما: عبد الله وعبد الله لأن جبر وميك بالسريانية هو العبد وإيل هو ~~الله ولقد أنزلنا إليك آيات بينات قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا حيث ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل ~~عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآيات، ومعنى بينات واضحات ~~مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام وما يكفر بها أي وما يجحد بهذه ~~الآيات إلا الفاسقون ms0097 أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به أوكلما عاهدوا ~~عهدا قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ عليهم ~~من العهود في محمد صلى الله عليه وسلم وأن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف: ~~والله ما عهد إلينا في محمد عهد فأنزل الله هذه الآية أو كلما استفهام ~~إنكار عاهدوا عهدا هو قولهم: إنه قد أظل زمان نبي مبعوث وإنه في كتابنا ~~وقيل إنهم عاهدوا الله عهودا كثيرة ثم نقضوها نبذه أي طرح العهد ونقضه فريق ~~منهم يعني اليهود بل أكثرهم لا يؤمنون يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وكفر ~~فريق منهم بالجحد للحق. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 102 الى 101] # ولما جاءهم رسول من عند الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم مصدق لما ~~معهم يعني مصدق بصحة التوراة ونبوة موسى عليه الصلاة والسلام وقيل: إن ~~التوراة بشرت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم كان مجرد مبعثه مصدقا للتوراة نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله وراء ظهورهم قيل: أراد بالكتاب القرآن. وقيل: التوراة وهو الأقرب لأن ~~النبذ لا يكون إلا بعد التمسك، ولم يتمسكوا بالقرآن. أما نبذهم التوراة ~~فإنهم كانوا يقرءونها ولا يعملون بها. وقيل: إنهم أدرجوها في الحرير وحلوها ~~بالذهب ولم يعملوا ما فيها كأنهم لا يعلمون يعني أنهم نبذوا كتاب الله ~~ورفضوه عن علم به ومعرفة، وإنما حملهم على ذلك عداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهم علماء اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا ~~أمره وكان أولئك النفر قليلا. قوله عز وجل: واتبعوا ما تتلوا الشياطين يعني ~~اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين، ومعنى تتلو تقرأ من ~~التلاوة وقيل معناه تفتري وتكذب على ملك سليمان وهو قولهم: إن سليمان ملك ~~الناس بالسحر وقيل: على ملك سليمان أي على عهده وزمانه. وقصة ذلك أن ~~الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان آصف: هذا ما علم آصف بن برخيا ~~سليمان ms0098 الملك وكتبوه ودفنوه تحت كرسيه وذلك حين نزع الله عنه الملك ولم ~~يشعر بذلك وقيل: إن بني إسرائيل اشتغلوا بتعليم السحر في زمانه فمنعهم ~~سليمان من ذلك وأخذ كتبهم ودفنها تحت سريره، فلما مات استخرجها الشياطين. ~~وقالوا للناس إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه فأما صلحاء بني إسرائيل ~~وعلماؤهم فأنكروا ذلك. # PageV01P063 # وقالوا: معاذ الله أن يكون هذا العلم من علم سليمان وأما السفلة منهم. ~~فقالوا: هذا هو علم سليمان وأقبلوا على تعليمه وتركوا كتب أنبيائهم وفشت ~~الملامة لسليمان. فلم تزل هذه حالهم إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان عليه السلام فقال تعالى: واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان # يعني بالسحر ولم يعمل به، وفيه تنزيه سليمان عن السحر، وذلك أن اليهود ~~أنكروا نبوة سليمان، وقالوا: إنما حصل له هذا الملك وسخرت الجن والإنس له ~~بسبب السحر وقيل: إن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان ~~فبرأه الله من ذلك، وقيل إن بعض أحبار اليهود قال ألا تعجبون من محمد يزعم ~~أن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا فأنزل الله تعالى: وما كفر سليمان ~~يعني أن سليمان كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا ثم بين الله تعالى أن ~~الذي برأه منه لا حق بغيره فقال ولكن الشياطين كفروا يعني أن الذين اتخذوا ~~السحر لأنفسهم هم الذين كفروا ثم بين سبب كفرهم فقال تعالى: يعلمون الناس ~~السحر يعني ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر. وقيل: يحتمل أن يكون يعلمون ~~يعني اليهود الذين عنوا بقوله: واتبعوا. وسمي السحر سحرا لخفاء سببه، فلا ~~يفعل إلا في خفية وقيل: معنى السحر الإزالة وصرف الشيء عن وجهه تقول العرب ~~ما سحرك عن كذا أي ما صرفك عنه فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق ~~فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه هذا أصله من حيث اللغة، وأما حقيقته فقد ~~قيل: إنه عبارة عن التمويه والتخييل، ومذهب أهل السنة أن له ms0099 وجودا أو حقيقة ~~والعمل به كفر وذلك إذا اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان وروي ~~عن الشافعي أنه قال: السحر يخيل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل ~~به وقيل إن السحر يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الإنسان على صورة الحمار، ~~والحمار على صورة الكلب وقد يطير الساحر في الهواء، وهذا القول ضعيف عند ~~أهل السنة لأنهم قالوا: إن الله تعالى هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند ~~عمل الساحر لذلك إلا أن الساحر هو الفاعل لها المؤثر فيها والأصح، أن السحر ~~يخيل ويؤثر في الأبدان بالأمراض والجنون والموت، ويدل على ذلك أن للكلام ~~تأثيرا في الطباع فقد يسمع الإنسان ما يكره فيحم، وقد مات قوم بكلام سمعوه ~~فالسحر بمنزلة العلل في الأبدان وأما حكمه فإنه # من الكبائر التي نهى عنها، ويحرم تعلمه لما روي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله ~~وما هن؟ قال: الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ~~وأكل مال اليتيم والزنا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات» أخرجاه في الصحيحين. فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر من ~~الكبائر وثناه بالشرك وأمرنا باجتنابه، وقوله: الموبقات يعني المهلكات ~~والسحر على قسمين: أحدهما، يكفر به صاحبه وهو أن يعتقد أن القدرة لنفسه في ~~ذلك، وهو المؤثر أو يعتقد أن الكواكب هي المؤثرة الفعالة فإذا انتهى به ~~السحر إلى هذه الغاية صار كافرا بالله تعالى، ويجب قتله لما روي عن جندب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حد الساحر ضربه بالسيف» أخرجه الترمذي. ~~والقسم الثاني، من السحر وهو التخييل الذي يشاكل النيرنجيات والشعبذة، ولا ~~يعتقد صاحبه لنفسه فيه قدرة ولا أن الكواكب هي المؤثرة ويعتقد أن القدرة ~~لله تعالى، وأنه هو المؤثر فهذا القدر لا يكفر به صاحبه ولكنه معصية وهو من ~~الكبائر، ويحرم فعله فإن قتل بسحره قتل قصاصا لما روي عن مالك أنه بلغه أن ms0100 ~~حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها وقد كانت دبرتها، ~~فأمرت بها فقتلت أخرجه في الموطأ. قوله عز وجل: وما أنزل على الملكين أي ~~ويعلمون الذي أنزل على الملكين والإنزال هنا بمعنى الإلهام والتعليم أي ما ~~ألهما وعلما وقرئ في الشاذ الملكين بكسر اللام. قال: هما رجلان ساحران كانا ~~ببابل. وقيل: علجان ووجهه أن الملائكة لا يعلمون السحر والقراءة المشهورة ~~بفتح اللام. فإن قلت: كيف يجوز أن يضاف إلى الله تعالى إنزال ذلك على ~~الملائكة وكيف يجوز للملائكة تعليم السحر؟ قلت: قال ابن جرير الطبري إن ~~الله تعالى عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه ثم أمرهم ونهاهم ~~بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه، ولو كان الأمر على غير ذلك لما ~~كان # PageV01P064 # للأمر والنهي معنى مفهوم، والسحر مما نهى عباده من بني آدم عنه فغير منكر ~~أن يكون الله تعالى علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله وجعلهما فتنة ~~لعباده من بني آدم كما أخبر عنهما أنهم يقولان: لمن جاء يتعلم ذلك منهما: ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن السحر وعن ~~التفريق بين المرء وزوجه فيتمحض المؤمن بتركه التعليم منهما، ويجري للكافر ~~بتعلمه الكفر والسحر منهما ويكون الملكان في تعليمهما ما علما من ذلك ~~مطيعين لله تعالى إذ كان عن إذن الله تعالى، لهما بتعليم ذلك وغير ضارهما ~~سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما ما بعد نهيهما إياه عنه بقولهما إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر، إذ كانا قد أديا ما أمرا به. وقال غيره إنهما لا يتعمدان ~~ذلك بل يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه فالشقي من ترك نصحهما، ~~وتعلم السحر من وصفهما، والسعيد من قبل نصحهما وترك تعلم السحر منهما. ~~وقيل: إن الله تعالى امتحن الناس بهما في ذلك الزمان فالشقي من تعلم السحر ~~منهما فيكفر به والسعيد من تركه فيبقى على إيمانه، ولله تعالى أن يمتحن ~~عباده بما شاء كما امتحن بني إسرائيل بنهر ms0101 طالوت بقوله: «فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني» ببابل قيل: هي بابل العراق بأرض الكوفة سميت ~~بذلك لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود. وقيل: # إنها بابل نهاوند والأول أصح وأشهر هاروت وماروت اسمان سريانيان. وقصة ~~الآية على ما ذكره ابن عباس وغيره. قالوا: إن الملائكة لما رأوا ما يصعد ~~إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم. ~~وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم وهم يعصونك فقال الله تعالى: ~~لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا قالوا: ~~سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من ~~خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة ~~وأعبدهم وكان اسم هاروت عزا وماروت عزايا، فغير اسمهما لما قارفا الذنب ~~وركب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض وأمرهما أن يحكما بين الناس ~~بالحق ونهاهما عن الشرك، والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان ~~بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء فما مر ~~عليهما شهر حتى افتتنا. وقيل: بل افتتنا في أول يوم وذلك أنه اختصم إليهما ~~امرأة يقال لها: الزهرة وكانت من أجمل أهل فارس. وقيل: كانت ملكة فلما ~~رأياها أخذت بقلوبهما فقال أحدهما لصاحبه هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في ~~نفسي. قال: نعم فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني ~~ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت: لا إلا أن تعبدا هذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا ~~الخمر فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها. ~~فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث، ومعها قدح خمر وفي أنفسهما من الميل ~~إليها ما فيها فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: ~~الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فشربا فلما ~~انتشيا وقعا بالمرأة فزنيا بها فرآهما إنسان فقتلاه خوف الفضيحة. وقيل: ~~إنهما سجدا للصنم. ms0102 # وقيل: جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها. فقال: أحدهما للآخر هل ~~سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي؟ قال: نعم قال هل لك أن تقضي لها على ~~زوجها فقال له صاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب. فقال له ~~صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها فقالت: لا إلا ~~أن يقضيا لي على زوجي فقضيا. ثم سألاها نفسها فقالت: لا إلا أن تقتلاه فقال ~~أحدهما: لصاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه ~~أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فقتلاه ثم سألاها نفسها فقالت: لا ~~إلا أن لي صنما أعبده إن أنتما صليتما معي عنده فعلت. فقال أحدهما: لصاحبه ~~مثل القول الأول فرد عليه مثله فصليا معها عنده فمسخت شهابا. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: قالت لهم لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به ~~إلى السماء فقالا: اسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما بمدركي حتى تعلماني ~~إياه فقال أحدهما للآخر: علمها. فقال: إني أخاف الله فقال الآخر فأين رحمة ~~الله فعلمها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء # PageV01P065 # فمسخها الله كوكبا، فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة بعينها وأنكر آخرون ~~ذلك وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السيارة السبعة التي أقسم الله بها فقال: ~~فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والتي فتنت هاروت وماروت كانت امرأة تسمى ~~الزهرة لجمالها وحسنها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا. قالوا: فلما أمسى ~~هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب، هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما ~~أجنحتهما، فعلما ما حل بهما فقصدا إدريس النبي عليه السلام وأخبراه بأمرهما ~~وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل. وقالا له: رأينا يصعد لك من العبادة ~~مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك ففعل ذلك إدريس فخيرهما ~~الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. # فاختاروا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان قيل: إنهما ~~معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة. # وقيل: ms0103 إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد. وقيل: إن رجلا قصدهما ليتعلم ~~السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ~~ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك ~~هاله فقال: لا إله إلا الله فلما سمعا كلامه قالا: لا إله إلا الله من أنت؟ ~~قال: رجل من الناس. فقالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قالا؟ أو قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم قال: نعم فقال: الحمد لله ~~وأظهر الاستبشار فقال الرجل مم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة وقد دنا ~~انقضاء عذابنا. # (فصل: في القول بعصمة الملائكة) أجمع المسلمون على أن الملائكة معصومون ~~فضلا، واتفق أئمة المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة حكم النبيين، سواء ~~في العصمة في باب البلاغ عن الله عز وجل وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء ~~فكذلك الملائكة وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم، كالأنبياء مع أممهم، ~~ثم اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة فذهب طائفة من المحققين. وجميع ~~المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي، واحتجوا على ذلك ~~بوجوه سمعية وعقلية، وذهب طائفة إلى أن غير المرسلين من الملائكة غير ~~معصومين، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية منها قصة هاروت وماروت عن علي ~~وما نقله أهل الأخبار والسير. # ونقله ابن جرير الطبري في تفسيره عن جماعة من الصحابة والتابعين فنقل قصة ~~هاروت وماروت بألفاظ متقاربة. # عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد. ~~وأجاب من ذهب إلى عصمة جميع الملائكة عن قصة هاروت وماروت، بأن ما نقله ~~المفسرون وأهل الأخبار في ذلك لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ~~شيء وهذه الأخبار إنما أخذت من اليهود، وقد علم افتراؤهم على الملائكة ~~والأنبياء وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآيات، افتراء اليهود على سليمان ~~أولا، ثم عطف على ذلك قصة هاروت وماروت ثانيا، قالوا: ومعنى الآية وما كفر ~~سليمان يعني بالسحر الذي ms0104 افتعله عليه الشياطين، واتبعتهم في ذلك اليهود ~~فأخبر عن افترائهم وكذبهم، وذكروا أيضا في الجواب عن هذه القصة وأنها باطلة ~~وجوها: الأول: إن في القصة أن الله تعالى قال: للملائكة لو ابتليتم بما ~~ابتليت به بنو آدم لعصيتموني، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك ~~وفيه رد على الله تعالى وذلك كفر وقد ثبت أنهم كانوا معصومين قبل ذلك فلا ~~يقع هذا منهم. الوجه الثاني: أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ~~وذلك فاسد لأن الله تعالى لا يخير من أشرك، وإن كان قد صحت توبتهما فلا ~~عقوبة عليهما. # الوجه الثالث أن المرأة لما فجرت فكيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وصارت ~~كوكبا وعظم الله قدرها بحيث أقسم بها في قوله: فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس فبان بهذه الوجوه ركة هذه القصة، والله أعلم بصحة ذلك وسقمه. والأولى ~~تنزيه الملائكة عن كل ما لا يليق بمنصبهم وقوله تعالى: وما يعلمان من أحد ~~حتى يقولا يعني وما يعلمان أحدا حتى ينصحاه أولا ويقولا إنما نحن فتنة أي ~~ابتلاء ومحنة فلا تكفر أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، قيل: يقولان إنما ~~نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات فإن أبى قبول نصحهما وصمم على التعليم يقولان ~~له: ائت هذا الرماد فبل عليه فإذا فعل ذلك خرج منه نور ساطع في السماء فذلك ~~الإيمان # PageV01P066 # والمعرفة. وينزل شيء أسود مثل الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله ~~تعالى: فيتعلمون منهما يعني من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه أي ~~علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين، كالتمويه والتخييل ~~والنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده البغضاء والنشوز، والخلاف بين ~~الزوجين ابتلاء من الله تعالى لا أن السحر له تأثير في نفسه بدليل قوله: ~~وما هم يعني السحرة بضارين به أي بالسحر من أحد أي أحدا إلا بإذن الله أي ~~بعلمه وقضائه وتكوينه فالساحر يسحر والله تعالى يقدر ويكون ذلك بقضائه ~~تعالى وقدرته ومشيئته ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ms0105 يعني السحر لأنهم ~~يقصدون به الشر ولقد علموا يعني اليهود لمن اشتراه أي اختار السحر ما له في ~~الآخرة من خلاق يعني ما له نصيب في الجنة ولبئس ما شروا به أنفسهم أي باعوا ~~حط أنفسهم حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحق لو كانوا يعلمون فإن ~~قلت: كيف أثبت الله لهم العلم أولا في قوله: ولقد علموا على التوكيد القسمي ~~ثم نفاه عنهم آخر في قوله لو كانوا يعلمون. قلت: قد علموا أن من اشترى ~~السحر ما له في الآخرة من خلاق ثم مع هذا العلم خالفوا واشتغلوا بالسحر ~~وتركوا العمل بكتاب الله تعالى وما جاءت به الرسل عنادا منهم وبغيا، وذلك ~~على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك منهم من العقاب فكأنهم حين لم يعملوا ~~بعلمهم كانوا منسلخين منه. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 103 الى 104] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب ~~أليم (104) # ولو أنهم يعني اليهود آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن واتقوا ~~يعني اليهودية والسحر، وما يؤثمهم لمثوبة من عند الله أي لكان ثواب الله ~~إياهم خير لهم يعني هذا الثواب لو كانوا يعلمون يعني ذلك. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا سبب نزول هذه الآية: ~~أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله من المراعاة أي ارعنا سمعك ~~وفرغه لكلامنا وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا، بلغة اليهود ومعناها عندهم اسمع ~~لا سمعت. وقيل: من الرعونة إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا: راعنا يعني ~~أحمق فلما سمعت اليهود هذه الكلمة من المسلمين قالوا فيما بينهم كنا نسب ~~محمدا سرا فأعلنوا به الآن فكانوا يأتونه ويقولون راعنا يا محمد ويضحكون ~~فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه ففطن لها وكان يعرف ~~لغتهم فقال لليهود لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها فأنزل ms0106 الله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقولوا راعنا أي لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقولوا انظرنا أي انظر إلينا. وقيل معناه انتظرنا وتأن ~~بنا وفهمنا واسمعوا أي ما تؤمرون به وأطيعوا نهى الله تعالى عباده المؤمنين ~~أن يقولوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم راعنا لئلا يتطرق أحد إلى شتمه ~~وأمرهم بتوقيره وتعظيمه وأن يتخيروا لخطابه صلى الله عليه وسلم من الألفاظ ~~أحسنها ومن المعاني أدقها، وإن سألوه بتبجيل وتعظيم ولين لا يخاطبوه بما ~~يسر اليهود وللكافرين يعني اليهود عذاب أليم أي مؤلم. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 105 الى 106] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ~~(106) # ما يود أي ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود ولا المشركين ~~يعني عبدة الأوثان لأن الكفر اسم جنس تحته نوعان أهل الكتاب وهم الذين ~~بدلوا كتابهم وكذبوا الرسل وعبدة الأوثان وهم من عبدوا غير الله أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم يعني ما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من الوحي والنبوة، وإنما # PageV01P067 # كرهت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسدا وبغيا منهم على المؤمنين، ~~وذلك أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: ما هذا الذي تدعوننا إليه بخير مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيرا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم والله يختص برحمته من يشاء يعني أنه ~~تعالى يختص بنبوته ورسالته من يشاء من عباده، ويتفضل بالإيمان والهداية على ~~من أحب من خلقه رحمة منه لهم والله ذو الفضل العظيم يعني أن كل خير ناله ~~عباده في دينهم ودنياهم، فإنه منه ابتداء وتفضلا عليهم من غير استحقاق أحد ~~منهم لذلك بل له ms0107 الفضل والمنة على خلقه. قوله عز وجل: ما ننسخ من آية أو ~~ننسها الآية. وسبب نزولها أن المشركين قالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ~~ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول: اليوم قولا ويرجع عنه غدا ما يقول: إلا ~~من تلقاء نفسه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: إذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر فأنزل ما ننسخ من آية فبين بهذه ~~الآية وجه الحكمة في النسخ وأنه من عنده لا من عند محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وأصل النسخ في اللغة يكون بمعنى النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب، وهو ~~أن ينقل من كتاب إلى كتاب آخر كذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي ~~إثبات مثله في كتاب آخر، فعلى هذا المعنى يكون القرآن كله منسوخا، وذلك أنه ~~نسخ من اللوح المحفوظ ونزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ويكون النسخ بمعنى ~~الرفع والإزالة وهو إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل، والشيب الشباب ~~فعلى هذا المعنى يكون بعض القرآن منسوخا وبعضه ناسخا، وهو المراد من حكم ~~هذه الآية وهو إزالة الحكم بحكم يعقبه. # (فصل في حكم النسخ) هو في اصطلاح العلماء، عبارة عن رفع الحكم الشرعي ~~بدليل شرعي متأخر عنه، والنسخ جائز عقلا وواقع سمعا خلافا لليهود، فإن منهم ~~من ينكره عقلا لكنه منعه سمعا، وشذت طائفة قليلة من المسلمين فأنكرت النسخ ~~احتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ، ووقوعه بأن الدلائل قد دلت على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح، إلا مع القول، بالنسخ وهو نسخ ~~شرع من قبله فوجب القطع بالنسخ. ولنا على اليهود إلزامات: منها أن الله ~~تعالى حرم عليهم العمل في يوم السبت، ولم يحرمه على من كان قبلهم. ومنها ~~أنه قد جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه الصلاة والسلام عند ~~خروجه من الفلك: إني جعلت كل دابة مأكولا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم. ثم ~~إنه تعالى حرم على موسى عليه الصلاة والسلام وعلى ms0108 بني إسرائيل كثيرا من ~~الحيوانات. ومنها إن آدم عليه الصلاة والسلام كان يزوج الأخ للأخت وقد حرمه ~~على من بعده وعلى موسى عليه الصلاة والسلام فثبت بهذا جواز النسخ، وحيث ثبت ~~جواز النسخ فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها أن القرآن نسخ جميع الشرائع ~~والكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما. الوجه الثاني المراد من النسخ ~~هو نسخ القرآن ونقله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا الوجه الثالث، وهو ~~الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن المراد من النسخ هو رفع حكم بعض الآيات ~~بدليل آخر يأتي بعده وهو المراد بقوله تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها لأن الآية إذ أطلقت، فالمراد به آيات القرآن لأنه هو ~~المعهود عندنا. # مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة، ~~واستدل بهذه الآية وهو أنه تعالى قال: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها وذلك يفيد أنه تعالى هو الآتي والمؤتي به هو من جنس القرآن، ~~وما كان من جنس القرآن فهو قرآن. وقوله: نأت بخير منها يفيد أنه هو المنفرد ~~بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة ولأن السنة ~~لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله. واحتج الجمهور على جواز نسخ الكتاب ~~بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية ~~لوارث» أجاب الشافعي رضي الله عنه: بأن هذا ضعيف لأن كون الميراث حقا ~~للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية فثبت أن آية الميراث مانعة من # PageV01P068 # الوصية، وتقرير هذا وبسطه معروف في أصول الفقه. ثم النسخ في القرآن على ~~وجوه: أحدها ما رفع حكمه وتلاوته كما روى عن أبي إمامة بن سهل: أن قوما من ~~الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «تلك السورة رفعت بتلاوتها وحكمها» أخرجه البغوي بغير سند. ~~وقيل: إن ms0109 سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة فرفع بعضها تلاوة وحكما. # الوجه الثاني، ما رفع تلاوته وبقي حكمه مثل آية الرجم روي عن ابن عباس ~~قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ~~فقرأناها، ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله ~~فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا ~~أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. أخرجه ~~مسلم وللبخاري نحوه. والوجه الثالث ما رفع حكمه وثبت خطه وتلاوته وهو كثير ~~في القرآن، مثل آية الوصية للأقربين نسخت بآية الميراث عند الشافعي وبالسنة ~~عند غيره وآية عدة الوفاة بالحول، نسخت بآية أربعة أشهر وعشرا وآية القتال ~~وهي قوله: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين الآية نسخت بقوله: الآن ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية ومثل هذا كثير في القرآن. وأما معنى ~~الآية فقوله: ما ننسخ من آية أي نرفعها أو نرفع حكمها أو ننسها قرئ بضم ~~النون وكسر السين، ومعناها نثبتها على قلبك وقال ابن عباس: نتركها لا ~~ننسخها. وقيل: معناه نأمر بتركها فعلى هذا يكون النسخ الأول رفع الحكم، ~~وإقامة غيره مقامه والإنساء نسخ من غير إقامة غيره مقامه وقرئ ننسأها بفتح ~~النون والسين وبالهمزة ومعناها: نؤخرها فلا ننزلها أو نرفع تلاوتها ونؤخر ~~حكمها كآية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة، والحكم قال ~~سعيد بن المسيب وعطاء: ما ننسخ من آية فهو ما نزل من القرآن جعلاه من نسخت ~~الكتاب إذا نقلته إلى كتاب آخر وننسأها أن نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ~~فلا ننزلها نأت بخير منها أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجوركم ~~وليس معناه أن آية خير من آية لأن ms0110 كلام الله تعالى كله واحد أو مثلها أي في ~~المنفعة والثواب فما نسخ إلى الأيسر كان أسهل في العمل كالذي كان على ~~المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فكان خيرا لهم في عاجلهم لسقوط ~~التعب والمشقة عليهم، وما نسخ إلى الأشق كان أكمل في الثواب كالذي كان ~~عليهم من صيام أيام معدودات في السنة فنسخ ذلك، وفرض صيام شهر رمضان فكان ~~صوم شهر كامل في كل سنة أثقل على الأبدان، وأشق من صيام أيام معدودات فكان ~~ثوابه أكمل وأكثر. أما المثل فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس، وصرفه إلى ~~المسجد الحرام واستواء الأجر في ذلك لأن على المصلي التوجه إلى حيث أمره ~~الله تعالى: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير أي على النسخ والتبديل، ~~والمعنى ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته ~~من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين ~~وأنفع لك ولهم عاجلا وآجلا. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 107 الى 108] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعني أنه تعالى هو المتصرف في ~~السموات والأرض، وله سلطانهما دون غيره يحكم فيهما وفيما فيهما بما شاء من ~~أمر ونهي ونسخ وتبديل هذا الخبر وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لكن فيه تكذيب لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام # PageV01P069 # فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض، وأن الخلق كلهم عبيده وتحت تصرفه ~~يحكم فيهم بما يشاء، وعليهم السمع والطاعة وما لكم يعني يا معشر الكفار عند ~~نزول العذاب من دون الله أي مما سوى الله من ولي أي قريب وصديق، وقيل من ~~وال وهو المقيم بالأمور ولا نصير أي ناصر يمنعكم من العذاب ms0111 وقيل في معنى ~~الآية، وليس لكم أيها المؤمنين بعد الله من قيم يأمركم ولا نصير يؤيدكم، ~~ويقويكم على أعدائكم. قوله عز وجل: أم تريدون أن تسئلوا رسولكم نزلت في ~~اليهود، وذلك أنهم قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى ~~بالتوراة، وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن ~~لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا كما سئل قوم موسى فقالوا: أرنا الله ~~جهرة فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى أتريدون وقيل بل تريدون أن ~~تسألوا رسولكم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم كما سئل موسى من قبل وذلك أن ~~موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة ففي الآية منعهم ونهيهم عن السؤالات ~~المقترحة بعد ظهور الدلالات والمعجزات وثبوت الحجج والبراهين على صحة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ومن يتبدل أي يستبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء ~~السبيل أي أخطأ قصد الطريق، وقيل: # إن قوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان خطاب للمؤمنين أعلمهم أن اليهود أهل غش ~~وحسد، وأنهم يتمنون للمؤمنين المكاره فنهاهم الله تعالى أن يقبلوا من ~~اليهود شيئا ينصحونهم به في الظاهر، وأخبرهم أن من ارتد عن دينه فقد أخطأ ~~قصد السبيل. قوله عز وجل:. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 109 الى 110] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) # ود كثير من أهل الكتاب نزلت هذه الآية في نفر من اليهود، وذلك أنهم قالوا ~~لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هربتم ~~فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال عمار بن ياسر. كيف نقض العهد ~~فيكم قالوا شديد قال: إني عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما ~~عشت قالت ms0112 اليهود، أما هذا فقد، صبأ وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا ~~وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين ~~إخوانا. ثم إنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال: ~~أصبتما الخير وأفلحتما فأنزل الله تعالى: ود أي تمنى كثير من أهل الكتاب ~~يعني اليهود لو يردونكم أي يا معشر المؤمنين من بعد إيمانكم كفارا أي ~~ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر حسدا أي يحسدونكم حسدا وأصل الحسد تمني ~~زوال النعمة عمن يستحقها، وربما يكون مع ذلك سعي في إزالتها، والحسد مذموم ~~لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال ~~العشب» أخرجه أبو داود، فإذا أنعم الله على عبده نعمة فتمنى آخر زوالها ~~عنه، فهذا هو الحسد وهو حرام فإن استعان بتلك النعمة على الكفر، والمعاصي ~~فتمنى آخر زوالها عنه فليس بحسد، ولا يحرم ذلك لأنه لم يحسده على تلك ~~النعمة، من حيث إنها نعمة بل من حيث إنه يتوصل بتلك النعمة إلى الشر ~~والفساد وقوله: من عند أنفسهم أي من تلقاء أنفسهم لم يأمرهم الله بذلك من ~~بعد ما تبين لهم الحق يعني في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وسلم ~~ودينه، حق لا يشكون فيه فكفروا به حسدا وبغيا فاعفوا واصفحوا أي فتجاوزوا ~~عما كان منهم من إساءة وحسد وكان هذا الأمر بالعفو، والصفح قبل أن يؤمر ~~بالقتال حتى يأتي الله بأمره أي بعذابه وهو القتل والسبي لبني قريظة ~~والإجلاء والنفي لبني النضير قال ابن عباس: هو أمر الله له بقتالهم في ~~قوله: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية إن الله على كل ~~شيء قدير فيه وعيد وتهديد لهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لما أمر الله ~~المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة الواجبتين، ونبه بذلك على سائر # PageV01P070 # الواجبات ثم قال تعالى: وما تقدموا ms0113 لأنفسكم من خير أي من طاعة وعمل صالح، ~~وقيل أراد بالخير المال يعني صدقة التطوع، لأن الزكاة تقدم ذكرها تجدوه عند ~~الله يعني ثوابه وأجره حتى التمرة واللقمة مثل أحد إن الله بما تعملون بصير ~~أي لا يخفى عليه شيء من قليل الأعمال، وكثيرها ففيه ترغيب في الطاعات، ~~وأعمال البر وزجر عن المعاصي. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 111 الى 113] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(113) # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني يهوديا، وقيل هو جمع هائد أو ~~نصارى وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا ~~دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ولا دين ~~إلا دين النصرانية قيل: نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا مع اليهود ~~في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذب بعضهم بعضا في دعواه قال الله: ~~تلك أمانيهم أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير حق قل يعني يا ~~محمد هاتوا برهانكم أي حجتكم على دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان ~~يهوديا أو نصرانيا دون غيرهم إن كنتم صادقين يعني فيما تدعون. ثم قال تعالى ~~ردا عليهم: بلى أي ليس الأمر كما تزعمون ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فإنه الذي يدخل الجنة وينعم فيها ومعنى أسلم وجهه لله أخلص في دينه لله، ~~وقيل: أخلص عبادته لله. وقيل خضع وتواضع لله، لأن أصل الإسلام الاستسلام ~~وهو الخضوع، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء، وإذا جاد الإنسان ~~بوضع وجهه على الأرض في السجود ms0114 فقد جاد بجميع أعضائه، قال عمرو بن نفيل: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا # يعني بذلك استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته الأرض والمزن، وهو محسن أي في ~~عمله لله فله أجره عند ربه أي ثواب عمله ولا خوف عليهم أي في الآخرة ولا هم ~~يحزنون أي على ما فاتهم من الدنيا. # قوله عز وجل: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران، وذلك أن وفد نجران لما ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود وتناظروا حتى ~~ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود للنصارى: ما أنتم على شيء من الذين وكفروا ~~بعيسى والإنجيل وقالت النصارى لليهود ما أنتم على شيء من الذين وكفروا ~~بموسى والتوراة فأنزل الله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب يعني وكلا الفريقين يقرءون ~~الكتاب، وليس في كتابهم هذا الاختلاف فدلت تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم لما ~~فيه على كفرهم وكونهم على الباطل. # وقيل: إن الإنجيل الذي تدين بصحته النصارى يحقق ما في التوراة من نبوة ~~موسى وما فرض الله فيها على بني إسرائيل من الفرائض، وإن التوراة التي تدين ~~بصحتها اليهود تحقق نبوة عيسى وما جاء به من عند ربه من الأحكام ثم كلا ~~الفريقين، قالوا: ما أخبر الله عنهم بقوله: وقالت اليهود ليست النصارى على ~~شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء مع علم كل واحد من الفريقين ببطلان ~~ما قاله: كذلك قال الذين لا يعلمون يعني مشركي العرب قالوا في نبيهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنهم ليسوا على شيء مثل قولهم يعني مثل قول ~~اليهود # PageV01P071 # للنصارى والنصارى لليهود. وقيل: أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. # قالوا في أنبيائهم: ليسوا على شيء فالله يحكم أي يقضي بينهم يوم القيامة ~~يعني بين المحق والمبطل فيما كانوا فيه يختلفون ms0115 يعني من أمر الدين قوله عز ~~وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 114 الى 115] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~(115) # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه نزلت في خراب بيت المقدس ~~وذلك أن ططوس الرومي غزا بني إسرائيل فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وحرق ~~التوراة وخرب بيت المقدس فلم يزل خرابا حتى بناه المسلمون في زمن عمر بن ~~الخطاب فأنزل الله تعالى ومن أظلم أي ومن أكفر وأبغى ممن منع مساجد الله، ~~يعني بيت المقدس ومحاريبه أن يذكر فيها اسمه أي يعبد ويصلي له فيها وسعى في ~~خرابها وقيل: أن بختنصر المجوسي من أهل بابل هو الذي غزا بني إسرائيل وخرب ~~بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى من أجل اليهود، قتلوا يحيى بن زكريا ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين وذلك أن بيت المقدس موضع حج ~~النصارى وزيارتهم قال ابن عباس: لم يدخلها بعد عمارتها رومي أو نصراني إلا ~~خائفا إن علم به قتل وقيل أخيفوا بالجزية والقتل فالجزية على الذمي، والقتل ~~على الحربي وقيل: خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية ورومية وعمورية ~~لهم في الدنيا خزي يعني الصغار والذل والقتل والسبي ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم يعني النار. وقيل: إن الآية نزلت في مشركي مكة وأراد بالمساجد المسجد ~~الحرام وذلك أنهم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يصلوا فيه ~~في ابتداء الإسلام، ومنعوهم من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا ~~من يعمره بذكر الله تعالى وصلواته فيه فقد سعوا في خرابه أولئك ما كان لهم ~~أن يدخلوها إلا خائفين يعني مشركي مكة يقول الله تعالى: أفتحها عليكم أيها ~~المسلمون حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم ففتحها عليهم وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن ينادى بالموسم ms0116 لما نزلت سورة براءة: ألا لا يحجن البيت ~~بعد هذا العام مشرك فكان هذا خوفهم وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول ~~الحرم. فإن قلت كيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد ~~وهو إما بيت المقدس أو المسجد الحرام؟. قلت يجوز أن يجيء الحكم عاما وإن ~~كان السبب خاصا كما تقول لمن آذى صالحا واحدا ومن أظلم ممن آذى الصالحين. ~~فإن قلت أي القولين أرجح؟. قلت رجح الطبري القول الأول وقال إن النصارى هم ~~الذين سعوا في خراب بيت المقدس بدليل أن مشركي مكة لم يسعوا في خراب المسجد ~~الحرام، وإن كانوا قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات ~~من الصلاة فيه، وأيضا فإن الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل ~~الكتاب، ولم يجر لمشركي مكة ذكر ولا للمسجد الحرام فتعين أن يكون المراد ~~بهذه بيت المقدس، ورجح غيره القول الثاني بدليل أن النصارى يعظمون بيت ~~المقدس أكثر من اليهود فكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم. وذكر ابن العربي ~~في أحكام القرآن قولا ثالثا، وهو أنه كل مسجد قال وهو الصحيح لأن اللفظ عام ~~ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال. قوله عز وجل: ~~ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله سبب نزول هذه الآية قال ابن ~~عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل ~~القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ~~ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية. وعن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين ~~القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت # PageV01P072 # فأينما تولوا فثم وجه الله أخرجه الترمذي. وقال ms0117 حديث غريب. وقال ابن عمر ~~نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته (ق) عن ابن عمر قال: ~~«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ~~يومئ» وكان ابن عمر يفعله وفي رواية لمسلم «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت وفيه نزلت فأينما ~~تولوا فثم وجه الله الآية. وقيل: نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة وذلك أن ~~اليهود عيرت # المؤمنين وقالوا: ليس لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة ~~يستقبلون هكذا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في تخيير النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ليصلوا حيث شاؤوا من النواحي ثم إنها نسخت بقوله ~~تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام ومعنى الآية إن لله المشرق والمغرب وما ~~بينهما خلقا وملكا، وإنما خص المشرق والمغرب اكتفاء عن جميع الجهات لأن له ~~كلها وما بينهما خلقه وعبيده، وإن على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم ~~عنه فما أمرهم باستقباله فهو القبلة فإن القبلة ليست قبلة لذاتها بل لأن ~~الله تعالى جعلها قبلة، وأمر بالتوجه إليها فأينما تولوا فثم وجه الله أي ~~فهنالك قبلة الله التي وجهكم إليها، وقيل معناه فثم وجه الله تعالى بعلمه ~~وقدرته. والوجه صفة ثابتة لله تعالى لا من حيث الصورة. وقيل: فثم رضا الله ~~أي يريدون بالتوجه إليه رضاه إن الله واسع من السعة وهو الغني أي يسع خلقه ~~كلهم بالكفاية، والإفضال والجود والتدبير. وقيل واسع المغفرة عليم أي ~~بأعمالكم ونياتكم حيثما تصلوا، وتدعوا لا يغيب عنه منها شيء. # (مسألة تتعلق بحكم الآية) وهي أن المسافر إذا كان في مفازة أو بلاد ~~الشرك، واشتبهت عليه القبلة فإنه يجتهد في طلها بنوع من الدلائل ويصلي إلى ~~الجهة التي أدى إليها اجتهاده ولا إعادة عليه وإن لم يصادف القبلة فإن جهة ~~الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح فإنه يصلي على حسب ~~حاله، وتصح صلاته وكذلك المشدود ms0118 على جذع بحيث لا يمكنه الاستقبال. قوله عز ~~وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 116] # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) # وقالوا اتخذ الله ولدا نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: عزيز ابن الله، ~~وفي نصارى نجران حيث قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا ~~الملائكة بنات الله سبحانه أي تنزيها لله فنزه الله نفسه عن اتخاذ الولد ~~وعن قولهم: وافترائهم عليه (خ) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: قال الله عز وجل: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ~~ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم إني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي، ~~فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا» بل له ما في السماوات والأرض ~~يعني عبيدا وملكا فكيف ينسب إليه الولد وهو داخل فيهما. وقيل: إن الولد لا ~~بد وأن يكون من جنس الوالد والله تعالى منزه عن الشبيه والنظير. وقيل: إن ~~الولد إنما يتخذ للحاجة إليه والانتفاع به عند عجز الوالد وكبره، والله ~~تعالى منزه عن ذلك كله فإضافة الولد إليه محال كل له قانتون يعني أن أهل ~~السموات والأرض مطيعون لله ومقرون له بالعبودية، وأصل القنوت لزوم الطاعة ~~مع الخضوع. وقيل: أصله: القيام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة ~~طول القنوت» فعلى هذا يكون معنى الآية كل له قائمون بالشهادة ومقرون له ~~بالوحدانية. وقيل: قانتون أي مذللون مسخرون لما خلقوا له. واختلف العلماء ~~في حكم الآية فقال بعضهم: هو خاص ثم سلكوا في تخصيصه طريقين. أحدهما: # قالوا هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة. الثاني: قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الكفار وذهب جماعة إلى أن حكم ~~الآية عام لأن لفظة كل تقتضي الشمول والإحاطة ثم سلكوا في الكفار طريقين. ~~أحدهما أن ظلالهم تسجد لله وتطيعه. والثاني أن هذه الطاعة تكون في يوم ~~القيامة. ومن ذهب إلى تخصيص حكم ms0119 الآية أجاب عن لفظة كل بأنها لا تقتضي ~~الشمول والإحاطة بدليل قوله تعالى: وأوتيت من كل شيء # PageV01P073 # ولم تؤت ملك سليمان فدل على أن لفظة كل لا تقتضي ذلك. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 117 الى 119] # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال ~~الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) # بديع السماوات والأرض أي خالقها ومبدعها ومنشئها على غير مثال سبق. وقيل: ~~البديع الذي يبدع الأشياء أي يحدثها مما لم يكن وإذا قضى أمرا أي قدره ~~وأراد خلقه. وقيل: إذا أحكم أمرا وحتمه وأتقنه. # وأصل القضاء الحكم والفراغ والقضاء في اللغة على وجوه كلها ترجع إلى ~~انقطاع الشيء وتمامه والفراغ منه فإنما يقول له كن فيكون أي إذا أحكم أمرا ~~وحتمه فإنما يقول له فيكون ذلك الأمر على ما أراد الله تعالى وجوده. فإن ~~قلت المعدوم لا يخاطب فكيف قال فإنما يقول له كن فيكون. قلت: إن الله تعالى ~~عالم بكل ما هو كائن قبل تكوينه وإذا كان كذلك كانت الأشياء التي لم تكن ~~كأنها كائنة لعلمه بها فجاز أن يقول لها: كوني ويأمرها بالخروج من حال ~~العدم إلى حال الوجود وقيل اللام في قوله: له لام أجل فيكون المعنى إذا قضى ~~أمرا، فإنما يقول: لأجل تكوينه وإرادته له كن فيكون فعلى هذا يذهب معنى ~~الخطاب. قوله عز وجل: وقال الذين لا يعلمون قال ابن عباس هم اليهود الذين ~~كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: هم النصارى وقيل: هم ~~مشركو العرب لولا أي هلا يكلمنا الله أي عيانا بأنك رسوله أو تأتينا آية أي ~~دلالة وعلامة على صدقك كذلك قال الذين من قبلهم أي كفار الأمم الخالية مثل ~~قولهم وذلك أن اليهود سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، وأن يسمعهم كلام ~~الله. وسألوه ms0120 من الآيات ما ليس لهم مسألته فأخبر الله عن الذين كانوا في ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: مثل ما قال من كان قبلهم ~~تشابهت قلوبهم يعني أن المكذبين للرسل تشابهت أقوالهم وأفعالهم. وقيل ~~تشابهت في الكفر والقسوة والتكذيب وطلب المحال قد بينا الآيات أي الدلالات ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لقوم يوقنون يعني أن آيات القرآن وما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات الباهرات كافية لمن كان طالبا ~~لليقين، وإنما خص أهل الإيقان بالذكر لأنهم هم أهل التثبت في الأمور ومعرفة ~~الأشياء على يقين. قوله عز وجل: إنا أرسلناك بالحق أي بالصدق وقال ابن ~~عباس: بالقرآن وقيل: بالإسلام وقيل: معناه إنا لم نرسلك عبثا، بل أرسلناك ~~بالحق بشيرا أي مبشرا لأوليائي، وأهل طاعتي بالثواب العظيم ونذيرا أي منذرا ~~ومخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم ولا تسئل قرئ بفتح التاء على ~~النهي قال ابن عباس: # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي» ~~فنزلت هذه الآية، والمعنى إنا أرسلناك لتبليغ ما أرسلت به ولا تسأل عن ~~أصحاب الجحيم. وقرئ ولا تسأل بضم التاء ورفع اللام على الخبر. وقيل: على ~~النفي والمعنى إنا أرسلناك بالحق لتبليغ ما أرسلت به، فإنما عليك البلاغ ~~ولست مسؤولا عمن كفر عن أصحاب الجحيم أي عن أهل النار، سميت النار جحيما ~~لشدة تأججها. وقيل: الجحيم معظم النار. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 120 الى 121] # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ~~(120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم وذلك أنهم كانوا يسألون ~~النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله ~~هذه الآية والمعنى إنك ms0121 وإن هادنتهم فلا يرجون بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ~~ولا يرجون منك إلا باتباع ملتهم. وقال ابن عباس: هذا في أمر القبلة وذلك أن ~~يهود المدينة ونصارى # PageV01P074 # نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم، حين كان يصلي إلى بيت ~~المقدس، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا منه أن يوافقهم على دينهم ~~فأنزل الله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود يعني إلا باليهودية، ولا النصارى ~~يعني إلا بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في ~~وقت واحد وهو قوله: حتى تتبع ملتهم يعني دينهم وطريقتهم قل أي يا محمد إن ~~هدى الله يعني دين الله الذي هو الإسلام هو الهدى أي يصح أن يسمى هدى ولئن ~~اتبعت يا محمد أهواءهم يعني أهواء اليهود والنصارى، فيما يرضيهم عنك وقيل: # أهواءهم أقوالهم التي هي أهواء وبدع بعد الذي جاءك من العلم أي البيان ~~لأن دين الله هو الإسلام وأن القبلة هي قبلة إبراهيم عليه السلام وهي ~~الكعبة ما لك من الله من ولي يعني يلي أمرك ويقوم بك ولا نصير أي ينصرك ~~ويمنعك من عقابه وقيل: في قوله ولئن اتبعت أهواءهم أنه خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد به أمته، والمعنى إياكم أخاطب ولكم أؤدب وأنهى فقد علمتم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق والصدق وقد عصيته فلا تتبعوا ~~أنتم أهواء الكافرين. ولئن اتبعتم أهواءهم بعد الذي جاءكم من العلم ~~والبينات ما لكم من الله من ولي ولا نصير. قوله عز وجل: الذين آتيناهم ~~الكتاب قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب ~~وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة وثمانية من رهبان الشام ~~منهم بحيرا الرهب، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه. وقيل: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وقيل: هم ~~مؤمنون عامة يتلونه حق تلاوته أي يقرءونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرفونه ~~ولا يبدلون ما ms0122 فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معناه يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون ~~بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويقفون عنده ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل: ~~معناه تدبروه حق تدبره وتفكروا في معانيه وحقائقه وأسراره أولئك يعني الذين ~~يتلونه حق تلاوته يؤمنون به أي يصدقون به. فإن قلنا: إن الآية في أهل ~~الكتاب فيكون المعنى إن المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن في التوراة نعته وصفته. وإن قلنا: إنها نزلت ~~في المؤمنين عامة فظاهر ومن يكفر به أي يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فأولئك هم الخاسرون أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا ~~الكفر بالإيمان. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 122 الى 124] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم أي أيادي لديكم وصنعي بكم ~~واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم في نعم كثيرة أنعمت بها عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين أي واذكروا تفضيلي إياكم على عالمي زمانكم، وفي هذه الآية عظة ~~لليهود الذي كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكررها في أول ~~السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا وفي ~~هذه الآية ترهيب لهم والمعنى يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي المحرفين ~~له، خافوا عذاب يوم لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا ~~تنفعها شفاعة أي لا يقبل منها فدية ولا يشفع لها شافع وهذا من العام الذي ~~يراد به الخاص كقوله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ومعنى ~~الآية ولا تنفعها شفاعة إذا وجب عليها ms0123 العذاب ولم تستحق سواه. وقيل: إنه رد ~~على اليهود في قولهم إن آباءنا يشفعون لنا ولا هم ينصرون أي ولا ناصر لهم ~~ينصرهم من الله إذا انتقم منهم قوله عز وجل: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن إبراهيم اسم أعجمي ومعناه أب رحيم وهو إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ~~ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ~~عليه السلام، وكان مولد إبراهيم بالسوس من أرض الأهواز وقيل: ببابل وقيل ~~بكوثى وهي قرية من # PageV01P075 # سواد الكوفة. وقيل: بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي أرض نمروذ ~~الجبار. وإبراهيم عليه السلام تعترف بفضله جميع الطوائف قديما، وحديثا فأما ~~اليهود والنصارى فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه وأنهم من أولاده ~~وأما العرب في الجاهلية فإنهم أيضا يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به ~~لأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه وخدام بيته، ولما جاء الإسلام زاده الله ~~شرفا وفضلا فحكى الله تعالى عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين والنصارى ~~واليهود قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم، والاعتراف بدينه والانقياد ~~لشرعه لأن ما أوجبه الله على إبراهيم عليه السلام هو من خصائص دين محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في وجوب ~~الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وتصديقه. وأصل الابتلاء ~~الامتحان والاختبار ليعرف حال الإنسان وسمي التكليف بلاء لأنه يشق على ~~الأبدان. وقيل: ليختبر به حال الإنسان فإذا قيل: ابتلى فلان بكذا يتضمن ~~أمرين: # أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره. والثاني ظهور جودته ~~ورداءته وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم، والوقوف على ما يجهل منها ~~لأنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل ~~إلى الأبد. ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة ورداءة وعلى هذا ينزل ~~قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات. واختلفوا في تلك الكلمات التي ~~ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس: ms0124 هي ثلاثون سماهن شرائع ~~الإسلام لم يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب الله له البراءة ~~فقال: وإبراهيم الذي وفى ومعنى هذا الكلام إنه لم يبتل أحد قبل إبراهيم ~~فأما بعده فقد أتى الأنبياء بجميع ما أمروا به من الدين خصوصا، نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقد أتى بجميع ما أمر به، وهي عشرة مذكورة في سورة ~~براءة في قوله: التائبون العابدون الآية وعشرة في سورة الأحزاب في قوله: إن ~~المسلمين والمسلمات الآية وعشرة في سورة المؤمنون في قوله: قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون الآيات وهي مذكورة أيضا في سورة سأل ~~سائل. وعن ابن عباس أيضا قال: ابتلاه الله بعشرة أشياء هن الفطرة خمس في ~~الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في الجسد ~~تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء (ق). عن ~~أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الفطرة خمس، وفي ~~رواية خمس من الفطرة الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف ~~الإبط» (م) عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص ~~الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء». يعني ~~الاستنجاء قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص ~~الماء يعني الاستنجاء قال العلماء: الفطرة السنة. وقيل: الملة وقيل: ~~الطريقة وهذه الأشياء المذكورة في الحديث وأنها من الفطرة قيل كانت على ~~إبراهيم عليه السلام فرضا وهي لنا سنة واتفقت العلماء على أنها من الملة ~~وأما معانيها فقد قيل: أما قص الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم فإنهم ~~كانوا يقصون لحاهم، أو يوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا، وذلك عكس الجمال ~~والنظافة وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم، والأنف من الطعام ~~والقلح والوسخ، وأما قص الأظفار فللجمال، والزينة فإنها إذا طالت قبح ~~منظرها، واحتوى الوسخ فيها وأما غسل البراجم وهي العقد التي في ظهور ~~الأصابع فإنه يجتمع فيها الوسخ ويشين ms0125 المنظر، وأما حلق العانة ونتف الإبط ~~فللتنظف عما يجتمع من الوسخ في الشعر وأما الاستنجاء، فلتنظيف ذلك المحل عن ~~الأذى وأما الختان فلتنظيف القلفة، عما يجتمع فيها من البول. واختلف ~~العلماء في وجوبه فذهب الشافعي إلى أن الختان واجب لأنه تنكشف له العورة، ~~ولا يباح ذلك إلا في الواجب وذهب غيره إلى أنه سنة. وأول من ختن إبراهيم ~~عليه السلام ولم يختتن أحد قبله (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختتن إبراهيم بالقدوم» يروى القدوم ~~بالتخفيف والتشديد، فمن خفف ذهب إلى أنه اسم للآلة التي يقطع بها ومن شدد ~~قال: إنه اسم موضع. عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «كان # PageV01P076 # إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف وأول الناس قص شاربه وأول الناس ~~رأى الشيب. قال: رب ما هذا قال الرب تبارك وتعالى وقارا يا إبراهيم قال يا ~~رب زدني وقارا» أخرجه مالك في الموطأ وقيل: في الكلمات إنها مناسك الحج. ~~وقيل: ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فأحسن النظر فيهن ~~وبالنار والهجرة وذبح ولده والختان، فصبر عليها وقيل: إن الله اختبر ~~إبراهيم بكلمات أوحاها إليه وأمره أن يعمل بهن فأتمهن أي أداهن حق التأدية، ~~وقام بموجبهن حق القيام وعمل بهن من غير تفريط وتوان ولم ينتقص منهن شيئا. ~~واختلفوا هل كان هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها فقيل: كان قبل النبوة ~~بدليل قوله في سياق الآية: إني جاعلك للناس إماما والسبب يتقدم على المسبب. ~~وقيل: بل كان هذا الابتلاء بعد النبوة لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة ~~الوحي الإلهي وذلك بعد النبوة. والصواب أنه إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر ~~والشمس كان ذلك قبل النبوة، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك ~~بعد النبوة. وقوله تعالى: قال إني جاعلك للناس إماما أي يقتدى بك في الخير ~~ويأتمون بسنتك وهديك، والإمام هو الذي يؤتم به قال ومن ذريتي أي قال ~~إبراهيم: # واجعل من ms0126 ذريتي وأولادي أئمة يقتدى بهم قال الله لا ينال أي لا يصيب عهدي ~~أي نبوتي. وقيل الإمامة الظالمين يعني من ذريتك والمعنى لا ينال ما عاهدت ~~إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ذريتك وولدك. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 125] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) # وإذ جعلنا البيت يعني البيت الحرام، وهو الكعبة ويدخل فيه الحرم فإن الله ~~تعالى وصفه بكونه آمنا وهذه صفة جميع الحرم مثابة للناس أي مرجعا من ثاب ~~يثوب إذا رجع، والمعنى يثوبون إليه من كل جانب يحجونه وأمنا أي موضعا ذا ~~أمن يؤمنون فيه من أذى المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة. # ويقولون: هم أهل الله. وقال ابن عباس: معاذا وملجأ (ق) عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله ~~تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ~~ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر ~~صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه فقال العباس: يا رسول ~~الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: إلا الإذخر». معنى الحديث: أنه ~~لا يحل لأحد أن ينصب القتال والحرب في الحرم وإنما أحل ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقط ولا يحل لأحد بعده. قوله: لا يعضد شوكه أي ~~لا يقطع شوك الحرم وأراد به ما لا يؤذي منه أما ما يؤذي منه كالعوسج فلا ~~بأس بقطعه. قوله: ولا ينفر صيده أي لا يتعرض له بالاصطياد ولا يهاج. قوله: ~~ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها أي ينشدها. والنشد رفع الصوت بالتعريف. ~~واللقطة في جميع الأرض لا تحل إلا لمن يعرفها حولا فإن جاء صاحبها أخذها. ~~وإلا انتفع ms0127 بها الملتقط بشرط الضمان. وحكم مكة في اللقطة أن يعرفها على ~~الدوام بخلاف غيرها من البلاد فإنه محدود بسنة. قوله: ولا يختلى خلاه. ~~الخلي مقصور الرطب من النبات الذي يرعى وقيل: هو اليابس من الحشيش وخلاه ~~قطعه. وقول: لقينهم القين الحداد وقوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى قيل: الحرم كله مقام إبراهيم، وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد ~~الحج مثل عرفة والمزدلفة والرمي وسائر المشاهد، والصحيح أن مقام إبراهيم هو ~~الحجر الذي يصلي عنده الأئمة، وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند ~~بناء البيت، وقيل: كان أثر أصابع رجلي إبراهيم عليه السلام فيه فاندرست ~~بكثرة المسح بالأيدي وقيل: إنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه ~~وتقبيله (ق) عن أنس بن مالك قال قال عمر: «وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول ~~الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى # PageV01P077 # فنزلت: «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» الحديث. وكان بدء قصة المقام على ~~ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذت النساء المنطق من ~~قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم ~~وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم من أعلى ~~المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابا ~~فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل. فقالت: يا ~~إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له: ~~ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا قال: نعم قالت إذا ~~لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ~~استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه وقال ربنا: # إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ~~ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت، وعطش ~~ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: ms0128 يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ~~فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ~~ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي، ورفعت طرف درعها ~~وسعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، ~~فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة ~~سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت يا من قد أسمعت ~~إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه ~~حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول: بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في ~~سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت ~~زمزم عينا معينا. قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال: لها الملك لا تخافي ~~الضيعة، فإن هاهنا بيتا لله يبتنيه هذا الغلام، وأبوه وإن الله لا يضيع ~~أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه ~~وعن شماله فكانت كذلك، حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين ~~من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا ~~الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو ~~جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، ~~فقالوا: # أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا: نعم. ~~قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألقى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب ~~الأنس فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، ~~وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وآنسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه ~~امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم ms0129 بعد ما تزوج إسماعيل يطالع ~~تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا وفي رواية ~~ذهب يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة ~~وشكت إليه فقال إذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه ~~فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا ~~شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد، ~~وشدة فقال: هل أوصاك بشيء قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك ~~غير عتبة بابك قال ذلك أبي، وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها، وتزوج ~~منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد فلم يجده ~~فدخل على امرأته فسأل عنه. فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم وسألها عن ~~عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل فقال: وما ~~طعامكم؟ قالت اللحم قال: وما شرابكم قالت: # الماء قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو ~~عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء فقال: أين إسماعيل؟ ~~فقالت امرأته: # قد ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألا تنزل عندنا فتطعم وتشرب. قال: وما طعامكم ~~وشرابكم قالت: طعامنا اللحم # PageV01P078 # وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو ~~القاسم بركة دعوة إبراهيم. قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن ~~يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا ~~شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته ~~أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت: نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة ~~بابك فقال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم ~~جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا ms0130 له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام ~~إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن ~~الله أمرني بأمر قال: فاسمع ما أمرك ربك، قال: # وتعينني قال وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا وأشار إلى ~~أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل ~~يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاءه بهذا الحجر فوضعه ~~له، فقام إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم: # وفي رواية حتى إذا ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر ~~المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم، وقيل: إن امرأة إسماعيل قالت لإبراهيم: انزل اغسل رأسك فلم ينزل ~~فجاءته بالمقام فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه ~~الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه. ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم ~~يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب» أخرجه الترمذي. وقال هذا يروى عن ~~ابن عمر موقوفا. واختلفوا في قوله: مصلى فمن فسر المقام بمشاهد الحج ~~ومشاعره قال مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر ~~قال معناه واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قبلة، أمروا بالصلاة عنده وهذا ~~القول هو الصحيح، لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ~~ذات الركوع والسجود، ولأن مصلى الرجل هو الموضع الذي يصلي فيه وعهدنا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل أي أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما. قيل: إنما سمي ~~إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدا، ويقول في دعائه: اسمع يا ~~إيل وإيل بلسان السريانية هو الله. فلما رزق الولد سماه به أن طهرا بيتي ~~يعني الكعبة أضافه إليه تشريفا وتفضيلا وتخصيصا، ms0131 أي ابنياه على الطهارة ~~والتوحيد، وقيل طهراه من سائر الأقذار والأنجاس، وقيل طهراه من الشرك ~~والأوثان وقول الزور للطائفين يعني الدائرين حوله والعاكفين يعني المقيمين ~~به والمجاورين له والركع السجود جمع راكع وساجد وهم المصلون وقيل: # الطائفين يعني الغرباء الواردين إلى مكة والعاكفين يعني أهل مكة المقيمين ~~بها. قيل: إن الطواف للغرباء أفضل والصلاة لأهل مكة بمكة أفضل. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 126] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126) # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا إشارة إلى مكة وقيل إلى الحرم بلدا آمنا أي ~~ذا أمن يأمن فيه أهله، وإنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ~~ولا ثمر فإذا لم يكن آمنا، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به. ~~فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلدا آمنا فما قصده جبار إلا قصمه ~~الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة. فإن قلت: قد غزا مكة ~~الحجاج وخرب الكعبة. قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، ~~وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما ~~حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. ~~واختلفوا هل كانت مكة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو حرمت بدعوته ~~على قولين: أحدهما أنها كانت محرمة قبل دعوته بدليل # PageV01P079 # قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» وقول ~~إبراهيم عليه السلام: «إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم» فهذا يقتضي أن مكة كانت محرمة قبل دعوة إبراهيم. القول الثاني: ~~أنها إنما حرمت بدعوة إبراهيم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم ~~حرم مكة وإني حرمت المدينة» وهذا يقتضي أن مكة كانت قبل دعوة إبراهيم حلالا ~~كغيرها من البلاد، وإنما ms0132 حرمت بدعوة إبراهيم، ووجه الجمع بين القولين وهو ~~الصواب أن الله تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» ولكن لم يظهر ذلك ~~التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أرادها ~~بسوء، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات فلم يزل ذلك من أمرها حتى ~~بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن ~~يظهر تحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب الله تعالى دعوته، وألزم عباده ~~تحريم مكة فصارت مكة حراما بدعوة إبراهيم، وفرض على الخلق تحريمها ~~والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين ~~وهو الصواب، والله أعلم وارزق أهله من الثمرات إنما سأل إبراهيم ذلك لأن ~~مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر فاستجاب الله تعالى له وجعل مكة حرما آمنا يجبي ~~إليه ثمرات كل شيء من آمن منهم بالله واليوم الآخر يعني ارزق المؤمنين من ~~أهله خاصة. وسبب هذا التخصيص أن إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه عز وجل أن ~~يجعل النبوة والإمامة في ذريته فأجابه الله بقوله: لا ينال عهدي الظالمين ~~صار ذلك تأديبا له في المسألة، فلا جرم خص هاهنا بدعائه المؤمنين دون ~~الكافرين ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن والكافر بقوله: قال ~~ومن كفر فأمتعه أي سأرزق الكافر أيضا قليلا أي في الدنيا إلى منتهى أجله ~~وذلك قليل لأنه ينقطع ثم أضطره إلى عذاب النار أي ألجئه وأكرهه وأدفعه إلى ~~عذاب النار، والمضطر هو الذي لا يملك لنفسه الامتناع مما اضطر إليه وبئس ~~المصير أي وبئس المكان الذي يصير إليه الكافر وهو العذاب. ### || [سورة البقرة (2): آية 127] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) # قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل وكانت قصة بناء ~~البيت على ما ذكره العلماء، وأصحاب السير أن الله تعالى خلق موضع البيت ms0133 قبل ~~أن يخلق الأرض بألفي عام فكانت زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من ~~تحتها فلما أهبط الله آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله تعالى، فأنزل ~~البيت المعمور وهو من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب ~~شرقي، وباب غربي فوضعه على موضع البيت، وقال يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف ~~به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الله عليه الحجر ~~الأسود، وكان أبيض فاسود من مس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من الهند ماشيا ~~إلى مكة، وأرسل الله إليه ملكا يدله على البيت فحج آدم البيت وأقام ~~المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا له بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا ~~البيت قبلك بألفي عام. # قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ~~ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه الله إلى السماء الرابعة، وهو البيت المعمور ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وبعث الله جبريل حتى خبأ ~~الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له، من الغرق فكان موضع البيت خاليا ~~إلى زمن إبراهيم عليه السلام. ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعد ما ولد له ~~إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه ويعبد فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث ~~الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان تشبه الحية، ~~والخجوج من الرياح هي الشديدة السريعة الهبوب وقيل: هي المتلوية في هبوبها، ~~وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم، حتى أتت موضع ~~البيت فتطوقت عليه كتطويق الحجفة، وقال ابن عباس: بعث الله سبحانه وتعالى ~~سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير، وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وقفت على ~~موضع البيت، ونودي منها يا # PageV01P080 # إبراهيم ابن على قدر ظلها لا تزد ولا تنقص. وقيل: إن الريح كنست له ما ~~حول الكعبة حتى ظهر له أساس البيت الأول فذلك قوله تعالى: وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان ms0134 البيت فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه، ~~وإسماعيل يناوله الحجارة فذلك قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت جمع قاعدة وهي أس البيت. وقيل جدرة من البيت. قال ابن عباس: بنى ~~إبراهيم البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا ولبنان جبل بالشام ~~والجودي جبل بالجزيرة، وبنى قواعده من حراء جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم ~~إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه ~~بحجر فقال ائتني بأحسن منه فمضى إسماعيل ليطلب حجرا أحسن منه فصاح أبو ~~قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فقذف بالحجر الأسود فأخذه إبراهيم ~~فوضعه مكانه وقيل: إن الله أمد إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما في ~~بناء البيت فلما فرغا من بنائه قالا: ربنا تقبل منا وفي الآية إضمار تقديره ~~ويقولان ربنا تقبل منا أي ما عملنا لك، وتقبل طاعتنا إياك وعبادتنا لك إنك ~~أنت السميع أي لدعائنا العليم يعني بنياتنا. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 128 الى 129] # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) # ربنا واجعلنا مسلمين لك يعني موحدين مخلصين مطيعين خاضعين لك. فإن قلت: ~~الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد أو الاستسلام والانقياد ~~وقد كانا كذلك حالة هذا الدعاء فما فائدة هذا الطلب؟ # قلت فيه وجهان أحدهما أن الإسلام عرض قائم بالقلب وقد لا يبقى، فقوله: ~~واجعلنا مسلمين لك يعني في المستقبل وذلك لا ينافي حصوله في الحال. الوجه ~~الثاني يحتمل أن يكون المراد منه طلب الزيادة في الإيمان فكأنهما طلبا ~~زيادة اليقين والتصديق وذلك لا ينافي حصوله في الحال ومن ذريتنا أي من ~~أولادنا أمة أي جماعة مسلمة أي خاضعة منقادة لك وإنما أدخل من التي هي ~~للتبعيض لأن الله تعالى أعلمهما بقوله: # لا ينال عهدي الظالمين إن في ذريتهما الظالم فلهذا خص ms0135 بعض الذرية ~~بالدعاء. فإن قلت: لم خص ذريتهما بالدعاء. قلت: لأنهم أحق بالشفقة ~~والنصيحة، قال الله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا ولأن أولاد الأنبياء ~~إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء: إذا ~~كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم. وقيل: أراد بالأمة أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: وابعث فيهم رسولا منهم وأرنا أي ~~علمنا وبصرنا مناسكنا أي شرائع ديننا وأعلام حجنا، وقيل: مناسكنا يعني ~~مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل متعبداتنا وأصل النسك العبادة والناسك العابد ~~فأجاب الله دعاءهما وبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات ~~قال: عرفت يا إبراهيم. قال إبراهيم: نعم فسمي ذلك الوقت عرفة والموضع عرفات ~~وتب علينا أي تجاوز عنا إنك أنت التواب أي المتجاوز عن عباده الرحيم بهم ~~واحتج بقوله «وتب علينا» من جوز الذنوب على الأنبياء. ووجهه أن التوبة لا ~~تطلب من الله إلا بعد تقدم الذنب فلولا تقدم الذنب لم يكن لطلب التوبة وجه. ~~وأجيب عنه بأن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه عز وجل فإنه لا ينفك عن تقصير ~~في بعض الأوقات. أما على سبيل السهو أو ترك الأولى والأفضل، وكان هذا ~~الدعاء لأجل ذلك، وقيل: يحتمل أن الله تعالى لما أعلم إبراهيم أن في ذريته ~~من ظالم فلا جرم سأل ربه التوبة لأولئك الظلمة، والمعنى وتب على الظلمة من ~~أولادنا حتى يرجعوا إلى طاعتك فيكون ظاهر الكلام الدعاء لأنفسهما والمراد ~~به ذريتهما. وقيل: يحتمل أنهما لما رفعا قواعد البيت وكان ذلك المكان أحرى ~~الأماكن بالإجابة دعوا الله بذلك الدعاء ليجعلا ذلك سنة وليقتدى من بعدهما ~~في ذلك الدعاء لأن ذلك المكان هو موضع التنصل من الذنوب وسؤال التوبة ~~والمغفرة من # PageV01P081 # الله تعالى. قوله عز وجل: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يعني وابعث في ~~الأمة المسلمة أو الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما ~~السلام. وقوله: رسولا منهم يعني ليدعوهم إلى الإسلام ويكمل الدين والشرع، ~~وإذا كان الرسول منهم ms0136 يعرفون نسبه ومولده ومنشأه كان أقرب لقبول قوله ويكون ~~هو أشفق عليهم من غيره، وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله «رسولا منهم» ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن إبراهيم عليه السلام إنما دعا لذريته وهو ~~بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن ~~المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وروى البغوي بإسناده عن العرباض بن ~~سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني عند الله مكتوب خاتم ~~النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بأول أمري أنا دعوة إبراهيم ~~وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور ساطع أضاءت ~~لها منه قصور الشام» وقوله: لمنجدل في طينته معناه أنه مطروح على وجه الأرض ~~صورة من طين لم تجر فيه الروح وأراد بدعوة إبراهيم قوله: ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم، فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~آخر الزمان وأنقذهم به من الكفر والظلم وأراد ببشارة عيسى عليه السلام قوله ~~في سورة الصف: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد يتلوا عليهم أي يقرأ عليهم آياتك ~~يعني ما توحيه إليه وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~الذي كان يتلوه عليهم هو القرآن فوجب حمله عليه ويعلمهم الكتاب يعني معاني ~~الكتاب وحقائقه لأن المقصود الأعظم تعليم ما في القرآن من دلائل التوحيد ~~والنبوة والأحكام الشرعية فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة، وهي حفظ ~~القرآن ودراسته ليبقى مصونا عن التحريف، والتبديل ذكر بعده تعليم حقائقه ~~وأسراره والحكمة أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل ولا يسمى ~~الرجل حكيما إلا إذا اجتمع فيه الأمران. وقيل: الحكمة هي التي ترد عن الجهل ~~والخطأ وذلك إنما يكون بما ذكرناه من الإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء ~~موضعه، وقيل الحكمة معرفة الأشياء بحقائقها. واختلف المفسرون في المراد ~~بالحكمة هاهنا فروى ابن وهب قال: قلت لمالك ما الحكمة. قال: المعرفة بالدين ms0137 ~~والفقه فيه والاتباع له. وقال قتادة: الحكمة هي السنة وذلك لأن الله تعالى ~~ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد بها شيئا ~~آخر وليس ذلك إلا السنة. وقيل الحكمة: هي العلم بأحكام الله تعالى التي لا ~~يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفة بها منه. وقيل ~~الحكمة: هي الفصل بين الحق والباطل. وقيل: هي معرفة الأحكام والقضاء وقيل: ~~هي فهم القرآن، والمعنى ويعلمهم ما في القرآن من الأحكام والحكمة وهي ما ~~فيه من المصالح الدينية والأحكام الشرعية. وقيل: كل كلمة وعظتك أودعتك إلى ~~مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ويزكيهم أي ويطهرهم من الشرك وعبادة ~~الأوثان، وسائر الأرجاس والرذائل والنقائص، وقيل: يزكيهم من التزكية أي ~~يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة، إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ ثم ختم إبراهيم ~~الدعاء بالثناء على الله تعالى فقال إنك أنت العزيز قال ابن عباس: العزيز ~~الذي لا يوجد مثله. وقيل: هو الذي يقهر ولا يقهر وقيل هو المنيع الذي لا ~~تناله الأيدي، وقيل العزيز القوي والعزة القوة من قولهم أرض عزاز أي صلبة ~~قوية الحكيم أي العالم الذي لا تخفى عليه خافية، وقيل هو العالم بالأشياء ~~وإيجادها على غاية الإحكام. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 130 الى 131] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131) # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه سبب نزول هذه الآية أن عبد الله ~~بن سلام دعا ابني أخيه إلى الإسلام مهاجرا وسلمة، وقال لهما: قد علمتما أن ~~الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن ~~به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم ~~فأنزل الله تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم أي يترك دينه وشريعته، وفيه تعريض باليهود ~~والنصارى ومشركي العرب # PageV01P082 # لأن اليهود ms0138 والنصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم والوصلة إليه، لأنهم ~~من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به لأنهم من ~~ولد إسماعيل بن إبراهيم وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة هذا ~~الرسول في آخر الزمان فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم ~~فقد رغب عن ملة إبراهيم ومعنى يرغب عن ملة إبراهيم أي يترك دينه وشريعته ~~يقال: رغب في الشيء إذا أراده ورغب عنه إذا تركه إلا من سفه نفسه قال ابن ~~عباس: خسر نفسه وقيل: أهلك نفسه وقيل: امتهنها واستخف بها وأصل السفه ~~الخفة. وقيل: الجهل وضعف الرأي فكل سفيه جاهل لأن من عبد غير الله فقد جهل ~~نفسه لأنه لم يعترف بأن الله خالقها وقد جاء «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ~~ومعناه: أن يعرف نفسه بالذل والعجز والضعف والفناء، ويعرف ربه بالعز ~~والقدرة والقوة والبقاء ويدل على هذا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه ~~السلام اعرف نفسك واعرفني قال: يا رب وكيف أعرف نفسي وكيف أعرفك؟ قال: اعرف ~~نفسك بالعجز والضعف والفناء واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء ولقد اصطفيناه ~~أي اخترناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين يعني الفائزين وقيل: # مع الأنبياء في الجنة إذ قال له ربه أسلم أي استقم على الإسلام واثبت ~~عليه لأنه كان مسلما لأن الأنبياء إنما نشئوا على الإسلام والتوحيد، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: قال له ذلك حين خرج من السرب وذلك عند استدلاله ~~بالكواكب والشمس والقمر واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى ~~محدث مدبر فلما عرف ذلك قال له ربه: أسلم قال أسلمت لرب العالمين أي قال ~~إبراهيم: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبرها ومحدثها. ~~وقيل: معنى أسلم أخلص دينك وعبادتك لله واجعلها سليمة. وقيل: الإيمان من ~~صفات القلب والإسلام من صفات الجوارح وإن إبراهيم كان مؤمنا بقلبه عارفا ~~بالله فأمره الله أن يعمل بجوارحه وقيل: معناه أسلم نفسك إلى الله تعالى ~~وفوض أمرك إليه. قال: أسلمت أي ms0139 فوضت أمري لرب العالمين. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 132 الى 135] # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (134) وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135) # ووصى بها إبراهيم بنيه يعني بكلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله. وقيل هي ~~الملة الحنيفية وكان لإبراهيم ثمانية أولاد إسماعيل وأمه هاجر القبطية ~~وإسحاق وأمه سارة ومدين ومدان ويقنان وزمران وشيق وشوخ وأمهم قطورا بنت ~~يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم حين وفاة سارة، فإن قلت، لم قال: وصى بها ~~إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم؟. قلت: لأن لفظ الوصية أوكد من لفظ الأمر لأن ~~الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان ~~لولده أشد وأعظم، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب وإنما خص بنيه بهذه الوصية ~~لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم. وقيل: لأنهم كانوا أئمة ~~يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحا لغيرهم ويعقوب أي ووصى يعقوب بمثل ما وصي به ~~إبراهيم، وسمي يعقوب لأنه هو والعيص كانا توأمين في بطن واحد فتقدم العيص ~~وقت الولادة في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه قال ابن ~~عباس: وقيل سمي يعقوب لكثرة عقبه وكان له من الولد اثنا عشر وهم: روبيل ~~وشمعون ولاوى ويهوذا # PageV01P083 # وربالون ويشجرودان ونفتالى وجاد وآشر ويوسف وبنيامين، ثم خاطب يعقوب بنيه ~~فقال يا بني إن الله اصطفى لكم الدين أي اختار لكم دين الإسلام فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون أي مؤمنون ms0140 مخلصون فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم ~~الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان. وقيل: ~~في معنى وأنتم مسلمون أي محسنون الظن بالله عز وجل يدل عليه ما روي عن جابر ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا ~~يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» أخرجاه في الصحيحين. قوله عز وجل: أم ~~كنتم شهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت أي ~~حين احتضر وقرب من الموت نزلت في اليهود، وذلك لأنهم قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية تكذيبا لهم، والمعنى أم كنتم يا معشر اليهود شهودا على يعقوب إذ حضره ~~الموت، أي إنكم لم تحضروا ذلك فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل ~~وتنسبوهم إلى اليهودية فإني ما ابتعثت خليلي إبراهيم، وولده وأولادهم إلا ~~بدين الإسلام، وبذلك وصوا أولادهم وبه عهدوا إليهم ثم بين ما قال يعقوب ~~لبنيه فقال تعالى: إذ قال يعني يعقوب لبنيه يعني لأولاده الاثني عشر ما ~~تعبدون أي أي شيء تعبدون من بعدي قيل إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى ~~يخيره: بين الحياة والموت، فلما خير يعقوب وكان قد رأى أهل مصر يعبدون ~~الأوثان والنيران فقال انظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم فأمهله فجمع ولده وولد ~~ولده قال لهم قد حضر أجلي ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إنما قدم إسماعيل لأنه كان أكبر من إسحاق وأدخله ~~في جملة الآباء وإن كان عما لهم لأن العرب تسمي العم أبا والخالة أما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عم الرجل صنو أبيه» وقال في عمه العباس ~~«ردوا علي أبي» إلها واحدا ونحن له مسلمون أي مخلصون العبودية تلك إشارة ~~إلى الأمة المذكورة، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم أمة قد ~~خلت أي مضت لسبيلها والمعنى يا معشر اليهود والنصارى دعوا ms0141 ذكر إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق والمسلمين من أولادهم، ولا تقولوا عليهم ما ليس فيهم لها ~~ما كسبت يعني من العمل ولكم يعني يا معشر اليهود والنصارى ما كسبتم أي من ~~العمل ولا تسئلون عما كانوا يعملون يعني كل فريق يسأل عن عمله لا عن عمل ~~غيره. قوله عز وجل: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قال ابن عباس: نزلت ~~في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن ~~أخطب وفي نصارى نجران السيد، والعاقب وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المؤمنين ~~في الدين، فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله فقالت اليهود: نبينا موسى ~~أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا ~~بعيسى والإنجيل # ومحمد والقرآن وقالت النصارى كذلك، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: ~~كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك فأنزل الله عز وجل: قل يعني يا محمد بل ~~ملة إبراهيم يعني إذا كان لا بد من الاتباع فنتبع ملة إبراهيم لأنه مجمع ~~على فضله حنيفا أصله من الحنف وهو ميل واعوجاج يكون في القدم، قال ابن ~~عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، قال الشاعر: # ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا عن كل دين # والعرب تسمي كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم، ~~وقيل: الحنيفية الختان وإقامة المناسك مسلما، يعني أن الحنيفية هي دين ~~الإسلام وهو دين إبراهيم عليه السلام وما كان من المشركين يعني إبراهيم ~~وفيه تعريض لليهود والنصارى وغيرهم ممن يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على ~~الشرك، ثم علم المؤمنين طرائق الإيمان فقال تعالى: # PageV01P084 # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 136 الى 137] # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # قولوا آمنا ms0142 بالله يعني قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين ~~قالوا لكم: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا: آمنا بالله أي صدقنا بالله وما ~~أنزل إلينا يعني القرآن وما أنزل إلى إبراهيم يعني وآمنا بما أنزل إلى ~~إبراهيم وهو عشر صحائف وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وهم أولاد يعقوب ~~الاثنا عشر واحدهم سبط وكانوا أنبياء، وقيل: السبط هو ولد الولد وهو الحافد ~~ومنه قيل: للحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط في ~~بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل وكان في الأسباط أنبياء وما ~~أوتي موسى يعني التوراة وعيسى يعني الإنجيل وما أوتي النبيون من ربهم ~~والمعنى آمنا أيضا بالتوراة والإنجيل والكتب التي أوتي جميع النبيين وصدقنا ~~أن ذلك كله حق وهدى ونور وأن الجميع من عند الله وأن جميع ما ذكر الله من ~~أنبيائه كانوا على هدى وحق لا نفرق بين أحد منهم أي لا نؤمن ببعض الأنبياء ~~ونكفر ببعض وكما تبرأت اليهود من عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأقرت ~~ببعض الأنبياء وكما تبرأت النصارى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرت ببعض ~~الأنبياء بل نؤمن بكل الأنبياء وأن جميعهم كانوا على حق وهدى ونحن له ~~مسلمون أي ونحن لله تعالى خاضعون بالطاعة مذعنون له بالعبودية (خ) عن أبي ~~هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية ~~لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ~~ولا تكذبوهم. # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا. الآية. قوله عز وجل: فإن آمنوا يعني ~~اليهود والنصارى بمثل ما آمنتم به أي بما آمنتم به ومثل صلة فهو كقوله: ~~«ليس كمثله شيء» أي ليس مثله شيء وقيل: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد ~~كتوحيدكم فقد اهتدوا والمعنى إن حصلوا دينا آخر يساوي هذا الدين في الصحة، ~~والسداد فقد اهتدوا ولكن لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في ~~الصحة والسداد استحال الاهتداء بغيره لأن هذا الدين مبناه على التوحيد ~~والإقرار بكل الأنبياء وما أنزل ms0143 إليهم وقيل معناه فإن آمنوا بكتابكم كما ~~آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا وإن تولوا أي أعرضوا فإنما هم في شقاق أي في خلاف ~~ومنازعة وقيل: في عداوة ومحاربة وقيل: في ضلال، وأصله من الشق كأنه صار في ~~شق غير شق صاحبه بسبب عداوته وقيل هو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ~~ما يشق على صاحبه ويؤذيه فسيكفيكهم الله أي يكفيك الله يا محمد شر اليهود ~~والنصارى وهو ضمان من الله تعالى لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه إذا تكفل بشيء أنجزه وهو إخبار بغيب نفيه معجزة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد أنجز الله وعده بقتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب ~~الجزية على اليهود والنصارى وهو السميع لأقوالهم العليم بأحوالهم يسمع جميع ~~ما ينطقون به، ويعلم جميع ما يضمرون من الحسد، والغل وهو مجازيهم، ومعاقبهم ~~عليه. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 138 الى 140] # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) قل أتحاجوننا في ~~الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139) أم ~~تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ~~أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل ~~عما تعملون (140) # صبغة الله قال ابن عباس: دين الله وإنما سماه الله صبغة لأن أثر الدين ~~يظهر على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب وقيل: فطرة الله وقيل: سنة ~~الله وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ المختتن بالدم قال ابن عباس: # إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم ~~أصفر يسمونه ماء المعمودية وصبغوه # PageV01P085 # به ليطهروه به مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك به قالوا الآن صار نصرانيا ~~حقا، فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما تفعله النصارى ومن أحسن من الله ~~صبغة أي دينا وقيل تطهيرا لأنه يطهر من أوساخ الكفر ونحن له عابدون أي ~~مطيعون قل يعني يا محمد لليهود والنصارى ms0144 الذين قالوا إن دينهم خير من دينكم ~~وأمروكم باتباعهم أتحاجوننا في الله أي أتخاصموننا وتجادلوننا في دين الله ~~الذي أمرنا أن نتدين به والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة، وذلك أنهم قالوا: ~~إن ديننا أقدم من دينكم وإن الأنبياء منا وعلى ديننا فنحن أولى بالله منكم، ~~فأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا لهم: أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ~~أي ونحن وأنتم في الله سواء فإنه ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~يعني أن لكل أحد جزاء عمله ونحن له مخلصون أي مخلصو الطاعة والعبادة له ~~وفيه توبيخ لليهود والنصارى والمعنى وأنتم به مشركون. والإخلاص أن يخلص ~~العبد دينه، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ولا يرائي بعمله، قال الفضيل ~~بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن ~~يعافيك الله منهما وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قوله عز وجل: أم تقولون ~~يعني اليهود والنصارى وهو استفهام ومعناه التوبيخ إن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى يعني أتزعمون أن إبراهيم وبنيه ~~كانوا على دينكم وملتكم وإنما حدثت اليهودية والنصرانية بعدهم فثبت كذبكم ~~يا معشر اليهود والنصارى على إبراهيم وبنيه قل يا محمد أأنتم أعلم يعني ~~بدينهم أم الله؟ أي الله أعلم بذلك. وقد أخبر أن إبراهيم وبنيه لم يكونوا ~~على اليهودية والنصرانية ولكن كانوا مسلمين حنفاء ومن أظلم ممن كتم يعني ~~أخفى شهادة عنده من الله وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين وأن ~~محمدا أحق بنعته وصفته وجدوا ذلك في كتبهم وكتموه وجحدوه، والمعنى ومن أظلم ~~ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فكتمها وأخفاها وما الله بغافل عما تعملون ~~يعني من كتمانكم الحق فيما ألزمكم به في كتابه من أن إبراهيم وبنيه كانوا ~~مسلمين حنفاء. وأن الدين هو الإسلام لا اليهودية والنصرانية، والمعنى وما ~~الله غافل عن عملكم بل هو محصيه عليكم ثم يعاقبكم عليه في الآخرة. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 141 الى 143] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ms0145 ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ~~(141) سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف ~~رحيم (143) # تلك أمة قد خلت يعني إبراهيم وبنيه لها ما كسبت أي جزاء ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم أي جزاء ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون يعني أن كل إنسان إنما ~~يسأل يوم القيامة عن كسبه وعمله لا عن كسب غيره وعمله، وفيه وعظ وزجر ~~لليهود ولمن يتكل على فضل الآباء، وشرفهم أي لا تتكلوا على فضل الآباء فكل ~~يؤخذ بعمله وإنما كررت هذه الآية لأنه إذا اختلف مواطن الحجاج، والمجادلة ~~حسن تكريره للتذكير به وتأكيده. # وقيل: إنما كرره تنبيها لليهود لئلا يغتروا بشرف آبائهم. قوله عز وجل: ~~سيقول السفهاء من الناس أي الجهال من الناس والسفه خفة في النفس لنقصان ~~العقل في الأمور الدينية والدنيوية، ولا شك أن ذلك في باب الدين أعظم لأن ~~العادل عن الأمر الواضح في أمر دنياه يعد سفيها، فمن كان كذلك في أمر دينه، ~~كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه ولهذا أمكن حمل هذا اللفظ على ~~اليهود والمشركين، والمنافقين فقيل: نزلت هذه الآية في اليهود وذلك أنهم ~~طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون النسخ. ~~وقيل: نزلت # PageV01P086 # في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد أمره واشتاق مولده، وقد ~~توجه إلى نحو بلدكم فلعله يرجع إلى دينكم وقيل نزلت في المنافقين وإنما ~~قالوا ذلك استهزاء بالإسلام وقيل: يحتمل أن لفظ السفهاء للعموم فيدخل فيه ~~جميع الكفار والمنافقين واليهود ويحتمل وقوع هذا الكلام من كلهم إذ لا ~~فائدة في التخصيص، ولأن الأعداء ms0146 يبالغون في الطعن والقدح فإذا وجدوا مقالا ~~قالوا أو مجالا جالوا ما ولاهم يعني أي شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها يعني بيت المقدس، والقبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان وإنما سميت ~~قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ولما قال السفهاء ذلك رد الله تعالى عليهم ~~بقوله: قل يا محمد لله المشرق والمغرب يعني أن له قطري المشرق والمغرب وما ~~بينهما ملكا فلا يستحق شيء أن يكون لذاته قبلة لأن الجهات كلها شيء واحد، ~~وإنما تصير قبلة لأن الله تعالى هو الذي جعلها قبلة فلا اعتراض عليه وهو ~~قوله: يهدي من يشاء يعني من عباده إلى صراط مستقيم يعني إلى جهة الكعبة وهي ~~قبلة إبراهيم عليه السلام. قوله عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا الكاف في ~~قوله وكذلك كاف التشبيه جاء لمشبه به وفيه وجوه أحدها أنه معطوف على ما ~~تقدم من قوله في حق إبراهيم: ولقد اصطفيناه في الدنيا، وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا الثاني أنه معطوف على قوله: يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك ~~هديناكم وجعلنا قبلتكم وسطا بين المشرق والمغرب كذلك جعلناكم أمة وسطا يعني ~~عدولا خيارا، وخير الأمور أوسطها، قال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وقيل: متوسطة والمعنى أهل دين وسط بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في ~~أمر الدين لا كغلو النصارى في عيسى، ولا كتقصير اليهود في الدين وهو ~~تحريفهم وتبديلهم. وسبب نزول هذه الآية أن رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن ~~جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا وإن قبلتنا قبلة الأنبياء ولقد علم محمد ~~أنا أعدل الناس فقال معاذ: إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن هذه الأمة ~~توفي سبعين أمة هي آخرها، وخيرها وأكرمها على الله تعالى». وقوله تعالى: ~~لتكونوا شهداء على الناس يعني يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم، ~~وقيل: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على ms0147 من ترك الحق من الناس ~~أجمعين ويكون الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم عليكم شهيدا يعني عدلا ~~مزكيا لكم وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول ~~لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير فينكرون ويقولون ما جاءنا من نذير فيسأل الله ~~الأنبياء عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو أعلم بهم ~~إقامة الحجة فيقولون أمة محمد تشهد لنا فيؤتى بأمة محمد عليه الصلاة ~~والسلام، فيشهدون لهم بأنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية من أين علموا ~~وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة. فيقولون: أرسلت إلينا رسولا وأنزلت ~~عليه كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم (خ) عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بنوح وأمته يوم ~~القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول نعم أي رب فيسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون ~~ما جاءنا من نذير فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيجاء بكم ~~فتشهدون» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا زاد الترمذي وسطا ~~عدولا. # قوله عز وجل: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها أي وما جعلنا صرفك عن ~~القبلة التي كنت عليها، وهي بيت المقدس، وإنما حذف ذكر الصرف اكتفاء بدلالة ~~اللفظ عليه، وقيل: معناه وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة وقيل: ~~معناه وما جعلنا القبلة التي كنت عليها وهي الكعبة وإلا لنعلم من يتبع ~~الرسول فإن قلت ما معنى قوله: إلا لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها قبل كونها ~~قلت: أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب فإنه لا يتعلق بما هو ~~عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد. والمعنى لنعلم العلم الذي يستحق ~~العامل عليه # PageV01P087 # الثواب والعقاب، وقيل: العلم هنا بمعنى الرؤية أي لنرى ونميز من يتبع ~~الرسول في القبلة ممن ينقلب على عقبيه ms0148 وقيل: معناه إلا لتعلم رسلي وحزبي ~~وأوليائي من المؤمنين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وكان من شأن ~~العرب إضافة ما فعله الاتباع إلى الكبير. كقولهم: فتح عمر العراق وجبى ~~خراجها وإنما فعل ذلك أتباعه عن أمره، وقيل إنما قال إلا لنعلم وهو بذلك ~~عالم قبل كونه على وجه الرفق بعباده ومعناه إلا لتعلموا، أنتم إذ كنتم ~~جهالا به قبل كونه فإضافة العلم إلى نفسه رفقا بعباده المخاطبين. وقيل: ~~معناه لعلمنا لأنه تعالى سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم ~~وضلالة آخرين ومعنى من يتبع الرسول أي يطيعه في أمر القبلة وتحويلها ممن ~~ينقلب على عقبيه أي يرجع إلى ما كان عليه من الكفر فيرتد، وفي الحديث «إنه ~~لما تحولت القبلة إلى الكعبة ارتد قوم إلى اليهودية وقالوا رجع محمد إلى ~~دين آبائه» وإن كانت أي وقد كانت لكبيرة يعني تولية القبلة ثقيلة شاقة وقيل ~~هي التولية من بيت المقدس إلى الكعبة وقيل الكبيرة هي القبلة التي وجهه ~~إليها قيل التحويل وهي بيت المقدس، وأنث الكبيرة لتأنيث القبلة وقيل: ~~لتأنيث التولية إلا على الذين هدى الله يعني الصادقين في اتباع الرسول وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، وذلك أن حيي بن أخطب ~~وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن ~~كانت على هدى فقد تحولتم عنه وإن كانت على ضلالة فقد دنتم الله بها مدة، ~~ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله ~~به والضلالة نهى الله عنه قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا ~~وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة أسعد بن زرارة من بني النجار ~~والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة ~~إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله ~~تعالى: ms0149 وما كان الله ليضيع إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس إن الله ~~بالناس لرؤف رحيم يعني لا يضيع أجورهم، والرأفة أخص من الرحمة وأرق، وقيل: ~~الرأفة أشد من الرحمة. وقيل: الرأفة الرحمة وقيل: في الفرق بين الرأفة ~~والرحمة. أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر ~~وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه أيضا جميع ~~الإفضال والإنعام فذكر الله الرأفة، ولا بمعنى أنه لا نضيع أعمالهم ثم ذكر ~~الرحمة ثانيا لأنها أعم وأشمل. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 144] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) # قد نرى تقلب وجهك في السماء سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن ~~يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود وقيل إن الله تعالى أمره بذلك ليكون ~~أقرب إلى تصديق اليهود إياه، إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته وصفته ~~في التوراة فصلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان ~~يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وقيل: كان يحب ذلك من ~~أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لجبريل: # وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم فقال: جبريل صلى ~~الله عليه وسلم إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فسل أنت ربك فإنك عند ~~الله بمكان ثم عرج جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى ~~السماء، رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنزل الله عز وجل قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء يعني، تردد وجهك وتصرف نظرك في السماء أي إلى جهة ~~السماء، وهذه ms0150 الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى لأنها ~~رأس # PageV01P088 # القصة وأول ما نسخ من أحكام الشرع أمر القبلة فلنولينك أي فلنحولنك ~~ولنصرفنك قبلة أي ولنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة ترضاها أي تحبها وتميل ~~إليها فول وجهك شطر المسجد الحرام أي نحوه وتلقاءه وأراد به الكعبة (ق) عن ~~ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ~~ولم يصل حتى خرج منه ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة وقال هذه القبلة يعني ~~أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إلى الكعبة ~~أبدا فهي قبلتكم (ق) عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل ~~بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ~~وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، ~~فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد ~~أعجبهم إذ ذاك أنه يصلي قبل بيت المقدس، وهي قبلة أهل الكتاب فلما ولى وجهه ~~قبل البيت أنكروا ذلك. قال البراء في حديثه هذا: وأنه مات على القبلة قبل ~~أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم واختلفت العلماء في وقت تحويل القبلة فقال الأكثرون: كان في ~~يوم الاثنين بعد الزوال للنصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقيل: كان يوم الثلاثاء لثمانية عشر شهرا ~~وقيل: كان لستة عشر شهرا وقيل: لثلاثة عشر شهرا وقيل: نزلت ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، ~~فتحول في الصلاة ms0151 واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان ~~الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، ووصل الخبر إلى أهل قباء في صلاة ~~الصبح (ق) عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ~~فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن ~~يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. ~~وقوله تعالى: وحيث ما كنتم أي من بر أو بحر مشرق أو مغرب فولوا وجوهكم شطره ~~أي نحو البيت وتلقاءه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~بين المشرق والمغرب قبلة» أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، قيل: أراد ~~بالمشرق مشرق الشتاء في أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم ~~من السنة فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره ~~كان مستقبلا للقبلة، وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد ~~عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء ~~والذي بينهما فقوسها مكة. والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة، ~~ولمن بعد من مكة إصابة الجهة، ويعرف ذلك بدلائل القبلة وليس هذا موضع ~~ذكرها، ولما تحولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء ~~ابتدعته من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت ~~على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره فأنزل الله تعالى وإن ~~الذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى ليعلمون أنه الحق من ربهم يعني ~~أمر القبلة وتحويلها إلى الكعبة ثم هددهم فقال تعالى: وما الله بغافل عما ~~يعملون يعني وما أنا بساه عما # يفعل هؤلاء اليهود، فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة وقرئ تعملون ~~بالتاء. قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا ~~بغافل عن ثوابكم وجزائكم فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن ~~الجزاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 145] # ولئن أتيت ms0152 الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى بكل آية أي بكل معجزة ~~وقيل: بكل حجة # PageV01P089 # وبرهان وذلك بأنهم قالوا: ائتنا بآية على ما تقول فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: ما تبعوا قبلتك يعني الكعبة وما أنت بتابع قبلتهم يعني أن اليهود ~~تصلي إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق وأنت يا محمد تصلي إلى الكعبة. ~~فكيف يكون سبيل إلى اتباع قبلة أحد هؤلاء مع اختلاف جهاتها فالزم أنت قبلتك ~~التي أمرت بالصلاة إليها وما بعضهم بتابع قبلة بعض يعني وما اليهود بتابعة ~~قبلة النصارى ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود، لأن اليهود والنصارى لا ~~يجتمعون على قبلة واحدة ولئن اتبعت أهواءهم يعني مرادهم ورضاهم لو رجعت إلى ~~قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أي في أمر القبلة وقيل معناه: من بعد ما ~~وصل إليك من العلم بأن اليهود والنصارى مقيمون على باطل، وعناد للحق إنك ~~إذا لمن الظالمين يعني أنك إن فعلت ذلك كنت بمنزلة من ظلم نفسه وضرها. قيل: ~~هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يتبع أهواءهم أبدا. وقيل: هو خطاب له خاصة فيكون ذلك على سبيل ~~التذكير والتنبيه. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 146 الى 148] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة ~~هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على ~~كل شيء قدير (148) # الذين آتيناهم الكتاب يعني علماء اليهود والنصارى وقيل: أراد به مؤمني ~~أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه يعرفونه أي يعرفون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم معرفة جلية بالوصف المعين الذي يجدونه عندهم كما يعرفون أبناءهم ~~أي لا يشكون فيه ولا ms0153 تشتبه عليهم كما لا يشتبه عليهم أبناؤهم من أبناء ~~غيرهم، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله ~~أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين ~~رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني ~~فقال عمر وكيف ذلك فقال: أشهد أنه رسول الله حق من الله وقد نعته الله في ~~كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقبل عمر رأس عبد الله وقال: وفقك الله يا ~~ابن سلام فقد صدقت. وقيل: # الضمير في يعرفونه يعود إلى أمر القبلة والمعنى أن علماء اليهود والنصارى ~~يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك ~~كما يعرفون أبناءهم لا يشكون في ذلك وإن فريقا منهم أي من علماء أهل الكتاب ~~ليكتمون الحق يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل أمر القبلة وهم ~~يعلمون يعني أن كتمان الحق معصية. # وقيل يعلمون أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة عندهم في التوراة ~~والإنجيل وهم مع ذلك يكتمونه الحق أي الذي يكتمونه هو الحق من ربك فلا ~~تكونن من الممترين أي من الشاكين في أن الذين تقدم ذكرهم، علموا صحة نبوتك ~~وقيل: يرجع إلى أمر القبلة والمعنى أن بعضهم عاند وكتم الحق فلا تشك في ~~ذلك. فإن قلت: النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتر ولم يشك فما معنى هذا ~~النهي؟. قلت: هذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد ~~غيره والمعنى فلا تشكوا أنتم أيها المؤمنون وقد تقدم نظير هذا. قوله عز ~~وجل: لكل وجهة # أي ولكل أهل ملة قبلة، والوجهة اسم للمتوجه إليه. وقيل الوجهة الهيئة ~~والحالة في التوجه إلى القبلة، وقيل في قوله: لكل وجهة # إن المراد به جميع المؤمنين، أي ولكل أهل جهة من الآفاق وجهة من الكعبة ~~يصلون إليها. وقيل: المراد بالوجهة المنهاج ms0154 والشرع والمعنى ولكل قوم شريعة ~~وطريقة لأن الشرائع مصالح للعباد فلهذا اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الزمان ~~والأشخاص وموليها # أي مستقبلها والمعنى أن لكل أهل ملة وجهة هو مول وجهه إليها، وقيل: # متوليها أي مختارها وقيل: إن هو عائد على اسم الله تعالى، والمعنى إن ~~الله موليها إياه، وقرئ مولاها أي مصروف إليهااستبقوا الخيرات # أي بادروا بالطاعات وقبول الأوامر وفيه حث على المبادرة إلى الأولوية ~~والأفضلية. فعلى هذا تكون الآية دليلا لمذهب الشافعي في أن الصلاة أول ~~الوقت أفضل لقوله: فاستبقوا # PageV01P090 # الخيرات لأن ظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق الوجوب فلا أقل من الندب ~~أينما تكونوا يعني أنتم وأهل الكتاب أت بكم الله جميعا # يعني يوم القيامة فهو وعد لأهل الطاعة بالثواب ووعيد لأهل المعصية ~~بالعقاب ن الله على كل شيء قدير # أي على الإعادة بعد الموت والإثابة لأهل الطاعة والعقاب لمستحق العقوبة. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 149 الى 150] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أي من أي موضع خرجت في سفر ~~وغيره فول وجهك يا محمد قبل المسجد الحرام ونحوه وإنه يعني التوجه إليه ~~للحق من ربك أي الحق الذي لا شك فيه فحافظ عليه وما الله بغافل عما تعملون ~~أي ليس هو بساه عن أعمالكم، ولكنه محصها لكم، وعليكم فيجازيكم بها يوم ~~القيامة ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره فإن قلت: هل في هذا التكرار فائدة. قلت: فيه فائدة عظيمة جليلة ~~وهي أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة ~~إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة، وإيضاح البيان فحسن ~~التكرار فيهم لنقلهم ms0155 من جهة إلى جهة لئلا يكون للناس عليكم حجة قيل: أراد ~~بالناس أهل الكتاب: # وقيل: هو على العموم وقيل هم قريش واليهود فأما قريش فقالوا: رجع محمد ~~إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة أبيه وسيرجع إلى ديننا كما رجع ~~إلى قبلتنا وقالت اليهود: لم ينصرف محمد عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلا ~~أنه يعمل برأيه فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: إلا الذين ظلموا منهم ~~متصلا صحيحا والمعنى، لا حجة لأحد عليكم إلا مشركو قريش واليهود فإنهم ~~يجادلونك الباطل والظلم، وإنما سمي الاحتجاج بالباطل حجة، لأن اشتقاقها من ~~حجه إذا غلبه فكما تكون صحيحة فكذلك تسمى حجة وتكون باطلة قال الله تعالى: # حجتهم داحضة عند ربهم وقيل: هذا الاستثناء منقطع عن الكلام الأول، ومعناه ~~لكن الذين ظلموا منهم يجادلونك بالباطل كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # أي لكن سيوفهم بهن فلول، وليس بعيب وقيل: في معنى الآية إن اليهود عرفوا ~~أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فتكون ~~حجتهم أنهم يقولون إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إلى الكعبة ولم تحول ~~أنت فلما حول إلى الكعبة ذهبت حجتهم إلا الذين ظلموا منهم أي إلا أن يظلموا ~~فيكتموا ما عرفوا من الحق. # فلا تخشوهم أي فلا تخافوهم في انصرافكم إلى الكعبة في تظاهرهم عليكم ~~بالمجادلة الباطلة فإني وليكم وناصركم، أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ~~واخشوني أي احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم به وفرضته عليكم ولأتم ~~نعمتي عليكم ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة ~~الحنيفية. # وقيل: تمام النعمة الموت على الإسلام ثم دخول الجنة ثم رؤية الله تعالى: ~~ولعلكم تهتدون أي لكي تهتدوا من الضلالة. ولعل وعسى من الله واجب. قوله عز ~~وجل: # PageV01P091 # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 151 الى 152] # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا ms0156 لي ولا ~~تكفرون (152) # كما أرسلنا فيكم كاف التشبيه تحتاج إلى شيء ترجع إليه فقيل ترجع إلى ما ~~قبلها ومعناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم وقيل إن إبراهيم قال: ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم وقال: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك، فبعث الله فيهم رسولا منهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعده إجابة ~~الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، والمعنى كما أجبت دعوته ببعثة ~~الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه، وأجعلكم مسلمين، وأتم نعمتي ~~عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية. وقيل: إن الكاف متعلقة بما بعدها وهو ~~قوله: فاذكروني أذكركم والمعنى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني، ووجه ~~التشبيه أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بإرسال الرسول، وإن قلنا: إنها ~~متعلقة بما قبلها كان وجه التشبيه أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة ~~بالرسالة، وفيكم خطاب لأهل مكة والعرب وكذا قوله منكم، وفي إرساله رسولا ~~منهم نعمة عظيمة عليه لما فيه من الشرف لهم ولأن المعروف من حال العرب ~~الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فكان بعثة الرسول منهم وفيهم أقرب إلى ~~قبول قوله والانقياد له، والمعنى كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولا منكم ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يتلوا عليكم آياتنا يعني القرآن وذلك من ~~أعظم النعم لأنه معجزة باقية على الدهر ويزكيكم أي ويطهركم من دنس الشرك ~~والذنوب وقيل يعلمكم ما إذا فعلتموه صرتم أزكياء مثل محاسن الأخلاق ومكارم ~~الأفعال ويعلمكم الكتاب يعني أحكام الكتاب وهو القرآن وقيل إن التعليم غير ~~التلاوة فليس بتكرار والحكمة يعني السنة والفقه في الدين ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون يعني يعلمكم من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية وقصص ~~الأنبياء والخبر عن الحوادث المستقبلية مما لم تكونوا تعلمون وذلك قبل بعثة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذكروني قيل الذكر يكون باللسان، وهو أن ~~يسبحه ويحمده ويمجده ونحو ذلك من الأذكار، ويكون بالقلب وهو أن يتفكر في ~~عظمة الله تعالى، وفي الدلائل الدالة على وحدانيته، ويكون بالجوارح ms0157 وهو أن ~~تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، مثل الصلاة وسائر الطاعات التي ~~للجوارح فيها فعل أذكركم أي بالثواب والرضا عنكم قال ابن عباس: # اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم ~~في الشدة والبلاء، وقال أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان: أذكركم ~~بالجنان والرضوان. وقيل: اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص اذكروني بالقلوب، ~~أذكركم بغفران الذنوب. اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء (ق) عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ~~«أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ~~وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ~~ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» ~~قوله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي» قيل: معناه بالغفران إذا استغفر ~~وبالقبول والإجابة، إذا دعا، وبالكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد منه ~~تحقيق الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح قوله: وأنا معه إذا ذكرني يعني بالرحمة ~~والتوفيق والهداية والإعانة. وقوله: «فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي». ~~النفس في اللغة لها معان: منها ذات الشيء والله تعالى له ذات حقيقة. ومنها ~~الغيب فعلى هذا يكون المعنى فإن ذكرني خاليا ذكرته بالإثابة والمجازاة مما ~~لا يطلع عليه أحد. قوله: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». الملأ ~~أشراف الناس وعظماؤهم الذين يرجع إلى رأيهم وهذا مما استدلت به المعتزلة ~~ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على الأنبياء. وأجيب عنه بأن الذكر غالبا ~~يكون في جماعة لا نبي فيهم. قوله: # «وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا إلخ». وهذا من أحاديث الصفات ~~ويستحيل إرادة ظاهره فلا بد من التأويل فعلى هذا يكون ذكر الشبر والذراع ~~والباع والمشي والهرولة استعارة، ومجازا فيكون المراد بقرب العبد من الله # PageV01P092 # تعالى القرب بالذكر والطاعة والعمل الصالح والمراد بقرب الله من العبد ~~قرب نعمه وألطافه وبره وكرمه وإحسانه إليه، وفيض مواهبه ms0158 ورحمته عليه ~~والمعنى كلما زاد بالطاعة والذكر زدت بالبر والإحسان وإن أتاني في طاعتي ~~أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة صبا وسبقته بها (ق) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # يقول الله عز وجل: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (ق) عن أبي ~~موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي يذكر ربه ~~والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول ~~الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» المفردون الذين ذهب القرن الذي ~~كانوا فيه، وبقوا وهم يذكرون الله تعالى. ويقال: تفرد الرجل إذا تفقه ~~واعتزل. # وقوله تعالى: واشكروا لي يعني بالطاعة ولا تكفرون أي بالمعصية فمن أطاع ~~الله فقد شكره ومن عصاه فقد كفره. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 153 الى 154] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ~~ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إنما خصهما بذلك لما فيهما ~~من المعونة على العبادات أما الصبر فهو حبس النفس على احتمال المكاره في ~~ذات الله وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات، وسائر الطاعات وتجنب الجزع ~~وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم وفسره به، ومنهم من حمله ~~على الجهاد وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها تجب أن تفعل على طريق الخضوع ~~والتذلل للمعبود والإخلاص له. # وقيل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في ~~مواقيتها على تمحيص الذنوب إن الله مع الصابرين أي بالعون والنصر ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات نزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا ~~أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعمير ~~بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ms0159 الزهري أخو سعد بن أبي وقاص وذو ~~الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن العاص بن نضلة بن عمرو بن خزاعة ثم بني ~~غبشان وعاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن كنانة ومهجع مولى لعمر بن ~~الخطاب، وصفوان بن بيضاء من بني الحارث بن فهر ومن الأنصار ثمانية، وهم سعد ~~بن خيثمة ومبشر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن الحارث بن قيس بن فسحم وعمير بن ~~الحمام ورافع بن المعلى وحارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة ~~بن سواد وهما ابنا عفراء وهي أمهما، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله ~~مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: ~~إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم ظلما لمرضاة محمد من ~~غير فائدة فنزلت هذه الآية وأخبر أن من قتل في سبيل الله فإنه حي بقوله ~~تعالى: بل أحياء وإنما أحياهم الله عز وجل في الوقت لإيصال الثواب إليهم. # وعن الحسن أن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم، ~~ويصل إليهم الروح والريحان والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة ~~وعشيا فيصل إليهم، الألم والوجع ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ~~ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ وكذا العصاة يعذبون في قبورهم. فإن قلت: ~~نحن نراهم موتى فما معنى قوله بل أحياء وما وجه النهي، في قوله ولا تقولوا ~~لمن يقتل في سبيل الله أموات. قلت: معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من ~~الأموات بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان كما ورد، «إن أرواح الشهداء في ~~حواصل طير خضر تسرح في الجنة» فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من ~~جهة خروج الروح من أجسادهم، وجواب آخر وهو أنهم أحياء عند الله تعالى في ~~عالم الغيب، لأنهم صاروا إلى الآخرة فنحن لا نشاهدهم كذلك ويدل على ذلك ~~قوله تعالى: ولكن لا تشعرون أي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة، # PageV01P093 # وإنما تعلمون ذلك ms0160 بإخباري إياكم به. فإن قلت: ليس سائر المطيعين من ~~المسلمين لله يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم فلم خصص الشهداء بالذكر؟. ~~قلت: إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم وهو أنهم يرزقون ~~من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم ينعمون بما دون ذلك، وجواب آخر أنه رد لقول ~~من قال: إن من قتل في سبيل الله قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأخبر ~~الله تعالى بقوله: بل أحياء بأنهم في نعيم دائم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 155 الى 156] # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) # ولنبلونكم أي لنختبرنكم يا أمة محمد واللام جواب القسم تقديره، والله ~~لنبلونكم، والابتلاء لإظهار الطائع من العاصي لا ليعلم شيئا، لم يكن عالما ~~به فإنه سبحانه وتعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها وحدوثها بشيء إنما ~~قال: بشيء ولم يقل بأشياء لئلا يوهم أن أشياء تدل على ضروب من الخوف. وكذا ~~الباقي فلما قال بشيء كان التقدير بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع. وقيل: ~~معناه بشيء قليل من هذه الأشياء من الخوف قال ابن عباس: يعني خوف العدو ~~والخوف توقع مكروه يحصل منه ألم في القلب والجوع يعني القحط وتعذر حصول ~~القوت ونقص من الأموال يعني بالهلاك والخسران والأنفس أي ونقص من الأنفس ~~بالموت أو القتل والثمرات يعني الجوائح في الثمار وقيل: قد يكون بالجدب ~~أيضا وبترك العمل والعمارة في الأشجار. وحكي عن الشافعي رضي الله عنه في ~~تفسير هذه الآية قال: الخوف خوف الله تعالى والجوع صيام شهر رمضان ونقص من ~~الأموال يعني إخراج الزكاة والصدقات والأنفس يعني بالأمراض، والثمرات يعني ~~موت الأولاد، لأن الولد ثمرة القلب. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى ~~لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم. قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم ~~قال فماذا قال؟ # قالوا: حمدك ms0161 واسترجع قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد» أخرجه ~~الترمذي، وقال حديث حسن. # فإن قلت ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء في قوله: ولنبلونكم. قلت ~~فيه حكم: منها أن العبد إذا علم أنه مبتلي بشيء، وطن نفسه على الصبر، فإذا ~~نزل به ذلك البلاء لم يجزع. ومنها أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقيمين ~~على دينهم ثابتين عند نزول البلاء صابرين له علموا بذلك صحة الدين فيدعوهم ~~ذلك إلى متابعته والدخول فيه. ومنها أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء، قبل ~~وقوعه فإذا وقع كان ذلك إخبارا عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ومنها أن المنافقين إنما أظهروا الإيمان طمعا في المال وسعة الرزق من ~~الغنائم فلما أخبر الله أنه مبتلي عباده فعند ذلك تميز المؤمن من المنافق ~~والصادق من الكاذب، ومنها أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصا لله منه ~~في حال الرخاء، فإذا علم أنه مبتلي دام على التضرع والابتهال إلى الله ~~تعالى لينجيه مما عسى أن ينزل به من البلاء ثم قال تعالى: وبشر الصابرين ~~يعني عند نزول البلاء والمعنى وبشر يا محمد الصابرين على امتحاني بما ~~أمتحنهم به من الشدائد والمكاره، ثم وصفهم بقوله تعالى: الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة أي نائبة وابتلاء قالوا إنا لله أي عبيدا وملكا وإنا إليه راجعون ~~يعني في الآخرة (م) عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني ~~في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها» ~~قيل: ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة ولو ~~أعطيها أحد لأعطى يعقوب عليه السلام ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف يا ~~أسفى على يوسف. وقيل: في قول العبد إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض منه إلى ~~الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب. # PageV01P094 ### || [سورة البقرة (2): آية 157] # أولئك عليهم صلوات ms0162 من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # أولئك يعني من هذه صفتهم عليهم صلوات من ربهم قال ابن عباس: أي مغفرة من ~~ربهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل على آل أبي أوفى» أي أغفر ~~لهم وأرحمهم وإنما جمع الصلوات لأنه عنى مغفرة، بعد مغفرة ورحمة بعد رحمة ~~ورحمة قال ابن عباس: ونعمة والرحمة من الله إنعامه وإفضاله وإحسانه، ومن ~~الآدميين رقة وتعطف. وقيل: إنما ذكر الرحمة بعد الصلوات لأن الصلاة من الله ~~الرحمة لاتساع المعنى واتساع اللفظ وتفعل ذلك العرب كثيرا، إذا اختلف ~~اللفظ، واتفق المعنى، وقيل: كررهما للتأكيد أي عليهم رحمة بعد رحمة وأولئك ~~هم المهتدون يعني إلى الاسترجاع. وقيل: إلى الجنة الفائزون بالثواب. وقيل: ~~المهتدون إلى الحق والصواب. وقال عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ~~فالعدلان الصلاة والرحمة والعلاوة الهداية. # (فصل: في ذكر أحاديث وردت في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين) (خ) عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يصب ~~منه» يعني يبتليه بالمصائب حتى يأجره على ذلك (ق) عن أبي سعيد وأبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا حزن ~~ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها خطاياه» النصب ~~التعب والإعياء والوصب المرض (ق) عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه من ~~سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن ~~يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تحصد» الأرزة شجر ~~معروف بالشام ويعرف في العراق، ومصر بالصنوبر والصنوبر ثمرة الأرزة وقيل: ~~الأرزة الثابتة في الأرض. عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا أراد الله بعبد خيرا عجل ms0163 له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبد ~~شرا أمسك عنه حتى يوافي يوم القيامة» وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن ~~رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» أخرجه الترمذي. وله عن جابر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل ~~البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض» وله عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن ~~والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» وقال حديث حسن صحيح ~~(خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ~~ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا ~~الجنة عن سعد بن أبي وقاص وقال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال: ~~«الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على دينه فإن كان في دينه صلبا ~~اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه فما يبرح البلاء بالعبد حتى ~~يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. ### || [سورة البقرة (2): آية 158] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) # قوله عز وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله الصفا جمع صفاة، وهي الصخرة ~~الصلبة الملساء، وقيل هي الحجارة الصافية. والمروة الحجر الرخو، وجمعها مرو ~~ومروات وهذان أصلهما في اللغة، وإنما عنى الله بهما الجبلين المعروفين بمكة ~~في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام وشعائر الله أعلام دينه ~~وأصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان معلما لقربان ~~يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة، # PageV01P095 # ودعاء وذبيحة فهو شعيرة من شعائر الله. ومشاعر الحج معالمه الظاهرة ~~للحواس ويقال: شعائر الحج فالمطاف ms0164 والموقف والمنحر، كلها شعائر والمراد ~~بالشعائر هنا المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته فالصفا، والمروة منها ~~حيث يسعى بينهما فمن حج البيت قصد البيت هذا أصله في اللغة وفي الشرع عبارة ~~عن أفعال مخصوصة لإقامة المناسك أو اعتمر أي زار البيت والعمرة الزيارة ففي ~~الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة فلا جناح عليه أي فلا إثم عليه وأصله من ~~جنح إذا مال عن القصد المستقيم أن يطوف بهما أي يدور بهما ويسعى بينهما. ~~وسبب نزول هذه الآية، أنه كان على الصفا والمروة صنمان يقال لهما إساف ~~ونائلة فكان إساف على الصفات ونائلة على المروة وكان أهل الجاهلية يطوفون ~~بين الصفا، والمروة تعظيما للصنمين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، تحرج ~~المسلمون عن السعي بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية وأذن في السعي ~~بينهما وأخبر أنه من شعائر الله (ق) عن عاصم بن سليمان الأحول قال قلت ~~لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم لأنها كانت من ~~شعائر الجاهلية حتى أنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما. وفي رواية قال: كانت الأنصار يكرهون ~~أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت إن الصفا والمروة من شعائر الله. # (فصل) اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، ~~فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن: وإليه ~~ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع. وهو قول ابن عباس: وبه قال ابن ~~سيرين وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنه ليس بركن وعلى من تركه دم وروي عن ~~ابن الزبير ومجاهد وعطاء أن من تركه فلا شيء عليه واختلفت الرواية عن أحمد ~~في ذلك فروي عنه أن من ترك السعي بين الصفا والمروة لم يجزه حجه وروي عنه ~~أنه لا شيء في تركه عمدا، ولا سهوا ولا ينبغي أن يتركه ونقل الجمهور عنه ~~أنه تطوع وسبب هذا الاختلاف أن قوله تعالى: فلا جناح عليه ms0165 يصدق عليه أنه لا ~~إثم عليه في فعله، فدخل تحته الواجب والمندوب والمباح فظاهر هذه الآية، لا ~~يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال ~~على القدر المشترك بين الأقسام الثلاثة لا دلالة فيه على خصوصية أحدهما، ~~فإذا لا بد من دليل خارج يدل على أن السعي واجب أو غير واجب فحجة الشافعي ~~ومن وافقه في أن السعي بين الصفا والمروة، ركن من أركان الحج والعمرة، ما ~~روى الشافعي بسنده عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني بنت أبي تجزاة واسمها ~~حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ~~ننظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته ~~يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبته وسمعته يقول: ~~«اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» وصححه الدارقطني (ق) عن عروة بن الزبير ~~قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله: إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما فقالت عائشة: كلا لو كان كما تقول ~~كانت فلا جناح عليه، أن لا يطوف بهما إنما نزلت هذه الآية في الأنصار، ~~كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا ~~والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية (م) عن جابر في حديثه الطويل ~~في صفة حجة الوداع قال: «ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ~~«إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا» الحديث ~~فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وجب علينا السعي لقوله تعالى: ~~فاتبعوه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» والأمر للوجوب ومن ~~القياس أن السعي ms0166 أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ويؤتى به في إحرام كامل ~~فكان ركنا كطواف الزيارة # PageV01P096 # واحتج أبو حنيفة ومن لا يرى وجوب السعي بقوله: «فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما». وهذا لا يقال في الواجبات ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ومن تطوع ~~خيرا فبين أنه تطوع وليس بواجب. وأجيب عن الأول بأن قوله تعالى: فلا جناح ~~عليه ليس فيه إلا أنه لا إثم على فعله وهذا القدر مشترك بين الواجب، وغيره ~~كما تقدم بيانه فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب. وعن الثاني وهو التمسك ~~بقوله تعالى: ومن تطوع خيرا فضعيف لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا ~~التطوع هو الطواف المذكور، أولا بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا آخر يدل ~~على ذلك قول الحسن: إن المراد من قوله: ومن تطوع خيرا جميع الطاعات في ~~الدين يعني فعل فعلا زائدا على ما افترض عليه من صلاة وصدقة وصيام وحج ~~وعمرة، وطواف، وغير ذلك من أنواع الطاعات. # وقال مجاهد: ومن تطوع خيرا بالطواف بهما وهذا على قول من لا يرى الطواف ~~بهما فرضا وقيل معناه ومن تطوع خيرا فزاد في الطواف بعد الواجب والقول ~~الأول أولى للعموم فإن الله شاكر أي مجاز على الطاعة عليم أي بنيته وحقيقة ~~الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه والشكر هو تصور النعمة، وإظهارها ~~والله تعالى لا يوصف بذلك لأنه لا يلحقه المنافع والمضار، فالشاكر في صفة ~~الله تعالى مجاز فإذا وصف به أريد به أنه المجازي على الطاعة بالثواب، إلا ~~أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مظاهرة في الإحسان إليهم. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 159 الى 163] # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها ~~لا يخفف عنهم العذاب ولا ms0167 هم ينظرون (162) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم (163) # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى نزلت في علماء اليهود الذين ~~كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرها من الأحكام التي كانت ~~في التوراة. وقيل: إن الآية على العموم فيمن كتم شيئا من أمر الدين لأن ~~اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبت، ومن قال بالقول الأول، ~~وإنها في اليهود قال: إن الكتم لا يصح إلا منهم لأنهم كتموا صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومعنى الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إلى بيانه ~~وإظهاره، فمن كتم شيئا من أمر الدين فقد عظمت مصيبته (ق) عن أبي هريرة قال: ~~لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا: إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى وقوله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه إلى آخر الآيتين، وهل إظهار علوم الدين فرض ~~كفاية أو فرض عين؟ فيه خلاف والأصح، أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد ~~من الوصول إليه لم يبق مكتوما، وقيل: متى سئل العالم عن شيء يعلمه من أمر ~~الدين يجب عليه إظهاره وإلا فلا من بعد ما بيناه للناس في الكتاب يعني في ~~التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون المراد بالناس علماء ~~بني إسرائيل، ومن قال: إن المراد بالكتاب جميع ما أنزل الله على أنبيائه من ~~الأحكام قال المراد بالناس العلماء كافة أولئك يعني الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من البينات والهدى يلعنهم الله أي يبعدهم من رحمته وأصل اللعن في ~~اللغة الطرد والإبعاد ويلعنهم اللاعنون قال ابن عباس: جميع الخلائق إلا ~~الجن والإنس وذلك أن البهائم تقول إنما منعنا القطر بمعاصي بني آدم. وقيل: ~~اللاعنون هم الجن والإنس لأنه وصفهم بوصف من يعقل وقيل: ما تلا عن اثنان من ~~المسلمين إلا رجعت إلى اليهود والنصارى الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم استثنى فقال تعالى: إلا ms0168 الذين تابوا أي ندموا على ما فعلوا فرجعوا ~~عن الكفر إلى الإسلام وأصلحوا يعني الأعمال فيما بينهم وبين الله تعالى ~~وبينوا يعني ما كتموا من العلم فأولئك # PageV01P097 # أتوب عليهم أي أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم وأنا التواب أي المتجاوز عن ~~عبادي الرجاع بقلوبهم المنصرفة عني إلي الرحيم يعني بهم بعد إقبالهم علي. ~~قوله عز وجل: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين قيل: هذا اللعن يكون يوم القيامة يؤتى بالكافر ~~فيوقف فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون. فإن قلت: ~~الكافر لا يلعن نفسه ولا يلعنه أهل دينه وملته فما معنى قوله والناس ~~أجمعين. قلت فيه أوجه: أحدها: أنه أراد بالناس من يعتد بلعنه وهم المؤمنون. ~~الثاني: أن الكفار يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة. الثالث: أنهم يلعنون ~~الظالمين والكفار من الظالمين فيكون قد لعن نفسه خالدين فيها أي مقيمين في ~~اللعنة وقيل: في النار وإنما أضمرت لعظم شأنها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون أي لا يمهلون ولا يؤجلون. وقيل: لا ينظرون ليعتذروا. وقيل: لا ينظر ~~إليهم نظر رحمة. # (فصل فيما يتعلق بهذه الآية من الحكم) قال العلماء: لا يجوز لعن كافر ~~معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم فلعله يموت على الإسلام وقد شرط الله في ~~هذه الآية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر ويجوز لعن الكفار يدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ~~فباعوها» وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله ~~وأما العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعنة أحد منهم على التعيين وأما على ~~الإطلاق فيجوز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله السارق ~~يسرق البيضة والحبل فتقطع يده» ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة ~~والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله ولعن من غير منار الأرض، ومن انتسب لغير أبيه ~~وكل هذه في الصحيح. قوله عز وجل: وإلهكم إله واحد سبب نزول هذه ms0169 الآية، أن ~~كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فأنزل الله هذه الآية وسورة ~~الإخلاص ومعنى الوحدة الانفراد، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعض ولا ~~ينقسم والواحد في صفة الله أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء وقيل واحد ~~في ألوهيته وربوبيته ليس له شريك لأن المشركين أشركوا معه الآلهة فكذبهم ~~الله تعالى بقوله: وإلهكم إله واحد يعني لا شريك له في ألوهيته ولا نظير له ~~في الربوبية والتوحيد، هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله تعالى واحد في ~~أفعاله لا شريك له يشاركه في مصنوعاته وواحد في ذاته لا قسيم له وواحد في ~~صفاته لا يشبهه شيء من خلقه لا إله إلا هو تقرير للوحدانية بنفي غيره من ~~الألوهية وإثباتها له سبحانه وتعالى: الرحمن الرحيم يعني أنه المولى لجميع ~~النعم وأصولها وفروعها فلا شيء سواه بهذه الصفة لأن كل ما سواه إما نعمة ~~وأما منعم عليه. وهو المنعم على خلقه الرحيم بهم. عن أسماء بنت يزيد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ~~وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وفاتحة آل عمران: الم الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم» أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح. وقيل: ~~لما نزلت هذه الآية. قال المشركون: إن محمدا يقول: «إلهكم إله واحد فليأتنا ~~بآية إن كان صادقا» فأنزل الله تعالى: # | ### || [سورة البقرة (2): آية 164] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) # إن في خلق السماوات والأرض وعلمه كيفية الاستدلال على وحدانية الصانع، ~~وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته وإتقان أفعاله ففي ذلك ~~دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان لهذه الأفعال، لاستحال ~~اتفاقهما على أمر واحد ولامتنع ms0170 في أفعالهما التساوي في صفة الكمال فثبت ~~بذاك أن خالق هذا # PageV01P098 # العالم والمدبر له واحد قادر مختار، فبين سبحانه وتعالى من عجائب ~~مخلوقاته ثمانية أنواع أولها: إن في خلق السموات والأرض وإنما جمع السموات ~~لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى ووحد الأرض لأنها جنس ~~واحد وهو التراب، والآية في السماء هي سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة ~~وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها على ~~الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار ~~والأشجار والثمار والنبات. النوع الثاني قوله تعالى: واختلاف الليل والنهار ~~أي تعاقبهما في المجيء والذهاب وقيل اختلافهما في الطول والقصر والزيادة ~~والنقصان والنور والظلمة. وإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم. ~~والآية في الليل والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة ~~يكون في النهار وطلب النوم والراحة يكون في الليل فاختلاف الليل والنهار ~~إنما هو لتحصيل مصالح العباد. النوع الثالث قوله تعالى: والفلك التي تجري ~~في البحر أي السفن واحدة وجمعه سواء، وسمي البحر بحرا لاتساعه وانبساطه، ~~والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال ~~والرجال فلا ترسب وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل الفلك ~~مع قوة سلطان الماء، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا الله تعالى النوع ~~الرابع قوله تعالى: بما ينفع الناس يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات ~~لطلب الأرباح، والآية في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه ~~السفن لما تم الغرض في تجاراتهم، ومنافعهم وأيضا فإن الله تعالى خص كل قطر ~~من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك سببا يدعوهم إلى ~~اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوض البحر وغير ذلك فالحامل ~~ينتفع، لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه. النوع الخامس قوله ~~تعالى: وما أنزل الله من السماء من ماء يعني المطر قيل أراد بالسماء السحاب ~~سمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو ms0171 سماء خلق الله الماء في السحاب، ومنه ~~ينزل إلى الأرض وقيل: أراد السماء بعينها خلق الله الماء في السماء ومنه ~~ينزل إلى السحاب ثم منه إلى الأرض فأحيا به أي بالماء الأرض بعد موتها أي ~~يبسها وجدبها سماه موتا مجازا لأنها إذا لم تنبت شيئا، ولم يصبها المطر فهي ~~كالميتة، والآية في إنزال المطر وإحياء الأرض به أن الله تعالى جعله سببا ~~لإحياء الجميع من حيوان ونبات ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة، ~~وعند الاستسقاء والدعاء وإنزاله بمكان دون مكان. النوع السادس قوله تعالى: ~~وبث أي فرق فيها أي في الأرض من كل دابة قال ابن عباس: يريد كل ما دب على ~~وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، والآية في ذلك أن جنس الإنسان ~~يرجع إلى أصل واحد وهو آدم ثم ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال ~~والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ثم يقاس على بني ~~آدم سائر الحيوان. النوع السابع قوله تعالى: وتصريف الرياح يعني في مهابها ~~قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا ونكباء وهي الريح التي تأتي من غير مهب صحيح، ~~فكل ريح تختلف مهابها تسمى: نكباء وقيل: تصريفها في أحوال مهابها لينة ~~وعاصفة وحارة وباردة وسميت ريحا لأنها تريح قال ابن عباس: أعظم جنود الله ~~الريح وقيل ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ضده. وقيل: البشارة في ثلاث رياح ~~الصبا والشمال والجنوب والدبور: هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد فلا ~~بشارة فيها، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهي مع ذلك في ~~غاية القوة تقلع الشجر والصخر وتخرب البنيان العظيم وهي مع ذلك حياة الوجود ~~فلو أمسكت # طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض. # النوع الثامن قوله تعالى: والسحاب المسخر بين السماء والأرض أي الغيم ~~المذلل سمي سحابا لسرعة سيره كأنه يسحب. والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه ~~من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلقا بين السماء ms0172 ~~والأرض، ففي هذه الأنواع الثمانية المذكورة في هذه الآية دلالة عظيمة على ~~وجود الصانع القادر المختار، وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ولا نظير وهو ~~المراد من قوله: «وإلهكم إله واحد لا إله إلا # PageV01P099 # هو» وقوله: لآيات أي فيما ذكر من دلائل مصنوعاته الدالة على وحدانيته قيل ~~إنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على ~~أن لها خالقا مدبرا مختارا لقوم يعقلون أي ينظرون بصفاء عقولهم ويتفكرون ~~بقلوبهم، فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا ومدبرا مختارا وصانعا قادرا على ما ~~يريد. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 165] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) # ومن الناس يعني المشركين من يتخذ من دون الله أندادا يعني أصناما ~~يعبدونها والند المثل المنازع فعلى هذا الأصنام أندادا بعضها لبعض وليست ~~أندادا لله تعالى وتعالى الله أن يكون له ند، أوله مثل منازع وقيل: # الأنداد الأكفاء من الرجال وهم رؤساؤهم وكبراؤهم الذين يطيعونهم في معصية ~~الله تعالى: يحبونهم أي يودونهم ويميلون إليهم والحب نقيض البغض وأحببت ~~فلانا أي جعلته معرضا بأن تحبه والمحبة الإرادة كحب الله أي كحب المؤمنين ~~لله والمعنى: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم عز وجل. وقيل: معناه ~~يحبونهم كحب الله فيكون المعنى أنهم يسوون بين الأصنام وبين الله في المحبة ~~فمن قال بالقول الأول لم يثبت للكفار محبة الله تعالى ومن قال بالقول ~~الثاني أثبت للكفار محبة الله تعالى لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب ~~والذين آمنوا أشد حبا لله أي أثبت وأدوم على محبته لأنهم لا يختارون مع ~~الله سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا آخر أحسن منه طرحوا الأول ~~واختاروا الثاني. وقيل: إن الكفار يعدلون عن أصنامهم في الشدائد ويقبلون ~~إلى الله تعالى كما أخبر عنهم فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ms0173 ~~الدين. والمؤمنون لا يعدلون عن الله تعالى في السراء ولا في الضراء ولا في ~~الشدة ولا في الرخاء وقيل: إن المؤمنين يوحدون ربهم والكفار يعبدون أصناما ~~كثيرة فتنقص المحبة لصنم واحد. وقيل: إنما هو قال والذين آمنوا أشد حبا لله ~~لأن الله أحبهم أولا فأحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم ~~وسيأتي بسط الكلام في معنى المحبة عند قوله: يحبهم ويحبونه ولو يرى الذين ~~ظلموا قرئ بالتاء والمعنى ولو ترى يا محمد الذين ظلموا. يعني أشركوا في شدة ~~العذاب، لرأيت أمرا عظيما وقرئ بالياء ومعناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم ~~عند رؤية العذاب حين يقذف بهم في النار لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوه من ~~الأصنام لا ينفعهم إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا معناه لو رأى الذين ~~كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرون العذاب أن القوة ثابتة ~~لله جميعا، والمعنى أنهم شاهدوا من قدرة الله تعالى ما تيقنوا معه أن القوة ~~له جميعا، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من الشرك والجحود وأن الله شديد ~~العذاب قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 166 الى 167] # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) # إذ تبرأ أي تنزه وتباعد الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب أي ~~القادة من مشركي الإنس من الأتباع وذلك يوم القيامة حين يجمع القادة ~~والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض عند نزول العذاب بهم وعجزهم عن دفعه عن ~~أنفسهم فكيف عن غيرهم. وقيل: هم الشياطين يتبرؤون من الإنس، والقول هو ~~الأول وتقطعت بهم الأسباب يعني الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون ~~بها من قرابة وصداقة. وقيل: الأعمال التي كانت بينهم يعملونها في الدنيا. ~~وقيل: العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها. وأصل السبب في اللغة ~~الحبل # PageV01P100 # الذي يصعد به النخل وسمي ms0174 كل ما يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو ~~مودة سببا تشبيها بالحبل الذي يصعد به وقال الذين اتبعوا يعني الأتباع لو ~~أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منهم أي من المتبوعين كما تبرؤا منا ~~اليوم كذلك يريهم الله أي كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ~~لأنهم أيقنوا بالهلاك. والحسرة الغم على ما فاته وشدة الندم عليه كأنه ~~انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، والمعنى أن الله تعالى يريهم ~~السيئات التي عملوها، وارتكبوها في الدنيا فيتحسرون لم عملوها؟. وقيل: ~~يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها. وقيل: يرفع لهم منازلهم في ~~الجنة فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين ~~يتحسرون ويندمون على ما فاتهم ولا ينفعهم الندم وما هم بخارجين من النار ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 168 الى 170] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر ~~بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. والحلال المباح الذي أحله الشرع وانحلت عقدة ~~الحظر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطيب ما يستلذ، والمسلم لا ~~يستطيب إلا الحلال ويعاف الحرام. وقيل: الطيب هو الطاهر لأن النجس تكرهه ~~النفس وتعافه ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي لا تسلكوا سبيله. وقيل معناه لا ~~تأثموا به ولا تتبعوا آثاره وزلاته، والمعنى احذروا أن تتعدوا ما أحل الله ~~لكم إلى ما يدعوكم إليه الشيطان. قيل: هي النذور في المعاصي. وقيل: هي ~~المحقرات من الذنوب ثم بين علة هذا التحذير، بقوله تعالى: إنه لكم عدو ms0175 مبين ~~أي ظاهر العداوة وقد أظهر الله تعالى عداوته بآية السجود لآدم ثم بين ~~عداوته ما هي فقال تعالى: إنما يأمركم بالسوء يعني بالإثم. والسوء ما يسوء ~~صاحبه ويخزيه والفحشاء يعني بها المعاصي وما قبح من قول أو فعل. قال ابن ~~عباس: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحد. وقيل الفحشاء الزنا. ~~وقيل هو البخل وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون يعني من تحريم الحرث ~~والأنعام ويتناول ذلك جميع المذاهب الفاسدة التي لم يأذن فيها الله ولم ترد ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي يجدها الإنسان ~~في قلبه، وماهية هذه الخواطر حروف وأصوات منتظمة خفية تشبه الكلام في ~~الخارج، ثم إن فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى وهو المحدث لها في باطن ~~الإنسان، وإنما الشيطان كالعرض، والله هو المقدر له على ذلك وقد ورد في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم» وإنما أقدر على ذلك لإيصال هذه الخواطر إلى باطن الإنسان. قوله ~~عز وجل: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله هذه قصة مستأنفة والضمير في ~~«لهم» يعود إلى غير مذكور. قال ابن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اليهود إلى الإسلام. فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا فهم كانوا خيرا منا وأعلم منا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إن ~~الآية متصلة بما قبلها والضمير في «لهم» يعود إلى قوله: ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا وهم مشركو العرب. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~يعني من عبادة الأصنام. وقيل: بل الضمير في «لهم» يعود على قوله: يا أيها ~~الناس كلوا مما في الأرض والمعنى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله يعني في ~~تحليل ما حرموا على أنفسهم قالوا بل نتبع ما ألفينا يعني وجدنا عليه آباءنا ~~من التحريم والتحليل، قال الله ms0176 تعالى: أولو كان آباؤهم يعني الذين يتبعونهم # PageV01P101 # لا يعقلون شيئا يعني لا يعلمون شيئا من أمر الدين، لفظه عام ومعناه خاص ~~وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ولا يهتدون أي إلى الصواب. ثم ضرب لهم ~~مثلا فقال تعالى: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 171 الى 172] # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ~~لله إن كنتم إياه تعبدون (172) # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء النعيق صوت ~~الراعي بالغنم، ولا يقال نعق إلا للراعي بالغنم وحدها، ومعنى الآية: ومثلك ~~يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله كمثل الراعي الذي ينعق ~~بالغنم وهي لا تسمع إلا صوتا فصار الداعي إلى الله وهو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بمنزلة الراعي، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها، ووجه ~~المثل أن الغنم تسمع الصوت ولا تفطن للمراد وكذلك الكفار يسمعون صوت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولكن لا ينتفعون به، وقيل معناه ومثل الذين كفروا في ~~قلة عقلهم وفهمهم عن الله ورسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفهم ~~من الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى بالمثل المنعوق به خارج عن الناعق. ~~وقيل: معناه ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل ~~كمثل الناعق بالغنم، فهو لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه غني عن الدعاء ~~والنداء، فكذلك الكافر ليس له من دعاء الأصنام وعبادتها إلا العناء ~~والبلاء، والفرق بين هذا القول والقول الذي قبله أن المحذوف هنا هو المدعو ~~وهي الأصنام وفي القول الأول المحذوف هو الداعي وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم صم بكم عمي لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم فقال: صم لأنهم إذا ~~سمعوا الحق ودعاء الرسول، ولم ينتفعوا به صاروا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع ~~ولا يعقل كأنه أصم، بكم أي عن النطق بالحق عمي أي عن طريق الهدى ms0177 فهم لا ~~يعقلون قيل المراد به العقل الكسبي لأن العقل الطبيعي كان حاصلا فيهم قوله ~~عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم قيل إن الأمر في ~~قوله: كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ودفع الضرر عنها، وقد يكون ~~للندب كالأكل مع الضيف وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض. والطيب هو ~~الحلال (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وقال: يا أيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ~~يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي ~~بالحرام فأنى يستجاب لذلك». قوله: # أشعث أغبر هو البعيد العهد بالدهن والغسل والنظافة. وقيل الطيب المستلذ ~~من الطعام فلعل قوما تنزهوا عن أكل المستلذ من المطاعم فأباح الله تعالى ~~لهم ذلك واشكروا لله يعني على نعمه إن كنتم إياه تعبدون أي اشكروا الله ~~الذي رزقكم هذه النعم إن كنتم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه إلهكم لا غيره ~~وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمه فاشكروه عليها. ### || [سورة البقرة (2): آية 173] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) # قوله عز وجل: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير لما أمرنا الله ~~تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات بين في هذه الآية ~~أنواعا من المحرمات، أما الميتة فكل ما فارقته روحه من غير ذكاة مما يذبح. ~~وأما الدم فهو الجاري وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ثم تشويه وتأكله ~~فحرم الله الدم. وأما الخنزير فإنه أراد بلحمه جميع أجزائه وإنما خص اللحم ~~بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل وما أهل به لغير الله يعني وما ms0178 ذبح ~~للأصنام والطواغيت وأصل الإهلال رفع الصوت وذلك أنهم كانوا يرفعون أصواتهم # PageV01P102 # بذكر آلهتهم إذا ذبحوا لها فجرى ذلك مجرى أمرهم وحالهم حتى قيل لكم ذابح ~~مهل وإن لم يجهر بالتسمية فمن اضطر يعني إلى أكل الميتة وأحوج إليها غير ~~باغ أصل البغي الفساد ولا عاد أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد فلا ~~إثم عليه أي فأكل فلا إثم عليه، أي فلا حرج في أكلها إن الله غفور أي لما ~~أكله في حال الضرورة رحيم يعني حيث رخص لعباده في ذلك. # (فصل في حكم هذه الآية وفيه مسائل) الأولى في حكم الميتة أجمعت الأمة على ~~تحريم أكل الميتة، وأنها نجسة واستثنى الشرع منها السمك والجراد، أما السمك ~~فلقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أخرجه ~~الجماعة غير البخاري ومسلم. # قال الترمذي: فيه حديث حسن صحيح. وأما الجراد فلما روي عن ابن أبي أوفى ~~قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أو ستا وكنا نأكل ~~الجراد ونحن معه» أخرجاه في الصحيحين. واختلف في السمك الميت الطافي على ~~الماء فقال مالك والشافعي لا بأس به وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح ~~بن حي إنه مكروه وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما طفى من صيد البحر فلا ~~تأكله وعن ابن عباس وجابر بن عبد الله مثله وروي عن أبي بكر الصديق وأبي ~~أيوب إباحته. واختلف في الجراد، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا بأس بأكل ~~الجراد كله ما أخذته وما وجدته ميتا. وروى مالك أن ما وجد ميتا فلا يحل وما ~~أخذ حيا يذكى زكاة مثله بأن يقطع رأسه ويشوى فإن غفل عنه حتى يموت فلا يحل. # المسألة الثانية في حكم الدم: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا ~~يؤكل، ولا ينتفع به. قال الشافعي: # تحرم جميع الدماء سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح. وقال أبو حنيفة: دم ~~السمك ليس بحرام قال لأنه إذا يبس ابيض واستثنى الشارع من ms0179 الدم الكبد ~~والطحال. روى الدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله ~~بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحل لنا من الدم دمان ومن ~~الميتة ميتتان الحوت والجراد ومن الدم الكبد والطحال» وفي لفظ آخر: «أحلت ~~لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال ~~والكبد» أخرجه ابن ماجة وأحمد بن حنبل. قال أحمد وعلي بن المديني: عبد ~~الرحمن بن زيد ضعيف. وأخوه عبد الله بن زيد قوي. ثقة. وقد أخرج الدارقطني ~~هذا الحديث من رواية عبد الله بن زيد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا وضعف أبو ~~بكر بن العربي هذا الحديث وقال: يروى عن عمر بما لا يصح سنده وقال البيهقي: ~~يروى هذا الحديث عن ابن عمر موقوفا ومرفوعا والصحيح الموقوف. واختلف في ~~تخصيص هذا العموم في الكبد والطحال فقال: مالك لا تخصيص لأن الكبد والطحال ~~لحم، ويشهد لذلك العيان الذي لا يفتقر إلى برهان وقال الشافعي: هما دمان ~~ويشهد له الحديث فهو تخصيص من العموم. # المسألة الثالثة في الخنزير: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه ~~محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به ثم اختلفوا في ~~نجاسته فقال جمهور العلماء إنه نجس وقال مالك: إنه طاهر. وكذا كل حيوان ~~عنده، لأن علة الطهارة هي الحياة وللشافعي قولان: في ولوغ الخنزير الجديد ~~أنه كالكلب والقديم يكفي في ولوغه غسلة واحدة. والفرق بينهما أن التغليظ في ~~الكلب لأن العرب كانت تألفه بخلاف الخنزير. # وقيل: إن التغليظ في الكلب تعبدي لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى غيره. # المسألة الرابعة في حكم قوله: وما أهل به لغير الله: من الناس من زعم أن ~~المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، وأجاز ذبيحة ~~النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي ~~وسعيد بن المسيب لعموم قوله: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وقال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة: لا يحل ذلك والحجة فيه ms0180 أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح ~~فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم. # PageV01P103 # وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير ~~الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ~~ما يقولون. # المسألة الخامسة في حكم المضطر: المضطر هو المكلف بالشيء، الملجأ إليه ~~المكره عليه والمراد بالمضطر في قوله فمن اضطر أي خاف التلف حتى قيل: من ~~اضطر إلى أكل فلم يأكل الميتة فلم يأكل منها حتى مات دخل النار. والمضطر ~~على ثلاثة أقسام: إما بإكراه أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد شيئا البتة ~~فإن التحريم يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله: فلا إثم ~~عليه وتباح له الميتة فأما الإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه وأما ~~المخمصة فلا يخلو إن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت ~~نادرة فاختلف العلماء فيه. وللشافعي قولان أحدهما أنه يأكل ما يسد به ~~الرمق، وبه قال أبو حنيفة. والثاني يأكل قدر الشبع، وبه قال مالك. # المسألة السادسة في قوله غير باغ ولا عاد: قال ابن عباس: معنى غير باغ ~~غير خارج على السلطان ولا عاد أي معتد يعني العاصي بسفره بأن يخرج لقطع ~~الطريق أو أبق من مولاه فلا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل من الميتة إذا اضطر ~~إليها، ولا يترخص برخص المسافرين حتى يتوب، وبه قال الشافعي: لأن إباحة ~~الميتة له إعانة له على فساده وذهب قوم إلى أن البغي والعدوان يرجعان إلى ~~الأكل وبه قال أبو حنيفة. وأباح أكل الميتة للمضطر وإن كان عاصيا، وقيل في ~~معنى قوله غير باغ أي غير طالب الميتة وهو يجد غيرها ولا عاد أي غير متعد ~~ما حد له، وقيل: غير مستحل لها ولا متزود منها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 174 الى 175] # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم ms0181 الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما ~~أصبرهم على النار (175) # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم ~~وذلك أنهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون ~~النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو من غيرهم خافوا ~~على ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكتموها فأنزل الله: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب أي في ~~الكتاب من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ووقت نبوته هذا قول ~~المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي وعند المتكلمين هذا ممتنع لأن ~~التوراة والإنجيل قد بلغا من الشهرة والتواتر إلى حيث تعذر ذلك فيهما بل ~~كانوا يكتمون التأويل لأنه قد كان منهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ويصرفونها عن ~~محالها الصحيحة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا هو المراد ~~بالكتمان فيصير المعنى، إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به أي بالكتمان وقيل يعود الضمير إلى ما أنزل الله من الكتاب ثمنا ~~قليلا أي عوضا يسيرا وهي المآكل التي كانوا يأخذونها من سفلتهم أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار يعني ما يؤديهم إلى النار وهو الرشا والحرام ~~فلما كان يفضي بهم ذلك إلى النار فكأنهم أكلوها ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة أي كلام رحمة وما يسرهم بل يكلمهم بالتوبيخ، وهو قوله اخسئوا فيها ~~وقيل أراد به الغضب يقال فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه ولا يزكيهم أي ~~ولا يطهرهم من دنس الذنوب ولهم عذاب أليم أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة معناه: أنهم اختاروا ~~الضلالة على الهدى واختاروا العذاب على المغفرة لأنهم كانوا عالمين بالحق، ~~ولكن كتموه وأخفوه وكان في إظهاره الهدى والمغفرة وفي كتمانه الضلالة ms0182 ~~والعذاب فلما أقدموا على إخفاء الحق # PageV01P104 # وكتمانه كانوا بائعين الهدى بالضلالة والمغفرة بالعذاب فما أصبرهم على ~~النار أي ما الذي صبرهم وأي شيء جسرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا ~~الباطل، فهو استفهام بمعنى التوبيخ وقيل: إنه بمعنى التعجب من حالهم في ~~التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، فلما أقدموا على ما يوجب النار ~~مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بالعذاب والصابرين عليه، تعجب من حالهم ~~بقوله: فما أصبرهم على النار. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 176 الى 177] # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد (176) ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # ذلك بأن الله نزل الكتاب يعني ذلك العذاب بسبب إن الله نزل الكتاب بالحق ~~فكفروا به وأنكروه وقيل معناه فعلنا بهم ذلك، لأن الله أنزل الكتاب بالحق ~~فحرفوه فعلى هذا يكون المراد بالكتاب التوراة وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~يعني اختلفوا في معانيه وتأويله فحرفوها وبدلوها، وقيل: آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض لفي شقاق أي خلاف ومنازعة بعيد يعني عن الحق. # قوله عز وجل: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب هذا خطاب لأهل ~~الكتاب لأن النصارى تصلي قبل المشرق واليهود قبل المغرب إلى بيت المقدس، ~~وزعم كل طائفة منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر ليس فيما ~~زعموا ولكن فيما بينه في هذه الآية. وقال ابن عباس: هو خطاب للمؤمنين وذلك ~~أن الرجل كان في ابتداء الإسلام إذا أتى بالشهادتين وصلى إلى أي جهة كانت ~~ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونزلت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل الله هذه الآية فقال تعالى: # ليس البر أن ms0183 تولوا وجوهكم أي في صلاتكم قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا ~~ذلك ولكن البر يعني ما بينته لكم والبر اسم جامع لكل الطاعات وأعمال الخير ~~المقربة إلى الله الموجبة للثواب والمؤدية إلى الجنة ثم بين خصالا من البر ~~فقال تعالى: من آمن بالله أي ولكن البر من آمن بالله فالمراد بالبر هنا ~~الإيمان بالله والتقوى من الله واليوم الآخر وإنما ذكر الإيمان باليوم ~~الآخر، لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت والملائكة أي ومن ~~البر الإيمان بالملائكة كلهم لأن اليهود قالوا: إن جبريل عدونا والكتاب ~~قيل: أراد به القرآن وقيل جميع الكتب المنزلة لسياق ما بعده وهو قوله ~~والنبيين يعني أجمع وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة لأنه يدخل تحت كل ~~واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها وآتى المال على حبه ~~يعني من أعمال البر إيتاء المال على حبه قيل إن الضمير راجع إلى المال ~~فالتقدير على هذا وآتى المال على حب المال (ق) عن أبي هريرة قال: «جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال ~~أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت ~~الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» قوله حتى إذا بلغت ~~الحلقوم يعني الروح وإن لم يتقدم لها ذكر وقوله لفلان كذا هو كناية عن ~~الموصى له وقوله وقد كان لفلان كناية عن الوارث وقيل الضمير في حبه راجع ~~إلى الله تعالى أي وآتي المال على حب الله وطلب مرضاته ذوي القربى يعني أهل ~~قرابة المعطي وإنما قدمهم لأنهم أحق بالإعطاء. عن سليمان بن عامر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذوي الرحم ~~ثنتان صدقة وصلة» أخرجه النسائي (ق): «إن ميمونة رضي الله عنها أعتقت وليدة ~~ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه ~~قالت # PageV01P105 # أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي ms0184 قال أو قد فعلت قالت نعم قال أما ~~إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» الوليدة الجارية واليتامى اليتيم هو ~~الذي لا أب له مع الصغر وقيل: يقع على الصغير والبالغ أي وآتى الفقراء من ~~اليتامى والمساكين جمع مسكين سمي بذلك لأنه دائم السكون إلى الناس لأنه لا ~~شيء له وابن السبيل يعني المسافر المنقطع عن أهله سمي المسافر ابن السبيل ~~لملازمته الطريق، وقيل هو الضيف ينزل بالرجل لأنه إنما وصل إليه من السبيل ~~وهو الطريق والأول أشبه لأن ابن السبيل اسم جامع جعل للمسافر والسائلين ~~يعني الطالبين المستطعمين. عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «للسائل حق ولو جاء على فرس» أخرجه أبو داود عن زيد بن أسلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» أخرجه ~~مالك في الموطأ عن أم نجيد قالت: قلت يا رسول الله إن المسكين ليقوم على ~~بابي فلم أجد شيئا أعطيه إياه قال: # «إن لم تجدي إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده» أخرجه أبو داود ~~والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية مالك في الموطأ عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ردوا المسكين ولو بظلف محرق» قوله ردوا المسكين، ~~لم يرد به رد الحرمان وإنما أراد به ردوه بشيء تعطونه إياه ولو كان ظلفا ~~وهو خف الشاة وفي كونه محرقا مبالغة في قلة ما يعطي وفي الرقاب يعني ~~المكاتبين. وقيل: هو فك النسمة وعتق الرقبة وفداء الأسارى وأقام الصلاة ~~يعني المفروضة في أوقاتها وآتى الزكاة يعني الواجبة والموفون بعهدهم يعني ~~ما أخذه الله من العهود على عباده بالقيام بحدوده والعمل بطاعته. وقيل: ~~أراد بالعهد ما يجعله الإنسان على نفسه ابتداء من نذر وغيره. # وقيل: العهد الذي كان بينه وبين الناس مثل الوفاء بالمواعيد وأداء ~~الأمانات إذا عاهدوا يعني إذا وعدوا أنجزوا وإذا نذروا أوفوا وإذا حلفوا ~~بروا في أيمانهم وإذا قالوا صدقوا في أقوالهم وإذا ائتمنوا أدوا ms0185 والصابرين ~~في البأساء أي في الشدة والفقر والفاقة والضراء يعني المرض والزمانة وحين ~~البأس يعني القتال والحرب في سبيل الله. وسمي الحرب بأسا لما فيه من الشدة ~~(ق) عن البراء قال كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا الذي ~~يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم قوله احمر البأس: أي اشتد الحرب ~~ونتقي به أي نجعله وقاية لنا من العدو أولئك الذين صدقوا أي أهل هذه ~~الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم وأولئك هم المتقون قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 178] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى نزلت في حيين من أحياء ~~العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل، فكانت بينهم قتلى وحروب وجراحات ~~كثيرة، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام. وقيل نزلت في الأوس ~~والخزرج، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون ~~نساءهم بغير مهر، وأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل ~~منهم وبالرجل منا الرجلين، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك فرفعوا أمرهم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وأمره بالمساواة فرضوا ~~وسلموا. وقيل: # إنما نزلت هذه الآية لإزالة الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط بلا عفو والنصارى يوجبون ~~العفو بلا قتل والعرب في الجاهلية كانوا يوجبون القتل تارة ويوجبون أخذ ~~الدية تارة وكانوا يتعدون في الحكمين فإن وقع القتل على شريف قتلوا به عددا ~~ويأخذون دية الشريف أضعاف دية الخسيس، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~أوجب الله رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص فأنزل الله تعالى: يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم أي فرض عليكم القصاص في ms0186 القتلى. فإن قلت: كيف ~~يكون القصاص فرضا # PageV01P106 # والولي مخير فيه بين العفو والقصاص وأخذ الدية؟ قلت: إن القصاص فرض على ~~القاتل للولي لا على الولي. # وقيل إذا أردتم القصاص فقد فرض عليكم. والقصاص المساواة والمماثلة في ~~القتل والدية والجراح من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل فيفعل ~~به مثل ذلك، فلو قتل رجل رجلا بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر فمات فيقتل ~~القاتل بمثل الذي قتل به وهو قول مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ~~وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار ~~المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم ~~فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل ~~مؤمن بكافر ولا حر بعبد ولا والد بولد ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر ~~والولد بالوالد هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روى البخاري في ~~صحيحه عن أبي جحيفة قال: سألت عليا هل عندكم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيء سوى القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتى الله عبدا ~~فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: العقل وفك ~~الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر، وقد أخرج مسلم عن علي نحو هذا من غير رواية ~~أبي جحيفة. العقل هنا هو الدية والعاقلة الجماعة من أولياء القاتل الذين ~~يعقلون. عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد» أخرجه الترمذي، وذهب ~~أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل الذمي والحر بالعبد وهذه الآية مع الأحاديث ~~حجة لمذهب الشافعي ومن وافقه ويقولون هي مفسرة لما أبهم في قوله: «النفس ~~بالنفس» وأن تلك واردة لحكاية ما كتب على بني إسرائيل في التوراة وهذه ~~الآية خطاب للمسلمين بما كتب عليهم وذهب أصحاب الرأي ms0187 إلى أن هذه منسوخة ~~بقوله «النفس بالنفس» وتقتل الجماء بالواحد يدل عليه ما روى البخاري في ~~صحيحه عن ابن عمر أن غلاما قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء ~~لقتلتهم به. # قال البخاري وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيا فقال عمر ~~مثله. وروى مالك في الموطأ عن ابن المسيب أن عمر قتل نفرا خمسة أو سبعة ~~برجل واحد قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعا. # الغيلة أن يقتل الرجل خديعة ومكرا من غير أن يعلم ما يراد به. وقوله ~~لقتلتهم لو تمالأ أي تعاونوا واجتمعوا عليه. وقوله تعالى: فمن عفي له من ~~أخيه شيء أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي ~~بالدية أو العفو عنها، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه ~~وأراد بالأخ ولي المقتول، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ~~والمطالب به. وقيل: إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بما هو ~~ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام. وفي قوله شيء دليل على أن بعض ~~الأولياء إذا عفا سقط القود وثبتت الدية لأن شيئا من الدم قد بطل فاتباع ~~بالمعروف أي فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه ~~وأداء إليه بإحسان أي على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، ~~أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه وقيل في تقدير الآية: وإذا عفا ~~ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل، وهو وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العفو ~~بمعروف وليؤد ما وجب عليه من الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مطل ولا ~~مدافعة. وفي الآية دليل على أن القاتل يصير كافرا وأن الفاسق مؤمن ووجه ذلك ~~من وجوه: الأول إن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمنا بقوله: ~~يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فسماه مؤمنا حال ما وجب عليه من ~~القصاص. وإنما ms0188 وجب عليه بعد صدور القتل منه وقتل العمد والعدوان من الكبائر ~~بالإجماع فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن. # الوجه الثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: فمن ~~عفي له من أخيه شيء أراد بالأخوة أخوة الإيمان فلولا أن الإيمان باق على ~~القاتل لم تثبت له الأخوة. # PageV01P107 # الوجه الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو لا يليق إلا عن ~~المؤمن لا عن الكافر. وقوله تعالى: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة يعني الذي ذكر ~~من الحكم بشرع القصاص والعفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم، يعني في ~~حقكم ورحمة، وذلك لأن العفو وأخذ الدية كان حراما على اليهود وكان القصاص ~~حتما في التوراة، وكان في شرع النصارى أخذ الدية ولم يكتب عليهم القصاص، ~~وقيل: كان عليهم العفو دون القصاص وأخذ الدية فخير الله هذه الأمة بين ~~القصاص أو العفو وأخذ الدية توسعة عليهم وتيسيرا وتفضيلا لهم على غيرهم فمن ~~اعتدى بعد ذلك يعني بعد هذا التخفيف فقتل الجاني بعد العفو أو قبول الدية ~~فله عذاب أليم وهو أن يقتل قصاصا ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه. وقيل: ~~المراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة .. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 179 الى 180] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين (180) # قوله عز وجل: ولكم في القصاص حياة أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم ~~أنه إذا قتل قتل ترك القتل وامتنع عنه فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هم بقتله. ~~وقيل: إن نفس القصاص سبب للحياة وذلك أن القاتل إذا اقتص منه ارتدع غيره ~~ممن كان يهم بالقتل. واعلم أن هذا الحكم ليس مختصا بالقصاص الذي هو القتل ~~بل يدخل فيه جميع الجراح والشجاج وغير ذلك لأن الجارح إذا علم أنه إذا جرح ~~جرح لم يجرح، فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح والمجروح، وربما أفضت الجراحة ~~إلى الموت فيقتص من الجارح. وقيل في معنى ms0189 الآية إن الحياة سلامته من قصاص ~~الآخرة فإنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يقتص منه في الآخرة، وفي ذلك حياته ~~وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة يا أولي الألباب أي يا ذوي ~~العقول الذين يعرفون الصواب لأن العاقل لا يريد إتلاف نفسه بإتلاف غيره ~~لعلكم تتقون يعني لعلكم تنتهون عن القتل خوف القصاص. # قوله عز وجل: كتب أي فرض وأوجب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أي قرب ودنا ~~منه، وظهرت آثاره عليه من العلل والأمراض المخوفة وليس المراد منه معاينة ~~الموت لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء إن ترك خيرا يعني مالا قيل يطلق ~~على القليل والكثير وهو قول الزهري: فتجب الوصية في الكل وقيل: إن لفظة ~~الخير لا تطلق إلا على المال الكثير وهو قول الأكثرين واختلفوا في مقدار ~~الكثير الذي تقع فيه الوصية فقيل: ألف درهم فما زاد عليها. وقيل: سبعمائة ~~فما فوقها. وقيل: ستون دينارا فما فوقها. وقيل: إنه من خمسمائة إلى ألف ~~وقيل: إنه المال الكثير الفاضل عن العيال، روي أن رجلا قال لعائشة: إني ~~أريد أن أوصي فقالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم قالت: كم عيالك؟ قال ~~أربعة. قالت إنما قال الله: إن ترك خيرا وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. ~~الوصية أي الإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به وقيل: هي القول ~~المبين لما يستأنف من العمل والقيام به بعد الموت للوالدين والأقربين كانت ~~الوصية في ابتداء الإسلام فريضة للوالدين والأقربين على من مات وله مال. ~~وسبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف والرياء ~~ويتركون الأقربين فقراء فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين، ثم نسخت هذه ~~الآية بآية المواريث، وبما روي عن عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا بزمام ناقة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعته يقول: «إن الله أعطى كل ذي حق ~~حقه فلا وصية لوارث» أخرجه النسائي والترمذي، نحوه وذهب ابن عباس إلى أن ~~وجوبها صار منسوخا في حق من ms0190 يرث، وبقي وجوبها في حق من لا يرث من الوالدين ~~والأقربين. وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار وحجة هؤلاء ~~أن الآية دالة على وجوب الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ ذلك الوجوب في حق ~~من يرث بآية الميراث وبالحديث، المذكور فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب ~~الوصية # PageV01P108 # للقريب الذي لا يرث فعلى قول هؤلاء النسخ يتناول بعض أحكام الآية، وذهب ~~الأكثرون من المفسرين والعلماء وفقهاء الحجاز والعراق إلى أن وجوبها صار ~~منسوخا في حق الكافة وهي مستحبة في حق من لا يرث ويدل على استحباب الوصية ~~والحث عليها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه» وفي رواية: «له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ~~ليلتين» وفي رواية: «ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده» قال نافع سمعت عبد ~~الله بن عمر يقول: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذلك إلا ووصيتي مكتوبة عندي أخرجه الجماعة. قوله: ما حق امرئ الحق ~~يشتمل معناه على الوجوب والندب والحث، فيحمل هنا على الحث في الوصية لأنه ~~لا يدري متى يأتيه الموت فربما أتاه بغتة فيمنعه عن الوصية. وقوله تعالى: # بالمعروف أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط فلا يزيد على الثلث ولا يوصي ~~للغني ويدع الفقير (ق) عن سعد بن أبي وقاص قال: «جاءني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله إني قد ~~بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي ~~ما لي قال لا قلت فالشطر يا رسول الله قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث ~~كثير أو قال والثلث كبير إنك إن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس» العالة الفقراء وقوله يتكففون الناس التكفف. المسألة: من ~~الناس كأنه من الطلب بالأكف (ق) عن ms0191 ابن عباس قال: في الوصية: لو أن الناس ~~غضوا من الثلث إلى الربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد والثلث ~~كثير وقال علي بن أبي طالب لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن ~~أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك» وقيل ~~يوصي بالسدس أو بالخمس أو الربع حقا أي ثابتا ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب ~~على المتقين أي على المؤمنين الذين يتقون الشرك. # ### || [سورة البقرة (2): آية 181] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) # فمن بدله أي غير الوصية من الأولياء والأوصياء وذلك التغيير يكون إما في ~~الكتابة أو في قسمة الحقوق، أو الشهود بأن يكتموا الشهادة أو يغيروها. ~~وإنما ذكر الكناية في بدله مع أن الوصية مؤنثة لأن الوصية بمعنى الإيصاء ~~كقوله: «فمن جاءه موعظة» أي وعظ والتقدير فمن بدل قول الميت، أو ما أوصي به ~~بعد ما سمعه أي من الموصي وتحققه فإنما إثمه على الذين يبدلونه أي إن إثم ~~ذلك التبديل لا يعود إلا على المبدل، والموصي والموصى له بريئان منه إن ~~الله سميع يعني لما أوصى به الموصي عليم يعني بتبديل المبدل. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 182 الى 183] # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون (183) # فمن خاف أي علم وهو خطاب عام لجميع المسلمين من موص جنفا يعني جورا في ~~الوصية وعدولا عن الحق، والجنف الميل أو إثما أي ظلما فأصلح بينهم وقيل ~~الجنف الخطأ في الوصية والإثم العمد. وقيل في معنى الآية: إنه إذا حضر رجل ~~مريضا وهو يوصي فرآه يميل في وصيته إما بتقصير أو إسراف أو وضع الوصية في ~~غير موضعها فلا حرج عليه أن يأمره بالعدل في وصيته وينهاه عن الجنف والميل، ~~وقيل إنه أراد به إذا أخطأ الميت في ms0192 وصيته أو حاف متعمدا فلا حرج على وليه ~~أو وصيه أو ولي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم، ~~ويرد الوصية إلى العدل والحق فلا إثم عليه أي فلا حرج عليه في الصلح إن ~~الله غفور رحيم أي لمن أصلح وصيته بعد الجنف والميل. عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل والمرأة ليعمل ~~بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية # PageV01P109 # فتجب لهما النار» ثم قرأ أبو هريرة: «من بعد وصية يوصي بها أو دين» إلى ~~قوله: «ذلك الفوز العظيم» أخرجه أبو داود والترمذي. قوله: فيضار إن المضارة ~~إيصال الضرر إلى شخص ومعنى المضارة في الوصية أن لا تمضى أو ينقص بعضها أو ~~يوصي لغير أهلها أو يحيف في الوصية ونحو ذلك. قوله عز وجل: يا أيها الذين ~~آمنوا كتب أي فرض عليكم الصيام. والصوم في اللغة: الإمساك يقال صام النهار ~~إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة ومنه قوله تعالى: إني نذرت للرحمن صوما أي ~~صمتا لأنه إمساك عن الكلام، والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن الأكل ~~والشرب والجماع في وقت مخصوص وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية ~~كما كتب على الذين من قبلكم يعني من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم ~~والمعنى أن الصوم عبادة قديمة أي في الزمن الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه ~~عليهم كما فرضه عليكم وذلك لأن الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل ~~عمله وقيل إن صيام شهر رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا فصاموا ~~رمضان زمانا فربما وقع في الحر الشديد والبر الشديد وكان يشق ذلك عليهم في ~~أسفارهم ويضرهم في معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل ~~من السنة معتدل بين الصيف والشتاء: فجعلوه في فصل الربيع ثم زادوا فيه عشرة ~~أيام كفارة لما صنعوا فصاموا أربعين يوما، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه ~~فجعل لله ms0193 عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا فبرأ فزاد فيه ~~أسبوعا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر فقال: # ما شأن هذه الثلاثة أيام أتموه خمسين يوما فأتموه وقيل أصابهم موتان ~~فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبله وعشرا بعده. وقيل: إن النصارى ~~فرض الله عليهم صوم رمضان فصاموا قبله يوما وبعده يوما ثم لم يزالوا ~~يزيدونه يوما بعد يوم حتى بلغ خمسين فلذلك نهى عن صوم يوم الشك لعلكم تتقون ~~يعني ما حرم عليكم في صيامكم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من كسر ~~النفس وترك الشهوات من الأكل والجماع وغيرهما. # وقيل: معناه لعلكم تتقون ما فعله النصارى من تغيير الصوم وقيل: لعلكم ~~تنتظمون في زمرة المتقين لأن الصوم من شعارهم. # ### || [سورة البقرة (2): آية 184] # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) # أياما معدودات أي مقدرات. وقيل قليلات. قيل: إنه كان في ابتداء الإسلام ~~صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا وصوم يوم عاشوراء ثم نسخ ذلك بفريضة صوم ~~شهر رمضان. قال ابن عباس أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ثم الصوم (ق) عن ~~عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء ~~تركه وقيل إن المراد من قوله أياما معدودات أيام شهر رمضان ووجهه أن الله ~~تعالى قال أولا: # كتب عليكم الصيام وهذا يحتمل صوم يوم أو يومين ثم بينه بقوله: معدودات ~~على أنه أكثر من ذلك لكنها غير منحصرة بعدد ثم بين حصرها بقوله: شهر رمضان ~~فإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمل الأيام المعدودات على غير رمضان فتكون الآية ~~غير منسوخة يقال: ms0194 إن فريضة رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة وذلك قبل ~~غزوة بدر بشهر وأيام، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان ~~على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة فمن كان منكم مريضا أو على سفر أي فأفطر ~~فعليه فعدة من أيام أخر يعني غير أيام مرضه وسفره وعلى الذين يطيقونه أي ~~يطيقون الصوم. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب أكثرهم إلى أنها ~~منسوخة وهو قول عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ~~ابتداء الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم ~~الله تعالى لئلا يشق عليهم، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ # PageV01P110 # التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه فصارت هذه ~~الآية ناسخة للتخيير (ق) عن سلمة بن الأكوع قال لما نزلت هذه الآية وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت ~~هذه الآية التي بعدها فنسخها وفي رواية حتى نزلت هذه الآية فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه، وقال قتادة: هي خاصة في حق الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ~~ولكن يشق عليه رخص له أن يفطر ويفتدي ثم نسخ ذلك. وقال الحسن: هذا في ~~المريض الذي يقع عليه اسم المرض وهو يستطيع الصوم خير بين الصيام وبين أن ~~يفطر ويفتدي ثم نسخ. وذهب جماعة منهم ابن عباس إلى أن الآية محكمة غير ~~منسوخة، ومعناها وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب، ثم عجزوا عنه عند ~~الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم وقرأ ابن عباس: وعلى الذين يطوقونه بضم ~~الياء وفتح الطاء وبالواو المشددة المفتوحة عوض الياء ومعناه يكلفون الصوم ~~(خ) عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: «وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين» ~~قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ~~أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا فدية طعام مسكين الفدية الجزاء وهو ~~القدر الذي يبذله الإنسان، يقي به نفسه من تقصير ms0195 وقع منه في عبادة ونحوها ~~ويجب على من أفطر في رمضان ولم يقدر على القضاء، لكبر أن يطعم مكان كل يوم ~~مسكينا مدا من غالب قوت البلد وهذا قول فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء ~~العراق عليه لكل مسكين نصف صاع عن كل يوم وقال بعضهم نصف صاع من البر وصاع ~~من غيره، وقال ابن عباس يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره فمن تطوع خيرا فهو خير ~~له يعني زاد على مسكين واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين فأكثر، وقيل فمن زاد ~~على قدر الواجب عليه فأطعم صاعا وعليه مد فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ~~قيل هو خطاب مع الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون ~~وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية، وقيل: هو خطاب مع الكافة ~~وهو الأصح لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى إن كنتم تعلمون يعني أن ~~الصوم خير لكم وقيل: معناه إذا صمتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة ~~للخير والتقوى. واعلم أنه لا رخصة لأحد من المسلمين المكلفين في إفطار ~~رمضان بغير عذر والأعذار المبيحة للفطر ثلاثة: أحدها السفر والمرض والحيض ~~والنفاس فهؤلاء إذا أفطروا فعليهم القضاء دون الكفارة. الثاني الحامل ~~والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفارة وإليه ذهب ~~الشافعي، وذهب أهل الرأي إلى أنه لا فدية عليهما. الثالث الشيخ الكبير ~~والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه فعليهم الكفارة دون القضاء. # ### || [سورة البقرة (2): آية 185] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) # قوله عز وجل: شهر رمضان يعني وقت صيامكم شهر رمضان، سمي الشهر شهرا ~~لشهرته يقال: # للسر إذا أظهره شهره وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه وقيل: سمي الشهر ~~شهرا باسم الهلال، وأما رمضان فاشتقاقه من الرمضاء وهي الحجارة ms0196 المحماة في ~~الشمس وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة ~~التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسموه به. وقيل: إن رمضان ~~اسم من أسماء الله تعالى فيكون معناه شهر الله والأصح أن رمضان اسم لهذا ~~الشهر كشهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لما خص الله ~~شهر رمضان بهذه العبادة العظيمة بين سبب تخصيصه بإنزال أعظم كتبه فيه، ~~والقرآن اسم لهذا الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عن ~~الشافعي أنه كان يقول القرآن اسم وليس بمهموز وليس هو من القراءة ولكنه اسم ~~لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل فعلى هذا القول إنه ليس بمشتق وذهب # PageV01P111 # الأكثرون إلى أنه مشتق من القرء وهو الجمع فسمي قرآنا لأنه يجمع السور ~~والآيات بعضها إلى بعض، ويجمع الأحكام والقصص والأمثال والآيات الدالة على ~~وحدانية الله تعالى. قال ابن عباس أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ ~~في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به ~~جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله: ~~«فلا أقسم بمواقع النجوم» وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان، وفي رواية في أول ~~ليلة من رمضان وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان وأنزل إنجيل ~~عيسى في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة ~~مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة ~~والعشرين لست بقين بعدها» فعلى هذا يكون ابتداء نزول القرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم في شهر رمضان، وهو قول ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي وقيل ~~في معنى الآية شهر رمضان الذي نزل بفرض صيامه القرآن كما تقول نزلت هذه ~~الآية في الصلاة والزكاة ونحو ذلك من الفرائض يروى ذلك عن مجاهد والضحاك ~~وهو اختيار ms0197 الحسن بن الفضل هدى للناس # يعني من الضلال وبينات من الهدى والفرقان. فإن قلت هذا فيه إشكال وهو أنه ~~يقال ما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس؟ قلت إنه تعالى ذكر ~~أولا أنه هدى ثم الهدى على قسمين: تارة يكون هدى جليا وتارة لا يكون كذلك، ~~فكأنه قال هو هدى في نفسه ثم قال: هو المبين من الهدى الفارق بين الحق ~~والباطل وقيل: إن القرآن هدى في نفسه فكأنه قال: إن القرآن هدى للناس على ~~الإجمال وبينات من الهدى والفرقان على التفصيل، لأن البينات هي الدلالات ~~الواضحات التي تبين الحلال الحرام والحدود والأحكام، ومعنى الفرقان الفارق ~~بين الحق والباطل. # قوله عز وجل: فمن شهد منكم الشهر فليصمه أي فمن كان حاضرا مقيما غير ~~مسافر فأدركه الشهر فليصمه والشهود الحضور، وقيل: هو محمول على العادة ~~بمشاهدة الشهر وهي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته» أخرجاه في الصحيحين، ولا خلاف أنه يصوم رمضان من ~~رأى الهلال ومن أخبر به واختلف العلماء في وجه الخبر عنه منهم من قال يجزئ ~~فيه خبر الواحد، قاله أبو ثور: ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق ~~قاله مالك: ومنهم من أجرى أوله مجرى الأخبار فقبل فيه خبر الواحد وأجرى ~~آخره مجرى الشهادة فلا يقبل في آخر أقل من اثنين قاله الشافعي: وهذا ~~للاحتياط في أمر العبادة لدخولها وخروجها ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض ~~والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ~~ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه. # (فصل في حكم الآية) وفيه مسائل: # الأولى: اختلفوا في المرض المبيح للنظر على ثلاثة أقوال: أحدها وهو قول ~~أهل الظاهر أي مرض كان وهو ما يطلق عليه اسم ms0198 المرض، فله أن يفطر تنزيلا ~~للفظ المطلق على أقل أحواله، وإليه ذهب الحسن وابن سيرين. # القول الثاني وهو قول الأصم إن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام، ~~لوقع في مشقة عظيمة تنزيلا للفظ المطلق على أكمل أحواله. القول الثالث وهو ~~قول أكثر الفقهاء إن المرض المبيح للفطر، هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو ~~زيادة علة محتملة كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتدت حماه وصاحب وجع العين ~~يخاف لو صام أن يشتد وجع عينه فالمراد بالمرض، ما يؤثر في تقويته قال ~~الشافعي إذا أجهده الصوم أفطر، وإلا فهو كالصحيح. # PageV01P112 # المسألة الثانية: الفطر في السفر مباح، والصوم جائز وبه قال عامة العلماء ~~وقال ابن عباس وأبو هريرة وبعض أهل الظاهر: لا يجوز الصوم في السفر، ومن ~~صام فعليه القضاء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام ~~في السفر» وحمله عامة العلماء على من يجهده الصوم في السفر فالأولى له ~~الفطر ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ قالوا صائم قال: ليس من ~~البر الصيام في السفر» أخرجه البخاري ومسلم، وحجة الجمهور على جواز الصوم ~~والفطر في السفر ما روي عن أنس قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» أخرجاه في ~~الصحيحين. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء في قدر السفر المبيح للفطر. فقال داود: ~~الظاهري أي سفر كان ولو كان فرسخا. وقال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر ~~مسيرة يوم واحد. وقال الشافعي وأحمد ومالك: أقله مسيرة ستة عشر فرسخا يومان ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه أقله مسيرة ثلاثة أيام. # المسألة الرابعة: إذا استهل الشهر وهو مقيم ثم أنشأ السفر في أثنائه جاز ~~له أن يفطر حالة السفر ويجوز له أن يصوم في بعض السفر وأن يفطر في بعضه إن ~~أحب، يدل عليه ما روي عن ابن عباس: ms0199 «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه، ~~وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم» ~~أخرجاه في الصحيحين. الكديد اسم موضع وهو على ثمانية وأربعين ميلا من مكة. # المسألة الخامسة: اختلفوا في الأفضل. فذهب الشافعي إلى أن الصوم أفضل من ~~الفطر في السفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال أحمد الفطر، أفضل من الصوم ~~في السفر، وقالت طائفة من العلماء: هما سواء، وأفضل الأمرين أيسرهما، لقوله ~~تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. # المسألة السادسة: يبيح الفطر كل سفر مباح ليس سفر معصية ولا يجوز للعاصي ~~بسفره أن يترخص برخص الشرع وقوله تعالى: فعدة من أيام أخر معناه فأفطر ~~فعليه عدة من أيام آخر فظاهر هذا أنه يجوز قضاء الصوم متفرقا وإن كان ~~التتابع أولى، وفيه أيضا وجوب القضاء من غير تعيين لزمن القضاء فيدل على ~~جواز التراخي في القضاء ويدل عليه أيضا ما روي عن عائشة قالت: «كان يكون ~~على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان ذاك من الشغل بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم» أخرجاه في الصحيحين يريد الله بكم اليسر أي التسهيل في ~~هذه العبادة وهي إباحة الفطر للمسافر والمريض ولا يريد بكم العسر أي وقد ~~نفى عنكم الحرج في أمر الدين قيل: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا ~~كان ذلك أحب إلى الله تعالى: ولتكملوا العدة أي عدد الأيام التي أفطرتم ~~فيها بعذر السفر والمرض والحيض، لتقضوا بعددها وقيل: أراد عدد أيام الشهر ~~(ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر تسع وعشرون ~~ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا ~~له، وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين» ولتكبروا الله فيه قولان أحدهما أنه ~~تكبير ليلة العيد، قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن ~~يكبروا. ms0200 وقال الشافعي: واجب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد ~~وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: لا يكبر في عيد الفطر ويكبر في عيد الأضحى ~~حجة الشافعي ومن وافقه قوله تعالى: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم قالوا: معناه ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله على ما هداكم إلى ~~آخر هذه العبادة القول الثاني في معنى قوله لتكبروا الله، أي ولتعظموا الله ~~شكرا على ما أنعم به عليكم ووفقكم للقيام بهذه العبادة على ما هداكم أي ~~أرشدكم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنكم ولعلكم تشكرون الله على نعمه. # PageV01P113 # (فصل: في فضل شهر رمضان وفضل صيامه) (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا دخل شهر رمضان صفدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت ~~أبواب النار» الصفد الغل أي شدت بالأغلال (ق) عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة ~~القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قوله إيمانا واحتسابا أي ~~طلبا لوجه الله تعالى وثوابه وقيل إيمانا بأنه فرض عليه، واحتسابا ثوابه ~~عند الله وقيل: معناه نية وعزيمة وهو أن يصوم على التصديق به والرغبة في ~~ثوابه طيبة بها نفسه غير كارهة (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ~~قال الله تعالى: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من ~~أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم ~~عند الله أطيب من ريح المسك» زاد في رواية «والصيام جنة فإذا كان يوم صوم ~~أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن شتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم». ~~قوله: كل عمل ابن آدم له معناه أن له فيه حظا لاطلاع الخلق عليه إلا الصوم ~~فإنه لا يطلع عليه أحد وإنما خص الصوم بقوله تعالى لي وإن ms0201 كانت جميع ~~الأعمال الصالحة له وهو يجزى عليها لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بقول ولا ~~فعل حتى تكتبه الحفظة وإنما هو من أعمال القلوب بالنية ولا يطلع عليه إلا ~~الله تعالى لقول الله تعالى: إنما أتولى جزاءه على ما أحب لا على حساب ولا ~~كتاب له. وقوله: # وللصائم فرحتان فرحة عند فطره أي بالطعام لما بلغ به من الجوع لتأخذ ~~النفس حاجتها منه وقيل فرحة بما وفق له من إتمام الصوم الموعود عليه ~~بالثواب وهو قوله: وفرحة عند لقاء ربه لما يرى من جزيل ثوابه. وقوله: # ولخلوف بضم الخاء وفتحها لغتان وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخير الطعام ~~ومعنى كونه أطيب عند الله من ريح المسك هو الثناء على الصائم والرضا بفعله، ~~لئلا يمتنع من المواظبة على الصوم الجالب للخلوف والمعنى أن خلوف فم الصائم ~~أبلغ عند الله في القبول من ريح المسك عند أحدكم. قوله: الصيام جنة أي حصن ~~من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة فلا يواقع المعاصي قوله فلا يرفث كلمة ~~جامعة لكل ما يريده الإنسان من المرأة، وقيل: # هو التصريح بذكر الجماع. والصخب الضجر والجلبة والصياح (ق) عن سهل بن سعد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إن في الجنة بابا يقال له باب الريان يدخل منه الصائمون يوم القيام يقال ~~أين الصائمون فيقومون. لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه ~~أحد وفي رواية إن في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا ~~الصائمون» عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا ~~رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به قال: # «عليك بالصوم فإنه لا مثل له» وفي رواية: «أي العمل أفضل فقال عليك ~~بالصوم فإنه لا عدل له» أخرجه النسائي. # ### || [سورة البقرة (2): آية 186] # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) # قوله عز وجل: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب قال ms0202 ابن عباس قال يهود ~~المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء ~~خمسمائة عام وأن غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية. # وقيل سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا ~~فنناجيه أم بعيد فنناديه وقيل إنهم سألوه في أي ساعة ندعو ربنا فنزلت. ~~وقيل: إنهم قالوا أين ربنا؟ فنزلت هذه الآية وهذا السؤال لا يخلو إما أن ~~يكون عن ذات الله أو عن صفاته أو عن أفعاله أما السؤال عن ذات الله فهو ~~سؤال عن القرب والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن صفاته تعالى فهو أن يكون ~~السائل سأل هل يسمع ربنا دعاءنا، وأما السؤال عن أفعاله تعالى فهو أن يكون ~~السائل سأل هل يجيب ربنا إذا دعوناه؟ فقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني ~~فيحتمل هذه الوجوه كلها، وقوله تعالى # PageV01P114 # فإني قريب معناه قريب بالعلم والحفظ لا يخفى علي شيء، وفيه إشارة إلى ~~سهولة إجابته لمن دعاه وإنجاح حاجة من سأله (ق) عن أبي موسى الأشعري قال: ~~لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبير، أو قال: توجه إلى خيبر أشرف ~~الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا قريبا وهو معكم» قوله اربعوا ~~على أنفسكم أي ارفقوا بها وقيل معناه أمسكوا عن الجهر فإنه قريب يسمع ~~دعاءكم. وقوله تعالى: أجيب دعوة الداع إذا دعان أي أسمع دعاء عبدي الداعي ~~إذا دعاني وقيل: الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله تعالى كقول ~~العبد: يا الله لا إله إلا أنت فقولك يا الله فيه دعاء، وقولك: لا إله إلا ~~أنت فيه توحيد وثناء على الله تعالى فسمي هذا دعاء بهذا الاعتبار وسمي ~~قبوله إجابة لتجانس اللفظ، وفيه إشارة إلى أن العبد يعلم أن له ربا ومدبرا ~~يسمع دعاءه إذا دعاه ولا يخيب رجاء من ms0203 رجاه وذلك ظاهر فإن العبد إذا دعا، ~~وهو يعلم أن له ربا بإخلاص وتضرع أجاب الله دعوته. # فإن قلت: إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب له فما وجه: ~~قوله أجيب دعوة الداع؟ وقوله تعالى: ادعوني أستجب لكم. قلت ذكر العلماء فيه ~~أجوبة: أحدها أن هذه الآية مطلقة وقد وردت آية أخرى مقيدة وهي قوله: «بل ~~إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء» والمطلق يحمل على المقيد. وثانيها ~~أن معنى الدعاء هنا هو الطاعة ومعنى الإجابة هو الثواب وذلك في الآخرة. ~~وثالثها أن معنى الآيتين خاص. وإن كان لفظهما عاما فيكون معناه أجيب دعوة ~~الداعي إذا وافق القضاء أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إذا لم ~~يسأل إثما أو محالا. ورابعها أن معناها عام أي أسمع وهو معنى الإجابة ~~المذكورة في الآية، وأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فالإجابة حاصلة عند ~~وجود الدعوة وقد يجيب السيد عبده ولا يعطيه سؤله. وخامسها أن للدعاء آدابا ~~وشرائط وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها وأتى بها كان من أهل الإجابة ومن ~~أخطأها كان من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب والله أعلم. وقوله ~~تعالى فليستجيبوا لي يعني إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة كما أني أجبتهم ~~إذا دعوني لحوائجهم. والإجابة في اللغة الطاعة. فالإجابة من العبد الطاعة ~~ومن الله الإثابة والعطاء وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون أي لكي يهتدوا إلى ~~مصالح دينهم ودنياهم. # (فصل: في فضل الدعاء وآدابه) (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر ~~له» هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدهما وهو ~~مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يجب الإيمان به وبأنه حق على ما يليق ~~به ونكل علمه إلى الله تعالى ورسوله وإن ظاهره المتعارف في حقنا غير مراد ~~ولا نتكلم في تأويله مع اعتقادنا تنزيه ms0204 الله تعالى عن صفات المخلوقين وعن ~~الانتقال والحركات. والمذهب الثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف ~~أنها تؤول على ما يليق فعلى هذا نقل عن مالك وغيره أن معناه تنزل رحمته ~~وأمره وملائكته وقيل: إنه على الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعين ~~بالإجابة واللطف وفي الحديث الحث على الدعاء والترغيب فيه عن سلمان قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع ~~إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين» أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن ~~غريب. الصفر الخالي يقال بيت صفر ليس فيه متاع. عن عبادة بن الصامت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه ~~الله إياها أو صرف عنه من الشر مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل ~~من القوم إذا نكثر قال الله أكثر» أخرجه الترمذي. قوله الله أكثر معناه ~~الله أكثر إجابة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب ~~غافل لاه» أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» أخرجه الترمذي. وله ~~عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P115 # قال: «الدعاء مخ العبادة» وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله ~~شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل» ~~وله عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القضاء إلا ~~الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر» وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (ق) عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms0205 قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل بقوله قد دعوت فلم ~~يستجب لي» ولمسلم قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ~~ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت ~~فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». قوله يستحسر أي يستنكف عن ~~السؤال وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ~~ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له» زاد البخاري ~~«ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له» قوله ليعزم ~~المسألة أي لا تكن في دعائك ربك مترددا بل أعزم وجد في المسألة. عن فضالة ~~بن عبيد قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجل هذا ثم ~~دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ~~ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء» أخرجه الترمذي وقال ~~حديث صحيح. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم سبب نزول هذه الآية أنه كان في ~~ابتداء الأمر بالصوم إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن ~~يصلي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلى، أو رقد حرم عليه ذلك كله إلى ms0206 ~~الليلة القابلة ثم إن عمر بن الخطاب واقع أهله بعد ما صلى العشاء فلما ~~اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله أعتذر إلى الله وإليك من هذه الخطيئة إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت ~~العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما كنت بذلك جديرا يا عمر فقام رجال فاعترفوا بمثل ذلك فنزلت ~~في عمر وأصحابه أحل لكم أي أبيح لكم ليلة أراد بالليلة ليالي الصيام الرفث ~~إلى نسائكم الرفث كلام يستقبح لفظه من ذكر الجماع ودواعيه وهو هنا كناية عن ~~الجماع قال ابن عباس إن الله تعالى حي كريم يكنى فما ذكره من المباشرة ~~والملامسة وغير ذلك إنما هو الجماع هن لباس لكم أي سكن لكم وأنتم لباس لهن ~~أي سكن لهن قيل لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر وسمي كل ~~واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وقيل ~~اللباس اسم لما يوارى فيكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء ~~في الحديث «من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه» علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~قال ابن عباس يريد فيما ائتمنكم عليه وخيانتهم أنهم كانوا يباشرون في ليالي ~~الصوم، والمعنى يظلمونها بالمجامعة بعد العشاء وهو من الخيانة وأصل الخيانة ~~أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي فيه الأمانة ويقال للعاصي خائن لأنه مؤتمن ~~على دينه فتاب عليكم أي فتبتم فتاب عليكم وتجاوز عنكم وعفا عنكم أي ومحا ~~ذنوبكم (خ) عن البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان ~~كله فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم الآية قال ابن عباس: فكان # PageV01P116 # ذلك مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر فالآن باشروهن أي جامعوهن فهو ~~حلال لكم في ليالي الصوم، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة واحد بصاحبه ~~وابتغوا ms0207 ما كتب الله لكم أي ما قضى لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، وقيل: ~~وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح ~~المحفوظ يعني الولد. وقيل: اطلبوا ليلة القدر. # وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود نزلت في صرمة ~~بن قيس بن صرمة الأنصاري، ويقال قيس بن صرمة وذلك أنه ظل يعمل في أرض له ~~وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت ~~المرأة أن تطعمه شيئا سخنا فأخذت تعمل له ذلك فلما فرغت فإذا هو قد نام ~~وكان قد أعيا من التعب، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل ~~وأصبح صائما مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما رآه قال: يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحا فذكر له حاله ~~فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وقوله: ~~طليحا أي مهزولا مجهودا (خ) عن البراء قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ~~ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار ~~أتى امرأته فقال أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل ~~فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت خيبة لك فلما انتصف النهار غشي ~~عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا بها فرحا شديدا ونزلت: وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ومعنى الآية: وكلوا ~~واشربوا في ليالي الصوم، حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود: بياض ~~النهار من سواد الليل، وسميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الأفق ممتدا ~~كالخيط، قال الشاعر: # فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا # السدف اختلاط الظلام وأسدف الفجر أضاء (ق) ms0208 عن سهل بن سعد قال لما نزلت: ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل «من ~~الفجر» فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط ~~الأسود، ولا يزال يأكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله عز وجل بعده من ~~الفجر فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار (ق) عن عدي بن حاتم: «لما نزلت ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض ~~فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل فلا يتبين لي فغدوت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» ~~(ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالا يؤذن بليل ~~فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» قال: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ~~ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. واعلم أن الفجر الذي يحرم به على الصائم ~~الطعام والشراب والجماع هو الفجر الصادق المستطير المنتشر في الأفق سريعا، ~~لا الفجر الكاذب المستطيل. فإن قلت كيف شبه الصبح الصادق بالخيط والخيط ~~مستطيل والصبح الصادق ليس بمستطيل؟. قلت إن القدر الذي يبدو من البياض هو ~~أول الصبح يكون رقيقا صغيرا ثم ينتشر فلهذا شبه بالخيط، والفرق بين الفجر ~~الصادق والفجر الكاذب أن الفجر الكاذب يبدو في الأفق فيرتفع مستطيلا ثم ~~يضمحل ويذهب ثم يبدو الفجر الصادق بعده منتشرا في الأفق مستطيرا (م) عن ~~سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغرنكم من سحوركم ~~أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا» وحكاه حماد بيديه ~~قال يعني معترضا وفي رواية الترمذي: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا ~~الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق» فإذا تحقق طلوع الفجر الثاني ~~وهو الصادق حرم على الصائم الطعام والشراب والجماع إلى غروب الشمس وهو قوله ~~تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل # PageV01P117 # يعني منتهى الصوم إلى الليل فإذا ms0209 دخل الليل حصل الفطر (ق) عن عمر بن ~~الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا ~~وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» وهل يلزم الصائم أن ~~يتناول عند تحقق غروب الشمس شيئا؟ فيه وجهان: أحدهما نعم يلزم ذلك لنهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن الوصال. # والثاني لا، لأنه قد حصل الفطر بمجرد دخول الليل سواء أكل أو لم يأكل، ~~وتمسكت الحنفية بهذه الآية في أن الصوم النفل يجب إتمامه وقالوا: لأن قوله ~~تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام. ~~أجاب أصحاب الشافعي عنه بأن هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض فكان ~~المراد منه صوم الفرض ويدل على إباحة الفطر من النفل ما روي عن عائشة قالت: ~~«دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء، قلنا لا قال: ~~فإني إذا صائم ثم أتانا يوما آخر فقلت يا رسول الله أهدي لنا حيس. قال: ~~أرنيه فلقد أصبحت صائما فأكل» أخرجه مسلم. الحيس هو خلط الأقط والتمر ~~والسمن وقد يجعل عوض الأقط دقيق أو فتيت وقيل هو التمر ينزع نواه ويخلط ~~بالسويق والأول أعرف. قوله عز وجل: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~الاعتكاف هو الإقبال على الشيء والملازمة له على سبيل التعظيم. وهو في ~~الشرع عبارة عن الإقامة في المسجد على عبادة الله تعالى. وسبب نزول هذه ~~الآية أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في ~~المسجد، فإذا عرض لرجل منهم حاجة إلى أهله خرج إليها وخلا بها، ثم اغتسل ~~ورجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك حتى يفرغوا من اعتكافهم. واعلم أن الله تعالى ~~بين أن الجماع يحرم على الصائم بالنهار ويباح له في الليل، فكان يحتمل أن ~~يكون حكم الاعتكاف كحكم الصوم فبين الله تعالى في هذه الآية أن الجماع يحرم ~~على المعتكف في النهار والليل حتى يخرج من اعتكافه. # (فصل في حكم الاعتكاف) الاعتكاف ms0210 سنة ولا يجوز في غير المسجد، وذلك لأن ~~المسجد يتميز عن سائر البقاع بالفضل لأنه بني لإقامة الطاعات والعبادات ~~فيه. ثم اختلفوا فنقل عن علي أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله: وطهر ~~بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود فخصه به وقال عطاء: لا يجوز إلا في ~~المسجد الحرام ومسجد المدينة. # وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين ومسجد بيت المقدس. وقال الزهري: لا ~~يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في مسجد له إمام ومؤذن وقال ~~الشافعي ومالك وأحمد يجوز في سائر المساجد لعموم قوله: # وأنتم عاكفون في المساجد إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى ~~الخروج من معتكفه لصلاة الجمعة (ق) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه ~~بعده (ق) عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر ~~الأواخر من رمضان». # (فروع: الأول:) يجوز الاعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه، وقال أبو ~~حنيفة: الصوم شرط في الاعتكاف ولا يصح إلا به، وحجة الشافعي ما روي عن عمر: ~~«قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ~~قال فأوف بنذرك» أخرجاه في الصحيحين ومعلوم أنه لا يصح الصوم في الليل. # (الفرع الثاني) لا يقدر للاعتكاف زمان عند الشافعي وأقله لحظة، ولا حد ~~لأكثره، فلو نذر اعتكاف ساعة صح نذره، ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج من نذره ~~باعتكاف ساعة. قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوما، وإنما قال ذلك للخروج من ~~الخلاف فإن أقل زمن الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم بشرط أن يدخل فيه قبل ~~طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس. # PageV01P118 # (الفرع الثالث) الجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد به وأما ما دون الجماع ~~كالقبلة ونحوها فمكروه ولا يفسد به عند أكثر العلماء، وهو أظهر قول الشافعي ~~والثاني يبطل به وهو قول مالك، وقيل إن أنزل بطل اعتكافه ms0211 وإن لم ينزل فلا، ~~وهو قول أبي حنيفة، وأما الملامسة بغير شهوة فجائز، ولا يفسد به الاعتكاف ~~لما روي عن عائشة: «أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو ~~معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه» زاد في رواية: # «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا» وفي رواية: «وكان لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان» أخرجاه في الصحيحين. الترجيل تسريح الشعر، وقولها ~~إلا لحاجة حوائج الإنسان كثيرة والمراد منها هاهنا كل ما يضطر الإنسان إليه ~~مما لا يجوز له فعله في المسجد وموضع معتكفه. # وقوله تعالى: تلك حدود الله يعني تلك الأحكام التي ذكرت في الصيام ~~والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع حدود الله وقيل حدود الله فرائض ~~الله. وأصل الحد في اللغة المنع، والحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع ~~اختلاط أحدهما بالآخر وحد الشيء بالوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره ~~وقيل معنى حدود الله المقادير التي قدرها ومنع من مخالفتها فلا تقربوها أي ~~فلا تأتوها ولا تغشوها. فإن قلت في الآية إشكالان: # أما الأول فهو أنه قال: تلك حدود الله وهو إشارة إلى ما تقدم من الأحكام ~~وبعضها فيه إباحة وبعضها فيه حظر فكيف قال في الجميع فلا تقربوها؟. الإشكال ~~الثاني هو أنه تعالى قال في هذه الآية: تلك حدود الله فلا تقربوها وقال في ~~آية أخرى: تلك حدود الله فلا تعتدوها وقال في آية أخرى: ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. قلت: الجواب عن السؤالين ~~من وجهين: أما الإشكال الأول، فجوابه أن الأحكام التي تقدمت فيما قبل، وإن ~~كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد وذلك يوجب تحريم الجماع في حال الاعتكاف، وقال قبلها: ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل وذلك يوجب تحريم الأكل والشرب في النهار فلما كان ~~الأقرب إلى هذه الآية جانب التحريم قال تلك حدود الله فلا تقربوها والجواب ~~عن الإشكال الثاني أن من كان ms0212 في طاعة الله تعالى والعمل بفرائضه فهو منصرف ~~في حيزي الحق فنهي أن يتعداه فيقع في حيز الباطل ثم بولغ في ذلك فنهي أن ~~يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل فيقع ~~فيه فهو كقوله صلى الله عليه وسلم «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه» وقيل أراد بحدوده هنا محارمه ومناهيه لقوله: ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد ونحو هذا التحريم فهي حدود لا تقرب كذلك أي كما بين لكم ~~ما أمركم به ونهاكم عنه كذلك يبين الله آياته أي معالم دينه وأحكام شريعته ~~للناس مثل هذا البيان الشافي الوافي لعلهم يتقون أي لكي يتقوا ما حرم عليهم ~~فينجوا من العذاب. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 188] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي ~~ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة قال لا قال فلك يمينه ~~فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن حلف على ماله ~~ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض فأنزل الله هذه الآية. # والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله ~~له. وأصل الباطل الشيء الذاهب. # (فصل) أما حكم الآية فأكل المال بالباطل على وجوه: الأول: أن يأكله بطريق ~~التعدي والنهب والغصب. الثاني: # PageV01P119 # أن يأكله بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني وثمن الخمر والملاهي ونحو ~~ذلك. الثالث: أن يأكله بطريق الرشوة في الحكم وشهادة الزور. الرابع: ~~الخيانة وذلك في الوديعة والأمانة ونحو ذلك. وإنما عبر عن أخذ المال بالأكل ~~لأنه المقصود الأعظم، ولهذا وقع في التعارف فلان يأكل أموال الناس بمعنى ~~يأخذها بغير حلها وتدلوا بها إلى الحكام أي وتلقوا أمور تلك الأموال التي ~~فيها الحكومة إلى الحكام. قال ms0213 ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه المال وليس ~~عليه بينة فيجحد ويخاصم إلى الحكام وهو يعلم أن الحق عليه وهو آثم بمنعه ~~وقيل: هو أن يقيم شهادة الزور عند الحاكم وهو يعلم ذلك. وقيل معناه ولا ~~تأكلوا المال بالباطل وتنسبوه إلى الحكام، وقيل: لا تدل بمال أخيك إلى ~~الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما وكان شريح القاضي يقول ~~إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من ~~البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما (ق) عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر وإنه ~~يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض» وفي رواية «ألحن بحجته من ~~بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ~~فليحملها أو يذرها» قوله سمع جلبة خصم يعني أصوات خصم قوله ألحن بحجته، ~~يقال: فلان ألحن بحجته من فلان أي أقوم بها منه وأقدر عليها، من اللحن بفتح ~~الحاء وهو الفطنة لتأكلوا فريقا أي طائفة وقطعة من أموال الناس بالإثم يعني ~~بالظلم وقال ابن عباس باليمين الكاذبة وقيل بشهادة الزور وأنتم تعلمون يعني ~~أنكم على الباطل. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 189] # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) # يسئلونك أي يا محمد عن الأهلة نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ~~الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ ~~نورا، ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما بدا ولا يكون على حال واحدة ~~فأنزل الله: يسئلونك عن الأهلة وكان هذا سؤالا منهم على وجه الفائدة عن وجه ~~الحكمة في تبيين حال الهلال في الزيادة والنقصان والأهلة جمع هلال وهو أول ~~حال القمر ms0214 حين يراه الناس أول ليلة من الشهر قل هي مواقيت للناس جمع ميقات، ~~والمعنى أن فعلنا ذلك لمصالح دينية ودنيوية ليعلم الناس أوقات حجهم وصومهم ~~وإفطارهم ومحل ديونهم وأجائرهم وعدد النساء وأوقات الحيض وغير ذلك من ~~الأحكام المتعلقة بالأهلة ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على ~~حالة واحدة والحج أي وللحج، وإنما أفرد الحج بالذكر وإن كان داخلا في جملة ~~العبادات لفائدة عظيمة وهي أن العرب في الجاهلية كانت تحج بالعدد وتبدل ~~الشهور فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها ~~لفرض الحج بالأهلة، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر التي عينها الله ~~تعالى له كما كانت العرب تفعل بالنسيء وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها (ق) عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا فكانت الأنصار إذا حجوا ~~فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل ~~بابه فكأنه عير بذلك فنزلت: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن ~~البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها، وفي رواية كانوا إذا أحرموا في ~~الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فأنزل الله هذه الآية وقيل كان الناس في ~~الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم لم يدخل حائطا ولا دارا ولا ~~فسطاطا من بابه، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ~~أو يتخذ سلما يصعد منه، وإن كان من أهل الوبر دخل وخرج من خلف الخباء ولا ~~يدخل ولا يخرج من الباب ويرون ذلك برا، وكانت الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة ~~ومن دان بدينهم، سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة كانوا إذا ~~أحرموا لم يدخلوا بيتا البتة ولم يستظلوا بظل، ثم إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخل حائطا فدخل # PageV01P120 # رجل من الأنصار معه وقيل كانت الحمس لا يبالون بذلك، ثم إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتا فدخل على أثره رجل من الأنصار ms0215 يقال له ~~رفاعة بن التابوت من الباب وهو محرم فأنكروا عليه فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم دخلت من الباب وأنت محرم فقال: رأيتك دخلت فدخلت على ~~أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحمسي فقال الرجل إن كنت ~~أحمسيا فأنا أحمسي رضيت بهديك وسمتك ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقال الزهري كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يجعلوا بينهم وبين ~~السماء شيئا، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما خرج من ~~بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين ~~السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته ثم بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل ~~من الأنصار من بني سلمة على أثره فقال النبي صلى الله عليه وسلم لم فعلت ~~ذلك؟ قال: لأني رأيتك دخلت فقال عليه الصلاة والسلام: إني أحمسي فقال ~~الأنصاري وأنا أحمسي يقول أنا على دينك فأنزل الله تعالى وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها يعني في ~~حال الإحرام وغيره واتقوا الله لعلكم تفلحون. # ### || [سورة البقرة (2): آية 190] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) # قوله عز وجل: وقاتلوا في سبيل الله أي في طاعة الله وطلب رضوانه (ق) عن ~~أبي موسى الأشعري قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل ~~شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم كان في ابتداء الإسلام أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف ~~عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمر بقتال من قاتله منهم بهذه ~~الآية. قال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال ms0216 ثم أمر الله بقتال ~~المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة. # وبقوله: اقتلوهم حيث ثقفتموهم فصارت آية السيف ناسخة لهذه الآية وقيل ~~إنها محكمة ومعناها على هذا القول وقاتلوا في سبيل الله الذين أعدوا أنفسهم ~~للقتال، فأما من لم يعد نفسه للقتال كالرهبان والشيوخ والزمنى والمكافيف ~~والمجانين فلا تقاتلوهم لأنهم لم يقاتلوكم، وهو قوله تعالى: ولا تعتدوا ~~وقال ابن عباس ولا تقتلوا النساء والصبيان والشيوخ والرهبان ولا من ألقى ~~إليكم السلام (م) عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر ~~أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين ~~خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا ~~تغلوا ولا تعتدوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. قوله: لا تغلوا الغلول ~~الخيانة وهو ما يخفيه أحد الغزاة من الغنيمة وقوله: ولا تعتدوا أي ولا ~~تنقضوا العهد وقيل في معنى الآية: لا تعتدوا أي لا تبدؤوهم بالقتال فعلى ~~هذا القول تكون الآية منسوخة بآية القتال قال ابن عباس: لما صد المشركون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل ~~فيخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف بالبيت، فلما تجهز رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه لعمرة القضاء خافوا أن لا تفي قريش بما قالوا ويصدوهم عن ~~البيت وكره المسلمون قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله: ~~وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم فأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم في ~~الشهر الحرام وفي الحرم ورفع عنهم الحرج والجناح في ذلك وقال ولا تعتدوا ~~بابتداء القتال إن الله لا يحب المعتدين قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 191 الى 193] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله فإن ms0217 انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) # PageV01P121 # واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم، ~~وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام ~~الكفار على القتال وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم ~~يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ~~أي وأخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم والفتنة أشد من القتل يعني أن ~~شركهم بالله أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام وإنما سمي الشرك ~~بالله فتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم. وإنما جعل أعظم من القتل ~~لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه الخلود في النار وليس القتل كذلك، والكفر ~~يخرج صاحبه من الأمة وليس القتل كذلك فثبت أن الفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه اختلف العلماء في هذه الآية ~~فذهب مجاهد في جماعة من العلماء إلى أنها محكمة وأنه لا يحل أن يقاتل في ~~المسجد الحرام إلا من قاتل فيه وهو قوله: فإن قاتلوكم فاقتلوهم أي ~~فقاتلوهم، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن مكة لا ~~تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما ~~إلى يوم القيامة» فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيقاتلوا ~~ويكون دفعا لهم وذهب قتادة إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم فأمر بقتالهم في الحل والحرم. وقيل إنها منسوخة ~~بقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا يعني عن ~~القتال. وقيل عن الشرك والكفر فإن الله غفور يعني لما سلف رحيم يعني بعباده ~~حيث لم يعاجلهم بالعقوبة وقاتلوهم أي وقاتلوا المشركين حتى لا تكون فتنة أي ~~شرك والمعنى وقاتلوهم حتى يسلموا ولا يقبل من الوثني إلا الإسلام والقتل ~~بخلاف الكتابي والفرق بينهما أن أهل الكتاب معهم كتب منزلة فيها شرائع ~~وأحكام يرجعون إليها وإن كانوا قد حرفوا وبدلوا فأمهلهم ms0218 الله تعالى بحرمة ~~تلك الكتب من القتل وأمر بإصغارهم وأخذ الجزية منهم لينظروا في كتبهم ~~ويتدبروها فيقفوا على الحق منها فيتبعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب الذين عرفوا ~~الحق فأسلموا، وأما عبدة الأصنام فلم يكن لهم كتاب يرجعون إليه ويرشدهم إلى ~~الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم وكفرهم فأبى الله عز وجل أن يرضى منهم ~~إلا بالإسلام أو القتل ويكون الدين لله أي الطاعة والعبادة لله وحده فلا ~~يعبد من دونه شيء فإن انتهوا يعني عن القتال وقيل عن الشرك والكفر فلا ~~عدوان أي فلا سبيل إلا على الظالمين قاله ابن عباس فعلى القول الأول تكون ~~الآية منسوخة بآية السيف وعلى القول الآخر الآية محكمة. وقيل: معناه فلا ~~تظلموا إلا الظالمين، سمي جزاء الظالمين ظلما على سبيل المشاكلة، وسمي ~~الكافر ظالما لوضعه العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 194] # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) # الشهر الحرام بالشهر الحرام نزلت في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج معتمرا في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده المشركون عن ~~البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع من قابل فيقضي ~~عمرته فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع في ذي القعدة سنة سبع ~~فقضى عمرته وذلك قوله تعالى: # الشهر الحرام يعني ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم عمرتكم بالشهر ~~الحرام الذي صددتم فيه عن البيت والحرمات جمع حرمة وإنما جمعت لأنه أراد ~~حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة الإحرام قصاص القصاص المساواة والمماثلة وهو ~~أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، والمعنى أنهم لما منعوكم عن العمرة وأضاعوا ~~هذه الحرمات في سنة ست، فقد وفقتم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع. ~~وقيل: هذا في القتال، ومعناه: فإن بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام فاقتلوهم ~~فيه فإنه قصاص فمن اعتدى عليكم أي بالقتال # PageV01P122 # فاعتدوا عليه ms0219 أي فقاتلوه بمثل ما اعتدى عليكم سمي الجزاء بالاعتداء على ~~سبيل المشاكلة واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 195] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) # وأنفقوا في سبيل الله يعني به الجهاد وذلك أن الله تعالى لما أمر بالجهاد ~~والاشتغال به يحتاج إلى الانفاق فأمر به، والإنفاق هو صرف المال في وجوه ~~المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وفي الجهاد ~~وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة لله تعالى لأن كل ~~ذلك مما هو في سبيل الله لكن إطلاق هذه اللفظة ينصرف إلى الجهاد (خ) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله ~~إيمانا واحتسابا لله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه ~~يوم القيامة» يعني حسنات. عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف» أخرجه ~~الترمذي والنسائي ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قيل: الباء زائدة ومعناه ~~لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والمراد بالأيدي الأنفس والمعنى ولا تلقوا ~~أنفسكم إلى التهلكة، عبر بالأيدي عن الأنفس، وقيل الباء على أصلها وفي ~~الكلام حذف تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، كما يقال: أهلك ~~فلان نفسه بيده، إذا تسبب في هلاكها وقيل التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى ~~الهلاك وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز ~~عنه، ومعنى الآية النهي عن ترك الانفاق في سبيل الله لأنه سبب الإهلاك قال ~~ابن عباس: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقول أحدكم ~~لا أجد شيئا. # السهم هنا هو ما يرمى به، والمشقص سهم فيه نصل عريض وقيل كان رجال يخرجون ~~في البعوث بغير نفقة فإما أن ينقطع بهم وإما أن يكونوا عالة فأمرهم الله ~~تعالى بالإنفاق ms0220 على أنفسهم في سبيل الله ومن لم يكن عنده شيء ينفق عليه في ~~الغزو فلا يخرج لئلا يلقي نفسه في التهلكة وهو أنه يهلك من الجوع والعطش ~~والمشي. وقيل نزلت الآية في ترك الجهاد (ت) عن أبي عمران واسمه أسلم قال: ~~كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين ~~مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل ~~رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس. سبحان الله يلقي ~~بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: «أيها الناس إنكم لتؤولون ~~هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز ~~الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في ~~أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~يرد علينا ما قلنا: # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة ~~الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل ~~الله حتى دفن بأرض الروم» وقال حديث غريب صحيح مات أبو أيوب في آخر غزوة ~~غزاها بأرض قسطنطينية ودفن في أصل سورها فهم يتبركون بقبره ويستسقون به (م) ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ~~ولم يغزو لم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق» قال ابن المبارك فنرى أن ~~ذلك كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل الإلقاء إلى التهلكة هو أن ~~يقنط من رحمة الله، وهو أن الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليس لي توبة ~~فييأس من رحمة الله وينهمك على المعاصي فهو القنوط فنهى الله عن ذلك. وقيل ~~في معنى الآية: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا ~~فنهلك فنهوا أن ms0221 يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق (خ) عن حذيفة قال: أنفقوا في ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال نزلت في النفقة وأحسنوا أي ~~بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته وقيل أحسنوا في الإنفاق ولا تسرفوا ~~ولا تقتروا، نهوا عن الإسراف والإقتار في الإنفاق وقيل معناه: وأحسنوا في ~~أداء فرائض الله تعالى إن الله يحب المحسنين أي يثيبهم على إحسانهم .. # PageV01P123 # ### || [سورة البقرة (2): آية 196] # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) # قوله عز وجل: وأتموا الحج والعمرة لله قال ابن عباس وهو أن يتمهما ~~بمناسكهما وحدودهما وسننهما وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقيل ~~هو أن تفرد لكل واحد منهما سفرا وقيل إتمامها أن تكون النفقة حلالا وتنتهي ~~عما نهى الله عنه. وقيل إتمامها أن تخرج من أهلك لهما لا للتجارة ولا ~~لحاجة. وقيل إذا شرع فيهما وجب عليه الإتمام. # (فصل) واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا (م) عن أبي ~~هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس قد فرض ~~عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم» وفي وجوب ~~العمرة قولان للشافعي أصحهما إنها واجبة وهو قول علي وابن عمر وابن عباس ~~والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وإليه ذهب أحمد بن ~~حنبل، والقول الثاني إنها سنة ويروى ذلك عن ابن مسعود وجابر وإبراهيم ~~والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. حجة ms0222 من أوجب العمرة ما روي في حديث ~~الضبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي ~~وإني أهلك بهما فقال أهديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو ~~داود والنسائي بأطول من هذا وجه الدليل أنه أخبر عن وجوبهما عليه وصوبه عمر ~~وبين أنه مهتد بما رآه في وجوبهما عليه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي عن ابن عباس أنها كقرينها في كتاب الله: وأتموا الحج والعمرة لله ~~وعن ابن عمر قال: «الحج والعمرة فريضتان» وعنه: «ليس أحد من خلق الله إلا ~~وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا» وعن ابن عباس قال: ~~«العمرة واجبة كوجوب الحج» وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي ~~الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة» أخرجه ~~النسائي والترمذي وزاد: «وما من مؤمن يظل يومه محرما إلا غابت الشمس ~~بذنوبه» وقال حديث حسن صحيح. وجه الدليل أنه أمر بالمتابعة بين الحج ~~والعمرة والأمر للوجوب ولأنها قد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت ~~واجبة كالحج، وحجة من قال بأنها سنة ما روي عن جابر قال: «سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا وأن تعتمروا خير لكم» ~~أخرجه الترمذي. وأجيب عنه بأن هذا الحديث يرويه حجاج بن أرطأة وحجاج ليس ~~ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به واجتمعت الأمة ~~على جواز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أنواع إفراد وتمتع وقران فصورة ~~الإفراد أن يحج ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحل أو يعتمر قبل أشهر ~~الحج ثم يحج في تلك السنة. وصورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ~~ويأتي بأعمالها فإذا فرغ من أعمالها أحرم بالحج من مكة في تلك السنة وإنما ~~سمي تمتعا لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة إلى أن ms0223 يحرم ~~بالحج. وصورة القرآن أن يحرم بالحج والعمرة معا في أشهر الحج فينويهما ~~بقلبه وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج قبل أن يفتتح ~~الطواف فيصير قارنا. # واختلفوا في الأفضل فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم ~~القران يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفرد الحج، أخرجه مسلم وله عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P124 # الحج مفردا، وفي رواية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا، ~~وله عن جابر قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج ~~صراخا. وعن ابن عمر قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم ~~وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. أخرجه مالك في الموطأ وذهب الثوري ~~وأبو حنيفة إلى أن القران أفضل يدل عليه ما روي عن أنس قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا وفي رواية سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجا، أخرجاه في الصحيحين. وذهب أحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتع أفضل، يدل عليه ما روي عن ابن عباس ~~قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فأول من نهى ~~عنهما معاوية» أخرجه الترمذي (ق) عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي ~~الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ~~وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وكان من ~~الناس من أهدى ومنهم لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال ~~للناس من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم ~~يكن منكم أهدى فليطف ms0224 بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج ~~وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ~~وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ~~ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند ~~المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط ثم ~~لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت ~~ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أهدى فساق الهدي من الناس». اختلفت الروايات في حجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم هل كان مفردا أو متمتعا أو قارنا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب ~~مذاهبهم السابقة ورجحت كل طائفة نوعا وادعت أن حجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كذلك وطريق الجمع بين روايات الصحابة واختلافهم في حجته صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان أولا مفردا ثم إنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة بعد ذلك ~~وأدخلها على الحج فصار قارنا فمن روى أنه كان مفردا فهو الأصل ومن روي ~~القرآن اعتمد آخر الأمر ومن روي التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع ~~والارتفاق وقد ارتفق بالقرآن كارتفاق التمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل ~~واحد، وبهذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة في صفة حجة الوداع وهو ~~الصحيح وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الحديث كلاما موجزا في ذلك فقال إن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع وكل ~~كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر ~~به وأذن فيه ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الأمر به كما تجوز إضافته ~~إلى فاعله كما يقال بنى فلان داره وأريد به أنه أمر ببنائها وكما يروى: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا» وإنما أمر برجمه، واختار الشافعي ~~الإفراد ms0225 واحتج في ترجيحه بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس ~~وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فأما جابر فهو أحسن ~~الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم # من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر فصح عنه أنه ~~كان آخذا بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وإنما سمعه ~~يلبي بالحج. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه والدين معروف مع كثرة ~~بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما عائشة فقربها من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معروف واطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة ~~فقهها وعلمها، ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين أفردوا الحج ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظبوا عليه. # وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا ~~والمروة وحلق الرأس أو التقصير في أصح القولين. وأركان العمرة أربعة: ~~الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان تمام الحج ~~والعمرة. # قوله تعالى: فإن أحصرتم أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق، ثم اختلف أهل ~~اللغة في الحصر والإحصار فقيل إذا رد الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، وإذا ~~حبس فقد حصر وقال ابن السكيت أحصره المرض # PageV01P125 # إذا منعه من السفر أو حاجة يريدها وحصره العدو إذا ضيق عليه. وقال ~~الزجاج: الرواية عن أهل اللغة يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض أحصر ~~والمحبوس حصر، وقال ابن قتيبة في قوله: فإن أحصرتم هو أن يعرض للرجل ما ~~يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عد ويقال أحصر فهو محصر فإن حبس في ~~دار أو سجن قيل حصر فهو محصور وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد. قال الزجاج: ~~يقال الرجل من حصرك هنا ومن أحصرك وقال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار ~~الحبس وحصر في الحبس أقوى من أحصر وقيل الإحصار يقال في المنع الظاهر ~~كالعدو والمنع الباطن كالمرض ms0226 والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن وأما قوله ~~فإن أحصرتم فمحمول على الأمرين وبحسب اختلاف أهل اللغة في معناها اختلف ~~الفقهاء في حكمها فذهب قوم إلى أن كل مانع من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة فإنه ~~يبيح له التحلل من إحرامه وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب أبي حنيفة ~~ويدل عليه ما روي عن عكرمة قال حدثني الحجاج بن عمرو قال قال: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» قال عكرمة: فذكرت ذلك لأبي هريرة ~~وابن عباس فقالا: صدق، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن ~~وذهب قوم إلى أنه لا يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عمر وابن ~~عباس وأنس وبه قال مالك والليث والشافعي وأحمد وقالوا الحصر والإحصار بمعنى ~~واحد واحتجوا بأن نزول الآية كان في قصة الحديبية في سنة ست وكان ذلك حبسا ~~من جهة العدو لأن كفار مكة منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ~~الطواف بالبيت فنزلت هذه الآية فحل النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته ونحر ~~هديه وقضاها من قابل ويدل عليه أيضا سياق الآية وهو قوله: فإذا أمنتم ~~والأمن لا يكون إلا من خوف وثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلا حصر العدو ~~فثبت بذلك أن المراد من الإحصار هو حصر العدو دون المرض وغيره. وأجيب عن ~~حديث الحجاج بن عمرو بأنه محمول على من شرط التحلل بالمرض ونحوه إحرامه ~~ويدل على جواز الاشتراط في الإحرام ما روي عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير ~~أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أريد الحج أفأشترط؟ ~~قال نعم قالت كيف أقول؟ قال قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولغيره أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حجي واشترطي وقولي اللهم محلى حيث ~~حبستني فذهب الشافعي وأحمد ms0227 وإسحاق إذا اشترط في الحج فعرض له مرض أو عذر أن ~~يتحلل ويخرج من إحرامه ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس وهو المراد ~~من قوله تعالى: فما استيسر من الهدي ومعنى الآية فإن أحصرتم دون تمام الحج ~~أو العمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي والهدي ما يهدى إلى البيت ~~وأعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. قال ابن عباس: شاة لأنه أقرب إلى ~~اليسر، ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر وإليه ذهب الشافعي لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقيم على ~~إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل في ذلك الوقت. # ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، ~~وفيه قولان أحدهما أنه الحرم فإن كان حاجا فمحله يوم النحر وإن كان معتمرا ~~فمحله يوم يبلغ هديه إلى الحرم وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني محل ذبحه ~~حيث أحصر سواء كان في الحل أو في الحرم، ومعنى محله يعني حيث يحل ذبحه ~~وأكله وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روي عن ابن عمر قال: خرجنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه، أخرجه البخاري. # قوله عز وجل: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه معناه ولا تحلقوا ~~رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى وهو القمل أو ~~الصداع ففدية فيه إضمار تقديره فحلق رأسه فعليه فدية، نزلت هذه الآية في ~~كعب بن عجرة (ق) عن كعب بن عجرة قال: أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا أوقد تحت قدر لي والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال ~~قلت نعم قال فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم # PageV01P126 # ستة مساكين أو انسك نسيكة لا أدري بأي ذلك بدأ وفي رواية قال نزلت هذه ms0228 ~~الآية: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~وذكر نحوه وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو بالحديبية ~~قبل أن يدخل مكة وهو محرم وذكره، وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: ما كنت أرى أن الوجع بلغ منك ما أرى أو ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما ~~أرى أتجد شاة؟ قلت لا قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين ~~نصف صاع». قال كعب فنزلت في خاصة وهي لكم عامة ومعنى قوله تعالى ففدية من ~~صيام أي صوم ثلاثة أيام أو صدقة يعني إطعام ثلاثة أصوع ستة مساكين لكل ~~مسكين نصف صاع أو نسك واحدتها نسيكة أى ذبيحة وأعلاها بدنة وأوسطها بقرة ~~وأدناها شاة وهذه الفدية على التخيير إن شاء ذبح أو صام أو تصدق وكل هدي أو ~~طعام يلزم المحرم فإنه لمساكين الحرم إلا هدي المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر. ~~وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء. قوله تعالى: فإذا أمنتم يعني من خوفكم ~~وبرأتم من مرضكم وقيل إذا أمنتم من الإحصار فمن تمتع بالعمرة إلى الحج قال ~~ابن الزبير معناه فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة فخرج من ~~إحرامه بعمل عمرة فاستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم ~~حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام المقبل وقيل ~~معناه فإذا أمنتم وقد أحللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تعتمروا في تلك ~~السنة ثم اعتمرتم في السنة القابلة في أشهر الحج ثم أحللتم فاستمتعتم ~~بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج فعليكم ما استيسر من الهدي وقال ابن ~~عباس: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام ~~بمكة حلالا حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال عن ~~العمرة إلى إحرامه بالحج. ومعنى التمتع في اللغة هو الاستمتاع بعد الخروج ~~من العمرة والتلذذ ms0229 بما كان محظورا عليه في حال الإحرام إلى إحرامه بالحج ~~فما استيسر من الهدي يعني فعليه ما استيسر من الهدي وهو شاة يذبحها يوم ~~النحر، فلو ذبح قبله بعد ما أحرم بالحج أجزأه عند الشافعي كدم الجبرانات ~~ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر كدم الأضحية. ولوجوب دم التمتع ~~خمس شرائط: أحدها: أن يقدم العمرة على الحج. الثاني: أن يحرم بالعمرة في ~~أشهر الحج. الثالث: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة. الرابع: أن ~~يحرم من مكة ولا يعود إلى ميقات بلده، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه لم ~~يكن متمتعا. الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام فهذه الشروط معتبرة ~~في وجوب دم التمتع ومتى فقد شيء منها لم يكن متمتعا ودم التمتع دم جبران ~~عند الشافعي فلا يجوز أن يأكل منه. وقال أبو حنيفة: هو دم نسك فيجوز أن ~~يأكل منه وقوله فمن لم يجد يعني الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج أي فعليه ~~صيام ثلاثة أيام في وقت اشتغاله بالحج. قيل: يصوم يوما قبل يوم التروية ~~ويوم التروية ويوم عرفة وقيل بل المستحب أن يصوم في أيام الحج بحيث يكون ~~يوم عرفة مفطرا فإن لم يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم أيام التشريق وبه قال ~~مالك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: # بل يصوم بعد أيام التشريق وهو رواية عن أحمد والقول الآخر للشافعي وسبعة ~~إذا رجعتم يعني وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أوطانكم وأهليكم قاله ابن ~~عباس وبه قال الشافعي، فلو صام قبل الرجوع إلى أهله لم يجزه عنده وقيل ~~المراد من الرجوع هو الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع فعلى هذا يجزئه ~~أن يصوم السبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج وقبل الرجوع إلى أهله وبه ~~قال أبو حنيفة: تلك عشرة كاملة يعني في الثواب والأجر وقيل كاملة في قيامها ~~مقام الهدي لأنه قد يحتمل أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي فاعلم ~~الله أن العشرة ms0230 بكمالها هي القائمة مقام الهدي وقيل فائدة التكرار التوكيد ~~كقول الفرزدق: # ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى سهام # ولأن القرآن أنزل بلغة العرب والعرب تكرر الشيء تريد به التوكيد وقيل ~~فائدة ذلك الفذلكة في علم الحساب وهو أن يعلم العدد مفصلا ثم يعلمه جملة ~~ليحتاط به من جهتين فكذلك قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة # PageV01P127 # وقيل إن العرب لما كانوا لا يعلمون الحساب وكانوا يحتاجون إلى زيادة بيان ~~وإيضاح فلذلك قال تلك عشرة كاملة وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي أكملوها ولا ~~تنقصوها ذلك أي هذا الحكم الذي تقدم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~قيل حاضر والمسجد الحرام هم أهل مكة وهو قول مالك. وقيل: هم أهل الحرم وبه ~~قال طاوس. وقال ابن جريج: هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة. وقال الشافعي: ~~كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام ~~وقيل هم من دون الميقات وقال أبو حنيفة حاضر والمسجد الحرام أهل الميقات ~~والمواقيت ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق فمن كان من أهل هذه ~~المواضع فما دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. # وقيل حاضرو المسجد الحرام من تلزمه الجمعة فيه ومعنى الآية أن المشار ~~إليه في قوله: ذلك يرجع إلى أقرب مذكور وهو لزوم الهدي أو بدله على المتمتع ~~وهو الآفاقي فأما المكي إذا تمتع أو قرن فلا هدي عليه ولا بد له لأنه لا ~~يجب عليه أن يحرم من الميقات فإقدامه على التمتع لا يوجب خللا في حجه فلا ~~يجب عليه الهدي ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقا من حديث عكرمة قال ~~سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال: «أهل المهاجرون والأنصار وأزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا ~~بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا ms0231 النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي ~~فإنه لا يحل من شيء حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل ~~بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم ~~حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم والشاة تجزئ فجمعوا بين ~~النسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى: ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام وفي الحديث زيادة قال الحميدي قال أبو مسعود ~~الدمشقي هذا حديث غريب ولم أجده إلا عند مسلم بن الحجاج ولم يخرجه في ~~صحيحه، من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه في صحيحه وعندي أن البخاري إنما أخذه ~~من مسلم. وقوله تعالى: واتقوا الله أي فيما فرضه عليكم ونهاكم عنه في الحج ~~وفي غيره واعلموا أن الله شديد العقاب يعني لمن خالف أمره وتهاون بحدوده ~~وارتكب مناهيه .. # ### || [سورة البقرة (2): آية 197] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) # قوله عز وجل: الحج أشهر معلومات يعني أشهر الحج أشهر معلومات وقيل وقت ~~الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع ~~الفجر من يوم النحر وبه قال عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وعبد الله ~~بن الزبير ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي وهو قول الشافعي والثوري ~~وأبي ثور وحجة الشافعي ومن وافقه أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم ~~النحر والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر ~~الحج وأيضا فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز فدل على أنه وما بعده ليس من ~~أشهر الحج. وقال ابن عباس أشهر ms0232 الحج شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي ~~الحجة آخرها يوم النحر وبه قال ابن عمر وعروة بن الزبير وطاوس وعطاء ~~والنخعي وقتادة ومكحول والضحاك والسدي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وهي إحدى ~~الروايتين عن مالك وحجة هذا القول أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لأن ~~فيه يقع طواف الإفاضة وهو تمام أركان الحج، وقيل إن أشهر الحج شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري: وهي ~~الرواية الأخرى عن مالك وحجة هذا القول إن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ ~~الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره ~~كذلك. فإن قلت هنا # PageV01P128 # إشكال. وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية: يسئلونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج. قلت قوله هي مواقيت ~~للناس والحج وعام وهذه الآية وهي قوله تعالى: الحج أشهر معلومات خاص والخاص ~~مقدم على العام. وقيل: إن الآية الأولى مجملة وهذه الآية مفسرة لها. فإن ~~قلت إنما قال الحج أشهر بلفظ الجمع وعند الشافعي أشهر الحج شهران وعشر ليال ~~وعند أبي حنيفة وعشرة أيام فما وجه هذا؟ قلت: إن لفظ الجمع يشترك فيه ما ~~وراء الواحد بدليل قوله تعالى: فقد صغت قلوبكما وقيل إنه نزل بعض الشهر ~~منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها ولا إشكال فيه ~~على القول الثالث وهو قول من قال إن أشهر الحج ثلاث شوال وذو القعدة وذو ~~الحجة بكماله فمن فرض فيهن الحج يعني فمن ألزم نفسه وأوجب عليها فيهن الحج ~~والمراد بهذا الفرض ما به يصير حاجا وهو فعل يفعله ثم اختلفوا في ذلك الفعل ~~فقال الشافعي: ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية ووجهه أن ~~فرض الحج عبارة عن النية فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج وقال أبو ~~حنيفة: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية ms0233 أو سوق ~~الهدي ووجهه أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا به من انضمام شيء إلى ~~النية كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية دليل على أن الإحرام ~~بالحج لا ينعقد إلا في أشهره وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الشافعي وأحمد ~~وإسحاق لأن الله تعالى خصص هذه الأشهر بفرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها ~~لم يكن لهذا التخصيص وجه ولا فائدة وقال مالك والثوري وأبو حنيفة: ينعقد ~~إحرامه بالحج في جميع شهور السنة ووجهه أن الإحرام إلزام الحج فجاز تقديمه ~~على الوقت كالنذر لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها مواقيت للحج بقوله: هي ~~مواقيت للناس والحج وقد تقدم الجواب عنه. وقوله تعالى فلا رفث قال ابن عباس ~~الرفث الجماع وفي رواية عنه أن الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز وأن ~~يعرض لهن بالفحش من الكلام فعلى هذا القول التلفظ به في غيبة النساء لا ~~يكون رفثا، قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس بذنب بعيره يلويه وهو يحدو ويقول: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننك لميسا # فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرفث ما قيل عند النساء وقوله لميسا هو ~~اسم امرأة وقيل الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه ~~وقوله فلا رفث يحتمل أن يكون نهيا عن تعاطي الجماع وأن يكون نهيا عن الحديث ~~في ذلك لأنه من دواعيه وقيل الرفث هو الفحش والخنا والقول القبيح. وقيل ~~الرفث اللغو من الكلام ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم ~~صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب» ولا فسوق أصله الخروج عن الطاعة قال ~~ابن عباس: هي المعاصي كلها وهو قول طاوس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ~~والزهري والربيع والقرظي وقال ابن عمر: هو ما نهي عنه المحرم في حال ~~الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، وأخذ الشعر وما أشبه ذلك وقيل هو ~~السباب والتنابز بالألقاب (ق) عن أبي هريرة قال سمعت رسول صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «من حج ولم ms0234 يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ولا جدال في الحج ~~قال ابن عباس الجدال هو المراء وهو أن يماري الرجل صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه ~~وقيل: هو قول الرجل الحج اليوم يقول آخر الحج غما وقيل هو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج «اجعلوا أهلا لكم بالحج ~~عمرة إلا من قلد الهدي قالوا كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج فهذا كان ~~جدالهم. وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم ~~بمزدلفة وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة وكل يقول الصواب ~~فيما فعلته فأنزل الله: ولا جدال في الحج فأخبر أن أمر الحج قد استقر على ~~ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف فيه بعده وذلك معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السموات والأرض» وقيل: معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء ~~وقيل: ظاهر الآية خبر ومعناه نهي أي لا ترفثوا # PageV01P129 # ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج وإنما نهي عن ذلك وأمر باجتنابه في الحج ~~وإن كان اجتناب ذلك في كل الأحوال والأزمان واجبا لأن الرفث والفسوق ~~والجدال في الحج أسمج وأفظع منه في غيره وما تفعلوا من خير يعلمه الله أي ~~لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها، حث الله على فعل ~~الخير عقيب النهي عن الشر وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان ~~الفسوق البر والتقوى ومكان الجمال الوفاق والأخلاق الجميلة، وقيل: جعل فعل ~~الخير عبارة عن ربط الأنفس عن الشر حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه. # وقيل: إنما ذكر الخير وإن كان عالما بجميع أفعال العباد من الخير والشر ~~لفائدة، وهي أنه تعالى إذا علم من العبد الخير ذكره وشهره وإذا علم منه ~~الشر ستره وأخفاه فإذا كان هذا فعله مع عبده في الدنيا فكيف يكون في العقبى ~~وهو أرحم الراحمين ms0235 وأكرم الأكرمين وتزودوا فإن خير الزاد التقوى نزلت في ~~أناس من أهل اليمن كانوا يخرجون للحج من غير زاد ويقولون نحن متوكلون ~~ويقولون نحج بيت ربنا أفلا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما أفضى ~~بهم الحال إلى النهب والغصب فأنزل الله وتزودوا أي ما تتبلغون به وتكفون به ~~وجوهكم عن الناس واتقوا إبرامهم والتثقيل عليهم فإن خير الزاد التقوى وقيل ~~في معنى الآية وتزودوا من التقوى فإن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا، ~~ولا بد فيه من زاد ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب وسفر من الدنيا ~~إلى الآخرة، ولا بد فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله والعمل بطاعته وهذا ~~الزاد أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، ~~وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة وفي هذا المعنى قال الأعشى: # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # واتقون أي وخافوا عقابي وقيل معناه واشتغلوا بتقواي وفيه تنبيه على كمال ~~عظمة الله جل جلاله: يا أولي الألباب يا ذوي العقول الذين يعلمون حقائق ~~الأمور. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 198] # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) # ليس عليكم جناح أي حرج أن تبتغوا فضلا من ربكم يعني رزقا ونفعا وهو الربح ~~في التجارة (خ) عن ابن عباس قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في ~~الجاهلية فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج. وقرأها ابن عباس ~~هكذا وفي رواية أن تبتغوا في مواسم الحج فضلا من ربكم. وعكاظ سوق معروف ~~بقرب مكة، ومجنة بفتح الميم وكسرها سوق بقرب مكة أيضا، قال الأزرقي: هي ~~بأسفل مكة على بريد منها ms0236 وذو المجاز سوق عند عرفة كانت العرب في الجاهلية ~~يتجرون في هذه الأسواق ولها مواسم فكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يوما من ذي ~~القعدة ثم ينتقلون إلى مجنة فيقيمون بها ثمانية عشر يوما عشرة أيام من آخر ~~ذي القعدة، وثمانية أيام من أول ذي الحجة ثم يخرجون إلى عرفة في يوم ~~التروية وقال الداودي: مجنة عند عرفة وعن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلا ~~أكري في هذا الوجه وكان الناس يقولون لي: إنه ليس لك حج فلقيت ابن عمر فقلت ~~له يا أبا عبد الرحمن إني رجل أكري في هذا الوجه وإن أناسا يقولون إنه ليس ~~لك حج فقال ابن عمر أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي ~~الجمار؟ فقلت بلى قال فإن ذلك حجا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجبه حتى نزلت هذه الآية: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فأرسل ~~إليه # PageV01P130 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقرأها عليه وقال لك حج» أخرجه أبو داود ~~والترمذي. وقال بعض العلماء: إن التجارة إن أوقعت نقصا في أعمال الحج لم ~~تكن مباحة وإن لم توقع نقصا فيه كانت من المباحات التي الأولى تركها لتجريد ~~العبادة عن غيرها لأن الحج بدون التجارة أفضل وأكمل. قوله تعالى: فإذا ~~أفضتم أي دفعتم والإفاضة دفع بكثرة من عرفات جمع عرفة سميت بذلك وإن كانت ~~بقعة واحدة لأن كل موضع من تلك المواضع عرفة فسمي مجموع تلك المواضع عرفات ~~وقيل. إن اسم الموضع عرفات. واسم اليوم عرفة قال عطاء كان جبريل يرى ~~إبراهيم المناسك ويقول له: عرفت فيقول عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم ~~عرفة. وقال الضحاك: # إن آدم لما أهبط وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه ~~فاجتمعا بعرفات في يوم عرفة فتعارفا فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات، وقال ~~السدي: إن إبراهيم لما أذن في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأبى ms0237 من أبى ~~أمره الله تعالى أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فخرج فلما بلغ الشجرة ~~استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على ~~الجمرة الثانية فرماه وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فطار ~~فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز فنظر ~~إليه فلم يعرفه فجازه فسمي ذا المجاز، ثم انطلق إبراهيم حتى وقع بعرفات ~~فعرفها بالنعت، فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع ~~فسمي ذلك الموضع المزدلفة. وفي رواية عن ابن عباس أن إبراهيم رأى ليلة ~~التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ولده فلما أصبح تروى يومه أجمع أي تفكر هل ~~هذه الرؤيا من الله تعالى أم من الشيطان فسمي يوم التروية، ثم رأى ذلك في ~~ليلة عرفة ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي اليوم عرفة. وقيل: # سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم وقيل: سمي عرفة من ~~العرف وهو الطيب وسميت منى لما يمنى فيها من الدماء أي يصب فيكون فيه ~~الفروث والدماء، فلا يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة عن مثل هذا فتكون طيبة. ~~واعلم أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ولا يتم الحج إلا به، ومن فاته ~~الوقوف في وقته فقد فاته الحج. ويدخل وقت الوقوف بعرفة بزوال الشمس من يوم ~~عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة ~~فمن وقف بعرفات في هذا الوقت ولو لحظة واحدة من ليل أو نهار، فقد حصل له ~~الوقوف ويتم حجه وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوعه ~~من يوم النحر ووقت الإفاضة من عرفات، بعد غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع ~~من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة (ق) عن ~~أسامة بن زيد قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان ~~بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ ms0238 الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله فقال ~~الصلاة أمامك ثم ركب فلما جاء المزدلفة، نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت ~~الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره، في منزله، ثم أقيمت العشاء ~~فصلى ولم يصل بينهما شيئا. # وقوله تعالى: فاذكروا الله عند المشعر الحرام سمي مشعرا من الشعار وهي ~~العلامة لأنه من معالم الحج وأصل الحرام المنع فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما ~~لم يؤذن فيه، والمشعر الحرام هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى ~~وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام وقيل المشعر ~~الحرام هو المزدلفة وسماه الله بذلك لأن الصلاة والمبيت به والدعاء عنده من ~~معالم الحج وقيل المشعر الحرام، هو قزح وهو آخر حد المزدلفة والأول أصح. ~~وسميت المزدلفة من الازدلاف وهو الاقتراب، لأنها منزلة من الله تعالى ~~وقربة. وقيل: لنزول الناس بها زلف الليل: وقيل: لاجتماع الناس بها وتسمى ~~المزدلفة جمعا لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء، قيل المراد بالذكر عند ~~المشعر الحرام هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك. ويدل عليه أن قوله: ~~فاذكروا الله أمر وهو للوجوب ولا يجب هناك إلا الصلاة، والذي عليه جمهور ~~العلماء أن المراد بالذكر هو الدعاء والتلبية والتسبيح والتحميد والتهليل ~~والتكبير (ق) عن ابن عباس أن أسامة بن زيد كان رديف # PageV01P131 # النبي صلى الله عليه وسلم، من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من ~~المزدلفة إلى منى فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى ~~رمى جمرة العقبة، عن جابر قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ~~المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما ~~شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب ~~القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة وكبره وهلله ووحده ولم يزل ~~واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس هذا الحديث ذكره البغوي بغير ~~سند. ولم أجده في الأصول، قال طاوس كانوا ms0239 في الجاهلية يدفعون من عرفة قبل ~~أن تغيب الشمس ومن المزدلفة بعد طلوعها وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما ~~نغير، فنسخ الله تعالى أحكام الجاهلية فأخر الإفاضة من عرفة إلى ما بعد ~~غروب الشمس وقدم الإفاضة من المزدلفة إلى ما قبل طلوعها. وثبير جبل بمكة ~~ومعنى قولهم أشرق ثبير أدخل أيها الجبل في الشروق وهو نور الشمس وقولهم ~~كيما نغير أي ندفع للنحر يقال أغار إذا أسرع ودفع في عدوه (خ) عن عمرو بن ~~ميمون قال قال عمر كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ~~وكانوا يقولون: أشرق ثبير فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع ~~الشمس. # وقوله تعالى: واذكروه كما هداكم أي اذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم ~~بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه وإن كنتم من قبله لمن الضالين أي لا ~~تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، والهاء في من قبله راجعة إلى الهدي وقيل إلى ~~الرسول أي من قبل إرسال الرسول لمن الضالين، وهو كناية عن غير مذكور وقيل ~~يرجع إلى القرآن والمعنى واذكروه كما هداكم بكتابه الذي أنزله عليكم، وإن ~~كنتم من قبل إنزاله لمن الضالين. # قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 199] # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، وفي ~~المخاطبين بهذا قولان أحدهما أنه خطاب لقريش قال أهل التفسير: كانت قريش ~~ومن دان بدينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وقطان ~~حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ويتعاظمون أن يقفوا مع سائر الناس ~~بعرفات، وكان سائر الناس يقفون بعرفات فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس ~~من المزدلفة فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات مع سائر الناس، ثم يفيضوا منها ~~إلى جمع وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (ق) عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت كان قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكان يسمون الحمس ~~وكانت سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام ms0240 أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس قولها: كانوا يسمون الحمس هو جمع أحمس وأصله من الشدة ~~والشجاعة وإنما سميت قريش وكنانة حمسا لتشددهم في دينهم فعلى هذا القول ~~الناس معناهم جميع العرب سوى الحمس، والقول الثاني: إنه خطاب لسائر ~~المسلمين أمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، وهو المراد بقوله من ~~حيث أفاض الناس، وقيل: الناس هم آدم وحده بدليل قراءة سعيد بن جبير ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء وقال هو آدم عهد إليه فنسي، ووجه هذا أن ~~الوقوف بعرفات والإفاضة منها شرع قديم وما سواه مبتدع محدث، وقيل: المراد ~~من هذه الآية أن الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس ~~للرمي والنحر، وأراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما لأنه كانت إفاضتهم ~~من المزدلفة قبل طلوع الشمس، ووجه هذا القول أن الإفاضة من عرفات قد تقدم ~~ذكرها في قوله: فإذا أفضتم من عرفات ثم قال بعد ذلك ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس فدل على أن هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى لكن القول الأول هو ~~الأصح الذي عليه جمهور المفسرين. فإن قلت على القول الأول الذي هو قول ~~جمهور المفسرين إشكال، وهو أن ظاهر الكلام لا يقتضي ذلك لأن قوله: فإذا ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله والإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من # PageV01P132 # جمع فكيف قال ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فكأنه قال فإذا أفضتم من عرفات ~~فأفيضوا من عرفات وذلك غير جائز. قلت: أجيب عن هذا الإشكال بأن فيه تقديما ~~وتأخيرا وتقديره ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا ~~الله فعلى هذا الترتيب يصح أن تكون هذه الإفاضة تلك الإفاضة بعينها وقيل: ~~إن ثم في قوله ثم أفيضوا بمعنى الواو أي وأفيضوا كقوله ثم كان من الذين ms0241 ~~آمنوا والإفاضة الدفع (ق) عن هشام بن عروة عن أبيه قال سأل أسامة بن زيد ~~وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع قال: ~~كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام والنص فوق العنق. العنق بفتح ~~العين ضرب من السير سريع، هو أشد من المشي والفجوة: الفرجة وهي المتسع من ~~الأرض، والنص السير السريع حتى يستخرج من الناقة أقصى وسعها (خ) عن ابن ~~عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: يا أيها ~~الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع، الإيضاع السير السريع الشديد. ~~قوله تعالى: واستغفروا الله أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم إن ~~الله غفور رحيم يعني أن الله هو الساتر لذنوب عباده برحمته والغفور يفيد ~~المبالغة في الغفر وكذا الرحيم وفيه دليل على أنه تعالى يقبل التوبة من ~~عباده التائبين ويغفر لهم، لأنه تعالى أمر المذنب بالاستغفار ثم وصف نفسه ~~تعالى بأنه كثير الغفران كثير الرحمة فدل ذلك على أنه تعالى يغفر ~~للمستغفرين ويرحم المذنبين بمنه وكرمه. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 200] # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) # فإذا قضيتم مناسككم أي فرغتم من حجكم وعبادتكم وذبحتم نسائككم أي ذبائحكم ~~وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى فاذكروا الله يعني بالتحميد ~~والتمجيد والتهليل والتكبير والثناء عليه كذكركم آباءكم قال أهل التفسير، ~~كانت العرب في الجاهلية إذا فرغوا من حجهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين ~~الجبل، وقيل: عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومآثرهم وفضائلهم ومحاسنهم ~~ومناقبهم، فيقول أحدهم: كان أبي كبير الجفنة رحب الفناء يقرى للضيف وكان ~~كذا وكذا يعد مفاخره ومناقبه ويتناشدون الأشعار في ذلك ويتكلمون بالمنثور ~~والمنظوم من الكلام الفصيح وغرضهم الشهرة والسمعة والرفعة بذكر مناقب سفلهم ~~وآبائهم، فلما ms0242 من الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لله لا لآبائهم ~~وقال: اذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبهم وأحسنت إليكم وإليهم قال ابن ~~عباس: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء وذلك أن الصبي أول ما ~~يفصح بالكلام ويقول: أبه أمه لا يعرف غير ذلك فأمرهم أن يذكروه كذكر ~~الصبيان الصغار الآباء أو أشد ذكرا أي بل أشد ذكرا، وقيل: أو بمعنى الواو ~~أي وأشد ذكرا أي وأكثر ذكرا للآباء لأنه هو المنعم عليهم وعلى الآباء، فهو ~~المستحق للذكر والحمد مطلقا، وسئل ابن عباس عن هذه الآية قيل له قد يأتي ~~على الرجل اليوم ولا يذكر فيه أباه فقال: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله عز وجل ~~إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما فمن الناس من يقول ربنا آتنا في ~~الدنيا يعني أن المشركين كانوا يسألون الله في حجهم للدنيا، ونعيمها كانوا ~~يقولون: اللهم أعطنا إبلا وغنما وبقرا وعبيدا وإماء وكان أحدهم بقوم فيقول: ~~اللهم إن أبي كان عظيم الفئة كبيرا الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما ~~أعطيته. قال قتادة: هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب (خ) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم ~~وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط تعس، وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» ~~قوله: تعس عبد الدينار هذا دعاء عليه بالهلاك وهو الوقوع على الوجه من ~~العثار والخميصة ثوب من خز أو صوف معلم، وقوله وانتكس هذا دعاء عليه أيضا ~~لأن من انتكس على رأسه أو في أمره # PageV01P133 # فقد خاب، وخسر وقوله وإذا شيك هذا فعل ما لم يسم فاعله، تقول شاكته ~~الشوكة إذا دخلت في جسمه والانتقاش إخراج الشوكة من الجسم وإنما كان سؤال ~~المشركين للدينار ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ~~ينكرون البعث وما له في الآخرة من خلاق أي وما له في الآخرة من حظ ولا ~~نصيب. # ### || [سورة البقرة (2): آية 201] # ومنهم من يقول ms0243 ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~(201) # ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~يعني المؤمنين. واعلم أن الله تعالى قسم الداعين فريقين البعث: فريق ~~اقتصروا في الدعاء على طلب الدنيا وهم الكفار لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث ~~والآخرة، والفريق الثاني: هم المؤمنون الذين جمعوا في الدعاء بين طلب ~~الدنيا والآخرة وذلك لأن الإنسان خلق ضعيفا محتاجا لا طاقة له بآلام الدنيا ~~ومتاعبها فالأولى له أن يستعيذ بالله من شرها وآلامها لأنه لو اضطرب على ~~الإنسان عرق من عروقه، لشوش عليه حياته في الدنيا، وتعطل عن الاشتغال بطاعة ~~الله تعالى فثبت بذلك أن طلب الدنيا في الدعاء من أمر الدين، فلذلك قال ~~الله تعالى: إخبارا عن المؤمنين: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة قيل: إن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة والأمن والكفاية ~~والتوفيق إلى الخير والنصر على الأعداء والولد الصالح والزوجة الصالحة (م) ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا ~~متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» وقيل: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة ~~وفي الآخرة الجنة وقيل: الحنسة في الدنيا الرزق الحلال والعمل الصالح وفي ~~الآخرة المغفرة والثواب. وقيل: من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا ~~فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة يعني في الدنيا عافية وفي الآخرة ~~عافية. # (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خف ~~فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل كنت تدعو الله ~~بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة ~~فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا ~~تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار» قال: فدعا الله به فشفاه (ق) عن أنس بن مالك. ms0244 قال كان ~~أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار. عن عبد الله بن السائب قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول بين الركنين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار» أخرجه أبو داود. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 202 الى 203] # أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام ~~معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ~~واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # أولئك إشارة إلى المؤمنين الداعين بالحسنتين ووجه هذا القول أن الله ذكر ~~حكم الفريق بكماله. فقال: # وما له في الآخرة من خلاق وقيل: يرجع إلى الفريقين لهم جميعا أي لكل فريق ~~من هؤلاء نصيب أي حظ مما كسبوا يعني من الخير والدعاء بالثواب والجزاء على ~~الدعاء بالدنيا من جنس ما كسب ودعا والله سريع الحساب ذكروا في معنى الحساب ~~أن الله تعالى يعلم العباد بما لهم وعليهم بمعنى أن الله تعالى يخلق العلوم ~~الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها وبمقادير ما لهم من ~~الثواب وعليهم من العقاب. وقيل: # إن المحاسبة عبارة عن المجازاة ويدل عليه قوله تعالى: وكأين من قرية عتت ~~عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وقيل: إن الله تعالى يكلم عباده ~~يوم القيامة ويعرفهم أحوال أعمالهم وما لهم من الثواب والعقاب. وقيل: إنه ~~تعالى إذا حاسب عباده فحسابه سريع لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد وروية ~~فكر وصف الله نفسه تعالى بسرعة الحساب مع كثرة الخلائق وكثرة أعمالهم ليدل ~~بذلك على كمال قدرته لأنه تعالى لا يشغله # PageV01P134 # شأن عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا مادة ولا مساعد، فلا جرم كان قادرا على ~~أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمح البصر، وروي أنه تعالى يحاسب الخلائق ~~في قدر حلب شاة أو ناقة، وقيل: في معنى كونه تعالى سريع الحساب أي سريع ~~القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، ms0245 وذلك أنه تعالى يسأله السائلون في الوقت ~~الواحد كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد من ~~غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك، لأنه تعالى عالم بجميع أحوال عباده وأعمالهم ~~وقيل في معنى الآية إن إتيان القيامة قريب لأن كل ما هو كائن وآت قريب لا ~~محالة، وفيه إشارة إلى المبادرة بالدعاء والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة. # قوله عز وجل: واذكروا الله يعني بالتوحيد والتعظيم والتكبير في أدبار ~~الصلوات وعند رمي الجمرات، وذلك أنه يكبر مع كل حصاة من حصى الجمار فقد ورد ~~في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مع كل حصاة في أيام معدودات ~~يعني أيام التشريق وهي أيام منى ورمي الجمار سميت معدودات لقلتهن وهي ثلاثة ~~أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو قول ابن عمر ~~وابن العباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب الشافعي. وقيل: إن الأيام ~~المعدودات يوم النحر ويومان بعده. وهو قول علي بن أبي طالب ويروى عن ابن ~~عمر أيضا وهو مذهب أبي حنيفة (م) عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ومن الذكر في هذه ~~الأيام التكبير (خ) عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات، ~~وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك الأيام جميعا وفي رواية ~~أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ~~ترتج منى أخرجه البخاري بغير إسناد وأجمع العلماء على أن المراد بهذا هو ~~التكبير عند رمي الجمار، وهو أن يكبر مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام ~~التشريق، وأجمعوا أيضا على أن التكبير في عيد الأضحى وفي هذه الأيام في ~~إدبار الصلوات سنة واختلفوا في وقت التكبير فقيل يبتدئ به من صلاة الظهر ~~يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق فيكون التكبير على هذا القول ~~في خمسة عشر صلاة، وهو ms0246 قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال الشافعي: في أصح ~~أقواله قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قيل: هذا الوقت هو ~~التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر. وقيل: إنه يبتدئ به ~~من صلاة المغرب ليلة النحر ويختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو ~~القول الثاني الشافعي فيكون التكبير على هذا القول: في ثمانية عشر صلاة ~~والقول الثالث للشافعي إنه يبتدئ بالتكبير من صلاة الصبح يوم عرفة، ويختم ~~به بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا القول في ~~ثلاث وعشرين صلاة وهو قول علي بن أبي طالب، ومكحول وبه قال أبو يوسف ومحمد، ~~وقال ابن مسعود يبتدأ به من صبح يوم عرفة ويختم بصلاة العصر من يوم النحر، ~~فعلى هذا القول يكون التكبير في ثمان صلوات، وبه قال أبو حنيفة وقال أحمد ~~بن حنبل: إذا كان حلالا كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة ~~وآخرها صلاة العصر من آخر أيام التشريق وإن كان محرما كبر عقيب سبعة عشر ~~صلاة أولها الظهر من يوم النحر وآخرها عصر آخر أيام التشريق. ولفظ التكبير ~~عند الشافعي ثلاثا نسقا الله أكبر الله أكبر الله أكبر وهو قول سعيد بن ~~جبير والحسن، وهو قول أهل المدينة، قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن ~~ويروى عن ابن مسعود أنه يكبر مرتين فيقول الله أكبر الله أكبر وهو قول أهل ~~العراق. # وقوله تعالى: فمن تعجل في يومين أي فمن تعجل النفر الأول وهو في الثاني ~~من أيام التشريق فلا إثم عليه أي فلا حرج عليه وذلك أنه يجب على الحاج ~~المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق، ليرمي كل يوم ~~بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمي عند كل جمرة سبع حصيات ثم من رمى في ~~اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك ~~واسع له لقوله تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه يعني فلا إثم ms0247 على من ~~تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ومن تأخر فلا إثم عليه يعني ومن تأخر ~~إلى # PageV01P135 # النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه في تأخره. ~~واعلم أنه إنما يجوز التعجيل لمن نفر بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام ~~التشريق وقبل غروب الشمس، من ليلة ذلك اليوم وإن غربت عليه الشمس، وهو بمنى ~~لزمه المبيت بها لرمي اليوم الثالث، هذا مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وقال ~~أبو حنيفة: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر لأنه لم يدخل وقت الرمي، بعد ~~ورخص لرعاة الإبل وأهل سقاية الحاج ترك المبيت بمنى ليالي منى. فإن قلت: ~~قوله ومن تأخر فلا إثم عليه فيه إشكال وهو أن الذي أتى بأفعال الحج كاملة ~~تامة فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله فلا إثم عليه إنما يخاف من الإثم من ~~قصر فيما يلزمه. قلت فيه أجوبة أحدها أنه تعالى لما أذن في التعجيل على ~~سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة، ~~فإنه يأثم فأزال الله تعالى هذه الشبهة وبين إنه لا إثم عليه في الأمرين ~~فإن شاء عجل وإن شاء أخر. الجواب الثاني أن من الناس من كان يتعجل ومنهم من ~~كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الفريق الآخر فبين الله تعالى أن كل ~~واحد من الفريقين مصيب في فعله وأنه لا إثم عليه. الجواب الثالث إنما قال: ~~ومن تأخر فلا إثم عليه لمشاكلة اللفظة الأولى فهو كقوله: وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها ومعلوم أن جزاء السيئة ليس بسيئة. الجواب الرابع أن فيه دلالة على ~~جواز الأمرين فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل ولا ~~في التأخير لمن اتقى أي ذلك التخيير ونفي الإثم للحاج المتقي وقيل لمن اتقى ~~أن يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه من قتل صيد وغيره، مما هو محظور في ~~الحج، وقيل: معناه أنه ذهب إثمه إن اتقى فيمن بقي من ms0248 عمره، وذلك أن الحاج ~~يرجع مغفورا له بشرط أن لا يرتكب ما نهي عنه فيما بقي من عمره وهو قوله: ~~واتقوا الله أي في المستقبل والتقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون أي فيجازيكم بأعمالكم وفيه حث على التقوى. قوله ~~عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 204] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ~~حليف بني زهرة، واسمه أبي وإنما سمي الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل ~~من بني زهرة، عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أشار على بني ~~زهرة الرجوع يوم بدر، وقال لهم: إن محمدا ابن أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه ~~الناس وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم ما رأيت قال إني سأخنس ~~بكم فاتبعوني فخنس فسمي الأخنس بذلك وكان الأخنس حلو الكلام حلو المنظر، ~~وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويظهر الإسلام ويقول: إني ~~لأحبك ويحلف بالله على ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه ~~وكان الأخنس منافقا فنزل فيه، ومن الناس من يعجبك قوله، أي يروقك وتستحسنه ~~ويعظم في قلبك في الحياة الدنيا، يعني أن حلاوة كلامه فيما يتعلق بأمر ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه يعني قوله: والله إني بك مؤمن ولك محب ~~وهو ألد الخصام أي شديد الجدال في الباطل، وقيل: هو كاذب القول، وقيل: هو ~~شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة (ق) عن ~~عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبغض الرجال إلى ~~الله الألد الخصم» يعني الشديد في الخصومة. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 205 الى 207] # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد (206) ومن ms0249 الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ~~(207) # وإذا تولى أي أدبر وأعرض عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق سعى في الأرض ~~أي سار ومشى # PageV01P136 # في الأرض ليفسد فيها يعني بقطع الأرحام وسفك دماء المسلمين ويهلك الحرث ~~والنسل وذلك أن الأخنس بن شريق كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا، ~~فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وقيل: خرج إلى الطائف مقتضيا دينا كان له على ~~غريم فأحرق له كدسا وعقر له أتانا وقيل معناه إذا تولى أي صار واليا وملك ~~الأمر سعى في الأرض ليفسد فيها يعني بالظلم والعدوان كما يفعله ولاة السوء ~~والظلمة، وقيل: يظهر ظلمه حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث ~~والنسل بسبب منع المطر وقيل أن الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه ~~الصفات المذكورة ولا يمتنع أن تنزل في رجل واحد ثم تكون عامة في حق كل من ~~كان موصوفا بهذه الصفات والله لا يحب الفساد قال ابن عباس: لا يرضى ~~بالمعاصي واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن المحبة عبارة عن الإرادة. ~~وأجيب عنه بأن الإرادة معنى غير المحبة، فإن الإنسان قد يريد شيئا ولا يحبه ~~وذلك لأنه قد يتناول الدواء المر ولا يحبه فبان الفرق بين الإرادة والمحبة، ~~وقيل: إن المحبة مدح الشيء وتعظيمه والإرادة بخلاف ذلك وإذا قيل له اتق ~~الله أي خف الله في سرك وعلانيتك أخذته العزة بالإثم أي حملته العزة وحمية ~~الجاهلية على فعل الإثم وقيل بأن يعمل الإثم وهو الظلم وترك الالتفات إلى ~~الوعظ وعدم الإصغاء إليه. وأصل العزة المنعة والتكبر فحسبه جهنم أي كافية ~~له جهنم جزاء وعذابا، وجهنم اسم من أسماء النار التي يعذب بها الكفار في ~~الآخرة، وقيل: هو اسم أعجمي وقيل بل هو عربي سميت النار بذلك لبعد قعرها ~~ولبئس المهاد أي الفراش والمهاد التوطئة أيضا والمعنى أن العذاب بالنار ~~يجعل تحته وفوقه قال ابن مسعود إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: ~~اتق الله فيقول: عليك بنفسك. وروي أنه ms0250 قيل لعمر اتق الله فوضع خده على ~~الأرض تواضعا لله تعالى. قوله عز وجل: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في سرية الرجيع وكانت بعد أحد (خ) عن ~~أبي هريرة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ~~ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ~~ذكروا الحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا ~~آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا ~~هذا تمر يثرب، فتبعوا أثرهم حتى لحقوهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا ~~إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم ~~إلينا أن لا نقتل منكم رجلا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ~~اللهم أخبر عنا رسولك فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل ~~وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق. فلما أعطوهم العهد ~~والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها ~~فقال الرجل الثالث الذي معهم: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه ~~على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، ~~فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث ~~يوم بدر فمكث عندهم أسيرا حتى إذا اجتمعوا على قتله استعار موسى من بعض ~~بنات الحارث ليستحد بها فأعارتها، فقالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى ~~أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني وفي يده الموسى، ~~فقال: أتخشين مني أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى وكانت تقول: ~~ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ~~تمرة، وإنه لموثق في الحديد. وما كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، فلما خرجوا ~~به من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ms0251 ركعتين، فصلى ركعتين ثم انصرف فقال: ~~لولا ترون أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن ركعتين عند القتل، ~~وقال: اللهم أحصهم عددا وقال: # فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من ~~جسده بعد موته وكان قتل # PageV01P137 # عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من ~~رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء زاد في رواية وأخبر يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. الفدفد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. ~~وقوله عالجوه: أي مارسوه، وأراد به أنهم يخدعونه ليتبعهم فأبى. وقوله ~~ليستحد الاستحداد حلق العانة. والقطف العنقود من العنب: قوله على أوصال ~~شلو. الشلو العضو من أعضاء الإنسان. والممزع: المفرق. والظلة: # الشيء الذي يظل من فوق الإنسان. والدبر: جماعة النحل والزنابير. وقال أهل ~~التفسير: إن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بالمدينة أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلمونا دينك، ~~وكان ذلك مكرا منهم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي ~~الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكر وعبد الله بن طارق بن شهاب ~~البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي أفلح الأنصاري، وذكر ~~نحو حديث البخاري، زاد عليه: فقالوا: نصلب خبيبا حيا، فقال: اللهم إنك تعلم ~~أنه ليس لي أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، فقام إليه أبو سروعة ~~عقبة بن الحارث فقتله ويقال كان رجل من المشركين يقال له أبو ميسرة سلامان ~~معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا ~~عتوا فطعنه فأنفذه فذلك قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم يعني سلامان. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ms0252 ليقتله ~~بأبيه أمية بن خلف فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله في ~~الحل، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ~~ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب محمدا عندنا الآن مكانك يضرب عنقه وأنك في ~~أهلك قال زيد والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة ~~تؤذيه وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب ~~محمد محمدا ثم قتله نسطاس، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ~~قال لأصحابه أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة فقال الزبير: أنا يا رسول ~~الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان الليل ويكمنان النهار حتى ~~أتيا التنعيم ليلا، فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نشاوى وهم نيام، ~~فأنزلاه عن خشبته، فإذا هو رطب ينثني ولم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما ~~ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم والريح ريح المسك، فحمله ~~الزبير على فرسه وسار فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فأخبروا قريشا فركب ~~معهم سبعون فارسا فلما لحقوهم قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض فسمي بليغ ~~الأرض وقال الزبير ما أجرأكم علينا يا معشر قريش ثم رفع العمامة عن رأسه ~~وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن ~~الأسود أسدان ضاريان يدفعان عن أشبالهما. # فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، ~~وقدم الزبير وصاحبه المقداد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده ~~فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، ونزل في الزبير ~~والمقداد: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله حين شريا أنفسهما بإنزال خبيب ~~عن خشبته. وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب ابن سنان الرومي، وإنما نسب ~~إلى الروم لأن منازلهم كانت بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك الناحية ~~فسبوه وهو غلام صغير فنشأ بالروم، وإنما كان من العرب ابن النمر بن ms0253 قاسط ~~قال سعيد بن المسيب وعطاء أقبل صهيب مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته وقال: ~~والله لا تصلوا إلي أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي، وإن ~~شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي. فقالوا نعم، ففعل، فلما قدم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربح البيع أبا يحيى، ~~وتلا عليه هذه الآية. # وقال الحسن: أتدرون فيم نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم يلقي الكافر ~~فيقول له قل: لا إله إلا الله فيأبى أن يقولها فيقولها المسلم والله لأشرين ~~نفسي لله فتقدم فقاتل وحده حتى قتل، وقيل نزلت هذه الآية في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقال ابن عباس: رضي الله عنهما: أرى من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضاة الله يقوم # PageV01P138 # فيأمر هذا بتقوى الله فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم قال وأنا أشري ~~نفسي لله فقاتله، وكان علي كرم الله وجهه إذا قرأ هذه الآية يقول اقتتلا ~~ورب الكعبة. وسمع عمر رجلا يقرأ هذه الآية: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل فأمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر فقتل. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. ~~وأما تفسير الآية فذكر المفسرون أن المراد بهذا الشراء البيع ومنه قوله: ~~وشروه بثمن أي باعوه والمعنى أن المسلم باع نفسه بثواب الله تعالى في الدار ~~الآخرة، وهذا البيع هو أن يبذل نفسه في طاعة الله من صلاة وصيام، وحج وجهاد ~~وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة فصار كالبائع، ~~والله تعالى المشتري، والثمن هو ثواب الله تعالى في الآخرة ابتغاء مرضاة ~~الله أي طلب ms0254 رضا الله والله رؤف بالعباد أي من رأفة الله بعباده أن جعل ~~النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته أنه يقبل ~~توبة عبده ومن رأفته أن نفس العباد وأموالهم له، ثم إنه تعالى يشتري ملكه ~~بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 208 الى 209] # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم (209) # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد ~~الله بن سلام وأصحابه، وذلك لما أسلموا قاموا على تعظيم شرائع موسى فعظموا ~~السبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وقالوا: إن ترك هذه الأشياء مباح في ~~الإسلام وواجب في التوراة، وقالوا أيضا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله ~~دعنا فلنقم به في صلاتنا بالليل، فأنزل الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في ~~السلم أي في شرائع الإسلام ولا يتمسكوا بالتوراة فإنها منسوخة. والمعنى ~~استسلموا لله وأطيعوه فيما أمركم به وقيل هو خطاب لمن لم يؤمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ~~ادخلوا في السلم كافة أي في الإسلام. وروى جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود وتعجبنا فنرى أن نكتب ~~بعضها فقال صلى الله عليه وسلم: «أتتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد ~~جئتكم بها بيضاء نقية ولو أن موسى حي ما وسعه إلا اتباعي» قوله أتتهوكون أي ~~تتحيرون أنتم في دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى، وقوله لقد جئتكم بها ~~يعني بالملة الحنيفية بيضاء نقية، أي لا تحتاج إلى شيء، وقيل يحتمل أن يكون ~~خطابا للمنافقين من المؤمنين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا ~~في السلم أي الانقياد والطاعة لأن أصل السلم الاستسلام، وهو الانقياد كافة، ~~أي بأجمعكم ولا تتفرقوا، وقيل يحتمل أن يرجع إلى الإسلام ms0255 والمعنى ادخلوا في ~~أحكام الإسلام وشرائعه كافة وهذا المعنى أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا ~~بالقيام بها كلها. قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: للإسلام ثمانية أسهم ~~فعل الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر. قال: وقد خاب من لا سهم له ولا تتبعوا خطوات الشيطان يعني آثاره ~~فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغير ذلك، وقيل: لا تلتفتوا إلى ~~الشبهات التي يلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية والأهواء المضلة لأن من ~~اتبع سنة إنسان فقد تبع آثره إنه لكم عدو مبين يعني الشيطان. فإن قلت ~~عداوته بإيصال الضرر وإلقاء الوسوسة فكيف يصح ذلك مع الاعتقاد، فإن الله هو ~~الفاعل لجميع الأشياء. قلت: إنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، ولكن ~~الله منعه عن ذلك وأما معنى الوسوسة فمعلوم أنه يزين المعاصي وإلقاء ~~الشبهات، وكل سبب لوقوع الإنسان في مخالفة الله تعالى فيصده بذلك عن ~~الثواب، فهذا من أعظم جهات العداوة. فإن قلت: كيف يصح وصف الشيطان بأنه ~~مبين مع أنا لا نراه؟ قلت: إن الله تعالى بين عداوته ما هي فكأنه بين وإن ~~لم يشاهد فإن زللتم أي ملتم وضللتم # PageV01P139 # وقال ابن عباس أشركتم من بعد ما جاءتكم البينات أي الدلالات الواضحات ~~فاعلموا أن الله عزيز أي في نقمته ممن خالفه غالب لا يعجزه شيء حكيم يعني ~~أنه لا ينتقم إلا بحق والحكيم ذو الإصابة في الأمور كلها وفي الآية وعيد ~~وتهديد لمن في قلبه شك ونفاق، أو عنده شبهة في الدين قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 210 الى 211] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) # هل ينظرون أي ينتظرون التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل جمع ظلة من الغمام يعني السحاب الأبيض الرقيق ~~سمي غماما لأنه ms0256 يغم ويستر وقيل هو شيء غير السحاب ولم يكن إلا لبني إسرائيل ~~في تيههم وهو كهيئة الضباب الأبيض والملائكة أي وتأتيهم الملائكة. # وروى الطبري في تفسيره بسند متصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من الغمام طاقات يأتي الله عز وجل فيها محفوظا، وذلك قوله ~~تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~قال عكرمة: والملائكة حوله وقيل معناه حول الغمام وقيل حول الرب تبارك ~~وتعالى. واعلم أن هذه الآية من آيات الصفات وللعلماء في آيات الصفات ~~وأحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة: ~~الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديث الصفات، وأنه يجب علينا ~~الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت ونكل علمها إلى الله تعالى وإلى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم مع الإيمان، والاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن سمات ~~الحدوث وعن الحركة والسكون. قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر وقال سفيان بن ~~عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس ~~لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله. وكان الزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك ~~وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه ~~الآية وأمثالها اقرءوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل هذا مذهب أهل ~~السنة ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى: # عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شيء عقيدة صائب # نسلم آيات الصفات بأسرها ... وأخبارها للظاهر المتقارب # ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب # ونركب للتسليم سفنا فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب # (المذهب الثاني) وهو قول جمهور علماء المتكلمين، وذلك أنه أجمع جميع ~~المتكلمين من العقلاء والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزه عن ~~المجيء والذهاب، ويدل على ذلك أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن ~~الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، والله ms0257 تعالى ~~منزه عن ذلك فيستحيل ذلك في حقه تعالى فثبت بذلك أن ظاهر الآية ليس مرادا، ~~فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل، فعلى هذا قيل في معنى الآية هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله الآيات فيكون مجيء الآيات مجيئا لله تعالى على سبيل ~~التفخيم لشأن الآيات وقيل معناه إلا أن يأتيهم أمر الله ووجه هذا التأويل ~~أن الله تعالى فسره في آية أخرى فقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي أمر ربك، فصار هذا الحكم مفسرا لهذا المجمل في هذه الآية. وقيل: معناه ~~يأتيهم الله بما أوعد من الحساب والعقاب فحذف ما يأتي به تهويلا عليهم إذ ~~لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكر كان أبلغ ~~وقيل يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الباء لأن # PageV01P140 # بعض الحروف يقوم مقام بعض فيكون المعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~بظلل من الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتي من الغمام مع ~~الملائكة، وقيل معناه ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من ~~الغمام. فإن قلت: لم كان إتيان العذاب في الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنة ~~الرحمة ومنه ينزل المطر، فإذا نزل منه العذاب كان أعظم وأفظع وقيل إن نزول ~~الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها وقضي الأمر أي وجب العذاب وفرغ من ~~الحساب، وذلك فصل الله القضاء بين العباد يوم القيامة وإلى الله ترجع ~~الأمور # أي إلى الله تصير أمور العباد في الآخرة. فإن قلت: هل كانت ترجع إلى ~~غيره؟ قلت: إن أمور جميع العباد ترجع إليه في الدنيا والآخرة، ولكن المراد ~~من هذا إعلام الخلق إنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، وجواب آخر ~~وهو أنه لما عبد قوم غيره في الدنيا أضافوا أفعاله إلى سواه ثم فإذا كان ~~يوم القيامة وانكشف الغطاء ردوا إلى الله ما أضافوه إلى غيره في الدنيا. ~~قوله عز وجل: سل بني إسرائيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يسأل ~~يهود المدينة، وليس المراد ms0258 بهذا السؤال العلم بالآيات لأنه كان صلى الله ~~عليه وسلم قد علمها بإعلام الله إياه، ولكن المراد بهذا السؤال التقريع ~~والتوبيخ والمبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله وترك الشكر، وقيل ~~المراد بهذا السؤال التقرير وتذكير النعم التي أنعم بها على سلفهم كم ~~آتيناهم من آية بينة أي من دلالة واضحة على نبوة موسى عليه السلام مثل ~~العصا واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى ومن يبدل نعمة الله من ~~بعد ما جاءته يعني يغير الآية التي جاءته من الله لأنها هي سبب الهدى ~~والنجاة من الضلالة، وقيل هي حجج الله الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وذلك أنهم أنكروها وبدلوها، وقيل المراد بنعم الله عهده الذي عهد ~~إليهم فلم يفوا به فإن الله شديد العقاب يعني لمن بدل نعمة الله. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 212] # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # زين للذين كفروا الحياة الدنيا نزلت في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه ~~لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد، ~~وقيل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه. وقيل: نزلت في رؤساء ~~اليهود. ويحتمل أنها نزلت في الكل. والمزين هو الله تعالى بدليل قراءة من ~~قرأ زين بفتح الزاي وذلك أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو المزين لهم ~~بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة وخلق الأشياء ~~العجيبة والمناظر الحسنة، وإنما فعل ذلك ابتلاء العبادة وذلك أنه جعل دار ~~الدنيا ابتلاء وامتحان وركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على ~~سبيل الإلجاء والقسر الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبب الذي تميل ~~النفس إليه مع إمكان. ردها عنه فنظر الخلق إلى الدنيا أكثر من قدرها ~~فأعجبهم حسنها وزهرتها وزينتها فأحبوها وفتنوا بها. وقيل: إن المراد من ~~التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها وأحبوها، فكان ms0259 هذا ~~الإمهال هو التزين. وقيل: إن المزين هو الشيطان وغواة الجن والإنس، وذلك ~~أنهم زينوا للكفار الحرص على الدنيا وطلبها وقبحوا لهم أمر الآخرة. وقيل: ~~أوهموهم أن لا آخرة ليقبلوا على لذات الدنيا وطلب الحرص عليها، وهذا ~~التأويل ضعيف لأن قوله تعالى زين الذين كفروا يتناول جميع الكفار فيدخل فيه ~~الشيطان وغواة الجن والإنس وأن كلهم مزين لهم وهذا المزين لا بد وأن يكون ~~مغايرا لهم فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة ويسخرون من الذين آمنوا يعني أن ~~الكفار يستهزئون بفقراء المؤمنين، قال ابن عباس: مثل عبد الله بن مسعود ~~وعمار بن ياسر وصهيب وبلال ونظرائهم. وقيل: كانوا يقولون انظروا إلى هؤلاء ~~الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم والذين اتقوا يعني الفقراء من المؤمنين فوقهم ~~أي فوق الكفار يوم القيامة لأن الفقراء في عليين والكفار والمنافقين في ~~أسفل السافلين (ق) عن حارثة بن وهب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «ألا أخبركم # PageV01P141 # بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار ~~كل عتل جواظ جعظري مستكبر» العتل الفظ الغليظ الشديد في الخصومة الذي لا ~~ينقاد لخير. والجواظ الفاجر المختال في مشيته، وقيل هو القصير البطين. ~~والجعظري الفظ الغليظ، وقيل هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده (ق) عن ~~أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قمت على باب الجنة فكان ~~عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم ~~إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء» الجد بفتح الجيم ~~هو الحظ والغنى وكثرة المال والله يرزق من يشاء بغير حساب قال ابن عباس: ~~يعطي كثيرا بغير مقدار لأن كل ما يدخل عليه الحساب فهو قليل، والمعنى أنه ~~يوسع لمن يشاء من عباده وقيل يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل ~~معناه أنه يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب وقيل معناه أنه يرزقه بغير استحقاق ~~وقيل معناه أنه تعالى ms0260 لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما ~~يخرج منها لأن الحساب إنما يكون ليعلم قدر ما يعطي والله غني عالم بما يعطي ~~ولا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف والنون وقيل معناه إن الله يقتر ~~الرزق على ما يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء، ولا يعطي كل واحد على قدر حاجته، ~~بل يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه، ولا معارض له في حكمه، ويحاسب فيما رزق، ~~ولا يقال له لم أعطيت هذا وحرمت هذا، ولا لم أعطيت هذا أكثر من ذاك؟ لأنه ~~تعالى لا شريك له في ملكه ينازعه ولا يسأل عما يفعل. وقيل: يحتمل أن يكون ~~المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب والكرامة بغير محاسبة ~~منه لهم على ما من به عليهم وذلك أن نعيم الجنة لا نفاد له ولا انقطاع. ~~وقيل: إنه تعالى يعطي أهل الجنة الثواب والأجر بقدر أعمالهم ثم يتفضل عليهم ~~فذلك الفضل منه إليهم بغير حساب قوله عز وجل. # ### || [سورة البقرة (2): آية 213] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) # كان الناس أمة واحدة أي على دين واحد. قيل هو آدم وذريته كانوا مسلمين ~~على دين واحد إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا. وقيل كان الناس على شريعة ~~واحدة من الحق والهدى من وقت آدم إلى مبعث نوح ثم اختلفوا، فبعث الله نوحا، ~~وهو أول رسول بعث، ثم بعث بعده الرسل. وقيل هم أهل السفينة الذين كانوا مع ~~نوح وكانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاته. وقيل إن العرب كانت على دين ~~إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي. وقيل كانت الناس أمة واحدة ~~حين أخرجوا من ظهر آدم لأخذ الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا ms0261 بلى، فاعترفوا ~~بالعبودية ولم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم، ثم لما ظهروا إلى الوجود ~~اختلفوا بسبب البغي والحسد. وقيل إن آدم وحده كان أمة واحدة يعني إماما ~~وقدوة يقتدى به وإنما ظهر الاختلاف بعده. وقيل كان الناس أمة واحدة على ~~الكفر والباطل بدليل قوله فبعث الله النبيين فإن قيل: أليس قد كان فيهم من ~~هو مسلم نحو هابيل وشيث وإدريس ونحوهم؟ فالجواب أن الغالب في ذلك الزمان ~~كان الكفر والحكم للغالب. وقيل إن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة ~~وليس فيها ما يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من ~~خارج فبعث الله النبيين وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل منهم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر المذكورون منهم في القرآن بأسماء الأعلام ثمانية ~~وعشرون نبيا مبشرين بالثواب لمن آمن وأطاع ومنذرين يعني مخوفين بالعقاب لمن ~~كفر وعصى، وإنما قدم البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة ~~للأبدان والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود هو الأول فكان ~~أولى بالتقديم وأنزل معهم الكتاب أي الكتب أو يكون التقدير وأنزل مع كل ~~واحد الكتاب بالحق أي بالعدل والصدق وجملة الكتب # PageV01P142 # المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب أنزل على آدم عشر صحائف، وعلى شيث ~~ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى عشر صحائف والتوراة، وعلى داود ~~الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم القرآن ~~ليحكم بين الناس يعني الكتاب وإنما أضيف الحكم إلى الكتاب وإن كان الحاكم ~~هو الله تعالى لأنه أنزله. # والمعنى ليحكم الله بالكتاب الذي أنزله وقيل معناه ليحكم بين الناس كل ~~نبي بكتابة المنزل عليه فإسناد الحكم إلى الكتاب أو للنبي مجاز والله هو ~~الحاكم في الحقيقة فيما اختلفوا فيه أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما ~~كانوا متفقين عليه وما اختلف فيه أي في الحق إلا الذين أوتوه أي أعطوا ~~الكتاب والمراد به التوراة والإنجيل والذين أوتوه اليهود والنصارى ~~واختلافهم هو تكفير بعضهم ms0262 بعضا بغيا وحسدا. وقيل اختلافهم هو تحريفهم ~~وتبديلهم. وقيل الكناية فيه راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى وما ~~اختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الدلالات على صحة نبوته صلى ~~الله عليه وسلم إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب بغيا منهم وحسدا من بعد ما ~~جاءتهم البينات أي الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بغيا بينهم أي إنهم لم يبق لهم عذر في العدول عنه وترك ما جاء وإنما تركوا ~~إتباعه بغيا وحسدا، وهو طلب الدنيا وطلب الرياسة فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه أي إلى ما اختلفوا فيه من الحق والمعنى فهدى الله الذين آمنوا ~~لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق وقيل هو من المقلوب والمعنى فهدى الله الذين ~~آمنوا للحق الذي اختلفوا فيه وكان اختلافهم الذي اختلفوا فيه الجمعة فهدى ~~الله تعالى هذه الأمة الإسلامية إليها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يقوم القيامة أوتوا الكتاب من ~~قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله فغدا ~~لليهود وبعد غد للنصارى» وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم ~~الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له» زاد النسائي: يعني يوم ~~الجمعة، ثم اتفقا فالناس لنا تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد (م) عن حذيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن يوم الجمعة من كان ~~قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ~~ليوم الجمعة فجعل الله الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ~~نحن الآخرون من أهل الدنيا الأولون يوم القيامة المقضي لهم يوم القيامة قبل ~~الخلائق. وقيل اختلفوا في شأن القبلة فصلت اليهود نحو المغرب إلى بيت ~~المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، وهدانا الله إلى الكعبة. وقيل اختلفوا في ms0263 ~~الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود كان ~~يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، فهدانا إلى الحق فقلنا: كان حنيفا ~~مسلما. واختلفوا في عيسى ابن مريم فاليهود فرطوا فيه والنصارى أفرطوا فيه، ~~فهدانا الله في ذلك كله للحق. والمعنى فهدى الله الذين آمنوا إلى الحق الذي ~~اختلف فيه من اختلف بإذنه يعني بعلمه وأمره وإرادته والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. ### || [سورة البقرة (2): آية 214] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) # قوله عز وجل: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة نزلت في غزوة الأحزاب وهي غزوة ~~الخندق، وذلك أن المسلمين أصابهم ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد ~~وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ. وقيل: نزلت في غزوة أحد. وقيل: لما دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة في أول الهجرة اشتد عليهم ~~الضر لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا أموالهم وديارهم بأيدي المشركين، وآثروا ~~رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآثر قوم النفاق فأنزل الله هذه الآية تطييبا لقلوبهم. ومعنى الآية: أحسبتم ~~والميم صلة. وقيل: # هل حسبتم والمعنى أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان ~~ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان # PageV01P143 # قبلكم من إتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والابتلاء والاختبار ~~وهو قوله: ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم أي شبه الذين مضوا قبلكم من ~~النبيين وأتباعهم من المؤمنين ومثل محنتهم مستهم البأساء أي أصابهم الفقر ~~والشدة والمسكنة وهو اسم من البؤس والضراء يعني المرض والزمانة وضروب الخوف ~~وزلزلوا أي وحركوا بأنواع البلايا والرزايا وأصل الزلزلة الحركة وذلك لأن ~~الخائف لا يستقر بل لا يزال يضطرب ويتحرك لقلقه حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر وأضبط للنفس ~~عند نزول البلاء وكذا أتباعهم من المؤمنين. والمعنى ms0264 أنه بلغ بهم الجهد ~~والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر وذلك هو الغاية القصوى في الشدة فلما بلغ ~~بهم الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطئوا النصر قيل لهم ألا إن نصر ~~الله قريب إجابة لهم في طلبهم. والمعنى: هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول ~~البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله فكونوا يا معشر المؤمنين ~~كذلك وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق فإن نصر الله قريب (خ) عن ~~خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة ~~له في ظل الكعبة فقلنا ألا تنتصر لنا ألا تدعو لنا فقال: «قد كان من قبلكم ~~يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ~~فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ~~والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف ~~إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون». # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 215 الى 216] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # قوله عز وجل: يسئلونك ماذا ينفقون نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا ~~كبيرا ذا مال، فقال يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل الله ~~تعالى يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير أي مال والمعنى: وما تفعلوا ~~من إنفاق شيء من المال قل أو كثر فللوالدين وإنما قدم الإنفاق على الوالدين ~~لوجوب حقهما على الولد لأنهما كانا السبب في إخراجه من العدم إلى الوجود ~~والأقربين وإنما ذكر بعد الوالدين الأقربين لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم ~~بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من غيرهم واليتامى وإنما ذكر بعد ~~الأقربين اليتامى لصغرهم، ms0265 ولأنهم لا يقدرون على الاكتساب، ولا لهم أحد ينفق ~~عليهم والمساكين وإنما أخرهم لأن حاجتهم أقل من حاجة غيرهم وابن السبيل ~~يعني المسافر فإنه بسبب انقطاعه عن بلده قد يقع في الحاجة والفقر فانظر إلى ~~هذا الترتيب الحسن العجيب في كيفية الإنفاق. ثم لما فصل الله هذا التفصيل ~~الحسن الكامل أتبعه بالإجمال فقال تعالى: وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم وما تفعلوا من خير مع هؤلاء أو غيرهم طلبا لوجه الله تعالى ورضوانه ~~فإن الله به عليم فيجازيكم عليه وذكر علماء التفسير أن هذه الآية منسوخة ~~قال ابن مسعود نسختها آية الزكاة وقال الحسن إنها محكمة ووجه إحكامها أن ~~الله ذكر فيها من تجب النفقة عليه مع فقره وهما الوالدان. وقال ابن زيد: ~~هذا في النفل، وهو ظاهر الآية فمن أحب التقرب إلى الله تعالى بالإنفاق ~~فالأولى به أن ينفق في الوجوه المذكورة في الآية، فيقدم الأول فالأول. (بقي ~~في الآية سؤال: # وهو أنه كيف طابق السؤال الجواب وهو أنهم سألوا عن بيان ما ينفق فأجيبوا ~~ببيان المصرف، وأجيب عن هذا السؤال بأنه قد تضمن قوله: ما أنفقتم من خير ~~بيان ما ينفقونه وهو المال ثم ضم إلى جواب السؤال ما يكمل به المقصود، وهو ~~بيان المصرف لأن النفقة لا تعد نفقة إلا أن تقع موقعها قال الشاعر: # إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع # PageV01P144 # قوله عز وجل: كتب عليكم القتال أي فرض عليكم الجهاد. واختلف العلماء في ~~حكم الآية فقال عطاء الجهاد تطوع والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دون غيرهم وإليه ذهب الثوري وحكى عن الأوزاعي نحوه، وحجة ~~هذا القول أن قوله كتب يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة وحجة من ~~أوجبه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوله عليكم يقتضى تخصيص ~~هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، وقيل: بل الآية على ظاهرها والجهاد ~~فرض على كل مسلم ويدل على ذلك ما روي عن أبي ms0266 هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا» أخرجه ~~أبو داود بزيادة فيه (ق) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم ~~فانفروا» وقيل: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن ~~الباقين وهذا القول: هو المختار الذي عليه جمهور العلماء. قال الزهري كتب ~~الله القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فيها ونعمت ومن قعد ~~عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغنى عنه قعد قال الله تعالى: ~~فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~الحسنى ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يعده بالحسنى، واختلف علماء الناسخ ~~والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها أنها محكمة ناسخة للعفو عن ~~المشركين. القول الثاني: إنها منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة ثم ~~نسخ بقوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة القول الثالث: إنها ناسخة ~~من وجه ومنسوخة من وجه فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع ~~منه، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة. وقوله تعالى: وهو كره لكم أي ~~القتال شاق عليكم وهذا الكره إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال، لما ~~فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح والخوف لا أنهم كرهوا أمر الله ~~قيل: نسخ هذا الكره بقوله تعالى إخبارا عنهم: «وقالوا سمعنا وأطعنا» وقيل: ~~إنما كان كراهتهم القتال قبل أن يفرض عليهم لما فيه من الخوف والشدة وكثرة ~~الأعداء فبين الله تعالى أن الذين تكرهون من القتال هو خير لكم من تركه ~~لئلا يكرهونه بعد أن فرض عليهم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم لفظة عسى ~~توهم الشك مثل لعل، وهي من الله يقين. # وقيل: إنها كلمة مطمعة فهي لا تدل على حصول الشك للقائل وتدل على حصول ~~الشك للمستمع، والمعنى أن الغزو فيه إحدى الحسنيين ms0267 إما الظفر والغنيمة وإما ~~الشهادة والجنة وقيل: ربما كان الشيء شاقا في الحال وهو سبب المنافع ~~الجليلة في المستقبل، ومثله شرب الدواء المر فإنه ينفر عنه الطبع في الحال ~~ويكرهه لكن يتحمل هذه الكراهة والمشقة لتوقع حصول الصحة في المستقبل وعسى ~~أن تحبوا شيئا يعني القعود عن الغزو وهو شر لكم يعني لما فيه من فوت ~~الغنيمة والأجر وطمع العدو فيكم، لأنه إذا علم ميلكم إلى الراحة والدعة ~~والسكون قصد بلادكم وحاول قتالكم وإذا علم أن فيكم شهامة وجلادة على القتال ~~كف عنكم والله يعلم يعني ما في الجهاد من الغنيمة والأجر والخير وأنتم لا ~~تعلمون يعني ذلك والمعنى أن العبد إذا علم قصور علمه وكمال علم الله ثم إن ~~الله تعالى أمره بأمر كان ذلك الأمر فيه مصلحة عظيمة فيجب على العبد امتثال ~~أمر الله تعالى وإن كان يشق على النفس في الحال. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 217 الى 218] # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218) # PageV01P145 # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه سبب نزول هذه الآية. أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمته في سرية في جمادى الآخرة ~~قبل قتال بدر بشهرين وأمره على السرية وكتب له كتابا، وقال: سر على اسم ~~الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت فافتح الكتاب فاقرأه ~~على أصحابك ثم امض لما أمرتك به، ولا تستكرهن أحدا منهم على السير معك فسار ~~عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ms0268 أما ~~بعد فسر على بركة الله تعالى، بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فارصد ~~بها عيرا لقريش لعلك تأتينا منها بخير. فقال: سمعا وطاعة ثم قال لأصحابه ~~ذلك وقال إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن ~~كان يكره فليرجع، ثم مضى ومضى أصحابه معه وكانوا ثمانية رهط، ولم يتخلف عنه ~~أحد منهم حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز، يقال له نجران أضل ~~سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه، ~~ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزل في بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم ~~كذلك إذ مرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة الطائف وفي ~~العير عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ~~ونوفل بن عبد الله بن المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا ~~منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فإذا رأوه محلوقا أمنوا، فحلقوا ~~رأس عكاشة بن محصن، ثم أشرف عليهم فلما رأوه آمنوا وقالوا: قوم عمار فلا ~~بأس علينا وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من رجب ~~فتشاور القوم فيهم، وقالوا: متى تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن ~~منكم فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن ~~الحضرمي بسهم، فقتله فكان أول قتيل من المشركين وأسر الحكم بن كيسان وعثمان ~~وكانا أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم واستاق المسلمون العير ~~والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: قد ~~استحل محمد الشهر الحرام وسفك الدماء وأخذ الحرائب يعني المال، وعير بذلك ~~أهل مكة من كان بها من المسلمين. وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر ~~الحرام، وقاتلتم فيه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعبد الله ~~بن ms0269 جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير والأسيرين ~~وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك وعنف المسلمون أصحاب السرية فيما صنعوا، وقالوا ~~لم صنعتم ما لم تؤمروا به، فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أنهم قد هلكوا ~~وسقط في أيديهم وقالوا يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا ~~فنظرنا هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك ~~فأنزل الله هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها ~~الخمس، وكان أول خمس في الإسلام وأول غنيمة قسمت فقسم الباقي على أصحاب ~~السرية وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم. فقال بل نبقيهما حتى يقدم سعد وعقبة، ~~وإن لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فاداهما فأما الحكم بن كيسان فأسلم ~~وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا ~~وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا. وأما نوفل فضرب بطن ~~فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا، وقتله ~~الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية وأما تفسير الآية فقوله تعالى: يسئلونك ~~يعني يا محمد عن الشهر الحرام يعني رجبا وسمي بذلك لتحريم القتال فيه وفي ~~السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما أنهم المسلمون سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أخطئوا أم أصابوا وقيل: إن المسلمين كانوا ~~يعلمون أن القتال في الحرم وفي الشهر الحرام لا يحل فلما كتب عليهم القتال ~~سألوا # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه ~~الآية: والقول الثاني أن السائلين هم المشركون وإنما سألوه على وجه العيب ~~على المسلمين فنزلت هذه الآية يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل أي قل ~~لهم يا محمد قتال فيه كبير أي عظيم مستكبر واختلف العلماء في حكم هذه الآية ~~على قولين أحدهما أنها ms0270 محكمة وأنه لا يجوز الغزو في # PageV01P146 # الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه فيقاتلوا على سبيل الدفع. روي عن عطاء ~~أنه كان يحلف بالله ما يحل للناس، أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن ~~يقاتلوا فيه وما نسخت. والقول الثاني الذي عليه جمهور العلماء وهو الصحيح ~~أنها منسوخة. قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. القتال جائز في الشهر ~~الحرام وهذه الآية منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وبقوله: وقاتلوا المشركين كافة يعني في ~~الأشهر الحرم وغيرها وصد عن سبيل الله هذا ابتداء كلام والمعنى وصدكم ~~المسلمين عن الحج أو وصدكم عن الإسلام من يريده وكفر به أي بالله والمسجد ~~الحرام أي وصدكم عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه يعني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين حين آذوهم حتى هاجروا وتركوا مكة، وإنما جعلهم الله ~~أهله لأنهم كانوا هم القائمين بحقوق المسجد الحرام دون المشركين أكبر عند ~~الله أي أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام والفتنة أي الشرك ~~الذي أنتم عليه أكبر من القتل يعني قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام فلما ~~نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس وقيل: عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة ~~إن عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وبإخراج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة والمسلمين، ومنعهم إياهم من البيت ولا ~~يزالون يعني مشركي مكة يقاتلونكم يعني يا معشر المؤمنين حتى يردوكم عن ~~دينكم يعني إلى دينهم وهو الكفر إن استطاعوا يعنى إن قدروا على ذلك وفيه ~~استبعاد لاستطاعتهم فهو كقول الرجل لعدوه إن ظفرت بي فلا تبق علي وهو واثق ~~أنه لا يظفر به ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر يعني ومن يطاوعهم ~~منكم فيرجع إلى دينهم فيمت على ردته قبل أن يتوب فأولئك حبطت أعمالهم أي ~~بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة وهو أن المرتد يقتل وتبين زوجته منه، ولا ~~يستحق الميراث من أقاربه المؤمنين ولا ينصر إن استنصر ولا يمدح ولا ms0271 يثنى ~~عليه ويكون ماله فيئا للمسلمين هذا في الدنيا، ولا يستحق الثواب على أعماله ~~ويحبط أجرها في الآخرة وظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما تتفرع عليه ~~الأحكام إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه ~~شيء من أحكام الردة وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت ~~المرتد على ردته. وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم وأولئك ~~أصحاب النار يعني الذين ماتوا على الردة والكفر هم أصحاب النار هم فيها ~~خالدون أي لا يخرجون منها أبدا إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه وذلك أن أصحاب السرية قالوا: يا ~~رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا ونطمع أن يكون لنا غزو. فأنزل الله هذه ~~الآية، وعن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ~~وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم ~~وزرا فليس لهم فيه أجر فأنزل الله هذه الآية إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~أي فارقوا مساكنهم وعشائرهم وأموالهم وفارقوا مساكنة المشركين في أمصارهم، ~~ومجاورتهم في ديارهم فتحولوا عن المشركين وعن بلادهم إلى غيرها، وجاهدوا ~~يعني المشركين في سبيل الله أي في طاعة الله فجعل الله لأصحاب هذه السرية ~~جهادا أولئك يرجون رحمت الله أي يطمعون في نيل رحمة الله أخبر أنهم على ~~رجاء الرحمة. وقيل: المراد من الرجاء هنا القطع في أصل الثواب وإنما دخل ~~الظن في كميته ووقته. قال قتادة: أثنى الله تعالى على أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم أحسن الثناء فقال: «إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله» هؤلاء هم خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله ~~أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب والله غفور أي لذنوب ~~عباده رحيم بهم والمعنى أنه تعالى غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم ~~يعلموا به ms0272 قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 219] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) # PageV01P147 # يسئلونك عن الخمر والميسر الآية نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ~~وجماعة من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ~~أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فأنزل الله هذه ~~الآية: # وأصل الخمر في اللغة الستر والتغطية وسميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل ~~أي تخالطه. وقيل: لأنها تستره وتغطيه وجملة القول في تحريم الخمر أن الله ~~عز وجل أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~تتخذون منه سكرا فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام، وهي لهم حلال ثم ~~نزل بالمدينة في جواب سؤال عمر ومعاذ: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير فتركها قوم لقوله، إثم كبير وشربها قوم لقوله ومنافع للناس ثم إن ~~عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، ودعا إليه ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأطعمهم وسقاهم الخمر وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم ~~فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف حرف لا إلى آخر السورة ~~فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون فحرم الله السكر في أوقات الصلوات فكان الرجل يشربها بعد ~~صلاة العشاء، فيصبح وقد زال سكره فيصلي الصبح، ويشربها بعد صلاة الصبح، ~~فيصحو وقت الظهر ثم إن عتبان بن مالك اتخذ صنيعا يعني وليمة ودعا رجالا من ~~المسلمين، وفيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا وشربوا ~~الخمر حتى أخذت منهم فافتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد ~~سعد قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير ~~فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشكا ms0273 إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ويروى ~~أن حمزة بن عبد المطلب، شرب الخمر يوما وخرج فلقي رجلا من الأنصار وبيده ~~ناضح له والأنصاري يتمثل ببيتين لكعب بن مالك يمدح قومه وهما: # جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة ... فلم ير حي مثلنا في المعاشر # فأحياؤنا من خير أحياء من مضى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر # فقال حمزة: أولئك المهاجرون وقال الأنصاري، بل نحن الأنصار فتنازعا فجرد ~~حمزة سيفه وعدا على الأنصاري فهرب الأنصاري وترك ناضحه فقطعه حمزة فجاء ~~الأنصاري مستعديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعل حمزة فغرم ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناضحا فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا فأنزل الله تعالى الآية التي في المائدة إلى قوله فهل أنتم ~~منتهون فقال عمر: انتهينا يا رب، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام والحكمة في ~~وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا ~~شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة ~~لشق ذلك عليهم فلا جرم استعمل هذا التدريج وهذا الرفق. قال أنس: # حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيء أشد من ~~الخمر (ق) عن أنس قال: # ما كان لنا خمر غير فضيخكم وإني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب وفلانا ~~وفلانا إذ جاء رجل، فقال: حرمت الخمر فقالوا: أهرق هذه القلال يا أنس فما ~~سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر هذا الرجل. الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين ~~شراب يتخذ من بسر مطبوخ والمفضوخ المشدوخ والمكسور والإهراق الصب والقلال ~~جمع قلة وهي الجرة الكبيرة. # (فصل: في تحريم الخمر ووعيد من شربها) أجمعت الأمة على تحريم الخمر، وأنه ~~يحد شاربها ويفسق بذلك مع اعتقاد تحريمها فإن استحل كفر بذلك ويجب قتله (ق) ~~عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر ~~حرام ومن شرب الخمر في ms0274 الدنيا، ومات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في ~~الآخرة» لفظ مسلم (م) عن جابر: «أن رجلا قدم من # PageV01P148 # جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه ~~بأرضهم من الذرة يقال له: المزر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ~~مسكر هو؟ قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام وإن ~~على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: وما طينة ~~الخبال يا رسول الله. قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» وعن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب ~~مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان ~~حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله ~~قال: صديد أهل النار» أخرجه أبو داود. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل ~~منه صلاة سبعا وإن مات فيها مات كافرا فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض. ~~وفي رواية عن القرآن لم تقبل صلاته أربعين يوما وإن مات فيها مات كافرا» ~~أخرجه النسائي. # عن عثمان بن عفان قال: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث فإنه والله لا ~~يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا يوشك أن يخرج أحدهما صاحبه أخرجه النسائي ~~موقوفا عليه وفيه قصة عن أنس قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه ~~وبائعها ومبتاعها وواهبها وآكل ثمنها أخرجه الترمذي. # (فصل: في أحكام تتعلق بالخمر) وفيه مسائل: الأولى في ماهيتها: قال ~~الشافعي: الخمرة عبارة عن عصير العنب النيء الشديد الذي قذف بالزبد وكذلك ~~نقيع الزبيب والتمر المتخذ من العسل والحنطة والشعير والأرز والذرة، وكل ما ~~أسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة: الخمر من العنب والرطب ونقيع التمر ms0275 والزبيب ~~فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه حل شربه والمسكر منه حرام واحتج على ذلك بما روي عن ~~عمر بن الخطاب أنه كتب إلى بعض عماله أن ارزق المسلمين من الطلاء، ما ذهب ~~ثلثاه وبقي ثلثه وفي رواية: أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب ~~الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد أخرجه النسائي. الطلاء بكسر الطاء والمد ~~الشراب المطبوخ من عصير العنب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، واحتج أيضا بما ~~روي عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب ~~أخرجه النسائي. واستدل أيضا على أن السكر حرام لما روي عن أبي الأحوص عن ~~القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «اشربوا ولا تسكروا» وعن عائشة نحوه أخرجه النسائي. وقال هذا حديث غير ~~ثابت، واستدل الشافعي على أن الخمر في عدة أشياء بما روي عن ابن عمر أن عمر ~~قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس أنه نزل ~~تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما ~~خامر العقل ثلاث، وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن ~~عهدا ننتهي إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا أخرجه البخاري ومسلم ~~(ق) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع فقال كل شراب ~~أسكر فهو حرام. البتع شراب يتخذ من العسل كان أهل اليمن يشربونه. عن ~~النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من العنب خمرا ~~وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا وإن من التمر خمرا» أخرجه أبو داود. ~~وزاد في رواية والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر وللترمذي نحوه وزاد وإن من ~~العسل خمرا (خ) عن ابن عباس أنه سئل عن الباذق فقال: سبق حكم محمد في ~~الباذق، فما أسكر فهو حرام عليك والشراب الحلال الطيب ليس بعد الحلال الطيب ~~ليس بعد الحلال ms0276 الطيب إلا الحرام الخبيث قال صاحب المطالع: الباذق بفتح ~~الذال المعجمة هو الطلاء المطبوخ من عصير العنب كان أول من صنعه وسماه بنو ~~أمية لينقلوه عن اسم الخمر، وكل ما أسكر فهو خمر لأن الاسم لا ينقله عن ~~معناه الموجود فيه. وقال ابن الأثير في النهاية الباذق الخمر تعريب باذه ~~وهو اسم للخمر بالفارسية أي لم يكن في زمانه أو سبق. قوله: فيها وفي غيرها ~~من جنسها. وقيل معناه سبق حكم محمد صلى الله عليه وسلم إن ما أسكر فهو ~~حرام. عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ~~أخرجه أبو داود: والمفتر كل شراب أحمى الجسد وصار # PageV01P149 # فيه فتور وضعف وانكسار واستدل الشافعي على ما أسكر كثيره فقليله حرام، ~~مما روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~أسكر كثيره فقليله حرام» أخرجه الترمذي وأبو داود. عن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # «كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» أخرجه أبو داود ~~والنسائي. وفي رواية له «والحسوة منه حرام» الفرق بالتحريك مكيال يسع تسعة ~~عشر رطلا بالبغدادي، وأجيب عن حديث عمر في الطلاء بأنه معارض بما روي عن ~~السائب يزيد أن عمر قال: وجدت من فلان ريح شراب وزعم أنه شرب الطلاق وأنا ~~سائل عنه فإن كان يسكر جلدته فسأل عنه فقيل له: إنه يسكر فجلده عمر الحد ~~تاما أخرجه مالك في الموطأ. وأما حديث ابن عباس، فموقوف عليه ومعارض بما ~~روي عنه في الباذق، وقوله: والسكر من كل شراب قد رواه الحفاظ السكر بفتح ~~السين. قال صاحب الغريبين: السكر خمر الأعاجم، ويقال لما يسكر السكر وروى ~~هذا الحديث ابن حنبل وقال فيه: والمسكر من كل شراب، وقال موسى بن هارون: ~~وهو الصواب، وأما حديث أبي الأحوص ففيه وهمان: أحدهما في سنده حيث قال: عن ~~أبي بردة، وإنما يرويه سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه ms0277 والوهم الثاني ~~في متنه حيث قال: اشربوا ولا تسكروا، وإنما يرويه الناس ولا تشربوا مسكرا، ~~ويدل على صحة هذا ما روى مسلم في صحيحه عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن الأشربة في ~~ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا» وقال النسائي: في ~~حديث أبي الأحوص هذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم لا يعلم أن ~~أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك، وأما حديث عائشة فيه فهو غير ثابت كما تقدم ~~في قول النسائي. # المسألة الثانية: في الحكم بنجاسة الخمر. الخمر وما يلحق بها نجسة العين ~~ويدل على نجاستها قوله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه والرجس في اللغة النجس والشيء المستقذر وقوله تعالى: ~~فاجتنبوه فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين ويدل على نجاستها أيضا أنها ~~محرمة التناول لا للاحترام، ولأن الناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم ~~بنجاستها تأكيدا للزجر عنها. # المسألة الثالثة: في تحريم بيعها والانتفاع بها. أجمعت الأمة على تحريم ~~بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام فتح مكة: «إن الله تعالى حرم ~~بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والأصنام» أخرجاه في الصحيحين مع ~~زيادة اللفظ (ق). عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«حرمت التجارة في الخمر» (ق) عن ابن عباس قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا ~~باع خمرا فقال قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» عن المغيرة بن ~~شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من باع الخمر فليشقص ~~الخنازير» أخرجه أبو داود. # وقوله فليشقص الخنازير أي فليقطعها قطعا قطعا كما تقطع الشاة للبيع ~~والمعنى من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنازير فإنهما في ms0278 التحريم سواء. ~~عن أبي طلحة قال يا نبي الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري. فقال: # أهرق الخمر واكسر الدنان أخرجه الترمذي. وقال وقد روي عن أنس إن أبا طلحة ~~كان عنده خمر لأيتام وهو أصح. فإن قلت فما وجه قوله تعالى: ومنافع للناس ~~قلت: منافعها اللذة التي توجد عند شربها والفرح والطرب معها وما كانوا ~~يصيبون من الربح في ثمنها، وذلك قبل التحريم فلما حرمت الخمر حرم ذلك كله. # (فصل) وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال بسهولة من ~~غير تعب، وكذا قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله ~~وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله هذه الآية. # وأصل الميسر أن أهل الثروة من العرب في الجاهلية كانوا يشترون جزورا ~~فينحرونها ويجزئونها ثمانية وعشرين # PageV01P150 # جزءا، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها: الأزلام والأقلام وأسماؤها ~~الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح ~~والوغد وكانوا يسهمون لسبعة منها أنصباء فللفذ سهما وللتوأم سهمين وللرقيب ~~ثلاثة أسهم وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة وثلاثة من ~~القداح لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد قال بعضهم: # فلي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح # إنما سهمي وغد ... ومنيح وسفيح # ثم يجمعون القداح في خريطة يسمونها الريابة، ويضعونها على يد رجل عدل ~~عندهم يسمونه المحيل والمفيض فيحيلها في الخريطة، ويخرج منها قدحا باسم رجل ~~منهم فأيهم خرج اسمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج من القداح، وإن خرج له قدح ~~من الثلاثة التي لا أنصباء لها لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله وقيل: لا ~~يأخذ ولا يغرم ويسمون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا ~~يأكلون منه شيئا وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لا يفعله ويسمونه البرم ~~يعني البخيل الذي لا يخرج شيئا بين الأصحاب لبخله. وأما حكم الآية فالمراد ~~به جميع أنواع القمار. فكل شيء فيه قمار فهو من الميسر روي عن ابن سيرين ~~ومجاهد وعطاء ms0279 كل شيء فيه خطر يعني الرهن فهو من الميسر حتى لعب الصبيان ~~بالجوز والكعاب وأما النرد فيحرم اللعب به سواء كان بخطر أم لا يدل على ~~تحريمه ما روي عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لعب ~~بالنرد شير فكأنما صبغ يده في دم خنزير. أخرجه مسلم. وعن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ~~ورسوله» أخرجه أبو داود. وعن علي بن أبي طالب قال النرد والشطرنج من ~~الميسر. واختلفوا في الشطرنج فمذهب أبي حنيفة أنه يحرم اللعب به سواء كان ~~برهن أو بغير رهن، ومذهب الشافعي أنه مباح بشروط ذكرها الشافعي فقال: إذا ~~خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان ويروى عن الهذيان والصلاة عن ~~النسيان لم يكن حراما، وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع مال، ~~وأخذ مال وهذا ليس كذلك وقوله تعالى: قل فيهما يعني في الخمر والميسر إثم ~~كبير أي وزر عظيم وقيل: إن الخمر عدو للعقل فإذا غلبت على عقل الإنسان ~~ارتكب كل قبيح ففي ذلك آثام كبيرة منها إقدامه على شرب المحرم ومنها فعل ما ~~لا يحل فعله. وأما الإثم الكبير في الميسر فهو أكل المال الحرام بالباطل ~~وما يجري بينهما من الشتم والمخاصمة والمعاداة وكل ذلك فيه آثام كثيرة ~~ومنافع للناس يعني أنهم كانوا يربحون في بيع الخمر قبل تحريمها. وأما منافع ~~الميسر فهو أخذ مال بغير كد ولا تعب. قيل ربما أن الواحد منهم كان يقمر في ~~المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له المال الكثير، وربما كان يصرفه إلى ~~المحتاجين فيكسب بذلك الثناء والمدح، وهو المنفعة وإثمهما أكبر من نفعهما ~~يعني إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، وقيل: إثمهما قوله ~~تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون فهذه ذنوب يترتب عليها آثام ~~كبيرة بسبب الخمر والميسر. قوله تعالى: ويسئلونك ms0280 ماذا ينفقون وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حضهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق فقال الله ~~تعالى: قل العفو يعني الفضل والعفو ما فضل عن قدر الحاجة. # فكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة. ويتصدقون بالفاضل بحكم ~~هذه الآية ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وقيل: هو التصدق عن ظهر غنى (ق) عن ~~الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الصدقة ما كان عن ظهر ~~غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» وقيل: هو الوسط في ~~الإنفاق من غير إسراف ولا إقتار وقيل: هو في صدقة التطوع إذ لو كان المراد ~~بهذا الإنفاق الواجب لبين الله قدره فلما لم يبينه دل ذلك على أن المراد به ~~صدقة التطوع كذلك يبين الله لكم الآيات أي يبين لكم الأمور التي سألتم عنها ~~من وجوه الإنفاق ومصارفه لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. يعني فتأخذون ما ~~يصلحكم في الدنيا وتنفقون الباقي فينفعكم # PageV01P151 # في الآخرة. وقيل: لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا فتزهدوا فيها وفي إقبال ~~الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 220] # في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) # ويسئلونك عن اليتامى قال ابن عباس لما نزلت: إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما تخرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى عزلوا ~~أموالهم عن أموالهم وتركوا مخالطتهم، وربما كان يصنع لليتيم الطعام فيفضل ~~منه فيتركونه ولا يأكلونه، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير أي إصلاح ~~أموال اليتامى من غير أخذ أجرة، ولا عوض خير لكم أي أعظم أجرا. وقيل: هو أن ~~يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم وإن تخالطوهم يعني ~~في الطعام والخدمة والسكنى وهذا فيه إباحة المخالطة أي شاركوهم في أموالهم ~~واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم ms0281 وخدمكم ودوابكم، فتصيبوا من أموالهم ~~عوضا من قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم فإخوانكم أي ~~فهم إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه ~~الإصلاح والرضا والله يعلم المفسد من المصلح يعني المفسد لمال اليتيم ~~والمصلح له، ويعلم الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وأكل مال اليتيم بغير حق ~~والذي يقصد الإصلاح. # ولو شاء الله لأعنتكم أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم وأصل العنت ~~الشدة والمشقة، والمعنى لكلفكم في كل شيء ما يشق عليكم إن الله عزيز حكيم ~~أي غالب يقدر أن يشق على عباده ويعنتهم ولكنه حكيم لا يكلف عباده إلا ما ~~تتسع فيه طاقتهم. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن نزلت في أبي مرثد بن أبي مرثد الغنوي واسم ~~أبي مرثد يسار بن حصين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج ~~منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق ~~وكانت خليلته في الجاهلية فأتته فقالت: ألا تخلو فقال ويحك يا عناق إن ~~الإسلام حال بيني وبين ذلك فقالت له: هل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم ولكن أرجع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره فقالت: أبي تتبرم واستعانت عليه ~~فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة، وانصرف إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان من أمره، وأمر عناق وما لقي بسببها ~~وقال يا رسول الله: أيحل لي أن أتزوجها فأنزل الله تعالى هذه الآية وأصل ~~النكاح في اللغة الوطء ثم كثر حتى قيل العقد نكاح. ومعنى الآية: ولا تنكحوا ~~أيها المؤمنون المشركات حتى يؤمن أي يصدقن بالله ورسوله وهو الإقرار ~~بالشهادتين ms0282 والتزام أحكام المسلمين واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقيل: ~~إنها تدل على أن كل مشركة يحرم نكاحها على كل مسلم من أي أجناس الشرك كانت ~~كالوثنية والمجوسية والنصرانية وغيرهن من أصناف المشركات، ثم استثنى الله ~~تعالى من ذلك نكاح الحرائر الكتابيات بقوله تعالى: والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم فأباح الله تعالى نكاحهن بهذه الآية قال ابن عباس في ~~قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ثم استثنى نساء أهل الكتاب فقال: ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وقيل: إن حكم الآية نزل في ~~مشركات العرب الوثنيات خاصة ولم ينسخ منها # PageV01P152 # شيء ولم يستثن وإنما حكمها عام مخصوص، قال قتادة: ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن يعني مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه. وبيان هذا في ~~مسألة وهي أن لفظ الشرك على من يطلق؟ فالأكثرون من العلماء وهو القول ~~الصحيح المختار أن لفظ الشرك يندرج فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~وكذلك عبدة الأصنام والمجوس وغيرهم. ويدل على أن اليهود والنصارى يطلق ~~عليهم اسم الشرك. # قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ثم قال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~فهذه الآية صريحة في شرك اليهود والنصارى وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن زعم أن الله تعالى واحد فهو مشرك وذلك أن من كفر بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم مع صحة نبوته، وظهور معجزاته فقد زعم أن ما أتى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، هو من عند غير الله فقد أشرك مع الله غيره فعلى هذا ~~القول أيضا يدخل فيه اليهود والنصارى لإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: إن اسم الشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان فقط والأول أصح لما ~~تقدم من الأدلة فعلى قول من قال: إن اسم الشرك لا يتناول إلا الوثنيات تكون ~~الآية محكمة ms0283 وعلى قول الأكثرين أن اسم الشرك يتناول الوثنيات والكتابيات ~~وغيرهن تكون الآية محكمة في حق الوثنيات منسوخة في حق الكتابيات وقوله ~~تعالى: ولأمة مؤمنة خير يعني أنفع وأصلح وأفضل من مشركة يعني حرة ولو ~~أعجبتكم يعني بجمالها ومالها ونسبها فالأمة المؤمنة خير وأفضل عند الله من ~~الحرة المشركة، نزلت في خنساء وليدة كانت لحذيفة بن اليمان فقال: يا خنساء ~~قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ثم أعتقها وتزوجها. وقيل: نزلت ~~في عبد الله بن رواحة كانت عنده أمة سوداء فغضب عليها يوما فلطمها، ثم فزع ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وما هي يا عبد الله قال: هي ~~تشهد أن الله لا إله إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء ~~وتصلي. فقال: هذه أمة مؤمنة. قال عبد الله: فو الذي بعثك بالحق لأعتقنها ~~ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا أتنكح أمة وعرضوا عليه ~~حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا هذا خطاب ~~لأولياء المرأة أي لا تزوجوا المسلمة من المشركين. حرم على المؤمنات أن ~~ينكحن مشركين من أي أصناف الشرك كان، وانعقد الإجماع على أنه لا يجوز ~~للمسلمة أن تتزوج ولعبد مؤمن خير من مشرك يعني حرا ولو أعجبكم بحسنه وماله ~~وجماله أولئك يدعون إلى النار يعني يدعون إلى الشرك الذي يؤدي إلى النار ~~والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة يعني أنه تعالى بين هذه الأحكام وأباح ~~بعضها، وحرم بعضها، فاعملوا بما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه فإن من ~~عمل بذلك استحق الجنة والمغفرة بإذنه أي بتسير الله وإرادته وتوفيقيه ويبين ~~آياته للناس أي يوضح أدلته وحججه في أوامره ونواهيه وأحكامه لعلهم يتذكرون ~~أي فيتعظون. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 222] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) # ويسئلونك عن المحيض (م) عن أنس أن اليهود كانوا ms0284 إذا حاضت المرأة فيهم لم ~~يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن ~~يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا ~~رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى ظننا أنه قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفنا أنه لم ~~يجد عليهما الوجد الغضب، وأصل الحيض السيلان والانفجار. يقال: حاض الوادي ~~إذا سال وفاض ماؤه قل هو أذى أي هو شيء قذر والأذى # PageV01P153 # في اللغة ما يكره من كل شيء فاعتزلوا النساء في المحيض أي فاجتنبوا ~~مجامعتهن ولا تقربوهن يعني بالوطء والمجامعة فهو كالتوكيد لقوله: فاعتزلوا ~~النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن يعني في الحيض والمعنى ولا تقربوهن ~~حتى يزول عنهن الدم، وقرئ يطهرن بتشديد الطاء ومعناه حتى يغتسلن فإذا تطهرن ~~أي اغتسلن من حيضهن فأتوهن من حيث أمركم الله قال ابن عباس: طئوهن في الفرج ~~ولا تعتدوا إلى غيره فإنه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهن إلى غير المأتي ~~وقيل: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله به وهو الطهر. وقيل: معناه وأتوهن ~~من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. # (فصل: في حكم هذه الآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: أجمع المسلمون على ~~تحريم الجماع في زمن الحيض، ومستحله كافر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل ~~على محمد» أخرجه الترمذي. # وقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ ms0285 ومن فعله وهو عالم ~~بالتحريم عزره الإمام وفي وجوب الكفارة قولان أحدهما أنه يستغفر الله ويتوب ~~إليه ولا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، والقول الثاني ~~أنه تجب عليه الكفارة، وهو القول القديم للشافعي وبه قال أحمد بن حنبل: لما ~~روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يقع على امرأته وهي ~~حائض، قال: يتصدق بنصف دينار وفي رواية. قال: إذا كان دما أحمر فدينار وإن ~~كان دما أصفر فنصف دينار أخرجه الترمذي. وقال: رفعه بعضهم عن ابن عباس ~~ووقفه بعضهم. # المسألة الثانية: أجمع العلماء على جواز الاستمتاع بالمرأة الحائض بما ~~فوق السرة ودون الركبة وجواز مضاجعتها وملامستها، ويدل على ذلك ما روي عن ~~عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا وأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضها، ثم يباشرها وأيكم يملك ~~إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وفي رواية قالت: كنت ~~اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكلانا جنب وكان ~~يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض أخرجاه في الصحيحين المراد بالمباشرة ~~الاستمتاع بما دون الفرج، وفور كل شيء أوله وابتناؤه وقولها يملك إربه يروى ~~بسكون الراء وهو العضو وبفتحها وهو الحاجة (م) عن عائشة قالت: # قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد قلت: أنا ~~حائض. قال إن حيضتك ليس في يدك. الخمرة حصير صغير مضفور من سعف النخل أو ~~غيره بقدر الكف وقولها: من المسجد يعني ناداها من المسجد لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان معتكفا في المسجد، وعائشة في حجرتها فطلب منها الخمرة وهي ~~حائض. # المسألة الثالثة: يحرم على الحائض الصلاة والصوم ودخول المسجد وقراءة ~~القرآن ومس المصحف وحمله، فلو أمنت الحائض من التلويث في عبور المسجد جاز ~~في أحد الوجهين قياسا على الجنب والثاني لا لأن حدثها أغلظ، ويجب على ~~الحائض قضاء الصوم دون الصلاة لما روي ms0286 عن معاذة العدوية، قالت: سألت عائشة ~~فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت: أحرورية أنت؟ قلت ~~لست بحرورية ولكني أسأل قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر ~~بقضاء الصلاة أخرجاه في الصحيحين. # المسألة الرابعة: لا يرتفع شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل، ~~أو تتيمم عند عدم الماء إلا الصوم، فإنه إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم ~~فإنه يصح، وإن اغتسلت في النهار وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز للزوج غشيانها ~~إذا انقطع الدم لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده قبل الغسل، ومذهب الشافعي ~~وغيره من العلماء أنه لا يجوز للزوج غشيانها ما لم تغتسل من الحيض أو تتيمم ~~عند عدم الماء لأن الله تعالى علق جواز وطء الحائض بشرطين: أحدهما انقطاع ~~الدم والثاني الغسل فقال: ولا تقربوهن حتى يطهرن يعني من الحيض فإذا تطهرن ~~يعني اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله فدل ذلك على أن الوطء لا يحل قبل ~~الغسل. وقوله # PageV01P154 # تعالى: إن الله يحب التوابين يعني من الذنوب، والتواب الذي كلما أذنب جدد ~~توبة، وقيل: التواب هو الذي لا يعود إلى الذنب ويحب المتطهرين يعني من ~~الأحداث وسائر النجاسات بالماء. وقيل: المتطهرين من الشرك وقيل: هم الذين ~~لم يصيبوا الذنوب. # ### || [سورة البقرة (2): آية 223] # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # قوله عز وجل: نساؤكم حرث لكم الآية (ق) عن جابر قال: كانت اليهود تقول: ~~إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم وفي رواية للترمذي كانت اليهود تقول: من أتى المرأة في قبلها من ~~دبرها وذكر الحديث وعن ابن عباس قال: جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما أهلكك قال: حولت رحلي الليلة قال: فلم ~~يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أقبل ms0287 وأدبر واتق الدبر والحيضة أخرجه الترمذي ~~وقال: # حديث حسن صحيح. قوله: حولت رحلي هو كناية عن الإتيان في غير المحل ~~المعتاد هذا ظاهره، ويجوز أن يريد به أنه أتاها في المحل المعتاد لكن من ~~جهة ظهرها، وعن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا ~~الحي من يهود وهم أهل كتاب فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا ~~يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على ~~حرف وذلك أشق ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من ~~فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون بهن ~~مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة ~~من الأنصار فذهب أن يصنع بها ذلك فأنكرته عليه. وقالت: إنا كنا نؤتي على ~~حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى سرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي ~~مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد، أخرجه أبو داود والوثن ~~الصنم. وقيل: الصورة لا جثة لها. وقوله: على حرف، الحرف الجانب وحرف كل شيء ~~جانبه وقوله: يشرحون النساء. يقال شرح فلان جاريته إذا وطئها على قفاها ~~وأصل الشرح البسط وقوله: سرى أمرهما أي ارتفع وعظم وتفاخم وأصله من سرى ~~البرق إذا لج في اللمعان. عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~في قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم في صمام واحد ويروى ~~سمام بالسين أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن وقوله تعالى: حرث لكم معناه مزرع ~~لكم ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه فجعل فرج المرأة كالأرض والنطفة ~~كالبذر والولد كالنبات الخارج فأتوا حرثكم أنى شئتم يعني كيف شئتم وحيث ~~شئتم، إذا كان في القبل والمعنى كيف شئتم مقبلة ومدبرة، على كل حال إذا كان ~~في الفرج وفي الآية دليل على تحريم إتيان النساء ms0288 في أدبارهن لأن محل الحرث ~~والزرع هو القبل لا الدبر، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» أخرجه أبو داود. ~~وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم لا ~~تعزلوا، وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فعطش وإن شئت فارو ويروى ~~عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية وبه قال أحمد: وكره ~~جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي وروى نافع قال كنت أمسك على ابن عمر ~~المصحف فقرأ هذه الآية: نساؤكم حرث لكم قال: تدري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت: ~~لا. قال: نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية ~~وروى عبد الله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبد الله بن عمر فقال له: يا عم ما ~~حديث يحدثه نافع عن عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن ~~فقال: كذب العبد وأخطأ إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، ~~ويحكى عن مالك إباحة ذلك وأنكره أصحابه، # PageV01P155 # وأجمع جمهور العلماء على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وقالوا: لأن ~~الله حرم الفرج في حال الحيض لأجل النجاسة العارضة وهو الدم فأولى أن يحرم ~~الدبر لأجل النجاسة اللازمة ولأن الله تعالى نص على ذكر الحرث والحرث به ~~يكون نبات الولد فلا يحل العدول عنه إلى غيره. وقوله تعالى: وقدموا لأنفسكم ~~يعني الولد وقيل: قدموا التسمية والدعاء عند الجماع (ق) عن ابن عباس قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم ~~الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ~~ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» وقيل: أراد به تقديم الإفراط (ق) عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت لأحد من المسلمين ~~ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا ms0289 تحلة القسم» قوله إلا تحلة القسم يعني قدر ~~ما يبر الله قسمه فيه وهو قوله تعالى: وإن منكم إلا واردها فإذا وردها ~~جاوزها فقد أبر الله قسمه، وقيل: قدموا لأنفسكم يعني من الخير والعمل ~~الصالح # بدليل سياق الآية واتقوا الله أي احذروا أن تأتوا شيئا مما نهاكم الله ~~عنه واعلموا أنكم ملاقوه أي صائرون إليه في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم وبشر ~~المؤمنين يعني بالكرامة من الله تعالى. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 224] # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم نزلت في عبد الله بن رواحة كان بينه وبين ~~ختنه بشير بن النعمان شيء، فحلف عبد الله لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح ~~بينه وبين خصم له فكان إذا قيل له: فيه يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا ~~يحل لي إلا أن تبر يميني فأنزل الله هذه الآية، وقيل: نزلت في أبي بكر ~~الصديق حين حلف ألا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك والعرضة ما يجعل ~~معرضا للشيء، وقيل: العرضة الشدة والقوة وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء، فهو ~~عرضة، والمعنى: ولا تجعلوا الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى ~~يدعى أحدكم إلى بر وصلة رحم فيقول قد حلفت بالله لا أفعله فيعتل بيمينه في ~~ترك البر والإصلاح أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس قبل معناه لا تحلفوا ~~بالله أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. (م) عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأتها وليكفر عن يمينه» وقيل: معناه لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم ~~بارين متقين مصلحين فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة عليه والله سميع ~~أي لحلفكم عليم يعني بنياتكم. قوله عز وجل: لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم اللغو كل ساقط مطرح من الكلام، وما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا ~~عن ms0290 روية وفكر. واللغو في اليمين هو الذي لا عقد معه كقول القائل: لا والله ~~بلى والله على سبق اللسان من غير قصد ونية وبه قال الشافعي: ويعضده ما روي ~~عن عائشة قالت نزل قوله تعالى: ### || [سورة البقرة (2): آية 225] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل: لا والله وبلى والله ~~أخرجه الترمذي. موقوفا ورفعه أبو داود قال: قالت عائشة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «هو قول الرجل في يمينه كلا والله وبلى والله» ورواه عنها ~~أيضا موقوفا، وقيل: في معنى اللغو هو أن يحلف الرجل على شيء يرى أنه صادق ~~ثم يتبين له خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة: ولا كفارة فيه ولا إثم عليه ~~عنده، قال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على ~~الشيء يتيقن أنه كذا ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه. قال: والذي يحلف على ~~الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضى به أحدا ويعتذر المخلوق أو يقطع به ~~مالا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل ~~الشيء المباح له فعله، ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل أن يحلف لا ~~يبيع ثوبه بعشرة دراهم، ثم يبيعه بذلك أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، ~~وفائدة الخلاف الذي بين الشافعي وأبي # PageV01P156 # حنيفة في لغو اليمين أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل، لا والله ~~وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ~~وأبو حنيفة يحكم بضد ذلك، ومذهب الشافعي هو قول: عائشة والشعبي وعكرمة ~~ومذهب أبي حنيفة هو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن ~~يسار وقتادة ومكحول. وقيل: في معنى اللغو إنه اليمين في الغضب وقيل: هو ما ~~يقع سهوا من غير قصد البتة ومعنى لا يؤاخذكم أي لا يعاتبكم الله ms0291 بلغو ~~اليمين. وقيل: لا يؤاخذكم أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم يعني لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه وقصدتم له، وكسب القلب هو ~~العقد والنية. # (فصل في بيان حكم الآية: وفيه مسائل) المسألة الأولى: لا تنعقد اليمين ~~إلا بالله وبأسمائه وصفاته، فأما اليمين بالله فهو كقول الرجل: والذي نفسي ~~بيده والذي أعبده، ونحو ذلك، والحلف بأسمائه كقوله والله والرحمن والرحيم ~~والمهيمن ونحو ذلك والحلف بصفاته كقوله وعزة الله، وقدرته وعظمته ونحوه، ~~فإذا حلف بشيء من ذلك ثم حنث فعليه الكفارة. # المسألة الثانية: لا يجوز الحلف بغير الله كقوله: والكعبة والنبي وأبي ~~ونحو ذلك، فإذا حلف بشيء من ذلك لا تنعقد يمينه ولا كفارة عليه، ويكره ~~الحلف به لما روى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو ~~يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» أخرجاه في ~~الصحيحين. # المسألة الثالثة: إذا حلف على أمر في المستقبل، فحنث فعليه الكفارة وإن ~~كان على أمر ماض ولم يكن، أو على أنه لم يكن فكان فإن كان عالما به حال ~~حلفه بأن يقول: والله ما فعلت وقد فعل أو لقد فعلت وما فهل فهذه اليمين ~~الغموس، وهي من الكبائر سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم وتجب فيها ~~الكفارة عند الشافعي سواء كان عالما أو جاهلا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ~~كفارة عليه، فإن كان عالما فهي كبيرة، وإن كان جاهلا فهي من لغو اليمين ~~والله غفور يعني لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا يؤاخذكم ~~عليها، ولو شاء آخذهم وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل ~~حليم يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة، قال الحليمي في معنى ~~الحليم: إنه الذي لا يحبس إنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنه يرزق ~~العاصي كما يرزق المطيع ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما ms0292 يبقى البر المتقي ~~وقد يقيه الآفات والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه كما يقيها ~~الناسك الذي يدعوه ويسأله، وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ذو الصفح ~~والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق ~~الصافح مع العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام ~~المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 226] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) # للذين يؤلون من نسائهم يؤلون أي يحلفون والألية اليمين قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت # والإيلاء في عرف الشرع، هو اليمين على ترك الوطء كما إذا قال: والله لا ~~أجامعك أو لا أباضعك أو لا أقربك قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب ~~الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه حلف لا يقربها السنة والسنتين والثلاث ~~فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله ذلك للمسلمين ~~أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية، وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل ~~الجاهلية فكان الرجل يريد امرأته، ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا ~~يقربها أبدا فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام ~~فجعل الله # PageV01P157 # تعالى له الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل ~~هذه الآية للذين يؤلون من نسائهم تربص أي انتظار أربعة أشهر والتربص التثبت ~~والانتظار. # فإن فاؤ أي رجعوا عن اليمين بالوطء، والمعنى فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ~~ترك جماعها فإن الله غفور رحيم للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته فإنه غفور ~~رحيم لكل التائبين. # (فروع) تتعلق بحكم الآية: # (الفرع الأول): إذا حلف أنه لا يقرب زوجته أبدا أو مدة هي أكثر من أربعة ~~أشهر فهو مول، فإذا مضت أربعة أشهر، يوقف الزوج، ويؤمر بالفيء وهو الرجوع ~~أو الطلاق، وذلك بعد مطالبة الزوجة فإن رجع عما قال بالوطء إن قدر عليه أو ms0293 ~~بالقول مع العجز عنه، فإن لم يفيء ولم يطلق طلق عليه الحاكم واحدة، وهو قول ~~عمر وعثمان وأبي الدرداء وابن عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: # يوقف المولي. وذهب إليه سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد. وبه قال ~~مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن عباس وابن مسعود: إذا مضت مدة أربعة ~~أشهر يقع عليها طلقة بائنة. وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة، وقال سعيد بن ~~المسيب والزهري: يقع عليها طلقة رجعية. # (الفرع الثاني): لو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر فليس بمول بل هو ~~حالف فإن وطئها قبل مضي المدة لزمه كفارة يمين. # (الفرع الثالث): لو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر، فليس بمول بعد مضي المدة ~~عند الشافعي لأن بقاء المدة شرط للوقوف، وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، ~~وقد مضت المدة، وعند أبي حنيفة يكون موليا ويقع الطلاق بمضي المدة. # (الفرع الرابع): مدة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحر والعبد، جميعا عند ~~الشافعي لأنها مدة ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج ~~فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة وعن مالك وأبي حنيفة تتنصف مدة الإيلاء ~~بالرق غير أن عند أبي حنيفة تنتصف مدة الإيلاء برق المرأة، وعند مالك برق ~~الزوج كما في الطلاق. # (الفرع الخامس): إذا وطئ خرج من الإيلاء ويجب عليه كفارة يمين، وهذا قول ~~أكثر العلماء وقيل: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعده المغفرة فقال: فإن ~~فاؤ فإن الله غفور رحيم ومن قال: بوجوب الكفارة عليه، قال: ذلك في إسقاط ~~العقوبة عنه لا في الكفارة. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 227 الى 228] # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) # قوله ms0294 تعالى: وإن عزموا الطلاق أي تحققوه بالإيقاع فإن الله سميع يعني أي ~~لأقوالهم عليم يعني بنياتهم وفيه دليل على أنها لا تطلق ما لم يطلقها ~~زوجها، لأنه تعالى شرط فيها العزم. قوله عز وجل: # والمطلقات أي المخليات من حبال أزواجهن والمطلقة هي التي أوقع الزوج ~~عليها الطلاق يتربصن بأنفسهن أي ينتظرن فلا يتزوجن ثلاثة قروء جمع قرء ~~والقرء اسم يقع على الحيض، والطهر، قال أبو عبيدة: الأقراء من الأضداد ~~كالشفق اسم للحمرة، والبياض وقيل: إنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. # PageV01P158 # وقيل: بالعكس واختلفوا في أصله فقيل أصله الجمع من قرأ أي جمع لأن في وقت ~~الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع في البدن وقيل: أصله الوقت. ~~يقال رجع فلان لقرئه أي لوقته الذي كان فيه لأن الحيض يأتي لوقت والطهر ~~يأتي لوقت وبحسب اختلاف أهل اللغة في الأقراء اختلف الفقهاء على قولين: # أحدهما أن الأقراء هي الحيض روى ذلك عن عمرو علي وابن مسعود وابن عباس ~~وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وبه قال عكرمة والضحاك والسدي ~~والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال أحمد بن حنبل: كنت أقول ~~إن الأقراء هي الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض، القول الثاني أنها ~~الأطهار، يروى ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وبه قال الزهري وأبان بن ~~عثمان ومالك والشافعي وحجة من يقول إن الأقراء هي الحيض قوله صلى الله عليه ~~وسلم للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك يعني أيام حيضك لأن المرأة لا تدع ~~الصلاة إلا أيام حيضها وحجة من يقول: إنها الأطهار أن ابن عمر لما طلق ~~امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعمر مره فليراجعها حتى ~~تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة، التي أمر الله ~~أن يطلق لها فأخبر أن زمان العدة هو الطهر لا الحيض ويعضد من اللغة قول ~~الأعشى: # ففي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عرائكا # مورثة مالا ms0295 وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # أراد أنه كان يخرج للغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر ~~زمان الطهر لا زمان الحيض، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، ~~وعند غيره أطول وذلك أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة فقد انقضت ~~عدتها، وحلت للأزواج ويحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا على قول من ~~يجعل الأقراء الأطهار، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا دخلت المطلقة في ~~الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج وروي عنها أنها قالت: القرء ~~الطهر ليس بالحيضة. قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم لأن هذا مما يبتلي به ~~النساء وإن طلقها في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرابعة انقضت عدتها، ~~وعلى قول من يجعل الأقراء حيضا وهو مذهب أبي حنيفة لا تنقضي عدتها ما لم ~~تطهر من الحيضة الثالثة. إن كان وقع الطلاق في حال الطهر أو من الحيضة ~~الرابعة، إن وقع في حال الحيض فإن قلت ما معنى الإخبار عنهن بالتربص في ~~قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن. قلت: هو خبر في صورة الأمر، وأصل الكلام ~~وليتربص المطلقات فاخرج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما ~~يجب أن يلتقي بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر ~~عن موجود ونظيره قولهم في الدعاء: يرحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة ~~بالإجابة فكأنه قال: وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. # (فصل في أحكام العدة وفيه مسائل) المسألة الأولى: عدة الحامل تنقضي بوضع ~~الحمل سواء المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وسواء في ذلك الحرة والأمة. # المسألة الثانية: عدة المتوفى عنها سوى الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام ~~سواء مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده وسواء في ذلك الحيض والأمة ~~والآيسة. # المسألة الثالثة: عدة المطلقة المدخول بها وهي ضربان: أحدهما الحيض ~~فعدتها بالإقراء، وهي ثلاثة أقراء الضرب الثاني الآيسات من الحيض وإما ~~الكبر، أو تكون لم تحض قط فعدتها ثلاثة أشهر وأما المطلقة قبل الدخول فلا ~~عدة عليها. # PageV01P159 # المسألة الرابعة: ms0296 عدة الإماء نصف عدة الحرائر فيما له نصف وفي الأقراء ~~قرآن لأنه لا يتنصف قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ينكح العبد ~~اثنتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين وقوله تعالى: ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قال ابن عباس: يعني الولد، وقيل: الحيض ~~والمعنى أنه لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض أو الحمل ~~لتبطل بذلك الكتمان حق الزوج من الرجعة والولد إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر هذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار ~~عما في الرحم من الحيض أو الولد، والمعنى أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت ~~المؤمنة والكافرة فيه سواء، فهو كقولك أد حقي إن كنت مؤمنا يعنى أن أداء ~~الحقوق من أفعال المؤمنين وتقول للذي يظلم: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني ~~والمعنى ينبغي أن يمنعك إيمانك من الظلم، وفي سبب وعيد النساء بهذا قولان ~~أحدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة. قاله ابن عباس: والثاني أنه ~~لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة وقيل: كانت المرأة إذا رغبت في ~~زوجها تقول: إني حائض وإن كانت قد طهرت ليراجعها وإن كانت زاهدة فيه كتمت ~~حيضها وتقول قد طهرت لتفوته فنهاهن الله عن ذلك وأمرن بأداء الأمانة ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك يعني أزواجهن سمي الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته، ~~وأصل البعل السيد والمالك والمعنى وأزواجهن أولى برجعتهن وردهن إليهم في ~~ذلك أي في حال العدة فإذا انقضى وقت العدة فقد بطل حق الرد والرجعة إن ~~أرادوا إصلاحا يعني إن أراد الزوج بالرجعة الإصلاح وحسن العشرة لا الإضرار ~~بهن، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يراجعون، ويريدون بذلك الإضرار فنهى الله ~~المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة ولهن يعني ~~وللنساء على الأزواج مثل الذي عليهن يعني للأزواج بالمعروف وذلك أن حق ~~الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له، وعليه ~~فيجب على الزوج ms0297 أن يقوم بجميع حقها، ومصالحها ويجب على الزوجة الانقياد ~~والطاعة له، قال ابن عباس في معنى الآية: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب ~~أن تتزين لي لأن الله تعالى. قال: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (م) عن ~~جابر أنه ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال: # فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمانات الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن ~~عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. # قوله: «فاتقوا الله في النساء» فيه الحث على الوصية بهن ومراعاة حقوقهن ~~ومعاشرتهن بالمعروف. قوله: # «فإنكم أخذتموهن بأمانات الله» ويروى بأمانة وقوله: «واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله» معناه بإباحة الله والكلمة هي قوله: فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء وقيل: الكلمة هي قوله فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقيل: الكلمة ~~هي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله إذ لا تحل مسلمة لغير ~~مسلم وقوله: لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه معناه ولا يأذن لأحد أن يتحدث ~~إليهن، وكان من عادة العرب أن يتحدث الرجال مع النساء ولا يرون ذلك عيبا ~~ولا يعدونه ريبة إلى أن نزلت آية الحجاب فنهوا عن ذلك وليس المراد بوطء ~~الفرش نفس الزنا فإن ذلك محرم على كل الوجوه، فلا معنى لاشتراط الكراهة ~~فيه، ولو كان المراد ذلك لم يكن الضرب فيه ضربا غير مبرح إنما كان فيه ~~الحد، والضرب المبرح هو الشديد. وقول: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~يعني بالعدل وفيه وجوب نفقة الزوجة، وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. # وقوله تعالى: وللرجال عليهن درجة أي منزلة ورفعة قال ابن عباس: بما ساق ~~إليها من المهر وأنفق عليها من المال. وقيل: إن فضيلة الرجال على النساء ~~بأمور منها العقل والشهادة والميراث والدية وصلاحية الإمامة والقضاء ~~وللرجال أن يتزوج عليها ويتسرى، وليس لها ذلك وبيد الرجل الطلاق فهو قادر ~~على تطليقها وإذا طلقها رجعية فهو ms0298 قادر على رجعتها وليس شيء من ذلك بيدها ~~والله عزيز أي غالب لا يمتنع عليه شيء # PageV01P160 # حكيم أي في جميع أفعاله وأحكامه. روى البغوي بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ ~~بن جبل خرج في غزاة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم رجع فرأى ~~رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لو ~~أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # الطلاق مرتان عن عروة بن الزبير قال: كان الرجل إذا طلق زوجته ثم ارتجعها ~~قبل أن تنقضي عدتها، كان له ذلك وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته ~~فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم قال: # والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدا فأنزل الله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان فاستقبل الناس الطلاق جديدا من ذلك اليوم من كان ~~طلق أو لم يطلق أخرجه الترمذي. وله عن عائشة قالت: كان الناس والرجل يطلق ~~امرأته ما شاء الله أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن ~~طلقها مائة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا ~~آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك ~~فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قالت عائشة: فاستأنف الطلاق ~~مستقبلا من كان قد طلق ومن لم يطلق، ومعنى الآية أن الطلاق الرجعي مرتان ~~ولا رجعة بعد الثالثة إلا أن تنكح ms0299 زوجا آخر، وهذا التفسير هو قول من جوز ~~الجمع بين الطلاق الثلاث في دفعة واحدة وهو الشافعي، وقيل في معنى الآية: ~~إن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة بعد تطليقة على التفريق ~~دون الجمع والإرسال دفعة واحدة وهذا التفسير هو قول من قال: إن الجمع بين ~~الثلاثة حرام إلا أن أبا حنيفة قال: يقع الثلاث وإن كان حراما وقيل: إن ~~الآية دالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته والعدد ~~الذي تبين به زوجته منه، والمعنى أن عدد الطلاق الذي لكم فيه رجعة على ~~أزواجكم إذا كن مدخولا بهن تطليقتان، وأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن ~~سرحها فطلقها الثالثة فإمساك بمعروف يعني بعد الرجعة وذلك أنه إذا راجعها ~~بعد التطليقة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف وهو كل ما عرف في الشرع من ~~أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة أو تسريح بإحسان يعني أنه يتركها بعد الطلاق ~~حتى تنقضي عدتها من غير مضارة. وقيل هو أنه إذا طلقها أدى إليها جميع ~~حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. # (فروع): تتعلق بأحكام الطلاق: # (الفرع الأول): صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق، من غير نية ثلاث الطلاق ~~والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فقط. # (الفرع الثاني): الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها فله ~~مراجعتها من غير رضاها مادامت في العدة فإذا لم يراجعها حتى انقضت عدتها أو ~~طلقها قبل الدخول بها أو خالعها، فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن ~~وليها. # (الفرع الثالث): العبد يملك على زوجته الأمة تطليقتين. واختلف فيما إذا ~~كان أحد الزوجين حرا فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث تطليقات، والعبد يملك ~~على زوجته الحرة تطليقتين فالاعتبار بحال الزوج في عدد الطلاق وبه قال ~~الشافعي ومالك وأحمد وذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتبار بالمرأة فالعبد يملك ~~على زوجته الحرة # PageV01P161 # ثلاث تطليقات، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما ms0300 آتيتموهن يعني أعطيتموهن شيئا يعني من مهر أو غيره، ثم استثنى ~~الخلع فقال تعالى: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله نزلت في جميلة بنت عبد ~~الله بن أبي أوفى ويقال حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن ~~شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، وكان بينهما كلام فأتت أباها تشكو إليه زوجها ~~وقالت: إنه يسب أبي ويضربني فقال: # ارجعي إلى زوجك فإنى أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال: ~~فرجعت إليه الثالثة وبها أثر الضرب فقال: ارجعي إلى زوجك فلما رأت إن أباها ~~لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته أثارا ~~بها من ضربه وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى ثابت فقال: مالك ولأهلك فقال: # والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلى منها غيرك فقال: لها ما ~~تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق ~~يا رسول الله ولكني خشيت أن يهلكني فأخرجني منه. وقالت: يا رسول الله ما ~~كنت أحدثك حديثا ينزل عليك خلافه هو أكرم الناس حبا لزوجته ولكني أبغضه فلا ~~أنا ولا هو قال ثابت أعطيتها حديقة نخل فقل لها فلتردها علي، وأخلى سبيلها، ~~فقال لها: تردين عليه حديقته وتملكين أمرك قالت: نعم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل. (خ) عن ابن ~~عباس «أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول ~~الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال ولكني أكره الكفر في ~~الإسلام. قال أبو عبد الله: يعني تبغضه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة» قوله: ما أعتب عليه يعني ما أجد عليه والعتبى ~~الموجدة والحديقة البستان من النخل ms0301 إذا كان عليه الحائط ومعنى قوله تعالى: ~~إلا أن يخافا أي يعلما الزوجان من أنفسهما أن لا يقيما حدود الله والمعنى ~~تخاف المرأة أن تعصي الله في أمور زوجها، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن ~~يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما أعطاها إلا أن ~~يكون النشوز من قبلها، وذلك أن تقول لا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا، ~~ونحو ذلك، وقرئ يخافا بضم الياء، ومعناه إلا أن يعلم ذلك من حالهما يعني ~~يعلم القاضي والوالي فإن خفتم يعني فإن خشيتم وأشفقتم، وقيل: معناه فإن ~~ظننتم ألا يقيما حدود الله يعني ما أوجب الله على كل واحد منهما من طاعته ~~فيما أمره به من حسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف وقيل: هو يرجع إلى المرأة ~~وهو سوء خلقها واستخفافها بحق زوجها فلا جناح عليهما فيما افتدت به أي لا ~~جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك، والمعصية فيما افتدت به نفسها ~~أو أعطت من المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ولا على الزوج فيما ~~أخذ من المال إذا أعطته المرأة طائعة راضية. # (فصل: في حكم الخلع وفيه مسائل) الأولى: قال الزهري والنخعي وداود: لا ~~يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله فإن وقع الخلع ~~في غير هذه الحالة فهو فاسد، وحجة هذا القول: أن الآية صريحة في أنه لا ~~يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة شيئا عند طلاقها، ثم استثنى الله تعالى حالة ~~مخصوصة فقال: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فكانت هذه صريحة في أنه لا ~~يجوز الأخذ في غير حالة الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله، وذهب ~~جمهور العلماء إلى أنه يجوز الخلع من غير نشوز ولا غضب، غير أنه يكره لما ~~فيه من قطع الوصلة بلا سبب عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» أخرجه ~~أبو داود ms0302 والترمذي. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض ~~الحلال إلى الله الطلاق» أخرجه أبو داود ودليل الجمهور على جواز الخلع من ~~غير نشوز قوله تعالى: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فإذا ~~جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لها شيء فإذا بذلت كان ذلك في الخلع ~~الذي تصير بسببه مالكة أمر نفسها أولى. وأجيب عن الاستثناء المذكور في هذه ~~الآية أنه محمول على الاستثناء المنقطع. # PageV01P162 # المسألة الثانية: الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وبه قال أكثر العلماء، ~~وقال بعضهم: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي، وبه قال الزهري ~~والشعبي والحسن وعطاء وطاوس وقال سعيد بن المسيب: بل يأخذ دون ما أعطاها ~~حتى يكون الفضل فيه وحجة الجمهور أن الخلع عقد على معاوضة، فوجب أن لا يقيد ~~بمقدار معين كما أن للمرأة أن لا ترضى عند عقد النكاح إلا بالكثير فكذلك ~~للزوج أن لا يرضى عند الخلع إلا بالبذل الكثير، لا سيما وقد أظهرت ~~الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أو طلاق؟ فقال ~~الشافعي في القديم: إنه فسخ وهو قول ابن عباس وطاوس وعكرمة. وبه قال أحمد ~~وإسحاق وأبو ثور وقال الشافعي في الجديد: إنه طلاق وهو الأظهر وهو قول ~~عثمان وعلي وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب ومجاهد ~~ومكحول والزهري. وبه قال أبو حنيفة ومالك وسفيان الثوري. وحجة القول القديم ~~أن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع ثم ذكر الطلقة الثالثة ~~فقال: # ### || [سورة البقرة (2): آية 230] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ولو كان الخلع طلاقا ~~لكان الطلاق أربعا وحجة القول الجديد أنه لو كان فسخا ms0303 لما صح بالزيادة على ~~المهر المسمى كالإقالة في البيع وأيضا لو كان الخلع فسخا فإذا خالعها ولم ~~يذكر مهرا وجب أن يجب المهر عليها كالإقالة، فإن الثمن يجب رده وإن لم ~~يذكره فثبت أن الخلع ليس بفسخ وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق وأيضا فإن الطلقة ~~الثالثة قوله: أو تسريح بإحسان. وفائدة الخلاف أنا إذا جعلناه طلاقا ينقص ~~به عدد الطلاق فإن تزوجها بعده كانت معه على طلقتين وإن جعلناه فسخا بانت ~~منه بثلاث. # قوله تعالى: تلك حدود الله يعني هذه أوامر الله ونواهيه وهو ما تقدم من ~~أحكام الطلاق والرجعة والخلع وحدود الله ما منع من مجاوزتها وهو قوله: فلا ~~تعتدوها أي فلا تجاوزها ومن يتعد حدود الله أي يجاوزها فأولئك هم الظالمون ~~قوله عز وجل: فإن طلقها يعني الطلقة الثالثة فلا تحل له من بعد أي لا تحل ~~له رجعتها بعد الثلاث حتى تنكح زوجا غيره يعني حتى تتزوج زوجا آخر غير ~~المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعا والمراد هنا الوطء، ~~نزلت في تميمة وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي وكانت تحت ابن ~~عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا (ق) عن عائشة قالت: «جاءت ~~امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني كنت عند ~~رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل ~~هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» قولها: فبت طلاقي أي قطعه والبت ~~القطع وقولها: مثل هدبة الثوب أي طرفة وهو كناية عن استرخاء الذكر قوله: ~~حتى يذوق عسيلتك بضم العين تصغير العسل شبة لذة الجماع بالعسل وهو كناية ~~عنه وإنما أنث العسل لأن من العرب من يؤنثه، وقيل: أنثه حملا له على ~~المعنى، لأن المراد منه النطفة، وعبد الرحمن المذكور هو عبد الرحمن بن ~~الزبير بفتح الزاي وكسر الباء مشددة، وروي أنها لبثت ما شاء الله ms0304 ثم رجعت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: كذبت بقولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت يا خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني، فقال ~~لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال له ما ~~قالت لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر أتت عمر وقالت له ما قالت ~~لأبي بكر فقال لها: لئن رجعت إليه لأرجمنك. قوله # PageV01P163 # تعالى: فإن طلقها يعني الزوج الثاني بعد وطئها فلا جناح عليهما يعني على ~~المرأة والزوج الأول أن يتراجعا يعني بنكاح جديد إن ظنا أي علما وأيقنا ~~وقيل: إن رجوا لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى: أن يقيما حدود ~~الله يعني يقيما بينهما الصلاح وحسن العشرة والصحبة وقيل: معناه إن علما أن ~~نكاحها على غير دلسة، والمراد بالدلسة التحليل. # فرعان: الأول: مذهب جمهور العلماء أن المطلقة بالثلاث لا تحل للزوج ~~المطلقة منه بالثلاث إلا بشرائط، وهي أن تعتد منه ثم تتزوج بزوج آخر ~~ويطأها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، فإذا حصلت هذه الشرائط فقد حلت للأول وإلا ~~فلا، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد والمذهب الأول هو ~~الأصح، واختلف العلماء في اشتراط الوطء هل ثبت بالكتاب أو بالسنة؟ على ~~ثلاثة أقوال: الثالث وهو المختار أنه ثبت بهما (الثاني) إذا تزوج بالمطلقة ~~ثلاثة ليحلها للأول فهذا نكاح باطل وعقد فاسد وبه قال: مالك وأحمد لما روي ~~عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه لعن المحلل والمحلل له» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي أنه قال هو التيس المستعار ولو ~~تزوجها ولم يشترط في النكاح أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل إذا ~~طلقها وانقضت العدة غير أنه يكره ms0305 إذا كان في عزمهما ذلك، وبه قال الشافعي ~~وأبو حنيفة، ودليل ذلك أن الآية دلت على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد ~~وقد وجد ذلك فوجب القول بانتهاء الحرمة، وقال نافع: «أتى رجل إلى ابن عمر ~~فقال: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها ~~للأول فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» وقوله تعالى: وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون يعني ~~يعلمون ما أمرهم به ونهاهم عنه، وإنما خص العلماء لأنهم هم الذين ينتفعون ~~بذلك البيان. # ### || [سورة البقرة (2): آية 231] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) # قوله عز وجل: وإذا طلقتم النساء نزلت في ثابت بن يسار رجل من الأنصار طلق ~~امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها يقصد بذلك مضارتها فبلغن ~~أجلهن أي قاربن انقضاء عدتهن وشارفن منتهاها، ولم يرد انقضاء العدة لأنه لو ~~انقضت عدتها لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ هنا بلوغ مقاربة كما يقال: # بلغ فلان البلد إذا قاربه وشارفه، فهذا من باب المجاز الذي يطلق اسم الكل ~~فيه على الأكثر. وقيل إن الأجل اسم للزمان فيحمل على الزمان الذي هو آخر ~~زمان يمكن إيقاع الرجعة، فيه بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة إلى الرجعة ~~وعلى هذا التأويل فلا حاجة لنا إلى المجاز فأمسكوهن أي راجعوهن بمعروف وهو ~~أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء أو سرحوهن بمعروف أي ~~اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن ولا تمسكوهن ضرارا أي لا تقصدوا ~~بالرجعة المضارة بتطويل الحبس. وقيل: كانوا يضاروهن لتفتدي المرأة منه ~~بمالها لتعتدوا أي لتظلموهن بمجاوزتكم في أمورهن حدود الله التي بينها لكم. ~~وقيل معناه: لا تضاروهن ms0306 على قصد الاعتداء عليهن ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ~~أي ضر نفسه بمخالفة أمر الله وتعريضها عذاب الله ولا تتخذوا آيات الله هزوا ~~يعني بذلك ما بين من حلاله وحرامه وأمره ونهيه في وحيه وتنزيله، فلا تتخذوا ~~ذلك استهزاء ولعبا، فمن وجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصل إليه هذه ~~الأحكام التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتخذها ~~هزوا، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد، وقيل: هو راجع إلى قوله فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان، فكل من خالف أمرا من أمور الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا. ~~وقيل: كان # PageV01P164 # الرجل يطلق ويعتق ويتزوج ويقول كنت لاعبا فنهوا عن ذلك. عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح ~~والطلاق والرجعة» أخرجه أبو داود والترمذي. # وقوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم يعني بالإيمان الذي أنعم به الله ~~عليكم فهداكم له وسائر نعمه التي أنعم بها عليكم وما أنزل عليكم أي واذكروا ~~نعمته فيما أنزله عليكم من الكتاب يعني القرآن والحكمة يعني السنة التي ~~علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنها لكم. وقيل: المراد بالحكمة مواعظ ~~القرآن يعظكم به أي بالكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم واتقوا ~~الله يعني خافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه واعلموا أن الله بكل شيء ~~عليم يعني أن الله تعالى يعلم ما أخفيتم من طاعة ومعصية في سر وعلن لا يخفى ~~عليه شيء من ذلك. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن نزلت في معقل بن يسار المزني عضل أخته ~~جميلة، وكانت تحت أبي القداح عاصم بن عدي فطلقها معقل بن يسار قال: كانت لي ~~أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس ms0307 فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما ~~شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلى ~~أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها ~~فزوجتك ثم طلقتها طلاقا لك فيه رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت ~~إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب والله لا أنكحتها لك أبدا، ففي ذلك نزلت هذه ~~الآية: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن الآية، ~~فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه أخرجه البخاري، وقيل إن جابر بن عبد الله ~~كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فلما انقضت عدتها أراد أن يرتجعها ~~فأبى جابر وقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة ~~تريد زوجها قد رضيته فنزلت هذه الآية: وأراد ببلوغ الأجل في قوله فبلغن ~~أجلهن انقضاء العدة بخلاف الآية التي قبل هذه الآية. قال الشافعي: دل ~~اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن خطاب ~~للأولياء، والمعنى لا تضيقوا عليهن أيها الأولياء، فتمنعوهن من مراجعة ~~أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن فهو خطاب عام لجميع الأولياء، وإن ~~كان سبب الآية خاصا. وأصل العضل المنع والتضييق ومنه قول أوس بن حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا # ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا # يعني إذا أضاق الأمر، وفي الآية دليل للشافعي ومن وافقه في أن المرأة لا ~~تلي عقد النكاح ولا تأذن فيه إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن عضل ولا لنهي ~~الولي عن العضل معنى. وقوله تعالى: إذا تراضوا بينهم بالمعروف يعني إذا ~~تراضى الخطاب والنساء، والمعروف هنا ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز. ~~وقيل هو أن يرضى كل واحد منهما بما التزمه لصاحبه بحق العقد حتى تحصل ~~الصحبة الحسنة والعشرة الجميلة ذلك أي ذلك الذي ذكر من النهي يوعظ به من ~~كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر يعني أن المؤمن هو الذي ينتفع ms0308 بالوعظ دون ~~غيره ذلكم أزكى لكم وأطهر يعني أنه خير لكم وأطهر لقلوبكم وأطيب عند الله ~~والله يعلم يعني ما في ذلك من الزكاة والتطهير وأنتم لا تعلمون يعني ذلك. ~~قوله عز وجل: # PageV01P165 # ### || [سورة البقرة (2): آية 233] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) # والوالدات يعني المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن وقيل المراد بهن ~~جميع الوالدات سواء كن مطلقات أو متزوجات، ويدل عليه أن اللفظ عام، وما قام ~~على دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه، ولأنه ظاهر اللفظ فوجب حمله عليه ~~يرضعن أولادهن هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير والوالدات يرضعن أولادهن في ~~حكم الله الذي أوجبه، وهذا الأمر ليس أمر إيجاب، وإنما هو أمر ندب واستحباب ~~لأن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من لبن غيرها ولكمال شفقتها عليه ويدل ~~على أنه لا يجب على الوالدة إرضاع الولد. قوله: فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة وقال تعالى: وإن تعاسرتم ~~فسترضع له أخرى هذا نص صريح في ذلك، فإن لم يوجد من يرضع الطفل أو لم يقبل ~~غير لبن أمه وجب عليها إرضاعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر، فإن رغبت ~~الأم في إرضاع ولدها، فهي أولى به من غيرها حولين كاملين الحول السنة، ~~وأصله من حال يحول إذا انقلب، وإنما قال كاملين للتوكيد لأنه مما يتسامح ~~فيه، تقول: أقمت عند فلان حولا وإن لم تستكمله، فبين الله أنهما حولان ~~كاملان أربعة وعشرون شهرا، وهذا التحديد بالحولين ليس تحديد إيجاب، ويدل ~~على ذلك قوله بعده: لمن أراد أن يتم الرضاعة فلما علق الإتمام بإرادتنا ~~علمنا أن ms0309 هذا الإتمام غير واجب، فثبت أن المقصود من هذا التجديد قطع النزاع ~~بين الزوجين في مقدار زمن الرضاعة فقدر الله تعالى ذلك بالحولين حتى يرجعا ~~إليه عند التنازع، قال ابن عباس في رواية عكرمة: # إذا وضعت الولد لستة أشهر أرضعته حولين وإن وضعته لسبعة أشهر أرضعته ~~ثلاثا وعشرين شهرا، وإن وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا، كل ذلك ~~ثلاثون شهرا، لقوله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال في رواية الوالي ~~عنه: هو حد لكل مولود في أي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق من ~~الأبوين، فأيهما أراد فطام الولد قبل الحولين فليس له ذلك إلا إذا اتفقا ~~عليه يدل على ذلك قوله: فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وقيل: فرض الله على ~~الوالدات إرضاع الولد حولين ثم أنزل التخفيف فقال: لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة، أي هذا منتهى الرضاع لمن أراد إتمام الرضاعة، وليس فيما دون ذلك ~~حد محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الطفل وما يعيش به وعلى المولود له ~~يعني الأب، وإنما عبر عنه بهذا لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب ~~الولد للأب دون الأم قال بعضهم: # وإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللآباء أبناء # وقيل: إن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولود على ~~فراشه، فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرجل وعلى فراشه وجب عليه ~~رعاية مصالحه رزقهن أي طعامهن وكسوتهن أي لباسهن بالمعروف أي على قدر ~~الميسرة لا تكلف نفس إلا وسعها يعني طاقتها، والمعنى أن أبا الولد لا يكلف ~~في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته ولا يبلغ إسراف القدرة ~~لا تضار والدة بولدها يعني لا ينزع الولد من أمه بعد أن رضيت بإرضاعه ولا ~~يدفع إلى غيرها وقيل معناه لا تكره الأم على إرضاع الولد إذا قبل الصبي لبن ~~غيرها لأن ذلك ليس بواجب عليها ولا مولود له بولده يعني لا تلقي المرأة ~~الولد إلى أبيه وقد ألفها تضاره بذلك، وقيل ms0310 معناه لا يلزم الأب أن يعطي أم ~~الولد أكثر مما يجب عليه لها إذا لم يرضع الولد من غير أمه، فعلى هذا يرجع ~~الضرار إلى الوالدين فيكون المعنى: لا يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب ~~الولد. وقيل يحتمل أن يكون الضرر راجعا إلى الولد. والمعنى: لا يضار كل ~~واحد من الأبوين الولد فلا ترضعه حتى يموت فيتضرر # PageV01P166 # بذلك ولا ينفق عليه الأب أو ينزعه من أمه فيضره بذلك، فعلى هذا تكون ~~الباء صلة، والمعنى لا تضار والدة ولدها ولا أب ولده وعلى الوارث مثل ذلك ~~يعني وعلى وارث أبي الولد إذا مات مثل ما كان يجب عليه من النفقة والكسوة ~~فيلزم وارث الأب أن يقوم مقامه في القيام بحق الولد. وقيل: المراد بالوارث ~~وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه فعلى هذا الوارث مثل ما كان على أبي ~~الصبي في حال حياته، واختلف في أي وارث هو فقيل هم عصبة الصبي كالجد والأخ ~~والعم وابنه. وقيل: هو كل وارث له من الرجال والنساء، وبه قال أحمد: # فيجبرون على نفقة الصبي كل على قدر سهمه منه. وقيل هو من كان ذا رحم محرم ~~منه وبه قال أبو حنيفة. وقيل المراد بالوارث الصبي نفسه، فعلى هذا تكون ~~أجرة رضاع الصبي في ماله فإن لم يكن له مال فعلى الأم ولا يجبر على نفقة ~~الصبي غير الأبوين، وبه قال مالك والشافعي. وقيل معناه وعلى الوارث ترك ~~المضارة فإن أرادا يعني الوالدين فصالا يعني فطام الولد قبل الحولين عن ~~تراض منهما أي على اتفاق من الوالدين في ذلك وتشاور أي يشاورون أهل العلم ~~في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج ~~الرأي بما فيه مصلحة فلا جناح عليهما أي فلا حرج ولا إثم على الوالدين في ~~الفطام قبل الحولين إذا لم يضر بالولد وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم أي ~~لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم أو تعذر ذلك لعلة بهن ~~من انقطاع لبن أو غير ذلك أو ms0311 أردن التزويج فلا جناح عليكم إذا سلمتم يعني ~~إلى المراضع ما آتيتم يعني لهن من أجرة الرضاع وقيل إذا سلمتم إلى أمهاتهم ~~من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن بالمعروف أي بالإحسان والإجمال أمروا أن ~~يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس ~~المراضع بما أمكن حتى يؤمن من تفريطهن بقطع معاذيرهن واتقوا الله يعني ~~وخافوا الله فيما فرض عليكم من الحقوق وفيما أوجب عليكم لأولادكم واعلموا ~~أن الله بما تعملون بصير يعني لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها ~~وعلانيتها، فإنه تعالى يراها ويعلمها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 234] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) # والذين يتوفون يعني يموتون منكم وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا، فمن مات ~~فقد استوفى عمره كاملا، ويقال توفي فلان يعني قبض وأخذ ويذرون أي ويتركون ~~أزواجا والمراد بالأزواج هنا النساء لأن العرب تطلق اسم الزوج على الرجل ~~والمرأة يتربصن أي ينتظرن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا يعني قدر هذه المدة ~~وإنما قال عشرا بلفظ التأنيث لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي ~~والأيام غلبوا الليالي حتى إن أحدهم ليقول: صمت عشرا من الشهر لكثرة ~~تغليبهم الليالي على الأيام فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا عشرة أيام وقيل ~~إن هذه الأيام أيام حزن ولبس إحداد فشبهها بالليالي على سبيل الاستعارة ~~ووجه الحكمة في أن الله تعالى حد العدة بهذا القدر لأن الولد يركض في بطن ~~أمه لنصف مدة الحمل، يعني يتحرك. وقيل: إن الروح ينفخ في الولد في هذه ~~العشرة أيام، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ~~ملكا يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ms0312 ثم ينفخ فيه الروح» أخرجاه في ~~الصحيحين بزيادة، فدل هذا الحديث على أن خلق الولد يجتمع في مدة أربعة أشهر ~~ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة. # (فصل: في حكم عدة المتوفى عنها زوجها والإحداد. وفي مسائل) المسألة ~~الأولى: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر وعدة الأمة على نصف عدة ~~الحرة شهران # PageV01P167 # وخمسة أيام، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو بكر الأصم: عدة الأمة كعدة ~~الحرائر وتمسك بظاهر هذه الآية، وعدة الحامل بوضع الحمل سواء فيه الحرة ~~والأمة، ولو وضعت بعد وفاة زوجها بلحظة حل لها أن تتزوج، ويدل على هذا ما ~~روي عن سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، ~~وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تلبث أن وضعت ~~حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل ~~بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: ما لي أراك تجملت للخطاب لعلك ترجين ~~النكاح وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: ~~فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن ~~بدا لي، أخرجاه في الصحيحين، وفيه قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين ~~وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها حتى تطهر، فعلى هذا حكم الآية عام ~~في كل من توفي عنها زوجها بأن تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم خصص من هذا العموم ~~أولات الأحمال بهذا الحديث وبقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن. # المسألة الثانية: يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة ~~والطيب ودهن الرأس بكل دهن والكحل المطيب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة ~~فيرخص لها، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: # تكتحل به بالليل وتمسحه بالنهار. عن أم سلمة قالت: «دخل ms0313 علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: ما هذا يا ~~أم سلمة؟ قلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه ~~فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه ~~خضاب. قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك» أخرجه ~~أبو داود وللنسائي نحوه. قوله «فإنه يشب الوجه» أي يوقده ويحسنه وبنوره من ~~شب النار إذا أوقدها. قوله «تغلفين به رأسك» أي تلطخين به رأسك والتغلف هو ~~الغمرة على وجه المرأة وكذا رأسها إذا لطخته بشيء فأكثرت منه. ولا يجوز لها ~~لبس الديباج والحرير والحلي والمصبوغ للزينة كالأحمر والأصفر ويجوز لها لبس ~~ما صبغ لغير الزينة كالأسود والأزرق، ويجوز لها أن تلبس البياض من الثياب ~~والصوف والوبر (ق) عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب ~~فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله ما ~~لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على ~~المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين ~~توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير ~~أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا» (م) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر ~~وعشرا» (ق) عن أم عطية قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت ms0314 فوق ثلاث إلا على ~~زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب ~~عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضتها في نبذة من كست ~~أظفار». قولها: إلا ثوب عصب العصب بالعين والصاد المهملتين من البرود الذي ~~صبغ غزله قبل النسج. قولها: نبذة من كست. النبذة الشيء اليسير. والكست لغة ~~في القسط وهو شيء معروف يتبخر به. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ~~ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب» أخرجه أبو داود. # قولها: ولا الممشقة الثياب. الممشقة هي المصبوغة بالمشق وهي المغرة، عن ~~نافع: «أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها وهي حاد على زوجها ابن عمر فلم ~~تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان» أخرجه مالك في الموطأ. # PageV01P168 # المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم ~~بالوفاة، فقال بعضهم: ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في ~~العدة، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قال: يتربصن بأنفسهن وذلك لا يحل ~~إلا بالقصد إلى التربص ولا يحل ذلك إلا مع العلم. قال الجمهور: السبب هو ~~الموت فلو انقضت المدة أو أكثرها أو بعضها ثم بلغها خبر موت الزوج وجب أن ~~تعتد بما انقضى ويدل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء ~~عدتها هذه المدة. # المسألة الرابعة: أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من ~~الاعتداد بالحول وإن كانت هذه الآية متقدمة في التلاوة وسنذكر تمام الكلام ~~عليه بعد في موضعه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. وقوله تعالى: فإذا بلغن ~~أجلهن أي انقضت عدتهن فلا جناح عليكم خطاب للأولياء لأنهم هم الذين يتولون ~~العقد فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف يعني من التزين والتطيب والنقلة من ~~المسكن الذي كانت معتدة فيه ونكاح من يجوز لها نكاحه وقيل إنما عنى بذلك ~~النكاح خاصة، وقيل معنى قوله: بالمعروف هو ms0315 النكاح الحلال الطيب. واحتج ~~أصحاب أبي حنيفة على جواز النكاح بغير ولي بهذه الآية لأن إضافة الفعل إلى ~~الفاعل محمول على المباشرة، وأجاب أصحاب الشافعي أن قوله تعالى: فلا جناح ~~عليكم للأولياء ولو صح العقد بغير ولي لما كان مخاطبا. # وأجيب على قوله فيما فعلن في أنفسهن إنما هو التزين والتطيب بعد انقضاء ~~العدة لا أنها تزوج نفسها والله بما تعملون خبير يعني أنه تعالى لا يخفى ~~عليه خافية. والخبير في صفة الله تعالى هو العالم بكنه الشيء وحقيقته من ~~غير شك والخبير في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع من العلم وهو الذي ~~يتوصل إليه بالاجتهاد والفكر، والله تعالى منزه عن ذلك كله. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # ولا جناح أي لا حرج عليكم فيما عرضتم به أي لوحتم وأشرتم به والتعريض ضد ~~التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة ~~على غير مقصوده ولكن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وقيل هو الإشارة إلى ~~الشيء بما يفهم السامع مقصوده من غير تصريح به وقيل التعريض من الكلام ما ~~له ظاهر وباطن من خطبة النساء يعني المعتدات في عدتهن والخطبة بالكسر طلب ~~النكاح والتماسه وقيل هو ذكر النساء والخطبة بالضم كلام منظوم له أول وآخر، ~~ومعنى الآية فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن. # والتعريض بالخطبة في العدة مباح وهو أن يقول: إنك لجميلة، وإنك لصالحة ~~وإن غرضي التزويج وإني فيك لراغب وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة ونحو ~~ذلك، من الكلام الموهم من غير تصريح لأن يقول إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك ~~ونحو ذلك ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس ms0316 في قوله تعالى: فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن ~~حاجتي، ولوددت أن تيسر لي امرأة صالحة، أخرجه البخاري. وروي أن سكينة بنت ~~حنظلة تأيمت فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها فقال: قد ~~علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في ~~الإسلام. فقالت سكينة: غفر الله لك أتخطبني في العدة وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: ~~إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من ~~الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده صلى الله عليه وسلم ~~من شدة تحامله عليها فما كانت تلك خطبة أو أكننتم يعني أضمرتم في أنفسكم ~~يعني # PageV01P169 # من نكاحهن وقيل هو أن يدخل ويسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء، والمقصود ~~أنه لا حرج عليكم في التعريض للمرأة في عدة الوفاة، ولا فيما يضمر الرجل في ~~نفسه من الرغبة فيها علم الله أنكم ستذكرونهن يعني بقلوبكم لأن شهوة النفس ~~والتمني لا يخلو منه أحد، فلما كان هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط عنه الحرج ~~ولكن لا تواعدوهن سرا اختلفوا في معنى هذا السر المنهي عنه فقيل هو الزنا ~~كان الرجل يدخل على المرأة يعرض بالنكاح ومراده الزنا ويقول لها: دعيني ~~فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك، فنهوا عن ذلك. وقيل هو قول بالرجل للمرأة لا ~~تفوتيني نفسك فإني ناكحك. وقيل: هو أن يأخذ عليها العهد والميثاق أن لا ~~تتزوج غيره وقيل هو أن يخطبها في العدة وقال الشافعي: السر الجماع، وهو ~~رواية عن ابن عباس. قال الكلبي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع، ويدل ~~على أن لفظ السر كناية عن الجماع قول امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي # بسباسة اسم امرأة. وإنما وقع الكناية عن الجماع بالسر لأنه مما ms0317 يسر والله ~~تعالى حيي كريم فكنى به عن لفظ الجماع الصريح. ومعنى الآية: لا تواعدوهن ~~مواعدة سرية أو لا تواعدوهن بالشيء الموصوف بالسر وقيل في معنى الآية أن ~~الله تعالى أن أذن في أول الآية في التعريض بالخطبة ومنع في آخرها عن ~~التصريح بالخطبة إلا أن تقولوا قولا معروفا يعني هو ما ذكر من التعريض ~~بالخطبة. وقيل: هو إعلام ولي المرأة أنه راغب في نكاحها ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة ~~حتى تنقضي وإنما سماها الله كتابا لأنها فرضت به واعلموا أن الله يعلم ما ~~في أنفسكم فاحذروه أي فخافوه واعلموا أن الله غفور حليم لا يعجل بالعقوبة ~~على من جاهره بالمعصية بل يستر عليه. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة أي ولم ~~تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة يعني ولم تعينوا لهن صداقا ولم توجبوه عليكم. ~~نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها صداقا، ثم ~~طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أمتعها ولو بقلنسوتك. # فإن قلت: هل على من طلق امرأته جناح بعد المسيس حتى يوضع عنه الجناح قبل ~~المسيس فما وجه نفي الحرج والجناح عنه؟ قلت، فيه سبب قطع الوصلة: وما جاء ~~في الحديث: «إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فنفى الله الجناح عنه إذا كان ~~الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا حرج عليكم في تطليقهن قبل المسيس في ~~أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا، لأنه لا سنة في طلاقهن قبل الدخول ~~ومتعوهن أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من ~~الزاد على الموسع أي الغنى ms0318 الذي يكون في سعة من غناه قدره أي قدر إمكانه ~~وطاقته وعلى المقتر أي الفقير الذي هو في ضيق من فقره قدره أي قدر إمكانه ~~وطاقته متاعا بالمعروف يعني متعوهن تمتيعا بالمعروف يعني من غير ظلم ولا ~~حيف حقا أي حق ذلك التمتع حقا واجبا لازما على المحسنين يعني إلى المطلقات ~~بالتمتع، وإنما خص المحسنين بالذكر لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان. وقيل: ~~معناه من أراد أن يكون من المحسنين، فهذا شأنه وطريقه. والمحسن هو المؤمن. # (فصل: في بيان حكم الآية وفيه فروع) الفرع الأول: إذا تزوج امرأة ولم ~~يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس يجب لها عليه المتعة، وبه قال الشافعي ~~وأبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: المتعة مستحبة ولو طلقها قبل الدخول، وقد فرض ~~لها مهرا وجب لها عليه نصف المهر المفروض ولا متعة لها عليه. # PageV01P170 # الفرع الثاني المطلقة المدخول بها: فيها قولان قال في القديم: لا متعة ~~لها لأنها تستحق المهر كاملا، وبه قال أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد. وقال في الجديد: لها المتعة لقوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف ~~وهو الرواية الأخرى عن أحمد قال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ~~المهر ولم يدخل بها زوجها فحسبها نصف المهر. # الفرع الثالث في قدر المتعة: قال ابن عباس: أعلاها خادم، وأوسطها ثلاثة ~~أثواب درع وخمار وإزار، وأقلها دون ذلك وقاية أو مقنعة أو شيء من الورق وهو ~~مذهب الشافعي لأنه قال أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب وأقلها ما له ~~ثمن وحسن ثلاثون درهما. وروي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وحممها، يعني ~~متعها جارية سوداء، ومتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت. متاع ~~قليل من حبيب مفارق. # وقال أبو حنيفة: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز ~~وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه تتقدر بما تجزي فيه الصلاة وقال في ~~الرواية الأخرى تتقدر بتقدير الحاكم، والآية تدل على أن المتعة تعتبر بحال ~~الزوج في اليسر والعسر وأنه ms0319 مفوض إلى الاجتهاد لأنها كالنفقة التي أوجبها ~~الله تعالى للزوجات، وبين أن حال الموسر مخالف حال المعسر في ذلك. # الفرع الرابع: ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر ~~صح النكاح، ولها مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها ~~عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة. # قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن يعني تجامعوهن وهذا في المطلقة بعد تسمية ~~المهر وقبل الدخول حكم الله لها بنصف المهر ولا عدة عليها وهو قوله تعالى: ~~وقد فرضتم لهن فريضة أي سميتم لهن مهرا فنصف ما فرضتم أي فلهن نصف المهر ~~المسمى، ومذهب الشافعي أن الخلوة من غير مسيس لا توجب إلا نصف المهر المسمى ~~لأن المسيس إما حقيقة في المس باليد أو جعل كناية عن الجماع وأيهما كان فقد ~~وجد الطلاق قبله. وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر ومعنى الخلوة ~~الصحيحة أن يخلو بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو الرتق والقرن ~~أو يكون معهما ثالث، والشرعي نحو الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض ~~والإحرام سواء كان فرضا أو نفلا، والآية حجة لمذهب الشافعي، قال شريح: لم ~~أسمع الله ذكر في كتابه بابا ولا سترا إن زعم أنه لم يمسها فلها نصف ~~الصداق، وقال ابن عباس: إذا خلا بها ولم يمسها فلها نصف المهر. # فرع: لو مات أحد الزوجين بعد التسمية وقبل المسيس فلها المهر كاملا ~~وعليها العدة إن كان الزوج هو الميت. وقوله تعالى: إلا أن يعفون يعني ~~النساء المطلقات والمعنى إلا أن لا تترك المرأة نصيبها من الصداق فتهبه ~~للزوج فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح فيه ~~قولان: أحدهما ms0320 أنه الولي وهو قول ابن عباس في رواية عنه والحسن وعلقمة ~~وطاوس والشعبي والنخعي والزهري والسدي وبه قال الشافعي في القديم ومالك. ~~والقول الثاني أنه الزوج، وهو قول علي وابن عباس في الرواية الأخرى وجبير ~~بن مطعم وسعيد بن المسيب وابن جبير ومجاهد والربيع وقتادة ومقاتل والضحاك ~~ومحمد بن كعب القرظي وهو قول أبي # PageV01P171 # حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد وجمهور الفقهاء فعلى القول الأول يكون ~~معنى الآية إلا أن تعفو المرأة إذا كانت ثيبا بالغة من أهل العفو عن نصيبها ~~للزوج أو يعفو وليها إذا كانت المرأة بكرا صغيرة أو غير جائزة التصرف فيجوز ~~عفو وليها فيترك نصيبها للزوج وإنما يجوز عفو الولي بشروط وهي أن تكون بكرا ~~صغيرة ويكون الولي أبا أو جدا لأن غيرهما لا يزوج الصغيرة وعلى القول ~~الثاني أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج وصحح هذا القول الطبري والواحدي ~~فيكون معنى الآية أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني الزوج فيعطي المرأة ~~الصداق كاملا لأن الله تعالى لما ذكر عفو المرأة عن النصف الواجب لها ذكر ~~عفو الزوج عن النصف الساقط عنه فيحسن للمرأة أن تعفو ولا تطالب بشيء من ~~الصداق وللرجل أن يعفو فيوفي لها المهر كاملا. وروي أن جبير بن مطعم تزوج ~~امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو، ولأن ~~المهر حق المرأة فليس لوليها أن يهب من مالها شيئا، فكذلك المهر لأنه مال ~~لها وأن تعفوا أقرب للتقوى هذا خطاب للرجال والنساء جميعا وإنما غلب جانب ~~التذكير لأن الذكورة هي الأصل والتأنيث فرع عنها والمعنى وعفو بعضكم عن بعض ~~أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى وقيل هو خطاب للزوج والمعنى ~~وليعف الزوج فيترك حقه الذي ساق من المهر إليها قبل الطلاق فهو أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم يعني ليتفضل بعضكم على بعض فيعطي الرجل الصداق كاملا ~~أو يترك المرأة نصيبها من الصداق حثهما جميعا على الإحسان ومكارم الأخلاق ~~إن الله بما تعملون يعني من ms0321 عفو بعضكم لبعض عما وجب له عليه من حق بصير أي ~~لا يخفى عليه شيء من ذلك. # قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # حافظوا أي داوموا وواظبوا على الصلوات يعني الخمس المكتوبات أمر الله عز ~~وجل عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس المكتوبات بجميع شروطها وحدودها ~~وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها والصلاة الوسطى تأنيث الأوسط ~~ووسط كل شيء خيره وأعدله وقيل الوسطى يعني الفضلى من قولهم للأفضل أوسط ~~وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل وقيل سميت الوسطى لأنها ~~أوسط الصلوات محلا. # (فصل في ذكر اختلاف العلماء في الصلاة الوسطى) قد اختلف العلماء من ~~الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى على مذاهب: الأول أن الصلاة الوسطى هي ~~صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وعطاء وعكرمة ~~ومجاهد والربيع بن أنس، وبه قال مالك والشافعي، ويدل على ذلك أن مالكا بلغه ~~أن علي بن أبي طالب وابن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الفجر أخرجه ~~مالك في الموطأ، وأخرجه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقا. ولأنها بين ~~صلاتي جمع فالظهر والعصر يجمعان وهما صلاتا نهار، والمغرب والعشاء يجمعان ~~وهما صلاتا ليل وصلاة الفجر لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها ولأنها تأتي في وقت ~~مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء إلى غيرها ولأنها ~~تأتي في وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء وكثرة ~~النعاس وغفلة الناس عنها فخصت بالمحافظة عليها لكونها معرضة للضياع ولأن ~~الله تعالى قال عقبها وقوموا لله قانتين والقنوت هو طول القيام وصلاة الفجر ~~مخصوصة بطول القيام ولأن الله تعالى خصها بالذكر في قوله وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فهي مكتوبة ~~في ديوان حفظة الليل وديوان حفظة النهار فدل ذلك على مزيد فضلها. المذهب ~~الثاني أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد ms0322 ~~الخدري ورواية عائشة وبه قال عبيد الله بن شداد وهو رواية عن أبي حنيفة ~~ويدل على # PageV01P172 # ذلك ما روي عن زيد بن ثابت وعائشة قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر، أخرجه ~~مالك في الموطأ عن زيد والترمذي عنهما تعليقا وأخرجه أبو داود عن زيد قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة ~~أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فنزلت: حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ولأن صلاة ~~الظهر تأتي وسط النهار وفي شدة الحر ولأنها تأتي بين البردين يعني صلاة ~~الفجر وصلاة العصر. المذهب الثالث أنها صلاة العصر وهو قول علي وابن مسعود ~~وأبي أيوب وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة، وهو قول ~~عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ~~ومقاتل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وقال الترمذي: هو قول ~~أكثر الصحابة فمن بعدهم وقال الماوردي من أصحابنا: هذا مذهب الشافعي لصحة ~~الأحاديث فيه قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة ~~في العصر ومذهبه اتباع الحديث ويدل على صحة هذا المذهب ما روي عن علي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب وفي رواية يوم الخندق «ملأ الله ~~قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وفي ~~رواية «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» وذكر نحوه وزاد في أخرى «ثم ~~صلاها بين المغرب والعشاء» أخرجاه في الصحيحين (م) عن ابن مسعود قال حبس ~~المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو ~~اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا» ~~عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر» أخرجه الترمذي وله عن ابن مسعود مثله وقال في ms0323 كل واحد منهما حسن ~~صحيح (م) عن أبي يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب مصحفا وقالت إذا ~~بلغت هذه الآية فآذني: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال فلما بلغتها ~~آذنتها فأملت علي: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا ~~لله قانتين» قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عن ~~حفصة نحو ذلك، ولأن صلاة العصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم فكان الأمر ~~بالمحافظة عليها أولى، ولأنها تأتي بين صلاتي نهار وهما الفجر والظهر ~~وصلاتي ليل # وهما المغرب والعشاء، وقد خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة والتغليظ ~~لمن ضيعها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة ~~فقال في يوم ذي غيم: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» أخرجه البخاري. قوله بكروا بصلاة العصر ~~أي قدموها في أول وقتها (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» قوله: وتر أي نقص وسلب ~~أهله وماله فبقي فردا بلا أهل ولا مال ومعنى الحديث ليكن حذره من فوت صلاة ~~العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. المذهب الرابع أنها صلاة المغرب قاله ~~قبيصة بن ذؤيب، وحجة هذا المذهب أن صلاة المغرب تأتي بين بياض النهار وسواد ~~الليل ولأنها أزيد من ركعتين كما في الصبح، وأقل من أربع، ولا تقصر في ~~السفر وهي وتر النهار، ولأن صلاة الظهر تسمى الأولى لأن ابتداء جبريل كان ~~بها، وإذا كانت الظهر أولى الصلوات كانت المغرب هي الوسطى. المذهب الخامس ~~أنها صلاة العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، وإنما ذكرها بعض ~~المتأخرين، وحجة هذا المذهب أنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران وهما المغرب ~~والصبح ولأنها أثقل صلاة على المنافقين. المذهب السادس أن الصلاة الوسطى هي ~~إحدى الصلوات الخمس لا بعينها لأن الله تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات ~~الخمس ثم عطف عليها ms0324 بالصلاة الوسطى، وليس في الآية ذكر بيانها، وإذا كان ~~كذلك أمكن أن يقال في كل واحدة من الصلوات الخمس أنها هي الوسطى أبهمها ~~الله على عباده مع ما خصها بمزيد التوكيد تحريضا لهم على المحافظة على أداء ~~جميع الصلوات على صفة الكمال والتمام ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة ~~القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في ~~جميع أسمائه ليحافظوا على ذلك كله. وهذا المذهب اختاره # PageV01P173 # جمع من العلماء قال محمد بن سيرين إن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة ~~الوسطى فقال حافظ على الصلوات كلها تصبها وسئل الربيع ابن خيثم عن الصلاة ~~فقال للسائل الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى ثم ~~قال أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن فقال السائل ~~لا فقال الربيع إنك أن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى. والصحيح من هذه ~~الأقوال كلها قولان قول من قال إنها الصبح وقول من قال إنها العصر وأصح ~~الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة الواردة فيها والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: وقوموا لله قانتين أي طائعين فهو عبارة عن إكمال الطاعة ~~وإتمامها والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها قيل لكل أهل دين صلاة ~~يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم طائعين، وقيل القنوت هو ~~الدعاء والذكر بدليل: «أمن هو قانت» ولما أمر بالمحافظة على الصلوات وجب أن ~~يحمل هذا القنوت على ما فيها من الذكر والدعاء فمعنى الآية وقوموا لله ~~داعين ذاكرين وقيل إنما خص القنوت بصلاة الصبح والوتر لهذا المعنى، وقيل: ~~القنوت هو السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة، ويدل على ذلك ما روي عن ~~زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في ~~الصلاة حتى نزلت: وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» ~~أخرجاه في الصحيحين، وقيل: القنوت هو طول القيام في الصلاة ويدل عليه ما ~~روي عن جابر قال: قال رسول ms0325 الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول ~~القنوت» أخرجه مسلم ومن القنوت أيضا طول الركوع والسجود وغض البصر والهدوء ~~في الصلاة وخفض الجناح والخشوع فيها وكان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب ~~الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمور ~~الدنيا إلا ناسيا قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 239] # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) # فإن خفتم فرجالا أي رجالة أو ركبانا يعني على الدواب جمع راكب والمعنى إن ~~لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود ~~والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ~~دوابكم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وهذا في حال المقاتلة والمسايفة في ~~وقت الحرب. وصلاة الخوف قسمان: أحدهما أن يكون في حال القتال وهو المراد ~~بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله ~~تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله ~~تعالى في موضعه، فإذا التحم القتال ولم يكن تركه لأحد فمذهب الشافعي أنهم ~~يصلون ركبانا على الدواب ومشاة على الأرجل إلى القبلة وإلى غير القبلة ~~يؤمنون بالركوع والسجود ويكون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصياح ~~فإنه لا حاجة إليه، وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر الصلاة ويقضيها ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق فصلى الظهر والعصر ~~والمغرب بعد ما غربت الشمس فيجب علينا الاقتداء به في ذلك واحتج الشافعي ~~لمذهبه بهذه الآية. وأجيب عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم ~~الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف وإنما نزل بعد فلما نزلت صلاة الخوف ~~لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صلاة قط، أما الخوف الحاصل لا في ~~القتال بل بسبب آخر كالهارب من العدو أو قصده سبع هائج أو غشيه سيل يخاف ~~على نفسه ms0326 الهلاك لو صلى صلاة أمن فله أن يصلي صلاة شدة الخوف بالإيماء في ~~حال العدو لأن قوله تعالى: فإن خفتم مطلق يتناول الكل. فإن قلت: قوله ~~تعالى: فرجالا أو ركبانا يدل على أن المراد منه خوف العدو حال القتال. قلت ~~هو كذلك إلا أنه هناك ثابت لدفع الضرر، وهذا المعنى موجود هنا فوجب أن يكون ~~الحكم كذلك هاهنا وروي عن ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» أخرجه ~~مسلم، وقد عمل بظاهر هذا جماعة من السلف منهم الحسن البصري وعطاء وطاوس # PageV01P174 # ومجاهد وقتادة والضحاك وإبراهيم وإسحاق بن راهويه قالوا: يصلي في حال شدة ~~الخوف ركعة وقال الشافعي ومالك وجمهور العلماء صلاة الخوف كصلاة الأمن في ~~عدد الركعات قال كان الخوف في الحضر وجب عليه أن يصلي أربع ركعات وإن كان ~~في السفر صلى ركعتين ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال ~~وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد به ركعة مع الإمام وركعة أخرى ~~يأتي بها منفردا كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه في صلاة الخوف وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين ~~الأحاديث. وقوله تعالى: فإذا أمنتم يعني من خوفكم فاذكروا الله أي فصلوا ~~لله الصلوات الخمس تامة بأركانها وسننها كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون فيه ~~إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم ولولا هدايته وتعليمه إيانا لم ~~نعلم شيئا ولم نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # والذين يتوفون منكم يعني يا معشر الرجال ويذرون أزواجا يعني زوجات وصية ~~لأزواجهم قرئ بالنصب على معنى فليوصوا وصية وبالرفع على معنى كتب عليهم ~~وصية متاعا إلى الحول أي متعوهن ms0327 متاعا وقيل جعل الله لهن ذلك متاعا والمتاع ~~نفقة سنة لطعامها وكسوتها وما تحتاج إليه غير إخراج أي غير مخرجات من ~~بيوتهن نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر ~~إلى المدينة ومعه أبواه وامرأته وله أولاد فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبويه ~~وأولاده ميراثه ولم يعط امرأته شيئا وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها ~~حولا وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدت زوجته حولا ~~وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول وكانت نفقتها ~~وسكناها واجبتين في مال زوجها تلك السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها ~~تكون مخيرة فإن شاءت اعتدت في بيت زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت ~~خرجت قبل تمام الحول وليس لها نفقة ولا سكنى، وكان يجب على الرجل أن يوصي ~~بذلك فدلت هذه الآية على مجموع أمرين: أحدهما أن لها النفقة والسكنى من مال ~~زوجها سنة والثاني أن عليها عدة سنة ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، ~~أما الوصية بالنفقة والسكنى فنسخ بآية الميراث فجعل لها الربع أو الثمن ~~عوضا عن النفقة والسكنى ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشرا. فإن قلت كيف ~~نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية المتقدمة متقدمة في ~~التلاوة متأخرة في التنزيل كقوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس مع قوله ~~تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء. وقوله تعالى: فإن خرجن فلا جناح عليكم ~~يعني يا معشر أولياء الميت في ما فعلن في أنفسهن من معروف يعني التزين ~~للنكاح ولرفع الحرج عن الورثة وجهان: أحدهما أنه لا جناح عليكم في قطع ~~النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. # والوجه الثاني لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت ~~زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم في بيت زوجها حولا ~~ولها النفقة والسكنى وبين أن ms0328 تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى ثم نسخ الله ذلك ~~بأربعة أشهر وعشرا والله عزيز أي غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه ~~وتعدى حدوده حكيم يعني فيما شرع من الشرائع وبين من الأحكام. قوله عز وجل: # PageV01P175 # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 241 الى 243] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون (242) ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون (243) # وللمطلقات متاع بالمعروف إنما أعاد الله تعالى ذكر المتعة هنا لزيادة ~~معنى وهو أن في تلك الآية بيان حكم غير الممسوسة وفي هذه الآية بيان حكم ~~جميع المطلقات في المتعة وقيل لأنه لما نزل قوله تعالى: # ومتعوهن على الموسع قدره إلى قوله: حقا على المحسنين قال رجل من المسلمين ~~إن فعلت أحسنت وإن لم أرد لم أفعل فأنزل الله تعالى: وللمطلقات متاع ~~بالمعروف فجعل المتعة لهن بلام التمليك وقال تعالى: # حقا على المتقين يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك وقد تقدم أحكام المتعة. ~~وقوله تعالى: كذلك يبين الله لكم آياته يعني يبين لكم ما يلزم ويلزم ~~أزواجكم أيها المؤمنون وكما عرفتكم أحكامي والحق الذي يجب لبعضكم على بعض ~~في هذه الآيات كذلك أبين لكم سائر أحكامي في آياتي التي أنزلتها على محمد ~~صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب لعلكم تعقلون أي لكي تعقلوا ما بينت لكم ~~من الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم اه. قوله عز وجل: ألم تر ~~إلى الذين خرجوا من ديارهم قال أكثر المفسرين: كانت قرية يقال لها داوردان ~~وقع بها الطاعون فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة فسلم الذين خرجوا وهلك أكثر ~~من بقي بالقرية فلما ارتفع الطاعون رجع الذين خرجوا سالمين فقال الذين بقوا ~~كان أصحابنا أحزم منا رأيا لو صنعا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع ~~الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء فيها فرجع الطاعون من قابل ms0329 فهرب عامة ~~أهلها فخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح فلما نزلوا المكان الذين يبتغون فيه ~~النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وملك آخر من أعلاه أن موتوا فماتوا ~~جميعا. (ق) عن عمر أنه خرج إلى الشام فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع ~~بها فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها ~~فرارا منه» فحمد الله عمر ثم انصرف وقيل إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكا ~~من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فعسكروا ثم جبنوا ~~وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم إن الأرض التي تأتيها بها وباء فلا ~~تخرج حتى ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا فرارا منه فلما ~~رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية ~~في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم ~~موتوا عقوبة لهم فماتوا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فما أتى عليهم ثمانية ~~أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج الناس إليهم فعجزوا عن دفنهم فحظروا ~~حظيرة دون السباع فذلك قوله تعالى: ألم تر أي ألم تعلم يا محمد بإعلامي ~~إياك وهو من رؤية القلب قال أهل المعاني هو تعجيب له يقول هل رأيت مثل ~~هؤلاء كما تقول ألم تر إلى صنيع فلان وكل ما في القرآن من قوله ألم تر ولم ~~يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا معناه. قوله تعالى: وهم ألوف قيل هو ~~من العدد واختلفوا في مبلغ عددهم فقيل ثلاثة آلاف وقيل عشرة آلاف وقيل بضع ~~وثلاثون ألفا وقيل أربعون ألفا وقيل سبعون ألفا وأصح الأقوال قول من قال ~~إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف لأن الله تعالى قال: وهم ألوف والألوف جمع ~~الكثير وجمع القليل آلاف وقيل معنى وهم ألوف مؤتلفون جمع ألف والأول أصح ~~قالوا فمر عليهم مدة فبليت أجسادهم وعريت عظامهم ms0330 فمر عليهم حزقيل بن بوذى ~~هو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى. وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد ~~موسى كان يوشع بن نون ثم كان من بعده كالب بن يوقنا ثم قام من بعده حزقيل. ~~وكان يقال له ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد بعد ما ~~كبرت وعقمت فوهب الله لها حزقيل ويقال له ذو الكفل سمي به لأن تكفل سبعين ~~نبيا وأنجاهم من القتل فلما مر حزقيل على هؤلاء الموتى وقف عليهم وجعل يفكر ~~فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك قال نعم يا رب فأحياهم الله ~~تعالى وقيل دعا ربه حزقيل أن يحيهم فأحياهم الله تعالى وقيل إنهم كانوا ~~قومه أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج في ~~طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال يا رب كنت في قوم يعبدونك ويذكرونك فبقيت ~~وحيدا لا قوم لي فأوحى الله إليه إني قد جعلت حياتهم إليك فقال حزقيل أحيوا # PageV01P176 # بإذن الله فعاشوا، وقيل إنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله ~~إلا أنت ثم رجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم لا ~~يلبسون ثوبا إلا عاد دنسا مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. قال ~~ابن # عباس: وإنها لتوجد اليوم تلك الريح في ذلك السبط من اليهود: قال قتادة: ~~مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثهم الله ليستوفوا ~~بقية آجالهم ولو جاءت آجالهم لما بعثوا. فإن قلت كيف أميت هؤلاء مرتين في ~~الدنيا وقد قال الله تعالى: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى قلت إن ~~موتهم كان عقوبة لهم كما قال قتادة وقيل إن موتهم وإحياءهم كان معجزة من ~~معجزات ذلك النبي ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات، ونوادر فلا يقاس عليها ~~فيكون قوله إلا الموتة الأولى عاما مخصوصا بمعجزات الأنبياء أي إلا الموتة ~~الأولى التي ليست من معجزات الأنبياء ولا من خوارق العادات وفي هذه الآية ~~احتجاج على اليهود ومعجزة عظيمة ms0331 لنبينا صلى الله عليه وسلم حيث أخبرهم بأمر ~~لم يشاهدوه وهم يعلمون صحة ذلك وفيه احتجاج على منكري البعث أيضا إذ قد ~~أخبر الله تعالى وهو الصادق في خبره أنه أماتهم ثم أحياهم في الدنيا فهو ~~تعالى قادر على أن يحييهم يوم القيامة، وقوله تعالى: حذر الموت أي مخافة ~~الطاعون وكان قد نزل بهم وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا يحتمل أنهم ماتوا عند قوله تعالى موتوا ويحتمل أن يكون ذلك ~~أمر تحويل فهو كقوله: كونوا قردة خاسئين ثم أحياهم يعني بعد موتهم إن الله ~~لذو فضل على الناس يعني أن الله تعالى تفضل على أولئك الذين أماتهم ~~باحيائهم لأنهم ماتوا على معصيته فتفضل عليهم بإعادتهم إلى الدنيا ليتوبوا ~~وقيل هو على العموم فهو تعالى متفضل على كافة الخلق في الدنيا ويخص ~~المؤمنين بفضله يوم القيامة ولكن أكثر الناس لا يشكرون يعني أن أكثر من ~~أنعم الله عليه لا يشكره أما الكافر فإنه لم يشكره أصلا وأما المؤمنون فلم ~~يبلغوا غاية شكره. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 244 الى 245] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ~~(245) # وقاتلوا في سبيل الله قيل هو خطاب للذين أحيوا أحياهم الله ثم أمرهم ~~بالجهاد فعلى هذا القول فيه إضمار تقديره وقيل لهم قاتلوا في سبيل الله ~~وقيل هو خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه لا تهربوا من الموت كما ~~هرب هؤلاء فلم ينفعهم ذلك ففيه تحريض للمؤمنين على الجهاد واعلموا أن الله ~~سميع يعني لما يقوله المتعلل عن القتال عليم بما يضمره. قوله عز وجل: من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه فسمى ~~الله تعالى عمل المؤمنين له قرضا على رجاء ما وعدهم به من الثواب لأنهم ~~يعلمون لطلب الثواب، وقيل: القرض من ما أسلفت من عمل صالح أو ms0332 شيء قال أمية ~~بن أبي الصلت: # كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا ... أو سيئا أو مدينا كالذي دانا # وأصل القرض في اللغة القطع سمي به لأن المقرض يقطع من ماله شيئا فيعطيه ~~ليرجع إليه مثله ومعنى الآية من ذا الذي يقدم لنفسه إلى الله ما يرجو ثوابه ~~عنده وهذا تلطف من الله تعالى في استدعاء عباده إلى أعمال البر والطاعة ~~وقيل في الآية اختصار تقديره من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه ~~فهو كقوله: إن الذين يؤذون الله أي يؤذون عباد الله، وكما جاء في الحديث ~~الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله ~~تبارك وتعالى يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف ~~أطعمك وأنت رب العالمين؟ # قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك ~~عندي؟» الحديث، واختلفوا في المراد بهذا القرض، فقيل هو الإنفاق في سبيل ~~الله، وقيل هو الصدقة الواجبة قيل صدقة التطوع لأن الله تعالى سماه قرضا ~~والقرض لا يكون إلا تبرعا ولما روى الطبري بسنده عن ابن مسعود قال: لما ~~نزلت: من ذا الذي # PageV01P177 # يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح وإن الله يريد منا القرض؟ قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا الدحداح قال: ناولني يدك فناوله يده قال: ~~فإني قد أقرضت ربي حائطي حائطا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط ~~وأم الدحداح فيه في عيالها فناداها يا أم الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من ~~الحائط فإني قد أقرضته لربي، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم ~~من عذق رداح لأبي الدحداح وقيل في معنى يقرض الله أي ينفق في طاعته فيدخل ~~فيه الواجب والتطوع وهو الأقرب حسنا يعني محتسبا طيبة به نفسه. وقيل: هو ~~الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر وقيل هو أن لا يمن بالقرض ولا يؤذي ~~وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا ms0333 سمعة فيضاعفه له يعني ثواب ~~ما أنفق أضعافا كثيرة قيل هو يضاعفه إلى سبعمائة ضعف، وقال السدي هذا ~~التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى وهذا هو الأصح وإنما أبهم الله ذلك لأن ~~ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود والله يقبض ويبصط قيل يقبض ~~بإمساك الرزق والتقتير على من يشاء ويبسط بمعنى يوسع على من يشاء وقيل يقبض ~~بقبول الصدقة ويبسط بالخلف والثواب وقيل إنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم ~~على الإنفاق أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإرادته وإعانته والمعنى ~~والله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط ~~بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر. كما روي عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء» ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك» ~~أخرجه مسلم. وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها والسكوت ~~عنها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا إثبات جارحة، هذا مذهب ~~أهل السنة وسلف هذه الأمة وإليه ترجعون يعني في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 246] # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل الملأ أشراف القوم ووجوههم وأصله ~~الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط من بعد موسى أي من بعد ~~موت موسى أي من بعد زمنه منه إذ قالوا يعني أولئك الملأ لنبي لهم اختلفوا ~~في ذلك النبي ms0334 فقيل هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب وقيل هو ~~شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب وإنما سمي شمعون لأن أمه دعت ~~الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله لها فولدت غلاما فسمته شمعون ومعناه سمع ~~الله دعائي وتبدل السين بالعبرانية شينا وقال أكثر المفسرين هو أشمويل بن ~~يال وقيل: هو ابن هلفائي. قيل إنه من ولد هارون ومعرفة حقيقة ذلك النبي ~~بعينه ليست مرادة من القصة إنما المراد منها الترغيب في الجهاد وذلك حاصل. # (ذكر الإشارة إلى القصة) كان سبب مسألة أولئك الملأ لذلك النبي أنه لما ~~مات موسى عليه السلام خلف من بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم ~~أمر الله تعالى. ويحكم بالتوراة حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف من بعده كالب ~~بن يوقنا كذلك، ثم حزقيل كذلك، حتى قبضه الله تعالى فعظمت الأحداث بعده في ~~بني إسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم إلياس نبيا ~~فدعاهم إلى الله تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى # PageV01P178 # يبعثون إليهم ليجددوا ما نسوا من التوراة ويأمروهم بالعمل بأحكامها. ثم ~~خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله تعالى. ~~ثم خلف من بعده خلوف وعظمت فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلثاثا وهم ~~قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة ~~فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم ~~وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما، فضربوا عليهم الجزية ~~وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدبر ~~أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة ~~أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت ~~المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه ~~بالعربية إسماعيل. تقول: سمع الله دعائي فلما كبر الغلام أسلمته ms0335 لتعليم ~~التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أتاه ~~جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ وكان الشيخ لا يأمن عليه أحدا ~~فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا أشمويل! فقام الغلام فزعا إلى الشيخ وقال: يا ~~أبتاه رأيتك تدعوني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع ~~فنم فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام: دعوتني فقال: نم فإن دعوتك فلا ~~تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له: جبريل عليه السلام وقال له اذهب إلى قومك ~~فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا له ~~استعجلت بالنبوة ولم تنلك وقالوا له إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله آية على نبوتك وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على ~~الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو ~~الذي يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده ويأتيه بالخبر من ربه. قال وهب فبعث ~~الله أشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت ~~والعمالقة ما كان فذلك قوله تعالى: إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل ~~في سبيل الله جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك قال يعني قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هل عسيتم هذا استفهام شك يقول لعلكم إن كتب أي فرض عليكم ~~القتال يعني مع ذلك الملك ألا تقاتلوا يعني لا تفوا بما قلتم وتجنبوا عن ~~القتال معه قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله. فإن قلت ما وجه دخول أن ~~والعرب لا تقول ما لك أن لا تفعل كذا ولكن تقول ما لك لا تفعل كذا. قلت ~~دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فالإثبات كقوله: ما لك ألا تكون مع الساجدين ~~والحذف كقوله ما لكم لا تؤمنون وقيل معناه: وما لنا في أن لا نقاتل بحذف ~~حرف الجر وقيل أن هنا زائدة ومعناه وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا ms0336 وأبنائنا أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم فظاهر الكلام ~~العموم وباطنه الخصوص لأن الذين قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكا كانوا في ~~ديارهم وأبنائهم وإنما أخرج من أسر منهم ومعنى الآية أنهم قالوا لنبيهم إنا ~~إنما كنا تركنا الجهاد لأنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا ~~فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع نساءنا وأولادنا قال ~~الله تعالى: فلما كتب عليهم القتال في الكلام حذف وتقديره فسأل الله ذلك ~~النبي فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فلما كتب عليهم القتال تولوا أي ~~أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله إلا قليلا منهم يعني لم يتولوا عن الجهاد ~~هم الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي في قصتهم ~~إن شاء الله تعالى # والله عليم بالظالمين يعني هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف أمر ربه ولم يف ~~بما قال. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 247] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا وذلك أن أشمويل سأل الله ~~عز وجل أن يبعث لهم # PageV01P179 # ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس، وقيل له إن صاحبكم الذي يكون ملكا ~~يكون طوله طول هذه العصا وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل ~~فنش الدهن في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم ~~واسم طالوت بالعبرانية ساول بن قيس من سبط بنيامين بن يعقوب. وإنما سمي ~~طالوت لطوله وكان أطول من جميع الناس برأسه ومنكبيه وكان طالوت رجلا دباغا ~~يدبغ الأديم قاله وهب وقيل كان سقاء يستقي الماء على حمار فضل حماره فخرج ~~يطلبه. وقال وهب: ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله أبوه ومعه غلام ms0337 في طلبها فمر ~~على بيت أشمويل النبي فقال الغلام لطالوت لو دخلنا على هذا النبي فسألناه ~~عن أمر الحمر ليرشدنا أو ليدعو لنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له ~~حاجتهما إذ نش الدهن في القرن فقام أشمويل فقاس طالوت بالعصا فكانت على ~~طوله فقال لطالوت قرب رأسك فقربه إليه فدهنه بدهن القدس. وقال له: أنت ملك ~~بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت أو ما علمت ~~أن سبطي من أدنى أسباط بني إسرائيل قال: بلى قال فبأي آية قال بآية أنك ~~ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك ثم قال لبني إسرائيل إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا وقيل إنه جلس عنده وقال يا أيها الناس إن الله ملك طالوت فأتت ~~عظماء بني إسرائيل إلى نبيهم أشمويل وقالوا له: ما شأن طالوت تملك علينا ~~وليس هو من بيت النبوة ولا المملكة وقد عرفت أن النبوة في سبط لاوي بن ~~يعقوب والمملكة في سبط يهوذا بن يعقوب فقال لهم نبيهم أشمويل إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا أي من أين يكون له الملك ~~وكيف يستحقه ونحن أحق بالملك منه إنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل ~~سبطان سبط نبوة وسبط مملكة فسبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى ~~وهارون عليهما السلام وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود ~~وسليمان عليهما السلام ولم يكن طالوت من أحدهما. وإنما كان من سبط بنيامين ~~بن يعقوب فلهذا السبب أنكروا كونه ملكا لهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه ثم ~~أكدوا ذلك بقولهم ولم يؤت سعة من المال يعني أنه فقير والملك يحتاج إلى ~~المال قال يعني أشمويل النبي إن الله اصطفاه عليكم أي اختاره عليكم وخصه ~~بالملك وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من زعم من الشيعة أن الإمامة ~~موروثة وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت ~~المملكة فرد الله ms0338 عليهم وأعلمهم أن هذا شرط فاسد والمستحق للملك من خصه ~~الله به وزاده بسطة أي فضيلة وسعة في العلم وذلك أنه كان من أعلم بني ~~إسرائيل وقيل إنه أوحى إليه حين أوتي الملك وقيل هو العلم في الحرب والجسم ~~يعني بالطول وذلك لأنه كان أطول من الناس برأسه ومنكبيه وقيل بالجمال وكان ~~طالوت من أجمل بني إسرائيل وقيل المراد به القوة لأن العلم بالحروب والقوة ~~على الأعداء مما فيه حفظ المملكة والله يؤتي ملكه من يشاء يعني أن الله ~~تعالى لا اعتراض عليه لأحد في فعله فيخص بملكه من يشاء من عباده والله واسع ~~يعني أن الله تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة وسعت رحمته كل شيء ووسع فضله ~~ورزقه كل خلقه والمعنى أنكم طعنتم في طالوت بكونه فقيرا والله واسع الفضل ~~والرزق فإذا فوض إليه الملك فتح عليه أبواب الرزق والمال من فضله وسعته ~~وقيل الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى عليم يعني أنه تعالى مع قدرته ~~على إغناء الفقير عالم بما يحتاج إليه في تدبير نفسه وملكه والعليم هو ~~العالم بما يكون وبما كان. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 248] # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت وذلك أنهم سألوا أشمويل ~~النبي فقالوا ما آية ملكه فقال: # PageV01P180 # إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت. وكانت قصة التابوت على ما ذكره علماء ~~السير والأخبار أن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور ~~الأنبياء عليهم السلام وكان التابوت من خشب الشمشاد طوله ثلاثة أذرع في عرض ~~ذراعين فكان عند آدم ثم صار إلى شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ ~~إبراهيم عليه السلام ثم كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر أولاده ثم صار إلى ~~يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل ms0339 إلى موسى عليه السلام فكان يضع فيه ~~التوراة ومتاعا من متاعه ثم كان عنده إلى أن مات ثم تداوله أنبياء بني ~~إسرائيل إلى وقت أشمويل وكان في التابوت ما ذكر الله تعالى وهو قوله: فيه ~~سكينة من ربكم واختلفوا في تلك السكينة ما هي فقال علي بن أبي طالب: هي ريح ~~خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد: هي شيء يشبه الهرة له ~~رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له عينان لهما شعاع ~~وجناحان من زمرد وزبرجد، وكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا النصر، فكانوا إذ ~~خرجوا وضعوا التابوت قدامهم، فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا. وقال ابن عباس ~~هي طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وقال وهب هي روح من ~~الله تعالى تتكلم إذا اختلفوا في شيء فتخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء ~~بن أبي رباح هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها وقال قتادة والكلبي ~~هي فعلية من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا ~~وسكنوا إليه وهذا القول أولى بالصحة فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو ~~سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة ولم ~~يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر. # وقوله تعالى: وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون يعني موسى وهارون أنفسهما ~~بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتيت مزمارا من ~~مزامير آل داود» فالمراد به داود نفسه. واختلفوا في تلك البقية التي ترك آل ~~موسى وآل هارون فقيل رضاض من الألواح وعصا موسى قاله ابن عباس وقيل عصا ~~موسى وعصا هارون وشيء من ألواح التوراة وقيل كانت العلم والتوراة. وقيل كان ~~فيه عصا موسى ونعلاه وعصا هارون وعمامته وقفيز من المن الذي ينزل على بني ~~إسرائيل فكان التابوت عند بني إسرائيل يتوارثونه قرنا بعد قرن وكانوا إذا ~~اختلفوا في شيء تحاكموا إليه فيتكلم ويحكم ms0340 بينهم. وكانوا إذا حضروا القتال ~~قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فينصرون فلما عصوا وأفسدوا سلط ~~الله عز وجل عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وأخذوه منهم وكان السبب في ~~ذلك أنه كان لعيلى وهو الذي ربي أشمويل ابنان شابان وكان عيلى حبر بني ~~إسرائيل وصاحب قربانهم في زمنه فأحدث ابناه في القربان شيئا لم يكن فيه ~~وذلك أنه كان منوط القربان الذي ينوطونه كلابين فما أخرجا كانا للكاهن الذي ~~كانا ينوطه فجعل ابناه كلاليب. وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان ~~بهن فأوحي إلى أشمويل: أن انطلق إلى عيلى وقل له منعك حب الولد من أن تزجر ~~ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي شيئا وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ~~ومن ولدك ولأهلكنك وإياهما. فأخبره أشمويل بذلك ففزع وسار إليهم عدوهم من ~~حولهم فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا ~~معهما التابوت فلما تهيؤوا القتال جعل عيلى يتوقع الخبر فجاءه رجل فأخبره ~~أن الناس قد انهزموا وقد قتل ابناه قال: فما فعل في التابوت قال أخذه ~~العدو. وكان عيلى قاعدا على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فخرج أمر بني ~~إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوا أشمويل البينة على صحة ~~ملك طالوت فقال لهم نبيهم يعني أشمويل: إن آية ملكه يعني علامة ملكة التي ~~تدل على صحته أن يأتيكم التابوت وكانت قصة رجوع التابوت على ما ذكره أصحاب ~~الأخبار أن الذين أخذوا التابوت من بني إسرائيل أتوا به قرية من قرى فلسطين ~~يقال لها أزدود فجعلوه في بيت أصنام لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم فأصبحوا ~~من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت ~~فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح الصنم ملقى تحت التابوت وأصبحت ~~أصنامهم منكسة فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام ووضعوه في ناحية من مدينتهم ~~فأخذ أهل تلك # PageV01P181 # الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم. فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم ~~أن إله بني إسرائيل لا ms0341 يقوم له شيء فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله على ~~أهل تلك الناحية فأرة فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في ~~جوفه. فأخرجوه إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه ~~الباسور والقولنج فتحيروا فيه فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم ~~وهي من بنات الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم ~~فأخرجوه عنكم. فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت ثم ~~علقوها في ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بالثورين ~~أربعة أملاك يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما ~~وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى ~~أرضهما ما لم يرع بني إسرائيل إلا والتابوت عندهم فكبروا وحمدوا الله ~~تعالى. # تحمله الملائكة أي تسوقه. وقال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت تحمله ~~بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت. وقال الحسن كان ~~التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته ~~بينهم. وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي ~~هناك فأقبلت الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت فأصبح في داره فأقروا ~~بملكه إن في ذلك لآية لكم يعني قال لهم نبيهم أشمويل إن في مجيء التابوت ~~تحمله الملائكة لآية لكم يعني علامة ودلالة على صدقي فيما أخبرتكم أن الله ~~قد بعث لكم طالوت ملكا إن كنتم مؤمنين يعني مصدقين بذلك قال المفسرون فلما ~~جاءهم التابوت وأقروا بالملك لطالوت تأهب للخروج إلى الجهاد فأسرعوا لطاعته ~~وخرجوا معه وذلك قوله تعالى: # ### || [سورة البقرة (2): آية 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من ms0342 فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # فلما فصل طالوت بالجنود أي خرج وأصل الفصل القطع يعني قطع مستقره شاخصا ~~إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم سبعون ألف مقاتل. وقيل ~~ثمانون ألفا وقيل مائة وعشرون ألفا ولم يتخلف عنه إلا كبير لكبره أو مريض ~~لمرضه أو معذور لعذره وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر ~~فسارعوا إلى الخروج في الجهاد وكان مسيرهم في حر شديد فشكوا إلى طالوت قلة ~~الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا ~~نهرا قال طالوت إن الله مبتليكم بنهر أي مختبركم به لتبين طاعتكم وهو أعلم ~~بذلك قال ابن عباس هو نهر فلسطين وقيل هو نهر عذب بين الأردن وفلسطين فمن ~~شرب منه فليس مني أي فليس من أهل ديني وطاعتي ومن لم يطعمه أي لم يذقه يعني ~~الماء فإنه مني يعني من أهل طاعتي إلا من اغترف غرفة بيده قرئ بفتح الغين ~~وضمها لغتان، وقيل الغرفة بالضم التي تحصل في الكف من الماء والغرفة بالفتح ~~الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر فشربوا منه يعني من النهر إلا قليلا منهم ~~قيل هم أربعة آلاف لم يشربوا منه وقيل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وهو الصحيح ~~ويدل على ذلك ما روي عن البراء بن عازب قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم يتحدثون أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ~~ولم يجاوزه معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة» أخرجه البخاري قيل البضع هنا ~~ثلاثة عشر، فلما وصلوا إلى النهر ألقي عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا ~~العدد القليل وكان من اغترف منه غرفة كما أمره الله تعالى كفته لشربه وشرب ~~دوابه وقوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما والذين شربوا منه وخالفوا أمر # PageV01P182 # الله تعالى اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وجبنوا وبقوا على شط ~~النهر ولم يجاوزوه، وقيل جاوزوه كلهم ولكن الذين شربوا لم يحضروا القتال ms0343 ~~وإنما قاتل أولئك القليل الذين لم يشربوا وهو قوله تعالى: فلما جاوزه هو ~~يعني جاوز النهر طالوت والذين آمنوا معه يعني أولئك القليل قالوا يعني ~~الذين شربوا من النهر وخالفوا أمر الله تعالى وكانوا أهل شك ونفاق فعلى هذا ~~يكون قد جاوز النهر مع طالوت المؤمن والمنافق والطائع والعاصي فلما رأوا ~~العدو قال المنافقون لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فأجابهم المؤمنون ~~بقولهم كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة وقيل لم يجاوز النهر مع طالوت إلا ~~المؤمنون خاصة لقوله تعالى: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه. فإن قلت فعلى ~~هذا القول من القائل «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده». قلت يحتمل أن يكون ~~أهل الإيمان وهم الثلاثمائة وبضعة عشر انقسموا إلى قسمين قسم حين رأوا ~~العدو وكثرته وقلة المؤمنين قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فأجابهم ~~القسم الآخر بقولهم» كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين» ومعنى لا طاقة لنا لا قوة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين ~~يظنون أي يستيقنون ويعلمون أنهم ملاقوا الله أي ملاقو ثواب الله ورضوانه في ~~الدار الآخرة كم من فئة قليلة الفئة الجماعة لا واحد له من لفظه كالرهط ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله أي بقضاء الله وإرادته والله مع الصابرين يعني ~~بالنصر والمعونة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 250] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) # ولما برزوا يعني طالوت وجنوده المؤمنين لجالوت وجنوده يعني الكافرين ~~ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى منها قالوا يعني ~~المؤمنين أصحاب طالوت ربنا أفرغ أي اصبب علينا صبرا وثبت أقدامنا أي قو ~~قلوبنا لتثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وذلك أن جالوت وقومه ~~كانوا يعبدون الأصنام فسأل المؤمنون الله أن ينصرهم على القوم الكافرين. ### || [سورة البقرة (2): آية 251] # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ms0344 ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # فهزموهم بإذن الله يعني أن الله تعالى استجاب دعاء المؤمنين فأفرغ عليهم ~~الصبر وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين حين التقوا فهزموهم بإذن ~~الله يعني بقضائه وإرادته وأصل الهزم في اللغة الكسر أي كسروهم وردوهم وقتل ~~داود جالوت وكانت قصة قتله ما ذكره أهل التفسير وأصحاب الأخبار أنه عبر ~~النهر فيمن عبر مع طالوت أيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود ~~أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال داود لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي ~~شيئا إلا صرعته، فقال له أبوه أبشر يا بني فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ~~ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا ~~فركبته وأخذت بأذنه فلم يهجني فقال له أبوه: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده ~~الله بك، ثم أتاه يوما آخر فقال له: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح ~~فلا يبقى جبل إلا سبح معي فقال: يا بني أبشر فإن هذا خير أعطاكه الله ~~تعالى. قالوا فأرسل جالوت الجبار إلى طالوت ملك بني إسرائيل أن ابرز إلي ~~وأبرز إليك أو أبرز إلي من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ~~ملككم فشق ذلك على طالوت ونادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ~~ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله في ذلك ~~فدعا الله فأتي بقرن فيه دهن القدس وتنور حديد. # PageV01P183 # وقيل له إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي إذا وضع هذا القرن على رأسه ~~سال على رأسه حتى يدهن من رأسه ولا يسيل على وجهه بل يكون على رأسه كهيئة ~~الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه فدعا طالوت بني إسرائيل ~~وجربهم فلم يوافقه أحد منهم فأوحى الله إلى نبيهم إن في ولد إيشا من يقتل ~~جالوت فدعا طالوت إيشا وقال له أعرض على بنيك فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال ~~السواري فجعل يعرض ms0345 واحدا واحدا على القرن فلا يرى شيئا فقال لإيشا هل بقي ~~لك ولد غير هؤلاء فقال لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا رب إنه قد زعم ~~أنه لا ولد غيرهم فقال له كذب فقال له النبي: إن ربي قد كذبك، فقال إيشا: ~~صدق ربي يا نبي الله إن لي ولدا صغيرا مسقاما اسمه داود استحييت أن يراه ~~الناس لقصر قامته وحقارته فجعلته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكان داود ~~عليه السلام رجلا قصيرا مسقاما أزرق أمعر مصفرا فدعا به طالوت ويقال إنه ~~خرج إليه فوجده في الوادي وقد سال الوادي ماء وهو يحمل شاتين شاتين يعبر ~~بهما السيل إلى الزريبة التي يريح فيها غنمه، فلما رآه طالوت قال هذا هو ~~الرجل المطلوب لا شك فيه فهذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه طالوت ~~ووضع القرن على رأسه فنش وفاض فقال له طالوت هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ~~ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال نعم فقال له: هل أنست من نفسك شيئا تتقوى به ~~على قتله قال نعم أنا أرعى الغنم فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة ~~من الغنم فأقوم فأفتح لحييه عنها وأخرجها من قفاه، فأخذ طالوت داود ورده ~~إلى العسكر، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه يا داود احملني ~~فإني حجر هارون فحمله ثم مر بحجر آخر. فقال يا داود احملني فإني حجر موسى ~~فحمله ثم مر بحجر آخر فقال له: يا داود احملني فإني حجرك الذي تقتل به ~~جالوت، فحمله فوضع الثلاثة في مخلاته، فلما رجع طالوت إلى العسكر ومعه داود ~~وتصافوا للقتال برز جالوت يطلب المبارزة فانتدب له داود عليه السلام فأعطى ~~داود فرسا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم رجع إلى طالوت فقال ~~من حوله: جبن الغلام فجاء فوقف على طالوت فقال له ما شأنك فقال له داود ~~عليه السلام إن لم ينصرني ربي لم يغن هذا السلاح عني شيئا وإن نصرني فلا ~~حاجة لي ms0346 به فدعني أقاتل كما أريد قال نعم فأخذ داود مخلاته وتقلدها وأخذ ~~المقلاع بيده ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم ~~الجيوش وحده وكان له بيضة حديد وزنها ثلاثمائة رطل فلما نظر إلى داود وهو ~~يريده وقع الرعب في قلبه فقال له: جالوت وأنت تبرز لي قال: نعم وكان جالوت ~~على فرس # أبلق عليه السلاح التام فقال: اتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب ~~فقال: نعم وأنت شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض ~~وطير السماء، فقال داود عليه السلام: أو يقسم الله لحمك، ثم قال داود: باسم ~~إله إبراهيم، وأخرج حجرا ثم قال باسم إله إسحاق وأخرج حجرا ثم قال باسم إله ~~يعقوب وأخرج حجرا ووضعها في مقلاعه فصارت الثلاثة حجرا واحدا، وأدار داود ~~المقلاع ورمي به جالوت فسخر الله له الريح فحملت الحجر حتى أصاب أنف البيضة ~~فخلط دماغ جالوت وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وخر جالوت صريعا ~~قتيلا، فأخذ داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح بنو إسرائيل بذلك فرحا ~~شديدا وهزم الله الجيش فرجع طالوت بالناس إلى المدينة سالمين غانمين وجعل ~~الناس يذكرون داود فجاء داود إلى طالوت وقال له. أنجز لي ما وعدتني به فقال ~~له أتريد ابنة الملك بغير صداق فقال له داود ما شرطت علي صداقا وليس لي شيء ~~فقال: لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإن ~~قتلت مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم ~~نظم غلفته في خيط حتى نظم مائتي غلفة فجاء بها إلى طالوت وألقاها بين يديه ~~وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى ~~داود عليه السلام وأحبوه وأكثروا ذكره فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر بذلك ~~ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فأخبرت بذلك داود وقالت له: إنك مقتول ~~الليلة قال ومن يقتلني قالت: أبي قال: وهل أجرمت جرما ms0347 يوجب القتل قالت ~~حدثني بذلك من لا يكذب ولا # PageV01P184 # عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال إن كان يريد ذلك فلا أستطيع ~~خروجا ولكن ائتني بزق خمر فأتته به فوضعه في مضجعه على سريره وسجاه ودخل ~~داود تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لابنته أين بعلك قالت هو نائم ~~على سريره فضربه بالسيف فسال الخمر فلما وجد ريح الخمر قال يرحم الله داود ~~ما كان أكثر شربه للخمر وخرج، فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن ~~رجلا طلبت منه ما طلبت لحقيق أن لا يدعني حتى يدرك ثأره مني فاشتد حجابه ~~وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى ~~الله عنه الحجاب ففتح الأبواب ودخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند ~~رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله وخرج فاستيقظ طالوت ~~فبصر بالسهام فعرفها فقال يرحم الله داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله ~~وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه فلما ~~كان من الليلة القابلة أتاه ثانيا فأعمى الله عنه الحجاب فدخل عليه وهو ~~نائم فأخذ إبريق وضوئه وكوزه الذي يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من ~~طرف ثوبه ثم خرج وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون ~~وطلبه أشد، الطلب فلم يقدر عليه. ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في ~~البرية فقال اليوم أقتله وركض في أثره فاشتد داود في عدوه. وكان إذا فزع لم ~~يدرك فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه فلما انتهى طالوت ~~إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هنا لتخرق هذا النسج ~~وانطلق طالوت وتركه فخرج داود حتى أتى جبل المتعبدين فتعبد معهم وطعن ~~العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل ~~داود إلا قتله فقتل خلقا كثيرا من العباد والعلماء حتى ms0348 أتى بامرأة تعلم ~~الاسم الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز فلم يقتلها، وقال: لعلنا ~~نحتاج إلى عالم فتركها ثم وقع في قلب طالوت التوبة والندم على ما فعل وأقبل ~~على البكاء حتى رحمه الناس. وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكي وينادي ~~أنشد الله عبدا يعلم لي توبة إلا أخبرني بها فلما كثر ذلك منه ناداه مناد ~~من القبور: يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد حزنا ~~وبكاء فتوجه الخباز إلى طالوت لما رأى من حاله وقال: ما لك أيها الملك ~~فأخبره وقال # : هل تعلم لي توبة أو تعلم في الأرض عالما أسأله عن توبتي فقال له الخباز ~~أيها الملك إن دللتك على عالم يوشك أن تقتله فقال لا فتوثق منه باليمين ~~فأخبره أن تلك المرأة العالمة عنده. فقال: انطلق بي إليها لأسألها عن توبتي ~~قال نعم فانطلق به فلما قربا من الباب قال له الخباز. أيها الملك إنها إذا ~~رأتك فزعت ولكن ائت خلفي فلما دخلا عليها قال لها الخباز: يا هذه ألست ~~تعلمين حقي عليك؟ قالت: بلى قال فإن لي إليك حاجة فتقضيها قالت نعم قال هذا ~~طالوت قد جاءك يسأل هل له من توبة فلما سمعت بذكر طالوت غشى عليها فلما ~~أفاقت قالت والله ما أعلم له توبة ولكن دلوني على قبر نبي فانطلقوا بها إلى ~~قبر أشمويل فوقفت عليه ودعت وكانت تعلم الاسم الأعظم ثم قالت يا صاحب القبر ~~فخرج ينفض التراب عن رأسه فلما نظر إلى ثلاثتهم قال: ما لكم أقامت القيامة ~~قالت المرأة لا ولكن هذا طالوت قد جاء يسألك هل له من توبة فقال أشمويل: يا ~~طالوت ما فعلت بعدي قال لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته وجئت أطلب التوبة ~~فقال أشمويل يا طالوت كم لك من الولد قال عشرة رجال قال ما أعلم لك من توبة ~~إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ثم تقدم ولدك حتى ~~يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى ms0349 تقتل آخرهم. ثم إن أشمويل سقط ميتا ورجع ~~طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه بنوه على ما يريد. وكان قد بكى حتى ~~سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فجمع أولاده وقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى ~~النار هل كنتم تنقذونني منها فقالوا بلى ننقذك بما نقدر عليه قال: فإنها ~~النار إن لم تفعلوا ما آمركم به قالوا: اعرض علينا ما أردت فذكر لهم القصة ~~قالوا: وإنك لمقتول قال نعم قالوا فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت ~~أنفسنا بالذي سألت. فتجهز هو وولده وخرج طالوت مجاهدا في سبيل الله فتقدم ~~أولاده فقاتلوا حتى قتلوا ثم شد هو من بعدهم فقاتل حتى قتل وجاء قاتل طالوت ~~إلى داود فبشره بقتله وقال له: # PageV01P185 # قد قتلت عدوك فقال داود: ما أنت بباق بعده وقتله فكان ملك طالوت إلى أن ~~قتل مدة أربعين سنة فأتى بنو إسرائيل إلى داود فملكوه عليهم وأعطوه خزائن ~~طالوت. قال الكلبي والضحاك ملك داود بعد قتل جالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: وآتاه الله الملك ~~والحكمة يعني النبوة جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من قبل ~~بل كانت النبوة في سبط والملك في سبط وقيل الحكمة هي العلم مع العمل به ~~وعلمه مما يشاء أي وعلم الله داود صنعة الدروع فكان يصنعها ويبيعها وكان لا ~~يأكل إلا من عمل يده، وقيل علمه منطق الطير وقيل علمه الزبور وقيل هو الصوت ~~الطيب والألحان ولم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوت داود فكان إذا قرأ ~~الزبور تدنو منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد ~~الماء الجاري وتسكن الرياح عند قراءته، وقيل علمه سياسة الملك وضبطه، وذلك ~~لأنه لم يكن من بيت الملك حتى يتعلمه من آبائه، وقال ابن عباس هو أن الله ~~تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ~~ولونها لون النور وحلقها مستديرة مفصلة بالجوهر مدسرة بقضبان ms0350 اللؤلؤ الرطب ~~فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ذلك الحدث ولا ~~يمسها ذو عاهة إلا برىء. وكانوا يتحاكمون إليهما بعد داود إلى أن رفعت فمن ~~تعدى على صاحبه أو أنكره حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مديده إلى السلسلة ~~فنالها ومن كان كاذبا لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخبث. ~~فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلا جوهرة ثمينة، فلما طالبه بالوديعة أنكره ~~إياها فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها وجعل ~~الجوهرة فيها واعتمد عليها حتى أتيا السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد على ~~الوديعة فقال صاحبه ما أعرف لك عندي وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة ~~فتناولها بيده وقال للمنكر قم أنت أيضا فتناولها فقال لصاحب الجوهرة أمسك ~~عكازتي فأخذها الرجل منه وقام المنكر إلى السلسلة وقال: اللهم # إن كنت تعلم أن الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب السلسلة مني ومد ~~يده فتناولها فعجب القوم من ذلك وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. ~~قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض يعني ولو أن الله يدفع ببعض ~~الناس وهم أهل الإيمان والطاعة بعضا وهم أهل الكفر والمعاصي قال ابن عباس ~~ولولا دفع الله بجنوده المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين ~~وخربوا المساجد والبلاد وقيل معناه ولو دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن ~~الكفار والفجار لفسدت الأرض يعني لهلكت بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن ~~الكافر وبالصالح عن الفاجر روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من ~~جيرانه البلاء» ثم قرأ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن ~~الله ذو فضل على العالمين يعني إن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام وإفضال عم ~~الناس كلهم. # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 252 الى 253] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم ms0351 الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ~~بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # تلك آيات الله يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم ~~وتمليك طالوت وإظهاره بالآية وهي التابوت وإهلاك الجبابرة على يد صبي ~~نتلوها عليك بالحق أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم ~~وإنك لمن المرسلين يعني حيث تخبر بهذه الأخبار العجيبة والقصص القديمة من ~~غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار فدل ذلك على أنك من المرسلين وأن ~~الذي تخبر به وحي من الله # PageV01P186 # تعالى. قوله عز وجل: تلك الرسل يعني جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم في هذه ~~السورة فضلنا بعضهم على بعض فيه دليل على زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بين ~~الأنبياء في الفضيلة لاستوائهم في القيام بالرسالة وأجمعت الأمة على أن ~~الأنبياء بعضهم أفضل من بعض وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم ~~لعموم رسالته وهو قوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ~~منهم أي من الرسل من كلم الله أي كلمة الله وهو موسى عليه السلام ورفع ~~بعضهم درجات يعني محمدا صلى الله عليه وسلم رفع الله منصبه ومرتبته على ~~كافة سائر الأنبياء بما فضله عليهم من الآيات البينات والمعجزات الباهرات ~~فما أوتي نبي من الأنبياء آية أو معجزة إلا أوتي نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم مثل ذلك وفضل محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء بآيات ~~ومعجزات أخر مثل انشقاق القمر بإشارته وحنين الجذع الذي حن عند مفارقته ~~وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم له شاهدة برسالته ونبع الماء من ~~بين أصابعه وغير ذلك من الآيات والمعجزات التي لا تحصى كثرة، وأعظمها ~~وأظهرها معجزة وآية القرآن العظيم الذي عجز أهل الأرض عن معارضته والإتيان ~~بمثله فهو معجزة باقية إلي يوم القيامة ms0352 (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما ~~مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن ~~أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (ق) عن جابر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، ~~وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلائق كافة ~~وختم بي النبيون» فإن قلت لم ذكره على سبيل الرمز والإشارة ولم يصرح باسمه ~~صلى الله عليه وسلم؟ قلت: في هذا الإبهام والرمز من تفخيم فضله وإعلاء قدره ~~صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى لما فيه من الشهادة بأنه العلم الذي لا ~~يشتبه ولا يلتبس فهو كما يقول الرجل وقد فعل شيئا فعله بعضكم أو أحدكم ~~ويريد نفسه فيكون أفخم من التصريح به كما سئل الخطيئة: من أشعر الناس؟ قال ~~زهير والنابغة. ثم قال ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه وقوله تعالى: # وآتينا عيسى ابن مريم البينات يعني الحجج والأدلة الباهرة والمعجزات على ~~نبوته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وأيدناه بروح القدس أي ~~وقويناه بجبريل عليه السلام فكان معه إلى أن رفعه إلى عنان السماء السابعة. ~~فإن قلت لم خص موسى وعيسى بالذكر من بين سائر الأنبياء. قلت لما أوتيا من ~~الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله تعالى وجه التفضيل حيث جعل ~~التكليم من الفضل وهو آية عظيمة وتأييد عيسى بروح القدس آية عظيمة أيضا ~~فلما أوتي موسى وعيسى من الآيات العظيمة خصا بالذكر في باب التفضيل فعلى ms0353 ~~هذا كل من كان من الأنبياء أعظم آيات وأكثر معجزات كان أفضل ولهذا أحرز ~~نبينا صلى الله عليه وسلم قصبات السبق في الفضل لأنه أعظم الأنبياء آيات ~~وأكثرهم معجزات فهو أفضلهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ولو شاء الله ~~أي ولو أراد الله وأصل المشيئة الإرادة ما اقتتل الذين من بعدهم يعني بعد ~~الرسل الذين وصفهم الله من بعد ما جاءتهم البينات أي الدلالات الواضحات من ~~الله بما فيه مزدجر لمن هداه الله تعالى ووفقه ولكن اختلفوا يعني اختلف ~~هؤلاء الذين من بعد الرسل فمنهم من آمن أي ثبت على إيمانه بالله ورسوله ~~بفضل الله ومنهم من كفر أي ومنهم من تعمد الكفر بعد قيام الحجة وبعثة الرسل ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا أي ولو أراد الله أن يحجزهم عن الاقتتال والاختلاف ~~لحجزهم عن ذلك ولكن الله يفعل ما يريد يعني أنه تعالى يوفق من يشاء لطاعته ~~والإيمان به فضلا منه ورحمة ويخذل من يشاء عدلا منه لا اعتراض عليه في ملكه ~~وفعله. سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن القدر فقال يا أمير ~~المؤمنين أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم فلا تسلكه فأعاد السؤال فقال بحر ~~عميق فلا تلجه فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه. قوله عز ~~وجل: # PageV01P187 ### || [سورة البقرة (2): الآيات 254 الى 255] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ~~(255) # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم قيل أراد به الزكاة الواجبة وقيل ~~أراد به صدقة التطوع والإنفاق في وجوه الخير من قبل أن يأتي يوم ms0354 لا بيع فيه ~~أي لا فدية فيه وإنما سماه بيعا لأن الفداء شراء النفس من الهلاك، والمعنى ~~قدموا لأنفسكم اليوم من أموالكم من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فيكسب ~~الإنسان ما يفتدي به من العذاب ولا خلة أي ولا مودة ولا صداقة ولا شفاعة ~~وظاهر هذا يقتضي نفي الخلة والشفاعة وقد دلت النصوص على ثبوت المودة ~~والشفاعة، بين المؤمنين فيكون هذا عاما مخصوصا والكافرون هم الظالمون لأنهم ~~وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل: الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم. # (فصل: في فضل هذه الآية الكريمة) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة آي ~~القرآن آية الكرسي» أخرجه الترمذي. قوله: إن لكل شيء سناما. سنام كل شيء ~~أعلاء تشبيها بسنام البعير والمراد منه تعظيم هذه السورة والسيد الفاضل في ~~قومه والشريف والكريم وأصله من ساد يسود وقوله هي سيدة أي القرآن أي أفضله. ~~(م) عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر ~~أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ # قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا ~~أبا المنذر» عن واثلة بن الأسقع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في ~~صفة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم أخرجه أبو داود. وقال العلماء: ~~إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم آية في القرآن لما جمعت من أصول الأسماء ~~والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والقومية والملك والقدرة ~~والإرادة، فهذه أصول الأسماء والصفات، وذلك لأن الله تعالى أعظم مذكور فما ~~كان ذكرا له من توحيد وتعظيم كان أعظم الأذكار وفي هذا الحديث حجة لمن يقول ~~بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله المنزلة، ومنع ~~من جواز تفضيل بعض ms0355 القرآن على بعض جماعة منهم أبو الحسن الأشعري وأبو بكر ~~الباقلاني قالا لأن تفضيل بعضه على بعض يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام ~~الله عز وجل نقص وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق لفظ أعظم وأفضل على بعض ~~الآيات أو السور بمعنى عظيم وفاضل، ومن أجاز تفضيل بعض القرآن على بعض من ~~العلماء والمتكلمين قالوا: هذا التفضيل راجع إلى عظم أجر القارئ أو جزيل ~~ثوابه وقول: إن هذه الآية أو هذه السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب ~~المتعلق بها أكثر وهذا هو المختار وهو معنى الحديث والله أعلم عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حين يصبح آية الكرسي ~~وآيتين من أول حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ يومه ذلك حتى ~~يمسي ومن قرأها حين يمسي حفظ ليلته تلك حتى يصبح» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~غريب. وأما التفسير فقوله عز وجل: الله لا إله إلا هو نفي الإلهية عن كل ما ~~سواه وأثبت الإلهية له سبحانه وتعالى فهو كقولك لا كريم إلا زيد فإنه أبلغ ~~من قولك زيد كريم الحي يعني الباقي على الأبد الدائم بلا زوال، والحي في ~~صفة الله تعالى وهو الذي لم يزل موجودا وبالحياة موصوفا لم تحدث له الحياة ~~بعد موت ولا يعتريه الموت بعد حياة، وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت ~~والعدم فكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وتعالى. القيوم قال مجاهد: القيوم ~~القائم على كل شيء وتأويله أنه تعالى قائم بتدبير # PageV01P188 # خلقه في إيجادهم وأرزاقهم وجميع ما يحتاجون إليه وقيل وهو القائم الدائم ~~بلا زوال الموجود الذي يمتنع عليه التغير وقيل هو القائم على كل نفس بما ~~كسبت والقيوم فيعول من القيام وهو نعت للقائم على الشيء لا تأخذه سنة ولا ~~نوم السنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى نعاسا وهو النوم الخفيف ~~والوسنان بين النائم واليقظان والنوم هو الثقل المزيل للعقل والقوة. وقيل: ~~السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فالسنة هي ms0356 أول النوم ~~والنوم هو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء والمعنى لا ~~تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم لأن النوم والسهو والغفلة محال على الله ~~تعالى لأن هذه الأشياء عبارة عن عدم العلم وذلك نقص وآفة والله تعالى منزه ~~عن النقص والآفات، وأن ذلك تغير والله تعالى منزه عن التغير، (م) عن أبي ~~موسى الأشعري قال: # «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بخمس كلمات فقال إن الله ~~عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل ~~الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور». وفي رواية: ~~«النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». # شرح ما يتعلق بلفظ هذا الحديث منقول من شرح مسلم للشيخ محيي الدين النووي ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» فمعناه ~~الإخبار أنه سبحانه وتعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه لأن النوم انغمار ~~وغلبة على العقل يسقط به الإحساس والله تعالى منزه عن ذلك وقوله: «يخفض ~~القسط ويرفعه» أراد بالقسط الميزان الذي يقع به العدل ومعناه أن الله تعالى ~~يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن فيه من أعمال العباد المرتفعة إليه وقيل أراد ~~بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق ومعنى يخفض يقبض ويضيق على من يشاء ~~ويرفعه أي يوسعه على من يشاء وقوله: «يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار» ~~يعني أن الحفظة من الملائكة يصعدون بأعمال العباد في الليل بعد انقضائه في ~~أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل قوله: «حجابه ~~النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» سبحات بضم ~~السين المهملة والباء الموحدة تحت وبضم التاء في آخره جمع سبحة، ومعنى ~~سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه والحجاب أصله في اللغة المنع وحقيقة الحجاب ~~إنما تكون للأجسام المحدودة والله تعالى منزه عن الجسم والحد، فالمراد به ~~هنا الشيء المانع من ms0357 الرؤية، وسمي ذلك الشيء المانع نورا أو نارا لأنهما ~~يمنعان من الإدراك في العادة، والمراد بالوجه الذات، والمراد بما انتهى ~~إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات لأن بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع ~~الكائنات ولفظة من في قوله من خلقه لبيان الجنس لا للتبعيض ومعنى الحديث لو ~~زال المانع وهو الحجاب المسمى نورا أو نارا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته ~~جميع مخلوقاته هذا آخر كلام للشيخ على هذا الحديث والله أعلم. وروى الطبري ~~بسنده عن ابن عباس في قوله: لا تأخذه سنة ولا نوم إن موسى عليه السلام سأل ~~الملائكة هل ينام الله تعالى؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن ~~يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه ~~وحذروه أن يكسرهما فجعل ينعس وينتبه وهما في يده في كل يد واحدة حتى نعس ~~نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر إنما هو مثل ضربة الله تعالى ~~له يقول فكذلك السموات والأرض، ورواه عن أبي هريرة مرفوعا قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال: «وقع في نفس موسى هل ~~ينام الله» وذكر نحو حديث ابن عباس قال بعض العلماء: إن صح هذا الحديث ~~فيحمل على أن هذا السؤال كان من جهال قوم موسى كطلب الرؤية من موسى لأن ~~الأنبياء عليهم السلام هم أعلم بالله من غيرهم فلا يجوز أن ينسب لموسى مثل ~~هذا السؤال والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض يعني أن الله تعالى مالك ~~جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم وهم عبيده وفي ملكه. فإن قلت لم ~~قال له ما في السموات ولم يقل من في السموات؟ قلت: # لما كان المراد إضافة كل ما سواه إليه من الخلق والملك وكان الغالب فيهم ~~من لا يعقل أجرى الغالب مجرى # PageV01P189 # الكل فعبر عنه بلفظ ما من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه أي بأمره وهذا ~~استفهام إنكاري والمعنى لا يشفع عنده أحد إلا ms0358 بأمره وإرادته، وذاك لأن ~~المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم فأخبر أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا ما ~~استثناه بقوله إلا بإذنه يريد بذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة ~~بعض الأنبياء والملائكة وشفاعة المؤمنين بعضهم لبعض يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم يعني ما بين أيديهم من الدنيا وما خلفهم من الآخرة وقيل بعكسه لأنهم ~~يقدمون على الآخرة ويخلفون الدنيا وراء ظهورهم وقيل يعلم ما كان قبلهم وما ~~كان بعدهم وقيل يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما هم ~~فاعلوه والمقصود من هذا أنه سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى ~~عليه شيء من أحوال جميع خلقه ولا يحيطون بشيء من علمه يقال: أحاط بالشيء ~~إذا علمه وهو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وحقيقته، فإذا علمه ووقف عليه ~~وجمعه في قلبه فقد أحاط به والمراد بالعلم المعلوم والمعنى أن أحدا لا يحيط ~~بمعلومات الله تعالى: إلا بما شاء يعني أن يطلعهم عليه وهم من الأنبياء ~~والرسل ليكون ما يطلعهم عليه من علم غيبه دليلا على نبوتهم كما قال تعالى: ~~«فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول» وسع كرسيه السماوات والأرض ~~يقال فلان وسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به وأصل الكرسي ~~في اللغة من تركب الشيء بعضه على بعض ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على ~~بعض والكرسي في العرف اسم لما يقعد عليه سمي به لتركب خشباته بعضها على ~~بعض. واختلفوا في المراد بالكرسي هنا على أربعة أقوال: أحدها أن الكرسي هو ~~العرش نفسه قال الحسن لأن العرش والكرسي اسم للسرير الذي يصح التمكن عليه. ~~القول الثاني أن الكرسي غير العرش وهو أمامه وهو فوق السموات السبع ودون ~~العرش قال السدي إن السموات والأرض في جوف الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة ~~والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة وعن ابن عباس أن السموات السبع في ~~الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس وقيل إن كل قائمة من قوائم الكرسي ms0359 طولها ~~مثل السموات والأرض وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك ~~أربعة وجوه وأقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى: ملك على ~~صورة أبي البشر آدم وهو يسأل الرزق والمطر لبني آدم من السنة إلى السنة، ~~وملك على صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وملك على ~~صورة الثور وهو يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة وملك على صورة السبع ~~وهو يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة. وفي بعض الأخبار أن بين حملة ~~العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب ~~مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش. القول ~~الثالث: إن الكرسي هو الاسم الأعظم لأن العلم يعتمد عليه. كما أن الكرسي ~~يعتمد عليه قال ابن عباس كرسيه علمه. القول الرابع: المراد بالكرسي الملك ~~والسلطان والقدرة لأن الكرسي موضع الملك والسلطان فلا يبعد أن يكنى عن ~~الملك بالكرسي على سبيل المجاز ولا يؤده أي لا يثقله ولا يجهده ولا يشق ~~عليه حفظهما أي حفظ السموات والأرض وهو العلي أي الرفيع فوق خلقه الذي ليس ~~فوقه شيء فيما يجب له أن يوصف به من معاني الجلال والكمال فهو العلي ~~بالإطلاق المتعالي عن الأشباه والأنداد والأضداد وقيل العلي بالملك ~~والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد وقيل معنى العلو في صفة الله تعالى منقول ~~إلى اقتداره وقهره واستحقاق صفات المدح جميعها على كل وجه وقيل معناه أنه ~~يعلو أن يحيط به وصف الواصفين العظيم يعني أنه ذو العظمة والكبرياء الذي لا ~~شيء أعظم منه. وقال ابن عباس: العظيم الذي قد كمل في عظمته وقيل العظيم هو ~~ذو العظمة والجلال والكمال وهو في صفة الله تعالى ينصرف إلى عظم الشأن ~~وجلالة القدر دون العظم # الذي هو من نعوت الأجسام. قوله عز وجل: # PageV01P190 # ### || [سورة البقرة (2): آية 256] # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى ms0360 لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # لا إكراه في الدين سبب نزول هذه الآية فيما يروى عن ابن عباس قال: كانت ~~المرأة من الأنصار تكون مقلاة وهي التي لا يعيش لها ولد فكانت تنذر لئن عاش ~~لها ولد، لتهودنه فإذا عاش جعلته في اليهود فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما ~~أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم ~~وقالوا هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت الآية لا إكراه في الدين. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم ~~فأجلوهم معهم وقيل: كان لرجل من الأنصار. من بني سالم بن عوف يقال له أبو ~~الحصين ابنان متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة ~~في نفر من النصارى يحملون الزيت فلزمهما أبوهما وقال لا أدعكما حتى تسلما ~~فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أيدخل بعضي ~~النار وأنا انظر فأنزل الله تعالى لا إكراه في الدين فخلى سبيلهما وقيل ~~نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا بذل الجزية لم يكرهوا على الإسلام وذلك أن ~~العرب كانت أمة أمية ولم يكن لهم كتاب يرجعون إليه فلم يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو القتل ونزل في أهل الكتاب لا إكراه في الدين يعني إذا قبلوا ~~الجزية فمن أعطى الجزية منهم لم يكره على الإسلام فعلى هذا القول تكون ~~الآية محكمة ليست بمنسوخة وقيل: بل الآية منسوخة وكان ذلك في ابتداء ~~الإسلام قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسخت بآية القتال وهو قول ابن مسعود وقال ~~الزهري سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى لا إكراه في الدين قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين فأبى ~~المشركون إلا أن يقاتلوه فاستأذن الله في قتالهم فأذن له ومعنى لا إكراه في ~~الدين أي دين الإسلام ليس فيه إكراه عليه قد تبين الرشد من الغي يعني ظهر ~~ووضح وتميز الحق من الباطل والإيمان ms0361 من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة ~~الآيات والبراهين الدالة على صحته فمن يكفر بالطاغوت يعني الشيطان، وقيل: ~~هو الساحر والكاهن، وقيل هو كل ما عبد من دون الله تعالى، وقيل: كل ما يطغي ~~الإنسان فهو طاغوت فاعول من الطغيان ويؤمن بالله أي ويصدق بالله أنه ربه ~~ومعبوده من دون كل شيء كان يعبده وفيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر أن يتوب ~~أولا عن الكفر ويتبرأ منه ثم يؤمن بعد ذلك بالله فمن فعل ذلك صح إيمانه وهو ~~قوله تعالى: فقد استمسك بالعروة الوثقى أي فقد تمسك واعتصم بالعقد الوثيق ~~المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل ~~إلى رضا الله تعالى وهو دين الإسلام لا انفصام لها أي لا انقطاع لها حتى ~~تؤديه إلى الجنة والمعنى أن المتمسك بالدين الصحيح الذي هو دين الإسلام ~~كالمتمسك بالشيء الوثيق الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه والله سميع يعني أنه ~~تعالى يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين عليم بما في قلبه من ~~الإيمان وقيل معناه سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إسلامهم. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 257 الى 258] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ~~إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (258) # الله ولي الذين آمنوا أي ناصرهم ومعينهم وقيل محبهم ومتولي أمورهم فلا ~~يكلهم إلى غيره وقيل هو متولي هدايتهم يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من ~~الكفر إلى الإيمان وكل ما في القرآن من ذكر الظلمات والنور، فالمراد به ~~الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام وهو قوله تعالى وجعل الظلمات ~~والنور، فالمراد به # PageV01P191 # الليل والنهار وإنما سمي ms0362 الكفر ظلمة لالتباس طريقه ولأن الظلمة تحجب ~~الأبصار عن إدراك الحقائق فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان ~~وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه وبيان أدلته والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات أي من الهدى إلى الضلالة. فإن قلت: كيف قال يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟ قلت: هم اليهود كانوا موقنين بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته ~~وصفته فلما بعث كفروا به وجحدوا نبوته وقيل: هو على العموم في حق جميع ~~الكفار سمي منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجا من الإيمان بمعنى صدهم ~~الطاغوت عنه وحرمهم خيره وإن لم يكونوا دخلوا فيه قط فهو كقول الرجل لأبيه ~~أخرجتني عن مالك إذا أوصى به لغيره في حياته وحرمه منه وكقول الله تعالى ~~إخبارا عن يوسف عليه السلام: «إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله» ولم يكن ~~قط في ملتهم أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يعني الكفار والطاغوت أهل ~~النار الذين يخلدون فيها دون غيرهم. # قوله عز وجل: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه يعني هل انتهى إليك يا ~~محمد خبر الذي خاصم إبراهيم وجادله لأن ألم تر كلمة يوقف بها المخاطب على ~~تعجب منها ولفظها استفهام كما يقال ألم تر إلى فلان كيف يصنع معناه هل رأيت ~~فلانا في صنعه والذي حاج إبراهيم هو نمرود بن كنعان الجبار وهو أول من وضع ~~التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية أن آتاه الله الملك أي لأن ~~آتاه الله الملك فطغى وتجبر بسببه وكانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه ~~قال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان بن داود ~~وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود، وبختنصر. واختلفوا في وقت هذه المحاجة ~~فقيل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال له: من ربك ~~الذي ms0363 تدعونا إليه؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت وقيل: كان هذا بعد ~~إلقائه في النار وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمرود، وكان الناس يمتارون من ~~عنده الطعام فكان إذا أتاه أحد يمتار سأله من ربك؟ فيقول أنت فيميره فخرج ~~إبراهيم عليه السلام إليه يمتار لأهله الطعام فأتاه فقال له من ربك قال ربي ~~الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم: «فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر» فرده بغير طعام فرجع إبراهيم إلى ~~أهله فمر على كثيب رمل أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم فلما ~~أتى أهله وضع متاعه ثم نام فقامت زوجته سارة إلى رحله ففتحته فإذا هو طعام ~~أجود ما رآه أحد فصنعت منه خبزا فلما انتبه قربته إليه فقال لها إبراهيم من ~~أين هذا؟ وكان عهد أهله وليس عندهم طعام فقالت من الطعام الذي جئت به فعلم ~~إبراهيم أن الله قد رزقه فحمد الله تعالى: ثم إن الله تعالى بعث إلى نمرود ~~الجبار ملكا فقال له إن ربك يقول لك أن آمن بي وأتركك في ملكك قال وهل رب ~~غيري فجاءه الثانية فقال له مثل ذلك ثم أتاه الثالثة فرد عليه مثل ذلك فقال ~~له الملك أجمع جموعك فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليه بابا من ~~البعوض حتى سترت الشمس فلم يروها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت ~~دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمرود ينظر ولم يصبه شيء من ذلك ثم بعث الله ~~عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكثت في رأسه أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق ~~وكان أرحم الناس به من يجمع له يديه ثم يضرب بهما رأسه فكان كذلك يعذب ~~أربعمائة سنة مدة ملكه حتى أماته الله عز وجل: إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت هذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له نمرود من ربك قال ~~إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال يعني قال نمرود أنا أحيي وأميت قال أكثر ms0364 ~~المفسرين دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء ~~فانتقل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى حجة أخرى لا عجزا عن نصر حجته ~~الأولى فإنها كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان لإبراهيم أن ~~يقول لنمرود فأحيي من أمت إن كنت صادقا ولكن انتقل إلى حجة أخرى أوضح من ~~الأولى لما رأى من قصور فهم نمرود وضعف رأيه فإنه عارض الفعل بمثله ونسي # PageV01P192 # اختلاف الفعلين قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر يعني تحير نمرود ودهش وانقطعت حجته ولم يرجع إليه ~~شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك. فإن قلت كيف بهت الذي كفر وكان يمكنه أن يقول ~~لإبراهيم سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب. قلت إنما لم يقله لأنه خاف ~~أنه لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان ذلك زيادة في فضيحة نمرود وانقطاعه ~~وقيل إن الله تعالى صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه ومعجزة ~~لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح والله لا يهدي القوم الظالمين يعني ~~لا يرشدهم إلى حجة يدحضون بها حجج أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة وعنى ~~بالظالمين نمرود. قول عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # أو كالذي مر على قرية هذه معطوفة على الآية التي قبلها والمعنى ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية فيكون هذا عطفا على المعنى وقيل ~~تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم وهل رأيت كالذي مر على قرية وقيل الكاف ~~زائدة التقدير ألم تر إلى ms0365 الذي حاج إبراهيم أو إلى الذي مر على قرية ~~واختلفوا في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان كافرا شك في البعث وهذا قول ~~ضعيف لقوله تعالى: قال كم لبثت والله تعالى لا يخاطب الكافر ولقوله تعالى: ~~ولنجعلك آية للناس وهذا اللفظ لا يستعمل في حق الكافر وإنما يستعمل في حق ~~الأنبياء وقال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي هو عزيز بن شرخيا وقال وهب بن ~~منبه هو أرمياء بن حلقيا من سبط هارون وهو الخضر ومقصود القصة تعريف منكري ~~البعث قدرة الله تعالى على إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار ~~على القرية فجائز أن يكون ذلك المار هو عزيز وجائز أن يكون أرمياء وفي هذه ~~القصة دلالة عظيمة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر اليهود ~~بما يجدونه في كتبهم ويعرفونه وهو أمي لم يقرأ الكتب القديمة واختلفوا في ~~تلك القرية فقيل هي بيت المقدس وذلك لما خربها بختنصر والمراد بالإحياء هنا ~~عمارتها وقيل هي القرية التي أهلك الله أهلها الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف وقيل وهي دير سابرآباد وقيل سلماباد وقيل هي دير هرقل وقيل قرية العنب ~~هي على فرسخين من بيت المقدس وقوله هي دير سابراباد موضع كان بفارس ~~وسلماباد محلة أو قرية من نواحي جرجان وقيل: أيضا من نواحي همدان ودير هرقل ~~بكسر أوله وراء ساكنة وقاف مكسورة دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. وقيل: ~~هو موضع الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ~~لحزقيل كما تقدم ويقال إن المراد بقوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها هي التي عندها أحيا الله حمار عزير وهي خاوية على عروشها ~~أي ساقطة على سقوفها وذلك أن السقوف سقطت أولا وقفت الحيطان عليها بعد ذلك ~~قال يعني ذلك المار أنى يحيي هذه الله بعد موتها فمن قال إن ذلك المار كان ~~كافرا وهو ضعيف إنما حمله على الشك في قدرة الله ومن قال كان نبيا حمله على ms0366 ~~سبيل الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة لا على سبيل الإنكار لقدرة الله ~~تعالى أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد كما قال إبراهيم ~~عليه السلام: «رب أرني كيف تحيي الموتى» ومعنى أنى يحيي هذه الله من أين ~~يحيي هذه القرية والمراد بالإحياء عمارتها فأحب الله أن يريه آية في نفسه ~~وفي إحياء تلك القرية. وكان سبب القصة في ذلك ما روي عن وهب بن منبه أن ~~الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه ~~بالخبر من الله تعالى فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى ~~الله # PageV01P193 # تعالى إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي عليهم وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي فقال ~~أرمياء يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني ~~فقال الله تعالى: إني ألهمك فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله ~~تعالى في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية ~~وقال في آخرها عن الله عز وجل إني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها ~~الحكيم ولأسلطن عليهم جبارا فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة ~~يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله تعالى إليه إني مهلك بني ~~إسرائيل بيافث ويافث هم أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح فلما سمع أرمياء ~~ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما رأى الله تضرعه وبكاءه ~~ناداه يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى ~~في بني إسرائيل مالا أسربه فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أهلك بني ~~إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه وقال: ~~لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره ~~بذلك # وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوبنا وإن يعف عنا ~~فبرحمته ثم إنهم مكثوا بعد ذلك الوحي ثلاث سنين ms0367 لم يزدادوا إلا معصية ~~وتماديا في الشر فقل الوحي وذلك حين اقترب هلاكهم فدعاهم الملك إلى التوبة ~~فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر البابلي فخرج في ستمائة ألف راية يريد ~~أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا وأتى الخبر إلى ملك بني إسرائيل قال ~~لأرمياء: أين ما زعمت أن الله تعالى أوحى إليك فقال أرمياء: إن الله لا ~~يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله تعالى إلى أرمياء ملكا ~~قد تمثل له في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء من أنت قال أنا رجل ~~من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا ~~حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا سخطا لي فأفتني فيهم فقال أرمياء: أحسن ~~فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل ~~إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الرجل ~~الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له أرمياء أما طهرت أخلاقهم بعدلك ~~فيهم فقال يا نبي الله والذي بعثك بالحق نبيا ما أعلم كرامة يأتيها أحد من ~~الناس إلى رحمه إلا قدمتها إليهم وأفضل فقال أرمياء: ارجع إليهم فأحسن ~~إليهم واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم فقام الملك فمكث ~~أياما ثم إن بختنصر نزل بجنوده بيت المقدس ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ~~ملكهم لأرمياء يا نبي الله أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم أقبل ~~ذلك الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه ~~الذي وعده فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الذي جئتك في شأن ~~أهلي مرتين فقال أرمياء: أما آن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك ~~يا نبي الله إن كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه فاليوم ~~رأيتهم على عمل لا يرضي الله تعالى فقال له أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال ~~على ms0368 عمل عظيم يسخط الله تعالى فغضبت لله عز وجل فأتيتك لأخبرك وأنا أسألك ~~بالله الذي بعثك بالحق أن تدعو الله عليهم ليهلكوا فقال أرمياء: يا مالك ~~السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن ~~كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم فما خرجت الكلمة من فيه حتى أرسل الله عز ~~وجل صاعقة من السماء على بيت المقدس فالتهب مكان القربان وأحرقت سبعة أبواب ~~من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال ~~يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني به فنودي أنهم لم يصبهم ما ~~أصابهم إلا بفتياك ودعائك عليهم، فاستيقن أرمياء أنها فتياه وأن ذلك السائل ~~كان رسولا من الله تعالى إليه فخرج أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر ~~وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت ~~المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ويقذفه في بيت المقدس ~~ففعلوا ذلك حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان بقي في بلدان بيت المقدس ~~فاجتمع عنده من كان بقي من بني إسرائيل من صغير وكبير فاختار منهم سبعين ~~ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة. ~~وكان في # PageV01P194 # أولئك الغلمان دانيال عليه السلام وحنانيا وعزير، وفرق من بقي من بني ~~إسرائيل ثلاث فرق فثلثا قتلهم وثلثا سباهم وثلثا أقرهم بالشام فكانت هذه ~~الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم فلما ولى بختنصر راجعا ~~إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له ومعه عصير عنب في ~~ركوة وسلة تين حتى غشي إيليا وهي أرض بيت المقدس فلما رأى خرابها قال: أنى ~~يحيي هذه الله بعد موتها. ومن قال: إن المار كان عزيرا قال: إن بختنصر لما ~~خرب بيت المقدس بسبايا بني إسرائيل وكان فيهم عزيز ودانيال وسبعة آلاف من ~~أهل بيت داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل دير هرقل ms0369 على ~~شط دجلة فطاف بالقرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر ~~من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة # في سلة وفضل العصير في زق، ولما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال أنى ~~يحيي هذه الله بعد موتها وإنما قال ذلك تعجبا لا شكا في البعث. ورجعنا إلى ~~حديث وهب قال ثم إن أرمياء ربط حماره بحبل جديد وألقى الله تعالى عليه ~~النوم فلما نام ونزع الله منه الروح فمات مائة عام وأمات حماره وبقي عصيره ~~وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى ومنع لحمه من ~~السباع والطير، فلما مضى من وقت موته مدة سبعين سنة أرسل الله تعالى ملكا ~~إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك وقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك ~~فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان فانتدب الملك ألف قهرمان مع ~~كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت ~~في دماغه ونجى الله من بقي من بني إسرائيل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ~~ونواحيها فعمروها ثلاثين سنة وكثروا كأحسن ما كانوا، فلما مضت المائة أحيا ~~الله منه عينيه وسائر جسده ميت ثم أحيا الله جسده وهو ينظر ثم نظر إلى ~~حماره فإذا عظامه تلوح بيض متفرقة فسمع صوتا من السماء أيتها العظام ~~البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي إن الله ~~يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكان كذلك، ثم نودي إن الله يأمرك أن تحيي فقام ~~الحمار بإذن الله ثم نهق وعمر الله أرمياء فهو يدور في الفلوات فذلك قوله ~~تعالى: فأماته الله مائة عام أصل العام من العوم وهو السباحة سميت السنة ~~عاما لأن الشمس تعوم في جميع بروجها ثم بعثه أي ثم أحياه وأصله من بعثت ~~الناقة إذا أقمتها من مكانها قال كم لبثت يعني قال الله تعالى له كم قدر ~~الزمان الذي مكثت فيه ميتا قبل أن أبعثك من مكانك حيا؟ ويقال ms0370 إن الله تعالى ~~لما أحياه بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت قال يعني ذلك المبعوث بعد مماته ~~لبثت يوما وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة ~~في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس فقال لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غابت ~~ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم قال يعني قال الله له، وقيل ~~قال الملك له بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك يعني التين الذي كان معه ~~قبل موته وشرابك يعني العصير لم يتسنه يعني لم تغيره السنون التي أتت عليه ~~فكان التين كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر من ساعته لم يتغير ~~ولم ينتن وانظر إلى حمارك أي وانظر إلى إحياء حمارك فنظر فإذا هو عظام بيض ~~فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض ثم كساه اللحم والجلد وأحياه وهو ~~ينظر ولنجعلك آية للناس قيل الواو زائدة مقحمة وقيل: دخول الواو فيه دلالة ~~على أنها شرط لفعل بعدها والمعنى وفعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ~~لنجعلك آية للناس يعني عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. وقال أكثر ~~المفسرين وقيل: إنه عاد إلى القرية وهو شاب أسود الرأس واللحية وأولاده ~~وأولاد أولاده شيوخ وعجائز شمط فكان ذلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها ثم نكسوها لحما قرئ بالراء ومعناه كيف نحييها يقال أنشر الله الميت ~~إنشارا يعني أحياه وقرئ بالزاي ومعناه: كيف نرفعها من الأرض ونردها إلى ~~مكانها من الجسد، وتركيب بعضها على بعض وإنشاز الشيء رفعه وانزعاجه يقال: ~~نشزته فنشز أي رفعته فارتفع واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون إنه أراد ~~عظام الحمار قيل إن الله تعالى أحيا عزيرا أو أرميا على اختلاف القولين فيه ~~ثم قال: له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فنظر وبعث الله ريحا فجاءت ~~بعظام # PageV01P195 # الحمار من كل سهل وجبل، فاجتمعت فركب بعضها على بعض حتى الكسرة من العظم ~~رجعت إلى موضعها فصار حمارا من عظام ليس ms0371 عليه لحم، ولا فيه دم ثم كسا الله ~~تلك العظام اللحم والعروق والدم، فصار حمارا ذا لحم ودم لا روح فيه، ثم بعث ~~الله ملكا فأقبل إليه يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام ~~الحمار حيا بإذن الله تعالى،، ثم نهق وقيل: أراد بالعظام عظام هذا الرجل ~~نفسه وذلك # أن الله تعالى أماته ثم بعثه ولم يمت حماره. ثم قيل: له انظر إلى حمارك ~~فنظر فرأى حماره حيا قائما كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر ~~إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ثم قيل له: انظر إلى العظام كيف ننشزها ~~وذلك أن الله أول ما أحيا منه عينيه فنظر فرأى سائر جسده ميتا وفي الآية ~~تقديم وتأخير تقديره وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ولنجعلك ~~آية للناس وعن ابن عباس وغيره من المفسرين لما أحيا الله عزيرا بعد ما ~~أماته سنة ركب حماره حتى أتى إلى محلته فأنكره الناس، وأنكر منازله فانطلق ~~على وهم حتى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون ~~سنة، وكانت أمة لهم ولما خرج عزير عنهم كانت بنت عشرين سنة، وكانت قد عرفته ~~وعقلته فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير فقالت: نعم وبكت وقالت ما رأيت ~~أحدا يذكر عزيرا منذ كذا وكذا فقال: أنا عزير فقالت: سبحان الله إن عزيرا ~~فقدناه من مائة سنة ولم نسمع له بذكر فقال: إني عزير إن الله تعالى أماتني ~~مائة سنة ثم أحياني فقالت: إن عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة وكان يدعو للمريض ~~وصاحب البلايا بالعافية فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا ~~عرفتك فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال لها: قومي بإذن ~~الله تعالى فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك ~~عزير وانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن ~~مائة سنة وثمانية عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا ms0372 عزير قد جاءكم، ~~فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم فدعا عزير ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، ~~وزعم أن الله تعالى قد أماته مائة سنة ثم بعثه قال: فنهض الناس إليه، وقال ~~ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فنظر إليها ~~فرآها فعرف أنه عزير، وقيل: لما رجع عزير إلى قريته وقد أحرق بختنصر ~~التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلائق بكى عزير على التوراة فأتاه ملك ~~بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فثبتت التوراة في صدره فرجع إلى بني ~~إسرائيل وقد علمه الله التوراة، وبعثه نبيا فقال أنا عزير: فلم يصدقوه فقال ~~إني عزير وقد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم، قالوا: فاملها علينا ~~فأملاها عليهم من ظهر قلبه فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ~~ذهبت إلا أنه ابنه فقالوا: عزير ابن الله وستأتي القصة في سورة التوبة إن ~~شاء الله تعالى. وقوله تعالى: فلما تبين له يعني فلما اتضح له عيانا ما كان ~~ينكره من إحياء القرية ورآه عيانا في نفسه قال أعلم قرئ مجزوما موصولا على ~~الأمر يعني قال الله له أعلم وقرئ أعلم على قطع الألف، ورفع الميم على ~~الخبر عن الذي قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها والمعنى فلما تبين له ورأى ~~ذلك عيانا قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير يعني الإماتة والإحياء. ### || [سورة البقرة (2): آية 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # قوله عز وجل: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى اختلفوا في سبب هذا ~~السؤال من إبراهيم عليه السلام فقيل: إنه مر على دابة ميتة وهي جيفة حمار ~~وقيل: بل كانت حوتا ميتا وقيل: كان رجلا ميتا بساحل البحر وقيل: بحر طبرية ~~فرآها وقد توزعها دواب ms0373 البحر والبر. فإذا مد البحر جاءت الحيتان فأكلت منها ~~وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها. فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت ~~منها فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها. # PageV01P196 # وقال: يا رب إني قد علمت إنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف ~~الدواب فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فأزداد يقينا فعاتبه الله تعالى: قال ~~أولم تؤمن يعني ألم تصدق قال بلى يا رب قد علمت وآمنت ولكن ليطمئن قلبي أي ~~ليسكن قلبي عند المعاينة أراد إبراهيم عليه السلام أن يصير له علم اليقين ~~عين اليقين لأن الخبر ليس كالمعاينة وقيل لما رأى الجيفة على البحر وقد ~~تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة ~~وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا ~~في إحياء الله الموتى ولا دافعا له ولكنه أحب أن يرى ذلك عيانا كما أن ~~المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ويحبون رؤية الله ~~تعالى في الجنة ويطلبونها، ويسألونه في دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال ~~الشك عنهم فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانا، وقيل: كان سبب هذا ~~السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ~~ويميت فقال نمرود: أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر فقال ~~إبراهيم: إن الله تعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه فقال له نمرود أنت عاينته ~~فلم يقدر إبراهيم أن يقول: # نعم فانتقل إلى حجة أخرى ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؟ ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي فإذا قيل: أنت عاينته ~~فأقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ~~ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار ~~فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس وكان إذا خرج أغلق بابه فلما جاء، ~~وجد في الدار رجلا فثار إليه ليأخذه وقال ms0374 له. من أذن لك أن تدخل داري فقال: ~~أذن لي رب الدار فقال: إبراهيم صدقت وعرف أنه ملك فقال له: من أنت قال: أنا ~~ملك الموت جئتك أبشرك أن الله قد اتخذك خليلا فحمد الله عز وجل وقال له: ما ~~علامة ذلك قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك فحينئذ قال ~~إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~بأنك اتخذتني خليلا، وتجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك (ق) عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب ~~أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم ~~الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت ~~الداعي». # (القول على معنى الحديث) وما يتعلق به اختلف العلماء في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» على أقوال كثيرة فأحسنها وأصحها ما ~~نقل المزني وغيره من العلماء أن الشك مستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في ~~إحياء الموتى لو كان متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم ولقد ~~علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك وإنما خص إبراهيم بالذكر لكون ~~الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك فنفى ذلك عنه، ~~وقال الخطابي: ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم اعتراف بالشك على ~~نفسه، ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في ~~قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك وقال ذلك على ~~سبيل التواضع والهضم من النفس وكذلك قوله: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ~~لأجبت الداعي وفيه الإعلام بأن المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن ~~من قبل زيادة العلم بالبيان، والعيان يفيد من المعرفة، والطمأنينة ما لا ~~يفيد الاستدلال وقيل: لما نزلت هذه الآية قال: قوم: شك إبراهيم ولم ms0375 يشك ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم ومعناه أن هذا الذي تظنونه شكا أنا أولى به فإنه ليس بشك، ~~وإنما هو طلب لمزيد اليقين وإنما رجح إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نفسه ~~صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وأدبا، أو قيل أن يعلم أنه صلى الله عليه ~~وسلم خير ولد آدم وأما تفسير الآية فقوله تعالى: وإذ قال إبراهيم: أي واذكر ~~يا محمد، إذ قال: إبراهيم، وقيل: إنه معطوف على قوله: «ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه» والتقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ألم تر إذ ~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قال يعني قال الله إبراهيم: «أولم ~~تؤمن» الألف في أولم تؤمن من ألف إثبات وإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب ~~المطايا. أي ألستم كذلك والمعنى أو لست قد # PageV01P197 # آمنت وصدقت أني أحيي الموتى قال بلى قد آمنت وصدقت ولكن ليطمئن قلبي يعني ~~سألتك ذلك إرادة طمأنينة القلب وزيادة اليقين وقوة الحجة وقال ابن عباس: ~~معناه ولكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني قال فخذ أربعة من الطير قيل ~~أخذ طاوسا وديكا وحمامة وغرابا وقيل نسرا بدل الحمامة. فإن قلت لم خص الطير ~~من جملة الحيوانات بهذه الحالة. قلت لأن الطير صفته الطيران في السماء ~~والارتفاع في الهواء، وكانت همة إبراهيم عليه السلام كذلك وهو العلو في ~~الوصول إلى الملكوت فكانت معجزته مشاكلة لهمته. فإن قلت: لم خص هذه الأربعة ~~الأجناس من الطير بالأخذ. قلت فيه إشارة ففي الطاوس إشارة إلى ما في ~~الإنسان من حب الزينة، والجاه وفي النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل وفي ~~الديك إشارة إلى شدة الشغف بحب النكاح وفي الغراب إشارة إلى شدة الحرص، ففي ~~هذه الطيور مشابهة لما في الإنسان من حب هذه الأوصاف وفيه إشارة إلى أن ~~الإنسان إذا ترك هذه الشهوات الذميمة لحق أعلى الدرجات في الجنة، وفاز بنيل ~~السعادات فصرهن ms0376 قرئ بكسر الصاد ومعناه قطعهن ومزقهن وقرئ بضم الصاد ومعناه ~~أملهن إليك ووجههن وقيل: معناه اجمعهن واضممهن إليك فمن فسره بالإمالة ~~والضم قال فيه إضمار ومعناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذف اكتفاء بقوله: # ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا لأنه يدل عليه قال لمفسرون: أمر الله تعالى ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها وأن يخلط ريشها ~~ولحمها ودمها بعضه ببعض ففعل ثم أمره أن يجعل على كل جبل منهن جزءا. ~~واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمر ~~أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء وأن يجعلها أربعة أجبل على كل جبل ربعا من كل ~~طائر، قيل: جبل على جهة الشرق وجبل على جهة الغرب، وجبل على جهة الشمال ~~وجبل على جهة الجنوب وقيل جزأه سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك ~~رؤوسهن بيده ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله تعالى: فجعلت كل قطرة من دم ~~طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى وكل عظم ~~يطير إلى العظم الآخر وكل بضعة تطير إلى البضعة الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى ~~لقيت كل جثة بعضها ببعض في السماء بغير رؤوس ثم أقبلن سعيا إلى رؤوسهن كلما ~~جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه وإن لم يكن تأخر عنه حتى التقى كل ~~طائر برأسه فذلك قوله تعالى: ثم ادعهن يأتينك سعيا وقيل: المراد بالسعي ~~الإسراع والعدو وقيل المشي، والحكمة في سعي الطيور إليه دون الطيران، لأن ~~ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور أو أن ~~أرجلها غير سليمة، فنفى الله تعالى هذه الشبهة بقوله: يأتينك سعيا وقيل: ~~المراد بالسعي المشي والمراد بالمشي الطيران وفيه ضعف لأنه لا يقال: للطائر ~~إذا طار سعى وقيل السعي هو الحركة الشديدة واعلم أن الله عزيز يعني أنه ~~تعالى غالب على جميع الأشياء لا يعجزه شيء حكيم يعني في جميع أموره. قوله ~~عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات ms0377 261 الى 262] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قيل أراد به الإنفاق في الجهاد ~~وقيل هو الإنفاق في جميع أبواب الخير ووجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع، ~~وفيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أي كمثل زارع حبة أنبتت يعني أخرجت تلك الحبة سبع سنابل جمع سنبلة في كل ~~سنبلة مائة حبة. فإن قلت فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها. ~~قلت: ذلك غير مستحيل وما لا يكون مستحيلا فضرب المثل به جائز وإن لم يوجد ~~والمعنى في كل سنبلة مائة حبة إن جعل الله ذلك فيها، وقيل هو موجود في ~~الدخن، وقيل: إن المقصود من الآية أنه إذا علم الإنسان الطالب للزيادة ~~والربح أنه إذا بذر حبة # PageV01P198 # واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه ~~فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر عند الله في الآخرة أن لا يترك الإنفاق في سبيل ~~الله، إذا علم أنه يحصل له بالواحد عشرة ومائة وسبعمائة والله يضاعف لمن ~~يشاء يعني أنه تعالى يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وقيل معناه يضاعف على هذا ~~ويزيد لمن يشاء من سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما يشاء من الأضعاف مما ~~لا يعلمه إلا الله والله واسع أي غني يعطي عن سعة، وقيل واسع القدرة على ~~المحازاة وعلى الجود والإفضال عليم يعني بنية من ينفق في سبيله، وقيل عليم ~~بمقادير الإنفاق وبما يستحق المنفق من الجزاء والثواب عليه. قوله عز وجل: ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قيل: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ~~بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة ms0378 تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ~~فنزلت هذه الآية وقال عبد الرحمن بن سمر «وجاء عثمان بألف دينار في جيش ~~العسرة فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ~~ويقلبها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم فأنزل الله تعالى: الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله وأما عبد الرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ~~ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أخرجتها لربي عز وجل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت»، والمعنى الذين ~~يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم ثم لا ~~يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى أي لا يتبع نفقته التي أنفقها عليهم بالمن ~~والأذى وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول: قد أعطيتك كذا وكذا فيعدد نعمه عليه ~~فيكدرها عليه والأذى هو أن يعيره فيقول: كم تسأل وأنت فقير أبدا وقد بليت ~~بك وأراحني الله منك وأمثال ذلك. والمن في اللغة الإنعام، والمنة النعمة ~~الثقيلة يقال: من فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة ويكون ذلك بالقول: أيضا ~~ومنه قول الشاعر: # فمني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم # ومن المن بالقول ما هو مستقبح بين الناس، مثل أن يمن على الإنسان بما ~~أعطاه، قال عبد الرحمن بن يزيد كان أبي يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن ~~سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على ~~إظهارها والمن بها قال قائلهم في المدح بترك المن: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو في العالم مشهور كبير # وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء: # أتيت قليلا ثم أسرعت منة ... فنيلك ممنون لذاك قليل # وأما الأذى فهو ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل. إذا عرفت هذا ~~فنقول المن هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به والأذى هو أن يشكو ~~منهم ms0379 بسبب ما أعطاهم فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف والأذى فيه ~~وذم فاعله. فإن قلت: قد وصف الله تعالى نفسه بالمنان فما لفرق. قلت المنان ~~في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على عباده وإحسانه إليهم ~~فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد تعيير وتكدير فظهر الفرق ~~بينهما. وقوله تعالى: لهم أجرهم يعني ثوابهم عند ربهم يعني في الآخرة ولا ~~خوف عليهم يعني يوم القيامة ولا هم يحزنون يعني على ما خلفوا من الدنيا. # PageV01P199 ### || [سورة البقرة (2): الآيات 263 الى 264] # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ~~ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) # قول معروف أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل وقيل: عدة حسنة توعده ~~بها، وقيل: دعاء صالح تدعو له بظهر الغيب ومغفرة أي تستر عليه خلته وفقره ~~ولا تهتك ستره وقيل هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حالة رده خير ~~من صدقة يعني هذا القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي تدفعها إلى ~~الفقير يتبعها أذى وهو أن يعطي الفقير الصدقة ويمن عليه بها ويعيره بقول أو ~~يؤذيه بفعل والله غني أي مستغن عن صدقة العباد والغنى الكامل الغني الذي لا ~~يحتاج إلى أحد وليس كذلك إلا الله تعالى حليم يعني أنه تعالى حليم لا يعجل ~~بالعقوبة على من يمن على عباده ويؤذي بصدقته. قوله عز وجل: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم يعني أجور صدقاتكم بالمن والأذى يعني على السائل ~~الفقير، وقال ابن عباس بالمن على الله تعالى والأذى لصاحبها ثم ضرب الله ~~تعالى لذلك مثلا فقال تعالى كالذي أي كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس أي ~~مراءاة لهم وسمعة ليروا نفقته ويقولوا: إنه سخي كريم ولا يؤمن بالله واليوم ms0380 ~~الآخر يعني أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل ~~المؤمنين لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به فمثله أي ~~مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله كمثل صفوان هو الحجر الأملس الصلب وهو ~~واحد وجمع فمن جعله جمعا قال واحده صفوانه ومن جعله واحدا قال جمعه صفي ~~عليه تراب أي على ذلك الصفوان تراب فأصابه وابل يعني المطر الشديد العظيم ~~القطر فتركه صلدا يعني ترك المطر ذلك الصفوان صلدا أملس لا شيء عليه من ذلك ~~التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان ~~بصدقته يؤذي الناس يرى الناس أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر، كما يرى التراب ~~على الصفوان فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، ~~تبطل أعمالهم وتضمحل لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على ~~الصفوان من التراب لا يقدرون على شيء مما كسبوا أي لا يقدرون على ثواب شيء ~~مما عملوا في الدنيا والله لا يهدي القوم الكافرين يعني الذين سبق في علمه ~~أنهم يموتون على الكفر. روى البغوي بسنده عن محمود بن لبيد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا ~~رسول الله وما الشرك الأصغر قال: الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد ~~بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم ~~جزاء» (م) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال ~~الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي ~~غيري تركته وشركه». قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 265 الى 266] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ms0381 ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله أي طلب رضا الله وتثبيتا من ~~أنفسهم يعني على الإنفاق في طاعة الله تعالى وتصديقا بثوابه، وقيل: معناه ~~إن أنفسهم موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت وقيل: # إحسانا وقيل تصديقا والمعنى أنهم يخرجون زكاة أموالهم، وينفقون أموالهم ~~في سائر وجوه البر والطاعات طيبة # PageV01P200 # أنفسهم بما أنفقوا على يقين بثواب الله وتصديق بوعده يعلمون أن ما أنفقوا ~~خير لهم مما تركوا وقيل معناه على يقين بإخلاف الله عليهم وقيل: معناه أنهم ~~يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم قيل: كان الرجل إذا هم بصدقة ~~تثبت فإن كانت لله خالصة أمضاها، وإن خالطه شك أو رياء أمسك كمثل جنة أي ~~بستان قال الفراء إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو ~~فردوس بربوة هي المكان المرتفع عن الأرض المستوي لأن ما ارتفع من الأرض عن ~~مسيل الماء والأودية كان ثمرها أحسن وأزكى إذا كان لها من الماء ما يرويها ~~وقيل: # هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر انتفخت وربت فإذا كانت ~~الأرض بهذه الصفة كثر ريعها وحملت أشجارها أصابها وابل وهو المطر الكثير ~~الشديد قال بعضهم: # ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها وابل هطل # أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض فآتت أكلها ضعفين أي فأعطت ثمرتها ~~مثلين قيل إنها حملت في سنة من الريع ما يحمله غيرها في سنتين وقيل أضعفت ~~فحملت في السنة مرتين فإن لم يصبها وابل فطل أي طش وهو المطر الخفيف ~~الضعيف، والمعنى إن لم يكن أصابها وابل وأصابها طل فتلك حال هذه الجنة في ~~تضاعف ثمرها فإنها لا تنقص بالطل عن مقدار ثمرها بالوابل وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى: لعمل المؤمن المخلص في إنفاقه وسائر أعماله، يقول الله تعالى ~~كما أن هذه الجنة تريع وتزكو في كل حال ولا تخلف سواء كان المطر قليلا أو ~~كثيرا ms0382 فكذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص في صدقته وإنفاقه الذي لا يمن ~~ولا يؤذي سواه قلت نفقته أو كثرت والله بما تعملون بصير يعني أن الله تعالى ~~لا تخفى عليه نفقة المخلص في صدقته الذي لا يمن بها ولا يؤذي والذي يمن ~~بصدقته ويؤذي قوله عز وجل: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب هذه ~~متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى. لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أيود يعني ~~أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل وأعناب إنما خصهما بالذكر ~~لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها ولما فيهما من الغذاء والتفكه تجري من تحتها ~~الأنهار يعني أن جري الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها له ~~فيها من كل الثمرات لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه وأصابه الكبر يعني ~~صاحب هذه الجنة كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها فحينئذ يكون في غاية ~~الاحتياج إلى تلك الجنة فإن قلت: كيف عطف وأصابه الكبر على أيود، وكيف يجوز ~~عطف الماضي على المستقبل قلت فيه وجهان أحدهما أن يكون له جنة حال ما أصابه ~~الكبر والوجه الثاني أنه عطف على المعنى، فكأنه قيل أيود أحدكم لو كانت له ~~جنة وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء يعني له أولاد صغار عجزت عن الحركة بسبب ~~الضعف والصغر فأصابها يعني أصاب تلك الجنة إعصار فيه نار فاحترقت الإعصار ~~ريح ترتفع إلى السماء وتستدير كأنها عمود وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل ~~المنافق والمرائي يقول مثل عمل المنافق والمرائي بعمله في حسنه كحسن جنة ~~ينتفع بها صاحبها فلما كبر وضعف وصار له أولاد ضعاف أصاب جنته إعصار فيه ~~نار فأحرقها وهو أحوج ما يكون إليها فحصل في قلبه من الغم والحسرة ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى لكبره وضعفه وضعف أولاده فهو لا يجد ما يعود به على ~~أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به عليه فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة ~~بأيديهم، فكذلك حال من أتى يوم القيامة بأعمال حسنة ولم ms0383 يقصد بها وجه الله ~~تعالى، فيبطلها الله تعالى، وهو في غاية الحاجة إليها حين لا مستعتب له ولا ~~توبة. وقال عبيد بن عمير: قال عمر يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيمن ترون نزلت هذه الآية أيود أحدكم قالوا: الله أعلم فغضب عمر وقل ~~قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ~~فقال عمر قل يا ابن أخي ولا تحقرن نفسك فقال ضرب الله مثلا لعمل قال لأي ~~عمل قال لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي ~~حتى أحرق أعماله كلها كذلك يبين الله لكم الآيات يعني كما بين الله تعالى ~~لكم أمر النفقة المقبولة، وغير المقبولة كذلك يبين الله لكم من الآيات سوى ~~ذلك لعلكم تتفكرون أي فتتعظوا وقال ابن # PageV01P201 # عباس: لعلكم تتفكرون يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم أي من خيار ما كسبتم وجيده ~~وقيل: من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة وفيه دليل على إباحة الكسب ~~وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. عن خولة الأنصارية قالت: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا المال خضر حلو من أصابه ~~بحق بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم ~~القيامة إلا النار» أخرجه الترمذي. المتخوض الذي يأخذ المال من غير وجهه ~~كما يخوض الإنسان في الماء يمينا وشمالا (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه ~~أمن حلال أم من حرام» (خ) عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ما أكل أحد طعاما قط خيرا ms0384 من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان ~~يأكل من عمل يده» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أطيب ~~ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» أخرجه الترمذي والنسائي. ~~واختلفوا في المراد بقوله تعالى: أنفقوا فقيل: المراد به الزكاة المفروضة ~~لأن الأمر للوجوب والزكاة واجبة فوجب صرف الآية إليها وقيل: المراد به صدقة ~~التطوع وقيل: إنه يتناول الفرض والنفل جميعا لأن المفهوم من هذا الأمر ~~ترجيح جانب الفعل على الترك وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل فوجب ~~أن يدخل تحت هذا الأمر فعلى القول الأول أن المراد من هذا الإنفاق هو ~~الزكاة يتفرع عليه مسائل: # المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه ~~الإنسان فيدخل فيه زكاة الذهب والفضة والنعم وعروض التجارة، لأن ذلك يوصف ~~بأنه مكتسب وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الزكاة في مال التجارة وقال داود ~~الظاهري: لا تجب الزكاة بحكم التجارة في العروض إلا أن ينوي به التجارة في ~~حال تملكه، ودليل الجمهور ما روي عن سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعد للبيع» أخرجه أبو داود ~~وعن أبي عمرو بن خماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة ~~أحملها فقال عمر ألا تؤدي زكاتك يا خماس فقلت مالي غير هذا واهب في القرظ ~~قال: ذاك مال فضع فوضعها فحسبها فأخذ منها الزكاة فإذا حال الحول على عروض ~~التجارة قوم فإن بلغ قيمته عشرين دينارا أو مائتي درهم أخرج منه ربع العشر. # المسألة الثانية: في قوله تعالى: ومما أخرجنا لكم من الأرض ظاهر الآية ~~يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات مما يزرع الآدميون، ~~لكن جمهور العلماء خصصوا هذا العموم فأوجبوا الزكاة في النخيل، والكروم ~~وفيما يقتات ويدخر من الحبوب وأوجب أبو حنيفة الزكاة في كل ما يقصد من نبات ~~الأرض، كالفواكه والبقول والخضراوات كالبطيخ ms0385 والقثاء والخيار ونحو ذلك، ~~دليل الجمهور ما روي عن معاذ: # «أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول ~~فقال: ليس فيها شيء» أخرجه الترمذي. وقال هذا الحديث ليس بصحيح وليس يصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلا والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس ~~في الخضراوات صدقة. قلت وحديث موسى بن طلحة أخرجه الشيخ مجد الدين أبو ~~البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني في أحكامه عن عطاء بن ~~السائب قال: «أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من ~~الخضراوات صدقة فقال له: # موسى بن طلحة: ليس ذلك لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ليس ~~في ذلك صدقة» رواه الأثرم في سننه وهو أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به ~~وقال الزهري والأوزاعي ومالك تجب الزكاة في الزيتون، وتجب في الثمار عند # PageV01P202 # بدو الصلاح وهو أن يحمر البسر ويصفر ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، ~~وفي الحبوب عند الاشتداد ووقت الإخراج بعد الدراس والتصفية. # المسألة الثالثة: يجب إخراج العشر فيما سقي بالمطر والأنهار والعيون ونصف ~~العشر فيما سقي بنضح أو سانية، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما ~~سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري. ولأبي داود والنسائي قال: «فيما سقت ~~السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر وما سقي بالسواني والنضح نصف ~~العشر» قال أبو داود البعل ما شرب بعروقه ولم يتعن في سقيه وقال وكيع: هو ~~الذي ينبت من ماء السماء قوله: أو كان عثريا أراد به القوي من الزرع وهو ~~البعل وقد فسره في لفظ الحديث والنضح هو الاستسقاء وكذلك السانية وهي ~~الدابة التي يسقي عليها سواء كانت من الإبل أو البقر، ولا يجب العشر في ~~السماء والزروع ms0386 حتى تبلغ خمسة أوسق والوسق ستون صاعا، وقال أبو حنيفة: يجب ~~العشر في كل قليل أو كثير من الثمار والزروع واحتج الجمهور في إيجاب النصاب ~~بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة ~~ذود صدقة» وفي رواية «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر أو حب صدقة» أخرجاه ~~في الصحيحين، ومن قال: إن المراد بقوله تعالى: أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض صدقة التطوع احتج بما روي عن أنس بن مالك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل ~~منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» أخرجاه في الصحيحين. وقوله ~~تعالى: ولا تيمموا الخبيث أي ولا تقصدوا الخبيث يعني الرديء من أموالكم منه ~~تنفقون أي من الخبيث. عن البراء بن عازب في قوله تعالى: ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من ~~نخله على قدر كثرته، وقلته: وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في ~~المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه ~~بعصا، فسقط البسر أو التمر فيأكل وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي ~~بالقنوفية الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى: يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه قال: لو أن أحدكم ~~أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء قال: فكنا بعد ذلك ~~يأتي أحدنا بصالح ما عنده أخرجه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ~~وقيل كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، ويعزلون الجيد لأنفسهم ~~فأنزل الله تعالى: ولا تيمموا الخبيث يعني الرديء منه تنفقون يعني تتصدقون ~~ولستم ms0387 بآخذيه يعني ذلك الشيء الخبيث الرديء إلا أن تغمضوا فيه الإغماض في ~~اللغة غض البصر، وإطباق الجفن والمراد به هنا التجويز والمساهلة، وذلك أن ~~الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك قال ابن عباس: معناه لو ~~أن لأحدكم على رجل حقا فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض عن حقه ~~وتركه وقال البراء: هو لو أهدى ذلك ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه ~~وغيظ فكيف ترضون إلى ما لا ترضون لأنفسكم إذا كان المال كله جيدا فليس له ~~إعطاء الرديء لأن أهل السهمان شركاء له فيما عنده، وإن كان كله رديئا فلا ~~بأس بإعطاء الرديء واعلموا أن الله غني يعني عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق ~~لعوز واحتياج إليها حميد أي محمود في أفعاله، وقيل: حميد بمعنى حامد أي ~~أجركم على ما تفعلونه من الخير. قوله عز وجل: # PageV01P203 # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 268 الى 269] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) # الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم الفقر يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا وإذا ~~لم يذكر الخير والشر يقال: في الخير وعدته وفي الشر أوعدته والفقر سوء ~~الحال، وقلة ذات اليد وأصله من كسر فقار الظهر ومعنى الآية أن الشيطان ~~يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت ويأمركم ~~بالفحشاء يعني يوسوس لكم ويحسن لكم، البخل ومنع الزكاة والصدقة قال الكلبي ~~كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا هذا الموضع وفي هذه الآية لطيفة وهي أن ~~الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره ~~بالفحشاء، وهي البخل وذلك لأن البخيل على صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع ~~الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر، فلهذا ~~قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~يعني مغفرة لذنوبكم وسترا ms0388 لكم وفضلا يعني رزقا وخلفا. فالمغفرة إشارة إلى ~~منافع الآخرة والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف. عن ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن ~~آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق وأما لمة ~~الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى ~~فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث حسن غريب قوله: إن ~~للشيطان لمة بابن آدم اللمة الخطرة الواحدة من الإلمام وهو القرب من الشيء ~~والمراد بهذه اللمة اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر والعزم فأما ~~لمة الشيطان فوسوسة وأما لمة الملك فإلهام من الله تعالى والله واسع أي غني ~~قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه عليم يعني بما تنفقونه لا تخفى عليه ~~خافية (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم ~~يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول: أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ~~ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى أنفق ينفق عليك» وفي رواية ~~«يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق ~~منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده» وفي رواية «فإنه لم يغض ما ~~في يمينه، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع» وفي رواية وبيده ~~الأخرى الفيض القبض يرفع ويخفض (ق) عن أسماء بنت بكر الصديق قالت: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفقي ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى ~~عليك» قوله: ولا توعي أي لا تشحي فيشح الله عليك فيجازيك بالتقتير في رزقك ~~ولا يخلف عليك ولا يبارك لك، والمعنى لا تجمعي وتمنعي بل أنفقي ولا تعدي ~~ولا تشحي. قوله عز وجل: ms0389 يؤتي الحكمة من يشاء قال ابن عباس: هي علم القرآن ~~ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وقال الضحاك: # القرآن والفهم فيه وإنما قال: ذلك لتضمن القرآن الحكمة وقال في القرآن: ~~مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن ~~حتى يعلمونهن ولا يكونوا كأهل النهروان يعني الخوارج تأولوا آيات من القرآن ~~في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب فجهلوا علمها فسفكوا بها الدماء، ~~وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه ~~من علم فيما نزل لم يختلف في شيء منه، وقيل: هي القرآن والعلم والفقه وقيل ~~هي الإصابة في القول والفعل. وحاصل هذه الأقوال إلى شيئين: العلم والإصابة ~~فيه، ومعرفة الأشياء بذواتها وأصل الحكمة المنع ومنه حكمة الدابة لأنها ~~تمنعها قال الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم أي امنعوا سفهاءكم، وقال السدي: الحكمة النبوة ~~لأن النبي يحكم بين الناس فهو حاكم وقيل الحكمة # PageV01P204 # الورع في دين الله لأن الورع يمنع صاحبه من أن يقع في الحرام، أو ما لا ~~يجوز له فعله ومن يؤت الحكمة يعني ومن يؤته الله الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا تنكير تعظيم معناه فقد أوتي أي خير كثير. وما يذكر إلا أولوا الألباب ~~أي وما يتعظ بما وعظه الله إلا ذوو العقول الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): الآيات 270 الى 271] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # وما أنفقتم من نفقة يعني فيما فرضه الله عليكم من إعطاء زكاة وغيرها أو ~~نذرتم من نذر يعني به ما أوجبتموه على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به ~~والنذر أن يوجب الإنسان على نفسه شيئا ليس بواجب يقال نذرت لله نذرا وأصله ~~من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه النذر من خوف التقصير في الأمر ms0390 ~~المهم، والنذر في الشرع على ضربين مفسر، وغير مفسر. فالمفسر أن يقول لله ~~على صوم أو حج أو عتق أو صدقة فيلزمه الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير ~~المفسر وهو أن يقول: نذرت لله لا أفعل كذا ثم يفعله أو يقول لله على نذر من ~~غير تسمية شيء فيلزمه فيه كفارة يمين (خ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا ~~في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن ~~نذر نذرا فأطاقه فليف به» أخرجه أبو داود عن عمران بن حصين قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» ~~أخرجه النسائي (ق) عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» (م) عن أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم ~~يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن ~~البخيل يريد أن يخرج» قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر ~~كون الناذر يصير ملتزما مالا فيأتي به تكلفا من غير نشاط أو يكون سببه كونه ~~يأتي به على سبيل المعارضة عن الأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن ~~تكون متمحضة لله تعالى وقال بعضهم يحتمل أن يكون النهي لكونه قد يظن بعض ~~الجهلة أن النظر يرد القدر أو يمنع من حصول المقدور فنهى عنه خوفا من ~~اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكد هذا، وقوله: في بعض روايات الحديث إنه لا ~~يأتي بخير معناه أنه لا يرد شيئا ms0391 من القدر. وقوله: فيخرج بذلك من البخيل ما ~~لم يكن البخيل يريد أن يخرج معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا ~~مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شيء يريده كقوله إن شفى الله مريضي فلله ~~على كذا ونحو ذلك مما يحصل بالنذر والله أعلم، وقوله تعالى: فإن الله يعلمه # أي يعلم ما أنفقتم ونذرتم فيجازيكم به وإنما قال: يعلمه ولم يقل يعلمهما ~~لأنه رد الضمير على الآخر منهما فهو كقوله: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم ~~به بريئا وقيل: إن الكناية عادت على: «ما» في قوله وما أنفقتم لأنها اسم ~~فهو كقوله: «وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به» ولم يقل بهما وما ~~للظالمين يعني الواضعين الصدقة في غير موضعها وقيل: الذين يريدون بصدقاتهم ~~الرياء والسمعة وقيل: هم الذين يتصدقون بالمال الحرام من أنصار أي من أعوان ~~يدفعون عنهم عذاب الله تعالى، ففيه وعيد عظيم لكل ظالم قوله عز وجل: إن ~~تبدوا الصدقات أي تظهروا الصدقات والصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه ~~القربة فيدخل فيه الزكاة الواجبة، وصدقة التطوع فنعما هي أي فنعمت الخصلة ~~هي وقيل فنعم الشيء هي وقيل: معناه فنعم شيئا إبداء الصدقات وإن تخفوها أي ~~تسروا الصدقة وتؤتوها الفقراء أي وتعطوها الفقراء في السر فهو خير لكم يعني ~~إخفاء الصدقة أفضل من العلانية وكل مقبول إذا كانت النية صادقة، واختلفوا ~~في المراد بالصدقة المذكورة في الآية فقال # PageV01P205 # الأكثرون المراد بها صدقة التطوع، واتفق العلماء على أن كتمان صدقة ~~التطوع أفضل وإخفاؤها خير من إظهارها، لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى ~~الإخلاص، ولأن فيه بعدا عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة، وفي صدقة السر ~~أيضا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ وهي أنه إذا أعطى في السر زال عنده الذل ~~والانكسار وإذا أعطى في العلانية يحصل له الذل والانكسار ويدل على أن صدقة # السر أفضل ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سبعة يظلهم الله في ظله ms0392 يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة ~~الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا ~~في الله تعالى اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت ~~عيناه من خشية الله تعالى ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف ~~الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» أخرجاه في ~~الصحيحين ووجه جواز إظهار الصدقة يكون ممن قد أمن على نفسه من مداخلة ~~الرياء في عمله أو يكون ممن يقتدى به في أفعاله فإذا أظهر الصدقة تابعه ~~غيره على ذلك، وأما الزكاة فإظهار إخراجها أفضل من كتمانها كالصلاة ~~المكتوبة في الجماعة أفضل وصلاة التطوع في البيت أفضل ولكن في إظهار الزكاة ~~نفي التهمة عن المزكي وقيل إن الآية واردة في زكاة الفرض، وكان إخفاؤها ~~خيرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا لا يظنون بأحد أنه ~~يمنع الزكاة، فأما اليوم في زماننا إظهار الزكاة أفضل حتى لا يساء الظن به ~~وقيل إن الآية عامة في جميع الصدقات الواجبة والتطوع والإخفاء أفضل في كل ~~صدقة من زكاة غيرها. وقوله تعالى: ويكفر عنكم من سيئاتكم قيل إن من صلة ~~زائدة تقديره ونكفر عنكم سيئاتكم قال ابن عباس جميع سيئاتكم وقيل أدخل من ~~للتبغيض ليكون العباد على وجل ولا يتكلوا والمعنى ونكفر عنكم الصغائر من ~~سيئاتكم وأصل التكفير في اللغة التغطية والستر والله بما تعملون خبير يعني ~~من إظهار الصدقات وإخفائها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) # ليس عليك هداهم قيل سبب نزول هذه الآية: أن ناسا من المسلمين كان لهم ~~قرابات وأصهار في اليهود وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم قبل أن يسلموا فلما ~~أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوا بذلك أن يسلموا وقيل كانوا يتصدقون على ms0393 ~~فقراء أهل المدينة فلما كثر المسلمون نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة إلى الدخول في الإسلام لحرصه صلى ~~الله عليه وسلم على سلامهم فنزل ليس عليك هداهم ومعناه ليس عليك هداية من ~~خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فحينئذ نتصدق عليهم ~~فأعلمه الله تعالى أنه إنما بعث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، فأما ~~كونهم مهتدين فليس ذلك إليك ولكن الله يهدي من يشاء يعني أن الله تعالى ~~يوفق من يشاء فيهديه إلى الإسلام وأراد بالهداية هنا هداية التوفيق وأما ~~هداية البيان والدعوة فكانت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت ~~هذه الآية أعطوهم وتصدقوا عليهم وما تنفقوا من خير أي من مال فلأنفسكم أي ~~ما تفعلوا تنفعوا به أنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ظاهره خبر ~~ومعناه نهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وقال الزجاج: هذا خاص ~~للمؤمنين أعلمهم الله تعالى أنه قد علم أن مرادهم بنفقتهم ما عنده وقيل ~~معناه لستم في صدقاتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله وقد ~~علم هذا من قلوبكم فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في ~~صلة الرحم وسد خلة مضطر قال بعض العلماء: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ~~ثواب نفقتك وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا إلى المسلمين وهم ~~أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى ~~أهل الذمة، وخالفه سائر العلماء في ذلك فعلى هذا تكون الآية مختصة بصدقة ~~التطوع أباح الله تعالى أن تصرف إلى فقراء المسلمين وفقراء أهل # PageV01P206 # الذمة فأما زكاة الفرض فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة بحال وما تنفقوا من ~~خير يوف إليكم أي يوفر لكم جزاؤه وقال ابن عباس: يجازيكم به يوم القيامة ~~ومعناه يؤدي إليكم يوم القيامة ولهذا حسن إدخال إلى مع التوفية لأنها تضمنت ~~معنى التأدية وأنتم لا تظلمون أي لا تنقصون ms0394 شيئا من ثواب أعمالكم. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # للفقراء اختلفوا في موضع اللام في قوله للفقراء فقيل: هو مردود على موضع ~~اللام من قوله فلأنفسكم فكأنه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنما ~~تنفقون لأنفسكم، وقيل معناه الصدقات التي سبق ذكرها الفقراء. # وقيل خبر محذوف تقديره للفقراء الذين من صفتهم كذا وكذا حق واجب وهم ~~فقراء المهاجرين كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا ~~عشائر وكانوا يأوون إلى صفة في المسجد يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى ~~بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~أصحاب الصفة فحث الله تعالى الناس على مواساتهم فكان من عنده فضل أتاهم به ~~إذا أمسى وقوله: الذين أحصروا في سبيل الله يعني هم الذين حبسوا أنفسهم على ~~الجهاد في سبيل الله وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يعني لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش والكسب، وهم أهل الصفة الذين ~~تقدم ذكرهم وقيل حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقيل هم قوم ~~أصابتهم جراحات في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى ~~حصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف أي يظن من لم يختبر حالهم أنهم أغنياء من التعفف وهو تفعل من العفة ~~وهي ترك الشيء والكف عنه. يقال: تعفف إذا ترك السؤال ولزم القناعة والمعنى ~~يظنهم من لم يعرف حالهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة تعرفهم ~~بسيماهم السيماء والسيمياء والسمة العلامة التي يعرف بها الشيء واختلفوا في ~~معناها فقيل: هي الخضوع والتواضع وقيل هي أثر الجهد من الحاجة والفقر وقيل: ~~هي صفرة ألوانهم من الجوع ورثاثة ثيابهم من الضر لا يسئلون الناس إلحافا ~~يعني إلحاحا قيل: إذا كان ms0395 عنده غداء لا يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لا ~~يسأل غداء وقيل لا يسألون الناس أصلا لأنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف وهو ترك المسألة فعلم بذلك أنهم لا يسألون ألبتة ولأنه قال تعالى: ~~تعرفهم بسيماهم ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت من معرفتهم بالعلامة ~~حاجة فمعنى الآية ليس يصدر منهم سؤال حتى يقع فيهم إلحاف. فهم لا يسألون ~~الناس إلحافا ولا غير إلحاف (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (ق) عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق ~~عليه ولا يقوم فيسأل» الناس لفظ (خ) عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ~~ظهره فيبيعها خير له» من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم ~~القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح وقيل: يا رسول الله ما ~~يغنيه؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب» أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» أخرجه أبو داود وقال: زاد هشام في حديثه ~~وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما وفي ~~رواية عطاء بن يسار من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل ~~الناس وله أربعون درهما فهو ملحف» أخرجه النسائي (م) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه # PageV01P207 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس ms0396 تكثرا فإنما يسأل ~~جمرا فليستقل أو ليستكثر». وقوله تعالى: وما تنفقوا من خير فإن الله به ~~عليم يعني أن الله تعالى يعلم مقادير الإنفاق ويجازي عليها ففيه حث على ~~الصدقة والإنفاق في الطاعة. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 274] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية قال ابن عباس في رواية ~~عنه: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب كانت عنده أربعة دراهم لا يملك ~~غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية وفي رواية ~~عنه قال: «لما نزل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله» بعث عبد الرحمن بن ~~عوف بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث علي بن أبي طالب في الليل بوسق من ~~تمر فأنزل الله فيهما: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار يعني بنفقة ~~الليل نفقة علي وبالنهار نفقة عبد الرحمن وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر ~~أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار وقدم ~~السر على العلانية وقيل: نزلت الآية في الذين يربطون الخيل للجهاد في سبيل ~~الله لأنهم يعلفونها بالليل والنهار وفي السر: والعلانية (خ) عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتبس فرسا في سبيل الله ~~إيمانا واحتسابا وتصديقا بوعده كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم ~~القيامة» يعني حسنات وقيل: إن الآية عامة في الذين ينفقون أموالهم في جميع ~~الأوقات ويعمون بها أصحاب الحاجات والفاقات. فلهم أجرهم عند ربهم أي جزاء ~~أعمالهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يعني في الآخرة. قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2): آية 275] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون ms0397 (275) # الذين يأكلون الربا أي يعاملون به وإنما خص الأكل لأنه معظم الأمر ~~المقصود من المال لأن المال لا يؤكل إنما يصرف في المأكول ثم يؤكل فمنع ~~الله التصرف في الربا بما ذكر فيه من الوعيد (م) عن جابر قال: «لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» ~~وأصل الربا في اللغة الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر فالربا ~~الزيادة في المال لا يقومون يعني من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان أي يصرعه، وأصل الخبط الضرب والوطء وهو ضرب على غير استواء ~~يقال ناقة خبوط للتي تضرب الأرض بقوائمها وتطأ الناس بأخفافها ومنه قولهم: ~~يخبط خبط عشواء للرجل الذي يتصرف في الأمور على غير اهتداء وتمييز وتدبر، ~~وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل وجنون من المس يعني من الجنون يقال: مس الرجل ~~فهو ممسوس إذا كان به جنون، ومعنى الآية أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مثل ~~المصروع الذي لا يستطيع الحركة الصحيحة لأن الربا ربا في بطونهم حتى أثقلهم ~~فلا يقدرون على الإسراع. قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا إذا استحله ~~يوم القيامة وروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال: «فانطلق بي جبريل إلى رجال كثير كل رجل ~~بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على ~~النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا ~~يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم ~~فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه # PageV01P208 # فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ~~ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة، قال: وآل فرعون يقولون: ~~اللهم لا تقم الساعة أبدا. قال: ويوم القيامة يقول أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما ms0398 يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس». قوله: بطنه مثل البيت الضخم أي ~~العظيم الكبير الغليظ، وقوله: منضدين أي موضوعين بعضهم على بعض والسابلة ~~الطريق، وقوله مثل الإبل المنهومة، النهم بالتحريك إفراط في الشهوة بالطعام ~~من الجوع. قوله عز وجل: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا أي ذلك الذي ~~نزل بهم من العذاب بقولهم هذا واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان ~~أحدهم إذا حل ماله على غريمه يطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق زدني في ~~الأجل حتى أزيدك في المال فيفعلان ذلك وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة ~~في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى. ورد ~~عليهم ذلك بقوله: وأحل الله البيع وحرم الربا يعني وأحل الله لكم الأرباح ~~في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير ~~الأجل وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده وهو مالكهم يحكم فيهم بما ~~يشاء ويستعبدهم بما يريد ليس لأحد أن يعترض عليه في شيء مما حل أو حرم، ~~وإنما على كافة الخلق الطاعة والتسليم لحكمه وأمره ونهيه. وذكر بعض العلماء ~~الفرق بين البيع والربا فقال إذا باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات ~~الثوب مقابلا للعشرين فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما ~~مقابلا للآخر في المالية عندهما فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض، أما ~~إذا باع عشرة دراهم بعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة بغير عوض ولا يمكن أن ~~يقال: إن العوض هو الإمهال في مدة الأجل لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار ~~إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة فقد ظهر الفرق بين الصورتين. # (فصل: في حكم الربا وفيه مسائل) المسألة الأولى: ذكروا في سبب تحريم ~~الربا وجوها: أحدها: أن الربا يقتضي أخذ مال الغير بغير عوض، لأن من يبيع ~~درهما بدرهمين نقدا كان أو نسيئة فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض فهو ~~حرام. الوجه الثاني: # إنما حرم عقد الربا لأنه يمنع ms0399 الناس من الاشتغال بالتجارة لأن صاحب ~~الدراهم إذا تمكن من عقد الربا خف عليه تحصيل الزيادة من غير تعب ولا مشقة، ~~فيقضي ذلك إلى انقطاع منافع الناس بالتجارات وطلب الأرباح. الوجه الثالث: ~~أن الربا هو سبب إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، فلما حرم الربا ~~طابت النفوس بقرض الدراهم للمحتاج واسترجاع مثله لطلب الأجر من الله تعالى. ~~الوجه الرابع: أن تحريم الربا قد ثبت بالنص ولا يجب أن يكون حكم جميع ~~التكاليف معلومة للخلق فوجب القطع بتحريم الربا وإن كنا لا نعلم وجه الحكمة ~~في ذلك. # المسألة الثانية: اعلم أن الربا في اللغة هو الزيادة، وطلب الزيادة بطريق ~~التجارة غير حرام فثبت أن الزيادة المحرمة هو الربا وهو على صفة مخصوصة في ~~مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق) عن عمر بن الخطاب قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ~~ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا ~~هاء وهاء». وفي رواية: «الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء والذهب بالذهب ربا ~~إلا هاء وهاء» (م) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن ~~زاد واستزاد فقد أربى» وفي رواية: «التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير ~~بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى إلا ما ~~اختلفت ألوانه. (م) عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر وبالبر والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر والملح بالملح مثلا # PageV01P209 # بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد» فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على جريان الربا في هذه ~~الستة أشياء وهي النقدان وأربعة أصناف من المطعومات وهي البر والشعير ~~والتمر والملح، فذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا ms0400 ثبت في هذه الأشياء ~~لأوصاف فيها، فيعتدي إلى كل ما يوجد من تلك الأصناف فيه ثم اختلفوا في تلك ~~الأوصاف فذهب قوم إلى أن المعنى في جميعها هو واحد وهو النفع فأثبتوا الربا ~~في جميع الأموال وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير ~~بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فذهب الشافعي ~~ومالك إلى أنه ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وذهب أصحاب الرأي إلى ~~أنه ثبت بعلة الوزن فأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس ~~والقطن ونحو ذلك، وأما الأربعة أشياء المطعومة فذهب أصحاب الرأي إلى أن ~~الربا ثبت فيها بعلة الوزن والكيل فأثبتوا الربا في جميع المكيلات ~~والموزونات مطعوما كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوهما، وذهب جماعة إلى ~~أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن فكل مطعوم مكيل أو موزون يثبت فيه ~~الربا ولا يثبت فيما سوى ذلك مما ليس بمكيل أو موزون وهو قول سعيد بن ~~المسيب والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ثبت الربا فيها بوصف الطعم ~~فأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية ~~مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبد الله أرسل غلامه بصاع قمح ~~فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض من صاع فلما ~~جاء معمرا أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك انطلق فرده ولا تأخذن إلا ~~مثلا بمثل فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطعام ~~بالطعام مثلا بمثل» وكان طعامنا الشعير قيل له: فإنه ليس بمثله فقال إني ~~أخاف أن يضارع أخرجه مسلم فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو ~~مطعوما. # المسألة الثالثة: الربا نوعان ربا فضل وهو الزيادة وربا نسيئة وهو الأجل، ~~فإن باع ما يدخل فيه الربا بجنسه إن باع أحد النقدين بجنسه كالذهب بالذهب ~~أو المطعوم بجنسه كالحنطة بالحنطة ونحو ذلك فيشترط فيه التماثل والمساواة ~~بمعيار الشرع فإن كان موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط ms0401 فيه المساواة في ~~الوزن وإن كان مكيلا كالحنطة والشعير يشترط في بيعه بجنسه المساواة في ~~الكيل، ويشترط التقابض في مجلس العقد فإن باع ما يدخل فيه الربا بغير جنسه ~~ينظر فإن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل إن باع مطعوما بأحد النقدين ~~فلا ربا فيه كما لو باعه بغير مال الربا فإن باعه بما لا يوافقه في الوصف ~~لا في الجنس مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو كان ~~مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا التفاضل فيجوز بيعه ~~متفاضلا ويثبت فيه ربا النسيئة فيشترط في بيعه التقابض في المجلس لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «إلا يدا بيد». وقوله «هاء وهاء» ففيه اشتراط التقابض في ~~المجلس وتحريم النسيئة وقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا سواء بسواء مثلا ~~بمثل» ففيه إيجاب المماثلة وتحريم التفاضل عند اتفاق الجنس وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» ففيه إطلاق التبايع ~~مع التفاضل عند اختلاف الجنس مع اشتراط التقابل في المجلس وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إذا كان يدا بيد» والله أعلم. # المسألة الرابعة: في القرض وهو من أقرض شيئا وشرط أن يرد عليه أفضل منه ~~فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا يدل عليه ما روي عن مالك قال: ~~بلغني أن رجلا أتى ابن عمر فقال إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه أفضل مما ~~أسلفته، فقال عبد الله بن عمر: فذلك الربا أخرجه مالك في الموطأ. قال فإن ~~لم يشترط فضلا في وقت القرض فرد المستقرض أفضل مما أخذ جاز. ويدل على ذلك ~~ما روي عن مجاهد أن ابن عمر استلف دراهم فقضى صاحبها خيرا منها فأبى أن ~~يأخذها وقال هذه خير من دراهمي. فقال ابن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة ~~أخرجه مالك في الموطأ. وقوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه أي تذكير وتخويف ~~وإنما ذكر الفعل لأن تأنيثه غير حقيقي فجاز تذكيره وذلك ms0402 لأن الوعظ والموعظة ~~شيء واحد فانتهى # PageV01P210 # أي عن أكل الربا فله ما سلف أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له وأمره ~~إلى الله يعني بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وإن شاء خذله ~~حتى يعود إلى أكل الربا وقيل معناه وأمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل ~~له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وقيل: إن الآية فيمن يعتقد تحريم ~~أكل الربا ثم يأكله فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ومن ~~عاد يعني إلى أكل الربا بعد التحريم مستحلا له فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون. ### || [سورة البقرة (2): آية 276] # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) # قوله عز وجل: يمحق الله الربا أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته قال ابن عباس ~~لا يقبل الله منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة ويربي الصدقات أي يزيدها ~~ويثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف أجرها في الآخرة. (ق) عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا ~~يقبل الله الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن ~~حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله» لفظ مسلم والبخاري ~~«من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله. وفي رواية ولا يقبل الله ~~إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه ~~حتى تكون مثل الجبل». والله لا يحب كل كفار يعني كل مصر على كفره مقيم عليه ~~مستحل لأكل الربا أثيم يعني متماديا في الإثم وفيه نهي عنه وأن من أكل ~~الربا لا ينزجر عنه ولا يتركه وقيل يحتمل أن يكون الكفار راجعا إلى مستحل ~~الربا والأثيم راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم فتكون الآية جامعة ~~للفريقين. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): الآيات 277 الى 278] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة ms0403 وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) # إن الذين آمنوا يعني صدقوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات يعني التي أمرهم ~~الله بها وأقاموا الصلاة يعني المفروضة بأركانها وحدودها في أوقاتها وآتوا ~~الزكاة يعني المفروضة عليهم في أموالهم لهم أجرهم عند ربهم أي لهم ثواب ~~أعمالهم في الآخرة ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي يوم القيامة. قوله عز ~~وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا قيل: نزلت في ~~العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر فلما كانا ~~وقت الجذاذ قال صاحب التمر لهما: إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لي ما يكفي ~~عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل ~~الأجل طلبا منه الزيادة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل ~~الله هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما، وقيل نزلت في العباس ~~وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن ~~عمير ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: فيما رواه ~~جابر من أفراد مسلم «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء ~~الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان ~~مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربا ~~العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» وقيل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف ~~وهم: مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بن عمرو بن عميرة بن عوف الثقفي كانوا ~~يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم، وكانوا يرابون فلما ظهر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة بنو عمرو الثقفي ~~وطلبوا رباهم من بني المغيرة ms0404 فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في ~~الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان ~~عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكتب عتاب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقضية الفريقين وكان ذلك مالا # PageV01P211 # عظيما فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي خافوا الله ~~فيما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه، وذروا أي واتركوا ما بقي من الربا ~~والمعنى واتركوا طلب ما بقي لكم ما فضل على رؤوس أموالكم إن كنتم مؤمنين ~~يعني إن كنتم محققين لإيمانكم قولا وفعلا. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 279 الى 280] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (280) # فإن لم تفعلوا أي لم تتركوا ما بقي من الربا بعد تحريمه فأذنوا قرئ بكسر ~~الذال والمد على وزن آمنوا ومعناه: فأعلموا غيركم أنه حرب لله ورسوله وقرئ ~~فأذنوا بفتح الذال مع القصر ومعناه فاعلموا أنتم وأيقنوا بحرب من الله ~~ورسوله. قال ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب. قال ~~أهل المعاني: # حرب الله النار وحرب رسوله السيف واختلفوا في معنى هذه المحاربة فقيل ~~المراد بها المبالغة في الوعيد والتهديد دون نفس الحرب، وقيل: بل المراد ~~منه نفس الحرب وذلك أن من أصر على أكل الربا وعلم به الإمام قبض عليه وأجرى ~~فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة وإن كان آكل الربا ~~ذا شوكة وصاحب عسكر حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية. قال ابن عباس: ~~من كان مقيما على أكل الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ~~فإن نزع أي تاب وإلا ضرب عنقه وإن تبتم أي إن تركتم أكل الربا ورجعتم عنه ~~فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون يعني لا تظلمون أنتم الغريم بطلب ~~زيادة على رأس المال. ولا تظلمون ms0405 أنتم بنقصان رأس المال فلما نزلت هذه ~~الآية قال بنو عمرو الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم بل نتوب إلى الله ~~فإنه لا يدان لنا يعني لا قوة لنا بحرب الله ورسوله ورضوا برءوس أموالهم. ~~فشكا بنو المغيرة العسرة ومن كان عليه دين وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك ~~الغلات فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله عز وجل: وإن كان ذو عسرة يعني وإن كان ~~الذي عليه الحق من غرمائكم معسرا والعسر نقيض اليسر وهو تعذر وجدان المال، ~~وأعسر الرجل إذا أضاق ولم يجد ما يؤديه في دينه فنظرة أي فإمهال وتأخير إلى ~~ميسرة أي إلى زمن اليسار وهو ضد الإعسار وهو وجدان المال الذي يؤديه في ~~دينه واختلفوا في حكم الآية وهل الإنظار مختص بالربا أم هو عام في كل دين؟ ~~على قولين: القول الأول وهو قول ابن عباس وشريح والضحاك والسدي إن الآية في ~~الربا. وذكر عن شريح أن رجلا خاصم رجلا إليه فقضى عليه وأمر بحبسه فقال ~~رجل: كان عند شريح إنه معسر والله تعالى يقول في كتابه: وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة فقال شريح إنما ذاك في الربا وإن الله تعالى قال في كتابه ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه. والقول الثاني وهو قول ~~مجاهد وجماعة من المفسرين أن حكم الآية عام في كل دين على معسر واحتجوا بأن ~~الله تعالى قال: وإن كان ذو عسرة ولم يقل ذا عسرة ليكون الحكم عاما في جميع ~~المعسرين وأن تصدقوا خير لكم يعني وإن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين ~~فتتركوا رؤوس أموالكم للمعسر خير لكم، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به لأنه ~~قد جرى ذكر المعسرين وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما إن كنتم ~~تعلمون يعني أن التصدق خير لكم وأفضل لأن فيه الثناء الجميل في الدنيا ~~والثواب الجزيل في العقبى. # (فصل: في ثواب إنظار المعسر والوضع ms0406 عنه وتشديد أمر الدين والأمر بقضائه) ~~(م) عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر قال ~~الله قال الله قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره ~~أن ينجيه الله من كرب القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه». (م) عن أبي ~~اليسر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسرا أو وضع ~~عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا # PageV01P212 # ظله». (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان فيمن ~~كان قبلكم تاجر يداين الناس فإن رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل ~~الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه به عبد بعد الكبائر التي ~~نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء» أخرجه أبو داود (خ) ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس ~~يريد أداءها أدى الله عز وجل عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه ~~الله»، (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ~~ظلم، زاد في رواية وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». (ق) عن كعب بن مالك ~~أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى فقال: يا كعب قلت: لبيك يا رسول ~~الله فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله قال ~~قم فاقضه. (ق) عن أبي هريرة قال: «كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فطلبوا سنة فلم يجدوا إلا سنا ~~فوقها ms0407 فقال: أعطوه فقال: أوفيتني وفاك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن خيركم أحسنكم قضاء وفي رواية أنه أغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين استقضاه حتى هم به بعض أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ثم أمر ~~له بأفضل من سنه». (م) عن أبي قتادة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل ~~الأعمال فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني ~~خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن قتلت في سبيل الله ~~وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~قلت قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال ~~لي ذلك» عن محمد بن جحش قال: «كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من ~~التشديد فسكتنا وفزعنا. فلما كان من الغد سألته يا رسول الله: ما هذا ~~التشديد الذي نزل فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم ~~أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه دينه» أخرجه ~~النسائي. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 281] # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(281) # واتقوا أي وخافوا يوما ترجعون فيه إلى الله قرئ بفتح التاء أي تصيرون فيه ~~إلى الله وقرئ بضم التاء وفتح الجيم أي تردون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت يعني من خير أو شر وهم لا يظلمون أي في ذلك اليوم. وفي هذه الآية ~~وعد شديد وزجر عظيم قال ابن عباس: هذه آخر آية نزلت ms0408 على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين من سورة البقرة وعاش بعدها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما وقيل: تسع ليال وقيل سبعا ومات ~~صلى الله عليه وسلم لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الاثنين سنة إحدى ~~عشرة من الهجرة. # وروى الشعبي عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا. قوله عز وجل: # PageV01P213 # ### || [سورة البقرة (2): آية 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين قال ابن عباس لما حرم الربا أباح ~~السلم وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه ~~وأذن فيه. وقوله إذا تداينتم أي تعاملتم بالدين أو داين بعضكم بعضا ~~والتداين تفاعل من الدين يقال داينته إذا عاملته بالدين وإنما قال بدين بعد ~~قوله: إذا تداينتم لأن المداينة قد تطلق على المجازاة وعلى المعطاة فقيده ~~بالدين ليعرف المراد من اللفظ ويخلص أحد المعنيين من الآخر. وقيل إنما قال ~~بدين ليرجع الضمير إليه في قوله: فاكتبوه إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال: ~~فاكتبوا الدين فلا يحسن النظم بذلك وقيل إنما ذكره ms0409 تأكيدا إلى أجل مسمى ~~يعني إلى مدة معلومة الأول والآخر مثل السنة والشهر ولا يجوز إلى غير مدة ~~معلومة كما لو قال إلى الحصاد أو نحوه والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي ~~السلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محل الأجل بخلاف القرض فإنه لا ~~يلزم فيه الأجل عند أكثر أهل العلم. (ق) عن ابن عباس قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في التمر العام والعامين فقال لهم: «من ~~أسلف في تمر ففي كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» وقوله تعالى: ~~فاكتبوه أي اكتبوا الدين الذي تداينتم به بيعا كان ذلك أو سلما أو قرضا ~~واختلفوا في هذه الكتابة فقيل: هي واجبة وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي ~~واختاره محمد بن جرير الطبري وقيل الأمر محمول على الندب والاستحباب فإن ~~ترك فلا بأس وهو قول جمهور العلماء وقيل بل كانت الكتابة والإشهاد والرهن ~~فرضا ثم نسخ بقوله تعالى: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وهو ~~قول الحسن والشعبي والحكم بن عيينة ثم بين الله تعالى كيفية الكتابة فقال ~~تعالى: وليكتب بينكم كاتب أي ليكتب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب بالعدل ~~أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخيره قيل إن فائدة ~~الكتابة هي حفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد ~~بالكتابة تعذر عليه طلب زيادة أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه ~~الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما ~~كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها ولا يأب أي ولا يمتنع كاتب ~~أن يكتب واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد ~~فقيل بوجوبهما لأن ظاهر الكلام نهى عن الامتناع من الكتابة وإيجابها على كل ~~كتاب فإذا طولب بالكتابة وتحمل الشهادة من هو من أهلهما وجب عليه ذلك. ~~وقيل: هو من فرض الكفاية وهو قول الشعبي فإن لم ms0410 يوجد إلا واحد وجب عليه ذلك ~~وقيل هو على الندب والاستحباب وذلك لأن الله تعالى لما علمه الكتابة وشرفه ~~بها استحب له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ويشكر تلك النعمة التي أنعم ~~الله بها عليه وقيل: كانت الكتابة وتحمل الشهادة واجبتين على الكاتب ~~والشاهد ثم نسخهما الله تعالى بقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد كما علمه الله ~~أي كما شرعه الله وأمر به فليكتب وذلك أن يكتب بحيث لا يزيد ولا ينقص ويكتب ~~ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ولا يخص أحد الخصمين بالاحتياط له دون ~~الآخر، وأن يكون كل واحد منهما آمنا من أبطال حقه، وأن يكون ما يكتبه متفقا ~~عليه عند العلماء، وأن يحترز من الألفاظ التي يقع النزاع فيها وهذه الأمور ~~لا تحصل إلا لمن هو فقيه عالم باللغة ومذاهب العلماء. وليملل الذي عليه ~~الحق يعني أن المطلوب الذي عليه الحق يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من ~~الحق فيذكر قدره وجنسه وصفة الأجل ونحو ذلك. # والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد وليتق الله ربه يعني ~~المملي ولا يبخس أي ولا ينقص منه أي من الحق الذي وجب شيئا فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أي جاهلا بالإملاء وقيل هو الطفل # PageV01P214 # الصغير. وقال الشافعي: السفيه هو المبذر المفسد لماله ودينه أو ضعيفا ~~يعني شيخا كبيرا وقيل: هو ضعيف العقل لعته أو جنون أو لا يستطيع أن يمل هو ~~يعني لخرس أو عمى أو عجمة في كلامه أو حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند ~~الكاتب أو يجهل بماله، وعليه فهؤلاء كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم ~~غيرهم مقامهم وهو قوله تعالى: فليملل وليه يعني ولي كل واحد من هؤلاء ~~الثلاثة المحجور عليهم لأنه مقامه في صحة الإقرار. وقال ابن عباس: أراد ~~بالولي صاحب الدين يعني إن عجز الذي عليه الحق عن الإملاء فليملل صاحب الحق ~~لأنه أعلم بحقه بالعدل أي بالصدق واستشهدوا شهيدين يعني وأشهدوا على حقوقكم ~~شهيدين لأن المقصود من ms0411 الكتابة هو الإشهاد من رجالكم يعني من أهل ملتكم ~~يعني من المسلمين الأحرار دون العبيد والصبيان وهذا قول أكثر أهل العلم. ~~وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد وحجة هذا القول أن قوله من رجالكم عام ~~يتناول العبيد وغيرهم وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، ~~فإذا اجتمعت هذه الشرائط فيه كانت شهادته معتبرة. وحجة جمهور العلماء ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا فهذا نص يقتضي أن من تحمل شهادة وجب عليه الأداء ~~إذا ما طولب بها والعبد ليس كذلك فإن السيد إذا لم يأذن له في ذلك حرم عليه ~~الذهاب إلى الشهادة فوجب أن لا يكون العبد من أهل الشهادة فإن لم يكونا ~~رجلين أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان أي فليشهد رجل وامرأتان، ~~وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء مع الرجال جائزة في الأموال فيثبت الحق ~~بشهادة رجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب سفيان الثوري وأصحاب ~~الرأي إلى أنه يجوز شهادة النساء مع الرجال في سائر الحقوق غير العقوبات، ~~وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين، وذهب الشافعي إلى ~~أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والكبارة والثيوبة ونحوها ~~تجوز شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة. واتفقوا على أن شهادة النساء ~~غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود، وقوله تعالى: ممن ترضون من ~~الشهداء يعني من كان مرضيا عندكم في دينه وأمانته والشرائط المعتبرة في ~~العدالة. وقبول الشهادة عشرة وهي: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة ~~والمروءة، وأن لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع عنه بها مضرة، ~~ولا يكون معروفا بكثرة الغلط والسهو، وأن لا يكون بينه وبين من شهد عليه ~~عداوة فشهادة الكافر مردودة لأن الكذاب لا تقبل شهادته. فالذي يكذب على ~~الله أولى بأن ترد شهادته وجوز بعض أهل الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على ~~بعض ولا تقبل شهادة العبيد وأجازها ابن شريح وابن سيرين وهو قول أنس ولا ~~قول للمجنون معتبر حتى تصح ms0412 شهادته. ولا تجوز شهادة الصبيان وسئل ابن عباس ~~عن ذلك فقال: لا تجوز لأن الله تعالى قال: ممن ترضون من الشهداء والعدالة ~~شرط وهو أن لا يكون الشاهد مقيما على الكبائر مصرا على الصغائر والمروءة ~~شرط وهي ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهباة ~~والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر في نفسه شيئا مما يستحيي ~~أمثاله من إظهاره في الأغلب علم بذلك قلة مروءته وترد شهادته وانتفاء ~~التهمة شرط فلا تقبل شهادة العدو على عدوه وإن كان مقبول الشهادة على غيره، ~~لأنه متهم في حق عدوه لا في حق غيره ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده ~~وتقبل شهادته عليهما ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعا عن عائشة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر على أخيه ولا ~~مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة». قال ~~الفزاري: القانع التابع، أخرجه الترمذي. قوله: لا تجوز شهادة خائن أراد ~~بالخيانة الخيانة في الدين والمال والأمانة فإن من ضيع شيئا من أوامر الله ~~أو ارتكب شيئا مما نهى الله عنه لا يكون عدلا. والغمر بكسر الغين الحقد ~~والقانع هو السائل المستطعم وقيل: المنقطع إلى قوم يخدمهم فترد شهادته ~~للتهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم ~~والظنين بكسر الظاء المتهم. # وقوله تعالى: أن تضل إحداهما أي تنسى إحدى المرأتين فتذكر إحداهما الأخرى ~~لأن الغالب على طباع # PageV01P215 # النساء النسيان فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى لو نسيت إحداهما ~~تذكرها الأخرى فتقول حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا فيحصل بذلك الذكرى. وحكي عن ~~سفيان بن عيينة أنه قال هو من الذكر أي تجعل إحداهما الأخرى ذكرا والمعنى ~~أن شهادتهما تصيرا كشهادة ذكر، والقول الأول أصح لأنه معطوف على تضل وهو ~~النسيان. وقوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا يعني إذا دعوا ms0413 لتحمل ~~الشهادة وسماهم شهداء لأنهم يكونون شهداء وهذا أمر إيجاب عند بعضهم. وقال ~~قوم: يجب إذا لم يكن غيره فإن كان غيره فهو مخير، وقيل: # هو أمر ندب فهو مخير في جميع الأحوال. وقال بعضهم هذا في إقامة الشهادة ~~وأدائها. ومعنى الآية ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا الأداء الشهادة التي ~~تحملوها. وقيل: الآية في الأمرين جميعا يعني في التحمل والأداء والإقامة ~~إذا كان عارفا. وقيل الشاهد بالخيار ما لم يشهد فإذا شهد وجب عليه الأداء ~~ولا تسئموا أي ولا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوه الضمير راجع إلى الحق أو ~~الدين صغيرا كان أو كبيرا يعني قليلا كان الحق أو الدين أو كثيرا إلى أجله ~~يعني إلى محل الحق والدين ذلكم يعني ذلك الكتاب أقسط عند الله يعني أعدل ~~عند الله لأنه أمر به واتباع أمره أعدل من تركه، وأقوم للشهادة يعني أن ~~الكتابة تذكر الشهود وأدنى ألا ترتابوا يعني وأحرى وأقرب إلى أن لا تشكوا ~~في الشهادة إلا أن تكون تجارة حاضرة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة يدا بيد ~~تديرونها بينكم أي فيما بينكم ليس فيها أجل فليس عليكم جناح أي لا ضرر ~~عليكم ألا تكتبوها يعني التجارة الحاضرة، والتجارة تقليب الأموال وتصريفها ~~لطلب النماء والزيادة بالأرباح، وإنما رخص الله تعالى في الكتابة والإشهاد ~~في هذا النوع من التجارة لكثرة ما يجري بين الناس، فلو كلفوا فيها الكتابة ~~والإشهاد لشق ذلك عليهم، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتبايعين حقه من صاحبه ~~في ذلك المجلس لم يكن هناك خوف التجاحد فلا حاجة إلى الكتابة والإشهاد ~~وأشهدوا إذا تبايعتم يعني فيما جرت العادة بالإشهاد فيه. # واختلفوا في هذا الأمر فقيل هو للوجوب فيجب أن يشهد في صغير الحق وكبيره ~~ونقده ونسيئته وقيل: هو أمر ندب واستحباب وهو قول الجمهور. وقيل إنه منسوخ ~~بقوله: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته. # وقوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد هذا نهي عن المضارة وأصله يضارر ~~بكسر الراء الأولى ومعناه لا ms0414 يضار الكاتب فيأبى أن يكتب والشاهد فيأبى أن ~~يشهد أو يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه فيضر صاحب الحق أو ~~من عليه الحق، وكذلك الشاهد وقيل: أصله يضارر بفتح الراء الأولى ومعناه أن ~~يدعو الرجل الكاتب والشاهد وهما مشغولان فيقولان نحن على شغل مهم فاطلب ~~غيرنا فيقول الداعي: إن الله أمركما أن تجيبا إذا دعيتما ويلح عليهما ~~فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن مضارتهما، وأمر أن يطلب غيرهما وإن تفعلوا ~~يعني ما نهيتم عنه من الضرار فإنه فسوق بكم أي معصية وخروج عن الأمر. ~~واتقوا الله أي خافوا الله واحذروه فيما نهاكم عنه من المضارة وغيرها ~~ويعلمكم الله يعني ما يكون إرشادا لكم في أمر الدنيا، كما يعلمكم ما يكون ~~إرشادا لكم في أمر الدين والله بكل شيء عليم يعني أن الله تعالى عليم بجميع ~~مصالح عباده لا يخفى عليه شيء من ذلك. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 283] # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) # وإن كنتم على سفر أي في سفر ولم تجدوا كاتبا يعني ولم تجدوا آلات الكتابة ~~فرهان جمع رهن وقرئ فرهان مقبوضة يعني فارتهنوا ممن تدينونه رهونا مقبوضة ~~لتكون وثيقة لكم بأموالكم، وأصل الرهن الدوام يقال: رهن الشيء إذا دام ~~وثبت، والرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه دينا. فإن قلت: ~~لم شرط الارتهان في السفر مع عدم الكاتب ولا يختص به سفر دون حضر وقد صح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن # PageV01P216 # درعه عند أبي الشحم اليهودي على طعام أخذه إلى أجل، ولم يكن ذلك في سفر ~~ولا عند عدم كاتب. قلت ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة دون الحضر، ~~ولكن لما كان السفر مظنة لإعواز الكاتب. والإشهاد أمر الله تعالى به على ~~سبيل الإرشاد إلى حفظ الأموال ms0415 لمن كان على سفر بأن يقيم التوثيق بالارتهان ~~مقام الكتابة والإشهاد. واتفق العلماء على جواز الرهن في الحضر والسفر ~~جميعا ومع وجود الكاتب وعدمه. وقال مجاهد: # لا يجوز إلا في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية وأجاب الجمهور عن ظاهر ~~الآية أن الكلام إنما خرج على الأغلب لا على سبيل الشرط. واتفق العلماء على ~~أن الرهن لا يتم إلا بالقبض وهو قوله تعالى: فرهان مقبوضة يعني ارتهنوا ~~واقبضوا، لأن المقصود من الرهن هو استيثاق جانب صاحب الحق وذلك لا يتم إلا ~~بالقبض فلو رهن ولم يسلم لم يجبر الراهن على التسليم، فإذا سلم الرهن لزم ~~من جهته حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام شيء من الحق باقيا قوله تعالى: ~~فإن أمن بعضكم بعضا يعني فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق ولم ~~يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به فليؤد الذي اؤتمن أمانته يعني فليؤد المديون ~~الذي عليه الحق الذي كان أمينا في ظن الدائن الذي هو صاحب الحق أمانته يعني ~~حقه سمي الدين أمانة وإن كان مضمونا لائتمانه عليه حيث أمن من جحوده فلم ~~يكتب ولم يشهد عليه ولم يأخذ منه رهنا حث المديون على أن يكون عند ظن ~~الدائن الذي ائتمنه وأن يؤدي إليه حقه الذي ائتمنه عليه ولم يرتهن منه عليه ~~شيئا ثم زاد ذلك تأكيدا بقوله: # وليتق الله ربه أي المديون في أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ~~ولا جحود بل يعامله المعاملة الحسنة كما أحسن ظنه فيه، ثم رجع إلى خطاب ~~الشهود فقال تعالى: ولا تكتموا الشهادة يعني إذا دعيتم إلى إقامتها وأدائها ~~وذلك لأن الشاهد متى امتنع من إقامة الشهادة وكتمها فقد أبطل بذلك حق صاحب ~~الحق فلهذا نهى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد عليه فقال تعالى: ومن ~~يكتمها يعني الشهادة فإنه آثم قلبه أي فاجر قلبه والآثم الفاجر، وإنما أضيف ~~الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما تحدث في القلب فلما ~~كان الأمر كذلك أضيف ms0416 الإثم إلى القلب قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن ~~كتمان الشهادة فإنه تعالى قال فإنه آثم قلبه وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله ~~من ذلك والله بما تعملون عليم يعني من بيان الشهادة وكتمانها ففيه وعيد ~~وتحذير لمن كتم الشهادة ولم يظهرها. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) # لله ما في السماوات وما في الأرض ملكا وأهلها له عبيد وهو مالكهم وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله وهذا يتناول حديث النفس ~~والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ولا يتمكن من دفعها، والمؤاخذة بها ~~تجري مجرى تكليف ما لا يطاق: وأجيب عن هذا بأن الخواطر الحاصلة في القلب ~~على قسمين فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إظهاره إلى الوجود، ~~فهذا مما يؤاخذ الإنسان به. والقسم الثاني ما يخطر بالبال ولا يمكن دفعه عن ~~نفسه لكن يكره ولا يعزم على فعله ولا إظهاره إلى الوجود فهذا معفو عنه ~~بدليل قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وقال قوم: إن هذه الآية ~~خاصة ثم اختلفوا في وجه تخصيصها فقال بعضهم: هي متصلة بالآية التي قبلها ~~وإنما نزلت في كتمان الشهادة ومعنى الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أيها ~~الشهود من كتمان الشهادة أي تخفوه أي تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهذا ~~ضعيف، لأن اللفظ هام وإن كان واردا عقيب قضية فلم يلزم صرفه إليها. وقال ~~بعضهم: إن الآية نزلت فيمن يتولى الكافرين من المؤمنين والمعنى: وإن تبدوا ~~أي تظهروا ما في أنفسكم يعني من ولاية الكفار أو تخفوه فلا تظهروه يحاسبكم ~~به الله. # وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فقال قوم: هي منسوخة ~~بالآية التي بعدها ويدل عليه ما روي عن # PageV01P217 # أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه ms0417 وسلم لله ما في ~~السماوات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه الآية. اشتد ذلك ~~على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق ~~الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من ~~قبلكم سمعنا وعصبنا بل قول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما ~~اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما فعلوا ~~ذلك نسخها الله عز وجل فأنزل الله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال نعم: «ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا» قال نعم ربنا: «ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به» قال نعم: «واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين» قال نعم أخرجه مسلم وله عن ابن عباس ~~نحوه وفيه قد فعلت بدل نعم (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به ~~أو يتكلموا به وفي رواية ما وسوست به صدورها» وقال قوم: إن الآية غير ~~منسوخة لأن النسخ لا يرد إلا على الأمر والنهي ولا يرد على الإخبار. وقول ~~الله تعالى: يحاسبكم به الله خبر فلا يرد عليه النسخ ثم اختلفوا في تأويلها ~~فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسبا فقال: بما كسبت قلوبكم وليس لله ~~عبد أسر عملا أو أعلنه من حركة جارحة أو همة قلب إلا يعلمه الله ثم يخبره ~~به ويحاسبه عليه ثم ms0418 يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقال آخرون في معنى ~~الآية: إن الله تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوه وعاقبهم ~~عليه غير أن معاقبتهم على ما أخفوه أخف مما لم يعملوا به وهو ما يحدث لهم ~~في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة ~~عن أمية إنها سألت عائشة عن قول الله عز وجل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله وعن قوله من يعمل سوءا يجز به فقالت: ما سألني عنها ~~أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه معاتبة الله العبد ~~بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع ~~لها، حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير» أخرجه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا ~~أراد الله بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة». وقال ~~قوم في معنى الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم يعني مما عزمتم عليه أو تخفوه أي ~~ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله. فأما حديث النفس مما لم ~~تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤاخذ به. قال ~~عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ # فقال: إذا كانت عزما أخذ بها وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف فيرجع ~~معنى هذه المحاسبة إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر مما ~~ظهر وخفي ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما ~~أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله أي يخبركم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر ~~للمؤمنين إظهارا لفضله ويعذب الكافرين إظهارا لعدله. يروى عن ابن عباس ويدل ~~عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل: يؤاخذكم به لأن المحاسبة غير ~~المؤاخذة ويدل عليه أيضا ما روي ms0419 عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن ~~عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النجوى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «يدني المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا ~~وكذا فيقول: # أعرف رب أعرف مرتين فيقول الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك ~~اليوم ثم تطوى صحيفة حسابه، وأما الآخرون وهم الكفار والمنافقون فينادى بهم ~~على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» ~~أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء قال ابن ~~عباس: يغفر لمن # PageV01P218 # يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون والله على كل شيء قدير يعني أنه تعالى قادر على كل شيء كامل القدرة ~~فيغفر للمؤمنين فضلا ويعذب الكافرين عدلا. قوله عز وجل: # ### || [سورة البقرة (2): آية 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله دخل قلوبهم منها شيء لم ~~يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون الآية لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال: قد فعلت ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال: قد فعلت ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا ~~على القوم الكافرين قال قد فعلت أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. قال الزجاج: ~~لما ذكر الله في هذه السورة فرض ms0420 الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق ~~والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من كلام الحكماء ختم ~~السورة بذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجميع ذلك ومعنى آمن ~~الرسول صدق الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والمعنى صدق الرسول أن ~~هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله عز وجل: ~~والمؤمنون أي وصدق المؤمنون بذلك أيضا كل أي كل واحد من المؤمنين آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله فهذه أربع مراتب من أصول الإيمان وضرورياته، فأما ~~الإيمان بالله فهو أن يؤمن بأن الله واحد أحد لا شريك له ولا نظير له ويؤمن ~~بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأنه حي عالم قادر على كل شيء، وأما ~~الإيمان بالملائكة فهو أن يؤمن بوجودهم وأنهم معصومون مطهرون وأنهم السفرة ~~الكرام البررة وأنهم الوسائط بين الله تعالى وبين رسله. وأما الإيمان بكتبه ~~فهو أن يؤمن بأن الكتب المنزلة من عند الله هي وحي الله إلى رسله، وأنها حق ~~وصدق من عند الله بغير شك ولا ارتياب، وأن القرآن لم يحرف ولم يبدل ولم ~~يغير، وأنه مشتمل على المحكم والمتشابه، وأن محكمه يكشف عن متشابهه. وأما ~~الإيمان بالرسل فهو أن يؤمن بأنهم رسل الله إلى عباده وأمناؤه على وحيه، ~~وأنهم معصومون وأنهم أفضل الخلق، وأن بعضهم أفضل من بعض وقد أنكر بعضهم ذلك ~~وتمسك بقوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله. وأجيب عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر ~~وهو إثبات نبوة الأنبياء والرد على اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى ~~وعيسى وينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت بالنص الصريح تفضيل ~~بعض الأنبياء على بعض بقوله: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» ومعنى قوله: ~~لا نفرق بين أحد من رسله فتؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى ~~بل نؤمن بجميع رسله، وفي الآية إضمار تقديره وقالوا: يعني المؤمنين لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا يعني سمعنا قولك وأطعنا أمرك، والمعنى ~~قال ms0421 المؤمنون: سمعنا قول ربنا فيما أمرنا به، وأطعناه فيما ألزمنا من ~~فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له فيما أمرنا به ونهانا عنه، ~~غفرانك ربنا أي نسألك غفرانك ربنا، أو يكون المعنى اغفر لنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير يعني قالوا، إليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر ذنوبنا. روى ~~البغوي بغير سند عن حكيم بن جابر: «أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه». # قال بتلقين الله تعالى غفرانك ربنا وإليك المصير. قوله عز وجل: # PageV01P219 ### || [سورة البقرة (2): آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها قيل: يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ~~تعالى ويحتمل أن يكون حكاية عن المؤمنين وفيه إضمار كأنه قال الله تعالى ~~عنهم وقالوا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعني طاقتها والوسع اسم لما يسع ~~الإنسان ولا يضيق عليه. قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن هذه الآية نسخت ~~حديث النفس والوسوسة وذلك أنه لما نزل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ضج ~~المؤمنون منها وقالوا: يا رسول الله نتوب من عمل اليد والرجل واللسان فكيف ~~نتوب من الوسوسة وحديث النفس؟ فنزلت هذا الآية. والمعنى أنكم لا تستطيعون ~~أن تمتنعوا من الوسوسة وحديث النفس؟ كان ذلك ما لم تطيقوه وقال ابن عباس في ~~رواية عنه: هم المؤمنون خاصة وسع الله عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم ما لا ~~يستطيعون. كما قال: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال تعالى: ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج وسئل سفيان بن عيينة عن قوله: لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها قال: إلا يسرها ولم يكلفها فوق ms0422 طاقتها وهذا قول حسن، لأن ~~الوسع ما دون الطاقة وقيل معناه أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها فلا ~~يتعبدها بما لا تطيق. لها ما كسبت يعني للنفس ما عملت من الخير فلها أجره ~~وثوابه. # وعليها ما اكتسبت يعني من الشر عليها وزره وعقابه وقيل في معنى الآية: إن ~~الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره. # قوله عز وجل: ربنا لا تؤاخذنا وهذا تعليم من الله تعالى عباده المؤمنين ~~كيف يدعونه ومعناه قولوا: ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا وإنما جاء بلفظ ~~المفاعلة وهو فعل واحد لأن المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله ~~فكأنه أعدى عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به. إن نسينا أو أخطأنا فيه وجهان: ~~أحدهما أنه من النسيان الذي هو السهو وهو ضد التذكر قيل: كان بنو إسرائيل ~~إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء ~~مما كان حلالا لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين ~~أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. فإن قلت: أليس فعل الناسي في محل العفو بدليل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ~~فإذا كان النسيان في محل العفو قطعا فما معنى العفو عنه بالدعاء؟ قلت: ~~الجواب عنه من وجوه: الأول: أن النسيان على ضربين: أما الأول: فهو ما كان ~~من العبد على وجه التضييع والتفريط، وهو ترك ما أمر بفعله كمن رأى على ثوبه ~~دما فأخر إزالته، عنه ثم نسي فصلى فيه، وهو على ثوبه فيعد مقصرا إذ كان ~~يلزمه المبادرة إلى إزالته أما إذا لم يره فيعذر فيه وكذا لو ترك ما أمر ~~بفعله على وجه السهو أو ارتكب منهيا عنه من غير قصد إليه كأكل آدم عليه ~~السلام من الشجرة التي نهى عنها على وجه النسيان من غير عزم على المخالفة ~~كما قال تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما فمثل هذا ~~يجب أن ms0423 يسأل الله تعالى أن يعفو له عن ذلك. وأما الضرب الثاني فهو كمن ترك ~~صلاة ثم نسيها أو ترك دراسة القرآن بعد أن حفظه حتى نسيه فهذا لا يعذر ~~بنسيانه وسهوه لأنه فرط فثبت أن النسيان على قسمين وإذا كان كذلك صح طلب ~~العفو والغفران عن النسيان. الوجه الثاني من الجواب أن الصحابة رضي الله ~~عنهم كانوا من المتقين لله حق تقاتة فإن صدر منهم ما لا ينبغي فلا يكون إلا ~~على سبيل السهو والنسيان فطلبهم العفو والغفران لما يقع منهم على سبيل ~~السهو والنسيان إنما هو لشدة خوفهم وتقواهم. الوجه الثالث أن المقصود من ~~هذا الدعاء هو التضرع والتذلل لله تعالى. وأما الخطأ في قوله أو أخطأنا ~~فعلى وجهين أيضا: أحدهما أن يأتي العبد ما نهي عنه بقصد وإرادة فذلك خطأ ~~منه وهو به مأخوذ فيحسن طلب العفو والغفران لذلك الفعل الذي ارتكبه. الوجه ~~الثاني أن يكون الخطأ على # PageV01P220 # سبيل الجهل والظن لأن له فعله كمن ظن أن وقت الصلاة لم يدخل وهو في يوم ~~غيم فأخرها حتى خرج وقتها فهذا من الخطأ الموضوع عن العبد. لكن طلب العفو ~~والغفران لسبب تقصيره وقوله: ربنا ولا تحمل علينا إصرا يعني عهدا ثقيلا ~~وميثاقا غليظا فلا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه كما حملته على ~~الذين من قبلنا يعني اليهود فلم يقوموا به فعذبتهم عليه، وقيل معناه ولا ~~تشدد علينا كما شددت على اليهود من قبلنا وذلك أن الله تعالى فرض عليهم ~~خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم زكاة ومن أصاب منهم ثوبه نجاسة قطعها ~~ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه. ونحو هذا من الأثقال والآصار ~~التي كتبت عليهم فسأل المسلمون ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات ~~والعهود الثقيلة وقد أجاب الله تعالى دعاءهم برحمته وخفف عنهم بفضله وكرمه ~~فقال تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج «وقيل الإصر ذنب لا توبة له ~~فسأل المؤمنون ربهم أن يعصمهم من مثله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ms0424 به ~~يعني لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا وتكليف ما ~~لا يطاق على وجهين: أحدهما ما ليس في قدرة العبد احتماله كتكليف الأعمى ~~النظر والزمن العدو فهذا النوع من التكليف الذي لا يكلف الله به عبده بحال. ~~الوجه الثاني من تكليف ما لا يطاق هو ما في قدره العبد احتماله مع المشقة ~~الشديدة والكلفة العظيمة كتكليف الأعمال الشاقة والفرائس الثقيلة كما كان ~~في ابتداء الإسلام صلاة الليل واجبة ونحوه. فهذا الذي سأل المؤمنون ربهم لا ~~يحملهم ما لا طاقة لهم به واستدل بهذه الآية من يقول إن تكليف ما لا يطاق # جائز إذ لو لم يكن جائزا لما حسن طلب تخفيفة بالدعاء من الله تعالى. # وقيل في قوله ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو حديث النفس والوسوسة وقيل ~~هيجان الغلمة وقيل هو الحب وقيل هو شماتة الأعداء وقيل: هو الفرقة والقطيعة ~~وقيل هو مسخ القردة والخنازير نعوذ بالله من ذلك كله واعف عنا أي تجاوز عن ~~ذنوبنا وامحها عنا واغفر لنا أي استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا وارحمنا أي ~~تغمدنا برحمة تنجينا بها من عقابك فإنه ليس بناج من عقابك إلا من رحمته. ~~وقيل: إنا لا ننال العمل بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك، وأصل الرحمة ~~رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وإذا وصف بها الله تعالى فليس يراد بها إلا ~~الإحسان المجرد والتفضل على العباد دون الرقة. وقيل: إن طلب العفو هو أن ~~يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة كأن ~~العبد يقول: أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإذا عفا الله تعالى ~~عن العبد وستره طلب الرحمة التي هي الإنعام والإحسان ليفوز بالنعيم والثواب ~~أنت مولانا أي ناصرنا وحافظنا وولينا ومتولي أمورنا فانصرنا على القوم ~~الكافرين يعني الجاحدين الذين عبدوا غيرك وجحدوا وحدانيتك. قال ابن عباس في ~~قوله غفرانك ربنا قال قد غفرت لكم. وفي قوله: لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ms0425 قال لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصرا قال: لا أحمل عليكم ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به. # قال: لا أحملكم واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على ~~القوم الكافرين. قال قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم ~~الكافرين. كان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال آمين. (م) عن عبد الله بن ~~مسعود قال: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة ~~المنتهى وهي في السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها. وإليها ~~ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: إذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش ~~من ذهب قال فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا أعطي الصلوات الخمس ~~وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا من المقحمات. ~~المقحمات: الذنوب العظام التي تولج مرتكبها النار وأصل الاقتحام الولوج. ~~(ق) عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآيتان ~~من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه معناه كفتاه من كل ما يحذر من ~~كل هامة وشيطان فلا يقربه تلك الليلة وقيل كفتاه عن قيام الليل. (م) عن ابن ~~عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل عليه السلام إذ سمع ~~نقيضا من فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء # PageV01P221 # فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك ~~فقال: هذا ملك نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم، وقال: ~~أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ~~لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن الله كتب لنا كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ~~أنزل فيه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها ~~شيطان أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب آخر تفسير سورة البقرة والله ms0426 أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. # PageV01P222 ### | سورة آل عمران # (مدنية وهي مائتا آية وثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة وأربعة عشر ~~ألفا وخمسمائة وعشرون حرفا). # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) # قوله عز وجل: الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم وهم ~~العاقب واسمه عبد المسيح وهو أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا ~~عن رأيه، والسيد واسمه الأيهم وهو ثمالهم القائم بمالهم وصاحب رحلهم الذي ~~يقوم بأمر طعامهم وشرابهم وأبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم وكان ملوك ~~الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه واجتهاده في دينه فدخلوا مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي العصر وعليهم ثياب الحبرات جبب وأردية ~~يقول من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا وفدا مثلهم ~~وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فصلوا إلى المشرق فلما فرغوا كلم السيد ~~والعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما ~~لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير، قال إن لم يكن عيسى ولد الله ~~فمن أبوه وخاصموه جميعا في عيسى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم ~~تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: # ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ~~قالوا: بلى قال ألستم على كل شيء يحفظه ويرزقه. قالوا بلى قال: فهل يملك ~~عيسى من ذلك شيئا قالوا: لا قال ألستم تعلمون أن الله لا ms0427 يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء. قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم قالوا ~~لا. قال: # ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ~~قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ~~ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ~~ويحدث. قالوا: بلى قال: فكيف يكون إلها كما زعمتم فسكتوا. فأنزل الله صدر ~~سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها زاد بعضهم. فقالوا يا محمد ألست ~~تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه قال بلى قالوا حسبنا ثم أبوا إلا جحودا ~~فأنزل الله ردا عليهم الم الله لا إله إلا هو يعني إن كانت منازعتكم يا ~~معشر النصارى في معرفة الإله فهو الله الذي لا إله إلا هو فكيف تثبتون له ~~ولدا فبين تعالى أن أحدا لا يستحق العبادة سواه لأنه الواحد الأحد ليس معه ~~إله ولا له ولد ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال تعالى: الحي ~~القيوم أما الحي في صفة الله تعالى فهو الدائم الباقي الذي لا يصح عليه ~~الموت. وأما القيوم فهو القائم بذاته والقائم بتدبير الخلق ومصالحهم فيما ~~يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم. # PageV01P223 ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 3 الى 6] # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من ~~قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ~~(5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # نزل عليك الكتاب يعني القرآن بالحق أي بالصدق والعدل مصدقا لما بين يديه ~~يعني لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع. وقوله ~~لما بين يديه من مجاز الكلام وذلك أن ما بين يديه فهو أمامه فقيل لكل شيء ~~تقدم على الشيء ms0428 هو بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره وأنزل التوراة والإنجيل ~~من قبل أي من قبل القرآن. فإن قلت لم قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة ~~والإنجيل. قلت لأن القرآن نزل منجما مفصلا في أوقات كثيرة ونزل هو للتكثير ~~وأنزل التوراة والإنجيل جملة واحدة هدى للناس يعني أن إنزال التوراة ~~والإنجيل قبل القرآن كان هدى للناس. فإن قلت كيف وصف القرآن في أول البقرة ~~بأنه هدى للمتقين ووصف هنا التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس. قلت إنما ~~وصف القرآن بأنه هدى للمتقين لأنهم هم الذين انتفعوا به وتبعوه ووصف هنا ~~التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس لأن المناظرة كانت مع نصارى نجران وهم ~~يعتقدون صحة التوراة والإنجيل فلهذا السبب قال هنا هدى للناس وقيل إن قوله ~~هدى للناس يعود إلى الكتب الثلاثة يعني القرآن المتقدم ذكره والتوراة ~~والإنجيل وإنما وصف هذه الكتب بأنها هدى للناس لما فيها من الشرائع ~~والأحكام وأنزل الفرقان يعني الفارق بين الحق والباطل قيل أراد به القرآن ~~وإنما أعاد ذكره تعظيما لشأنه ومد حاله لكونه فارقا بين الحق والباطل وقيل ~~إنما أعاد ذكره ليبين أنه تعالى أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فارقا ~~بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر عيسى عليه السلام وقيل المراد به ~~الكتب الثلاثة لأنها كلها هدى للناس ومفرقة بين الحلال والحرام والحق ~~والباطل. وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره وأنزل التوراة والإنجيل ~~والفرقان هدى للناس إن الذين كفروا بآيات الله يعني الكتب المنزلة وغيرها ~~قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل إن خصوص السبت لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من كفر بشيء من آيات ~~الله تعالى: لهم عذاب شديد والله عزيز أي غالب لا يغلب ذو انتقام يعني ممن ~~كفر به والانتقام المبالغة في العقوبة. قوله عز وجل: إن الله لا يخفى عليه ~~شيء في الأرض ولا في السماء أي لا يخفى عليه شيء من أمر العالم وهو المطلع ~~على أحوالهم فقوله: # إن الله لا يخفى ms0429 عليه شيء في الأرض ولا في السماء إشارة إلى كمال علمه ~~المتعلق بجميع المعلومات هو الذي يصوركم في الأرحام التصوير جعل الشيء على ~~صورة والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف والأرحام جمع رحم كيف يشاء ~~يعني الصور المختلفة المتفاوتة في الحلقة ذكرا أو أنثى أبيض أو أسود حسنا ~~أو قبيحا كاملا أو ناقصا والمعنى أنه الذي يصوركم في ظلمات الأرحام صورا ~~مختلفة في الشكل والطبع واللون وذلك من نطفة. (ق) عن عبد الله بن مسعود قال ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع ~~في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ~~يبعث إليه ملك بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه ~~الروح فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب ~~مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد ~~فما الرزق فما الأجل؟ فكتب له ذلك في بطن أمه» وقيل إن الآية واردة في الرد ~~على النصارى وذلك أن عيسى عليه السلام كان يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في ~~دارك كذا صنعت كذا وإنه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وخلق من الطين ~~طيرا فادعت # PageV01P224 # النصارى فيه الإلهية وقالوا: ما قدر على ذلك إلا أنه إله فرد الله تعالى ~~عليهم بذلك. وأخبر أن الإله المستحق لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء وأنه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأن عيسى عليه ~~السلام ممن صوره ms0430 في الرحم فنبه بكونه مصور في الرحم على أنه عبد مخلوق ~~كغيره وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على الله عز وجل: لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم وهذا أيضا في الرد على النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله كأنه قال: ~~كيف يكون ولد إله وقد صوره الله في الرحم. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # هو الذي أنزل عليك الكتاب يعني القرآن منه آيات محكمات يعني مبينات ~~مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه سميت محكمة من الإحكام ~~كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها هن أم ~~الكتاب يعني هن أصل الكتاب الذي يعول عليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال ~~والحرام فإن قلت: كيف قال هن أم الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب؟ قلت: لأن ~~الآيات في اجتماعها وتكاملها كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد. ~~وقيل: إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال وجعلنا ابن مريم وأمه آية يعني أن ~~كل واحد منهما آية وأخر جمع أخرى متشابهات يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره ~~ومعناه يخالف معناه. فإن قلت: قد جعله هنا محكما ومتشابها وجعله في موضع ~~آخر كله محكما فقال في أول هود الر كتاب أحكمت آياته وجعله في موضع آخر كله ~~متشابها. فقال تعالى في الزمر: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها فكيف ~~الجمع بين هذه الآيات. قلت: حيث جعله كله محكما أراد أنه كله حق وصدق ليس ~~فيه عبث ولا هزل وحيث جعله كله متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحسن ~~والحق والصدق، وحيث جعله هنا بعضه محكما وبعضه متشابها فقد اختلفت عبارات ~~العلماء فيه فقال ابن عباس: المحكمات الثلاث آيات التي ms0431 في آخر سورة الأنعام ~~وهي قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ونظيرها في بني إسرائيل ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الآيات. وعنه أن الآيات المحكمة هي الناسخ ~~والمتشابهات هي الآيات المنسوخة وبه قال ابن مسعود وقتادة والسدي وقيل إن ~~المحكمات ما فيه أحكام الحلال والحرام والمتشابهات ما سوى ذلك يشبه بعضه ~~بعضا ويصدق بعضه بعضا وقيل: إن المحكمات ما طلع الله عباده على معناه ~~والمتشابه ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن ~~أشراط الساعة مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس ~~من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة فجميع هذا مما استأثر الله بعلمه ~~وقيل: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما يحتمل ~~أوجها وروي ذلك عن الشافعي وقيل إن المحكم سائر القرآن والمتشابه هي الحروف ~~المقطعة في أوائل السور. قال ابن عباس إن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب ~~وكعب بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي ~~بلغنا: أنك أنزل عليك الم فأنشدك الله أأنزل عليك قال نعم. قال: إن كان ذلك ~~حقا فإني أعلم مدة ملك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: ~~نعم آلمص قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال نعم ~~الر قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل من غيرها؟ قال: نعم ~~آلمر قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة. وقد اختلط علينا فلا ندري ~~أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا. فأنزل الله هذه الآية قوله ~~تعالى. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه وقيل: إن المحكم ما ~~لم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما # PageV01P225 # تكررت ألفاظه وقيل: إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. ~~والمتشابه ما احتاج إلى بيان وقيل: إن المحكم هو الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد والمتشابه هو القصص والأمثال. فإن قلت: إنما نزل القرآن ms0432 لبيان ~~الدين وإرشاد العباد وهدايتهم فما فائدة المتشابه وهلا كان كله محكما؟ قلت: ~~ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة أحدها. أن القرآن أنزل بألفاظ العرب ~~ولغاتهم وكلام العرب على ضربين أحدهما: الإيجاز للاختصار والموجز الذي لا ~~يخفى على سامعه لا يحتمل غير ظاهره، والإطالة لبيان المراد والتوكيد. الضرب ~~الثاني: المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات وإغماض بعض المعاني، وهذا ~~الضرب هو المستحسن عند العرب والبديع في كلامهم فأنزل الله تعالى القرآن ~~على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنه قال: عارضوه بأي ~~الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما واضحا لقالوا: هلا أنزل بالضرب المستحسن ~~عند الجواب الثاني أن الله تعالى أنزل المتشابه لفائدة عظيمة، وهي أن يشتغل ~~أهل العلم والنظر بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول # بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عن معانيه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما ~~أثبتوا على عباداتهم. ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته العالم ~~والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر وخمدت الفكرة، ومع الغموض ~~تقع الحاجة إلى الفكرة والحيلة إلى استخراج المعاني. وقد قيل في عيب الغنى ~~إنه يورث البلادة وفي فضيلة الفقر إنه يورث الفطنة. وقيل: إنه يبعث على ~~الحيلة لأنه إذا احتاج احتال. الجواب الثالث: أن أهل كل علم يجعلون في ~~علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليختبروا بذلك أذهان المتعلمين منهم على ~~انتزاع الجواب لأنهم إذ قدروا على انتزاع المعاني الغامضة كانوا على الواضح ~~أقدر، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من ~~المتشابه على هذا النحو. الجواب الرابع: ان الله تعالى أنزل المتشابه في ~~كتابه مختبرا به عباده ليقف المؤمن عنده ويرد علمه إلى عالمه فيعظم بذلك ~~ثوابه، ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلى بنو ~~إسرائيل بالنهر والله أعلم بمراده. وقوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~أي ميل عن الحق وقيل: الزيغ الشك واختلفوا في المعنى بهم والمشار إليهم ~~فقيل هم وفد نجران الذين خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0433 في عيسى عليه ~~السلام وقالوا: ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ قال: بلى قالوا: حسبنا ~~فأنزل الله هذه الآية. وقيل: هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه ~~الأمة واستخراجه بحساب الجميل من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: هم ~~المنافقون وقيل: هم الخوارج وكان قتادة يقول: إن لم يكونوا الحرورية ~~والسبئية فلا أدري من هم. وقيل هم جميع المبتدعة فيتبعون ما تشابه منه يعني ~~يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويقولون: ما بال هذه ~~الآية عمل بها كذا وكذا ثم نسخت. وقيل كل من احتج لباطله بالمتشابه فهو ~~المعنى بهذه الآية. (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات- إلى- وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك ~~الذين سماهم الله فاحذروهم» وقوله تعالى: ابتغاء الفتنة أي طلب الشرك ~~والكفر. وقيل: طلب الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم وقيل: طلب إفساد ذات ~~البين وابتغاء تأويله أي تفسيره. وأصل التأويل في اللغة: المرجع والمصير ~~تقول: آل الأمر إلى كذا إذا رجع إليه وتسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير ~~إليه. قال ابن عباس في قوله: وابتغاء تأويله أي طلب بقاء ملك محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: المراد بهم الكفار طلبوا متى يبعثون وكيف أحياهم بعد الموت ~~وقيل هو طلب تفسير المتشابه وعلمه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل ~~المتشابه وقيل: لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلا الله تعالى لأن انقضاء ~~ملكها مع قيام الساعة. ولا يعلم ذلك إلا الله وقيل: يجوز أن يكون للقرآن ~~تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه كعلم قيام الساعة ووقت ~~طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وعلم الحروف ~~المقطعة، وأشباه ذلك مما استأثر الله بعلمه فالإيمان به واجب وحقائق علومه ~~مفوضة إلى الله تعالى، وهذا قول أكثر المفسرين وهو مذهب ابن # PageV01P226 # مسعود وابن عباس في رواية ms0434 عنه، وأبي بن كعب وعائشة وأكثر التابعين فعلى ~~هذا القول تم الكلام عند قوله: # إلا الله فيوقف عليه ثم ابتدأ فقال عز من قائل والراسخون في العلم أي ~~الثابتون في العلم وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شك يقولون ~~آمنا به قال ابن عباس: سماهم راسخين في العلم بقولهم آمنا به فرسوخهم في ~~العلم هو الإيمان به. وقال عمر بن عبد العزيز في هذه الآية انتهى علم ~~الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا يعني ~~المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا منه وما لم نعلم ونحن متعبدون ~~في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى. وفي المحكم يجب ~~علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه. وروي عن ابن عباس أنه قال تفسير القرآن ~~على أربعة أوجه فمنه تفسير لا يسع أحدا جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، ~~وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. وقيل: إن الواو في قوله ~~والراسخون في العلم واو عطف يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه ~~الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون آمنا به. روي عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنه أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وعن مجاهد عنه أنا ممن ~~يعلم تأويله. ووجه هذا القول أن الله تعالى أنزل كتابه لينتفع به عباده ولا ~~يجوز أن يكون في القرآن شيء لا يعرفه أحد من الأمة وفي المراد بالراسخين في ~~العلم هنا قولان أحدهما: أنهم مؤمنوا أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه دليله قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم. والقول الثاني: أن ~~الراسخين هم العلماء العاملون بعلمهم. سئل أنس بن مالك عن الراسخين في ~~العلم فقال: العالم العامل بما علم المتبع له وقيل، الراسخ في العلم من وجد ~~في علمه أربعة أشياء التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه ~~وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب ms0435 أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول وهذا ~~ثناء من الله عز وجل على الذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 8 الى 11] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود ~~النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب (11) # ربنا لا تزغ قلوبنا أي ويقول الراسخون في العلم: ربنا لا تزغ قلوبنا أي ~~لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ بعد إذ هديتنا ~~أي وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك وهب لنا من لدنك رحمة ~~أي أعطنا توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى وقيل: هب لنا ~~تجاوزا ومغفرة إنك أنت الوهاب الهبة العطية الخالية عن الأعواض والأغراض ~~والوهاب في صفة الله تعالى أنه يعطي كل أحد على قدر استحقاقه. (م) عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قلوب ~~بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء» ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» ~~هذا من أحاديث الصفات وللعلماء فيه قولان أحدهما: الإيمان به وإمراره كما ~~جاء، من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه بل نؤمن به كما جاء ~~وأنه حق ونكل علمه إلى مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هذا القول هو ~~مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم. والقول الثاني ~~إنه يتأول بحسب ما يليق به وأن ظاهره غير مراد قال تعالى: ليس كمثله شيء ~~فعلى هذا المراد هو المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي يريد أنه ms0436 تحت ~~قدرته وفي تصرفه إلا أنه حال في كفه فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف ~~في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه منها شيء ولا يفوته ما أراد ~~منها كما لا يمتنع على الإنسان ما بين إصبعيه فخاطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه بما يفهمونه ويعلمونه من أنفسهم، وإنما ثنى لفظ # PageV01P227 # الإصبعين والقدرة واحدة لأنه جرى على المعهود من التمثيل بحسب ما اعتادوه ~~وإن كان غير مقصود به التثنية أو الجمع، وهذا مذهب جمهور المتكلمين وغيرهم ~~من المتأخرين. وإنما خص القلوب بالذكر لفائدة وهي أن الله تعالى جعل ~~القلوب، محلا للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات الأفعال ثم جعل سائر ~~الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات والله أعلم. قوله عز وجل: ربنا ~~إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه أي ليوم القضاء. وقيل: اللام بمعنى في أي ~~يوم لا ريب فيه أي لا شك فيه أنه كائن وهو يوم القيامة إن الله لا يخلف ~~الميعاد هذا من بقية دعاء الراسخين في العلم، وذلك أنهم طلبوا من الله ~~تعالى أن يصرف قلوبهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة وذلك من مصالح ~~الدين والدنيا ثم إنهم اتبعوا ذلك بقولهم: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب ~~فيه ومعناه إنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك ~~حق، وأنك لا تخلف الميعاد فمن أزغت قلبه فهو هالك، ومن مننت عليه بالهداية ~~والرحمة فهو ناج من العذاب سعيد. قوله عز وجل: # إن الذين كفروا يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: هم ~~قريظة والنضير لن تغني أي لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا أي من عذاب الله شيئا وقيل: من بمعنى عند أي عند الله شيئا ~~وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون قال ابن عباس: كفعل آل فرعون وصنيعهم ~~في الكفر. وقيل: كسنة آل فرعون وقيل كعادة آل فرعون والمعنى أن عادة هؤلاء ~~الكفار في تكذيب رسول الله ms0437 صلى الله عليه وسلم وجحود الحق كعادة آل فرعون ~~فإنهم كذبوا موسى وصدقوا فرعون والذين من قبلهم يعني كفار الأمم الماضية ~~مثل عاد وثمود وغيرهم كذبوا بآياتنا يعني لما جاءتهم بها الرسل فأخذهم الله ~~بذنوبهم أي فعاقبهم الله بسبب تكذيبهم والله شديد العقاب وقيل في معنى ~~الآية: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة ~~والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية فأخذناهم فلم تغن عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 12 الى 13] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم ~~آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون قرئ بالتاء والياء فيهما فمن قرأ بالياء ~~المنقوطة تحت فمعناه بلغهم يا محمد أنهم سيغلبون ويحشرون، ومن قرأ التاء ~~المنقوطة فوق فمعناه قل لهم: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم قيل: أراد بالذين ~~كفروا مشركي قريش والمعنى قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون في الآخرة ~~إلى جهنم فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ~~إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم وقيل: إن أبا سفيان جمع جماعة من قومه بعد ~~وقعة بدر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إن هذه الآية نزلت في اليهود. ~~وقال ابن عباس: إن يهود المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المشركين يوم بدر، هذا والله النبي الذي بشر به موسى لا ترد له راية ~~وأرادوا إتباعه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا واقعة أخرى. فلما ~~كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا وغلب عليهم ~~الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى ~~مدة فنقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى مكة ليستفزهم ~~فأجمعوا أمرهم على قتال ms0438 رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقال ابن عباس وغيره: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ~~يوم بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر ~~اليهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل لكم ~~ما نزل بهم فقد عرفتم إني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا ~~يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا الله ~~لو قاتلناك لعرفت إنا نحن الناس. فأنزل الله عز وجل قل للذين كفروا يعني من ~~اليهود ستغلبون أي ستهزمون وتحشرون يعني في الآخرة إلى جهنم وبئس # PageV01P228 # المهاد أي الفراش والمعنى: بئس ما مهد لهم في النار. قوله عز وجل: قد كان ~~لكم آية في فئتين التقتا قيل: # الخطاب للمؤمنين يروى ذلك عن ابن مسعود والحسن. وقيل: هو خطاب لكفار مكة ~~فيكون عطفا على الذي قبله فيخرج على قول ابن عباس (1). وقيل: هو خطاب ~~لليهود قاله ابن جرير. فإن قلت: لم قال قد كان لكم آية ولم يقل قد كانت لأن ~~الآية مؤنثة؟ قلت: كل ما ليس بمؤنث حقيقي يجوز تذكيره وقيل: إنه رد المعنى ~~إلى البيان فمعناه قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. وقال ~~الفراء: إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث فذكر الفعل وكل ~~ما جاء من هذا فهذا وجهه ومعنى الآية قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على ~~صدق ما أقول إنكم ستغلبون في فئتين أي فرقتين وأصلها في الحرب لأن بعضهم ~~يفيء إلى بعض أي يرجع التقتا يعني يوم بدر فئة تقاتل في سبيل الله أي في ~~طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلا ~~من الأنصار، وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب وصاحب راية الأنصار ~~سعد بن عبادة وكان ms0439 فيهم سبعون بعيرا وفرسان وكان معهم من السلاح ستة أذرع ~~وثمانية سيوف. وقوله تعالى: وأخرى كافرة أي وفرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة ~~وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة وكان رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد ~~شمس، وكان فيهم مائة فرس وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد الهجرة وقوله تعالى: يرونهم مثليهم قرئ بالتاء يعني ترون أهل ~~مكة ضعفي المسلمين يا معشر اليهود وذلك أن جماعة من اليهود كانوا قد حضروا ~~قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة ولمن النصر فرأوا المشركين مثلي عدد ~~المسلمين، ورأوا النصر للمسلمين فكان ذلك معجزة. وقرئ يرونهم بالياء ~~واختلفوا في وجه قراءة الياء فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ثم له تأويلان ~~أحدهما: يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم. فإن قلت: كيف قال مثليهم ~~وإنما كانوا ثلاثة أمثالهم. قلت: # هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا محتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى ~~مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى أظهر ~~للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي يعلم المؤمنون أنهم يغلبونهم لإزالة ~~الخوف من قلوبهم، وهذا التأويل الثاني هو الأصح قلل الله المشركون في أعين ~~المسلمين حتى رأوهم مثليهم. # فإن قلت كيف الجمع بين قوله تعالى يرونهم مثليهم وبين قوله: وإذ يريكموهم ~~إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم وكيف يقال: إن المشركين ~~استكثروا المسلمين أو المسلمين استكثروا المشركين، وإن الفئتين تساويا في ~~استقلال إحداهما الأخرى. قلت: إن التقليل والتكثير كانا في حالتين مختلفتين ~~فإن قيل: إن الفئة الرائية هم المسلمون فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية ~~القتال على ما هم عليه. ثم قلل الله المشركين في أعين المسلمين حتى اجترءوا ~~عليهم فصبروا على قتالهم بذلك السبب. قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين ~~فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا فاهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا ~~واحدا. وفي رواية أخرى عنه قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى ~~جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم ms0440 مائة قال فأسرنا منهم رجلا فقلنا: كم كنتم ~~قال: ألفا وإن قلنا إن الفئة الرائية هم المشركون على قول بعضهم إن الرؤية ~~راجعة إلى المشركين يعني رأى المشركون المسلمين مثليهم فقلل الله المسلمين ~~في أعين المشركين في أول القتال ليجترؤوا عليهم ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في ~~القتال كثر الله المسلمين في أعين المشركين ليجبنوا فيكون ذلك سبب خذلانهم، ~~وقد روي أن المشركين لما أسروا يوم بدر قالوا للمسلمين: كم كنتم قالوا: كنا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا قالوا: يعني المشركين ما كنا نراكم إلا تضعفون ~~علينا فكان في وقعة بدر أحوال في التكثير والتقليل وما ذلك إلا إظهارا ~~للقدرة التامة وقوله تعالى: رأي العين أي في رأي العين والله يؤيد أي يقوي ~~بنصره من يشاء إن في ذلك يعني الذي ذكر من النصرة. وقيل رؤية الجيش مثليهم ~~لعبرة أي لآية والعبرة الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدية إلى # PageV01P229 # العلم وأصلها من العبور كأنه طريق يعبرونه فيوصلهم إلى مرادهم. وقيل: ~~العبرة هي التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم لأولي الأبصار ~~لذوي العقول والبصائر. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # زين للناس قال أهل السنة: المزين هو الله تعالى لأنه تعالى خالق الجميع ~~أفعال العباد ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ~~وإباحتها للعبد تزيين لها قال الله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا وقال تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~وقال الله تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها وقال تعالى: وكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا وكل ذلك يدل على أن المزين هو الله تعالى. ومما يؤيد ~~ذلك قراءة مجاهد زين بفتح الزاي على تسمية الفاعل وقال الحسن: المزين هو ~~الشيطان وهو قول طائفة من المعتزلة ويدل على ذلك أن الله ms0441 تعالى زهد في هذه ~~الأشياء بأن أعلم عباده زوالها. ولأن الله تعالى أطلق حب الشهوات فيدخل فيه ~~الشهوات المحرمة، والمزين لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ذكر هذه ~~الأشياء في معرض الذم للدنيا ويدل عليه آخر الآية وهو قوله تعالى والله ~~عنده حسن المآب. ونقل عن أبي علي الجبائي من المعتزلة أن كل ما كان حراما ~~كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحا كان المزين له هو الله تعالى، ~~والصحيح ما ذهب إليه أهل السنة لأن الله تعالى خالق كل شيء ولا شريك له في ~~ملكه. وقوله تعالى: # حب الشهوات يعني المشتهيات لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى من ~~النساء إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ~~ولأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان والبنين إنما خص البنين بالذكر ~~لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ووجه حبه ظاهر لأنه يتكثر به ويعضده ~~ويقوم مقامه. وقد جعل الله تعالى في قلب الإنسان حب الزوجة والولد لحكمة ~~بالغة وهي بقاء التوالد ولو زالت تلك المحبة لما حصل ذلك والقناطير ~~المقنطرة جمع قنطار وسمي قنطارا من الإحكام والعقد يقال: قنطرته إذا أحكمته ~~ومنه القنطرة المحكمة الطاق واختلفوا في القنطار هل محدود أو غير محدود؟ ~~على قولين أحدهما: أنه محدود ثم اختلفوا في حده فروي عن معاذ بن جبل أن ~~القنطار ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف ومائتا مثقال وعنه أنه اثنا ~~عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم وبه قال الحسن: وقال سعيد بن جبير: هو ~~مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم. ولقد جاء الإسلام يوم ~~جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: هو ثمانون ألفا ~~وقال مجاهد: سبعون ألفا. وقال السدي: هو أربعة آلاف مثقال والقول الثاني: ~~إن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس: القنطار مال الكثير بعضه على ~~بعض وروي عن أبي عبيدة أنه حكي عن العرب أن القنطار وزن لا يحد ms0442 وهو اختيار ~~ابن جرير الطبري وغيره. وقال الحاكم القنطار ما بين السماء والأرض من مال. ~~وقال أبو نصرة: القنطار ملء مسك ثور ذهبا أو فضة وقال القنطار من المال ما ~~فيه عبور الحياة تشبيها بعبور القنطرة المقنطرة أي المجموعة وقيل: المضاعفة ~~لأن القناطير جمع وأقله ثلاثة والمقنطرة المضاعفة أن تكون ستة أو تسعة وقيل ~~المقنطرة المسكوكة المنقوشة من الذهب والفضة إنما بدأ بهما من بين سائر ~~أصناف الأموال لأنهما قيم الأشياء وإنما كانا محبوبين لأن المالك لهما مالك ~~قادر على ما يريده وهي صفة كمال وهي محبوبة. وقيل سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ~~ولا يبقى والفضة لأنها تنفض أي تتفرق والخيل المسومة الخيل جمع لا واحد له ~~من لفظه كالقوم والرهط سميت الأفراس خيلا لاختيالها في مشيتها. # وقيل: لأن الخيل لا يركبها أحد إلا وجد في نفسه مخيلة عجبا واختلفوا في ~~معنى المسومة على ثلاثة أقوال القول الأول: إنها الراعية يقال أممت الدابة ~~وسومتها إذا أرسلتها المرعى والمقصود أنها إذا رعت زاد حسنها والقول # PageV01P230 # الثاني أنها من السمة وهي العلامة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك ~~العلامة فقيل: الثالث هي الغرة والتحجيل التي تكون في الخيل وقيل: هي الخيل ~~البلق وقيل: هي المعلمة بالكي. والقول الثالث: إنها المضمرة الحسان ~~وتسويمها حسنها والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ولا يقال للجنس ~~الواحد منها إلا للإبل خاصة فإنه غلب عليها والحرث يعني الزرع ذلك يعني ذلك ~~الذي ذكر من هذه الأصناف متاع الحياة الدنيا أي الذي يستمتع به في الحياة ~~الدنيا وهي زائلة فانية يشير إلى أن الحياة الدنيا متاع يفني والله عنده ~~حسن المآب أي المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. ~~وقيل: فيه إشارة إلى أن من أتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها ~~فيما يكون فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة القصوى. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ms0443 ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # قل أأنبئكم أي أخبركم بخير من ذلكم يعني الذي ذكر من متاع الدنيا للذين ~~اتقوا قال ابن عباس في رواية عنه يريد المهاجرين والأنصار. أراد أن يعرفهم ~~ويشوقهم إلى الآخرة قال العلماء: ويدخل في هذا الخطاب كل من اتقى الشرك عند ~~ربهم معناه أن الله تعالى أخبر أن ما عنده خير مما كان في الدنيا وإن كان ~~محبوبا فحثهم على ترك ما يحبون لما يرجون ثم فسر لك الخير فقال تعالى: جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله. (ق) عن ~~أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول ~~لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، ~~فيقول: هل رضيتم؟ # فيقولون: يا رب وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك: ~~فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ # فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك فيقول، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~بعده أبدا وقيل: إن العبد إذا علم أن الله تعالى قد رضي عنه كان أتم لسروره ~~وأعظم لفرحه والله بصير بالعباد يعني أن الله تعالى عالم بمن يؤثر ما عنده ~~ممن يؤثر شهوات الدنيا فيجازى كلا على عمله فيثبت ويعاقب على قدر الأعمال. ~~وقيل: إن الله تعالى بصير بالذين اتقوا فلذلك أعدلهم الجنات. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 16 الى 18] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم (18) # الذين يقولون ربنا إننا آمنا أي صدقنا فاغفر لنا ذنوبنا أي استر علينا ~~وتجاوز عنا وقنا عذاب النار. قوله عز وجل: الصابرين يعني على أداء الواجبات ~~وعن المحرمات والمنهيات، وفي البأساء والضراء وحين البأس. وقيل: الصابرين ~~على دينهم وما أصابهم والصادقين ms0444 يعني في إيمانهم. وقال قتادة: هم قوم صدقت ~~نياتهم واستقامت ألسنتهم وقلوبهم في السر والعلانية والصدق يكون في القول ~~والأفعال والنية، فأما صدق القول فهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل هو عدم ~~الانصراف عنه قبل إتمامه، والصدق في النية العزم على الفعل حتى يبلغه. ~~والقانتين يعني المطيعين لله وقيل لهم المصلون، وهو عبارة عن دوام الطاعة ~~والمواظبة عليها والمنفقين يعني أموالهم في طاعة الله تعالى، ويدخل فيه ~~نفقة الرجل على نفسه وعلى أهله وأقاربه وصلة رحمه، والزكاة والنفقة في جميع ~~القربات والمستغفرين بالأسحار يعني المصلين بالسحر وهو الوقت بعد ظلمة ~~الليل إلى طلوع الفجر، وقيل كانوا يصلون بالليل حتى إذا كان وقت السحر ~~أخذوا في الدعاء والاستغفار فكان هذا دأبهم في ليلهم. قال نافع: كان ابن ~~عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا # PageV01P231 # فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر ويدعو حتى يصلي الصبح. (ق) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال: # ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير ~~فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له. وفي ~~لفظ مسلم فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني الحديث وله في ~~رواية أخرى فيقول: هل من سائل؟ فيعطى هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر ~~فيغفر له حتى ينفجر الصبح»؟ هذا الحديث من أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي ~~أمثاله مذهبان معروفان مذهب السلف الإيمان به وإجراؤه على ظاهره ونفي ~~الكيفية عنه، والمذهب الثاني هو مذهب من يتأول أحاديث الصفات. قال أبو ~~سليمان الخطابي: إنما ينكر هذا الحديث من يقيس الأمور على ما يشاهده من ~~النزول الذي هو تدل من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت وهذا صفة ~~الأجسام، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير ~~متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته ~~دعاءهم، ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا ms0445 يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله ~~كمية سبحانه ليس كمثله دعاءهم، ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على ~~صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ~~وقيل في قوله: # والمستغفرين بالأسحار وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف ثم بين أنهم مع ذلك ~~لشدة خوفهم ووجلهم أنهم يستغفرون بالأسحار. وروي أن لقمان قال لابنه: يا ~~بني لا تكن أعجز من الديك فإنه يصوت بالأسحار وأنت نائم الجنة. قوله عز ~~وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # وما اختلف الذين أوتوا الكتاب قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين ~~تركوا الإسلام والمعنى: # وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم يعني بيان نعته وصفته في كتبهم. وقال الربيع: إن موسى ~~عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل وأودعهم ~~التوراة واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت ~~الفرقة والاختلاف، بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب وهم من أبناء الملوك ~~السبعين حتى أهرقوا الدماء ووقع الشر والاختلاف، وذلك بعد ما جاءهم العلم ~~يعني بيان ما في التوراة من الأحكام بغيا بينهم أي طلبا بينهم للملك ~~والرياسة فسلط الله عليهم الجبابرة. وقيل: نزلت في نصارى نجران ومعناه وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب يعني الإنجيل واختلافهم كان في أمر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، وما ادعوا فيه من الإلهية إلا من بعد ما جاءهم العلم. يعني ~~بأن الله تعالى واحد أحد وأن عيسى عبده ورسوله بغيا بينهم يعني المعاداة ~~والمخالفة. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فيه وعيد وتهديد لمن ~~أصر على الكفر من اليهود والنصارى الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي ms0446 لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # فإن حاجوك أي خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: ~~لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب والدين هو ~~الإسلام ونحن عليه فأمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحتج ~~عليهم بأنه اتبع أمر الله الذي هم يقرون به بقوله: فقل أسلمت وجهي لله أي ~~انقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف ~~جوارح الإنسان الظاهرة إذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه وقيل: ~~أراد بالوجه العمل أي خلصت عملي لله وقصدت بعبادتي الله ومن اتبعن يعني ومن ~~أسلم كما # PageV01P232 # أسلمت أنا وقل للذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى والأميين يعني ~~مشركي العرب أأسلمتم لفظه استفهام ومعناه أمر أي أسلموا فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا يعني إلى الفوز والنجاة في الآخرة، فلما قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية على أهل الكتاب قالوا: قد أسلمنا فقال لليهود: أتشهدون ~~أن موسى كليم الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله وقال للنصارى: أتشهدون ~~أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا قال ~~الله تعالى: وإن تولوا أي أعرضوا فإنما عليك البلاغ يعني تبليغ الرسالة. ~~وليس عليك هدايتهم واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في الآية فذهب طائفة إلى ~~أنها محكمة، والمراد بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يحرص على ~~إيمانهم ويتألم لتركهم الإجابة، وذهب طائفة إلى أنها منسوخة بآية السيف لأن ~~المراد بها الاقتصار على التبليغ وهذا منسوخ بآية السيف والله بصير بالعباد ~~يعني أنه تعالى عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 21 الى 23] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وما ms0447 لهم من ناصرين (22) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ~~(23) # إن الذين يكفرون بآيات الله يعني يجحدون القرآن وينكرونه وهم اليهود ~~والنصارى ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~كان أنبياء بني إسرائيل يأتيهم الوحي ولم يكن يأتيهم كتاب لأنهم كانوا ~~ملتزمين بأحكام التوراة، فكانوا يذكرون قومهم فيقتلونهم فيقوم رجال ممن آمن ~~بهم وصدقهم فيذكرونهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فيقتلونهم ~~أيضا، فهم الذين يأمرون بالقسط يعني بالعدل من الناس. روى البغوي بسند ~~الثعلبي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذابا ~~يوم القيامة؟ «قال رجل: قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس إلى أن انتهى إلى قوله وما لهم من ناصرين ثم قال ~~على فراشك. وقيل: هم الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة فعلى هذا القول إنما ~~سميت الصلاة استغفارا لأنهم طلبوا بفعلها المغفرة. # قوله عز وجل: شهد الله أنه لا إله إلا هو قيل سبب نزول الآية أن حبرين من ~~أحبار الشام قدما على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال ~~أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه ~~بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا وأنت أحمد؟ قال: نعم. # قالا فإنا نسألك عن شيء: فإن أنت أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال: ~~اسألاني قالا: فأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه ~~الآية فأسلم الحبران. وقيل: إن هذه الآية نزلت في نصارى نجران فيما ادعوا ~~في عيسى عليه السلام فقوله تعالى: شهد الله يعني بين الله وأظهر لأن معنى ~~الشهادة تبيين وإظهار. وقيل: معنى شهد الله حكم الله وقضى. ms0448 وقيل: معناه ~~أعلم الله أنه لا إله إلا هو وذلك بيان الدلائل لما أمكن التوصل إلى معرفة ~~الوحدانية، فهو تعالى أرشد عباده إلى معرفة توحيده بما بين من عجائب ~~مصنوعاته وغرائب مبتدعاته سئل بعض الأعراب ما الدليل على وجود الصانع؟ ~~فقال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير فهيكل علوي ~~بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على وجود الصانع الخبير. ~~قال ابن عباس: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق ~~الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه # PageV01P233 # قبل أن خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر، فقال ~~تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة أي وشهد الملائكة فمعنى شهادة ~~الله تعالى الإخبار والإعلام ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار ~~والاعتراف بأنه لا إله إلا هو، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى ~~شهادة حسن إطلاق لفظ الشهادة عليهما وأولوا العلم أي وشهد أولوا العلم بأنه ~~لا إله إلا هو، واختلفوا في أولي العلم فقيل: هم الأنبياء عليهم السلام ~~لأنهم أعلم الخلق بالله تعالى وقيل: هم علماء أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من المهاجرين والأنصار وقيل: هم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد ~~الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم علماء جميع المؤمنين قائما بالقسط أي ~~بالعدل نصب على الحال والقطع أو المدح ومعناه أنه تعالى قائم بتدبير خلقه ~~كما يقال: # فلان قائم بأمر فلان يعني أنه مدبر له ومتعهد لأسبابه، وفلان قائم بحق ~~فلان، أي أنه مجاز له فالله مدبر أمر خلقه وقائم بأرزاقهم ومجاز لهم ~~بأعمالهم لا إله إلا هو إنما كرره للتأكيد، وقيل إن الأول وصف وتوحيد ~~والثاني رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو. وقيل فائدة تكرارها الإعلام ~~بأن هذه الكلمة أعظم الكلام وأشرفه فيه حث للعباد على تكريرها والاشتغال ~~بها، فإنه من اشتغل بها فقد اشتغل بأفضل العبادات العزيز أي الغالب الذي لا ~~يقهر الحكيم يعني ms0449 في جميع أفعاله إن الدين عند الله الإسلام يعني أن الدين ~~المرضي عند الله هو الإسلام كما قال تعالى: ورضيت لكم الإسلام دينا وفيه رد ~~على اليهود والنصارى وذلك لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية، ~~وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية رد الله عليهم ذلك فقال: إن ~~الدين عند الله الإسلام. وقرئ أن الدين بفتح الهمزة ردا على أن الأولى ~~والمعنى شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وأصل ~~الدين في اللغة الجزاء. يقال كما تدين تدان ثم صار اسما للملة والشريعة، ~~ومعناه الانقياد للطاعة والشريعة، قال الزجاج الدين اسم لجميع ما تعبد الله ~~به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، والإسلام هو الدخول في السلم وهو الاستسلام ~~والانقياد والدخول في الطاعة. وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطان ~~قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه فلما كان ~~ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجد فمر بهذه الآية شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه ~~الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا. ~~قلت: سمع فيها شيئا فصليت الصبح معه وودعته ثم قلت له: إني سمعتك ترددهما ~~فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدثك فيها إلى سنة فكتبت على بابه ذلك اليوم ~~وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة فقال: حدثني أبو ~~وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجاء بصاحبها يوم ~~القيامة. فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفي ~~بالعهد أدخلوا عبدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو ~~إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا ~~عشر رجلا ms0450 من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في كتابه ~~وأنزل الآية فيهم» فبشرهم بعذاب أليم إنما دخلت الفاء في قوله فبشرهم مع ~~أنه خبر إن لأنه في معنى الجزاء والتقدير من كفر فبشرهم بعذاب أليم يوم ~~القيامة، وهذا محمول على الاستعارة وهو أن إنذار الكفار بالعذاب قام مقام ~~بشرى المحسنين بالثواب، وفي هذه الآية توبيخ لليهود الذين كانوا في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أسلافهم الذين قتلوا الأنبياء لأنهم ~~رضوا بفعلهم أولئك الذين حبطت أي بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة وبطلان ~~العمل هو أن لا يقبل في الدنيا ولا يجازى عليه في الآخرة وما لهم من ناصرين ~~يعني يمنعونهم من العذاب. قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب أنزلت في اليهود يدعون إلى كتاب الله يعني القرآن، وذلك أن اليهود ~~دعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه. قال ابن عباس: إن الله جعل القرآن حكما ~~فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم القرآن على اليهود ~~والنصارى أنهم على # PageV01P234 # غير الهدى فأعرضوا عنه. وروي عن ابن عباس أيضا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخل بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله عز وجل ~~فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ~~ملة إبراهيم. قال: إن إبراهيم كان يهوديا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله الآية. ~~فعلى هذا القول يكون المراد بكتاب الله التوراة. # وروي عنه أيضا أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم ~~فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم. فقال النعمان بن أوفى ~~وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم. ms0451 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بيني وبينكم التوراة» فقالوا: قد ~~أنصفت. فقال من أعلمكم بالتوراة؟ فقالوا رجل أعور يقال له عبد الله بن ~~صوريا يسكن فدك فأرسلوا إليه فقدم المدينة وكان جبريل قد وصفه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأنت ابن صوريا؟ ~~قال: نعم قال: أنت أعلم اليهود بالتوراة. قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالتوراة وقال له: اقرأ فقرأ فلما أتى على آية الرجم ~~وضع يده عليها وقرأ ما بعدها فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله قد ~~جاوزها ثم قام ورفع كفه عنها وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~اليهود وفيها: أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن ~~كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضبت اليهود لذلك فأنزل الله عز وجل: ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يعني علمهم الذي علموه من التوراة يدعون ~~إلى كتاب الله يعني القرآن أو التوراة على اختلاف الروايتين ليحكم بينهم أي ~~ليقضي بينهم وإضافة الحكم إلى الكتاب هو على سبيل المجاز ثم يتولى فريق ~~منهم يعني الرؤساء والعلماء وهم معرضون يعني عن الحق وقيل الذين تولوا هم ~~العلماء، والذين أعرضوا هم الأتباع. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 24 الى 26] # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (25) قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # ذلك بأنهم يعني ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودات تقدم تفسيره في سورة البقرة وغرهم أي وأطمعهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون أي يحلفون ويكذبون ms0452 قيل: هو قولهم نحن أبناء الله ~~وأحباؤه وقيل: هو قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وقيل غرهم قولهم ~~نحن على الحق وأنتم على الباطل فكيف إذا جمعناهم أي فكيف يكون حالهم إذا ~~جمعناهم ليوم أي في يوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت أي لا شك فيه أنه ~~كائن وواقع وهو يوم القيامة، وفيه تهديد لهم واستعظام لما أعد لهم في ذلك ~~اليوم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم فيه وإن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه ~~عليها تعلل بباطل وطمع فيما لا يكون ولا يحصل لهم. قيل: إن أول راية ترفع ~~لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود تفضحهم على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر ~~بهم إلى النار وهم لا يظلمون أي لا ينقص من حسناتهم إن كانت لهم حسنة ولا ~~يزاد على سيئاتهم. قوله عز وجل: قل اللهم مالك الملك قال قتادة: ذكر لنا أن ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في ~~أمته فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات ~~هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا ~~مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقيل: إن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني إسرائيل ~~إلى غيرهم فنزلت هذه الآية قل اللهم معناه يا الله لما حذف حرف النداء زيد ~~الميم في آخره. وقيل: إن الميم فيه معنى آخر # PageV01P235 # وهو يا الله أمنا بخير أي اقصدنا مالك الملك أي مالك العباد وما ملكوا. ~~وقيل: مالك السموات والأرض، وقيل معناه بيده الملك يؤتيه من يشاء وقيل: ~~معناه مالك الملوك ووارثهم يوم لا يدعي الملك أحد غيره. وفي بعض كتب الله ~~المنزلة أنا الله ملك الملوك ومالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن ~~العباد أطاعوني ms0453 جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا ~~تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم. # وقيل: الملك هو القدرة والمالك هو القادر. والمعنى أنه تعالى قادر على كل ~~شيء، وملك على كل مالك، ومملوك وقادر ومقدور. وقيل: معناه مالك الملك أي ~~جنس الملك يتصرف فيه كيف يشاء تؤتي الملك من تشاء يعني النبوة لأنها أعظم ~~مراتب الملك، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم له الأمر على بواطن الخلق ~~وظواهرهم، والملك ليس له الأمر إلا على ظواهر بعض الخلق وهو من يطيعه منهم ~~وطاعة النبي واجبة على الكافة وتنزع الملك ممن تشاء يعني بذلك نزع النبوة ~~من بني إسرائيل وإيتاءها محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه لا نبي بعده ولم ~~يشركه في نبوته ورسالته أحد، وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وتنزع الملك ممن تشاء، يعني من أبي جهل وصناديد قريش ~~وقيل تؤتي الملك من تشاء يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتنزع الملك ممن ~~تشاء يعني فارس والروم. وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني آدم وذريته وتنزع ~~الملك ممن تشاء يعني إبليس وجنوده الذين كانوا في الأرض قبل آدم. وتعز من ~~تشاء يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة وتذل من تشاء يعني ~~اليهود بأخذ الجزية منهم ونزع النبوة عنهم، وقيل: تعز المهاجرين والأنصار، ~~وتذل فارس والروم، وقيل: تعز من تشاء يعني محمدا وأصحابه دخلوا مكة في عشرة ~~آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء يعني أبا جهل وأضرابه حين قتلوا وألقوا في ~~قليب بدر يوم بدر، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: ~~تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل: تعز من تشاء بالقناعة ~~والرضا، وتذل من تشاء بالحرص والطمع بيدك الخير يعني النصر والغنيمة. وقيل: ~~الألف واللام تفيد العموم والمعنى بيدك كل الخيرات. فإن قلت: كيف قال بيدك ~~الخير دون الشر. قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه الله تعالى ms0454 ~~إلى عباده المؤمنين وهو الذي أنكرته اليهود والمنافقون فقال: بيدك الخير ~~تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك. وقيل: إن قوله بيدك الخير لا ينافي أن يكون ~~بيد غيره، فيكون المعنى بيدك الخير وبيدك ما سواه إلا أنه خص الخير بالذكر ~~لأنه المنتفع به والمرغوب فيه. إنك على كل شيء قدير يعني من إيتاء الملك من ~~تشاء، وإعزاز من تشاء وإذلال من تشاء. # ### || [سورة آل عمران (3): آية 27] # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) # قوله تعالى: تولج الليل في النهار الآية. لما ذكر الله تعالى أنه مالك ~~الملك أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل والنهار، وفي المعاقبة بينهما ~~وحال إخراج الحي من الميت ثم عطف عليه أنه يرزق من يشاء بغير حساب، وفي ذلك ~~دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة لذوي الأفهام ~~والعقول، فهو قادر أن ينزع الملك من فارس والروم واليهود ويذلهم ويؤتيه ~~العرب ويعزهم فقوله تعالى: تولج الليل في النهار يعني تدخل الليل في النهار ~~وهو أن تجعل الليل قصيرا وما نقص منه زائدا في النهار حتى يكون النهار خمس ~~عشرة ساعة ذلك غاية طول النهار، ويكون الليل تسع ساعات وذلك غاية قصر ~~الليل. وتولج النهار في الليل حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة وذلك غاية ~~طوله، ويكون النهار تسع ساعات وذلك غاية قصره. وقيل: المراد أنه تعالى يأتي ~~بسواد الليل عقيب ضوء النهار، ويأتي بضوء النهار بعد ظلمة الليل والقول ~~الأول أصح وأقرب إلى معنى الآية لأنه إذا نقص الليل كان ذلك القدر زيادة في ~~النهار وبالعكس وهو معنى الولوج. وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ~~وهو أنه تعالى يخرج الإنسان الحي من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من # PageV01P236 # الإنسان ويخرج الفرخ وهو حي من البيضة وهي ميتة وبالعكس، وكذلك سائر ~~الحيوان. وقيل: يخرج النبات الغض الأخضر من الحب اليابس، ويخرج النخلة من ~~النواة وبالعكس. وقيل: معناه ms0455 أنه تعالى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من ~~المؤمن لأن المؤمن حي الفؤاد، والكافر ميته وترزق من تشاء بغير حساب يعني ~~من غير تضييق ولا تقتير، بل تبسط الرزق لمن تشاء وتوسعه عليه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) # قوله عز وجل: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين قال ابن ~~عباس: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد يبطنون بنفر من ~~الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد ~~بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى ~~أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت في حاطب ~~بن أبي بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار مكة. وقيل: نزلت في عبد الله ~~بن أبي وأصحابه كانوا يتولون المشركون واليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن ~~يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ونهى المؤمنين عن مثل ذلك. وقيل: إن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من ~~اليهود فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت ~~أن أستظهر بهم على العدو فنزلت هذه الآية. # وقوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء يعني أنصارا وأعوانا من دون ~~المؤمنين يعني من غير المؤمنين، والمعنى لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير ~~مؤمن نهى الله المؤمنين أن يوالوا الكفار أو يلاطفوهم لقرابة بينهم أو محبة ~~أو معاشرة، والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان ~~ومن يفعل ذلك يعني موالاة الكفار من نقل الأخبار إليهم وإظهار عورة ~~المسلمين أو يودهم ويحبهم فليس من الله في شيء أي فليس من دين الله في شيء. ~~وقيل: معناه فليس من ولاية الله في شيء وهذا أمر معقول من أن ولاية المولى ms0456 ~~معاداة أعدائه وموالاة الله وموالاة الكفار ضدان لا يجتمعان إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة أي إلا أن تخافوا منهم مخافة. ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين ~~عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، ~~أو يكون المؤمن في قوم كفارا فيداهنهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن ~~نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو غير ذلك من المحرمات، أو ~~يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة ~~النية قال الله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ثم هذه التقية ~~رخصة فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم، وأنكر قوم ~~التقية اليوم وقالوا: إنما كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين ~~وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام والمسلمين فليس لأهل ~~الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام ~~الحجاج: إن الحسن يقول: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان فقال سعيد: ~~ليس في الأمان تقية إنما التقية في الحرب. وقيل: إنما تجوز التقية لصون ~~النفس عن الضرر لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ويحذركم الله ~~نفسه أي ويخوفكم الله أن تعصوه بأن ترتكبوا المنهي أو تخالفوا المأمور به ~~أو توالوا الكفار فتستحقوا عقابه على ذلك كله. وإلى الله المصير يعني أن ~~الله يحذركم عقابه إذا صرتم إليه في الآخرة. قوله عز وجل: # PageV01P237 # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 29 الى 30] # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله ~~رؤف بالعباد (30) # قل إن تخفوا ما في صدوركم يعني ما في قلوبكم من موالاة الكفار ومودتهم ~~وإنما ذكر الصدر لأنه وعاء القلب أو تبدوه يعني تبدوا مودة الكفار ms0457 قولا ~~وفعلا وقيل معناه إن تخفوا ما في قلوبكم من تكذيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو تبدوه أي تظهروه بالحرب والمقاتلة له يعلمه الله أي يحفظه عليكم ~~ويجازيكم به، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض يعني أنه تعالى إذا كان لا ~~يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف يخفى عليه حالكم وموالاتكم ~~الكفار وميلكم إليهم بقلوبكم والله على كل شيء قدير، يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا يعني تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا يوم القيامة لم ينقص ~~ولم يبخس منه شيء، وما عملت من سوء أي تجد ما عملت من الخير محضرا فتسر به ~~وما عملت من سوء تود أي تتمنى لو أن بينها وبينه أي وبين ما عملت من السوء ~~أمدا بعيدا أي مكانا بعيدا قيل: كما بين المشرق والمغرب والأمد الأجل ~~والغاية، وقيل معناه تود أنها لم تعمله ويكون بينها وبينه أمد بعيد ويحذركم ~~الله نفسه إنما كرره لتأكيد الوعيد والله رؤف بالعباد قيل: معناه أنه رؤوف ~~بهم حيث حذرهم نفسه وعرفهم كمال قدرته وعلمه، وأنه يمهل ولا يهمل. وقيل: ~~معناه أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة ولتدارك العمل الصالح. وقيل: إنه ~~تعالى لما قال: ويحذركم الله نفسه وهو وعيد أتبعه بقوله والله رؤوف ~~بالعباد، وهو وعد ليعلم العبد المؤمن أن رحمته ووعده غلبت وعيده وسخطه. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 31 الى 32] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله نزلت في اليهود والنصارى حيث ~~قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فنزلت هذه الآية، فعرضها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليهم فلم يقبلوها. وقال ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض ~~النعام وجعلوا في آذانها الشنوف ms0458 وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش والله ~~لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل فقالت قريش: إنما نعبدها حبا لله ~~لتقربنا إلى الله زلفى فنزلت هذه الآية. وقيل: إن نصارى نجران قالوا: إنما ~~نقول هذا القول في عيسى حبا لله وتعظيما له فأنزل الله قل يا محمد إن كنتم ~~تحبون الله فيما تزعمون فاتبعوني يحببكم الله لأنه قد ثبتت نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة فوجب على كافة الخلق ~~متابعته. والمعنى قل: إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله فكونوا منقادين ~~لأوامره مطيعين له فاتبعوني، فإن اتباعي من محبة الله تعالى وطاعته. وقال ~~العلماء: إن محبة العبد لله عبارة عن إعظامه وإجلاله وإيثار طاعته واتباع ~~أمره ومجانبة نهيه، ومحبة الله للعبد ثناؤه عليه ورضاه عنه وثوابه له وعفوه ~~عنه فذلك قوله تعالى: ويغفر لكم ذنوبكم يعني أن من غفر له فقد أزال عنه ~~العذاب والله غفور رحيم يعني أنه تعالى يغفر ذنوب من أحبه ويرحمه بفضله ~~وكرمه، ولما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ~~لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى ~~عيسى ابن مريم فأنزل الله عز وجل: قل أطيعوا الله والرسول يعني أن طاعة ~~الله متعلقة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن طاعته لا تتم مع عصيان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: كل أمر أو ~~نهي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى ذلك في الفريضة واللزوم مجرى ~~ما أمر الله به في كتابه أو نهى عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فإن ~~طاعتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم طاعتكم لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمدا ~~فلن أقبل منكم. فإن تولوا أي أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فإن الله لا يحب ~~الكافرين أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم. (خ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه قال: قال رسول الله ms0459 صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من ~~أبى قالوا: ومن # PageV01P238 # يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». (ق) عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى ~~الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني». قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 33 الى 35] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) # إن الله اصطفى آدم ونوحا قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن من أبناء ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أن ~~الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم يا معشر اليهود على غير دين الإسلام. ~~ومعنى اصطفى اختار من الصفوة وهي الخالص من كل شيء آدم هو أبو البشر عليه ~~السلام ونوحا هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام. ~~وحكى ابن الجوزي في تفسيره عن أبي سليمان الدمشقي أن اسم نوح السكن وإنما ~~سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه وآل إبراهيم قيل: أراد بآل إبراهيم إبراهيم ~~نفسه، وقيل آل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وذلك أن الله تعالى جعل ~~إبراهيم أصلا لشعبتين فجعل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أصلا للعرب ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم فهو داخل في هذا الاصطفاء، وجعل إسحاق أصلا ~~لبني إسرائيل، وجعل فيهم النبوة والملك إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم جمع له ولأمته النبوة والملك إلى يوم القيامة. وقيل: أراد بآل ~~إبراهيم من كان على دينه وآل عمران واختلفوا في عمران هذا فقيل: هو عمران ~~بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وهو والد موسى وهارون فيكون آل عمران ~~موسى وهارون أو نفسه، وقيل: # هو عمران بن آشيم بن آمون وقيل: ابن ماتان وهو من ولد ms0460 سليمان بن داود ~~عليهما السلام وعمران هذا هو والد مريم وابنها عيسى فعلى هذا يكون المراد ~~بآل عمران مريم وابنها عيسى عليه السلام، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن ~~الأنبياء والرسل من نسلهم على العالمين أي اختارهم واصطفاهم على العالمين ~~بما خصهم من النبوة والرسالة ذرية أي اصطفى ذرية وأصلها من ذرأ بمعنى خلق ~~وقيل: من الذر لأن الله تعالى استخرجهم من ظهر آدم كالذر وإنما سمي الآباء ~~والأبناء ذرية لأن الله خلق بعضهم من بعض، فالأبناء من ذرية الآباء والآباء ~~من ذرية آدم وهو ممن ذرأه الله تعالى أي خلقه بعضها من بعض أي بعضها من ولد ~~بعض وقيل: بعضها من بعض في التناصر والتعاضد وقيل: بعضها على دين بعض والله ~~سميع عليم يعني أن الله تعالى سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم وإنما يصطفي ~~لنبوته ورسالته من يعلم استقامته قولا وفعلا. # قوله عز وجل: إذ قالت امرأت عمران هي حنة بنت فاقوذا أم مريم وعمران هو ~~عمران بن ماثان وقيل: # ابن أشيم وليس بعمران أبي موسى لأن بينهما ألفا وثمانمائة سنة، وكان بنو ~~ماثان رؤوس بني إسرائيل في ذلك الزمن وأحبارهم وملوكهم رب إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا أي جعلت الحمل الذي في بطني نذرا محررا مني لك، والنذر ما ~~يوجبه الإنسان على نفسه، والمعنى محررا أي عتيقا خالصا مفرغا لعبادة الله ~~وخدمة الكنيسة لا أشغله بشيء من أمور الدنيا. قيل: كان المحرر عندهم إذا ~~حرر جعل في الكنيسة فيقوم عليها ويخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ ~~الحلم ثم يخير فإن أحب أقام فيها، وإن أحب ذهب حيث شاء، فإن اختار الخروج ~~بعد أن اختار الإقامة في الكنيسة لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من أنبياء بني ~~إسرائيل ومن علمائهم إلا ومن أولاده محرر لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرر ~~إلا الغلمان ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى ~~فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك على ما ذكره ms0461 أصحاب السير ~~والأخبار أن زكريا وعمران تزوجا أختين فكانت إيشاع بنت فاقوذا وهي أم يحيى ~~عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقوذا أخت إيشاع عند عمران وهي أم مريم، وكان قد ~~أمسك عن حنة الولد حتى أيست وكبرت وكانوا أهل بيت # PageV01P239 # صالحين وهم من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة إذ بصرت بطائر يطعم فرخا ~~فتحركت نفسها بذلك للولد، فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت: اللهم لك علي ~~إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمه فلما ~~حملت بمريم حررت ما في بطنها ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت ~~أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى فلا تصلح لذلك فوقعا جميعا في هم شديد من أجل ~~ذلك. فمات عمران قبل أن تضع حنة حملها ثم قال تعالى حاكيا عنها فتقبل مني ~~يعني فتقبل نذري، والتقبل أخذ الشيء على الرضا وأصله من المقابلة لأنه ~~يقابل بالجزاء وهذا سؤال من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى ~~والإخلاص في دعائه وعبادته إنك أنت السميع يعني لتضرعي ودعائي العليم يعني ~~بنيتي وما في ضميري. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 36] # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) # فلما وضعتها أي ولدت حملها وإنما قال: وضعتها لأنه كان في علم الله أنها ~~جارية وكانت حنة ترجو أن يكون غلاما قالت يعني حنة رب إني وضعتها أنثى تريد ~~بذلك اعتذار إلى الله من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك على سبيل ~~الاعتذار لا على سبيل الإعلام، لأن الله تعالى عالم بما في بطنها قبل أن ~~تضعه والله أعلم بما وضعت قرئ بجزم التاء إخبارا عن الله تعالى والمعنى أنه ~~تعالى قال: والله أعلم بالشيء الذي وضعت. وقرئ وضعت برفع التاء وهو من كلام ~~أم مريم على تقدير أنها لما قالت رب: إني وضعتها أنثى خافت ms0462 أن تكون أخبرت ~~الله بذلك فأزالت هذه الشبهة بقولها والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى يعني في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، وفي الكلام تقديم وتأخير ~~تقديره وليس الأنثى كالذكر، والمراد منه تفضيل الذكر على الأنثى لأن الذكر ~~يصلح للخدمة للكنيسة ولا تصلح الأنثى لذلك لضعفها، وما يحصل لها من الحيض ~~لأنها عورة ولا يجوز لها الحضور مع الرجال. وقيل: في معنى الآية: إن المراد ~~منها هو تفضيل هذه الأنثى على الذكر كأنها قالت: كان الذكر مطلوبي لخدمة ~~المسجد وهذه الأنثى هي موهوبة لله تعالى، وليس الذكر التي طلبت كالأنثى ~~التي هي موهبة لله تعالى وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها وإني ~~سميتها مريم يعني العابدة والخادمة وهو بلغتهم أرادت بهذه التسمية أن ~~يفضلها الله على إناث الدنيا وإني أعيذها بك وذريتها أي أمنعها وأجيرها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم يعني اللعين الطريد وذلك أن حنة أم مريم لما ~~فاتها ما كانت تطلب من أن يكون ولدها ذكرا، فإذا هي أنثى تضرعت إلى الله ~~تعالى أن يحفظها ويعصمها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات ~~العابدات. (ق) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«ما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من نخسه ~~إياه إلا مريم وابنها». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم «وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم». وللبخاري عنه قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان في ~~جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب. قوله ~~عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 37] # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # فتقبلها ربها بقبول حسن يعني أن الله تعالى تقبل مريم من حنة مكان الذكر ~~المحرر بمعنى قبل ورضي. # قال الزجاج: الأصل ms0463 في العربية تقبلها بتقبل ولكن قبول محمول على قبلها ~~قبولا كما يقال: قبلت الشيء قبولا إذا رضيته. وقال أبو عمر: ليس في المصادر ~~فعول بفتح الفاء إلا هذا ولم أسمع فيه الضم. قيل معنى التقبل والقبول واحد ~~وهما سواء وهو أن يرى الشيء ويأخذه. وقيل معنى التكفل في التربية والقيام ~~بشأنها، وإنما قال بقبول # PageV01P240 # للجمع بين الأمرين يعني التقبل الذي بمعنى التكفل والقبول الذي بمعنى ~~الرضا وأنبتها نباتا حسنا معناه وأنبتها فنبتت هي نباتا حسنا قال ابن عباس ~~في قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن أي سلك بها طريق السعداء: # «وأنبتها نباتا حسنا» يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت ~~في اليوم ما ينبت المولود في عام وكفلها زكريا قال أهل الأخبار: لما ولدت ~~حنة مريم أخذتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأخبار ~~أبناء هارون وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، وقالت: ~~دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم قال ~~زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالت له الأحبار لو تركت لأحق الناس ~~بها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نفترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها، ~~فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا إلى نهر جار قيل: هو الأردن فألقوا ~~أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها من غيره ~~وكان على كل قلم مكتوب اسم واحد منهم وقيل بل كانوا يكتبون التوراة فألقوا ~~أقلامهم التي كانت بأيديهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ووقف وانحدرت ~~أقلامهم ثم رسبت في النهر. # وقيل جري قلم زكريا مصعدا إلى أعلى وجرت أقلامهم مع جري الماء إلى أسفل ~~فسهمهم زكريا وقرعهم، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى: ~~وكفلها زكريا قرئ بتشديد الفاء ومعناه وضمنها الله زكريا وضمها إليه ~~بالقرعة. وقرئ بتخفيف الفاء ومعناه ضمها زكريا إلى نفسه بالقرعة وقام ~~بأمرها وهو زكريا بن أذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن ms0464 داود عليهما ~~السلام، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع لها المراضع ~~وقيل: ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بني لها ~~محرابا في المسجد وجعل بابه في وسطه ولا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها ~~غيره. وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم فذلك قوله تعالى: كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب يعني الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من ~~المسجد وقيل: المحراب ما يرقى إليه بدرج. وقيل كان زكريا يغلق عليها سبعة ~~أبواب فإذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا يعني فاكهة في غير وقتها فكان ~~يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء قال يعني زكريا يا ~~مريم أنى لك هذا أي من أين لك هذه الفاكهة قالت يعني مريم مجيبة لزكريا هو ~~من عند الله يعني من الجنة. وقيل: إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثديا بل كان ~~يأتيها رزقها من الجنة فيقول زكريا: يا مريم أنى لك هذا فتقول هو من عند ~~الله تكلمت وهي صغيرة في المهد كما تكلم ولدها عيسى عليه السلام وهو صغير ~~في المهد. وقال محمد بن إسحاق: أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من ~~حالها حتى ضعف زكريا عن حملها وكفالتها فخرج على بني إسرائيل فقال: يا بني ~~إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل بنت عمران فأيكم يكفلها ~~بعدي: فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى فتدافعوها بينهم ثم ~~لم يجدوا من حملها بدا فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم لرجل نجار يقال ~~له يوسف بن يعقوب وكان وكان ابن عم لمريم فحملها فعرفت مريم في وجهه شدة ~~ذلك عليه. فقالت: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا، فصار يوسف ~~يرزق لمكانها منه فكان يأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها إذا أدخله عليها ~~في المحراب أنماه الله وزاده فيدخل زكريا عليها فيقول: يا مريم أنى لك هذا ~~فتقول: هو من عند الله إن ms0465 الله يرزق من يشاء بغير حساب وهذا يحتمل أن يكون ~~من تمام كلام مريم أو ابتداء كلام من الله عز وجل ومعناه أن الله تعالى ~~يرزق من يشاء بغير تقدير لكثرته أو من غير سبب، وفي هذه الآية دليل على ~~جواز كرامات الأولياء وظهور خوارق العادات على أيديهم قال أهل الأخبار: ~~فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير ~~وقتها وحينها من غير سبب لقادر أن يصلح زوجي ويهب لي ولدا في غير حينه مع ~~الكبر وطمع في الولد. وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا، وكان زكريا قد ~~كبر وشاخ وأيس من الولد فذلك قوله عز وجل: # PageV01P241 # ### || [سورة آل عمران (3): آية 38] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) # هنالك دعا زكريا ربه يعني أنه عليه السلام دخل محرابه وأغلق الأبواب وسأل ~~ربه الولد قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة يعني أنه قال: يا رب أعطني من ~~عندك ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا والذرية تطلق على الواحد والجمع والذكر ~~والأنثى والمراد هنا الواحد وإنما قال طيبة لتأنيث لفظ الذرية إنك سميع ~~الدعاء أي سامعه ومجيبه. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 39] # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # فنادته الملائكة يعني جبريل عليه السلام، وإنما أخبر عنه بلفظ الجمع ~~تعظيما لشأنه ولأنه رئيس الملائكة، وقل أن يبعث إلا ومعه جمع من الملائكة ~~فجرى ذلك على مجرى العادة وهو قائم يصلي في المحراب أي في المسجد وذلك أن ~~زكريا عليه السلام كان الخبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح لهم الباب فلا ~~يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في محرابه عند المذبح ~~والناس ينتظرون أن يأذن في الدخول إذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع ~~زكريا منه فناداه جبريل عليه السلام يا زكريا أن الله ms0466 يبشرك بيحيى أي بولد ~~اسمه يحيى قال ابن عباس: سمي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه وقيل: ~~لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى ~~لم يهم بمعصية قط مصدقا بكلمة من الله يعني عيسى ابن مريم وإنما سمي عيسى ~~عليه السلام كلمة لأن الله تعالى قال له: كن فكان من غير أب دلالة على كمال ~~القدرة فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان. وقيل سمي كلمة لأن عيسى عليه ~~السلام كان يرشد الخلق إلى الحقائق والأسرار ويهتدى به كما يهتدى بكلام ~~الله تعالى فسمي كلمة بهذا الاعتبار. وقيل سمي كلمة لأن الله تعالى بشر به ~~مريم على لسان جبريل عليه السلام: وقيل لأن الله تعالى أخبر الأنبياء الذين ~~قبله في كتبه المنزلة عليهم أنه يخلق نبيا من غير واسطة أب، فلما جاء قيل: ~~هذا هو تلك الكلمة يعني الوعد الذي وعد أنه يخلقه كذلك، وكان يحيى أول من ~~آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر وكانا ابني خالة وقتل ~~يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقيل: إن أم يحيى لقيت أم عيسى وهما ~~حاملتان فقالت أم يحيى لأم عيسى: يا مريم أشعرت أني حامل فقالت مريم: وأنا ~~أيضا حامل فقالت أم يحيى: يا مريم إني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك ~~فذلك قوله: مصدقا بكلمة من الله يعني أن يحيى آمن بعيسى وصدق به وسيدا من ~~ساد يسود. والسيد هو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله. وكان يحيى عليه ~~السلام سيد المؤمنين ورئيسهم في الدين والعلم والحلم. وقيل: السيد هو الحسن ~~الخلق وقيل: هو الذي يطيع ربه وقيل: هو الفقيه العالم وقيل: سيدا في العلم ~~والعبادة والورع وقال السيد هو الحليم الذي لا يغضبه شيء وقيل: السيد هو ~~الذي يفوق في جميع خصال الخير. # وقيل: هو السخي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني ~~سلمة؟ قالوا: جد بن قيس على أنا نبخله ms0467 قال وأي داء أدوأ من البخل لكن سيدكم ~~عمرو بن الجموح» وحصورا قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الحصور الذي لا ~~يأتي النساء ولا يقربهن فعلى هذا هو فعول بمعنى فاعل يعني أنه حصر نفسه عن ~~الشهوات وأصله من الحصر وهو الحبس: وقيل: هو العنين وقيل هو الفقير الذي لا ~~مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد بن ~~المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليغض بصره وفيه قول آخر: ~~وهو أن الحصور هو الممتنع عن الوطء مع القدرة عليه، وإنما تركه للعفة ~~والزهد فيه وهذا القول هو الصحيح وهو قول جماعة من المحققين وهو أليق بمنصب ~~الأنبياء لأن الكلام إنما خرج مخرج المدح والثناء وذكر صفة النقص في معرض ~~المدح لا يجوز، وأيضا فإن منصب النبوة يجل من أن يضاف إلى أحد منهم نقص أو ~~آفة، فحمل # PageV01P242 # الكلام على منع النفس من الوطء مع القدرة عليه أولى من حمله على ترك ~~الوطء مع العجز عنه ونبيا من الصالحين يعني أنه من أولاد الأنبياء ~~الصالحين. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # قال يعني زكريا رب أي يا رب قيل خطاب مع جبريل لأن الآية المتقدمة دلت ~~على أن الذين نادوهم الملائكة فعلى هذا القول يكون الرب هنا بمعنى السيد ~~والمربي أي يا سيدي، وقيل: إنه خطاب مع الله تعالى فيكون الرب بمعنى ~~المالك، وذلك أن الملائكة لما بشروه بالولد تعجب ورجع في إزالة ذلك التعجب ~~إلى الله تعالى فقال رب أنى يكون لي غلام يعني من أين يكون وكيف يكون لي ~~غلام وقد بلغني الكبر قيل: هو من المقلوب ومعناه وقد بلغت الكبر وشخت. ~~وقيل: معناه وقد نالني الكبر وأدركني الضعف. فإن قلت كيف أنكر زكريا الولد ~~مع تبشير الملائكة إياه به وما معنى هذه المراجعة، ولم تعجب من ذلك بعد وعد ~~الله إياه ms0468 به أكان شاكا في وعد الله أو في قدرته؟ قلت: لم يشك زكريا عليه ~~السلام في وعد الله وفي قدرته إنما قال ذلك على سبيل الاستفهام والاستعلام ~~والمعنى من أي جهة يكون لي الولد أيكون بإزالة العقر عن زوجتي ورد شبابي ~~علي؟ أو يكون ونحن على حالنا من الكبر والضعف؟ فأجابه بقوله كذلك الله يفعل ~~ما يشاء وقال عكرمة والسدي: لما سمع زكريا نداء الملائكة جاءه الشيطان ~~وقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله تعالى، وإنما هو من ~~الشيطان، ولو كان من الله تعالى لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور: ~~فقال ذلك زكريا دفعا للوسوسة واعترض على الجواب بأنه لا يجوز أن يشتبه على ~~الأنبياء كلام الملائكة بكلام الشيطان، إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق ~~بأخبارهم عن الوحي السماوي، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لما دلت الدلائل ~~على صدق الأنبياء فيم يخبرون به عن الله تعالى بواسطة الملك، فلا مدخل ~~للشيطان فيه وذلك فيما يتعلق بالدين والشرائع، فأما ما يتعلق بمصالح الدنيا ~~وبالولد فقد يحتمل فيه حصول الوسوسة فسأل زكريا ذلك لنزول هذه الوسوسة من ~~خاطره. قال الكلبي: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنين وتسعين سنة. وقيل: ~~ابن تسع وتسعين سنة وقال ابن عباس في رواية الضحاك: كان ابن مائة وعشرين ~~سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى: # وامرأتي عاقر أي عقيم لا تلد قال كذلك الله يفعل ما يشاء يعني أنه تعالى ~~قادر على هبة الولد على الكبر يفعل ما يشاء لا يعجزه شيء. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 41 الى 42] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) # قال يعني زكريا يا رب اجعل لي آية أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي ~~فأزيد في العبادة والشكر لك قال آيتك ms0469 أي علامتك على الذي طلبت معرفة علمه ~~ألا تكلم الناس أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام أي مدة ثلاثة أيام ~~بلياليها. قال جمهور المفسرين: عقد لسانه عن تكليم الناس ثلاثة أيام مع ~~إبقائه على قدرة التسبيح والذكر ولذلك قال في آخر الآية واذكر ربك كثيرا ~~وسبح بالعشي والإبكار يعني في أيام منعك من تكليم الناس وهذه من الآيات ~~الباهرة والمعجزات الظاهرة لأن قدرته على التسبيح والذكر مع عجزه عن تكليم ~~الناس بأمور الدنيا. وذلك مع صحة الجسم وسلامة الجوارح من أعظم المعجزات، ~~وإنما منع من الكلام مع الناس ليخلص في هذه الأيام لعبادة الله تعالى وذكره ~~ولا يشغل لسانه بشيء آخر توقيرا منه على قضاء حق هذه النعمة الجسيمة وشكرا ~~لله على إجابته فيما طلب الآية من أجله، وأن يكون ذلك دليلا على وجود الحمل ~~ليتم # PageV01P243 # سروره بذلك وقال قتادة: إنما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية ~~بعد مشافهة الملائكة إياه ببشارة الولد فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام إلا ~~رمزا يعني الإشارة والإشارة قد تكون باليد وبالعين وبالإيماء بالرأس وكانت ~~إشارته بالإصبع المسبحة. وقيل: الرمز قد يكون باللسان من غير تبين كلام وهو ~~الصوت الخفي شبه الهمس وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا ~~لم يتكلموا والقول الأول أصح لموافقة أهل اللغة عليه واذكر ربك كثيرا وذلك ~~لما منعه الله من الكلام في تلك المدة أمره بالذكر فقال: واذكر ربك كثيرا ~~فإنك لا تمنع من ذلك ولا يحال بينك وبينه وسبح أي وعظم ربك ونزهه عن ~~النقائص وقيل: وصل لربك وسميت الصلاة تسبيحا لأن فيها تنزيها للرب سبحانه ~~وتعالى بالعشي والإبكار فأما العشي فهو ما بين زوال الشمس إلى غروبها، ومنه ~~سميت صلاتا الظهر والعصر صلاتي العشي والإبكار هو ما بين طلوع الفجر إلى ~~الضحى. قوله عز وجل: وإذ قالت الملائكة يعني جبريل عليه السلام يا مريم إن ~~الله اصطفاك أي واختارك وطهرك يعني من مسيس الرجال. وقيل: من الحيض ~~والنفاس. وكانت مريم ms0470 لا تحيض وقيل: من الذنوب واصطفاك أي واختارك على نساء ~~العالمين أي على عالمي زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين. فإن قلت هل ~~فرق بين الاصطفاء الأول والثاني؟ قلت: ذكر العلماء في معناهما وجوها يتحصل ~~منها الفرق فقيل في معنى الاصطفاء الأول إن الله تعالى اختار مريم وقبلها ~~منذورة محررة ولم تحرر قبلها أنثى ولم يجعل ذلك لغيرها من النساء وأن الله ~~بعث إليها رزقها من عنده وكفلها زكريا ومعنى الإصطفاء الثاني أن الله تعالى ~~وهب لها عيسى من غير أب وأسمعها كلام الملائكة ولم يحصل ذلك لغيرها من ~~النساء (ق) عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يقول: خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد» قال أبو ~~كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض قيل: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير ~~الضمير في قوله خير نسائها ومعناه أنهما خير كل النساء بين السماء والأرض ~~قال الشيخ محيي الدين النووي: والأظهر أن معناه أن كل واحدة مهما خير نساء ~~الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه. (ق) عن أبي موسى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ~~مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام» قال العلماء معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق وثريد ~~اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه من غير ~~ثريد وفضل عائشة على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره. # وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها ~~على نساء هذه الأمة عن أنس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت ~~عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون» أخرجه الترمذي. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 43 الى 45] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ms0471 (43) ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم ~~إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) # يا مريم اقنتي لربك أي قالت الملائكة لها شفاها أطيعي ربك وقيل: معناه ~~أطيلي القيام في الصلاة لربك. قال الأوزاعي: لما قالت الملائكة لها ذلك ~~قامت حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا وحكي عن مجاهد نحوه واسجدي واركعي ~~مع الراكعين إنما قدم السجود على الركوع لأن الواو لا تقتضي الترتيب إنما ~~هي للجمع كأنه قيل لها: افعلي الركوع والسجود وقيل: إنما قدم السجود على ~~الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم. وقال ابن الأنباري: أمرها أمرا عاما ~~وحضها على فعل الخير فكأنه قال: استعملي السجود في حال والركوع في حال ولم ~~يرد تقديم السجود على الركوع بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين. ~~وإنما قال: # PageV01P244 # اركعي مع الراكعين ولم يقل: مع الراكعات لأن لفظ الراكعين أعم فيدخل فيه ~~الرجال والنساء، والصلاة مع الرجال أفضل وأتم. وقيل: معناه افعلي كفعل ~~الراكعين وقيل: المراد به الصلاة في جماعة أي صلى مع المصلين في جماعة. ~~قوله عز وجل: ذلك من أنباء الغيب يقول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم بذلك الذي ذكرت لك من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام من ~~أخبار الغيب نوحيه إليك أي نلقيه إليك يا محمد لأنه لا يمكنك أن تعلم أخبار ~~الأمم الماضين إلا بوحي منا إليك وإنما قال نوحيه لأنه رد الضمير إلى ذلك ~~فلذلك يذكر اللفظ وما كنت يعني يا محمد لديهم هنالك عندهم إذ يلقون أقلامهم ~~يعني التي كانوا يكتبون بها في الماء لأجل الاقتراع أيهم يكفل مريم يعني ~~يربيها ويقوم بمصالحها قيل سبب منازعتهم في كفالة مريم حتى اقترعوا على ذلك ~~أنها كانت بنت عمران وكان رئيسهم وكبيرهم فلأجل ذلك رغبوا في كفالتها وقيل: ~~لأن مريم حررت لعبادة الله وخدمة المسجد ms0472 وكان أبوها قد مات فلأجل ذلك رغبوا ~~في كفالتها وما كنت لديهم إذ يختصمون يعني في كفالتها وتربيتها قوله عز ~~وجل: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه معناه وما كنت ~~لديهم يا محمد إذ يختصمون وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة يعني جبريل عليه ~~السلام: يا مريم إن الله يبشرك والبشارة إخبار المرء بما يسره من خير بكلمة ~~منه يعني برسالة من الله وخير من عنده فهو كقول القائل ألقى إلي فلان كلمة ~~سرني بها وأخبرني خيرا فرحت به. ومعنى الآية إذ قالت الملائكة لمريم: يا ~~مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده وهي ولد يولد لك من غير بعل ولا فحل وذلك ~~الولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم وقال قتادة في قوله تعالى بكلمة منه هو ~~قوله تعالى: كن فسماه الله كلمة لأنه كان عن الكلمة التي هي كن كما يقال ~~لما قدر الله من شيء هذا قدر الله وقضاء الله يعني أن هذا الأمر عن قدره ~~وقضائه حدث. وقال ابن عباس: الكلمة هي عيسى عليه السلام وإنما سمي كلمة ~~لأنه وجد عن الكلمة التي هي كن. فإن قلت إن كل مخلوق إنما يوجد بواسطة ~~الكلمة التي هي كن فلم خص عيسى عليه السلام بهذا الاسم وسماه كلمة دون ~~غيره؟. قلت: إن كل مخلوق وإن وجد حدوثه وخلقه بواسطة الكلمة إلا أن هذا ~~السبب ما هو المتعارف، ولما كان حدوث عيسى عليه السلام بمجرد الكلمة من غير ~~واسطة أخرى فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أتم وأكمل وبهذا التأويل ~~حسن أن يسمى عيسى عليه السلام نفس الكلمة لأنه حدث عنها، فإن قلت الضمير في ~~قوله اسم عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟ قلت: لأن المسمى بها ~~مذكر فلهذا ذكر الضمير. فإن قلت لم قال اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ~~ثلاثة الاسم منها واحد وهو عيسى، وأما المسيح فلقب وابن مريم صفة. قلت: ~~الضمير في قوله اسمه يرجع إلى عيسى وللمسمى علامة ms0473 يعرف بها ويتميز عن غيره ~~فكأنه قال الذي يعرف به ويتميز عن سواه هو مجموع هذه الثلاثة واختلفوا لم ~~سمي عيسى عليه السلام مسيحا وهل هو اسم مشتق أو موضوع؟ فقيل: إنه موضوع ~~واسمه بالعبرانية مشيحا فغيرته العرب وأصل عيسى أيشوع كما قالوا موسى وأصله ~~موشى أو ميشى وقال الأكثرون: إنه اسم مشتق ثم ذكروا فيه وجوها قال ابن ~~عباس: سمي عيسى مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ منها # وقيل لأنه مسح بالبركة وقيل: لأنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب، وقيل: ~~إنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وقيل: لأن جبريل عليه السلام مسحه ~~بجناحه حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل. وقيل: لأنه كان يسيح في الأرض ولا ~~يقيم بمكان فكأنه يمسح الأرض أي يقطعها مساحة فعلى هذا القول تكون الميم ~~زائدة وقيل سمي مسيحا لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له وسمي الدجال مسيحا ~~لأنه ممسوح إحدى العينين وقيل: # المسيح هو الصديق وبه سمي عيسى عليه السلام وقد يكون المسيح بمعنى الكذاب ~~وبه سمي الدجال فعلى هذا تكون هذه الكلمة من الأضداد. وقوله تعالى: وجيها ~~أي شريفا رفيعا ذا جاه وقدر في الدنيا والآخرة أما وجاهته في الدنيا فبسبب ~~النبوة وأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وأما وجاهته في الآخرة ~~فبسبب علو مرتبته عند الله وهو قوله تعالى: ومن المقربين يعني عند الله يوم ~~القيامة لأن لأهل الجنة منازل ودرجات # PageV01P245 # ومنازل الأنبياء ودرجاتهم أعلى من سواهم وقيل: فيه تنبيه على علو منزلته ~~وأنه رفعه إلى السماء. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 46 الى 48] # ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (47) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) # يكلم الناس في المهد يعني ويكلم الناس صغيرا وهو في المهد وذلك قبل أوان ~~الكلام ووقته والكلام الذي تكلم به هو ما ذكره الله عنه في سورة مريم ms0474 وهو ~~قوله: إني عبد الله آتاني الكتاب الآية. وتكلم ببراءة أمه مما رماها به أهل ~~الفرية من القذف. ويحكى أن مريم قالت كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته ~~فإذا شغلني عنه إنسان سبح وهو في بطني وأنا أسمع ولما تكلم ببراءة أمه سكت ~~بعد ذلك فلم يتكلم إلا في الوقت الذي يتكلم فيه الصغير قال ابن عباس: تكلم ~~عيسى ساعة ثم سكت ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق وكهلا يعني ويكلم الناس ~~في حال الكهولة والكهل في اللغة هو الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه والكهل عند ~~العرب الذي جاوز الثلاثين وقيل: هو الذي وخطه الشيب، وهو السن الذي يستحكم ~~فيه العقل وتتنبأ فيه الأنبياء. قال ابن قتيبة: لما كان لعيسى ثلاثون سنة ~~أرسله الله تعالى فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى وقال وهب ~~بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين ثم رفعه ~~الله فمعنى الآية أنه يكلم الناس وهو في المهد ببراءة أمه وهي معجزة عظيمة، ~~ويكلم الناس في حال الكهولة بالدعوة والرسالة وقيل: فيه بشارة لمريم أخبرها ~~بأنه يبقى حتى يكتهل وقيل: فيه أخبار بأنه يتغير من حال إلى حال ولو كان ~~إلها كما زعمت النصارى لم يدخل عليه التغيير ففيه رد على النصارى الذين ~~يدعون فيه الألوهية. وقال الحسن بن الفضل: وكهلا يعني ويكلم الناس كهلا بعد ~~نزوله من السماء وفي هذه نص على أنه سينزل من السماء إلى الأرض ويقتل ~~الدجال. وقال مجاهد: الكهل الحكيم والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى ~~في احتناك السن واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة ومن الصالحين يعني أنه ~~من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء ~~وإنما ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من الصالحين بعد ما وصفه بالأوصاف ~~العظيمة. لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات لأنه لا يسمى المرء ~~صالحا حتى يكون مواظبا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله ~~وأفعاله. فلما وصفه الله تعالى ms0475 بكونه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ~~وأنه يكلم الناس في المهد وكهلا أردفه بقوله ومن الصالحين ليكمل له أعلى ~~الدرجات وأشرف المقامات. قوله عز وجل: قالت يعني مريم رب يعني يا سيدي ~~تقوله لجبريل لما بشرها بالولد وقيل تقوله لله عز وجل: أنى يكون لي ولد أي ~~من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر أو لم يصبني رجل وإنما قالت ذلك تعجبا ~~لا شكا في قدرة الله تعالى إذ لم تكن العادة جرت أن يولد ولد من غير أب قال ~~كذلك الله يخلق ما يشاء يعني هكذا يخلق الله منك ولدا من غير أن يمسك بشر ~~فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد وهو قوله إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون يعني كما يريد ويعلمه الكتاب يعني الكتابة ~~والخط باليد والحكمة يعني العلم والسنة وأحكام الشرائع والتوراة يعني التي ~~أنزلت على موسى والإنجيل يعني الذي أنزل عليه وهذا إخبار من الله تعالى ~~لمريم ما هو فاعل بالولد الذي بشرها به من الكرامة وعلو المنزلة. # PageV01P246 ### || [سورة آل عمران (3): آية 49] # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (49) # ورسولا إلى بني إسرائيل أي ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل وكان أول أنبياء ~~بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى ابن مريم عليه السلام فلما بعث ~~إليهم قال أني قد جئتكم بآية من ربكم يعني بعلامة من ربكم على صدق قولي ~~وإنما قال بآية وقد جاء بآيات كثيرة لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في ~~الرسالة، فلما قال ذلك عيسى لبني إسرائيل قالوا: ما هذه الآية؟ قال أني ~~أخلق أي أصور وأقدر لكم من الطين كهيئة الطير والهيئة الصورة المهيأة من ~~قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته ms0476 فأنفخ فيه أي في الطين المهيأ المصور ~~فيكون طيرا قرئ بلفظ الجمع لأن الطير اسم جنس يقع على الواحد والاثنين ~~والجمع. وقرئ فيكون طائرا على التوحيد على معنى يكون ما أنفخ فيه طائرا أو ~~ما أخلقه يكون طائرا وقيل إنه لم يخلق غير الخفاش وهو الذي يطير في الليل، ~~وإنما خص الخفاش لأنه من أكمل الطير خلقا وذلك لأنه يطير بلا ريش وله أسنان ~~ويقال: إن الأنثى منه لها ثدي وتحيض ذكروا أن عيسى عليه السلام لما ادعى ~~النبوة وأظهر لهم المعجزات أخذوا يتعنتون عليه فطلبوا منه أن يخلق لهم ~~خفاشا فأخذ طينا وصوره كهيئة الخفاش، ثم نفخ فيه فإذا هو طير يطير بين ~~السماء والأرض قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عنهم ~~سقط ميتا ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى، وليعلم أن ~~الكمال الله تعالى: بإذن الله معناه بتكوين الله وتخليقه والمعنى إني أعمل ~~هذا التصوير أنا، فأما خلق الحياة فيه فهو من الله تعالى على سبيل إظهار ~~المعجزة على يد عيسى عليه السلام وأبرئ الأكمه والأبرص أي وأشفي الأكمه ~~والأبرص وأصحهما، واختلفوا في الأكمه فقال ابن عباس: هو الذي ولد أعمى ~~وقيل: هو الأعمى وإن كان أبصر وقيل: هو الأعشى وهو الذي يبصر بالليل، ~~والأبرص هو الذي به وضح وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام الطب فأراهم ~~المعجزة من جنس ذلك إلا أنه ليس في علم الطب إبراء الأكمه والأبرص فكان ذلك ~~معجزة له ودليلا على صدقه. وقال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من ~~المرضى في اليوم الواحد نحو خمسين ألفا فمن أطاق أن يمشي إليه مشى، ومن لم ~~يطق مشى عيسى عليه السلام إليه وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان ~~برسالته وأحي الموتى بإذن الله قال ابن عباس: قد أحيا أربعة أنفس عازر وابن ~~العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح وكلهم بقي وولد له إلا سام بن نوح فأما ~~عازر فكان صديقا لعيسى عليه السلام فأرسلت ms0477 إليه أخت عازر إن أخاك عازر يموت ~~وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام فأتاه عيسى وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة ~~أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت بهم إلى قبره فدعا الله عيسى ~~فقام عازر حيا بإذن الله تعالى فخرج من قبره وعاش وولد له. وأما ابن العجوز ~~فإنه مر به وهو ميت على عيسى عليه السلام يحمل على السرير فدعا الله عيسى ~~فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وأتى أهله وولد له، وأما ~~ابنة العاشر فكان أبوها يأخذ العشور من الناس وماتت بالأمس فدعا الله عيسى ~~فأحياها بدعوته فعاشت وولد لها، وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ~~ودعا الله باسمه الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ~~ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت الساعة فقال عيسى عليه ~~السلام: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ثم قال له: مت فقال: بشرط أن ~~يعيذني الله من سكرات الموت مرة أخرى فدعا الله عيسى ففعل وأنبئكم يعني ~~وأخبركم بما تأكلون أي مما لم أعاينه وما تدخرون في بيوتكم أي وما ترفعونه ~~فتخبؤونه في بيوتكم لتأكلوه فيما بعد ذلك، قيل: كان عيسى عليه السلام يخبر ~~الرجل بما أكل البارحة وبما يأكله اليوم وبما يدخره للعشاء. وقيل كان في ~~الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا ~~وكذا وقد رفعوا لك كذا فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء ~~فيقولون من أخبرك بهذا؟ فيقول عيسى # فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تقعدوا مع ذلك # PageV01P247 # الساحر وجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا هنا فقال: وما في ~~البيت؟ قالوا خنازير فقال كذلك يكونون. ففتحوا عليهم الباب فإذا هم خنازير ~~ففشا ذلك في بني إسرائيل وظهر فهموا به فخافت عليه أمه فحملته على حمار لها ~~وخرجت هاربة إلى مصر. وقال قتادة: إنما كان هذا في نزول المائدة وكان خوانا ~~ينزل عليهم أينما كانوا فيه ms0478 من طعام الجنة وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ~~الغد فخانوا وادخروا، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بما أكلوا من المائدة ~~وما ادخروا منها فمسخهم الله خنازير وفي هذا دليل قاطع على صحة نبوة عيسى ~~عليه السلام ومعجزة عظيمة له، وهي إخباره عن المغيبات مع ما تقدم له من ~~الآيات الباهرات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى ~~وإخباره عن الغيوب بإعلام الله إياه ذلك وهذا مما لا سبيل لأحد من البشر ~~عليه إلا الأنبياء عليهم السلام، فإن قلت قد يخبر المنجم والكاهن عن مثل ~~ذلك فما الفرق؟. قلت: إن المنجم والكاهن لا بد لكل واحد منهما من مقدمات ~~يرجع إليها ويعتمد في أخباره عليها، أما المنجم فإنه يستعين على ذلك بواسطة ~~معرفة الكواكب وامتزاجاتها أو بواسطة حساب الرمل أو نحو ذلك وقد يخطئ في ~~كثير مما يخبر به، وأما الكاهن فإنه يستعين برائد من الجن وقد يخطئ أيضا في ~~كثير مما يخبر به وأما أخبار الأنبياء عليهم السلام عن المغيبات فليس إلا ~~بالوحي السماوي وهو من الله تعالى وليس ذلك باستعانة بواسطة حساب ولا غيره ~~فحصل الفرق إن في ذلك يعني الذي تقدم ذكره من خلق الطير من الطين بإذن الله ~~وإبراء والأكمه والأبرص والإخبار عن المغيبات لآية لكم أي لعبرة ودلالة على ~~صدق أني رسول من الله إليكم إن كنتم مؤمنين يعني مصدقين بذلك. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 50 الى 51] # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم (51) # ومصدقا قيل: إنه عطف على قوله ورسولا وقيل إنه عطف على أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم المعنى وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة وذلك لأن الأنبياء ~~عليهم السلام يصدق بعضهم بعضا فكل واحد منهم يصدق الذي قبله ويصدق بما أنزل ~~الله من الكتب والشرائع والأحكام فلهذا قال عيسى عليه السلام مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ولأحل ms0479 لكم بعض الذي حرم عليكم قال وهب بن منبه: أن عيسى كان ~~على شريعة موسى عليهما السلام وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس وقال لبني ~~إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم وأضع عنكم الآصار وذلك أن الله تعالى كان قد حرم على اليهود بعض ~~الأشياء عقوبة لهم على بعض ما صدر منهم من الخيانات كما قال تعالى: فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم فبقي ذلك التحريم مستمرا على ~~اليهود إلى أن جاء عيسى عليه السلام فرفع عنهم تلك التشديدات التي كانت ~~عليهم وقال قتادة: كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى وكان قد ~~حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب والشحوم وأشياء من الطير ~~والحيتان زاد بعضهم فجاءهم عيسى بالتخفيف وأحلها لهم وقال آخرون إن عيسى ~~عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ورفع السبت ووضع الأحد وكان ذلك ~~كله بأمر الله فكان ذلك ناسخا لتلك الأحكام والشرائع والناسخ والمنسوخ حق ~~وصدق وجئتكم بآية من ربكم أي بحجة واضحة شاهدة على صحة رسالتي ثم خوفهم ~~بقوله فاتقوا الله يعني يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه ~~وأطيعون يعني فيما أدعوكم إليه لأن طاعة الرسول من توابع تقوى الله وما ~~أدعوكم إليه هو قولي إن الله ربي وربكم فاعبدوه لأن جميع الرسل كانوا على ~~دين واحد وهو التوحيد ولم يختلفوا في الله تعالى وفي هذه الآية حجة بالغة ~~على نصارى وفد نجران ومن قال بقولهم من سائر النصارى بإخبار الله عن عيسى ~~عليه السلام أنه كان بريئا مما نسبه إليه النصارى وأنه كان عبد الله وخصه ~~بنبوته ورسالته ثم ختم ذلك بقوله: هذا صراط مستقيم يعني التوحيد. قوله عز ~~وجل: # PageV01P248 ### || [سورة آل عمران (3): آية 52] # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) # فلما أحس عيسى منهم الكفر أي ms0480 وجد وعرف وقيل: رأى والإحساس عبارة عن وجدان ~~الشيء بالحاسة والمعنى أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك عيسى منهم وعرف ~~إصرارهم عليه وعزمهم على قتله. # (ذكر سبب القصة:) قال أهل الأخبار والسير: لما بعث الله عيسى إلى بني ~~إسرائيل وأمره بإظهار رسالته والدعاء إليه نفوه وأخرجوه من بينهم، فخرج هو ~~وأمه يسيحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما وكان ~~لتلك القرية ملك جبار معتد فجاء ذلك الرجل في بعض الأيام وهو مهموم حزين ~~فدخل منزله عند امرأته فقالت مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا حزينا فقالت: لا ~~تسأليني فقالت مريم: أخبريني لعل الله أن يفرج كربته قالت المرأة: إن لنا ~~ملكا جبارا وقد جعل على كل رجل منا يوما يطعمه فيه هو وجنوده ويسقيهم الخمر ~~وإن لم يفعل ذلك عاقبه واليوم نوبتنا وليس عندنا سعة لذلك فقالت لها قولي ~~له: لا يهتم لذلك فأنا آمر ابني أن يدعو له فيكفي ذلك ثم قالت مريم لعيسى ~~في ذلك فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر فقالت مريم: لا نبالي فإنه قد أحسن ~~إلينا وأكرمنا فقال عيسى: قولي له إذا قرب ذلك الوقت فاملأ قدورك وخوابيك ~~ماء ثم أعلمني، ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله عيسى عليه السلام فتحول ماء ~~القدور مرقا ولحما وماء الخوابي خمرا لم تر الناس مثله، فلما جاء الملك ~~وأكل من ذلك الطعام وشرب من ذلك الخمر قال من أين لك هذا الخمر؟ فقال ~~الرجل: هو من أرض كذا فقال الملك: إن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه ~~فقال: هي من أرض أخرى فلما رآه الملك اختلط شدد عليه فقال الرجل: أنا أخبرك ~~أن عندي غلاما لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأنه دعا الله تعالى فجعل ~~الماء خمرا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه في ملكه وقد مات قبل ذلك بأيام ~~وكان يحبه حبا شديدا فقال الملك: إن رجلا دعا الله تعالى حتى صار الماء ~~خمرا بدعوته ليستجيبن له في إحياء ms0481 بني فطلب عيسى وكلمه في ذلك فقال له عيسى ~~لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر فقال الملك: لا أبالي أليس أراه فقال: عيسى: إن ~~أنا أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟ قال: نعم فدعا الله عيسى فعاش ~~الغلام فلما رآه أهل مملكة الرجل فقد عاش فبادروا إلى السلاح وقالوا: قد ~~أكلنا هذا الملك حتى إذا دنا أجله يريد أن يستخلف علينا ابنه ليأكلنا كما ~~أكلنا أبوه فقاتلوه وظهر أثر عيسى فقصدوا قتله وكفروا به وقيل: إن اليهود ~~كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر به في التوراة وأنه ينسخ دينهم فلما أظهر ~~عيسى الدعوة اشتد ذلك عليهم فأخذوا في أذاه وطلبوا قتله وكفروا به فاستنصر ~~عليهم كما أخبر الله عز وجل عنه بقوله قال يعني عيسى عليه السلام من أنصاري ~~إلى الله أي مع الله وقيل: معناه إلى أن أبين أمر الله وأظهر دينه وقيل: ~~إلى بمعنى في أي في ذات الله وسبيله وقيل: إلى في موضعها والمعنى من يضم ~~نصرته إلى نصرة الله لي قال الحواريون نحن أنصار الله وذلك أن عيسى عليه ~~السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الله تعالى وتمردوا عليه وكفروا به خرج ~~يسيح في الأرض فمر بجماعة يصطادون السمك، وكانوا اثنى عشر ورئيسهم شمعون ~~ويعقوب فقال عيسى عليه السلام: ما تصنعون؟ قالوا: نصيد السمك قال: أفلا ~~تمشون حتى نصيد الناس قالوا: ومن أنت؟ قال أنا عيسى ابن مريم عبد الله ~~ورسوله فسألوه آية تدلهم على صدقه وكان شمعون قد رمي بشبكته في الماء فدعا ~~الله عيسى فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق من كثرته فاستعانوا ~~بأهل سفينة أخرى وملؤوا السفينتين من السمك فعند ذلك آمنوا به وانطلقوا معه ~~واختلف في الحواريين فقيل: # كانوا يصطادون السمك فلما آمنوا بعيسى صاروا يصطادون الناس ويهدونهم إلى ~~الدين، سموا حواريين لبياض ثيابهم يقال: حورت الشيء بمعنى بيضته: وقيل: ~~كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي # PageV01P249 # يبيضونها. وقيل: إن مريم سلمت عيسى إلى أعمال شتى ms0482 فكان آخر من سلمته إليه ~~الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ~~ثياب وعرض له سفر فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الصنعة وأنا خارج إلى السفر ~~ولا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان، وقد علمت كل واحد منها ~~بخيط على اللون الذي يصبغ به فأريد أن تفرغ منها وقت وقدومي. وخرج المعلم ~~إلى سفره فطبخ عيسى حبا واحدا على لون واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال؟ ~~كوني بإذن الله على ما أريد منك ثم قدم الحواري والثياب كلها في الحب فقال ~~لعيسى: ما فعلت؟ قال قد فرغت منها قال وأين هي؟ قال في الحب قال كلها: قال: ~~نعم قال لقد أفسدت علي الثياب قال عيسى: لا ولكن قم فانظر وقام عيسى وأخرج ~~ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر وثوبا أسود حتى أخرجها كلها على الألوان ~~التي يريد الحواري فجعل الحواري يتعجب من ذلك وعلم أن ذلك من الله تعالى ~~فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه وهم الحواريون. وقيل: سموا ~~حواريين لصفاء قلوبهم ولما ظهر عليهم من أثر العبادة ونورها وقيل: ~~الحواريون الأصفياء وكانوا أصفياء عيسى وخاصته وقيل: الحواريون هم الخلفاء ~~وقيل: هم الوزراء وكانوا خلفاء عيسى ووزراؤه وقيل: الحواريون هم الأنصار ~~والحواري الناصر والحواري الرجل الذي يستعان به (ق) عن جابر بن عبد الله ~~قال: ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ~~ندبهم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير قال الحواريون: نحن أنصار الله يعني ~~أنصار دين الله ورسوله وأعوانه آمنا بالله أي صدقنا بأن الله ربنا ورب كل ~~شيء واشهد يعني أنت يا عيسى بأنا مسلمون قيل: معناه واشهد بأنا منفادون لما ~~تريد من نصرك والذب عنك ومستسلمون لأمر الله عز وجل وقيل: هو إقرار منهم ~~بأن دينهم الإسلام وأنه دين عيسى وكل الأنبياء قبله لا اليهودية ~~والنصرانية. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 53 ms0483 الى 54] # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين (54) # ربنا آمنا بما أنزلت يعني قال الحواريون بعد إشهاد عيسى عليهم بأنهم ~~مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت يعني بكتابك الذي أنزلته على عيسى عليه السلام ~~واتبعنا الرسول يعني عيسى فاكتبنا مع الشاهدين يعني الذين شهدوا لأنبيائك ~~بالصدق واتبعوا أمرك ونهيك فأثبت أسماءنا مع أسمائهم واجعلنا في عدادهم ~~ومعهم فيما تكرمهم به وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سألوا الحواريون ~~أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم فلهذا قال ابن عباس في قوله: فاكتبنا مع ~~الشاهدين أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم المخصوصون بتلك ~~الفضيلة فإنهم يشهدون للرسل بالبلاغ وقيل: مع الشاهدين يعني النبيين لأن كل ~~نبي شاهد على أمته قوله عز وجل: ومكروا يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس ~~عيسى منهم الكفر وأصل المكر صرف الغير عما يقصده بضرب من الحيلة وقيل: # هو السعي بالفساد في الخفية فأما مكرهم بعيسى فإنهم دبروا في قتله وهموا ~~به وذاك أن عيسى عليه السلام بعد أن أخرجه قومه هو وأمه رجع مع الحواريين ~~وصاح فيهم بالدعوة وأظهر رسالته إليهم فهموا بقتله والفتك به فلذلك مكرهم ~~والمكر من الخلق الخبيث والخديعة والحيلة ومكر الله أي جازاهم على مكرهم ~~فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته وقيل: مكر الله استدراج العبد ~~وأخذه بغتة من حيث لا يحتسب ومكر الله في هذه الآية خاصة هو إلقاء الشبه ~~على صاحبهم الذي دلهم على عيسى حين أرادوا قتله حتى قتل قال ابن عباس أن ~~عيسى عليه السلام استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ~~ابن الساحر والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع عيسى ذلك دعا عليهم ~~ولعنهم فمسخوا خنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس اليهود وملكهم فزع لذلك وخاف ~~دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه فبعث الله عز ~~وجل جبريل فأدخله # PageV01P250 # خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله من تلك الروزنة وأمر يهودا ms0484 ملك اليهود ~~رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل الخوخة فيقتله ظنوا أنه عيسى ~~فأخذوه وقتلوه وصلبوه. وقال وهب بن منبه: إن اليهود طرقوا عيسى في بعض ~~الليل ونصبوا له خشبة ليصلبوه عليها فأظلمت الأرض وأرسل الله عز وجل ~~الملائكة فحالت بينهم وبينه فجمع عيسى عليه السلام الحواريين تلك الليلة ~~وأوصاهم وقال: ليكفر بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة ~~فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إلى اليهود وقال: ما ~~تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه، ~~فلما دخل البيت الذي فيه المسيح ألقى الله شبه عيسى عليه ورفع الله عيسى ~~عليه السلام وأخذ الذي دل عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى ~~قوله فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى فلما صلب الذي ألقي عليه شبه عيسى ~~جاءت مريم وامرأة أخرى كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون بدعوته ~~فجعلتا تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى عليه السلام وقال: على من تبكيان ~~إن الله عز وجل قد رفعني ولم يصبني إلا خير وهذا شيء شبه لهم فلما كان بعد ~~سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى أهبط إلى مريم المجدلانية وهو اسم موضع ~~نسبت إليه فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع ~~لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عز وجل ~~إليها فاشتعل الجبل نورا حين هبط فجمعت له الحواريين فبثهم دعاة في الأرض ~~ثم رفعه الله فتلك الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون تكلم ~~كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى: ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين يعني وهو أفضل المجازين بالسيئة العقوبة. وقال السدي: ~~إن اليهود حبست عيسى عليه السلام في بيت ومعه عشرة من الحواريين فدخل عليهم ~~رجل منهم كان قد نافق ألقى عليه شبه فأخذ وقتل وصلب وقال قتادة ذكر لنا أن ~~نبي الله عيسى عليه السلام ms0485 قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول ~~فقال رجل منهم: أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى ورفعه إليه ~~وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة الطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو ~~معهم حول العرش وصار إنسا ملكيا أرضيا سماويا. قال أهل التاريخ: # حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وولدته ببيت لحم من أرض أوري شلم ~~لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، وأوحى الله إلى عيسى ~~على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من رمضان وهو ابن ~~ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 55] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي اختلفوا في معنى التوفي هنا ~~على طريقين: فالطريق الأول أن الآية على ظاهرها من غير تقديم ولا تأخير ~~وذكروا في معناها وجوها: الأول: معناه أني قابضك ورافعك إلي من غير موت من ~~قولهم توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وقبضته تاما، والمقصود منه هنا أن ~~لا يصل أعداؤه من اليهود إليه بقتل ولا غيره. الوجه الثاني: أن المراد ~~بالتوفي النوم ومنه قوله عز وجل: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فجعل النوم وفاة، وكان عيسى قد نام فرفعه الله وهو نائم لئلا ~~يلحقه خوف، فمعنى الآية أني منيمك ورافعك إلى الوجه الثالث أن المراد ~~بالتوفي حقيقة الموت، قال ابن عباس: معناه أني مميتك قال وهب بن منبه: إن ~~الله توفى عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ثم رفعه إليه وقيل: إن ~~النصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه إليه. ~~الوجه الرابع: أن الواو في قوله ورافعك إلي لا تفيد الترتيب ms0486 والآية تدل على ~~أن الله تعالى يفعل به ما ذكر فأما كيف يفعل؟ ومتى يفعل؟ فالأمر فيه موقوف ~~على # PageV01P251 # الدليل. وقد ثبت في الحديث أن عيسى سينزل ويقتل الدجال وسنذكره إن شاء ~~الله تعالى. الوجه الخامس: قال أبو بكر الواسطي: معناه أني متوفيك عن ~~شهواتك وعن حظوظ نفسك ورافعك إلي ذلك أن عيسى عليه السلام لما رفع إلى ~~السماء صارت حالته حالة الملائكة في زوال الشهوة. الوجه السادس: أن معنى ~~التوفي أخذ الشيء وافيا ولما علم الله تعالى أن من الناس من يخطر بباله أن ~~الذي رفعه الله إليه هو روحه دون جسده كما زعمت النصارى أن المسيح رفع ~~لاهوته يعني روحه وبقي في الأرض ناسوته يعني جسده فرد الله عليهم بقوله إني ~~متوفيك ورافعك إلي فأخبر الله تعالى أنه رفع بتمامه إلى السماء بروحه وجسده ~~جميعا. الطريق الثاني: أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره أني رافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك إلى الأرض وقيل: لبعضهم هل تجد ~~نزول عيسى إلى الأرض في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى وكهلا وذلك لأنه لم ~~يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء. (ق) عن أبي هريرة ~~أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل ~~فيكم ابن مريم حكما عدلا مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ~~ويفيض المال حتى لا يقبله أحد زاد وفي رواية حتى تكون السجدة الواحدة خير ~~من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته وفي رواية كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم ~~منكم. وفي رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذؤيب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت ~~فأخبرني قال فأمكم كتاب ربكم عز وجل وبسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وفي ~~إفراد مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: فبينما هما إذ بعث الله المسيح ~~ابن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء ms0487 شرقي دمشق، عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي وإنه ~~نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ~~ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله الملل في زمانه كلها إلا ~~الإسلام ويهلك المسيح الدجال ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي ~~عليه المسلمون أخرجه أبو داود ونقل بعضهم أن عيسى عليه السلام يدفن في حجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين نبيين ~~محمد وعيسى عليهما السلام. قوله عز وجل: ومطهرك من الذين كفروا يعني مخرجك ~~من بينهم ومنجيك منهم وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ~~يعني وجاعل الذين اتبعوك في التوحيد وصدقوا قولك وهم أهل الإسلام من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فوق الذين كفروا بالعز والنصر والغلبة بالحجة ~~الظاهرة. # وقيل: هم الحواريين الذين اتبعوا عيسى على دينه وقيل: هم النصارى فهم فوق ~~اليهود وذلك لأن ملك اليهود قد ذهب ولم يبق لهم مملكة وملك النصارى باق ~~فعلى هذا القول يكون الاتباع بمعنى المحبة والادعاء لا اتباع الدين لأن ~~النصارى وإن أظهروا متابعة عيسى عليه السلام فهم أشد مخالفة له وذلك أن ~~عيسى عليه السلام لم يرض بما هم عليه من الشرك، والقول الأول هو الأصح لأن ~~الذين اتبعوه هم الذين شهدوا له بأنه عبد الله ورسوله وكلمته وهم المسلمون ~~وملكهم باق إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم يعني يقول الله عز وجل: إلي مرجع ~~الفريقين في الآخرة الذين اتبعوا عيسى وصدقوا به والذين كفروا به فأحكم ~~بينكم فيما كنتم فيه تختلفون يعني من الحق في أمر عيسى ثم بين ذلك الحكم ~~فقال تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 56 الى 59] # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ms0488 أجورهم والله لا يحب ~~الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) # فأما الذين كفروا الذين جحدوا نبوة عيسى وخالفوا ملته وقالوا فيه ما ~~قالوا من الباطل ووصفوه بما لا ينبغي من سائر اليهود والنصارى فأعذبهم ~~عذابا شديدا في الدنيا يعني بالقتل والسبي والذلة وأخذ الجزية منهم # PageV01P252 # والآخرة أي وأعذبهم في الآخرة بالنار وما لهم من ناصرين يعني مانعين ~~يمنعونهم من عذابنا وأما الذين آمنوا يعني بعيسى عليه السلام وصدقوا بنبوته ~~وأنه عبد الله ورسوله وكلمته وعملوا الصالحات يعني عملوا بما فرضت عليهم ~~وشرعت لهم فيوفيهم أجورهم يعني جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء والله لا يحب ~~الظالمين أي لا يحب من ظلم غيره حقا له أو وضع شيئا في غير موضعه والمعنى ~~أنه تعالى لا يرحمهم ولا يثني عليهم بجميل ثم قال تعالى: ذلك يعني الذي ~~ذكرته لك من أخبار عيسى وأمه مريم والحواريين وغير ذلك من القصص نتلوه عليك ~~أي نخبرك به يا محمد على لسان جبريل، وإنما أضاف ما يتلوه جبريل عليه ~~السلام إلى نفسه سبحانه تعالى لأنه من عنده وبأمره من غير تفاوت أصلا ~~فأضافه إليه من الآيات يعني من القرآن وقيل الآيات يعني العلامات الدالة ~~على نبوتك يا محمد لأنها أخبار لا يعلمها إلا من يقرأ ويكتب أو نبي يوحى ~~إليه وأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب فثبت أن ذلك من الوحي السماوي الذي أنزل ~~عليك والذكر الحكيم أي المحكم الممنوع من الباطل قيل المراد من الذكر ~~الحكيم القرآن لأنه حاكم يستفاد منه. جميع الأحكام وقيل: الذكر الحكيم هو ~~اللوح المحفوظ الذي منه تنزلت جميع كتب الله على رسله وهو لوح من درة بيضاء ~~معلق بالعرش. # قوله عز وجل: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب الآية. أجمع ~~أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في محاجة نصارى وفد نجران قال ابن عباس: إن ~~رهطا من أهل نجران ms0489 قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم: كان فيهم السيد ~~والعاقب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شأنك تذكر صاحبنا فقال من هو؟ ~~قالوا: عيسى تزعم أنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل إنه عبد ~~الله فقالوا له: فهل رأيت له مثلا أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده فجاءه ~~جبريل عليه السلام فقال: قل لهم إذا أتوك إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنه عبد الله ~~ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا: يا محمد هل ~~رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فأنزل الله تعالى: إن مثل عيسى عند الله أي في ~~الخلق والإنشاء في كونه خلقه من غير أب كمثل آدم في كونه خلقه من تراب من ~~غير أب وأم، ومعنى الآية أن صفة خلق عيسى من غير أب كصفة آدم في كونه خلقه ~~من تراب لا من أب وأم، فمن أقر بأن الله خلق آدم من التراب اليابس وهو أبلغ ~~في القدرة، فلم لا يقر بأن الله خلق عيسى من مريم من غير أب بل الشأن في ~~خلق آدم أعجب وأغرب وتم الكلام عند قوله كمثل آدم لأنه تشبيه كامل ثم قال ~~تعالى: خلقه من تراب فهو خير مستأنف على جهة التفسير لحال خلق آدم في كونه ~~خلقه من تراب أي قدره جسدا من طين ثم قال له كن أي أنشأه خلقا بالكلمة، ~~وكذلك عيسى أنشأه خلقا بالكلمة فعلى هذا القول ذكروا في الآية إشكالا وهو ~~أنه تعالى قال: خلقه من تراب ثم قال له: كن فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم ~~متقدما على قوله كن ولا تكوين بعد الخلق. وأجيب عن هذا الإشكال بأن الله ~~تعالى أخبر بأنه خلقه من تراب لا من ذكر وأنثى ثم ابتدأ خبرا آخر. فقال: ~~إني أخبركم أيضا أني قلت له كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في ~~الولادة، ms0490 ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى خلقه جسدا من تراب ثم قال له: كن ~~بشرا فكان يصح النظم وقيل: # الضمير في قوله كن يرجع إلى عيسى عليه السلام وعلى هذا إشكال في الآية. ~~فإن قلت: كيف شبه عيسى عليه السلام بآدم عليه السلام وقد وجد عيسى من غير ~~أب ووجد آدم من غير أب ولا أم. قلت: هو مثله في أحد الطرفين فلا يمنع ~~اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأن المماثلة مشاركة في بعض ~~الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ~~ذلك نظيران لأن الوجود من غير أب وأم أغرب في العادة من الوجود من غير أب، ~~فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو ~~أغرب مما استغربه. وحكي أن بعض العلماء أسر في بعض بلاد الروم فقال لهم: لم ~~تعبدون عيسى؟ قالوا: # لأنه لا أب له قال: فآدم أولى لأنه لا أب له ولا أم قالوا: وكان يحيي ~~الموتى فقال: حزقيل أولى لأن عيسى أحيا # PageV01P253 # أربعة نفر وأحيا حزقيل أربعة آلاف: قالوا: وكان يبرئ الأكمه والأبرص قال: ~~فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سليما وقوله كن فيكون قال ابن عباس: ~~معناه كن فكان فأريد بالمستقبل الماضي وقيل: معناه ثم قال له: كن وأعلم يا ~~محمد أن قال له ربك كن فإنه يكون لا محالة. # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 60 الى 61] # الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) # الحق من ربك الذي أخبرتك به من تمثيل عيسى بآدم هو الحق من ربك فلا تكن ~~من الممترين أي من الشاكين إن ذلك كذلك وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به أمته لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط فهو كقوله تعالى: يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء ms0491 والمعنى فلا تكن من الممترين يا أيها السامع ~~كائنا من كان لهذا التمثيل والبرهان الذي ذكر فهو من باب التهيج لزيادة ~~الثبات والطمأنينة. # قوله عز وجل: فمن حاجك فيه أي فمن جاد لك في عيسى وقيل في الحق من بعد ما ~~جاءك من العلم يعني بأن عيسى عبد الله ورسوله فقل تعالوا أي هلموا والمراد ~~منه المجيء وأصله من العلو بالرأي والعزم كما تقول تعال نتفكر هذه المسألة ~~ندع أبناءنا وأبناءكم أي يدع كل منا ومنكم إبناءه ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم قيل: أراد بالأبناء الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبالنفس صلى الله ~~عليه وسلم وعليا رضي الله عنه وقيل هو على العموم لجماعة أهل الدين ثم ~~نبتهل قال ابن عباس: نتضرع في الدعاء وقيل: معناه نجتهد ونبالغ في الدعاء. ~~وقيل: معناه نلتعن والابتهال الالتعان يقال عليه بهلة الله أي لعنة الله ~~فنجعل لعنت الله على الكاذبين يعني منا ومنكم في أمر عيسى قال المفسرون: ~~لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى ~~المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا فلما خلا بعضهم ببعض ~~قالوا للعاقب: وكان كبيرهم وصاحب رأيهم ما ترى يا عبد المسيح قال لقد عرفتم ~~يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن فإن أبيتم إلا ~~الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى ~~بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد احتضن الحسين وأخذ بيد ~~الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي يمشي خلفها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~لهم: إذا دعوت فأمنوا فلما رآهم أسقف نجران قال: يا معشر النصارى إني لأرى ~~وجوها لو سألوا الله أن يزيل أهله لأزاله من مكانه فلا تبتهلوا فتهلكوا، ~~ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم قد ~~رأينا أن لا نباهلك وأن نتركك على دينك وتتركنا على ديننا فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فإن ms0492 أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين ~~وعليكم ما عليهم فأبوا ذلك. فقال: إني أناجز فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ~~ولكنا نصالحك على ما لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا وأن نؤدي ~~إليك في كل سنة ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب زاد في رواية وثلاثا ~~وثلاثين درعا عادية وثلاثة وثلاثين بعيرا وأربعا وثلاثين فرسا غازية ~~فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إن ~~العذاب تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم ~~الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولما حال ~~الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا». فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ~~لتبيين الصادق من الكاذب منه ومن خصمه وذلك يختص به وبمن يباهله فما معنى ~~ضم الأبناء والنساء في المباهلة. قلت ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله ~~واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه، ~~فلذلك ضمهم في المباهلة، ولم يقتصر على تعريض نفسه لذلك وعلى ثقته بكذب ~~خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك استئصال إن تمت المباهلة، وإنما ~~خص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلب وربما فداهم الرجل ~~بنفسه، وحارب دونهم حتى يقتل وإنما قدمهم في الذكر على النفس لينبه بذلك ~~على لطف مكانهم وقرب # PageV01P254 # منزلتهم، وفيه دليل قاطع وبرهان واضح على صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ومخالف أنهم أجابوا إلى المباهلة لأنهم ~~عرفوا صحة نبوته وما يدل عليها في كتبهم. قوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 62 الى 64] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ms0493 اشهدوا بأنا مسلمون (64) # إن هذا يعني الذي قص عليك يا محمد من خبر عيسى عليه السلام وأنه عبد الله ~~ورسوله لهو القصص الحق وأصله من القصص وهو تتبع الأثر والقصص الخبر الذي ~~تتتابع فيه المعاني وما من إله إلا الله إنما دخلت من لتوكيد النفي والمعنى ~~أن عيسى ليس بإله كما زعمت النصارى ففيه رد عليهم ونفي جميع من ادعى من ~~المشركين أنهم آلهة وإثبات الإلهية لله تعالى وحده لا شريك له في الإلهية ~~وإن الله لهو العزيز أي الغالب المنتقم ممن عصاه وخالف أمره وادعى معه إلها ~~آخر الحكيم يعني في تدبيره وفيه رد على النصارى لأن عيسى لم يكن كذلك فإن ~~تولوا يعني فإن أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوه فإن الله عليم بالمفسدين أي ~~الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غيره وفيه وعيد وتهديد لهم. ~~قوله لهم. قوله عز وجل: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم قال المفسرون: لما قدم وفد نجران المدينة اجتمعوا باليهود واختصموا ~~في إبراهيم صلى الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه ~~وأولى الناس به وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل ~~كان حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام فقالت اليهود: ما تريد ~~إلا أن نتخذك ربما كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: يا محمد ما ~~تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير فأنزل الله عز وجل: قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا أي هلموا إلى كلمة يعني فيها إنصاف ولا ميل فيها لأحد على ~~صاحبه، والعرب تسمي كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر وشرح كلمة سواء أي عدل لا ~~يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن وتفسير الكلمة قوله: ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله وذلك أن ~~النصارى عبدوا غير الله ms0494 وهو المسيح وأشركوا به وهو قولهم أب وابن وروح ~~القدس فجعلوا الواحد ثلاثة واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~وذلك أنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الشرك ويسجدون لهم فهذا معنى اتخاذ ~~بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فثبت أن النصارى قد جمعوا بين هذه الثلاثة ~~أشياء ومعنى الآية قل: يا محمد لليهود والنصارى هلموا إلى أمر عدل نصف وهو ~~أن لا نقول عزير ابن الله ولا نقول المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بشر ~~مخلوق مثلنا ولا نطيع أحبارنا ورهباننا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من ~~غير رجوع إلى ما شرع ولا يسجد بعضنا لبعض لأن السجود لغير الله حرام فلا ~~نسجد لغير الله وقيل: معناه ولا نطيع أحدا في معصية الله فإن تولوا يعني ~~فإن أعرضوا عما أمرتهم به فقولوا أنتم لهؤلاء اشهدوا بأنا مسلمون أي مخلصون ~~بالتوحيد لله والعبادة له. (ق) عن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أن هرقل ~~أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء ~~فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا ~~فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم ~~الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام اسلم ~~تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم اليرسيين، ويا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا ~~بأنا مسلمون لفظ الحديث أحد روايات البخاري، وقد أخرجه # PageV01P255 # بأطول من هذا وفيه زيادة قوله اليريسيين وفي رواية الأريسيين والأريس ~~الأكار وهو الزراع والفلاح وقيل: هم أتباع عبد الله بن ms0495 أريس رجل كان في ~~الزمن الأول بعثه الله فخالفه قومه وقيل هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبد ~~الله بن أروس وهم # الأروسة. وقيل: هم الأريسون بضم الهمزة وهم الملوك الذين يخالفون ~~أنبياءهم وقيل: # هم المتبخترون وقيل: هم اليهود والنصارى الذين صددتهم عن الإسلام واتبعوك ~~على كفرك. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 65 الى 66] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم قال ابن عباس: اجتمع عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم نصارى نجران وأحبار اليهود فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما ~~كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل ~~الله فيهم يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم؟ وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده ومعنى الآية اليهود والنصارى لما اختصموا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في شأن إبراهيم عليه السلام وادعت كل طائفة أنه كان منهم ~~وعلى دينهم فبرأ الله عز وجل إبراهيم مما ادعوا فيه وأخبر أن اليهودية ~~والنصرانية إنما حدثا بعد نزول التوراة والإنجيل وإنما نزلا بعد إبراهيم ~~بزمان طويل فكان بين إبراهيم وبين موسى ونزول التوراة عليه خمسمائة سنة ~~وخمسة وسبعون سنة وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة. وقال ~~ابن إسحاق: كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة وبين موسى ~~وعيسى ألف سنة وتسعمائة وعشرون سنة وأورد على هذا التأويل أن الإسلام أيضا ~~إنما حدث بعد إبراهيم وموسى وعيسى بزمان طويل، وكذلك إنزال القرآن إنما نزل ~~بعد التوراة والإنجيل فكيف يصح ما ادعيتم في إبراهيم أنه كان حنيفا مسلما ~~وأجيب عنه بأن الله عز وجل أخبر في القرآن بأن إبراهيم كان حنيفا مسلما ~~وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا فصح وثبت ما ~~ادعاه المسلمون وبطل ms0496 ما ادعاه اليهود والنصارى. وهو قوله تعالى أفلا تعقلون ~~يعني بطلان قولكم يا معشر اليهود والنصارى حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال ~~المحال ها أنتم هؤلاء ها للتنبيه وهو موضع النداء يعني يا هؤلاء والمراد ~~بهم أهل الكتابين يعني يا معشر اليهود والنصارى حاججتم أي جادلتم وخاصمتم ~~فيما لكم به علم يعني فيما وجدتم في كتبكم وأنزل عليكم بيانه في أمر موسى ~~وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة والإنجيل عليكم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم يعني أنه ليس في كتابكم أن إبراهيم كان يهوديا ~~أو نصرانيا والله يعلم يعني ما كان إبراهيم عليه من الدين وأنتم لا تعلمون ~~يعني ذلك والمعنى وأنتم جاهلون بما تقولون في إبراهيم ثم برأه الله عز وجل ~~عما قالوا فيه وأعلمهم أن إبراهيم بريء من دينهم. فقال تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 67 الى 68] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين (68) # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا يعني لم يكن كما ادعوه فيه، ثم وصفه ~~بما كان عليه من الدين فقال تعالى: ولكن كان حنيفا مسلما يعني مائلا عن ~~الأديان إلى الدين المستقيم وهو الإسلام وقيل: الحنيف الذي يوجد ويختتن ~~ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته وهو أحسن الأديان وأسهلها وأحبها إلى الله ~~عز وجل وما كان من المشركين يعني الذين يعبدون الأصنام وقيل: فيه تعريض ~~بكون النصارى مشركين لقولهم بإلهية المسيح وعبادتهم له. قوله عز وجل: إن ~~أولى الناس بإبراهيم يعني أخصهم به وأقربهم منه للذين اتبعوه يعني الذين ~~كانوا في زمانه وآمنوا به واتبعوا شريعته وهذا النبي يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم والذين آمنوا يعني هذه الأمة # PageV01P256 # الإسلامية والله ولي المؤمنين يعني بالنصر والمعونة عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي ~~أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ ms0497 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين أخرجه الترمذي وروى الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده حديث هجرة ~~الحبشة قال: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أرض الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة وكان من أمر بدر وما كان اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا ~~في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأرا ممن قتل منكم ~~ببدر فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ~~ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط ~~معهما الهدايا الأدم وغيره فركبا البحر حتى أتيا الحبشة فلما دخلا على ~~النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك ~~محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل ~~كذاب خرج يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء وإنا كنا قد ~~ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج ~~منهم أحد فقتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ~~ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكم. قال: وآية ~~ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها ~~الناس رغبة عن دينك وسنتك قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب ~~يستأذن عليك حزب الله تعالى فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ~~ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته فنظر عمرو إلى ~~صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به الملك فساءهما ~~ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم ~~يستكبرون أن يسجدوا لك فقال لهما النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني ~~بالتحية ms0498 التي يحييني بها من أتاني من الآفاق نسجد لله الذي خلقك وملكك إنما ~~كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان فبعث الله فينا نبيا صادقا فأمرنا ~~بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك ~~حق وأنه في التوراة والإنجيل. قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟ قال ~~جعفر أنا قال فتكلم قال: إنك ملك من ملوك الأرض من أهل الكتاب ولا يصلح ~~عندك كثرة الكلام ولا الظلم وإنما أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين ~~فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا فقال عمرو لجعفر تكلم فقال ~~جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا قد أبقنا ~~من أربابنا فردنا عليهم فقال النجاشي أعبيد هم أم أحرار؟ فقال بل أحرار ~~كرام فقال النجاشي: نجوا من العبودية فقال جعفر: # سلهما هل أرقنا دما بغير حق فيقتص منا فقال عمرو: لا ولا قطرة قال جعفر: ~~سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها قال النجاشي: إن كان ~~قنطارا فعلي قضاؤه فقال عمرو: لا ولا قيراط فقال النجاشي: فما تطلبون منهم ~~قال كنا وإياهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتعوا ~~غيره فبعثنا قومنا لتدفعهم إلينا فقال النجاشي: وما هذا الدين الذي كنتم ~~عليه والدين الذي اتبعوه فقال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فهو دين ~~الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه فهو دين الله ~~الإسلام جاءنا به من عند الله رسول، وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له ~~فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك ثم أمر النجاشي بضرب ~~الناقوس فضرب فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: ~~أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم ~~القيامة نبيا مرسلا قالوا: اللهم نعم قد بشرنا به عيسى فقال: من آمن به فقد ~~آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول ms0499 لكم هذا ~~الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا ~~بالمعروف وينهانا عن المنكر ويأمرنا بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ~~ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له فقال له: اقرأ علي مما يقرأ عليكم ~~فقرأ # PageV01P257 # عليه سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: ~~زدنا من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يغضب ~~النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه فقال النجاشي: فما تقولون في عيسى ~~وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي من ~~سواكه قدر ما بقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا. ثم ~~أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم ~~أو أذاكم غرم ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم ~~فقال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا ~~من عنده ومن اتبعهم فأنكر ذلك المشركون وادعوا دين إبراهيم ثم رد النجاشي ~~على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إلى رشوة فاقبضوها فإن ~~الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير جوار وأنزل ~~الله عز وجل في ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في ~~إبراهيم وهو في المدينة: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي، ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين. قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 69 الى 72] # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب ~~لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) وقالت طائفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم ~~يرجعون (72) # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم نزلت في معاذ بن جبل، وحذيفة بن ~~اليمان، وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى ms0500 دينهم، فنزلت فيهم ودت طائفة ~~أي تمنت جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود لو يضلونكم يعني عن دينكم ~~ويردونكم إلى الكفر وما يضلون إلا أنفسهم لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم ~~فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين وما يشعرون يعني أن وبال الإضلال ~~يعود عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم وتمني إضلال المسلمين وما ~~يقدرون على ذلك إنما يضلون أمثالهم وأتباعهم وأشياعهم يا أهل الكتاب الخطاب ~~لليهود لم تكفرون بآيات الله يعني القرآن. وقيل المراد بآيات الله الواردة ~~في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وسبب كفرهم ~~بالتوراة والإنجيل على هذا القول هو تحريفهم وتبديلهم ما فيها من بيان نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصفته والبشارة بنبوته لأنهم ينكرون ذلك، وأنتم ~~تشهدون يعني أن نعته وصفته مذكور في التوراة والإنجيل، وذلك أن أحبار ~~اليهود كانوا يكتمون الناس نعته وصفته فإذا خلا بعضهم ببعض أظهروا ذلك فيما ~~بينهم وشهدوا أنه حق يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل، وذلك أن علماء ~~اليهود والنصارى كانوا يعلمون بقلوبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من ~~عند الله وأن دينه حق، وكانوا ينكرون ذلك بألسنتهم وكانوا يجتهدون في إلقاء ~~الشبهات والتشكيكات، وذلك أن الساعي في إخفاء الحق لا يقدر على ذلك إلا ~~بهذه الأمور فقوله تعالى: لم تلبسون الحق بالباطل معناه تحريف التوراة ~~وتبديلها فيخلطون المحرف الذي كتبوه بأيديهم بالحق المنزل وقيل هو خلط ~~الإسلام باليهودية والنصرانية وذلك أنهم تواطؤوا على إظهار الإسلام في أول ~~النهار والرجوع عنه في آخره، والمراد بذلك تشكيك الناس وقيل إنهم كانوا ~~يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم معترف بصحة نبوة موسى وإنه حق ثم إن ~~التوراة دالة على أن شرع موسى لا ينسخ فهذا من تلبيساتهم على الناس وتكتمون ~~الحق يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في التوراة وأنتم تعلمون يعني ~~أنه رسول من عند الله وأن دينه حق وإنما كتمتم الحق عنادا وحسدا وأنتم ~~تعلمون ما تستحقون على ms0501 كتمان الحق من العقاب. قوله عز وجل: # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره وهذا نوع آخر من # PageV01P258 # تلبيسات اليهود، وقيل تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عرينة فقال ~~بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون اعتقاد القلب ثم ~~اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا أن ~~محمدا ليس هو بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه فإذا فعلتم ذلك شك أصحاب محمد في ~~دينه واتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب وأعلم به منا فيرجعون عن دينهم وقيل: ~~هذا في شأن القبلة وذلك أنه لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال ~~كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد في أمر الكعبة وصلوا ~~إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يرجعون ~~فيقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا فأطلع الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم على سرهم وأنزل هذه الآية، ووجه النهار أوله والوجه مستقبل ~~كل شيء لأنه أول ما يواجه منه وأنشدوا في معناه. # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # وقوله لعلهم يرجعون يعني عنه أي إنا ألقينا هذه الشبهة لعلهم يشكون في ~~دينهم فيرجعون عنه ولما دبروا هذه الحيلة أخبر الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بها فلم تتم لهم ولم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين ولولا هذا ~~الإعلام من الله تعالى لكان ربما أثر ذلك في قلوب بعض من كان في إيمانه ضعف ~~قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): آية 73] # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم هذا متصل بالأول وهو من قول اليهود يقول ~~بعضهم لبعض ولا تؤمنوا أي ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم أي وافق ملتكم ms0502 التي ~~أنتم عليها وهي اليهودية. واللام في لمن صلة كقوله ردف لكم أي ردفكم قل إن ~~الهدى هدى الله أي إن الدين دين الله والبيان بيانه، وهذا خبر من الله ~~تعالى ثم اختلفوا فيه فمنهم من قال: هذا كلام معترض بين كلامين وما بعده ~~متصل بالكلام الأول وهو إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض ومعنى الآية ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم ~~والحكمة والكتاب والآيات من فلق البحر وإنزال المن والسلوى عليكم وغير ذلك ~~من الكرامات، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم فلما ~~أخبر الله تعالى عن اليهود بذلك قال في أثناء ذلك قل إن الهدى هدى الله، ~~والمعنى أن الذي أنتم عليه إنما صار دينا بحكم الله وأمره فإذا أمر بدين ~~آخر وجب اتباعه والانقياد لحكمه لأنه هو الذي هدى إليه وأمر به وقيل: معناه ~~قل لهم: يا محمد إن الهدى هدى الله وقد جئتكم به ولن ينفعكم في دفعه هذا ~~الكيد الضعيف وقرأ الحسن والأعمش إن يؤتى بكسر الألف فيكون قول اليهود تاما ~~عند قوله إلا لمن تبع دينكم وما بعده من قول الله تعالى والمعنى قل يا محمد ~~إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وتكون أن معنى الجحد أي ما ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد من الدين والهدى أو يحاجوكم عند ربكم ~~يعني إلا أن يحاجوكم أي اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم وقوله عند ~~ربكم أي عند فعل ربكم وقيل: أو في قوله أو يحاجوكم بمعنى حتى ومعنى الآية ~~ما أعطى الله أحدا مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم ~~عند ربكم وقرأ ابن كثير آن يؤتى بالمد على الاستفهام، وحينئذ يكون في ~~الكلام اختصار تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب ~~والحكمة فتحسدونه ولا تؤمنون به هذا قول قتادة والربيع قالا: هذا من قول ~~الله ms0503 تعالى قل يا محمد إن الهدى هدى الله ألأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث ~~نبيا مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. ~~وقوله: أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون أو بمعنى ~~إن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. والمعنى وأن # PageV01P259 # يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم قل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن ~~عليه ويحتمل أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين ويكون نظم الآية أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين، فإن حسدوكم فقل إن الفضل بيد الله، فإن ~~حاجوكم فقل إن الهدى هدى الله ويحتمل أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند ~~قوله لعلهم يرجعون وقوله: ولا تؤمنوا من كلام الله تعالى ثبت به قلوب ~~المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبس اليهود وتزويرهم في دينهم يقول الله عز وجل: ~~ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم من الدين والفضل ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم أو يقدروا على ~~ذلك فإن الهدى هدى الله، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم. فتكون الآية كلها خطابا للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا ولا ~~يشكوا وقوله تعالى: قل إن الفضل يعني قل لهم يا محمد إن التوفيق للإيمان ~~والهداية للإسلام بيد الله أي أنه مالك له وقادر عليه دونكم ودون سائر خلقه ~~يؤتيه من يشاء يعني الفضل الذي هو دين الإسلام يعطيه من يشاء من عباده ~~ويوفق له من أراد من خلقه وفيه تكذيب لليهود في قولهم أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم فقال الله تعالى ردا عليهم قل لهم ليس ذلك إليهم وإنما الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء وأصل الفضل في اللغة الزيادة وأكثر ما يستعمل في زيادة ~~الإحسان والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير والله واسع أي ذو سعة يتفضل ~~على من يشاء عليم أي بمن يتفضل # عليه وهو للفضل أهل. ms0504 # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 74 الى 75] # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون (75) # يختص برحمته يعني بنبوته ورسالته وقيل بدينه الذي هو الإسلام وقيل ~~بالقرآن من يشاء يعني من خلقه وفيه دليل على أن النبوة لا تحصل إلا ~~بالاختصاص والتفضل لا بالاستحقاق لأنه تعالى جعلها من باب الاختصاص وللفاعل ~~أن يفعل ما يشاء إلى من يشاء بغير استحقاق والله ذو الفضل العظيم قوله عز ~~وجل: # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك الآية نزلت في اليهود أخبر الله عز وجل أن فيهم أمانة وخيانة ~~وقسمهم قسمين، والقنطار عبارة عن المال الكثير والدينار عبارة عن المال ~~القليل يقول منهم من يؤد الأمانة وإن كثرت مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ~~ومنهم من لا يؤديها وإن قلت: وهم كفار أهل الكتاب مثل كعب بن الأشرف ~~وأصحابه قال ابن عباس في هذه الآية: أودع رجل من قريش عبد الله بن سلام ~~ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه فذلك قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من ~~إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك يعني ~~فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش دينارا فخانه وجحده ولم يؤده إليه. ~~وقيل: أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود لأن مذهبهم أن يحل ~~قتل من خالفهم في أمر الدين وأخذ ماله بأي طريق كان إلا ما دمت عليه قائما ~~قال ابن عباس: يريد تقوم عليه وتطالبه بالإلحاح والخصومة والملازمة وقيل: ~~معناه إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه متوكلا عليه ~~بالمطالبة له والتعنيف بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه. وقيل أراد ~~أنه إن أودعته شيئا ثم استرجعته منه في الحال ms0505 وأنت قائم على رأسه لم تفارقه ~~رده عليك. وإن أخرت استرجاع ما أودعته وأنكره ولم يرده عليك ذلك أي سبب ذلك ~~الاستحلال والخيانة بأنهم قالوا يعني اليهود ليس علينا في الأميين سبيل ~~يعني أنهم يقولون ليس علينا إثم ولا حرج في أخذ مال العرب وذلك أن اليهود ~~قالوا: أموال العرب حلال لنا إنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا ~~وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم وقيل: إن اليهود قالوا نحن أبناء ~~الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا وقيل ~~إنهم قالوا: إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد # PageV01P260 # العرب فهو لنا، وإنما هم ظلمونا وغصبوها منا فلا سبيل علينا في أخذها ~~منهم بأي طريق كان وقيل إن اليهود كانوا يبايعون رجالا من المسلمين في ~~الجاهلية. فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق ولا ~~عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادعوا أنهم ~~وجدوا ذلك في كتابهم فأكذبهم الله تعالى فقال ويقولون على الله الكذب يعين ~~اليهود وهم يعلمون يعني أنهم كاذبون ثم إنه تعالى رد على اليهود قولهم ~~فقال: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 76 الى 77] # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) # بلى أي ليس الأمر كما قالوا بل عليهم سبيل ولفظة بلى لمجرد نفي ما قبلها ~~فعلى هذا يحسن الوقوف عليها ثم يبتدئ من أوفى أي ولكن من أوفى بعهده أي ~~بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالقرآن الذي أنزل عليه وبأداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها وقيل الهاء في ~~قوله بعهده راجعة إلى الموفى واتقى يعني الكفر والخيانة ونقض العهد فإن ~~الله يحب المتقين يعني الذين يتقون الشرك. (ق) عن عبد الله بن عمرو قال: ~~قال ms0506 رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن ~~كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا ~~حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، وفي رواية إذا حدث كذب، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. قوله عز وجل: إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا قال عكرمة نزلت هذه الآية في أحبار اليهود ~~ورؤسائهم أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب الذين ~~كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فبدلوه ~~وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرشا والمآكل ~~التي كانوا يأخذونها من أتباعهم وسفلتهم وقيل نزلت في ادعاء اليهود الذين ~~قالوا: إنه ليس علينا في الأميين سبيل وكتبوا ذلك بأيديهم وحلفوا أنه من ~~عند الله وقيل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له. (ق) عن عبد الله بن مسعود أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي ~~الله وهو عليه غضبان» قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا إلى آخر الآية وفي رواية: «قال من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال ~~امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية. فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما ~~يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا كذا وكذا فقال صدق في نزلت كان بيني وبين رجل ~~خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # شاهداك أو يمينه قلت إنه إذا يحلف لا يبالي فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو ms0507 فيها فاجر لقي الله ~~وهو عليه غضبان». ونزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى ~~آخر الآية. وأخرجه الترمذي وأبو داود وقالا: إن الحكومة كانت بين الأشعث ~~وبين رجل يهودي. وقيل نزلت هذه الآية في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد ~~أعطى بها ما لم يعطه. (خ) عن عبد الله بن أبي أوفى: «أن رجل أقام سلعة وهو ~~في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ~~فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية. وقيل ~~الأقرب حمل الآية على الكل فقوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله يدخل فيه ~~جميع ما أمر الله به ويدخل فيه العهود والمواثيق المأخوذة من جهة الرسل ~~ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه من عهد وميثاق فكل ذلك من عهد الله الذي يجب ~~الوفاء به. ومعنى إن الذين يشترون يستبدلون بعهد الله يعني الأمانة ~~وأيمانهم يعني الكاذبة ثمنا قليلا يعني شيئا يسيرا من حطام الدنيا، وذلك ~~لأن # PageV01P261 # المشتري يأخذ شيئا ويعطي شيئا فكل واحد من يعطي، والمأخوذ ثمنا للآخر ~~فهذا معنى الشراء أولئك يعني من هذه صفتهم لا خلاق لهم في الآخرة أي لا ~~نصيب لهم في الآخرة ونعيمها وجميع منافعها ولا يكلمهم الله يعني كلاما ~~يسرهم به أو ينفعهم. وقيل: هو بمعنى الغضب ولا ينظر إليهم يوم القيامة أي ~~لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا ولا يزكيهم أي ولا يطهرهم من ~~الذنوب ولا يثني عليهم بجميل ولهم عذاب أليم يعني في الآخرة. (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم ~~الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على ~~سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد ~~العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماله فيقول الله له اليوم ~~أمنعك فضلي كما منعت فضل ms0508 ما لم تعمل يداك»، (م) عن أبي ذر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم»: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر ~~إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث مرات فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان ~~والمنفق سلعته بالحلف الكاذب «وللنسائي» المنان بما أعطى والمسبل إزاره ~~والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. (م) عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له ~~النار فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان قضيبا من أراك» ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 78 الى 79] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) # وإن منهم يعني من اليهود لفريقا يعني طائفة وجماعة وهم كعب بن الأشرف ~~ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر يلوون أي ~~يعطفون ويميلون، وأصل اللي الفتل من قولك لويت يده إذا فتلتها ألسنتهم ~~بالكتاب يعني بالتحريف والتغيير والتبديل وتحريف الكلام تقليبه عن وجهه لأن ~~المحرف يلوي لسانه عن سنن الصواب بما يأتي به من عند نفسه قال الواحدي: ~~ويحتمل أن يكون المعنى يلوون بألسنتهم الكتاب لأنهم يحرفون الكتاب عما هو ~~عليه بألسنتهم فيأتون به على القلب ونقل الإمام فخر الدين عن القفال قال ~~يلوون ألسنتهم معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب ~~تحريفا يتغير به المعنى وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في ~~العبرانية فلما فعلوا ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم من التوراة ms0509 كان ذلك هو المراد من قوله يلوون ألسنتهم بالكتاب وقيل ~~إنهم غير واصفة النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة وبدلوها، وآية الرجم ~~وغير ذلك مما بدلوا وغيروا لتحسبوه من الكتاب يعني لتظنوا أن الذي حرفوه ~~وبدلوه من الكتاب الذي أنزله الله أنبيائه وما هو من الكتاب يعني ذلك الذي ~~يزعمون أنه من الكتاب ما هو منه ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~يعني الذي يقولونه ويغيرونه، وإنما كرر هذا بلفظين مختلفين مع اتحاد المعنى ~~لأجل التأكيد ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون يعني أنهم كاذبون. وقال ~~ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم حرفوا التوراة ~~والإنجيل وألحقوا في كتاب الله ما ليس فيه. قوله عز وجل: ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة قيل إن نصارى نجران قالوا إن عيسى أمرهم ~~أن يتخذوه ربا فقال الله تعالى ردا عليهم: ما كان لبشر يعني عيسى عليه ~~السلام أن يؤتيه الله الكتاب يعني الإنجيل. وقال ابن عباس في قوله تعالى ما ~~كان لبشر يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أن يؤتيه الله الكتاب يعني القرآن ~~وذلك أن أبا رافع من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا: يا محمد تريد أن ~~نعبدك ونتخذك ربا؟ قال معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله وما بذلك أمرني # PageV01P262 # الله، وما بذلك بعثني فأنزل الله هذه الآية ما كان لبشر أي ما ينبغي لبشر ~~وهو جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط ويوضع موضع الواحد ~~والجمع أن يؤتيه الله الكتاب والحكم يعني الفهم والعلم، وقيل هو إمضاء ~~الحكم من الله تعالى والنبوة يعني المنزلة الرفيعة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ومعنى الآية أنه لا يجتمع لرجل نبوة مع القول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله وكيف يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله وقد ~~أتاه الله ما أتاه من الكتاب والحكم والنبوة وذلك أن الأنبياء موصون بصفات ~~لا ms0510 يحصل معها ادعاء الإلهية والربوبية منها إن الله تعالى أتاهم الكتب ~~السماوية، ومنها إيتاء النبوة ولا يكون إلا بعد كمال العلم وكل هذه تمنع من ~~هذه الدعوى ولكن كونوا ربانيين يعني ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر ~~القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ~~واختلفوا في معنى الرباني فقال ابن عباس: معناه كونوا فقهاء علماء وعنه ~~كونوا فقهاء معلمين وقيل معناه حكماء حكماء، وقيل الرباني الذي يربي الناس ~~بصغار العلم وكباره وقيل الرباني العالم الذي يعمل بعلمه، وقيل الرباني ~~العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي وقيل الرباني الذي جمع بين علم ~~البصيرة والعلم بسياسة الناس، ولما مات ابن عباس رضي الله عنهما قال محمد ~~بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى ~~الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته وزيادة الألف والنون فيه ~~للدلالة على كمال هذه الصفة وقال المبرد: الربانيون أرباب العلم واحدهم ~~ربان وهو الذي يربى العلم ويربي الناس أي يعلمهم وينصحهم والألف والنون ~~للمبالغة فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة ~~الرب وطاعته، وعلى قول المبرد الرباني مأخوذ من التربية. وقيل الربانيون # هم ولاة الأمر والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا ~~التأويل لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا ~~وعلماء ومعلمين الناس الخير ومواظبين على طاعة الله وعبادته. وقال أبو ~~عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست عربية إنما هي عبرانية أو سريانية وسواء ~~كانت عربية أو عبرانية فهي تدل على الذي علم وعمل بما علم وعلم الناس طريق ~~الخير. وقوله تعالى: بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون أي كونوا ~~ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب، فدلت الآية على ~~أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا فمن اشتغل بالعلم ~~والتعليم لا لهذا المقصود ضاع علمه وخاب سعيه. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 80 الى 81] # ولا يأمركم ms0511 أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) # ولا يأمركم قرئ بنصب الراء عطفا على قوله ثم يقول: فيكون مردودا على ~~البشر وقيل على إضمار أن أي ولا أن يأمركم، وقرئ برفع الراء على الاستئناف ~~وهو ظاهر ومعناه ولا يأمركم الله وقيل لا يأمركم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل ولا يأمركم عيسى وقيل ولا يأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا يعني كفعل قريش والصابئين حيث قالوا الملائكة بنات الله ~~وكفعل اليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح والعزير ما قالوا وإنما خص ~~الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله عز وجل من أهل ~~الكتاب لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى ~~خصهم بالذكر أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون إنما قاله على طريق التعجب ~~والإنكار، يعني لا يقول هذا ولا يفعله. # قوله عز وجل: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين قال الزجاج: موضع إذ نصب ~~والمعنى واذكر في أقاصيصك إذ أخذ # PageV01P263 # الله. وقال الطبري: معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله يعني حين ~~أخذ الله ميثاق النبيين. وأصل الميثاق في اللغة عقد يؤكد بيمين، ومعنى ~~ميثاق النبيين ما وثقوا به على أنفسهم من طاعة الله فيما أمرهم به ونهاهم ~~عنه وذكروا في معنى أخذ الميثاق وجهين: أحدهما: أنه مأخوذ من الأنبياء. ~~والثاني: أنه مأخوذ لهم من غيرهم فلهذا السبب اختلفوا في المعنى بهذه ~~الآية، فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن ~~يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا، وأخذ العهد على ~~كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه وإن لم يدركه أن ~~يأمر قومه بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن ms0512 بعيسى، ومن عيسى ~~أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا قول سعيد بن جبير ~~والحسن وطاوس وقيل: إنما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم خاصة وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي فعلى هذا القول اختلفوا، ~~فقيل إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل إليهم النبيين ويدل ~~عليه قوله ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه وإنما كان محمد ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين، وإنما أطلق هذا ~~اللفظ عليهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل كتاب ~~والنبيون منا، وقيل أخذ الله الميثاق على النبيين وأممهم جميعا في أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد مع ~~الأتباع وهو قول ابن عباس قال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيا آدم فمن ~~بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ هو العهد على ~~قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه وقيل إن المراد من الآية أن ~~الأنبياء كانوا يأخذون العهد والميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وينصروه وهذا قول كثير من المفسرين وقوله لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة قرئ بفتح اللام من لما وبكسرها مع التخفيف في ~~القراءتين فمن قرأ بفتح اللام قال: معنى الآية وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول يعني ذكر محمد صلى الله ~~عليه وسلم في التوراة لتؤمنن به للذي عندكم في التوراة من ذكره ومن قرأ ~~بكسر اللام جعل قوله لتؤمنن به من أخذ الميثاق كما يقال أخذت ميثاقك لتفعلن ~~لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف فكان معنى الآية وإذ استحلف الله النبيين ~~للذي أتاهم من كتاب وحكمة متى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه ~~وقوله ثم جاءكم رسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ms0513 مصدق لما معكم وذلك أن ~~الله وصفه في كتب الأنبياء المتقدمة وشرح فيها أحواله فإذا جاءت صفاته ~~وأحواله مطابقة في كتبهم المنزلة فقد صار مصدقا لها فيجب الإيمان به ~~والانقياد لقوله ولام قوله لتؤمنن به لام القسم تقديره والله لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال البغوي: قال الله عز وجل للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب ~~آدم والأنبياء فيهم كالمصابيح أخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ~~يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن ~~الانقياد من الله واجب، فإذا جاء رسول وظهرت المعجزات الدالة على صدقه، ~~فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ~~بتقرير هذا الدليل في عقولهم فهذا هو المراد من الميثاق قال أأقررتم يعني ~~قال الله تعالى: أأقررتم فإن فسرنا أن أخذ الميثاق كان من النبيين كان ~~معناه قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصر له وإن فسرنا ~~بأن أخذ الميثاق كان على الأمم كان معناه قال كل نبي لأمته أأقررتم وذلك ~~لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه وإن كان النبيون أخذوه على الأمم # فلذلك طلب هذا الإقرار وأضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء والمقصود أن ~~الأنبياء بالغوا في إثبات هذا الميثاق وتأكيده على الأمم وطالبوهم بالقبول ~~وأكدوا ذلك بالإشهاد وأخذتم على ذلكم إصري أي عهدي والإصر العهد الثقيل ~~وقيل سمي العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد. قالوا أقررنا أي قال ~~النبيون: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما ~~معنا من كتبك قال فاشهدوا يعني قال الله عز وجل للنبيين: فاشهدوا يعني أنتم ~~على أنفسكم وقيل: على أممكم وأتباعكم الذين أخذتم عليهم الميثاق وقيل: قال ~~الله للملائكة فاشهدوا فهو # PageV01P264 # كناية عن غير مذكور، وقيل: معناه فاعلموا وبينوا لأن أصل الشهادة العلم ~~والبيان وأنا معكم من الشاهدين يعني قال الله يا معشر الأنبياء وأنا معكم ms0514 ~~من الشاهدين عليكم وعلى أتباعكم أو قال للملائكة وأنا معكم من الشاهدين ~~عليهم. # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 82 الى 83] # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) # فمن تولى أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته بعد ذلك ~~الإقرار فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون عن الإيمان والطاعة. قوله عز وجل: ~~أفغير دين الله يبغون وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل فريق منهم أنه ~~على دين إبراهيم عليه السلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم ~~فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فأنزل الله أفغير دين الله ~~الهمزة للاستفهام والمراد منه الإنكار والتوبيخ يعني أفبعد أخذ الميثاق ~~عليهم ووضوح الدلائل لهم أن دين إبراهيم هو دين الله الإسلام. تبغون قرئ ~~بالتاء على خطاب الحاضر أي أفغير دين الله تطلبون يا معشر اليهود والنصارى ~~وقرى بالياء على الغيبة ردا على قوله فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~وله أسلم أي خضع وانقاد من في السماوات والأرض طوعا وكرها الطوع الانقياد ~~والاتباع بسهولة والكره ما كان من ذلك بمشقة وإباء من النفس. واختلفوا في ~~معنى قوله طوعا وكرها فقيل: أسلم أهل السموات طوعا وأسلم بعض أهل الأرض ~~طوعا وبعضهم كرها من خوف القتل والسبي، وقيل: أسلم المؤمن طوعا وانقاد ~~الكافر كرها، وقيل هذا في يوم أخذ الميثاق حين قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى ~~فمن سبقت له السعادة قال ذلك طوعا، ومن سبقت له الشقاوة قال ذلك كرها. ~~وقيل: أسلم المؤمن طوعا فنفعه إسلامه يوم القيامة والكافر يسلم كرها عند ~~الموت في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك في القيامة وقيل إنه لا سبيل لأحد من ~~الخلق إلى الامتناع على الله في مراده فأما المسلم فينقاد لله فيما أمره أو ~~نهاه عنه طوعا وأما الكافر فينقاد لله كرها في جميع ms0515 ما يقتضي عليه ولا ~~يمكنه دفع قضائه وقدره عنه وإليه يرجعون قرئ بالتاء والياء والمعنى أن مرجع ~~الخلق كلهم إلى الله يوم القيامة ففيه وعيد عظيم لمن خالفه في الدنيا. قوله ~~عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 84 الى 86] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) # قل آمنا بالله لما ذكر الله عز وجل في الآية المتقدمة أخذ الميثاق على ~~الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين في هذه الآية أن من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم فقال تعالى: قل آمنا بالله ~~وإنما وحد الضمير في قوله قل وجمع في قوله آمنا بالله لأنه إنما خاطبه بلفظ ~~الواحد ليدل هذا الكلام على أنه لا يبلغ هذا التكليف عن الله تعالى إلى ~~الخلق إلا هو. ثم قال: آمنا بالله تنبيها على أنه حين قال هذا القول وافقه ~~أصحابه فحسن الجمع في قوله آمنا، ومعنى الآية: قل يا محمد صدقنا بالله أنه ~~ربنا وإلهنا لا إله غيره ولا رب سواه وإنما قدم الإيمان بالله على غيره ~~لأنه الأصل وما أنزل علينا يعني وقل يا محمد وصدقنا أيضا بما أنزل علينا من ~~وحيه وتنزيله وإنما قدم ذكر القرآن لأنه أشرف الكتب وأنه لم يحرف ولم يبدل ~~وغيره حرف وبدل وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى إنما خص هؤلاء الأنبياء بالذكر لأن أهل # PageV01P265 # الكتاب يعترفون بوجودهم ولم يختلفوا في نبوتهم، والأسباط هم أولاد يعقوب ~~الاثنا عشر وكانوا أنبياء ثم جمع جميع الأنبياء فقال والنبيون أي وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم وذلك أن أهل ms0516 الكتاب يؤمنون ببعض ~~النبيين ويكفرون ببعض فأمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ~~يخبر عن نفسه وعن أمته أنه يؤمن بجميع الأنبياء. فإن قلت: لم عدي أنزل في ~~«هذه الآية بحرف الاستعلاء وفيما تقدم من مثلها في البقرة بحرف الانتهاء». ~~قلت لوجود المعنيين جميعا لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فجاء ~~تارة بأحد المعنيين وتارة بالمعنى الآخر ونحن له مسلمون أي موحدون مخلصون ~~أنفسنا له لا نجعل له شريكا في عبادتنا. قوله عز وجل: ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وأن كل ~~دين سواه غير مقبول عنده لأن الدين الصحيح ما يأمر الله به ويرضى عن فاعله ~~ويثيبه عليه وهو في الآخرة من الخاسرين يعني الذين وقعوا في الخسارة وهو ~~حرمان الثواب وحصول العقاب وروى ابن جرير الطبري عن عكرمة: في قوله: ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه قالت اليهود فنحن مسلمون فقال الله عز ~~وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم ولله على الناس حج البيت فلم ~~يحجوا. قوله عز وجل: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم نزلت في اثني ~~عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث ~~بن سويد الأنصاري وطعمة بن أبيرق وحجوج بن الأسلت. وقال ابن عباس: نزلت في ~~اليهود والنصارى وذلك أن اليهود كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستفتحون به على الكفار ويقرون به ويقولون: قد أظل زمان نبي مبعوث فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به بغيا وحسدا ومعنى كيف يهدي الله كيف يرشد ~~الله للصواب ويوفق للإيمان قوما كفروا أي جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بعد إيمانهم أي تصديقهم إياه وإقرارهم به وبما جاء به من عند ربه ~~وشهدوا أن الرسول حق يعني وبعد أن أقروا وشهدوا أن محمدا رسول الله إلى ~~خلقه وأنه حق وصدق وجاءهم البينات يعني ms0517 الحجج والبراهين والمعجزات الدالة ~~على صحة نبوته التي بمثلها ثبتت النبوة والله لا يهدي القوم الظالمين أي لا ~~يوفقهم إلى الحق والصواب لما سبق في علمه تعالى أنهم ظالمون وقيل لا يهديهم ~~في الآخرة إلى الجنة والثواب. فإن قلت: كيف قال في أول الآية كيف يهدي الله ~~قوما كفروا وقال في آخرها والله لا يهدي القوم الظالمين وهذا تكرار؟ قلت: ~~ليس فيه تكرار لأن قوله كيف يهدي الله قوما كفروا إنما هو مختص بأولئك ~~المرتدين عن الإسلام ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في آخر الآية فقال: والله ~~لا يهدي القوم الظالمين يعني جميع الكفار المرتدين عن الإسلام والكافر ~~الأصلي وإنما سمي الكافر ظالما لأنه وضع العبادة في غير موضعها. # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 87 الى 90] # أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) # أولئك جزاؤهم يعني الذين كفروا بعد إيمانهم أن عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين خالدين فيها أي في عذاب اللعنة وقد تقدم تفسير هذه الآية في ~~سورة البقرة لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون أي لا يؤخرون عن وقت العذاب ~~لا يؤخر عنهم من وقت إلى وقت ثم استثنى سبحانه وتعالى فقال: إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك يعني من بعد ارتدادهم وكفرهم وذلك أل الحارث بن سويد ~~الأنصاري لما لحق بالكفار ندم على ذلك فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا الله فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، ~~فأقبل إلى المدينة تائبا وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته وحسن ~~إسلامه وأصلحوا أي وضموا إلى التوبة الأعمال الصالحة فبين أن التوبة وحدها ~~لا تكفي ms0518 حتى # PageV01P266 # يضاف إليها العمل الصالح. وقيل: معناه وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ~~وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات فإن الله غفور رحيم أي غفور لقبائحهم ~~في الدنيا بالستر رحيم في الآخرة بالعفو وقيل: غفور بإزالة العذاب رحيم ~~بإعطاء الثواب. قوله عز وجل: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ~~لن تقبل توبتهم نزلت في اليهود وذلك أنهم كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم ~~بموسى وغيره من أنبيائهم ثم ازدادوا كفرا يعني كفرهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن، وقيل نزلت في اليهود والنصارى وذلك أنهم كفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم به قبل مبعثه لما ثبت عندهم من نعته ~~وصفته في كتبهم ثم ازدادوا كفوا يعني ذنوبا في حال كفرهم. وقيل نزلت في ~~جميع الكفار وذلك أنهم أشركوا بالله بعد إقرارهم بأن الله خالقهم ثم ~~ازدادوا كفرا يعني بإقامتهم على كفرهم حتى هلكوا عليه، وقيل زيادة كفرهم هو ~~قولهم نتربص بمحمد ريب المنون وقيل نزلت في أحد عشر رجلا من أصحاب الحارث ~~بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام فلما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا على ~~كفرهم بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا ومتى أردنا الرجعة ينزل فينا ~~مثل ما نزل في الحارث فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل ~~منهم في الإسلام قبلت توبته ونزل فيمن مات منهم على كفره: إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار الآية. فإن قلت قد وعد الله قبول التوبة ممن تاب فما يعني ~~قوله لن تقبل توبتهم؟ قلت اختلف المفسرون في معنى قوله: لن تقبل توبتهم ~~فقال الحسن وعطاء وقتادة والسدي: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت وهو وقت ~~الحشرجة لأن الله تعالى قال: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن فإن الذي يموت على الكفر لا تقبل توبته ~~كأنه قال إن اليهود أو الكفار أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا ثم ماتوا ~~على ذلك لن تقبل توبتهم وقال ms0519 ابن عباس: إنهم الذين ارتدوا وعزموا على إظهار ~~التوبة لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ~~ذنوب عملوها في حال للشرك ولم يتوبوا من الشرك فإن توبتهم في حال الشرك، ~~غير مقبولة. وقال مجاهد: لن تقبل توبتهم إذا ماتوا على الكفر وقال ابن جرير ~~الطبري: معنى لن تقبل توبتهم أي مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد ~~إيمانهم لا من كفرهم لأن الله تعالى لما وعد أن يقبل التوبة عن عباده وأنه ~~قابل توبة كل تائب من كل ذنب لقوله تعالى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه غير ~~المعنى الذي تقبل التوبة منه فعلى هذا فالذي لا تقبل التوبة منه هو ~~الازدياد على الكفر بعد الكفر لا يقبل الله منه توبة ما أقام على كفره لأن ~~الله تعالى لا يقبل عمل مشرك ما أقام على شركه، فإذا تاب من شركه وكفره ~~وأصلح فإن الله كما وصف نفسه غفور رحيم. وقوله تعالى: وأولئك هم الضالون ~~يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وهم الذين ضلوا عن ~~سبيل الحق وأخطئوا منهاجه. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 91 الى 92] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (92) # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار قال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد حبا في الإسلام ~~فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم على الكفر، وقيل نزلت فيمن مات كافرا من ~~جميع أصناف اليهود والنصارى وعبدة الأصنام، فالآية عامة في جميع من مات على ~~الكفر فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا أي قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى ~~غربها ms0520 ولو افتدى به قيل معناه لو افتدى به والواو زائدة مقحمة وقيل الواو ~~على حالها وفائدتها أنها للعطف والتقدير لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا ~~وقد مات على كفره لم ينفعه ذلك وكذا لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لن ~~يقبل منه، وهذا آكد في التغليظ لأنه # PageV01P267 # تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه. فإن قلت الكافر لا يملك شيئا في ~~الآخرة فما وجه قوله فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا؟ قلت: الكلام ورد ~~على سبيل الفرض والتقدير والمعنى لو أن للكافر قدر ملء الأرض ذهبا يوم ~~القيامة لبذله في تخليص نفسه من العذاب ولكن لا يقدر على شيء من ذلك وقيل ~~معناه لو أن الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهبا ثم مات على كفره لم ~~ينفعه ذلك لأن الطاعة مع الكفر غير مقبولة أولئك إشارة إلى من مات على ~~الكفر لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين يعني مانعين يمنعونهم من العذاب (ق) ~~عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل لأهون ~~أهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ ~~فيقول: نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا ~~فأبيت إلا الشرك لفظ مسلم. قوله عز وجل: لن تنالوا البر قال ابن عباس: يعني ~~الجنة، وقيل: البر هو التقوى، وقيل هو الطاعة وقيل معناه لن تنالوا حقيقة ~~البر ولن تكونوا أبرار حتى تنفقوا مما تحبون وقيل معناه لن تنالوا بر الله ~~وهو ثوابه وأصل البر التوسع في فعل الخير يقال بر العبد ربه أي توسع في ~~طاعته فالبر من الله الثواب ومن العبد الطاعة وقد يستعمل في الصدق وحسن ~~الخلق لأنهما من الخير المتوسع فيه (ق) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ~~وأن الرجل ليصدق حتى ms0521 يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن ~~الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا». (م) عن ~~النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ~~فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس منك ~~فعلى هذا يكون المعنى عليكم بالأعمال الصالحة حتى تكونوا أبرارا وتدخلوا في ~~زمرة الأبرار ومن قال إن لفظ البر هو الجنة فقال معنى الآية لن تنالوا ثواب ~~البر المؤدي إلى الجنة حتى تنفقوا مما تحبون يعني من جيد أموالكم أنفسها ~~عندكم قال الله تعالى: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقيل هو أن تنفق من ~~مالك ما أنت محتاج إليه قال الله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة (ق) عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: ~~يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: إن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر ~~وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا ~~وقد كان، واختلفوا في هذا الإنفاق قال ابن عباس: هو الزكاة المفروضة ~~والمعنى لن تنالوا حتى تخرجوا زكاة أموالكم فعلى هذا القول قيل إن الآية ~~منسوخة بآية الزكاة وفيه بعدا لأنه ترغيب في إخراج الزكاة وقال ابن عمر: ~~المراد بها سائر الصدقات وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من مالك مما ~~يبتغي به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة فإنه يدخل في قوله: لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون (ق) عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر ~~الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحا وكانت مستقبلة المسجد ~~وكان رسول الله صلى الله عليه # وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت هذه الآية لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في ms0522 كتابه لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحا وإنها صدقة لله عز وجل أرجو ~~برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بخ بخ ذلك مال رابح» أو قال ذلك مال رابح أرى أن تجعلها في ~~الأقربين فقال أبو طلحة: # افعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه قوله بخ بخ هي ~~كلمة تقال عند المدح والرضا وتكريرها للمبالغة وهي مبنية على السكون فإذا ~~وصلت جرب ونونت فقلت: بخ بخ قوله: مال رابح أي ذو ربح وفي الرواية الأخرى ~~ذلك مال رايح بالياء معناه يروح عليك نفعه وثوابه وبيرحا اسم موضع بالمدينة ~~وهو حائط كان لأبي طلحة. وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي ~~موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فلما جاءت أعجبته ~~فقال عمر إن الله عز وجل يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها ~~عمر وعن حمزة بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خطرت ~~على قلبه هذه الآية: # PageV01P268 # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال عبد الله فذكرت ما أعطاني الله ~~تعالى فما كان شيء أحب إلي من فلانة فقلت هي حرة لوجه الله تعالى قال ولولا ~~أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها وعن عمرو بن دينار قال لما نزلت هذه ~~الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها ~~سيل كان يحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تصدق بهذه يا رسول ~~الله فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فقال يا ~~رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ~~قبلت صدقتك وفي رواية كأن زيدا أوجد في نفسه فلما رأى ذلك منه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: أما ms0523 إن الله قد قبلها وروى أن أبا ذر نزل به ضيف فقال ~~للراعي: ائتني بخير إبلي فجاء بناقة مهزولة فقال للراعي خنتني فقال الراعي ~~وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوما حاجتكم إليه فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم ~~أوضع في حفرتي وقوله تعالى: وما تنفقوا من شيء يعني من أي شيء كان من طيب ~~تحبونه أو من خبيث تكرهونه فإن الله به عليم أي يعلمه ويجازيكم به. قوله عز ~~وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 93] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل ~~وألبانها وأنت تأكل ذلك كله فلست على ملته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~كان ذلك حلالا لإبراهيم قالوا كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح ~~وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله عز وجل كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وهو يعقوب من قبل أن ينزل التوراة ~~يعني ليس الأمر على ما تدعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم بل ~~كان ذلك حلالا على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وإنما حرمه يعقوب بسبب ~~من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك فأمرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة وطلب منهم أن يستخرجوا منها أن ذلك كان ~~حراما على إبراهيم، فعجزوا عن ذلك وافتضحوا وبأن كذبهم فيما ادعوا من حرمة ~~هذه الأشياء على إبراهيم وقيل: إن اليهود أنكروا شرع محمد صلى الله عليه ~~وسلم وادعوا أن النسخ غير جائز، فأبطل الله ذلك عليهم وأخبر أن كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فذلك الذي حرمه ms0524 على نفسه ~~كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ وبطل قول اليهود ~~بأن النسخ غير جائز، فأنكرت اليهود ذلك وقالوا: # بل كان ذلك حراما من زمن آدم إلى هذا الوقت فألزمهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإحضار التوراة وقال: إن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام ~~إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه فخاف اليهود من الفضيحة وامتنعوا ~~من إحضار التوراة فحصل بذلك كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها ~~وبطل قولهم بأن النسخ غير جائز، وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا لم يقرأ الكتب ولم ~~يعرف ما في التوراة، فلما أخبر أن ذلك ليس في التوراة علم أن الذي أخبر به ~~صلى الله عليه وسلم وحي من الله تعالى وقوله تعالى: كل الطعام يعني كل ~~أنواع الطعام أو سائر المطعومات كان حلا أي حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ~~واختلفوا في الذي حرم يعقوب على نفسه قيل حرم لحوم الإبل وألبانها وروى ~~الطبري بسنده عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدكم بالله الذي ~~أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا فطال ~~سقمه منه فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب ~~إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ # فقالوا: اللهم نعم. وقال ابن عباس: هي العروق وكان سبب ذلك أنه اشتكى عرق ~~النسا وكان أصل وجعه فيما # PageV01P269 # روي عن الضحاك أن يعقوب كان نذر لئن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت ~~المقدس صحيحا أن يذبح أحدهم. وفي رواية آخرهم فتلقاه ms0525 ملك من الملائكة وقال: ~~يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع؟ # فعالجه فلم يصرع أحدهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ~~ثم قال أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك قد نذرت ~~إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك ~~مخرجا، فلما قدم يعقوب بيت المقدس أراد ذبح ولده ونسي ما قال له الملك ~~فأتاه الملك وقال له: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ذبح ~~ولدك. وقال ابن عباس في آخرين أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب ~~من أخيه العيص، وكان يعقوب رجلا بطشا قويا فلقيه ملك في صورة رجل فظن يعقوب ~~أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب وصعد إلى السماء ويعقوب ينظر ~~فهاج به عرق النسا ولقي منه شدة فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله ~~رغاء أي صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق ~~فحرمه على نفسه فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق ويخرجونها من اللحم ولا ~~يأكلونها، وقيل لما أصاب يعقوب ذلك وصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل ~~فحرمها يعقوب على نفسه، وقيل إنما حرم يعقوب لحوم الجزور تعبدا لله تعالى ~~وسأل ربه أن تنجز فحرمه الله على ولده وهو ظاهر الآية لأن الله تعالى قال: ~~كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل، ثم استثنى ما حرم إسرائيل على نفسه فوجب ~~بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراما على بني إسرائيل أما قوله من قبل أن تنزل ~~التوراة فمعناه أن قبل إنزال التوراة كان كل أنواع الطعام حلالا لبني ~~إسرائيل سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه أما بعد نزول التوراة فقد حرم الله ~~تعالى عليهم أشياء كثيرة من أنواع الطعام ثم اختلفوا في حال هذا الطعام ~~المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي: حرم الله عليهم في ~~التوراة ما كانوا ms0526 حرموه على أنفسهم قبل نزولها وقال عطية: إنما كان حراما ~~عليهم بتحريم إسرائيل فإنه قال: إن عافاني الله تعالى لا يأكله ولد لي ولم ~~يكن ذلك محرما عليهم في التوراة وقال الكلبي: لم يحرمه الله في التوراة ~~وإنما حرم عليهم بعد نزول التوراة لظلمهم كما قال تعالى: فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وقال تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا إلى ~~أن قال ذلك جزيناهم ببغيهم إن كنتم صادقين فكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ~~ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا أو صب عليهم رجزا وهو الموت. وقال ~~الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله في التوراة، وإنما ~~حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ثم أضافوا تحريمه لله عز وجل فكذبهم الله ~~تعالى فقال الله تعالى: قل فأتوا بالتوراة يعني قل لهم يا محمد فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها أي فاقرؤوها وما فيها حتى يتبين أن الأمر كما قلتم إن ~~كنتم صادقين يعني فيما ادعيتم فلم يأتوا بها وخافوا الفضيحة فقال تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 94 الى 96] # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق ~~الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # فمن افترى على الله الكذب # الافتراء اختلاق الكذب والافتراء الكذب والقذف والإفساد وأصله من فري ~~الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود من بعد ~~ذلك # أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما ~~قبله فأولئك هم الظالمون # أي هم المستحقون للعذاب لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين ~~من بعدهم وهذا رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم فيما بقي ~~عليهم مما نطق به القرآن من تعديد مساويهم التي كانوا يرتكبونها قل صدق ~~الله يعني قل صدق الله يا محمد فيما أخبر أن ذلك النوع من الطعام صار حراما ~~على ms0527 إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالا لهم فصح القول بالنسخ، وبطل قول ~~اليهود وقيل معناه صدق الله في قوله أن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة # PageV01P270 # لإبراهيم عليه السلام، وإنما حرمت على بني إسرائيل بسبب تحريمها إسرائيل ~~على نفسه وقيل صدق الله في أن سائر الأطعمة كانت محللة على بني إسرائيل ~~وإنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح أفعالهم ففيه تعريض بكذب اليهود ~~والمعنى ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأخبر وأنتم كاذبون يا معشر ~~اليهود فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلى الله ~~عليه وسلم من ملة إبراهيم وهي الإسلام وهو الدين الصحيح وهو الذي عليه محمد ~~ومن آمن معه وإنما دعاهم إلى ملة إبراهيم لأنها ملة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما كان من المشركين أي لم يدع مع الله إلها آخر ولا عبدا سواه. # قوله عز وجل: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة سبب نزول هذه الآية أن ~~اليهود قالوا للمسلمين بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو ~~مهاجر الأنبياء وقبلتهم وأرض المحشر. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل فأنزل ~~الله هذه الآية، وقيل لما ادعت اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم ~~أكذبهم الله تعالى وأخبر أن إبراهيم كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~وأمرهم باتباعه فقال تعالى في الآية المتقدمة: فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيم الحج إلى الكعبة ذكر في هذه الآية فضيلة ~~البيت ليفرع عليها إيجاب الحج وقوله: إن أول بيت وضع للناس الأول هو الفرد ~~السابق المتقدم على ما سواه وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل ~~عقبه شيء آخر، أو لم يحصل والمعنى أن أول بيت وضع للناس أي وضعه الله موضعا ~~للطاعات والعبادات وقبلة للصلاة وموضعا للحج وللطواف تزداد فيه الخيرات ~~وثواب الطاعات وكونه وضع للناس يعني يشترك فيه جميع الناس كما قال تعالى: ~~سواء العاكف فيه والباد. فإن قلت: كيف أضافه إلى نفسه مرة في قوله وطهر ms0528 ~~بيتي وأضافه للناس أخرى بقوله وضع للناس. قلت: أما إضافته إلى نفسه فعلى ~~سبيل التشريف والتعظيم له كقوله ناقة الله، وأما إضافته إلى الناس فلأنه ~~يشترك فيه جميع الناس لأنه موضع حجهم وقبلة صلاتهم للذي ببكة. قيل هي مكة ~~نفسه والعرب تعاقب بين الباء والميم فيقولون ضربة لازب لازم وقيل بكة اسم ~~لموضع البيت ومكة اسم للبلد وفي اشتقاق بكة وجهان: أحدهما: أنه من البك ~~الذي هو عبارة عن الدفع يقال بكه يبكه إذا دفعه وزاحمه ولهذا قال سعيد بن ~~جبير: سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد ~~بن علي الباقر ومجاهد وقتادة. الوجه الثاني سميت بكة لأنها تبك أعناق ~~الجبابرة أي تدقها ولم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى وهذا قول عبد ~~الله بن الزبير، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب مك الفصيل ~~ضرع أمه وامتكه إذا مص كل ما فيه من اللبن، وقيل لأنها تمك الذنوب أي ~~تزيلها وسميت مكة أم رحم لأن الرحمة تنزل بها، والحاطمة لأنها تحطم من ~~استخلف بحرمتها، أو لأن الناس يحطم بعضهم بعضا من الزحمة، وسميت أم القرى ~~لأنها أصل كل بلدة ومن تحتها دحيت الأرض، واختلف العلماء في كون البيت أول ~~بيت وضع للناس على قولين: أحدهما أنه أول في الوضع والبناء قال مجاهد: خلق ~~الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين وفي رواية عنه إن الله خلق ~~موضع البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي عام، وقيل هو أول بيت ظهر على ~~وجه الماء عند خلق السموات والأرض خلقه قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة ~~بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض من تحته. وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة ~~والسدي. وقيل هو أول بيت بني على الأرض. وروي عن علي بن الحسين بن علي رضي ~~الله عنهم أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور وأمر ~~الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين في الأرض ms0529 أن يبنوا بيتا في ~~الأرض على مثاله وقدره فبنوا هذا البيت واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن ~~يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور وروي أن الملائكة بنوه قبل ~~خلق آدم بألفي عام وكانوا يحجونه فلما حجه آدم قالت له الملائكة بر حجك يا ~~آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه ~~آدم في الأرض قيل إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش وشكا الوحشة فأمره الله ~~تعالى ببناء الكعبة فبناها وطاف بها وبقي ذلك البناء إلى زمان نوح # PageV01P271 # عليه السلام فلما كان الطوفان رفع الله البيت إلى السماء وبقي موضع البيت ~~أكمة بيضاء إلى أن بعث الله إبراهيم عليه السلام فأمره ببنائه. القول ~~الثاني، أن المراد من الأولية كون هذا أول بيت وضع للناس مباركا ويدل عليه ~~سياق الآية وهو قوله تعالى: للذي ببكة مباركا وروي أن رجلا قام إلى علي بن ~~أبي طالب فقال: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال # : لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع الناس مباركا وهدى وفيه مقام ~~إبراهيم ومن دخل كان آمنا وقال الحسن: وهو أول مسجد عبد الله فيه، وقال ~~مطرف: هو أول بيت وضع للعبادة. وقال الضحاك: هو أول بيت وضع فيه البركة، ~~وأول بيت وضع للناس يحج إليه، وأول بيت جعل قبلة للناس. (ق) عن أبي ذر قال: ~~«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد ~~الحرام قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال أربعون عاما ثم ~~الأرض لك مسجدا فحيثما أدركت الصلاة فصل» زاد البخاري فإن الفضل فيه وقوله ~~مباركا يعني ذا بركة وأصل البركة النمو والزيادة، وقيل هو ثبوت الخير ~~الإلهي فيه وقيل هو أول بيت خص بالبركة وزيادة الخير وقيل لأن الطاعات ~~وسائر العبادات تتضاعف ويزداد ثوابها عنده (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة ms0530 في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام» وهدى للعالمين يعني أنه قبلة للمؤمنين يهتدون ~~به إلى جهة صلاتهم. # وقيل لأن فيه دلالة على وجود الصانع المختار لما فيه من الآيات التي لا ~~يقدر عليها غيره. وقيل هو هدي للعالمين إلى الجنة لأن من قصده بأن صلى إليه ~~أو حجه فقد أوجب الله تعالى له الجنة برحمته. قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): آية 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # فيه آيات بينات أي فيه دلالات واضحات على حرمته ومزيد فضله، ثم اختلفوا ~~في تفسير تلك الآيات فقيل هي قوله مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا، وقيل ~~الآيات غير مذكورة وهي ما يدل على فضل هذا البيت منها أن الطير لا يطير فوق ~~الكعبة في الهواء بل ينحرف عنها إذا وصل إليها يمينا وشمالا، ومنها أن ~~الوحوش لا تؤذي بعضها في الحرم حتى الكلاب لا تهيج الظباء ولا تصطادها، ~~ومنها أن الطير إذا مرض منه شيء استشفى بالكعبة ومنها تعجيل العقوبة لمن ~~انتهك حرمة البيت وما قصده جبار بسوء إلا أهلكه الله كما أهلك أصحاب الفيل ~~وغيرهم، ومن الآيات التي فيه الحجر الأسود والملتزم والحطيم وزمزم ومشاعر ~~الحج التي فيه كلها من الآيات، ومنها أن الآمر ببناء هذا البيت هو الجليل ~~والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنيانه هو ~~إسماعيل فهذه فضيلة عظيمة لهذا البيت. قوله تعالى: مقام إبراهيم يعني الحجر ~~الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من ~~كثرة المسح بالأيدي ومن دخله كان آمنا قيل لما كانت الآيات المذكورة عقيب ~~قوله: إن أول بيت وضع للناس موجودة في جميع الحرم، علم أن المراد بقوله ومن ~~دخله كان آمنا جميع الحرم ويدل عليه أيضا دعوة إبراهيم حيث قال رب اجعل هذا ~~البلد آمنا يعني من أن ms0531 يهاج فيه وكانت العرب يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم ~~على بعض وكان من دخل الحرم آمن من القتل والغارة وهو المراد من حكم الآية ~~على قول أكثر المفسرين قال الله تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم وقيل في معنى الآية ومن دخله عام عمرة القضاء مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمنا، وقيل هو خبر بمعنى الأمر تقديره ~~ومن دخله فأمنوه وهو قول ابن عباس حتى ذهب أبو حنيفة إلى أن من وجب عليه ~~القتل قصاصا كان أو أحدا فالتجأ إلى الحرم فإنه لا يستوفى منه القصاص أو ~~الحد في الحرم لكنه لا يطعم ولا يبايع ولا يشارى ولا يكلم ويضيق عليهم حتى ~~يخرج من الحرم فيقام عليه الحد خارج الحرم. وقال الشافعي: إذا وجب عليه ~~القصاص خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على أنه ~~لو قتل في الحرم أو سرق أو # PageV01P272 # زنى فإنه يستوفى منه الحد في الحرم عقوبة له، وقيل في معنى الآية ومن ~~دخله معظما له متقربا بذلك إلى الله تعالى كان آمنا من العذاب يوم القيامة ~~وقيل ومن دخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. قوله عز وجل: ولله ~~على الناس حج البيت أي ولله على الناس فرض حج البيت والحج أحد أركان ~~الإسلام. (ق) عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني ~~الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان» فعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحج من أركان الإسلام الخمسة و «من استطاع إليه سبيلا» يعني وفرض الحج ~~واجب على ما استطاع من أهل التكليف ووجد السبيل إلى حج البيت الحرام. # (فصل في فضل البيت والحج والعمرة) (ق) عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن أول بيت وضع للناس مباركا يصلي فيه الكعبة قلت ثم أي؟ # قال: المسجد الأقصى ms0532 قلت كم بينهما؟ قال أربعون عاما». عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد ~~بياضا من اللبن وإنما سودته خطايا بني آدم» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ~~صحيح وله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر: «والله ~~ليبعثنه الله يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من ~~استلمه بحق» وله عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله ~~نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب». # قال الترمذي: وهذا يروي عن ابن عمر موقوفا (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~ومسجد الرسول والمسجد الأقصى» (ق) عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام ~~قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى». (م) عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال له رجل: في كل عام يا رسول الله ~~فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ~~ولما استطعتم» عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة» أخرجه الترمذي وقال ~~حديث حسن وإبراهيم بن يزيد الجوزي المكي قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل ~~حفظه. (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى ~~العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» وفي رواية ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج لله عز وجل وفي لفظ من حج ~~هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ms0533 أخرجه الترمذي وقال: «غفر ~~له ما تقدم من ذنبه» وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث ~~الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة. وما من مؤمن يظل ~~يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وله ~~عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم لبى إلا ~~بلي ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا ~~وهاهنا وقال الترمذي: هذا حديث غريب وله عن ابن عباس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه» قال الترمذي: هذا حديث غريب. # (فصل: في أحكام تتعلق بالحج) قال العلماء: الحج واجب على كل مسلم وهو أحد ~~أركان الإسلام الخمسة. ولوجوب الحج خمس شرائط: الإسلام والبلوغ والعقل ~~والحرية والاستطاعة، ولا يجب على الكافر والمجنون، ولو حجا لم يصح لأن ~~الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم لقول المجنون ولا يجب على الصبي والعبد ~~ولو حج صبي يعقل، أو حج عبد صح حجهما تطوعا، ولا يسقط الفرض فإذا بلغ الصبي ~~وعتق العبد واجتمع فيهما شرائط الحج وجب عليهما # PageV01P273 # أن يحجا ثانيا، ولا يجب على غير المستطيع لقوله تعالى: ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا فلو تكلف غير المستطيع الحج وحج صح حجه وسقط ~~عنه فرض عنه فرض حجة الإسلام والاستطاعة نوعان: # أحدهما: أن يكون مستطيعا بنفسه، والآخر أن يكون مستطيعا بغيره فأما ~~المستطيع بنفسه فهو أن يكون قويا قادرا على الذهاب ووجد الزاد والراحلة لما ~~تقدم من حديث ابن عمر في الزاد والراحلة قال ابن المنذر، وحديث الزاد ~~والراحلة لا يثبت لأنه ليس بمتصل وإنما المرفوع ما رواه إبراهيم بن يزيد عن ~~محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم متروك ms0534 ~~الحديث قال يحيى بن معين: إبراهيم ليس بثقة قال ابن المنذر: واختلف العلماء ~~في قوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا فقالت طائفة الآية على العموم إذ لا ~~نعلم خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا إجماعا لأهل العلم يوجب ~~أن نستثني من ظاهر الآية بعضا فعلى كل مستطيع الحج يجد إليه السبيل بأي وجه ~~كانت الاستطاعة الحج على ظاهر الآية قال: وروينا عن عكرمة أنه قال: ~~الاستطاعة الصحة، وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحا فليؤجر نفسه بأكله وعقبه ~~حتى يقضي نسكه وقال مالك الاستطاعة على إطاقة الناس الرجل يجد الزاد ~~والراحلة ولا يقدر على المشي وآخر يقدر على المشي على رجليه وقالت طائفة: ~~الاستطاعة الزاد والراحلة كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن ~~حنبل واحتجوا بحديث ابن عمر المتقدم. وقال الشافعي: # الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون الرجل مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما ~~يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة فعليه فرض الحج. والثاني: لا يقدر أن يثبت ~~على الراحلة وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه، أو قادر على مال ~~ويجد من يستأجره فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج. أما حكم الزاد ~~والراحلة فهو أن يجد راحلة تصلح له ووجد من الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه ~~فاضلا عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم وعن دين إن كان عليه ووجد ~~رفقة يخرجون في وقت جرت العادة بخروج أهل البلد في ذلك الوقت، فإن خرجوا ~~قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا بقطع أكثر من مرحلة لا يلزمه ~~الخروج معهم. ويشترط أن يكون الطريق آمنا فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو ~~كافر أو رصدي يطلب الخفارة لا يلزمه. ويشترط أن تكون منازل الماء مأهولة ~~معمورة يجد فيها ما جرت العادة بوجوده من الماء والزاد فإن تفرق أهلها بجدب ~~أو غارت مياهها فلا يلزمه الخروج ولو لم يجد الراحلة وهو قادر على المشي أو ~~لم يجد الزاد وهو قادر على ms0535 الاكتساب لا يلزمه الحج عند من جعل وجدان الزاد ~~والراحلة شرطا لوجوب الحج ويستحب له أن يفعل ذلك ويلزمه الحج عند مالك. ~~وأما المستطيع بغيره فهو أن يكون الرجل عاجزا بنفسه بأن كان زمنا أو به مرض ~~لا يرجى برؤه وله مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه فيجب عليه أن يستأجر من ~~يحج عنه وإن لم يكن له مال وبذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه ~~لزمه الحج إن كان يعتمد على صدقه لأن وجوب الحج متعلق بالاستطاعة. وعند أبي ~~حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة وعند مالك لا يجب على من غصب ماله وحجة من ~~أوجب الحج ببذله الطاعة. # ما روي عن ابن عباس قال: «كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا ~~رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحجة أدركت أبي شيخا كبيرا لا ~~يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: نعم وذلك في حجة الوداع» أخرجاه ~~في الصحيحين. # قوله تعالى: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين يعني ومن جحد ما ألزمه ~~الله من فرض حج بيته وكفر به فإن الله غني عنه وعن حجه وعمله وعن جميع خلقه ~~وقيل نزلت فيمن وجد ما يحج ثم مات ولم يحج فهو كفر به لما روي عن علي بن ~~أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ملك زادا أو راحلة ~~تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن ~~الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» أخرجه ~~الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي إسناده ~~مقال وهلال بن عبد الله # PageV01P274 # مجهول والحارث يضعف في الحديث وقيل هو الذي إن حج لم يره ms0536 برا وإن قعد لم ~~يره إثما، وقيل نزلت في اليهود وغيرهم من أصحاب الملل حيث قالوا: إنا ~~مسلمون فنزلت ولله على الناس حج البيت فلم يحجوا. # وقالوا: الحج إلى مكة غير واجب وكفروا به فنزلت ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين. فعلى هذه الأقوال تكون هذه الآية متعلقة بما قبلها وقيل إنه كلام ~~مستأنف ومعناه ومن كفر بالله واليوم الآخر فإن الله غني عن العالمين. # وقوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 98 الى 100] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل ~~يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ~~الله بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) # قل يا أهل الكتاب قيل الخطاب لعلماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الخطاب لجميع أهل الكتاب اليهود والنصارى ~~الذين أنكروا نبوته لم تكفرون بآيات الله يعني الآيات الدالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أنه حق وصدق والمعنى لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم ~~على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بآيات الله القرآن ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم والله شهيد على ما تعملون أي والله شهيد على أعمالكم ~~فيجازيكم عليها قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن، يعني لم ~~تصرفون عن دين الله من آمن وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبهة والشكوك ~~وذلك بإنكارهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم تبغونها عوجا، يعني ~~زيغا وميلا عن الحق والعوج بالكسر الزيغ والميل عن الاستواء في الدين ~~والقول والعمل وكل ما لا يرى فأما الشيء الذي يرى كالحائط والقناة ونحو ذلك ~~يقال فيه عوج بفتح العين والهاء في قوله تبغونها عائدة على السبيل والمعنى ~~لم تطلبون الزيغ والميل في سبيل الله بإلقاء الشبه في قلوب الضعفاء وأنتم ~~شهداء قال ms0537 ابن عباس: يعني وأنتم شهداء أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصفته مكتوب في التوراة، وأن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام وقيل ~~معناه وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم ~~الدالة على نبوته وما الله بغافل عما تعملون فيه وعيد وتهديد لهم وذلك أنهم ~~كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل الله ~~والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال الله تعالى: وما الله بغافل ~~عما تعملون. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~الآية قال زيد بن أسلم: # مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين فمر ~~بنفر من الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم ~~وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ~~وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من ~~قرار فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم ~~يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار وكان ~~يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ~~ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على ~~الركب وهما أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمة ~~من الخزرج فتقاولا فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة ~~وغضب الفريقان جميعا وقالا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهر وهي الحرة ~~فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض على دعواهم في الجاهلية ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين ~~حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ ~~أكرمكم الله بالإسلام وقطع عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ms0538 ما ~~كنتم عليه كفارا؟ الله الله. فعرف القوم أنها نزعة من # PageV01P275 # الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا واعتنق بعضهم بعضا ~~ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قال جابر: فما ~~رأيت يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم فأنزل الله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يعني شاسا اليهودي ~~وأصحابه يردوكم بعد إيمانكم كافرين والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع ~~العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة والحرب وسفك الدماء وفي الآخرة النار ثم ~~قال تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 101 الى 102] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله وكلمة كيف كلمة تعجب ~~والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب وذلك على الله محال، فالمراد منه ~~المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله وهي القرآن حالا بعد حال وكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم يرشدكم إلى مصالحكم وذلك يمنع من وقوع ~~الكفر فكان وقوع الكفر منهم بعيدا على هذا الوجه قال قتادة: في هذه الآية ~~علمان بينان كتاب الله تعالى ونبي الله صلى الله عليه وسلم أما نبي الله ~~فقد مضى، وأما كتاب الله تعالى فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة. ~~(م) عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا ~~بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ الناس وذكر، ثم ~~قال: «أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، ~~وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله ~~واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في ~~أهل بيتي وقوله تعالى: ومن يعتصم بالله أي ms0539 يمتنع بالله ويستمسك بدينه ~~وطاعته وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة، وفيه حث لهم في الالتجاء ~~إلى الله تعالى في دفع شر الكفار عنهم فقد هدي إلى صراط مستقيم أي إلى طريق ~~واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة. قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته. # قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال فلما ~~هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصلح بينهم فافتخر بعد ذلك ~~منهم رجلان وهما ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج. فقال ~~الأوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا ~~عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدبر ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له ~~ورضى الله بحكمه في بني قريظة وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن أبي ~~بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ~~ورئيسهم فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا فجاء الأوس ~~والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال ابن ~~عباس: هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. وقال مجاهد: هو ~~أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله ~~بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم وعن أنس قال: لا يتقي الله عبد حق ~~تقاته حتى يخزن لسانه، وقيل حق تقاته يعني واجب تقواه وهو القيام بالواجب ~~واجتناب المحارم. واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية هل هو منسوخ أم ~~لا على قولين أحدهما أنه منسوخ وذلك أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على ~~المسلمين وقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى الناسخ ~~وهو قوله تعالى في سورة التغابن: فاتقوا الله ما استطعتم وهذا قول ابن عباس ~~وسعيد بن ms0540 جبير وقتادة وابن زيد والسدي. والقول الثاني أنها محكمة غير ~~منسوخة وهو رواية عن ابن عباس أيضا وبه قال طاوس: وموجب هذا الاختلاف يرجع ~~إلى معنى الآية فمن قال إنها منسوخة قال حق تقاته هو أن يأتي العبد بكل ما ~~يجب لله ويستحقه فهذا يعجز العبد عن الوفاء به فتحصيله ممتنع ومن قال بأنها ~~محكمة قال: إن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى # PageV01P276 # اتقوا الله ما استطعتم مفسرا لحق تقاته لا ناسخا ولا مخصصا فمن اتقى الله ~~ما استطاع فقد اتقاه حق تقواه وقيل معنى حق تقاته كما يجب أن يتقي وذلك بأن ~~يجتنب جميع معاصيه، وقيل في معنى قول ابن عباس هو أن يطاع فلا يعصى هذا ~~صحيح والذي يصدر من العبد على سبيل السهو والنسيان غير قادح فيه لأن ~~التكليف في تلك الحال مرفوع عنه وكذلك قوله: وأن يشكر فلا يكفر فواجب على ~~العبد حضور ما أنعم الله به عليه بالبال، وأما عند السهو فلا يجب عليه. ~~وكذلك قوله وأن يذكر فلا ينسى فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة لا عند ~~السهو والنسيان. # وقوله تعالى: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون لفظ النهي واقع على الموت ~~والمعنى واقع على الأمر بالإقامة على الإسلام، والمعنى كونوا على الإسلام ~~فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك. وقيل هذا في الحقيقة نهي عن ترك ~~الإسلام المعنى لا تتركوا الإسلام فإن الموت لا بد منه فمتى جاءكم صادفكم ~~وأنتم على الإسلام لأنه لما كان يمكنكم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم ~~الموت أتاهم وهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في ~~إمكانهم، وقيل معناه ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون مخلصون مفوضون إلى الله ~~أموركم تحسنون الظن به عز وجل. عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرأ هذه الآية: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فقال: ~~لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت ms0541 على أهل الأرض معايشهم ~~فكيف بمن تكون طعامه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 103] # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # واعتصموا بحبل الله جميعا أي تمسكوا بحبل الله والحبل هو السبب الذي ~~يتوصل به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف ~~وقيل حبل الله هو السبب الذي به يتوصل إليه فعلى هذا اختلفوا في معنى الآية ~~فقال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله لأنه سبب يوصل إليه، وقيل حبل الله ~~هو القرآن لأنه أيضا سبب يوصل إليه. وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن أرقم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب ~~الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة» الحديث ~~عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا القرآن هو حبل الله ~~المتين وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به» وذكره البغوي ~~بغير سند وقال ابن مسعود: هو الجماعة وقال عليكم بالجماعة فإنها حبل الله ~~الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة ~~وقيل بحبل الله يعني بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا يعني كما تفرقت اليهود ~~والنصارى وقيل ولا تفرقوا يعني كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين ~~يعادي بعضكم بعضا ويقتل بعضكم بعضا. قيل معناه لا تحدثوا ما يكون عنه ~~التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها ففيه النهي عن التفرق ~~والاختلاف والأمر بالاتفاق والاجتماع لأن الحق لا يكون إلا واحدا وما عداه ~~يكون جهلا وضلالا وإذا كان كذلك وجب النهي عن الاختلاف في الدين وعن الفرقة ~~لأن كل ذلك كان عادة أهل الجاهلية فنهوا عنه وروى البغوي بسنده عن أبي ms0542 ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط ~~لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله ~~جميعا، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة ~~المال وكثرة السؤال». # قوله تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا قال # PageV01P277 # محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ~~فوقعت بينهما عداوة قتيل ثم تطاولت تلك العداوة والحروب بينهم مائة وعشرين ~~سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وسبب ذلك أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه ~~قومه الكامل لجلده ونسبه قدم مكة حاجا أو معتمرا وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة فتصدى له النبي حين سمع به ودعاه إلى الله ~~عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك؟ قال مجلد لقمان يعني حكمة لقمان ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرضها علي فعرضها عليه فقال: إن هذا ~~الكلام حسن ومعي أفضل من هذا قرآن أنزل الله عز وجل على نورا وهدى فتلا ~~عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول قول حسن ثم ~~انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج يوم بعاث وإن قومه يقولون: قد ~~قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الحيس أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل ~~فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فلما سمع بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم وجلس إليهم وقال لهم: # هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما هو؟ قال أنا رسول الله قد بعثني ~~الله إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله ms0543 شيئا وأنزل على الكتاب ثم ~~ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن. قال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم ~~هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيس حفنة من البطحاء فضرب بها وجه ~~إياس وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس وقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس ~~والخزرج فلم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه ~~وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على القبائل من العرب كما ~~كان يصنع في كل موسم فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا ~~وهم ستة نفر أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ورافع بن مالك ~~العجلاني وقطبة بن عامر بن خريدة وعقبة بن عامر بن بابي وجابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم قالوا نفر من ~~الخزرج قال أمن موالي اليهود قالوا نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا: ~~بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم ~~القرآن. قال: # وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا ~~أهل كتاب وعلم وهم أهل أوثان وشرك وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا ~~الآن مبعوث قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم ~~لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه ~~فأجابوه وصدقوه وأسلموا معه وقالوا إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من ~~العداوة والشر ما بينهم فعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم وندعوهم إلى ~~أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا ms0544 عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور ~~الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام ~~المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ~~ابنا عفراء ورافع بن مالك العجلاني وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ~~وزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر فهؤلاء خزرجيون ~~وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس فلقوه بالعقبة وهي العقبة ~~الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف الآية فإن وفيتم فلكم ~~الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة وإن ستر ~~عليكم فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم قال وذلك قبل ~~أن يفرض الحرب، قال: فلما انصرف القوم بعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن ~~عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان ~~يسمى مصعب بالمدينة المقرئ، وكان منزله على # PageV01P278 # أسعد بن زرارة ثم إن أسعد بن زرارة خرج ومصعب فدخل به حائطا من حوائط بني ~~ظفر فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم فقال سعد بن معاذ لأسيد ~~بن حضير انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما ~~فإن أسعد بن خالتي ولولا ذلك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي ~~قومهما من بني عبد الأشهل وهما بعد مشركان فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل ~~إلى مصعب: وأسعد وهما جالسان في الحائط فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب ~~هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن ms0545 يجلس أكلمه فلما وقف ~~عليهما متشتما وقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إن كانت لكما ~~في أنفسكما حاجة قال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته ~~كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام ~~وقرأ عليه القرآن قال والله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم من إشراقه ~~وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا ~~الدين قالا تغتسل وتطهر ثوبك وتشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل ~~وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق ثم صلى ركعتين ثم قال: # إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ~~سعد بن معاذ ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما ~~نظر سعد إلى أسيد مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب ~~به من عندكم فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين ~~فو الله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقال: لا نفعل إلا ما أحببت وقد ~~حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ~~ابن خالتك ليحقروك فقام سعد مغضبا للذي ذكره من بني حارثة فأخذ الحربة ثم ~~قال والله ما أراك أغنيت شيئا فانصرف إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن ~~أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة: ~~لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره ~~وقد كان قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن يتبعك لم يخالفك أحد منهم، ~~فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته ~~عزلنا عنك ما تكره فقال سعد: أنصفت ثم ركزا الحربة وجلس فعرض عليه مصعب ~~الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم ~~من ms0546 إشراق وجهه وتسهله ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ ~~قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل ~~وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته وأقبل عامدا إلى نادي ~~قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رأوه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد ~~إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد ~~الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. قال: ~~فإن كان رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فما أمسى في ~~دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم ومسلمة ورجع أسعد بن زرارة ومصعب بن ~~عمير إلى منزل أسعد فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من ~~دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلا ما كان من دار أمية ~~بن زيد وخطمة ووائل ووافق ذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر ~~وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قالوا ثم إن مصعب بن ~~عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم ~~من أهل الشرك حتى قدموا مكة فوعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من ~~أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية قال كعب ابن مالك وكان قد شهد ~~ذلك فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم من معنا ~~من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا ~~وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ~~ودعوناه إلى الإسلام فأسلم فأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة ms0547 مع قومنا في رحالنا حتى إذا ~~مضى ثلث الليل # PageV01P279 # خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى ~~اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا ~~نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي أم ~~منيع إحدى نساء بني سلمة فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس ابن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا ~~أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوقف له فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس ~~بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار ~~الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه عن قومنا ممن ~~هو على مثل رأينا وهو في # عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، ~~فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما ~~تحملتم به من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن ~~الآن فدعوه فإنه في عزو ومنعة قال فقلنا: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول ~~الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا ~~القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور ~~بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبيا لنمعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا ~~رسول الله فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناهما كابرا عن كابر فاعترض القول ~~والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا ~~رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن ~~فعلنا ذلك ثم أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: بل الدم الدم والهدم ms0548 الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من ~~حاربتم وأسالم من سالمتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلى ~~منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن ~~مريم فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس قال عاصم بن ~~عمرو بن قتادة إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام ~~تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون ~~أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله ~~خزي في الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على ~~نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا فإنا ~~نأخذ على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن ~~وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه وأول من ضرب على يده ~~البراء بن معرور ثم تتابع القوم قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط يا أهل الحباحب هل ~~لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هذا عدو الله هذا أزب العقبة يعني شيطان العقبة اسمع أي عدو ~~الله أما والله لأفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفضوا إلى ~~رحالكم فقال العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على ~~أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك ولكن ~~ارجعوا إلى رحالكم فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا ~~غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا ~~أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه ~~والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا ms0549 وبينه منكم قال ~~فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه ~~وصدقوا لم يعلموا به وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام ~~بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدتان قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن ~~أشرك القوم بها فيما قالوه يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ~~ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ~~ورمى بهما إلي وقال والله لتنتعلنهما قال أبو جابر مه والله أحفظت الفتى ~~فاردد إليه نعليه قال فقلت لا أردهما قال: والله يا أبا صالح لئن صدق الفأل ~~لأسلبنه قال: ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدوا العقد فلما قدموها ~~أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال # PageV01P280 # رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا ~~تأمنون فيها» فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار فأول ~~من هاجر # إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ثم عامر بن ربيعة ثم عبد ~~الله بن جحش ثم تتابعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى ~~المدينة ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمع الله عز ~~وجل أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه عليه ~~الصلاة والسلام وأنزل الله عز وجل: واذكروا يعني يا معشر الأنصار نعمت الله ~~عليكم يعني بالإسلام إذ كنتم أعداء يعني قبل الإسلام فألف بين قلوبكم يعني ~~بالإسلام وبنبيه عليه الصلاة والسلام فأصبحتم بنعمته إخوانا يعني فصرتم ~~برحمته وبدينه الإسلام إخوانا في الدين والولاية بعد العداوة وكنتم يا معشر ~~الأوس والخزرج على شفا حفرة من النار يعني على طرف حفرة مثل شفا البئر ليس ~~بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم فأنقذكم منها أي ~~فخلصكم بالإيمان من الوقوع في النار كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون. ### || [سورة آل عمران ms0550 (3): آية 104] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) # قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر اللام في قوله ولتكن لام الأمر أي لتكن منكم أمة دعاة إلى الخير، ~~وقيل إن كلمة من في قوله منكم للتبيين لا للتبعيض وذلك لأن الله عز وجل ~~أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله تعالى: كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فيجب على كل مكلف ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما بيده أو بلسانه أو بقلبه (م) عن أبي ~~سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف ~~الإيمان» فعلى هذا يكون معنى الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين ~~بالمعروف ناهين عن المنكر ومن قال بهذا القول يقول: إن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به واحد سقط الفرض عن الباقين، وقيل إن ~~من هنا للتبعيض وذلك لأن في الأمة من لا يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لعجز وضعف فحسن إدخال لفظ من في قوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير وقيل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يختص بالعلماء ولاة ~~الأمر فعلى هذا يكون المعنى ليكن بعضكم آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. (خ) ~~عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود ~~الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم ~~أسفلها فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: ~~لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا ~~جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا» والخير المذكور في الآية هو كل شيء ~~يرغب فيه من الأفعال الحسنة وقيل: هو هنا كناية عن الإسلام والمعنى لتكن ~~أمة ms0551 أي جماعة دعاة إلى الإسلام وإلى كل فعل حسن يستحسن في الشرع والعقل ~~وقيل الدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان: أحدهما: # الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف. والثاني: الترغيب في ترك ما ~~لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الحسن أولا وهو الخير ثم أتبعه بنوعيه ~~مبالغة في البيان والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه والمنكر ضد ~~ذلك وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه وقوله تعالى: وأولئك هم المفلحون تقدم ~~تسيره. # قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 105 الى 106] # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا يعني ولا تكونوا يا معشر المؤمنين ~~كالذين تفرقوا يعني أهل الكتاب # PageV01P281 # وهم اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين واختلفوا في دين الله وأمره ~~ونهيه، وقيل تفرقوا واختلفوا بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد وقيل تفرقوا ~~بسبب العداوة واتباع الهوى واختلفوا في دين الله فصاروا فرقا مختلفين قال ~~الربيع في هذه الآية: هم أهل الكتاب نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا أو ~~يختلفوا كما تفرق واختلف أهل الكتاب. وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ~~بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم ~~بالمراء والخصومات في الدين. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة وقال ~~أبو أمامة: هم الحرورية: # قال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية على درج ~~جامع دمشق فذرفت عيناه ثم قال: # كلاب أهل النار وكانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، شر قتيل تحت أديم ~~السماء، وخير قتيل تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء قلت فما شأنك دمعت ~~عيناك قال رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا بعد إيمانهم ثم أخذ بيدي ~~وقال: إن بأرضي منهم كثير وفي رواية ثم قرأ بعد قوله: كفروا بعد إيمانهم ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ms0552 إلى قوله: أكفرتم بعد إيمانكم ورواه ~~الترمذي عن أبي غالب قال رأى أبو أمامة: رؤوسا منصوبة على درج دمشق فقال ~~أبو أمامة كلاب أهل النار شر قتلي تحت أديم السماء خير قتلي من قتلوه ثم ~~قرأ: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآية قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاث ~~مرات أو أربع مرات حتى عد سبعا ما حدثتكموه وقال فيه هذا حسن وقوله تعالى: ~~من بعد ما جاءهم البينات يعني الحجج الواضحات فعلموها ثم خالفوها وإنما قال ~~جاءهم ولم يقل جاءتهم لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل في التقديم تشبيها ~~بعلامة التثنية والجمع وأولئك لهم عذاب عظيم يعني لهؤلاء الذين تفرقوا ~~واختلفوا لهم عذاب عظيم في الآخرة وفيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق ~~والخلاف عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق ~~الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه أخرجه أبو داود. أراد بربقة ~~الإسلام عقد الإسلام وأصله أن الربق حبل فيه عدة عرا يشد بها الغنم الواحدة ~~من العري ربقة. وروى البغوي بسنده عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن الشيطان ~~مع الفذ وهو من الاثنين أبعد» بحبوحة الجنة وسطها والفذ هو الواحد. قوله عز ~~وجل: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه يعني اذكروا يوم تبيض وجوه المؤمنين وتسود ~~وجوه الكافرين، وقيل تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة، وقيل تبيض ~~وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين وفي بياض الوجوه وسوادها قولان: ~~أحدهما، إن البياض كناية عن الفرح والسرور والسواد كناية عن الغم والحزن، ~~وهذا مجاز مستعمل يقال لمن نال بغيته وظفر بمطلوبه ابيض وجهه يعني من ~~السرور والفرح ولمن ناله مكروه اسود وجهه وأريد لونه يعني من الحزن والغم ~~قال الله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا يعني من الحزن ms0553 فعلى ~~هذا بياض الوجوه إشراقها وسرورها واستبشارها بعملها، وذلك أن المؤمن إذا ~~ورد القيامة على ما قدم من خير وعمل صالح استبشر بثواب الله ونعمه عليه ~~فإذا كان كذلك وسم وجهه ببياض اللون وإشراقه واستنارته وابيضت صحيفته ~~وأشرقت وسعى النور بين يديه وعن يمينه وشماله. وأما الكافر والظالم إذا ورد ~~القيامة على ما قدم من قبيح عمل وسيئات حزن واغتم لعلمه بعذاب الله فإذا ~~كان كذلك وسم وجهه بسواد اللون وكمودته واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به ~~الظلمة من كل جانب نعوذ بفضل الله وسعة رحمته من الظلمات يوم القيامة ~~والقول الثاني بياض الوجوه وسوادها حقيقة تحصل في الوجه فيبيض وجه المؤمن ~~ويكسى نورا ويسود وجه الكافر ويكسى ظلمة لأن لفظ البياض والسواد حقيقة ~~فيهما والحكمة في بياض الوجوه وسوادها أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه ~~المؤمن عرفوا أنه من أهل السعادة وإذا رأوا سواد وجه الكافر عرفوا أنه من ~~أهل الشقاوة فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون أي فيقال لهم أكفرتم والهمزة للتوبيخ والتقريع. # فإن قلت كيف قال أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين فمن المراد ~~بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم. قلت # PageV01P282 # اختلف العلماء في ذلك فروى عن أبي بن كعب أنه قال: أراد به الإيمان يوم ~~أخذ الميثاق حين قال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى فآمن الكل، فكل من كفر في ~~الدنيا فقد كفر بعد الإيمان، وقال الحسن: هم المنافقون وذلك أنهم تكلموا ~~بالإيمان بألسنتهم وأنكروه بقلوبهم. وقال عكرمة: هم أهل الكتاب وذلك أنهم ~~آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث أنكروه وكفروا به وقيل ~~هم الذين ارتدوا زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهم أهل الردة (ق) عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض وليرفعن ~~إلي رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأنا لهم اختلجوا دوني فأقول أي رب ~~أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (ق) ms0554 عن أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي ~~اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فيقال لي لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك» زاد في رواية فأقول: «سحقا لمن بدل بعدي» (ق) عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال ~~من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول: إنه لا علم لك بما ~~أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى» وقيل هم الخوارج الذين ~~خرجوا على علي بن أبي طالب وقتلهم وهم الحرورية. (م) عن زيد بن وهب أنه كان ~~في الجيش الذين كانوا مع علي لما ساروا إلى الخوارج فقال علي: أيها الناس ~~إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون ~~القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا ~~صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز ~~صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» وفي رواية ~~سويد بن غفلة عنه يقرءون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين ~~كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم عند الله يوم القيامة (ق) عن بشير بن عمرو. قال: قلت لسهل بن حنيف هل ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئا قال: سمعته يقول ~~وأهوى بيده إلى العراق «ويخرج منهم قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ~~يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية» وقيل هم أهل البدع والأهواء من ~~هذه الأمة كالقدرية ونحوهم ومن قال بهذا القول يقول كفرهم بعد إيمانهم هو ~~خروجهم من الجماعة ومفارقتهم في الاعتقاد. (م) عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح ~~الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض ms0555 من ~~الدنيا». # وقال الحارث الأعور: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: على المنبر ~~إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به الجنة وإن ~~الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار ثم قرأ ~~يوم تبيض وجوه الآية ثم نادى هم الذين كفروا بعد الإيمان ورب الكعبة. وقوله ~~تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 107 الى 108] # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) # وأما الذين ابيضت وجوههم يعني المؤمنين المطيعين لله عز وجل ففي رحمت ~~الله يعني ففي جنة الله وإنما سميت الجنة رحمة لأنها دار رحمة وفيه إشارة ~~إلى أن العبد وإن عمل بالطاعات لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى هم فيها ~~خالدون قيل: إنما كرر كلمة في لأن في كل واحدة منهن معنى غير الأخرى المعنى ~~أنهم في رحمة الله وأنهم في الرحمة خالدون تلك آيات الله يعني القرآن وقيل ~~هذه الآيات التي تقدمت نتلوها عليك بالحق أي بالمعنى الحق لأن المتلو حق ~~وما الله يريد ظلما للعالمين يعني لا يعاقب أحدا بغير جرم واستحقاق للعقوبة ~~وإنما ذكر الظلم هنا لأنه قد تقدم ذكر العقوبة في قوله فأما الذين اسودت ~~وجوههم إلى قوله فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أخبر أنهم إنما وقعوا فيما ~~وقعوا فيه بسبب أفعالهم المنكرة وأنه لا يظلم أحدا من خلقه. # PageV01P283 # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 109 الى 110] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) # ولله ما في السماوات وما في الأرض لما ذكر الله أنه لا يريد ظلما ~~للعالمين لأنه لا حاجة به إلى الظلم، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد ~~مالا أو عزا أو سلطانا أو يتم نقصا ms0556 فيه بما يظلم به غيره ولما كان الله عز ~~وجل مستغنيا عن ذلك، وله صفة الكمال أخبر أن له ما في السموات وما في الأرض ~~وأن جميع ما فيهما ملكه وأهلهما عبيده، وإذا كان كذلك يستحيل في حقه سبحانه ~~وتعالى أن يظلم أحدا من خلقه لأنهم عبيده، وفي قبضته ثم قال: وإلى الله ~~ترجع الأمور يعني وإليه مصير جميع الخلائق المؤمن والكافر والطائع والعاصي ~~فيجازي الكل على قدر استحقاقهم ولا يظلم أحدا منهم. # قوله عز وجل: كنتم خير أمة سبب نزول هذه الآية أن مالك بن الصيف ووهب بن ~~يهودا اليهوديين قالا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم ~~مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي تدعوننا إليه فأنزل ~~الله هذه الآية واختلف في لفظة كان فقيل هي بمعنى الحدوث والوقوع والمعنى ~~حدثتم ووجدتم وخلقتم خير أمة وقيل كان هنا ناقصة وهي عبارة عن وجود الشيء ~~في زمان ماض ولا تدل على انقطاع طارئ بدليل قوله: وكان الله غفورا رحيما ~~فعلى هذا التقدير يكون المعنى: كنتم في علم الله خير أمة وقيل كنتم مذكورين ~~في الأمم الماضية بأنكم خير أمة، وقيل كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم ~~خير أمة وقيل معناه كنتم منذ آمنتم خير أمة وقيل قوله خير أمة تابع لقوله: ~~وأما الذين ابيضت وجوههم والتقدير أنه يقال لهم عند دخول الجنة: كنتم في ~~دنياكم خير أمة فلهذا استحققتم ما أنتم فيه من بياض الوجوه والنعم المقيم، ~~وقيل كنتم بمعنى أنتم وقيل يحتمل أن يكون كان بمعنى صار فمعنى قوله كنتم أي ~~صرتم خير أمة. فأما المخاطبون بهذا من هم ففيه خلاف قال ابن عباس في قوله ~~كنتم خير أمة هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن ~~جرير عن عمر بن الخطاب قال لو شاء الله تعالى لقال: أنتم فكنا كلنا ولكن في ~~خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل ما صنعتم ms0557 كانوا ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وقال الضحاك: هم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني به كانوا هم الرواة الدعاة الذين ~~أمر الله عز وجل المسلمين باتباعهم وطاعتهم. (ق) عن عمران بن حصين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قوما ~~يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم ~~السمن» زاد في رواية: «ويحلفون ولا يستحلفون». (ق) عن ابن مسعود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» قوله: «خير ~~الناس قرني» يعني أصحابي والقرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه ~~الزمان الزمان الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل ~~القرن أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة. (ق) عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» النصيف النصف. وقال ابن عباس في رواية ~~عطاء في قوله: كنتم خير أمة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال الزجاج ~~قوله كنتم خير أمة الخطاب فيه مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه ~~عام في كل أمة ونظيره قوله: «كتب عليكم الصيام، كتب عليكم القصاص» فإن كل ~~ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا هاهنا عن بهز ~~بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله ~~تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس قال أنتم الأمة تتمون سبعين أمة أنتم ~~خيرها وأكرمها على الله تعالى أخرجه الترمذي وقال حديث حسن # PageV01P284 # وأصل الأمة الجماعة المجتمعة على الشيء. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم ~~الجماعة الموصوفين ms0558 بالإيمان بالله عز وجل وبمحمد صلى الله عليه وسلم (خ) عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة ~~إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» ~~عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يجمع أمتي أو ~~قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ ~~في النار» أخرجه الترمذي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها # في الدنيا الفتن والزلازل والقتل» أخرجه أبو داود عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي كمثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله» ~~أخرجه الترمذي وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أهل ~~الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» وله عن ~~ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «باب أمتي الذي يدخلون منه ~~الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ثلاثا ثم إنهم يتضاغطون عليه حتى ~~تكاد مناكبهم تزول» قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فلم ~~يعرفه وقال لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله زاد غيره في ~~الحديث وهم شركاء الناس في سائر الأبواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من أمتي من يشفع في الفئام من الناس ومنهم من ~~يشفع في القبيلة ومنهم من يشفع للعصبة من يشفع للواحد» أخرجه الترمذي (خ) ~~عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليدخلن الجنة من ~~أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف سماطين متماسكين آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل ~~أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» عن أبي أمامة قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0559 يقول: «وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة ~~سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب ومع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من ~~حثيات ربي» أخرجه الترمذي. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجنة حرمت على ~~الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» وقوله تعالى: ~~أخرجت للناس معناه كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ومعنى ~~أخرجت أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وقيل معناه كنتم للناس خير أمة أخرجت ~~(خ) عن أبي هريرة قال: كنتم خير أمة أخرجت للناس قال: خير الناس للناس ~~تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وقيل أخرجت صلة ~~والتقدير كنتم خير أمة للناس وقيل معناه ما أخرج للناس أمة خير من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر هذا كلام مستأنف ~~والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية وكونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم ~~الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم. والمعروف هو التوحيد، والمنكر هو الشرك، ~~والمعنى تأمرون الناس بقول لا إله إلا الله وتنهونهم عن الشرك وتؤمنون ~~بالله أي وتصدقون بالله وتخلصون له التوحيد والعبادة. فإن قلت لم قدم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان يلزم ~~أن يكون مقدما على كل الطاعات والعبادات؟. قلت الإيمان بالله أمر يشترك فيه ~~جميع الأمم المؤمنة وإنما فضلت هذه الأمة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر على سائر الأمم، وإذا كان كذلك كان المؤثر في هذه الخيرية هو ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط في هذا الحكم ~~لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يضر شيء من الطاعات مقبولا فثبت أن الموجب لهذه ~~الخيرية لهذه الأمة هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فلهذا السبب ~~حسن تقديم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان وقوله ~~تعالى: ولو آمن أهل الكتاب يعني ولو ms0560 آمن اليهود والنصارى بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبالدين الذي جاء به لكان خيرا لهم يعني مما هم عليه من اليهودية ~~والنصرانية وإنما حملهم على ذلك حب الرياسة واستتباع العوام ولو أنهم آمنوا ~~لحصلت لهم الرياسة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة وهو دخول الجنة ~~منهم يعني من أهل الكتاب المؤمنون يعني عبد الله بن سلام وأصحابه الذين ~~أسلموا من اليهود والنجاشي # PageV01P285 # وأصحابه الذين أسلموا من النصارى وأكثرهم الفاسقون أي المتمردون في ~~الكفر، وقيل إن الكافر قد يكون عدلا في دينه وهؤلاء مع كفرهم فاسقون. قوله ~~عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 111 الى 112] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من ~~الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # لن يضروكم إلا أذى سبب نزول هذه الآية أن رؤساء اليهود عمدوا إلى من آمن ~~منهم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فأنزل الله تعالى لن ~~يضروكم إلا أذى يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى يعني ~~باللسان من طعنهم في دينكم أو تهديد أو إلقاء شبهة وتشكيك في القلوب وكل ~~ذلك يوجب الأذى والغم وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار يعني منهزمين مخذولين ثم ~~لا ينصرون يعني لا يكون لهم النصر عليكم بل تنصرون عليهم وفيه تثبيت لمن ~~أسلم من أهل الكتاب لأنهم كانوا يؤذونهم بالقول ويهددونهم ويوبخونهم ~~فأعلمهم الله تعالى أنهم لا يقدرون أن يجاوزوا الأذى بالقول إلى غيره من ~~الضرر ثم وعدهم الغلبة والانتقام منهم وأن عاقبتهم الخذلان والذل فقال ~~تعالى: ضربت عليهم الذلة يعني جعلت الذلة ملصقة بهم كالشيء يضرب على الشيء ~~فيلتصق به، والمراد بالذلة قتلهم وسبيهم وغنيمة أموالهم وقيل الذلة ضرب ~~الجزية عليهم لأنهم ذلة وصغار وقيل ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكا قاهرا ~~ولا رئيسا معتبرا بل مستضعفون في ms0561 جميع البلاد أينما ثقفوا أي حيثما وجدوا ~~وصودفوا إلا بحبل من الله يعني إلا بعهد من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم ~~الذلة وحبل من الناس يعني المؤمنين ببذل الجزية والمعنى ضربت عليهم الذلة ~~في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس وهو ذمة الله ~~وعهده وذمة المسلمين وعهدهم لا عزلهم إلا هذه الواحدة وهي التجائوهم إلى ~~الذمة لما قبلوه من بذل الجزية. وإنما سمي العهد حبلا لأنه سبب يوصل إلي ~~الأمن وزال الخوف وباؤ بغضب من الله يعني رجعوا بغضب من الله واستوجبوه ~~وقيل أصله من البواء وهو المكان والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا ~~فيه وضربت عليهم المسكنة يعني كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في ~~المسكنة غير خارجين منها قال الحسن المسكنة هي الجزية، وذلك لأن الله تعالى ~~أخرج المسكنة عن الاستثناء، وذلك يدل على أنها باقية عليهم والباقي عليهم ~~هو الجزية فدل على أن المسكنة هي الجزية، وقيل المراد بالمسكنة هو أن ~~اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيا موسرا ذلك إشارة إلى ما ذكر من ~~ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب بأنهم أي بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون أي ذلك الذي نزل ~~بهم بسبب عصيانهم لله عز وجل وتعديهم لحدوده فنزل بهم ما نزل قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 113 الى 114] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) # ليسوا سواء قال ابن عباس: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار ~~اليهود ما آمن محمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين ~~آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي قوله: ليسوا سواء قولان أحدهما أنه ~~كلام تام يوقف عليه والمعنى أهل الكتاب الذي سبق ذكرهم منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون ليسوا ms0562 سواء، وقيل # PageV01P286 # معناه لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله ~~الثابتة على الحق. والقول الثاني أن قوله: ليسوا سواء متعلق بما بعده ولا ~~يوقف عليه وقوله: من أهل الكتاب أمة قائمة فيه اختصار وإضمار والتقدير ~~ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة غير قائمة فترك ذكر ~~الأمة الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين وهذا على مذهب العرب أن ذكر أحد ~~الضدين يغني عن ذكر الآخر قال أبو ذؤيب: # دعاني إليها القلب إني امرؤ لها ... مطيع فلا أدري أرشد طلابها # أراد أم غير رشد فاكتفى بذكر أحد الرشدين دون الآخر. وقال الزجاج: لا ~~حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأنه قد جرى ذكر أهل الكتاب بقوله: كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله أن منهم أمة قائمة ~~فلا حاجة بنا إلى أن نقول وأمة غير قائمة إنما ابتدأ بذكر فعل الأكثر منهم ~~وهو الكفر والمشاقة، ثم ذكر من كان مباينا لهم في فعلهم فقال: «ليسوا سواء ~~من أهل الكتاب أمة قائمة» قال ابن عباس: قائمة أي مهدية قائمة على أمر الله ~~تعالى لم يضعوه ولم يتركوه، وقيل قائمة أي عادلة وقيل قائمة على كتاب الله ~~عز وجل وحدوده وقيل: قائمة في الصلاة يتلون آيات الله أي يقرءون كتاب الله ~~عز وجل: آناء الليل يعني ساعاته وهم يسجدون يعني يصلون، عبر بالسجود عن ~~الصلاة لأن التلاوة لا تكون في السجود وقيل: هي صلاة التهجد بالليل وقيل هي ~~صلاة العشاء لأن اليهود لا يصلونها وقيل يحتمل أنه أراد بالسجود الخضوع ~~والخشوع لأن العرب تسمي الخشوع سجودا وقال عطاء في قوله تعالى: ليسوا سواء ~~من أهل الكتاب أمة قائمة يريد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب واثنين ~~وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة ~~والسلام وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وكانوا عدة نفر من ~~الأنصار منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو ms0563 قيس صرمة ~~بن أنس كانوا قبل الإسلام موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما عرفوا من ~~شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله عز وجل بالنبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به ~~وصدقوه، ثم وصفهم الله تعالى بصفات ما كانت في اليهود فقال: يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وذلك لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك ويصفون اليوم الآخر بغير ~~ما يصفه المؤمنون، وقيل إن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ~~ورسله واليهود يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض والإيمان باليوم الآخر ~~يستلزم الحذر من فعل المعاصي واليهود لا يحترزون منها فلم يحصل الإيمان ~~الخالص بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يعني غير ~~مداهنين كما يداهن اليهود بعضهم بعضا. وقيل يأمرون بالمعروف يعني بتوحيد ~~الله تعالى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وينهون عن المنكر يعني عن ~~الشرك وعن كتم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ويسارعون في الخيرات أي يبادرون ~~إليها خوف الفوت وذلك أن من رغب في أمر سارع إليه وقام به غير متوان عنه ~~وقيل يسارعون في الخيرات غير متثاقلين ولا كسالى وأولئك إشارة إلى ~~الموصوفين بما وصفوا به من الصالحين أي من جملة الصالحين الذين صلحت ~~أحوالهم عند الله عز وجل ورضي عنهم واستحقوا ثناءه عليهم، وذلك لأن الصلاح ~~ضد الفساد فإذا حصل الصلاح للإنسان فقد حصل له أعلى الدرجات وأكمل المقامات ~~وقيل يحتمل أن يراد بالصالحين المسلمون والمعنى أولئك الذين تقدم وصفهم من ~~جملة المسلمين. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 115 الى 118] # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) إن الذين كفروا ~~لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت ~~حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ~~قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ms0564 قد بينا لكم الآيات إن ~~كنتم تعقلون (118) # PageV01P287 # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه قرئ بالياء لأن الكلام متصل بما قبله من ~~ذكر مؤمني أهل الكتاب وذلك أن اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه ~~إنكم خسر ثم بسبب هذا الدين الذي دخلتم فيه فأخبر الله تعالى أنهم فازوا ~~بالدرجات العلى وما فعلوه مكن خير يجازيهم به ولا يمنع من خصوص السبب عموم ~~الحكم فيدخل فيه كل فاعل للخير وقرئ بالتاء على أنه ابتداء كلام وهو خطاب ~~لجميع المؤمنين ويدخل فيه مؤمنوا أهل الكتاب أيضا ومعنى الآية وما تفعلوا ~~من خير أيها المؤمنون فلن تكفروه أي فلن تعدموا ثوابه ولن تجرموه أو تمنعوه ~~بل يشكره لكم ويجازيكم به والله عليم بالمتقين فيه بشارة للمتقين بجزيل ~~الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل الإيمان والتقوى. قوله عز وجل: ~~إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا قال ابن ~~عباس: يريد بني قريظة والنضير وذلك أن رؤساء اليهود مالوا إلى تحصيل ~~الأموال في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان مقصودهم ~~بمعاداته تحصيل الرياسة والأموال فقال الله عز وجل: لن تغني عنهم أموالهم ~~وقيل: نزلت في مشركي قريش فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بالأموال وأنفق ~~أبو سفيان مالا كثيرا في يومي بدر وأحد على المشركين وقيل: إن الآية عامة ~~في جميع الكفار لأن اللفظ عام ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراء اللفظ على ~~عمومه ومعنى الآية: إن الذين كفروا لن تغني أي تدفع أموالهم بالفدية لو ~~افتدوا بها من عذاب الله ولا أولادهم بالنصر وإنما خص الأموال والأولاد ~~بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بالفداء بالمال وتارة بالاستعانة ~~بالأولاد فأعلم الله تعالى أن الكافر لا ينفعه شيء من ذلك في الآخرة ولا ~~مخلص له من عذاب الله وهو قوله: وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا ~~يخرجون منها ولا يفارقونها قوله عز وجل: ثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا # قيل أراد ms0565 نفقة أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد في معاداة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقيل أراد نفقة اليهود على علمائهم ورؤسائهم وقيل: أراد نفقات ~~جميع الكفار وصدقاتهم في الدنيا وقيل: أراد نفقة المرائي الذي لا يريد بما ~~ينفق وجه الله تعالى وذلك لأن إنفاقهم المال إما أن يكون لمنافع الدنيا أو ~~لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبق له أثر في الآخرة في حق المسلم ~~فضلا عن الكافر وإن كان لمنافع الآخرة كمن يتصدق ويعمل أعمال البر فإن كان ~~كافرا فإن الكفر محبط لجميع أعمال البر فلا ينتفع بما أنفق في الدنيا لأجل ~~الآخرة وكذلك المرائي الذي لا يريد بما أنفق وجه الله تعالى فإنه لا ينتفع ~~بنفقته في الآخرة ثم ضرب لذلك الإنفاق مثلا فقال تعالى: مثل ريح فيها صر # فيه وجهان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة إن الصر البرد ~~الشديد وبه قال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: والوجه الثاني أن الصر هو ~~السموم الحارة التي تقتل وهو رواية عن ابن عباس وبه قال ابن الأنباري من ~~أهل اللغة وعلى الوجهين فالتشبيه صحيح والمقصود منه حاصل لأنها سواء كان ~~فيها برد فهي مهلكة أو حر فهي مهلكة أيضاصابت # يعني الريح التي فيها صررث قوم # أي زرع قوم لموا أنفسهم # يعني بالكفر والمعاصي ومنع حق الله فيه أهلكته # يعني فأهلكت الريح الزرع ومعنى الآية مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت ~~الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع ~~به أصحابه. فإن قلت الغرض تشبيه ما أنفقوا وأبطال ثوابه وعدم الانتفاع به ~~الحرث الذي هلك بالريح فكيف شبهه بالريح المهلكة للحرث؟ قلت هو من التشبيه ~~المركب وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم ~~تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين فعلى هذا زال الإشكال ومن التشبيه ما ~~حصلت فيه المشابهة بين المقصود من الجملتين وبين أجزاء كل واحدة منهما فإن ~~جعلنا هذا المثل من هذا القسم ففيه وجهان: ms0566 أحدهما أن يكون التقدير مثل ~~الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للحرث. الوجه الثاني مثل ما ~~ينفقون كمثل مهلك الريح وهو الحرث والمقصود من ضرب هذا المثل هو تشبيه # ما ينفقون بشيء يذهب # PageV01P288 # بالكلية ولا يبقى منه شيء. وقوله تعالى: ما ظلمهم الله # يعني بأن لم يقبل نفقاتهم لكن أنفسهم يظلمون # يعني أنهم عصوا الله فاستحقوا عقابه فأبطل نفقاتهم وأهلك حرثهم وقيل ~~ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بنفقاتهم مستحقة للقبول. قوله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة الآية قال ابن عباس: كان رجال من المسلمين ~~يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم ويدل على ~~صحة هذا القول أن الآيات المتقدمة فيها ذكر اليهود فتكون هذه الآية كذلك، ~~وقيل كان قوم من المؤمنين يصافون المنافقين ويفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم ~~على الأحوال الخفية فنهاهم الله عن ذلك وحجة هذا القول أن الله ذكر في سياق ~~هذه الآية قوله: وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ وهذه صفة المنافقين لا صفة اليهود وقيل المراد بهذه جميع أصناف ~~الكفار، ويدل على صحة هذا القول معنى الآية لأن الله تعالى قال لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من دون المؤمنين فيكون ذلك ~~نهيا عن جميع الكفار والبطانة خاصة الرجل المطلع على سره واشتقاقه من بطانة ~~الثوب بدلالة قولهم لبست فلانا إذا اختصصته، ويقال فلان شعاري ودثاري ~~والشعار الذي يلي الجسد وكذلك البطانة والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد ~~القرب يسمي بطانة لأنه يستبطن أمره ويطلع منه على ما لا يطلع عليه غيره من ~~دونكم قبل من صلة زائدة والتقدير لا تتخذوا بطانة دونكم، وقيل من للتبيين ~~أي لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم والمعنى لا تتخذوا أولياء ولا أصفياء ~~من غير أهل ملتكم ثم بين سبحانه وتعالى علة النهي عن مباطنتهم فقال تعالى: ~~لا يألونكم خبالا ms0567 يعني لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر ~~والفساد وهو الخبال لأن أصل الخبال الفساد والضرر الذي يلحق الإنسان فيورثه ~~نقصان العقل ودوا ما عنتم أي يودون عنتكم وهو ما يشق عليكم من الضرر والشر ~~والهلاك والعنت المشقة قد بدت البغضاء من أفواههم أي ظهرت العداوة من ~~أفواقهم بالشتيمة والوقيعة بين المسلمين وقيل هو إطلاع المشركين على أسرار ~~المؤمنين وما تخفي صدورهم يعني من العداوة والغيظ أكبر أي أعظم مما يظهرونه ~~قد بينا لكم الآيات يعني الدالة على وجوب الإخلاص في الدين من موالاة ~~المؤمنين ومعادة الكافرين إن كنتم تعقلون يعني ما بين لكم فتتعظون به. قوله ~~تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 119 الى 120] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # ها أنتم ها للتنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور أولاء اسم للمشار ~~إليهم في قوله تحبونهم والمعنى أنتم إليها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود ~~الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم وبينهم من القرابة والرضاع ~~والمصاهرة والحلف ولا يحبونكم يعني اليهود لما بينكم وبينهم من المخالفة في ~~الدين، وقيل تحبونهم يعني تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ولا يحبونكم ~~لأنهم يريدون لكم الكفر وهو شر الأشياء لأن فيه هلاك الأبد وقيل هم ~~المنافقون تحبونهم لما أظهروا من الإيمان وأنتم لا تعلمون ما في قلوبهم ولا ~~يحبونكم لأن الكفر ثابت في قلوبهم وقيل تحبونهم وذلك بأن تفشوا إليهم ~~أسراركم ولا يحبونكم أي لا يفعلون مثل ذلك معكم وتؤمنون بالكتاب كله يعني ~~وهم لا يؤمنون وإنما ذكر الكتاب بلفظ الواحد والمراد به الجمع لأنه ذهب به ~~إلى الجنس كقولهم كثر الدرهم في أيدي الناس والمعنى أنكم تؤمنون بالكتب ~~كلها وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم وإذا لقوكم قالوا آمنا ms0568 يعني أن الذين ~~وصفهم في هذه الآية بهذه الصفات إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا كإيمانكم ~~وصدقنا كتصديقكم وهذه صفة المنافقين وقيل هم اليهود وإذا خلوا أي خلا بعضهم ~~إلى بعض # PageV01P289 # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ الأنامل جمع أنملة وهي طرف الأصبع والمعنى ~~أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا العداوة وشدة الغيظ، على المؤمنين لما يرون ~~من ائتلافهم واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم وعض الأنامل عبارة عن شدة ~~الغيظ وهذا من مجاز الأمثال وإن لم يكن هناك عض كما يقال عض يده من الغيظ ~~والغضب قل موتوا بغيظكم هذا دعاء عليهم أن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به وذلك ~~لما يرون من قوة الإسلام وعزة أهله ومالهم في ذلك من الذل والخزي والمعنى ~~ابقوا إلى الممات بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور يعني به الخواطر القائمة ~~بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة ~~إليه كنى عنها بذات الصدور والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم ~~من الخواطر فأخبرهم أنه عليم بما يسرونه من عض الأنامل غيظا إذا خلوا وأنه ~~عليم بما هو أخفى منه وهو ما يسرونه في قلوبهم. قوله عز وجل: إن تمسسكم أي ~~تصبكم أيها المؤمنون وأصل المس باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى شيء ماسا له ~~على سبيل التشبيه كما يقال مسه نصب وتعب أي أصابه حسنة المراد بالحسنة هنا ~~منافع الدنيا مثل ظهوركم على عدوكم وإصابتكم غنيمة منهم وتتابع الناس في ~~الدخول في دينكم وخصب في معايشكم تسؤهم أي تحزنهم وتغمهم والسوء ضد الحسنى ~~وإن تصبكم سيئة أي مساءة من إخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم أو اختلاف ~~يقع بينكم أو غدر ونكبة ومكروه يصيبكم يفرحوا بها أي بما أصابكم من ذلك ~~المكروه وإن تصبروا يعني على أذاهم وقيل إن تصبروا على طاعة الله وما ~~ينالكم فيها من شدة وتتقوا أي تخالفوا ربكم وقيل وتتقوا ما نهاكم عنه ~~وتتوكلوا عليه لا يضركم أي لا ينقصكم كيدهم أي عداوتهم ومكرهم شيئا ms0569 أي ~~لأنكم في عناية الله وحفظه إن الله بما يعملون قرئ بالياء على الغيبة ~~والمعنى أنه عالم بما يعملون من عداوتكم وأذاكم فيعاقبهم عليه وقرئ بالتاء ~~على خطاب الحاضر والمعنى أنه عالم بما تعملون أيها المؤمنون من الصبر ~~والتقوى فيجازيكم عليه محيط أي عالم بجميع ذلك حافظ لا يعزب عنه شيء منه. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 121] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال قال جمهور المفسرين إن هذا ~~كان في يوم أحد وهو قول عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس والزهري ~~وقتادة والسدي والربيع وابن إسحاق، وقال الحسن ومجاهد ومقاتل: إنه يوم ~~الأحزاب ونقل عن الحسن أيضا أنه يوم بدر قال ابن جرير الطبري الأول أصح ~~لقوله تعالى: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقد اتفق العلماء أن ذلك كان ~~يوم أحد قال مجاهد والكلبي والواقدي غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~منزل عائشة فمشى على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح ~~قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ~~فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد ~~الله بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبد الله بن أبي ~~وأكثر الأنصار يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليه فو الله ما خرجنا ~~منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت ~~فينا فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلتهم ~~الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا ~~رجعوا خائبين فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقال بعض ~~أصحابه يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب لئلا يروا أنا جبنا عنهم ~~وضعفنا وخفناهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد رأيت في منامي ms0570 ~~بقرا فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت ~~يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم ~~فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلهم في الأزقة ~~فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد ~~أخرج بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم ~~للقاء # PageV01P290 # القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله ولبس لأمته فلما رأوه ~~قد لبس السلاح ندموا وقال بئس ما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والوحي يأتيه فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: يا رسول الله اصنع ما شئت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها ~~حتى يقاتل وكان قد قام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، وكان قد مات في ~~ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه ثم خرج عليهم فأصبح بالشعب من أحد يوم ~~السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وقيل كان نزوله في جانب الوادي ~~وجعل ظهره وأصحابه إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة. وقال ادفعوا ~~عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوا الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا ~~تخرجوا من هذا المقام ولما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عبد الله ~~بن أبي ابن سلول شق عليه ذلك وقال لأصحابه أطاع الولدان وعصاني ثم قال ~~لأصحابه إن محمدا إنما يظفر بعدوه بكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا ~~عاينوهم انهزموا فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا أنتم فيتبعونكم فيصير الأمر ~~إلى خلاف ما قاله محمد لأصحابه فلما التقى الجمعان وكان عسكر المسلمين ألفا ~~وكان المشركون ثلاثة آلاف ms0571 انخذل عبد الله بن أبي ابن سلول بثلاثمائة من ~~أصحابه من المنافقين وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعمائة من ~~أصحابه فقواهم الله تعالى وثبتهم حتى هزموا المشركين. فلما رأى المؤمنون ~~انهزام المشركين طمعوا في أن تكون هذه الواقعة كوقعة بدر فطلبوا المدبرين ~~وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد الله أن يقطعهم عن هذا ~~الفعل لئلا يقدموا على مثله من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليعلموا أن ظفرهم يوم بدر إنما كان ببركة طاعة الله وطاعة رسوله. ثم إن ~~الله تعالى نزع الرعب من # قلوب المشركين فكروا راجعين على المسلمين فانهزم المسلمون وبقي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه منهم أبو بكر وعلي والعباس وطلحة ~~وسعد وكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يومئذ وكان من ~~أمر غزو أحد ما كان فذلك قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك أي واذكر إذ غدوت من ~~أهلك يعني منزل عائشة ففيه منقبة عظيمة لعائشة رضي الله عنها لقوله من أهلك ~~فنص الله تعالى على أنها من أهله تبوئ المؤمنين أي تنزل المؤمنين مقاعد ~~للقتال أي مواضع ومواطن للقتال. وقيل تتخذ عسكرا للقتال والله سميع يعني ~~لأقوالكم عليم يعني بنياتكم وضمائركم. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 122 الى 125] # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ ~~تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ~~(124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ~~من الملائكة مسومين (125) # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا أي تجبنا وتضعفا عن القتال والطائفتان بنو ~~سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس كان جناحي العسكر وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد مع ألف رجل، وقيل في تسعمائة وخمسين رجلا ~~وكان المشركون ثلاثة آلاف رجل فلما ms0572 بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث ~~الناس ورجع في ثلاثمائة وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا فتبعه أبو جابر ~~السلمي وقال أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال عبد الله بن أبي لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم وهمت الطائفتان بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله ~~فثبتوا ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: أضمروا أن ~~يرجعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا فذكرهم الله عظيم نعمته عليهم فقال: ~~إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما أي ناصرهما وحافظهما ومتولي ~~أمرهما بالتوفيق والعصمة. فإن قلت الهم العزم على فعل الشيء والآية تدل على ~~أن الطائفتين قد عزمتا على الفشل وترك القتال # PageV01P291 # وذلك معصية فكيف مدحهما الله تعالى بقوله والله وليهما. قلت الهم قد يراد ~~به العزم وقد يراد به حديث النفس وإذا كان كذلك فحمل الهم على حديث النفس ~~هنا أولى والله تعالى لا يؤاخذ بحديث النفس ويعضده قول ابن عباس إنهم ~~أضمروا أن يرجعوا فلما عزم الله لهم على الرشد وثبتوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدحهم الله تعالى بقوله والله وليهما (ق) عن جابر قال: نزلت ~~فينا: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما قال نحن الطائفتان بنو ~~حارثة وبنو سلمة وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله والله وليهما ففيه ~~الاستبشار بما حصل لهم من الشرف العظيم، وإنزاله فيهم آياته ناطقة مفصحة ~~بأن الله وليهم وأن تلك الهمة التي هموها ما أخرجتهم من ولاية الله تعالى. ~~وقوله تعالى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون التوكل تفعل من وكل أمره إلى غيره ~~إذا اعتمد عليه في كفايته والقيام به، وقيل التوكل هو العجز والاعتماد على ~~الغير وقيل هو تفويض الأمر إلى الله تعالى ثقة بحسن تدبيره فأمر الله عباده ~~المؤمنين أن لا يتوكلوا إلا عليه وأن لا يفوضوا أمرهم إلا إليه. # قوله عز وجل: ولقد نصركم الله ببدر بدر اسم موضع بين مكة والمدينة معروف ~~وقيل هو اسم لبئر هناك وكانت البئر ms0573 لرجل يقال له بدر فسميت به. ذكر الله ~~المؤمنين منته عليهم بالنصر يوم بدر وأنتم أذلة جمع ذليل وهو جمع قلة وأراد ~~به قلة العدد فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وفي رواية وثلاثة عشر ~~رجلا والمراد بذلتهم ضعف الحال وقلة السلاح والمركوب والمال وعدم القدرة ~~على مقاومة العدو وذلك أنهم خرجوا على مواضح وكان النفر منهم يتعقب على ~~البعير الواحد. وكان أكثرهم رجالة ولم يكن معهم إلا فرس واحد وكان عدوهم من ~~كفار قريش في حال الكثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس وكان معهم السلاح ~~والشوكة فنصر الله المؤمنين مع قلتهم على عدوهم مع كثرتهم فاتقوا الله يعني ~~في الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلكم تشكرون يعني بتقواكم ما ~~أنعم به عليكم من نصرته. قوله عز وجل: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين اختلف المفسرون في أن هذا الوعد ~~بإنزال الملائكة هل حصل يوم بدر أو يوم أحد على قولين أحدهما أنه كان يوم ~~بدر. قال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله بألف من الملائكة كما قال: إن ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم: «أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين» ثم صاروا ~~ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فصبروا يوم بدر واتقوا ~~فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في معركة ~~إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو ~~مددا، وقال الحسن: هؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال ~~الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر أن كرز بن ~~جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى ألن ~~يكفيكم إلى قوله مسومين فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدهم فلم ~~يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف وكانوا قد أمدوا بألف من ms0574 الملائكة، وفي صحيح ~~البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: ~~«هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» واحتج لصحة هذا القول أيضا بأن ~~الله تعالى قال قبل هذه الآية ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وظاهر هذا ~~يقتضي أن الله نصرهم حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ولأن العدد والعدد كانت يوم بدر قليلة ~~وكان الاحتياج إلى الإمداد أكثر. القول الثاني إن هذا الوعد بإنزال ~~الملائكة كان يوم أحد وهو قول عكرمة والضحاك ومقاتل. قال عمير بن إسحاق: ~~لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن ~~مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره وقال ارم أبا ~~إسحاق ارم أبا إسحاق مرتين فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف ~~(ق) عن سعد بن أبي وقاص قال: «رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ما ~~رأيتهما قبل، ولا بعد يعني جبريل وميكائيل» واحتج لصحة هذا القول بأن المدد ~~كان يوم بدر بألف من الملائكة كما نص عليه في سورة # PageV01P292 # الإنفاق ولم يكن بثلاثة آلاف ولا بخمسة آلاف كما هنا وأيضا أن الكفار ~~كانوا يوم بدر ألفا أو ما يقرب منهم وكان المسلمون على الثلث من ذلك فإنهم ~~كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فأنزل الله يوم بدر ألفا من الملائكة في مقابلة ~~عدد الكفار فوقع النصر يومئذ للمسلمين والهزيمة للكفار، وكان عدد المسلمين ~~يوم أحد ألفا وعدد الكفار ثلاثة آلاف فناسب أن يكون المدد يومئذ للمسلمين ~~ثلاثة آلاف من الملائكة ليكون ذلك مقابلا لعدد الكفار كما في يوم بدر. # وأجيب عن الاحتجاج الأول لهذا القول بأن الله تعالى أمدهم يوم بدر بألف ~~كما ذكر في سورة الأنفال ثم لما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0575 ~~بإمداد كرز لكفار قريش شق عليهم وعدوا بأن يمدوا بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف ~~لتقوى قلوبهم بذلك. وأجيب عن الثاني وهو أن الكفار كانوا يوم بدر ألفا ~~فأنزل الله ألفا وفي يوم أحد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف بأن ~~هذا تقريب حسن ولله أن يزيد ما شاء في أي وقت شاء ولهذا قال عكرمة في قوله ~~تعالى: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا قال يوم بدر قال ولم يصبروا ~~ولم يتقوا يوم أحد فلم يمدوا ولو أمدوا لم يهزموا يومئذ وقيل لم يصبروا ولم ~~يتقوا إلا في يوم الأحزاب فأمدهم الله بالملائكة حتى حاصروا قريظة (ق) عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما ~~وضعناه اخرج إليهم قال: فإلى أين؟ قال هاهنا وأشار إلى بني قريظة فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم» (ق) عن أنس رضي الله عنه قال: «كأني أنظر إلى ~~الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل عليه السلام حين سار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وقال عبد الله بن أبي أوفى كنا محاصرين ~~قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال: أوضعتم ~~أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة ~~فلف بها رأسه ولم يغسله ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ ~~أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ففتح لنا فتحا يسيرا» وقال ابن ~~جرير الطبري: # وأولى الأقوال بالصواب أن الله تعالى أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال للمؤمنين: «ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة» ~~فوعدهم بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بخمسة آلاف إن صبروا ~~لأعدائهم واتقوا ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بهم ms0576 ولا على أنهم لم ~~يمدوا بهم فقد يجوز أن الله أمدهم وقد يجوز أن لا يكون أمدهم ولا يثبت ذلك ~~إلا بنص تقوم به الحجة في ذلك. وقد ثبت بنص القرآن أنهم أمدوا يوم بدر بألف ~~من الملائكة كما في سورة الأنفال وأما يوم أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا ~~أبين منها بأنهم أمدوا وذلك أنهم لو أمدوا لم ينهزموا ولم ينل منهم ما نيل ~~منهم. فإن قلت فما تصنع بحديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في يوم أحد وأنه رأى ~~ملكين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله قلت إنما كان ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة لأنه صبر ولم ينهزم كما انهزم أصحابه يوم أحد. وأما ~~التفسير فقوله تعالى: إذ تقول للمؤمنين فعلى قول من قال: إن هذا كان يوم ~~بدر. # قال نظم الآية ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين ومن قال ~~هذا يوم أحد يقول نظم الآية أن الله ذكر قصة أحد ثم أتبعه بقوله: «ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة» فكذلك هو قادر أن ينصركم في سائر المواطن ثم ~~رجع إلى قصة أحد فقال تعالى: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ومعنى الكفاية هو ~~سد الخلة والقيام بالأمر مع بلوغ المراد أن يمدكم ربكم. الإمداد إعانة ~~الجيش فما كان على جهة القوة والإعانة يقال أمده إمدادا وما كان على جهة ~~الزيادة يقال. فيه مده مدا، وقيل المد في الشر والإمداد في الخير بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين إنما وعدهم الله بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ~~ويثقوا بنصر الله ويعزموا على الثبات. بلى تصديق لوعد الله أي بلى نمدكم، ~~وقيل بلى إيجاب لما بعد ألن يعني يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية أن ~~تصبروا أي على لقاء عدوكم وتتقوا يعني معصية الله ومخالفة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ويأتوكم يعني المشركين من فورهم هذا قال ابن عباس: ابتداء الأمر ~~يوجد فيه ثم يوصل بآخر فمن قال معنى من فورهم من وجههم أراد ابتداء مخرجهم ~~يوم ms0577 بدر. ومن قال معناه من غضبهم أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر لأنهم ~~رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم يوم بدر. يمددكم ربكم # PageV01P293 # بخمسة آلاف من الملائكة لم يرد خمسة آلاف سوى الثلاثة المتقدمة بل أراد ~~معهم فمن قال إن هذا الإمداد كان يوم بدر قال: إن الله تعالى أمدهم بألف ~~فلما سمعوا أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق على المسلمين ~~ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم الآية ~~على تقدير أن يجيء للمشركين المدد، فلما لم يمدوا لم يمد الله المسلمين ~~بغير ألف وروى ابن الجوزي في تفسيره عن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب ~~قال: بينا أنا امتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ثم جاءت ريح ~~شديدة لم أر أشد منها إلا التي قبلها ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا ~~التي كانت قبلها فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة وكانوا ~~بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ~~ألفين من الملائكة وكانوا عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم والريح ~~الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكنت عن يساره وهزم الله أعداءه ومن الناس من ضم العدد القليل إلى ~~الكثير. فقال لأن الله تعالى ذكر الألف في سورة الأنفال وذكر هنا ثلاثة ~~آلاف وخمسة آلاف فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن جعلناه على غزوة أحد فيكون ~~المجموع ثمانية آلاف لأنه ليس فيها ذكر الألف المفردة مسومين قرئ بفتح ~~الواو وبكسرها فمن فتح الواو أراد أن الله سومهم ومعناه معلمين قد سوموا ~~فيهم مسومون والسومة والسيما العلامة وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم ~~اللقاء ليعرف بها قال عنترة: # فتعرفوني أنني أنا ذلكم ... شاكي سلاح في الحوادث معلم # ومن كسر الواو نسب الفعل إلى الملائكة والمعنى أنهم أعلموا أنفسهم ~~بعلامات مخصوصة أو أعلموا خيلهم ms0578 واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن ~~الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق وعليهم عمائم صفر. وقال علي وابن عباس: ~~كان عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم وقال هشام بن عروة والكلبي: ~~كانت عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم، وقال قتادة والضحاك: كانوا قد ~~أعلموا بالعهن يعني بالصوف المصبوغ في نواصي خيلهم وأذنابها وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ~~بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» ذكره البغوي بغير سند وقيل كانت عمامة ~~الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك وقيل كانوا قد سوموا أنفسهم ~~بسيما القتال. قوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 126 الى 128] # وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ~~(127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) # وما جعله الله يعني هذا الوعد والمدد إلا بشرى لكم يعني بشارة بأنكم ~~تنصرون فتستبشرون به ولتطمئن أي ولتسكن قلوبكم به أي فلا تجزع من كثرة ~~عدوكم وقلة عددكم وما النصر إلا من عند الله يعني لا تحيلوا النصر على ~~الملائكة والجند وكثرة العدد، فإن النصر من عند الله لا من عند غيره والغرض ~~أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أمدوا بهم وفيه تنبيه على ~~الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب الأسباب العزيز الحكيم يعني ~~فاستعينوا به وتوكلوا عليه لأن العز وهو كمال القدرة والقوة والحكم وهو ~~كمال العلم فلا تخفى عليه مصالح عباده ليقطع طرفا من الذين كفروا هذا متعلق ~~بقوله ولقد نصركم الله ببدر، والمعنى أن المقصود من نصركم ببدر ليقطع طرفا ~~أي ليهلك طائفة من الذين كفروا وقيل معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك ~~بالقتل والأسر فقتل يوم بدر من قادتهم وساداتهم سبعون وأسر سبعون ومن حمل ~~الآية على غزوة أحد قال: قد قتل منهم ستة عشر وكان النصر فيه للمسلمين ms0579 حتى ~~خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يكبتهم أصل الكبت في اللغة صرع ~~الشيء على وجهه والمعنى أنه يصرعهم على وجوههم والمراد منه القتل والهزيمة ~~أو # PageV01P294 # الإهلاك أو اللعن والخزي فينقلبوا خائبين أي بالخيبة لم ينالوا شيئا من ~~الذي أملوه من الظفر بكم. # قوله عز وجل: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم اختلف في سبب ~~نزول هذه الآية. # فقيل: إنها نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة وهي بين مكة وعسفان وأرض هذيل وذلك ~~في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد بعثهم ليعلموا الناس ~~القرآن والعلم وأمر عليهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو ~~على جماعة من تلك القبائل باللعن (خ) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: ~~اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك ~~الحمد فأنزل الله تعالى عليه ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون ~~(ق) عن أبي هريرة قال: «لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من ~~الركعة الثانية قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ~~أبي ربيعة والمستضعفين بمكة «اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم أجعلها عليهم ~~سنين كسني يوسف» زاد في رواية: «اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب ~~حتى أنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء الآية سماهم في رواية يونس اللهم ~~العن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله قال ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل ~~الله ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فإنهم ظالمون وقيل إنها ~~نزلت يوم أحد ثم اختلفوا في سببها فقيل: ms0580 إن عتبة بن أبي وقاص شج وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته. (ق) عن أنس بن مالك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: ~~«كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله ~~تعالى: ليس لك من الأمر شيء. # وقيل أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه ~~الآية وذلك لعلمه أن أكثرهم يسلمون وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~وقف على عمه حمزة ورأى ما صنعوا به من المثلة أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه ~~الآية. وقال العلماء: وهذه الأشياء كلها محتملة فلا يبعد حمل الآية في ~~النزول على كلها ومعنى الآية ليس لك من أمر مصالح عبادي شيء الا ما أوحى ~~إليك، فإن الله تعالى هو مالك أمرهم فإما أن يتوب عليهم ويهديهم فيسلموا أو ~~يهلكهم ويعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل ليس لك مسألة هلاكهم والدعاء ~~عليهم لأنه تعالى أعلم بمصالحهم فربما تاب على من يشاء منهم وقيل معناه ليس ~~لك من أمر خلقي شيء إلا ما وافق أمري إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ~~ومجاهدتهم، وقيل إن قوله أو يتوب عليهم معطوف على قوله ليقطع طرفا وقوله ~~ليس لك من الأمر شيء كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير ليقطع ~~طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس ~~لك من الأمر شيء بل الأمر أمري في ذلك كله. قال بعض العلماء: والحكمة في ~~منعه صلى الله عليه وسلم من الدعاء عليهم ولعنهم أن الله تعالى علم من حال ~~بعض الكفار أنه سيسلم فيتوب عليهم أو سيولد من بعضهم ولد يكون مسلما برا ~~تقيا فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم لأن دعوته صلى الله ~~عليه وسلم مجابة. فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا جميعا لكن اقتضت حكمة الله ~~وما سبق في علمه إبقاءهم ليتوب على بعضهم وسيخرج ms0581 من بعضهم ذرية صالحة ~~مؤمنة، ويهلك بعضهم بالقتل والموت وهو قوله أو يعذبهم فيحتمل أن يكون ~~المراد بعذابهم في الدنيا وهو القتل والأسر وفي الآخرة وهو عذاب النار ~~فإنهم ظالمون هو كالتعليل لعذابهم والمعنى إنما يعذبهم لأنهم ظالمون ثم قال ~~تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 129 الى 130] # ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) # ولله ما في السماوات وما في الأرض هذا تأكيد لما قبله من قوله ليس لك من ~~الأمر شيء. والمعنى إنما # PageV01P295 # يكون لمن له ما في السموات وما في الأرض وليس ذلك إلا الله تعالى وليس ~~لأحد معه أمر يغفر لمن يشاء بفضله ورحمته ويعذب من يشاء بعدله يحكم فيهم ~~بما يشاء لا منازع له في حكمه ولا معارض له في فعله والله غفور رحيم يعني ~~أنه تعالى يستر ذنوب عباده ويغفرها لهم ويرحمهم بترك العقوبة عنهم عاجلا، ~~وإنما يفعل ذلك على سبيل التفضل والإحسان إلى عباده لا على سبيل الوجوب ~~عليه، لأنه تعالى لو أدخل جميع خلقه الجنة لكان ذلك برحمته ولو أدخل جميع ~~خلقه النار كان ذلك بعدله لكن جانب المغفرة والرحمة غالب. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة أراد ~~به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية عند حلول الدين من زيادة المال وتأخير ~~الأجل كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان دين فإذا جاء الأجل ولم ~~يكن للمديون ما يؤدي قال له صاحب الدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل ~~فربما فعلوا ذلك مرارا فيصير الدين أضعافا مضاعفة فنهى الله عز وجل عن ذلك، ~~وحرم أصل الربا ومضاعفته واتقوا الله يعني في أكل الربا فلا تأكلوه لعلكم ~~تفلحون أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة لأن الفلاح يتوقف على التقوى فلو ~~أكل ولم يتق لم يحصل الفلاح، وفيه دليل على أن أكل الربا من ms0582 الكبائر ولهذا ~~أعقبه بقوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 131 الى 134] # واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون (132) وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين (134) # واتقوا النار التي أعدت للكافرين يعني واتقوا أيها المؤمنون أن تستحلوا ~~شيئا مما حرم الله. فإن من استحل شيئا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع ~~ويستحق النار بذلك قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلوا ما حرم ~~الله عليهم من الربا وغيره مما أوجب الله فيه النار قال بعضهم: إن هذه ~~الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين ~~إن لم يتقوه يجتنبوا محارمه. وقال الواحدي: في هذه الآية تقوية لرجاء ~~المؤمنين رحمة من الله تعالى لأنه قال أعدت للكافرين فجعلها معدة للكافرين ~~دون المؤمنين وأطيعوا الله يعني فيما أمركم به أو نهاكم عنه من أكل الربا ~~وغيره والرسول أي وأطيعوا الرسول أيضا فإن طاعته طاعة الله قال محمد بن ~~إسحاق في هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد لعلكم ترحمون أي لكي ترحموا وما تعذبوا إذا أطعتم الله ورسوله فإن طاعة ~~الله مع معصية رسوله ليست بطاعة. # قوله عز وجل: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم يعني وبادروا وسابقوا إلى ما ~~يوجب المغفرة من ربكم وهي الأعمال الصالحة المأمور بفعلها قال ابن عباس: ~~إلى الإسلام ووجهه أن الله تعالى ذكر المغفرة على سبيل التنكير والمراد منه ~~المغفرة العظيمة وذلك لا يحصل إلا بسبب الإسلام لأنه يجب ما قبله وعن ابن ~~عباس أيضا إلى التوبة لأن التوبة من الذنوب توجب المغفرة وقال علي بن أبي ~~طالب: إلى داء الفرائض لأن اللفظ مطلق فيعم الكل وكذا وجه من قال إلى جميع ~~الطاعات وروي عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى يعني ~~تكبيرة الإحرام وقيل إلى الإخلاص في الأعمال لأن المقصود من جميع العبادات ms0583 ~~هو الإخلاص وقيل إلى الهجرة وقيل إلى الجهاد وجنة أي وسارعوا إلى جنة وإنما ~~فصل بين المغفرة والجنة لأن المغفرة هي إزالة العقاب والجنة هي حصول الثواب ~~وقيل إشعارا بأنه لا بد من المسارعة إلى التوبة الموجبة للمغفرة وذلك بترك ~~المنهيات والمسارعة إلى الأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة عرضها أي عرض ~~الجنة السماوات والأرض يعني كعرض السموات والأرض لأن نفس السموات والأرض ~~ليس عرضا للجنة والمراد سعتها وإنما خص العرض للمبالغة لأن الطول في العادة ~~يكون أكثر من العرض يقول هذه صفة عرضها فكيف بطولها، والمراد وصف الجنة # PageV01P296 # بالسعة والبسط فشبهت بأوسع شيء علمه الناس وذلك أنه لو جعلت السموات ~~والأرض طبقا طبقا ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقا واحدا كان ذلك مثل عرض ~~الجنة فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى. وقيل المراد بالعرض السعة كما ~~تقول العرب بلاد عريضة أي واسعة عظيمة قال الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل # والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق وما ضاق عرضه دق فجعل العرض ~~كناية عن السعة. # وروي أن هرقل أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك كتبت تدعوني إلى ~~جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار قيل معناه والله أعلم بذلك أنه إذا ~~دار الفلك حصل النهار في جانب والليل في ضد ذلك الجانب فكذلك الجنة في جهة ~~العلو والنار في جهة السفل. وروى طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيتم قولكم وجنة عرضها ~~السموات والأرض. فأين النار؟ فقال عمر بن الخطاب أرأيتم إذا جاء الليل فأين ~~يكون النهار وإذا جاء النهار فأين يكون الليل فقالوا إنها لمثلها في ~~التوراة ومعناه حيث يشاء الله تعالى. فإن قلت قال الله تعالى: وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون وأراد بالذي وعدنا به الجنة ومذهب أهل السنة أنها في ms0584 ~~السموات إنها فوق السموات وتحت العرش كما سئل أنس بن مالك عن الجنة أفي ~~السماء هي أم في الأرض؟ فقال: أي أرض وسماء تسع الجنة قيل له: فأين هي؟ قال ~~فوق السموات تحت العرش وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفردوس فقال ~~وسقفها عرش الرحمن وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن ~~جهنم تحت الأرضين السبع وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها كعرض السموات ~~والأرض أعدت للمتقين أي هيئت للمتقين وفيه دليل على أن الجنة والنار ~~مخلوقتان الآن. # قوله عز وجل: الذين ينفقون في السراء والضراء يعني في العسر واليسر لا ~~يتركون الإنفاق في كلتا الحالتين في الغنى والفقر والرخاء والشدة ولا في ~~حال فرح وسرور ولا في حال محنة وبلاء. وسواء كان الواحد منهم في عرس أو في ~~حبس فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة ~~للجنة السخاء لأنه أشق على النفس. وكانت الحاجة إلى إخراج المال في ذلك ~~الوقت أعظم الأحوال للحاجة إليه في مجاهدة الأعداء ومواساة الفقراء من ~~المسلمين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السخي قريب ~~من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله ~~بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى ~~من عابد بخيل» أخرجه الترمذي (ق) عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ~~ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفت على جلده حتى ~~تخفي ثيابه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل ~~حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع» الجنة الدرع من الحديد (ق) عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ~~وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ms0585 ويقول الآخر اللهم أعط ~~ممسكا تلفا» (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك ~~وتعالى أنفق ينفق عليك» (ق) عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزية الجنة كل خزنة باب أي قل هلم فقال أبو ~~بكر: فقال يا رسول الله ذاك الذي لا توي عليه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إني لأرجو أن تكون منهم» قوله أي فل يعني يا فلان وليس بترخيم والتوي ~~الهلاك يعني ذاك الذي لا هلاك عليه. # وقوله تعالى: والكاظمين الغيظ يعني والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم ~~منه والكظم حبس الشيء # PageV01P297 # عند امتلائه وكظم الغيظ هو أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره بقول ~~ولا فعل ويصبر عليه ويسكت عنه ومعنى الآية أنهم يكفون غيظهم عن الإمضاء ~~ويردون غيظهم في أجوافهم وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم عن سهل بن معاذ ~~عن أنس الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظا ~~وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى ~~يخيره في أي الجور شاء» أخرجه الترمذي وأبو داود (ق) عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك ~~نفسه عند الغضب» وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن خادما لها غاظها ~~فقالت لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء والعافين عن الناس يعني إذا جنى ~~عليهم أحد لم يؤاخذوه فتكون الآية على العموم وقيل أراد بالناس المماليك ~~لسوء أدب يقع منهم، فتكون على الخصوص وقيل يعفون عمن ظلمهم وأساء إليهم وهو ~~قريب من القول الأول والله يحب المحسنين يحتمل أن تكون اللام للجنس فيتناول ~~كل محسن ويحتمل أن تكون للعهد فتكون إشارة إلى المذكورين في الآية والإحسان ~~إلى الغير إنما يكون بإيصال النفع إليه وبدفع الضرر عنه وقيل الإحسان أن ~~تحسن لمن أساء إليك فإن الإحسان ms0586 إلى المحسن متاجرة. وقيل المحسن هو الذي ~~يعم بإحسانه كل أحد كالشمس والمطر والريح، وقيل الإحسان وقت الإمكان وليس ~~عليك في كل وقت إحسان. وقيل الإحسان هذه الخصال المذكورة في هذه الآية فمن ~~فعلها فهو محسن. ولما كانت هذه الخصال إحسانا إلى الغير ذكر الله ثوابها ~~بقوله والله يحب المحسنين فإن محبة الله تعالى للعبد أعظم درجات الثواب. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 135] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) # والذين إذا فعلوا فاحشة قال ابن مسعود رضي الله عنه قال المؤمنون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا كان ~~أحدهم إذا أذنب ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة بابه اجدع أنفك أو ~~أذنك افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ~~وروى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع ~~منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى ~~بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك. فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية في رواية أبي صالح ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين أحدهما أنصاري ~~والآخر ثقفي، فخرج الثقفي في غزوة واستخلف أخاه الأنصاري على أهله فاشترى ~~لهم ذات يوم لحما فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها وقبل يدها ~~ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه فلما رجع الثقفي لم ~~يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ~~وذكرت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، فطلبه الثقفي حتى ~~وجده فأتى به إلى أبي بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا فقال الأنصاري: هلكت ms0587 ~~وذكر القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا ~~يغار للمقيم ثم لقيا عمر فقال لهما: # مثل ذلك فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما مثل مقالتهما فأنزل ~~الله عز وجل: والذين إذا فعلوا فاحشة يعني فعلة فاحشة خارجة عما أذن الله ~~فيه والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال وأصل الفحش القبح والخروج عن ~~الحد، قال جابر: الفاحشة الزنا. # وقوله تعالى: أو ظلموا أنفسهم ظلم النفس هو ما دون الزنا مثل القبلة ~~والمعانقة واللمس والنظر وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة وقيل ~~الفاحشة مما يكون فعله كاملا في القبح وظلم النفس هو أي ذنب كان ذكروا الله ~~يعني ذكروا وعيد الله وعقابه وأن الله يسألهم عن ذلك يوم الفزع الأكبر وقيل ~~ذكروا جلال الله الموجب للحياء منه. وقيل ذكروا لله باللسان عند الذنوب وهو ~~قوله تعالى: فاستغفروا لذنوبهم يعني لأجل # PageV01P298 # ذنوبهم فتابوا منها واقلعوا عنها نادمين على فعلها عازمين أن لا يعودوا ~~إليها وهذه شروط صحة التوبة المقبولة ومن يغفر الذنوب إلا الله وصف نفسه ~~بسعة الرحمة وقرب المغفرة وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا ~~مفزع للمذنبين إلا إلى فضله وكرمه وإحسانه وعفوه ورحمته وفيه تنبيه على أن ~~العبد لا يطلب المغفرة إلا منه وأنه القادر على عقاب المذنب وكذلك هو ~~القادر على إزالة ذلك العقاب عنه فثبت أنه لا يجوز طلب المغفرة إلا منه ولم ~~يصروا على ما فعلوا يعني ولم يقيموا على الذنوب ولم يثبتوا عليها ولكن ~~تابوا منها وأنابوا واستغفروا قيل الإصرار هو ترك الاستغفار عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أصر من ~~استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» أخرجه أبو داود وقال: حديث حسن غريب ~~وعنده عوض ولو عاد ولو فعل وهم يعلمون قال ابن عباس: وهم يعلمون أنها معصية ~~وأن لهم ربا يغفرها وقيل وهم يعلمون أن الإصرار ضار وقيل ms0588 معناه وهم يعلمون ~~أن الله يملك مغفرة الذنب وقيل وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن ~~الذنوب وإن كثرت وقيل معناه وهم يعلمون أنهم إن استغفروه غفر لهم قال ثابت ~~البناني بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة إلى ~~آخرها. # (فصل: في فضل الاستغفار) عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: ~~إني كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله منه ما ~~شاء أن ينفعني. وإذا حدثني أحد من الصحابة استحلفته فإذا حلف لي صدقته وإنه ~~حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«ما من عبد مؤمن أو قال ما من رجل يذنب ذنبا فيقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ~~ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله إلى آخر الآية» أخرجه الترمذي أبو داود ~~والترمذي وقال هذا حديث قد رواه غير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه ورواه ~~مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة فوقفاه ولم يرفعاه ولا يعرف لأسماء إلا ~~هذا الحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لزم ~~الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا ~~يحتسب» أخرجه أبو داود (م) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم (ق) عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه ~~تبارك وتعالى قال: «إذا أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي قال تبارك ~~وتعالى أذنب عبدي ذنبا علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب ~~فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: إن عبدي أذنب ذنبا فعلم أن به ~~ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ms0589 ثم عاد فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك ~~وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. وفي رواية ~~اعمل ما شئت قد غفرت لك» قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو ~~الرابعة اعمل ما شئت عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما ~~كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت ~~لك ولا أبالي يا ابن آدم وأتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي ~~شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن عنان السماء بفتح ~~العين قيل هو السحاب وقيل هو ما عن لك منها أي ما ظهر لك منها وقراب الأرض ~~بضم القاف وروي بكسرها والضم أشهر وهو ما يقارب ملأها عن ابن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا ~~هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف» أخرجه أبو ~~داود والترمذي والحاكم قال حديث حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم عن أبي ~~الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن ~~يغفره أو قال عسى أن يغفره الله إلا من مات مشركا ومن قتل مؤمنا متعمدا» ~~أخرجه أبو داود اه. قوله عز وجل: # PageV01P299 ### || [سورة آل عمران (3): آية 136] # أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين (136) # أولئك إشارة إلى من تقدم ذكره في قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم الآية جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار معنى ~~الآية أن المطلوب بالتوبة أمران أحدهما الأمن من العقاب وإليه الإشارة ~~بقوله مغفرة من ربهم والثاني إيصال الثواب وإليه الإشارة بقوله وجنات تجري ~~من تحتها الأنهار أي ذلك لهم ذخر لا ms0590 يبخس وأجر لا يوكس خالدين فيها أي في ~~الجنات ونعم أجر العاملين أي ونعم ثواب المطيعين يعني الجنة. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 137 الى # 138] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) # قد خلت من قبلكم سنن يعني قد انقضت من قبلكم سنة الله في الأمم الماضية ~~بالهلاك والاستئصال لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب ~~لذاتها والبقاء فيها فانقرضوا ولم يبق منهم أحد وقيل في معنى السنة الطريقة ~~المستقيمة والمثال المتبع. لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوه رضي الله عنهم ~~بذلك. وقيل سنن أي شرائع وقيل سنن أي أمم والسنة الأمة ومعنى الآية قد مضت ~~وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي واستدراجي ~~إياهم حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي أجلته لإهلاكهم فسيروا في الأرض أمر ~~ندب لا على سبيل الوجوب بل المقصود تعرف أحوال الماضين بقوله فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين فرغب أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال الأمم ~~الماضية ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإعراض عن الدنيا ~~ولذاتها. وفيه أيضا زجر للكافر عن كفره لأنه إذا تأمل أحوال الكفار ~~وإهلاكهم صار ذلك داعيا إلى الإيمان لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثر ~~في النفس كما قيل: # إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار # وفي هذه الآية تسلية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جرى لهم في ~~غزوة أحد يقول فإني إنما أمهلت الكفار حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي ~~أجلته لهم في إهلاكهم ونصر محمد صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك أعدائه. ~~قوله عز وجل: # هذا يعني القرآن وقيل هو اسم إشارة إلى ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده بيان للناس يعني عامة وهدى يعني من الضلالة وموعظة للمتقين يعني ~~خاصة وقيل في الفرق بين البيان والهدى والموعظة لأن العطف يقتضي المغايرة ~~والبيان هو الدلالة التي تفيد ms0591 إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة والهدى هو ~~طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد ~~الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. # فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان أحدهما الكلام الهادي إلى ما ينبغي في ~~الدين وهو الهدى والثاني الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة ~~وإنما خصص المتقين بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 139 الى 140] # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح ~~فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ~~آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) # PageV01P300 # قوله عز وجل: ولا تهنوا ولا تحزنوا نزلت يوم أحد حين أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه بطلب القوم مع ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على ~~المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية وحث فيها أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الجهاد على ما أصابهم من الجراح والقتل. وكان قد قتل يوم أحد من ~~الأنصار سبعون رجلا ومن المهاجرين خمسة رجال منهم حمزة بن عبد المطلب عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصعب بن عمير. ومعنى الآية ولا تهنوا أي ولا ~~تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا يعني على من قتل منكم لأنهم في الجنة وأنتم ~~الأعلون يعني بالنصر والغلبة عليهم وأن العاقبة لكم وقال ابن عباس: انهزم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد في خيل ~~المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اللهم لا يعلوه علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك» فثاب نفر من المسلمين رماة ~~فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فذلك ~~قوله تعالى: وأنتم الأعلون وقيل وأنتم الأعلون لأن حالكم خير من حالهم لأن ~~قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار وأنتم تقاتلون على الحق وهم يقاتلون على ~~الباطل. وقيل وأنتم الأعلون في العاقبة لأنكم تظفرون ms0592 بهم وتستولون عليهم إن ~~كنتم مؤمنين أي إذ كنتم مؤمنين وقيل معناه إن كنتم مصدقين بأن ناصركم هو ~~الله تعالى فصدقوا بذلك فإنه حق وصدق. # وقوله تعالى: إن يمسسكم قرح قرئ بضم القاف وبفتحها وهما لغتان ومعناهما ~~واحد وقيل إنه بالفتح مصدر وبالضم اسم وقيل إنه بالفتح اسم للجراحة وبالضم ~~ألم للجراحة الآية خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد مع الحزن والكآبة ~~يقول: إن يمسسكم أيها المسلمون قرح يوم أحد فقد مس القوم يعني في يوم بدر ~~وقيل إن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجراح والقتل فقد قتل ~~منهم نيف وعشرون رجلا وكثرت الجراحات فيهم وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد ~~إلى آخر ويقال الدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين ثم منهم إلى غيرهم ~~والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس فيوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء فكانت ~~الدولة للمسلمين على المشركين في يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا ~~سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا ~~خمسا وسبعين (خ) عن البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا وهم الرماة عبد الله بن جبير. فقال: إن ~~رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن ~~رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزمهم الله. ~~قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن ~~فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما ~~تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت ~~وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك قوله والرسول يدعوكم في أخراكم فلم يبق مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا وكان ms0593 ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين ~~أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات ~~ثم قال أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال أما ~~هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال كذبت والله يا عدو الله إن الذي ~~عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ~~ستجدون في القوم مثله لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز اعل هبل اعل هبل ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه؟ فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ ~~قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان. إن لنا عزى ولا عزى لكم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه قالوا يا رسول الله ما نقول قال قولوا ~~الله مولانا ولا مولى لكم. قال البغوي وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس وفي ~~حديثه قال أبو سفيان يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال فقال عمر لا سواء ~~قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال الزجاج الدولة تكون للمسلمين على ~~الكفار لقوله تعالى # PageV01P301 # وإن جندنا لهم الغالبون فكانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: وليعلم الله الذين آمنوا يعني إنما جعل الدولة للكفار على ~~المسلمين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة وشدة وقيل ~~معناه وليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي ~~ليعرفهم بأعيانهم إلا أن السبب العلم وهو ظهور الصبر حذف هنا وقيل معناه ~~ليعلم الله ذلك واقعا منهم لأن الله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده ولا يحتاج ~~إلى سبب حتى يعلم والمعنى ليقع ما علمه عيانا ومشاهدة للناس والمجازاة إنما ~~تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد وقيل معناه ليعلم أولياء ms0594 الله ~~فأضاف علمهم إلى نفسه تفخيما. وقيل معناه ليحكم الله بالامتياز بين المؤمن ~~والمنافق فوضع العلم موضع الحكم لأن الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ويتخذ ~~منكم شهداء يعني وليكرم قوما منكم بالشهادة ممن أراد أن يكرمهم بها وذلك ~~لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم ~~يوم كيوم بدر فيقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة والشهداء جمع شهيد ~~وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة واختلفوا في معنى الشهيد ~~فقيل الشهيد الحي لقوله تعالى بل أحياء عند ربهم يرزقون فأرواحهم حية حضرت ~~دار السلام وشهدتها وأرواح غيرهم لا تشهدها وقيل سمي شهيدا لأن الله تعالى ~~شهد له بالجنة. وقيل سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء ~~والصديقين على الأمم لأن الشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة لأن منصب ~~الشهادة منصب عظيم ودرجة عالية والله لا يحب الظالمين يعني المشركين وقيل ~~هم الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي وقيل هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان ~~بألسنتهم ويسرون الكفر، والمعنى والله لا يحب من لا يكون ثابتا على الإيمان ~~صابرا على الجهاد. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 141 الى 143] # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) # وليمحص الله الذين آمنوا أي وليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم وأصل المحص ~~في اللغة التنقية والإزالة ويمحق الكافرين أي يفنيهم ويهلكهم ومعنى الآية ~~إن قتلكم الكافرون فهو شهادة وتطهير لكم وإن قتلتموهم أنتم فهو محقهم ~~واستئصالهم. # قوله عز وجل: أم حسبتم أي بل حسبتم وظننتم والمراد به الإنكار والمعنى لا ~~تحسبوا أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة وتنالوا كرامتي وثوابي ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم قال الإمام فخر الدين الرازي: # ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم والمراد وقوعه على نفي المعلوم ~~والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم وتقديره إن ~~العلم ms0595 متعلق بالمعلوم كما هو عليه فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم حسن إقامة ~~كل واحد منهما مقام الآخر وقال الواحدي النفي في الآية واقع على العلم ~~والمعنى على الجهاد دون العلم وذلك لما فيه من الإيجاز في انتفاء جهاد لو ~~كان لعلمه والتقدير: ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم فجرى ~~النفي على العلم للإيجاز على سبيل التوسع في الكلام إذ المعنى مفهوم من غير ~~إخلال. وقال الزجاج: المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين ~~أي ولما يعلم الله ذلك واقعا منكم لأنه يعلمه غيبا وإنما يجازيهم على عملهم ~~وقال الطبري يقول ولما يتبين لعبادي المؤمنين المجاهد منكم على ما أمرته به ~~ويعلم الصابرين يعني في الحرب وعلى ما نالهم في ذات الله عز وجل من جراح ~~وألم ومكروه وفي هذه الآية معاتبة لمن انهزم يوم أحد والمعنى أم حسبتم أيها ~~المهزومون أن تدخلوا الجنة كما دخلها الذين قتلوا وبذلوا مهجهم لربهم عز ~~وجل وصبروا على ألم الجراح والضرب وثبتوا لعدوهم من غير أن تسلكوا طريقهم ~~وتصبروا صبرهم. # PageV01P302 # قوله تعالى: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه قال ابن عباس: لما ~~أخبر الله عز وجل المؤمنين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بما فعل ~~بشهدائهم يوم بدر من الكرامة رغبوا في ذلك فتمنوا قتالا يستشهدون فيه ~~فيلحقون بإخوانهم فأراهم الله يوم أحد فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء ~~الله منهم فأنزل الله هذه الآية وقيل إن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم ~~بدر ليقاتلوا فيه ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد ومعنى قوله له تمنون الموت ~~أي تطلبون أسباب الموت وهو القتال والجهاد من قبل أن تلقوه أي من قبل أن ~~تلقوا يوم أحد فقد رأيتموه يعني رأيتم ما كنتم تتمنون والهاء في رأيتموه ~~عائدة على الموت أي رأيتم أسبابه معاينين له شاهدين قتل من قتل من إخوانكم ~~بين أيديكم وأنتم تنظرون قيل ذكره تأكيدا. وقال الزجاج: معناه فقد رأيتموه ~~وأنتم بصراء كما تقول: # رأيت كذا ms0596 وكذا وليس في عينك علة أي رأيته رؤية حقيقية وقيل: معناه وأنتم ~~تنظرون ما تمنيتم فلم انهزمتم. # قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 144] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل قال أهل المغازي خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة رجل وجعل عبد الله بن ~~جبير على الرجالة وكانوا خمسين رجلا وقال: «أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا ~~بالنبل حتى لا يأتونا من خلفنا فإن كانت لنا أو علينا لا تبرحوا من مكانكم ~~حتى أرسل إليكم فأنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» وكانت قريش على ~~ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن ~~بالدفوف وينشدن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب وحمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ ~~سيفا وقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن» فأخذه أبو ~~دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر في ~~مشيته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لمشية يبغضها الله تعالى ~~ورسوله إلا في هذا الموضع» فلما نظرت الرماة إلى المشركين وقد انكشفوا ~~ورأوا أصحابهم ينهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب، فلما رأى خالد بن ~~الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في ~~خيله وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزموهم ورمى عبد الله ~~بن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في ~~وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ~~ليعلوها فلم يستطع وكان قد ظاهر بين درعين فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى ~~على الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوجب ms0597 طلحة» ووقعت هند ~~والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن ~~الآذان والأنوف حتى اتخذت من ذلك قلائد وأعطتها وحشيا وبقرت عن كبد حمزة ~~رضي الله تعالى عنه وكان قد قتل يومئذ فأخذت منها قطعة فلاكتها فلم تسغها ~~فلفظتها وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو يومئذ صاحب راية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرجع وقال: إني قد قتلت محمدا وصاح صارخا ألا إن محمدا قد قتل ويقال إن ~~الصارخ إبليس اللعين فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إلي عباد الله إلي عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا ~~عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كنانته وقال: «ارم فداك أبي وأمي» وكان أبو طلحة رجلا ~~راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة وكان الرجل يمر معه جعبة النبل ~~فيقول: «انثرها لأبي طلحة» وكان إذا رمى تشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينظر موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقى بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته ~~فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت أحسن ما كانت فلما انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف # PageV01P303 # الجمحي وهو يقول لا نجوت إن نجوت فقال: القوم يا رسول الله ألا تعطف عليه ~~رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «دعوه» حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «بل أنا أقتلك إن شاء ms0598 الله» فلما دنا منه تناول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله وطعنه في ~~عنقه وخدشه خدشه فسقط عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول قتلني محمد. ~~فاحتمله أصحابه وقالوا ليس عليك بأس بل لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر ~~لقتلتهم أليس قال لي أنا أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني بها ~~فلم يلبث بعد ذلك إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف (خ) عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل ~~الله اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه نبي الله» قالوا وفشا في الناس أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال: بعض المسلمين ليت لنا رسولا إلى عبد ~~الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان وجلس بعض الصحابة وألقوا ما ~~بأيديهم وقال أناس من المنافقين إن كان محمد قد قتل فألحقوا بدينكم الأول ~~وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد ~~لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ~~ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما ~~يقول هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم ~~شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى ~~الصخرة وهو يدعو الناس فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن ~~مالك قال قد عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر ~~المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن أسكت ~~فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار ~~فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت ~~فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله عز وجل: وما محمد ms0599 إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل ومعنى الآية فسيخلو محمد كما خلت الرسل من قبله فكما أن ~~أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلو أنبيائهم فعليكم أنتم أن تتمسكوا ~~بدينه بعد خلوه لأن الغرض من بعث الرسول تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا ~~وجوده بين ظهراني قومه ومحمد اسم علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ~~إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بمعناه وهو الذي كثرت خصاله المحمودة والمستحق ~~جميع المحامد لأنه الكامل في نفسه صلى الله عليه وسلم فأكرم الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وسلم فسماه باسمين مشتقين من اسمه المحمود سبحانه ~~وتعالى فسماه محمدا وأحمد وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: # ألم تر أن الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجد # أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد # وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش من محمود وهذا محمد # (ق) عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لي خمسة ~~أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر ~~الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي وسماه ~~الله رؤوفا رحيما (م) عن أبي موسى الأشعري قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفى ونبي ~~التوبة ونبي الرحمة» قوله المقفى هو آخر الأنبياء الذي لا نبي بعده والرسول ~~هو المرسل ويكون بمعنى الرسالة والمراد به هنا المرسل بدليل قوله تعالى: ~~وإنك لمن المرسلين أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم يعني أتنقلبون على ~~أعقابكم إن مات محمد أو قتل وترجعون إلى دينكم الأول يقال لكل من رجع إلى ~~ما كان عليه رجع وراءه ونكص على عقبيه وحاصل الكلام إن الله تعالى بين أن ~~موت محمد صلى الله عليه وسلم أو قتله لا يوجب ضعفا في دينه ولا الرجوع عنه ~~بدليل موت سائر الأنبياء قبله وأن أتباعهم ثبتوا على دين أنبيائهم بعد ms0600 ~~موتهم ومن ينقلب على عقبيه يعني فيرتد عن دينه ويرجع إلى الكفر فلن يضر ~~الله شيئا يعني بارتداده لأن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين لأنه تعالى ~~غني عن العالمين وإنما يضر المرتد والكافر نفسه وسيجزي الله الشاكرين # PageV01P304 # يعني الثابتين على دينهم الذين لم ينقلبوا عنه لأنهم شكروا نعمة الله ~~عليهم بالإسلام وثباتهم عليه فسماهم الله شاكرين لما فعلوا والمعنى وسيثيب ~~الله من شكره على توفيقه وهدايته وروى ابن جبير عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه في قوله: وسيجزي الله الشاكرين قال الثابتين على دينهم أبا ~~بكر وأصحابه وكان علي يقول أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أخبار الله وكان ~~أشكرهم وأحبهم إلى الله تعالى. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 145 الى 146] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين (146) # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله أي بأمر الله وقضائه وقدره وعلمه ~~وذلك أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بإذن ~~الله تعالى وأمره والمراد من الآية تحريض المؤمنين على الجهاد وتشجيعهم على ~~لقاء العدو بإعلامهم بأن الجبن لا ينفع وأن الحذر لا يدفع المقدور وأن أحدا ~~لا يموت قبل أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك وإذا جاء الأجل لم يدفع ~~الموت بحيلة فلا فائدة في الخوف والجبن. وفي الآية أيضا ذكر حفظ الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم عند غلبة العدو وتخليصه منهم عند التفافهم عليه وإسلام ~~أصحابه له فأنجاه الله تعالى من عدوه سالما مسلما لم يضره شيء كتابا مؤجلا ~~يعني مؤقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. # والمعنى أن الله تعالى كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره أو ~~تقديمه أو تأخيره وقيل الكتاب هو ms0601 اللوح المحفوظ لأن فيه آجال جميع الخلق ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها يعني من يرد بعمله وطاعته الدنيا ويعمل لها ~~نؤته منها ما يكون جزاء لعمله والمعنى نؤته منها ما نشاء على ما قدرناه له ~~نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة ومن يرد ثواب الآخرة ~~نؤته منها يعني من يرد بعمله الآخرة نؤته ثوابه فيها نزلت في الذين ثبتوا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. واعلم أن هذه الآية وإن نزلت في ~~الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال ذلك لأن الأصل في ذلك كله يرجع إلى ~~نية العبد فإن كان يريد بعمله الدنيا فليس له جزاء إلا فيها وكذلك من أراد ~~بعمله الدار الآخرة فجزاؤه أيضا فيها (ق) عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» ~~وفي رواية «بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها»، ~~وفي رواية «ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وروى البغوي بسنده عن أنس بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت نيته طلب الآخرة جعل ~~الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا راغمة وما كانت نيته طلب ~~الدنيا جعل الله الفقر بن عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب ~~الله له». # وقوله تعالى: وسنجزي الشاكرين يعني المؤمنين المطيعين الذين لم يشغلهم ~~شيء عن الجهاد ولم يريدوا بأعمالهم إلا الله تعالى والدار الآخرة. # قوله عز وجل: وكأين من نبي أي وكم من نبي قاتل معه وقرئ قاتل معه فمن قرأ ~~قتل بضم القاف فله أوجه: أحدها أن يكون القتل راجعا على النبي وحده فعلى ~~هذا يكون الوقف على قتل لأنه كلام تام وفيه إضمار تقديره قتل ومعه ربيون ~~كثير. ويكون معناه قتل حال ما كان معه ربيون كثير والمعنى ms0602 أن كثيرا من ~~الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم وما استكانوا بل ~~استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم فكان ينبغي لكم أن تكونوا مثلهم. الوجه ~~الثاني أن القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون المراد البعض ويكون ~~قوله: # «فما وهنوا» راجعا إلى الباقين والمعنى وكأين من نبي قتل وبعض من كان معه ~~فما ضعف الباقون لقتل من قتل # PageV01P305 # من إخوانهم بل مضوا على جهاد عدوهم فكان ينبغي لكم أن تكونوا كذلك. الوجه ~~الثالث أن يكون القتل نال الربيين لا النبي والمعنى وكأي من نبي قتل من كان ~~معه وعلى دينه ربيون كثير ومن قرأ قاتل معه ربيون كثير فالمعنى وكأي من نبي ~~قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قروح وجراحات فما وهنوا ~~لما أصابهم بل استمروا على جهاد عدوهم لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل ~~الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة نبيه فكان ينبغي لكم أن تفعلوا مثل ذلك يا ~~أمة محمد، وحجة هذه القراءة ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال ما سمعنا أن ~~نبيا قتل في القتال وقوله ربيون كثير قال ابن عباس جموع كثيرة وقيل الربيون ~~الألوف وقيل الربية الواحدة عشرة آلاف وقيل ألف وقيل ربيون يعني فقهاء ~~علماء وقيل الربيون هم الأتباع فما وهنوا أي فما جبنوا عن الجهاد في سبيل ~~الله لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا يعني عن مجاهدة عدوهم بما نالهم من ~~ألم الجراح وقتل الأصحاب وما استكانوا يعني وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم ~~ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم وهذا تعريض بما أصابهم ~~يوم أحد من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وضعفهم عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق ~~عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان والمقصود من الآية حكاية ما ~~جرى لسائر الأنبياء وأتباعهم لتقتدي هذه الأمة بهم وترغيب الذين كانوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه ms0603 وسلم في الجهاد والله يحب الصابرين يعني في ~~الجهاد، والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طلب الآخرة ولم يظهر الجزع ~~والعجز فإن الله تعالى يحبه ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه ~~وإعزازه وإيصال الثواب له وإدخاله الجنة مع أوليائه وأصفيائه ثم قال تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 147 الى 149] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين ~~كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) # وما كان قولهم يعني قول الربيين إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا فيدخل ~~فيه جميع الصغائر والكبائر وإسرافنا في أمرنا يعني ما أسرفنا فيه فتخطينا ~~إلى العظام من الذنوب لأن الإسراف الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه فيكون ~~المعنى اغفر لنا ذنوبنا الصغائر منها والكبائر وثبت أقدامنا لكي لا نزل عند ~~لقاء العدو وذلك يكون بإزالة الخوف والرعب من قلوبهم وانصرنا على القوم ~~الكافرين لأن النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله. بين الله تعالى ~~أنهم كانوا مستعدين عند لقاء العدو بالدعاء والتضرع وطلب الإعانة والنصر من ~~الله تعالى والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة الحسنة أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم يقول هلا فعلتم مثل ما فعلوا وقلتم مثل ما قالوا فآتاهم ~~الله ثواب الدنيا يعني النصر والغنيمة وقهر الأعداء، والثناء الجميل وغفران ~~الذنوب والخطايا وحسن ثواب الآخرة يعني الجنة وما فيها من النعيم المقيم ~~وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على إجلاله وعظمته، لأنه غير زائل ولم ~~يشب بتنغيص ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلته ولأنه سريع الزوال مع ما ~~يشوبه من التنغيص والله يحب المحسنين يعني الذين يفعلون مثل ما فعل هؤلاء ~~وهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يقولوا مثل هذا عند لقاء ~~العدو وفيه دقيقة لطيفة وهي أنهم لما اعترفوا بذنوبهم وكونهم مسيئين ms0604 سماهم ~~الله تعالى محسنين. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يعني اليهود ~~والنصارى، وقيل المنافقين وذلك في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة يوم أحد ~~ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. وقيل معناه أن تطيعوهم فيما يأمرونكم ~~به من ترك الجهاد يردوكم على أعقابكم يعني يرجعوكم إلى أمركم الأول وهو ~~الكفر والشرك # PageV01P306 # بالله بعد الإيمان به لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر فتنقلبوا ~~خاسرين يعني مغبونين في الدنيا والآخرة أما خسار الدنيا فهو طاعة الكفار ~~والتذلل للأعداء وأما خسار الآخرة فهو دخول النار وحرمان دار القرار. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 150 الى 152] # بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ~~(151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ~~(152) # بل الله مولاكم أي وليكم وناصركم وحافظكم فاستعينوا به وهو خير الناصرين ~~يعني أنه تعالى قادر على نصركم والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ~~ويعينوكم وهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلا عن غيرهم فاطلبوا النصر من الله ~~تعالى فهو خير الناصرين. # قوله عز وجل: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب وذلك أن أبا سفيان ومن معه ~~ارتحلوا يوم أحد متوجهين إلى مكة، فلما بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا بئس ~~ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا إليهم ~~فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، يعني الخوف ~~الشديد حتى رجعوا عما هموا به فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرعب في ~~قلوب الكفار مخصوصا بيوم أحد وقيل إنه عام وإن كان السبب خاصا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» فكأنه قال سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب منكم ms0605 حتى تقهروهم ويظهر دينكم على سائر الأديان وقد فعل الله ~~ذلك بفضله وكرمه حتى صار دين الإسلام ظاهرا على جميع الأديان والملل كما ~~قال الله تعالى ليظهره على الدين كله بما أشركوا بالله يعني إنما كان إلقاء ~~الرعب في قلوبهم بسبب إشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانا يعني حجة وبرهانا ~~وسميت الحجة سلطانا لأن السلطان مشتق من السليط وهو ما يستصبح به وقيل ~~السلطان القوة والقدرة وسميت الحجة سلطانا لقوتها على دفع الباطل ومأواهم ~~النار لما بين الله تعالى حال الكفار في الدنيا وهو إلقاء الرعب والخوف في ~~قلوبهم بين حالهم في الآخرة فقال تعالى: ومأواهم النار أي مسكنهم وبئس مثوى ~~الظالمين أي المسكن الذي يستقرون به ويقيمون فيه وكلمة بئس تستعمل في جميع ~~المذام والمعنى وبئس مقام الظالمين الذين ظلموا أنفسهم باكتساب ما أوجب لهم ~~عذاب النار والإقامة فيها. # قوله عز وجل: ولقد صدقكم الله وعده قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم ~~قال ناس من الصحابة من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله ~~تعالى: ولقد صدقكم الله وعده يعني بالنصر والظفر وذلك أن الظفر كان ~~للمسلمين في الابتداء وقيل إن الله وعد المؤمنين النصر بأحد فنصرهم فلما ~~خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا الغنيمة هزموا إذ تحسونهم ~~يعني إذ تقتلون الكفار قتلا ذريعا وقيل معنى تحسونهم تستأصلونهم بالقتل ~~بإذنه يعني بعلم الله وأمره وقيل بقضاء الله وقدره حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر وعصيتم قال الفراء فيه تقديم وتأخير تقديره حتى إذا تنازعتم في ~~الأمر وعصيتم فشلتم. وقيل معناه ولقد صدقكم الله وعده بالنصر إلى أن كان ~~منكم الفشل والتنازع والمعصية وقيل فيه معنى الشرط وجوابه محذوف تقديره حتى ~~إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم منعكم الله النصر ومعنى فشلتم ضعفتم ~~والفشل الضعف مع جبن ومعنى التنازع الاختلاف وكان اختلافهم وتنازعهم أن ~~الرماة الذين كانوا # PageV01P307 # مع ms0606 عبد الله بن جبير لما انهزم المشركون قال بعضهم لبعض أي قوم ما نصنع ~~بمقامنا هاهنا وقد انهزم المشركون ثم أقبلوا على الغنيمة، وقال بعضهم لبعض ~~لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جبير أمير ~~القوم في نفر يسير دون العشرة ممن كان معه فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة ~~بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير وأصحابه ~~وأقبلوا على المسلمين وتحولت الريح دبورا بعد ما كانت صبا، وانقضت صفوف ~~المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا وما يشعرون ~~بذلك من الدهش ونادى إبليس أن محمدا قد قتل فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين ~~وقوله: وعصيتم يعني أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمركم به من ~~لزوم المركز من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر والظفر والغنيمة يا معشر ~~المسلمين منكم من يريد الدنيا يعني الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب ~~ومنكم من يريد الآخرة يعني الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى ~~قتلوا قاله عبد الله بن مسعود ما شعرت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد نزلت هذه الآية ثم صرفكم عنهم يعني ~~يا معشر المسلمين يعني عن المشركين بالهزيمة ليبتليكم يعني ليمتحنكم وقيل ~~لينزل عليكم البلاء لتتوبوا إليه وتستغفروه وقيل معناه ليختبركم وهو أعلم ~~ليتميز المؤمن من المنافق ومن يريد الدنيا ممن يريد الآخرة ولقد عفا عنكم ~~يعني ولقد عفا الله عنكم أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يستأصلكم بعد المخالفة والمعصية وقيل: عفا عن عقوبتكم أيها المخالفون ~~والله ذو فضل على المؤمنين وهذا من تمام نعمه على عباده المؤمنين لأنه ~~نصرهم أولا ثم عفا عن المذنبين منهم ثانيا لأنه ذو الفضل والطول والإحسان. ~~وفي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن وأن الله تعالى يعفو عنه بفضله ~~وكرمه إن شاء لأنه سماهم مؤمنين ms0607 مع ما ارتكبوه من مخالفة أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي كبيرة وعفا عنهم بعد ذلك. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 153] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) # إذ تصعدون قيل هو متعلق بما قبله والتقدير ولقد عفا عنكم إذ تصعدون لأن ~~عفوه عنهم لا بد وأن يتعلق بأمر اقترفوه وذلك الأمر هو ما بينه بقوله إذ ~~تصعدون يعني هاربين في الجبل. وقيل هو ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله ~~والمعنى اذكروا إذ تصعدون قراءة الجمهور بضم التاء وكسر العين من الإصعاد ~~وهو الذهاب في الأرض والإبعاد فيها وقرأ الحسن تصعدون بفتح التاء من الصعود ~~وهو الارتقاء من أسفل إلى أعلى كالصعود على الجبل وعلى السلم ونحوه، ~~وللمفسرين في معنى الآية قولان أحدهما أنه صعودهم في الجبل عند الهزيمة ~~والثاني أنه الإبعاد في الأرض في حال الهزيمة ووقت الهرب ولا تلوون على أحد ~~أي لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض من شدة الهرب ~~والرسول يدعوكم في أخراكم أي في آخركم ومن ورائكم يقول إلي عباد الله أنا ~~رسول الله من كر أي رجع فله الجنة فأثابكم غما بغم يعني فجزاكم بفراركم عن ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم وفشلكم عن عدوكم غما بغم فسمى العقوبة التي ~~عاقبهم بها ثوابا على سبيل المجاز لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا ~~في الخير وقد يجوز استعماله في الشر لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع فأصل الثواب ~~كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا فمتى حملنا ~~الثواب على أصل اللغة كان الكلام صحيحا ومتى حملناه على الأغلب كان على ~~سبيل المجاز فهو كقول الشاعر: # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا # فجعل العطاء مكان العقاب لأن الأداهم السود هي القيود الثقال والمحدرجة ~~هي السياط والباء ms0608 في قوله غما # PageV01P308 # بغم بمعنى مع أو بمعنى على لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقيل الباء ~~على بابها والمعنى غما متصلا بغم واختلفوا في معنى الغمين فقيل الغم الأول ~~هو ما فاتهم من الظفر والغنيمة والغم الثاني هو ما نالهم من القتل والهزيمة ~~وقيل الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح والغم الثاني هو ما سمعوا بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم غمهم. وقيل الغم الأول هو أنهم ~~غموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره فجزاهم الله بذلك الغم ~~القتل والهزيمة. وقيل إن غمهم الأول بسبب إشراف خالد بن الوليد مع خيل ~~المشركين عليهم والغم الثاني حين أشرف أبو سفيان عليهم. وذلك أن أبا سفيان ~~وأصحابه وقفوا بباب الشعب فلما نظر المسلمون إليهم غمهم ذلك وظنوا أنهم ~~يميلون عليهم فيقتلونهم فأغمهم ذلك. قوله تعالى: لكيلا في لفظة لا قولان: ~~أحدهما أنها باقية على أصلها ومعناها النفي هذا يكون الكلام متصلا بقوله ~~ولقد عفا عنكم والمعنى ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما ~~أصابكم لأن عفوه يذهب كل هم وحزن وقيل معناه فأثابكم غما أنساكم الحزن على ~~ما فاتكم ولا ما أصابكم وقد روي أنهم لما سمعوا بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد قتل نسوا ما أصابهم وما فاتهم والقول الثاني أن لفظة لا صلة ومعنى ~~الكلام لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم. قال ابن ~~عباس: الذي فاتهم الغنيمة والذي أصابهم القتل والهزيمة والله خبير بما ~~تعملون أي هو عالم بجميع أعمالكم خيرها وشرها فيجازيكم عليها. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 154] # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم ms0609 في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور (154) # ثم أنزل عليكم يا معشر المسلمين من بعد الغم الذي أصابكم أمنة نعاسا يعني ~~أمنا والأمنة والأمن واحد وقيل الأمن يكون مع زوال الخوف والأمنة مع بقاء ~~سبب الخوف. وكان سبب الخوف يعد باقيا، والنعاس أخف من النوم والمعنى أعقبكم ~~بما نالكم من الخوف والرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه لأن الخائف لا يكاد ~~ينام فأمنهم بعد خوفهم يغشى طائفة منكم قال ابن عباس: أمنهم يومئذ بنعاس ~~يغشاهم وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام (خ) عن أنس عن أبي طلحة قال: ~~كنت فيمن يغشاهم النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ~~ويسقط فآخذه. وأخرجه الترمذي عنه قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ~~وذكر نحو رواية البخاري وزاد والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا ~~أنفسهم أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق. وفي رواية أخرى له قال رفعت رأسي يوم ~~أحد فجعلت أراهم وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس فذلك ~~قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا. وقال الزبير بن العوام ~~لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل ~~الله تعالى علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ~~ما أسمعه إلا كالحلم يقول لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناها هنا فقوله ~~تعالى: يغشى طائفة منكم يعني المؤمنين وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يعني ~~المنافقين أراد الله يميز المؤمنين من المنافقين فأوقع النعاس على المؤمنين ~~حتى أمنوا ولم يوقع النعاس على المنافقين فبقوا في الخوف. وفي إلقاء النعاس ~~على المؤمنين دون المنافقين آية عظيمة ومعجزة باهرة لأن النعاس كان سبب أمن ~~المؤمنين وعدم النعاس عن المنافقين كان سبب خوفهم وهو قوله تعالى: وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم يعني حملتهم أنفسهم على الهم لأن أسباب الخوف وهي ms0610 قصد ~~الأعداء كانت حاصلة عندهم يظنون بالله غير الحق يعني يظنون أن الله لا ينصر ~~محمدا وأصحابه وقيل إن # PageV01P309 # محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل وإن أمره يضمحل والمعنى يظنون بالله غير ~~الظن الحق الذي يجب أن يظن به ظن الجاهلية أي كظن أهل الجاهلية يقولون يعني ~~المنافقين هل لنا أي مالنا من الأمر شيء وذلك أنه لما شاور النبي صلى الله ~~عليه وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في هذه الواقعة وأشار ~~عليه أن لا يخرج من المدينة فلما خالفه النبي صلى الله عليه وسلم وخرج وقتل ~~من قتل قيل لعبد الله بن أبي قد قتل بنو الخزرج قال هل لنا من الأمر شيء ~~وهو استفهام على سبيل الإنكار أي مالنا أمر يطاع. وقيل المراد بالأمر النصر ~~والظفر يعني ما لنا من هذا الذي يعدنا محمد به من النصر والظفر من شيء إنما ~~هو للمشركين قل يا محمد لهؤلاء المنافقين إن الأمر كله لله يعني النصر ~~والظفر والقضاء والقدر كله لله وبيده يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف أحب يخفون ~~في أنفسهم ما لا يبدون لك يعني من الكفر والشك في وعد الله عز وجل وقيل ~~يخفون الندم على خروجهم مع المسلمين وقيل الذي أخفوه وهو قوله تعالى حكاية ~~عنهم: يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا وذلك أن المنافقين ~~قال بعضهم لبعض لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم تقتل ~~رؤساؤنا. وقيل كانوا يقولون لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا. وعن ابن عباس ~~في قوله تعالى: يظنون بالله غير الحق يعني التكذيب بالقدر وهو قولهم: # «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا» قيل إن الذي قال هل لنا من ~~الأمر من شيء هو عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق والذي قال لو كان لنا من ~~الأمر شيء هو معتب بن قشير قل أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين لو كنتم في ~~بيوتكم ms0611 لبرز الذين كتب عليهم القتل أي قضى عليهم القتل وقدر عليهم إلى ~~مضاجعهم يعني مصارعهم التي يصرعون بها وقت القتل ومعنى الآية أن الحذر لا ~~ينفع مع القدر والتدبير لا يقاوم. التقدير فالذين قدر عليهم القتل وقضاه ~~وحكم به عليهم لا بد وأن يقتلوا والمعنى لو جلستم في بيوتكم لخرج منها ~~ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل وقضاه إلى حيث يقتلون فيه وليبتلي الله ~~ما في صدوركم أي وليختبر ما في صدوركم ليعلمه مشاهدة، كما علمه غيبا لأن ~~المجازاة إنما تقع على ما علمه مشاهدة وقيل معناه ليعاملكم معاملة المبتلي ~~المختبر لكم وقيل معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم فأضاف الابتلاء ~~إليه تعظيما لشأن أوليائه المؤمنين وليمحص ما في قلوبكم قال قتادة أي ~~يطهرها من الشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه في إلقاء الأمنة وصرف ~~العدو وإظهار سرائر المنافقين فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين خاصة. وقيل ~~معناه وليبين ويظهر ما في قلوبكم يعني من الاعتقاد لله ولرسوله وللمؤمنين ~~من العداوة فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين خاصة والله عليم بذات الصدور ~~يعني بالأشياء الموجودة في الصدور وهي الأسرار والضمائر لأنه عالم بجميع ~~المعلومات. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 155 الى 156] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ~~ويميت والله بما تعملون بصير (156) # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان أي انهزموا وهربوا منكم يا معشر ~~المسلمين فهو خطاب لمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين يوم ~~أحد بأحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا ثلاثة عشر رجلا وقيل أربعة عشر من المهاجرين سبعة ومن الأنصار سبعة، ~~فمن المهاجرين أبو ms0612 بكر وعمر وعلي وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف ~~والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم إنما استزلهم الشيطان أي طلب زلتهم ~~كما يقال استعجله أي طلب عجلته وقيل حملهم على الزلة وهي الخطيئة وذلك ~~بإلقاء الوسوسة في قلوبهم # PageV01P310 # لا أنه أمرهم بها ببعض ما كسبوا يعني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتركهم المركز. وقيل استزلهم الشيطان بتذكير خطايا سبقت لهم فكرهوا أن ~~يقتلوا قبل إخلاص التوبة منها وهذا اختيار الزجاج لأنه قال لم يتولوا على ~~جهة المعاندة ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا وإنما ذكرهم الشيطان ~~خطايا سلفت لهم فكرهوا إلقاء الله إلا على حالة يرضاها ولقد عفا الله عنهم ~~يعني ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا يوم التقى الجمعان فلم يعاقبهم بذلك ~~وغفر لهم وقيل إن عثمان عوتب في هزيمة يوم أحد فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن ~~الله قد عفا عنه وقرأ هذه الآية إن الله غفور يعني لمن تاب وأناب حليم لا ~~يعجل العقوبة ولا يستأصلهم بالقتل. قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين كفروا يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه وقالوا ~~لإخوانهم يعني في النفاق والكفر وقيل لإخوانهم في النسب وكانوا مسلمين إذا ~~ضربوا في الأرض يعني إذا سافروا في الأرض لتجارة وغيرها أو كانوا غزى جمع ~~غاز أي غزاة، في الكلام حذف دل المعنى على ذلك الحذف وهو إذا ضربوا في ~~الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا يعني مقيمين ما ماتوا وما ~~قتلوا ليجعل الله ذلك يعني قولهم وظنهم حسرة في قلوبهم يعني غما وتأسفا ~~والله يحيي ويميت هذا رد لقول المنافقين لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~والمعنى أن الأمر بيد الله وأن المحيي والمميت هو الله تعالى فقد يحيي ~~المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد عن الغزو كما يشاء فكيف ينفع الجلوس ~~في البيت وهل يحمي أحد من الموت والله بما تعملون بصير يعني أنه تعالى مطلع ~~على ms0613 ما تعملون من خير أو شر فيجازيكم به فاتقوه ولا تكونوا مثل المنافقين ~~لأن مقصدهم تنفير المؤمنين عن الجهاد بقولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا فإن الله تعالى هو المحيي المميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في ~~الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن أقام ببيته عند أهله فلا تقولوا أنتم ~~أيها المؤمنون لمن يريد الخروج إلى الجهاد لا تخرج فتقتل فلان يموت في ~~الجهاد فيستوجب الثواب فإن ذلك خير له من أن يموت في بيته بلا فائدة. وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 157 الى 159] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة يعني في العاقبة ~~خير مما يجمعون يعني من الغنائم والمعنى ولئن تم عليكم ما تخافونه من القتل ~~في سبيل الله أو الهلاك بالموت فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت ~~والقتل في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا ولئن ~~متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون يعني لإلى الله الرحيم الواسع الرحمة ~~والمغفرة المثيب العظيم الثواب تحشرون في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. وقد ~~قسم بعض مقامات العبودية ثلاثة أقسام فمن عبد الله خوفا من ناره أمنه الله ~~مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى ~~شوقا إلى جنته أناله ما يرجو. وإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ~~ومن عبد الله تعالى شوقا إلى جنته أناله ما يرجو وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~ورحمة لأن الرحمة من أسماء الجنة ومن عبد الله شوقا إلى وجهه الكريم لا ~~يريد غيره فهذا هو العبد المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه ms0614 وتعالى في دار ~~كرامته. وإليه الإشارة بقوله لإلى الله تحشرون. قوله عز وجل: فبما رحمة من ~~الله لنت لهم أي فبرحمة من الله وما صلة لنت لهم أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة ~~احتمالك ولم تسرع إليهم بتعنيف على ما كان يوم أحد منهم ومعنى فبما رحمة من ~~الله هو توفيق الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم للرفق والتلطف ~~بهم وإن الله تعالى ألقى في قلب نبيه صلى الله عليه وسلم داعية الرحمة ~~واللطف حتى فعل ذلك معهم ولو كنت فظا # يعني جافيا غليظ القلب يعني قاسي القلب سيئ الخلق قليل الاحتمال لانفضوا ~~من حولك أي لنفروا عنك وتفرقوا # PageV01P311 # حتى لا يبقى منهم أحد عندك فاعف عنهم أي تجاوز عن زلاتهم وما أتوا يوم ~~أحد واستغفر لهم أي واسأل الله المغفرة لهم حتى يشفعك فيهم وقيل فاعف عنهم ~~فيما يختص بك واستغفر لهم فيما يختص بحقوق الله وذلك من تمام الشفقة عليهم ~~وشاورهم في الأمر أي استخرج آراءهم واعلم ما عندهم. واختلف العلماء في ~~المعنى الذي من أجله أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة ~~لهم مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته وعلى كافة ~~الخلق فيما أحبوا أو كرهوا. فقيل هو عام مخصوص والمعنى وشاورهم فيما ليس ~~عندك من الله فيه عهد وذلك في أمر الحرب ونحوه من أمور الدنيا لتستظهر ~~برأيهم فيما تشاورهم فيه. وقيل أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم فإن سادات ~~العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمور شق ذلك عليهم. وقال الحسن قد علم ~~الله تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده من ~~أمته، وقيل إنما أمر بمشاورتهم ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد ~~منهم رأيا وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما رأيت رجلا أكثر استشارة ~~للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق ms0615 العلماء على أن كل ما نزل فيه ~~وحي من الله تعالى لم يجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أن يشاور فيه ~~الأمة وإنما أمر أن يشاور فيما سوى ذلك من أمر الدنيا ومصالح الحرب ونحو ~~ذلك وقيل أن يشاورهم في أمر الدين والدنيا فيما لم ينزل عليه فيه شيء لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم في أسارى بدر وهو من أمر الدين قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه ~~والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم. وقال بعض الحكماء ما استنبط الصواب بمثل ~~المشاورة ومن فوائد المشاورة أنه قد يعزم الإنسان على أمر فيشاور فيه ~~فيتبين له الصواب في قول غيره فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون ~~المصالح ومنها أنه إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلم ~~نفسه وقال بعضهم في مدح المشاورة: # وشاور إذا شاورت كل مهذب ... لبيب أخي حزم لترشد في الأمر # ولا تك ممن يستبد برأيه ... فتعجز أو لا تستريح من الفكر # ألم تر أن الله قال لعبده ... وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر # قوله تعالى: فإذا عزمت يعني على المشاورة فتوكل على الله أي فاستعن بالله ~~في أمورك كلها وثق به ولا تعتمد إلا عليه فإنه ولي الإعانة والعصمة ~~والتسديد والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله تعالى في ~~جميع أموره وأن المشاورة لا تنافي التوكل إن الله يحب المتوكلين يعني ~~المتوكلين عليه في جميع أمورهم. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 160 الى 161] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) # إن ينصركم الله يعني إن يعنكم الله بنصره ويمنعكم من عدوكم كما فعل يوم ~~بدر فلا غالب لكم يعني من الناس ms0616 لأن الله تعالى هو المتولي نصركم وإن ~~يخذلكم كما فعل يوم أحد فلم ينصركم ووكلكم إلى أنفسكم لمخالفتكم أمره وأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي ينصركم من بعده أي من بعد خذلانه ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره لأن الأمر كله لله ولا راد لقضائه ~~ولا دافع لحكمه فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على ~~غيره. وقيل التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره ~~ولا لعملك شاهدا سواه (م) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير # PageV01P312 # حساب قالوا ومن هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا ~~يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع ~~الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام آخر فقال يا نبي الله ادع الله أن ~~يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة» عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. قوله عز وجل: وما ~~كان لنبي أن يغل قال ابن عباس نزلت هذه الآية وما كان لنبي أن يغل في قطيفة ~~حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض القوم لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها. أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث ~~حسن غريب وروي عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقسم الطلائع فأنزل الله تعالى وما كان لنبي ~~أن يغل وروى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى وما كان لنبي أن ~~يغل يقول ما كان لنبي أن يقسم إلى طائفة من المؤمنين ويترك طائفة ويجوز في ~~القسم ولكن يقسم بالعدل ويأخذ فيه ms0617 بأمر الله ويحكم فيه بما أنزل الله يقول ~~ما كان الله ليجعل نبيا يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي استنوا به وقال ~~مقاتل والكلبي نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة. وقالوا ~~نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا تقسم ~~الغنائم كما لم تقسم يوم بدر فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم ~~أمري قالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل ~~ظننتم أنا نغل فلا نقسم فأنزل الله هذه الآية وقال قتادة ذكر لنا أنها نزلت ~~في طائفة غلت من أصحابه وقيل إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم ~~فأنزل الله تعالى وما كان لنبي أن يغل يعني فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه ~~أن يقسم بينهم بالسوية وقال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن إسحاق بن يسار هذا ~~في شأن الوحي يقول وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو ~~مداهنة والغلول هو الخيانة. وأصله أخذ الشيء في خفية يقال غل فلان يغل قرئ ~~بفتح الياء وضم الغين أي وما كان لنبي أن يخون لأن النبوة والخيانة لا ~~يجتمعان لأن منصب النبوة أعظم المناصب وأشرفها وأعلاها لا تليق به الخيانة ~~لأنها في نهاية الدناءة والخسة والجمع بين الضدين محال فثبت بذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يخن أمته في شيء لا من الغنائم، ولا من الوحي. وقيل ~~المراد به الأمة لأنه قد ثبت براءة ساحة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الغلول والخيانة فدل ذلك على أن المراد بالغلول غيره وقيل اللام فيه منقولة ~~معناه ما كان النبي ليغل على نفي الغلول عن الأنبياء وقيل معناه ما كان ~~لنبي الغلول أراد ما غل نبي قط فنفى عن الأنبياء: # الغلول وقيل معناه وما كان يحل لنبي الغلول وإذا لم يحل له لم يفعله وحجة ms0618 ~~هذه القراءة أنهم نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلول. في بعض ~~الروايات فبين الله تعالى بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به ونفى عنه ~~ذلك بقوله وما كان لنبي أن يغل وقرئ يغل بضم الياء وفتح الغين ولها معنيان ~~أحدهما أن يكون من الغلول أيضا ومعناه وما كان لنبي أن يخان أي تخونه أمته ~~والثاني أن يكون من الإغلال ومعناه وما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى ~~الخيانة ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة يعني بالشيء الذي غله بعينه يحمله ~~على ظهره يوم القيامة ليزداد فضيحة بما يحمله يوم القيامة وقيل يمثل ذلك ~~الشيء في النار ثم يقال له انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه ~~وقع ذلك الشيء في النار فيكلف أن ينزل إليه ليخرجنه يفعل به ذلك ما شاء ~~الله وقيل معناه أنه يأتي بإثم ما غله فيجازى به يوم القيامة وهو قوله ~~تعالى: ثم توفى كل نفس ما كسبت يعني من خير أو شر والمعنى أن كل كاسب خيرا ~~كان ذلك الكسب أو شرا فهو مجزى به يوم القيامة وهو في جزاء عمله وهم لا ~~يظلمون يعني بل يعدل بينهم يوم القيامة في الجزاء فيجازى كل على عمله. # (فصل في ذكر أحاديث وردت في الغلول ووعيد الغال) وقد تقدم أن أصل الغلول ~~هو أخذ الشيء في خفية وأنه الخيانة إلا أنه قد صار في العرف مخصوصا # PageV01P313 # بالخيانة في الغنيمة وبهذا وردت الأحاديث (ق) عن أبي هريرة قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى ~~قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول ~~الله أغثني وأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك ~~شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ms0619 ثغاء ~~يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول ~~لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته ~~رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لفظ مسلم. الرغاء صوت البعير والثغاء صوت ~~الشاة والرقاع الثياب والصامت الذهب والفضة (ق) عن أبي هريرة قال: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ~~ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى ~~ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة ~~بن زيد من بني الضبيب فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فقلنا هنيئا له شملته الشهادة يا ~~رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفس محمد بيده إن ~~الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم قال ~~ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبتها يوم خيبر فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكان من نار وفي رواية نحوه وفيه ومعه ~~عبد يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضبيب وفيه إذ جاءه سهم عائر إشراك سير ~~النعل الذي يكون على ظهر القدم ومثله شسع النعل والسهم العائر هو السهم ~~الذي لا يدرى من رماه (خ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال كان على ثقل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا ms0620 عباءة قد غلها عن ~~زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي فذكروه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس ~~لذلك فقال أن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز ~~اليهود لا يساوي درهمين. أخرجه أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال من غل فاحرقوا متاعه واضربوه. أخرجه أبو داود ~~والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه زاد في رواية ومنعوه سهمه أخرجه ~~أبو داود. قوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 162 الى 165] # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) أولما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ~~(165) # أفمن اتبع رضوان الله يعني فترك الغلول فلم يغل كمن باء أي رجع بسخط من ~~الله يعني بغضب من الله والمعنى فغل والسخط الغضب الشديد المفضي للعقوبة ~~وهو من الله إنزال العقوبة بمن سخط عليه وقيل في معنى الآية أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أمر المسلمين باتباعه والخروج معه يوم أحد اتبعه ~~المؤمنون وتخلف عنه جماعة من جماعة المنافقين فأخبرنا الله تعالى بحال من ~~اتبعه بقوله أفمن اتبع رضوان الله وبحال من تخلف عنه بقوله: # كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير يعني الغال أو المتخلف عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون يعني هم ~~ذوو درجات عند الله قال ابن عباس: يعني من اتبع رضوان الله ومن باء # PageV01P314 # بسخط ms0621 من الله مختلفو المنازل عند الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب ~~العظيم ولمن باء بسخط من الله ليسوا سواء بل هم درجات عند الله على حسب ~~أعمالهم. وقيل الضمير في قوله هم درجات عائد على قوله أفمن اتبع رضوان الله ~~فقط لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات لأهل الثواب والدركات لأهل النار ~~ولأن الله وصف من باء بسخط من الله إن مأواه جهنم وبئس المصير فدل على أن ~~الضمير في قوله هم درجات عند الله عند راجع للأول وفيه تحريض على العمل ~~بطاعته وتحذير عن العمل بمعاصيه. قوله عز وجل: لقد من الله على المؤمنين ~~يعني أحسن إليهم وتفضل عليهم والمنة النعمة العظيمة وذلك في الحقيقة لا ~~يكون إلا من الله ومنه قوله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يعني من جنسهم عربيا مثلهم ولد ببلدهم ونشأ بينهم يعرفون ~~نسبه وليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده وله فيهم نسب. إلا بني تغلب ~~فإنهم كانوا نصارى وقد ثبتوا على النصرانية فطهر الله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أن يكون له فيهم نسب وقيل أراد بالمؤمنين جميع المؤمنين ومعنى ~~قوله تعالى من أنفسهم أي بالإيمان والشفقة لا بالنسب ومن جنسهم ليس بملك ~~ولا أحد من غير بني آدم وقيل من أنفسهم يعني أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم ~~الخليل عليهما السلام ووجه المنة والإنعام على المؤمنين ببعث الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لكونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من العذاب الأليم ويوصلهم ~~إلى الثواب في جنات النعيم وكونه من أنفسهم ومن جنسهم لأنه إذا كان اللسان ~~واحدا سهل الأخذ عنه فيما يجب عليهم، وكانوا واقفين على جميع أحواله ~~وأفعاله يعرفون صدقه وأمانته فكان ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به، وفي ~~كونه من أنفسهم شرف لهم وكان فيما خطب به أبو طالب حين زوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وقد حضر ذلك بنو هاشم ~~ورؤساء ms0622 مضر قوله الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء ~~معد وعنصر مضر وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما ~~آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابني هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به ~~فتى إلا رجح وهو الله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل. وقيل في وجه المنة ~~ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخلق جبلوا على الجهل ونقصان العقل ~~وقلة الفهم وعدم الدراية فمن الله تعالى على خلقه وأنعم عليهم وأحسن إليهم ~~بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم أنقذهم به من الضلالة وبصرهم به من الجهالة ~~وهداهم به إلى صراط مستقيم وإنما خص المؤمنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون ~~بما جاء به دون غيرهم يتلوا عليهم آياته يعني يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل ~~عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السماوي ~~ويزكيهم أي ويطهرهم من دنس الكفر ونجاسة المحرمات والخبائث ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة يعني القرآن والسنة التي سنها لهم على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وإن كانوا من قبل يعني من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لفي ~~ضلال مبين يعني لفي جهالة وحيرة عن الهدى عميا لا يعرفون معروفا ولا ينكرون ~~منكرا فهداهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: أولما أصابتكم ~~مصيبة يعني ما أصابهم يوم أحد قد أصبتم مثليها يعني ببدر وذلك أن المشركين ~~قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين ~~وأسروا سبعين وقيل إن المسلمين هزموا المشركين يوم بدر وهزموهم في أول ~~الأمر يوم أحد ولما عصوا الله ورسوله هزمهم المشركون فحصل انهزام المشركين ~~مرتين وانهزام المسلمين مرة واحدة قلتم أنى هذا أي من أين لنا هذا القتل ~~والهزيمة # ونحن المسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا وهو استفهام إنكار قل ~~هو من عند أنفسكم يعني إنما وقعتم فيما وقعتم فيه بشؤم ذنوبكم وهو مخالفتكم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0623 وذلك أنه صلى الله عليه وسلم اختار ~~الإقامة في المدينة على الخروج إلى العدو واختاروا هم الخروج إليه وأيضا ~~أمر الرماة بالإقامة في الموضع الذي عينه لهم فخالفوا وتركوا المركز لأجل ~~الغنيمة فكان ذلك سبب القتل والهزيمة. وروى عبيدة السلماني عن علي بن أبي ~~طالب قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله قد كره ما ~~صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يضربوا ~~أعناق الأسارى وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا يا رسول الله # PageV01P315 # عشائرنا وإخواننا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا ~~عدتهم فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى أهل بدر لم يسنده البغوي وأسنده ~~ابن جرير الطبري فذلك معنى قوله قل هو من عند أنفسكم يعني بأخذكم الفداء ~~واختياركم القتل لأنفسكم إن الله على كل شيء قدير يعني من نصركم مع الطاعة ~~وترك نصركم مع المخالفة. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 166 الى 169] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) # وما أصابكم يعني من القتل والجراح والهزيمة يوم التقى الجمعان يعني جمع ~~المؤمنين وجمع المشركين وذلك بأحد يوم أحد فبإذن الله يعني فبعلمه وقضائه ~~وقدره وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل والهزيمة ~~ولا تقع التسلية إلا إذا علموا أن ذلك كان واقعا بقضاء الله وقدره فحينئذ ~~يرضون بما قضى الله عليهم وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا أي ليظهر ~~إيمان المؤمنين ms0624 بثبوتهم على مالهم ويظهر نفاق المنافقين بقلة صبرهم على ما ~~نزل بهم فالمراد من العلم المعلوم والتقدير ليتبين المؤمن من المنافق ~~وليتميز أحدهما من الآخر والمنافق هو الذي أظهر الإيمان بلسانه وأضمر خلافه ~~واشتقاقه من النفق وهو السرب في الأرض النافذ، ومنه نافقا اليربوع لأن له ~~حجرا في الأرض له بابان إذا طلب من أحدهما خرج من الآخر فكذلك المنافق صنع ~~له طريقين أحدهما إظهار الإيمان بلسانه والآخر إضمار الكفر بقلبه من أيهما ~~طلب خرج من الآخر. # وقيل لأنه دخل في الإيمان من باب وخرج من باب آخر والنفاق اسم إسلامي لم ~~تك العرب تعرفه قبل الإسلام وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~المقول له عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وأصحابه وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد في ألف رجل حتى إذا كان بالشوط بين أحد ~~والمدينة انخذل عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال ما ندري علام ~~نقتل أنفسنا فرجع بمن معه من المنافقين فتبعهم جابر بن عبد الله بن عمر بن ~~حرام الأنصاري أخو بني سلمة وهو يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم ~~عند حضور عدوه فذلك قوله تعالى وقيل لهم يعني المنافقين عبد الله بن أبي ~~ابن سلول وأصحابه تعالوا قاتلوا في سبيل الله أي لأجل دين الله وطاعته أو ~~ادفعوا يعني عن أموالكم وأهليكم وقيل معناه تعالوا كثروا سواد المسلمين إن ~~لم تقاتلوا ليكون ذلك دفعا وقمعا للعدو قالوا يعني المنافقين لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم أي لو نعلم أن اليوم يجري فيه قتال لاتبعناكم ولم نرجع ولو علموا ~~ما تبعوهم. وقيل معناه لو نحسن قتالا لاتبعناكم هم للكفر يعني المنافقين ~~إلى الكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان أي الإيمان وإنما قال تعالى يومئذ لأنهم ~~قبل ذلك اليوم لم يظهروا ما أظهروه من المعاندة والرجوع عن المسلمين وقولهم ~~لو لم نعلم قتالا لاتبعناكم وإنما كانوا قبل ذلك يظهرون كلمة الإسلام ~~ويخفون الكفر يقولون ms0625 بأفواههم ما ليس في قلوبهم يعني يظهرون بألسنتهم ~~الإيمان وليس هو في قلوبهم إنما في قلوبهم الكفر والنفاق وهذه صفة ~~المنافقين لا صفة المؤمنين لأن صفة المؤمن المخلص موطأة القلب للسان على ~~شيء واحد وهو التوحيد والله أعلم بما يكتمون يعني من النفاق الذين قالوا ~~لإخوانهم نزلت في عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وفي المراد بإخوانهم ~~قولان: أحدهما أن المراد بإخوانهم الذين استشهدوا بأحد فيكون إخوانهم في ~~النسب لا في الدين والقول الثاني إن المراد بإخوانهم المنافقون فعلى القول ~~الأول يكون معنى # PageV01P316 # الآية الذين قالوا في إخوانهم أو عن إخوانهم الذين قتلوا بأحد لو أطاعونا ~~ما قتلوا لأنهم بعد أن قتلوا لا يخاطبون وعلى القول الثاني يكون معنى الآية ~~الذين قالوا وهم عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم يعني في النفاق وقعدوا ~~يعني عن الجهاد لو أطاعونا يعني هؤلاء الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لو أطاعونا يعني في القعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~الانصراف عنه ما قتلوا يومئذ فرد الله تعالى عليهم بقوله قل يعني قل لهم يا ~~محمد فادرؤا أي فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين يعني أن الحذر لا ~~ينفع من القدر وفي الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله خلافا لمن يزعم أن ~~القتل قطع على المقتول أجله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا قيل ~~نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من ~~الأنصار. وقال أكثر المفسرين إنها نزلت في شهداء أحد ويدل على ذلك ما روي ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنه لما أصيب ~~إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معقلة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ~~ومشربهم ومقيلهم. قالوا من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة لئلا ~~يزهدوا في الجنة ولا ينكلوا عن الحرب فقال ms0626 الله تعالى أنا أبلغهم عنكم ~~فأنزل الله: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون إلى آخر الآية أخرجه أبو داود (م) عن مسروق قال سألنا عبد الله عن ~~هذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم ~~تأوي إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم اطلاعه فقال: هل تشتهون شيئا قالوا ~~أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما ~~رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في ~~أجسادنا حتى # نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. # (ذكر ما يتعلق بهذا الحديث) قول مسروق سألنا عبد الله كذا جاء عبد الله ~~غير منسوب وقد نسبه بعض الناس فقال عبد الله بن عمر قد ذكره أبو مسعود ~~الدمشقي والحميدي في مسنده عن عبد الله بن مسعود وهو الصحيح وهذا الحديث ~~مرفوع لقوله أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي الحديث دليل عن أن الجنة مخلوقة الآن خلافا للمعتزلة لقوله صلى الله ~~عليه وسلم تسرح من الجنة حيث شاءت وهو مذهب أهل السنة وفيه دليل على أن ~~الأرواح باقية لا تفنى بفناء الجسد لأن المحسن ينعم ويجازى بالثواب وأن ~~المسيء يعذب ويجازى بالعقاب قبل يوم القيامة وهو مذهب أهل السنة أيضا قوله ~~أرواحهم في جوف طير خضر أي يجعل الله أرواح الشهداء في جوف طير خضر وهذا ~~ليس ببعيد لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة. وقيل إن المنعم ~~والمعذب من الأرواح والأجساد جزء من الجسد تبقى فيه الروح وهو الذي يتلذذ ~~بالنعيم ويتألم بالعذاب فغير مستحيل أن يصور الله تعالى ذلك الجزء طائرا ~~ويجعل في ms0627 جوف طير فتسرح في الجنة وتأوي إلى تلك القناديل وقد تعلق بهذا ~~الحديث من يقول بالتناسخ من المبتدعة ويقول بانتقال الأرواح وتنعيمها في ~~الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة ويزعمون أن هذا هو ~~الثواب والعقاب وهذا ضلال بين وقول سخيف وبدعة باطلة لما في هذا القول من ~~إبطال ما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والمعاد والجنة والنار وقد جاء ~~في بعض روايات هذا الحديث ما يرد عليهم وهو قوله حتى يرجعه الله إلى جسده ~~يوم يبعثه يعني يحيي جميع جسده يوم يبعثه وهو يوم القيامة والله أعلم. عن ~~جابر قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مهتم فقال ما لي أراك ~~منكسرا قلت يا رسول الله استشهد أبي يوم أحد وترك عيالا ودينا فقال ألا ~~أبشرك بما لقي الله به أباك قلت بلى قال ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء ~~حجاب وإنه أحيا أباك وكلمه كفاحا وقال يا عبدي تمن علي أعطك قال: يا رب ~~تحييني فأقتل ثانية قال سبحانه إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون فنزلت: ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآية أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب # PageV01P317 # وقيل إن الآية نزلت في شهداء بئر معونة وهي بئر بين مكة وعسفان وأرض هذيل ~~قال محمد بن إسحاق عن أشياخه من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن ~~مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهدى له هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها ~~وقال إني لا أقبل هدية مشرك ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما أعد ~~الله للمؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن الذي ~~تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك ~~رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل ~~نجد ms0628 فقال أبو براء نالهم جار فأبعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من ~~خيار المسلمين. وكان يقال لهم القراء منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان ~~وعروة بن أسماء بن الصلت ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة ~~مولى أبي بكر. وذلك في سفر سنة أربع من الهجرة بعد أحد بأربعة أشهر فساروا ~~حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها ~~قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا ~~الماء فقال حرام بن ملحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان: لم ينظر ~~عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان ~~يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا إله إلا الله # وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت ~~برمح فضربه به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب ~~الكعبة ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه ~~إلى ما دعاهم إليه وقالوا لا نخفر أبا براء فقد عقد لهم عقدا وجوارا ~~فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه فخرجوا حتى غشوا ~~القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا ~~عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث بين القتلى فعاش حتى ~~قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد ~~بني عمرو بن عوف فلم يعلمها بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر ~~فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا ~~الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو ms0629 بن أمية ماذا ترى قال نلحق ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره فقال الأنصاري لكن لا أرغب عن موطن ~~قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذ عمرو بن أمية الضمري ~~أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن ~~رقبة زعم أنها كانت على أمة فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء ~~وقد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه أخفار عامر بن ~~الطفيل إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان ~~فيمن أصيب عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فروى محمد بن إسحاق عن هشام ~~بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رأيته ~~رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة ~~قالوا: وبلغ ربيعة بن أبي براء أن عامر بن الطفيل أخفر ذمة أبيه فحمل على ~~عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه. # قلت وذكر ابن الأثير الجزري في كتاب جامع الأصول له في قسم الأسماء في ~~ترجمة عامر بن الطفيل أن عامر بن الطفيل قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو ابن بضع وثمانين سنة ولم يسلم وعاد من عنده فخرج له خراج في أصل أذنه ~~أخذه منه مثل النار فاشتد عليه ومات منه (ق) عن أنس قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين وفي رواية أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خاله أخا لأم سليم واسمه حرام في سبعين ~~راكبا فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإلا كنتم مني قريبا فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمنوا ms0630 إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه فقال: ~~الله أكبر فزت ورب الكعبة ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج ~~صعد الجبل قال همام وأراه آخر معه فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنهم قد # PageV01P318 # لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم. قال فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا إن قد لقينا ~~ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ بعد فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل وذكوان ~~وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله وفي رواية إن رعلا وذكوان وبني لحيان ~~استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمدهم بسبعين رجلا من الأنصار كنا ~~نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى إذا كان ~~ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقنت ~~عليهم شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني ~~لحيان قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك رفع بلغوا قومنا إن قد لقينا ~~ربنا فرضي عنا وأرضانا ولمسلم قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه أن أبعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من ~~الأنصار وذكر نحو ما تقدم وقيل إن أولياء الشهداء وأهليهم كانوا إذا ~~أصابتهم نعمة وخير تحسروا على الشهداء وقالوا نحن في النعمة والرخاء ~~وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا ~~لقلوبهم وتنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم فقال تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أي ولا تظنن الخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولكل أحد من أمته والمعنى لا يظن ظان إن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا يعني كأموات غيرهم ممن لم يقتل في سبيل الله بل أحياء أي ~~بل هم أحياء وظاهر الآية يدل على كون من قتل في سبيل الله حيا فأما أن يكون ~~المراد أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة أو يكون المراد إنهم أحياء في الحال ~~وعلى تقدير أنهم أحياء في الحال يكون المراد إثبات الحياة ms0631 الروحانية أو ~~إثبات الحياة الجثمانية. فهذه ثلاثة أوجه في معنى احتمال الحياة فمن قال ~~بالوجه الأول هو أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة قال معنى الآية بل هم أحياء ~~في الذكر: وأنهم يذكرون بخير أعمالهم وأنهم استشهدوا في سبيل الله وقيل بل ~~هم أحياء في الدين وهذا القول ليس بصواب لأن الله تعالى أثبت لهم الحياة في ~~الحال بقوله بل أحياء يعني في حال ما يقتلون فإنهم يحيون وهو الاحتمال ~~الثاني. واختلفوا في معنى هذه الحياة هل هي للروح أو للجسم والروح معا فمن ~~أثبت الحياة للروح دون الجسم يقال يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~أرواح الشهداء في حواصل طير خضر فخص الأرواح دون الأجساد وقال بعض المفسرين ~~إن أرواح الشهداء تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة. ومن أثبت ~~الحياة الروح والجسم معا قال: يدل عليه سياق الآية وهو قوله عند ربهم ~~يرزقون فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء ~~وقيل إن الشهيد لا يبلى في قبره ولا تأكله الأرض كغيره. وروي أنه لما أراد ~~معاوية أن يجري الماء على قبور الشهداء أمر أن ينادي من كان له قتيل ~~فليخرجه وليحوله من هذا الموضع قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب ~~الأبدان فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فانبعث دما وذكر البغوي بغير سند عن ~~عبيد الله بن عمير قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد ~~على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ: من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن ~~هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فالذي نفسي ~~بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه» وقوله تعالى: عند ~~ربهم يعني في محل كرامته وفضله يرزقون يعني من ثمار الجنة وتحفها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 170] # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ms0632 خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # فرحين بما آتاهم الله من فضله يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة ~~والإحسان والإفضال في دار النعيم ويستبشرون أي يفرحون والاستبشار هو الفرح ~~والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم يعني ~~من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد لعلمهم ~~بأنهم إذا استشهدوا سألوا الله عز وجل أن يخبر إخوانهم بما نالوا من الخير ~~والكرامة ليرغبوا في الجهاد فأخبرهم الله عز # PageV01P319 # وجل إني قد أنزلت على نبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخبرته بحالكم وما ~~صرتم إليه من الكرامة وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أخبر إخوانكم بذلك ~~ففرحوا بذلك واستبشروا ألا خوف عليهم يعني في الآخرة ولا هم يحزنون يعني ~~على ما فاتهم من نعيم الدنيا. # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 171 الى 172] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم (172) # يستبشرون بنعمة من الله وفضل لما بين الله تعالى أن الشهداء يستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم في خلفهم ذكر أنهم أيضا يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا ~~من النعيم والفضل فالاستبشار الأول كان لغيرهم والاستبشار الثاني لأنفسهم ~~خاصة وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين يعني كما أنه تعالى لا يضيع أجر ~~المجاهدين والشهداء كذلك لا يضيع أجر المؤمنين. # (فصل في فضل الجهاد في سبيل الله) (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه ~~إلا جهاد في سبيل وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو ~~أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس ~~محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين ~~يكلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن ms0633 يشق على ~~المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة ~~فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده ~~لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم اغزوا فأقتل لفظ (ق) عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما ~~فيها (ق) عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رباط يوم في ~~سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا ~~وما عليها. عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل ميت ~~يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ~~ويأمن من فتنة القبر أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له ~~الجنة ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقا من نفسه ثم مات أو قتل كان له ~~أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة ~~كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في ~~سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء. أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الترمذي ~~مفرقا في موضعين (ق) عن أبي سعيد قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ~~ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله وفي رواية يتقي الله ويدع الناس ~~من شره (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من احتبس ~~فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا وتصديقا فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ~~ميزانه يوم القيامة يعني حسنات (ق) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ms0634 الله ~~عليه وسلم قال: ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على ~~الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى ~~من الكرامة وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة (م) عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما يجد الشهيد من مس ~~القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة أخرجه الترمذي وللنسائي نحوه عن أبي ~~الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع الشهيد في سبعين من ~~أهل بيته أخرجه أبو داود: قوله عز وجل: الذين استجابوا لله والرسول الآية ~~قال أكثر المفسرين أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ~~ندموا على انصرافهم وتلاوموا فقالوا: # لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد ~~تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك # PageV01P320 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه ~~وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فانتدب عصابة منهم مع ما ~~بهم من ألم الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أحد وناد مناد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضرنا بالأمس فكلمه جابر بن ~~عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي ~~بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن ولست بالذي ~~أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك ~~فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ~~فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعه ms0635 أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد ~~الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ~~في سبعين رجلا من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية ~~أميال، (ق) عن عائشة في قوله الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم ~~القرح، الذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. قالت لعروة: يا ابن أختي كان ~~أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب ~~يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم ~~سبعون رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير قال: فمر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخزاعي بحمراء الأسد كانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ ~~مشرك فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله ~~كان قد أعفاك فيهم. ثم خرج معبد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم ~~ولنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال له: ما وراءك يا معبد قال محمد ~~قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قد يتحرقون عليكم تحرقا وقد ~~اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق ~~عليكم شيء لم أر مثله قط قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ~~ترحل حتى ترى نواصي الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل ~~بقيتهم فقال والله إني أنهاك عن ذلك فو الله لقد حملني ما رأيت على إن قلت ~~أبياتا قال وما قلت قال قلت: # كادت تهدي من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # تردى بأسد كرام لا ms0636 تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # فقلت ويل ابن حرب من لقائكمو ... إذا تغطغطت البطحاء بالخيل # إني نذير لأهل السبل ضاحية ... لكل ذي أربة منهم ومعقول # من جيش أحمد لا وحش يقابله ... وليس يوصف ما أنذرت بالفيل # قالوا فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر ركب من عبد القيس فقال: أين ~~تريدون؟ قالوا نريد المدينة لأجل الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عنا محمدا ~~رسالة وأحمل لكم إبلكم زبيبا بعكاظ إذا وفيتموها قالوا: نعم إذا وافيتموه ~~فأخبروه إنا أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو ~~سفيان إلى مكة ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ~~فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى ~~المدينة بعد ثالثة وقال مجاهد وعكرمة نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى ~~وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا ~~وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~بيننا وبينك إن شاء الله فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة ~~حتى نزل بمجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقي الله الرعب في قلبه فبدا له ~~الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا ~~نعيم إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم الصغرى وهذا عام جدب ولا ~~يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها ~~وأكره أن يخرج محمد # PageV01P321 # ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة ولا أن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من ~~أن يكون من قبلي فألحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير لا طاقة ~~لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يد سهيل بن عمرو ويضمنها لك ~~قال وجاء سهيل فقال له نعيم: يا ms0637 أبا يزيد أتضمن لي هذه القلائص وانطلق إلى ~~محمد فأثبته قال: # نعم، قال: فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي ~~سفيان فقال نعيم: أين تريدون؟ قالوا: # واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر الصغرى فقال نعيم بئس الرأي رأيتم ~~أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا الشريد أفتريدون أن تخرجوا ~~إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي ~~نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب ~~للقتال وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وكانوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش ~~فيقولون قد جمعوا لكم يريدون بذلك أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون حسبنا ~~الله ونعم الوكيل. حتى بلغوا بدر الصغرى وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية ~~يجتمعون إليها كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ~~ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبا سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافوا السوق وكان معهم ~~تجارات ونفقات فباعوا فأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين ~~غانمين فذلك قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول أي أجابوا الله وأطاعوه ~~في جميع أوامره وأطاعوا الرسول أيضا من بعد ما أصابهم القرح يعني من بعد ما ~~نالهم من ألم الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا يعني أحسنوا بطاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأجابوه إلى الغزو واتقوا معصيته والتخلف عنه أجر عظيم ~~يعني لهم ثواب جزيل وهو الجنة. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 173 الى 174] # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) # الذين قال لهم ms0638 الناس هذه الآية متعلقة بالآية التي قبلها لأن المراد ~~بالذين من تقدم ذكره وهم الذين استجابوا لله والرسول وفي المراد بالناس ~~وجوه أحدها: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي فيكون اللفظ عاما أريد به الخاص ~~وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد لأن ذلك الواحد إذا فعل فعلا ~~أو قال قولا ورضي به غيره حسن إضافة ذلك الفعل والقول إلى الجماعة وإن كان ~~الفاعل واحدا فهو كقوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا والقاتل واحد والوجه الثاني ~~أن المراد بالناس الركب من عبد القيس قاله ابن عباس ومحمد بن إسحاق. الوجه ~~الثالث أن المراد بالناس المنافقون وذلك أنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتجهز لميعاد أبي سفيان نهوا أصحابه عن الخروج معه وقالوا لهم أن ~~القوم قد أتوكم في دياركم فقتلوا الأكثر منكم فإن خرجتم إليهم لم يبق أحد ~~منكم إن الناس يعني أبا سفيان وأصحابه من رؤساء المشركين قد جمعوا لكم يعني ~~الجموع الكثيرة لأن العرب تسمى الجيش جمعا ويجمعونه جموعا فاخشوهم أي ~~فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم فزادهم إيمانا يعني فزاد المسلمين ~~ذلك التخويف تصديقا ويقينا وقوة في دينهم وثبوتا على نصر نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم وفي هذه الآية دليل لمن يقول بزيادة الإيمان ونقصانه لأن الله ~~تعالى نص على وقوع الزيادة في الإيمان وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي ~~كافينا الله هو الذي يكفينا أمرهم فهو كقول امرئ القيس. وحسبك من غني شبع. ~~وروي أي يكفيك الشبع والري ونعم الوكيل يعني ونعم الموكول إليه في الأمور ~~كلها وقيل الوكيل هو الكافي يكفينا الله ونعم الكافي هو. وقيل الوكيل هو ~~الكفيل ووكيل الرجل في ماله هو الذي كفله وقام به والوكيل في صفة الله ~~تعالى هو الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم وأنه الذي يستقل بأمورهم كلها (خ) ~~عن ابن عباس قال في قوله تعالى: إن الناس قد # PageV01P322 # جمعوا لكم إلى قوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ~~ألقي في النار وقالها محمد صلى الله ms0639 عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم. قوله تعالى: فانقلبوا أي فانصرفوا ورجعوا بعد خروجهم والمعنى ~~وخرجوا فانقلبوا فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه بنعمة من الله أي ~~بعافية لم يلقوا عدوا وفضل أي تجارة وربح وهو ما أصابوا في سوق بدر من ~~الربح وقيل النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة لم يمسسهم سوء أي لم ~~يصيبهم أذى ولا مكروه من قتل وجراح واتبعوا رضوان الله يعني في طاعة الله ~~وطاعة رسوله وقيل إنهم قالوا هل يكون هذا غزوا فأعطاهم الله ثواب الغزو ~~ورضي عنهم بمجرد خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ذو فضل عظيم ~~يعني أنه تعالى تفضل عليهم بالتوفيق لما فعلوا وقيل تفضل عليهم بإلقاء ~~الرعب في قلوب المشركين حتى رجعوا قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 175 الى 178] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ~~ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ~~(178) # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه يعني إنما ذلكم المخوف والمثبط هو ~~الشيطان يخوف بالوسوسة بأن ألقى ذلك في أفواههم ليرهبوا المؤمنين ويخوفوهم ~~ويجبنوهم قوله أولياءه يعني الشيطان يخوفكم يا معشر المؤمنين بأوليائه. ~~وقيل معناه أولياءه في صدوركم لتخافوهم وقيل معناه يخوف أولياءه المنافقين ~~ليقعدوا عن قتال المشركين وأولياء الشيطان هم الكفار والمنافقون الذين ~~يطيعونه ويؤثرون أمره وأولياء الله هم المؤمنون الذين لا يخافون الشيطان ~~إذا خوفهم ولا يطيعونه إذا أمرهم فلا تخافوهم يعني فلا تخافوا أولياء ~~الشيطان ولا تقعدوا عن قتلهم ولا تجبنوا عنهم وخافون أي فجاهدوا في سبيلي ~~مع رسولي فإني وليكم وناصركم إن كنتم مؤمنين أي مصدقين بوعدي إني متكفل لكم ~~بالنصر والظفر. قوله تعالى: ولا يحزنك ms0640 الذين يسارعون في الكفر قيل هم كفار ~~قريش وقيل هم المنافقون ورؤساء اليهود وقيل هم قوم ارتدوا عن الإسلام ~~والمعنى ولا يحزنك يا محمد من يسارع في الكفر ويجمع الجموع لمحاربتك فإن ~~هذا المقصود لا يحصل له وقيل مسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم الكفار على النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى يسارعون في نصرة الكفر فلا يحزنك فعلهم فإنك ~~منصور عليهم إنهم لن يضروا الله شيئا يعني بمسارعتهم في الكفر إنما يضرون ~~أنفسهم بذلك وقيل معناه لن يضروا أولياء الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم ~~حظا في الآخرة يعني لا يجعل لهم نصيبا في ثواب الآخرة فلذلك خذلهم حتى ~~سارعوا في الكفر. وفي الآية دليل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى ~~وفيه رد على القدرية والمعتزلة ولهم عذاب عظيم يعني في الآخرة إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان يعني المنافقين آمنوا ثم كفروا والمعنى أنهم ~~استبدلوا الكفر بالإيمان فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر كما يفعل ~~المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه لن يضروا الله شيئا يعني ~~باستبدالهم الكفر بالإيمان وإنما ضروا أنفسهم بذلك ولهم عذاب أليم يعني في ~~الآخرة. # قوله عز وجل: ولا يحسبن الذين كفروا قرئ تحسبن بالتاء والياء فمن قرأ ~~بالتاء فمعناه ولا تحسبن يا محمد إملاءنا للكفار خير لأنفسهم ومن قرأ ~~بالياء قال: معناه ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا نزلت في مشركي مكة ~~وقيل نزلت في يهود بني قريظة والنضير أنما نملي لهم الإملاء الإمهال ~~والتأخير وأصله من الملوءة وهي المدة من الزمان والمعنى ولا يظنن الذين ~~كفروا إن إمهالنا إياهم بطول العمر والإنساء في الأجل # PageV01P323 # خير لأنفسهم ثم قال تعالى: أنما نملي لهم ليزدادوا إثما يعني إنما نمهلهم ~~ونؤخر في آجالهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين يعني في الآخرة روى البغوي ~~بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله قيل فأي الناس شر؟ قال: من ms0641 ~~طال عمره وساء عمله وروى ابن جرير الطبري بسنده عن الأسود قال: قال عبد ~~الله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. وقرأ: ولا يحسبن الذين ~~كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقرأ نزلا من ~~عند الله وما عند الله خير للأبرار وقال ابن الأنباري قال جماعة من أهل ~~العلم أنزل الله عز وجل هذه الآية في قوم يعاندون الحق سبق في علمه أنهم لا ~~يؤمنون فقال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما بمعاندتهم الحق وخلافهم الرسول ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ~~ذلك استدراج من الله لخلقه ثم تلا هذه الآية وقال الزجاج هؤلاء قوم أعلم ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون أبدا وأن نفاقهم يزيدهم كفرا ~~وإثما وهذه الآية حجة ظاهرة على القدرية حيث أخبر الله تعالى أنه يطيل ~~أعمار قوم ويمهلهم ليزدادوا كفرا وإثما وغيا. قوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): آية 179] # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا ~~بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبي قالت قريش يا محمد تزعم ~~أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان وإن من أطاعك وتبعك على دينك ~~فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقال السدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت على ~~أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي» ~~فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء زعم محمدا أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ~~ممن لم يخلق بعد ونحن معه وما ms0642 يعرفنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقام على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام ~~طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به ~~فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال من أبي يا رسول الله فقال حذافة فقام ~~عمر فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك ~~نبيا فاعف عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهل أنتم منتهون ~~فهل أنتم منتهون ثم نزل عن المنبر فأنزل الله هذه الآية. وقيل إن المؤمنين ~~سألوا أن يعطوا آية يفرقون بها بين المؤمن والكافر فنزلت هذه الآية وقيل إن ~~قوما من المنافقين ادعوا أن إيمانهم كإيمان المؤمنين فأظهر الله نفاقهم يوم ~~أحد وأنزل هذه الآية واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال ابن عباس وأكثر ~~المفسرين الخطاب للكفار والمنافقين والمعنى ما كان ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين ~~على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق والتباس بعضهم ببعض حتى يميز ~~الخبيث من الطيب يعني المنافق من المؤمن الخالص فيميز الله المؤمنين من ~~المنافقين يوم أحد فأظهر المنافقون النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: إنما حصل التمييز يوم أحد بإلقاء الجميع في الخوف والقتل ~~والهزيمة فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وتصديقه ولم يتزلزل ومن كان منافقا ~~ظهر نفاقه وكفره وقيل في معنى الآية حتى يميز المؤمن من الكافر بالجهاد ~~والهجرة. وقيل في معنى الآية ما كان الله ليذر المؤمنين في أصلاب الرجال ~~المشركين وأرحام النساء المشركات. والمعنى ما كان الله ليدع أولادكم الذين ~~جرى لهم الحكم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك حتى يميز الخبيث من ~~الطيب يعني يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين فيحكم ~~لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الشرك ms0643 والكفر والنفاق بالنار وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب الخطاب في قوله ليطلعكم لكفار قريش الذين قالوا يا محمد ~~أخبرنا عمن يؤمن بك ومن لا # PageV01P324 # يؤمن والمعنى وما كان الله ليبين لكم أيها الكفار المؤمن من الكافر فيقول ~~فلان مؤمن وفلان كافر أو منافق لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره وإن سنة الله ~~جارية أنه لا يطلع على غيبة أحاد الناس فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من ~~الكافر والمنافق إلا بالامتحان بالآفات والمصائب فيتميز المؤمن المخلص ~~بثباته على إيمانه ويتزلزل المنافق عن المحن والبلايا. وقيل في معنى الآية ~~وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب فيخبركم بالمؤمن من الكافر ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشاء يعني ولكن الله يصطفى ويختار من رسله من يشاء فيطلعه ~~على ما يشاء من غيبه فآمنوا بالله ورسله يعني أنه لما قالت الدلائل على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا الإيمان بالله ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنما قال ورسله على الجمع ولم يقل ورسوله على التوحيد ~~لقوله ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ولأنه إذا أقر بجميع الرسل كان مقرا ~~بأحدهم وهذه صفة المؤمنين لأنهم آمنوا بجميع الرسل وإن تؤمنوا وتتقوا يعني ~~وأن تصدقوا اجتبيته برسالتي وأطلعته على ما أشاء من غيبي وأعلمته بالمنافق ~~منكم والمؤمن المخلص وتتقوا ربكم فيما أمركم به # ونهاكم عنه فلكم أجر عظيم يعني فلكم بأيمانكم واتقائكم ثواب جزيل وهو ~~الجنة. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): آية 180] # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم يعني ولا ~~يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم بل هو يعني البخل شر لهم والبخل هو ~~إمساك المقتنيات عما لا يستحق حبسها عنه والبخيل هو الذي يكثر منه البخل ~~والآية دالة على ذم ms0644 البخل عن عبد الله بن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح. أمرهم بالبخل ~~فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية فقال ~~عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وابن عباس في رواية أبي صالح عنه والشعبي ~~ومجاهد نزلت هذه الآية في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم ووجه هذا ~~القول أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن البخل عبارة عن منع الواجب وأن من منع ~~التطوع لا يكون بخيلا ويدل عليه الوعيد الشديد في سياق الآية. وهو قوله ~~تعالى سيطوقون ما بخلوا به وهذا لا يكون إلا في ترك الواجب لا في التطوع ~~وقال ابن عباس في رواية عطية عنه وابن جريج عن مجاهد أنها نزلت في أحبار ~~اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وهذا القول هو ~~اختيار الزجاج ووجه هذا القول أن البخل عبارة عن منع الخير والنفع ويدخل ~~فيه العلم كما يقال بخل فلان بعلمه وصحح الطبري القول الأول واختاره وقوله ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ~~فإن حملنا معنى الآية على منع الزكاة والبخل بها فقد قال ابن مسعود وابن ~~عباس يجعل ما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه ~~إلى قدمه ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا فلم يود زكاته مثل له يوم القيام ~~شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم أخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم ~~يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله» ~~الآية أخرجه البخاري قوله زبيبتان قيل هما النكتتان السوداوان فوق ms0645 عيني ~~الحية وقيل هما نقطتان يكتنفان فاها وقيل هما زبيبتان في شدقيها وقد جاء في ~~الحديث تفسير لهزمتيه بأنهما شدقاه وقيل إنهما مضغتان في أصل الحنك وقيل ~~هما منحني اللحيين أسفل من الأذنين وكله متقارب. (ق) عن أبي ذر قال: انتهيت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: هم ~~الأخسرون ورب الكعبة قال: # فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ ~~قال هم الأكثرون أموالا إلا من # PageV01P325 # قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقيل ما ~~هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة ~~أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفذت أخراها عادت ~~عليه أولاها حتى يقضي بين الناس لفظ مسلم وفرقه البخاري، بمعناه في موضعين. ~~وقيل في معنى الآية أنه يجعل في أعناقهم أطواق من النار وقيل يكلفون يوم ~~القيامة أن يأتوا بما بخلوا به من أموالهم في الدنيا وإن حملنا تفسير البخل ~~على البخل بالعلم وكتمانه فقد قال ابن عباس في قوله سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيامة أي يحملون وزره وإثمه فيكون على طريق التمثيل كما يقال قلدتك ~~هذا الأمر وجعلته في عنقك وقيل يجعل في رقابهم طوق من نار ويدل عليه ما روي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سئل علما يعلمه ~~فكتمه ألجم بلجام من نار أخرجه الترمذي وفي رواية أبي داود من سئل عن علم ~~فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة قيل في معنى الحديث إنهم لما ~~سألوا عن العلم فكتموه ولم ينطقوا به بألسنتهم ولم يخرجوه من أفواههم عوضوا ~~عن ذلك بلجام من نار في أفواههم عقوبة لهم والله أعلم. # قوله تعالى: ولله ميراث السماوات والأرض يعني أنه سبحانه وتعالى الباقي ~~الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون وتبقى أملاكهم فيرثها سبحانه ~~والمقصود ms0646 من الآية أنه يبطل ملك جميع المالكين ويبقى الملك لله تعالى وقيل ~~في معنى الآية وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وعلم وغير ذلك ذلك ~~فما لهؤلاء البخلاء يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله والله بما ~~تعملون خبير قرئ يعملون الياء على الغيبة على طريقة الالتفات وهي أبلغ في ~~الوعيد والمعنى والله بما يعملون يعني البخلاء من منعهم الحقوق خبير ~~فيجازيهم عليه وقرئ بالتاء على خطاب الحاضرين قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 181 الى 182] # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء قال الحسن وقتادة ~~لما نزلت هذه الآية من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قالت اليهود إن الله ~~فقير يستقرض منا ونحن أغنياء وذكر الحسن أن القائل هذه المقالة هو حيي بن ~~أخطب وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل أبو بكر ذات يوم بيت ~~مدراسهم فوجد ناسا كثيرا قد اجتمعوا على فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ~~ومعه حبر آخر يقال له أسبيع فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فو الله ~~إنك لتعلم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند ~~الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك ~~الجنة ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض ~~أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا ~~فقير ونحن أغنياء فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والذي نفسي ~~بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت ms0647 عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ~~بكر ما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله إن هذا عدو الله قال قولا عظيما ~~زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل ~~الله تصديقا لأبي بكر وتكذيبا لفنحاص وردا عليهم: لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وهذه المقالة وإن كانت قد صدرت من واحد من ~~اليهود لكنهم يرضون بمقالته هذه فنسبت إلى جميعهم ولا يخلوا أن يكونوا ~~قالوا هذه المقالة عن اعتقاد لذلك القول أو قالوها استهزاء وأيهما كان فهذه ~~المقالة عظيمة القبح لا تصدر عن عاقل وإنما صدرت عن كافر متمرد في كفره ~~وضلاله سنكتب ما قالوا يعني قولهم إن الله فقير ونحن # PageV01P326 # أغنياء لأن ذلك كذب وافتراء والمعنى سنحفظ عليهم ما قالوا وقيل: سنثبت ~~ذلك القول في صحائف أعمالهم التي تكتبها الحفظة عليهم حتى يوافوا بها يوم ~~القيامة فهو وعيد وتهديد لهم وقتلهم الأنبياء بغير حق قيل معناه سنكتب ما ~~قال هؤلاء اليهود ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي كلا الفريقين بما هو أهله ~~وإنما نسب قتل الأنبياء إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما فعله أسلافهم وأوائلهم لأنهم رضوا بفعلهم فنسب إليهم. وقيل في ~~معنى الآية سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ونكتب عليهم أيضا رضاهم بقتل ~~آبائهم الأنبياء والفائدة في ضم قتلهم الأنبياء إلى ما وصفوا الله تعالى ~~بالفقر الإعلام بذلك أنهما أخوان في العظم وإن هذا القول منهم ليس بأول ما ~~ارتكبوه من العظائم وأنهم أصلاء في الكفر والجهل والضلال ولهم في ذلك ~~سوابق، وأن من قتل الأنبياء لا يبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول العظيم ~~الفحش والقبح ونقول يعني لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ذوقوا عذاب الحريق ~~أي ننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة ذوقوا ms0648 عذاب الحريق كما أذقتم ~~المسلمين الغصص في الدنيا ذلك أي ذلك العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم ~~الله بالفقر وأقدمتم على قتل الأنبياء بما قدمت أيديكم إنما ذكر الأيدي على ~~سبيل المجاز لأن الفاعل هو الإنسان لا اليد إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل ~~حسن إسناد الفعل إليها ولأن أكثر الأعمال يكون باليد فجعل كل عمل كالواقع ~~بالأيدي على سبيل التغليب وأن الله ليس بظلام للعبيد فيعذب بغير ذنب بل هو ~~سبحانه وتعالى عادل ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثبت المحسن. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 183 الى 185] # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير (184) كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح ~~عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # الذين قالوا إن الله عهد إلينا قال الكلبي نزلت في كعب بن الأشرف ومالك ~~بن صيفي ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب من ~~اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد تزعم أن الله بعثك ~~إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا وإن الله عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن ~~لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فإن جئتنا ~~به صدقناك فأنزل الله تعالى الذين قالوا يعني قد سمع الله قول الذين إن ~~الله عهد إلينا يعني أمرنا وأوصانا في كتبه ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار يعني فيكون ذلك دليلا على صدقه. وذكر الواحدي عن السدي ~~أنه قال إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه رسول ~~الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار. حتى يأتيكم المسيح ومحمد ~~فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان. ms0649 زاد غير الواحدي عنه ~~قال: وكانت هذه العادة باقية فيهم إلى مبعث المسيح عليه السلام ثم ارتفعت ~~وزالت وقيل إن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة وهو من كذب اليهود وتحريفهم ~~ويدل على ذلك أن المقصود في الدلالة على صدق النبي هو ظهور المعجزة الخارقة ~~للعادة فأي معجزة أتى بها النبي قبلت منه وكانت دليلا على صدقه. وقد أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه فوجب على ~~كافة الخلق اتباعه وتصديقه والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل ~~من أعمال البر من نسك وصدقة وذبح وكل عمل صالح، ويدل على ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم الصوم جنة والصلاة قربان يعني أنها مما يتقرب بها إلى الله عز ~~وجل. وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانا ~~أو غنموا غنيمة جمعوا ذلك وجاءت نار بيضاء من # PageV01P327 # السماء لا دخان لها ولها دوي حفيف فتأكل ذلك القربان أو الغنمية وتحرقه ~~فيكون ذلك دليلا وعلامه على القبول وإذا لم يقبل بقي على حاله ولم تنزل ~~نار. وقال عطاء كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم ~~فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف فيقوم نبيهم عليه السلام في البيت ويناجي ~~ربه عز وجل وبنو إسرائيل خارجون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ~~ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان ثم قال الله عز وجل مجيبا عن هذه الشبهة ~~التي ذكرها هؤلاء اليهود وإقامة للحجة عليهم قل يعني قل يا محمد لهؤلاء ~~اليهود قد جاءكم يا معشر اليهود رسل من قبلي يعني مثل زكريا ويحيى وعيسى ~~عليهم السلام بالبينات يعني بالدلات الواضحات الدالة على صدقهم وبالذي قلتم ~~يعني ما طلبوا من القربان فلم قتلتموهم عني فلم قتلتم الأنبياء الذين أوتوا ~~بنا طلبتم منهم مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء وأراد بذلك فعل ~~أسلافهم وإنما خاطب بذلك اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم كانوا راضين بفعل ms0650 أسلافهم إن كنتم صادقين يعني في دعواكم ومعناه ~~تكذيبهم إياك يا محمد مع علمهم بصدقك كقتل آبائهم الأنبياء مع إتيانهم ~~بالقربان ثم قال تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم فإن كذبوك يعني ~~هؤلاء اليهود فقد كذب رسل من قبلك يعني مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم ~~من الرسل جاؤ بالبينات يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات والزبر ~~أي الكتب واحدها زبور وكل كتاب فيه حكمة فهو زبور وأصله من الزبر وهو الزجر ~~وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبورا لأنه يزبر عن الباطل ويدعو إلى الحق ~~والكتاب المنير أي الواضح المضيء وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه ~~وفضله وقيل أراد بالزبر الصحف وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل. # قوله عز وجل: كل نفس ذائقة الموت يعني أن كل نفس مخلوقة ذائقة الموت ولا ~~بد لها منه. قيل لما نزل قل يتوفاكم ملك الموت يا رسول الله إنما نزلت في ~~بني آدم فأين ذكر الموت للجن والأنعام والوحوش والطير؟ فنزلت هذه الآية ~~وقيل لما خلق الله آدم عليه السلام اشتكت الأرض إلى ربها عز وجل مما أخذ ~~منها فوعدها أن يرد فيها ما أخذ منها فما أحد يموت إلا ويدفن في التربة ~~التي خلق منها. فإن قلت الحور والولدان نفوس مخلوقة في الجنة لا تذوق الموت ~~فما حكم لفظ كل في قوله كل نفس ذائقة الموت؟ قلت لفظة كل لا تقتضي الشمول ~~والإحاطة بدليل قوله تعالى وأوتيت من كل شيء ولم تؤت ملك سليمان فتكون ~~الآية من العام المخصوص ويحتمل أن يكون المراد بهم المكلفين بدليل سياق ~~الآية وهو قوله تعالى: وإنما توفون أجوركم يعني توفون جزاء أعمالكم يوم ~~القيامة إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~فقد فاز يعني فمن نجا وأبعد من النار وأدخل الجنة فقد ظفر بالنجاة ونجا من ~~الخوف وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور يعني أن العيش في هذه الدار ~~الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب ms0651 فوصفت بأنها ~~متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب. وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم ~~والمتاع كل ما استمتع به الإنسان من مال وغيره وقيل المتاع كالفارس والقدر ~~والقصعة ونحوها والغرور ما يغر الإنسان مما لا يدوم وقيل الغرور الباطل. ~~ومعنى الآية أن منفعة الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع ~~بها ثم تزول عن قريب. وقيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول فخذوا من هذا ~~المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. قال سعيد بن جبير هي متاع ~~الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة فأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع ~~وبلاغ إلى ما هو خير منها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الله عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر» واقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين. # زاد الترمذي: «وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» ~~واقرءوا إن شئتم: «وظل ممدود ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» ~~واقرءوا إن شئتم: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا ~~إلا متاع الغرور. قوله عز وجل: # PageV01P328 ### || [سورة آل عمران (3): آية 186] # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) # لتبلون اللام لام القسم تقديره والله لتبلون أي لتختبرن فتوقع عليكم ~~المحن ليعلم المؤمن من غيره والاختبار طلب المعرفة ليعرف الجيد من الرديء ~~وذلك في وصف الله محال لأن الله تعالى عالم بحقائق الأشياء كلها قبل أن ~~يخلقها فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد ~~معاملة المختبر في أموالكم يعني بالابتلاء في الأموال بالنقصان منها وقيل ~~بأداء ما فرض فيها من الحقوق وأنفسكم يعني بالمصائب والأمراض والقتل وفقد ~~الأقارب والعشائر خوطب بهذه الآية المسلمون ليوطنوا أنفسهم على احتمال ~~الأذى ms0652 وما سيلقون من الشدائد والمصائب ليصبروا على ذلك حتى إذ لقوها لقوها ~~وهم مستعدون بالصبر لها لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة بغتة ~~فينكرها ويشمئز منها ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا قال عكرمة نزلت في أبي بكر الصديق وفنحاص بن عازوراء وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص سيد بني قينقاع يستمده ~~وكتب إليه معه كتابا وقال لأبي بكر: لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع فجاء أبو ~~بكر وهو متوشح بالسيف إلى فنحاص وأعطاه الكتاب فلما قرأه قال فنحاص قد ~~احتاج ربك حتى نمده فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع فنزلت الآية وقال الزهري نزلت هذه ~~الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وكعب بن الأشرف اليهودي وذلك أنه كان ~~يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ويحرض المشركين على قتالهم في ~~شعره. (ق) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لكعب بن ~~الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله قال محمد بن مسلمة أتحب أن أقتله قال نعم ~~قال ائذن لي فالأقل قال فأتاه فقال له وذكر ما بينهم وقال إن هذا الرجل قد ~~أراد الصدقة وقد عنانا فلما سمعه قال وأيضا والله لتملنه قال إنا قد ~~ابتعناه ونكره الآن أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره قال: وقد أردت ~~أن تسلفني سلفا قال فما ترهنني أترهنني نساءكم؟ # قال أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا قال له ترهنون أولادكم قال يسب ابن ~~أحدنا فيقال رهن في وسقين من تمر ولكن نرهنك اللأمة يعني السلاح قال: نعم. ~~وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عيسى بن جبر وعباد بن بشر قال فجاؤا فدعوه ~~ليلا إليهم قالت امرأته إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال إنما هو محمد ~~ورضيعي أبو نائلة أن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب قال ms0653 محمد: إني إذا ~~جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال فلما نزل نزل وهو ~~متوشح فقالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال ~~فتأذن لي أن أشم منه قال نعم فتناول فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود فاستمكن ~~من رأسه ثم قال دونكم فقتلوه. # زاد في رواية ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وزاد أصحاب السير ~~والمغازي فاختلف عليهم أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا ~~في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا إلا وأوقدت عليه نار ~~قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد ~~أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا فخرجنا وقد أبطأ علينا ~~صاحبنا الحارث ونزفه الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا يتبع آثارنا فحملناه ~~وجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا ~~عليه فخرج علينا فأخبرناه بقتل كعب بن الأشرف وجئنا برأسه إليه وتفل على ~~جرح صاحبنا فرجعنا إلى أهلنا وأصبحنا وقد خافت اليهود وقعتنا بعدو الله ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه ~~وأنزل الله عز وجل في شأن الأشرف اليهودي لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني اليهود والنصارى ومن الذين ~~أشركوا يعني مشركي العرب أذى كثيرا يعني بالأذى قول اليهود إن الله فقير ~~ونحن أغنياء وما أشبه ذلك من افترائهم وكذبهم على الله ورسوله وما كان كعب ~~بن الأشرف يهجو به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهذا هو الأذى ~~الكثير # PageV01P329 # وإن تصبروا وتتقوا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين يعني ~~وإن تصبروا على أذاهم وتتقوا فيما أمركم به ونهاكم عنه لأن الصبر عبارة عن ~~احتمال الأذى والمكروه والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي فإن ذلك من ~~عزم الأمور أي من صواب التدبير الذي ms0654 لا شك أن الرشد فيه ولا ينبغي لعاقل ~~تركه وأصله من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك أن تفعله لا محالة ولا ~~تتركه وقيل معناه فإن ذلك مما قد عزم عليكم فعله أي ألزمتم الأخذ به. قوله ~~تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 187 الى 188] # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) لا تحسبن الذين ~~يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب ولهم عذاب أليم (188) # وإذ أخذ الله أي واذكر يا محمد وقت إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~يعني اليهود والنصارى، والمراد منهم العلماء خاصة وقيل المراد بالذين أوتوا ~~الكتاب العلماء والأحبار من اليهود خاصة وأخذ الميثاق هو التوكيد والإلزام ~~لبيان ما أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى: لتبيننه للناس يعني لتبينن ما في ~~الكتاب ولتظهرنه للناس حتى يعلموه وذلك أن الله أوجب على علماء التوراة ~~والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا تكتمونه يعني ولا تخفون ذلك عن الناس فنبذوه ~~يعني الكتاب وقيل الميثاق وراء ظهورهم أي فطرحوه وضيعوه وتركوا العمل به ~~واشتروا به ثمنا قليلا يعني المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم ~~وسفلتهم فبئس ما يشترون ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك. واعلم أن ظاهر هذه ~~الآية وإن كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا يبعد أن ~~يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب وهو القرآن وهو أشرف ~~الكتب. قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا ~~فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة وقال أيضا مثل علم لا يقال به كمثل ~~كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم لا يأكل ولا يشرب وقال أيضا ~~طوبي لعالم ناطق ومستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خيرا فقبله ووعاه ms0655 ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سئل علما يعلمه ~~فكتمه ألجم «بلجام من نار» أخرجه الترمذي. ولأبي داود «من سئل عن علم فكتمه ~~ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة». وقال أبو هريرة لولا ما أخذ الله عز ~~وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب الآية وقال الحسن بن عمارة أتيت الزهري بعد أن ترك ~~الحديث فألفيته على بابه فقلت أريد أن تحدثني، فقال: أما علمت أني قد تركت ~~الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك قال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن ~~عيينة عن يحيى بن الخراز قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما ~~أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: ~~فحدثني أربعين حديثا. # قوله عز وجل: لا تحسبن الذين يفرحون قرئ بالتاء على الخطاب أي لا تحسبن ~~يا محمد الفارحين الذين يفرحون، وقرئ بالياء على الغيبة يعني ولا يحسبن ~~الفارحون والمعنى لا يحسبن الذين يفرحون فرحهم منجيا لهم من العذاب نزلت ~~هذه الآية في المنافقين (ق) عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا له وأحبوا ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا الآية وقيل نزلت ~~في اليهود (ق) عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال اذهب يا رافع ~~لبوابه إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ مما فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما ~~لم يفعل لنعذبن أجمعون. قال ابن عباس: مالكم. # ولهذه الآية إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس: وإذ أخذ ~~الله ميثاق ms0656 الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس # PageV01P330 # الآية وتلا ابن عباس: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا وقال ابن عباس سألهم رسول صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه ~~إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا ~~إليه بذلك وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه بما أتوا يعني ~~يفرحون بما فعلوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي ويحبون أن يحمدهم ~~الناس على شيء لم يفعلوه قيل عنى بذلك قوما من أحبار اليهود كانوا يفرحون ~~بإضلالهم الناس ونسبة الناس إياهم إلى العلم قال ابن عباس: وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله ولهم عذاب أليم يعني فنحاص وأسبيع ~~وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا ~~للناس من الضلالة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي بقول الناس لهم علماء ~~وليسوا بأهل علم. وقيل هم اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وذلك أنهم كتبوا إلى يهود العراق والشام واليمن ومن يبلغهم ~~كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس بنبي فاثبتوا على دينكم ~~فاجتمعت كلمتهم على الكفر ففرحوا بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ~~وأحبوا أن يحمدوا على ذلك. # وقيل فرحوا بما أتوا من تبديلهم التوراة وأحبوا أن يحمدهم الناس على ذلك. ~~وقيل أن يهود خبير أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نحن نعرفك ~~ونصدقك وقالوا لأصحابه نحن على رأيكم نحن لكم ردء وليس ذلك في قلوبهم ~~وأحبوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على ذلك فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب أي فلا تظنهم بمنجاة من العذاب الذي أعده الله لهم في ~~الدنيا من القتل والأسر وضرب الجزية والذلة والصغار ولهم عذاب أليم يعني في ~~الآخرة وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في اليهود أو المنافقين خاصة فإن حكمها ~~عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح ms0657 أو ينسب إلى العلم ~~وليس هو كذلك. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 189 الى 190] # ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) # ولله ملك السماوات والأرض يعني أنه تعالى مالك لما فيهما جميعا يتصرف فيه ~~كيف يشاء وفيه تكذيب لمن قال إن الله فقير ونحن أغنياء يقول الله عز وجل: ~~إن من له جميع ما حوته السموات والأرض من شيء كيف يكون فقيرا والله على كل ~~شيء قدير يعني أنه تعالى قادر على تعجيل العقوبة لهم على ذلك القول لكنه ~~تفضل على خلقه بإمهالهم. قوله عز وجل: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~قال ابن عباس إن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية ~~فنزلت هذه الآية والمعنى تفكروا واعتبروا أيها الناس فيما خلقته وأنشأته من ~~السموات والأرض لمعاشكم وأرزاقكم وفيما عقبت من ذلك بين الليل والنهار، ~~واختلافهما في الطول والقصر، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم لكي تتصرفوا ~~فيهما لمعاشكم تطلبون أرزاقكم في النهار وتسكنون في الليل لراحة أجسادكم، ~~فاعتبروا وتفكروا يا أولي الألباب يعني يا ذوي العقول الصافية. يعني الذين ~~يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال. والاعتبار لا ينظرون إليهما نظر البهائم ~~غافلين عما فيهما من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته (ق) عن ابن عباس أنه ~~بات عند ميمونة أم المؤمنين وهي خالته قال: فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فطرحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة ~~فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في ~~طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو ~~بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن ~~وجهه بيده ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من سورة آل عمران. ثم قام إلى شن ~~معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي. قال عبد ms0658 الله بن عباس فقمت ~~فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده اليمنى إلى رأسي وأخذ بأذني ففتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ~~ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء # PageV01P331 # المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح وفي رواية فقمت عن ~~يساره فأخذني فجعلني عن يمينه وفي رواية قال بت في بيت خالتي ميمونة فتحدث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل ~~الأخير قعد فنظر إلى السماء فقال: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب ذكره. قوله تعالى: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 191 الى 192] # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال علي بن أبي طالب وابن ~~مسعود وابن عباس وقتادة هذا في الصلاة. يعني الذين يصلون قياما فإن عجزوا ~~فقعودا فإن عجزوا فعلى جنوبهم والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في حال من ~~الأحوال بل يصلون في كل حال (خ) عن عمران بن حصين قال كانت بي بواسير فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ~~فإن لم تستطع فعلى جنب» أخرجه الترمذي. وقال فيه سألته عن صلاة المريض وذكر ~~نحوه قال الشافعي رضي الله عنه إذا صلى المريض مضطجعا وجب عليه أن يصلي على ~~جنب ويومئ برأسه إيماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بل يصلي مستلقيا ~~على ظهره فإن وجد خفة قعد وحجة الشافعي ظاهر الآية وهو قوله تعالى وعلى ~~جنوبهم وقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين فإن لم تستطع فعلى جنب فنص ~~على الجنب دون غيره. وقال أكثر المفسرين المراد به المداومة على الذكر في ~~غالب الأحوال لأن الإنسان قل ms0659 أن يخلو من إحدى هذه الثلاث حالات وهي: القيام ~~والقعود وكونه نائما على جنبه (م) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل في كل أحيانه وعن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قعد مقعدا لم ~~يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه ~~كانت عليه من الله ترة وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من ~~الله ترة» أخرجه أبو داود والترة النقص وقيل هي هنا التبعة. # وقوله تعالى: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض أصل الفكر إعمال الخاطر في ~~الشيء وتردد القلب في ذلك الشيء وهو قوة متطرفة للعلم إلى المعلوم والتفكر ~~جريان تلك القوة بحسب نظر العقل. ولا يمكن التفكر إلا فيما له صورة في ~~القلب ولهذا قيل تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله إذ الله منزه أن ~~يوصف بصورة. # فلذلك أخبر عن عباده الصالحين بأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض وما ~~أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ليدلهم ذلك على كمال ~~قدرة الصانع سبحانه وتعالى ويعلموا أن لهما خالقا قادرا مدبرا حكيما لأن ~~عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها سبحانه وتعالى كما قيل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وقيل: إن الفكر مقلوب عن الفرك لأن الفكر مستعمل في المعاني وهو فرك ~~الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها. وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث ~~للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النماء وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ~~ولا استنارت بمثل الفكرة ربنا أي ويقولون ربنا وقيل معناه ويتفكرون في خلق ~~السموات والأرض قائلين ربنا ما خلقت هذا باطلا يعني وهزلا بل خلقته دليلا ~~على وحدانيتك وكمال قدرتك سبحانك تنزيها لك عن أن تخلق شيئا عبثا لغير حكمة ~~فقنا عذاب النار يعني إنا قد صدقنا بوحدانيتك وإن لك جنة ونارا فقنا عذاب ms0660 ~~النار والمقصود من قوله سبحانك فقنا عذاب النار تعليم عباده كيفية الدعاء ~~ويدل عليه # PageV01P332 # قوله فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي أهنته ~~وأذللته وقيل أهلكته وقيل فضحته وأبلغت في إيذائه والخزي ضرب من الاستخفاف ~~أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط. فإن قلت قد تمسكت المعتزلة بهذه ~~الآية وقالوا قد أخبرنا الله أنه لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه فوجب ~~أن كل من يدخل النار لا يكون مؤمنا لقوله إنك من تدخل النار فقد أخزيته ~~والمؤمن لا يخزي. قلت قد ذكر العلماء في الجواب وجوها أحدها ما روي عن أنس ~~في تفسير قوله تعالى إنك من تدخل النار فقد أخزيته قال من يخلده وروي نحوه ~~عن سعيد بن المسيب قال هي خاصة لمن لا يخرج منها وهذا الجواب إنما يصح على ~~مذهب أهل السنة الذين يرون إخراج الموحدين من النار أما على مذهب المعتزلة ~~فلا يصح هذا الجواب لأن مذهبهم أن الفاسق مخلد في النار فهو داخل في قوله ~~تعالى فقد أخزيته، الوجه الثاني في الجواب أن المدخل في النار مخزي في حال ~~دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ومعنى الآية على هذا فقد أخزيته بدخوله ~~فيها وتعذيبه بها ويدل على صحة هذا المعنى ما روي عن عمرو بن دينار قال قدم ~~علينا جابر بن عبد الله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فسألته عن هذه ~~الآية: # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته فقال وما أخزاه حين أحرقه بالنار إن ~~دون ذا لخزيا. وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير الطبري لأن من أدخل النار فقد ~~أخزي بدخوله إياها وإن أخرج منها وذلك الخزي هو هتك المخزي وفضيحته. وقال ~~ابن الأنباري حمل الآية على العموم أولى من نقلها إلى الخصوص إذ لا دليل ~~عليه، الوجه الثالث في الجواب ما قاله أهل المعاني وهو أن الخزي يحتمل ~~معاني منها الإهانة والإهلاك والإبعاد. وهذا للكفار ومنها الإخجال يقال خزي ~~خزاية إذا استحى وإذا عمل عملا ms0661 يستحيي منه ويخجل فيكون خزي المؤمن الذي ~~يدخل النار الحياء من المؤمنين بدخوله النار إلى أن يخرج منها. وخزي الكافر ~~الهلاك بالخلود في النار وحاصل هذا الجواب أن لفظ الإخزاء مشترك بين ~~التخجيل والإهلاك. واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على ~~معنييه جميعا وهذا يسقط الاستدلال، الوجه الرابع في الجواب وهو الذي اختاره ~~الفخر الرازي وصححه أن قوله تعالى: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا وإنما يقتضي أن لا يحصل الإخزاء حال ما ~~يكونون مع النبي وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة لاحتمال أن ~~يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر والله أعلم وقوله تعالى وما للظالمين يعني ~~المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها من أنصار يعني ينصرونهم يوم ~~القيامة ويمنعونهم من العذاب. قوله عز وجل: # ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 193 الى 195] # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) فاستجاب لهم ~~ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا ~~وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن ~~الثواب (195) # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان قال ابن عباس وأكثر المفسرين ~~المنادي هو محمد صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة وقوله: وداعيا إلى الله بإذنه وقال محمد بن كعب القرظي ~~المنادي هو القرآن قال إذ ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ووجه ~~هذا لقول أن كل أحد يسمع القرآن ويفهمه فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به ~~فقد فاز به. وذلك لأن القرآن مشتمل على الرشد والهدى وأنواع الدلائل الدالة ~~على الوحدانية فصار كالداعي إليها واللام في ms0662 للإيمان بمعنى إلى يعني ينادي ~~إلى الإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا أي فصدقنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا أي ~~كبائر ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا أي صغائر ذنوبنا وقيل أن الغفر هو الستر # PageV01P333 # والتغطية وكذلك التفكير فهما بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد لأن ~~الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب إليه وقيل معناه اغفر لنا ما تقدم ~~من ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا في المستقبل وقيل يريد بالغفران ما يزول ~~بالتوبة من الذنوب وبالتكفير ما يكفر بالطاعات من الذنوب وتوفنا مع الأبرار ~~يعني في جملتهم وزمرتهم والأبرار هم الأنبياء والصالحون والمعنى توفنا على ~~مثل أعمالهم حتى تكون في درجتهم يوم القيامة وقيل توفنا في جملة أتباعهم ~~وأشياعهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك يعني على ألسنة رسلك وقيل معناه ~~وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك. فإن قلت كيف سألوا الله إنجاز ما وعد ~~والله لا يخلف الميعاد. قلت معناه أنهم طلبوا من الله تعالى التوفيق فيما ~~يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد. وقيل هو من باب اللجأ إلى الله تعالى ~~والتذلل له وإظهار الخضوع والعبودية. كما أن الأنبياء عليهم السلام ~~يستغفرون الله مع علمهم أنهم مغفور لهم يقصدون بذلك التذلل لربهم سبحانه ~~وتعالى والتضرع إليه واللجأ إليه الذي هو سيما العبودية. وقيل معناه ربنا ~~واجعلنا ممن يستحق ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم ~~يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها. وقيل إنما ~~سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وقالوا قد علمنا أنك لا تخلف ~~الميعاد ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل هلاكهم وانصرنا عليهم ولا تخزنا يوم ~~القيامة يعني ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا في ذلك اليوم فإن قلت قوله ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك يدل على طلب الثواب ومتى حصل الثواب اندفع العقاب ~~لا محالة فما معنى قوله ولا تخزنا وهو طلب دفع العقاب عنهم قلت المقصود من ~~الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن فعل المعصية كأنهم قالوا وفقنا ~~للطاعات وإذا وفقنا لها فاعصمنا ms0663 عن فعل ما يبطلها ويوقعنا في الخزي وهو ~~الهلاك ويحتمل أن يكون قوله ولا تخزنا يوم القيامة سببا لقوله تعالى: وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فإنه ربما يظن الإنسان أنه على عمل صالح ~~فإذا كان يوم القيامة ظهر أنه على غير ما يظن فيحصل الخجل والحسرة والندامة ~~في موقف القيامة فسألوا الله تعالى أن يزيل ذلك عنهم فقالوا ولا تخزنا يوم ~~القيامة إنك لا تخلف الميعاد. # قوله تعالى: فاستجاب لهم ربهم يعني أجاب دعاءهم وأعطاهم ما سألوه أني أي ~~وقال لهم أني لا أضيع عمل عامل منكم يعني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل ~~أثيبكم عليه من ذكر أو أنثى يعني لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا كان أو أنثى ~~عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله ما أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة ~~بشيء فأنزل الله تعالى: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من ~~بعض- إلى- والله عنده حسن الثواب أخرجه الترمذي وغيره. # وقوله تعالى: بعضكم من بعض يعني في الدين والنصرة والموالاة. وقيل كلكم ~~من آدم وحواء وقيل بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب ~~على المعصية فهو كما يقال: فلان يعني على خلقي وسيرتي وقيل إن الرجال ~~والنساء في الطاعة على شكل واحد فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في ~~سبيلي يعني المهاجرين الذين هجروا أوطانهم وأهليهم وأذاهم المشركون بسبب ~~إسلامهم ومتابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا مهاجرين إلى الله ~~ورسوله وتركوا أوطانهم وعشائرهم لله ورسوله ومعنى في سبيلي في طاعتي وديني ~~وابتغاء مرضاتي وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة فهاجر طائفة ~~إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ~~هجرته فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة رجع إليه من كان ~~هاجر إلى الحبشة من المسلمين وقاتلوا وقتلوا يعني وقاتلوا العدو واستشهدوا ~~في جهاد الكفار لأكفرن عنهم سيئاتهم يعني لأمحون عنهم ذنوبهم ولأغفرنها ms0664 لهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله يعني ذلك الذي ~~أعطاهم من تكفير سيئاتهم وإدخالهم الجنة ثوابا من فضل الله وإحسانه إليهم ~~والله عنده حسن الثواب وهذا تأكيد لكون ذلك الثواب الذي أعطاهم من فضله ~~وكرمه لأنه جواد كريم روى ابن جرير # PageV01P334 # الطبري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن أول ثلة تدخل الجنة فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم ~~المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض ~~له حتى يموت وهي في صدره. فإن الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي ~~بزخرفها وزينتها فيقول أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في ~~سبيلي وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي ~~الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك من ~~هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في ~~سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار. قال بعضهم في هذه الآية تعليم من الله تعالى لعباده ~~كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع وتكرير ربنا من باب الابتهال وإعلام بما ~~يوجب حسن الإجابة. وقال جعفر الصادق من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا نجاه ~~الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية وقال الحسن حكى الله ~~عنهم أنهم قالوا خمس مرات ربنا ثم أخبر أنه استجاب لهم. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 196 الى 198] # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) # قوله عز وجل: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد نزلت في المشركين وذلك ~~أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن ~~أعداء ms0665 الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد فأنزل الله تعالى هذه الآية لا ~~يغرنك الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الأمة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يغتر قط والمعنى لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين ~~كفروا في البلاد يعني ضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وطلب ~~الأرباح والمكاسب متاع قليل أي ذلك متاع قليل وبلغة فانية ونعمة زائلة ثم ~~مأواهم يعني مصيرهم في الآخرة جهنم وبئس المهاد أي وبئس الفراش هي: قوله ~~تعالى: لكن الذين اتقوا ربهم فيما أمرهم به من العمل بطاعته واتباع مرضاته ~~واجتناب ما نهاهم عنه من معاصيه لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها نزلا أي جزاء وثوابا والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه من عند الله يعني ~~من فضل الله وكرمه وإحسانه وما عند الله يعني من الخير والكرامة والنعيم ~~الدائم الذي لا ينقطع خير للأبرار يعني ذلك الفضل والنعمة التي أعدها الله ~~للمطيعين الأبرار خير مما يتقلب فيه هؤلاء الكفار من نعيم الدنيا ومتاعها ~~فإنه قليل زائل (ق) عن عمر بن الخطاب قال: جئت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا هو في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة ~~من أدم حشوها ليف وعند رجليه قرظ مصبور وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر ~~الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر ~~فيما هم وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. لفظ ~~البخاري المشربة الغرفة والعلية والمشارب العلالي. قوله عز وجل: ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 199 الى 200] # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (200) # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل ms0666 إليهم قال ابن ~~عباس نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة ومعناه بالعربية عطية وذلك ~~إنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا ~~فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي. فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض ~~الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له فقال # PageV01P335 # المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على ~~دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام ~~فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوه. وقيل نزلت في عبد الله بن سلام ~~وأصحابه الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في جميع مؤمني ~~أهل الكتاب وهذا القول أولى لأنه لما ذكر أحوال الكفار وأحوال أهل الكتاب ~~وأن مصيرهم إلى النار ذكر حال من آمن من أهل الكتاب وأن مصيرهم إلى الجنة ~~فقال تعالى: وإن من أهل الكتاب يعني بعض اليهود والنصارى أهل التوراة ~~والإنجيل لمن يؤمن بالله يعني من يقر بوحدانية الله وما أنزل إليكم يعني ~~ويؤمن بما أنزل إليكم أيها المؤمنون يعني القرآن وما أنزل إليهم يعني من ~~الكتب المنزلة مثل التوراة والإنجيل والزبور خاشعين لله يعني خاضعين لله ~~متواضعين له غير مستكبرين لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا يعني لا يغيرون ~~كتبهم ولا يحرفونها ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة ~~والمأكل والرشى كما يفعله غيرهم من رؤساء اليهود أولئك إشارة إلى أن من هذه ~~صفته من أهل الكتاب لهم أجرهم عند ربهم يعني لهم ثواب أعمالهم التي عملوها ~~لله ذلك الثواب لهم ذخر عند الله يوفيه إليهم يوم القيامة إن الله سريع ~~الحساب يعني إنه تعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أعمال ~~عباده فيجازي كل أحد على ms0667 قدر عمله لأنه سريع الحساب قوله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا يعني على دينكم الذي أنتم عليه ولا تدعوه لشدة ولا ~~لغيرها وأصل الصبر حبس النفس عما لا يقتضيه شرع ولا عقل. والصبر لفظ عام ~~تحته أنواع من المعاني قال بعض الحكماء: الصبر على ثلاثة أقسام ترك الشكوى ~~وقبول القضاء وصدق الرضا. وقيل في معنى الآية اصبروا على طاعة الله وقيل ~~على أداء الفرائض وقيل على تلاوة القرآن وقيل اصبروا على أمر الله وقيل ~~اصبروا على البلاء وقيل اصبروا على الجهاد وقيل اصبروا على أحكام الكتاب ~~والسنة وصابروا يعني الكفار والأعداء وجاهدوهم. ورابطوا يعني وداوموا على ~~جهاد المشركين واثبتوا عليه. وأصل المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم. وهؤلاء ~~خيولهم، بحيث يكون كل من الخصمين مستعدا لقتال الآخر. ثم قيل لكل مقيم بثغر ~~يدفع عمن وراءه مرابط، وإن لم يكن له مركب مربوط (ق) عن سهل بن سعد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما ~~عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها ~~العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها». (م) عن سلمان الخير ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام ~~شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه ~~وأمن الفتان» وقيل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة قال أبو سلمة ~~بن عبد الرحمن: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ~~ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله ~~به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على ~~المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط ~~فذلكم الرباط» أخرجه مسلم واتقوا الله لعلكم تفلحون قال ms0668 محمد بن كعب # القرظي يقول الله عز وجل: واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدا ~~إذا لقيتموني وقال أهل المعاني في معنى هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا على بلائي وصابروا على نعمائي ورابطوا على مجاهدة أعدائي واتقوا ~~محبة سوائي لعلكم تفلحون بلقائي وقيل اصبروا على النعماء وصابروا على ~~البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم ~~تفلحون في دار البقاء وقيل اصبروا على الدنيا ومحنها رجاء السلامة وصابروا ~~عند القتال بالثبات والاستقامة ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة واتقوا ~~الندامة لعلكم تفلحون غدا في دار الكرامة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV01P336 ### | سورة النساء # وهي مائة وخمس وسبعون آية وثلاثة آلاف وخمس وأربعون كلمة وستة عشر ألف ~~حرف وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النساء (4): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # قوله عز وجل: يا أيها الناس خطاب للكافة فهو كقوله يا بني آدم اتقوا ربكم ~~أي احذروا أمر ربكم أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه ثم وصف نفسه ~~بكمال القدرة فقال تعالى الذي خلقكم من نفس واحدة يعني من أصل واحد وهو آدم ~~أبو البشر عليه السلام وإنما أنث الوصف على لفظ النفس وإن كان المراد به ~~الذكر فهو كما قال بعضهم: # أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال # فإنما قال ولدته أخرى لتأنيث وخلق منها زوجها يعني حواء وذلك أن الله ~~تعالى لما خلق آدم عليه السلام ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من ~~أضلاعه اليسرى، وهو قصير. فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه فقال لها: من ~~أنت؟ قالت: امرأة قال: لماذا خلقت قالت خلقت لتسكن إلي فمال إليها وألفها ~~لأنها خلقت منه واختلفوا في أي وقت خلقت حواء. فقال كعب الأحبار ووهب وابن ~~إسحاق خلقت قبل دخوله الجنة وقال ms0669 ابن مسعود وابن عباس إنما خلقت في الجنة ~~بعد دخوله إياها وبث منهما يعني نشر وأظهر من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء ~~إنما وصف الرجال بالكثرة دون النساء لأن حال الرجال أتم وأكمل وهذا ~~كالتنبيه عن أن اللائق بحال الرجال الظهور والاستشهار وبحال النساء ~~الاختفاء والخمول واتقوا الله الذي تسائلون به إنما كرر التقوى للتأكيد ~~وأنه أهل أن يتقى والتساؤل بالله هو كقولك أسألك بالله واحلف عليك بالله ~~واستشفع إليك بالله والأرحام قرئ بفتح الميم ومعناه واتقوا الأرحام أن ~~تقطعوها وقرئ بكسر الميم فهو كقولك سألتك بالله وبالرحم وناشدتك بالله ~~وبالرحم لأن العرب كان من عادتهم أن يقولوا ذلك والرحم القرابة. وإنما ~~استعير اسم الرحم للقرابة لأنهم خرجوا من رحم واحدة وقيل هو مشتق من الرحمة ~~لأن القرابة يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض. وفي الآية دليل على تعظيم حق ~~الرحم والنهي عن قطعها ويدل على ذلك أيضا الأحاديث الواردة في ذلك (ق) عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول من ~~وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال من سره أن يبسط عليه من رزقه وينسأ في أنزه فليصل رحمه قوله ~~وينسأ في أثره أي يؤخر له في أجله. (ق) عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان في روايته يعني قاطع ~~رحم وعن الحسن قال من سألك بالله فأعطه ومن سألك بالرحم فأعطه وعن ابن عباس ~~قال: # PageV01P337 # الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته وإذا أتاها القاطع ~~احتجبت عنه إن الله كان عليكم رقيبا يعني حافظا والرقيب في صفة الله تعالى ~~هو الذي لا يغفل عما خلق فيلحقه نقص ويدخل عليه خلل وقيل هو الحافظ الذي لا ~~يغيب عنه شيء من أمر خلقه فبين بقوله: إن الله كان عليكم رقيبا إنه يعلم ~~السر وأخفى، وإذا كان كذلك فهو جدير بأن ms0670 يخاف ويتقى. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): الآيات 2 الى 3] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) # وآتوا اليتامى أموالهم نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له ~~يتيم كان في حجره فلما بلغ اليتيم طلب المال الذي له فمنعه عمه فترافعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فلما سمعها العم قال: «أطعنا ~~الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع إلى اليتيم ماله فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا. فإنه يحل داره ~~يعني جنته فلما قبض الصبي أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ثبت الأجر وبقي الوزر فقالوا كيف ثبت الأجر وبقي الوزر؟ قال ثبت ~~الأجر للغلام وبقي الوزر على أبيه. والخطاب في قوله تعالى وآتوا خطاب ~~للأولياء والأوصياء واليتامى جمع يتيم وهو الصبي الذي مات أبوه واليتيم في ~~اللغة الانفراد ومن الدرة اليتيمة لانفرادها واسم اليتيم يقع على الصغير ~~والكبير لغة لبقاء معنى الانفراد عن الآباء لكن في العرف اختص اسم اليتيم ~~بمن لم يبلغ مبلغ الرجال. فإذا بلغ الصبي وصار يستغني بنفسه عن غيره زال ~~عنه اسم اليتم وسئل ابن عباس اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتم؟ قال إذا أونس ~~منه الرشد وإنما سماهم يتامى بعد البلوغ على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم ~~باليتم وإن كان قد زال عنهم بالبلوغ وقيل المراد باليتامى الصغار الذين لم ~~يبلغوا والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ وتحقق الرشد وقيل معناه ~~وآتوا اليتامى الصغار ما يحتجون إليه من نفقة وكسوة والقول الأول هو الصحيح ~~إذا المراد باليتامى البالغون لأنه لا يجوز دفع المال إلى اليتيم إلا بعد ~~البلوغ وتحقق الرشد ولا تتبدلوا أي ولا تستبدلوا ms0671 الخبيث بالطيب يعني الخبيث ~~الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم واختلفوا في هذا التبديل فقال سعيد ~~بن المسيب والنخعي والزهري والسدي كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال ~~اليتيم ويجعلون مكانه الرديء، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة ويجعل ~~مكانها الهزيلة ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف ويقول شاة بشاة ودرهم ~~بدرهم فذلك تبديلهم فنهوا عنه وقال عطاء هو الربح في مال اليتيم وهو صغير ~~لا علم له بذلك. وقيل إنه ليس بإبدال حقيقة. وإنما هو أخذه مستهلكا وذلك أن ~~أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء والصغار وإنما كان يأخذ الميراث ~~الأكابر من الرجال وقيل هو أكل مال اليتيم عوضا عن أكل أموالهم فنهوا عن ~~ذلك ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم يعني مع أموالكم وقيل معناه ولا تضموا ~~أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق واعلم أن الله تعالى نهى عن أكل مال اليتيم ~~وأراد به جميع التصرفات المهلكة للمال وإنما ذكر الأكل لأنه معظم المقصود ~~إنه كان حوبا كبيرا يعني أن أكل مال اليتيم من غير حق إثم عظيم والحوب ~~الإثم. قوله عز وجل: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى يعني وإن خفتم يا ~~أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب ~~(ق) عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء- إلى قوله- أو ما ملكت ~~أيمانكم قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ~~ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال ~~الصداق وأمروا بنكاح من سواهن قالت عائشة رضي الله عنها فاستفتى الناس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله عز وجل ويستفتونك في النساء- ~~إلى- وترغبون أن تنكحوهن # PageV01P338 # فبين الله لهم هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في ~~نكاحها ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق وإن كانت مرغوبة عنها في قلة ~~المال والجمال ms0672 تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكلما يتركونها حين ~~يرغبونها عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ~~ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقال الحسن كان الرجل من أهل المدينة تكون ~~عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه ~~كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن ~~تموت فيورثها فعاب الله ذلك عليهم وأنزل # هذه الآية. وقال عكرمة في روايته عن ابن عباس كان الرجل من قريش يتزوج ~~العشر من النساء أو أكثر فإذا صار معدما من نساء مال إلى مال يتيمته التي ~~في حجره فأنفقه فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ مال ~~اليتامى وقيل كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ~~ما شاؤوا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما أنزل الله تعالى في أموال ~~اليتامى وآتوا اليتامى أموالهم أنزل هذه الآية وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى يقول فكلما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ألا ~~تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في ~~الضعف كاليتامى. وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي: ثم رخص الله ~~تعالى في نكاح أربع فقال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء يعني ما حل ~~لكم من النساء واستدلت الظاهرية بهذه الآية على وجوب النكاح قالوا لأن قوله ~~فانكحوا أمر والأمر للوجوب. وأجيب عنه بأن قوله تعالى فانكحوا إنما هو بيان ~~لما يحل من العدد في النكاح وتمسك الشافعي في بيان أن النكاح ليس بواجب ~~بقوله ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح إلى قوله ذلك لمن خشي العنت منكم وأن ~~تصبروا خير لكم الآية فحكم في هذه السورة بأن ترك النكاح خير من فعله وذلك ~~يدل على أنه ليس بواجب ولا مندوب وقوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع معناه ~~اثنين اثنين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا وهو غير منصرف لأنه اجتمع فيه ~~أمران: العدل ms0673 والوصف والواو بمعنى أو في هذا الفصل لأنه لما كانت أو بمنزلة ~~واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة أو. وقيل إن الواو أفادت أنه يجوز لكل ~~أحد أن يختار لنفسه قسما من هذه الأقسام بحسب حاله فإن قدر على نكاح اثنتين ~~فاثنتان. وإن قدر على ثلاث فثلاث وإن قدر على أربع فأربع إلا أنه يضم عددا ~~وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة وأن الزيادة على ~~أربع من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد من ~~الأمة ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة وأنها حرام ما روي عن الحارث ~~بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال اختر منهن أربعا. أخرجه أبو داود. عن ابن عمران ~~غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. أخرجه الترمذي قال العلماء: ~~فيجوز للحر أن يجمع بين أربع نسوة حرائر ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من ~~امرأتين وهو قول أكثر العلماء لأنه خطاب لمن ولي وملك وذلك للأحرار دون ~~العبيد. وقال مالك في إحدى الروايتين عنه وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج ~~بأربع نسوة واستدل بهذه الآية وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة بالأحرار ~~ويدل عليه آخر الآية وهو قوله: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم أو العبد لا يملك شيئا فثبت بذلك أن المراد من حكم الآية الأحرار ~~دون العبيد. وقوله تعالى: فإن خفتم يعني فإن خشيتم وقيل فإن علمتم ألا ~~تعدلوا يعني بين الأزواج الأربع فواحدة يعني فانكحوا واحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم يعني وما ملكتم من السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما ~~يلزم في الحرائر ولا قسم لهن ذلك أدنى أي أقرب ألا تعولوا معناه أقرب من أن ~~لا تعولوا فحذف لفظة من لدلالة الكلام ms0674 عليه ومعنى أن لا تعولوا أي لا ~~تميلوا ولا تجوروا وهو قول أكثر المفسرين لأن أصل العول الميل يقال: عال ~~الميزان إذا مال وقيل معناه لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ومنه عول الفرائض ~~إذا جاوزت سهامها وقيل معناه ذلك أدنى أن لا تضلوا. وقال الشافعي رحمه الله ~~تعالى معناه أن لا تكثر عيالكم # PageV01P339 # وقد أنكر على الشافعي من ليس له إحاطة بلغة العرب. فقال إنما يقال من ~~كثرة العيال أعال الرجل يعيل إعالة إذا كثر عياله. قال وهذا من خطأ الشافعي ~~لأنه انفرد به ولم يوافقه عليه أحد وإنما قال هذه المقالة من أنكر على ~~الشافعي وخطأه من غير علم له بلغة العرب فقد # روى الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ~~الفصحاء ألا تعولوا أي لا تكثر عيالكم. وروى الأزهري عن الكسائي قال عال ~~الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله قال ومن العرب الفصحاء من يقول عال ~~يعول إذا كثر عياله قال الأزهري وهذا يقوي قول الشافعي لأن الكسائي لا يحكي ~~عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح والذي ~~اعترض عليه وخطأه عجل ولم يتثبت فيما قال ولا ينبغي للحضري أن يعجل إلى ~~إنكار ما لا يحفظه من لغات العرب هذا آخر كلام الأزهري. وبسط الإمام فخر ~~الدين الرازي في هذا الموضع من تفسيره ورد على أبي بكر الرازي ثم قال الطعن ~~لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة. وحكى البغوي عن أبي حاتم قال ~~كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة ويقال هي لغة حمير وقرأ طلحة ~~بن مصرف ألا تعيلوا بضم التاء وهو حجة للشافعي. # ### || [سورة النساء (4): آية 4] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) # وآتوا النساء صدقاتهن قال الكلبي وجماعة هذا خطاب للأولياء قال أبو صالح ~~كان الرجل إذا تزوج أيمة أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك. وقيل إن ولي ms0675 ~~المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها لا قليلا ~~ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطيها من مهرها ~~غير ذلك فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. وقال الحضرمي ~~كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته ولا مهر بينهما ~~وهذا هو الشغار فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بتسمية المهر في العقد (ق) عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار في العقد والشغار أن ~~يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الرجل ابنته وليس بينهما صداق. وقيل الخطاب ~~للأزواج وهذا أصح وهو قول الأكثرين لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين وهم ~~الأزواج أمرهم الله تعالى بإتيان نسائهم الصداق والصداق المهور واحدها صدقة ~~بفتح الصاد وضم الدال نحلة يعني فريضة مسماة وقيل عطية وهبة. وقيل نحلة ~~يعني عن طيب نفس وأصل النحلة العطية على سبيل التبرع وهي أخص من الهبة وسمي ~~الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عرض مالي (ق) عن ~~عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا ~~بها ما استحللتم به الفروج». وقوله تعالى: فإن طبن يعني النساء المتزوجات ~~لكم يعني للأزواج عن شيء منه يعني من الصداق ومن هنا لبيان الجنس لا ~~للتبعيض لأنها لو وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها جاز نفسا نصب على التمييز ~~والمعنى فإن طابت نفوسهن عن شيء من ذلك الصداق المبين فوهبن ذلك لكم فنقل ~~الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا فلذلك وحد النفس وقيل لفظه ~~واحد ومعناه الجمع فكلوه يعني ما وهبنه لكم هنيئا مريئا يعني طيبا سائغا ~~وقيل الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء والمريء المحمود العاقبة وفي ~~الآية دليل على إباحة هبة المرأة صداقها وأنها تملكه ولا حق للولي فيه. ~~قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 5] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ms0676 وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم اختلفوا في هؤلاء السفهاء من هم فقيل هم ~~النساء نهى الله الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم سواء كن أزواجا أو بنات أو ~~أمهات وقيل هم الأولاد خاصة يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك ~~فيفسده عليك وقيل امرأتك وابنك السفيه. قال ابن عباس لا تعمد إلى مالك الذي ~~خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وابنك فيكونوا هم الذين يقومون ~~عليك ثم تنظر إلى ما بين أيديهم أمسك مالك # PageV01P340 # وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم. وقال الكلبي: إذا علم ~~الرجل إن امرأته سفيهة مفسدة وإن ولده سفيه مفسد لا ينبغي له أن يسلط واحدا ~~منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير هو مال اليتيم يكون عندك يقول لا ~~تؤته إياه وأنفق عليه منه حتى يبلغ وإنما أضاف المال إلى الأولياء لأنهم ~~قوامها ومدبروها. # وأصل السفه الخفة واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل في الأمور الدنيوية ~~والدينية والسفيه المستحق الحجر هو الذي يكون مبذرا في ماله ومفسدا في دينه ~~فلا يجوز لوليه أن يدفع إليه ماله. وقيل إن السفه المذكور في هذه الآية ليس ~~هو صفة ذم لهؤلاء وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم وضعفهم عن ~~القيام بحفظ المال فقوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء يعني الجهال بموضع الحق ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما يعني قوام معايشكم يقول المال هو قوام ~~الناس وقوام معايشهم كن أنت قيم أهلك أنفق عليهم ولا تؤت مالك امرأتك وولدك ~~فيكونوا هم الذين يقومون عليك. ولما كان المال سببا للقيام بالمعاش سمي به ~~إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة لأنه به يقام الحج والجهاد ~~وأعمال البر وفكاك الرقاب من النار وارزقوهم فيها أي أطعموهم واكسوهم يعني ~~لمن يجب عليكم رزقه وكسوته لما نهى الله عن إيتاء المال للسفيه أمر أن يجري ~~رزقه وكسوته وإنما قال: وارزقوهم فيها ولم يقل منها لأنه أراد اجعلوا لهم ~~فيها رزقا ms0677 والرزق من الله تعالى هو العطية من غير حد ولا قطع ومعنى الرزق ~~من العباد هو الأجر الموظف المعلوم لوقت معلوم محدود وقولوا لهم قولا ~~معروفا يعني قولا جميلا لأن القول الجميل يؤثر في القلب ويزيل السفه وقيل ~~معناه عدوهم عدة جميلة من البر والصلة. قال عطاء يقول: إذا ربحت أعطيتك وإن ~~غنمت قسمت لك حظا وقيل معناه الدعاء أي ادعوا لهم. # قال ابن زيد إن لم يكن ممن تجب عليك نفقته فقل له عافانا الله وإياك بارك ~~الله فيك. وقيل معناه قولوا لهم قولا تطيب به أنفسهم وهو أن يقول الولي ~~لليتيم السفيه: مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك. ~~وقال الزجاج معناه علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق ~~بالعلم والعمل. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) # وابتلوا اليتامى الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه وذلك أن رفاعة مات ~~وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ~~إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية وابتلوا اليتامى يعني اختبروهم في عقولهم وأديانهم ~~وحقوق أموالهم حتى إذا بلغوا النكاح أي مبلغ الرجال والنساء فإن آنستم أي ~~أبصرتم وعرفتم منهم رشدا يعني عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما ~~يصلحه. # (فصل في أحكام تتعلق بالحجر وفيه مسائل) المسألة الأولى: الابتلاء يختلف ~~باختلاف أحوال اليتامى فإن كان ممن يتصرف بالبيع والشراء في الأسواق يدفع ~~إليه شيئا يسيرا من المال، وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في الأسواق ~~فيختبر بنفقته على أهله وعبيده وإجرائه وتصرفه في أموال داره، وتختبر ~~المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها ms0678 وغزلها واستغزالها فإذا رأى حسن تدبير ~~اليتيم وحسن تصرفه في الأمور مرار أو غلب على الظن رشده دفع إليه ماله بعد ~~بلوغه ولا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا يغلب عليه السفه حتى يؤنس منه ~~الرشد. # المسألة الثانية: قال الإمام أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن ~~الولي صحيحة. وقال الشافعي # PageV01P341 # هي غير صحيحة. واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية وذلك لأن قوله تعالى ~~وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل ~~البلوغ والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في جميع تصرفاته فثبت أن قوله ~~وابتلوا اليتامى أمر للأولياء بالإذن لهم في البيع والشراء قبل البلوغ أجاب ~~الشافعي بأن قال ليس المراد وابتلوا اليتامى الإذن لهم في التصرف حال الصغر ~~بدليل قوله فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وإنما تدفع إليهم ~~أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد فثبت بموجب هذه الآية أنه لا يدفع إليه ~~ماله حال الصغر فوجب أن لا يصح تصرفه حال الصغر وإنما المراد من الابتلاء ~~هو اختبار عقله واستكشاف حاله في معرفة المصالح والمفاسد. # المسألة الثالثة: في بيان البلوغ وذلك بأربعة أشياء اثنان يشترك فيهما ~~الرجال والنساء. واثنان يختصان بالنساء أما اللذان يشترك فيهما الرجال ~~والنساء فأحدهما بالسن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة. حكم ببلوغه غلاما ~~كان أو جارية. ويدل عليه ما روى عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني. ثم عرضت عليه عام ~~الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أخرجاه في الصحيحين وهذا قول أكثر ~~أهل العلم. وقال أبو حنيفة بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة سنة وبلوغ ~~الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة والثاني الاحتلام وهو إنزال المني الدافق ~~سواء أنزل باحتلام أو جماع فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه ~~لقوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ~~خذ من كل حالم دينارا أما نبات الشعر الخشن ms0679 حول الفرج فهو يدل على البلوغ ~~في أولاد المشركين لما روى عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ~~ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل. فكنت ممن لم ينبت وهل يكون ~~ذلك علامة عن البلوغ في أولاد المسلمين؟ فيه قولان: أحدهما أنه يكون بلوغا ~~كما في أولاد المشركين والثاني لا يكون ذلك بلوغا في حق أولاد المسلمين ~~لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين والرجوع إلى قول آبائهم بخلاف ~~الكفار فإنه لا يوقف على مواليدهم ولا يقبل في ذلك قول آبائهم لكفرهم فجعل ~~الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. وأما الذي يختص بالنساء فهو ~~الحيض والحبل فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين حكم ببلوغها وكذلك ~~إذا ولدت حكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. # المسألة الرابعة: في بيان الرشد وهو أن يكون مصلحا في دينه وماله فالصلاح ~~في الدين هو اجتناب الفواحش والمعاصي التي تسقط بها العدالة والصلاح في ~~المال هو أن لا يكون مبذرا والتبذير أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة ~~دنيوية ولا مثوبة أخروية أو لا يحسن التصرف فيغبن في البيع والشراء. فإذا ~~بلغ الصبي وهو مفسد لماله ودينه لم ينفك عنه الحجر ولا ينفذ تصرفه في ماله. ~~وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كان مصلحا لماله زال عنه الحجر وإن كان ~~مفسدا لدينه وإذا كان لما له مفسدا لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسة ~~وعشرين سنة غير أنه ينفذ تصرفه قبله والقرآن حجة الشافعي في استدامة الحجر ~~عليه لأن الله تعالى قال فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم أمر ~~بدفع المال بعد البلوغ وإيناس الرشد والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا ~~وعشرين سنة وهو مفسد لماله بالإنفاق غير رشيد فوجب أن لا يجوز دفع المال ~~إليه كما قبل بلوغ هذا السن. # المسألة الخامسة: إذا بلغ الصبي أو الجارية وأونس منه الرشد زال عنه ~~الحجر ودفع إليه ماله سواء تزوج أو ms0680 لم يتزوج وقال مالك إن كانت امرأة لا ~~يدفع إليها المال ما لم تتزوج فإذا تزوجت دفع إليها مالها ولا ينفذ تصرفها ~~إلا بإذن الزوج ما لم تكبر وتجرب. # المسألة السادسة: إذا بلغ الصبي رشيدا زال عنه الحجر فلو عاد سفيها ينظر ~~فإن كان مبذرا لماله حجر عليه وإن كان مفسدا في دينه فعلى وجهين: أحدهما أن ~~يعاد عليه الحجر كما يستدام إذا بلغ وهو بهذه الصفة. والثاني # PageV01P342 # لا يحجر عليه لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء. وعند أبي حنيفة لا ~~حجر على الحر العاقل البالغ بحال والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة ~~ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ~~ألف درهم فقال علي: لآتين عثمان ولأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه ~~بذلك فقال الزبير أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان فقال احجر على هذا فقال ~~الزبير أنا شريكه فقال عثمان كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ~~فكان اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى حتى احتال الزبير لدفعه وقوله تعالى: # ولا تأكلوها إسرافا الخطاب للأولياء يعني يا معشر الأولياء لا تأكلوا ~~أموال اليتامى بغير حق وبدارا أن يكبروا يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم ~~فتفرطوا في إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبروا فيلزمكم تسليمها ~~إليهم. ثم بين تعالى حال الأولياء وقسمهم قسمين فقال تعالى: ومن كان غنيا ~~فليستعفف أي فليمتنع من أكل مال اليتيم ولا يرزأه قليلا ولا كثيرا ومن كان ~~فقيرا يعني محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه فليأكل بالمعروف روى أبو داود ~~عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إني فقير وليس لي ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ~~ولا متأثل. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فروي عن عمر وابن عباس وابن ~~جبير وأبي العالية وعبيدة السلماني وأبي وائل ومجاهد ومقاتل أنه يأخذ من ms0681 ~~مال اليتيم على وجه القرض. واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء فذهب قوم إلى ~~أنه يلزمه القضاء إذا أيسر وهو المراد من قوله تعالى فليأكل بالمعروف ~~والمعروف القرض أي يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه ~~وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال ~~الله بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإذا ~~أيسرت قضيت. وقال قوم لا ضمان عليه ولا قضاء بل يكون ما يأكله كالأجرة له ~~على عمله وهو قول الحسن والشعبي والنخغي وقتادة قال الشعبي لا يأكله إلا أن ~~يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة ثم القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم ~~اختلفوا في قوله فليأكل بالمعروف. فقال عطاء وعكرمة يأكل بأطراف أصابعه ولا ~~يسرف ولا يكتسي منه ولا يلبس الكتان ولا الحلل لكن يأكل ما يسد به الجوع ~~ويلبس ما يستر به العورة. وقال الحسن يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه ~~بالمعروف ولا قضاء عليه فأما الذهب والفضة فلا يأخذ منه شيئا فإن أخذ وجب ~~عليه رده. وقال الكلبي المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن ~~يأكل من ماله شيئا وروي أن رجلا قال لابن عباس إن لي يتيما وإن له إبلا ~~أفأشرب من لبن إبله فقال ابن عباس إن كنت تبغي ضالة إبل وتهنأ جرباها وتليط ~~حوضها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر نسل ولا ناهك في الحلب وقال قوم ~~المعروف أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ولا قضاء عليه وهو قول ~~عائشة وجماعة من أهل العلم وقوله تعالى: فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم هذا أمر إرشاد وليس بواجب أمر الله تعالى الولي بالإشهاد على دفع ~~المال إلى اليتيم بعد البلوغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة لأنه إذا ~~كانت عليه بينة كان أبعد من أن يدعى عدم القبض وتظهر بذلك أمانة الوصي ~~وتسقط عنه اليمين عند إنكار اليتيم القبض وكفى بالله حسيبا يعني محاسبا ~~ومجازيا وشاهدا به ms0682 قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): آية 7] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون نزلت هذه الآية في أوس بن ثابت ~~الأنصاري توفي وترك امرأته ويقال لها أم كحة وثلاث بنات منها فقام رجلان ~~هما ابن عم الميت ووصياه يقال لهما سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا ~~امرأته ولا بناته شيئا من ماله. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون ~~النساء ولا الصغير من الذكور وإنما كانوا يورثون الرجال يقولون لا يعطى ~~الإرث إلا من قاتل وحاز الغنيمة وحمى الحوزة فجاءت أم # PageV01P343 # كحة امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله مات ~~أوس بن ثابت وترك ثلاثة بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك ~~أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته منه شيئا وهن ~~في حجري ولا يطعمن ولا يسقين فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: ~~يا رسول الله إن ولدها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلأ ولا ينكبن عدوا فأنزل ~~الله هذه الآية وبين أن الإرث ليس مختصا بالرجال بل هو أمر يشترك فيه ~~الرجال والنساء. فقال تعالى للرجال يعني الذكور من أولاد الميت وعصبته نصيب ~~أي حظ مما ترك الوالدان والأقربون يعني من لميراث وللنساء نصيب يعني ~~وللإناث من أولاد الميت حظ مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~يعني من المال المخلف عن الميت نصيبا مفروضا يعني معلوما والفرض ما فرضه ~~الله تعالى وهو آكد من الواجب فلما نزلت هذه الآية مجملة ولم يبين كم هو ~~النصيب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من ~~المال شيئا فإن الله تعالى قد جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبين كم هو حتى ~~أنظر ما ينزل فيهن فأنزل الله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم الآية فلما ~~نزلت أرسل رسول الله صلى ms0683 الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة أن ادفعا إلى أم ~~كحة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ولكما باقي المال. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 8] # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) # وإذا حضر القسمة يعني قسمة الميراث فعلى هذا القول يكون الخطاب للوارثين ~~أولوا القربى يعني القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين إنما قدم ~~اليتامى لشدة ضعفهم وحاجتهم فارزقوهم منه أي فارضخوا لهم من المال قبل ~~القسمة. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هذه الآية منسوخة بآية ~~المواريث وهذا قبل نزول آية المواريث فلما نزلت آية المواريث جعلت لأهلها ~~ونسخت هذه الآية وهي رواية مجاهد عن ابن عباس وقول سعيد بن المسيب وعكرمة ~~والضحاك وقتادة وقال قوم هي محكمة غير منسوخة. # وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس وهو قول أبي موسى الأشعري والحسن وأبي ~~العالية والشعبي وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي والزهري ~~ثم اختلف العلماء بعد القول بأنها محكمة هل هذا الأمر أمر وجوب أو ندب على ~~قولين: أحدهما أنه واجب فقيل إن كان لوارث كبيرا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر ~~القسمة شيئا من المال بقدر تطيب به نفسه وإن الوارث صغيرا وجب على الولي أن ~~يعتذر إليهم ويقول إني لا أملك هذا المال وهو لهؤلاء الضعفاء. قال ابن عباس ~~إن كان الورثة كبارا رضخوا لهم وإن كان الورثة صغارا اعتذر إليهم فيقول ~~الولي أو الوصي إني لا أملك هذا المال وإنما هو للصغار ولو كان لي منه شيء ~~لأعطيتكم وإن يكبروا فسيعرفوا حقكم هذا هو القول المعروف وقال بعضهم: هذا ~~حق واجب في مال الصغار والكبار فإن كان الورثة كبارا تولوا إعطاءهم بأنفسهم ~~وإن كانوا صغارا أعطى وليهم. وروى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم ~~أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت وصنعت طعاما لأجل هذه الآية وقال لولا هذه ~~الآية لكان هذا من مالي، وقال الحسن والنخعي هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ~~فإذا آل ms0684 الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك فقولوا لهم قولا ~~معروفا وقيل كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع الذي يستحي ~~من قسمته والقول الثاني إن هذا الأمر ندب واستحباب لا على سبيل الفرض ~~والإيجاب وهذا القول هو الأصح الذي عليه العمل اليوم واحتجوا لهذا القول ~~بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبينه الله تعالى كما بين سائر الحقوق فحيث لم ~~يبين علمنا أن ذلك غير واجب وقيل في معنى الآية أن المراد بالقسمة الوصية ~~فإذا حضر الوصية من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله الوصي ~~أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولا معروفا وقوله: # وقولوا لهم قولا معروفا هو أن لا يتبع العطية بالمن والأذى. قوله تعالى: # PageV01P344 ### || [سورة النساء (4): الآيات 9 الى 10] # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا يعني أولادا صغارا خافوا عليهم ~~يعني الفقر قيل هذا خطاب للذين يجلسون عند المريض وقد حضره الموت فيقول له ~~انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط ~~فلا يزالون به حتى يأتي على عامة ماله فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بأن ~~يأمروه بالنظر لولده ولا يزيد على الثلث في وصيته ولا يجحف. والمعنى كما ~~أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال فاخشوا الله ولا ~~تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الصغار من ماله وحاصل هذا الكلام كما أنك ~~لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضه لأخيك المسلم. وكما أنه لو كان هذا ~~القائل هو الموصي لسره أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة ~~يتكففون الناس مع ضعفهم وعجزهم. # وقيل هو الرجل يحضره الموت ويريد أن يوصي بشيء فيقول له من حضره من ~~الرجال اتق الله وامسك أموالك لولدك فيمنعونه ms0685 من الوصية لأقاربه المحتاجين ~~وقيل الآية يحتمل أن تكون خطابا لمن حضر أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير ~~الوصية لئلا تبقى ورثته فقراء ضعافا ضائعين بعد موته. ثم إن كانت هذه الآية ~~نزلت قبل تقدير الثلث كان المراد منها أن لا يجعل الوصية مستغرقة للتركة ~~وإن كانت قد نزلت بعد تقدير الثلث كان المراد منها أن يوصي بالثلث أو بأقل ~~منه إذا خاف على ورثته كما روى عن كثير من الصحابة أنهم أوصوا بالقليل لأجل ~~ذلك وكانوا يقولون الخمس في الوصية أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث. ~~وقد ورد في الصحيح الثلث والثلث كثير لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم ~~عالة يتكففون الناس يعني يسألونهم بأكفهم وقيل هو خطاب لأولياء اليتامى ~~والمعنى وليخش من خاف على ولده من بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي ~~هو ذرية غيره إذا كان في حجره والمقصود من الآية أن من كان في حجره يتيم ~~فليحسن إليه وليه أو وصيه وليفعل به ما يحب أن يفعل بأولاده من بعده ~~فليتقوا الله يعني في الأمر الذي تقدم ذكره وليقولوا قولا سديدا يعني عدلا ~~وصوابا فالقول السديد من الجالسين عند المريض هو أن يأمروه أن يتصدق بدون ~~الثلث ويترك الباقي لولده ورثته وأن لا يحيف في وصيته. والقول السديد من ~~الأوصياء وأولياء اليتامى أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم ولا يؤذوهم بقول ~~ولا فعل قوله عز وجل: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما قال مقاتل وابن ~~حبان نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد ولي مال يتيم وكان اليتيم ~~ابن أخيه فأكله فأنزل الله هذه الآية إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~يعني حراما بغير حق إنما يأكلون في بطونهم نارا يعني سيأكلون يوم القيامة ~~فسمي الذين يأكلون نارا بما يؤول إليه أمرهم يوم القيامة. قال السدي يبعث ~~آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه ~~وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. ms0686 وفي حديث أبي سعيد الخدري قال ~~حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال نظرت فإذا أنا بقوم ~~لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم ~~صخرا من نار يخرج من أسافلهم قلت يا جبريل من هؤلاء قال: هؤلاء الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا. وقيل إنما ذكر أكل ~~النار على سبيل التمثيل والتوسع في الكلام والمراد أن أكل ما اليتيم ظلما ~~يفضي به إلى النار وإنما خص الأكل بالذكر وإن كان المراد سائر أنواع ~~الإتلافات وجميع التصرفات الرديئة المتلفة للمال لأن الضرر يحصل بكل ذلك ~~لليتيم. فعبر عن جميع ذلك بالأكل لأنه معظم المقصود وإنما ذكر البطون ~~للتأكيد فهو كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني وسيصلون سعيرا يعني بأكلهم أموال ~~اليتامى ظلما والسعير النار الموقدة المسعرة. ولما نزلت هذه الآية ثقل ذلك ~~على الناس واحترزوا من مخالطة اليتامى وأموالهم بالكلية فشق ذلك على ~~اليتامى فنزل قوله تعالى: وإن تخالطوهم فإخوانكم وقد توهم بعضهم أن قوله ~~وإن تخالطوهم ناسخ لهذه الآية وهذا غلط ممن توهمه لأن هذه الآية واردة # PageV01P345 # في المنع من أكل أموال اليتامى ظلما وهذا لا يصير منسوخا لأن أكل مال ~~اليتيم بغير حق من أعظم الآثام وقوله: # وإن تخالطوهم فإخوانكم وارد على سبيل الإصلاح في أموال اليتامى والإحسان ~~إليهم وهو من أعظم القرب. # قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): آية 11] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين اختلف العلماء في سبب نزول ~~هذه الآية ms0687 فروي عن جابر قال مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعودني وأبو بكر وهما يمشيان فوجداني أغمي علي فتوضأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم جالس فقلت ~~يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضى في مالي فلم يجبني بشيء حتى نزلت ~~آية الميراث، وفي رواية فقلت لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية ~~الفرائض وفي رواية أخرى فنزلت: يوصيكم الله في أولادكم وفي رواية أخرى فلم ~~يرد على شيئا حتى نزلت آية الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم أخرجه البخاري ~~ومسلم وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال ~~عطاء نزلت في سعد بن الربيع النقيب استشهد يوم أحد وترك بنتين وامرأة وأخا ~~(ق) عن جابر رضي الله عنه قال جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن ~~الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما ~~مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال أعط ابنتي سعد الثلثين ~~وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك أخرجه الترمذي. وقال السدي: كان أهل ~~الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلماء لا يرث الرجل من ولده ~~إلا من أطاق القتال فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة وخمس بنات ~~فجاء الورثة وأخذوا ماله فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية الكريمة وقبل الشروع في تفسير هذه الآية الكريمة. ~~نقدم فصولا تتضمن أحكام الفرائض وأصول قواعدها. # (فصل في الحث على تعليم الفرائض) اعلم أن الفرائض من أعظم العلوم قدرا ~~وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا وهي ركن من أركان الشريعة وفرع من فروعها في ~~الحقيقة اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها ms0688 وتكلموا في فروعها وأصولها ~~ويكفي في فضلها أن الله عز وجل تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة ~~من محل قدسه وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها فيما رواه ~~أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا الفرائض والقرآن ~~وعلموا الناس فإني مقبوض» أخرجه الترمذي وقال فيه اضطراب وأخرجه أحمد بن ~~حنبل وزاد فيه فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع ويوشك أن يختلف اثنان في ~~الفريضة فلا يجدان أحدا يخبرهما. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم» وهو أول علم ينسى وهو ~~أول شيء ينزع من أمتي أخرجه ابن ماجة والدارقطني. # (فصل في بيان أحكام الفرائض) إذا مات الميت وله مال يبدأ بتجهيزه من ماله ~~ثم تقضي ديونه إن كان عليه دين ثم تنفذ وصاياه وما فضل بعد ذلك من ماله ~~يقسم بين ورثته والوارثون من الرجال عشرة: الابن وابن الابن وإن سفل الأب ~~والجد وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم وابن الأخ للأب والأم ~~أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب # PageV01P346 # وابناهما وإن سفلوا والزوج والمعتق. والوارثات من النساء سبع: البنت وبنت ~~الابن وإن سفلت. والأم والجدة وإن علت. والأخت من كل الجهات. والزوجة ~~والمعتقة وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير وهم: # الأبوان والوالدان والزوجان لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة ثم الورثة ~~ثلاثة أصناف: صنف يرث بالفرض المجرد وهم الزوجان والبنات والأخوات والأمهات ~~والجدات وأولاد الأم وصنف يرث بالتعصيب وهم: البنون والإخوة وبنوهم ~~والأعمام وبنوهم وصنف يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما: الأب والجد ~~فيرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد فإن كان له ابن ورث الأب بالفرض السدس ~~وإن كانت بنت ورث السدس بالفرض وأخذ الباقي بالتعصيب والعصبة اسم لمن يأخذ ~~جميع المال إذا انفرد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض. # (فصل) وأسباب الإرث ثلاثة: نسب ونكاح وولاء فالنسب القرابة يرث بعضهم ms0689 ~~بعضا والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من صاحبه بسبب النكاح والولاء هو أن ~~المعتق وعصباته يرثون المعتق والأسباب التي تمنع الميراث أربعة: اختلاف ~~الدين فالكافر لا يرث المسلم ولا المسلم يرث الكافر لما روي من أسامة بن ~~زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم. أخرجاه في الصحيحين. فأما الكفار فيرث بعضهم بعضا مع اختلاف مللهم ~~وأديانهم لأن الكفر كله ملة واحدة وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر ~~يمنع التوارث أيضا حتى لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من المجوسي ~~وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لما روي عن جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لا توارث بين أهل ملتين أخرجه الترمذي وقال حديث ~~غريب. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا يتوارث أهل ملتين شتى» أخرجه أبو داود وحمله الآخرون على الإسلام ~~والكفر لأن الكفر عندهم ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات ~~التوارث بين ملتين شتى والرق يمنع الإرث لأن الرقيق ملك ولا ملك له فلا يرث ~~ولا يورث والقتل يمنع الإرث عمدا كان القتل أو خطأ لما روي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القاتل لا يرث» أخرجه الترمذي وقال: هذا ~~حديث لا يصح والذي عليه العمل عند أهل العلم أن القاتل لا يرث سواء كان ~~القتل عمدا أو خطأ. وقال بعضهم إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك ~~وعمى الموت وهو أن يخفى موت المتوارثين وذلك بأن غرقا أو انهدم عليهما بناء ~~فلم يدر أيهما سبق موته فلا يرث أحدهما الآخر بل يكون إرث كل واحد منهما ~~لما كانت حياته يقينا بعد موته من ورثته. # (فصل: السهام المحدودة) والسهام المحدودة في الفرائض المذكورة في كتاب ~~الله عز وجل ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس فالنصف فرض ~~خمسة: فرض الزوج عند عدم الولد ms0690 وفرض البنت الواحدة للصلب أو بنت الابن عند ~~عدم بنت الصلب وفرض الأخت الواحدة للأب والأم وفرض الأخت الواحدة للأب ~~والأم وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم والربع فرض الزوج من ~~الولد وفرض الزوجة مع عدم الولد والثمن فرض الزوجة مع الولد والثلثان فرض ~~البنتين فصاعدا أو بنات الابن عند عدم بنات الصلب وفرض الأختين فصاعدا للأب ~~والأم أو للأب والثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان ~~من الإخوة والأخوات إلا في مسألتين: إحداهما زوج وأبوان والأخرى زوجة ~~وأبوان فإن للأم فيهما ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة وفرض الاثنين ~~فصاعدا من أولاد الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء وفرض الجد مع الإخوة إذا لم ~~يكن في المسألة صاحب فرض وكان الثلث للجد خيرا من المقاسمة مع الإخوة ~~والسدس فرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد وفرض الأم إذا كان للميت ولد ~~أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة والأخوات وفرض الجد إذا كان للميت ولد # PageV01P347 # ومع الإخوة إذا كان في المسألة صاحب فرض وكان السدس خير للجد من المقاسمة ~~مع الإخوة وفرض الجدة والجدات، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرا كان أو أنثى ~~وفرض بنات الابن مع بنت الصلب تكملة الثلثين وفرض الأخوات للأب مع الأخت ~~للأب والأم تكلمة الثلثين (ق) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر (خ) عن ابن ~~عباس قال كان المال للولد والوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل ~~للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل ~~للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع اه. # (فصل) روي عن زيد بن ثابت قال: ولد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن ~~دونهن ابن ذكرهم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم يرثون ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ~~ولد ابن مع ابن ذكر فإن ترك ابنة وابن ابن ذكر كان للبنت النصف ولابن الابن ms0691 ~~ما بقي لقوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو ~~لأولى رجل ذكر» ففي هذا الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض والحجب ~~حجبان: حجب نقصان وحجب حرمان. أما الأول وهو حجب النقصان فهو أن الولد وولد ~~الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن والأم من ~~الثلث إلى السدس وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث ~~إلى السدس. وأما الثاني وهو حجب الحرمان فهو أن الأم تسقط الجدات وأولاد ~~الأم وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد ~~الابن وأولاد الأب والأم وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن ~~وابن الابن وإن سفلوا ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت. وهو قول عمر ~~وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأولاد الأب ~~يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم وذهب قوم إلى أن الإخوة يسقطون ~~جميعا بالجد كما يسقطون بالأب. وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ ~~وأبي الدرداء وعائشة. # وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو حنيفة والأقرب من العصبات يسقط الأبعد ~~منهم فأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الأب ثم الجد وإن علا فإن كان ~~مع الجد أحد من الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث فإن ~~لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء ~~كان لأب وأم أو لأب فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم ثم العم لأب وأم ~~ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة ثم عم الأب ثم عم الجد على الترتيب فإن لم ~~يكن أحد من عصابات النسب وعلى الميت، ولا فالميراث للمعتق فإن لم يكن حيا ~~فلعصبات المعتق وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: الابن وابن الابن والأخ ~~للأب والأم والأخ للأب فلو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب ~~يكون المال. بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يفرض ms0692 للبنت والأخت، وكذلك ~~ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين ~~شيئا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن ~~فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما ~~للذكر مثل حظ الأنثيين والأخت للأب والأم أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى ~~لو مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف والباقي وهو النصف للأخت ولو مات عن ~~بنتين وأخت كان للبنتين الثلثان والباقي للأخت ويدل على ذلك ما روي عن هزيل ~~بن شرحبيل قال سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن أخت فقال: للابنة النصف ~~وللأخت النصف وائت ابن مسعود. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن ~~مسعود: لقد ضللت وما أنا من المهتدين ثم قال اقضي فيها بقضاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي ~~فللأخت فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر ~~فيكم أخرجه البخاري. وأما تفسير فقوله تعالى يوصيكم الله أي يعهد إليكم ~~ويفرض عليكم في أولادكم يعني في أمر من أولادكم إذا متم والوصية من الله ~~إيجاب وإنما بدأ الله تعالى بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق قلب الإنسان بولده ~~أشد # PageV01P348 # من تعلقه بغيره فلهذا قدم الله ذكر ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين يعني ~~أن الولد الذكر له من الميراث ضعفا سهام الأنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم ~~فلو حصل مع الأولاد غيرهم من الورثة من أهل الفروض كالأبوين أخذوا فروضهم ~~وما بقي بعد ذلك كان بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن يعني ~~المتروكات من الأولاد نساء فوق اثنتين يعني بنتين فصاعدا فلهن ثلثا ما ترك ~~وأجمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ~~ظاهر الآية وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن الله تعالى قال: فإن كن ~~نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ms0693 ترك فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على ~~الثنتين. وعنده أن فرض الثنتين النصف كفرض الواحدة وأجيب عنه بوجوده فيها ~~حجة لمذهب الجمهور أيضا: الوجه الأول أن الله تعالى قال: وإن كانت واحدة ~~فلها النصف فجعل للواحدة وذلك ينفي حصول النصف نصيبا للبنتين. الوجه الثاني ~~في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن ~~الثلثان. الوجه الثالث أن لفظة فوق هاهنا صلة والتقدير فإن كن نساء اثنتين ~~فهو كقوله: «فاضربوا فوق الأعناق» يعني فاضربوا الأعناق وإنما سمى الاثنتين ~~نساء بلفظ الجمع، لأن العرب تطلق على الاثنين جماعة بدليل قوله تعالى: فقد ~~صغت قلوبكما. الوجه الرابع قال علماء الجمهور: وإنما أعطينا البنتين ~~الثلثين بتأويل القرآن لأن الله تعالى جعل للبنت الواحدة النصف بقوله ~~تعالى: # وإن كانت واحدة فلها النصف وجعل للأخت الواحدة النصف بقوله: «إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك» ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: «فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان» فلما جعل للأختين الثلثين علمنا أن للبنتين ~~الثلثين قياسا على الأختين. الوجه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~بالثلثين لابنتي سعد بن الربيع وهذا نص واضح في المسألة. # قوله تعالى: وإن كانت واحدة يعني البنت واحدة فلها النصف يعني فرضا لها ~~ولأبويه يعني أبوي الميت كناية عن غير مذكور وهما والداه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد يعني أن للأب والأم مع وجود الولد أو ولد ~~الابن لكل واحد منهما سدس الميراث. واعلم أن اسم الولد يقع على الذكر ~~والأنثى فإذا مات الميت وترك أبوين وولدا ذكرا واحدا كان أو أكثر أو ترك ~~بنات فإن للأم السدس بالفرض وللأب السدس مع الولد الذكر بالفرض ومع البنات ~~له السدس بالتعصيب وهو الباقي من التركة وله مع البنت الواحدة السدس بالفرض ~~والباقي بالتعصيب فإن لم يكن له ولد يعني للميت وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~يعني أن الميت إذا مات عن أبوين وليس له وارث سواهما فإن الأم تأخذ الثلث ms0694 ~~بالفرض ويأخذ الأب باقي المال بالفرض والتعصيب. فيكون المال بينهما أثلاثا ~~للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كان مع الأبوين أحد الزوجين فيفرض للأم ثلث ~~الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة فإن كان له يعني للميت إخوة يعني ذكورا أو ~~إناثا فلأمه السدس يعني لأم الميت سدس للتركة إذا كان معها أب وأجمع ~~العلماء على أن الثلاثة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وأن الأخ الواحد ~~والأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس. واختلفوا في الأخوين ~~فالأكثرون من الصحابة يقولون الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس وهذا ~~قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت والجمهور. وقال ابن عباس: لا تحجب الإخوة ~~الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة. قال ابن عباس لعثمان: لم صار ~~الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله تعالى: فإن كان له ~~إخوة والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها ~~بأخوين ولا أستطيع نقد أمر قد كان قبلي وإنما نشأ هذا الاختلاف لأنهم ~~اختلفوا في أقل الجمع وفيه قولان: أحدهما أن أقل الجمع اثنان وهو قول أبي ~~بكر الباقلاني. وحجة هذا القول أنك إذا جمعت واحد إلى واحدا فهما جماعة لأن ~~أصل الجمع ضم شيء. وقال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع ومشهور ~~في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية فمن ذلك قوله تعالى: # وكنا لحكمهم شاهدين وهما داود وسليمان عليهما السلام ومنه قوله تعالى: ~~فقد صغت قلوبكما يريد # PageV01P349 # قلباكما. والقول الثاني أن أقل الجمع ثلاثة وهو قول الجمهور العلماء وهو ~~الأصح. إنما حجب العلماء الأم بالأخوين لدليل اتفقوا عليه وهو أن لفظ ~~الاخوة يطلق على الأخوين فما زاد وذلك جائز في اللغة كما تقدم ثم إن الإخوة ~~إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فإنهم لا يرثون شيئا البتة بل يأخذ الأب ~~الباقي كرجل مات عن أبوين وأخوين فإن للأم السدس والباقي وهو خمسة أسداس ~~للأب سدس بالفريضة والباقي بالتعصيب قال قتادة: وإنما ms0695 حجب الأخوة الأم من ~~غير أن يرثوا مع الأب شيئا معونة للأب لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون ~~الأم من بعد وصية يوصي بها أو دين يعني أن هذه الأنصباء والسهام إنما تقسيم ~~بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه وذكر الوصية مقدم على الدين في ~~اللفظ لا في الحكم لأن لفظه أو لا توجب الترتيب. وإنما هي لأحد الشيئين ~~كأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى الآخر قال علي رضي الله عنه: ~~إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين ~~قبل الوصية وهذا إجماع على أن الدين مقدم على الوصية والإرث مؤخر عنهما لأن ~~الدين حق على الميت والوصية حق له وهما يتقدمان على حق الورثة. # قوله تعالى: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا قيل هذا كلام ~~معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله فريضة من الله ولا تعلق لمعناه ~~بمعنى الآية ومعنى هذا الكلام في قول ابن عباس: إن الله عز وجل يشفع ~~المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة، فإن ~~كان الوالد أرفع درجة من ولده رفع الله درجة ولده إليه وإن كان الولد أرفع ~~درجة من والديه رفع الله إليه لتقر بذلك أعينهم فقال تعالى: # لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة ~~وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببا لرفعته إليها، وقيل إن هذا الكلام ليس ~~معترضا بينهما ومعناه متعلق بمعنى الآية يقول آباؤكم وأبناؤكم يعني الذين ~~يرثونكم أيهم أقرب لكم نفعا أي لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. ~~فمنكم من يظن أن الأب أنفع له فيكون الابن أنفع له ومنكم من يظن أن الابن ~~أنفع له فيكون الأب أنفع له ولكن الله هو الذي دبر أمركم على ما فيه ~~المصلحة لكم فاتبعوه ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتعطون من ~~لا يستحق ما لا يستحق من الميراث وتمنعون ms0696 منم يستحق الميراث فريضة من الله ~~يعني ما قدر من المواريث لأهلها فريضة واجبة إن الله كان عليما حكيما يعني ~~كان عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما قدر من الفرائض وفرض من الأحكام، ~~وقيل معناه عليما بخلقه قبل أن يخلقهم حكيما حيث فرض للصغار مع الكبار ولم ~~يخص الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل وفي معنى لفظة كان ثلاثة أقوال: ~~أحدها أن الله تعالى كان عليما بالأشياء قبل خلقها ولم يزل كذلك، الثاني ~~حكى الزجاج عن سيبويه أنه قال: إن القوم لما شاهدوا علما وحكمة ومغفرة ~~وفضلا قيل لهم إن الله كان كذلك ولم يزل الله على ما شاهدتم. الثالث قال ~~الخليل الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء كالخبر بالحال والاستقبال ~~لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية # PageV01P350 # يوصين بها أو دين هذا ميراث الأزواج من الزوجات. وقال تعالى في ميراث ~~الزوجات من الأزواج ولهن يعني للزوجات الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين لما ~~جعل الله في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين جعل الله في الموجب ~~السبي للرجل مثل حظ الأنثيين واعلم ms0697 أن الواحدة من النساء لها الربع أو ~~الثمن وكذلك لو كن أربع زوجات فإنهن يشتركن في الربع أو الثمن واسم الولد ~~يطلق على الذكر والأنثى. ولا فرق بين الولد وولد الابن وولد البنت في ذلك ~~وسواء كان الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها. # قوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة تقدير الآية وإن كان رجل أو ~~امرأة يورث كلالة واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من ~~لا ولد له ولا والد روى الشعبي قال: سئل أبو بكر الصديق عن الكلالة فقال: ~~سأقول فيها قولا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال: إني لا أستحيي من ~~الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر وهذا قول علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وإحدى ~~الروايتين عن عمر وابن عباس وهذا القول هو الصحيح المختار ويدل على صحته أن ~~اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهم ~~فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه، وقيل إن الكلالة في أصل اللغة ~~عبارة عن الإحاطة ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس. فمن عد الوالد والولد من ~~القرابة إنما سموا كلالة لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان أما نسبة الولادة ~~فليست كذلك لأن فيها تنوع البعض عن البعض وتولد البعض من البعض فهو كالشيء ~~الواحد الذي يتزايد على نسق واحد. فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة ~~وهم الإخوة والأخوات والأعمام والعمات وغيرهم فإنما محصل نسبهم اتصال إحاطة ~~بالمنسوب إليه فثبت بذلك أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالد والولد والرواية ~~الأخرى عن عمر وابن عباس أن الكلالة من لا ولد له. وبه قال طاوس واحتج لهذا ~~القول بقوله تعالى: قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وبيانه عند عامة العلماء مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله لأن الآية نزلت ~~فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن لأن أباه قتل يوم أحد وآية ms0698 الكلالة ~~نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم فصار شأن جابر بيانا لمراد الآية ~~التي نزلت في آخر السورة لنزولها فيه واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ ~~فمنهم من قال هو اسم للميت، وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ~~لأنه مات عن ذهاب طرفيه فكل عمود نسبه وقيل هو اسم للحي من الورثة وهو قول ~~أبي بكر الصديق. وعليه جمهور العلماء الذين قالوا: إن الكلالة من دون ~~الوالد والولد ويدل عليه حديث لجابر إنما يرثني كلالة أي يرثني ورثة ليسوا ~~بولد ولا والد فإن كان المراد بالكلالة الميت الموروث فالمراد يرثه غير ~~الوالد والولد. وإن كان المراد الوارثين فهم غير الوالد والولد وقال ابن ~~زيد: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد والحي والميت كلهم كلالة هذا يرث ~~بالكلالة وهذا يورث بالكلالة. وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن الكلالة ~~فقال ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة (ق) عن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهد انتهى إليه الجد والكلالة ~~وأبواب من أبواب الربا وهذا طرف حديث ذكر في الخمر (ق) عن معدان بن أبي ~~طلحة قال خطب عمر بن الخطاب: فقال إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من ~~الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في ~~الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ في الكلالة حتى طعن بإصبعيه في صدري ~~وقال: يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض ~~فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. لفظ مسلم قوله: ~~ألا يكفيك آية الصيف أراد أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما ~~في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والآية الأخرى في الصيف وهي التي في ~~آخر السورة وفيها ms0699 من البيان ما ليس في آية الشتاء فلذلك أحاله عليها. # وقوله تعالى: وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس أراد به الأخ والأخت ~~للأم باتفاق العلماء وقرأ # PageV01P351 # سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم. فأن قلت إن الله تعالى قال وإن كان ~~رجل يورث كلالة أو امرأة ثم قال تعالى وله أخ فذكر الرجل ولم يذكر المرأة ~~فما السبب فيه. قلت هذا على عادة العرب فإنهم إذا ذكروا اسمين ثم أخبروا ~~عنهما وكان في الحكم سواء ربما أضافوا أحدهما إلى الآخر وربما أضافوا ~~إليهما فهو كقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة، ثم قال تعالى وإنها ~~لكبيرة وقال الفراء إذا جاء حرفان بمعنى واحد جاز إسناد التفسير إلى أيهما ~~أريد ويجوز إسناده إليهما أيضا فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ~~وهذا إجماع العلماء أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ~~ذكرهم وأنثاهم فيه سواء قال أبو بكر الصديق في خطبته: # إلا أن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها ~~في الولد والوالد والأم والآية الثانية في الزوج والزوجة والإخوة من الأم ~~والآية الثالثة التي ختم الله بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب ~~والأم والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها الله في أولي الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله. # وقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين تقدم تفسيره وبقي شيء من ~~الأحكام يذكر هنا وذلك أن ظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه ~~وفي معنى الآية ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به» وفي رواية له شيء يريد أن يوصى به ~~أن يبيت ليلتين وفي رواية ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده. قال نافع: ~~سمعت عبد الله بن عمر يقول ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول ذلك ms0700 إلا وعندي وصيتي مكتوبة أخرجاه في الصحيحين، ففي ظاهر ~~الآية والحديث ما يدل على إطلاق الوصية لكن ورد في السنة ما يدل على تقييد ~~هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص ~~قال: الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء أخير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس أخرجاه في الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن الوصية لا ~~تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز ولا تجوز الوصية لوارث ويدل ~~عليه ما روي عن عمرو بن خارجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إن الله عز وجل أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر ~~الحجر» أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث أخرجه أبو داود. # وقوله تعالى: غير مضار يعني غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة الثلث في ~~الوصية وهو أن يوصي بأكثر من الثلث وقيل هو أن يوصي بدين ليس عليه أو يقر ~~بماله أو أكثر ماله لأجنبي ويترك ورثته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما ~~الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين إلى قوله وذلك هو الفوز العظيم أخرجه أبو داود والترمذي. ~~وقال قتادة: كره الله تعالى الضرار في الحياة وعند الموت فنهى عنه وقدم فيه ~~وقيل: إن الإضرار في الوصية من الكبائر لأن مخالفة أمر الله عز وجل كبيرة ~~وقد نهى الله عن الإضرار في الوصية فدل على أن ذلك من الكبائر، واعلم أن ~~الأولى بالإنسان أن ينظر عند الموت في قدر ما يخلف من المال ومن يخلف من ~~الورثة ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان ماله قليلا، وفي الورثة كثرة ~~فالأولى به أن لا ms0701 يوصي بشيء لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: ~~«إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وإن كان في ~~المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب الورثة وحاجتهم بعده في القلة والكثرة. # وقوله تعالى: وصية من الله أي فريضة من الله وقيل عهدا من الله إليكم ~~فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم والله عليم يعني أنه عالم بمصالح عباده ~~ومضارهم وبما يفرض عليهم من الأحكام وقيل عليم بمن يجوز في وصيته وبمن لا ~~يجور حليم يعني أنه تعالى ذو حلم وذو أناة في ترك العقوبة عمن جار في وصيته ~~وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا ~~يستخفه جهل جاهل والحليم هو الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل ~~بالعقوبة. قوله عز وجل: # PageV01P352 ### || [سورة النساء (4): الآيات 13 الى 15] # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) # تلك حدود الله يعني الأحكام التي تقدم ذكرها في هذه السورة من مال ~~اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث وإنما سماها حدودا لأن الشرائع ~~كالحدود المضروبة للمكلفين فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها وقال ابن عباس يريد ~~ما حد الله من فرائضه ومن يطع الله ورسوله يعني في شأن المواريث ورضي بما ~~قسم الله له وحكم عليه يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله يعني في شأن المواريث ولم يرض بقسمة الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يعني ويتجاوز ما أمر الله تعالى به يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين فإن قلت كيف قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية ~~وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم إن العصاة والفساق من أهل ms0702 الإيمان يخلدون ~~في النار. قلت قال الضحاك المعصية هنا الشرك وروى عكرمة عن ابن عباس في ~~معنى الآية من لم يرض بقسمة الله ويتعد ما قال الله يدخله نارا وقال ~~الكلبي: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدود الله استحلالا إذا ثبت ذلك فمن رد ~~حكم الله ولم يرض بقسمته كفر بذلك وإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود ~~في النار إذا لم يتب قبل وفاته إذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلدا في النار ~~بكفره فلا دليل في الآية للمعتزلة والله أعلم. # قوله تعالى: واللاتي هو جمع التي وهي كلمة يخبر بها عن المؤنثة خاصة ~~يأتين الفاحشة يعني يفعلن الفاحشة يقال أتيت أمرا قبيحا إذا فعلته والفاحشة ~~في اللغة الفعلة القبيحة، وقيل الفاحشة عبارة عن كل فعل أو قول يعظم قبحه ~~في النفوس ويقبح ذكره في الألسنة حتى يبلغ الغاية في جنسه وذلك مخصوص بشهوة ~~الفرج الحرام ولذلك أجمعوا على أن الفاحشة هاهنا هي الزنا وإنما سمي الزنى ~~فاحشة لزيادة قبحه من نسائكم قيل هن الزوجات وقيل المراد بهن جنس النساء ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم يعني من المسلمين وهذا خطاب للأزواج أي اطلبوا ~~أربعة من الشهود ليشهدوا عليهن وقيل هو خطاب للحكام أي استمعوا شهادة أربع ~~عليهن. ويشترط في هذه الشهادة العدالة والذكورة قال عمر بن الخطاب: إنما ~~جعل الله الشهود أربعة سترا يستركم به دون فواحشكم فإن شهدوا يعني الشهود ~~بالزنا فأمسكوهن في البيوت أي فاحبسوهن في البيوت والحكمة في حبسهن أن ~~المرأة إنما تقع في الزنى عند الخروج والبروز للرجال فإذا حبست في البيت لم ~~تقدر على الزنى حتى يتوفاهن الموت يعني تتوفاهن ملائكة الموت عند انقضاء ~~آجالهن أو يجعل الله لهن سبيلا وهذا الحكم كان في أول الإسلام قبل نزول ~~الحدود كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم نسخ الحبس بالحدود ~~وجعل الله لهن سبيلا (م) عن عبادة بن الصامت قال: «كان نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أنزل عليه حكم كرب ms0703 لذلك وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم ~~فبقي كذلك فلما سري عنه قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر ~~جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». # (فصل) اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة ثم اختلفوا في ناسخها فذهب ~~بعضهم إلى أن ناسخها هو حديث عبادة بن الصامت المتقدم وهذا على مذهب من يرى ~~نسخ القرآن بالسنة وذهب بعضهم إلى أن الآية الحد التي في # PageV01P353 # سورة النور وقيل إن هذه الآية منسوخة الصامت المتقدم وهذا على مذهب من ~~يرى نسخ القرآن بالسنة بالحديث والحديث منسوخ بآية الجلد وقال أبو سلمان ~~الخطابي: لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في الحديث وذلك لأن قوله تعالى: # فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا يدل على ~~إمساكهن في البيوت ممدودا إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وأن ذلك السبيل ~~كان مجملا فلما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» ~~الحديث صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية المجملة لا ناسخا لها. وأجمع ~~العلماء على جلد البكر الزاني مائة ورجم المحصن وهو الذي اجتمع فيه أربعة ~~أوصاف البلوغ والعقل والحرية والإصابة في نكاح صحيح وهو الثيب واختلفوا في ~~جلد الثيب ورجمه فذهب طائفة إلى أنه يجب الجمع بينهما وبه قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. والحسن وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وروي عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ~~ورجمها يوم الجمعة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال جماهير العلماء الواجب على المحصن الزاني الرجم وحده ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما. وأما تغريب ~~البكر والزاني ونفيه سنة فمذهب الشافعي وجماهير العلماء وجوب ذلك وقال أبو ~~حنيفة وحماد لا يقضى بالنفي أحد إلا أن يراه الحاكم تعزيرا، وقال مالك ~~والأوزاعي: لا نفي على النساء ويروى مثله ms0704 عن علي قال لأن المرأة عورة وفي ~~نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة وحجة الشافعي وجماهير العلماء ظاهر حديث ~~عبادة بن الصامت وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة ونفي ~~سنة» وروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن ~~أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب وإن كان الزاني عبدا فعليه جلد خمسين ~~وفي تغريبه قولين. فإن قلنا إنه يغرب ففيه قولان أصحهما أنه يغرب نصف سنة ~~قياسا على حده وإن كان الزاني مجنونا أو أنه يغرب ففيه قولان: أصحهما أنه ~~يغرب نصف سنة قياسا على حده وإن كان الزاني مجنونا أو غير بالغ فلا جلد ~~عليه. # ### || [سورة النساء (4): آية 16] # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) # قوله عز وجل: والذان هو تثنية الذي يأتيانها يعني يأتيان الفاحشة منكم ~~يعني من رجالكم ونسائكم وقيل هما البكران اللذان لم يحصنا وهما غير ~~المعنيين بالآية الأولى وقيل المراد بمن ذكر في الأولى النساء وهذه للرجال ~~لأن الله تعالى حكم في الآية الأولى بالحبس في البيت على النساء وهو اللائق ~~بحالهن لأن المرأة إنما تفعل الفاحشة عند الخروج فإذا حبست في البيت انقطعت ~~مادة المعصية، وأما الرجل فلا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إلى الخروج في ~~إصلاح معاشه واكتساب قوت عياله فجعلت عقوبة الرجل الزاني الأذية بالقول ~~والفعل فآذوهما يعني عيروهما بالقول باللسان وهو أن يقال له أما خفت الله ~~أما استحيت من الله حين زنيت وقال ابن عباس: سبوهما واشتموهما وفي رواية ~~عنه قال: هو باللسان واليد يؤذي بالتعيير ويضرب بالنعال فإن تابا يعني من ~~الفاحشة وأصلحا يعني العمل فيما يأتي فأعرضوا عنهما أي اتركوهما ولا ~~تؤذوهما إن الله كان توابا رحيما يعني أنه تعالى يعود على عبده بفضله ~~ومغفرته ورحمته إذا تاب إليه وهذا الحكم كان في ابتداء الإسلام كان حد ~~الزاني الأذى بالتوبيخ والتعيير بالقول باللسان فلما نزلت الحدود وثبتت ~~الأحكام ms0705 نسخ ذلك الأذى بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى: الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~الآية فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ~~ماعزا وكان قد أحصن وسواء في هذا الحكم المسلم واليهودي لأنه ثبت في الصحيح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا وقال أبو ~~حنيفة: لا رجم على اليهودي لأن المشرك ليس بمحصن وأجيب عنه بأن المراد بهذا ~~الإحصان إحصان العفاف لا إحصان الفرج. قوله تعالى: # PageV01P354 ### || [سورة النساء (4): آية 17] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) # إنما التوبة على الله يعني التوبة التي يقبلها الله تعالى فيكون على ~~بمعنى عند وقيل على بمعنى من أي من الله وقال أهل المعاني إن الله تعالى ~~وعد قبول التوبة من المؤمنين في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة وإذا وعد ~~الله شيئا أنجز ميعاده وصدق فيه فمعنى قوله على الله أوجب على نفسه من ~~إيجاب أحد عليه لأنه تعالى يفعل ما يريد للذين يعملون السوء يعني الذنوب ~~والمعاصي سميت سوءا لسوء عاقبتها إذا لم يتب منها بجهالة قال قتادة أجمع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شيء عصى الله به فهو جهالة ~~عمدا كان أو غيرهن وكل من عصى الله فهو جاهل. وقال ابن عباس: من عمل السوء ~~فهو جاهل من جهالته عمل السوء فكل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة ~~وإنما سمي من عصى الله جاهلا لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بالثواب ~~والعقاب وإذا لم يستعمل ذلك سمي جاهلا بهذا الاعتبار وقيل معنى الجهالة أن ~~يأتي الإنسان بالذنب مع العلم بأنه ذنب لكنه يجهل عقوبته وقيل معنى الجهالة ~~هو اختيار اللذة الفانية ms0706 على اللذة الباقية ثم يتوبون من قريب يعني يتوبون ~~بعد الإقلاع عن الذنب بزمان قريب لئلا يعد في زمرة المصرين وقيل القريب أن ~~يتوب في صحته قبل مرض موته وقيل قبل موته وقيل قبل معاينة ملك الموت ~~ومعاينة أهوال الموت وإنما سميت هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه ~~تنبيه على أن عمر الإنسان وإن طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ~~ولحظة نزول الموت به عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ~~تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أخرجه الترمذي. الغرغرة أن يجعل المشروب ~~في فم المريض فيردده في الحلق ولا يصل إليه ولا يقدر على بلعه وذلك عند ~~بلوغ الروح إلى الحلقوم. وروى البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي ~~عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم» فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ~~وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني وقيل في معنى الآية إن ~~القريب هو أن يتوب الإنسان قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها فأولئك يتوب ~~الله عليهم يعني يقبل توبتهم وكان الله عليما حكيما قال ابن عباس: علم ما ~~في قلوب عباده المؤمنين من التصديق واليقين فحكم بالتوبة قبل الموت ولو ~~بقدر فواق ناقة وقيل في معنى الآية علم أنه إنما أتى بتلك المعصية باستيلاء ~~الشهوة والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب. # قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 18 الى 19] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى ~~أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # وليست التوبة للذين ms0707 يعملون السيئات قال ابن عباس: يريد الشرك وقال أبو ~~العالية وسعيد بن جبير: هم المنافقون وقال سفيان الثوري هم المسلمون ألا ~~ترى أنه قال ولا الذين يموتوا وهم كفار حتى إذا حضر أحدهم الموت يعني وقع ~~في النزاع وعاين ملائكة الموت وهو حالة السوق حين تساق الروح للخروج من ~~جسده قال إني تبت الآن قال المحققون قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة بل ~~المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال ~~ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه وهو قوله تعالى: حتى إذا أدركه الغرق. ~~قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن ~~وقد عصيت قبل وكنت من # PageV01P355 # المفسدين ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا فإن قلت قد تعلقت الوعيدية بهذه الآية وقالوا أخبر الله تعالى إن ~~عصاة المؤمنين إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة ~~مع الكفار لأن الله تعالى جمعهم في قوله أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما، ~~وأيضا أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند معاينة الموت وأسبابه. قلت ليس ~~الأمر على ما زعموا فقد روي عن ابن عباس في قوله وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات يريد الشرك وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية الأولى في المؤمنين يعني ~~قوله: إنما التوبة على الله والوسطى في المنافقين يعني قوله وليست التوبة ~~والأخرى في الكافرين يعني قوله ولا الذين يموتون وهم كفار وإذا كانت الآية ~~نازلة في المنافقين والكفار فلا وجه لحملها على المؤمنين وعلى تقدير أن ~~تكون الآية نازلة في عصاة المؤمنين فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئات الآية، ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فحرم الله المغفرة على ~~من مات وهو كافر وارجأ أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يؤيسهم من المغفرة فعلى ~~هذا القول ms0708 تكون الآية منسوخة في حق المؤمنين. # وقوله تعالى: ولا الذين يموتون وهم كفار معناه لا توبة للكفار إذا ماتوا ~~على كفرهم وإنما لم تقبل توبتهم في الآخرة لرفع التكليف في الآخرة ومعاينة ~~ما وعدوا به من العقاب أولئك أعتدنا لهم أي هيأنا لهم عذابا أليما قوله عز ~~وجل: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها نزلت في أهل ~~المدينة وذلك أنهم كانوا في الجاهلية في أول الإسلام إذا مات الرجل وخلف ~~امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبة من ذوي عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة ~~أو على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره فإن شاء تزوجها بغير صداق ~~إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها غيره وأخذ هو صداقها وإن ~~شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها بذلك لتفتدي منه بما ورثت من الميت أو ~~تموت هي فيرثها فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ~~ثوبه كانت أحق بنفسها وكانوا على ذلك حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري ~~وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، ~~وقيل اسمه قيس بن أبي قيس فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها فلم ينفق ~~عليها يضارها بذلك لتفتدي منه فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت له: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ~~ولا هو يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله فيك ~~فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~يعني ميراث نكاح النساء وقيل في معناه أن ترثوا أموالهن كرها يعني وهن ~~كارهات ولا تعضلوهن أي ولا تمنعوهن من الأزواج وأصل العضل المنع لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن يعني لتضجر فتفتدي ببعض مالها قيل هو خطاب للأزواج قال ~~ابن عباس: هذا في الرجل تكون له امرأة وهو كاره لها ولصحبتها ms0709 ولها عليه مهر ~~فيضارها لتفتدي منه وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله عن ذلك وقيل ~~كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها ثم يطلقها يضارها بذلك فنهوا عن ذلك وهو ~~خطاب لأولياء الميت فنهاهم الله عن عضل المرأة ثم قال تعالى: # إلا أن يأتين بفاحشة مبينة يعني فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم ~~واختلفوا في الفاحشة المبينة فقيل هي النشوز وسوء الخلق وإيذاء الزوج ~~وأهله، وقيل الفاحشة هي الزنى يعني أن المرأة إذا نشزت أو زنت حل للزوج أن ~~يسألها الخلع وقيل كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ منها زوجها ما ساق ~~إليها وأخرجها فنسخ الله ذلك بالحدود وعاشروهن بالمعروف قيل هو راجع للكلام ~~الذي قبله والمعنى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وعاشروهن بالمعروف هو الإجمال ~~في القول والمبيت والنفقة وقيل هو أن تصنع لها كما تحب أن تصنع لك فإن ~~كرهتموهن يعني فإن كرهتم عشرتهن وصحبتهن وآثرتم فراقهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا قال ابن عباس: ربما رزق منها ولدا صالحا فجعل ~~الله في ولدها خيرا كثيرا فتنقلب تلك الكراهة محبة # PageV01P356 # والنفرة رغبة، وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع والكراهية لها لأنه ~~إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها ~~استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى وقيل في معنى ~~الآية إنكم إن كرهتموهن ورغبتم في فراقهن فربما جعل الله في تلك المفارقة ~~لهن خيرا كثيرا وذلك بأن تخلص من هذا الزوج الكاره لها وتتزوج غيره خيرا ~~منه. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): الآيات 20 الى 22] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ~~ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج الخطاب للرجال وأراد بالزوج الزوجة قال ~~المفسرون: لما ms0710 ذكر الله في الآية الأولى مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة وهي ~~إما النشوز أو الزنا بين في هذه الآية تحريم المضارة إن لم يكن من قبلها ~~نشوز ولا زنى ونهى عن بخس الرجل حق المرأة إذا أراد طلاقها واستبدال غيرها ~~وآتيتم إحداهن قنطارا يعني وكان ذلك الصداق مالا كثيرا، وفي الآية دليل على ~~جواز المغالاة في المهور روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور ~~نسائكم فقامت امرأة فقالت يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا وتلت ~~الآية. # فقال كل الناس أفقه منك يا عمر وفي رواية امرأة أصابت وأمير أخطأ ورجع عن ~~كراهة المغالاة وقد تغالى الناس في صدقات النساء حتى بلغوا الألوف وقيل إن ~~خير المهور أيسرها وأسهلها فلا تأخذوا منه شيئا يعني من القنطار الذي ~~آتيتموهن لو جعلتم ذلك القدر لهن صداقا فلا تأخذوا منه شيئا وذلك أن سوء ~~العشرة إما أن يكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة فإن كان من قبل الزوج ~~وأراد طلاق المرأة فلا يحل له أن يأخذ شيئا من صداقها وإن كان النشوز من ~~قبل المرأة جاز له ذلك أتأخذونه استفهام بمعنى التوبيخ بهتانا يعني ظلما ~~وقيل باطلا وإثما مبينا يعني أتأخذونه مباهتين آثمين فلا تفعلوا مثل هذا ~~الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل ثم قال تعالى: وكيف تأخذونه كلمة تعجب ~~والمعنى لأي وجه تفعلون مثل هذا الفعل وكيف يليق بالعاقل أن يسترد شيئا ~~بذله لزوجته عن طيب نفس وقيل هو استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر ~~بغير حقه ثم ذكر السبب في ذلك فقال تعالى وقد أفضى بعضكم إلى بعض أصل ~~الإفضاء في اللغة الوصول يقال أفضى إليه أي وصل إليه ثم للمفسرين في معنى ~~الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما أنه كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ~~ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي لأن عنده أن الزوج ~~إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع بنصف المهر وإن خلا بها والقول الثاني في ms0711 ~~معنى الإفضاء هو أن يخلو بها وإن لم يجامعها وقال الكلبي الإفضاء أن يكون ~~معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها وهذا القول هو اختيار الفراء ومذهب ~~أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة عنده تقرر المهر وأخذن منكم ميثاقا غليظا قيل ~~هو قول العاقد عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من ~~إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقيل هي كلمة النكاح المعقودة على الصداق وهي ~~الكلمة التي تستحل بها فروج النساء ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فزوجهن بكلمة الله». # قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء قال المفسرون كان أهل ~~الجاهلية يتزوجون أزواج آبائهم فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية روي أنه لما ~~توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت إني ~~اتخذتك ولدا وأنت من صالحي قومك ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله # PageV01P357 # عز وجل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف يعني إلا ما ~~مضى في الجاهلية قبل نزول التحريم فإنه معفو عنه إنه كان فاحشة إنما سماه ~~فاحشة لأن زوجة الأب في منزلة الأم ونكاح الأمهات حرام فلما كان ذلك كذلك ~~سماه الله فاحشة لأنه من أقبح المعاصي ومقتا يعني أنه يورث المقت من الله ~~وهو أشد الغضب وغاية الخزي والخسارة وساء سبيلا أي وبئس طريقا لأنه يؤدي ~~إلى مقت الله والعرب تسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا وكان منهم الأشعث ~~بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية روى البغوي بسنده عن البراء بن عازب ~~قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت أين تذهب؟ قال: بعثني النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت ms0712 وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # حرمت عليكم أمهاتكم بين الله عز وجل في هذه الآية المحرمات من النساء ~~بسبب الوصلة إما بسبب أو نسب (خ) عن ابن عباس قال حرم من النساء سبع ومن ~~الصهر سبع، ثم قرأ حرمت عليكم أمهاتكم الآية فجملة المحرمات من النساء بنص ~~الكتاب أربعة عشر صنفا، فأما المحرمات بالنسب فقوله حرمت عليكم أمهاتكم جمع ~~أم وأصل أمهات أمات وإنما زيدت الهاء للتوكيد والأم هي الوالدة القريبة ~~ويدخل في حكمها كل امرأة رجع النسب إليها من جهة الأب أو من جهة الأم بدرجة ~~أو بدرجات وهي جميع الجدات وإن علون فيحرم الأم وجميع الجدات وبناتكم ~~والبنت عبارة عن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث ~~كبنت البنت وإن سفلت وكذا بنت الابن وأخواتكم جمع أخت وهي عبارة عن كل ~~امرأة شاركتك في أصلك فتدخل فيه الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب ~~والأخوات من الأم وعماتكم جمع عمة وهي كل امرأة شاركت أباك في أصله وهن ~~جميع أخوات الأب وأخوات آبائه وإن علون وقد تكون العمة من جهة الأم أيضا ~~وهي أخت أبي الأم وخالاتكم جمع خالة وهي كل امرأة شاركت الأم في أصلها ~~فيدخل فيه جميع أخوات الأم وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالة من جهة الأب ~~أيضا وهي أخت أم الأب وبنات الأخ وبنات الأخت وهي عبارة عن كل امرأة لأخيك ~~أو لأختك عليها ولادة يرجع نسبها إلى الأخ أو الأخت فيدخل فيهن جميع بنات ~~أولاد الأخ والأخت وإن سفلن فهذه الأصناف السبعة محرمة بسبب النسب بنص ~~الكتاب وجملته أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله، وأول فصل ~~من كل أصل بعده أصل فالأصول هن الأمهات والجدات، والفصول هن البنات وبنات ~~الأولاد ms0713 وفصول أول أصوله هن الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وأول فصل من كل ~~أصل بعده أصل هن العمات والخالات وإن علون. قال العلماء: كل امرأة حرم الله ~~نكاحها بالنسب والرحم فحرمتها مؤبدة لا تحل يوجه من الوجوه. الصنف الثاني ~~المحرمات بالسبب وهن سبع الأول والثاني المحرمات بالرضاع وذلك في قوله ~~تعالى: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة كل أنثى انتسبت باللبن ~~إليها فهي أمك وبنتها أختك وإنما نص الله على ذكر الأم والأخت ليدل بذلك ~~على جميع الأصول والفروع فنبه بذلك أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ويدل ~~على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» أخرجاه في الصحيحين (ق) عن ~~ابن عباس قال: قال # PageV01P358 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في بنت حمزة إنها لا تحل لي يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب» وإنها ابنة أخي من الرضاعة فكل من حرمت بسبب ~~النسب حرم نظيرها بسبب الرضاعة، وإنما سمى الله تعالى المرضعات أمهات لأجل ~~الحرمة فيحرم عليه نكاحها ويحل له النظر إليها والخلوة بها والسفر معها ولا ~~يترتب عليه جميع أحكام الأمومة من كل وجه فلا يتوارثان ولا تجب على كل واحد ~~منهما نفقة الآخر وغير ذلك من الأحكام، وإنما ثبتت حرمة الرضاع بشرطين: ~~أحدهما أن يكون إرضاع الصبي في حال الصغر وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته ~~لقوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وقوله تعالى: وفصاله في ~~عامين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحرم من الرضاع ~~إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» أخرجه الترمذي عن ابن مسعود ~~قال: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين أخرجه مالك في الموطأ بأطول من هذا ~~وأخرجه أبو داود مختصرا قال: قال عبد الله بن مسعود لا رضاع إلا ما شد ~~اللحم. وقال أبو حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون ms0714 شهرا وحمله الجمهور على أقل مدة الحمل وأكثر مدة ~~الرضاع لأن مدة الحمل داخلة فيه وأقله ستة أشهر. الشرط الثاني أن يوجد خمس ~~رضعات متفرقات. روي ذلك عن عائشة وبه قال عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب ~~الشافعي ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تحرم المصة ولا المصتان» أخرجه مسلم (م) عن أم الفضل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» وفي رواية: «أن رجلا من ~~بني عامر بن صعصعة قال يا نبي الله هل تحرم الرضعة الواحدة قال لا» (م) عن ~~عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس ~~معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن قولها ~~فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن يحتمل أنه لم ~~يبلغها نسخ ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى فهو مما نسخ تلاوته وبقي حكمه، ~~وذهب جمهور العلماء إلى أن قليل الإرضاع وكثيره يحرم وهو قول ابن عباس وابن ~~عمر وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك ~~وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى كمذهب الشافعي ~~واحتج مذهب الجمهور بمطلق الآية لأنه عمل بعموم القرآن وظاهره ولم يذكر ~~عددا وأجاب الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة بأن السنة مبينة للقرآن مفسرة ~~له. # وقوله تعالى: وأمهات نسائكم يعني إذا تزوج الرجل بامرأة حرمت عليه أمها ~~الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما في النسب والرضاع أيضا ومذهب ~~أكثر الصحابة وجميع التابعين وكل العلماء أن من تزوج امرأة حرمت عليه أمها ~~بنفس العقد سواء دخل بها أو لم يدخل بها وذهب جمع من الصحابة إلى أن أم ~~المرأة إنما تحرم بالدخول بابنتها وهو قول علي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن ~~الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس والعمل اليوم على القول الأول هو ~~مذهب ms0715 الجمهور ويدل على ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. ~~وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح ~~امرأة دخل بها أو لم يدخل أخرجه الترمذي وقوله تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم الربائب جمع ربيبة وهي بنت المرأة من رجل آخر ~~سميت ربيبة لتربيتها في حجر الرجل، وقوله دخلتم بهن كناية عن الجماع لا نفس ~~العقد فيحرم على الرجل بنات امرأته وبنات أولادها وإن سفلن من النسب ~~والرضاع بعد الدخول بالزوجة. فلو فارق زوجته قبل الدخول بها أو ماتت قبل ~~دخوله بها جاز أن يتزوج بنتها ولا يجوز له أن يتزوج أمها لأن الله تعالى ~~أطلق تحريم الأمهات، وعلق تحريم البنات بالدخول بالأم وقوله تعالى: وحلائل ~~أبنائكم يعني أزواج أبنائكم واحدتها حليلة والرجل حليل سميا بذلك لأن كل ~~واحد منهما يحل لصاحبه وقيل لأن كل واحد منهما يحل حيث يحل صاحبه في إزار ~~واحد وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه من الحل بفتح الحاء وجملته أنه ~~يحرم على الرجل أزواج أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من النسب والرضاع ~~وذلك بنفس # PageV01P359 # العقد الذين من أصلابكم إنما قال من أصلابكم احترازا من التبني ليعلم أن ~~زوجة المتبنى لا تحرم على الرجل الذي تبناه لأنه كان في صدر الإسلام بمنزلة ~~الابن فنسخ الله ذلك وقال تعالى: ادعوهم لآبائهم وتزوج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة وكان قد تبناه فقال المشركون تزوج زوجة ابنه ~~فأنزل الله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم وقال تعالى لكيلا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم وقوله تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين يعني ~~لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في نكاح واحد سواء كانت الأخوة بينهما ~~أخوة نسب أو رضاع ms0716 والجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يجمع ~~بينهما بعقد واحد فهذا العقد فاسد لا يصح فلو تزوج إحدى الأختين ثم تزوج ~~الأخرى بعدها فهاهنا يحكم ببطلان نكاح الثانية فلو طلق الأولى طلاقا بائنا ~~جاز له نكاح أختها، الوجه الثاني من صور الجمع بين الأختين هو أن يجمع ~~بينهما بملك اليمين فلا يجوز له أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما ~~حرمت عليه الثانية حتى يحرم الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة، الوجه ~~الثالث من صور الجمع بين الأختين هو أن يتزوج إحداهما ويشتري الأخرى ~~فيملكها بملك اليمين فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما لأن ~~ظاهر هذه الآية يقتضي تحريم الجمع مطلقا فوجب أن يحرم الجمع بينهما على ~~جميع الوجوه وذهب بعضهم إلى جوازه والقول الأول أصح، وأولى لما روى قبيصة ~~بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما فقال ~~عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك فخرج من ~~عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عنه فقال أما ~~أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحد فعل ذلك إلا جعلته نكالا قال ابن ~~شهاب: أراه علي بن أبي طالب قال مالك أنه بلغه عن الزبير بن العوام مثل ذلك ~~أخرجه مالك في الموطأ وقوله تعالى: إلا ما قد سلف يعني لكن ما قد مضى فإنه ~~معفو عنه بدليل قوله تعالى: إن الله كان غفورا رحيما وقيل إن فائدة هذا ~~الاستثناء أن أنكحة الكفار صحيحة فلو أسلم عن أختين قيل له اختر أيتهما ~~شئت. ويدل على ذلك ما روي عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال قلت يا رسول الله ~~إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيتهما شئت أخرجه أبو داود. # فروع تتعلق بحكم الآية. الأول: لا يجوز الجمع بين المرأة ولا بين المرأة ~~وخالتها ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي ms0717 صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» أخرجه في ~~الصحيحين قال بعض العلماء في حد ما يحرم الجمع كل امرأتين بينهما قرابة أو ~~لبن لو كان ذلك بينك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها لم يجز لك الجمع بينهما. # الفرع الثاني: المحرمات بالنسب سبعة أصناف ذكرت في الآية نسقا والمحرمات ~~بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع وهن الأمهات والأخوات على ما تقدم ذكره ~~وصنف يحرم بالمصاهرة وهي أم المرأة وحليلة الابن وزوجة الأب وقد تقدم ذكرها ~~في قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية والربائب على ~~التفصيل المذكور والجمع بين الأختين. # الفرع الثالث: التحريم الحاصل بسبب المصاهرة إنما حصل بنكاح صحيح فلو زنى ~~بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها لو أراد أن يتزوج بهن وكذلك لا تحرم ~~المزني بها على آباء الزاني ولا أبنائه إنما تتعلق الحرمة بنكاح صحيح أو ~~بنكاح فاسد يجب لها به الصداق وتجب عليها العدة ويلحق به الولد. وهذا قول ~~علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وإليه ذهب ~~مالك والشافعي وفقهاء الحجاز. وذهب قوم إلى أن الزنى يتعلق به تحريم ~~المصاهرة يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وبه قال جابر بن زيد والحسن ~~وأهل العراق. ولو لمس امرأة أجنبية بشهوة أو قبلها بشهوة هل يجعل ذلك ~~كالدخول في إثبات تحريم المصاهرة وكذلك لو لمس امرأة بشهوة هل يجعل ذلك ~~كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: أصحهما أنه تثبت به حرمة # PageV01P360 # المصاهرة وهو قول أكثر أهل العلم والثاني لا تثبيت به كما لا تثبت ~~بالنظرة بشهوة. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): آية 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # والمحصنات يعني حرمت المحصنات ms0718 من النساء وأصل الإحصان في اللغة المنع ~~والحصان بالفتح المرأة العفيفة ويطلق الإحصان على المرأة ذات الزوج والحرة ~~والعفيفة والمرأة المسلمة والمراد من الإحصان في قوله والمحصنات ذوات ~~الأزواج من النساء فلا يحل لأحد نكاحهن قبل مفارقة أزواجهن وهذه هي السابعة ~~من النساء التي حرمن بالسبب. قال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية في ~~نساءكن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فتزوجن ببعض ~~المسلمين ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهي الله المسلمين عن نكاحهن ثم استثنى ~~فقال تعالى: إلا ما ملكت أيمانكم يعني السبايا اللاتي سبين ولهن أزواج في ~~دار الحرب، فيحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء لأن السبي يرتفع به النكاح ~~بينها وبين زوجها قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين فكرهوا غشيانهن فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية وقال ابن مسعود: أراد أنه إذا باع الجارية المزوجة ~~فتقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها. وقال ~~عطاء: أراد بقوله إلا ما ملكت أيمانكم أن تكون أمته في نكاح عبده فيجوز له ~~أن ينتزعها منه وقيل أراد بالمحصنات من النساء الحرائر ومعناه أن ما فوق ~~الأربع منهن فإنه عليكم حرام إلا ما ملكت أيمانكم فإنه لا عدد عليكم في ~~الجواري ولا حصر كتاب الله عليكم يعني حرمت عليكم أمهاتكم وكتب عليكم هذا ~~كتابا وقيل معناه الزموا كتاب الله وقيل معناه كتابا من الله عليكم بمعنى ~~كتب الله تحريم ما حرم عليكم من ذلك وتحليل ما حلل كتابا وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم يعني وأحل الله لكم ما سوى ذلكم الذي ذكر من المحرمات. وظاهر هذه ~~الآية يقتضي حل ما سوى المذكورين من الأصناف المحرمات، لكن قد دل الدليل من ~~السنة بتحريم أصناف أخر سوى ما ذكر فمن ذلك أنه يحرم الجمع بين المرأة ~~وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن ذلك المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الأول حتى ~~تنكح زوجا غيره ومن ذلك نكاح ms0719 المعتدة فلا تحل للأزواج حتى تنقضي عدتها ومن ~~ذلك أن من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بأمة والقادر على طول الحرة ~~لم يجز له أن يتزوج بالأمة ومن ذلك أن من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن ~~يتزوج بخامسة ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن بالتأبيد فهذه ~~أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآية فعلى هذا يكون قوله تعالى: وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم ورد بلفظ العموم لكن العموم دخله التخصيص فيكون عاما مخصوصا. ~~وقوله تعالى: أن تبتغوا بأموالكم فيه إضمار تقديره وأحل لكم أن تبتغوا أي ~~تطلبوا بأموالكم أن تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن. وفي الآية دليل على أن ~~الصداق لا يتقدر بشيء فيجوز على القليل والكثير لإطلاق قوله تعالى: أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين يعني متزوجين وقيل متعففين غير مسافحين يعني غير ~~زانين والسفاح الفجور وأصله من السفح وهو الصب وإنما سمي الزنى سفاحا لأن ~~الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط. قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن ~~اختلفوا في معناه فقال الحسن ومجاهد: أراد ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من ~~النساء بنكاح صحيح لأن أصل الاستمتاع في اللغة الانتفاع وكل ما انتفع به ~~فهو متاع فآتوهن أجورهن يعني مهورهن وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع ~~ليس بدل الأعيان كما سمي بدل منافع الدار والدابة أجرا. وقال قوم المراد من ~~حكم الآية هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة معلومة بشيء معلوم ~~فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بغير طلاق ويستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ~~وكان هذا في ابتداء الإسلام ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ~~فحرمها (م) عن سبرة بن معبد # PageV01P361 # الجهني أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقال يا أيها الناس ~~إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم ~~القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» ~~وإلى ms0720 هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أي أن نكاح المتعة حرام ~~والآية منسوخة واختلفوا في ناسخها فقيل نسخت بالسنة وهو ما تقدم من حديث ~~سبرة الجهني (ق) عن # علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية» وهذا على مذهب من يقول ~~إن السنة تنسخ القرآن ومذهب الشافعي أن السنة لا تنسخ القرآن فعلى هذا ~~يقول: إن ناسخ هذه الآية قوله تعالى في سورة المؤمنون: والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين والمنكوحة في ~~المتعة ليست بزوجة ولا ملك يمين واختلفت الروايات عن ابن عباس في المتعة ~~فروي عنه أن الآية محكمة وكان يرخص في المتعة. قال عمارة سألت ابن عباس عن ~~المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال لا سفاح ولا نكاح. # قلت: فما هي؟ قال متعة؟ قال الله تعالى فما به منهن قلت هل لها عدة قال ~~نعم؟ حيضة قلت هل يتوارثان؟ قال لا وروى أن الناس لما ذكروا الأشعار في ~~فتيا ابن عباس بالمتعة قال: قاتلهم الله أنا ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق ~~لكن قلت إنما تحل للمضطر كما تحل الميتة له وروي أنه رجع عنه. وقال ~~بتحريمها وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله فما استمتعتم به منهن ~~إنها صارت منسوخة بقوله: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وروى سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنها لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة وقال هدم المتعة: ~~النكاح والطلاق والعدة والميراث قال الشافعي: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ~~ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة. وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم مجمعون ~~على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم نسخها الكتاب والسنة هذا ms0721 قول أهل ~~العلم جميعا من أهل: الحجاز والشام والعراق من أصحاب الأثر والرأي وأنه لا ~~رخصة فيها لمضطر ولا لغيره قال ابن الجوزي في تفسيره: وقد تكلف قوم من ~~مفسري القرآن فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة النساء وهذا تكلف لا يحتاج إليه ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة ثم منع منها فحرمها فكان قوله ~~منسوخا بقوله وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة لأنه تعالى قال فيها ~~إن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال ~~الزجاج ومعنى قوله فما استمتعتم به منهن فما نكحتموه على الشرائط التي جرت ~~وهو قوله محصنين غير مسافحين أي عاقدين التزويج. وقال ابن جرير الطبري: ~~أولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فما نكحتموه منهن فجامعتموهن ~~فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله تعالى متعة النساء على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: فآتوهن أجورهن يعني مهورهن فريضة ~~يعني لازمة وواجبة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة اختلفوا ~~فيه فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة قال: أراد إنهما إذا عقد عقدا إلى أجل ~~على مال فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر، ~~وإن لم يتراضيا فارقها وقد تقدم أن ذلك كان جائزا ثم نسخ وحرم ومن حمل ~~الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح. قال المراد بقوله ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به يعني من الإبراء من المهر والافتداء والاعتياض. وقال الزجاج ~~معناه لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزوج مهرها وأن يهب الرجل للمرأة التي ~~لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه إن الله كان عليما يعني بما يصلحكم ~~أيها الناس في مناكحكم وغيرها من سائر أموركم حكيما يعني فيما دبر لكم من ~~التدبير وفيما يأمركم به وينهاكم عنه ولا يدخل حكمه خلل ولا زلل. # (فصل في قدر الصداق وما ms0722 يستحب منه) اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله ~~تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا والمستحب أن # PageV01P362 # لا يغالى فيه قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ألا لا تغالوا في ~~صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ~~شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية أخرجه ~~الترمذي ولأبي داود نحوه (م) عن أبي سلمة قال: سألت عائشة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه ~~لأزواجه اثنتي عشر أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف ~~أوقية فذلك خمسمائة درهم واختلف العلماء في أقل الصداق فذهب جماعة إلى أنه ~~لا تقدير لأقله بل كل ما جاز أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا وهو ~~قول ربيعة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وقال قوم يتقدر الصداق ~~بنصاب السرقة وهو قول مالك وأبي حنيفة. غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاث ~~دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم والدليل على أن الصداق لا يتقدر ما روي عن ~~سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا ~~رسول الله قد وهبت نفسي لك فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد ~~النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فلما رأت ~~المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن ~~لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال فهل عندك من شيء؟ # فقال لا والله يا رسول الله فقال اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب ~~ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«انظر ولو خاتما من حديد» فذهب ثم رجع فقال ms0723 لا والله يا رسول الله ولا ~~خاتما من حديد ولكن إزاري هذا. قال سهل ما له رداء فلها نصفه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ~~وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء» فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم موليا فأمر به فدعا له فلما جاء قال ماذا معك من ~~القرآن قال معي سورة كذا وسورة كذا عددها قال تقرأهن عن ظهر قلب قال نعم ~~قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن وفي رواية فقد زوجتكها تعلمها من ~~القرآن وفي رواية فقد أنكحناكها بما معك من القرآن. أخرجاه في الصحيحين ~~وهذا لفظ الحميدي. ففي هذا الحديث دليل على أنه لا تقدير لأقل الصداق لأنه ~~هل تجد شيئا فهذا يدل على جواز أي شيء كان من المال ثم قال ولو خاتما من ~~حديد ولا قيمة له إلا القليل التافه وفيه دليل على أنه يجوز أن يجعل تعليم ~~القرآن صداقا وهو قول الشافعي ومنعه أصحاب الرأي عن أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل. # أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عامر عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت ~~على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك ~~بنعلين قالت نعم فأجازه أخرجه الترمذي وقال عمر بن الخطاب: ثلاث قبضات من ~~زبيب مهر. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # ومن لم يستطع منكم طولا يعني فضلا وسعة ms0724 وإنما سمي الغني طولا لأنه ينال ~~به من المراد ما لا ينال مع الفقر والطول هنا كناية عما يصرف إلى المهر ~~والنفقة أن ينكح المحصنات يعني الحرائر المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم يعني ~~جارية أخيك المؤمن فإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه من فتياتكم ~~المؤمنات المعنى من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة فليتزوج الأمة المؤمنة ~~والفتيات الجواري المملوكات # PageV01P363 # جمع فتاة يقال للأمة فتاة والعبد فتى. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز ~~للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحدهما أن لا يجد مهر حرة لأنه جرت العادة في ~~الإماء بتخفيف مهورهن ونفقتهن وسبب ذلك اشتغالهن بخدمة ساداتهن. # والشرط الثاني وهو خوف العنت على نفسه وهو قوله تعالى ذلك لمن خشي العنت ~~منكم. قال ابن عباس: هو الزنا وهذا قول جابر وابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ~~ومسروق ومكحول وعمرو بن دينار وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد. وروي عن علي ~~والحسن البصري وابن المسيب ومجاهد والزهري أنه يجوز للحر أن ينكح الأمة وإن ~~كان موسرا وهو مذهب أبي حنيفة إلا أن يكون في نكاح حرة والسبب في منع الحر ~~من نكاح الأمة إلا عند خوف العنة إن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، وإذا ~~كانت الأم رقيقة كان الولد رقيقا وذلك نقص في حق الحر وفي حق ولده ولأن حق ~~السيد أعظم من حق الزوج فربما احتاج الزوج إليها فلا يجد إليها سبيلا لأن ~~للسيد حبسها لخدمته ولأن مهرها ملك السيد فلا تقدر على هبته من زوجها ولا ~~أن تبرئه منه بخلاف الحرة فلهذا السبب منع الله من نكاح الأمة إلا على سبيل ~~الرخصة والاضطرار ويجوز للعبد نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة. # وعند أبي حنيفة لا يجوز له إذا كانت تحته حرة كما يقول في الحر وفي الآية ~~دليل على أنه لا يجوز للمسلم حرا كان أو عبدا نكاح الأمة الكتابية لقوله ~~تعالى: من فتياتكم المؤمنات يفيد جواز نكاح الأمة المؤمنة دون الكتابية لأن ~~فيها نوعين ms0725 من النقص وهما: الرق والكفر بخلاف الأمة المؤمنة لأن فيها نقصا ~~واحدا وهو الرق وهذا قول مجاهد والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وقال أبو ~~حنيفة: يجوز التزويج بالأمة الكتابية وبالاتفاق يجوز وطء الأمة الكتابية ~~بملك اليمين وقوله تعالى: والله أعلم بإيمانكم قال الزجاج أي اعملوا على ~~الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر والله يتولى السرائر والحقائق ~~وقيل معناه لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم ~~بإيمانكم بعضكم من بعض يعني أنكم كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاح ~~الإماء عند الضرورة وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تفتخر بالأنساب ~~والأحساب ويسمون ابن الأمة الهجين فأعلم الله تعالى أن ذلك أمر لا يلتفت ~~إليه فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإماء، فإنكم متساوون في النسب ~~إلى آدم وقيل إن معناه إن دينكم واحد وهو الإيمان وأنتم مشتركون فيه فمتى ~~وقع لأحدكم الضرورة جاز له أن يتزوج بالأمة عند خوف العنت. وقال ابن عباس: ~~يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض فانكحوهن بإذن أهلهن يعني اخطبوا الإماء ~~إلى ساداتهن واتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل لأن الله ~~تعالى جعل إذن السيد شرطا في جواز نكاح الأمة وآتوهن أجورهن يعني مهورهن ~~بالمعروف يعني من غير مطل ولا ضرار. وقيل معناه وآتوهن مهور أمثالهن ~~وأجمعوا على أن المهر للسيد لأنه ملكه وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء ~~لأنه ثمن بضعهن محصنات يعني عفائف غير مسافحات يعني غير زانيات ولا متخذات ~~أخدان جمع خدن وهو الصاحب الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن وأكثر ما ~~يستعمل فيمن يصاحب بشهوة يقال خدن المرأة وخدينها يعني حبها الذي يزني بها ~~في السر. قال الحسن: المسافحة هي التي كل من دعاها تبعته وذات الأخدان هي ~~التي تختص بواحد ولا تزني مع غيره وكانت العرب في الجاهلية تحرم الأولى ~~وتجوز الثانية فلما كان الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله تعالى أفرد كل ~~واحد من هذين القسمين بالذكر ونص ms0726 على تحريمهما معا فإذا أحصن قرئ بفتح ~~الألف والصاد ومعناه حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن وقرأ حفص بضم الألف ~~وكسر الصاد ومعناه زوجن فإن أتين بفاحشة يعني بزنى فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب يعني فعلى الإماء اللاتي زنين نصف ما على الحرائر ~~الأبكار إذا زنين من الجلد ويجلد العبد للزنا إذا زنا خمسين جلدة ولا فرق ~~بين المملوك المتزوج وغير المتزوج فإنه يجلد خمسين ولا رجم عليه هذا قول ~~أكثر العلماء ويروى عن ابن عباس وقال طاوس: أنه لا حد على من لم يتزوج من ~~المماليك إذا زنى لأن الله تعالى قال فإذا أحصن والذي لم يتزوج ليس بمحصن ~~وأجيب عنه بأن معنى الإحصان عند الأكثرين الإسلام، وإن كان المراد منه ~~التزويج # PageV01P364 # فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه بل المراد منه التنبيه ~~على أن المملوك وإن كان محصنا فلا رجم عليه إنما حده الجلد، بخلاف الحر فحد ~~الأمة ثابت بهذه الآية وبيان أنه بالجلد لا بالرجم ثابت بالحديث وهو ما روي ~~عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا زنت أمة ~~أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ~~ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» ~~أخرجاه في الصحيحين قوله ولا يثرب عليها أي لا يعيرها والتثريب التأبين ~~والتعيير والاستقصاء في اللوم قال الشيخ محيي الدين النواوي: وهذا البيع ~~المأمور به في الحديث مستحب وليس بواجب عندنا وعند الجمهور وقال داود وأهل ~~الظاهر هو واجب وفيه جواز بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير وهذا البيع ~~المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري لأنه عيب والإخبار بالعيب ~~واجب. فإن قيل كيف يكره شيئا ويرتضيه لأخيه المسلم. # فالجواب لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو ~~بالإحسان إليها أو يزوجها أو غير ذلك والله أعلم. ذلك أشار إلى نكاح الأمة ~~لمن خشي العنت منكم يعني الزنى والمعنى ms0727 ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق ~~والغلمة وشدة الشهوة على الزنى وإنما سمي الزنى بالعنت لما يعقبه من المشقة ~~وهي شدة العزوبة فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: عدم القدرة على ~~نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة وأن تصبروا يعني عن نكاح الإماء ~~متعففين خير لكم يعني كيلا يكون الولد عبدا رقيقا والله غفور رحيم وهذا ~~كالتوليد لما تقدم يعني أنه تعالى غفر لكم ورحمكم حيث أباح لكم ما أنتم ~~محتاجون إليه قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 26 الى 29] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) # يريد الله ليبين لكم اللام في قوله ليبين معناه أن يبين وقيل معناه يريد ~~إنزال هذه الآيات من أجل أن يبين لكم ديتكم ويوضح لكم شرعكم ومصالح أموركم ~~وقيل يبين لكم ما يقربكم منه وقيل يبين أن الصبر على نكاح الإماء خير لكم ~~ويهديكم أي ويرشدكم سنن الذين من قبلكم أي شرائع من قبلكم في تحريم الأمهات ~~والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على من قبلكم وقيل معناه يرشدكم إلى ما ~~لكم فيه مصلحة كما بينه لمن كان قبلكم، وقيل معناه ويهديكم إلى الملة ~~الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام ويتوب عليكم يعني ويتجاوز عنكم ما ~~أصبتم قبل أن يبين لكم ويرجع بكم عن المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، ~~وقيل لما بين لنا أمر الشرائع والمصالح وأرشدنا إلى طاعته فربما وقع منا ~~تقصير وتفريط فيما أمر به وبينه فلا جرم أنه تعالى قال ويتوب عليكم والله ~~عليم يعني بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم حكيم يعني فيما دبر من ~~أمورهم. # والله يريد أن يتوب عليكم قال ابن عباس ms0728 معناه يريد أن يخرجكم من كل ما ~~يكره إلى ما يحب ويرضى. وقيل معناه يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي ~~يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم وقيل معناه إن وقع منكم تقصير في دينه فيتوب ~~عليكم ويغفر لكم ويريد الذين يتبعون الشهوات قيل هم اليهود والنصارى وقيل ~~هم اليهود خاصة لأنهم يقولون إن نكاح بنت الأخت من الأب حلال. وقيل هم ~~المجوس لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الإخوة فلما حرمهن الله قالوا ~~إنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة والخالة والعمة عليكم فانكحوا بنات الأخ ~~والأخت فنزلت هذه الآية. وقيل هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم أن تميلوا ~~يعني عن الحق وقصد السبيل بالمعصية ميلا عظيما يعني بإتيانكم ما حرم الله ~~عليكم يريد الله أن يخفف عنكم يعني ليسهل عليكم # PageV01P365 # أحكام الشرائع فهو عام في كل أحكام الشرع وجميع ما يسره لنا وسهله علينا ~~إحسانا منه إلينا وتفضلا ولطفا علينا، ولم يثقل التكاليف علينا كما ثقلها ~~على بني إسرائيل فهو كقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~وقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج وكما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال بعثت بالحنيفية السهلة السمحة. وقوله تعالى: وخلق ~~الإنسان ضعيفا يعني في قلة الصبر عن النساء فلا صبر له عنهن وقيل إنه لضعفه ~~يستميله هواه فهو ضعيف العزم عن قهر الهوى وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه ~~خلق من ماء مهين. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل يعني ~~بالحرام الذي لا يحل في الشرع كالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ~~وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة ونحو ذلك. وإنما خص الأكل بالذكر ~~ونهى عنه تنبيها على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل لأن ~~معظم المقصود من المال الأكل، وقيل يدخل فيه أكل ماله نفسه بالباطل ومال ~~غيره أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي، وأما أكل مال غيره فقد ~~تقدم معناه وقيل ms0729 يدخل في أكل المال الباطل جميع العقود الفاسدة. وقوله ~~تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم هذا الاستثناء منقطع لأن التجارة عن ~~تراض ليست من جنس أكل المال بالباطل فكان إلا هاهنا بمعنى لكن يحل أكله ~~بالتجارة عن تراض يعني بطيبة نفس كل واحد منكم. وقيل هو أن يخير كل واحد من ~~المتبايعين صاحبه بعد البيع فيلزم وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا لما روي ~~عن ابن عمران أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تبايع الرجلان فكل ~~واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فإن خير ~~أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم ~~يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: ~~ولا تقتلوا أنفسكم أي لا يقتل بعضكم بعضا وإنما قال أنفسكم لأنهم أهل دين ~~واحد فهم كنفس واحدة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة ~~الوداع «ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقيل إن هذا نهي ~~للإنسان عن قتل نفسه (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ~~فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا ~~مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في ~~نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» قوله يتردى التردي هو الوقوع من موضع عال ~~إلى أسفل قوله يتوجأ يقال وجأته بالسكين إذا ضربته بها وهو يتوجأ أي يضرب ~~بها نفسه (ق) عن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان برجل جراح ~~فقتل نفسه فقال الله تبارك وتعالى: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة. وفي ~~رواية قال: # كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم ~~حتى ms0730 مات فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة وقيل في معنى ~~قتل الإنسان نفسه أن لا يفعل شيئا يستحق به القتل مثل أن يقتل فيقتل به ~~فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه، وقيل معناه ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال ~~بالباطل وقيل معناه ولا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملا ربما أدى إلى قتلها ~~إن الله كان بكم رحيما يعني أنه تعالى من رحمته بكم نهاكم عن كل شيء ~~تستوجبون به مشقة أو محنة وقيل إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ~~ليكون ذلك توبة لهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما حيث لم يكلفكم تلك التكاليف ~~الشاقة الصعبة. ### || [سورة النساء (4): الآيات 30 الى 31] # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) ~~إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) # ومن يفعل ذلك يعني ما سبق ذكره من قتل النفس المحرمة لأن الضمير يعود إلى ~~أقرب المذكورات وقيل: إنه يعود إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما ~~مذكوران في آية واحدة وقيل إنه يعود إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة ~~إلى هنا عدوانا وظلما يعني يتجاوز الحد فيضع الشيء في غير موضعه فلذلك قيده # PageV01P366 # بالعدوان والظلم لأنه قد يكون القتل بحق، وهو القصاص وكذلك قد يكون أخذ ~~المال بحق فلهذا السبب قيده بالوعيد وما كان على وجه العدوان والظلم وهو ~~قوله تعالى: فسوف نصليه نارا أي ندخله في الآخرة نارا يصلى فيها وكان ذلك ~~على الله يسيرا أي هينا لأنه تعالى قادرا على ما يريد. قوله عز وجل: إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه اجتناب الشيء المباعدة عنه وتركه جانبا ~~والكبيرة ما كبر وعظم من الذنوب وعظمت عقوبته وقبل ذكر التفسير نذكر ~~الأحاديث الواردة في الكبائر فمن ذلك ما روي عن أبي بكرة قال كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: # «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك ~~بالله وعقوق ms0731 الوالدين ألا وشهادة الزور وقول الزور وكان متكئا فجلس فما زال ~~يكررها حتى قلنا ليته سكت» أخرجاه في الصحيحين (ق) عن أنس بن مالك قال: ~~«ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: الشرك بالله وعقوق ~~الوالدين وقتل النفس وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال شهادة ~~الزور» (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا ~~السبع الموبقات» قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله والسحر وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم والزنى والتولي يوم الزحف ~~وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (خ) عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قلت إن ذلك لعظيم ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي ~~قال تزاني بحيلة جارك» (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الكبائر: # الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» وفي رواية أن ~~أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ ~~قال: «الإشراك بالله قال ثم ماذا قال اليمين الغموس قلت وما اليمين الغموس ~~قال الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب» (ق) عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: وهل يشتم ~~الرجل والديه؟ قال نعم: يسب الرجل أبا الرجل أو أمه: فيسب أباه أو أمه» وفي ~~رواية من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه وذكر الحديث. وقال عبد الله بن ~~مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة ~~الله واليأس من روح الله وعند سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن ~~الكبائر أسبع هي قال هي إلى السبعمائة أقرب وفي رواية إلى السبعين أقرب إلا ~~أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة ms0732 مع إصرار وقال كل شيء عصي الله به فهو ~~كبيرة فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله فإن الله لا يخلد في النار من هذه ~~الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بقدر وقال علي ~~بن أبي طالب: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة. ~~وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم فيما بينك وبين العباد ~~والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى لأن الله تعالى كريم يغفر ويعفو ~~واحتج لذلك بما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا أمة محمد إن الله قد عفا عنكم ~~جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وأدخلوا الجنة برحمتي» وقال مالك ~~بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة، وقيل الكبائر ~~ذنوب العمد والسيئات الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وحديث النفس المرفوع ~~عن هذه الأمة وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب والسيئات ~~مقدماتها وتوابعها للتي يقع فيها الصالح والفاسق مثل النظرة واللمسة ~~والقبلة وأشباه ذلك (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب ~~على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر ~~والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل ~~زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه لفظ مسلم، وقيل ~~الكبائر الشرك وما يؤدي إليه وما دونه فهو من السيئات فقد ثبت بما تقدم من ~~الأدلة أن من الذنوب كبائر وصغائر إلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. ~~وثبت بدلائل الكتاب والسنة وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر فقوله ~~تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه هي كل ذنب عظم قبحه وعظمت عقوبته إما ~~في الدنيا بالحدود وإما في الآخرة بالعذاب عليه نكفر عنكم سيئاتكم يعني ~~نسترها عليكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل لأن أصل # PageV01P367 # التكفير الستر والتغطية فصغار الذنوب ms0733 تكفر بالحسنات ولا تكفر كبارها إلا ~~بالتوبة والإقلاع عنها كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن» ~~زاد في رواية ما لم تغش الكبائر وزاد في رواية أخرى ورمضان إلى رمضان ~~مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر أخرجه مسلم. وقوله تعالى: وندخلكم ~~مدخلا كريما يعني حسنا شريفا وهو الجنة والمعنى إذا اجتنبتم الكبائر وأتيتم ~~الطاعات ندخلكم مدخلا تكرمون فيه. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 32] # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أصل التمني إرادة الشيء وتشهي ~~حصول ذلك الأمر المرغوب فيه ومنه حديث النفس بما يكون وبما لا يكون وقيل ~~التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد ~~يكون عن رؤية وأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له وقيل التمني عبارة عن إرادة ~~ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله ~~يغزوا الرجال ولا تغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض قال مجاهد: وأنزل إن المسلمين ~~والمسلمات وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة أخرجه الترمذي. ~~وقال هذا حديث مرسل وقيل لما جعل الله للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث ~~قالت النساء نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال لأنا ضعيفات وهم أقوى ~~وأقدر على طلب المعاش منا فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل لما نزل قوله ~~للذكر مثل حظ الأنثيين قالت للرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في ~~الحسنات في الآخرة فيكون لنا أجرنا على ضعف أجر النساء كما فضلنا عليهن في ~~الميراث، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال ms0734 ~~كما لنا في الميراث النصف من نصيبهم. فنزلت هذه الآية والتمني على قسمين: ~~أحدهما أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره مع زوال تلك النعمة عن ذلك ~~الغير فهذا القسم هو الحسد وهو مذموم لأن الله تعالى يفيض نعمه على من يشاء ~~من عباده وهذا الحاسد يعترض على الله تعالى فيما فعل وربما اعتقد في نفسه ~~أنه أحق بتلك النعمة من ذلك الإنسان أيضا فهذا اعتراض على الله أيضا وهو ~~مذموم. القسم الثاني أن يتمنى مثل مال غيره ولا يحب أن يزول ذلك المال عن ~~الغير وهذا هو الغبطة وهذا ليس بمذموم. ومن الناس من منع منه أيضا قال لأن ~~تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين والدنيا. قال الحسن: لا تتمنى ~~مال فلان ولا تدري لعل هلاكك في ذلك المال فيعلم العبد أن الله عز وجل أعلم ~~بمصالح عباده فليرض بقضائه ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة وليقل: ~~اللهم اعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي. وقوله تعالى: للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن قال ابن عباس: يعني مما ترك ~~الوالدان والأقربون من الميراث يقول للذكر مثل حظ الأنثيين وقيل هذا ~~الاكتساب في الآخرة يعني أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء لأن ~~الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها يستوي في ذلك الرجال والنساء وإن فضل ~~الرجال في الدنيا على النساء وقيل للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن يعني من طاعة الأزواج وحفظ الفروج وسئلوا الله من ~~فضله قال ابن عباس: يعني من رزقه وقيل من عبادته وهو سؤال التوفيق للعبادة ~~وقيل لم يأمر الله عباده بالمسألة إلا ليعطيهم وفيه تنبيه على أن العبد لا ~~يعين شيئا في الدعاء والطلب لكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاح دينه ~~ودنياه وآخرته وقيل لما تمنى النساء أن يكن رجالا وأن يكون لهن مثل ما ~~للرجال نهاهن الله عن ذلك وأمرهن أن يسألوه من فضله فإنه أعلم بمصالح عباده ms0735 ~~إن الله كان بكل شيء عليما يعني أنه تعالى عليم بما يكون صلاحا للسائلين ~~فليقتصر السائل على المجمل في الطلب فإن الله تعالى عليم بما يصلحه فلا ~~يتمنى غير الذي قدر له. قوله تعالى: # PageV01P368 # ### || [سورة النساء (4): آية 33] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # ولكل يعني من الرجال والنساء جعلنا موالي يعني ورثة من بني عم وإخوة سائر ~~العصبات مما ترك يعني يرثون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراثهم فعلى ~~هذا الوالدان والأقربون هم المورثون وقيل معناه ولكل جعلنا موالي أي ورثة ~~مما ترك وتكون ما بمعنى يعني من تركهم الميت ثم فسر الموالي فقال الوالدان ~~والأقربون هم الوارثون. والمعنى ولكل شخص جعلنا ورثة ممن تركهم وهم والداه ~~وأقربوه والقول الأول أصح لأنه مروي عن ابن عباس وغيره والذين عقدت أيمانكم ~~وقرئ عقدت بغير ألف مع التخفيف والمعاقدة المحالفة والمعاهدة والأيمان جمع ~~يمين يحتمل أن يراد بها القسم أو اليد أو هما جميعا وذلك أنهم كانوا إذا ~~تحالفوا أخذ كل واحد منهم بيد صاحبه وتحالفوا على الوفاء بالعهد والتمسك ~~بذلك العقد. وكان الرجل يحالف الرجل في الجاهلية ويعاقده فيقول دمي دمك، ~~وهدمي هدمك، وثأري ثأرك وحربي حربك، وسلمي سلمك ترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب ~~بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون لكل واحد من الحليفين السدس في مال الآخر ~~وكان الحكم ثابتا في الجاهلية وابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: # فآتوهم نصيبهم يعني أعطوهم حظهم من الميراث ثم نسخ الله هذا الحكم بقوله ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقال ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ~~والأنصار لما قدموا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون النسب ~~والرحم، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان نسختها ثم قال والذين ~~عاقدت أيمانكم من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له وفي ~~رواية أخرى عنه. قال والذين ms0736 عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كان الرجل يحالف ~~الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما كالآخر فنسخ ذلك بسورة الأنفال فقال ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وقال سعيد بن المسيب: كانوا ~~يتوارثون بالتبني بهذه الآية ثم نسخ ذلك وذهب قوم إلى أن الآية ليست ~~بمنسوخة بل حكمها باق والمراد بقوله والذين عاقدت أيمانكم الحلفاء والمراد ~~من قوله فآتوهم نصيبهم يعني من النصرة والنصيحة والموافاة والمصافاة ونحو ~~ذلك فعلى هذا لا تكون منسوخة وقيل نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن ~~داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر ~~أبي بكر الصديق، فقرأت والذين عاقدت أيمانكم فقالت: لا تقرأ والذين عقدت ~~أيمانكم إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبي الإسلام فحلف أبو ~~بكر أن لا يورثه فلما أسلم أمره الله أن يؤتيه نصيبه أخرجه أبو داود على ~~هذا فلا نسخ أيضا فمن قال إن حكم الآية باق قال: إنما كانت المعاقدة في ~~الجاهلية على النصرة لا غير والإسلام لم يغير ذلك ويدل عليه ما روي عن جبير ~~بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام وأيما ~~حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» أخرجه مسلم. وقوله تعالى: إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا قال عطاء: # يريد أنه لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ فعلى هذا الشهيد بمعنى الشاهد ~~والمراد منه علمه بجميع الأشياء وقيل الشهيد على الخلق يوم القيامة بكل ما ~~عملوه فعلى هذا الشاهد بمعنى المخبر وفيه وعد للطائعين ووعيد للعصاة ~~المخالفين. قوله عز وجل: # PageV01P369 # ### || [سورة النساء (4): آية 34] # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) # الرجال قوامون على النساء نزلت في سعد بن ms0737 الربيع وكان من النقباء وفي ~~امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، ويقال امرأته بنت محمد بن مسلمة وذلك ~~أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لتقتص من زوجها ~~فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعوا هذا ~~جبريل أتاني فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير ورفع القصاص فقوله تعالى: ~~الرجال قوامون على النساء أي متسلطون على تأديب النساء والأخذ على أيديهن ~~قال ابن عباس: أمروا عليهن فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله والقوام ~~هو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب فالرجل يقوم بأمر المرأة ويجتهد في ~~حفظها ولما أثبت القيام للرجال على النساء بين السبب في ذلك فقال تعالى: ~~بما فضل الله بعضهم على بعض يعني أن الله تعالى فضل الرجال على النساء ~~بأمور منها زيادة العقل والدين والولاية والشهادة والجهاد والجمعة ~~والجماعات وبالإمامة لأن منهم الأنبياء والخلفاء والأئمة ومنها أن الرجل ~~يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد ومنها زيادة النصيب في ~~الميراث والتعصيب في الميراث وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب ~~فكل هذا يدل على فضل الرجل على النساء ثم قال تعالى: وبما أنفقوا من ~~أموالهم يعني وبما أعطوا من مهور النساء والنفقة عليهن عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه الترمذي فالصالحات يعني المحسنات العاملات ~~بالخير قانتات أي مطيعات لأزواجهن وقيل مطيعات لله حافظات للغيب لفروجهن في ~~غيبة أزواجهن لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها ويلحق به الولد الذي هو من ~~غيره وقيل معناه حفظ سر زوجها وحفظ ماله وما يجب على المرأة من حفظ متاع ~~البيت في غيبة زوجها عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله أي النساء خير قال ms0738 ~~التي تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما ~~يكره أخرجه النسائي ورواه البغوي بسند الثعلبي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا ~~أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها» ثم تلا: الرجال قوامون ~~على النساء الآية. وقوله تعالى: بما حفظ الله يعني بما حفظهن الله حين أوصى ~~بهن الأزواج وأمرهم بأداء المهر والنفقة إليهن (ق) عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ~~ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم ~~يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» وقيل في معنى الآية بما حفظهن الله وعصمهن ~~ووفقهن لحفظ الغيب وقيل بما حفظ الله من حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بعدل ~~فيهن وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان واللاتي تخافون أي تعلمون وقيل ~~تظنون نشوزهن أي شرورهن وأصل النشوز الارتفاع ونشوز المرأة هو بغضها لزوجها ~~ورفع نفسها عن طاعته والتكبر عليه وقيل دلالات النشوز قد تكون بالقول ~~والفعل. فالقول مثل إن كانت تلبيه إذا دعاها وتخضع له خاطبها والفعل مثل إن ~~كانت تقوم له إذا دخل عليها وتسرع إلى أمره إذا أمرها فإذا خالفت هذه ~~الأحوال بأن رفعت صوتها عليه أو لم تجبه إذا دعاها ولم تبادر إلى أمره إذا ~~أمرها دل ذلك على نشوزها على زوجها فعظوهن يعني إذا ظهر منهن أمارات النشوز ~~فعظوهن بالتخويف بالقول وهو أن يقول لها اتقي الله وخافية فإن لي عليك حقا ~~وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك فإن أصرت على ذلك ~~هجرها في المضجع وهو قوله تعالى: واهجروهن في المضاجع يعني إن لم ينزعن عن ~~ذلك بالقول فاهجروهن في المضاجع. قال ابن عباس: هو أن يوليها ظهره في ~~الفراش ولا يكلمها وقيل هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر واضربوهن # PageV01P370 # يعني إن لم ينزعن بالهجران ms0739 فاضربوهن يعني ضربا غير مبرح ولا شائن # قيل هو أن يضربها بالسواك ونحوه. وقال الشافعي: الضرب مباح وتركه أفضل عن ~~عمرو بن الأحوص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول ~~بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة فقال: «ألا ~~فاستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك ~~إلا أن تأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير ~~مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا» أخرجه الترمذي بزيادة فيه قوله ~~عوان جمع عانية أي أسيرة شبه المرأة ودخولها تحت حكم زوجها بالأسير والضرب ~~المبرح الشديد الشاق. وقوله: فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا ~~تطلبوا عليهن طريقة تحتجون بها عليهن إذا قمن بواجب حقكم عن حكيم بن معاوية ~~عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال: «أن تطعمها إذا ~~طعمت وتكسوها إذا اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» ~~أخرجه أبو داود قوله ولا تقبح أي لا تقل قبحك الله (ق) عن عبد الله بن زمعة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ~~ثم لعله يجامعها أو قال يضاجعها من آخر اليوم» عن إياس بن عبد الله بن أبي ~~ذئاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا النساء» فجاء عمر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «زبرت النساء على أزواجهن» فرخص في ~~ضربهن فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثيرون يشكون أزواجهن ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون ~~أزواجهن ليس أولئك بخياركم» أخرجه أبو داود. إياس بن عبد الله هذا قد اختلف ~~في صحبته وقال البخاري لا يعرف له صحبة قوله زبرت يقال زبرت المرأة على ~~زوجها نشزت واجترأت عليه وأطاف بالشيء أحاط به. ففي هذه الأحاديث دليل على ~~أن ms0740 الأولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج إلى ضربها لتأديب فلا يضربها ضربا ~~شديدا وليكن ذلك مفرقا ولا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتق ~~الوجه لأنه يجمع المحاسن ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط وقيل ينبغي أن يكون ~~الضرب بالمنديل واليد ولا يضرب بالسوط والعصا وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء ~~أولى في هذا الباب واختلف العلماء فقال بعضهم حكم الآية مشروع على الترتيب ~~فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن مجرى الآية يدل على الترتيب قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له ~~عليها، فإن أبت هجر مضجعها فإن أبت ضربها فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكم. ~~وقال الآخرون هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق النشوز فلا ~~بأس بالجمع بين الكل وقيل له أن يعظها عند خوف النشوز وهل له أن يهجرها فيه ~~احتمال ذلك وله عند ظهور النشوز أن يعظها وأن يهجرها أو يضربها عن عمر رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته» ~~أخرجه أبو داود (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها ~~الملائكة حتى تصبح» وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي ~~نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في ~~السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» وفي رواية: «إذا باتت مهاجرة فراش زوجها ~~لعنتها الملائكة حتى تصبح وفي أخرى» حتى ترجع عن طلق بن علي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجته فلتأته وإن كانت ~~على التنور» أخرجه الترمذي وله عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين ~~لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو دخيل ms0741 عندك يوشك أن يفارقك إلينا» وله عن أم ~~سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ماتت وزوجها راض ~~عنها دخلت الجنة» وقوله تعالى: فإن أطعنكم يعني فإن رجعن عن النشوز إلى ~~طاعتكم عند هذا التأديب فلا تبغوا عليهن سبيلا يعني فلا تطلبوا عليهن الضرب ~~والهجران على سبيل التعنت والإيذاء، وقيل معناه أزيلوا عنهن التعرض بالأذى ~~والتوبيخ ولا تجنوا عليهن الذنوب وقيل معناه لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ~~ليس بأيديهن إن الله كان عليا كبيرا العلي الكبير في صفة الله تعالى معناه ~~الرفيع الذي يعلو عن وصف الواصفين ومعرفة العارفين العلي بالإطلاق الذي ~~يستحق جميع صفات المدح # PageV01P371 # والتكبير هو المستغني عن غيره وذلك هو الله تعالى الموصوف بالجلال ~~والعظمة والكبرياء وكبر الشأن الذي يصغر كل أحد لكبريائه وعظمته تعالى، ~~والمعنى إن الله متعال من أن يكلف عباده ما لا يطيقونه. وقيل إن النساء وإن ~~ضعفن عن دفع ظلم الرجال عنهن فإن الله علي كبير قادر على أن ينتصف لهن ممن ~~ظلمهن من الرجال وقيل معناه أن الله مع علوه وكبريائه يقبل توبة العاصي إذا ~~تاب ويغفر له فإذا تابت المرأة من نشوزها، فالأولى بكم أن تقبلوا توبتها ~~وتتركوا معاتبتها واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم ~~فأنتم أحق بالعفو عمن جنى عليكم. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): آية 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # وإن خفتم يعني وإن علمتم وتيقنتم وقيل معناه الظن أي ظننتم شقاق بينهما ~~يعني بين الزوجين وأصل الشقاق المخالفة وكون كل واحد من المتخالفين في شق ~~غير شق صاحبه أو يكون أصله من شق العصا وهو أن يقول كل واحد من الزوجين ما ~~يشق على صاحبه سماعه، وذلك أنه إذا ظهر بين الزوجين شقاق ومخالفة واشتبه ~~حالهما ولم يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة وكذلك الزوجة لا تؤدي ~~الحق ولا الفدية وخرجا ms0742 إلى ما لا يحل قولا وفعلا. قوله تعالى: فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها اختلفوا في المخاطبين بهذا ومن المأمور ببعثة ~~الحكمين، فقيل المخاطب بذلك هو الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية ~~إليه وقيل المخاطب بذلك كل أحد من صالحي الأمة لأن قوله تعالى فابعثوا خطاب ~~الجمع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البعض أولى من حمله على البقية ~~فوجب حمله على الكل فعلى هذا يجب أن يكون أمرا لآحاد الأمة سواء وجد الإمام ~~أو لم يوجد. فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وأيضا فهذا ~~يجري مجرى دفع الضرر فلكل واحد أن يقول به وقيل وهو خطاب للزوجين فإذا حصل ~~بينهما شقاق بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يعني ~~الحكمين وقيل الزوجين يوفق الله بينهما يعني بالصلاح والألفة روى الشافعي ~~بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه جاءه رجل وامرأة ومع كل ~~واحد منهما فئام من الناس فقال: علام شأن هذين؟ قالوا: وقع بينهما شقاق قال ~~علي فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما؟ ~~عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة ~~رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي وقال الرجل أما الفرقة فلا قال علي كذبت ~~والله حتى تقر بمثل ما أقرت به. # قال الشافعي: والمستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين والأولى أن ~~يكون واحد من أهله وواحد من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب ~~وأشد طلبا للإصلاح فإن كانا أجنبيين جاز وفائدة الحكمين أن كل واحد منهما ~~يخلو بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح أو ~~في المفارقة ثم يجتمعان فيفعلان ما هو الصواب من اتفاق أو طلاق أو خلع ~~والحكمان وكيلان للزوجين وهل يجوز تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون رضاهما ~~وإذنهما في ذلك مثل أن يطلق حكم الرجل أو يفتدي حكم المرأة بشيء من ms0743 مالها، ~~فللشافعي في ذلك قولان: أحدهما أنه لا يجوز إلا برضاهما وليس الحكم الزوج ~~أن يطلق إلا بإذنه ولا لحكم المرأة أن يختلع بشيء من مالها إلا بإذنها وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأحمد لأن عليا توقف حين لم يرض الزوج وذلك حين قال أما ~~الفرقة فلا فقال له علي كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به فثبت أن تنفيذ الأمر ~~موقوف على إقراره ورضاها ومعنى قول علي للزوج كذبت أي لست بمنصف في دعواك ~~حيث لم تقر بمثل ما أقرت به من الرضا بحكم كتاب الله لها وعليها والقول ~~الثاني إنه يجوز بعث الحكمين دون رضاهما ويجوز لحكم الزوج أن يطلق دون رضاه ~~ولحكم الزوجة أن يختلع دون رضاها إذا رأيا الصلاح في ذلك كالحاكم يحكم بين ~~الخصمين # PageV01P372 # وإن لم يكن على وفق مرادهما وبه قال مالك: ومن قال بهذا القول قال ليس ~~المراد من قول علي للزوج حتى تقر أن رضاه شرط بل معناه أن المرأة لما رضيت ~~بما في كتاب الله تعالى. فقال الرجل أما الفرقة فلا يعني ليست الفرقة في ~~كتاب الله فقال له علي: كذبت حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي ~~في كتاب الله فإن قوله تعالى يوفق الله بينهما يشتمل على الفراق وعلى غيره ~~لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الإثم والوزر ويكون تارة ذلك بالفراق ~~وتارة بصلاح حاليهما في الوصلة. وقوله تعالى: إن الله كان عليما خبيرا يعني ~~أن الله تعالى يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين وفيه وعيد ~~شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 36] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # واعبدوا الله يعني وحدوه وأطيعوه وعبادة الله تعالى عبارة عن كل فعل يأتي ~~به العبد لمجرد الله تعالى ويدخل فيه ms0744 جميع أعمال القلوب وأعمال الجوارح ولا ~~تشركوا به شيئا يعني وأخلصوا له في العبادة ولا تجعلوا له في الربوبية ~~والعبادة شريكا لأن من عبد مع الله غيره أو أراد بعمله غير الله فقد أشرك ~~به ولا يكون مخلصا (ق) عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على حمار يقال له عفير أو اسمه يعفور فقال: يا معاذ هل تدري ما ~~حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن ~~حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن ~~لا يعذب من لا يشرك به شيئا فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال لا ~~تبشرهم فيتكلوا» قوله هل تدري ما حق الله على عباده معناه ما يستحقه مما ~~أوجبه وجعله متحتما عليهم ثم فسر ذلك الحق بقوله أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا وقوله وما حق العباد على الله إنما قال حقهم على سبيل المقابلة لحقه ~~عليهم لا لأنهم يستحقون عليه شيئا ويجوز أن يكون من قول الرجل لصاحبه حقك ~~علي واجب أي متأكد قيامي به. وقوله أفلا أبشر الناس إلخ إنما قال لا تبشرهم ~~فيتكلوا. لأنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا على ~~هذه البشارة ويتركوا العمل الذي ترفع لهم به الدرجات في الجنة. وقوله ~~تعالى: # وبالوالدين إحسانا تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا يعني برا بهما واعطفا ~~عليهما وإنما قرن بر الوالدين بعبادته وتوحيده لتأكد حقهما على الولد. ~~واعلم أن الإحسان بالوالدين هو أن يقوم بخدمتها ولا يرفع صوته عليهما ويسعى ~~في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة (ق) عن أبي هريرة قال: «جاء ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن ~~صحابتي؟ قال أمك قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ # قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أبوك» وفي رواية قال: «أمك ثم ms0745 أمك ثم أباك ~~ثم أدناك فأدناك قوله ثم أباك فيه حذف تقديره ثم بر أباك» (م) عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا ~~رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة». ~~قوله تعالى: وبذي القربى أي وأحسنوا إلى ذي القرابة وهو ذوو رحمه من قبل ~~أبيه وأمه (ق) عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه ~~وينسأ له في أثره فليصل رحمه» قوله ينسأ له في أثره يعني يؤخر له في أجله ~~وعمره. وقوله تعالى: واليتامى والمساكين أي وأحسنوا إلى اليتامى وإنما أمر ~~بالإحسان إليهم لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز والصغر وعدم المشفق ~~والمسكين هو الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك (خ) عن سهل بن سعد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة» هكذا ~~وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «قال الساعي على الأرملة والمسكين # PageV01P373 # كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي ~~لا يفطر» وقوله تعالى: والجار ذي القربى والجار الجنب أي وأحسنوا إلى الجار ~~ذي القربى وهو الذي قرب جواره منك والجار الجنب هو الذي بعد جواره عنك وقيل ~~الجار ذو القربى هو القريب والجار الجنب هو الأجنبي الذي ليس بينك وبينه ~~قرابة: (ق) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وعن عائشة مثله ~~(خ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى ~~أيهما أهدي قال إلى أقربهما بابا منك» (م) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ms0746 وتعاهد جيرانك» ~~وفي رواية قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم: «قال إذا طبخت مرقة فأكثر ~~ماءها ثم انظر إلى أهل البيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف» (ق) عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن ~~والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه» ولمسلم ~~«لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» البوائق الغوائل والشرور (ق) عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة ~~لجارتها ولو فرسن شاة» معناه ولو أن تهدي إليها فرسن شاة وهو الظلف وأراد ~~به الشيء الحقير (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وقوله ~~تعالى: والصاحب بالجنب قال ابن عباس هو الرفيق في السفر وقيل هي المرأة ~~تكون معك إلى جنبك وقيل هو الذي يصحبك رجاء نفعك. عن عبد الله بن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم ~~لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن وقوله تعالى: وابن السبيل يعني المسافر المجتاز بك الذي قد انقطع به ~~وقال الأكثرون المراد بابن السبيل الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن إليه (ق) عن ~~أبي شريح خويلد بن عمرو العدوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما ~~جائزته يا رسول الله؟ قال: «يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ~~ذلك فهو صدقة عليه» وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت» زاد في رواية ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قال: ~~يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال يقيم عنده ولا شيء عنده ms0747 يقريه به» قوله ~~جائزته يومه وليلته الجائزة العطية أي يقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما ~~يجوز به من منهل إلى منهل وقيل هو أن يكرم الضيف فإذا سافر أعطاه ما يكفيه ~~يوما وليلة حتى يصل إلى موضع آخر وقوله أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه أي ~~يوقعه في الإثم لأنه إذا أقام عنده ولم يقره أثم بذلك. وقوله تعالى: وما ~~ملكت أيمانكم يعني المماليك فأحسنوا إليهم والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما ~~لا يطيقون ولا يؤذيهم بالكلام الخشن وأن يعطيهم من الطعام والكسوة ما ~~يحتاجون إليه بقدر الكفاية # عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا يدخل الجنة سيئ الملكة» أخرجه الترمذي عن رافع بن مكيث أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «حسن الملكة نماء وسوء الخلق شؤم» أخرجه أبو داود وله ~~عن علي بن أبي طالب قال كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (ق) عن المعرور بن سويد قال ~~رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه حلة مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب ~~رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك ~~امرؤ فيك جاهلية قلت على ساعتي هذه من كبر السن قال نعم هم إخوانكم وخولكم ~~جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما ~~يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه». وقوله تعالى: إن ~~الله لا يحب من كان مختالا المختال المتكبر العظيم في نفسه الذي لا يقوم ~~بحقوق الناس (فخورا) الفخور هو الذي يفتخر على الناس ويعدد مناقبه تكبرا ~~وتطاولا على من دونه، وقيل هو الذي يفتخر على عباد الله بما أعطاه الله من ~~نعمه ولا يشكره عليها وإنما ختم الله هذه الآية بهذين الوصفين المذمومين ~~لأن المختال ms0748 الفخور يأنف من أقاربه الفقراء ومن # PageV01P374 # جيرانه الضعفاء فلا يحسن إليهم ولا يلوي بنظره عليهم ولأن المختال هو ~~المتكبر ومن كان متكبرا فلا يقوم بحقوق الناس (ق) عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جر ثوبه ~~خيلاء» (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل ~~يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو ~~يتجلجل إلى يوم القيامة» (خ) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في ~~الأرض إلى يوم القيامة (ق)» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر ~~والسكينة في أهل الغنم الفدادون هم الفلاحون والحراثون وأصحاب الإبل والبقر ~~المستكبرون منهما المتكبرون على الناس بهما» قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 37] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل نزلت في اليهود الذين بخلوا ببيان صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فكتموها وعلى هذا يكون المراد بالبخل كتمان العلم ~~وقال ابن عباس نزلت في كردم بن زيد ويحيى بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت ~~وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى بن عمر وكانوا يأتون رجالا من ~~الأنصار ويخاطبونهم يقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ~~ولا تدرون ما يكون فأنزل الله عز وجل هذه الآية وقيل يحتمل أن يكون المراد ~~بالبخل كتمان العلم ومنع المال لأن البخل في كلام العرب منع السائل من فضل ~~ما ms0749 لديه وإمساك المقتنيات وفي الشرع البخل عبارة عن إمساك الواجب ومنعه، ~~وإذا كان ذلك أمكن حمله على منع المال ومنع العلم ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله يعني اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من العلم ~~وقيل هم الأغنياء الذين كتموا الغنى وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال وأعتدنا ~~للكافرين يعني الجاحدين نعمة الله عليهم عذابا مهينا يعني في الآخرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا يجتمعان في ~~مؤمن: البخل وسوء الخلق» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 38 الى 40] # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس يعني للفخار والسمعة وليقال ما أسخاهم ~~وما أجودهم لا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى (م) عن أبي هريرة قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تبارك وتعالى: «أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» نزلت هذه ~~الآية في اليهود وقيل في المنافقين لأن الرياء ضرب من النفاق، وقيل نزلت في ~~مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يعني ولا يصدقون بتوحيد الله ولا بالمعاد ~~الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا يعني ~~من يكن الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب وبئس الخليل الشيطان، وإنما اتصل ~~الكلام هنا بذكر الشيطان تقريعا لهم على طاعة الشيطان. والمعنى من يكن عمله ~~بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين ~~قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من ms0750 النار ثم وبخهم الله ~~تعالى وعيرهم على ترك الإيمان فقال تعالى: وماذا عليهم يعني وأي شيء # PageV01P375 # عليهم وأي وبال وتبعة تلحقهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما ~~رزقهم الله أي أي وبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله وابتغاء ~~مرضاته وكان الله بهم عليما يعني لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ~~ينفقون أموالهم لأجل الرياء والسمعة ففيه وعيد وتهديد لهم. قوله عز وجل: إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة نظم الكلام وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا فإن الله ~~لا يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة يعني وزن ذرة. وقال ~~ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء وقيل الذرة كل جزء من أجزاء الهباء الذي ~~يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~لأقل الأشياء والمعنى أن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا من قليل ولا كثير ~~فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس وإن تك حسنة يضاعفها يعني الحسنة ~~بعشر أمثالها وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات مثقال ذرة ضاعفها ~~الله له إلى سبعمائة وإلى أجر عظيم. قال قتادة: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي ~~بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها (م) عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها ~~في الآخرة: «وأما الكافر فيعطى بحسنات قد عمل بها في الدنيا حتى إذا أفضى ~~إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس ~~الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم ~~يقول أتنكر من هذا شيئا أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا ms0751 رب فيقول أفلك ~~عذر؟ فيقول لا يا رب فيقول تعالى: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك ~~اليوم فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال ~~فإنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت ~~البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء» أخرجه الترمذي (ق) عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل ~~الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة ~~فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر ~~المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج ~~مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو ~~الذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة لله في استقصاء الحق من ~~المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار» وفي رواية فما أنتم ~~بأشد مناشدة في الحق قد # تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم ~~يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ~~فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه ~~وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا ~~فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ~~ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر ~~فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير ~~فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد ~~يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث ms0752 فاقرؤوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فيقول الله تبارك وتعالى ~~شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض ~~قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في ~~نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل ~~السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر ~~وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ~~ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة ~~هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. ~~ثم يقول # PageV01P376 # ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا ~~من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ ~~فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا لفظ مسلم وهو بعض حديث. وقال بعضهم ~~هذه الآية واردة في الخصوم ويدل عليه ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: إذا ~~كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من عند الله إلا ~~من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه قال فيفرح المرء أن يكون له الحق ~~على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه منه وإن كان صغيرا ومصداق ذلك في كتاب ~~الله تعالى قوله تعالى: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون ويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن ~~فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال له آت هؤلاء حقوقهم فيقول أي ~~رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته انظروا في ~~أعماله الصالحات فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا ~~ربنا وهو أعلم بذلك أعطينا كل ذي حق حقه وبقي له مثقال ms0753 ذرة من حسنة فيقول ~~للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله: ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما أي ~~الجنة وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير ~~فيقول الله تبارك وتعالى: «خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم اكتبوا ~~له كتابا إلى النار» أخرجه البغوي بغير سند عن ابن مسعود موقوفا عليه. ~~وأسنده ابن جرير الطبري عن ابن مسعود فمعنى الآية على هذا التأويل إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة للخصم على خصمه بل يأخذها له منه ولا يظلم مثقال ذرة ~~تبقى له بل يثيبه عليها ويضاعفها له فذلك قوله تعالى: وإن تك حسنة يضاعفها ~~أي يجعلها أضعافا كثيرة ويؤت من لدنه يعني من عنده أجرا عظيما يعني الجنة ~~والمعنى ويعطى من عنده أجرا عظيما يعني عوضا من حسنة وذلك العوض هو الجنة ~~وقال أبو هريرة: إذا قال الله عز وجل أجرا عظيما فمن يقدر قدره قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 41 الى 42] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد يعني فكيف يكون حال هؤلاء المشركين ~~والمنافقين يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد. قال ابن عباس: يريد ~~بنبيها والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها وجئنا بك يا محمد على ~~هؤلاء شهيدا يعني تشهد على هؤلاء الذين سمعوا القرآن وخوطبوا به بما عملوا ~~(ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ على ~~القرآن» فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من ~~غيري قال فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك الآن قال فالتفت إليه فإذا ms0754 ~~عيناه تذرفان زاد مسلم شهيدا مادمت فيهم أو قال ما كنت فيهم شك أحد رواته. ~~وقوله تعالى: يومئذ يعني يوم القيامة يود أي يتمنى الذين كفروا يعني جحدوا ~~وحدانية الله تعالى وعصوا الرسول يعني فيما أمرهم به من توحيد الله عز وجل ~~لو تسوى بهم الأرض يعني لو صاروا فيها وسويت عليهم وقيل إنهم ودوا أن لن ~~يبعثوا لأنهم إنما كانوا في الأرض وهي مستوية عليهم. وقال الكلبي: يقول ~~الله تعالى للبهائم والوحوش والطيور والسباع كوني ترابا فتسوى بهن الأرض ~~فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو يكون ترابا ولا يكتمون الله حديثا قال ابن ~~عباس: في رواية عطاء ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوه فعلى هذا القول يكون ~~الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وهو كلام ~~متصل بما قبله وقيل هو كلام مستأنف قال سعيد بن جبير سأل رجل ابن عباس فقال ~~إني أجد في القرآن أشياء تختلف على قال: هات ما يختلف عليك قال منها قوله ~~تعالى # PageV01P377 # ولا يكتمون الله حديثا ومنها قوله تعالى والله ربنا ما كنا مشركين فقد ~~كتموا فقال يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم ويدخلهم الجنة فيقول ~~المشركون تعالوا نقول ما كنا مشركين فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين رجاء ~~أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول ~~لو تسوى بهم الأرض فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله. وقال الحسن: ~~إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا وفي موطن يتكلمون ~~ويكذبون ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء في موطن ~~يعترفون على أنفسهم وهو قوله تعالى فاعترفوا بذنبهم وفي موطن لا يتساءلون ~~وفي موطن يسألون الرجعة وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم ~~جوارحهم فهو ms0755 قوله تعالى ولا يكتمون الله حديثا. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى جمع سكران حتى تعلموا ~~ما تقولون سبب نزول هذه الآية ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ~~صنع لنا ابن عوف طعاما فدعانا فأكلنا وسقانا خمرا قبل تحريم الخمر فأخذت ~~منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن ~~نعبد ما تعبدون قال فخلطت فنزلت لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرجه أبو داود ولفظه أن رجلا ~~من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فحضرت ~~الصلاة فأمهم علي في المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت ~~الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وروى ابن جرير ~~الطبري عن ابن عباس أن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن تحرم ~~الخمر فقال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~الآية فعلى هذا ففي المراد بالصلاة قولان: أحدهما أنه نفس الصلاة ذات ~~الركوع والسجود وهو قول الأكثرين المعنى لا تصلوا وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون. والقول الثاني إن المراد بالصلاة موضع الصلاة وهو المسجد وإطلاق ~~لفظ الصلاة على المسجد محتمل فيكون من باب حذف المضاف. والمعنى لا تقربوا ~~مواضع الصلاة وأنتم سكارى وحذف المضاف جائز سائغ. ويدل عليه قوله تعالى ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بالصلوات مواضعها فثبت أن إطلاق لفظ ~~الصلاة والمراد موضعها جائز. واعلم أن هذا النهي عن قربان الصلاة في حالة ~~السكر إنما كان ms0756 قبل تحريم الخمر فكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة ثم ~~نزل تحريم الخمر بعد ذلك ونسخت هذه الآية وقال الضحاك المراد بالسكر سكر ~~النوم يعني لا تقربوا الصلاة عند غلبة النوم ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي ~~فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب ~~يستغفر ربه فيسب نفسه» أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: # ولا جنبا يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب والجنب يستوي فيه الواحد ~~والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب وأصل ~~الجنابة البعد سمي الذي أصابته الجنابة جنبا لأنه يتجنب الصلاة والمسجد ~~وقيل لمجانبته الناس حتى يغتسل إلا عابري سبيل العابر هاهنا فاعل من العبور ~~وهو قطع الطريق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر واختلف العلماء في معنى ~~قوله إلا عابري سبيل على قولين: أحدهما إن المراد بالعبور هو العبور في ~~المسجد وذلك أن قوما من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ~~ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا في المسجد فرخص لهم العبور فيه فعلى هذا ~~القول يكون المراد بالصلاة موضع الصلاة # PageV01P378 # والمعنى لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه أو ~~للدخول فيه مثل أن يكون قد نام في المسجد فأجنب فيجب الخروج منه أو يكون ~~الماء في المسجد فيدخل إليه أو يكون طريقه عليه فيمر فيه من غير إقامة وهذا ~~قول ابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة وعطاء الخراساني ~~والنخعي والزهري وإليه ذهب الشافعي وأحمد. القول الثاني أن المراد من قوله ~~إلا عابري سبيل المسافرون والمعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن ~~تكونوا مسافرين ولم تجدوا الماء فتيمموا فمنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل ~~إلا أن يكون في سفر ولا ماء معه فيتيمم ويصلي إلى أن يجد الماء فيغتسل وهذا ~~قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة فمن ms0757 جعل عابري السبيل ~~المسافرين منه الجنب من العبور في المسجد وهو مذهب أبي حنيفة. وصحح ابن ~~جرير الطبري الواحدي القول الأول ويدل على صحته وجهان: أحدهما أن المسافر ~~الجنب لا تصح صلاته بدون التيمم ولم يذكر التيمم هاهنا فيحتاج إلى إضمار ~~شيئين: عدم الماء وذكر التيمم وعلى القول الأول لا يحتاج إلى إضمار شيء. ~~الوجه الثاني أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء وجواز التيمم بعد هذا ~~فلا يحل هذا على حكم معاد في الآية ويدل على أن جميع القراء استحسنوا الوقف ~~على قوله: حتى تغتسلوا يعني إلى أن تغتسلوا وفيه دليل على أن حكم الجنابة ~~باق على الجنب إلى غاية هي الاغتسال. # (فصل في أحكام تتعلق بالآية) اختلف العلماء في العبور في المسجد فأباحه ~~قوم على الإطلاق وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي ومنعه بعضهم على ~~الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي. وقال قوم يتيمم للعبور في المسجد واختلف ~~العلماء في المكث في المسجد أيضا للجنب فمنعه أكثر أهل العلم وقالوا لا ~~يجوز للجنب المكث في المسجد بحال لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ~~فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد. # فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل لحائض ولا جنب أخرجه أبو ~~داود وجوز أحمد المكث في المسجد بشرط الوضوء به. قال المزني من أصحاب ~~الشافعي وأجاب أحمد عن حديث عائشة بأنه في رواته مجهول. وقال عبد الحق لا ~~يثبت من قبل إسناده وأستدل أحمد لمذهبه بما روي عن عطاء بن يسار قال رأيت ~~رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون ~~إذا توضؤوا وضوء الصلاة أخرجه سعيد بن منصور في مسنده واحتج لمذهب الجمهور ~~بعموم الآية وبما روي عن أم سلمة قالت دخل ms0758 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته أن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض أخرجه ~~ابن ماجة ويحرم على الجنب أيضا الطواف وقراءة القرآن كما يحرم عليه فعل ~~الصلاة ويدل على ذلك أيضا ما روي عن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا ~~يحجبه وربما قال ولا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة أخرجه أبو داود ~~والنسائي والترمذي ولفظه كان يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا وقال ~~حديث حسن صحيح عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقرأ ~~الجنب ولا الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا» أخرجه الدارقطني ويجب الغسل ~~بأحد شيئين: بإنزال المني وهو الماء الدافق أو بإيلاج الحشفة في الفرج وإن ~~لم ينزل ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل ~~وعن الوجه يرى أنه احتلم ولا يجد بللا. قال لا غسل عليه قالت أم سلمة ~~والمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال نعم؟ أخرجه أبو داود والترمذي (ق) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» زاد في رواية وإن لم ~~ينزل. # وقوله تعالى: وإن كنتم مرضى جمع مريض وأراد به المرض الذي يضر معه إمساس ~~الماء مثل الجدري # PageV01P379 # وإحراق النار ونحو ذلك وإن كان على بعض مع وجود الماء وإن كان بعض أعضائه ~~من استعمال الماء التلف أو زيادة الوجع فإنه يتيمم ويصلي مع وجود الماء وإن ~~كان بعض أعضائه صحيحا وبعضها جريحا غسل الصحيح وتيمم للجريح في الوجه ~~واليدين لما روي عن جابر قال: خرجنا في سفرنا فأصاب رجلا منا حجرا فشجه في ~~رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا ms0759 ما نجد لك ~~رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما ~~شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب شك الراوي على ~~جرحه خرقة ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده أخرجه أبو داود والدارقطني ولم ~~يجوز أصحاب الرأي الجمع بين الغسل والتيمم قالوا إذا كان أكثر أعضائه أو ~~بدنه صحيحا غسل الصحيح ولا يتيمم عليه وإن كان الأكثر جريحا اقتصر على ~~التيمم والحديث حجة لمن أوجب الجمع بين الغسل والتيمم. # قوله تعالى: أو على سفر يعني أو كنتم مسافرين وأراد به السفر الطويل ~~والقصير وعدم الماء فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه لما روي عن أبي ذر ~~قال: «اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبا ذر ابد فيها ~~فبدوت إلى الربذة فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أبو ذر فسكت فقال ثكلتك أمك يا أبا ذر لأمك الويل ~~فدعا بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء فسترتني بثوب واستترت بالراحلة ~~فاغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا. فقال الصعيد الطيب: وضوء المسلم ولو إلى ~~عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير أخرجه أبو داود العس قدح ~~من فخار يجعل فيه الماء للوضوء والاغتسال. أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا ~~على سفر وعدم الماء في موضع لا يعدم فيه غالبا فإنه يتيمم ويصلي ثم يعيد ~~إذا وجد الماء وقدر عليه وبه قال الشافعي وقال مالك والأوزاعي لا إعادة ~~عليه وقال أبو حنيفة يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. # وقوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط الغائط المكان المطمئن من الأرض ~~وجمعه الغيطان وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكنوا به عن الحدث وذلك ~~أن الرجل منهم كان إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض يعني مكانا ~~منخفضا من الأرض يحجبه عن أعين الناس ms0760 فسمي الحدث بهذا الاسم فهو من باب ~~تسمية الشيء باسم مكانه. وقوله تعالى أو لامستم النساء قرئ هنا وفي سورة ~~المائدة لامستم النساء ولمستم بغير ألف واختلف العلماء في معنى الملامسة ~~على قولين أحدهما أنه الجماع وهو قول علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ~~ووجه هذا القول أن الله تعالى كنى باللمس عن الجماع لأن اللمس يوصل إليه. ~~قال ابن عباس إن الله حيي كريم يكني عن الجماع بالملامسة، والقول الثاني إن ~~المراد باللمس هنا التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو بغير جماع وهو قول ~~ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي ووجه هذا القول إن اللمس حقيقة في ~~اللمس باليد فأما حمله على الجماع فمجاز والأصل حمل الكلام على الحقيقة لا ~~على المجاز. وأما قراءة من قرأ أو لامستم فالملامسة مفاعلة والأصل حمل ~~الكلام على الحقيقية لا على الإطلاق لأنه قد ورد في الحديث النهي عن بيع ~~الملامسة قال أبو عبيدة في معناها هي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك ~~فقد وجب البيع فالملامسة في الحديث بمعنى اللمس باليد وإذا كانت مستعملة في ~~غير المجامعة لم يدل قوله تعالى: أو لامستم النساء على صريح الجماع بل حمل ~~على الأصل الموضوع له وهو اللمس باليد. # (فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: إذا أفضى الرجل ~~بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما انتقض وضوءهما وهو قول ~~ابن مسعود وابن عمر وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي لما روي الشافعي ~~بسنده عن ابن عمر أنه قال قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن ~~قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء أخرجه # PageV01P380 # مالك في الموطأ قال الشافعي: وبلغنا عن ابن المسعود مثله وقال مالك ~~والليث بن سعد وأحمد وإسحاق إذا كان اللمس بشهوة انتقض الوضوء وإن لم يكن ~~بشهوة فلا ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ms0761 ولم يتوضأ» قال ~~عروة ومن هي إلا لا أنت فضحكت أخرجه أبو داود وأجيب عن هذا الحديث بأنه ليس ~~بثابت قال الترمذي إنه لا يصلح إسناده بحال وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا ~~الحديث وقال حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا ~~الحديث وقال هو شبه لا شيء وفيه ضعف من وجه آخر وهو أن عروة هذا ليس بعروة ~~بن الزبير ابن أخت عائشة إنما هو شيخ مجهول قال البيهقي يعرف بعروة المزني ~~وإنما المحفوظ عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم» ~~كذا رواه الثقات عن عائشة وقال أبو حنيفة لا ينتقض الوضوء باللمس إلا أن ~~يحدث الانتشار وقال قوم لا ينتقض بحال وهو قول ابن عباس وبه قال الحسن ~~والثوري واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما روي عن عائشة أنها قالت: «كنت ~~أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني ~~فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح» أخرجاه في ~~الصحيحين وأجاب من أوجب الوضوء باللمس عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ~~غمزه لها على حائل. # المسألة الثانية: اختلف قول الشافعي في لمس المحرم كالأم والبنت والأخت ~~أو أجنبية صغيرة فأصح القولين عنه أنه لا ينتقض الوضوء به والثاني أنه ~~ينتقض الوضوء به ومأخذ القولين عند أصحاب الشافعي التردد بين التعلق بعموم ~~الآية في قوله: «أو لامستم النساء» أو النظر إلى المعنى في النقض باللمس ~~وهو تحرك الشهوة فإن أخذنا بعموم الآية فينتقض الوضوء بلمس المحارم وإن ~~أخذنا بالمعنى فلا ينتقض وفي الملموس قولان والملموس هو الذي لا فعل منه في ~~المباشرة رجلا كان أو امرأة واللامس هو الفاعل اللمس وإن لم يقصد المباشرة ~~فأحد القولين إنه ينتقض وضوء اللامس والملموس لعموم الآية لأنه لمس وقع بين ~~الرجل والمرأة فينتقض وضوءهما معا والقول الثاني إنه ينتقض وضوء اللامس دون ~~الملموس لما روي عن عائشة رضي الله تعالى ms0762 عنها قالت: «فقدت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على أخمص قدميه وهو ساجد ~~وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ~~وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» أخرجه مسلم فلو ~~انتقض وضوءه صلى الله عليه وسلم لقطع الصلاة ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ~~ظفرها فلا وضوء عليه. # المسألة الثالثة في الحدث: وهو الخارج من السبيلين عينا كالبول والغائط ~~أو أثرا كالريح ونحوها فإذا حصل شيء من ذلك فلا تصح صلاته ما لم يتوضأ أو ~~يتيمم عند عدم الماء لما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ» فقال رجل من أهل حضر موت ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط ~~أخرجاه في الصحيحين أما خروج النجاسة من غير السبيلين كالفصد والحجامة ~~والرعاف والقيء ونحوها فذهب قوم إلى أنه لا وضوء من خروج هذه الأشياء يروى ~~ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس والحسن وابن المسيب وإليه ذهب ~~مالك والشافعي لما روي عن أنس قال: # «احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل ~~محاجمه» أخرجه الدارقطني وذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من ذلك منهم سفيان ~~الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق واتفق هؤلاء على أن خروج ~~القليل منه لا ينقض الوضوء ويدل على انتقاض الوضوء بخروج هذه الأشياء ما ~~روي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاء فتوضأ قال معدان فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق أنا ~~صببت له وضوءه» أخرجه الترمذي وقال هو أصح شيء في هذا الباب. # PageV01P381 # المسألة الرابعة: من نواقض الوضوء زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم لما ~~روي عن علي قال قال رسول الله صلى ms0763 الله عليه وسلم: «العين وكاء السه فمن ~~نام فليتوضأ» أخرجه أبو داود وابن ماجة ويستثنى من ذلك النوم اليسير، قاعدا ~~مفضيا بمحل الحدث إلى الأرض ويدل على ذلك ما روي عن أنس. قال: كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الأخيرة حتى تخفق رؤوسهم ثم ~~يصلون ولا يتوضؤون أخرجه أبو داود وذهب قوم إلى أن النوم لا ينقض الوضوء ~~بكل حال وهو قول أبي هريرة وعائشة وبه قال الحسن وإسحاق والمزني وذهب قوم ~~إلى أنه لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا وهو في الصلاة فلا وضوء عليه حتى ~~يضطجع وبه قال سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي لما روي عن ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع ~~فإذا اضطجع استرخت مفاصله» أخرجه أحمد بن حنبل وضعف بعضهم هذا الحديث. # المسألة الخامسة: من نواقض الوضوء مس الفرج من نفسه أو غيره فذهب قوم إلى ~~أنه يوجب الوضوء وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي ~~هريرة وعائشة وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وإليه ذهب الأوزاعي ~~والشافعي وأحمد وإسحاق غير أن الشافعي قال: ينتقض الوضوء إذا لمس ببطن الكف ~~والرجل والمرأة في ذلك سواء ويدل على ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث صحيح ولأبي داود والنسائي نحوه وعن أم حبيبة قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» أخرجه ابن ماجة ~~وصححه أحمد وأبو زرعة وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» أخرجه أحمد بن حنبل ~~وذهب قوم إلى أن مس الذكر لا يوجب الوضوء وهو قول علي وابن مسعود وأبي ~~الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن وإليه ذهب الثوري وابن المبارك ms0764 وأصحاب الرأي ~~واحتجوا بما روي عن طلق بن علي قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: «يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما ~~توضأ قال هل هو إلا مضغة أو قال بضعة منه؟» أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي نحوه بمعناه وأجاب من أوجب الوضوء على من مس الذكر عن حديث طلق بن ~~علي بأن قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أول الهجرة وهو ~~يبني المسجد وأبو هريرة من آخرهم إسلاما. وقد روي انتقاض الوضوء بمس الذكر ~~فصار حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق بن علي وأيضا فإن حديث طلق يرويه عنه ~~ابنه قيس بن طلق وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث. # وقوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا اعلم أن التيمم من خصائص ~~هذه الأمة خصها الله تعالى به ليسهل عليهم أسباب العبادة ويدل على ذلك ما ~~روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس ~~بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها ~~لنا طهورا إذا لم نجد الماء» أخرجه مسلم وكان سبب بدء التيمم ما روي عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس ~~معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء ~~أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال ~~حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ~~قالت عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في ms0765 ~~خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله ~~عز وجل آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هي بأول ~~بركتكم يا آل أبي بكر قالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد ~~تحته» أخرجاه في الصحيحين قولها بالبيداء البيداء: المفازة والقفر وكل ~~صحراء فهي بيداء وجمعها بيد وذات # PageV01P382 # الجيش اسم لموضع وهو على بريد من المدينة وقولها فبعثنا البعير أي أثرناه ~~قوله تعالى: فلم تجدوا ماء هو معطوف على ما قبله والمعنى أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فطلبتم الماء لتطهروا به فلم تجدوه يعني ~~فأعوزكم فلم تجدوه بثمن ولا بغير ثمن لأن المحدث مأمور بالتطهر بالماء فإذا ~~أعوزه الماء عدل عنه إلى التيمم بعد طلب الماء. قال الشافعي: إذا دخل وقت ~~الصلاة طلب الماء فإن لم يجده تيمم وصلى ثم إذا دخل وقت الصلاة الثانية وجب ~~عليه الطلب مرة أخرى. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الطلب للصلاة الثانية ~~حجة الشافعي قوله تعالى فلم تجدوا ماء فعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد ~~في كل مرة من سبق الطلب وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه ~~لعطشه أو عطش حيوان محترم فإنه يجوز له التيمم مع وجدان ذلك الماء وقوله ~~تعالى: فتيمموا صعيدا طيبا أصل التيمم في اللغة القصد يقال تيممت فلانا إذا ~~قصدته وهو في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة عند عدم الماء لتأدية الصلاة ~~واختلفوا في الصعيد الطيب فقال قتادة الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا ~~نبات. وقال ابن زيد الصعيد: المستوي من الأرض وكذلك قال الليث: الصعيد ~~الأرض المستوية التي لا شيء فيها. وقال الفراء: الصعيد هو التراب وكذلك قال ~~أبو عبيد في قوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والقعود بالصعدات» قال ~~الصعدات الطرق مأخوذ من الصعيد وهو التراب وقيل الصعيد وجه الأرض البارز ms0766 ~~وهو اختيار الزجاج قال: الصعيد وجه الأرض ولا تبال أكان في الموضع تراب أو ~~لا لأن الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض ونقل الربيع عن الشافعي في ~~تفسير الصعيد قال: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار فأما البطحاء ~~الغليظة والرقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد فإن خالطه تراب أو مدر يكون له ~~غبار كالذي خالطه هو الصعيد قال ولا يتيمم بنورة ولا كحل ولا زرنيخ كل هذا ~~حجارة هذا كلام الشافعي في تفسير الصعيد وهو القدوة في اللغة وقوله في ذلك ~~حجة وقد وافقه على ذلك الفراء وأبو عبيدة في أنه التراب وجميع الأقوال في ~~الصعيد صحيحه في اللغة لكن المراد به هنا التراب وقد قال ابن عباس في قوله ~~صعيدا هو التراب. واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم فذهب الشافعي إلى ~~أنه يختص بما وقع عليه اسم التراب مما له غبار يعلق بالوجه واليدين لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت # لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» فخص التراب بالطهور ولأن الله تعالى وصف ~~الصعيد بالطيب والطيب من الأرض هو الذي ينبت فيها بدليل قوله والبلد الطيب ~~يخرج نباته فعلى هذا ما لا ينبت ليس بطيب ولنا أيضا قوله تعالى في سورة ~~المائدة فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وكلمة من للتبعيض هنا ولا يتأتى ذلك ~~في الصخر الذي لا تراب عليه وأيضا فإنه يقال للغبار صعيد لأنه مأخوذ من ~~الصعود وهو الارتفاع ولا يكون ذلك في الصخر وما أشبهه. وذهب أبو حنيفة ~~ومالك إلى أنه يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض كالرمل والجص والنورة ~~والزرنيخ ونحو ذلك حتى لو ضرب يده على صخرة ملساء لا غبار عليها صح تيممه ~~عندهم واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بظاهر الآية قالوا لأن التيمم هو القصد ~~والصعيد اسم لما تصاعد من الأرض فقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا أي اقصدوا ~~أرضا فوجب أن يكون هذا القدر كافيا وأجيب عنه بما تقدم من الدليل في قوله ~~منه وإن ms0767 لفظة من تكون للتبعيض قالوا ولما روي عن جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وأجيب عنه بأن هذا مجمل ~~يفسره ما تقدم من حديث حذيفة في تخصيص التراب والمفسر يقضي على المجمل وجوز ~~بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات ومدر ونحو ذلك قالوا لأن ~~اسم الصعيد يقع على ما تصاعد على الأرض وأجيب عنه بما تقدم من الأدلة. # وقوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم الوجه المسموح في التيمم هو ~~المجدود في الوضوء واختلف العلماء فيما يجب مسحه من اليد فذهب أكثر أهل ~~العلم منهم ابن عمر وابنه سالم والحسن وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه ~~يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين وصورة ذلك أن يضرب كفيه على ~~التراب ويمسح بهما وجهه ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعور ثم يضرب ~~ضربة أخرى ويفرق أصابعه فيمسح يديه # PageV01P383 # إلى المرفقين ويدل على ذلك ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه البيهقي ولم ~~يضعفه وروي الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن ~~الصمة قال مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد ~~علي حتى قام إلى الجدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يده على الجدار فمسح ~~وجهه وذراعيه ثم رد على هذا حديث منقطع لأن الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز ~~لم يسمع هذا من ابن الصمة وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة ~~وكذا هو مخرج في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس قال دخلنا على أبي جهيم بن ~~الحارث فقال أبو جهيم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ~~فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار ~~فوضع يده على الحائط فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام. ولأبي داود عن ~~نافع قال انطلقت ms0768 مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فلما أن قضى حاجته فكان ~~من حديثه يومئذ أن قال مر رجل في سكة من سكك المدينة فلقي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد خرج من غائط أو بول فسلم عليه الرجل فلم يرد عليه حتى ~~إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~على حائط ومسح بها وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه ثم رد عليه ~~السلام وقال: لم يمنعني إن أرد عليك أولا إلا أني لم أكن على طهر وفي رواية ~~فمسح ذراعيه إلى المرفقين فهذا أجود ما في هذا الباب. فإن البيهقي أشار إلى ~~صحة إسناده وفيه دليل على الحكمين يعني مسح الوجه واليدين بضربتين وإيصال ~~المسح إلى المرفقين وفيه دليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق بالوجه ~~واليدين غبار التراب لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصى ولو ~~كان مجرد الضرب كافيا لما كان حته. ذهب الزهري أنه يمسح اليد إلى المنكبين ~~ويدل على ذلك ما روي عن عمار بن ياسر قال تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ~~ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم. كلها إلى المناكب ~~والآباط ثم بطون أيديهم أخرجه أبو داود وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة ~~واحدة للوجه والكفين وهو قول علي وابن عباس وبه قال الشعبي وعطاء ومكحول ~~وإليه ذهب الأوزاعي ومالك وأحمد وداود الظاهري واحتجوا بما روي عن عمار بن ~~ياسر قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء ~~فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ~~ذلك له فقال إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض واحدة ثم ~~مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه، وباطنهما ووجهه وفي رواية أن تقول هكذا ~~وضرب بيديه الأرض فنفض يديه فمسح ms0769 وجهه وكفيه أخرجاه في الصحيحين وجملته أن ~~اليد اسم لهذه الجارحة وحدها عند بعض أهل اللغة من أطراف الأنامل إلى الكوع ~~وهذا هو المقطوع في حد السرقة. وقال أبو إسحاق الزجاج: حدها من أطراف ~~الأنامل إلى الكتف فمن ذهب إلى أن الممسوح في التيمم هو الكف. قال إن حد ~~اليد هو المقطوع في حد السرقة ومن ذهب إلى أن الممسوح في التيمم إلى ~~المناكب والآباط نظر إلى أن مسمى اليد يطلق على جميعها ومن ذهب إلى أن ~~الممسوح في التيمم إلى المرفقين قال إن التيمم بدل عن الوضوء واليد ~~المغسولة في الوضوء هي الممسوحة في التيمم فيحمل المطلق الذي # في قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم على المقيد الذي في قوله تعالى في ~~آية الوضوء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأجاب من ذهب إلى هذا عن ~~حديث عمار بأن المراد منه بيان صورة الضرب وليس المراد منه جميع ما يحصل به ~~التيمم. # (فصل وأركان التيمم خمسة) الأول تراب طاهر خالص له غبار يعلق بالوجه ~~واليدين ويجوز بالرمل إذا كان عليه غبار. الثاني قصد الصعيد فلو تعرض لمهب ~~الريح لم يكفه ولو يممه غيره بإذنه مع عجزه جاز وإن كان قادرا فوجهان. ~~الثالث نقل التراب إلى الوجه واليدين. الرابع نية استباحة الصلاة فلو نوى ~~رفع الحدث لم يصح وأكمله أن ينوي استباحة الفرض والنفل. الخامس مسح الوجه ~~واليدين إلى المرفقين بضربتين والترتيب ولا يصح التيمم # PageV01P384 # لصلاة إلا بعد دخول وقتها ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد وهو ~~قول علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وإليه ذهب مالك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وذهب جماعة إلى أن التيمم كالوضوء فيجوز تقديمه إلى ~~الوقت ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث وهو قول سعيد بن ~~المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي ~~بتيمم واحد ما شاء من النوافل قبل الفرض وبعده إلى أن يدخل وقت الصلاة ~~الأخرى، وأن يقرأ القرآن إن ms0770 كان جنبا ويشترط طلب الماء في السفر بأن يطلبه ~~في رحله وعند رفقائه وإن كان في صحراء ولا حائل دون نظره حواليه، وإن كان ~~دون نظره حائل قريب من تل أو جدار أو نحوه عدل عنه لأن الله تعالى قال فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب ولا يشترط طلب عند أبي ~~حنيفة فإن رأى الماء ولا يقدر عليه لمانع من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب ~~إليه أو كان الماء في بئر وليس معه آلة الاستقاء فهو كالعادم فيتيمم ويصلي ~~ولا إعادة عليه والله أعلم. # وقوله تعالى: إن الله كان عفوا يعني يتجاوز عن ذنوب عباده ويعفو ويصفح ~~عنهم غفورا ستورا على عباده يغفر الذنوب ويسترها وفيه تنبيه على أن الله ~~تعالى رخص لعباده أمر العبادة ويسرها عليهم لأن من كانت عادته أن يغفر ~~الذنوب ويعفو عنها كان أولى بأن يرخص للعاجزين أمر العبادة قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 44] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب نزلت في يهود المدينة وقال ابن ~~عباس نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم اليهوديين كانا إذا تكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لويا ألسنتهما وعاباه فأنزل الله تعالى ألم تر ~~يعني ألم ينته علمك يا محمد إلى هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يعني ~~أعطوا حظا من علم التوراة وذلك أنهم عرفوا نبوة موسى من التوراة وأنكروا ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم منها فلذلك أتى بمن التي هي للتبعيض وقيل ~~إنهم علموا التوراة ولم يؤتوا العمل بها يشترون الضلالة يؤثرون تكذيب محمد ~~صلى الله عليه وسلم ليأخذوا بذلك الرشا وتحصل لهم الرياسة وإنما ذكر بلفظ ~~الشراء لأنه استبدال شيء بشيء وقيل فيه إضمار يعني يستبدلون الضلالة بالهدى ~~ويريدون يعني اليهود أن تضلوا السبيل يعني عن السبيل والمعنى أنهم يتوصلون ~~إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يجتنبوا الإسلام. ### || [سورة ms0771 النساء (4): الآيات 45 الى 47] # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين ~~هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ~~ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) يا ~~أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله ~~مفعولا (47) # والله أعلم بأعدائكم يعني أنه سبحانه وتعالى أعلم بكنه ما في قلوب اليهود ~~من العداوة والبغضاء لكم يا معشر المؤمنين فلا تنصحوهم فإنهم أعداؤكم وكفى ~~بالله وليا يعني متوليا أمركم والقائم به ومن كان الله تعالى وليه لم يضره ~~أحد وكفى بالله نصيرا يعني ينصركم عليهم فثقوا بولايته ونصره. # وقوله تعالى: من الذين هادوا قيل هو بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~والتقدير ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا وقيل هو ~~متعلق بما قبله والتقدير وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا وقيل هو ابتداء ~~الكلام وفيه حذف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يزيلونه ~~ويغيرونه ويبدلونه # PageV01P385 # عن مواضعه يعني يغيرون صفة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة وقال ابن ~~عباس: كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر ~~فيخبرهم به فيرى أنهم يأخذون بقوله فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه، وقيل ~~المراد بالتحريف إلقاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وهو تحريف اللفظ ~~عن معناه الحق إلى معنى الباطل ويقولون سمعنا وعصينا يعني سمعنا قولك ~~وعصينا أمرك وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ~~قالوا في الظاهر سمعنا وقالوا في الباطن: عصينا وقيل إنهم كانوا يظهرون ذلك ~~القول عنادا واستخفافا واسمع غير مسمع هذه كلمة تحتمل المدح والذم فأما ~~معناها في المدح اسمع غير مسمع مكروها. وأما معناها في الذم فإنهم كانوا ~~يقولون اسمع منا ولا ms0772 نسمع منك. وقيل إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم اسمع ثم يقولون في أنفسهم لا سمعت وقيل معناه غير مقبول منك ما تدعو ~~إليه وقيل معناه غير مسمع جوابا يوافقك ولا كلاما ترتضيه وراعنا أي ويقولون ~~راعنا يريدون بذلك نسبته إلى الرعونة وقيل معناه أرعنا سمعك أي اصرف سمعك ~~إلى كلامنا وأنصت إلى قولنا ومثل هذا لا يخاطب به الأنبياء بل إنما يخاطبون ~~بالإجلال والتعظيم والتبجيل والتفخيم ليا بألسنتهم وطعنا في الدين أصله ~~لويا لأنه من لويت الشيء إذا فتلته والمعنى أنهم يفتلون الحق فيجعلونه ~~باطلا لأن راعنا من المراعاة فيجعلونه من الرعونة. وكانوا يقولون لأصحابهم ~~إنما نشتمه ولا يعرف ولو كان نبيا لعرف ذلك فأظهره الله تعالى على خبث ~~ضمائرهم وما في قلوبهم من العداوة والبغضاء ثم قال تعالى: ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا يعني ولو أنهم قالوا بدل سمعنا وعصينا سمعنا وأطعنا واسمع ~~يعني بدل قولهم لا سمعت وانظرنا يعني بدل قولهم راعنا أي انظر إلينا لكان ~~خيرا لهم يعني عبد الله وأقوم يعني أعدل وأصوب ولكن لعنهم الله يعني طردهم ~~وأبعدهم من رحمته بكفرهم يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم: فلا يؤمنون إلا ~~قليلا يعني فلا يؤمن من اليهود إلا نفر قليل مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ~~وقيل أراد بذلك القليل هو اعترافهم بأن الله خلقهم ورزقهم. # قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب خطاب لليهود آمنوا بما نزلنا ~~يعني القرآن مصدقا لما معكم يعني التوراة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلم أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف فقال يا معشر «اليهود ~~اتقوا الله وأسلموا فو الله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» قالوا ما ~~نعرف ذلك وأصروا على الكفر فأنزل الله هذه الآية وأمرهم بالإيمان وقرن بهذا ~~الأمر الوعيد الشديد فقال تعالى: من قبل أن نطمس وجوها أصل الطمس إزالة ~~الأثر بالمحو وذكروا في المراد بالطمس هاهنا وجهين: أحدهما أن يحمل على ~~حقيقته والثاني أن يحمل على ms0773 مجازه أما من حمله على الحقيقة فقال هو محو ~~تخطيط صور الوجوه قال ابن عباس يجعلها كخف البعير وقيل نعيمها فيكون المراد ~~بالوجه العين فنردها على أدبارها يعني نجعلها على هيئة أدبارها وهي الاقفاء ~~وقيل نديرها فنجعل الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام وإنما جعل الله هذا ~~عقوبة لهم لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة، وعند هذا يحصل لهم ~~الغم وتكثر الحسرات فعلى هذا يكون هذا الوعيد مختصا بيوم القيامة. # وأما من حمل الطمس على المجاز فقال المراد به نطمسها عن الهدى فنردها على ~~أدبارها يعني على ضلالتها وقيل المراد بالطمس طمس القلب والبصيرة فنردها ~~على أدبارها يعني بتغيير أحوالهم فنلبسهم الصغار والذلة بعد العز وقيل ~~المراد بالطمس محو آثارهم من المدينة وردهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض ~~الشام من حيث جاءوا وهو إجلاء بني النضير فإن قلت قد أوعدهم وهددهم بطمس ~~الوجوه إن لم يؤمنوا ولم يؤمنوا فلم يفعل بهم ذلك قلت هذا الإشكال إنما يرد ~~على من فسر الطمس بتغيير الوجوه ومحو تخطيطها وحمله على الحقيقة والجواب ~~عنه إن هذا مشروط بعدم الإيمان وقد آمن منهم ناس فرفع عن الباقين. وروي أن ~~عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يأتي أهله فأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحول ~~وجهي إلى قفاي وكذلك روي عن كعب الأحبار أنه لما سمع هذه الآية في خلافة ~~عمر بن الخطاب أسلم. وقال يا رب أسلمت مخافة أن يصيبني وعيد هذه الآية فكان ~~هذا الوعيد مشروطا بأن لا يؤمن أحد منهم وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن # PageV01P386 # منهم جمع كثير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه ففات الشرط لفوات المشروط وقيل إن الطمس باق في اليهود فيكون فيهم ~~طمس ومسخ قبل يوم القيامة وقيل إنه تعالى جعل الوعيد بأحد شيئين إما بالطمس ~~أو باللعنة وهو قوله تعالى: أو نلعنهم كما ms0774 لعنا أصحاب السبت أي نجعلهم قردة ~~كما فعلنا بأوائلهم وفي المراد من لعنهم الطرد والإبعاد من الرحمة والكناية ~~في نلعنهم تعود إلى المخاطبين في قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~وهذا على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة وقد يحتمل أن يكون معناه من قبل أن نطمس وجوها فنردها ونلعن ~~أصحاب الوجوه فنجعل الكناية في قوله أو نلعنهم عن ذكر أصحاب الوجوه إذا كان ~~في الكلام دلالة عليهم. # وقوله تعالى: وكان أمر الله مفعولا يعني لا بد وأن يقع بهم ذلك إن لم ~~يؤمنوا فلا راد لحكمه ولا ناقض لأمره على معنى أنه لا يمتنع عليه شيء يريد ~~أن يفعله وقيل معناه وكان مأمور الله مفعولا والأمر هنا في موضع المأمور ~~سمي أمرا لأنه عن أمره كان. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 48] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال ابن جرير ~~الطبري معناه يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا فإن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون في الآية دلالة على ~~أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع وقيل إن الآية نزلت في وحشي وأصحابه، ~~وذلك لما قتل حمزة رضي الله عنه ورجع إلى مكة ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا ندمنا على ما صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن ~~الإسلام إلا أنا سمعناك بمكة تقول والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى ~~آخر الآيات وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا ~~فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآيتين ~~فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرءوهما كتبوا إليه إن ~~هذا شرط ms0775 شديد ونخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فبعث إليهم فبعثوا إنا نخاف أن لا نكون من ~~أهل المشيئة فنزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية فبعث بها ~~إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثم ~~قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال ويحك غيب وجهك عني فلحق ~~بالشام فكان به إلى أن مات وقيل لما نزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم الآية قام رجل فقال: يا رسول الله والشرك؟ فسكت ثم قام إليه مرتين ~~أو ثلاثا فنزلت هذه الآية ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعني ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أصحاب ~~الذنوب والآثام. ففي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة ~~فإنه في خطر المشيئة إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بمنه وكرمه وإن شاء عذبه ~~بالنار ثم أدخله الجنة برحمته وإحسانه لأن الله تعالى وعد المغفرة لما دون ~~الشرك فإن مات على الشرك فهو مخلد في النار لقوله إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وفي الآية رد على المعتزلة والقدرية حيث ~~قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة وعند أهل السنة أن الله ~~تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له ولا حجر عليه ويدل على ذلك أيضا ما روي عن ~~ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على ~~كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأمسكنا عن الشهادة. وقال ابن عباس لعمر بن ~~الخطاب يا أمير المؤمنين الرجل يعمل من الصالحات لم يدع من الخير شيئا إلا ~~عمله غير أنه مشرك قال عمر ms0776 هو في النار فقال ابن عباس الرجل لم يدع شيئا من ~~الشر إلا عمله غير أنه لم يشرك بالله شيئا فقال عمر: الله أعلم قال ابن ~~عباس: # إني لأرجو له كما أنه لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب ~~فسكت عمر. عن علي بن أبي طالب # PageV01P387 # قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (م) عن جابر ~~قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما ~~الموجبتان؟ # قال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك به دخل النار. # وقوله تعالى: ومن يشرك بالله يعني يجعل معه شريكا غيره فقد افترى أي ~~اختلق إثما عظيما يعني ذنبا عظيما غير مغفور إن مات عليه. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 49 الى 50] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم نزلت في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: ~~لا قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما ~~عملناه بالليل يكفر عنا بالنهار فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل نزلت في ~~اليهود والنصارى حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى والتزكية هنا عبارة عن مدح الإنسان نفسه الصلاح ~~والدين منه تزكية الشاهد حتى يصير عدلا قال الله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى وهي صفة في الباطن فلا ~~يعلم حقيقتها إلا الله تعالى فلا تصلح التزكية إلا من عند الله تعالى فلهذا ~~قال الله تعالى: بل الله يزكي من يشاء ويدخل في ms0777 هذا المعنى كل من ذكر نفسه ~~بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند ~~الله تعالى فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله تعالى فلهذا قال: فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ومعنى يزكون أنفسهم يزعمون أنهم أزكياء لأنهم ~~برءوا أنفسهم من الذنوب قال تعالى ردا عليهم: بل الله يزكي من يشاء فيجعله ~~زاكيا ولا يظلمون فتيلا يعني أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك ~~التزكية من غير ظلم وقيل معناه إن الذين زكاهم الله لا ينقصون من ثواب ~~طاعتهم شيئا والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على ~~هيئته وقيل الفتيل هو ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره ويضرب به المثل في ~~الشيء الحقير الذي لا قيمة له انظر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انظر ~~يا محمد إلى هؤلاء اليهود كيف يفترون على الله الكذب يعني قولهم أنهم لا ~~ذنوب لهم وتزكيتهم أنفسهم وكفى به أي بذلك الكذب إثما مبينا قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 51] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت نزلت في ~~كعب بن الأشرف وسبعين راكبا من اليهود قدموا مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا ~~قريشا على النبي صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان فأحسن مثواه ~~ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم أهل مكة أنتم فقال لهم أهل كتاب ومحمد ~~صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا ~~إلى هذين الصنمين ففعلوا ذلك فذلك قوله تعالى: يؤمنون بالجبت والطاغوت ثم ~~قال كعب بن الأشرف لأهل مكة ليجيء منكم ثلاثون رجلا ومنا ثلاثون فنلزق ~~أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ثم قال ~~أبو سفيان ms0778 لكعب بن الأشرف إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم ~~فأينا أهدى سبيلا نحن أم محمد؟ قال كعب اعرض علي دينكم فقال أبو سفيان نحن ~~ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ~~ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد # PageV01P388 # فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث ~~فقال كعب أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد فأنزل الله تعالى ألم تر ~~يعني يا محمد إلى الذين أوتوا تصيبا من الكتاب يعني كعب بن الأشرف وأصحابه ~~اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني سجودهم للصنمين واختلف العلماء فيهما ~~الجبت والطاغوت كل معبود دون الله تعالى، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما ~~اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش وقيل الجبت اسم للأصنام والطاغوت ~~شياطين الأصنام ولكل صنم شيطان يعبر فيها ويكلم الناس فيغترون بذلك وقيل ~~الجبت الكاهن والطاغوت الساحر عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» أخرجه أبو ~~داود وقال الطرق الزجر والعيافة الخط وقيل العيافة هي زجر الطير وذلك أن ~~أهل الجاهلية كان أحدهم إذا خرج لأمر زجر طيرا فإذا أخذ ذات اليمين مضى في ~~حاجته وإذا أخذ ذات الشمال رجع فنهوا عن ذلك والطرق هو ضرب الحجارة والحصا ~~على طريق الكهانة فنهوا عنه والطيرة هو أن يتطير بالشيء فيرى الشؤم فيه ~~والشر منه وقيل هو من التطير وهو زجر الطائر والخط هو ضرب الرمل لاستخراج ~~الضمير وقيل الجبت كل ما حرم الله تعالى والطاغوت كل ما يطغى الإنسان وقيل ~~الجبت هو حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف اليهوديان وكانا طاغية اليهود ~~ويقولون يعني كعب بن الأشرف وأصحابه للذين كفروا يعني لكفار قريش هؤلاء ~~يعني أنتم يا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا يعني طريقا. # ### || [سورة النساء (4): الآيات 52 الى 56] # أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب ~~من الملك ms0779 فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ~~(54) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن الذين ~~كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) # أولئك الذين لعنهم الله يعني كعب بن الأشرف وأصحابه ومن يلعن الله يعني ~~يطرده من رحمته فلن تجد له نصيرا يعني ينصره. # قوله تعالى: أم لهم نصيب من الملك هذا استفهام انكار يعني ليس لهم من ~~الملك شيء البتة وذلك أن اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف ~~نتبع العرب فأكذبهم الله تعالى وأبطل دعواهم فإذا لا يؤتون الناس نقيرا هذا ~~جواب وجزاء لمضمر تقديره ولئن كان لهم نصيب وحظ من الملك فلا يؤتون الناس ~~منه نقيرا وصفهم بالبخل في هذه الآية ووصفهم بالجهل في الآية المتقدمة ~~ووصفهم بالحسد في الآية الآتية. وهذه الخصال كلها مذمومة فكيف يدعون الملك ~~وهي حاصلة فيهم والنقير التي تكون على ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ويضرب ~~به المثل في الشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له. # قوله عز وجل: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله أصل الحسد تمني ~~زوال النعمة عمن هو مستحق لها وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها وصف الله ~~اليهود بشر خصلة وهي الحسد والمراد بالناس محمد صلى الله عليه وسلم وحده ~~وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع ~~فيه من خصال الخير والبركة ما لا يجتمع مثله في جماعة ومن هذا القبيل يقال ~~فلان أمة وحده يعني أن يقوم مقام أمة، وقيل المراد بالناس النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه لأن لفظ الناس جمع وحمله على الجمع أولى والمراد بالفضل ~~النبوة لأنها أعظم المناصب وأشرف المراتب، وقيل حسدوه على ما أحل الله له ~~من النساء وكان له يومئذ تسع نسوة. فقالت اليهود لو ms0780 كان نبيا لشغله أمر ~~النبوة عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله فقد ~~آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة يعني أنه قد حصل في أولاد إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم جماعة كثيرون جمعوا بين الملك والنبوة مثل داود وسليمان # PageV01P389 # عليهما السلام فلم يشغلهم الملك عن أمر النبوة والمعنى كيف يحسدون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله وقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وأنتم لا تحسدونهم. والمراد بالكتاب التوراة وبالحكمة النبوة ~~وآتيناهم ملكا عظيما يعني فلم يشغلهم عن النبوة فمن فسر الفضل بكثرة النساء ~~فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان بكثرة النساء فإنه كان لداود مائة ~~امرأة ولسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية ولم يكن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا تسع نسوة ولما لم يكن ذلك مستبعدا في حقهم ~~ولا نقصا في نبوتهم فلا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم ولا ~~نقصا في نبوته فمنهم يعني من اليهود من آمن به أي بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وما أنزل الله إليه كعبد الله بن سلام وأصحابه ومنهم من صد عنه أي ~~أعرض عنه ولم يؤمن به وكفى بجهنم سعيرا يعني وكفى في عذاب من لم يؤمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم سعيرا. # قوله تعالى: إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا هذا وعيد من الله عز ~~وجل للذين أقاموا على كفرهم وتكذيبهم بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم من سائر الكفار والمعنى إن الذين جحدوا ما ~~أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي وصدق رسولي محمد صلى الله ~~عليه وسلم سوف نصليهم نارا أي ندخلهم نارا نشويهم فيها: كلما نضجت جلودهم ~~يعني احترقت بدلناهم جلودا غيرها يعني غير الجلود المحترقة قال ابن عباس: ~~يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس. وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر بن ~~الخطاب فقال عمر للقارئ: أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن ms0781 جبل فقال معاذ: ~~عندي تفسيرها تبدل في كل ساعة مائة مرة فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذكره البغوي بغير سند وقال الحسن تأكلهم النار في كل يوم ~~سبعين ألف مرة (ق) عن أبي هريرة يرفعه ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ~~ثلاثة أيام للراكب المسرع (م) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ضرس الكافر أو قال ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام». فإن ~~قلت كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ قلت يعاد الجلد الأول في كل ~~مرة وإنما قال جلودا غيرها لتبديل صفتها كما تقول صغت من خاتمي خاتما غيره، ~~فالثاني هو الأول غير أن الصناعة بدلت الصفة وقيل إن العذاب للجملة الحساسة ~~وهي النفس التي عصت فإن كان كذلك فغير مستحيل إن الله يخلق للكافر في كل ~~ساعة من الجلود ما لا يحصى لتحترق ويصل ألمها وقيل المراد بالجلود السرابيل ~~وهو قوله: سرابيلهم من قطران والمعنى كلما نضجت سرابيلهم واحترقت بدلناهم ~~سرابيل من قطران غيرها لأن الجلود لو احترقت لفنيت وفي فنائها راحتها وقد ~~أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون فيها ولا يخفف عنهم من عذابها ولأن الجلد ~~أحد أجزاء الجسم فثبت أن التبديل إنما هو للسرابيل وقيل يبدل الجلد من نفس ~~الكافر فيخرج من لحمه جلدا وقيل إن الله تعالى يلبس أهل النار جلودا لا ~~تألم لتكون زيادة في عذابهم كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره. # وقوله تعالى: ليذوقوا العذاب أي إنما فعلنا بهم ذلك ليجدوا ألم العذاب ~~وكربه وشدته وإنما أتى بلفظ الذوق مع ما ينالهم من عظم العذاب الذي نالوه ~~إخبارا بأن إحساسهم به في كل حال فإحساس الذائق في تجديد وجدان الذوق من ~~غير نقصان في الإحساس إن الله كان عزيزا يعني في انتقامه ممن ينتقم من خلقه ~~لا يغلبه شيء ولا يمتنع عليه أحد حكيما يعني في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل ~~إلا ما هو الصواب. ### || [سورة النساء (4): الآيات ms0782 57 الى 58] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله ~~نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم يعني سوف ندخلهم يوم القيامة جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها # PageV01P390 # يعني باقين فيها أبدا يعني ذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع لهم فيها ~~يعني في الجنات أزواج مطهرة يعني مطهرات من الحيض والنفاس وسائر أقذار ~~الدنيا وندخلهم ظلا ظليلا كنينا ذلك الظل لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم فيه حر ~~ولا برد وذلك الظل هو ظل الجنة. فإن قلت إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها ~~فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ قلت إنما خاطبهم بما يعقلون ويعرفون وذلك ~~لأن بلاد العرب في غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة ~~واللذة فهو كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا. # قوله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها قال البغوي ~~نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة فلما دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح ~~فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان فطلب منه ~~رسول الله المفتاح فأبى وقال لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح فلوى ~~علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ودخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ~~وأن يجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله هذه الآية فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك فقال ~~له عثمان: أكرهت ثم جئت ترفق فقال علي لقد أنزل الله عز وجل في شأنك قرآنا ~~وقرأ عليه الآية فقال ms0783 عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فأسلم فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبة فالمفتاح والسدانة ~~في أولادهم إلى يوم القيامة. قلت وفيما ذكره البغوي رحمه الله من إسلام ~~عثمان بن طلحة يوم الفتح ومنعه المفتاح وقوله لو أعلم أنه رسول الله لم ~~أمنعه المفتاح نظر والصحيح ما حكاه أبو عمر بن عبد البر وابن مندة وابن ~~الأثير أن عثمان بن طلحة هاجر إلى المدينة في هدنة الحديبية سنة ثمان مع ~~خالد بن الوليد ولقيهما عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشي فرافقهما وهاجر ~~معهما فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم: قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها ~~يعني أنهم وجوه أهل مكة فأسلموا وسلم عثمان بن طلحة المفتاح للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفتح فرده النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال خذوها يا بني ~~طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ولم يذكروا سؤال العباس السدانة ~~والله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أقبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان حتى أناخ عند ~~البيت ثم قال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح الباب. وذكر ~~الحديث وذكر ابن الجوزي في تفسير هذه الآية من رواية أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طلب مفتاح البيت من عثمان بن ~~طلحة فذهب ليعطيه إياه فقال العباس بأبي أنت وأمي اجمعه إلي مع السقاية فكف ~~عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هات ~~المفتاح فأعاد العباس قوله وكف عثمان يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~هات المفتاح أن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فقال هاكه يا رسول الله بأمانة ~~الله فأخذ المفتاح الباب ونزل جبريل بهذه الآية فدعا عثمان ودفعه إليه ففي ~~هذه الرواية أيضا ما يدل على تقدم إسلام عثمان بن طلحة على فتح مكة. لأن ~~قوله ms0784 صلى الله عليه وسلم لعثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر يدل على ~~ذلك فعلى هذا القول يكون الخطاب في قوله إن الله يأمركم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو أن الله أمره أن يرد مفتاح البيت إلى عثمان بن طلحة. وقيل ~~الخطاب في قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها لولاة أمور ~~المسلمين من الأمراء والحكام وغيرهم ويدل على ذلك سياق الآية وهو قوله وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ومعنى الآية إن الله يأمركم يا ولاة ~~الأمور أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من أمور رعيتكم وأن توفوهم حقوقهم وأن ~~تعدلوا بينهم. وقيل إن الآية عامة في جميع الأمانات ولا يمتنع من خصوص ~~السبت عموم الحكم فيدخل في ذلك جميع الأمانات التي حملها الإنسان ويقسم ذلك ~~إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول رعاية الأمانة في عبادة الله عز وجل وهو فعل ~~المأمورات وترك المنهيات قال ابن مسعود الأمانة لازمة في كل شيء حتى في ~~الوضوء والغسل من الجنابة والصلاة والزكاة والصوم وسائر أنواع العبادات. ~~القسم الثاني هو رعاية الأمانة مع # PageV01P391 # نفسه وهو ما أنعم الله به عليه من سائر أعضائه فأمانة اللسان حفظه من ~~الكذب # والغيبة والنميمة ونحو ذلك وأمانة العين غضها عن المحارم وأمانة السمع أن ~~لا يشغله بسماع شيء من اللهو والفحش والأكاذيب ونحوه ثم سائر الأعضاء على ~~نحو ذلك. القسم الثالث هو رعاية أمانة العبد مع سائر عباد الله تعالى فيجب ~~عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها الذين ائتمنوه عليها ولا يخونهم فيها ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك» أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ويدخل ~~في ذلك وفاء الكيل والميزان فلا يطفف فيهما ويدخل في ذلك أيضا عدل الأمراء ~~والملوك في الرعية ونصح العلماء للعامة فكل هذه الأشياء من الأمانة التي ~~أمر الله عز وجل بأدائها إلى أهلها وروى البغوي بسنده عن أنس قال قلما ~~خطبنا رسول ms0785 الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ~~ولا دين لمن لا عهد له». وقوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل يعني وإن الله يأمركم أن تحكموا بين الناس بالعدل فيجب على الحاكم ~~أن يأخذ الحق ممن وجب عليه لمن وجب له وأصل العدل هو المساواة في الأشياء ~~فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمي عدلا قال بعض العلماء ينبغي للقاضي أن ~~يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال ~~عليهما والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما وحاصل الأمر فيه أن ~~يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ~~(م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ~~الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده ~~مجلسا إمام عادل وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر» أخرجه ~~الترمذي. # وقوله تعالى: إن الله نعما يعظكم به أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء ~~الأمانات والحكم بالعدل إن الله كان سميعا بصيرا يعني أنه تعالى سميع لما ~~تقولون وبصير بما تفعلون فإذا حكمتم فهو يسمع حكمكم وإذا أديتم الأمانة فهو ~~يبصر فعلكم. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 59] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (ق) عن ~~ابن عباس قال لما نزل قوله: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول الله وأولي الأمر ~~منكم» الآية قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه ms0786 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال السدي نزلت في خالد بن الوليد ~~وذلك أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية وفيها عمار بن ياسر ~~فلما قربوا من القوم هربوا منهم وجاء رجل إلى عمار قد أسلم فأمنه عمار فرجع ~~الرجل فجاء خالد فأخذ مال الرجل فقال عمار إني قد أمنته وقد أسلم فقال خالد ~~أتجير علي وأنا الأمير فتنازعا وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير فأنزل الله تعالى أطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم وأصل الطاعة الانقياد وهو امتثال الأمر فطاعة الله ~~عز وجل امتثال أمره فيما أمر والانقياد لذلك الأمر وطاعة الله واجبة على ~~كافة الخلق. وكذا طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واجبة أيضا لقوله تعالى ~~وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فأوجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الخلق واختلف العلماء في أولي الأمر الذين أوجب طاعتهم بقوله وأولي الأمر ~~منكم. يعني وأطيعوا أولي الأمر منكم قال ابن عباس وجابرهم الفقهاء والعلماء ~~الذين يعلمون معالم الناس دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد وقال أبو ~~هريرة الأمراء والولاة. وهي رواية عن ابن عباس أيضا قال علي بن أبي طالب حق ~~على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على ~~الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع # PageV01P392 # الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني» (ق) عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو ~~كره إلا إن يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (خ) عن أنس ~~بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل ~~عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» وقال ms0787 ميمون بن ~~مهران هم أمراء السرايا والبعوث وهي رواية عن ابن العباس أيضا ووجه هذا ~~القول أن الآية نازلة فيهم. وقال عكرمة: أراد بأولي الأمر. أبا بكر وعمر ~~لما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أدري ما ~~بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» أخرجه الترمذي وقيل هم ~~جميع الصحابة لما روي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» أخرجه رزين في كتابه وروى البغوي ~~بسنده عن الحسن قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أصحابي في ~~أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح» قال الحسن قد ذهب ملحنا ~~فكيف نصلح قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب قول من قال هم الأمراء والولاة ~~لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة ~~فيما كان لله عز وجل طاعة وللمسلمين مصلحة وقال الزجاج: وجملة أولي الأمر ~~من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إليه صلاحهم قال العلماء ~~طاعة الإمام واجبة على الرعية ما دام على الطاعة فإذا زال عن الكتاب والسنة ~~فلا طاعة له وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق. # وقوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء يعني اختلفتم في شيء من أمر دينكم ~~والتنازع اختلاف الآراء وأصله من انتزاع الحجة وهو أن كل واحد من ~~المتنازعين ينزع الحجة لنفسه فردوه إلى الله والرسول أي ردوا ذلك الأمر ~~الذي تنازعتم فيه إلى كتاب الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ما ~~دام حيا وبعد وفاته فردوه إلى سنته والرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم واجب إن وجد ذلك الحكم في كتاب الله أخذ به فإن لم يوجد في ~~كتاب الله ففي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن لم يوجد في السنة فسبيله ~~الاجتهاد وقيل الرد إلى الله ورسوله أن يقول لما لا يعلم الله ورسوله أعلم ~~إن ms0788 كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر يعني افعلوا ذلك الذي أمرتكم به إن كنتم ~~تؤمنون بالله وإن طاعته واجبة عليكم وتؤمنون بالميعاد الذي فيه جزاء ~~الأعمال قال العلماء في الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب طاعة الله ~~وطاعة الرسول ومتابعة السنة والحكم بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر ذلك خير يعني رد الحكم إلى ~~الله ورسوله خير وأحسن تأويلا يعني وأحمد عاقبة وقيل معناه ذلك أي ردكم ما ~~اختلفتم فيه إلى الله ورسوله أحسن تأويلا منكم له وأعظم أجرا. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 60] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به قال ابن عباس: نزلت ~~في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي ~~ننطلق إلى محمد وقال المنافق بل ننطلق إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه ~~الله الطاغوت فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لليهودي. فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال ~~انطلق بنا إلى عمر فأتيا عمر فقال اليهودي اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى ~~لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصمي إليك فقال عمر للمنافق أكذلك قال؟ ~~قال نعم فقال لهما عمر: رويدا حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف ~~واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض ~~بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت هذه الآية وقال جبريل إن عمر فرق بين الحق ~~والباطل فسمي الفاروق. وقال السدي كان ms0789 ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم ~~وكانت قريظة والنضير # PageV01P393 # في الجاهلية وكانت قريظة حلفاء الخزرج والنضير حلفاء الأوس وكان إذا قتل ~~رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذت ديته مائة وسق من تمر، ~~وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقا ~~فلما جاء الإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قتل رجل من ~~النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك فقال بنو النضير كنا وأنتم قد ~~اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلوا منا وديتنا مائة وسق وديتكم ستون وسقا ~~فنحن نعطيكم ذلك فقالت الخزرج هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم ~~وقلتنا فقهرتمونا على ذلك، فاليوم نحن إخوة في الدين فلا فضل لكم علينا ~~فقال المنافقون منهم ننطلق إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي وقال المسلمون من ~~الفريقين بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا ~~إلى أبي بردة الكاهن ليحكم بينهم فقال أطعموا اللقمة يعني الخطر فقالوا لك ~~عشرة أوسق فقال لا بل مائة وسق ديتي فأبوا أن يعطوه إلا عشرة أوسق وأبى أن ~~يحكم بينهم فأنزل الله عز وجل آيتي القصاص وأنزل هذه الآية: ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك الزعم والزعم بضم ~~الزاي وفتحها لغتان وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول الذي لا يتحقق. وقيل ~~هو حكاية قول يكون مظنة للكذب ولذلك قيل زعم مطية الكذب والمراد به في هذه ~~الآية الكذب لأن الآية نازلة في المنافقين وظاهر الآية يدل على أنها نازلة ~~في الذين نافقوا من مؤمني أهل الكتاب ويدل عليه قوله آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يرون أن يتحاكموا إلى الطاغوت يعني كعب بن الأشرف في قول ~~ابن عباس سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل هو أبو بردة الكاهن في قول السدي وقد أمروا أن يكفروا به ms0790 ~~يعني بالطاغوت لأن الكفر بالطاغوت إيمان بالله عز وجل: ويريد الشيطان أن ~~يضلهم يعني عن طريق الهدى والحق ضلالا بعيدا. # ### || [سورة النساء (4): الآيات 61 الى 62] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) # وإذا قيل لهم يعني للمنافقين تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول يعني ~~هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه وإلى الرسول ليحكم بينكم به رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا يعني يعرضون عنك وعن حكمك إعراضا وأي إعراض ~~وإنما أعرض المنافقون عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم علموا أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يحكم بينهم بالحق الصريح ولا يقبل الرشا. # قوله عز وجل: فكيف إذا أصابتهم مصيبة يعني فكيف حال هؤلاء المنافقين وكيف ~~يصنعون إذا أصابتهم مصيبة يعجزون عنها بما قدمت أيديهم يعني تصيبهم عقوبة ~~بسبب ما قدمت أيديهم وهو التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهذا وعيد لهم على سوء صنيعهم ورضاهم بحكم الطاغوت دون حكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقيل المصيبة هي قتل عمر لذلك المنافق وقيل هي كل مصيبة ~~تصيب في الدنيا والآخرة ثم جاؤك يعني المنافقين حين تصيبهم المصائب يعتذرون ~~إليك يحلفون بالله إن أردنا أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانا يعني ~~في التحاكم إلى غيرك لا إساءة وتوفيقا يعني بين الخصمين لا مخالفة لك في ~~حكمك وقيل جاء أولياء المنافق الذي قتله عمر يطلبون ديته وقالوا ما أردنا ~~بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا في حكمه ويوفق بينه وبين خصمه، ~~وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا في حكمه ويوفق بينه وبين ~~خصمه وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا فأهدر الله ذلك ~~المنافق. # PageV01P394 # ### || [سورة النساء (4): الآيات 63 الى 65] # أولئك الذين يعلم الله ما في ms0791 قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~(64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم يعني من النفاق فأعرض عنهم يعني عن ~~عقوبتهم وقيل عن قبول عذرهم وعظهم يعني باللسان والمراد زجرهم بالوعظ عن ~~النفاق والكفر والكذب وتخويفهم بعذاب الآخرة وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ~~يعني بليغا يؤثر في قلوبهم موقعه وهو التخويف بالله عز وجل وقيل هو أن ~~يوعدهم بالقتل إن لم يتوبوا من النفاق. وقيل هو أن يقول إن أظهرتم ما في ~~قلوبكم من النفاق قتلتم لأن هذا القول يبلغ في نفوسهم كل مبلغ وقيل معناه ~~فأعرض عنهم في الملأ وقل لهم في أنفسهم إذا خلوت بهم قولا بليغا أي اغلظ ~~لهم في القول خاليا بهم ليس معهم غيرهم مسارا لهم بالنصيحة لأنها في السر ~~أنجع. وقيل هذا الإعراض منسوخ بآية القتال وقد تكلم العلماء في حد البلاغة ~~فقال بعضهم البلاغة إيصال المعنى إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ وقيل ~~البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل البلاغة سرعة الإيجاز مع الإفهام ~~وحسن التصرف من غير إدجار. وقيل أحسن الكلام ما قلت ألفاظه وكثرت معانيه ~~وقيل خير الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره وقيل لا يستحق الكلام اسم ~~البلاغة إلا إذا طابق لفظه معناه ومعناه لفظه ولم يكن لفظه إلى السمع أسبق ~~من معناه إلى القلب. وقيل المراد بالقول البليغ في الآية أن يكون حسن ~~الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والإعذار والإنظار والوعد ~~والوعيد بالثواب والعقاب، فإن الكلام إذا كان كذلك عظم وقعه في القلوب وأثر ~~في النفوس. # قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول قال الزجاج لفظه من هنا صلة مؤكدة ~~والمعنى وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع بإذن الله ms0792 يعني بأمر الله والمعنى إنما ~~وجبت طاعة الرسول بأمر الله لأن الله أذن في ذلك وأمر به وقيل معناه بعلم ~~الله وقضائه أي طاعته تكون بإذن الله لأنه أذن فيه فتكون طاعة الرسول طاعة ~~الله ومعصيته معصية الله والمعنى وما أرسلنا من رسول إلا فرضت طاعته على من ~~أرسلته إليهم وأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلوا إليهم ~~ففيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورضوا بحكم الطاغوت ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم يعني الذين تحاكموا إلى ~~الطاغوت ظلموا أنفسهم بالتحاكم إليه جاؤك يعني جاءوك تائبين من النفاق ~~والتحاكم إلى الطاغوت متنصلين مما ارتكبوا من المخالفة فاستغفروا الله يعني ~~من ذلك الذنب بالإخلاص وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد حكمك ~~والتحاكم إلى غيرك واستغفر لهم الرسول يعني من مخالفته والتحاكم إلى غيره ~~وإنما قال واستغفر لهم الرسول ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتفخيما له وتعظيما لاستغفاره وأنهم إذا جاءوه فقد جاءوا من ~~خصه الله برسالته وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ومن كان كذلك فإن الله تعالى ~~لا يرد شفاعته فلهذا السبب عدل إلى طريقة الالتفات من لفظ الخطاب إلى لفظ ~~الغيبة لوجدوا الله توابا رحيما يعني لو أنهم تابوا من ذنوبهم ونفاقهم ~~واستغفرت لهم لعلموا أن الله يتوب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم. قوله عز ~~وجل: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم نزلت هذه الآية في ~~الزبير بن العوام ورجل من الأنصار (ق) عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلا ~~من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: ~~سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب ~~الأنصاري ثم قال يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0793 ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى ~~الجدر. فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى # PageV01P395 # يحكموك فيما شجر بينهم زاد البخاري فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد أشار على ~~الزبير رأيا أي أراد سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح ~~الحكم قال الزبير والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك. قوله في شراج ~~الحرة الشراج مسايل الماء التي تكون من الجبل وتنزل إلى السهل الواحدة شرجة ~~بسكون الراء والحرة الأرض الحمراء المتلبسة بالحجارة السود وقوله فتلون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني تغير وقوله فلما أحفظ أي أغضب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقوله حتى يرجع إلى الجدر هو بفتح الجيم يعني أصل ~~الجدار وقوله فاستدعى له أي استوفى له حقه في صريح الحكم. وهو أن من كان ~~أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الوادي وحقه تمام السقي فرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة فلما أبى خصمه ~~ذلك ولم يعترف بما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله ~~أمر الزبير باستيفاء حقه على التمام وحمل خصمه على مر الحق. فعلى هذا القول ~~تكون الآية مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها قال البغوي: وروي أنهما لما خرجا ~~مرا على المقداد فقال لمن كان القضاء قال الأنصاري لابن عمته ولوى شدقه ~~ففطن له يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ~~ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى ~~فدعا موسى إلى التوبة منه فقال فاقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ~~ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت ms0794 بن قيس بن شماس: أما والله إن ~~الله ليعلم مني الصدق # ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. وقال مجاهد والشعبي نزلت هذه الآية ~~في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى الطاغوت. وعلى هذا القول تكون ~~الآية متصلة بما قبلها فلا وربك معناه فوربك فعلى هذا تكون لا مزيدة لتأكيد ~~معنى القسم. وقيل إن لا رد لكلام سبق كأنه قال ليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم يعني فيما اختلفوا فيه من الأمور وأشكل عليهم حكمه ~~وقيل فيما التبس عليهم يقال شاجره في الأمر إذا نازعه فيه وأصله التداخل ~~والاختلاط وشجر الكلام إذا خل بعضه في بعض واختلط ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت يعني ضيقا مما قضيت وقيل شكا فيما قضيت بل يرضوا بقضائك ~~ويسلموا تسليما يعني وينقادوا لأمرك انقيادا أو لا يعارضونك في شيء من أمرك ~~وقيل معناه يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 66 الى 68] # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # ولو أنا كتبنا عليهم أي فرضنا وأوجبنا عليهم الضمير في عليهم يعود على ~~المنافقين وقيل يعود الضمير على الكافة فيدخل فيه المنافق وغيره أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم يعني كما كتبنا على بني إسرائيل القتل والخروج ~~من مصر ما فعلوه إلا قليل منهم معناه لم يفعله إلا القليل منهم نزلت في ~~ثابت بن قيس بن شماس وذلك أن رجلا من اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا ~~القتل والخروج ففعلنا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا وهو ~~من القليل الذي استثنى الله وقيل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر ~~وابن مسعود وناس من أصحاب ms0795 رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم القليل الذين ~~ذكرهم الله والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من ~~الجبال الرواسي» ومن قال إن الضمير في عليهم يعود إلى المنافقين قال معنى ~~ما فعلوه إلا قليل منهم يعني رياء وسمعة والمعنى إن ما كتبنا عليهم إلا ~~طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرضا بحكمه ولو أنا كتبنا عليهم القتل ~~والخروج من الدور والوطن ما كان فعله إلا نفر يسير منهم وقرئ «إلا قليلا ~~منهم» بالنصب وتقديره إلا أن يكون قليلا منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~يعني # PageV01P396 # ولو أنهم فعلوا ما كلفوا به من طاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والرضا بحكمه لكان خيرا لهم يعني في الدنيا والآخرة وإنما سمي ذلك التكليف ~~وعظا لأن أوامر الله تعالى وتكاليفه مقرونة بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ~~وما كان كذلك يسمى وعظا وأشد تثبيتا يعني تحقيقا وتصديقا لإيمانهم، والمعنى ~~أن ذلك أقرب إلى إثبات إيمانهم وتصديقهم وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~يعني ثوابا وافرا جزيلا وإذا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا ~~الخير والتثبيت قال هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا ~~مستقيما قال ابن عباس معناه ولأرشدناهم إلى دين مستقيم يعني دين الإسلام ~~وقيل معناه ولهديناهم إلى الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى المستقيم وهو ~~الصراط الذي يمر عليه المؤمنون إلى الجنة لأن الله تعالى ذكر الأجر العظيم ~~أولا ثم ذكر الصراط المستقيم بعده لأنه هو المؤدي إلى الجنة. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 69 الى 70] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما (70) # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم الآية نزلت في ~~ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب ms0796 لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في ~~وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غير لونك فقال يا رسول ~~الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك. ~~ثم إني إذا ذكرت الآخرة أخاف أن لا أراك لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين ~~وإني أخاف إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة ~~لا أراك أبدا فنزلت هذه الآية وقيل إن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: كيف يكون الحال وأنت يا رسول الله في الدرجات العلى ونحن أسفل منك ~~فكيف نراك؟ # فأنزل الله تعالى هذه الآية: ومن يطع الله يعني في أداء الفرائض واجتناب ~~النواهي والرسول أي ويطع الرسول في السنن التي سنها فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم يعني بالهداية والتوفيق في الدنيا وبدخول الجنة في الآخرة من ~~النبيين يعني أن المطيعين مع النبيين في الجنة لا تفوتهم رؤية الأنبياء في ~~الجنة ومجالستهم لأنهم يكونون في درجتهم في الجنة لأن ذلك يقتضي التسوية في ~~الدرجة بين الفاضل والمفضول والصديقين الصديق الكثير الصدق فعيل من الصدق ~~والصديقون هم أتباع الرسل الذين اتبعوهم على مناهجهم بعدهم حتى لحقوا بهم ~~وقيل الصديق هو الذي صدق بكل الدين حتى لا يخالطه فيه شك والمراد بالصديقين ~~في هذه الآية أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر فإنه هو ~~الذي سمي بالصديق من هذه الأمة وهو أفضل أتباع الرسل والشهداء هم الذين ~~استشهدوا في سبيل الله وقيل هم الذين استشهدوا يوم أحد والصالحين جمع صالح ~~وهو الذي استوت سريرته وعلانيته في الخير. وقيل الصالح من اعتقاده صواب ~~وعمله في سنة وطاعة وقيل المراد بالنبيين هنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالصديقين أبو بكر وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة ~~وحسن أولئك يعني المشار إليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ~~وفيه معنى ms0797 التعجب كأنه قال وما أحسن أولئك رفيقا يعني في الجنة والرفيق ~~الصاحب سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته وإنما وحد الرفيق وهو صفة الجمع لأن ~~العرب تعبر به عن الواحد والجمع وقيل معناه وحسن كل واحد من أولئك رفيقا ~~(ق) عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة: فقال متى ~~الساعة قال: «وما أعددت لها قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت ~~مع من أحببت» قال أنس فما فرحنا بشيء أشد فرحا بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنت مع من أحببت قال أنس: فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون ~~معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم. وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى ما تقدم ~~ذكره من وصف الثواب الفضل من الله يعني الذي أعطى الله المطيعين من الأجر ~~العظيم وكفى بالله عليما يعني بجزاء من أطاعه وقيل معناه وكفى بالله عليما ~~بعباده فهو يوفقهم لطاعته وفيه دليل على أنهم لم ينالوا # PageV01P397 # تلك الدرجة بطاعتهم بل إنما نالوها بفضل الله تعالى ورحمته ويدل عليه ما ~~روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدا ~~منكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله منه بفضل ورحمة» لفظ البخاري ولمسلم نحوه. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 71 الى 74] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن ~~منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما (74) # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم الحذر احتراز من مخوف والمعنى احذروا ~~واحترزوا من عدوكم. ولا تمكنوه من أنفسكم وقيل المراد بالحذر ms0798 هنا السلاح ~~يعني خذوا سلاحكم وعدتكم لقتال عدوكم وإنما سمي السلاح حذرا لأن به يتقى ~~ويحذر. وقيل معناه احذروا عدوكم ولقائل أن يقول إذا كان المقدور كائنا فما ~~يمنع الحذر فالجواب عنه بأنه لما كان الكل بقضاء الله وقدره كان الأمر بأخذ ~~الحذر من قضاء الله وقدره فانفروا ثبات أي اخرجوا سرايا متفرقين سرية بعد ~~سرية أو انفروا جميعا يعني أو اخرجوا جميعا كلكم مع نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم إلى جهاد عدوكم وإن منكم لمن ليبطئن نزلت في المنافقين. وإنما قال ~~منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار كلمة الإسلام لا ~~في حقيقة الإيمان والمعنى وإن منكم لمن ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد وهو ~~عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وكان رأس المنافقين فإن أصابتكم مصيبة أي ~~قتل وهزيمة قال يعني هذا المنافق قد أنعم الله علي يعني بالقعود إذ لم أكن ~~معهم يعني مع المؤمنين شهيدا يعني حاضر الوقعة فيصيبني ما أصابهم ولئن ~~أصابكم فضل من الله أي فتح وغنيمة ليقولن يعني هذا المنافق كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة أي معرفة ومودة في الدين والمعنى كأنه ليس من أهل دينكم ~~وذلك أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر يا ليتني كنت معهم في ~~تلك الغزوة التي غنم فيها المؤمنون فأفوز فوزا عظيما أي فآخذ نصيبا وافرا ~~من الغنيمة. # قوله عز وجل: فليقاتل في سبيل الله هذا خطاب للمنافق أي فليخلص الإيمان ~~وليقاتل في سبيل الله وقيل هو خطاب للمؤمنين المخلصين أي فليقاتل المؤمنون ~~في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي يبيعون يقال شريت بمعنى ~~بعت لأنه استبدال عوض بعوض. والمعنى فليقاتل المؤمنون الكافرين الذين ~~يبيعون حياتهم في الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله فيها لأهل الإيمان ~~والطاعة وقيل معناه فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الذين يبيعون الحياة ~~الدنيا ويختارون الآخرة وثوابها على الدنيا الفانية ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل أي فيستشهد أو يغلب يعني يظفر بعدوه من الكفار فسوف نؤتيه يعني في ms0799 ~~كلا الحالتين الشهادة أو الظفر نؤتيه فيهما أجرا عظيما يعني ثوابا وافرا ~~(ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله لمن ~~خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ~~ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر ~~أو غنيمة» لفظ مسلم. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): الآيات 75 الى 76] # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا (76) # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله قال المفسرون: هذا حض من الله على ~~الجهاد في سبيله لاستنقاذ # PageV01P398 # المؤمنين المستضعفين من أيدي الكفار وفيه دليل على أن الجهاد واجب ~~والمعنى لا عذر لكم في ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف ~~والأذى والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال ابن عباس يريد أن قوما ~~من المؤمنين استضعفوا فحبسوا وعذبوا وقيل كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين ~~أذى شديدا. # وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم ~~وكانوا مستضعفين في أيديهم ولم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين ~~فعلى هذا يكون معنى الآية: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي خلاص ~~المستضعفين. وقال ابن عباس معناه وعن المستضعفين لأن المراد صرف الأذى عنهم ~~(خ) عن ابن عباس في قوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ~~الآية. قال كنت أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية ابن أبي مليكة قال تلا ~~ابن عباس إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال كنت أنا وأمي ممن ~~عذر الله أنا من الولدان وأمي من النساء فعلى هذه الرواية الثانية من حديث ~~ابن ms0800 عباس يكون معنى والمستضعفين إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~فإنهم ممن عذر الله في ترك القتال والولدان جمع وليد وهو الصبي الصغير ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها يعني الظالم ~~أهلها أنفسهم بالشرك لقوله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم وذلك أن المستضعفين ~~لما منعهم المشركون من الهجرة من مكة إلى المدينة دعوا الله عز وجل فقالوا ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها بالشرك واجعل لنا من لدنك ~~وليا يعني وليا يلي أمرنا واجعل لنا من لدنك نصيرا يعني يبصرنا ويمنعنا من ~~العدو فاستجاب الله دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر وهو محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولى أمرهم ونصرهم واستنقذهم من أيدي ~~المشركين يوم فتح مكة واستعمل عليهم عتاب بن أسيد وكان ابن ثمان عشرة سنة ~~فكان ينصر المظلومين على الظالمين ويأخذ للضعيف من القوي. # قوله عز وجل: الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله يعني في طاعة الله وإعلاء ~~كلمته وابتغاء مرضاته والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت يعني في طاعة ~~الشيطان فقاتلوا أولياء الشيطان أي فقاتلوا أيها المؤمنون حزب الشيطان ~~وجنوده وهم الكفار إن كيد الشيطان كان ضعيفا الكيد السعي في الفساد على جهة ~~الاحتيال ويعني بكيده ما كاد المؤمنين به من تخويفه أولياءه الكفار يوم بدر ~~وكونه ضعيفا لأنه خذل أولياءه الكفار لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر ~~وكان النصر لأولياء الله وحزبه على أولياء الشيطان وإدخال كان في قوله ~~ضعيفا لتأكيد ضعف كيد الشيطان. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): الآيات 77 الى 78] # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة ms0801 يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا (78) # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة قال ~~الكلبي نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة ~~بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة قبل أن يهاجروا فكانوا يقولون ~~يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا فيقول لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «كفوا أيديكم فإني لم أومر بقتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة» يعني قيل لهم كفوا أيديكم عن قتالهم وأدوا ما افترض عليكم من ~~الصلاة والزكاة وفيه دليل # PageV01P399 # على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد فلما كتب عليهم القتال أي ~~فرض عليهم جهاد المشركين وأمروا بالخروج إلى بدر إذا فريق منهم يعني إذا ~~جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد يخشون الناس يعني يخافون مشركي ~~مكة كخشية الله أو أشد خشية أو بمعنى الواو يعني وأشد خشية وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال يعني لم فرضت علينا الجهاد لولا أخرتنا إلى أجل قريب ~~يعني هلا تركتنا ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا والقائلون لهذا ~~القول هم المنافقون لأن هذا القول لا يليق بالمؤمنين وقيل قاله بعض ~~المؤمنين وإنما قالوا ذلك خوفا وجنبا لا اعتقادا ثم إنهم تابوا من هذا ~~القول قل أي قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل يعني أن منفعتها والاستمتاع ~~بالدنيا قليل لأنه فان زائل والآخرة يعني وثواب الآخرة خير لمن اتقى يعني ~~اتقى الشرك ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تظلمون فتيلا أي ولا ~~تنقصون من أجوركم قدر فتيل (م) عن المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه ~~وأشار يعني بالسبابة في اليم ms0802 فلينظر بم ترجع». # قوله عز وجل: أينما تكونوا يدرككم الموت نزلت في المنافقين الذين قالوا ~~في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم بهذه الآية ~~وقيل نزلت في الذين قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال فرد الله عليهم بقوله ~~تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت يعني ينزل بكم الموت فبين تعالى أنه لا ~~خلاص لهم من الموت وإذا كان لا بد لهم من الموت كان القتل في القتال في ~~سبيل الله وجهاد أعدائه أفضل من الموت على الفراش لأن الجهاد موت تحصل به ~~سعادة الآخرة ثم بين تعالى أنه لا بد لهم من الموت وأنه لا ينجي منه شيء ~~بقوله: ولو كنتم في بروج مشيدة البروج في كلام العرب الحصون والقلاع ~~والمشيدة المرفوعة المطولة وقيل هي المطلية بالشيد وهو الجص إن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله نزلت في المنافقين واليهود وذلك أن المدينة كانت ~~ذات خير وأرزاق ونعم عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ظهر نفاق ~~المنافقين وعناد اليهود أمسك الله عنهم بعض الإمساك فقال المنافقون واليهود ~~ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. ~~فقال الله تعالى وإن تصبهم يعني المنافقين واليهود حسنة أي خصب في الثمار ~~ورخص في السعر يقولوا هذه من عند الله يعني من قبل الله وإن تصبهم سيئة أي ~~جدب في الثمار وغلاء في السعر يقولوا هذه من عندك يعني من شؤم محمد وأصحابه ~~وقيل المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر وبالسيئة القتل والهزيمة يوم ~~أحد ومعنى من عندك أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا القول يكون هذا ~~إخبارا عن المنافقين خاصة قل أي قل لهم يا محمد كل من عند الله يعني الحسنة ~~والسيئة والخصب والجدب والغنيمة والهزيمة والظفر والقتل فأما الحسنة فإنعام ~~من الله وأما السيئة فابتلاء منه فمال هؤلاء القوم أي فما شأن هؤلاء القوم ~~المنافقين واليهود الذين قالوا ما قالوا لا يكادون يفقهون حديثا يعني لا ms0803 ~~يفقهون معاني القرآن وأن الأشياء كلها من الله عز وجل خيرها وشرها. قوله ~~تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 79] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # ما أصابك من حسنة يعني من خير ونعمة فمن الله يعني من فضل الله عليك ~~يتفضل به إحسانا منه إليك وما أصابك من سيئة يعني من شدة ومكروه ومشقة وأذى ~~فمن نفسك يعني فمن قبل نفسك وبذنب اكتسبته نفسك استوجبت ذلك به وفي المخاطب ~~بهذا الكلام قولان: أحدهما أنه عام وتقديره ما أصابك أيها الإنسان والثاني ~~أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به من غيره من الأمة والنبي صلى ~~الله عليه وسلم بريء لأن الله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~وقد عصمه من حين البعثة فهو معصوم فيما يستقبل حتى يموت ويدل على أن المراد ~~بهذا الخطاب غيره قوله عز وجل: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء خاطبه وحده ~~ثم جمع الكل بقوله إذا طلقتم النساء # PageV01P400 # فمعنى قوله فمن نفسك أي عقوبة لذنبك يا ابن آدم كذا قاله قتادة. وقال ~~الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك فيه وما أصابك من أمر تكرهه ~~فبذنبك عقوبة لذلك الذنب وقد تعلق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله ~~السيئة عن نفسه ونسبها إلى الإنسان بقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ولا ~~متعلق لهم بها لأنه ليس المراد من الآية حسنة الكسب من الطاعات ولا السيئة ~~المكتسبة من فعل المعاصي بل المراد من الحسنة والسيئة في هذه الآية ما يصيب ~~الإنسان من النعم والمحن وذلك ليس من فعل العبد لأنه لا يقال في الطاعة ~~والمعصية أصابني وإنما يقال أصبتها. ويقال في النعم والمحن أصابني بدليل ~~أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا فهو كقوله تعالى: # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ولما ذكر الله حسنات الكسب وسيئاته وعد عليها بالثواب ms0804 والعقاب فقال تعالى: ~~من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فبطل ~~بهذا قول القدرية وقال بعضهم لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال ما ~~أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك لأن العادة جرت بقول ~~الإنسان أصابني خير أو مكروه وأصبت حسنة أو سيئة وقيل في معنى الآية ما ~~أصابك من حسنة أي النصر والظفر يوم بدر فمن الله أي من فضل الله، وما أصابك ~~من سيئة أي من قتل وهزيمة يوم أحد فمن نفسك يعنى فبذنوب أصحابك وهو ~~مخالفتهم إياك. فإن قلت كيف وجه الجمع بين قوله تعالى قل كل من عند الله ~~وبين قوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فأضاف السيئة إلى فعل العبد في هذه ~~الآية. قلت أما إضافة الأشياء كلها إلى الله تعالى في قوله: قل كل من عند ~~الله فعلى الحقيقة لأن الله تعالى وهو خالقها وموجدها وأما إضافة السيئة ~~إلى فعل العبد فعلى المجاز تقديره وما أصابك من سيئة فمن الله بذنب نفسك ~~عقوبة لك وقيل السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب فهو كقوله تعالى: وإذا ~~مرضت فهو يشفين فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب ولا يشك عاقل أن المرض ~~هو الله تعالى وقيل هذه متصلة بما قبلها وفيه إضمار وتقديم وتأخير تقديره ~~فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ويقولون ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله وقال ابن الأنباري في ~~معنى الآية ما أصابك الله به من حسنة وما أصابك به من سيئة فالفعلان راجعان ~~إلى الله تعالى. قوله تعالى: وأرسلناك للناس رسولا يعني وأرسلناك يا محمد ~~إلى كافة الناس رسولا لتبلغهم رسالتي وما أرسلتك به ولست رسولا إلى العرب ~~خاصة كما قال بعض اليهود بل أنا رسول إلى الخلق كافة العرب وغيرهم وكفى ~~بالله شهيدا يعني على إرسالك للناس كافة فما ينبغي لأحد أن يخرج عن ms0805 طاعتك ~~واتباعك، وقيل معناه وكفى بالله شهيدا على تبليغك ما أرسلت به إلى الناس ~~وقيل معناه وكفى بالله شهيدا على أن الحسنة والسيئة من الله قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 80 الى 81] # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) ~~ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ~~ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) # من يطع الرسول فقد أطاع الله سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض ~~المنافقين ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن ~~مريم ربا فأنزل الله هذه من يطع الرسول يعني فيما أمر به ونهى عنه فقد أطاع ~~الله يعني أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى لأنه هو أمر ~~بها. وقال الحسن جعل الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته وقامت به ~~الحجة على المسلمين. وقال الشافعي: إن كل فريضة فرضها الله في كتابه كالحج ~~والصلاة والزكاة لولا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ما كنا نعرف ~~كيف نأتيها ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات وإذا كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بهذه المنزلة الشريفة كانت طاعته على الحقيقة طاعة الله ومن تولى ~~أي أعرض عن طاعته فما أرسلناك عليهم حفيظا يعني حافظا تحفظ أعمالهم # PageV01P401 # عليهم بل كل أمرهم إلى الله قال المفسرون وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال ~~ثم نسخ ذلك بآية القتال قوله تعالى: # ويقولون طاعة نزلت في المنافقين وذلك أن المنافقين كانوا يقولون باللسان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بك وصدقناك فمرنا فأمرك طاعة أي أمرنا ~~وشأننا طاعة فإذا برزوا من عندك أي خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول التبييت كل أمر يفعل بالليل يقال هذا أمر مبيت إذا دبر بليل وقضي بليل ms0806 ~~فقد بيت والمعنى أنهم قالوا وقدروا أمرا بالليل غير الذي أعطوك بالنهار من ~~الطاعة وقيل معنى بيت غير وبدل طائفة منهم غير الذي تقول يعني غير الذي ~~عهدت إليهم فعلى هذا يكون التبييت بمعنى التبديل وإنما خص طائفة من ~~المنافقين بالتبييت في قوله منهم. وكلمة من للتبعيض لأنه تعالى علم أن منهم ~~من يبقى على كفره ونفاقه ومنهم من يرجع عنه ويتوب فخص من يصر على النفاق ~~والذكر وقيل إن طائفة منهم اجتمعوا في الليل وبيتوا ذلك القول فخصهم بالذكر ~~والله يكتب أي يثبت ويحفظ عليهم ما يبيتون يعني ما يزورون ويغيرون ويقدرون ~~وقال ابن عباس يكتب ما يسرون من النفاق فأعرض عنهم أي لا تعاقبهم يا محمد ~~ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم وخلهم في ضلالتهم فأنا منتقم منهم وقيل لا ~~تغتر بإسلامهم وتوكل على الله أي فوض أمرك إلى الله في شأنهم فإن الله ~~يكفيك أمرهم وينتقم لك منهم وكفى بالله وكيلا يعني ناصرا لك عليهم قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 82 الى 83] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # أفلا يتدبرون القرآن أصل التدبر النظر في عواقب الأمور والتفكر في ~~أدبارها ثم استعمل في كل تفكر وتأمل. يقال تدبرت الشيء أي نظرت في عاقبته ~~ومعنى تدبر القرآن تأمل معانيه وتفكر في حكمه وتبصر ما فيه من الآيات. قال ~~ابن عباس: أفلا يتدبرون القرآن فيتفكرون فيه فيرون تصديق بعضه لبعض وما فيه ~~من المواعظ والذكر والأمر والنهي وأن أحدا من الخلق لا يقدر عليه قال ~~العلماء إن الله تعالى احتج بالقرآن والتدبر فيه على صحة نبوة محمد لله ~~والحجة في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها فصاحته التي عجز الخلائق عن الإتيان ~~بمثلها في أسلوبه. الثاني إخباره عن الغيوب وهو ما يطلع ms0807 الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم على أحوال المنافقين وما يخفونه من مكرهم وكيدهم ~~فيفضحهم بذلك وغير ذلك من الاخبار عن أحوال الأولين وأخبارهم وما يأتي في ~~المستقبل من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى. الثالث سلامته من ~~الاختلاف والتناقض وهو المراد بقوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا قال ابن عباس يعني تفاوتا وتناقضا وفي رواية عنه لو كان ~~من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وقيل معناه لوجدوا في إخباره عن الغيب ~~بما يكون وبما قد كان اختلافا كثيرا لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. ~~وإذا كان كذلك ثبت أنه من عند الله وأنه ليس فيه اختلاف ولا تناقض وقيل لو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا من حيث البلاغة والفصاحة ~~والمعنى لو كان من عند مخلوق لكان على قياس الكلام المخلوق بعضه فصيح بليغ ~~حسن وبعضه مردود ركيك فاسد فلما كان القرآن جميعه على منهاج واحد في ~~الفصاحة والبلاغة ثبت أنه من عند الله والمعنى أفلا يتفكرون في القرآن ~~فيعرفوا بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر به عن الغيوب أنه كلام الله عز وجل ~~وأن ما يكون من عند غير الله لا يخلو عن تناقض واختلاف فلما كان القرآن ليس ~~فيه تناقض واختلاف علم أنه من عند قادر على ما لا يقدر غيره عالم بما لا ~~يعلمه سواه. # قوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يبعث البعوث والسرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر ~~المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه ويتحدثون به قبل أن يحدث به # PageV01P402 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية: وإذا جاءهم يعني المنافقين أمر من الأمن يعني جاءهم خبر بفتح ~~وغنيمة أو الخوف يعني القتل والهزيمة أذاعوا به أي أفشوا ذلك الخبر وأشاعوه ~~بين الناس يقال أذاع السر وأذاع به إذا أشاعه ms0808 وأظهره قال الشاعر: # أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب # ولو ردوه يعني الأمر الذي تحدثوا به إلى الرسول يعني أنهم لم يتحدثوا به ~~حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتحدث به ويظهره وإلى أولي ~~الأمر منهم يعني ذوي العقول والرأي والبصيرة بالأمور منهم وهم كبار الصحابة ~~كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وقيل هم أمراء السرايا والبعوث وإنما قال منهم ~~على حسب الظاهر ولأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان فلذا قال وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي يستخرجون تدبيره بذكائهم وفطنتهم ~~وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب وما ينبغي لها ومكايدها وهم العلماء الذين ~~علموا ما ينبغي أن يكتم من الأمور وما ينبغي أن يذاع منها والنبط الماء ~~الذي يخرج من البئر أول ما تحفر واستنباطه استخراجه فاستعير لما يخرجه ~~الرجل بفضل ذكائه وصفاء ذهنه وفطنته من المعاني والتدبير فيما يعضل ويهم. # ويقال استنبط الفقيه المسألة إذا استخرجها باجتهاده وفهمه وفي الآية دليل ~~على جواز القياس وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما ~~يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما ومعنى الآية ولو أن هؤلاء المنافقين ~~والمذيعين ردوا الأمر من الأمن والخوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإلى أولي الأمر وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلموا حقيقة ذلك منهم ~~وإنهم أولي بالبحث عنه فإنهم أعلم بما ينبغي أن يشاع أو يكتم. قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته يعني ولولا فضل الله عليكم ببعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنزال القرآن ورحمته بالتوفيق والهداية لاتبعتم الشيطان ~~يعني لبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلا اختلف العلماء في هذا الاستثناء ~~وإلى ماذا يرجع فقيل هو راجع إلى الإذاعة وهو قول ابن عباس والتقدير وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا فأخرج بعض المنافقين ~~والمؤمنين عن هذه الإذاعة لأنهم لم يذيعوا ما علموا من أمر السرايا. وهذا ~~القول اختيار الفراء وابن جرير الطبري وقيل هو راجع إلى ms0809 المستنبطين وهو قول ~~الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة وتقديره لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا ~~قليلا فعلى هذين القولين في الآية تقديم وتأخير وقيل إنه راجع إلى اتباع ~~الشيطان وهو قول الضحاك. واختاره الزجاج ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما ~~يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد وتقديره ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم وهم قوم آمنوا واهتدوا قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن مثل زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن ~~نوفل وقس بن ساعدة الأيادي. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 84 الى 85] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ~~(85) # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك نزلت في مواعدة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعده ~~موسم بدر الصغرى بعد حرب أحد وذلك في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه ~~الآية فقاتل في سبيل الله يعني لا تدع جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من ~~المؤمنين لا تكلف إلا نفسك يعني لا تكلف فرض غيرك بل جاهد في سبيل الله ولو ~~وحدك فإن الله ناصرك لا الجنود وقد وعدك النصر عليهم وهو لا يخلف الميعاد ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكفاهم ~~الله القتال ورجعوا سالمين وعاتب الله من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بهذه الآية على ترك الجهاد # PageV01P403 # والخروج معه. وفي الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع ~~الناس وأعلمهم بأمور القتال ومكايده لأن الله تعالى أمره بالقتال وحده ولو ~~لم يكن ms0810 أشجع الناس لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق في قتال ~~أهل الردة من بني حنيفة الذين منعوا الزكاة فعزم على الخروج إلى قتالهم ولو ~~وحده وحرض المؤمنين يعني حضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب وليس عليك في ~~شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم عسى الله أي لعل الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا يعني لعل الله أن يمنع بأس الكفار وشدتهم وقد فعل وذلك أن أبا ~~سفيان بدا له عن القتال فلم يخرج إلى الموعد والله أشد بأسا أي أعظم صولة ~~وأشد تنكيلا يعني وأشد عذابا وعقوبة من غيره قوله عز وجل: من يشفع شفاعة ~~حسنة يكن له نصيب منها الشفاعة مأخوذة من الشفع وهو أن يصير الإنسان بنفسه ~~شفيعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة إلى المشفوع إليه فعلى هذا ~~قيل إن المراد بالشفاعة المذكورة في الآية هي شفاعة الإنسان لغيره ليجلب له ~~بشفاعته نفعا أو يخلصه من بلاء نزل به. وقيل هي الإصلاح بين الناس وقيل ~~معنى الآية من يصر شفعا لوتر أصحابك يا محمد فيشفعهم في جهاد عدوهم يكن له ~~نصيب منها أي حظ وافر من أجر شفاعته وهو ثواب الله وكرامته ومن يشفع شفاعة ~~سيئة قيل هي النميمة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس وقيل أراد ~~بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال ~~المؤمنين يكن له كفل أي ضعف وقيل نصيب منها أي من وزرها وكان الله على كل ~~شيء مقيتا قال ابن عباس يعني مقتدرا أو مجازيا وأقات على الشيء قدر عليه ~~قال الشاعر: # وذي ضغن كففت الشر عنه ... وكنت على إساءته مقيتا # يعني قادرا على الإساءة إليه وقيل معناه شاهدا أو حفيظا على الأشياء (ق) ~~عن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء رجل يسأل ~~فأقبل علينا بوجهه وقال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» ~~وفي رواية كان إذا جاءه طالب حاجة أقبل على جلسائه وقال: ms0811 «اشفعوا تؤجروا» ~~وذكره. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): الآيات 86 الى 87] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق من الله حديثا (87) # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها التحية تفعلة من حيا وأصلها من الحياة ~~ثم جعل السلام تحية لكونه خارجا عن حصول الحياة وسبب الحياة في الدنيا أو ~~في الآخرة والتحية أن يقال حياك الله أي جعل لك حياة وذلك أخبار ثم يجعل ~~دعاء وهذه اللفظة كانت العرب تقولها فلما جاء الإسلام بدل ذلك بالسلام وهو ~~المراد به في الآية يعني إذا سلم عليكم المسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم عليكم ~~به وإنما اختير لفظ السلام على لفظة حياك الله لأنه أتم وأحسن وأكمل لأن ~~معنى السلام السلامة من الآفات فإذا دعا الإنسان بطول الحياة بغير سلامة ~~كانت حياته مذمومة منغصة. وإذا كان في حياته سليما كان أتم وأكمل فلهذا ~~السبب اختير لفظ السلام أو ردوها يعني أو ردوا عليه كما سلم عليكم إن الله ~~كان على كل شيء حسيبا يعني محاسبا ومجازيا والمعنى أنه تعالى على كل شيء من ~~رد السلام بمثله أو بأحسن منه مجاز. # (فصل في فضل السلام والحث عليه) (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن ~~رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الإسلام خير قال تطعم الطعام ~~وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» قوله أي الإسلام خير معناه أي خصال ~~الإسلام خير (م) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا ~~فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» عن عبد الله بن سلام قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا # PageV01P404 # الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث صحيح عن أبي أمامة ms0812 قال: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أن نفشي السلام، أخرجه ابن ماجة. # (فصل في أحكام تتعلق بالسلام وفيه مسائل) المسألة الأولى في كيفية ~~السلام: (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله ~~تعالى آدم عليه السلام قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس ~~فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا ~~عليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال العلماء يستحب لمن يبتدئ ~~بالسلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيأتي بضمير الجمع وإن ~~كان المسلم عليه واحد ويقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي ~~بواو العطف في قوله وعليكم عن عمران بن حصين قال جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه ~~فجلس فقال عشرون فجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه ~~فجلس فقال ثلاثون» أخرجه الترمذي: وأبو داود وقال الترمذي حديث حسن وقيل ~~إذا قال المسلم السلام عليكم فيقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله فيزيده ~~ورحمة الله وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله فيقول وعليكم السلام ورحمة ~~الله وبركاته، وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيرد عليه السلام ~~بمثله ولا يزيد عليه وروي أن رجلا سلم على ابن عباس فقال: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا فقال ابن عباس أن السلام انتهى إلى البركة ~~ويستحب للمسلم أن يرفع صوته بالسلام ليسمع المسلم عليه فيجيبه ويشترط أن ~~يكون الرد على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا وكان آثما بترك الرد. # المسألة الثانية في حكم السلام: الابتداء بالسلام سنة مستحبة ليس بواجب ~~وهو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم ~~كلهم كان أفضل وأكمل قال القاضي حسين: من أصحاب الشافعي ليس لنا سنة على ~~الكفاية ms0813 إلا هذا وفيه نظر لأن تشميت العاطس سنة على الكفاية أيضا كالسلام. ~~ولو دخل على جماعة في بيت أو مجلس أو مسجد وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام» والأمر للوجوب أو يكون ذلك سنة ~~متأكدة لأن السلام من شعار أهل الإسلام فيجب إظهاره أو يتأكد استحبابه أما ~~الرد على المسلم فقد أجمع العلماء على وجوبه ويدل عليه قوله تعالى: وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها والأمر للوجوب لأن في ترك الرد ~~إهانة للمسلم فيجب ترك الإهانة فإن كان المسلم عليه واحدا وجب عليه الرد ~~وإذا كانوا جماعة كان رد السلام في حقهم فرض كفاية فلو رد واحد منهم سقط ~~فرض الرد عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا. عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم ~~أحدهم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم» أخرجه أبو داود. # المسألة الثالثة في آداب السلام: السنة أن يسلم الراكب على الماشي ~~والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير (ق) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الراكب على الماشي ~~والماشي على القاعد والقليل على الكثير» وفي رواية للبخاري قال: «يسلم ~~الصغير على الكبير، والمار على القاعد والقليل على الكثير» وإذا تلاقى ~~رجلان فالمبتدئ بالسلام هو الأفضل لما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولى الناس بالله عز وجل من بدأهم ~~بالسلام» أخرجه أبو داود والترمذي ولفظه قال قيل يا رسول الله الرجلان ~~يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال: «أولاهما بالله» قال الترمذي حديث حسن ~~ويستحب أن يبدأ بالسلام قبل الكلام والحاجة والسنة إذا مر بجماعة صبيان ~~صغار أن يسلم عليهم لما روي عن أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أخرجاه في الصحيحين وفي رواية لأبي ~~داود أن النبي ms0814 صلى الله عليه وسلم مر # PageV01P405 # على غلمان يلعبون فسلم عليهم وأما السلام على النساء فإن كن جمعا جالسات ~~في مسجد أو موضع فيستحب أن يسلم عليهن إذا لم يخف على نفسه أو عليهن فتنة ~~لما روي عن أسماء بنت يزيد قالت مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نسوة فسلم علينا أخرجه أبو داود وفي رواية الترمذي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده للتسليم قال ~~الترمذي حديث حسن وإذا مر على امرأة مفردة أجنبية فإن كانت جميلة فلا يسلم ~~عليها ولو سلم فلا ترد هي عليه لأنه لم يستحق الرد وإن كانت عجوزا لا يخاف ~~عليه ولا عليها الفتنة سلم عليها وترد هي عليه وحكم النساء مع النساء كحكم ~~الرجال مع الرجال في السلام فيسلم بعضهن على بعض. # المسألة الرابعة في الأحوال التي يكره السلام فيها: فمن ذلك الذي يبول أو ~~يتغوط أو يجامع ونحو ذلك لا يسلم عليه فلو سلم فلا يستحق المسلم جوابا لما ~~روي عن ابن عمر: «أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم عليه ~~فلم يرد عليه» أخرجه مسلم قال الترمذي إنما يكره إذا كان على الغائط أو ~~البول ويكره التسليم على من في الحمام وقيل إن كانوا متزرين بالمآزر سلم ~~عليهم وإلا فلا، ويكره التسليم على النائم والناعس والمصلي والمؤذن والتالي ~~في حال الصلاة والأذان والتلاوة ويكره الابتداء بالسلام في حال الخطبة لأن ~~الجالسين مأمورون بالإنصات للخطبة ويكره أن يبدأ المبتدع بالتسليم عليه ~~وكذلك المعلن بفسق وكذلك الظلمة ونحوهم فلا يسلم على هؤلاء. # المسألة الخامسة في حكم السلام على أهل الذمة: اليهود والنصارى: اختلف ~~العلماء فيه فذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال بعضهم إنه ~~ليس بحرام بل هو مكروه كراهة تنزيه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ~~وإذا لقيتم ms0815 أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» أخرجه مسلم وإذا سلم يهودي أو ~~نصراني على مسلم فيرد عليه ويقول عليك بغير واو العطف، لما روي عن أنس أن ~~يهوديا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال السلام عليكم ~~فرد عليه القول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما قال؟ ~~قالوا الله ورسوله أعلم سلم يا نبي الله قال لا ولكنه قال كذا وكذا ردوه ~~على فردوه فقال: قلت السلام عليكم قال: نعم يا نبي الله فقال صلى الله عليه ~~وسلم عند ذلك إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك أي عليك ما قلت» ~~أخرجه الترمذي فلو أتى بواو العطف وميم الجمع فقال عليكم جاز لأنا نجاب ~~عليهم في الدعاء ولا يجابون علينا ويدل على ذلك ما روي عن جابر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مر عليه ناس من اليهود، فقالوا السام عليك يا أبا ~~القاسم فقال: «وعليكم» فقالت عائشة وغضبت ألم تسمع ما قالوا؟ قال بلى قد ~~سمعت فرددت عليهم وأنا نجاب عليهم ولا يجيبون علينا أخرجه مسلم وإذا مر ~~المسلم على جماعة فيهم مسلمون ويهود ونصارى يسلم عليهم ويقصد بتسليمه ~~المسلمين لما روي عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ~~مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلم عليهم أخرجه الترمذي. # قوله عز وجل: الله لا إله إلا هو ليجمعنكم هذه لام القسم تقديره والله ~~الذي لا إله إلا هو ليجمعنكم الله في الموت وفي القبور إلى يوم القيامة ~~يعني إلى يوم الحشر والبعث سميت القيامة لقيام الناس من قبورهم بعد الموت ~~وقيل لقيامهم للحساب نزلت هذه الآية في منكري البعث لا ريب فيه يعني لا شك ~~في ذلك اليوم أنه كائن ومن أصدق من الله حديثا يعني لا أحد أصدق من الله ~~فإنه لا يخلف الميعاد ولا يجوز عليه الكذب والمعنى أن القيامة كائنة لا شك ~~فيها ولا ريب. قوله عز وجل: ### || [سورة النساء ms0816 (4): آية 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # فما لكم في المنافقين فئتين اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقيل نزلت في ~~الذين تخلفوا يوم أحد من # PageV01P406 # المنافقين فلما رجعوا قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقتلهم يا رسول الله فإنهم منافقون وقال بعضهم أعف ~~عنهم فإنهم قد تكلموا بكلمة الإسلام (ق) عن زيد بن ثابت قال لما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه فكان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين قالت فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم ~~فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ~~طيبة تنفي الرجال كما ينفي الكير خبث الحديد وقيل نزلت في قوم خرجوا إلى ~~المدينة وأسلموا ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى ~~مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة فاختلف المسلمون ~~فيهم فقائل يقول هم منافقون وقائل يقول هم مؤمنون وقيل نزلت في ناس من قريش ~~قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين فلما بعدوا ~~عن المدينة كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا على الذي فارقناك ~~عليه من الإيمان ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا إلى أرضنا ثم إنهم خرجوا في ~~تجارة إلى الشأم فبلغ ذلك المسلمين فقال بعضهم تخرج إليهم ونقتلهم ونأخذ ما ~~معهم لأنهم رغبوا في ديننا وقالت طائفة منهم كيف تقتلون قوما على دينكم وإن ~~لم يذروا ديارهم. وكان هذا بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ~~ينهي أحد الفريقين فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم ~~يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين وقيل نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ~~المنافق لما تكلم في حديث الإفك. ومعنى الآية فما لكم يا معشر المؤمنين ms0817 في ~~المنافقين فئتين أي صرتم في أمرهم فرقتين فرقة تذب عنهم وفرقة تباينهم ~~وتعاديهم فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعا أن يكونوا ~~على منهاج واحد في التباين لهم والتبري منهم ثم أخبر عن كفرهم بقوله والله ~~أركسهم يعني نكسهم في كفرهم وارتدادهم وردهم إلى أحكام الكفار بما كسبوا أي ~~بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة وقيل بما أظهروا من الارتداد بعد ما ~~كانوا على النفاق أتريدون أن تهدوا من أضل الله هذا خطاب للفئة التي دافعت ~~عن المنافقين والمعنى أتبتغون أيها المؤمنون هداية هؤلاء المنافقين الذين ~~أصلهم الله عن الهدى ومن يضلل الله يعني عن الهدى فلن تجد له سبيلا يعني ~~فلن تجد له طريقا تهديه فيها إلى الحق والهدى. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 89 الى 90] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا (90) # ودوا يعني تمنى أولئك الذين رجعوا عن الإيمان إلى الارتداد والكفر لو ~~تكفرون يعني تكفرون أنتم يا معشر المؤمنين كما كفروا فتكونون سواء في الكفر ~~فلا تتخذوا منهم أولياء يعني من الكفار منع المؤمنين من موالاتهم حتى ~~يهاجروا يعني يسلموا أو يهاجروا في سبيل الله معكم وهي هجرة أخرى والهجرة ~~على ثلاثة أوجه: الأولى هجرة المؤمنين في أول الإسلام من مكة إلى المدينة. ~~الثانية هجرة المؤمنين وهي الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل ~~الله مخلصين صابرين محتبسين كما حكي الله عنهم وفي هذه الآية منع المؤمنين ~~من موالاة المنافقين حتى يهاجروا والهجرة الثالثة هجرة المؤمنين ما نهي ~~الله عنه بقوله فإن تولوا يعني فإن أعرضوا عن الإسلام والهجرة واختاروا ~~الإقامة على الكفر ms0818 فخذوهم الخطاب للمؤمنين أي خذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم يعني إن وجدتموهم في الحل والحرم ولا تتخذوا منهم وليا يعني ~~في هذه الحالة ولا نصيرا يعني ينصركم على أعدائكم لأنهم أعداء ثم استثنى ~~الله عز وجل طائفة منهم فقال تعالى: إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق هذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى الموالاة الكفار # PageV01P407 # والمنافقين لا تجوز بحال ومعنى يصلون ينتسبون إليهم أو ينتمون إليهم أو ~~يدخلون معهم بالحلف والجوار. وقال ابن عباس يريد يلجئون إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق أي عهد وهم الأسلميون وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين ~~عليه ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم الجوار مثل ما لهلال. ~~وفي رواية عن ابن عباس قال: أراد بالقوم الذي بينكم وبينهم ميثاق بني بكر ~~بن مناة كانوا في الصلح والهدنة. وقيل هم خزاعة والمعنى أن من دخل في عهد ~~من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم أو جاؤكم حصرت صدورهم ~~يحتمل أن يكون عطفا على الذين وتقديره إلا الذين يتصلون بالمعاهدين أو ~~يتصلون بالذين حصرت صدورهم فلا تقتلوهم وقيل يحتمل أن يكون عطفا على صفة ~~قوم تقديره إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد أو يصلون إلى قوم ~~حصرت صدورهم فلا تقتلوهم ومعنى حصرت أي ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون ~~قتالكم لأنكم مسلمون ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم وهم بنو مدلج وكانوا ~~عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم أن يقاتلوكم ~~يعني ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم أو يقاتلوا قومهم يعني ~~من آمن منهم وقيل معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم ~~فقد ضاقت صدورهم لذلك عن قتالكم والقتال معكم وهم قوم هلال الأسلميون وبنو ~~بكر نهى الله عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد المسلمين لأن من ~~انضم ms0819 إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم وذلك أن الله تعالى أوجب قتال ~~الكفار إلا من كان معاهدا أو لجأ إلى معاهد أو ترك القتال لأنه لا يجوز قتل ~~هؤلاء وعلى هذا القول فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فقتاله ~~جائز وقال جماعة من المفسرين معاهدة المشركين وموادعتهم في هذه الآية ~~منسوخة بآية السيف وذلك لأن الله تعالى لما أعز الإسلام وأهله أمر أن لا ~~يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم يذكر الله تعالى منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين وذلك لما ~~ألقى الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن قتالكم ومعنى التسليط هنا تقوية قلوبهم ~~على قتال المسلمين ولكن قذف الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن المسلمين فإن ~~اعتزلوكم يعني فإن اعتزلوكم عن قتالكم فلم يقاتلوكم: ويقال فلم يقاتلوكم ~~يوم فتح مكة مع قومهم وألقوا إليكم السلم يعني الانقياد والصلح فانقادوا ~~واستسلموا فما جعل الله لكم عليهم سبيلا يعني بالقتل والقتال قال بعض ~~المفسرين هذا منسوخ بآية القتال وهي قوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وقال بعضهم هي غير منسوخة لأنا إذا حملناها على المعاهدين فكيف ~~يمكن أن يقال إنها منسوخة. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # ستجدون آخرين قال ابن عباس: هم أسد وغطفان كانوا من حاضري المدينة ~~فتكلموا بكلمة الإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه ~~بماذا آمنت يقول آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء وإذا لقوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من ~~الفريقين وفي رواية أخرى عن ابن عباس إنها نزلت في بني عبد الدار وكانوا ~~بهذه الصفة يريدون أن يأمنوكم يعني يريدون بإظهار الإيمان أن يأمنوكم فلا ~~تتعرضوا لهم ms0820 ويأمنوا قومهم يعني بإظهار الكفر لهم فلا يتعرضوا لهم كلما ~~ردوا إلى الفتنة يعني كلما دعوا إلى الشرك أركسوا فيها رجعوا إلى الشرك ~~وقادوا إليه منكوسين على رؤوسهم فيه فإن لم يعتزلوكم يعني فإن لم يكفوا عن ~~قتالكم حتى يسيروا إلى مكة ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم أي ولم # PageV01P408 # يلقوا الصلح ولم يكفوا عن قتالكم فخذوهم يعني أسرى واقتلوهم حيث ثقفتموهم ~~يعني حيث أدركتموهم وأولئكم يعني أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم سلطانا ~~مبينا يعني حجة ظاهرة بالقتل والقتال وقيل الحجة الواضحة هي ظهور عداوتهم ~~وانكشاف حالهم بالكفر والعداوة. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): آية 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة ~~المخزومي وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة ~~فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى المدينة وتحصن في أطم من ~~آطامها والأطم الحصن فجزعت أمه لذلك جزعا شديدا، وقالت لابنها الحارث وأبي ~~جهل ابني هشام وهما أخوا عياش بن أبي ربيعة لأمه والله لا يظلني سقف ولا ~~أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتيان به فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن ~~زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة فأتوا عياشا وهو في الأطم فقالوا: أنزل ~~فإن أمك لم يؤوها سقف بعدك وقد حلفت لا تأكل ولا تشرب حتى ترجع إليها ولك ~~عهد تالله علينا أن لا نكرهك على شيء يحول بينك وبين دينك. فلما ذكروا له ~~جزع أمه وأوثقوه بنسعة وجلده كل واحد منهم مائة جلدة ثم قدموا به على أمه ms0821 ~~فلما أتاها قالت لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ثم تركوه موثقا ~~في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا ~~عياش أهذا الذي كنت عليه لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد ~~كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال والله لألقاك خاليا إلا قتلتك ثم إن ~~عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر وأسلم الحارث بن زيد من بعده وهاجر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينا عياش ~~يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله فقال لهم ناس: ويحك يا عياش أي شيء ~~صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول ~~الله إنه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى ~~قتلته فنزل وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومعنى الآية وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا البتة وما كان له سبب جواز قتله وقيل معناه ما كان له ذلك ~~فيما أتاه من ربه وعهد إليه ففيه تحريم قتل المؤمن من كل وجه وقوله تعالى ~~إلا خطأ استثناء منقطع معناه لكن إن وقع خطأ فتحرير رقبة. وقيل معناه ما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطئ المؤمن فكفارة خطئه ما ذكر من ~~بعد والخطأ فعل الشيء من غير قصد وتعمد ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة يعني فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة ودية مسلمة إلى أهله أي وعليه دية ~~كاملة مسلمة إلى أهل القتيل الذين يرثونه إلا أن يصدقوا يعني إلا أن يتصدق ~~أهل القتيل على القاتل بالدية ويعفو عنه فإن كان يعني المقتول من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة أراد أنه إذا كان رجل مسلم في دار الحرب ~~وهو منفرد مع قوم كفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية عليه الكفارة وقيل ~~المراد منه إنه إذا كان المقتول مسلما ms0822 في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار ~~وأهله الذين يرثونه في دار الحرب وهم حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية ~~لأهله وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين فكان فيه الكفارة تحرير ~~رقبة مؤمنة دون الدية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد وإن كان من ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق أي عهد فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة يعني ~~أنه إذا كان المقتول كافرا معاهدا أو ذميا فتجب فيه الدية والكفارة فمن لم ~~يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين أي فعليه صيام شهرين متتابعين بدلا عن ~~الرقبة توبة من الله # PageV01P409 # يعني جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ وكان الله عليما يعني بمن قتل خطأ ~~حكيما يعني فيما حكم به عليه من الدية والكفارة. # (فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: في بيان صفة ~~القتل: قال الشافعي: القتل على ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، أما العمد ~~المحض فهو أن يقصد قتل إنسان بما يقتل به غالبا فقتل به ففيه القصاص عند ~~وجود التكافؤ أو دية حالة مغلظة في مال القاتل. وأما شبه العمد فهو أن يقصد ~~ضرب إنسان بما لا يقتل بمثله غالبا مثل أن ضربه بعصا خفيفة أو رماه بحجر ~~صغير فمات فلا قصاص عليه وتجب عليه دية مغلظة على عائلته مؤجلة إلى ثلاث ~~سنين. # وأما الخطأ المحض فهو أن لا يقصد قتله بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه ~~فلا قصاص عليه وتجب فيه دية مخففة على عاقلته مؤجلا إلى ثلاث سنين ومن صور ~~قتل الخطأ أن يقصد رمي مشرك أو كافر فيصيب مسلما أو يقصد قتل إنسان يظنه ~~مشركا بأن كان عليه لباس المشركين أو شعارهم فالصورة الأولى خطأ في الفعل ~~والثانية خطأ في القصد. # المسألة الثانية: في حكم الديات: فدية الحر المسلم مائة من الإبل فإذا ~~عدمت الإبل فتجب قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول وفي قول بدل مقدر ~~وهو ألف دينار أو اثنا ألف درهم ويدل على ذلك ms0823 ما روي عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص. قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة ~~دينار أو ثمانية آلاف درهم قال وكانت دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من ~~دية المسلم فكانت كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال إن الإبل قد غلت ~~فقرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى ~~أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة ~~قال: وترك دية أهل الكتاب فلم يرفعها فيما رفع من الدية أخرجه أبو داود ~~فذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل وألف دينار أو اثنا عشر ألف ~~درهم وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري وبه قال والشافعي وذهب قوم إلى ~~أنها من الإبل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وهو قول سفيان الثوري وأصحاب ~~الرأي ودية المرأة نصف دية الذكر الحر ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية ~~المسلم إن كان كتابيا وإن كان مجوسيا فخمس الثلث ثمانمائة درهم وهو قول ~~سعيد بن المسيب. # وإليه ذهب الشافعي وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم ~~روي ذلك عن ابن مسعود وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وقال قوم دية ~~الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد والأصل ~~في ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: دية المعاهد نصف دية الحر أخرجه أبو داود وعنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى أخرجه ~~النسائي فمن ذهب إلى أن دية أهل الذمة ثلث دية المسلم أجاب عن هذا الحديث ~~بأن الأصل في ذلك كان النصف ثم رفعت زمن عمر دية المسلم، ولم ترفع دية ~~الذمي فبقيت على أصلها وهو قدر الثلث من دية المسلمين والدية في قتل العمد ~~وشبه العمد ms0824 مغلظة فتجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون في بطونها أولادها. ~~وهذا قول عمر وزيد بن ثابت وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي لما روي عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل متعمدا ~~دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي وثلاثون ~~حقه ثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد العقل. ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال: «ألا ~~وإن قتيل العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل أربعون ثنية إلى بازل ~~عامها كلهن خلفة» وفي رواية أخرى ألا إن كل قتيل خطأ العمد أو شبه العمد ~~قتيل السوط والعصا مائة من الإبل فيها أربعون في بطونها أولادها أخرجه # PageV01P410 # النسائي وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع خمس وعشرون بنت مخاض وخمس ~~وعشرون بنت لبون وخمس عشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهذا قول الزهري وربيعة ~~وإليه ذهب مالك وأحمد وأصحاب الرأي. وأما دية الخطأ فمخففة وهي أخماس ~~بالاتفاق غير أنهم اختلفوا في تقسيمها فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض ~~وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وهذا قول عمر بن ~~عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة وبه قال مالك والشافعي وأبدل ~~قوم أبناء اللبون ببنات المخاض يرون ذلك عن ابن مسعود وبه قال أحمد وأصحاب ~~الرأي والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة وهم العصيات من الذكور ~~ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها على ~~العاقلة ودية الأعضاء والأطراف حكمها مبين في كتب الفقه ودية أعضاء المرأة ~~على النصف من دية أعضاء الرجل والله أعلم. # المسألة الثالثة: في حكم الكفارة: الكفارة إعتاق رقبة مؤمنة وتجب في مال ~~القاتل سواء كان المقتول مسلما أو معاهدا رجلا كان أو امرأة ms0825 حرا كان أو ~~عبدا فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فالقاتل إن كان واجدا ~~للرقبة أو قادرا على تحصيلها بوجود الثمن فاضلا عن نفقته ونفقة عياله ~~وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق. ولا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم فمن ~~عجز عن الرقبة أو عن تحصيل ثمنها فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر يوما ~~متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية أو نوى صوما آخر وجب عليه استئناف ~~الشهرين وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر هل ينقطع التابع؟ اختلف العلماء فيه ~~فمنهم من قال ينقطع التتابع وعليه استئناف الشهرين وهو قول النخعي وأظهر ~~قولي الشافعي لأنه أفطر مختارا. ومنهم من قال لا ينقطع التتابع وعليه أن ~~يبني وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي ولو حاضت المرأة في خلال ~~الشهرين فطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع فإذا طهرت بنت لأنه أمر كتبه ~~الله على النساء ولا يمكن الاحتراز عنه فإن عجز عن الصوم فهل ينتقل عنه إلى ~~الإطعام فيطعم ستين مسكينا ففيه قولان: أحدهما أنه ينتقل إلى الإطعام كما ~~في كفارة الظهار. # والثاني لا ينتقل لأن الله تعالى لم يذكر له بدلا فقال فصيام شهرين ~~متتابعين توبة من الله فنص على الصوم وجعل ذلك عقوبة لقتل الخطأ والله ~~أعلم. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وكان ~~قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ~~من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن ~~علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى أخيه مقيس فيقتص منه وأنت لم ~~تعلموه ادفعوا إليه ديته فبلغهم الفهري ذلك فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله ~~ما ms0826 نعلم له قاتلا ولكن نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل فانصرفا راجعين ~~نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال له: تقبل دية أخيك لتكون ~~عليك سبة أقتل الفهري الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية فتغفل الفهري ~~فرماه بصخرة فقتله ثم ركب بعيرا من الإبل وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا ~~وقال في ذلك: # قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب قارع # وأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأصنام أول راجع # فنزلت فيه ومن يقتل مؤمنا متعمدا يعني قاصدا لقتله فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها يعني بكفره وارتداده وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~فتح مكة عمن أمنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة وغضب الله عليه ~~يعني # PageV01P411 # لأجل كفره وقتله المؤمن متعمدا ولعنه يعني وطرده عن رحمته وأعد له عذابا ~~عظيما اختلف العلماء في حكم هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل ~~مؤمنا متعمدا توبة؟ أم لا فروي عن سعيد بن جبير قال قالت لابن عباس ألمن ~~قتل مؤمنا متعمدا من توبة قال لا؟ فتلوت عليه الآية التي في الفرقان والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر: «ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق» ~~إلى آخر الآية قال هذه آية مكية نسختها آية مدنية، ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم وفي رواية قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلت إلى ابن ~~عباس قال نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وفي رواية أخرى. قال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية بالمدينة والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله مهانا ~~فقال المشركون وما يعني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي ~~حرم الله وأتينا الفواحش فأنزل الله تعالى: إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا إلى آخر الآية زاد في رواية فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا ~~توبة له أخرجاه في الصحيحين. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله ms0827 تعالى عنه ~~أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس ~~تكاثف الوعيد فيها وقال ابن مسعود إنها محكمة وما تزداد إلا شدة وعن خارجة ~~بن زيد قال سمعت زبيد بن ثابت يقول أنزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها بعد التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله بالحق بستة أشهر. أخرجه أبو داود ~~والنسائي وزاد النسائي في رواية أشهر بثمانية أشهر. وقال زيد بن ثابت لما ~~نزلت هذه الآية التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر عجبنا من ~~لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد ~~بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة آية الفرقان. وذهب ~~الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة واختلفوا في ~~ناسخها. فقال بعضهم نسختها التي في الفرقان وليس هذا القول بالقوي لأن آية ~~الفرقان نزلت قبل آية النساء والمتقدم لا ينسخ المتأخر وذهب جمهور من قال ~~بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا وهي قوله تعالى: إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وأجاب من ذهب إلى أنها ~~منسوخة عن حديث ابن عباس المتقدم المخرج في الصحيحين بأن هذه الآية خبر عن ~~وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية والنسخ لا يدخل الإخبار ~~ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ لكن الجمع بين الآيتين ممكن، بحيث لا يكون ~~بينهما تعارض، وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان فيكون ~~المعنى فجزاؤه جهنم إلا من تاب وقال بعضهم ما ورد عن ابن عباس إنما هو على ~~سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل فهو كما روي عن سفيان بن عيينة ~~أنه قال إن لم يقتل يقال له لا توبة لك وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له ~~لك توبة وقيل إنه قد روي ms0828 عن ابن عباس مثله وروي عنه أيضا أن توبته تقبل وهو ~~قول أهل السنة ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقوله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا وأما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال جاء أعرابي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك ~~بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك به شيئا دخل النار» أخرجه مسلم (ق) عن ~~عبادة بن الصامت قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تبايعوني ~~على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق وفي رواية ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه ~~بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن ~~أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء ~~عذبة فبايعناه على ذلك. # (فصل) وقد تعلقت المعتزلة والوعيدية بهذه الآية لصحة مذهبهم على أن ~~الفاسق يخلد في النار وأجاب علماء بأن الآية نزلت في كافر قتل مسلما وهو ~~مقيس بن صبابة فتكون الآية على هذا مخصوصة. وقيل هذا الوعيد لمن قتل # PageV01P412 # مسلما مستحلا لقتله ومن استحل قتل مسلم كان كافرا وهو مخلد في النار بسبب ~~كفره وعن أبي مجلز في قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم. قال: ~~هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل أخرجه أبو داود. وقيل إن ~~الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه دوام الحالة التي هو عليها ويدل عليه قول ~~العرب للأيام خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها وإذا ذكر الخلود في حق ~~الكفار قرنه بذكر التأبيد كقوله خالدين فيها أبدا فإذا قرن الخلود بهذه ~~اللفظة علم أن المراد منه الدوام الذي لا ينقطع إذا ثبت هذا كان معنى ~~الخلود المذكور في الآية أن الله تعالى يعذب قاتل ms0829 المؤمن عمدا في النار إلى ~~حيث يشاء الله ثم يخرجه منها بفضل رحمته كرمه. فإنه قد ثبت في أحاديث ~~الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار وقيل إن قاتل المؤمن عمدا ~~عدوانا إذا تاب قبلت توبته بدليل قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ولأن الكفر أعظم من هذا القتل وتوبة الكافر من كفره مقبولة بدليل قوله: قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإذا كانت التوبة من الكفر ~~مقبولة فلأن تقبل من القاتل أولى والله أعلم. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية قال ابن عباس: ~~نزلت في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك وكان من أهل فدك لم ~~يسلم من قومه غيره فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم وكان ~~على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا منه، وأقام ذلك الرجل ~~المسلم فلما رأى الخيل خاف أن لا يكونوا مسلمين فألجأ غنمه إلى عاقول من ~~الجبل وصعد هو الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فعرف أنهم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول لا إله إلا الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله واستاق غنمه ثم ~~رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر فوجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقتلتموه إرادة ما معه؟ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أسامة بن زيد هذه الآية فقال أسامة استغفر لي يا رسول ms0830 الله فقال ~~كيف أنت بلا إله إلا الله؟ يقولها ثلاث مرات قال أسامة فما زال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # أعتق رقبة وروى أبو ظبيان عن أسامة قال: قلت يا رسول الله إنما قالها ~~خوفا من السلاح فقال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا؟ وفي ~~رواية عن ابن عباس قال مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه غنم فسلم عليهم، فقالوا إنما سلم عليكم ليتعوذ منكم ~~فقاموا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ~~يعني إذا سافرتم إلى الجهاد فتبينوا من البيان يقال تبينت الأمر إذا تأملته ~~قبل الإقدام عليه وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف العجلة والمعنى فقفوا ~~وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة الأمر الذي تقدمون عليه ~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام يعني التحية يعني لا تقوموا لمن حياكم ~~بهذه التحية أنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن ~~كفوا عنه وأقبلوا منه ما أظهره لكم وقرئ السلم بفتح السين من غير ألف ~~ومعناه الاستسلام والانقياد أي استسلم وانقاد لكم وقال لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله وقيل السلام والسلم بمعنى واحد أي لا تقولوا لمن سلم عليكم ~~لست مؤمنا يعني لست من أهل الإيمان فتقتلوه بذلك قال العلماء: إذا رأى ~~الغزاة في بلد أو قرية أو حي من العرب شعار الإسلام يجب أن يكفوا عنهم ولا ~~يغيروا عليهم لما روي عن عصام المزني قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا ~~أحد # PageV01P413 # أخرجه أبو داود والترمذي: وقال أكثر الفقهاء لو قال اليهودي أو ms0831 النصراني ~~أنا مؤمن لا يحكم بإيمانه لأنه يدعي أن الذي هو عليه إيمان ولو قال لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله فعند بعض العلماء لا يحكم حتى يتبرأ من دينه الذي ~~كان عليه ويعترف أنه دين باطل وذلك لأن بعض اليهود يزعم أن محمدا رسول إلى ~~العرب خاصة لا أنه رسول إلى كافة الخلق فإذا اعترف أنه رسول إلى كافة الخلق ~~وأن كان عليه من التهود أو التنصر باطل صح إسلامه وحكم بصحته وقوله تعالى: ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا يعني تطلبون الغنيمة التي هي من حطام الدنيا ~~سريعة النفاد والذهاب وعرض الدنيا منافعها ومتاعها فعند الله مغانم كثيرة ~~أي غنائم كثيرة من رزقه يغنمكوها يغنيكم بها عن قتل من يظهر الإسلام ويتعوذ ~~به. وقيل معناه فعند الله ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن كذلك كنتم من قبل ~~يعني كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلتم له لست مؤمنا فقتلتموه كنتم ~~أنتم من قبل يعني من قبل أن يعز الله دينه كنتم تستخفون أنتم بدينكم كما ~~استخفى هذا الذي قتلتموه بدينه من قومه حذرا على نفسه منهم، وقيل معناه ~~كذلك كنتم تأمنون في قومكم بهذه الكلمة فلا تحقروا من قالها ولا تقتلوه ~~وقيل معناه كذلك كنتم من قبل مشركين فمن الله عليكم يعني بالإسلام والهداية ~~فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله وقيل معناه من عليكم بإعلان الإسلام بعد ~~الاختفاء، وقيل من عليكم بالتوبة فتبينوا أي ولا تعجلوا بقتل مؤمن وهو ~~تأكيد للأمر بالتبين إن الله كان بما تعملون خبيرا يعني فلا تتهاونوا في ~~القتل وكونوا متحرزين من ذلك محتاطين فيه. # قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 95] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم الآية (خ) عن ms0832 زيد بن ثابت قال: «أملى علي النبي صلى الله ~~عليه وسلم»: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: والله ~~يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله عز وجل على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ثم ~~سري عنه فأنزل الله عز وجل غير أولى الضرر (ق) عن البراء بن عازب: لما نزلت ~~لا يستوي القاعدون من المؤمنين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فجاء ~~بكتف فكتبها وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر» وفي رواية أخرى: «لما نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ادعوا فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف ~~فقال اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله وخلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله أنا ضرير فنزلت ~~مكانها لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله هذه الرواية الثانية أخرجها ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، وأضافها ~~إلى البخاري ومسلم ولم أجدها في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي. وفي هذه ~~الآية فضل الجهاد في سبيل الله والحث عليه فقوله تعالى: لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين يعني لا يعدل المختلفون عن الجهاد في سبيل الله من المؤمنين ~~المجاهدين في سبيل الله غير أولى الضرر يعني أولى الزمانة والضعف في البدن ~~والبصر فإنهم يساوون المجاهدين لأن العذر أقعدهم عن الجهاد (م) عن جابر ~~قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا ~~معكم حبسهم المرض» (خ) عن أنس قال: «رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال إن أقواما خلفنا بالمدينة ما ms0833 سلكنا # PageV01P414 # شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر» (خ) عن ابن عباس قال لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إليها. # وقوله تعالى: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~يعني فضيلة في الآخرة قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هنا أولي الضرر فضل ~~الله المجاهدين على أولي الضرر درجة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله ~~مع النية وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد فنزلوا عن المجاهدين ~~درجة وكلا يعني كلا من المجاهدين والقاعدين وعد الله الحسنى يعني الجنة ~~بإيمانهم وفضل الله المجاهدين يعني في سبيل الله على القاعدين يعني الذين ~~لا عذر لهم ولا ضرر أجرا عظيما يعني ثوابا جزيلا. ثم فسر ذلك الأجر العظيم ~~فقال تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 96] # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # درجات منه قال قتادة: كان يقال للإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة ~~الجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة، وقال ابن زيد الدرجات هي سبع ~~وهي التي ذكرها الله في سورة براءة حين قال: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا ~~نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى قوله: ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم وقال ~~ابن محيريز الدرجات سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس الجواد المضمر ~~سبعين سنة (م) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة فتعجب لها ~~أبو سعيد فقال أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال وأخرى يرفع الله ~~بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال ~~وما هي يا رسول الله؟ قال الجهاد في سبيل الله» (خ) عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة وصام رمضان وحج كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله ~~أو جلس في أرضه التي ولد ms0834 فيها فقالوا أولا نبشر الناس بقولك؟ فقال إن في ~~الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما ~~بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى فإنه أوسط الجنة ~~وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» فإن قلت قد ذكر الله ~~عز وجل في الآية الأولى درجة واحدة وذكر في هذه الآية درجات فما وجه الحكمة ~~في ذلك؟ قلت أما الدرجة الأولى فلتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضرر ~~والعذر. وأما الثانية فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر ولا عذر ~~فضلوا عليهم بدرجات كثيرة وقيل يحتمل أن تكون الدرجة الأولى درجة المدح ~~والتعظيم والدرجات درجات الجنة ومنازلها كما في الحديث والله أعلم. # قوله تعالى: ومغفرة يعني لذنوبهم يسترها ويصفح عنها ورحمة يعني رأفة بهم ~~وكان الله غفورا يعني لذنوب عباده المؤمنين رحيما يعني بهم يتفضل عليهم ~~برحمته ومغفرته عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه ~~عز وجل قال: قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيل الله ابتغاء ~~مرضاتي ضمنت له إن أرجعته أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته غفرت ~~له ورحمته» أخرجه النسائي. # (فصل) اعلم أن الجهاد ينقسم إلى: فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين أن يدخل ~~العدو دار قوم من المؤمنين وبلادهم فيجب على كل مكلف من الرجال ممن لا عذر ~~له ولا ضرر به من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم دفعا عن أنفسهم وعن ~~أهليهم وجيرانهم وسواء في ذلك الحر والعبد والغني والفقير فيجب على الكافة ~~وهو في حق من بعد عنهم من المسلمين فرض كفاية فإن لم تقع الكفاية بمن نزل ~~بهم العدو فتجب مساعدتهم على من # PageV01P415 # قرب منهم من المسلمين أو بعد عنهم، وإن وقعت الكفاية بالمنزول بهم فلا ~~فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختبار ولا يدخل في هذا الفرض يعني فرض ~~الكفاية الفقراء والعبيد، وإذا كان الكفار قادرين في بلادهم فعلى الإمام أن ~~لا يخلي ms0835 كل سنة من غزاة يغزوهم فيها إما بنفسه أو سراياه حتى لا يبطل ~~الجهاد والاختبار. والمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره لا يقعد عنه ولكن ~~لا يفرض عليه لأن الله تعالى وعد المجاهدين والقاعدين الثواب بقوله: وكلا ~~وعد الله الحسنى ولو كان فرضا على الكافة لاستحق القاعدون عن الجهاد العقاب ~~لا الثواب والله أعلم. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 97 الى 98] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية نزلت في أناس تكلموا ~~بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن ~~المغيرة وأشباههما فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية إن الذين توفاهم الملائكة يعني ملك الموت ~~وأعوانه وهم ستة: # ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار. وقيل ~~أراد به ملك الموت وحده وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كما يخاطب ~~الواحد بلفظ الجمع وفي التوفي هنا قولان: أحدهما أنه قبض أرواحهم. الثاني ~~حشرهم إلى النار فعلى القول الثاني يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين ~~يلون تعذيب الكفار «ظالمي أنفسهم» يعني بالشرك وقيل بالمقام في دار الشرك ~~وذلك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام من أحد بعد هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى يهاجر إليه ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» أخرجاه في الصحيحين وقيل ظالمي أنفسهم ~~بخروجهم مع المشركين يوم بدر وتكثير سوادهم حتى قتلوا معهم فضربت الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم قالوا فيم كنتم سؤال توبيخ وتقريع يعني قالت الملائكة: ~~لهؤلاء الذين قتلوا في أي الفريقين كنتم أفي فريق المسلمين أم في فريق ~~المشركين فاعتذروا بالضعف عن مقاومة المشركين وهو قوله تعالى ms0836 إخبارا عنهم: ~~قالوا كنا مستضعفين يعني عاجزين في الأرض يعني في أرض مكة قالوا يعني قال ~~لهم الملائكة ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها يعني إلى المدينة ~~وتخرجوا من بين أظهر المشركين فأكذبهم الله في قولهم كنا مستضعفين وأعلمنا ~~بكذبهم فأولئك يعني من هذه صفتهم مأواهم يعني منزلهم جهنم وساءت مصيرا يعني ~~بئس المصير مصيرهم إلى جهنم ثم استثنى أهل الهذر ومن علم ضعفه منهم فقال ~~تعالى: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة يعني ~~لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ولا قوة لهم على الخروج من مكة ولا يهتدون ~~سبيلا يعني ولا يعرفون طريقا يسلكونه من مكة إلى المدينة. ### || [سورة النساء (4): الآيات 99 الى 100] # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في ~~سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ~~(100) # فأولئك يعني المستضعفين وأهل الأعذار عسى الله أن يعفو عنهم يعني يتجاوز ~~عنهم بفضله وإحسانه وعسى من الله واجب لأنه إطماع وترج والله تعالى إذا ~~أطمع عبدا وصله وكان الله عفوا غفورا قال ابن عباس كنت أنا وأمي ممن عذر ~~الله يعني من المستضعفين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء ~~المستضعفين في الصلاة # PageV01P416 # (ق) عن أبي هريرة قال لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من ~~الركعة الثانية قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ~~أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم ~~سنين كسني يوسف. قوله عز وجل: ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة قال الزجاج معنى مراغما مهاجرا يعني يجد في الأرض مهاجرا يعني ~~أن المهاجر لقومه والمراغم لها بمنزلة واحدة. وإن اختلف اللفظان وهو مأخوذ ~~من الرغام وهو التراب يقال رغم أنفه إذا التصق بالتراب وذلك لأن الأنف عضو ~~شريف ms0837 والتراب ذليل حقير فجعلوا قولهم رغم أنفه كناية عن حصول الذل له ويقال ~~راغمت فلانا بمعنى هجرته وعاديته ولم أبال به رغم أنفه ويقوي ذلك قول بعض ~~أهل اللغة هو الخروج من بلاد العدو برغم أنفه. وقيل معناه أن الرجل إذا خرج ~~عن قومه خرج مراغما لهم أي مغاضبا لهم ومقاطعا وقال الفراء المراغم المضطرب ~~والمذهب في الأرض وأنشد الزجاج في المعنى: # إلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب # فعلى هذا يكون معنى الآية يجد مذهبا يذهب إليه إذا رأى ما يكرهه هذا قول ~~أهل اللغة في معنى المراغمة. # وقال ابن عباس: يجد متحولا يتحول إليه من أرض إلى أرض، وقال مجاهد يجد ~~متزحزحا عما يكره وقيل يجد منقلبا ينقلب إليه وقيل المراغمة والمهاجرة ~~واحدة يقال: راغمت قومي أي هاجرتهم وسميت المهاجرة مراغمة لأنه يهاجر قومه ~~برغمهم. وقوله وسعة يعني في الرزق. وقيل يجد سعة من الضلالة إلى الهدى وقيل ~~يجد سعة في الأرض التي يهاجر إليها قال ابن عباس: لما نزلت الآية التي قبل ~~هذه سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له جندع بن ضمرة فقال: والله ~~ما أنا ممن استثنى الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني إلى ~~المدينة وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به يحملونه ~~على سرير حتى أتوا به النعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: ~~اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك ثم مات فبلغ خبره ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لو وافى المدينة لكان أتم وأوفى ~~أجرا وضحك المشركون، وقالوا ما أدرك ما طلب فأنزل الله عز وجل: ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت يعني قبل بلوغه إلى مهاجره فقد ~~وقع أجره على الله يعني فقد وجب أجر هجرته على الله بإيجابه على نفسه بحكم ~~الوعد والتفضل والكرم لا وجوب استحقاق وتحتم قال بعض العلماء ويدخل في حكم ~~الآية ms0838 من قصد فعل طاعة من الطاعات ثم عجز عن إتمامها كتب الله له ثواب تلك ~~الطاعة كاملا وقال بعضهم إنما يكتب له أجر ذلك القدر الذي عمل وأتى به، أما ~~تمام الأجر فلا والقول الأول أصح لأن الآية إنما نزلت في معرض الترغيب في ~~الهجرة وأن من قصدها ولم يبلغها بل مات دونها فقد حصل له ثواب الهجرة كاملا ~~فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على إتمامها كتب الله له ثوابها كاملا ~~وكان الله غفورا رحيما يعني ويغفر الله له ما كان منه من القعود قبل الهجرة ~~إلى أن خرج مهاجرا. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 101] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # وإذا ضربتم في الأرض يعني إذا سافرتم فيها فليس عليكم جناح أي حرج وإثم ~~أن تقصروا من الصلاة يعني من أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر ~~والعصر والعشاء، وأصل القصر في اللغة التضييق وقيل هو ضم الشيء إلى أصله. ~~وفسر ابن الجوزي القصر بالنقص ولم أره لأحد من أهل التفسير واللغة وقيل ~~معنى قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض ركعاتها أو بعض أركانها ترخيصا ولهذا ~~السبب ذكروا في تفسير # PageV01P417 # قصر الصلاة المذكورة في الآية قولين: أحدهما أنه في عدد الركعات وهو رد ~~الصلاة الرباعية إلى ركعتين والقول الثاني أن المراد بالقصر إدخال التخفيف ~~في أدائها وهو أن يكتفي بالإيماء والإشارة عن الركوع والسجود. والقول الأول ~~أصح ويدل عليه لفظة من في قوله أن تقصروا من الصلاة ولفظة من هنا للتبعيض ~~وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة فثبت بهذا أن تفسير القصر بإسقاط ~~بعض ركعات الصلاة أولى إن خفتم أن يفتنكم يعني يغتالكم ويقتلكم في الصلاة ~~الذين كفروا ذهب داود الظاهري إلى أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف واستدل ~~على صحة مذهبه بقوله تعالى: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ولأن عدم الشرط ~~يقتضي عدم ms0839 المشروط فعلى هذا لا يجوز القصر عند الأمن ولا يجوز رفع هذا ~~الشرط بخبر الآحاد لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر واحد، وذهب جمهور أهل العلم ~~إلى أن القصر في حال الأمن في السفر جائز ويدل عليه ما روي عن يعلى بن ~~أمية. قال: قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا ~~صدقته» أخرجه مسلم وعن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر كيف ~~تقصرون الصلاة وإنما قال الله تعالى ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقال ابن عمر يا ابن أخي: «إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتانا ونحن في ضلال فعلمنا فكان فيما علمنا أن أمرنا أن ~~نصلي ركعتين في السفر». # أخرجه النسائي وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من ~~المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين أخرجه الترمذي ~~والنسائي وأجاب الجمهور عن قوله تعالى إن خفتم أن كلمة إن تفيد حصول الشرط ~~ولا يلزم عند عدم الشرط عدم المشروط فقوله تعالى: إن خفتم يقتضي أن عند عدم ~~الخوف لا تحصل رخصة القصر. وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن ~~فإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتا لحكم سكت عنه القرآن وذلك ~~غير ممتنع إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه ~~القرآن. # فإن قلت إذا كان هذا الحكم ثابتا في حال الأمن والخوف فما فائدة تقييده ~~بحال الخوف؟ قلت إنما نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأكثرها لم يخل عن خوف العدو فذكر الله عز وجل هذا الشرط من حيث إنه الأغلب ~~في الوقوع. وقوله تعالى: إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا أي ظاهر العداوة ~~فلعلمي ms0840 بهذا رخصت لكم في قصر الصلاة لئلا يجدوا إلى قتلكم واغتيالكم سبيلا ~~وإنما قال عدوا ولم يقل أعداء لأنه يستوي فيه الواحد والجمع. # (فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: في حكم القصر ~~قصر الصلاة في حالة السفر جائز بإجماع الأمة وإنما اختلفوا في جواز الإتمام ~~في حال السفر فذهب أكثر العلماء إلى أن القصر واجب في السفر وهو قول عمر ~~وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ~~وهو قول مالك وأبي حنيفة ويدل عليه ما روي عن عائشة قالت فرض الله الصلاة ~~حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. ~~وفي رواية أخرى قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر ~~والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر أخرجاه في الصحيحين وذهب قوم ~~إلى جواز الإتمام في السفر، ولكن القصر أفضل يروى ذلك عن عثمان وسعد بن أبي ~~وقاص وإليه ذهب الشافعي وأحمد وهو رواية عن مالك أيضا. ويدل على ذلك ما روى ~~البغوي بسند الشافعي عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قصر وأتم وعن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت ~~وأتممت وصمت وأفطرت؟ قال أحسنت يا عائشة وما عاب علي أخرجه النسائي وظاهر ~~القرآن يدل على ذلك لأن الله تعالى قال فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة ولفظة ولا جناح إنما تستعمل في الرخصة لا فيما يكون # PageV01P418 # حتما، وأجيب عن حديث عائشة فرض الله الصلاة ركعتين بأن معناه فرضت ركعتين ~~أولا وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم وأقرت صلاة السفر على جواز ~~الاقتصار عليها وثبت جواز الإتمام بدليل آخر فوجب المصير إليه ليمكن الجمع ~~بين الأحاديث ودلائل الشرع. # المسألة الثانية: اختلف في صلاة المسافر إذا صلى ركعتين ركعتين هل هي ~~مقصورة ms0841 أم غير مقصورة فذهب قوم إلى أنها غير مقصورة وإنما فرض صلاة المسافر ~~ركعتان تمام غير قصر يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله ~~وإليه ذهب سعيد بن جبير والسدي وأبو حنيفة فعلى هذا يكون معنى القصر ~~المذكور في الآية هو تخفيف ركوعها وسجودها. وقد تقدم الجواب عنه وذهب قوم ~~إلى أنها مقصورة وليست بأصل، وهو قول مجاهد وطاوس، وإليه ذهب الشافعي ~~وأحمد. # المسألة الثالثة: ذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، إلى أنه يجوز القصر ~~في كل سفر مباح وشرط بعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد أو سفر طاعة، ولا ~~يجوز القصر في سفر المعصية، وقال أبو حنيفة والثوري يجوز ذلك. # المسألة الرابعة: اختلف العلماء في مسافة القصر فقال داود وأهل الظاهر ~~يجوز القصر في قصير السفر وطويله وروي ذلك عن أنس أيضا وقال عمرو بن دينار ~~قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة. وأما عامة أهل العلم فإنهم لا يجوزون القصر ~~في السفر القصير واختلفوا في حد الطويل الذي يجوز فيه القصر. فقال الأوزاعي ~~مسيرة يوم وكان ابن عمرو وابن عباس يقصران ويفطران في مسيرة أربعة برد هي ~~ستة عشر فرسخا وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وقول الحسن والزهري قريب من ذلك ~~فإنهما قالا مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي فقال مسيرة ليلتين قاصدتين ستة ~~عشر فرسخا كل فرسخ ثلاثة أميال فتكون ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي والميل ~~ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضة معتدلة والأصبع ست شعيرات ~~معترضات معتدلات، وقال الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة لا قصر في أقل من ~~ثلاثة أيام. # (فصل) قيل قوله تعالى: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا كلام متصل بما بعده ~~منفصل عما قبله وتقديره وإن خفتم روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال نزل ~~قوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة هذا القدر ثم بعد حول ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا إن الكافرين ms0842 كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم الآية ومثل ~~هذا في القرآن كثير يجيء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر هو في الظاهر ~~كالمتصل به وهو منفصل عنه. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 102] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة الآية روي عن ابن عباس وجابر أن المشركين ~~لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون ~~جميعا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض دعوهم # PageV01P419 # فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم يعني صلاة العصر ~~فإذا قاموا إليها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل عليه السلام فقال يا ~~محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فعلمه صلاة الخوف وروي عن أبي عياش الزرقي في سبب نزول هذه الآية. قال: كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد ~~فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة وفي رواية غفلة ولو حملنا عليهم ~~وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر قوله تعالى: وإذا كنت فيهم هذا ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وإذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت ~~معهم القتال فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك يعني إذا حان وقت ~~الصلاة وأقمتها لأصحابك فاجعلهم فرقتين فلتقف فرقة منهم معك فتصلي بهم ~~وليأخذوا أسلحتهم اختلفوا في هؤلاء الذين أمرهم الله بأخذ السلاح فقيل أراد ~~بهم الذين قاموا معه إلى الصلاة فإنهم يأخذون أسلحتهم في الصلاة، فعلى هذا ~~القول إنما يأخذون من السلاح ما ms0843 لا يشغلهم عن الصلاة ولا يؤذى به من إلى ~~جنبه كالسيف والخنجر وذلك لأنه أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام ~~عليهم فإن كان السلاح يشغل بحركته وثقله عن الصلاة كالترس الكبير أو يؤذي ~~من إلى جنبه كالرمح فلا يأخذه. وقيل أراد بهم الطائفة الذين بقوا في وجه ~~العدو فإنهم يأخذون أسلحتهم للحراسة وقيل يحتمل أن يكون أمرا للفريقين بحمل ~~السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم يعني إذا ~~صلى الذين معك وفرغوا من الصلاة فليكونوا من ورائكم يعني فلينصرفوا إلى ~~المكان الذي هو في وجه العدو وللحراسة ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا يعني ~~ولتأت الطائفة التي كان في وجه العدو فليصلوا معك الركعة الثانية التي بقيت ~~عليك ويتموا بقية صلاتهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم يعني أن الله تعالى جعل ~~الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي في دفع العدو فلذلك جعله ~~مأخوذا مع السلاح. فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة فقط وذكر هنا الحذر ~~والأسلحة. # قلت لأن العدو قلما ينتبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين ~~في المحاربة والمقاتلة فإذا قاموا على الركعة الثانية ظهر للكفار أن ~~المسلمين في الصلاة فحينئذ ينتهزون الفرصة في الإقدام على المسلمين فلا جرم ~~أن الله تعالى أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة ~~ود الذين كفروا يعني تمنى الكفار لو تغفلون يعني لو وجدوكم غافلين عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم يعني حوائجكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة يعني فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة وأنتم ~~مشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم. # (فصل في أحكام تتعلق بالآية وصفة صلاة الخوف وفيه مسائل) المسألة الأولى: ~~قال أبو يوسف والحسن بن زياد من أصحاب أبي حنيفة صلاة الخوف كانت خاصة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لغيره بعده فعلها، وقال المزني من ~~أصحاب الشافعي كانت ثابتة ثم نسخت واحتجوا لصحة هذا القول بأن الله تعالى ~~خاطب نبيه صلى ms0844 الله عليه وسلم فقال تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~وظاهر هذا يدل على أن إقامة الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيهم فدل على تخصيصه بها ولأن كلمة إذا تفيد الشرط وذهب جمهور العلماء ~~والفقهاء إلى أن هذا الحكم لما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم ~~هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره من أمته لقوله تعالى: فاتبعوه ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولأن ذلك إجماع الصحابة على ~~فعلها وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه صلى صلاة الخوف بأصحابه ليلة الهرير ~~وكذلك أبو موسى صلى بأصحابه بطبرستان وليس لهؤلاء مخالف من الصحابة وأجيب ~~عن قوله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة بأن هذا وإن كان قد خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن سائر أمته داخلون في هذا الحكم فهو كقوله: يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء إلا أن يرد نص بتخصيصه صلى الله عليه وسلم ~~بحكم دون أمته كقوله تعالى: خالصة لك من دون المؤمنين ونظير قوله وإذا كنت ~~فيهم قوله: خذ من أموالهم صدقة وإذا كان هو المخاطب بها وقد ثبت حكم أخذ ~~الزكاة # PageV01P420 # لمن بعده من الأئمة كان كذلك قوله وإذا كنت فيهم وأجيب عن لفظة إذا: بأن ~~مقتضاه الثبوت عند الثبوت وأما العدم عند العدم فغير مسلم. # المسألة الثانية: قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط ~~للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى فمن أنواع صلاة ~~الخوف ما إذا كان العدو في غير جهة القبلة. فرق الإمام أصحابه فرقتين فتقف ~~طائفة وجاه العدو فتحرس ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة فإذا قام إلى الثانية ~~أتموا لأنفسهم وذهبوا إلى وجاه العدو فيحرسون وتأتي الطائفة الثانية التي ~~كانت تحرس فيصلي بهم الركعة الثانية ويثبت جالسا في التشهد حتى يتموا ~~لأنفسهم الصلاة ثم يسلم بهم ويدل ms0845 على ذلك ما روي عن يزيد بن رومان عن صالح ~~بن خوان عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن ~~طائفة صفت معه وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا ~~لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي ~~بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم أخرجاه في الصحيحين ~~الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي حثمة وقد أخرجاه من ~~رواية أخرى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه وذكر نحوه وهذا هو ~~مختار الشافعي لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة ~~العدو، وأما كونه أشد موافقة لظاهر القرآن فإن قوله ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت قوله فليصلوا معك ~~ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية حصلت مع الإمام وكونها أحوط ~~لأمر الصلاة من حيث إنه لا يكثر فيها العمل من المجيء والذهاب وكونها أحوط ~~لأمر الحرب والحراسة من حيث إنه إذا لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحراسة ~~والكر والفر والهرب إن احتاجوا إليه وذهب قوم إلى أن الطائفة الأولى تصلي ~~مع الإمام ركعة ثم تذهب إلى وجه العدو فتحرس وهم في صلاتهم ثم تأتي الطائفة ~~الثانية فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ويسلم الإمام ولا يسلمون هم بل ~~يذهبون إلى وجه العدو، وترجع الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي بقية ~~صلاتها ثم تذهب ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإمام فتقضي بقية صلاتها ~~يروى ذلك عن ابن مسعود وهو مذهب أبي حنيفة ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر ~~قال صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قال فكبر فصلى خلفه طائفة منا وطائفة ~~مواجهة للعدو فركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجد سجدتين ثم ~~انصرفوا ولم يسلموا وأقبلوا على العدو فصفوا مكانهم وجاءت الطائفة الأخرى ~~فصفوا خلف رسول الله ms0846 صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد تم ركعتين وأربع سجدات ثم قامت الطائفتان فصلى ~~كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين. أخرجه النسائي قال أبو بكر السني سمع ~~الزهري من ابن عمر ولم يسمع هذا منه والذي أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر ~~قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ~~والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين ~~على العدو وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم قضى ~~هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة وفي رواية أخرى قال: صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلى ~~بالذين معه ركعة. وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة وقضت الطائفتان ركعة ركعة ~~وبهذه الرواية المخرجة في الصحيحين أخذ الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز ~~عند الشافعي أيضا ثم قيل إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا وقيل ~~متفرقين وهو الصحيح والفرق بين الروايتين أن الطائفة الأولى أدركت أول ~~الصلاة وهي في حكم من خلف الإمام. وأما الطائفة الثانية فلم تدرك أول ~~الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في حكم صلاته. # المسألة الثالثة: فيما إذا كان العدو في ناحية القبلة وصورة هذا الصلاة ~~ما روي عن جابر بن عبد الله قال: # شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا صفين خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P421 # وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم ~~انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحو العدو فلما قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف ~~المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ms0847 ثم ~~انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى فقام الصف ~~المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي ~~يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسلمنا جميعا قال جابر كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم أخرجه مسلم بتمامه ~~وأخرجه البخاري طرفا منه أنه صلى صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الغزوة السابقة غزوة ذات الرقاع. وبهذا الحديث أخذ الشافعي ومن وافقه ~~فيما إذا كان العدو في جهة القبلة. # المسألة الرابعة: إذا اشتد الحرب والتحم القتال صلوا رجالا وركبانا ~~يؤمنون بالركوع والسجود إلى أي جهة كانت هذا مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة ~~أنهم لا يصلون في هذه الحالة فإذا أمنوا قضوا ما فاتهم من الصلاة ولصلاة ~~الخوف صور أخر مذكورة في كتب الفقه وليس هذا موضعها والله أعلم. # وقوله تعالى: ولا جناح عليكم أي ولا إثم ولا حرج عليكم إن كان بكم أذى من ~~مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم قال ابن عباس: رخص الله لهم في وضع ~~السلاح في حال المطر وحال المرض لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين ~~وخذوا حذركم يعني راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه أمرهم الله بالتحفظ والتحرز ~~والاحتياط لئلا يتجرأ العدو عليهم قال ابن عباس: نزلت في النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذلك أنه غزا بني محارب وبني أنمار فنزلوا ولا يرون من العدو ~~أحدا فوضع الناس السلاح فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة حتى قطع ~~الوادي والسماء ترش بالمطر فسال الوادي فحال السيل بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين أصحابه فجلس تحت شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحابي فقال: ~~قتلني الله إن لم أقتله ثم انحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه وقد سل السيف من غمده وقال ~~يا محمد من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى ms0848 الله عليه وسلم: «الله عز ~~وجل» ثم قال اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت فأهوى غورث بالسيف ليضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم به فأكب لوجهه من زلخة زلخها فندر السيف من ~~يده فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف ثم قال يا غورث من يمنعك ~~مني الآن؟ فقال لا أحد فقال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله وأعطيك سيفك فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك ~~عدوا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غورث لأنت خير مني ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل أنا أحق بذلك منك فرجع غورث إلى أصحابه ~~فقالوا له: ويلك يا غورث ما منعك منه فقال والله لقد أهويت إليه بالسيف ~~لأضربه به فو الله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وذكر حاله لهم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوادي إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ هذه الآية: ولا جناح عليكم ~~إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى قال ابن عباس: كان عبد الرحمن بن عوف ~~جريحا فنزلت فيه أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم يعني من عدوكم إن الله أعد ~~للكافرين عذابا مهينا يعني يهانون به. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): آية 103] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # فإذا قضيتم الصلاة يعني فإذا فرغتم من صلاة الخوف فاذكروا الله يعني ~~بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأثنوا على الله في جميع أحوالكم ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإن ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ~~ذكر الله عز وجل والتضرع إليه (ق) عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه # PageV01P422 # وقيل المراد بالذكر الصلاة يعني فصلوا لله قياما يعني في حال الصحة ~~وقعودا في ms0849 حال المرض وعلى جنوبكم يعني في حال الزمانة والجراح فإذا ~~اطمأننتم يعني فإذا أمنتم وسكنت قلوبكم. وأصل الطمأنينة سكون القلب فأقيموا ~~الصلاة يعني فأتموها أربعا فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السفر ~~والمعنى فإذا صرتم مقيمين في أوطانكم فأقيموا الصلاة تامة أربعا من غير ~~قصر. وقيل معناه فأقيموا الصلاة بإتمام ركوعها وسجودها فعلى هذا يكون ~~المراد بالطمأنينة سكون القلب عن الاضطراب والأمن بعد الخوف إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا يعني فرضا موقتا والكتاب هنا بمعنى المكتوب يعني ~~مكتوبة موقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كان ~~من خوف أو أمن وقيل معناه فرضا واجبا مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر ~~ركعتين. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 104] # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # ولا تهنوا في ابتغاء القوم سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان وأصحابه لما ~~رجعوا يوم أحد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فشكوا من ألم ~~الجراحات فقال الله تعالى ولا تهنوا يعني ولا تضعفوا، ولا تتوانوا في ~~ابتغاء القوم يعني في طلب أبي سفيان وأصحابه ثم أورد عليهم الحجة في ذلك ~~وألزمهم بها فقال تعالى: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون يعني أن ~~حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم وليس ما تكابدون من الوجع وألم الجراح ~~مختصا لكم بل هم كذلك فإذا لم يكن الألم مانعا لهم عن قتالكم فكيف يكون ~~مانعا لكم عن قتالهم وكيف لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم ~~لأنكم مقرون بالحشر والنشر والثواب والعقاب والمشركون لا يقرون بذلك كله ~~فأنتم أيها المؤمنون أولى بالجهاد منهم وهو قوله تعالى: وترجون من الله ما ~~لا يرجون يعني وتأملون من الله من الثواب في الآخرة ما لا يرجعون وقيل ~~ترجون النصر والظفر في الدنيا وإظهار دينكم على الأديان كلها وكان الله ~~عليما حكيما يعني أنه تعالى ms0850 لا يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 105 الى 106] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق قال ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل من ~~الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له ~~يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر ~~من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له ~~زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فحلف بالله ما أخذها وما له بها من ~~علم فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره فلما حلف تركوه ~~واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة ~~بن أبيرق زاد في الكشاف وشهد له جماعة من اليهود. قال البغوي: وجاء بنو ظفر ~~قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم طعمة ~~فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي وأن يقطع يده فأنزل ~~الله هذه الآية وقيل إن زيد بن السمين أودع الدرع عند طعمة فجحده طعمة الله ~~فأنزل هذه الآية: إنا أنزلنا إليك يعني يا محمد الكتاب يعني القرآن بالحق ~~يعني بالصدق وبالأمر والنهي والفصل لتحكم بين الناس بما أراك الله يعني بما ~~علمك الله وأوحى إليك وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية ~~في قوة الظهور روي عن عمر أنه قال لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن ~~الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكن ليجهد رأيه لأن الرأي # PageV01P423 # من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا، لأن الله تعالى كان يريه ~~إياه وإن رأي أحدنا يكون ظنا ولا يكون علما قال المحققون دلت هذه الآية على ~~أن ms0851 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي الإلهي والنص ~~المنزل عليه ولا تكن يعني يا محمد للخائنين خصيما يعني ولا تكن لأجل ~~الخائنين وهم قوم طعمة تخاصم عنهم وتجادل عن طعمة مدافعا عنه ومعينا له ~~واستغفر الله يعني مما هممت به من معاقبة اليهودي وقيل من جدالك عن طعمة إن ~~الله كان غفورا يعني لذنوب عباده يسترها عليهم ويغفرها لهم رحيما يعني ~~بعباده المؤمنين. # (فصل) وقد تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لو ~~لم يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار والجواب عما ~~تمسكوا به من وجوه: أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل المنهي ~~عنه في قوله ولا تكن للخائنين خصما ولم يخاصم عن طعمة لما سأله قومه أن يذب ~~عنه أن يلحق السرقة باليهودي فتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~وانتظر ما يأتيه من الوحي السماوي والأمر الإلهي فنزلت هذه الآية وأعلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن طعمة كذاب وأن اليهودي بريء من السرقة. ~~وإنما مال صلى الله عليه وسلم إلى نصرة طعمة وهم بذلك بسبب أنه في الظاهر ~~من المسلمين فأمره الله بالاستغفار لهذا القدر. الوجه الثاني أن قوم طعمة ~~لما شهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة طعمة من السرقة ولم ~~يظهر في الحال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب القدح في شهادتهم هم ~~بأن يقضي على اليهودي بالسرقة فلما أطلعه الله على كذب قوم طعمة عرف أنه لو ~~وقع ذلك الأمر لكان خطأ في نفس الأمر فأمره الله بالاستغفار منه وإن كان ~~معذورا. الوجه الثالث يحتمل أن الله تعالى أمره بالاستغفار لقوم طعمة لذبهم ~~عن طعمة فإن استغفاره صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون لذنب قد سبق قبل ~~النبوة وأن يكون لذنوب أمته. الوجه الرابع أن درجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعلى الدرجات ومنصبه أشرف المناصب فلعلو درجته ms0852 وشرف منصبه وكمال ~~معرفته بالله عز وجل فما يقع منه على وجه التأويل أو السهو أو أمر من أمور ~~الدنيا فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه صلى الله عليه وسلم كما قيل حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين. وذلك بالنسبة إلى منازلهم ودرجاتهم والله أعلم. ~~قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 107 الى # 110] # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ~~(107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ~~(109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~(110) # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # يعني ولا تجادل يا محمد عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة وهم طعمة ومن ~~عاونه وذب عنه من قومهم وإنما سماهم خائنين لأن من أقدم على ذنب فقد خان ~~نفسه لأنه أوقعها في العذاب وحرمها من الثواب ولهذا قيل لمن ظلم غيره إنما ~~ظلم نفسه وقيل المراد بهذا الجمع كل من خان خيانة أي فلا تخاصم الخائن ولا ~~تجادل عنه إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما # يعني خوانا بسرقة الدرع أثيما برميه اليهودي وهو بريء وإنما قال تعالى ~~خوانا أثيما على المبالغة لأنه تعالى علم من طعمة الإفراط في الخيانة وركوب ~~المآثم. ويدل على ذلك أنه لما نزل فيه القرآن لحق مكة مرتدا عن دينه ثم عدا ~~على الحجاج بن علاط فنقب عليه بيته فسقط عليه حجر من الحائط فلما أصبحوا ~~أخرجوه من مكة فلقي ركبا فعرض لهم. وقال ابن السبيل ومنقطع به فحملوه حتى ~~إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فركبوا في طلبه فأدركوه فرموه ~~بالحجارة حتى مات، ومن كانت هذه حاله كان كثير الخيانة والإثم فلذلك وصفه ~~الله تعالى بالمبالغة في الخيانة والإثم قال بعضهم إذا عثرت من رجل على ~~سيئة ms0853 فاعلم أن لها أخوات. ويروى عن عمر أنه أمر بقطع يد # PageV01P424 # سارق فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه يا أمير المؤمنين ~~فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. # قوله عز وجل: يستخفون من الناس # يعني يستترون حياء من الناس يريد بذلك بني ظفر بن الحارث وهم قوم طعمة بن ~~أبيرق ولا يستخفون من الله # يعني ولا يستترون من الله ولا يستحيون منه وأصل الاستخفاء الاستتار وإنما ~~فسر الاستخفاء بالاستحياء على المعنى لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار ~~منهم وهو معهم # يعني والله معهم بالعلم والقدرة ولا يخفى عليه شيء من حالهم لأنه تعالى ~~لا تخفى عليه خافية. وكفى بذلك زجرا للإنسان عن ارتكاب الذنوب إذ يبيتون ما ~~لا يرضى من القول # يعني يضمرون ويقدرون ويزورون في أذهانهم. وأصل التبييت تدبير الفعل ~~بالليل وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه يسمع قول طعمة ويقبل يمينه لأنه مسلم ولا يسمع قول اليهودي ~~لأنه كافر فلم يرض الله تعالى بذلك منهم فأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~سرهم وما هموا به وكان الله بما يعملون محيطا # يعني أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم محيط بهم ~~لا تخفى عليه خافية ها أنتم هؤلاء # ها للتنبيه يعني يا هؤلاء الذين هو خطاب لقوم من المؤمنين كانوا يذبون عن ~~طعمة وعن قومه جادلتم عنهم # يعني خاصمتم عنهم بسبب أنهم كانوا يرونهم في الظاهر مسلمين وأصل الجدال ~~شدة الفتل لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه والمعنى ~~هبوا إنكم خاصمتم وجادلتم عن طعمة وقومه في الحياة الدنيا وقيل هو خطاب ~~لقوم طعمة وفي قراءة ابن مسعود: جادلتم عنه والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن ~~طعمة في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة # يعني إذا أخذه بعذابه فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع: أم من يكون ~~عليهم وكيلا # يعني محافظا ms0854 ومحاميا عنهم من بأس الله إذا نزل بهم. قوله تعالى: ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه # نزلت هذه الآية في ترغيب طعمة في التوبة وعرضها عليه. وقيل نزلت في قومه ~~الذين جادلوا عنه وقيل هي عامة في كل مسيء ومذنب لأن خصوص السبب لا يمنع من ~~إطلاق الحكم ومعنى الآية ومن يعمل سوءا يسيء به غيره كما فعل طعمة بالسرقة ~~من قتادة وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر ~~إيصالا للضرر إلى الغير أو يظلم نفسه يعني فيما يختص به من الحلف الكاذب ~~ونحو ذلك. وقيل معناه ومن يعمل سوءا أي قبيحا أو يظلم نفسه يرميه البريء ~~وقيل السوء كل ما يأثم به الإنسان والظلم هو الشرك فما دونه ثم يستغفر الله # يعني من ذنوبه يجد الله غفورا رحيما # ففي هذه الآية دليل على حكمين: أحدهما أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب ~~الكبائر والصغائر لأن قوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه عم الكل. والحكم ~~الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف. وقال بعضهم إنه مقيد ~~بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار على الذنوب. ### || [سورة النساء (4): الآيات 111 الى 113] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن ~~يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ~~ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما (113) # ومن يكسب إثما # يعني ومن يعمل ذنبا يأثم به فإنما يكسبه على نفسه # يعني إنما يعود وبال كسبه عليه والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع ~~مضرة فكأنه تعالى يقول يا أيها الإنسان إن الذنب الذي ارتكبته إنما عادت ~~مضرته عليك فإني منزه عن الضر والنفع فأكثر من الاستغفار ولا تيأس من قبول ~~التوبة فإني لغفار لمن تاب وهذه الآية نزلت في طعمة ms0855 أيضا وكان الله عليما # يعني بسارق الدرع حكيما # يعني إذا حكم عليه بالقطع # PageV01P425 # وقيل معناه عليها بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة حكيما تقتضي ~~حكمته أن يتجاوز عن التائب ويغفر له ويقبل توبته ومن يكسب خطيئة أو إثما # قيل إن الخطيئة هي الصغيرة منم الذنوب والإثم هو الكبيرة وقيل الخطيئة هي ~~الذنب المختص بفاعله والإثم الذنب المتعدي إلى الغير وقيل إن الخطيئة هي ~~سرقة الدرع والإثم هو يمينه الكاذبة ثم يرم به بريئا # يعني ثم يقذف بما جناه بريئا منه وهو نسبة السرقة إلى اليهود ولم يسرق. ~~فإن قلت الخطيئة والإثم اثنان فكيف وحد الضمير في قوله ثم يرم به. قلت ~~معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئا وقيل معناه ثم يرم بهما فاكتفى ~~بأحدهما عن الآخر وقيل إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده لأنه أقرب مذكور ~~وقيل إن الضمير يعود إلى الكسب ومعناه ثم يرم بما سكب بريئا فقد احتمل ~~بهتانا # البهتان من البهت وهو الكذب الذي يتحير في عظمه وإثما مبينا # يعني ذنبا بينا لأنه بكسب الإثم آثم وبرميه البريء باهت فقد جمع بين ~~الأمرين. قوله عز وجل: ولولا فضل الله عليك ورحمته # هذه الآية متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق وقومه حيث لبسوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر صاحبهم. فقوله تعالى فلولا فضل الله عليك يعني يا محمد ~~بالنبوة ورحمته يعني بالعصمة وما أوحى إليك من الاطلاع على أسرارهم فهو ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لهمت طائفة منهم # يعني من بني ظفر وهم قوم طعمة أن يضلوك # يعني عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل وقيل معناه يخطئوك في الحكم ~~ويلبسوا عليك الأمر حتى تدفع عن طعمة وذلك لأن قوم طعمة عرفوا أنه سارق ثم ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع عنه وينزهه عن السرقة ويرمي بها ~~اليهودي وما يضلون إلا أنفسهم # يعني أن وبال ذلك يرجع عليهم بسبب تعاونهم على الإثم وبشهادتهم له أنه ~~بريء فهم لما قدموا على ذلك ms0856 رجع وباله عليهم وما يضرونك من شيء # يعني أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت فيه لأنك بنيت ~~الأمر على ظاهر الحال وما خطر ببالك أن الأمر على خلاف ذلك وقيل معناه وما ~~يضرونك من شيء في المستقبل فوعده الله إدامة العصمة وإنه لا يضره أحد وأنزل ~~الله عليك الكتاب # يعني القرآن والحكمة # يعني القضاء بما يعني وأوجب بهما بناء الحكم على الظاهر فكيف يضرونك ~~بإلقائك في الشبهات وعلمك ما لم تكن تعلم # يعني من أحكام الشرع وأمور الدين وقيل علمك من علم الغيب ما لم تكن تعلم ~~وقيل معناه وعلمك من خفيات الأمور وأطلعك على ضمائر القلوب وعلمك من أحوال ~~المنافقين وكيدهم ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما # يعني ولم يزل فضل الله عليك يا محمد عظيما فاشكره على ما أولاك من إحسانه ~~ومن عليك بنبوته وعلمك ما أنزل عليك من كتابه وحكمته وعصمك ممن حاول إضلالك ~~فإن الله هو الذي تولاك بفضله وشملك بإحسانه وكفاك غائلة من أرادك بسوء ففي ~~هذه الآية تنبيه من الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على ما حباه ~~من ألطافه وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 114] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) # لا خير في كثير من نجواهم يعني من نجوى قوم طعمة وقيل هي عامة في جميع ما ~~يتناجى الناس به والنجوى هي الإسرار في التدبير وقيل النجوى ما تفرد ~~بتدبيره قوم سرا كان ذلك أو جهرا وناجيته ساررته وأصله أن يخلو في نجوة من ~~الأرض وقيل أصله من النجي والمعنى لا خير في كثير مما يدبرونه ويتناجون فيه ~~إلا من أمر بصدقة يعني إلا في نجوى من أمر بصدقة وقيل معناه لا خير فيما ~~يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا فيما كان من ms0857 أعمال الخير وقيل ~~هو استثناء منقطع تقديره لكن من أمر بصدقة وحث عليها أو معروف يعني أو أمر ~~بطاعة الله وما يجيزه الشرع وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها أو ~~إصلاح بين الناس يعني الإصلاح يبن المتباينين والمتخاصمين ليتراجعا إلى ما ~~كانا فيه من الألفة والاجتماع على ما أذن الله # PageV01P426 # فيه وأمر به. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول الله ~~قال إصلاح ذات البين وإن فساد ذات البين هي الحالقة» أخرجه الترمذي وأبو ~~داود وقال الترمذي ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي الحالقة ~~لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» (خ) عن سهل بن سعد أن أهل قباء ~~اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«اذهبوا بنا نصلح بينهم» (ق) عن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو ~~قال بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا» زاد مسلم في رواية قالت ولم أسمعه ~~يرخص في شيء مما يقول الناس إلا فيما في ثلاث: يعني الحرب والإصلاح بين ~~الناس وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها ومن يفعل ذلك يعني هذه الأشياء ~~التي ذكرت ابتغاء مرضات الله يعني طلب رضاه لأن الإنسان إذا فعل ذلك خالصا ~~لوجه الله نفعه وإن فعله رياء وسمعة لم ينفعه ذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث فسوف نؤتيه يعني في الآخرة إذا فعل ~~ذلك ابتغاء مرضاة الله أجرا عظيما لاحد له لأن الله سماه عظيما وإذا كان ~~كذلك فلا يعلم قدره إلا الله قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 115 الى 116] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ms0858 ما ~~دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) # ومن يشاقق الرسول نزلت في طعمة أيضا وذلك أنه لما سرق وظهرت عليه السرقة ~~خاف على نفسه القطع والفضيحة فهرب إلى مكة كافرا مرتدا عن الدين فأنزل الله ~~عز وجل فيه: ومن يشاقق الرسول يعني يخالفه في التوحيد والإيمان وأصله من ~~المشاقة وهي كون كل واحد منهما في شق غير شق الآخر من بعد ما تبين له الهدى ~~أي وضح له التوحيد والحدود وظهر له صحة الإسلام وذلك لأن طعمة كان قد تبين ~~له بما أنزل فيه وأظهر من سرقته ما يدل على صحة دين الإسلام فعادى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأظهر الشقاق ورجع عن الإسلام ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~يعني ويتبع غير طريق المؤمنين وما هم عليه من الإيمان وتبيع عبادة الأوثان ~~نوله ما تولى أي نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا ونتركه وما اختار ~~لنفسه ونصله جهنم يعني ونلزمه جهنم وأصله من الصلي وهو لزوم النار وقت ~~الاستدفاء وساءت مصيرا يعني وبئس المرجع إلى النار. روي أن الشافعي سئل عن ~~آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى ~~استخرج هذه الآية وهي قوله تعالى: ويتبع غير سبيل المؤمنين وذلك لأن اتباع ~~غير سبيل المؤمنين وهي مفارقة الجماعة حرام فوجب أن يكون اتباع سبيل ~~المؤمنين ولزوم وجماعتهم واجبا وذلك لأن الله تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق ~~الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين فثبت بهذا أن إجماع الأمة حجة. # قوله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به نزلت في طعمة بن أبيرق أيضا ~~لكونه مات مشركا وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في شيخ من الأعراب جاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ منهمك في الذنوب ~~غير أني لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ منه دونه وليا ولم ~~أواقع المعاصي جراءة على الله عز وجل وما توهمت طرفة ms0859 عين أني أعجز الله ~~هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله فأنزل الله هذه الآية: إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به فهذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه ~~عليه لأنه قد ثبت أن المشرك إذا تاب من شركه وآمن قبلت توبته وصح إيمانه ~~وغفرت ذنوبه كلها التي عملها في حال الشرك ويغفر ما دون ذلك يعني ما دون ~~الشرك لمن يشاء يعني لمن يشاء من أهل التوحيد قال العلماء لما أخبر الله ~~أنه يغفر الشرك # PageV01P427 # بالإيمان والتوبة علمنا أنه يغفر ما دون الشرك بالتوبة وهذه المشيئة فيمن ~~لم يتب من ذنوبه من أهل التوحيد فإذا مات صاحب الكبيرة أو الصغيرة من غير ~~توبة فهو على خطر المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة بفضله ورحمته وإن شاء ~~عذبه ثم يدخله الجنة بعد ذلك ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا يعني فقد ~~ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه فإن قلت لم كررت هذه ~~الآية بلفظ واحد في موضعين من هذه السورة وما فائدة ذلك. فلت فائدة ذلك ~~التأكيد أو لأن الآية المتقدمة نزلت في سبب. ونزلت هذه الآية في سبب آخر ~~وهو أن الآية المتقدمة نزلت في سبب سرقة طعمة بن أبيرق ونزلت هذه الآية في ~~سبب ارتداده وموته على الشرك. قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 117 الى 119] # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) # إن يدعون من دونه إلا إناثا نزلت في أهل مكة يعني ما يعبدون من دون الله ~~إلا إناثا لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته وفي قوله إناثا أقوال أحدها ~~إنهم كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث فيقولون اللات والعزى ومناة قال ~~الحسن كانوا يقولون لصنم كل قبيلة أنثى ms0860 بني فلان والقول الثاني إناثا يعني ~~أمواتا. قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة هو إناث قال الزجاج ~~والموات كلها يخبر عنها كما يخبر من المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني وهذه ~~الدراهم تنفعني. ولأن الأنثى أنزل درجة من الذكر والميت أنزل درجة من الحي ~~كما أن الموت أنزل من الحيوان وقد يطلق اسم الأنثى على الجمادات والقول ~~الثالث إن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقول هن بنات الله وإن يدعون أي وما ~~يعبدوا إلا شيطانا مريدا قال ابن عباس: لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى ~~للسدنة والكهنة ويكلمهم فلذلك قال الله تعالى: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ~~وقيل هو إبليس لأنه أغواهم وأغراهم على عبادتها وأطاعوه فجعلت طاعتهم له ~~عبادة والمريد والمارد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة لعنه الله أي ~~أبعده الله وطرده عن رحمته وقال يعني إبليس لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ~~يعني حظا مقدرا معلوما فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضة وأصل الفرض ~~القطع وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ولأضلنهم عن طريق ~~الحق والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من الإضلال شيء. قال ~~بعضهم لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق ولأمنينهم قال ابن عباس ~~يريد تسويف التوبة وتأخيرها وقال الكلبي أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ~~وقيل أمنيهم إدراك الجنة مع عمل المعاصي وقيل أزين لهم ركوب الأهواء ~~والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل أمنيهم طول البقاء في الدنيا ونعيمها ~~ليؤثروها على الآخرة ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام يعني يقطعونها ويشقونها ~~وهي البحيرة. وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء ~~الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ولا يردونها عن ماء ولا مرعى ~~وسول لهم إبليس إن هذا قربة ولآمرنهم فليغيرن خلق الله قال ابن عباس يعني ~~دين وتغيير دين الله هو تحليل الحرام وتحريم الحلال وقيل تغيير خلق الله هو ~~تغيير الفطرة التي فطر الخلق عليها ويدل عليه قوله صلى الله عليه ms0861 وسلم: «كل ~~مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» وقيل يحتمل ~~أن يحمل هذا التغيير على تغيير أحوال تتعلق بظاهر الخلق مثل الوشم ووصل ~~الشعر ويدل عليه صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشمات والمستوشمات ~~والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» أخرجاه من رواية ابن مسعود ~~ولهما عن أسماء قالت: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة» ~~وقيل تغيير خلق الله هو الاختصاء وقطع الآذان حتى إن بعض # PageV01P428 # العلماء حرمه. وكره أنس إخصاء الغنم وجوز بعض العلماء لأن فيه غرضا ظاهرا ~~(ق) عن سعد بن أبي وقاص قال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على ~~عثمان بن مظعون التبتل لاختصينا. التبتل: هو ترك النكاح والانقطاع للعبادة ~~عن نافع قال كان ابن عمر يكره الاختصاء ويقول إن فيه نماء الخلق أخرجه مالك ~~في الموطأ ومعناه في ترك الاختصاء نماء الخلق يعني زيادتهم. وقال ابن زيد ~~هو التخنث وهو أن يتشبه الرجل بالنساء في حركاتهن وكلامهن ولباسهن ونحو ~~ذلك. وقيل تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق البهائم والأنعام للركوب ~~والأكل فحرموها على أنفسهم وخلق الشمس والقمر والنجوم والنار والأحجار ~~لمنفعة الناس فعبدوها من دون الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله يعني ~~يتخذه ربا يطيعه فيما يأمره به وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر فقد خسر ~~خسرانا مبينا لأن طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم وهي غاية الخسران، بقي ~~في الآية سؤالان: الأول قال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا والنصيب المفروض ~~هو الشيء المقدر القليل وقال في موضع آخر لأحتنكن ذريته إلا قليلا وقال: ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. وهذا استثناء القليل من # الكثير فكيف وجه الجمع فالجواب أن الكفار الذين هم حزب الشيطان وإن كانوا ~~أكثر من المسلمين في العدد لكنهم أقل من المؤمنين في الفضل والشرف وعلو ~~الدرجة عند الله والمؤمنون وإن كانوا أقل من الكفار لكنهم أكثر منهم لأن ~~الفضل والشرف والسؤدد والغلبة في الدنيا وعلو الدرجة في ms0862 الآخرة وأنشد بعضهم ~~في هذا المعنى قال: # وهم الأقل إذا تعد عشيرة ... والأكثرون إذا يعد السؤدد # وقيل إن إبليس لما لم ينل من آدم ما أراد ورأى الجنة والنار وعلم أن لهذه ~~أهلا ولهذه أهلا قال: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا يعني الذين هم أهل ~~النار. السؤال الثاني: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى يقول ولأضلنهم ~~ولأغوينهم ولأمنينهم ولآمرنهم، وقال في الأعراف ولا تجد أكثرهم شاكرين وقال ~~في بني إسرائيل لأحتنكن ذريته إلا قليلا فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ~~إبليس ظن أن تقع منهم هذه الأمور التي يريدها منهم فحصل له ما ظنه ويدل على ~~ذلك قوله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه. الوجه الثاني: قال ابن ~~الأنباري المعنى لأجتهدن ولأحرصن في ذلك أنه كان يعلم الغيب. الوجه الثالث: ~~قال الماوردي من الجائز أن يكون قد علم ذلك من الملائكة بخبر من الله تعالى ~~أن أكثر الخلائق لا يؤمنون وقوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 120 الى 123] # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا ~~يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ~~ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون ~~الله وليا ولا نصيرا (123) # يعدهم ويمنيهم يعني الشيطان يعد حزبه وأولياءه ويمينهم فوعده وتمنيته ~~إياهم ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل ما أراد من الدنيا ومن ~~نعيمها ولذاتها وكل ذلك غرور فيجب على العاقل أن لا يلتفت إلى شيء منها ~~فربما لم يطل عمره ولم يحصل له ما أراد منها ولئن طال عمره وحصل مقصوده ~~فالموت وراءه ينغص عليه ما هو فيه وقيل يعدهم ويمنيهم بأن لا جنة ولا نار ~~ولا بعث فاجتهدوا في تحصيل اللذات الدنيوية وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ~~يعني باطلا وضلالا أولئك يعني الذين اتخذوا الشيطان وليا مأواهم جهنم يعني ~~مرجعهم ومستقرهم جهنم ولا ms0863 يجدون عنها يعني عن جهنم محيصا يعني مفرا ومعدلا ~~يعني لا يعدلون عنها إلى غيرها ولا بد لهم من ورودها والخلد فيها ولما ذكر ~~وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين فقال تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار يعني من تحت المساكن والغرف خالدين ~~فيها # PageV01P429 # يعني في الجنات أبدا بلا انتهاء ولا غاية والأبد عبارة عن مدة الزمان ~~الممتد الذي لا انقطاع له ولا يتجزأ كما يتجزأ غيره من الأزمنة لأنه لا ~~يقال أبد كذا كما يقال زمن كذا وفي قوله: خالدين فيها أبدا دليل على أن ~~الخلود لا يفيد التأبيد والدوام لأنه لو أفاد ذلك لزم التكرار وهو خلاف ~~الأصل فعلم من ذلك أن الخلود عبارة عن طول الزمان لا على الدوام فلما أتبع ~~الخلود بالأبد علم أنه يراد به الدوام الذي لا ينقطع. وقوله عز وجل: وعد ~~الله حقا يعني وعد الله ذلك الذي ذكر وعدا حقا ومن أصدق من الله قيلا # يعني ليس أحد أصدق من الله وهو توكيد بليغ لقوله: وعد الله حقا قوله ~~تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب الأمنية أفعولة من التمنية ~~والتمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها والأمنية هي الصورة الحاصلة في ~~النفس من تمنى الشيء إذا وقع في نفسه وأراده في المخاطب بقوله: ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قولان: أحدهما أنه خطاب للمسلمين وأهل ~~الكتاب اليهود والنصارى وذلك أنهم افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم ~~وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون نبينا خاتم ~~الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن ~~أولى بالله منكم. والقول الثاني أنه خطاب لمشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا ~~نحاسب وخطاب لأهل الكتاب في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. ~~والمعنى ليس الأمر بالأماني إنما الأمر بالعمل الصالح من يعمل سوءا يجز به ~~قال الضحاك يقول: ليس لكم ما تمنيتم وليس لأهل الكتاب ما تمنوا ولكن من عمل ~~سوءا يعني شركا ms0864 فمات عليه يجز به النار. وقال الحسن هذا في حق الكفار خاصة ~~لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزى المؤمن بسيئ عمله يوم ~~القيامة ولكن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته ويدل على صحة هذا القول ~~سياق الآية وهو قوله: ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا وهذا هو ~~الكافر، فأما المؤمن فله ولي ونصير. وقال آخرون هذه الآية في حق كل من عمل ~~سوءا من مسلم ونصراني وكافر. قال ابن عباس هي عامة في حق كل من عمل سوءا ~~يجز به إلا أن يتوب قبل أن يموت فيتوب الله عليه. وقال ابن عباس في رواية ~~أبي صالح عنه لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة وقالوا يا ~~رسول الله وأينا من لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟ قال منه ما يكون في ~~الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر ~~حسناته وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره. وأما من كان جزاؤه ~~في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في ~~الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذي فضل فضله ويدل على صحة هذا القول ~~ما روي عن أبي هريرة قال لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين ~~مبلغا شديدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا ففي كل ما ~~يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها # والشوكة يشاكها» أخرجه مسلم وعن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت: من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ألا أقرئك ~~آية أنزلت علي قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت ~~انقساما في ظهري فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا ~~أبا بكر؟ قلت يا رسول ms0865 الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون ~~بأعمالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت يا أبا بكر ~~والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب. وأما ~~الآخرون فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~غريب وفي إسناده مقال وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي بكر وليس له ~~إسناد صحيح وقوله: «ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا» قال ابن عباس: ~~يريد وليا يمنعه ولا نصيرا ينصره فإن قلنا إن هذه الآية خاصة في حق الكفار ~~فتأويلها ظاهر وإن قلنا إنها في حق كل عامل سوء من مسلم وكافر فإنه لا ولي ~~لأحد من دون الله يوم القيامة ولا ناصر. # فالمؤمنون لا ولي لهم غير الله وشفاعة الشافعين تكون بإذن الله فليس يمنع ~~أحد أحدا عن الله وقوله تعالى: # PageV01P430 ### || [سورة النساء (4): آية 124] # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن قال مسروق لما نزلت من ~~يعمل سوءا يجز به قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت هذه الآية قال ~~المفسرون بين الله تعالى بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم ولفظة من في ~~قوله من الصالحات للتبعيض، لأن أحدا لا يقدر أن يستوعب جميع الصالحات ~~بالعمل فإذا عمل بعضها استحق الثواب فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ~~النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة قال ابن عباس يريد لا ينقصون ~~قدر نقرة النواة وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء ~~أعمالهم من غير نقصان قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 125] # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن لما بين الله تعالى أن الجنة ~~لمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن شرح الإيمان وبين ms0866 فضله فقال تعالى: ومن أحسن ~~دينا يعني ومن أحكم دينا والدين هو المشتمل على كمال العبودية والخضوع ~~والانقياد لله عز وجل وهو الذي كان عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم. واعلم ~~أن دين الإسلام مبني على أمرين: أحدهما الاعتقاد وإليه الإشارة بقوله: أسلم ~~وجهه لله يعني انقاد لله وخضع له في سره وعلانيته وقيل معناه أخلص طاعته ~~لله وقيل فوض أمره إلى الله. الأمر الثاني من مباني الإسلام العمل وإليه ~~الإشارة بقوله: # وهو محسن يعني في عمله لله فيدخل فيه فعل الحسنات والمفروضات والطاعات ~~وترك السيئات وقال ابن عباس في تفسير قوله: «وهو محسن» يريد وهو موحد لله ~~عز وجل لا يشرك به شيئا قال العلماء وإنما صار دين الإسلام أحسن الأديان ~~لأن فيه طاعة الله ورضاه وهما أحسن الأعمال. وإنما خص الوجه بالذكر في ~~قوله: أسلم وجهه لله لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد الوجه لله وخضع له فقد ~~انقاد لله جميع الأعضاء لأنها تابعة له واتبع ملة إبراهيم يعني دين إبراهيم ~~عليه السلام حنيفا يعني مسلما مخلصا والحنيف المائل ومعناه المائل عن ~~الأديان كلها إلى الإسلام لأن كل ما سواه من الأديان باطل وحنيفا يجوز أن ~~يكون حالا لإبراهيم ويجوز أن يكون حالا للمتبع كما تقول رأيته راكبا. قال ~~ابن عباس ومن دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة والطواف ومناسك ~~الحج والختان هو نحو ذلك. فإن قلت ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو نفس شرع إبراهيم عليه السلام وعلى هذا لم يكن لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم شرع يستقل به وليس الأمر كذلك فما الجواب؟ قلت إن شرع ~~إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وملته مع زيادات ~~كثيرة حسنة خص الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم فمن اتبع ملة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد اتبع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وشرع إبراهيم داخل في شرع محمد صلى الله عليه وسلم ms0867 وإنما قال ~~تعالى: # واتبع ملة إبراهيم لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى توحيد ~~الله وعبادته ولهذا خصه بالذكر لأنه كان مقبولا عند جميع الأمم فإن العرب ~~كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وكذا اليهود والنصارى. فإذا ثبت هذا وأن شرعه ~~كان مقبولا عند الأمم وأن شرع محمد صلى الله عليه وسلم وملته هو شرع ~~إبراهيم وملته لزم الخلق الدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وقبول شرعه ~~وملته. وقوله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا يعني صفيا والخلة صفاء ~~المودة وقيل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله المنقطع إليه وسمي ~~إبراهيم خليلا لأنه انقطع إلى الله في كل حال. وقيل الخلة الاختصاص ~~والاصطفاء وسمي إبراهيم خليلا لأنه والى في الله وعادى في الله وقيل لأنه ~~تخلق بأخلاق حسنة وخلال كريمة وقيل الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل ~~وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل وأنشد ~~في معنى الخلة التي هي بمعنى المحبة: # PageV01P431 # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبه سمي الخليل خليلا # وقيل الخليل من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة سميت خلة للاختلال الذي يلحق ~~الإنسان فيها وسمي إبراهيم خليلا لأنه جعل فقره وفاقته وحاجته إلى الله ~~تعالى. وخلة الله للعبد هي تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه وستر خلله ونصره ~~والثناء عليه فقد أثنى الله عز وجل على إبراهيم عليه السلام وجعله إماما ~~للناس يقتدى به. واختلفوا في السبب الذي من أجله اتخذ الله إبراهيم خليلا ~~فقال ابن عباس كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أبا الضيفان وكان منزله على ~~ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس شدة قحط فقصد الناس باب ~~إبراهيم يطلبون منه الطعام، وكانت الميرة تأتيه من صديق له بمصر فبعث ~~إبراهيم غلمانه إلى خليله الذي بمصر فقال خليله لغلمان إبراهيم لو كان ~~إبراهيم يريد إنماء الطعام لنفسه احتملنا ذلك له وقد دخل علينا مثل ما دخل ~~على الناس من الشدة فرجع غلمان إبراهيم بغير طعام فمروا ببطحاء ms0868 من الرمل ~~سهلة فقالوا لو حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بالميرة فإنا ~~نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة فملؤوا من ذلك الرمل الغرائر التي معهم ثم ~~أتوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأعلموه وسارة نائمة فاهتم لذلك ~~ولمكان الناس ببابه فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار ~~فقالت سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا بلى قالت فجاؤوا بشيء قالوا نعم ~~فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق يكون حواري فأمرت ~~الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال يا ~~سارة من أين لكم هذا؟ فقالت من عند خليلك المصري فقال هذا من عند خليلي ~~الله قال فيومئذ اتخذه الله خليلا وقيل لما أراه الله ملكوت السموات والأرض ~~وحاج قومه في الله ودعاهم إلى توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر ~~والأوثان وبذل نفسه للإلقاء في النيران وبذل ولده للقربان وماله للضيفان ~~اتخذه الله خليلا وجعله إماما للناس يقتدى به وجعل النبوة فيه وفي ذريته ~~وقيل إن إبراهيم عليه السلام لما كسر الأصنام وعادى قومه في الله عز وجل ~~اتخذه الله خليلا وقيل لما دخل عليه الملائكة فظنهم ضيفا فقرب إليهم عجلا ~~مشويا وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل ~~أنت خليل الله فمن يومئذ سمي إبراهيم خليل الله (م) عن أنس قال: «جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك إبراهيم خليل الله». # (فصل) وقد اتخذ الله محمدا صلى الله عليه وسلم خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا فقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا» وعن ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ~~ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» أخرجه مسلم فقد ms0869 ثبت بهذين ~~الحديثين الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم وزاد على إبراهيم عليه السلام ~~بالمحبة فمحمد صلى الله عليه وسلم خليل الله وحبيبه فقد جاء في حديث عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وأنا حبيب الله ولا فخر» أخرجه ~~الترمذي بأطول منه. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 126 الى 127] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) ~~ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # ولله ما في السماوات وما في الأرض قال أهل المعاني: لما دعا الله الخلق ~~إلى طاعته وعبادته والانقياد لأمره بين سعة ملكه ليرغب الخلق إليه بالطاعة ~~له. وإنما قال ما في السموات وما في الأرض ولم يقل من لأنه # PageV01P432 # ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظة ما وكان ~~الله بكل شيء محيطا يعني عالما علم إحاطة وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى ~~لا يشذ عنه نوع إلا علمه وقيل يجوز أن يكون معناه محيطا بالقدرة عليه. قوله ~~عز وجل: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن الآية. قال ابن عباس: ~~نزلت في بنات أم كحة وقد تقدمت قصتهن في أول السورة وقالت عائشة هي اليتيمة ~~تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل ~~من سنة صداقها وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلة الجمال والمال تركها، وفي ~~رواية قالت هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وقد شركته في ماله فيرغب عنها فلا ~~يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه ويشركه في ماله فيحبسها ~~حتى تموت فنهاهم الله عن ذلك وأنزل هذه الآية فقال ويستفتونك يعني ~~ويستخبرونك يا محمد في شأن النساء وحالهن والاستفتاء طلب الفتوى وهو إظهار ~~ما أشكل من ms0870 الأحكام الشرعية وكشفه وتبيينه قال المفسرون والذي استفتوه فيه ~~هو ميراث النساء وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد ~~فلما نزلت آية الميراث قالوا: يا رسول الله كيف ترث المرأة والصغير؟ ~~فأجابهم بهذه الآية: قل الله يفتيكم فيهن يعني قل يا محمد الله يفتيكم في ~~شأن النساء وحالهن وما يتلى عليكم في الكتاب يعني يفتيك فيما يتلى عليكم ~~والمعنى أن الله يفتيكم في النساء بما أنزل في كتابه عليكم وقيل المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم ~~وأنها في اللوح المحفوظ وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور ~~عند الله تعالى التي تجب مراعاتها وأن المخل بها ظالم في يتامى النساء قيل ~~معناه في النساء اليتامى وقيل في اليتامى أولاد النساء، لأن الآية نزلت في ~~يتامى أم كحة اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن يعني ما فرض لهن من الميراث ~~وهذا على قول من يقول إن الآية نازلة في ميراث اليتامى والصغار وعلى القول ~~الآخر معناه ما كتب لهن من الصداق وترغبون أن تنكحوهن يعني وترغبون في ~~نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن وقيل معناه وترغبون عن نكاحهن لقبحهن ~~ودمامتهن وتمسكوهن رغبة في أموالهن (ق) عن عائشة قالت هذه اليتيمة تكون في ~~حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينقص صداقها فنهوا عن نكاحهن ~~إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن قالت عائشة رضي ~~الله عنها فاستفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله ~~عز وجل: يستفتونك في النساء إلى قوله: وترغبون أن تنكحوهن فبين لهم أن ~~اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها في ~~إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا ~~غيرها قال فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا ~~فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقوله تعالى: # والمستضعفين من الولدان ms0871 يعني ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم ~~الصغار أن تعطوهم حقوقهم لأن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار ~~أيضا فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم حقهم من الميراث وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط يعني بالعدل في مهورهن ومواريثهن وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما يعني فيجازيكم عليه. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 128] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا (ق) عن عائشة في قوله تعالى: ~~وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا قالت نزلت في المرأة تكون عند ~~الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها فنقول له امسكني لا تطلقني ~~ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي قالت فذلك قوله تعالى: # فلا جناح عليهما أن يصالح بينهما صلحا والصلح خير وقيل نزلت في عمرة بنت ~~محمد بن مسلمة ويقال # PageV01P433 # اسمها خولة وفي زوجها سعد بن الربيع ويقال له رافع بن خديج تزوجها وهي ~~شابة فلما كبرت تزوج عليها امرأة أخرى شابة وآثرها عليها وجفا الأولى فأتت ~~ابنة محمد بن مسلمة تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية. وقيل كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ~~ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم لي كل شهرين إن ~~شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال إن كان يصلح ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله هذه الآية: وإن امرأة خافت يعني ~~علمت وقيل ظنت وقيل بل المراد نفس الخوف لأن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور ~~الأمارات الدالة على وقوعه من بعلها يعني من زوجها. # والبعل هو السيد وسمي الزوج بعلا لأنه سيد المرأة. نشوزا يعني بغضا وقيل ~~هو ترك ms0872 مضاجعتها وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض والنشوز قد يكون من ~~الزوجين وهو أن يكره كل واحد منهما صاحبه فنشوز الزوج هو أن يعرض عن ~~المرأة. وهو قوله تعالى: أو إعراضا يعني بوجهه عنها أو يعبس في وجهها أو ~~يترك مضاجعتها أو يسيء عشرتها أو يشتغل بغيرها وقيل المراد من النشوز إظهار ~~الخشونة في القول والفعل والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر ~~والإيذاء بل يعرض عنها بوجهه أو يشتغل بغيرها فلا جناح عليهما يعني فلا حرج ~~ولا إثم على الزوج والمرأة أن يصلحا من المصالحة، وقرئ أن يصلحا بضم الياء ~~وكسر اللام من الإصلاح بينهما صلحا يعني في القسمة والنفقة وهو أن يقول ~~الزوج للمرأة: إنك قد كبرت ودخلت في السن، وأنا أريد أن أتزوج امرأة جميلة ~~شابة أوثرها عليك في القسمة ليلا ونهارا فإن رضيت فأقيمي وإن كرهت ذلك ~~فارقتك وخليت سبيلك فإن رضيت بذلك كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك وإن لم ~~ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها ~~بإحسان وإن أمسكها ووفاها حقها مع الكراهة لها كان هو المحسن قال ابن عباس: ~~فإن صالحته على بعض حقها من القسمة والنفقة جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح ~~كان ذلك لها ولها حقها والصلح خير يعني إقامتها بعد تخييره إياها والمصالحة ~~على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من الفرقة عن ابن عباس قال: «خشيت ~~سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني ~~واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت- فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا ~~والصلح خير- فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ~~غريب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين يومها ويوم ~~سودة وأحضرت الأنفس الشح الشح أقبح البخل، وحقيقته الحرص على منع الخير، ~~وإنما قال: # وأحضرت الأنفس الشح لأنه كالأمر اللازم للنفوس لأنها مطبوعة عليه، ومعنى ~~الآية أن كل واحد من الزوجين يشح بنصيبه ms0873 من الآخر فالمرأة تشح على مكانها ~~من زوجها والرجل يشح عليها بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه منها وإن تحسنوا ~~وتتقوا هذا خطاب للأزواج يعني وإن تحسنوا أيها الأزواج الصحبة والعشرة ~~وتتقوا الله في حق المرأة فإنها أمانة عندكم وقيل معناه وإن تحسنوا ~~بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور عليها. # فإن الله كان بما تعملون خبيرا يعني فيجازيكم بأعمالكم قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 129 الى 130] # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء يعني ولن تقدروا أن تسووا بين النساء ~~في الحب وميل القلب لأن ذلك مما لا تقدرون عليه وليس من كسبكم ولو حرصتم ~~يعني على العدل والتسوية بينهن وقيل معناه ولو حرصتم على ذلك فلا تميلوا كل ~~الميل يعني إلى التي تحبونها في القسم والنفقة والمعنى أنكم لستم منهيين عن ~~حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن قدرتكم ووسعكم ولكنكم منهيون ~~عن إظهار ذلك الميل # PageV01P434 # في القول والفعل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط» أخرجه الترمذي ~~وعند أبي داود «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه ~~مائل» وعن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل فيقول ~~اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب» أخرجه ~~أبو داود والترمذي والنسائي وقوله تعالى: فتذروها كالمعلقة يعني فتدعوا ~~الأخرى التي لا تميلون إليها كالمعلقة لا أيما ولا ذات بعل كالشيء المعلق ~~لا هو في السماء ولا على الأرض. # وقيل معناه فتذروها كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج ولا هي ذات بعل فيحسن ~~إليها وإن تصلحوا يعني بالعدل في القسم وتتقوا يعني الجور في القسم فإن ms0874 ~~الله كان غفورا يعني لما حصل من الميل إلى بعضهن دون بعض رحيما يعني بكم ~~حيث لم يكلفكم ما لا تقدرون عليه وإن يتفرقا يعني إن لم يصطلحا وأرادا ~~الفرقة يغن الله كلا من سعته يعني من فضله ورزقه والمعنى يغني الزوج بامرأة ~~أخرى والمرأة بزوج آخر. وقيل معناه يعوض الزوج بما يحب والمرأة بما تحب ~~ويوسع عليهما وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق وكان الله ~~واسعا يعني واسع الفضل والرحمة وقيل واسع القدرة والعلم والرزق وقيل هو ~~الغني الذي وسع جميع مخلوقاته غناه حكيما يعني فيما أمر به ونهى عنه. # (فصل فيما يتعلق بحكم الآية) وجملته أن الرجل إذا كان تحته امرأتان أو ~~أكثر يجب عليه التسوية بينهن في القسم فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم ~~عصى الله عز وجل في ذلك وعليه القضاء للمظلومة والتسوية شرك في البيتوتة ~~أما في الجماع فلا لأن ذلك يدور على النشاط وميل القلب وليس ذلك إليه ولو ~~كان في نكاحه حرة وأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة. وإذا تزوج ~~جديدة على قديمات كن عنده فإنه يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال إن ~~كانت الجديدة بكرا وإن كانت ثيبا خصها بثلاث ليال ثم إنه يستأنف القسم ~~ويسوي بينهن ولا يجب عليه قضاء عوض هذه الليالي للقديمات ويدل على ذلك ما ~~روى أبو قلابة عن أنس قال: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ~~سبعا وقسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا وقسم» قال أبو قلابة ولو شئت ~~لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرجاه في الصحيحين. وإذا ~~سافر الرجل إلى سفر حاجة جاز له أن يحمل معه بعض نسائه بشرط أن يقرع بينهن ~~ولا يجب عليه أن يقضي للباقيات عوض مدة سفره وإن طالت إذا لم يزد مقامه في ~~البلد على مدة المسافرين ويدل على ذلك ما روي عن عائشة قالت: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا ms0875 أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها ~~خرج بها معه». أخرجه البخاري مع زيادة فيه. وإذا أراد الرجل سفر نقلة وجب ~~عليه أخذ نسائه معه. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 131 الى 133] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا (132) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك ~~قديرا (133) # ولله ما في السماوات وما في الأرض يعني عبيدا وملكا قال أهل المعاني لما ~~ذكر الله تعالى أنه يغني من سعته وفضله أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في ~~طلب الخير منه لأن من ملك السموات والأرض لا تفنى خزائنه ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم يعني من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب القديمة ~~وإياكم يعني ووصيناكم يا أهل القرآن في كتابكم أن اتقوا الله أي بأن تتقوا ~~الله وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه ولا تخالفوا أمره والمعنى أن الأمر ~~بتقوى الله شريعة قديمة أوصى الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم وإن ~~تكفروا يعني وإن تجحدوا ما أوصاكم به فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ~~يعني فإن لله ملائكة في # PageV01P435 # السموات والأرض هم أطوع له منكم. وقيل معناه أن الله تعالى خالق السموات ~~والأرض وما فيه ومالكهن، والمنعم عليهم بأصناف النعم ومن كان كذلك فحق لكل ~~أحد أن يتقيه ويرجوه وكان الله غنيا يعني عن جميع خلقه غير محتاج إليهم ولا ~~إلى طاعتهم حميدا يعني محمودا على نعمه عليهم ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا قال ابن عباس يعني شهيدا على أن له فيهن عبيدا وقيل ~~معناه وكفى بالله دافعا ومجيرا. # فإن قلت ما الفائدة في تكرير قوله تعالى: ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض قلت الفائدة في ذلك أن لكل آية معنى تخص به، أما ms0876 الآية الأولى ~~فمعناها فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بتقوى الله فاقبلوا ~~وصيته وقيل لما قال تعالى: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته بين أن له ما ~~في السموات وما في الأرض وأنه قادر على إغناء جميع الخلائق وهو المستغني ~~عنهم. وأما الآية الثانية فإنه تعالى قال: وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض والمراد أنه تعالى منزه عن طاعات الطائعين وعن ذنوب ~~المذنبين وأنه لا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي. وقيل لما بين أن ~~له ما في السموات وما في الأرض وقال بعد ذلك: # وكان الله غنيا حميدا فالمراد منه أنه تعالى هو الغني وله الملك فاطلبوا ~~منه ما تطلبون فهو يعطيكم لأن له ما في السموات وما في الأرض. وأما الثالثة ~~فقال تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا أي فتوكلوا ~~عليه ولا تتوكلوا على غيره فإنه المالك لما في السموات والأرض. وقيل ~~تكريرها تعديدها لما هو موجب تقواه لتتقوه وتطيعوه ولا تعصوه لأن التقوى ~~والخشية أصل كل خير. # قوله عز وجل: إن يشأ يذهبكم أيها الناس قال ابن عباس: يريد المشركين ~~والمنافقين ويأت بآخرين بغيركم هم خير منكم وأطوع له ففيه تهديد للكفار ~~والمعنى أنه يهلككم أيها الكفار كما أهلك من كان قبلكم، إذ كفروا به وكذبوا ~~به وكذبوا رسله وكان الله على ذلك قديرا يعني وكان الله على ذلك الإهلاك ~~وإعادة غيركم قادرا بليغا في القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده لم يزل ولا ~~يزال موصوفا بالقدرة على جميع الأشياء. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 134 الى 136] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(135) يا أيها الذين ms0877 آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # من كان يريد ثواب الدنيا يعني من كان يريد بعمله عرضا من الدنيا نزلت في ~~مشركي العرب وذلك أنهم كانوا يقرون بالله تعالى خالقهم ولا يقرون بالبعث ~~يوم القيامة فكانوا يقربون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها ~~وقيل نزلت في المنافقين لأنهم كانوا لا يصدقون بيوم القيامة، وإنما كانوا ~~يطلبون بجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عاجل الدنيا وهو ما ~~ينالونه من الغنيمة فعند الله ثواب الدنيا والآخرة يعني الذين يطلبون ~~بأعمالهم وجهادهم ثواب الدنيا وما ينالونه من الغنيمة مخطئون في قصدهم لأن ~~الله عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة فلو كانوا عقلاء لطلبوا ثواب الآخرة ~~حتى يحصل لهم ذلك ويحصل لهم ثواب الدنيا على سبيل التبعية والمعنى أن من ~~أراد بعمله الدنيا آتاه الله منها ما أراد وصرف عنه من شرها ما أراد وليس ~~له ثواب في الآخرة يجزى به، ومن أراد بعمله وجه الله وثواب الآخرة فعند ~~الله ثواب الدنيا والآخرة يؤتيه من الدنيا ما قدر له ويجزيه في الآخرة خير ~~الجزاء وكان الله سميعا يعني لأقوالهم وما يسرونه من طلب ثواب الدنيا بصيرا ~~يعني بنياتهم وما في نفوسهم وقيل بصيرا بمن يطلب الدنيا بعمله وبمن يطلب ~~الآخرة بعمله. قوله عز وجل: # PageV01P436 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله قال السدي إن فقيرا ~~وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان صغوه مع الفقير يرى أن ~~الفقير لا يظلم الغني فأنزل الله هذه الآية وأمر بالقيام بالقسط مع الغني ~~والفقير وقيل إن هذه الآية متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق فهي خطاب لقومه الذين ~~جادلوا عنه وشهدوا به بالباطل، فأمرهم الله تعالى أن يكونوا قائمين بالقسط ~~شاهدين لله على كل حال ولو على أنفسهم وأقاربهم فقال تعالى: كونوا قوامين ~~بالقسط القوام مبالغة في القيام بالعدل في ms0878 جميع الشهادات واجتناب الجور ~~فيها قال ابن عباس كونوا قوامين بالعدل في جميع الشهادات على من كانت شهداء ~~لله يعني أقيموا شهادتكم لوجه الله كما أمركم فيها فيقول الحق في شهادته ~~ولو على أنفسكم يعني ولو كانت الشهادة على أنفسكم أمر الله العبد أن يشهد ~~على نفسه بالحق وهو أن يقر على نفسه وذلك الإقرار يسمى شهادة في كونه موجبا ~~للحق عليه أو الوالدين والأقربين يعني ولو كانت الشهادة على الوالدين ~~والأقربين من ذوي رحمه أو أقاربه والمعنى قولوا الحق ولو على أنفسكم أو على ~~الوالدين أو الأقارب فأقيموا الشهادة عليهم لله تعالى ولا تحابوا غنيا ~~لغناه ولا ترحموا فقيرا لفقره فذلك قوله تعالى: إن يكن يعني المشهود عليه ~~غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما يعني منكم والمعنى كلوا أمرهم إلى الله ~~تعالى فهو أعلم بهم وبحالهم وإنما قال بهما على التثنية لأن رد الضمير إلى ~~المعنى دون اللفظ يعني فالله أولى بالغني والفقير فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا يعني فلا تتبعوا الهوى واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق في أداء ~~الشهادة وقيل معناه اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، ~~لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى وإن تلووا قرئ بواوين ومعناه أن يلوي ~~الشاهد لسانه إلى غير الحق قال ابن عباس يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم ~~الشهادة على وجهها أو تعرضوا يعني أو يعرض الشاهد عن الشهادة فيكتمها ولا ~~يقيمها يقال لويته حقه إذا دفعته عنه ومطلته به، وقيل معناه وإن تلووا عن ~~القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا عنها فتتركوها وقيل معناه التحريف والتبديل ~~في الشهادة من قولهم لويت الشيء إذا قبلته وقيل هو خطاب مع الحكام يقول وإن ~~تلووا يعني تميلوا مع أحد الخصمين دون الآخر أو تعرضوا عنه بالكلية وقرئ ~~تلوا بواو واحدة من الولاية فهو خطاب للحكام أيضا ومعناه فلا تلوا أمور ~~المسلمين وتضيعوهم أو تعرضوا عنهم فإن الله كان بما تعملون خبيرا يعني أنه ~~تعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيجازيكم بأعمالكم. ms0879 قوله عز ~~وجل: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله قال ابن عباس نزلت في عبد ~~الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن أخت عبد الله بن ~~سلام وسلمة ابن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا # إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سوى ذلك من الكتب ~~والرسل فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «بل آمنوا بالله وبرسوله محمد ~~والقرآن وبكل كتاب كان قبله» فأنزل الله هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا ~~يعني بمحمد والقرآن وبموسى والتوراة آمنوا بالله ورسوله اسم جنس يعني آمنوا ~~بجميع رسله وقيل هو خطاب لأهل الكتاب جميعا والمعنى يا أيها الذين آمنوا ~~بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن وقيل هو خطاب ~~للمنافقين والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم آمنوا ~~بقلوبكم حتى ينفعكم الإيمان لأن الإيمان باللسان لا ينفع من غير مواطأة ~~القلب وقيل هو خطاب للمؤمنين والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحال ~~آمنوا في المستقبل ودوموا واثبتوا على الإيمان والكتاب والكتاب الذي نزل ~~على رسوله يعني القرآن والكتاب الذي أنزل من قبل يعني وآمنوا بالقرآن ~~وبجميع الكتب الذي أنزلها على أنبيائه قبل القرآن فيكون الكتاب اسم جنس ~~لجميع الكتب ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا قوله عز وجل: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 137 الى 138] # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~(138) # PageV01P437 # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا قال ابن عباس ~~نزلت في اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادتهم العجل ثم بعد ذلك كفروا ~~بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل ~~إنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعده ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا ~~كفرا ms0880 بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في المنافقين وذلك أنهم آمنوا ثم ~~كفروا بعد الإيمان ثم آمنوا يعني بألسنتهم وهو إظهارهم الإيمان لتجري عليهم ~~أحكام المؤمنين ثم ازدادوا كفرا يعني بموتهم على الكفر. وقيل بذنوب أحدثوها ~~في الكفر وقيل هم قوم آمنوا ثم ارتدوا إلى الكفر ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا يعني بموتهم عليه. وذلك لأن من تكرر منه الإيمان بعد الكفر ~~والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن ~~كان كذلك لا يكون مؤمنا بالله إيمانا صحيحا وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم ~~وتلاعبهم بالإيمان ومثل هذا المتلاعب بالدين هل تقبل توبته أم لا؟ حكي عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال لا تقبل توبته بل يقتل وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ~~توبته مقبولة. وقوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم يعني ما أقاموا على ~~الكفر وماتوا عليه وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه يغفر الكفر إذا تاب منه ~~بقوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يعني عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف يعني من ~~كفرهم ولا ليهديهم سبيلا يعني طريق هدى وقيل لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قوله ~~تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما يعني أخبرهم يا محمد وإنما وضع ~~بشر مكان أخبر تهكما بهم وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه سارا كان ~~ذلك الخبر أو غير سار وقيل معناه اجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب ~~يقول تحيتك الضرب أي هذا بدل من تحيتك قال الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع # ### || [سورة النساء (4): الآيات 139 الى 141] # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ~~مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون ~~بكم فإن كان لكم فتح من الله ms0881 قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ~~ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # ثم وصف الله تعالى المنافقين فقال تعالى: الذين يتخذون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين يعني يتخذون اليهود أولياء وأنصارا وبطانة من دون المؤمنين ~~وذلك أن المنافقين كانوا يقولون إن محمدا لا يتم أمره فيوالون اليهود فقال ~~الله تعالى ردا على المنافقين: أيبتغون عندهم العزة يعني يطلبون من اليهود ~~العزة والمعونة والظهور على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإن العزة لله ~~جميعا يعني فإن القوة والقدرة والغلبة لله جميعا وهو الذي يعز أولياءه وأهل ~~طاعته كما قال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقد نزل عليكم يا معشر ~~المسلمين في الكتاب يعني القرآن أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ ~~بها قال المفسرون الذي أنزل عليهم في النهي عن مجالستهم هو قوله تعالى في ~~سورة الأنعام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وهذا أنزله بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ويستهزءون ~~به في مجالسهم ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين ~~وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن فنهى الله ~~المؤمنين عن القعود معهم بقوله: فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~يعني يأخذوا في حديث آخر غير الاستهزاء بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قال ابن عباس دخل في هذه الآية كل محدث في # PageV01P438 # الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة إنكم إذا مثلهم يعني أنكم يا أيها ~~الجالسون مع المستهزئين بآيات الله إذا رضيتم بذلك فأنتم وهم في الكفر ~~سواء. قال العلماء وهذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر ومن رضي بمنكر ~~أو خالط أهله كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به وإن لم يباشره فإن جلس ~~إليهم، ولم يرض بفعلهم بل كان ساخط له وإنما جلس على سبيل التقية والخوف ~~فالأمر فيه أهون من المجالسة ms0882 مع الرضا وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر ولم ~~يخض في بدعته أو منكره فيجوز الجلوس معه مع الكراهة وقيل لا يجوز بحال ~~والأول أصح إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا أي إنهم ~~اجتمعوا في الدنيا على الاستهزاء بآيات الله وكذلك يجمعهم في عذاب جهنم يوم ~~القيامة قوله عز وجل: الذين يتربصون بكم نزلت في المنافقين والمعنى ينتظرون ~~ما يحدث بكم من خير أو شر فإن كان لكم فتح من الله أي ظفر على عدوكم، ~~وغنيمة تنالونها منهم قالوا يعني المنافقين لكم ألم نكن معكم يعني في ~~الوقعة والفتح فأعطونا من الغنيمة وقيل معناه ألم نكن على دينكم وفي الجهاد ~~كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة وإن كان للكافرين نصيب أي دولة ~~وظهور على المسلمين قالوا يعني المنافقين للكفار ألم نستحوذ عليكم ~~الاستحواذ هو الاستيلاء والغلبة يقال استحوذ فلان على فلان أي غلب عليه ~~والمعنى أم نغلبكم ونتمكن منكم ومن قتالكم وأسركم ثم لم نفعل ذلك وقيل ~~معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونمنعكم من المؤمنين يعني في صلاتهم والدخول في ~~دينهم وقيل معناه ألم ندفع المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم ~~بأخبارهم وأسرارهم فهاتوا نصيبا مما أصبتم منهم ومراد المنافقين إظهار ~~المنة على الكفار. فإن قلت لم سمي ظفر المؤمنين فتحا وسمي ظفر الكافرين ~~نصيبا. قلت تعظيما لشأن المؤمنين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المؤمنين ~~أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى ينزل النصر على المسلمين وأما ظفر ~~الكفار فما هو إلا حظ دنيء ونصيب خسيس لا يبقى منه إلا ما نالوه ولهم في ~~الآخرة العقوبة الشديدة على ذلك النصيب الذي نالوه من المسلمين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة يعني الفريقين فريق المؤمنين وفريق المنافقين والمعنى ~~إنما وضع السيف عن المنافقين في الدنيا لا لأجل كرامتهم بل أخر عذابهم إلى ~~يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فيه قولان: أحدهما ~~وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن المراد به يوم القيامة بدليل أنه ms0883 عطف ~~على قوله فالله يحكم بينكم يوم القيامة روي أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن ~~هذه الآية: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وهم يقتلوننا فقال ~~ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا. والقول الثاني إن ~~هذا في الدنيا والمعنى أن حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على # الكافرين وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة وقيل معناه إن الله لم يجعل ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية حتى يستبيحوا ~~بيضتهم فلا يبقى أحد من المؤمنين وقيل معناه إن الله لا يجعل للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا بالشرع فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة ويتفرع على ~~ذلك مسائل من أحكام الفقه منها أن الكافر لا يرث المسلم ومنها أن الكافر ~~إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدليل هذه الآية ومنها أن الكافر ليس ~~له أن يشتري عبدا مسلما ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدليل هذه الآية. ~~قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 142 الى 144] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا (144) # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # يعني يعاملون الله وهو يجازيهم على خداعهم وقيل معناه # PageV01P439 # يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم يظهرون له الإسلام ويبطنون ~~له الكفر وهو خادعهم يعني والله مجازيهم بالعقاب وقيل إنهم يعطون نورا يوم ~~القيامة كما يعطى المؤمنون فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط ويطفأ نور ~~المنافقين وإذا قاموا إلى الصلاة # يعني المنافقين قاموا كسالى # يعني متثاقلين وسبب هذا الكسل أنهم يتعبون بها لأنهم لا يريدون بفعلها ~~ثوابا ولا يريدون بها وجه الله عز وجل ولا يخافون على تركها عقابا لأن ~~الداعي إلى فعلها خوف الناس فلذلك وقع فعلها على وجه ms0884 الكسل والفتور يراؤن ~~الناس # يعني أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين ~~ولا يرون أنها واجبة عليهم قال قتادة والله لولا الناس ما صلى منافق ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا # قال ابن عباس إنما قال ذلك لأنهم يفعلونه رياء وسمعة ولو أرادوا بذلك ~~القليل وجه الله لكان كثيرا وقيل لأن الله لم يقبله ولو قبله لكان كثيرا ~~وقبل المراد بذكر الله الصلاة والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلا لأنهم متى ~~لم يكن معهم أحد من المؤمنين فلا يصلون وإذا كانوا مع المؤمنين يتكلفون ~~فعلها مذبذبين بين ذلك يعني متحيرين مترددين بين الكفر والإيمان لأنهم ~~ليسوا مع المؤمنين المخلصين ولا مع المشركين المصرحين بالشرك وهو قوله ~~تعالى: لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يعني ليسوا من المؤمنين حتى يجب لهم ما ~~يجب للمؤمنين وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا يعني طريقا إلى الهدى (ق) عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه ~~مرة وإلى هذه مرة» قوله كمثل الشاة العائرة بالعين المهملة ومعناه المتحيرة ~~المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع ومعنى تعير تتردد وتذهب يمينا وشمالا ~~مرة إلى هذه ومرة إلى هذه لا تدري إلى أين تذهب وهذا مثل المنافق مرة على ~~المؤمنين ومرة مع الكافرين أو ظاهره مع المؤمنين وباطنه مع الكافرين. قوله ~~عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~لما ذم الله عز وجل المنافقين بقوله مذبذبين بين ذلك نهى الله المؤمنين أن ~~يتخلقوا بأخلاق المنافقين يقول لا تولوا الكفار من دون أهل ملتكم ودينكم ~~فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين والسبب في هذا النهي أن الأنصار ~~بالمدينة كان لهم من يهود بني النضير وقريظة حلف ومودة ورضاع فقالوا يا ~~رسول الله من نتولى؟ فقال: المهاجرين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا يعني أتريدون ms0885 أيها المتخذون الكفار أولياء أن تجعلوا لله عليكم حجة ~~بينة باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين فتستوجبوا بذلك النار ثم بين ~~مقر النار من المنافقين فقال تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 145 الى 148] # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار يعني في الطبق الذي في قعر جهنم ~~والنار سبع دركات بعضها فوق بعض سميت طبقات جهنم دركات لأنها متداركة ~~متتابعة. وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم ~~وقيل هي توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار. فإن قلت لم كان المنافق أشد ~~عذابا من الكافر؟ قلت إن المنافق مثل الكافر في الكفر وزيادة وهو أنه ضم ~~إلى كفره نوعا آخر من الكفر أخبث منه وهو الاستهزاء بالإسلام والمسلمين ~~وإفشاء أسرار المسلمين ونقلها إلى الكفار. فلهذا السبب جعل الله عذاب ~~المنافقين أشد عذابا من الكفار والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر وقيل ~~هو الذي يصف الإسلام بلسانه ولا يعمل بشرائعه ولا يتقيد بقيوده ولا يدخل ~~تحت أحكامه وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقا فللتغليظ ومنه # PageV01P440 # قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم ~~أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» فإن هذه الخصال ~~صفات المنافقين فمن فعلها فقد تشبه بالمنافقين. وقوله تعالى: ولن تجد لهم ~~نصيرا يعني ولن تجد يا محمد لهؤلاء المنافقين ناصرا ينصرهم من عذاب الله ~~إذا نزل بهم ثم استثنى الله عز وجل من تاب من المنافقين فقال تعالى: إلا ~~الذين تابوا يعني من النفاق وأصلحوا يعني أصلحوا الأعمال فعملوا بما أمر ~~الله به وأدوا ms0886 فرائضه وانتهوا عما نهاهم عنه واعتصموا بالله يعني وتمسكوا ~~بعهد الله ووثقوا به وأخلصوا دينهم لله يعني وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي ~~عملوها لله وأرادوه بها ولم يريدوا رياء ولا سمعة فهذه الأمور الأربعة إذا ~~حصلت فقد كمل الإيمان فلذلك قال تعالى: فأولئك يعني التائبين من النفاق مع ~~المؤمنين يعني في الجنة وقيل مع بمعنى من أي المؤمنين وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما يعني في الآخرة. قوله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم هذا استفهام تقرير معناه أنه تعالى لا يعذب الشاكر المؤمن فإن ~~تعذيبه لا يزيد في ملكه وتركه عقوبته لا ينقص من سلطانه لأنه الغني الذي لا ~~يحتاج إلى شيء من ذلك فإن عاقب أحدا فإنما يعاقبه لأمر أوجبه العدل والحكمة ~~فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أنقذتم أنفسكم من عذابه قال أهل المعاني ~~فيه تقديم وتأخير تقديره إن آمنتم وشكرتم لأن الإيمان مقدم على سائر ~~الطاعات ولأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان ولأن الواو لا توجب الترتيب ~~وقيل هو على أصله والمعنى أن العاقل ينظر بعين بصيرته أولا إلى ما عليه من ~~النعمة العظيمة في إيجاده وخلقه فيشكر على ذلك شكرا عظيما مبهما ثم إذا تمم ~~النظر ثانيا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم عليه فآمن به ثم شكره شكرا ~~مفصلا فكان ذلك الشكر المبهم مقدما على الإيمان فلذلك قدم الشكر على ~~الإيمان في الذكر وكان الله شاكرا يعني مثيبا عباده المؤمنين موفيا أجورهم ~~والشكر من الله الرضا بالقليل من أعمال عباده وإضعاف الثواب عليه وقيل لما ~~أمر الله عباده بالشكر سمى الجزاء شكرا على سبيل الاستعارة فالمراد من ~~الشاكر في صفة الله تعالى كونه مثيبا على الشكر عليما يعني بحق شكركم، ~~وإيمانكم فيجازيكم على ذلك. قوله عز وجل: لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم قال أهل المعاني يعني أنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء ولا ~~غير الجهر به أيضا من القول يعني من القول القبيح إلا من ظلم ms0887 قيل هو ~~استثناء متصل والمعنى إلا جهر من ظلم وقيل هو استثناء منقطع ومعناه لكن ~~المظلوم يجوز أن يجهر بظلم الظالم قال العلماء لا يجوز إظهار أحوال الناس ~~المستورة المكتومة لأن ذلك يصير سببا لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك ~~الشخص في الريبة لكن من ظلم فيجوز له إظهار ظلمه فيقول سرق مني أو غصب ونحو ~~ذلك. وإن شتم جاز له أن يشتم بمثله ولا يزيد شيئا على ذلك ويدل على ذلك ما ~~روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المستبان ما ~~قالا فعلى الأول «وفي رواية» فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم» أخرجه ~~مسلم قال ابن عباس: لا يحب الله أن يدعو أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه قد ~~أرخص له # أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله إلا من ظلم وإن صبر فهو خير له وقال الحسن ~~البصري هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل: اللهم أعني عليه اللهم ~~استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء وقيل نزلت ~~الآية في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ما ~~صنع به قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج من عنده ~~فيقول أساء ضيافتي وقال مقاتل نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن رجلا نال منه ~~والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر فسكت عنه أبو بكر مرارا ثم رد عليه فقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا ~~حتى إذا رددت عليه قمت قال إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك ~~وجاء الشيطان فقمت ونزلت هذه الآية: وكان الله سميعا يعني لدعاء المظلوم ~~عليما بما في قلبه فليتق الله ولا يقل إلا الحق. قوله تعالى: # PageV01P441 # ### || [سورة النساء (4): الآيات 149 الى 151] # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) ~~إن الذين يكفرون ms0888 بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم ~~الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # إن تبدوا خيرا قال ابن عباس يريد من أعمال البر كالصيام والصدقة والضيافة ~~والصلة. وقيل معناه إن تبدوا خيرا بدلا من السوء أو تخفوه يعني تخفوا الخير ~~فلم تظهروه وقيل معناه إن تبدوا حسنة فتعملوا بها تكتب لكم عشرا وإن هم بها ~~ولم يعملها كتبت له واحدة وقيل إن جميع مقاصد الخيرات على كثرتها محصورة في ~~قسمين: أحدهما صدق النية مع الحق. والثاني التخلق مع الخلق فالذي يتعلق ~~بالخلق ينحصر في قسمين أيضا وهما إيصال نفع إليهم في السر والعلانية وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو رفع ضر عنهم وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: أو تعفوا عن سوء فيدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر ~~وجميع دفع الضر، وقيل المراد بالخير المال والمعنى إن تبدوا الصدقة فتعطوها ~~الفقراء جهرا أو تخفوها فتعطوها سرا أو تعفوا عن مظلمة فإن الله كان عفوا ~~قديرا يعني لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام فاعفوا أنتم عمن ظلمكم ~~واقتدوا بسنة الله عز وجل يعف عنكم يوم القيامة لأنه أهل للتجاوز والعفو ~~عنكم وقيل معناه إن الله كان عفوا لمن عفا قديرا على إيصال الثواب إليه. ~~قوله عز وجل: إن الذين يكفرون بالله ورسله نزلت في اليهود وذلك أنهم آمنوا ~~بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~وقيل نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أن اليهود آمنوا بموسى وكفروا ~~بعيسى ومحمد والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ~~أجمعين ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~يعني ويريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله والإيمان برسله ولا يصح الإيمان ~~مع التكذيب ببعض رسله ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا يعني بين الإيمان ~~بالبعض دون البعض يتخذون مذهبا يذهبون إليه ودينا يدينون به أولئك يعني ms0889 من ~~هذه صفتهم هم الكافرون حقا يعني يقينا وإنما قال ذلك توكيدا لكفرهم لئلا ~~يتوهم متوهم أن الإيمان ببعض الرسل يزيل اسم الكفر عنهم وليعلم أن الكفر ~~ببعض الأنبياء كالكفر بكلهم لأن الدليل الذي يدل على نبوة البعض وهو ~~المعجزة لزم منه أنه حيث وجدت المعجزة حصلت النبوة وقد وجدت المعجزة لجميع ~~الأنبياء فلزم الإيمان بجميعهم وأعتدنا يعني وهيأنا للكافرين عذابا مهينا ~~يعني يهانون فيه. ### || [سورة النساء (4): الآيات 152 الى 155] # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا ~~من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ~~ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ~~(154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # والذين آمنوا بالله ورسله يعني والذين صدقوا بوحدانية الله ونبوة جميع ~~أنبيائه وأن جميع ما جاءوا به من عند الله حق وصدق ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~يعني من الرسل بل آمنوا بجميعهم وهم المؤمنون أولئك يعني من هذه صفتهم سوف ~~يؤتيهم أجورهم يعني جزاء إيمانهم بالله وبجميع كتبه ورسله وكان الله غفورا ~~رحيما يعني أنه تعالى لما وعدهم بالثواب أخبرهم أنه يتجاوز عن سيئاتهم ~~ويغفرها لهم ويرحمهم فهو كالترغيب لليهود والنصارى في الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنهم إذا آمنوا غفر لهم ما كان منهم في حال الكفر. قوله ~~تعالى: # PageV01P442 # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء يعني يسألك يا محمد أهل ~~الكتاب، وهم اليهود وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود ~~قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة واحدة ~~من السماء ms0890 كما أتى موسى بالتوراة وقيل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن ينزل عليهم كتابا مختصا بهم وقيل سألوه أن ينزل عليهم كتابا إلى فلان ~~وكتابا إلى فلان ليشهدا لك بأنك رسول الله وكان هذا السؤال من اليهود سؤال ~~تعنت واقتراح لا سؤال استرشاد وانقياد والله تعالى لا ينزل الآيات على ~~اقتراح العباد، ولأن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد تقدمت وظهرت ~~فكان طلب الزيادة من باب التعنت. وقوله تعالى: فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ~~يعني أعظم من الذي سألوك يا محمد ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتوبيخ وتقريع لليهود حيث سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت ~~والمعنى لا تعظمن عليك يا محمد مسألتهم ذلك فإنهم من فرط جهلهم واجترائهم ~~على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء لما آمنوا بك وإنما أسند السؤال إلى ~~اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإن وجد هذا السؤال من ~~آبائهم الذين كانوا في أيام موسى عليه السلام لأنهم كانوا على مذهبهم ~~وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت فقالوا يعني أسلاف هؤلاء اليهود ~~أرنا الله جهرة يعني عيانا. والمعنى أرناه نره جهرة وذلك أن سبعين من بني ~~إسرائيل خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام إلى الجبل فقالوا ذلك وقد تقدمت ~~القصة في سورة البقرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم يعني بسبب ظلمهم وسؤالهم ~~الرؤية ثم اتخذوا العجل يعني إلها وهم الذين خلفهم موسى مع أخيه هارون حين ~~خرج إلى ميقات ربه من بعد ما جاءتهم البينات يعني الدلالات الواضحات الدالة ~~على صدق موسى وهي: العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات الباهرة ~~فعفونا عن ذلك يعني عن ذلك الذنب العظيم فلم نستأصل عبدة العجل. والمقصود ~~من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أن هؤلاء الذين يطلبون منك ~~يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء إنما يطلبونه عنادا ولجاجا فاني قد ~~أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى وآتيته من المعجزات الباهرات ms0891 والآيات ~~البينات ما فيه كفاية ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وعبدوا العجل ~~وكل ذلك يدل على جهلهم وأنهم مجبولون على اللجاج والعناد. وفي قوله فعفونا ~~عن ذلك استدعاء إلى التوبة. والمعنى أن أولئك الذين أجرموا لما تابوا عفونا ~~عنهم فتوبوا أنتم نعف عنكم وآتينا موسى سلطانا مبينا يعني حجة واضحة تدل ~~على صدقه وهي المعجزات الباهرات التي أعطاها الله عز وجل لموسى عليه السلام ~~قوله عز وجل: ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم يعني ورفعنا فوقهم الجبل المسمى ~~بالطور بسبب أخذ ميثاقهم وذلك أن بني إسرائيل امتنعوا من قبول التوراة ~~والعمل بما فيها فرفع الله فوقهم الطور حتى أظلهم ليخافوا فلا ينقضوا العهد ~~والميثاق وقلنا لهم يعني والطور يظلهم ادخلوا الباب سجدا فخالفوا ودخلوا ~~وهم يزحفون على أستاههم وقلنا لهم لا تعدوا في السبت يعني وقلنا لهم لا ~~تجاوزوا في يوم السبت إلى ما لا يحل لكم فيه. # وذلك أنهم نهوا أن يصطادوا السمك في يوم السبت فاعتدوا واصطادوا فيه، ~~وقيل المراد به النهي عن العمل والكسب في يوم السبت وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا يعني وأخذنا منهم عهدا مؤكدا شديدا بأن يعملوا بما أمرهم الله به وأن ~~ينتهوا عما نهاهم الله عنه ثم إنهم نقضوا ذلك الميثاق وهو قوله تعالى: فبما ~~نقضهم ميثاقهم يعني فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والمعنى فبسبب نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا وكفرهم بآيات الله يعني وبجحودهم ~~بآيات الله الدالة على صدق أنبيائه وقتلهم الأنبياء يعني بعد قيام الحجة ~~والدلالة على صحة نبوتهم بغير حق يعني بغير استحقاق لذلك القتل وقولهم ~~قلوبنا غلف يعني وبقولهم على قلوبنا أغطية وغشاوة فهي لا تفقه ما تقول جمع ~~أغلف وقيل جمع غلاف يعني قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى ما تدعونا ~~إليه فرد الله عليهم بقوله: بل طبع الله عليها بكفرهم يعني بل ختم الله على ~~قلوبهم بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا يعني إيمانهم بموسى والتوراة ~~وكفرهم بما سواه من الأنبياء والكتب وقيل لا ms0892 يؤمنون قليلا ولا كثيرا وقيل ~~المراد بالقليل هو عبد الله بن سلام وأصحابه والذين آمنوا من اليهود. قوله ~~تعالى: # PageV01P443 # ### || [سورة النساء (4): الآيات 156 الى 158] # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ~~(157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما يعني حين رموها بالزنا وذلك أنهم ~~أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب ومنكر قدرة الله كافر. ~~فالمراد بقوله وبكفرهم هو إنكارهم قدرة الله تعالى والمراد بقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما هو رميهم إياها بالزنا وإنما سماه بهتانا عظيما لأنه قد ظهر ~~عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على براءتها من ذلك فلهذا السبب وصف ~~الله قول اليهود على مريم بالبهتان العظيم. # قوله عز وجل: وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ادعت ~~اليهود أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وصدقتهم النصارى على ذلك فكذبهم الله ~~عز وجل جميعا ورد عليهم بقوله: وما قتلوه وما صلبوه وفي قول رسول الله ~~قولان: أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه رسول الله على زعمه. ~~والقول الثاني أن من قول الله لا على وجه الحكاية عنهم وذلك أن الله تعالى ~~أبدل ذكرهم في عيسى عليه السلام القول القبيح بالقول الحسن رفعا لدرجته عما ~~كانوا يذكرونه من القول القبيح. # وقوله تعالى: ولكن شبه لهم يعني ألقى شبه عيسى على غيره حتى قتل وصلب. ~~واختلف العلماء في صفة التشبيه الذي شبه على اليهود في أمر عيسى عليه ~~السلام. فروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه أنه قال أتى اليهود عيسى ومعه ~~سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صورهم الله ~~تعالى كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو ~~لنقتلنكم جميعا فقال عيسى ms0893 لأصحابه من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة فقال ~~رجل منهم أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى وقد صوره الله تعالى على صورة عيسى ~~فأخذوه وقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وظنت ~~النصارى مثل ذلك. ورفع الله عز وجل عيسى عليه السلام من يومه ذلك. وفي ~~رواية أخرى عن وهب أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: ليكفرن بي أحدكم قبل ~~أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا ~~وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين. فقالوا هذا من ~~أصحاب عيسى فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذوا آخر فجحد كذلك فلما ~~أصبح أتى بعض الحواريين إلى اليهود وكان منافقا فقال ما تجعلون لي إن أنا ~~دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فدلهم عليه فألقى الله شبه عيسى ~~على ذلك المنافق الذي دل عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. ~~وقال قتادة إن أعداء الله اليهود زعموا أنهم قتلوا عيسى وصلبوه وذكر لنا أن ~~نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي وله ~~الجنة فانه مقتول فقال رجل منهم حبسوا عيسى في بيت وجعلوا عليه رقيبا يحفظه ~~فألقى الله شبه عيسى على ذلك للرقيب فأخذ فقتل وصلب فرفع الله عز وجل عيسى ~~في ذلك الوقت. قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب ما ذكرنا عن وهب بن منبه ~~من أن شبه عيسى ألقى على جميع من كان مع عيسى في البيت حين أحيط بي وبهم من ~~غير مسألة عيسى إياهم ذلك ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عيسى ~~عليه السلام من كل مكروه أرادوه به من قتل وغيره وليبتلي الله من أراد ~~ابتلاءه من عباده ويحتمل أن يكون ألقى شبهه على بعض أصحابه بعد ما تفرق عنه ~~أصحابه ورفع الله عيسى عليه السلام. وبقي ذلك فأخذ وقتل وصلب وظن أصحابه ~~واليهود أن الذي قتلوه وصلبوه هو عيسى لما رأوا من شبهه به وخفي أمر عيسى ms0894 ~~عليهم وكانت حقيقة ذلك الأمر عند الله فلذلك قال تعالى: وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه يعني في قتل عيسى وهم اليهود لفي ~~شك منه يعني من قتله وذلك أن اليهود قتلوا ذلك الشخص المشبه بعيسى وكان قد ~~ألقي الشبه على وجه ذلك الشخص دون جسده فلما # PageV01P444 # قتلوه نظروا إلى جسده فوجدوه غير جسد عيسى فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد ~~جسد غيره فهذا هو اختلافهم فيه وقيل: إن اليهود لما حبسوا عيسى وأصحابه في ~~البيت دخل عليه رجل منهم ليخرجه إليهم. فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل ~~فأخذ وقتل ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء وفقدوا صاحبهم فقالوا: إن كنا ~~قتلنا المسيح فأين صاحبنا؟ وإن كنا قتلنا صاحبنا فأين المسيح عيسى؟ فهذا هو ~~اختلافهم فيه وقيل إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فبعضهم يقول إن القتل ~~وقع على ناسوت عيسى دون لاهوته وبعضهم يقول وقع القتل عليهما جميعا وبعضهم ~~يقول رأيناه قتل وبعضهم يقول رأيناه رفع إلى السماء فهذا هو اختلافهم فيه ~~قال الله تعالى: ما لهم به من علم يعني أنهم قتلوا من قتلوا على شك منهم ~~فيه ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره إلا اتباع الظن يعني ~~لكن يتبعون الظن في قتله ظنا منهم أنه عيسى لا عن علم وحقيقة وما قتلوه ~~يقينا قال ابن عباس: يعني لم يقتلوا ظنهم يقينا فعلى هذا القول تكون الهاء ~~في قتلوه عائدة على الظن. والمعنى مما قتلوا ذلك الظن يقينا ولم يزل ظنهم ~~ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبه في قتله فهو كقول العرب قتله علما وقتله ~~يقينا يعني علمه علما تاما. وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون # عن قهر واستيلاء وغلبة وكمعنى الآية على هذا لم يكن علمهم بقتل عيسى علما ~~تاما كاملا إنما كان ظنا منهم إنهم قتلوه ولم يكن لذلك حقيقة. وقيل إن ~~الهاء في قتلوه عائدة على عيسى والمعنى ما قتلوا المسيح يقينا كما ادعوا ms0895 ~~أنهم قتلوه وقيل إن قوله يقينا يرجع إلى ما بعده تقديره وما قتلوه بل رفعه ~~الله إليه يقينا والمعنى أنهم لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه ولكن الله عز وجل ~~رفعه إليه وطهره من الذين كفروا وخلصه ممن أراده بسوء وقد تقدم كيف كان ~~رفعه في سورة آل عمران بما فيه كفاية. وقوله تعالى: وكان الله عزيزا يعني ~~في اقتداره على من يشاء من عباده حكيما يعني في إنجاء عيسى عليه السلام ~~وتخليصه من اليهود. وقيل عزيزا يعني منيعا منتقما من اليهود فسلط عليهم ~~ينطيونس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة حكيما حكم باللعنة ~~والغضب على اليهود حيث ادعوا هذه الدعوى الكاذبة. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 159 الى 160] # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا (160) # وإن من أهل الكتاب يعني وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني ~~بعيسى عليه السلام وأنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته هذا قول ابن عباس ~~وأكثر المفسرين وقال عكرمة في قوله إلا ليؤمنن به يعني بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبل ~~هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه وقول الأكثرين الأولى لأنه تقدم ذكر عيسى ~~عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى قبل موته اختلف المفسرون في هذا ~~الضمير إلى من يرجع؟ فقال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الضمير يرجع إلى ~~الكتابي والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل موت ذلك ~~الكتابي ولكن يكون ذلك الإيمان عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه قال ابن ~~عباس: معناه إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو تردى من ~~شاهق أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة فقيل له أرأيت إن خر من فوق ~~بيت قال: يتكلم به في ms0896 الهواء فقيل له أرأيت إن ضربت عنقه قال يتلجلج به ~~لسانه وقال شهر بن حوشب إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها ~~وجهه ودبره وقالوا يا عدو الله أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول آمنت إنه عبد ~~الله ورسوله وتقول للنصراني أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله وابن الله فيقول ~~آمنت أنه عبد الله فأهل الكتابين يؤمنون به ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان ~~وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى عليه السلام وهو ~~رواية عن ابن عباس أيضا والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى ~~قبل موت عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل ~~الكتابين إلا آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام قال عطاء إذا # PageV01P445 # نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد يعبد غير الله إلا ~~آمن بعيسى وأنه عبد الله وكلمته ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ~~ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ~~ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» زاد في رواية: «حتى تكون السجدة الواحدة ~~خيرا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة: «اقرءوا إن شئتم وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته» الآية وفي رواية قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «والله لينزلن فيكم ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب ~~وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية وليتركن القلاص فلا يسعى عليها وليذهبن ~~الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» أخرجاه في ~~الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن عيسى ينزل في آخر الزمان في هذه ~~الأمة ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينزل نبيا برسالة ~~مستقلة وشريعة ناسخة بل يكون حاكما من حكام هذه الأمة وإماما من أئمتهم ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ms0897 فيكسر الصليب يعني يكسره حقيقة ويبطل ما تزعمه ~~النصارى من تعظيمه. وكذلك قتله الخنزير وقوله ويضع الجزية يعني لا يقبلها ~~ممن بدلها من اليهود والنصارى. ولا يقبل من أحد إلا الإسلام أو القتل وعلى ~~هذا قد يقال هذا خلاف منا هو حكم الشرع اليوم فإن الكتابي إذا بذل الجزية ~~وجب قبولها منه ولم يجز قتله ولا إجباره على الإسلام والجواب أن هذا الحكم ~~ليس مستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى عليه السلام وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنسخه وليس الناسخ هو عيسى عليه السلام يحكم ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك ~~الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم. قال الزجاج هذا ~~القول بعيد يعني قول من قال إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله ~~في آخر الزمان قال لعموم قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قال ~~والذين يبقون يومئذ يعني عند نزوله شرذمة قليلة منهم وأجاب # أصحاب هذا القول يعني الذين يقولون إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون ~~عند نزوله في آخر الزمان بأن هذا على العموم. ولكن المراد بهذا العموم ~~الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به ويكون معنى الآية وما من ~~أحد، من أهل الكتاب أدرك ذلك الوقت إلا آمن بعيسى عند نزوله من السماء وصحح ~~الطبري هذا القول وقال عكرمة في معنى الآية وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي فلا يموت يهودي ولا نصراني حتى ~~يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عند الحشرجة حتى لا ينفعه إيمانه. # وقوله تعالى: ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا يعني يكون عيسى عليه السلام ~~شاهدا على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه وعلى النصارى أنهم اتخذوه ربا ~~وأشركوا به ويشهد على تصديق من صدقه منهم وآمن به قال قتادة معناه إنه يكون ~~شهيدا يوم القيامة إنه قد ms0898 بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية. # قوله عز وجل: فبظلم من الذين هادوا يعني فبسبب ظلم منهم حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم يعني ما حرمنا عليهم الطيبات التي كانت حلالا لهم إلا بظلم ~~عظيم ارتكبوه وذلك الظلم هو ما ذكره من نقضهم الميثاق وما عدد عليهم من ~~أنواع الكفر والكبائر العظيمة مثل قولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ~~وكقولهم أرنا الله جهرة وكعبادتهم العجل فبسبب هذه الأمور حرم الله عليهم ~~طيبات كانت حلالا لهم وهي ما ذكره في سورة الأنعام في قوله: وعلى الذين ~~هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية وقال الطبري: في معنى الآية فحرمنا على اليهود ~~الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم به وكفروا بآيات الله، وقالوا ~~أنبيائهم وقالوا البهتان على مريم وفعلوا ما وصفهم الله به في كتابه طيبات ~~من المآكل وغيرها التي كانت لهم حلالا عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله ~~عنهم في كتابه. # وروي عن قتادة قال عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوة وحرمت عليهم أشياء ~~ببغيهم وظلمهم. ونقل الواحدي وابن الجوزي عن مقاتل قال كان الله حرم على ~~أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس ظلما فأكلوا ~~الربا وأكلوا أموال الناس ظلما بالباطل وصدوا عن دين الله وعن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فحرم الله عليهم عقوبة # PageV01P446 # لهم ما ذكر في قوله: «وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر» الآية قال ~~الواحدي فأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف ومتى كان وعلى لسان من حرم عليهم ~~فلم أجد فيه شيئا انتهى إليه فتركه ولقد أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه ~~الآية في غاية الإشكال وبيانه إن الله تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه ~~وقد ذكر المفسرون في معنى الظلم المذكور في الآية ما تقدم ذكره وكلها ذنوب ~~في المستقبل. فإن قلت علم الله وقوع هذه الذنوب منهم قبل وقوعها لحرم عليهم ~~ما حرم من الطيبات التي كانت لهم حلالا عقوبة لهم على ما سيقع منهم قلت ~~جوابه ما ms0899 تقدم وهو أن الله تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه ولهذا لم يذكر ~~الإمام فخر الدين في تفسير هذه الآية ما ذكره المفسرون بل ذكر تفسيرا ~~إجماليا فقال أعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق والإعراض ~~عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا ### || [سورة النساء (4): الآيات 161 الى 162] # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص على طلب المال ~~فتارة يحصلونه بطريق الربا مع أنهم قد نهوا عنه وتارة يحصلونه بطريق الرشا ~~وهو المراد بقوله وأكلهم أموال الناس بالباطل فهذه الأربعة هي الذنوب التي ~~شدد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو ما تقدم من ~~تحريم الطيبات عليهم وأما التشديد في الآخرة فهو المراد بقوله تعالى: ~~وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما قال المفسرون: إنما قال منهم لأن الله ~~علم أن قوما منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب. # قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم يعني من اليهود وهذا استثناء ~~استثنى الله عز وجل من آمن من أهل الكتاب ممن تقدم وصفهم وصفتهم في الآيات ~~التي تقدمت فبين فيما تقدم حال كفار اليهود والجهال منهم وبين في هذه الآية ~~حال من هداه لدينه منهم وأرشده للعمل بما علم فقال لكن الراسخون في العلم ~~ولكن هنا بمعنى الاستدراك والاستثناء والراسخون في العلم الثابتون في العلم ~~البالغون فيه أولو البصائر الثاقبة والعقول الصافية وهم عبد الله بن سلام ~~وأصحابه الذين أسلموا من أهل الكتاب لأنهم رسخوا في العلم وعرفوا حقيقته ~~فأوصلهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يعني بالله ~~ورسله يؤمنون بما أنزل إليك يعني بالقرآن الذي أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يعني ms0900 ويؤمنون بسائر الكتاب التي أنزلها الله على أنبيائه من قبله يا محمد ~~وفي المراد بالمؤمنين هاهنا قولان: أحدهما إنهم أهل الكتاب فيكون المعنى ~~لكن الراسخون في العلم منهم وهم المؤمنون. والقول الثاني أنهم المهاجرون ~~والأنصار من هذه الأمة فيكون قوله والمؤمنون ابتداء كلام مستأنف يؤمنون بما ~~أنزل إليك ويعني أنهم يصدقون بالقرآن الذي أنزل إليك يا محمد وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة اختلف العلماء في وجه نصبه فحكي عن عائشة وأبان بن ~~عثمان أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة. وقال عثمان بن ~~عفان إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتهم فقيل له أفلا تغيره؟ فقال ~~دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وذهب عامة الصحابة وسائر العلماء من ~~بعدهم إلى أنه لفظ صحيح ليس فيه من خطأ من كاتب ولا غيره وأجيب عما روي عن ~~عثمان بن عفان وعن عائشة وأبان بن عثمان بأن هذا بعيد جدا لأن الذين جمعوا ~~القرآن هم أهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك فكيف يتركون في كتاب الله ~~لحنا يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. قال ابن الأنباري: ما روي ~~عن عثمان لا يصلح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا ليصلحه ~~غيره ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف ~~يمكن ثبوت اللحن فيه؟ وقال الزمخشري في الكشاف ولا يلتفت إلى ما زعموا من ~~وقوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من # PageV01P447 # لم ينظر في الكتاب يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في ~~النصب على الاختصاص والمدح من الافتتان وهو باب واسع قد ذكره سيبويه على ~~أمثلة وشواهد وربما غبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة ~~في الإسلام وذب الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله عز وجل ثلمة يسدها من ~~بعدهم وخرقا يرفؤه من يلحن بهم ثم اختلف العلماء في المقيمين الصلاة أهم ~~الراسخون في العلم أم غيرهم؟ على قولين: أحدهما إنهم ms0901 هم وإنما نصب على ~~المدح والمعنى أذكر المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة قالوا والعرب تفعل ~~ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته وإذا تطاولت بمدح أو ذم فربما خالفوا بين ~~إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله وربما أجروا إعراب ~~آخره على إعراب أوسطه وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب واستشهدوا ~~على معنى الآية: # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر # وهذا على معنى أذكر النازلين وهم الطيبون ومن هذا المعنى تقول جاءني قومك ~~المطعمين وهم المعينون. # والقول الثاني أن المقيمين الصلاة غير الراسخين في العلم وموضع والمقيمين ~~الصلاة خفض بالعطف على قوله تعالى بما أنزل إليك فعلى هذا القول يكون معنى ~~الآية: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~وهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع أحد منهم عن إقامة الصلاة وقيل المراد بهم ~~الملائكة لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وصحح الزجاج القول الأول ~~واختاره وصحح الطبري القول الثاني واختاره. # وقوله تعالى: والمؤتون الزكاة عطف على والمؤمنون لأنه من صفتهم والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يعني والمصدقون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت ~~وبالثواب وبالعقاب أولئك يعني من هذه الأوصاف صفته سنؤتيهم أجرا عظيما يعني ~~سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله وإتباع أمره ثوابا عظيما وهو الجنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 163] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده قال ابن عباس قال ~~سكين وعدي بن زيد يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى ~~فأنزل الله هذه الآيات وقيل هو جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء جملة واحدة فأجاب الله عز ~~وجل عن سؤالهم بهذه ms0902 الآية فقال: إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده والمعنى إنكم يا معشر اليهود تقرون بنبوة نوح وبجميع ~~الأنبياء المذكورين في هذه الآية وهم اثنا عشر نبيا والمعنى أن الله تعالى ~~أوحى إلى هؤلاء الأنبياء وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك وما أنزل الله ~~على أحد من هؤلاء المذكورين كتابا جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى فلما لم ~~يكن عدم إنزال الكتاب جملة واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحا في نبوته ~~فكذلك لم يكن إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم قادحا في نبوته بل ~~قد أنزل عليه كما أنزل عليهم. قال المفسرون وإنما بدأ الله عز وجل بذكر نوح ~~عليه السلام لأنه أول نبي بعث بشريعة وأول نذير على الشرك وأنزل الله عز ~~وجل عليه عشر صحائف وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك أهل الأرض ~~بدعائه وكان أبا البشر كآدم عليهما السلام وكان أطول الأنبياء عمرا عاش ألف ~~سنة لم تنقص قوته ولم يشب ولم تنقص له سن وصبر على أذى قومه طول عمره ثم ~~ذكر الله الأنبياء من بعده جملة بقوله تعالى: والنبيين من بعده ثم خص جماعة ~~من الأنبياء بالذكر لشرفهم وفضلهم فقال وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وهم أولاد يعقوب وكانوا # PageV01P448 # اثني عشر وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا يعني ~~وآتينا داود كتابا مزبورا يعني مكتوبا. وقيل: الزبور بالفتح اسم الكتاب ~~الذي أنزل على داود وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام ~~بل كلها تسبيح وتقديس وتمجيد وثناء على الله عز وجل ومواعظ وكان داود عليه ~~السلام يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه ~~ويقوم الناس خلف العلماء وتقوم الجن خلف الناس والشياطين خلف الجن وتجيء ~~الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه وترفرف الطير على رؤوس الناس وهم ~~يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها فلما قارف الذنب زال عنه ذلك وقيل له ~~ذلك أنس الطاعة ms0903 وهذا ذل المعصية (ق) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت ~~مزمارا من مزامير آل داود» قال الحميدي زاد البرقاني قلت والله يا رسول ~~الله لو علمت إنك تسمع لقراءتي لحبرتها لك تحبيرا، التحبير تحسين الصوت ~~بالقراءة قال بعض العلماء إنما لم يذكر موسى في هذه الآية لأن الله أنزل ~~عليه التوراة جملة واحدة وكان المقصود بذكر من ذكر من الأنبياء في الآية ~~أنه لم ينزل على أحد منهم كتابا جملة واحدة فلهذا لم يذكر موسى عليه ~~السلام. قوله تعالى: # ### || [سورة النساء (4): الآيات 164 الى 165] # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان الله عزيزا حكيما (165) # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل لما نزلت هذه الآية المتقدمة قالت اليهود ~~ما لموسى لم يذكر؟ # فأنزل الله هذه الآية وفيها ذكر موسى عليه السلام والمعنى وأوحينا إلى ~~رسل قد قصصناهم عليك من قبل يعني سميناهم في القرآن وعرفناك أخبارهم وإلى ~~من بعثوا وما ورد عليهم من قومهم ورسلا لم نقصصهم عليك أي لم نسمهم لك ولم ~~نعرفك أخبارهم قال أهل المعاني الذين نوه الله بذكرهم من الأنبياء يدل على ~~تفضيلهم على من لم يذكر ولم يسم. # وقوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة لأن ~~تأكيد كلم بالمصدر يدل على تحقيق الكلام وأن موسى عليه السلام سمع كلام ~~الله بلا شك لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر فلا يقال أراد الحائط يسقط ~~إرادة. وهذا رد على من يقول إن الله خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام ~~وقال الفراء العرب تسمى كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل لكن لا ~~تحققه بالمصدر وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة ~~الكلام فدل قوله تعالى تكليما على أن موسى قد ms0904 سمع كلام الله حقيقة من غير ~~واسطة. وروى الطبري بسنده من عدة طرق عن كعب الأحبار قال لما كلم الله موسى ~~عليه السلام بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى بلسانه فجعل موسى يقول ~~يا رب لا أفهم حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة فقال: يا رب هكذا كلامك قال لو ~~سمعت كلامي يعني على وجهه لم تك شيئا قال موسى: يا رب هل في خلقك شيء يشبه ~~كلامك قال لا وأقرب خلقي شبها بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق قال بعض ~~العلماء كما إن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ~~ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة ~~لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه متفرقا من الأنبياء. # قوله عز وجل: رسلا مبشرين ومنذرين يعني: «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده» ومن أولئك النبيين أرسلت رسلا إلى خلقي مبشرين من ~~أطاعني واتبع أمري وصدق رسلي بالثواب الجزيل في الجنة ومنذرين من عصاني ~~وخالف أمري وكذب رسلي بالعذاب الأليم في النار. وقيل هو جواب عن سؤال ~~اليهود إنزال الكتاب جملة واحدة والمعنى أن المقصود من بعثة الرسول هو ~~إرشاد الخلق إلى معرفة الله وتوحيده والإيمان به والاشتغال بعبادته وإنذار ~~من خالف ذلك وهذا المقصود يحصل بإنزال الكتاب جملة واحدة وبإنزاله # PageV01P449 # نجوما متفرقة بل إنزاله متفرقا أولى. وذلك أن النفوس قبل بعثة الرسل ~~وإنزال الكتب عليهم لم تكن تعرف شيئا من العبادات ولم تألفها فإذا نزل ~~الكتاب جملة واحدة وفيه جميع التكاليف ربما حصل في بعض نفوس العباد نفور من ~~تلك التكاليف وتثقل عليهم كما أخبر الله عن قوم موسى بقوله تعالى: وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه فلم يقبلوا أحكام التوراة إلا بعد شدة فلهذا السبب كان ~~إنزال القرآن نجوما متفرقة أولى. # وقوله تعالى: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل يعني ms0905 بعد إرسال ~~الرسل وإنزال الكتاب والمعنى لئلا يحتج الناس على الله في ترك التوحيد ~~والطاعة بعدم الرسل فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت علينا كتابا ~~ففيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد ~~والطاعة وفيه دليل على أن الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل كما قال ~~تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن ~~معرفة الله تعالى لا تثبت إلا بالسمع لأن قوله: «لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل» يدل على أن قبل بعثة الرسل تكون لهم الحجة في ترك الطاعات ~~والعبادات. فإن قلت كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل والخلق محجوبون ~~بما نصب من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى معرفته ووحدانيته كما قيل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # قلت الرسل منبهون من رقاد الغفلة والجهالة وباعثون الخلق إلى النظر في ~~تلك الدلائل التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى ومبينون لها وهم وسائط ~~بين الله تعالى وخلقه ومبينون أحكام الله تعالى التي افترضها على عباده ~~ومبلغون رسالته إليهم (ق) عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو ~~رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ~~ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدحة ~~من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة» لفظ البخاري وفي لفظ مسلم ولا شخص أحب ~~إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين. وقوله ~~تعالى: # وكان الله عزيزا يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله حكيما يعني في ~~إرساله الرسل قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): الآيات 166 الى 170] # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ms0906 بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) ~~إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا ~~طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) يا أيها الناس ~~قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # لكن الله يشهد بما أنزل إليك قال ابن عباس دخل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: # «إني والله أعلم أنكم لتعلمن أني رسول الله» فقالوا ما نعلم ذلك فأنزل ~~الله هذه الآية وفي رواية ابن عباس أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا ~~أنهم لا يعرفونك فأنزل الله عز وجل لكن الله يشهد بما أنزل إليك يعني إن ~~جحدك هؤلاء اليهود يا محمد وكفروا بما أوحينا إليك وقالوا: ما أنزل الله ~~على بشر من شيء فقد كذبوا فيما ادعوا فإن الله يشهد لك بالنبوة ويشهد بما ~~أنزل إليك من كتابه ووحيه. والمعنى أن اليهود وإن شهدوا أن القرآن لم ينزل ~~عليك يا محمد لكن الله يشهد بأنه أنزل # PageV01P450 # عليك وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة ~~والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، والإيمان بمثله فكان ~~ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقا لا جرم قال الله تعالى ~~لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك أنزله ~~بعلمه يعني أنه تعالى لما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك بين صفة ذلك ~~الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة وقيل معناه أنزله وهو ~~عالم بأنك أهل لإنزاله عليك وأنك مبلغه إلى عباده وقيل معناه أنزله بما علم ~~من مصالح عباده في إنزاله عليك والملائكة يشهدون يعني يشهدون بأن الله ~~أنزله عليك ms0907 ويشهدون بتصديقك وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا ~~شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشيء. وقد ثبت أن الله يشهد بأنه أنزله بعلمه ~~فلذلك الملائكة يشهدون بذلك وكفى بالله شهيدا يعني وحسبك يا محمد أن الله ~~يشهد لك وكفى بالله شهيدا وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك. # قوله عز وجل: إن الذين كفروا يعني جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهم اليهود وصدوا عن سبيل الله يعني منعوا غيرهم عن الإيمان به بكتمان صفته ~~وإلقاء الشبهات في قلوب الناس وهو قولهم لو كان محمد رسولا لأتى بكتاب من ~~السماء جملة واحدة كما أتى موسى بالتوراة قد ضلوا ضلالا بعيدا يعني عن طريق ~~الهدى إن الذين كفروا وظلموا يعني كفروا بالله وظلموا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بكتمان صفته وظلموا غيرهم بإلقاء الشبهة في قلوبهم لم يكن الله ليغفر ~~لهم يعني لمن علم منهم أنهم يموتون على الكفر وقيل معناه لم يكن الله ليستر ~~عليهم قبائح أفعالهم بل يفضحهم في الدنيا ويعاقبهم عليها بالقتل والسبي ~~والجلاء في الآخرة بالنار وهو قوله تعالى: ولا ليهديهم طريقا يعني ينجون ~~فيه من النار وقيل ولا ليهديهم طريقا إلى الإسلام لأنه قد سبق في علمه أنهم ~~لا يؤمنون إلا طريق جهنم يعني لكنه تعالى يهديهم إلى طريق يؤدي إلى جهنم ~~وهي اليهودية لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك خالدين فيها يعني في جهنم أبدا ~~وكان ذلك على الله يسيرا يعني هينا. # قوله عز وجل: يا أيها الناس هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود ~~والنصارى وعبادة الأصنام وغيرهم وقيل هو خطاب لمشركي العرب قد جاءكم الرسول ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق يعني بدين الإسلام الذي ارتضاه الله ~~لعباده وقيل جاء بالقرآن الذي هو الحق من ربكم يعني من عند ربكم فآمنوا ~~خيرا لكم يعني فآمنوا بما جاءكم به محمد صلى ms0908 الله عليه وسلم يكن الإيمان ~~بذلك خيرا لكم يعني من الكفر الذي أنتم عليه وإن تكفروا يعني وإن تجحدوا ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذبوا بما جاءكم من الحق من ربكم فإن لله ~~ما في السماوات والأرض يعني فإن الله هو الغني عن إيمانكم لأن له ما في ~~السموات والأرض ملكا وعبيدا ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء وأنه قادر ~~على من يشاء وكان الله عليما يعني بما يكون منكم لا يخفى عليه شيء من أعمال ~~عباده فيجزي كل عامل بعمله حكيما يعني في تكليفهم مع علمه بما يكون منكم. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة النساء (4): آية 171] # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) # يا أهل الكتاب نزلت هذه الآية في النصارى وذلك أن الله تعالى لما أجاب عن ~~شبه اليهود فيما تقدم من الآية اتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النصارى وأصناف ~~النصارى أربعة: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية، فأما ~~اليعقوبية والملكانية فقالوا في عيسى أنه الله وقالت النسطورية إنه ابن ~~الله وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة وقيل: # PageV01P451 # إنهم يقولون إن عيسى جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وبأقنوم الابن ~~وأقنوم روح القدس وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات وأقنوم الابن عيسى. ~~وبأقنوم روح القدس الحياة الحالة فيه فتقديره عندهم الإله ثلاثة، وقيل إنهم ~~يقولون في عيسى ناسوتية وألوهية فناسوتيته من قبل الأم وألوهيته من قبل ~~الأب تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا يقال إن الذي أظهر هذا للنصارى رجل ~~من اليهود يقال له بولص تنصر ودس هذا في دين النصارى ليضلهم بذلك. وستأتي ~~قصته في سورة التوبة إن شاء الله تعالى وقيل يحتمل أن يكون المراد بأهل ~~الكتاب اليهود والنصارى جميعا. فإنهم غلوا ms0909 في أمر عيسى عليه السلام. فأما ~~اليهود فإنهم بالغوا في التقصير في أمره حتى حطوه عن منزلته حيث جعلوه ~~مولودا لغير رشدة وغلت النصارى في رفع عيسى عن منزلته ومقداره حيث جعلوه ~~إلها فقال الله تعالى ردا عليهم جميعا يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~وأصل الغلو مجاوزة الحد وهو في الدين حرام والمعنى لا تفرطوا في أمر عيسى ~~ولا تحطوه عن منزلته ولا ترفعوه فوق قدره ومنزلته ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق يعني لا تقولوا إن له شريكا وولدا وقيل معناه لا تصفوه بالحلول ~~والاتحاد في بدن الإنسان ونزهوا الله تعالى عن ذلك، ولما منعهم الله من ~~الغلو في دينهم أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى عليه السلام فقال تعالى: ~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله يقول إنما المسيح هو عيسى ابن مريم ~~ليس له نسب غير هذا وأنه رسول الله فمن زعم غير هذا فقد كفر وأشرك وكلمته ~~هي قوله تعالى: كن فكان بشرا من غير أب ولا واسطة ألقاها إلى مريم يعني ~~أوصلها إلى مريم وروح منه يعني أنه كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى ~~وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم كما يقال بيت الله وناقة ~~الله. وهذه نعمة من الله يعني أنه تفضل بها وقيل الروح هو الذي نفخ فيه ~~جبريل في جيب درع مريم فحملت بإذن الله. وإنما أضافه إلى نفسه بقوله منه ~~لأنه وجد بأمر الله قال بعض المفسرين إن الله تعالى لما خلق أرواح البشر ~~جعلها في صلب آدم عليه السلام، وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام فلما أراد ~~الله أن يخلقه أرسل بروحه مع جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى ~~عليه السلام وقيل إن الروح والريح متقاربان في كلام العرب، فالروح عبارة عن ~~نفخ جبريل عليه السلام وقوله منه يعني إن ذلك النفخ كان يأمره وإذنه وقيل ~~أدخل النكرة في قوله وروح على سبيل التعظيم والمعنى روح وأي روح من الأرواح ~~القدسية العالية ms0910 المطهرة وقوله منه إضافته تلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف ~~والتكريم (ق) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ~~عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة والنار حق أدخله ~~الله الجنة على ما كان من العمل». # وقوله تعالى: فآمنوا بالله ورسله يعني فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية ~~الله وأنه لا ولد له وصدقوا رسله فيما جاءكم به من عند الله وصدقوا بأن ~~عيسى عليه السلام من رسل الله فآمنوا به ولا تجعلوه إله وقوله تعالى: # ولا تقولوا ثلاثة يعني ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وذلك أن النصارى يقولون ~~أب وابن وروح القدس وقيل إنهم يقولون إن الله بالجوهر ثلاثة أقانيم وذلك ~~أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة بدليل أنهم يجوزون على تلك الذات ~~الحلول في عيسى وفي مريم فأثبتوا ذواتا متعددة ثلاثة وهذا هو محض الكفر. ~~فلهذا قال الله تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم يعني يكون الانتهاء ~~عن هذا القول خير لكم من القول بالتثليث ثم نزه الله تعالى نفسه عن قول ~~النصارى بالتثليث فقال تعالى: إنما الله إله واحد ثم نزه نفسه عن الولد ~~فقال سبحانه أن يكون له ولد يعني لا ينبغي أن يكون له ولد لأن الولد جزء من ~~الأب وتعالى الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث له ما في السماوات وما في ~~الأرض يعني أنه تعالى له ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه وعيسى ~~ومريم من جملة من فيهما فهما عبيده وملكه فإذا كانا عبدين له فكيف يعقل مع ~~هذا أن له ولدا أو زوجة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؟ وهذا بيان لتنزيهه ~~مما نسب إليه من الولد والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض خلقه # PageV01P452 # وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزء منه؟ لأن التجزئة إنما تصح في الأجسام ~~والله تعالى منزه عن صفات الأعراض والأجسام وكفى بالله وكيلا ms0911 يعني أنه ~~تعالى كاف في تدبير جميع خلقه فلا حاجة له إلى غيره، وكل الخلق محتاجون ~~إليه وفقراء إليه وهو غني عنهم. ### || [سورة النساء (4): الآيات 172 الى 175] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا ~~أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما ~~الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما (175) # وقوله تعالى: ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله # وذلك أن وفد نجران قالوا يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبد الله ~~فنزلت لن يستنكف المسيح يعني لن يأنف ولن يتعظم والاستنكاف الاستكبار مع ~~الأنفة يقال نكفت من كذا واستنكفت منه أي أنفت منه وأصله من نكفت الشيء ~~نحيته ونكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك من خدك والمعنى لن ينقبض ولن يمتنع ولن ~~يأنف المسيح أن يكون عبد الله لا الملائكة المقربون # يعني ولن يستنكف الملائكة المقربون وهم حملة العرش والكروبيون وأفاضل ~~الملائكة مثل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل أن يكونوا عبيد الله لأنهم ~~في ملكه ومن جملة خلقه وقيل لما ادعت النصارى في عيسى أنه ابن الله وذلك ~~لما رأوا منه خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ~~ذلك من المعجزات، أجاب الله تعالى عن هذه الشبهات التي وقعت للنصارى بأن ~~عيسى من شرف قدره وكرامته لن يستنكف أن يكون عبدا لله. وكذلك الملائكة ~~المقربون فإنهم مع كرامتهم وعلو منزلتهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله ~~وقد يستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ووجه الدليل أن ~~الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقي إلا من الأدنى إلى الأعلى ~~ولا حجة ms0912 لهم فيه والجواب عنه أن الله تعالى لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على ~~مقام البشر بل قاله ردا على من يقول إن الملائكة بنات الله أو أنهم آلهة ~~كما رد على النصارى قولهم إن المسيح ابن الله وقاله أيضا ردا على النصارى ~~فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة يعني كما أن المسيح عبد الله فكذلك الملائكة ~~عبيد الله. وقوله تعالى: من يستنكف عن عبادته ويستكبر # يعني ومن يتعظم عن عبادة الله ويأنف من التذلل لله والخضوع والطاعات من ~~جميع خلقه سيحشرهم إليه جميعا # يعني فسيبعثهم يوم القيامة لموعدهم الذي وعدهم حيث لا يملكون لأنفسهم ~~شيئا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم يعني يوفيهم جزاء ~~أعمالهم الصالحة ويزيدهم من فضله يعني ويزيدهم على ما أعطاهم من الثواب على ~~أعمالهم الصالحة من التضعيف على ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر وأما الذين استنكفوا واستكبروا يعني الذين أنفوا وتكبروا عن ~~عبادة الله تعالى فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله يعني من ~~سوى الله لأنفسهم وليا يعني ينجيهم من عذابه ولا نصيرا يعني ولا ناصرا ~~ينصرهم منه، ويدفع عنهم عقوبته بقي في الآية سؤال وهو أن التفصيل غير مطابق ~~للمفصل لأن التفصيل اشتمل على ذكر فريقين: وهو قوله: «فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، فيوفيهم أجورهم وأما الذين استنكفوا واستكبروا» والمفصل ~~اشتمل على ذكر فريق واحد وهو قوله: «ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر» والجواب ~~أنه لا إشكال فيه فهو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه ~~وحمله ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد ~~الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر # PageV01P453 # الثاني، والوجه الثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلا في ~~جملة التنكيل بهم فكأنه قال ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذبهم بالحسرة ~~والغم إذا رأوا أجور المطيعين العاملين لله تعالى. قوله عز وجل: # يا أيها الناس خطاب للكافة قد جاءكم برهان ms0913 من ربكم يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به من البينات من ربه عز وجل وإنما سماه برهانا لما معه ~~من المعجزات الباهرات التي تشهد بصدقه ولأن للبرهان دليل على إقامة الحق ~~وإيصال الباطل والنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك ولأنه تعالى جعله حجة ~~قاطعة قطع به عذر جميع الخلائق وأنزلنا إليكم نورا مبينا يعني القرآن وإنما ~~سماه نورا لأن به تتبين الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور بعد الظلام ولأنه ~~سبب لوقوع نور الإيمان في القلب فسماه نورا لهذا المعنى فأما الذين آمنوا ~~بالله يعني صدقوا بوحدانية الله وبما أرسل من رسول وأنزل من كتاب واعتصموا ~~به يعني بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان، وقيل في ~~معنى واعتصموا به أي وتمسكوا بالنور وهو القرآن الذي أنزله على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم فسيدخلهم في رحمة منه يعني فسيدخلهم في رحمته التي ~~ينجيهم بها من أليم عذابه قال ابن عباس الرحمة الجنة وفضل يعني ما يتفضل به ~~عليهم بعد إدخالهم الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما يعني ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به عليهم ~~ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه ~~لعباده وهو دين الإسلام. قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4): آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري ~~(ق) عن جابر بن عبد الله قال مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي علي فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب ~~علي من وضوئه فأفقت ms0914 فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله كيف ~~أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث: ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وفي رواية فقلت يا رسول الله إنما ~~يرثني كلالة فنزلت آية الميراث قال شعبة فقلت لمحمد بن المنكدر يستفتونك: ~~قل الله يفتيكم في الكلالة قال هكذا نزلت وفي رواية للترمذي وكان لي تسع ~~أخوات حتى نزلت آية الميراث: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ولأبي ~~داود قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن ~~قلت بالشطر؟ قال أحسن ثم خرج وتركني فقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا ~~وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين قال فكان جابر يقول ~~أنزلت هذه الآية في: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وروى الطبري عن ~~قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله هذه الآية وروى عن ابن سيرين قال نزلت: يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له وإلى جنبه حذيفة ~~بن اليمان فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة وبلغها حذيفة عمر بن ~~الخطاب وهو يسير خلفه فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده ~~تفسيرها، فقال له حذيفة والله لأنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن ~~أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ فقال عمر لم أرد هذا رحمك الله. وأما التفسير ~~فقوله تعالى: # يستفتونك يعني يسألونك ويستخبرونك عن معنى الكلالة يا محمد قل: الله ~~يفتيكم في الكلالة يعني أن الله هو يخبركم عما سألتم عنه من أمر الكلالة. ~~وقد تقدم في أول السورة الكلام على معنى الكلالة من حيث الاشتقاق وغيره وأن ~~اسم الكلالة يقع على الوارث وعلى الموروث فإن وقع على الوارث فهم من سوى ~~الوالد ms0915 والولد وإن وقع على الموروث فهو من مات ولا يرثه أحد الأبوين ولا ~~أحد الأولاد. # PageV01P454 # قوله تعالى: إن امرؤ هلك يعني مات سمي الموت هلاكا لأنه إعدام في الحقيقة ~~ليس له ولد يعني ولا والد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ودل على المحذوف أن ~~السؤال في الفتيا إنما كان في الكلالة وقد تقدم أن الكلالة من ليس له ولد ~~ولا والد وله أخت يعني ولذلك الهالك أخت وأراد بالأخت من أبيه وأمه أو من ~~أبيه فلها نصف ما ترك يعني فلأخت الميت نصف تركته وهو فرضها إذا انفردت ~~وباقي المال لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة. وهذا مذهب زيد بن ثابت وبه ~~قال الشافعي وعند أبي حنيفة وأهل العراق يرد الباقي عليها فإذا كان للميت ~~بنت أخذت النصف بالفرض وتأخذ الأخت النصف الباقي بالتعصيب لا بالفرض لأن ~~الأخوات مع البنات عصبة. # وقوله تعالى: وهو يرثها إن لم يكن لها ولد يعني أن الأخت إذا ماتت وتركت ~~أخا من الأب والأم أو من الأب فإنه يستغرق جميع ميراث الأخت إذا انفرد ولم ~~يكن للأخت ولد وهذا أصل في جميع العصبات واستغراقهم جميع المال، فأما الأخ ~~من الأم فإنه صاحب فرض لا يستغرق جميع المال وقد تقدم بيانه فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أراد بنتين فصاعدا وهو أن من مات وترك أختين ~~أو أخوات فلهن الثلثان مما ترك الميت وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين يعني وإن كان المتروكون من الإخوة رجالا ونساء فللذكر منهم ~~نصيب اثنتين من الإخوة الإناث يبين الله لكم أن تضلوا يعني يبين الله لكم ~~هذه الفرائض والأحكام لئلا تضلوا. وقيل معناه كراهية أن تضلوا وقيل بين ~~الله الضلالة لتجتنبوها والله بكل شيء عليم يعني من مصالح عباده التي حكم ~~بها من قسمة المواريث وبيان الأحكام وغير ذلك لأن علمه محيط بكل شيء (ق) عن ~~البراء بن عازب رضي الله عنه قال إن آخر سورة نزلت تامة سورة التوبة وإن ~~آخر آية ms0916 نزلت آية الكلالة وفي رواية لمسلم قال أخر آية نزلت يستفتونك وروي ~~عن ابن عباس أن آخر سورة نزلت تامة سورة التوبة وأن آخر آية الكلالة وفي ~~رواية لمسلم قال آخر آية نزلت آية الربا وآخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله ~~والفتح وروي عنه أن آخر آية نزلت واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزول سورة النصر سنة ونزلت بعدها سورة ~~براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش بعدها ستة أشهر هكذا ذكره البغوي وفيه ~~نظر لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعثه في الحجة التي أمره عليها قبل حجة الوداع في رهط ~~يؤذن في الناس يوم النحر: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت ~~عريان. ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ~~ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ببراءة ألا لا يحج بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وكانت حجة أبي بكر هذه سنة تسع قبل حجة الوداع ~~بسنة قال البغوي: ثم نزلت في طريق حجة الوداع يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة فسميت آية الصيف ثم نزلت وهو واقف بعرفة اليوم أكملت لكم دينكم ~~فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما ثم نزلت آية الربا ثم نزلت: واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. ~~وهذا آخر تفسير سورة النساء والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء الأول من تفسير الخازن ويليه الجزء الثاني وأوله: تفسير سورة ~~المائدة. # PageV01P455 ### |EDITOR| # فهرس محتويات الجزء الأول من تفسير الخازن # PageV01P457 # فهرس المحتويات المقدمة 3 # تفسير سورة الفاتحة # الآيات: 1 - 7 15 تفسير سورة البقرة الآيات: 1 - 3 22 الآية: 4 25 ~~الآيات: 5 - 8 26 الآيات: 9 - 14 27 الآيات: 15 - 19 28 الآيات: 20 - 23 30 ~~الآيتان: 24، 25 31 ms0917 الآيتان: 26، 27 33 الآيات: 28 - 32 34 الآيات: 33 - 35 ~~37 الآيات: 36 - 38 38 الآيات: 39 - 44 40 الآيات: 45 - 49 42 الآيات: 50 - ~~54 45 الآيات: 55 - 57 47 الآيات: 58 - 60 48 الآية: 61 49 الآيتان: 62، 63 ~~50 الآيات: 64 - 67 51 الآيات: 68 - 74 53 الآيتان: 75، 76 55 الآيات: 77 - ~~79 56 الآيات: 80 - 84 57 الآية: 85 58 الآيات: 86 - 88 59 الآيات: 89 - 93 ~~60 الآيات: 94 - 96 61 الآيات: 97 - 100 62 الآيتان: 101، 102 63 الآيات: ~~103 - 106 67 الآيتان: 107، 108 69 الآيتان: 109، 110 70 الآيات: 111 - 113 ~~71 الآيتان: 114، 115 72 الآية: 116 73 الآيات: 117 - 121 74 الآيات: 122 - ~~124 75 الآية: 125 77 الآية: 126 79 الآية: 127 80 الآيتان: 128، 129 81 ~~الآيتان: 130، 131 82 الآيات: 132 - 135 83 الآيات: 136 - 140 85 الآيات: ~~141 - 143 86 الآية: 144 88 الآية: 145 89 # PageV01P459 # الآيات: 146 - 148 90 الآيتان: 149، 150 91 الآيتان: 151، 152 92 ~~الآيتان: 153، 154 93 الآيتان: 155، 156 94 الآيتان: 157، 158 95 الآيات: ~~159 - 163 97 الآية: 164 98 الآيات: 165 - 167 100 الآيات: 168 - 170 101 ~~الآيات: 171 - 173 102 الآيتان: 174، 175 104 الآيتان: 176، 177 105 الآية: ~~178 106 الآيتان: 179، 180 108 الآيات: 181 - 183 109 الآية: 184 110 ~~الآية: 185 111 الآية: 186 114 الآية: 187 116 الآية: 188 119 الآية: 189 ~~120 الآية: 190 121 الآيات: 191 - 194 122 الآية: 195 123 الآية: 196 124 ~~الآية: 197 128 الآية: 198 130 الآية: 199 132 الآية: 200 133 الآيات: 201 ~~- 203 134 الآيات: 204 - 207 136 الآيتان: 208، 209 139 الآيتان: 210، 211 ~~140 الآية: 212 141 الآية: 213 142 الآية: 214 143 الآيتان: 215، 216 144 ~~الآيتان: 217، 218 146 الآية: 219 148 الآيتان: 220، 221 152 الآية: 222 ~~153 الآية: 223 155 الآيتان: 224، 225 156 الآية: 226 157 الآيتان: 227، ~~228 158 الآية: 229 161 الآية: 230 163 الآية: 231 164 الآية: ms0918 232 165 ~~الآية: 233 166 الآية: 234 167 الآية: 235 169 الآية: 236 170 الآية: 237 ~~171 الآية: 238 172 الآية: 239 174 الآية: 240 175 الآيات: 241 - 243 176 ~~الآيتان: 244، 245 177 الآية: 246 178 الآية: 247 179 الآية: 248 180 ~~الآية: 249 182 الآيتان: 250، 251 183 الآيتان: 252، 253 186 الآيتان: 254، ~~255 188 الآيات: 256 - 258 191 # PageV01P460 # الآية: 259 193 الآية: 260 196 الآيتان: 261، 262 198 الآيات: 263 - 266 ~~200 الآية: 267 202 الآيتان: 268، 269 204 الآيتان: 270، 271 205 الآية: ~~272 206 الآية: 273 207 الآيتان: 274، 275 208 الآيات: 276 - 278 211 ~~الآيتان: 279، 280 212 الآية: 281 213 الآية: 282 214 الآية: 283 216 ~~الآية: 284 217 الآية: 285 219 الآية: 286 220 # تفسير سورة آل عمران # الآيتان: 1، 2 223 الآيات: 3 - 6 224 الآية: 7 225 الآيات: 8 - 11 227 ~~الآيتان: 12، 13 228 الآية: 14 230 الآيات: 15 - 18 231 الآيتان: 19، 20 ~~232 الآيات: 21 - 23 233 الآيات: 24 - 26 235 الآية: 27 236 الآية: 28 237 ~~الآيات: 29 - 32 238 الآيات: 33 - 35 239 الآيتان: 36، 37 240 الآيتان: 38، ~~39 242 الآيات: 40 - 42 243 الآيات: 43 - 45 244 الآيات: 46 - 48 246 ~~الآية: 49 247 الآيتان: 50، 51 248 الآية: 52 249 الآيتان: 53، 54 250 ~~الآية: 55 251 الآيات: 56 - 59 252 الآيتان: 60، 61 254 الآيات: 62 - 64 ~~255 الآيات: 65 - 68 256 الآيات: 69 - 72 258 الآية: 73 259 الآيتان: 74، ~~75 260 الآيتان: 76، 77 261 الآيتان: 78، 79 262 الآيتان: 80، 81 263 ~~الآيات: 82 - 86 265 الآيات: 87 - 90 266 الآيتان: 91، 92 267 الآية: 93 ~~269 الآيات: 94 - 96 270 الآية: 97 272 الآيات: 98 - 100 275 الآيتان: 101، ~~102 276 الآية: 103 277 الآيات: 104 - 106 281 الآيتان: 107، 108 283 ~~الآيتان: 109، 110 284 الآيات: 111 - 114 286 الآيات: 115 - 118 288 # PageV01P461 # الآيات: 119 - 120 289 الآية: 121 290 الآيات: 122 - 125 291 الآيات: 126 ~~- 128 294 الآيتان: 129، 130 ms0919 295 الآيات: 131 - 134 296 الآية: 135 298 ~~الآيات: 136 - 138 300 الآيتان: 139، 140 301 الآيات: 141 - 143 302 الآية: ~~144 303 الآيتان: 145، 146 305 الآيات: 147 - 149 306 الآيات: 150 - 152 ~~307 الآية: 153 308 الآية: 154 309 الآيتان: 155، 156 310 الآيات: 157 - ~~159 311 الآيتان: 160، 161 312 الآيات: 162 - 165 314 الآيات: 166 - 169 ~~316 الآية: 170 319 الآيتان: 171، 172 320 الآيتان: 173، 174 322 الآيات: ~~175 - 178 323 الآية: 179 324 الآية: 180 325 الآيتان: 181، 182 326 ~~الآيات: 183 - 185 327 الآية: 186 329 الآيتان: 187، 188 330 الآيتان: 189، ~~190 331 الآيتان: 191، 192 332 الآيات: 193 - 195 333 الآيات: 196 - 200 ~~335 # تفسير سورة النساء # الآية: 1 337 الآيتان: 2، 3 338 الآيتان: 4، 5 340 الآية: 6 341 الآية: 7 ~~343 الآية: 8 344 الآيتان: 9، 10 345 الآية: 11 346 الآية: 12 350 الآيات: ~~13 - 15 353 الآية: 16 354 الآيات: 17 - 19 355 الآيات: 20 - 22 357 الآية: ~~23 358 الآية: 24 361 الآية: 25 363 الآيات: 26 - 29 365 الآيتان: 30، 31 ~~366 الآية: 32 368 الآية: 33 369 الآية: 34 370 الآية: 35 372 الآية: 36 ~~373 الآيات: 37 - 40 375 الآيتان: 41، 42 377 الآية: 43 378 الآيات: 44 - ~~47 385 الآية: 48 387 الآيات: 49 - 51 388 الآيات: 52 - 56 389 الآيتان: ~~57، 58 390 # PageV01P462 # الآية: 59 392 الآية: 60 393 الآيتان: 61، 62 394 الآيات: 63 - 65 395 ~~الآيات: 66 - 68 396 الآيتان: 69، 70 397 الآيات: 71 - 76 398 الآيتان: 77، ~~78 399 الآية: 79 400 الآيتان: 80، 81 401 الآيتان: 82، 83 402 الآيتان: ~~84، 85 403 الآيتان: 86، 87 404 الآية: 88 406 الآيتان: 89، 90 407 الآية: ~~91 408 الآية: 92 409 الآية: 93 411 الآية: 94 413 الآية: 95 414 الآية: 96 ~~415 الآيات: 97 - 100 416 الآية: 101 417 الآية: 102 419 الآية: 103 422 ~~الآيات: 104 - 106 423 الآيات: 107 - 110 424 الآيات: 111 - 113 425 الآية: ~~114 ms0920 426 الآيتان: 115، 116 427 الآيات: 117 - 119 428 الآيات: 120 - 123 ~~429 الآيتان: 124، 125 431 الآيتان: 126، 127 432 الآية: 128 433 الآيتان: ~~129، 130 434 الآيات: 131 - 133 435 الآيات: 134 - 136 436 الآيات: 137 - ~~141 438 الآيات: 142 - 144 439 الآيات: 145 - 148 440 الآيات: 149 - 155 ~~442 الآيات: 156 - 158 444 الآيتان: 159، 160 445 الآيتان: 161، 162 447 ~~الآية: 163 448 الآيتان: 164، 165 449 الآيات: 166 - 170 450 الآية: 171 ~~451 الآيات: 172 - 175 453 الآية: 176 454. # PageV01P463 # الجزء الثاني ### | سورة المائدة # نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم فإنها نزلت بعرفة ~~في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة فقرأها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خطبته وقال «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن ~~نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها». فإن قلت لما خص النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذه السورة من بين سور القرآن بقوله فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وكل ~~سور القرآن يجب أن يحل حلالها ويحرم حرامها، قلت هو كذلك وإنما خص هذه ~~السورة لزيادة الاعتناء بها فهو كقوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين ~~القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم فأكد اجتناب الظلم في هذه الأربعة أشهر وإن ~~كان لا يجوز الظلم في شيء من جميع أشهر السنة وإنما أفرد هذه الأربعة ~~الأشهر بالذكر لزيادة الاعتناء بها، وقيل إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه السورة لأن فيها ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن. # قال البغوي روي عن ميسرة قال: إن الله تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية ~~عشر حكما لم ينزلها في غيرها وهي قوله: والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ~~بالأزلام وما علمتم من الجوارح مكلبين وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وتمام بيان الطهر ms0921 في قوله: «إذا قمتم إلى ~~الصلاة- والسارق والسارقة- ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم- ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام» وقوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المائدة (5): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود يعني العهود قال ~~الجماعة: واختلفوا في المراد بهذه العقود التي أمر الله تعالى بوفائها فقال ~~ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتب ~~المتقدمة، أوفوا بالعقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ~~والإيمان به. وقيل: هو خطاب للمؤمنين أمرهم بالوفاء بالعقود. قال ابن عباس: ~~هي عهود الإيمان وما أخذه على عباده في القرآن فيما أحل وحرم. وقيل هي ~~العقود التي كانت في الجاهلية كان يعاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة ~~على من حاول ظلمه أو بغاه بسوء وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه ~~بينهم. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «أوفوا ~~بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام». # وقيل: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم وما يعقده الإنسان على ~~نفسه. والعقود خمسة: عقد اليمين، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، ~~وعقد الشركة. زاد بعضهم: وعقد الحلف. # PageV02P003 # قال الطبري: وأولى الأقوال عندنا بالصواب ما قاله ابن عباس أن معناه ~~أوفوا يا أيها المؤمنون بعقود الله التي أوجبها عليكم وعقدها فيما أحل وحرم ~~عليكم وألزمكم فرضه وبين لكم حدوده وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، ~~لأن الله تعالى أتبعه بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال تعالى: أحلت ~~لكم بهيمة الأنعام وهو خطاب للمؤمنين خاصة والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ~~الحيوان لكن خص في التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش وإنما سميت ~~بهيمة لأنها أبهمت عن العقل والتمييز. قال الزجاج: ms0922 كل حي لا يميز فهو ~~بهيمة. والأنعام: جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم ولا يدخل فيها ذوات ~~الحافر في قول جميع أهل اللغة. واختلفوا في معنى الآية فقال الحسن وقتادة: ~~بهيمة الأنعام، الإبل والبقر والغنم والمعز. وعلى هذا القول إنما أضاف ~~البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد. وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها ~~كالظباء وبقر الوحش وحمر الوحش. وعلى هذا إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام ~~ليعرف جنس الأنعام وما أحل منها لأنه لو أفردها فقال البهيمة لدخل فيه ما ~~يحل ويحرم من البهائم فلهذا قال تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام. وقال ابن ~~عباس: # هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت. ذهب أكثر ~~العلماء إلى تحليلها وهو مذهب الشافعي ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الجنين ذكاته ذكاة أمه أخرجه الترمذي ~~وابن ماجة. # وفي رواية أبي داود قال: «قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة ~~والشاة ونجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ~~ذكاة أمه» وروى الطبري عن ابن عمر في قوله: أحلت لكم بهيمة الأنعام، قال: ~~ما في بطنها. # قال عطية العوفي: قلت إن خرج ميتا آكله؟ قال: نعم هو بمنزلة رئتها ~~وكبدها. وعن ابن عباس قال: # الجنين من بهيمة الأنعام وعنه أن بقرة نحرت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن ~~عباس بذنب الجنين. وقال: هذا من بهيمة الأنعام. وشرط بعضهم الإشعار وتمام ~~الخلق. وقال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ومثله ~~عن سعيد بن المسيب. وقال أبو حنيفة: لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ~~ذكاة الأم. # وقوله تعالى: إلا ما يتلى عليكم يعني في القرآن تحريمه وأراد به قوله ~~تعالى: حرمت عليكم الميتة إلى آخر الآية فهذا من المتلو علينا وهو ما ~~استثنى الله عز وجل من بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم يعني أحللت ~~لكم الأنعام كلها والوحشية ms0923 أيضا من الظباء والبقر والحمر غير محلي صيدها ~~وأنتم محرمون في حال الإحرام فلا يجوز للمحرم أن يقتل صيدا في حال إحرامه ~~إن الله يحكم ما يريد يعني أن الله يقضي في خلقه ما يشاء، من تحليل ما أراد ~~تحليله وتحريم ما أراد تحريمه وفرض ما يشاء أن يفرضه عليهم من أحكامه ~~وفرائضه مما فيه مصلحة لعباده. # ### || [سورة المائدة (5): آية ] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله نزلت في الحطم ~~واسمه شريح بن هند بن ضبعة البكري أتى المدينة وحده وخلف خيله خارج المدينة ~~ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إلا ما، ~~تدعو الناس # PageV02P004 # فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة فقال حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم ~~وآتي بهم فخرج من عنده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ~~يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما خرج شريح. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمر ~~بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول: # لقد لفها بالليل سواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم # فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام القابل، خرج شريح حاجا مع حجاج بكر بن ~~وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدي، فقال المسلمون: يا رسول ~~الله هذا الحطم قد خرج ms0924 حاجا فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنه قد قلد الهدي. فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في ~~الجاهلية فأبى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا شعائر الله. # قال ابن عباس: هي المناسك كان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن ~~يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. # وقيل: الشعائر، الهدايا المشعرة وإشعارها أن يطعن في صفحة سنام البعير ~~بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة أنها هدي وهو سنة في الإبل والبقر عون ~~الغنم، ويدل عليه ما روي عن عائشة: «فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت فما حرم عليه شيء كان له ~~حلالا» أخرجاه في الصحيحين (م). # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم ~~دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ~~ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. وعند أبي حنيفة لا يجوز ~~إشعار الهدي بل قال يكره ذلك. وقال ابن عباس «1» في معنى الآية: لا تحلوا ~~شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم. وقيل: شعائر الله شرائع الله ومعالم ~~دينه، والمعنى: لا تحلوا شيئا من فرائضه التي افترض عليكم واجتنبوا نواهيه ~~التي نهى عنها ولا الشهر الحرام أي ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه ~~والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال في الجاهلية فيه، ~~فلما جاء الإسلام، لم ينقض هذا الحكم، بل أكده. والمراد بالشهر الحرام هنا، ~~ذو القعدة. وقيل: رجب. ذكرهما ابن جرير. وقيل: المراد بإحلال الشهر الحرام ~~النسيء. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ، فيقول: إني قد ~~أحللت كذا وحرمت كذا يعني به الأشهر فنهى الله عن ذلك وسيأتي تفسير النسيء ~~في سورة براءة: ولا الهدي ولا القلائد الهدي ما يهدى إلى بيت الله من بعير ~~أو بقرة أو شاة أو غير ذلك مما ms0925 يتقرب به إلى الله تعالى، والقلائد جمع ~~قلادة وهي التي تشد في عنق البعير وغيره والمعنى: ولا الهدي ذوات القلائد. ~~قال الشاعر: # حلفت برب مكة والمصلى ... وأعناق هدي مقلدات # فعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية لأنها من ~~أشراف البدن المهداة والمعنى: # ولا تستحلوا الهدي خصوصا المقلدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد وذلك ~~أن العرب في الجاهلية كانوا إذا PageV02P005 # أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم من لحاء شجر الحرم فكانوا ~~يأمنون بذلك فلا يتعرض لهم أحد، فنهى الله المؤمنين عن ذلك الفعل ونهاهم عن ~~استحلال نزع شيء من شجر الحرم ولا آمين البيت الحرام يعني ولا تستحلوا ~~القاصدين إلى البيت الحرام وهو الكعبة شرفها الله وعظمها يبتغون يعني ~~يطلبون فضلا من ربهم يعني الرزق والأرباح في التجارة ورضوانا يعني ويطلبون ~~رضا الله عنهم بزعمهم لأن الكافر لا حظ له في الرضوان لكن يظن أن فعله ذلك ~~طلب الرضوان فيجوز أن يوصف به بناء على ظنه. وقيل إن المشركين كانوا يقصدون ~~بحججهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا يغالونه فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب ~~ذلك القصد نوع من الحرمة وهو الأمن على أنفسهم. وقيل: كان المشركون يلتمسون ~~في حجهم ما يصلح لهم دنياهم ومعاشهم. # وقيل: ابتغاء الفضل هو للمؤمنين والمشركين عامة وابتغاء الرضوان للمؤمنين ~~خاصة وذلك أنهم يحجون جميعا. # ((فصل)) اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية فقال قوم: هذه الآية ~~منسوخة إلى هاهنا لأن قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~يقتضي حرمة القتل في الشهر الحرام وفي الحرم وذلك منسوخ بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى: ولا آمين البيت الحرام يقتضي ~~حرمة منع المشركين عن البيت الحرام وذلك منسوخ بقوله تعالى: فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلا يجوز أن يحج مشرك ولا يأمن بالهدي ~~والقلائد كافر وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر المفسرين. # قال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية. وقيل: المنسوخ ms0926 منها ~~قوله ولا آمين البيت الحرام نسختها آية براءة فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وقوله: فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال ابن عباس: ~~كان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعا فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا ~~أحدا أن يحج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد هذا ~~إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال آخرون: لم ~~ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر ~~الحرم. # قال الواحدي: وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة وأن هذه الآية ~~محكمة قالوا ما ندبنا إلى أن نخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر ~~الحرام ولا في غيره وفصل الشهر الحرام عن غيره بالذكر تعظيما وتفضيلا وحرم ~~علينا أخذ الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله وحرم علينا القلائد التي ~~كانوا يفعلونها في الجاهلية وهذا غير مقبول، والظاهر ما عليه جمهور العلماء ~~من نسخ هذه الآية لإجماع العلماء، على أن الله عز وجل قد أحل قتال أهل ~~الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. # وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه وذراعيه جميع لحاء الشجر لم يكن ~~ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن قد تقدم له عهد ذمة أو أمان. وكذلك ~~أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين لقوله تعالى عمرة من ~~المشركين لقوله تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا والله أعلم. # وقوله تعالى: وإذا حللتم يعني من إحرامكم فاصطادوا هذا أمر إباحة، لأن ~~الله حرم الصيد على المحرم حالة إحرامه بقوله تعالى: غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم وإذا حل من إحرامه بقوله وإذا حللتم فاصطادوا وإنما قلنا إنه أمر إباحة ~~لأنه ليس واجبا على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد ومثله قوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض معناه أنه قد أبيح لكم ذلك بعد ~~الفراغ من الصلاة ولا يجرمنكم. # PageV02P006 # قال ابن عباس: ms0927 لا يحملنكم. وقيل: معناه لا يكسبنكم ولا يدعوكم شنآن قوم ~~يعني بغض قوم وعداوتهم أن صدوكم يعني لأن صدوكم عن المسجد الحرام والمعنى: ~~لا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء، لأن صدوكم عن المسجد الحرام، لأن هذه ~~السورة نزلت بعد قصة الحديبية، فكان الصد قد تقدم أن تعتدوا عليهم يعني: ~~بالقتل وأخذ المال وتعاونوا على البر والتقوى يعني ليعن بعضكم بعضا على ما ~~يكسب البر والتقوى قال ابن عباس: البر متابعة السنة ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان يعني ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم وهو الكفر والعدوان هو الظلم. ~~وقيل: الإثم المعاصي، والعدوان البدعة (م) عن النواس بن سمعان، قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البر «حسن الخلق والإثم ~~ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» واتقوا الله أي احذروا الله أن ~~تعتدوا ما أمركم به أو تجاوزوا إلى ما نهاكم عنه إن الله شديد العقاب يعني ~~لمن خالف أمره ففيه وعيد وتهديد عظيم. # ### || [سورة المائدة (5): آية 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # قوله عز وجل: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير بين الله تعالى في ~~أول السورة ما أحل لنا من بهيمة الأنعام بقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام ثم ~~إنه تعالى استثنى من ذلك بقوله: إلا ما يتلى عليكم. فذكر ذلك المستثنى ~~بقوله حرمت عليكم الميتة فكل ما فارقته الروح مما يذبح بغير ذكاة فهو ميتة. ~~وسبب تحريم الميتة، أن الدم لطيف جدا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس ذلك ~~الدم وبقي في العروق فيفسد ويحصل منه ضرر عظيم والدم هو المسفوح الجاري، ~~وكانت العرب في ms0928 الجاهلية تجعل الدم في المصارين وتشويه وتأكله، فحرم الله ~~ذلك كله. ولحم الخنزير، أراد به جميع أجزائه وأعضائه. وإنما خص اللحم ~~بالذكر، لأنه المقصود بالأكل وقد تقدم في سورة البقرة أحكام هذه الثلاثة ~~أشياء وما استثنى الشارع من الميتة والدم وهو السمك والجراد والكبد والطحال ~~وذكرنا الدليل على إباحة ذلك واختلاف العلماء في ذلك. # وقوله تعالى: وما أهل لغير الله به يعني ما ذكر على ذبحه غير اسم الله ~~وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح فحرم الله ~~بهذه الآية وبقوله: ولا تأكلوا مما لا يذكر اسم الله عليه والمنخنقة. # قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها فحرم ~~الله ذلك. والمنخنقة: جنس الميتة لأنها لما ماتت لم يسل دمها. والفرق ~~بينهما، أن الميتة تموت بلا سبب أحد، والمنخنقة تموت بسبب الخنق. ~~والموقوذة: يعني المقتولة بالخشب. وكانت العرب في الجاهلية يضربون الشاة ~~بالعصا حتى تموت ويأكلونها فحرم الله ذلك والمتردية يعني التي تتردى من ~~مكان عال فتموت أو في بئر فتموت. والتردي: هو السقوط من سطح أو من جبل ~~ونحوه وهذه المتردية تلحق بالميتة فيحرم أكلها ويدخل في هذا الحكم إذا رمى ~~بسهمه صيدا فتردى ذلك الصيد من جبل أو من مكان عال فمات فإنه يحرم أكله ~~لأنه لا يعلم هل مات بالتردي أو بالسهم والنطيحة يعني التي تنطحها شاة أخرى ~~حتى تموت وكانت العرب في الجاهلية تأكل ذلك، فحرمها الله تعالى لأنها في ~~حكم الميتة. فأما الهاء في الكلمات التي تقدمت أعني المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة، فإنما دخلت عليها، لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة. ~~كأنه قال: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة # PageV02P007 # والمتردية. وخصت الشاة، لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام إنما يخرج ~~على الأعم الأغلب ثم يلحق به غيره. # فإن قلت: لم أثبتت الهاء في النطيحة مع أنها في الأصل منطوحة فعدلوا بها ~~إلى النطيحة وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة تقول: كف خضيب وعين كحيل ~~يعني كف ms0929 مخضوبة وعين مكحولة. قلت: إنما تحذف الهاء من الفعيلة إذا كانت صفة ~~لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف ~~تقول: رأيت قبيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو ~~أم امرأة. فعلى هذا، إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لموصوف غير ~~مذكور وهو الشاة. # وقال ابن السكيت: قد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها تخرج مخرج ~~الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة ~~السبع ومررت بقبيلة بني فلان. وقوله تعالى: وما أكل السبع قال قتادة: كان ~~أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، فحرمه ~~الله تعالى. # والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس ~~بنابه كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوه وفي الآية محذوف تقديره وما أكل ~~السبع منه لأن ما أكله السبع فقد فقد فلا حكم له، إنما الحكم للباقي منه. # إلا ما ذكيتم يعني إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه حياة مستقرة من هذه ~~الأشياء المذكورة والظاهر أن هذا الاستثناء يرجع إلى جميع المحرمات ~~المذكورة في الآية من قوله تعالى: والمنخنقة، إلى، وما أكل السبع. وهذا قول ~~علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة. # قال ابن عباس: يقول الله تعالى ما أدركتم من هذا كله وفيه روح فاذبحوه ~~فهو حلال. وقال الكلبي: هذا الاستثناء مما أكل السبع خاصة. والقول هو الأول ~~وأما كيفية إدراكها، فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن ~~توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله جائز. قال ابن عباس: إذا طرفت بعينها ~~أو ركضت برجلها أو تحركت فاذبح فهو حلال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن السبع ~~إذا جرح فأخرج الحشوة أو قطع لجوف قطعا تيأس معه الحياة فلا ذكاة لأن ذلك ~~وإن كان به حركة ورمق إلا أنه قد صار إلى حالة لا يؤثر في حياته الذبح وهو ~~مذهب مالك واختاره الزجاج ms0930 وابن الأنباري، لأن معنى التذكية أن يلحقها وفيها ~~بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك ~~وإلا فهو كالميتة. وأصل الذكاة في اللغة تمام الشيء، فالمراد من التذكية، ~~تمام قطع الأوداج وانهار الدم ويدل عليه ما روي عن رافع بن خديج عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن ~~والظفر «وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة» أخرجاه في ~~الصحيحين. # وأقل الذبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء والحلقوم وأكمله قطع ~~الودجين مع ذلك والحلقوم بعد الفم، وهو موضع النفس والمريء مجرى الطعام ~~والودجان عرقان يقطعان عند الذبح وأما آلة الذبح فكل ما أنهرا الدم وفرى ~~الأوداج من حديد وغيره إلا السن والظفر لما تقدم من نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك. # قوله تعالى: وما ذبح على النصب يعني وحرم ما ذبح على النصب. والنصب يحتمل ~~أن يكون جمعا واحده نصاب وأن يكون واحدا وجمعه أنصاب وهو الشيء المنصوب. ~~قيل: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة كان أهل الجاهلية يعبدونها ~~ويعظمونها ويذبحون لها وليست هذه الحجارة بأصنام إنما الأصنام الصور ~~المنقوشة. وقال ابن عباس: هي الأصنام المنصوبة. والمعنى: وما ذبح على اسم ~~النصب أو لأجل النصب # PageV02P008 # فهو حرام وأن تستقسموا بالأزلام يعني وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام وهو ~~طلب القسم والحكم من الأزلام وهي القداح وكانت أزلامهم سبع قداح مستوية ~~مكتوب على واحد منها أمرني ربي وعلى واحد نهاني وعلى واحد منكم وعلى واحد ~~من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل وعلى واحد غفل أي ليس عليه شيء. ~~وكانت العرب في الجاهلية، إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا أو اختلفوا في ~~نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظام جاءوا إلى هبل ~~وكانت أعظم صنم لقريش، بمكة وجاءوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى ~~يجيلها لهم. فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر وإن خرج ms0931 نهاني ربي ولم ~~يفعلوه وإن أجالوا على نسب فإن خرج منكم كان وسطا فيهم وإن خرج من غيركم ~~كان حلفا فيهم وإن خرج ملصق كان على حاله وإن اختلفوا في العقل وهو الدية ~~فمن خرج عليه قدح العقل تحمله وإن خرج الغفل أجابوا ثانيا حتى يخرج المكتوب ~~عليه فنهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقا. وقيل: الأزلام كعاب فارس والروم ~~التي كانوا يقامرون بها. # وقيل: كانت الأزلام للعرب. والكعاب للعجم وهي: النرد وكلها حرام لا يجوز ~~اللعب بشيء منها. # عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«العيافة والطيرة والطرق من الجبت» أخرجه أبو داود وقال: الطرق الزجر ~~والعيافة الخط. وقيل: العيافة زجر الطير والطرق الضرب بالحصى والجبت كل ما ~~عبد من دون الله عز وجل. وقيل: الجبت الكاهن. وروى البغوي بسند الثعلبي عن ~~أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تكهن أو استقسم ~~بالأزلام أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة ~~وقوله تعالى: ذلكم فسق يعني ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية لأن ~~المعنى حرم عليكم تناول كذا وكذا فإنه فسق والفسق ما يخرج من الحلال إلى ~~الحرام وقيل إن الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام والأول أصح اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم يعني يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى دينهم كفارا، وذلك ~~أن الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى دينهم، فلما قوي الإسلام، ~~أيسوا من ذلك وذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ~~عام حجة الوداع فعند ذلك يئس الكفار من بطلان دين الإسلام. وقيل: إن ذلك هو ~~يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. # وقيل: لم يرد يوما بعينه وإنما المعنى الآن يئس الذين كفروا من دينكم فهو ~~كما تقول: اليوم قد كبرت. # تريد: الآن قد كبرت. وتقول: فلان كان يزورنا وهو اليوم يجفونا ولم ms0932 ترد ~~يوما بعينه. يعني: وهو الآن يجفونا ولم تقصد به اليوم قال الشاعر: # فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر # أراد فزمان علينا وزمان لنا ولم يقصد اليوم واحد معين فلا تخشوهم فلا ~~تخافوا الكفار أيها المؤمنون الذين آمنوا أن يظهروا على دينكم فقد زال ~~الخوف عنكم بإظهار دينكم واخشون أي وخافوا مخالفة أمري وأخلصوا الخشية لي. # قوله عز وجل: اليوم أكملت لكم دينكم نزلت هذه الآية في يوم الجمعة بعد ~~العصر في يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته ~~العضباء فكادت عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة الوداع سنة ~~عشر من الهجرة (ق). # عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير ~~المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك ~~اليوم عيدا قال: فأي آية؟ قال: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا» فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان ~~الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم الجمعة ~~أشار عمر إلى ذلك اليوم يوم عيد لنا. وعن ابن عباس # PageV02P009 # أنه قرأ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا وعنده يهودي فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذناها عيدا فقال ابن ~~عباس: «فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم جمعة ويوم عرفة» أخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن غريب. # قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد ~~لليهود، وعيد للنصارى، وعيد للمجوس. ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم ~~واحد قبله ولا بعده. # وروي أنه لما نزلت هذه الآية، بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ما يبكيك يا عمر؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا. فأما إذا كمل ~~فإنه لم يكمل شيء إلا نقص قال: صدقت» فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى ~~الله ms0933 عليه وسلم عاش بعدها أحدا وثمانين يوما ومات صلى الله عليه وسلم يوم ~~الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل: لاثنتي عشر ليلة وهو الأصح سنة ~~إحدى عشرة من الهجرة. وأما تفسير الآية فقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم ~~يعني بالفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ولم ينزل بعد هذه ~~الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض هذا معنى قول ابن عباس. # وقال سعيد بن جبير وقتادة: معنى أكملت لكم دينكم، أي حيث لم يحج معكم ~~مشرك وخلا الموسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. وقيل: معناه ~~أني أظهرت دينكم على الأديان وأمنتكم من عدوكم بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه. ~~وقيل: إكمال الدين لهذه الأمة أنه لا يزول ولا ينسخ وإن شريعتهم باقية إلى ~~يوم القيامة. وقيل: إكمال الدين لهذه الأمة أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ~~ولم يكن هذا لغير هذه الأمة. وقال ابن الأنباري: اليوم أكملت شرائع الإسلام ~~على غير نقصان كان قبل هذا الوقت وذلك أن الله تعالى كان يتعبد خلقه بالشيء ~~في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر فيكون الوقت الأول تاما في وقته، وكذلك ~~الوقت الثاني تاما في وقته فهو كما يقول القائل: # عندي عشرة كاملة. ومعلوم أن العشرين أكمل منها والشرائع التي تعبد الله ~~عز وجل بها عباده في الأوقات المختلفة مختلفة وكل شريعة منها كاملة في وقت ~~التعبد بها فكمل الله عز وجل الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة ولم ~~يوجب ذلك أن الدين كان ناقصا في وقت من الأوقات ونقل الإمام فخر الدين ~~الرازي عن القفال واختاره أن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبدا كاملا ~~كانت الشرائع النازلة من عند الله كافية في ذلك الوقت إلا أنه تعالى كان ~~عالما في أول وقت البعثة بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد لا ~~يصالح فيه لا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيل بعد التحتم. # وأما في آخر زمان البعثة، فأنزل الله ms0934 شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم ~~القيامة، فالشرع أبدا كان كاملا إلا أن الأول كمال إلى يوم مخصوص، والثاني ~~كمال إلى يوم القيامة، فلأجل هذا المعنى قال: اليوم أكملت لكم دينكم. ثم ~~قال تعالى: وأتممت عليكم نعمتي يعني بإكمال الدين والشريعة، لأنه لا نعمة ~~أتم من الإسلام. # وقال ابن عباس: حكم لها بدخول الجنة. وقيل: معناه أنه تعالى أنجز لهم ما ~~وعدهم في قوله ولأتم نعمتي عليكم فكان من تمام النعمة أن دخلوا مكة آمنين ~~وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين ورضيت لكم الإسلام دينا يعني ~~واخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان وقيل: معناه ورضيت لكم الإسلام ~~لأمري والانقياد لطاعتي فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم ~~الدين الذي أكملته لكم وإنما قال تعالى: # ورضيت لكم الإسلام دينا يوم نزلت هذه الآية وإن كان الله تعالى لم يزل ~~راضيا بدين الإسلام فيما مضى قبل نزول هذه الآية لأنه لم يزل يصرف نبيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من حال إلى حال وينقلهم من ~~مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى أكمل لهم شرائع الدين ومعالمه وبلغ بهم أقصى ~~درجاته ومراتبه ثم أنزل عليهم هذه الآية: # ورضيت لكم الإسلام دينا، يعني بالصفة التي هو اليوم بها وهي نهاية الكمال ~~وأنتم الآن عليه فالزموه ولا # PageV02P010 # تفارقوه. روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول قال جبريل قال الله عز وجل: # «هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما ~~صحبتموه» وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يمثل لكل أهل دين دينهم ~~يوم القيامة فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخبر حتى يجيء ~~الإسلام فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول إياك اليوم أقبل وبك ~~اليوم أجزى. وقوله تعالى: # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في ~~المطاعم التي حرمها الله تعالى ومتصلة بها، ms0935 والمعنى: أن المحرمات وإن كانت ~~محرمة، إلا أنها قد تحل في حالة الاضطرار إليها. ومن قوله تعالى: ذلكم فسق، ~~إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره من معنى ~~التحريم، لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة ~~والإسلام الذي هو المرضي عند الله. # ومعنى الآية: فمن اضطر أي أجهد وأصيب بالضر الذي لا يمكنه معه الامتناع ~~من أكل الميتة. وهو قوله تعالى: في مخمصة، يعني في مجاعة. والمخمصة: خلو ~~البطن من الغذاء عند الجوع. غير متجانف لإثم: يعني غير مائل إلى إثم أو ~~منحرف إليه. والمعنى: فمن اضطر إلى أكل الميتة أو إلى غيرها في المجاعة ~~فليأكل غير متجانف لإثم وهو أن يأكل فوق الشبع. وقول فقهاء العراق. وقيل: ~~معناه غير متعرض لمعصية في مقصد وهو قول فقهاء الحجاز فإن الله غفور رحيم، ~~يعني لمن أكل من الميتة في حال الجوع والاضطرار. # ### || [سورة المائدة (5): آية 4] # يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) # قوله عز وجل: يسئلونك ماذا أحل لهم روى الطبري بسنده عن أبي رافع قال: ~~«جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه فأذن له فلم يدخل ~~فقال: قد أذنا لك يا رسول الله قال أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب». # قال أبو رافع فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت حتى انتهيت إلى امرأة ~~عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرته فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته فجاؤوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت ~~بقتلها قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: يسئلونك ماذا ~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين. # وروي عن ms0936 عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ~~فقتل حتى بلغ العوالي فدخل عاصم وسعد بن أبي خيثمة وعويمر بن ساعدة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماذا أحل لنا فنزلت: يسئلونك ماذا أحل ~~لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين قال ابن الجوزي: وأخرج ~~حديث أبي رافع الحاكم في صحيحه قال البغوي: فلما نزلت هذه الآية أذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما ~~لا نفع فيه منها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية». ~~ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ~~ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم» وقال سعيد بن جبير: ~~نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل ~~الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير قالا: يا رسول الله إنا ~~قوم نصيد بالكلاب وبالبزاة فماذا يحل لنا فنزلت هذه الآية. # قال البغوي: وهذا القول أصح في سبب نزولها. وأما التفسير فقوله تعالى ~~يسألونك يعني يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم ~~والمآكل كأنهم لما تلا عليهم من خبائث المآكل ما تلا سألوا عما أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات يعني قل لهم يا محمد أحل لكم الطيبات يعني: ما ذبح عن اسم ~~الله عز # PageV02P011 # وجل. وقيل: الطيبات كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه ~~نص من كتاب أو سنة. واعلم: أن العبرة في الاستطابة والاستلذاذ بأهل المروءة ~~والأخلاق الجميلة من العرب، فإن أهل البادية منهم يستطيبون أكل جميع ~~الحيوانات فلا عبرة بهم لقوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصا فيما ms0937 يحل ويحرم من ~~الأطعمة. وقوله تعالى: وما علمتم من الجوارح مكلبين يعني وأحل صيد ما علمتم ~~من الجوارح فحذف ذكر الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه ولأنهم ~~سألوا عن الصيد وقيل: إن قوله وما علمتم من الجوارح ابتداء كلام خبره فكلوا ~~مما أمسكن عليكم وعلى هذا القول يصح معنى الكلام من غير إضمار. والجوارح: ~~جمع جارحة وهي الكواسب من: السباع والطير كالفهد والنمر والكلب والبازي ~~والصقر والعقاب والشاهين والباشق من الطير مما يقبل التعليم سميت جوارح من ~~الجرح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه وقيل: سميت جوارح لأنها تكسب. والجوارح: ~~الكواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى: الذين اجترحوا السيئات # يعني اكتسبوا وقوله ويعلم ما جرحتم بالنهار أي اكتسبتم مكلبين يعني ~~معلمين. # والمكلب: هو الذي يغري الكلاب على الصيد. وقيل: هو مؤدب الجوارح ومعلمها ~~وإنما اشتق له هذا الاسم من الكلب، لأنه أكثر احتياجا إلى التعليم من غيره ~~من الجوارح. (تعلمونهن) يعني تعلمون الجوارح الاصطياد مما علمكم الله يعني ~~من العلم الذي علمكم الله، ففي الآية دليل على أنه لا يجوز صيد جارحة ما لم ~~تكن معلمة. وصفة التعليم هو أن الرجل يعلم جارحة الصيد وذلك أن يوجد فيها ~~أمور منها: أنه إذا أشليت «1» على الصيد استشلت وإذا زجرت انزجرت وإذا أخذت ~~الصيد أمسكت ولم تأكل منها شيئا ومنها أن لا ينفر منه إذا أراده وأن يجيبه ~~إذا دعاه فهذا هو تعليم جميع الجوارح فإذا وجد ذلك منها مرارا كانت معلمة ~~وأقلها ثلاث مرات فإنه يحل قتلها إذا جرحت بإرسال صاحبها (ق). عن عدي بن ~~حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا قوم نصيد بهذه ~~الكلاب؟ فقال «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك ~~عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن ~~خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليه فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنما سميت على ~~كلبك ولم تسم على غيره». ms0938 # وفي رواية: فإنك لا تدري أيها قتل وسألته عن الصيد المعراض، فقال: إذا ~~أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل وإذا رميت الصيد ~~فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل فإن وقع في المال فلا ~~تأكل. # واختلف العلماء فيما إذا أخذت الكلاب الصيد وأكلت منه شيئا فذهب أكثر أهل ~~العلم إلى تحريمه ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وطاوس الشعبي وبه قال ~~الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أصح قول الشافعي ويدل عليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ورخص بعضهم في أكله ~~يروي ذلك عمر وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وبه قال مالك لما روي عن أبي ~~ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب «إذا ~~أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» أخرجه أبو داود. وأما غير ~~المعلم من الجوارح إذا أخذت صيدا أو المعلم إذا خرج بغير إرسال صاحبه فأخذ ~~وقتل فإنه لا يحل إلا أن يدركه حيا فيذبحه فيحل (ق). PageV02P012 # عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل ~~في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم فما ~~يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا ~~فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله ~~عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير ~~المعلم فأدركت ذكاته فكل. # وقوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم دخلت من في قوله مما للتبعيض لأنه ~~إنما أحل أكل بعض الصيد وهو اللحم دون الفرث والدم. وقيل: من زائدة فهو ~~كقوله تعالى: كلوا من ثمره إذا أثمر واذكروا اسم الله عليه. # قال ابن عباس: يعني إذا أرسلت جارحك فقل بسم الله وإن نسيت فلا حرج. ومنه ~~قوله صلى ms0939 الله عليه وسلم لعدي: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل» ~~فعلى هذا يكون الضمير في عليه عائد إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا الله ~~عليه عند إرساله. وقيل: الضمير عائد إلى ما أمسكن عليكم. والمعنى: سموا ~~الله عليه إذا أدركتم ذكاته. وقيل: يحتمل أن يكون الضمير عائد إلى الأكل ~~يعني واذكروا اسم الله عليه عند الأكل فعلى هذا تكون للتسمية شرطا عند ~~إرسال الجوارح وعند إرسال الذبيحة وعند الأكل وسيأتي بيان هذه المسألة «1» ~~في سورة الأنعام عند قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه واتقوا ~~الله يعني واحذروا مخالفة الله يعني فيما أحل لكم وحرم عليكم إن الله سريع ~~الحساب يعني إذا حاسب عباده يوم القيامة ففيه تخويف لمن خالف أمره وفعل ما ~~نهاه عنه. # ### || [سورة المائدة (5): آية 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) # قوله عز وجل: اليوم أحل لكم الطيبات إنما كرر إحلال الطيبات للتأكيد كأنه ~~قال: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ويحتمل أن يراد باليوم، اليوم ~~الذي أنزلت فيه هذه الآية أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: اليوم يئس الذي ~~كفروا من دينكم اليوم أكملت لكم دينكم. ويكون الغرض من ذكر هذا الحكم، أنه ~~تعالى قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، فبين أنه كما أكمل ~~الدين وأتم النعمة، فكذلك أتم النعمة بإحلال الطيبات. # وقيل: ليس المراد باليوم يوما معينا وقد تقدم الكلام في ذلك اليوم وفي ~~معنى الطيبات في الآية المتقدمة. # وقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم يعني وذبائح أهل الكتاب حل ~~لكم وهم اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم. فأما من دخل في دينهم بعد مبعث النبي ms0940 صلى الله عليه ~~وسلم وهم متنصروا العرب من بني تغلب فلا تحل ذبيحته. # روي عن علي بن أبي طالب قال: لا تأكل من ذبائح نصارى العرب بني تغلب ~~فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وبه قال ابن مسعود. ~~ومذهب الشافعي: أن من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن، فإنه لا تحل ~~ذبيحته. # سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس به. ثم قرأ: ومن يتولهم ~~منكم، فإنه منهم وهذا PageV02P013 # قول الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعكرمة وقتادة والزهري والحكم وحماد ~~وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى مثل هذا ~~مذهب الشافعي. # وأجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة ~~الأصنام ومن لا كتاب له، وأجمعوا على أن المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب ~~ذبائحهم خاصة لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد ~~أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ولأن ما قبل هذه الآية في ~~بيان حكم الصيد والذبائح فحمل هذه الآية عليه أولى ولأن سائر الطعام لا ~~يختلف من تولاه من كتابي أو غيره، وإنما تختلف الذكاة، فلما خص أهل الكتاب ~~بالذكر دل على أن المراد بطعامهم وذبائحهم واختلف العلماء فيما لو ذبح ~~يهودي أو نصراني على غير اسم الله فقال ابن عمر: لا يحل ذلك وهو قول ربيعة ~~وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل. سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم ~~المسيح فقال: يحل فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. # وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني وذكر غير اسم الله وأنت تسمع فلا ~~تأكل وإذا غاب عنك فكل فقد أحله الله لك وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت ~~إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ذكروا غير اسم الله فيكون هذا ناسخا ~~لقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وليس الأمر كذلك ولا ~~نسخ لأن الأصل أنهم يذكرون الله ms0941 عند الذبح فيحمل أمرهم على هذا فإن تيقنا ~~أنهم ذبحوا على غير اسم الله لم تأكل ولا وجه للنسخ. # وقوله تعالى: وطعامكم حل لهم يعني أن ذبائحنا لهم حلال وهذا يدل على أنهم ~~مخاطبون بشريعتنا. # وقال الزجاج: معناه ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم فجعل الخطاب للمؤمنين ~~على معنى أن التحليل يعود إلى إطعامنا إياهم لا إليهم لأنه لا يمتنع أن ~~يحرم الله تعالى أن تطعمهم من ذبائحنا. وقيل: إن الفائدة في ذكر ذلك أن ~~إباحة المناكحة غير حاصلة من الجانبين وإباحة الذبائح كانت حاصلة من ~~الجانبين لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين ثم قال ~~تعالى: والمحصنات من المؤمنات قال مجاهد: هن الحرائر فعلى هذا القول لا ~~تدخل الأمة المؤمنة في هذا التحليل ومن أجاز نكاحهن أجازه بشرطين: خوف ~~العنت، وعدم طول الحرة. # وقال ابن عباس: المحصنات: العفائف. فعلى هذا القول لا يحل نكاح الزانية ~~لأنها لم تدخل في هذا التحليل وأباح العلماء نكاحها إذا تابت وحسنت توبتها. # روى طارق بن شهاب أن رجلا أراد أن يزوج أخته فقالت: إني أخشى أن أفضحك ~~إني قد بغيت فأتى عمر فذكر ذلك له منها فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى. قال: ~~فزوجها. وقيل: إنما خص المحصنات بالذكر وهن الحرائر أو العفائف ليحث ~~المؤمنين على تخير النساء ليكون الولد كريم الأصل من الطرفين. # وقوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني وأحل لكم ~~المحصنات من أهل الكتاب اليهود والنصارى. قال ابن عباس: يعني الحرائر من ~~أهل الكتاب. وقال الحسن والشعبي والنخعي والضحاك: يريد العفائف من أهل ~~الكتاب فعلى قول ابن عباس: لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية وهو مذهب ~~الشافعي قال: لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان، الكفر، والرق. وعلى قول ~~الحسن ومن وافقه، يجوز التزويج بالأمة الكتابية وهو مذهب أبي حنيفة لعموم ~~هذه الآية. واختلف العلماء في حكم هذه المسألة فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز ~~التزويج بالذميات من اليهود والنصارى. روي أن عثمان بن عفان ms0942 تزوج نائلة بنت ~~الفرافصة على نسائه وهي نصرانية وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية وروي عن ~~ابن عمر كراهية ذلك ويحتج # PageV02P014 # بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم ~~من قولها إن ربها عيسى وأجاب الجمهور عن قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~بأنه عام خص بهذه الآية فأباح الله تعالى المحصنات من أهل الكتاب وحرم من ~~سواهن من أهل الشرك وقال سعيد بن المسيب والحسن: يجوز التزويج بالذميات ~~والحربيات من أهل الكتاب لعموم قوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وأجاب جمهور العلماء بأن ذلك مخصوص بالذميات دون الحربيات ~~من أهل الكتاب. # قال ابن عباس: من نساء أهل الكتاب من تحل لنا ومنهن من لا تحل لنا. وقرأ: ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ~~والمراد بهم أهل الذمة دون أهل الحرب من أهل الكتاب. # وقوله تعالى: إذا آتيتموهن أجورهن يعني مهورهن وهو العوض الذي يبذله ~~الزوج للمرأة محصنين غير مسافحين يعني متعففين بالتزوج غير زانين ولا متخذي ~~أخدان يعني ولا منفردين ببغي واحدة قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة ~~يفجر بها وحده حرم الله الجماع على جهة السفاح وهو الزنا واتخاذ الصديق وهو ~~الخدن وأحله على جهة الإحصان وهو التزويج بعقد صحيح ومن يكفر بالإيمان يعني ~~ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء ~~به من عند الله فقد حبط عمله يعني فقد بطل ثواب عمله الذي كان عمله في ~~الدنيا وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. وقيل في معنى الآية، ومن يكفر بشرائع ~~الإيمان وتكاليفه فقد خاب وخسر وقال قتادة ذكر لنا إن ناسا من المسلمين ~~قالوا: كيف نتزوج نساءهم؟ يعني نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا، فأنزل ~~الله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. ~~وقيل: لما أباح الله تعالى نكاح الكتابيات، قلن فيما بينهن لولا أن الله ms0943 قد ~~رضي أعمالنا لم يبح للمؤمنين تزويجنا، فأنزل الله هذه الآية والمعنى أن ~~تزوج المسلمين إياهن ليس بالذي يخرجهن من الكفر. وقيل: إن أهل الكتاب وإن ~~حصلت لهم في الدنيا فضيلة بإباحة ذبائحهم ونكاح نسائهم إلا أن ذلك غير حاصل ~~لهم في الآخرة، لأن كل من كفر بالله وجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. # وقيل: إن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله أو جحد بشيء مما أنزل ~~الله فقد كفر بالله وحبط عمله المتقدم وهو في الآخرة من الخاسرين إذا مات ~~على ذلك وهذا الشرط لا بد منه لأنه إذا تاب وآمن قبل الموت قبلت توبته وصح ~~إيمانه. ### || [سورة المائدة (5): آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة يعني إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة ومثله قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله أي: ~~إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ومثله من الكلام إذا اتجرت فأتجر في ~~البر أي إذا أردت التجارة. وهذا القول يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة وهو ~~ظاهر الآية ومذهب داود الظاهري وذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم ~~إلى أنه يجزئ عدة صلوات بوضوء واحد وأجيب عن ظاهر الآية بأن المعنى إذا ~~قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر فحذف ذلك لدلالة المعنى عليه وهذا أحد ~~اختصارات القرآن وهو # PageV02P015 # كثير جدا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع يوم الخندق بين أربع صلوات ~~بوضوء واحد وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يقبل ms0944 ~~الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» أخرجاه في الصحيحين وقيل في معنى ~~الآية: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم وقيل: هو أمر ندب ندب من قام إلى ~~الصلاة أن يجدد لها طهارة وإن كان على طهر ويدل عليه ما روي عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر ~~حسنات» أخرجه الترمذي. # وقيل: هذا إعلام من الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء ~~عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ويدل عليه ما روي عن ابن ~~عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما من الخلاء فقدم إليه طعام ~~فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» أخرجه ~~مسلم. والقول الأول هو المختار في معنى الآية وفروض الوضوء المذكور في هذه ~~الآية أربعة: الأول غسل الوجه وهو قوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم واستدل ~~الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وحجته أن الوضوء مأمور به ~~وكل مأمور به يجب أن يكون منويا ولما روي في الصحيحين من حديث عمر بن ~~الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم «قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى». والوضوء من الأعمال فيجب أن يكون منويا وإنما قلنا: إن ~~الوضوء مأمور به وأنه من أعمال الدين لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين. والإخلاص، عبارة عن النية الخالصة ومتى كانت النية ~~الخالصة، معتبرة كان أصل النية في جميع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ~~تعالى معتبرا. واستدل أبو حنيفة لعدم وجوب النية في الوضوء بهذه الآية قال: ~~إن النية ليست شرطا لصحة الوضوء، لأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة ~~في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص والزيادة ~~على النص نسخ ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز. وأجيب عنه: بأنا ~~إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن وهو قوله ms0945 تعالى: وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين وأما حد الوجه، فمن منابت شعر الرأس إلى ~~منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا لأنه مأخوذ من المواجهة فيجب ~~غسل جميع الوجه في الوضوء ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب ~~العينين والعذارين والشارب والعنفقة وإن كانت كثة. وأما اللحية فإن كانت ~~كثة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل ما تحتها ويجب غسل ما تحت اللحية ~~الخفيفة وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما نزل من اللحية عن الذقن؟ فيه ~~قولان: أحدهما وبه قال أبو حنيفة، لا يجب لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا ~~يكون حكمه حكم الرأس في المسح فكذلك حكم الشعر النازل عن حد الوجه لا يجب ~~غسله. # والقول الثاني يجب إمرار الماء على ظاهره لأن الوجه مأخوذ من المواجهة ~~فتدخل جميع اللحية في حكم الوجه. # الفرض الثاني قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق يعني: واغسلوا أيديكم إلى ~~المرافق والمرافق بالكسر هو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد. وذهب ~~جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل ونقل عن مالك والشافعي ~~وزفر وأبي بكر بن داود الظاهري، أنه لا يجب إدخال المرفقين في الغسل ~~واختاره ابن جرير الطبري. ونقل عن مالك: وقد سئل عن قول الله عز وجل: ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق فقال: # الذي آمر به أن يبلغ المرفقين في الغسل لا يجاوزهما وحجة أصحاب هذا القول ~~أن كلمة إلى لانتهاء الغاية وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في ~~قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل ولأن الحد لا يدخل في المحدود فوجب ~~أن لا يجب غسل المرفقين في الوضوء وحجة الجمهور أن كلمة إلى هنا بمعنى مع ~~ومنه قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي مع أموالكم ويعضده من ~~السنة ما صح من حديث أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل ~~اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده السرى حتى أشرع في العضد ثم قال: هكذا ms0946 ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ. والجواب عن الحجة المتقدمة ~~إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه كما في هذه الآية لأن المرفق من ~~جنس اليد وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه كما في قوله تعالى: ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل لأن النهار من غير جنس الليل فلا يدخل فيه. الفرض ~~الثالث: قوله تعالى: # PageV02P016 # وامسحوا برؤسكم اختلف العلماء في القدر الذي يجب مسحه من الرأس فقال مالك ~~يجب مسح جميعه وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى عنه أنه يجب مسح ~~أكثره وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربعه. وفي رواية أخرى عنه: يجب مسح قدر ~~ثلاثة أصابع منه وقال الشافعي الواجب مسح ما ينطلق عليه اسم المسح والمراد ~~إلصاق المسح بالرأس وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح بالرأس ~~فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب وأخذ الشافعي باليقين فأوجب مسح ما ~~يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة وهو ما روي عن المغيرة بن ~~شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين ~~متفق عليه وقدر الناصية بربع الرأس. الفرض الرابع: قوله تعالى: وأرجلكم إلى ~~الكعبين اختلف العلماء في هذا الحكم. وهل فرض الرجلين المسح أو الغسل؟ فروى ~~عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. ويروى ذلك عن قتادة أيضا. ~~ويروى عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وعن عكرمة قال: ~~ليس في الرجلين إنما نزل فيهما المسح. وعن الشعبي أنه قال: إنما هو المسح ~~عن الرجلين. ألا ترى إن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم وما كان عليه ~~المسح أهمل. ومذهب الإمامية من الشيعة: أن الواجب في الرجلين المسح. # وقال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة ~~وأصحابهم: إن فرض الرجلين هو الغسل. وقال داود الظاهري: يجب الجمع بينهما. ~~وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين الغسل والمسح. ~~وسبب هذا الاختلاف، اختلاف القراء في هذا الحرف. فقرأ ms0947 نافع وابن عامر ~~والكسائي وحفص عن عاصم: وأرجلكم بفتح اللام عطفا على الغسل فيكون من المؤخر ~~الذي معناه التقديم ويكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم. وقال أصحاب هذه القراءة: # إنما أمر الله عباده بغسل الأرجل دون مسحها ويدل عليه أيضا فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين فمن بعدهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحمزة وأبو بكر عن عاصم وأرجلكم بكسر اللام عطفا على المسح. أما قراءة ~~النصب فالمعنى فيها ظاهر لأنه عطف على المغسول لوجوب غسل الرجلين على مذهب ~~الجمهور ولا يقدح فيه قول من خالف. وأما قراءة الكسر فقد اختلفوا في معناها ~~والجواب عنها فقال أبو حاتم وابن الأنباري وأبو علي الكسر عطف على الممسوح، ~~غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل. وقال أبو زيد: المسح خفيف الغسل ~~لقول العرب تمسحت للصلاة بمعنى توضأت لها وهات ما أتمسح به للصلاة بمعنى ~~أتوضأ. # قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصب الماء على أعضائه حتى يمسحها ~~مع الغسل فسمي الغسل مسحا بهذا الاعتبار فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحا إلا ~~أن مسح الرأس أخف. والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل ذكر ~~التحديد وهو قوله تعالى: إلى الكعبين لأن التحديد إنما جاء في المغسول ولم ~~يجئ في الممسوح فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل. وقال ~~جماعة من العلماء: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر والمراد فيها ~~الغسل لأنه قد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر: # يا ليت بعلك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # والمعنى: وحاملا رمحا لأن الرمح لا يتقلد به وكذلك قول الآخرين. علفتها ~~تبنا وماء باردا. يعني وسقيتها ماء باردا. وكذلك المعنى في الآية وامسحوا ~~برءوسكم واغسلوا أرجلكم فلما لم يذكر الغسل وعطفت الأرجل على الرؤوس في ~~الظاهر اكتفى بقيام الدليل على أن الأرجل مغسولة من مفهوم الآية والأحاديث ~~الصحيحة الواردة بغسل الرجلين في الوضوء. وأما من جعل كسر ms0948 اللام في الأرجل ~~على مجاورة اللفظ دون الحكم واستدل بقولهم: جحر ضب خرب. وقال الخرب نعت ~~للجحر لا للضب وإنما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس # PageV02P017 # يجيد لأن الكسر على المجاورة إنما يحمل لأجل الضرورة في الشعر أو يصار ~~إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس لأن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ~~ولأن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف. # أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب وقوله تعالى: إلى الكعبين فيه دليل ~~قاطع على وجوب غسل الكعبين كما في وجوب غسل الرجلين كما في قوله تعالى: ~~وأيديكم إلى المرافق والمعنى: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين وقد تقدم اختلاف ~~العلماء في ذلك عند قوله إلى المرافق، والكعبان: هما العظمان الناتئان عند ~~مفصل الساق والقدم هذا قول جمهور العلماء من أهل الفقه واللغة وشذت الشيعة، ~~ومن قال بمسح الرجلين. فقال: # الكعب عبارة عن عظم مستدير على ظهر القدم ويدل على بطلان هذا القول أن ~~الكعب لو كان على ما ذكره لكان في كل رجل كعب واحد فكان ينبغي أن يقال: ~~وأرجلكم إلى الكعاب كما في قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق فلما قال إلى ~~الكعبين علم أن لكل رجل كعبين فبطل ما قالوه وثبت قول الجمهور. # ((فصل)) قد تقدم أن الفروض المذكورة في هذه الآية أربعة: وهي غسل الوجه ~~وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين وقد تقدم ~~استدلال الشافعي بهذه الآية على وجوب النية في الوضوء فصارت فرضا خامسا. ~~وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى وجوب الترتيب في الوضوء، وهو أن يغسل الأعضاء ~~في الوضوء على الولاء كما ذكره الله في هذه الآية فيغسل أولا وجهه ثم يده ~~ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضا سادسا. وذهب أبو حنيفة، إلى ~~أن الترتيب في الوضوء غير واجب احتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية ~~وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه ثم بغسل اليدين ثم بمسح الرأس ثم بغسل ~~الرجلين فوجب أن يقع الفعل مرتبا كما أمر الله ms0949 تعالى ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث حجة الوداع «ابدأ بما بدأ الله به» وهذا الحديث، وإن ورد في ~~قصة السعي بين الصفا والمروة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن ~~أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ما وردت إلا مرتبة كما ورد في نص ~~الآية ولم ينقل عنه ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكسا أو غير مرتب، ~~فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما مر الله تعالى ونص عليه في هذه الآية واجب ~~واحتج. أبو حنيفة لمذهبه بهذه الآية أيضا. وذلك أن الواو لا توجب الترتيب، ~~فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك زيادة على النص وذلك غير جائز وأجيب عنه ~~بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر ~~وبيان الكتاب إنما يؤخذ من السنة. # ((فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في صفة الوضوء وفضله)) (ق) عن حمران ~~مولى عثمان بن عفان «أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما ~~ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ~~إلى المرفقين ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ثم ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: من ~~توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ~~ذنبه» (ق). # عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري «قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء فأفرغ منه على يديه ثلاثا ثم أدخل يده ~~فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين ~~مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم غسل ~~رجليه إلى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم» زاد ~~في رواية بعد قوله: «فأقبل بيديه وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى ~~قفاه ثم ردهما ms0950 حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه». # PageV02P018 # عن عبد خير قال: أتانا علي كرم الله وجهه وقد صلى فدعا بطهور فقلنا ما ~~يصنع بالطهور وقد صلى ما يريد إلا ليعلمنا فأتى بإناء فيه ماء وطست فأفرغ ~~من الإناء على يمينه فغسل يده ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ثلاثا فمضمض ونثر من ~~كف يأخذ منه ثم غسل وجهه ثلاثا وغسل يده اليمين ثلاثا وغسل الشمال ثلاثا ثم ~~جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله ~~الشمال ثلاثا ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ~~ثلاثا ورجله الشمال ثلاثا ثم قال: «من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو هذا» أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص «أن رجلا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في ~~إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه ~~فأدخل إصبعيه السبابتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ثم غسل ~~رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء ~~وظلم أو قال ظلم وأساء» أخرجه أبو داود. # وعن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ~~ظاهرهما وباطنهما» أخرجه الترمذي وصححه (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار» (م) عن جابر ~~قال: أخبرني عمر بن الخطاب «أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع وأحسن وضوءك قال فرجع فتوضأ ثم صلى» ~~أخرجه مسلم عن خالد عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة» أخرجه أبو ms0951 داود ~~(ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح ~~على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا» عن ~~ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة» أخرجه البخاري عن أبي ~~هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين أخرجه أبو داود ~~والترمذي. وقال وقد روي عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ~~ثلاثا ثلاثا» (م). # عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي ~~فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس فأدركت من قوله «ما ~~من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه ~~إلا وجبت له الجنة» فقلت ما أجود هذا فإذا قائل بين يدي يقول التي قبلها ~~أجود فنظرت فإذا عمر قال: # إني قد رأيتك جئت آنفا قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ~~ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب ~~الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (م). # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد ~~المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع ~~الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها ~~يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها ~~رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب» (ق) عن نعيم ~~بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن أمتي ~~يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته ~~فليفعل» وفي رواية قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ ms0952 الوضوء ثم ~~غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم ~~مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى ~~أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ~~وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة ~~من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله». # وفي رواية لمسلم قال: سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول ~~تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات» أخرجه الترمذي. # PageV02P019 # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لمن لا ~~وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أخرجه أبو داود وابن ماجة. ~~وقوله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا أي اغتسلوا أمر الله بالاغتسال من ~~الجنابة وذلك يجب على الرجل والمرأة بأحد شيئين: إما بخروج المني على أي ~~صفة كان من احتلام أو غيره أو بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال فإذا ~~حصل وجب الغسل (ق). # عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ ~~فغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ~~ثم يدخل أصابعه في الماء يخلل بهما أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات ~~بيده ثم يفيض الماء على سائر جسده» أو قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه فقد تقدم تفسيره وأحكامه في تفسير ~~سورة النساء وفي قوله تعالى منه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين ~~بالصعيد وهو التراب. وقوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج يعني من ~~ضيق بما فرض ms0953 عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء ولكن يريد ~~ليطهركم يعني من الأحداث والذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير للذنوب لعلكم ~~تشكرون يعني تشكرون نعمة الله عليكم بأن طهركم من الأحداث والذنوب وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 7 الى 9] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) # قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم يعني: ما أنعم به عليكم من النعم ~~كلها، لأن كثرة النعم وذكرها يوجب مزيد الشكر من المنعم عليه والاشتغال ~~بطاعة المنعم بها والانقياد لأمره وهو الله تعالى: وميثاقه الذي واثقكم به ~~يعني: واذكروا عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما ~~أحبوا وكرهوا وقيل الميثاق هو الذي أخذه عليهم في يوم ألست بربكم قالوا ~~بلى: # واتقوا الله يعني فيما أخذه عليكم من الميثاق فلا تنقضوه إن الله عليم ~~بذات الصدور يعني إن الله تعالى عالم بما في قلوب عباده من خير وشر. وقوله ~~عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله قال ابن عباس يريد أنهم ~~يقومون لله بحقه ومعنى ذلك: هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به ~~من العمل بطاعته واجتناب نواهيه شهداء بالقسط يعني وتشهدون بالعدل يقول لا ~~تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعداءك أقم ~~شهادتك لهم وعليهم بالصدق والعدل. # ولا يجرمنكم شنآن قوم ولا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا على ترك العدل ~~فيهم لعدوانهم اعدلوا أمر الله بالعدل في كل أحد القريب والبعيد والصديق ~~والعدو هو أقرب للتقوى أي العدل أقرب للتقوى واتقوا ms0954 الله إن الله خبير بما ~~تعملون يعني: أن الله تعالى خبير بجميع أعمالكم مطلع عليها وخبير بمن عدل ~~ومن لم يعدل. # قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني عملوا بما واثقهم ~~الله به وأوفوا بالعهود التي عاهدهم عليها لهم مغفرة وأجر عظيم هذا بيان ~~للوعد كأنه لما تقدم ذكر الوعد فقيل: أي شيء هذا الوعد؟ # فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم وإذا وعدهم أنجز لهم الوعد فإنه تعالى لا يخلف ~~الميعاد. # PageV02P020 ### || [سورة المائدة (5): الآيات 10 الى 11] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا يعني: والذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا ~~عهوده ومواثيقه وكذبوا بما جاءت به الرسل من عنده أولئك يعني من هذه صفته ~~أصحاب الجحيم هذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ليس إلا للكفار لأن ~~المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال: فلان صاحب فلان يعني الملازم له. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم يعني: اذكروا ~~نعمة الله عليكم بالدفع عنكم مع سائر نعمه التي أنعم بها عليكم ثم وصف تلك ~~النعمة التي ذكرهم بها وأمرهم بالشكر عليها فقال تعالى: إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم يعني بالقتل والبطش بكم فصرفهم عنكم وحال بينكم وبين ~~ما أرادوه بكم. # اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وفي صفة هذه النعمة التي أمر ~~الله تعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بذكرها والشكر عليها، فقال ~~قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة حين أراد ~~بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه ~~إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ~~وأنزل صلاة الخوف. # وقال الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل فقال ~~رجل من المشركين: هل ms0955 لكم أن أقتل محمدا؟ # قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قالوا: وددنا أنك فعلت ذلك. فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه فقال: يا محمد ~~أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر إليه مرة وإلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرة ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله. فتهدده أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف ومضى فأنزل الله هذه الآية. وقال ~~مجاهد وعكرمة والكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو ~~الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكبا من المهاجرين ~~والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة ~~وهي من مياه بني عامر فاقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في ~~طلب ضالة لهم: أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير تحوم في ~~السماء يسقط من بين مناقيرها علق الدم فقال أحد النفر الثلاثة: قتل ~~أصحابنا. ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا من المشركين فاختلفا ضربتين فلما ~~خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه فقال: # الله أكبر الجنة ورب العالمين ورجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة فانتسبا إلى بني عامر ~~فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن ~~بن عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما وكانوا ~~قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في ~~الديات. وقيل أراد أن يستقرض منهم دية رجلين فقالوا نعم يا أبا القاسم قد ~~آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته فجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخلا بعض اليهود ببعض وقالوا: إنكم لم ~~تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن ms0956 يظهر منكم على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ~~فيربحنا منه فقال عمرو بن جحاش: أنا. فعمد إلى رحى عظيمة ليطرحها على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة. قال: وخرج ~~معه علي بن أبي طالب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لا تبرح مكانك حتى ~~يخرج إليك أصحابي فمن خرج إليك منهم وسألك عني فقل توجه إلى المدينة ففعل ~~ذلك حتى تناهوا إليه ثم اتبعوه إلى المدينة وأنزل الله عز وجل هذه الآية: ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم يعني اليهود أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم يقال بسط يده إليه إذا بطش به وهو إذا مدها إلى ~~المبطوش به ليقتله فكف أيديهم عنكم يعني أنه تعالى منعهم مما أرادوه بكم # PageV02P021 # واتقوا الله يعني فيما أمركم به ونهاكم عنه وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~أمر الله تعالى المؤمنين بالتوكل عليه لأنه هو الكافي عباده جميع أمورهم ~~فإذا فعلوا ذلك وتوكلوا عليه حفظهم ورعاهم ممن أرادهم بسوء كما كف أيدي ~~اليهود عنهم لما أرادوا أن يفتكوا بهم وهذه القصة أولى بالصواب لأنه عقب ~~الآية بذم اليهود وذكر قبيح أفعالهم وخيانتهم وذلك قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5): آية 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لما ذكر الله في الآية المتقدمة بعض ~~غدرات اليهود وما أرادوه من كيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~أتبعه بذكر أسلافهم وما نقضوه من المواثيق والعهود ومعنى الآية أن الله أخذ ~~ميثاقهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأن يعملوا بما في التوراة من ~~الأحكام والتكاليف وبعثنا منهم اثني عشر ms0957 نقيبا اختلف العلماء في معنى ~~النقيب فقال ابن عباس: النقيب الضمين. وقال قتادة: هو الشهيد على قومه. ~~وقيل: هو الأمين الكفيل. وقيل: هو الباحث عن القوم وعن أحوالهم. # ((ذكر القصة في ذلك)) قال أصحاب الأخبار والسير: إن الله عز وجل وعد موسى ~~عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون ~~فأمر الله موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض وقال: إني كتبتها لكم دارا ~~وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم وخذ من قومك ~~اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما ~~أمروا به فاختار موسى النقباء وسار ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء وهي ~~مدينة الجبارين فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها ~~فلقيهم رجل من الجبارين يقال له، عوج بن عنق، وعنق: أمه، وهي إحدى بنات آدم ~~عليه السلام. وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع ~~هكذا نقله البغوي وفيه نظر لأن آدم عليه السلام كان طوله على ما ورد في ~~الأحاديث الصحيحة ستين ذراعا. قال: وكان عوج يحتجر بالسحاب ويشرب من مائه ~~ويتناول الحوت من قعر البحر ويشويه في عين الشمس، ويروى أن الماء لما طبق ~~على الأرض من جبل وغيره ما بلغ ركبتي عوج وقال لنوح عليه السلام: احملني ~~معك في السفينة فقال نوح عليه السلام: اخرج عني يا عدو الله فإني لم أؤمر ~~بك وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام ~~وذلك أنه اقتلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى، وكان فرسخا في فرسخ ~~وحملها على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فنقب الصخرة وقورها ~~بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته وأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله قال، ~~فلما لقي عوج النقباء أخذهم وجعلهم في حجزته وكان على رأسه حزمة حطب وانطلق ~~بهم إلى امرأته وقال لها: انظري إلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا وطرحهم بين ~~يديها وقال لا أطحنهم ms0958 برجلي؟ فقالت امرأته: بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم ~~بما رأوا منك وقيل إنه جعلهم في كمه وأتى بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه ~~فقال لهم الملك ارجعوا إلى قومكم فأخبروهم بما رأيتم وكان مما رأوا أن ~~العنقود العنب لا يحمله إلا خمسة أنفس منهم بينهم في خشبة ويدخل في شطر ~~الرمانة إذا نزع منها حبسها خمسة أنفس فرجع النقباء وقال بعضهم لبعض: يا ~~قوم إنكم إذا خبرتم بني إسرائيل خبر القوم رجعوا عن نبي الله موسى ولا ~~يقاتلونهم معه اكتموا عن بني إسرائيل خبر القوم وأخبروا موسى # PageV02P022 # وهارون بما رأيتم فيريان رأيهما وأخذ بعض النقباء على بعض الميثاق بذلك ~~فلما رجعوا إلى بني إسرائيل نكثوا العهد والميثاق وأخبر كل رجل سبطه بما ~~رأى إلا رجلان منهم وهم يوشع بن نون وكالب بن يوقنا فإنهم أوفيا بالعهود ~~ولم ينكثا الميثاق فذلك قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم فيه حذف تقديره وقال ~~للنقباء: إني معكم يعني بالنصر والمعونة. وقيل: هو خطاب لعامة بني إسرائيل: ~~والقول الأول أولى لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور فكان عوده إلى النقباء ~~أولى ثم ابتدأ الكلام فقال مخاطبا لبني إسرائيل: لئن أقمتم الصلاة هذه جملة ~~شرطية والشرط مركب من خمسة أمور، وهي قوله: # لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا وجزاء الشرط قوله تعالى: # لأكفرن عنكم سيئاتكم وذلك إشارة إلى إزالة العذاب. وقوله تعالى: ~~ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار إشارة إلى إيصال الثواب ومعنى الآية ~~لئن أقمتم الصلاة المكتوبة وآتيتم الزكاة المفروضة وآمنتم برسلي يعني جميع ~~رسلي وإنما أخر ذكر الإيمان بالرسل لأن اليهود كانوا مقربين بإقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة والإيمان ببعض الرسل فقال الله لهم إنه لا يتم لكم ذلك ولا ~~يحصل المقصود إلا بالإيمان بجميع الرسل. وقوله تعالى: # وعزرتموهم، يعني ونصرتموهم. وأصل التعزير في اللغة: الردع. فمعنى ~~وعزرتموهم: ونصرتموهم بأن تردوا أعداءهم عنهم. وقيل: معناه وقرتموهم ~~وعظتموهم. ms0959 والقول هو الأول. # وأقرضتم الله قرضا حسنا: يعني به الصدقات المندوبة لأن الزكاة تقدم ذكرها ~~فلا فائدة في تفسير هذا الفرض بالزكاة. فإن قلت: كيف؟ قال: وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا ولم يقل إقراضا حسنا لأن مصدر أقرضتم الإقراض قلت: إن قوله قرضا ~~أخرج مصدرا من معناه لا من لفظه وذلك أن أقرض بمعنى قرض فكان معنى الكلام ~~وأقرضتم الله فقرضتم قرضا حسنا ونظير ذلك قوله تعالى: والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا إذ كان معناه فنبتم نباتا وقوله لأكفرن عنكم سيئاتكم يعني إذا ~~فعلتم سائر ما أمرتكم به لأمحون عنكم سيئاتكم وأغفرها لكم ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم يعني بعد أخذ العهد والميثاق ~~فقد ضل سواء السبيل يعني فقد أخطأ الطريق المستقيم وهو طريق الدين الذي ~~شرعه والهدى الذي أمر باتباعه قوله تعالى: # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 13 الى 14] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) # فبما نقضهم ميثاقهم أي بسبب نقضهم الميثاق وذلك أن بني إسرائيل نقضوا ~~ميثاق الله وعهده بأن كذبوا الرسل الذين جاءوا من بعد موسى وقتلوا أنبياء ~~الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه لعناهم يعني جازيناهم على ذلك بأن ~~أبعدناهم وطردناهم عن رحمتنا وأصل اللعنة الإبعاد عن الرحمة وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يعني غليظة يابسة لا تلين لأن القسوة خلاف اللين والرقة وقيل معناه ~~إن قلوبهم ليست خالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق يحرفون الكلم ~~عن مواضعه يعني يغيرون حدود التوراة وأحكامها وقيل هو تبديلهم صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونعته من التوراة وقيل هو تحريفهم معاني الألفاظ بسوء ~~التأويل ونسوا حظا مما ذكروا به يعني وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا ms0960 به من ~~الإيمان يعني على معصية منهم وكانت خيانتهم نقض العهد ومظاهرتهم المشركين ~~على حرب محمد صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ونحوها من خيانتهم التي ~~ظهرت إلا قليلا # PageV02P023 # منهم يعني أنهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم عبد الله بن سلام وأصحابه ~~الذين أسلموا من أهل الكتاب فاعف عنهم واصفح أي فاعف عن زلاتهم يا محمد ~~واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم وهذا الأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب منسوخ ~~بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية التي ~~نزلت في سورة براءة قاله قتادة وقيل إنها غير منسوخة بل نزلت في قوم كان ~~بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فغدروا ونقضوا ذلك العهد فأظهر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك وأنزل هذا الآية ولم تنسخ وذلك ~~أن يجوز أن يعفو عن غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا ولم يمنعوا من أداء ~~الجزية والصغار وعلى هذا القول بأنها غير منسوخة يكون معنى الآية فاعف عن ~~مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم قبل ذلك. وقيل: معناه فاعف عن صغائر ~~زلاتهم ما داموا باقين على العهد إن الله يحب المحسنين يعني إذا عفوت عنهم ~~فإنك تحسن والله يحب المحسنين قوله عز وجل: ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم لما ذكر نقض اليهود الميثاق اتبعه بذكر نقض النصارى الميثاق ~~وأن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض العهد والميثاق وإنما قال تعالى: ~~ومن الذين قالوا إنا نصارى ولم يقل من النصارى لأنهم الذين ابتدعوا هذا ~~الاسم وسموا به أنفسهم لأن الله تعالى سماهم به أخذنا ميثاقهم يعني كتبنا ~~عليهم في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فنسوا حظا مما ذكروا ~~به يعني فتركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فأغرينا ~~يعني فألقينا وأوقعنا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. # قال قتادة: لما تركوا العمل بكتاب الله وعصوا رسله وضيعوا فرائضه وعطلوا ~~حدوده، ألقى الله العداوة والبغضاء بينهم. وقيل: ms0961 العداوة والبغضاء هي ~~الأهواء المختلفة وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان: أحدهما أن المراد ~~بهم اليهود والنصارى فإن العداوة والبغضاء حاصلة بينهم إلى يوم القيامة. ~~والقول الثاني أن المراد بهم فرق النصارى، فإن كل فرقة منهم تكفر الأخرى ~~وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يعني أن الله تعالى يخبرهم في الآخرة ~~بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ففيه وعيد وتهديد لهم. قوله تعالى: # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 15 الى 17] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ~~(17) # يا أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا يعني محمد صلى الله ~~عليه وسلم يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب يعني أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يظهر كثيرا مما أخفوا وكتموا من أحكام التوراة والإنجيل وذلك ~~أنهم أخفوا آية الرجم وصفة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك وأظهره وهذا معجزة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه لم يقرأ كتابهم ولم يعلم ما فيه فكان إظهاره ذلك معجزة له ويعفوا ~~عن كثير يعني مما يكتمونه فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به لأنه لا حاجة إلى ~~إظهاره والفائدة في ذلك أنهم يعلمون كون النبي صلى الله عليه وسلم عالما ~~بما يخفونه وهو معجزة له أيضا فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان به قد جاءكم ~~من الله نور يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إنما سماه الله نورا لأنه يهتدى ~~به كما يهتدى بالنور في ms0962 الظلام وقيل: النور هو الإسلام وكتاب مبين يعني ~~القرآن يهدي به الله يعني يهدي الله بالكتاب المبين من اتبع رضوانه أي اتبع ~~ما رضيه الله وهو دين الإسلام لأنه مدحه وأثنى عليه سبل # PageV02P024 # السلام قال ابن عباس: يريد دين الله وهو الإسلام فسبله دينه الذي شرع ~~لعباده وبعث به رسله وأمر عباده باتباعه. وقيل: سبل السلامة طرق السلام. ~~وقيل: سبل السلام دار السلام فيكون من باب حذف المضاف ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور يعني من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بإذنه يعني بتوفيقه وهدايته ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم يعني دين الإسلام قوله عز وجل لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح ابن مريم. قال ابن عباس: هؤلاء نصارى نجران، فإنهم قالوا ~~هذه المقالة وهو مذهب اليعقوبية والملكانية من النصارى لأنهم يقولون ~~بالحلول وأن الله قد حل في بدن عيسى فلما كان اعتقادهم ذلك لا جرم حكم الله ~~عليهم بالكفر ثم ذكر الله ما يدل على فساد مذهبهم فقال تعالى: قل يعني يا ~~محمد لهؤلاء النصارى الذين يقولون هذه المقالة فمن يملك يعني يقدر أن يدفع ~~من الله شيئا يعني من أمر الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~يعني يعدم المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا ووجه الاحتجاج على النصارى بهذا ~~أن المسيح لو كان إنما كما يقولون لقدر على دفع أمر الله إذا أراد إهلاكه ~~وإهلاك أمه وغيرها ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما إنما قال وما ~~بينهما ولم يقل وما بينهن لأنه أراد ما بين هذين النوعين أو الصنفين من ~~الأشياء فإنها ملكه وأهلها عبيده وعيسى وأمه من جملة عبيده يخلق ما يشاء ~~يعني من غير اعتراض عليه فيما يخلق لأنه خلق آدم من غير أب وأم وخلق عيسى ~~من أم بلا أب وخلق سائر الخلق من أب وأم والله على كل شيء قدير يعني أن ~~الله تعالى لا يعجزه شيء أراده فلا اعتراض لأحد من خلقه عليه قوله تعالى: # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 18 ms0963 الى 20] # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ~~والله على كل شيء قدير (19) وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ~~(20) # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قال ابن عباس: أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عثمان وابن أصار وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه ~~وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، ~~فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فأنزل ~~الله عز وجل فيهم وقالت اليهود والنصارى، نحن أبناء الله وأحباؤه الآية. ~~وسبب هذه المقالة ما حكاه السدي قال: أما اليهود فإنهم قالوا إن الله أوحى ~~إلى إسرائيل إني أدخل من ولدك النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم ~~وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أن اخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فيخرجون ~~فذلك قوله تعالى: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات. وأما النصارى، فإن ~~فرقا منهم يقولون المسيح ابن الله وكذبوا فيما قالوا على الله تعالى فأما ~~وجه قول اليهود فإنهم يعنون أنه من عطفه عليهم كالأب الشفيق على الولد وأما ~~وجه قول النصارى، فإنهم لما قالوا في المسيح أنه ابن الله وادعوا أنه منهم ~~فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله لهذا السبب. وقيل: إن اليهود إنما قالوا هذه ~~المقالة من باب حذف المضاف والمعنى نحن أبناء رسول الله وأما النصارى فإنهم ~~تأولوا قول المسيح أذهب إلى أبي وأبيكم. # وقوله: إذا صليتم فقولوا يا أبانا الذي في السماء لنقدسن اسمك فذهبوا إلى ~~ظاهر هذه المقالة ولم يعلموا ما أراد المسيح عليه السلام إن صحت هذه ~~المقالة ms0964 عنه فإن تأويلها أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب ~~الرحيم لولده وجملة الكلام في ذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم ~~فضلا على من سواهم بسبب أسلافهم الأفاضل حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن ~~قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فأبطل الله عز وجل # PageV02P025 # دعواهم وكذبهم فيما قالوا بقوله تعالى: قل فلم يعذبكم بذنوبكم. معناه: ~~إذا كان الأمر كما تزعمون فلم يعذبكم الله وأنتم قد أقررتم على أنفسكم أنه ~~يعذبكم أربعين يوما وهل رأيتم والدا يعذب ولده بالنار وهل تطيب نفس محب أن ~~يعذب حبيبه في النار بل أنتم بشر ممن خلق يعني بل أنتم يا معشر اليهود ~~والنصارى كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان. # قوله تعالى: يغفر لمن يشاء يعني لمن تاب من اليهود والنصرانية ويعذب من ~~يشاء يعني من مات على اليهودية والنصرانية. وقيل: معناه يهدي من يشاء فيغفر ~~له ويميت من يشاء على كفره فيعذبه ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما. ~~يعني: أنه تعالى يملك ذلك لا شريك له في ذلك فيعارضه وهو الذي يملك المغفرة ~~لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء وفيه دليل على أنه تعالى لا ولد له لأن من يملك ~~السموات والأرض يستحيل أن يكون له شبيه من خلقه أو شريك في ملكه وإليه ~~المصير يعني وإلى الله مرجع العباد في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم. قوله ~~تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل قال ابن ~~عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود ~~اتقوا الله فو لله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد كنتم تذكرونه لنا قبل ~~مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهودا: ما قلنا ذلك ~~لكم وما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل ~~الله هذه الآية يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يبين لكم يعني أحكام الدين والشرائع على فترة من ms0965 الرسل قال ابن عباس: ~~يعني على انقطاع من الرسل. واختلف العلماء في قدر مدة الفترة فروي عن سلمان ~~قال: فترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة أخرجه البخاري. ~~وقال قتادة: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وما ~~شاء الله من ذلك وعنه أنها خمسمائة سنة وستون سنة. وقال ابن السائب: ~~خمسمائة وأربعون سنة. وقال الضحاك: إنها أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. ونقل ~~ابن الجوزي عن ابن عباس: على فترة من الرسل قال: على انقطاع منهم. قال: ~~وكان بين ميلاد عيسى وميلاد محمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسعة ~~وستون سنة وهي الفترة وكان بين عيسى ومحمد أربعة من الرسل فذلك قوله إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث قال: والرابع لا أدري من هو ~~فكانت تلك السنون مائة وأربعا وثلاثين سنة نبوة وسائرها فترة. قال أبو ~~سليمان الدمشقي: والرابع والله أعلم خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: نبي ضيعه قومه. # قال الإمام فخر الدين الرازي: والفائدة في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عند فترة الرسل، هي أن التحريف والتغيير كان قد تطرف إلى الشرائع المتقدمة ~~لتقادم عهدها وطول زمانها وسبب ذلك اختلاط الحق بالباطل والكذب بالصدق فصار ~~ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا ~~أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك فبعث الله في هذا الوقت ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لإزالة هذا العذر فذلك قوله عز وجل: أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير في هذا الوقت فقد جاءكم بشير ونذير يعني فقد أرسلت ~~إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم لإزالة هذا العذر والله على كل شيء قدير ~~يعني أنه قادر على بعثة الرسل في وقت الحاجة إليهم. قوله عز وجل: وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم اذكروا ms0966 نعمت الله عليكم قال ابن عباس: اذكروا عافية ~~الله. وقيل: معناه اذكروا أيادي الله عندكم وأيامه التي أنعم فيها عليكم ~~قال الطبري: هذا تعريف من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتمادي ~~هؤلاء في الغي وبعدهم عن الحق وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدة مخالفتهم ~~لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلائه لديهم سلى بذلك ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عما نزل به من مقاساتهم ومعالجتهم في ذات الله عز ~~وجل إذ جعل فيكم أنبياء يعني أن موسى عليه السلام ذكر قومه بني إسرائيل ~~بأيام الله عندهم وبما أنعم به عليهم فقال اذكروا نعمة الله عليكم إذ فضلكم ~~بأن جعل فيكم أنبياء. قال # PageV02P026 # الكلبي: هم السبعون الذي اختارهم موسى من قومه وانطلق بهم إلى الجبل ~~وأيضا كان أنبياء بني إسرائيل من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام وهؤلاء لا شك أنهم من أكابر الأنبياء وأولاد يعقوب وهم الأسباط ~~أنبياء على قول الأكثرين وموسى وهارون عليهما السلام وأيضا فإن الله تعالى ~~أعلم موسى أنه يبعث من بعده في بني إسرائيل أنبياء فإنه لم يبعث في أمة ما ~~بعث في بني إسرائيل من الأنبياء فكان هذا شرفا عظيما لهم ونعمة ظاهرة عليهم ~~وجعلكم ملوكا يعني: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيدا في أيدي ~~القبط. قال ابن عباس: يعني جعلكم أصحاب خدم وحشم. قال قتادة: كانوا أول من ~~ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة ~~يكتب ملكا ذكره البغوي بغير سند وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال ~~ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم، ~~قال: لك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال: أنت من الأغنياء، قال فإن لي خادما قال ~~فأنت من الملوك. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان ~~مسكنه واسعا وفيه ماء ms0967 جار فهو ملك وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يعني ~~من عالمي زمانكم يذكرهم ما أنعم الله به عليهم من فلق البحر لهم وإهلاك ~~عدوهم وإنزال المن والسلوى عليهم وإخراج الماء من الحجر لهم وتظليل الغمام ~~فوقهم إلى غير ذلك من النعم التي أنعم الله بها عليهم. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 21 الى 22] # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # قوله تعالى: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم لما ذكر موسى ~~قومه ما أنعم الله عليهم أمرهم بالخروج إلى جهاد عدوهم فقال: يا قوم ادخلوا ~~الأرض المقدسة المباركة. قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان ~~فقيل له انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك والأرض هي الطور وما ~~حوله. وقيل: هي أريحاء وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: هي دمشق. وقيل: هي ~~الشام، كلها. قال كعب الأحبار: ووجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز ~~الله في أرضه وبها أكثر عباده التي كتب الله لكم يعني كتب الله في اللوح ~~المحفوظ إنها لكم مساكن وقيل: فرض الله عليكم دخولها وأمركم بسكناها. وقيل: ~~وهبها لكم. # فإن قلت: كيف؟ قال الله تعالى: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم. ~~وقال فإنها محرمة عليهم وكيف الجمع بينهما؟ قلت فيه وجوه أحدها أنها كانت ~~هبة من الله ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. # الوجه الثاني: أن اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الخصوص فصار كأنه ~~مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم فإن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا دخلاها وكانا ~~ممن خوطب بهذا الخطاب. # الوجه الثالث: إن هذا الوعد كان مشروطا بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم ~~يوجد المشروط. # الوجه الرابع: أنه قال: إنها محرمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون ~~دخلوها وكانت مساكن لهم كما وعدهم الله تعالى: ولا ترتدوا على أدباركم ms0968 يعني ~~ولا ترجعوا القهقرى مرتدين على أعقابكم إلى ورائكم ولكن امضوا لأمر الله ~~الذي أمركم به وإن فعلتم خلاف ما أمركم الله به فتنقلبوا خاسرين يعني ~~فترجعوا خائبين لأنكم رددتم أمر الله قوله عز وجل: قالوا يعني قوم موسى يا ~~موسى إن فيها يعني في الأرض المقدسة قوما جبارين يعني قوما عاتين لا طاقة ~~لنا بهم ولا قوة لنا بقتالهم وسموا أولئك القوم جبارين لشدة بطشهم وعظم ~~خلقهم وكانوا ذوي أجسام عظيمة وأشكال هائلة وهم العمالقة بقية قوم عاد وأصل ~~الجبار في صفة الإنسان فعال من جبره على الأمر يعني أجبره عليه وهو العاتي ~~الذي يجبر الناس على ما يريد وقيل إنه مأخوذ من قولهم # PageV02P027 # نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ويقال رجل جبار ~~إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل وإنا لن ندخلها يعني أرض ~~الجبارين التي أمرهم الله بدخولها حتى يخرجوا منها حتى يخرج الجبارون من ~~الأرض المقدسة وإنما قالوا ذلك استبعادا لخروج الجبارين من أرضهم فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون يعني إليها قال العلماء بالأخبار إن النقباء لما ~~خرجوا يتجسسون الأخبار لموسى عليه السلام ورجعوا إليه وأخبروه خبر القوم ~~وما عاينوه منهم. قال لهم موسى: لا تخبروا بني إسرائيل بهذا فيجبنوا ~~ويضعفوا عن قتالهم. وقيل: إن النقباء الاثني عشر لما خرجوا من أرض الجبارين ~~قال بعضهم لبعض: لا تخبروا بني إسرائيل بما رأيتم فلما رجعوا وأخبروا موسى ~~أمرهم أن لا تخبروا بني إسرائيل بذلك فخالفوا أمره ونقضوا العهد وأخبر كل ~~رجل النقباء سبطه بما رأى إلا يوشع بن نون وكالب فإنهما كتما ووفيا بالعهد ~~فلما علم بنو إسرائيل بذلك وفشا ذلك فيهم رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ~~ليتنا متنا في أرض مصر ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا ~~وأموالنا غنيمة لهم. وجعل الرجل من بني إسرائيل يقول لصاحبه: تعالوا نجعل ~~لنا رأسا وننصرف إلى مصر فلما قال بنو إسرائيل ذلك هموا بالانصراف إلى مصر ~~خر موسى وهارون ساجدين وخرق يوشع وكالب ms0969 ثيابهما وهما اللذان أخبرنا الله ~~عنهما بقوله: ### || [سورة المائدة (5): الآيات 23 الى 26] # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ~~(24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ~~(25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # قال رجلان من الذين يخافون يعني يخافون الله ويراقبونه أنعم الله عليهما ~~يعني بالهداية والوفاء ادخلوا عليهم الباب يعني قال الرجلان، وهما يوشع بن ~~نون وكالب بن يوفنا لبني إسرائيل، ادخلوا على الجبارين باب مدينتهم فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون لأن الله وعدكم بالنصر وأن الله ينجز لكم وعده وعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين يعني يقول الرجلان لقوم موسى ثقوا بالله فإنه ~~معكم وناصركم إن كنتم مصدقين بأن الله ناصركم لا يهولنكم عظم أجسامهم فإنا ~~قد رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فلما قالا ذلك، أراد بنو ~~إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما، وقالوا: ما أخبرنا الله عنهم ~~بقوله تعالى: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا يعني: قال قوم موسى لموسى ~~إنا لن ندخل مدينة الجبارين أبدا يعني مدة حياتنا ما داموا فيها يعني ~~مقيمين فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون إنما قالوا هذه ~~المقالة لأن مذهب اليهود التجسيم فكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا. قال بعض العلماء: إن كانوا قالوا هذا على وجه ~~الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر وإن كانوا قالوه على وجه الخلاف لأمر الله ~~وأمر نبيه فهو فسق، وقال بعضهم: إنما قالوه على وجه المجاز. والمعنى: اذهب ~~أنت وربك معين لك لكن قوله: فقاتلا يفسد هذا التأويل. وقال بعضهم: إنما ~~أرادوا بقولهم وربك أخاه هارون لأنه كان أكبر من موسى والأصح أنهم إنما ~~قالوا ذلك جهلا منهم بالله تعالى وصفاته ms0970 ومنه قوله تعالى: وما قدروا الله ~~حق قدره (خ). # عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون أنا صاحبه ~~أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين ~~يوم بدر فقال يا رسول الله ألا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن امض ونحن معك فكأنه سري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية: لكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق # PageV02P028 # وجهه وسر. قوله تعالى: قال يعني موسى عليه السلام رب أي يا رب إني لا ~~أملك إلا نفسي وأخي يعني إني لا أملك إلا نفسي وأخي لا يملك إلا نفسه وقيل ~~معناه لا أملك إلا نفسي ونفس أخي لأنه كان يطيعه وإذا كان كذلك فقد ملكه ~~وإنما قال موسى لا أملك إلا نفسي وأخي وإن كان معه في طاعته يوشع بن نون ~~وكالب بن يوفنا لاختصاص هارون به ولمزيد الاعتناء بأخيه ويحتمل أن يكون ~~معناه وأخي في الدين ومن كان على دينه وطاعته فهو أخوه في الدين فعلى هذا ~~الاحتمال يدخل الرجلان في قوله وأخي ثم قال: فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين أي افصل وقيل احكم بيننا وبين القوم الفاسقين يعني الخارجين عن ~~طاعتك وإنما قال موسى ذلك لأنه لما رأى بني إسرائيل وما فعلوه من مخالفة ~~أمر الله وهمهم بيوشع وكالب غضب لذلك ودعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاء ~~موسى عليه السلام (قال) الله عز وجل: فإنها محرمة عليهم يعني فإن الأرض ~~المقدسة محرمة عليهم ومعناه أن تلك البلدة محرمة عليهم أبدا ولم يرد تحريم ~~تعبد وإنما أراد تحريم منع فأوحى الله تعالى إلى موسى «بي حلفت لأحرمن ~~عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البرية ~~أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي كانوا يتجسسون فيها سنة ولألقين ~~جيفهم في هذه ms0971 القفار وأما أبناؤهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها» فذلك ~~قوله تعالى فإنها يعني الأرض المقدسة محرمة عليهم. قال أكثر أهل العلم: هذا ~~تحريم منع لا تحريم تعبد. وقيل: يحتمل أن يكون تحريم تعبد فيجوز أن يكون ~~الله تعالى أمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقابا لهم ~~على سوء صنيعهم (أربعين سنة) فمن قال إن الكلام ثم عند قوله فإنها محرمة ~~عليهم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض فأما الحرمة فإنها مؤبدة حتى يموتوا ~~ويدخلها أبناؤهم. وقيل: معناه أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ثم ~~يدخلونها وتفتح لم. # وقوله تعالى: يتيهون في الأرض يعني يتحيرون فيها. يقال: تاه يتيه إذا ~~تحير. واختلفوا في مقدار الأرض التي تاهوا فيها، فقيل: مقدار ستة فراسخ. ~~وقيل: ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا. وقيل: تسع فراسخ في ثلاثين فرسخا. وكان ~~القوم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يرحلون ويسيرون يومهم أجمع فإذا أمسوا إذا ~~هم في الموضع الذي رحلوا منه وكان ذلك التيه عقوبة لبني إسرائيل ما خلا ~~موسى وهارون ويوشع وكالب فإن الله تعالى سهله عليهم وأعانهم عليه كما سهل ~~على إبراهيم النار وجعلها بردا وسلاما. # فإن قلت: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا المقدار الصغير من الأرض ~~أربعين سنة بحيث لم يخرج منه أحد؟. # قلت: هذا من باب خوارق العادات. وخوارق العادات في أزمان الأنبياء غير ~~مستبعدة، فإن الله على كل شيء قدير. وقيل: إن فسرنا ذلك التحريم بتحريم ~~التعبد زال هذا الإشكال لاحتمال أن الله ما حرم عليهم الخورج من تلك الأرض ~~بل أمر بالمكث أربعين سنة في المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ~~ومخالفتهم أمر الله ولما حصل بنو إسرائيل في التيه شكوا إلى موسى عليه ~~السلام حالهم فأنزل الله عليهم المن والسلوى وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة ~~لهم فينشأ الناشئ منهم فتكون معه على مقداره وهيئته وسأل موسى ربه أن ~~يسقيهم فأتى بحجر أبيض من جبل الطور فكان إذا نزل ضربه بعصاه فيخرج منه ms0972 ~~اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين وأرسل الله عليهم الغمام يظلهم في التيه ~~ومات في التيه كل من دخله ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع بن نون وكالب بن ~~يوفنا ولم يدخل أريحاء ممن قال: إنا لن ندخلها أبدا واختلفوا في أن موسى ~~عليه السلام مات في التيه أم خرج منه فقيل: إن موسى وهارون ماتا في التيه ~~جميعا. # ((قصة وفاة موسى وهارون عليهما السلام)) فأما هارون فإنه كان أكبر من ~~موسى بسنة. قال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى إني متوفى هارون # PageV02P029 # فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا بشجرة لم ير ~~مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فراش وفيه رائحة طيبة فلما رأى هارون ~~ذلك البيت أعجبه، وقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير. قال: نم. ~~قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي. قال: لا تخف إني أكفيك رب ~~هذا البيت فنم. قال: يا موسى فنم أنت معي فإن جاء رب هذا البيت غضب علي ~~وعليك جميعا. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد مسه قال: يا موسى خدعتني ~~فلما قبض هارون رفع البيت والسرير إلى السماء وهارون عليه وذهبت الشجرة ~~فرجع موسى إلى بني إسرائيل وليس هارون معه فقال بنو إسرائيل حسد موسى هارون ~~فقتله لحبنا إياه. قال موسى: ويحكم إن هارون كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما ~~أكثروا عليه قام موسى فصلى ركعتين ثم دعا الله عز وجل فنزل السرير وعليه ~~هارون فنظروا إليه وهو بين السماء والأرض فصدقوه ثم رفع. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: صعد موسى عليه السلام وهارون إلى ~~الجبل فمات هارون وبقي موسى فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته وآذوه فأمر ~~الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته ~~فصدقت بنو إسرائيل أنه مات وبرأ الله موسى مما قالوه ثم إن الملائكة حملوه ~~ودفنوه ولم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم ms0973 فجعله الله أصم أبكم. # وأما وفاة موسى عليه السلام فقال ابن إسحاق كان صفي الله موسى عليه ~~السلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت فنبأ يوشع بن ~~نون فكان موسى يغدو ويروح إليه ويقول له يا نبي الله ما أحدث الله إليك ~~فيقول له يوشع يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء ~~مما أحدث الله إليك حتى كنت أنت تبتدئ به وتذكره لي ولا يذكر له شيئا فلما ~~رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ففقأ عينه ~~فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله إليه عينه وقال: ~~ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده من شعره سنة. ~~قال: أي رب ثم مه قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض ~~المقدسة رمية بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم ~~قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» وفي رواية لمسلم قال: جاء ملك ~~الموت إلى موسى فقال: أجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها» ثم ذكر ~~معنى ما تقدم قال الشيخ محيي الدين النووي. قال المازري: وقد أنكر بعض ~~الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك ~~الموت. # وأجاب عنه العلماء بأجوبة أحدها أنه لا يمتنع أن يكون الله قد أذن لموسى ~~في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانا للمطلوم والله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ~~ويمتحنهم بما أراد. # الثاني: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه ~~فدافعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه لأنه قصدها بالفقء وتؤيده رواية ~~صكه وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره المازري ~~والقاضي عياض. قالوا: وليس ms0974 في الحديث تصريح بأنه قصد فقء عينه. # فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاء ثانيا بأنه ملك الموت. فالجواب، أنه ~~أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف ~~المرة الأولى وأما سؤال موسى الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضلها وفضل ~~من بها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم وفيه دليل على استحباب الدفن في ~~المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين قال بعض ~~العلماء وإنما سأل موسى الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون ~~قبره مشهورا عندهم فيفتتن به الناس والله أعلم. # قال وهب بن منبه: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة وهم يحفرون ~~قبرا لم ير شيئا أحسن # PageV02P030 # منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله ~~لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه. فقال: إن هذا العبد من ~~الله بمنزلة ما رأيت كاليوم قط. فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون ~~لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك فنزل واضطجع وتوجه ~~إلى ربه عز وجل ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه ~~التراب. وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقيض روحه وكان عمر ~~موسى عليه السلام مائة سنة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام انقضت ~~الأربعون سنة وبعث الله يوشع إلى بني إسرائيل فأخبرهم أن الله قد أمره ~~بقتال الجبارين فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء وهي مدينة ~~الجبارين ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر فلما كان من ~~السابع نفخوا في القرون وضجوا في الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فدخلوها ~~وقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بني ~~إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل من الجبابرة يضربونها حتى يقطعونها وكان ~~القتال والفتح يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة ~~السبت فقال: اللهم اردد علي الشمس وقال للشمس: إنك في طاعة ms0975 الله وأنا في ~~طاعة الله وسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقف حتى ينتقم من أعداء الله قبل ~~دخول السبت فرد الله عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين ~~وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض ~~الشام وصارت كلها لبني إسرائيل وفرق عماله نواحيها وجميع الغنائم فجاءت ~~النار لتأكلها فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولا فليبايعني من كل قبيلة رجل ~~ففعلوا فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول فجاؤوا برأس ثور من ذهب مكلل ~~بالياقوت والجوهر قد غله رجل منهم فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت ~~النار فأكلت الرجل والقربان. # وفي الحديث الصحيح ما يدل على صحة هذا أو هو ما روي عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا ~~يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها ولا أحد بنى ~~بيوتا ولم يرفع سقوفها ولا رجل اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا ~~فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا ~~مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني ~~النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولا فليبايعني من كل قبيلة رجل ~~فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ~~فوضعها فجاءت النار فأكلتها» زاد في رواية: «فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم ~~أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» أخرجه البخاري ~~ومسلم. # شرح غريب هذا الحديث. قوله لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، البضع بضم الباء ~~كناية عن فرج المرأة ولم يبن بها أي لم يدخل عليها، ولخلفات النوق الحوامل ~~قوله للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا قال الشيخ محيي الدين ~~قال القاضي عياض: اختلف الناس في حبس الشمس المذكور هنا فقيل: ردت إلى ~~ورائها وقيل: وقفت ولم ترد وقيل: بطء ms0976 حركتها وكل ذلك من معجزات النبوة قال ~~ويقال إن الذي حبست عليه الشمس يوشع بن نون قال القاضي. # وقد روي أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم حبست له الشمس مرتين إحداهما ~~يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى ~~صلى العصر ذكر، ذلك الطحاوي وقال: رواته ثقات. والثانية: صبيحة ليلة ~~الإسراء حين انتظر العير لما أخبر بوصولها مع شروق الشمس ذكره يونس بن بكير ~~في زياداته عن سيرة بن إسحاق. # وقال وهب: ثم مات يوشع بن نون ودفن في جبل أفراثيم وكان عمره مائة سنة ~~وستا وعشرين سنة وكان تدبيره أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعا وعشرين سنة. ~~وقيل: إن الذي فتح أريحاء هو موسى عليه السلام وكان # PageV02P031 # يوشع بن نون على مقدمته فسار إليهم بمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع ~~وقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله ~~إليه ولا يعلم أحد قبره وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن موسى عليه ~~السلام هو الذي قتل عوج بن عنق وهذا القول هو اختيار الطبري. ونقل عن السدي ~~قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~الآية. فقال الله عز وجل: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه فقالوا له: ~~ما صنعت بنا يا موسى فمكثوا في التيه فلما خرجوا منه رفع المن والسلوى ~~والبقول والتقى موسى وعوج فنزا موسى في السماء عشر أذرع وكانت عصاه عشرة ~~أذرع وكان طوله عشرة فأصاب كعب عوج فقتله. قال الطبري: ولو كان قتل موسى ~~إياه قبل مصيره في التيه لم يجزع بنو إسرائيل لأنه كان من أعظم الجبارين. ~~وروي عن نون قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع. وقال: وإن أهل العلم بأخبار ~~الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعوراء كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على ~~موسى لأنه كان يعلم الاسم الأعظم ms0977 فدعا عليه وسترد قصته في سورة الأعراف إن ~~شاء الله تعالى وقوله تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين يعني: لا تحزن ~~عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة. وقيل: لما ندم موسى على ما دعاه ~~على قومه أوحى الله إليه فلا تأس على القوم الفاسقين. قال الزجاج: # وجائز أن يكون خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم أي: لا تحزن يا محمد على ~~قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل. ### || [سورة المائدة (5): آية 27] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) # قوله عز وجل: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق يعني اذكر لقومك وأخبرهم خبر ~~ابني آدم وهما هابيل وقابيل في قول جمهور المفسرين ونقل عن الحسن والضحاك ~~أن ابني آدم اللذين قربا القربان ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين ~~من بني إسرائيل ويدل عليه قوله تعالى في آخر القصة من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس # الآية والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسرين، لأن الله تعالى قال في آخر ~~الآية: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض لأن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى ~~تعلم من فعل الغراب بالحق أن أخبرهم خبرا ملتبسا بالحق والصدق لأنه من عند ~~الله وموافقا لما في الكتب المتقدمة وهم يعلمون صحته ومقصود هذا الخبر هو ~~تقبيح الحسد لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ قربا قربانا القربان اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل من ~~صدقة أو ذبيحة أو غير ذلك مما يتقرب به. # (ذكر قصة القربان وسببه وقتل قابيل هابيل) ذكر أهل العلم بالأخبار والسير ~~أن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما وجارية فكان جميع ما ولدته أربعين ~~ولدا في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته إقليما وآخرهم عبد المغيث وتوأمته ~~أم المغيث ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس: ms0978 لم يمت آدم حتى بلغ ولده ~~وولد ولده أربعين ألفا واختلفوا في مولد قابيل وهابيل فقال بعضهم غشي آدم ~~حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته إقليما في ~~بطن ثم هابيل وتوأمته لبودا في بطن. # وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى ~~حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل وأخته فلم تجد عليهما وحما ~~ولا وصبا ولا طلقا ولم تر دما وقت الولادة فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت ~~بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم وكان إذا كبر ~~أولاده زوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى وكان الرجل منهم يتزوج أية ~~أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه # PageV02P032 # لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم فكبر قابيل وأخوه هابيل وكان بينهما ~~سنتان، فلما بلغوا، أمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل ويزوج ~~هابيل إقليما. وكانت إقليما أحسن من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل ~~وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها ونحن أولاد من الجنة وهما من أولاد ~~الأرض. فقال أبوه آدم: إنها لا تحل لك. فأبى أن يقبل ذلك. وقال: إن الله لم ~~يأمرك بهذا وإنما هو من رأيك فقال لهما آدم. قربا لله قربانا فأيكما تقبل ~~قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار ~~بيضاء فأكلتها وإن لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل تأكلها الطير والسباع. ~~فخرجا من عند آدم ليقربا القربان وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام ~~رديء وأضمر في نفسه: لا أبالي أيتقبل مني أم لا لا يتزوج أختي أحد غيري ~~وكان هابيل صاحب غنم فعدل إلى أحسن كبش في غنمه فقربه وأضمر في نفسه رضا ~~الله فوضعا قربانهما على جبل ثم دعا آدم فنزلت النار من السماء فأكلت قربان ~~هابيل ولم تأكل قربان قابيل فذلك قوله تعالى: فتقبل من أحدهما يعني هابيل ~~ولم يتقبل من الآخر يعني قابيل ms0979 فغضب قابيل إذ لم يتقبل قربانه فأضمر لأخيه ~~الحسد إلى أن آتى آدم مكة لزيارة البيت وغاب عنهم فأتى قابيل وهابيل وهو في ~~غنمه قال لأقتلنك قال قال هابيل ولم تقتلني؟ قال قابيل: # لأن الله تقبل قربانك ورد قرباني وتريد أن تنكح أختي الحسناء وأنكح أختك ~~الدميمة فيتحدث الناس بأنك خير مني ويفخر ولدك على ولدي فقال هابيل وما ~~ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين يعني أن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ~~فلذلك كان أحد القربانين مقبولا دون الآخر ولأن التقوى من أعمال القلوب ~~وكان قد أضمر في قلبه الحسد لأخيه على تقبل قربانه وتوعده بالقتل فقال له: ~~إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى وإنما يتقبل الله من ~~المتقين فأجابه بجواب مختصر. وقيل: يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فكأنه تعالى بين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يتقبل ~~قربانه لأنه لم يكن متقيا وإنما يتقبل الله من المتقين ثم قال تعالى إخبارا ~~عن هابيل. ### || [سورة المائدة (5): الآيات 28 الى 30] # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) # لئن بسطت إلي يدك يعني لئن مددت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك يعني ما أنا بمنتصر لنفسي بل أستسلم لأمر الله. وقيل: معناه ما كنت ~~بمبتدئك بالقتل وذلك أن الله كان قد حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما. وقال ~~مجاهد: كان قد كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه. # وقيل: إن المقتول كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه ~~فاستسلم له خوفا من الله فذلك قوله إني أخاف الله رب العالمين والمعنى إني ~~أخاف الله في بسط يدي إليك إن أبسطها لقتلك أن يعاقبني على ذلك. # قوله عز وجل ms0980 إخبارا عن هابيل إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك يعني ترجع ~~بإثم قتلي إلى إثم معاصيك التي عملتها من قبل. فإن قلت: كيف؟ قال هابيل إني ~~أريد وإرادة القتل والمعصية من الغير لا تجوز. قلت: # أجاب ابن الأنباري عن هذا بأن قال: إن قابيل لما قال لأخيه هابيل لأقتلنك ~~وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه وقال لئن بسطت إلي يدك الآية فلم يرجع فلما ~~رآه هابيل قد صمم على القتل وأخذ له الحجارة ليرميه بها قال له هابيل عند ~~ذلك إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا ~~بقتلي إياك فحينئذ يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني فكان هذا عدلا من هابيل وإليه ~~أشار الزجاج فقال: معناه إن قتلتني فما أنا مريد ذلك فهذه الإرادة منه بشرط ~~أن يكون قاتلا له والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ~~ذلك وعلى هذا التأويل. # PageV02P033 # قال بعضهم: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف وما باء ~~بإثم باء بعقاب ذلك الإثم ذكره الواحدي وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة ~~الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام للقتل ~~طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة فتكون من ~~أصحاب النار يعني الملازمين لها وذلك جزاء الظالمين يعني جهنم جزاء من قتل ~~أخاه ظلما. # قوله تعالى: فطوعت له نفسه قتل أخيه يعني زينت له وسهلت عليه القتل وذلك ~~أن الإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفا له عن ~~القتل فلا يقدم عليه فإذا سهلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغير كلفة فهذا هو ~~المراد من قوله تعالى: «فطوعت له نفسه قتل أخيه» فقتله. # قال ابن جريج: لما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله فتمثل له إبليس ~~وقد أخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر وقابيل ينظر فعلمه القتل ~~فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو ms0981 مستسلم صابر وقيل بل اغتاله وهو نائم ~~فقتله. # واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس: على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء. ~~وقيل: بالبصرة عند مسجدها الأعظم وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة. # وقوله تعالى: فأصبح من الخاسرين قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته أما ~~دنياه فإسخاط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار (ق) ~~عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقتل نفس ~~ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل». # ### || [سورة المائدة (5): آية 31] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ~~قال أصحاب الأخبار لما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به ~~لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض فقصدته السباع لتأكله فحمله قابيل ~~على ظهره في جراب أربعين يوما. وقال ابن عباس: سنة حتى أروح وأنتن فأراه ~~الله أن يرى قابيل سنته في موتى بني آدم في الدفن فبعث الله غرابين فاقتتلا ~~فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفيرة ثم ألقاه فيها وواراه ~~بالتراب وقابيل ينظر فذلك قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض يعني ~~يحفرها وينثر ترابها ليريه كيف يواري سوأة أخيه يعني ليري الله أو يري ~~الغراب قابيل كيف يواري ويستر جيفة أخيه فلما رأى ذلك قابيل من فعل الغراب ~~قال يا ويلتى أي لزمه الويل وحضره وهي كلمة تحسر وتلهف وتستعمل عند وقوع ~~الداهية العظيمة وذلك أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول فلما علم ذلك من ~~فعل الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما ندم على قتل أخيه ~~بسبب جهله وعدم معرفته فعند ذلك تلهف وتحسر على ما فعله فقال: يا ويلتا. ms0982 ~~وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب يعني ~~مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر فأواري سوأة أخي يعني فأستر جيفته ~~وعورته عن الأعين فأصبح من النادمين يعني على حمله على ظهره مدة سنة لا على ~~قتله. وقيل: إنه ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله وسخط عليه أبواه ~~وإخوته فندم لأجل ذلك لا لأجل أنه جنى جناية واقترف ذنبا عظيما بقتله فلم ~~يكن ندمه ندم توبة وخوف وإشفاق من فعله فلأجل ذلك لم ينفعه الندم، قال ~~المطلب بن عبد الله بن حطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بمن عليها ~~سبعة أيام وشربت دم المقتول كما تشرب الماء فناداه تعالى أين أخوك هابيل؟ # فقال ما أدري ما كنت عليه رقيبا: فقال الله تعالى إن دم أخيك ليناديني من ~~الأرض فلم قتلت أخاك؟ قال فأين دمه # PageV02P034 # إن كنت قتلته! فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا ويروى عن ~~ابن عباس قال لما قتل قابيل هابيل كان آدم بمكة فاشتاك الشجر وتغيرت ~~الأطعمة وحمضت الفواكه واغبرت الأرض فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث، فأتى ~~الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل، وقيل: لما رجع آدم سأل قابيل عن أخيه، ~~فقال: ما كنت عليه وكيلا. فقال: بل قتلته ولذلك اسود جلدك. وقيل: إن آدم ~~مكث بعد قتل هابيل مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر فقال: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح # ويروى عن ابن عباس أنه قال: من قال إن آدم قال شعرا فقد كذب وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي سواء ولكن لما قتل هابيل رثاه ~~آدم وهو سرياني فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني أنت وصيي احفظ هذا ~~الكلام ليتوارث فيرثي الناس عليه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ~~وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط العربية وكان ms0983 يقول الشعر ~~فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرا وزاد ~~فيه أبياتها منها: # وما لي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح # أرى طول الحياة علي غما ... فهل أنا من حياتي مستريح # قال الزمخشري: ويروي أنه رثاه بشعر وهو كذب بحت وما الشعر إلا منحول ~~ملحون وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية ~~الركاكة لا يليق إلا بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه ~~حجة على الملائكة؟. # قال أصحاب الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل ~~هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيئا وتفسيره هبة الله يعني أنه خلف من ~~هابيل وعلمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة ~~وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده وأما قابيل فقيل له اذهب ~~طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها ~~إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس وقال له إنما أكلت النار قربان هابيل ~~لأنه كان يعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أول من ~~عبد النار وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة فأقبل ابن لقابيل ~~أعمى ومعه ابنه فقال ابن الأعمى لأبيه هذا أبوك قابيل فرماه بحجارة فقتله ~~فقال ابن الأعمى لأبيه قتلت أباك قابيل فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات ~~فقال الأعمى ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي فلما مات قابيل علقت ~~إحدى رجليه بفخذه وعلق بها فهو معلق بها إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس ~~حيث دارت وعليه حظيرة من نار في الصيف وحظيرة من ثلج في الشتاء فهو يعذب ~~بذلك إلى يوم القيامة قالوا: واتخذ أولاد قابيل آلات للهو من الطبول ~~والزمور والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار ~~والفواحش حتى أغرقهم الله ms0984 تعالى جميعا بالطوفان في زمن نوح عليه السلام فلم ~~يبق من ذرية قابيل أحد وأبقى الله ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة. # PageV02P035 # ### || [سورة المائدة (5): آية 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # قوله تعالى: من أجل ذلك يعني بسبب ذلك القتل الذي حصل وقيل الأجل في ~~اللغة الجناية يقال أجل عليهم شرا أي جنى عليهم شرا كتبنا أي فرضنا وأوجبنا ~~على بني إسرائيل. # فإن قلت: من أجل ذلك معناه من أجل ما مر من قصة قابيل وهابيل كتبنا على ~~بني إسرائيل. وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب ~~القصاص على بني إسرائيل. قلت: قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله ~~والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك أي من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره. ~~ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله تمام الكلام الأول ~~فعلى هذا يزول الإشكال. لكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله من ~~أجل ذلك ابتداء كلام وليس يوقف عليه. فعلى هذا قال بعضهم: إن قوله من أجل ~~ذلك ليس هو إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ما ذكره في ~~هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسب هذا القتل الحرام منها قوله فأصبح ~~من الخاسرين وفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا والآخرة. # ومنها قوله: فأصبح من النادمين وفيه إشارة إلى أنه حظر في أنواع الندم ~~والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك البتة فقوله من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد ~~المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل. فإن قلت: فعلى ~~هذا تكون شريعة القصاص حكما ثابتا في ms0985 جميع الأمم، فما الفائدة بتخصيصه ببني ~~إسرائيل. قلت: إن وجوب القصاص وإن كان عاما في جميع الأديان والملل إلا أن ~~التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان والملل ~~لأنه تعالى حكم في هذه الآية بأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ولا ~~يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب قاتل النفس عدوانا وأن اليهود مع ~~علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على ~~قساوة قلوبهم وبعدهم عن الله عز وجل ولما كان الفرض من ذكر هذه القصة تسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما أقدم عليه اليهود بالفتك بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وبأصحابه فتخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب ~~للكلام وتوكيد للمقصود والله أعلم بمراده. # قوله عز وجل: أنه من قتل نفسا يعني من قتل نفسا ظلما بغير نفس يعني بغير ~~قتل نفس لا على وجه الاقتصاص فيقاد من قاتل النفس على وجه العدوان المحرم ~~أو فساد في الأرض هو عطف على بغير نفس يعني وبغير فساد في الأرض فيستحق به ~~القتل لأن القتل على أسباب كثيرة منها القصاص وهو المراد من قوله: # قتل نفسا بغير نفس. ومنها الشرك والكفر بعد الإيمان ومنها قطع الطريق ~~ونحو ذلك وهو المراد من قوله أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن ~~أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار ~~بقتلها كما يصلاها بقتل الناس جميعا ومن سلم من قتلها فكأنما سلم من قتل ~~الناس جميعا. وقال ابن عباس: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس ~~جميعا. ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا. وقيل: معناه ~~أن من قتل نفسا محرمة يجب عليه من القصاص مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها يعني من غرق أو حرق أو وقوع في هلكة فكأنما أحيا الناس ~~جميعا يعني أن له من الثواب مثل ثواب من ms0986 أحيا الناس جميعا وقيل: معناه من ~~استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما استحل قتل الناس جميعا لأنهم لا يسلمون منه ~~ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميع الناس فقد سلموا منه قال أهل ~~المعاني قوله ومن أحياها على المجاز لأن المحيي هو الله تعالى في الحقيقة ~~فيكون المعنى ومن ناجاها من الهلاك فكأنما نجى جميع الناس منه. سئل الحسن ~~عن هذه الآية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل فقال: أي والذي لا إله غيره ما ~~كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. # PageV02P036 # وقوله تعالى: ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يعني: ولقد جاءت بني إسرائيل ~~رسلنا ببيان الأحكام والشرائع والدلالات الواضحات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك ~~يعني بعد مجيء الرسل وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل في الأرض لمسرفون ~~يعني بالقتل لا ينتهون عنه وقيل معناه لمجازون حد الحق وإنما قال تعالى وإن ~~كثيرا منهم، لأنه تعالى علم أن منهم من يؤمن بالله ورسوله وهم قليل من ~~كثير. قوله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال ابن عباس نزلت ~~في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وهذا قول ~~الضحاك أيضا. # وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين ~~عليه ومن مر بهلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج فمر قوم ~~من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال ولم يكن هلال شاهدا فشدوا عليهم ~~فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم بهذه الآية. ~~وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قوم من عرينة وعكل أتوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه ms0987 على الإسلام وهم كذبة فاستوخموا المدينة، ~~فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي ~~واستاقوا الإبل (ق). # عن أنس بن مالك أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ~~ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم ~~أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية ~~الحرة كفروا بعد الإسلام وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا ~~الذود، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم فأمر بهم ~~فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على ~~حالهم. قال قتادة بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يحث ~~على الصدقة وينهى عن المثلة. زاد في رواية قال قتادة: فحدثني ابن سيرين إن ~~ذلك قبل إن تزول الحدود. # وفي رواية للبخاري أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ~~فقتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم ~~فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في الحرة يعضون الحجارة. زاد في ~~رواية: قال أبو قلابة وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا عن الإسلام وقتلوا ~~وسرقوا، وفي رواية أبي داود إن قوما من عكل أو قال من عرينة قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا فما صحوا قتلوا ~~راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فلما ارتفع النهار حتى جيء ~~بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون ~~فلا يسقون قال أبو قلابة: # فهؤلاء قوم ms0988 سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله زاد في ~~رواية له وأنزل الله عز وجل: # ### || [سورة المائدة (5): آية 33] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ~~الآية. # شرح غريب هذا الحديث وحكمه قوله إنا كنا أهل ضرع يعني، أهل ماشية وبادية ~~نعيش باللبن ولسنا من # PageV02P037 # أهل المدن. والريف هو الأرض التي فيها زرع وخصب والجمع أرياف. قوله: ~~استوخموا المدينة يعني أنها لم توافق مزاجهم وكذا قوله: اجتووا المدينة وهو ~~معناه والذود من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة والحرة هي أرض ذات حجارة ~~سود وهي هنا اسم لأرض بظاهر المدينة معروفة. وقوله: فسمر أعينهم، معناه أنه ~~حمى مسامير الحديد وكحل بها أعينهم حتى ذهب بصرها. وقوله: وينهى عن المثلة، ~~أن تقطع أطراف الحيوان وتشوه خلقته ومثلة القتيل أن يقطع أنفه وأذنيه ~~ومذاكيره ونحو ذلك. واختلف العلماء في حكم هذا الحديث فقيل: هو منسوخ لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة. وقيل: حكمه ثابت غير السمل والمثلة. ~~وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم. وقيل: ~~كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، فلما نزلت الحدود وجب الأخذ بها والعمل ~~بمقتضاها. وقيل: # نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما من الله ~~تعالى إياه عقوبتهم وما يجب عليهم فقال تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله واعلم أن المحاربة لله غير ممكنة وفي معناها للعلماء قولان: ~~أحدهما أن المحاربين لله هم المخالفون أمره الخارجون عن طاعته لأن كل من ~~خالف أمر إنسان فهو حرب له فيكون المعنى يخالفون الله ورسوله ويعصون ~~أمرهما. # والقول الثاني: معناه يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله فهو من باب حذف ~~المضاف ويسعون في الأرض فسادا يعني بحمل السلاح والخروج ms0989 على الناس وقتل ~~النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق. # واختلفوا في حكم هؤلاء المحاربين الذين يستحقون هذا الحد فقال قوم: هم ~~الذين يقطعون الطريق ويحملون السلاح والمكابرون في البلد وهذا قول الأوزاعي ~~ومالك والليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة: # المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد ثم ذكر ~~الله تعالى عقوبة هؤلاء المحاربين وما يستحقونه فقال تعالى: أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض وللعلماء في لفظة ~~أو المذكورة في هذه الآية قولان: أحدهما أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في ~~رواية عنه وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد، وهو أن الإمام ~~مخير في أمر المحاربين فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى ~~من الأرض كما هو ظاهر الآية. والقول الثاني: أن لفظة أو للبيان وليست ~~للتخيير وهو الرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أكثر العلماء لأن الأحكام ~~تختلف فترتبت هذه العقوبات على ترتيب الجرائم. وهذا كما روي عن ابن عباس في ~~قطاع الطريق قال: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا لم ~~يأخذوا المال قتلوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض، وهذا ~~قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. واختلفوا في كيفية الصلب فقيل: ~~يصلب حيا ثم يطعن في بطنه برمح حتى يموت. قال الشافعي: يقتل أولا ويصلى ~~عليه ثم يصلب. وإنما يجمع بين القتل والصلب إذا قتل وأخذ المال ويصلب على ~~الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زاجرا لغيره عن الإقدام على مثل هذه ~~المعصية. واختلفوا في تفسير النفي من الأرض المذكور في الآية، فقيل: إن ~~الإمام يطلبهم ففي كل بلد وجدوا نفوا عنه وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد ~~العزيز. # وقيل: يطلبون حتى تقام عليهم الحدود وهو قول ابن عباس والليث بن سعد ~~والشافعي وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: النفي هو ms0990 الحبس لأنه نفي من الأرض ~~لأن المحبوس لا يرى أحدا من أحبابه ولا ينتفع بلذات الدنيا وطيباتها فهو ~~منفي من الأرض في الحقيقة إلا من تلك البقعة الضيقة التي هو فيها. # قال مكحول: إن عمر بن الخطاب أول من حبس في السجون يعني من هذه الأمة ~~وقال أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم ثم قال ~~تعالى: ذلك يعني الذي ذكر في هذه الآية من الحدود لهم يعني للمحاربين خزي ~~في الدنيا أي عذاب وهو ان وفضيحة ولهم في الآخرة عذاب عظيم هذا الوعيد في # PageV02P038 # حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم، فأما من أجرى حكم الآية على المحاربين ~~من المسلمين فينفي العذاب العظيم عنهم في الآخرة لأن المسلم إذا عوقب ~~بجناية في الدنيا كانت عقوبته كفارة له وإن لم يعاقب في الدنيا فهو في خطر ~~المشيئة، إن شاء عذبه بجنايته ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله ~~الجنة هذا مذهب أهل السنة. ### || [سورة المائدة (5): آية 34] # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # وقوله تعالى: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم يعني لكن الذين ~~تابوا من شركهم وحربهم لله ورسوله ومن السعي في الأرض بالفساد من قبل أن ~~تقدروا عليهم. يعني فلا سبيل لكم عليهم بشيء من العقوبات المذكورة في الآية ~~المتقدمة فاعلموا أن الله غفور يعني لمن تاب من الشرك رحيم يعني به إذا رجع ~~عما يسخط الله عز وجل وهذا قول معظم أهل التفسير أن المراد بهذا الاستثناء ~~المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ~~ذكرها الله تعالى في هذه الآية وأنه لا يطالب بشيء مما أصاب من مال أو دم. ~~قال أبو إسحاق: جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم ~~في كفرهم ليكون ذلك داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام، فهذا حكم المشرك ~~المحارب إذا آمن وأصلح وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء ms0991 ~~بالإجماع، وأما المسلم المحارب، إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه. فقال ~~السدي: هو الكافر إذا آمن لم يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه ~~يرده على أهله وهذا مذهب مالك والأوزاعي غير أن مالك قال يؤخذ بالدم إذا ~~طلب به وليه، فأما ما أصاب من الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا ~~يتبعه الإمام بشيء من ذلك وهذا حكم علي بن أبي طالب في حارثة بن زيد وكان ~~قد خرج محاربا فتاب قبل أن يقدر عليه فآمنه علي على نفسه وكذلك جاء رجل من ~~مراد إلى أبي موسى الأشعري وهو على الكوفة في خلافة عثمان بعد ما صلى ~~المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان بن فلان المرادي ~~كنت قد حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض بالفساد وإني قد تبت من قبل أن ~~يقدر علي. فقام أبو موسى فقال: هذا فلان المرادي وأنه كان حارب الله ورسوله ~~وسعى في الأرض فسادا وأنه قد تاب من قبل أن يقدر عليه فلا يتعرض له أحد إلا ~~بخير. # وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله ولا يسقط عنه بها ~~ما كان من حقوق بني آدم من قصاص أو مظلمة من مال أو غيره وأما إذا تاب بعد ~~القدرة عليه فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام عليه الحدود وقال ~~الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله عز وجل بالتوبة. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 35 الى 38] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون ~~أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ~~(38) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي خافوا الله بترك المنهيات ~~وابتغوا إليه الوسيلة يعني ms0992 واطلبوا إليه القرب بطاعته والعمل بما يرضي ~~وإنما قلنا ذلك، لأن مجامع التكاليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما. أحد ~~النوعين: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله: اتقوا الله. والثاني: التقرب ~~إلى الله تعالى بالطاعات وإليه الإشارة بقوله: وابتغوا إليه الوسيلة ~~والوسيلة فعيلة من وسل إليه إذا تقرب ومنه قول الشاعر: # إن الرجال لهم إليك وسيلة # PageV02P039 # أي قربة. وقيل: معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى الله عز وجل وجاهدوا ~~في سبيله أي وجاهدوا العدو في طاعته وابتغاء مرضاته لعلكم تفلحون يعني لكي ~~تسعدوا بالخلود في جنته لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه والفوز بكل ~~محبوب قوله عز وجل: إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم يعني: أن الكافر لو ملك ~~الدنيا ودنيا أخرى مثلها معها ثم فدى نفسه من العذاب يوم القيامة لم يقبل ~~منه ذلك الفداء ولهم عذاب أليم المقصود من هذا أن العذاب لازم للكفار وأنه ~~لا سبيل لهم إلا الخلاص منه بوجه من الوجوه (ق). عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابا لو كانت ~~لك الدنيا كلها أكنت مفتديا بها فيقول نعم فيقول قد أردت منك أيسر من هذا ~~وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة فأبيت إلا ~~الشرك» هذا لفظ مسلم. # وفي رواية البخاري قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان ~~لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له لقد كنت سئلت ما هو ~~أيسر من ذلك أن لا تشرك بي يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ~~فيه وجهان: أحدهما أنهم يقصدون الخروج من النار ويطلبونه ولكن لا يستطيعون ~~ذلك قيل إذا حملهم لهب النار إلى فوق طلبوا الخروج منها فلا يقدرون عليه. # والوجه الثاني: أنهم يتمنون الخروج من النار بقلوبهم ولهم عذاب مقيم يعني ms0993 ~~ولهم عذاب دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدا. قوله عز وجل: والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما قال ابن السائب نزلت في طعمة بن أبيرق وقدمنا ~~قصته في سورة النساء وإنما سمي السارق سارق لأنه يأخذ الشيء الذي ليس له ~~أخذه في خفاء ومنه استرق السمع مستخفيا والسارق هنا مرفوع بالابتداء لأنه ~~لم يقصد واحد بعينه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده والمراد باليد المذكورة ~~هنا اليمين. قاله الحسن والشعبي والسدي وكذلك هو في قراءة عبد الله بن ~~مسعود: فاقطعوا أيمانهما. وإنما قال: أيديهما ولم يقل يديهما، لأنه أراد ~~يمينا من هذا ويمينا من هذه فجمع فإنه ليس للإنسان إلا يمين واحدة وكل شيء ~~موحد من أعضاء الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع والمراد باليد ~~هنا الجارحة وحدها عند جمهور أهل اللغة من رؤوس الأصابع إلى الكوع فيجب ~~قطعها في حد السرقة من الكوع. وقوله تعالى: جزاء بما كسبا يعني ذلك القطع ~~جزاء على فعلهم نكالا من الله يعني عقوبة من الله والله عزيز في انتقامه ~~ممن عصاه حكيم يعني فيما أوجبه من قطع يد السارق. # (فصل في بيان حكم الآية: وفيه مسائل) المسألة الأولى: اقتضت هذه وجوب ~~القطع على كل سارق وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السرقة (ق). # عن عائشة، أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما هلك الذين من ~~قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا ~~عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وعن عائشة ~~قالت: «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه فقالوا ما كنا نراك ~~تبلغ به هذا قال لو كانت ms0994 فاطمة لقطعتها» أخرجه النسائي (ق) عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ~~ويسرق الحبل فتقطع يده» قال الأعمش: # يرون أنه بيض الحديد وأن من الحبال ما يساوي دراهم أخرجه البخاري ومسلم، ~~أما السارق الذي يجب عليه القطع، فهو البالغ، العاقل، العالم بتحريم ~~السرقة، فلو كان حديث عهد بالإسلام ولا يعلم أن السرقة حرام، فلا قطع عليه. # PageV02P040 # المسألة الثانية: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي يقطع به فذهب أكثر ~~العلماء إلى أنه ربع دينار فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار ~~يقطع، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبه قال عمر بن العزيز والأوزاعي ~~والشافعي. ويدل عليه ما روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» أخرجاه في الصحيحين وذهب مالك ~~وأحمد وإسحاق إلى أنه ثلاثة دراهم أو قيمتها لما روي عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم أخرجه ~~الجماعة. المجن: الترس، وروي عن أبي هريرة أن قدر النصاب الذي تقطع به اليد ~~خمسة دراهم وبه قال ابن أبي ليلى لما روي عن أنس قال: قطع أبو بكر في مجن ~~قيمته خمسة دراهم وفي رواية قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه ~~النسائي. وقال: الرواية الأولى، أصح. # وذهب قوم إلى أنه لا قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم يروى ذلك عن ابن ~~مسعود وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة لما روي عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أول من قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم أخرجه أبو ~~داود فإذا سرق نصابا من المال من حرز لا شبهة له فيه قطعت يده اليمنى من ~~الكوع ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن ~~القدر غير معتبر فيجب القطع في القليل والكثير وكذا ms0995 الحرز غير معتبر أيضا ~~عندهم وإليه ذهب داود الظاهري واحتجوا بعموم الآية فإن قوله تعالى: والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما يتناول القليل والكثير وسواء سرقه من حرز أو غير ~~حرز. # المسألة الثالثة: الحرز، هو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال كالدور والمضارب ~~والخيم التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم فيها فكل حرز وإن لم يكن فيه ~~حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو مغلق، فأما ما كان في ~~غير بناء ولا خيمة فإنه ليس بحرز إلا أن يكون عنده من يحفظه أما نباش ~~القبور، فإنه يقطع وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وقال ابن أبي ليلى والثوري ~~والأوزاعي وأبو حنيفة: لا قطع عليه، فإن سرق شيئا من غير حرز كثمر من بستان ~~لا حارس له أو حيوان في برية ولا راعي له أو متاع في بيت منقطع عن البيوت ~~فلا قطع عليه. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفيه منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة ~~فلا شيء عليه أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وزاد فيه: ومن خرج بشيء ~~منه فعليه غرامة مثله والعقوبة. ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ~~ثمن المجن فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة. # قوله: غير متخذ خبنة، الخبنة: بالخاء المعجمة وبعدها باء موحدة من تحت ~~نون وهو ما يحمله الإنسان في حضنه. وقيل: وما يأخذه من خبنة ثوبه وهو ذيله ~~وأسفله. والجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة. وروى مالك ~~في الموطأ، عن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا قطع ~~في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما ~~بلغ ثمن المجن. هكذا رواه مالك منقطعا. وهو رواية من حديث عبد الله بن عمرو ~~المتقدم فإن هذه الرواية عن أبي حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجده ms0996 ~~هو عبد الله بن عمرو بن العاص قوله: ولا في حريسة الجبل. من العلماء من ~~يجعل الحريسة السرقة نفسها. # يقال: حرس يحرس حرسا إذا سرق ومنهم من يجعلها المحروسة. ومعنى الحديث: ~~أنه ليس فيما يحرس في الجبل إذا سرق قطع لأنه ليس بحرز. وقيل: حريسة الجبل ~~هي الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل مأواها والمراح بضم الميم هو الموضع ~~الذي تأوي إليه الماشية بالليل. عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس. قطع أخرجه الترمذي والنسائي. # المسألة الرابعة: إذا سرق مالا له فيه شبهة كالولد يسرق من مال والده ~~والوالد يسرق من مال ابنه أو العبد يسرق من مال سيده أو الشريك يسرق من مال ~~شريكه فلا قطع على أحد من هؤلاء فيه. # PageV02P041 # المسألة الخامسة: إذا سرق أول مرة قطعت يده اليمنى من الكوع وإذا سرق ~~ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم واختلفوا فيما إذا سرق مرة ثالثة ~~فذهب أكثرهم إلى أن تقطع يده اليسرى فإن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى ثم ~~إذا سرق بعد ذلك يعذر ويحبس حتى تظهر توبته. يروى عن هذا عن أبي بكر وهو ~~قول قتادة وبه قال مالك والشافعي لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا يده ~~ثم إن سرق فاقطعوا رجله» ذكره البغوي بغير سند وذهب قوم إلى أنه «إن سرق ~~بعد ما قطعت يده ورجله فلا قطع عليه بل يحبس» ويروى عن علي أنه قال: إني ~~أستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها. وهذا قول الشعبي ~~والنخعي والأوزاعي وبه قال أحمد وأصحاب الرأي. ### || [سورة المائدة (5): الآيات 39 الى 41] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير ms0997 (40) يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # قوله تعالى: فمن تاب من بعد ظلمه يعني من بعد ما ظلم نفسه بالسرقة وأصلح ~~يعني وأصلح العمل في المستقبل فإن الله يتوب عليه يعني فإن الله يغفر له ~~ويتجاوز عنه إن الله غفور يعني لمن تاب رحيم به. # (فصل) وهذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله. فأما القطع، فلا يسقط عنه ~~بالتوبة عند أكثر العلماء لأن الحد جزاء عن الجناية. ولا بد من التوبة بعد ~~القطع وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل. عن أبي أمية ~~المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافا ولم ~~يوجد معه متاع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخالك سرقت فقال: ~~بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يعترف فأمر به فقطع. ثم جيء به فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # استغفر الله وتب إليه. فقال رجل: أستغفر الله وأتوب إليه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم تب عليه. أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه وإذا قطع ~~السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم. وقال الثوري ~~وأصحاب الرأي: لا غرم عليه فلو كان المسروق باقيا عنده يجب عليه أن يرده ~~إلى صاحبه وتقطع يده لأن القطع حق الله والغرم حق الآدمي فلا يمتنع أحدهما ~~بالآخر والله أعلم. # قوله عز وجل: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به جميع الناس وقيل معناه، ألم تعلم أيها الإنسان ~~فيكون الخطاب ms0998 لكل فرد من الناس أن الله له ملك السموات والأرض، يعني أن ~~الله مدبر أمره في السموات والأرض ومصرفه وخالق من فيها ومالكه لا يمتنع ~~عليه شيء مما أراده فيهما لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره يعذب من يشاء ~~ويغفر لمن يشاء. # قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على الكبيرة وقيل ~~يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر ~~لمن يشاء بالتوبة عليه فينقذه من الهلكة والعذاب وإنما # PageV02P042 # قدم التعذيب على المغفرة، لأنه في مقابلة قطع السرقة على التوبة. وهذه ~~الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع والعذاب ~~للعاصي لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى المشيئة والوجوب ~~ينافي ذلك وجواب آخر وهو أنه تعالى أخبر أن له ملك السموات والأرض والمالك ~~له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وأراد لا اعتراض لأحد عليه في ملكه يؤكد ذلك ~~قوله والله على كل شيء قدير يعني أنه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه ~~من خلقه وغفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه، لأن الخلق ~~كلهم عبيده وفي ملكه. # قوله تعالى: يا أيها الرسول هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خطاب ~~تشريف وتكريم وتعظيم، وقد خاطبه الله عز وجل بيا أيها النبي في مواضع من ~~كتابه وبيا أيها الرسول في موضعين: هذا أحدهما والآخر قوله تعالى: يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وقوله لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~يعني لا تهتم بموالاتهم الكفار ولا تبال بهم فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم ~~من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يعني المنافقين لأنهم أظهروا ~~الإيمان بالقول وكتموا الكفر وهذه صفة المنافقين ومن الذين هادوا أي وطائفة ~~من اليهود قال الزجاج وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن الكلام تم عند قوله ومن ~~الذين هادوا ثم ابتدأ الكلام بقوله: # سماعون للكذب ويكون تقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من ms0999 ~~المنافقين ومن الذين هادوا ثم وصف الكل بكونهم سماعين للكذب. # والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله ولم تؤمن قلوبهم ثم ابتدأ فقال ~~تعالى: ومن الذين هادوا سماعون للكذب أي ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب ~~والمعنى أنهم قائلون الكذب، أي يسمعون الكذب من رؤسائهم ويقبلونه منهم ~~والسمع يستعمل والمراد منه القبول، كما تقول: لا تسمع من فلان أي، لا تقبل ~~منه. وقيل: معناه سماعون لأجل أن يكذبوا عليك وذلك أنهم كانوا يسمعون من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون من عنده ويقولون سمعنا منه كذا ~~وكذا ولم يسمعوا ذلك منه بل كذبوا عليه. وقوله تعالى: سماعون يعني بني ~~قريظة يعني أنهم جواسيس وعيون لقوم آخرين وهم أهل خيبر لم يأتوك يعني أهل ~~خيبر لم يأتوك ولم يحضروا عندك يا محمد. # ((ذكر القصة في ذلك)) قال علماء التفسير: إن رجلا وامرأة من أشراف يهود ~~خيبر زنيا وكانا محصنين وكان حدهما الرجم عندهم في حكم التوراة فكرهت ~~اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل بيثرب يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريظة ~~فإنهم جيرانه وصلح معه فليسألوه عن ذلك، فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا ~~لهم: اسألوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالحد ~~فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه وأرسلوا معهم ~~الزانيين. فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير وقالوا لهم: إنكم ~~جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث فينا حدث وذلك أن فلان وفلانة قد ~~زنيا وقد أحصنا فنحب أن تسألوه عن قضائه في ذلك فقال لهم بنو قريظة والنضير ~~إذا والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم فيهم كعب بن الأشرف وكعب بن ~~أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا ~~أحصنا ما حدهما في كتابك؟ فقال هل ترضون ms1000 بقضائي؟ قالوا: نعم فنزل جبريل ~~عليه السلام بآية الرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال جبريل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه لهم فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن ~~صوريا؟ قالوا نعم قال فأي رجل هو فيكم؟ فقالوا هو أعلم يهودي # PageV02P043 # بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى عليه السلام في التوراة قال ~~فأرسلوا إليه ففعلوا فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت ابن ~~صوريا؟ قال نعم، قال: أنت أعلم يهودي؟ قال كذلك يقولون فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لليهود تجعلونه بيني وبينكم قالوا نعم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لابن صوريا: «ناشدتك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على ~~موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون وبالذي ظلل ~~عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه ~~هل تجدون في كتابكم الرجم على المحصن؟» فقال ابن صوريا: # اللهم نعم والذي ذكرتني به لولا خشيت أن ينزل علينا العذاب إن كذبت وغير ~~ما اعترفت لك ولكن كيف هي في كتابكم يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول ~~أنه أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليهما الرجم. فقال ابن ~~صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فما كان أول ما ترخصتم به في أمر الله ~~تعالى؟ فقال ابن صوريا: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف ~~أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ~~ثم زنى رجل آخر في امرأة من قومه فأراد الملك رجمه فقام قومه دونه وقالوا ~~والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا لابن عم الملك، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع ~~شيئا دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم ms1001 وهو أن يجلد ~~أربعين جلدة بحبل مطلي بقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين ووجوههما ~~من قبل دبر الحمار ويطاف بهما فجعلوا ذلك مكان الرجم. فقالت اليهود لابن ~~صوريا: ما أسرع ما أخبرته وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا ~~فكرهنا أن نغتابك. فقال لهم ابن صوريا: إنه قد ناشدني بالتوراة ولولا خشيت ~~أن ينزل علينا العذاب ما أخبرته. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما ~~عند باب المسجد وقال: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأنزل الله ~~هذه الآية (ق) عن ابن عمر قال إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال ~~عبد الله بن سلام: # كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية ~~الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع ~~يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرجما قال: فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها ~~الحجارة. وفي رواية أخرى لهما قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ~~وامرأة من اليهود قد زنيا فقال لليهود ما تصنعون بهما قال نفحم وجوههما ~~ونخزيهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها فقال الرجل ~~ممن يرضون أعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليها فقال ~~ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد إن فيها الرجم ولكنا ~~نتكاتمه بيننا فأمر بهما فرجما فرأيته يحنى» زاد في رواية أخرى: «فرجما ~~قريبا موضع الجنائز قرب المسجد» (م) عن البراء بن عازب قال: «مر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد ~~الزاني في كتابكم؟ # قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم ms1002 فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة ~~على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا ~~لم أخبرك بحد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ~~وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على ~~الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم فأنزل ~~الله: يا أيها الرسول» لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، إلى قوله، إن ~~أوتيتم هذا فخذوه. يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن ~~أمركم بالرجم فاحذروه فأنزل الله تبارك وتعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلها. التحميم هو تسويد ~~الوجه بالحمم وهو الفحم وقوله ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قال ~~العلماء: هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم ليس لتقليدهم ولا لمعرفة ~~الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما # PageV02P044 # يعقدونه في كتابهم. ولعله صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى إليه أن الرجم ~~في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا شيئا منها أو أخبروه ~~بذلك من أسلم من أهل الكتاب وهو عبد الله بن سلام كما في حديث بن عمر ~~المتفق عليه ولذلك لم يخف عليه صلى الله عليه وسلم حين كتموه. # قوله تعالى: يحرفون الكلم، يعني: يغيرون حدود الله التي أوجبها عليهم في ~~التوراة وذلك أنهم بدلوا الرجم بالجلد والتحميم وقال الحسن إنهم يغيرون ما ~~يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب عليه. وقال ابن جرير الطبري: ~~يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به من بعد مواضعه يعني من ~~بعد أن وضعه الله مواضعه وفرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه فإن قلت: قد قال ~~الله عز وجل هنا يحرفون الكلم من بعد مواضعه. وقال ms1003 في موضع آخر: يحرفون ~~الكلم عن مواضعه فهل من فرق بينهما؟ قلت نعم بينهما فرق وذلك أنا إذا فسرنا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويلات الباطلة فيكون معنى قوله يحرفون الكلم ~~عن مواضعه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص وليس فيه بيان أنهم ~~يحرفون تلك اللفظة من الكتاب. وأما قوله يحرفون الكلم من بعد مواضعه ففيه ~~دلالة على أنهم جمعوا بين الأمرين يعني أنهم كانوا يذكرون التأويلات ~~الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظة من الكتاب في قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه ~~إشارة إلى التأويل الباطل وفي قوله من بعد مواضعه إشارة إلى إخراجه من ~~الكتاب بالكلية وقوله تعالى: يقولون يعني اليهود إن أوتيتم هذا فخذوه يعني ~~إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا منه وإن لم تؤتوه فاحذروا يعني وإن ~~لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه ومن يرد الله فتنته يعني ~~كفره وضلالته فلن تملك له من الله شيئا يعني فلن تقدر على دفع أمر الله فيك ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم قال ابن عباس معناه أن يخلص نياتهم ~~وقيل معناه لم يرد الله أن يهديهم وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى ~~لم يرد إسلام الكافر وإنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل ذلك لآمن ~~وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية لهم في الدنيا خزي يعني للمنافقين ~~واليهود أما خزي المنافقين، فبالفضيحة وهتك ستارهم بإظهار نفاقهم وكفرهم ~~وأما خزي اليهود فبأخذ الجزية والقتل والسبي والإجلاء من أرض الحجاز إلى ~~غيرها ولهم في الآخرة عذاب عظيم يعني الخلود في النار للمنافقين واليهود. # ### || [سورة المائدة (5): آية 42] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) # قوله عز وجل: سماعون للكذب أكالون للسحت نزلت في حكام اليهود مثل كعب بن ~~الأشرف ونظرائه كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم قال الحسن: كان الحاكم منهم ~~إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه ms1004 ثم يريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ~~ولا ينظر إلى خصمه فيسمع الكذب ويأكل الرشوة وهي السحت وأصل السحت ~~الاستئصال يقال: سحته إذا استأصلته وسميت الرشوة في الحكم سحتا، لأنها ~~تستأصل دين المرتشي. والسحت كله حرام يحمل عليه شدة الشره وهو يرجع إلى ~~الحرام الخسيس الذي لا تكون له بركة ولا لآخذه مروءة ويكون في حصوله عار ~~بحيث يخفيه لا محالة ومعلوم أن حالة الرشوة كذلك فلذلك حرمت الرشوة على ~~الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الراشي ~~والمرتشي في الحكم». أخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص. قال الحسن: إنما ذلك في الحاكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل عنك ~~حقا وقال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء فمن شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع ~~بها ظلما فأهدى بها إليه فقبل فهو سحت. # فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم كفر قال ~~الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. # PageV02P045 # قوله عز وجل: فإن جاؤك يعني اليهود فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا خير الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم فإن ~~شاء ترك قال الحسن ومجاهد والسدي نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقال ~~قتادة: نزلت في رجلين من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر. قال ابن زيد: كان ~~حيي بن أخطب قد جعل للنضير ديتين وللقرظي دية واحدة لأنه كان من بني النضير ~~فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي ونتحاكم إلى محمد فأنزل الله هذه الآية يخير ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم. # ((فصل)) اختلف علماء التفسير في حكم هذه الآية على قولين: أحدهما أنها ~~منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان مخيرا فإن شاء حكم بينهم وإن شاء عرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله وأن احكم ~~بينهم بما ms1005 أنزل الله فلزمه الحكم بينهم وزال التخير هذا القول مروي عن ابن ~~عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي. # والقول الثاني: إنها محكمة وحكام المسلمين بالخيار إذا ترافعوا إليهم فإن ~~شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أعرضوا عنهم وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي ~~والنخعي والزهري وبه، قال أحمد: لأنه لا منافاة بين الآيتين. # أما قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ففيه التخيير بين الحكم والإعراض. ~~وأما قوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله ففيه كيفية الحكم إذا حكم بينهم ~~قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهب الشافعي، إنه يجب على حاكم المسلمين أن ~~يحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه لأن إمضاء حكم الإسلام صغارا لهم. ~~فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم ~~أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك وهو التخيير المذكور في هذه الآية مخصوص ~~بالمعاهدين وأما إذا تحاكم مسلم وذمي وجب على الحاكم بينهم لا يختلف القول ~~فيه لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة والله أعلم. # قوله تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط يعني بالعدل والاحتياط إن الله ~~يحب المقسطين يعني العادلين فيما ولوا وحكموا فيه (م) عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله ~~على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم ~~وأهليهم وما ولوا». هذا من أحاديث الصفات فمن العلماء من قال فيه وفي ~~أمثاله: نؤمن بها ولا نتكلم في تأويلها ولا نعرف معناها لكن نعتقد أن ~~ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله. هذا مذهب جماهير السلف وطوائف من ~~المتكلمين. ومنهم من قال: إنها تؤول بتأويل يليق بها وهذا قول أكثر ~~المتكلمين. فعلى هذا قال القاضي عياض: المراد بكونهم عن اليمين الحالة ~~الحسنة والمنزلة الرفيعة والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين ~~وضده إلى اليسار قالوا واليمين مأخوذة من اليمن وقوله وكلتا يديه يمين مبني ~~على أنه ليس المراد باليمين الجارحة ms1006 تعالى الله عن ذلك فإنها مستحيلة في ~~حقه تعالى وقوله وما ولوا بفتح الواو وضم اللام المخففة هكذا ذكره الشيخ ~~محيي الدين في شرح مسلم. قال: ومعناه وما كانت له عليه ولاية وهذا الفضل ~~لمن عدل فيما تقلده من الأحكام والله أعلم. # ### || [سورة المائدة (5): آية 43] # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) # قوله تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم في تحكيم اليهود إياه مع علمهم بما في التوراة ~~تركهم قبول ذلك الحكم مع اعتقادهم صحته وعدولهم إلى حكم من يجحدون نبوته ~~طلبا للرخصة لا جرم إن الله تعالى أظهر جهلهم وعنادهم لأنهم حكموا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسلم في أمر # PageV02P046 # الزانيين ثم أعرضوا عن حكمه في الآية لتقريع اليهود والمعنى وكيف يجعلونك ~~حكما بينهم ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يعني الرجم الذي ~~تحاكموا إليك من أجله ثم يتولون من بعد ذلك يعني ثم يعرضون عن حكمك الموافق ~~لما في كتابهم وما أولئك يعني اليهود بالمؤمنين يعني بكتابهم كما يزعمون. # وقيل: معناه وما أولئك بالمصدقين. # ### || [سورة المائدة (5): آية 44] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) # قوله عز وجل: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور سبب نزول هذه الآية ~~استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الزانيين وقد سبق ~~بيانه والهدى هو البيان لأن التوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومبينة ما تحاكموا فيه والنور هو الكاشف للشبهات الموضح للمشكلات ~~والتوراة كذلك. وقيل: الفرق بين الهدى والنور أن الهدى محمول على بيان ~~الأحكام والشرائع والنور محمول على بيان أحكام التوحيد والنبوات والمعاد ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ms1007 أراد بالنبيين الذين بعثوا بعد ~~موسى عليه السلام وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء وليس ~~معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها ومعنى أسلموا: أي انقادوا ~~لأمر الله تعالى والعمل بكتابه وهذا على سبيل المدح لهم وفيه تعريض باليهود ~~لأنهم بعدوا عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء عليهم السلام وقال الحسن ~~والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما وتشريفا له صلى ~~الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وكان ~~هذا الحكم في التوراة. قال ابن الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن ~~الأنبياء عليهم السلام ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا ~~مسلمين لله تعالى منقادين لأمره ونهيه. للذين هادوا يعني لليهود يعني يحكم ~~بالتوراة لهم وفيما بينهم ويحملهم على أحكامها كما فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم كما هو في التوراة ولم يوافقهم على ما ~~أرادوه من الجلد وقال الزجاج وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير ~~على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا والربانيون والأحبار أما الربانيون فتقدم تفسيره في سورة آل ~~عمران وأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء. وقيل: هم العلماء الأحبار ~~واحده حبر بفتح الحاء وكسرها لغتان. وقال الفراء: إنما هو حبر بكسر الحاء ~~وإنما سمي به لمكان الحبر الذي يكتب به وذلك لأنه صاحب كتاب. وقال أبو ~~عبيد: إنما هو حبر بفتح الحاء والحبر العالم لما يبقى من أثر علومه في قلوب ~~الناس وأفعاله الحسنة التي يقتدى بها وجمعه أحبار ومنه كعب الأحبار. وقيل: ~~الحبر الأثر المستحسن ومنه الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره أي ~~جماله وبهاؤه. وإنما سمي العالم حبرا لما عليه من أثر جمال العلم وهل فرق ~~بين الربانيين والأحبار أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: لا فرق. والربانيون، ~~والأحبار بمعنى ms1008 واحد وهم: العلماء والفقهاء. وقيل: الربانيون أعلى درجة من ~~الأحبار لأن الله تعالى قدمهم في الذكر على الأحبار. وقيل: الربانيون هم ~~الولاة. والحكام والأحبار هم العلماء. وقيل: الربانيون علماء النصارى، ~~والأحبار: علماء اليهود. ومعنى الآية: يحكم بأحكام التوراة النبيون وكذلك ~~يحكم بها الربانيون والأحبار. وقوله تعالى: بما استحفظوا من كتاب الله يعني ~~بما استودعوا من كتاب الله. وقيل: هو أن يحفظوا كتاب الله فلا ينسوه وقيل ~~هو أن يحفظوه فلا يضيعوا أحكامه وشرائعه. وقد أخذ الله على العلماء حفظ ~~كتابه من هذين الوجهين معا وذلك بأن يحفظوا كتاب الله في صدورهم ويدرسونه ~~بألسنتهم لئلا ينسوه وأن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا # PageV02P047 # شرائعه فإذا فعلوا ذلك كانوا قائمين بحفظه وكانوا عليه شهداء يعني: أن ~~هؤلاء النبيين والربانيين والأحبار كانوا شهداء على كتاب الله تعالى ~~ويعلمون أنه حق وصدق وأنه من عند الله فلا تخشوا الناس واخشون هذا خطاب ~~لحكام اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لا ~~تخافوا أحدا من الناس في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بالرجم ~~واخشون يعني في كتمان ذلك ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا يعني ولا تستبدلوا ~~بآيات الله وأحكامه ثمنا قليلا يعني الرشوة في الأحكام والجاه عند الناس ~~ورضاهم والمعنى كما نهيتكم عن تغير الأحكام لأجل خوف الناس كذلك أنهاكم عن ~~التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع # الدنيا قليل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون بمعنى: أن ~~اليهود لما أنكروا حكم الله تعالى المنصوص عليه في التوراة وقالوا إنه غير ~~واجب عليهم، فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله: ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون فقال جماعة من ~~المفسرين: الآيات الثلاث نزلت في الكفار ms1009 ومن غير حكم الله من اليهود، لأن ~~المسلم وإن ارتكب كبيرة، لا يقال إنه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة ~~والضحاك. ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء بن عازب قال أنزل الله ~~تبارك وتعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون في الكفار كلها أخرجه مسلم وعن ابن عباس قال ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون إلى قوله هم الفاسقون هذه الآيات الثلاث في اليهود ~~خاصة قريظة والنضير أخرجه أبو داود. وقال مجاهد: في هذه الآيات الثلاث من ~~ترك الحكم بما أنزل الله ردا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق. وقال عكرمة ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ~~ظالم فاسق وهذا قول ابن عباس أيضا واختار الزجاج لأنه قال: من زعم أن حكما ~~من أحكام الله تعالى التي أتانا بها الأنبياء باطل فهو كافر. وقال طاوس: ~~قلت لابن عباس أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال: به كفر وليس بكفر ~~ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر ونحو هذا روي عن ~~عطاء. قال: هو كفر دون الكفر. وقال ابن مسعود والحسن والنخعي: هذه الآيات ~~الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير ~~حكم الله فقد كفر وظلم وفسق وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. وقيل: هذا ~~فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا وحكم بغيره وأما من خفي عليه النص ~~أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد والله أعلم بمراده. ### || [سورة المائدة (5): آية 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # قوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها ms1010 أن النفس بالنفس يعني: وفرضنا على بني ~~إسرائيل في التوراة أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاقا فيقتل به وذلك أن ~~الله تعالى حكم في التوراة أن على الزاني المحصن الرجم وأخبر أن اليهود ~~بدلوه وغيروه وأخبر أيضا أن في التوراة أن النفس بالنفس وأن هؤلاء اليهود ~~غيروا هذا الحكم وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة فكان بنو النضير ~~إذا قتلوا من بني قريظة أدوا إليهم نصف الدية وإذا قتل بنو قريظة من بني ~~النضير أدوا إليهم الدية كاملة فغيروا حكم الله الذي أنزل في التوراة. # قال ابن عباس: أخبر الله بحكمه في التوراة وهو أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن # PageV02P048 # بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص. قال: فما لهم يخالفون فيقتلون النفسين ~~بالنفس ويفقئون العينين بالعين. # ومعنى الآية: أن قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدمان ومذهب الشافعي: ~~أنه لا يقتل مسلم بكافر لما صح من حديث علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا يقتل مسلم بكافر» الحديث أخرجاه في الصحيحين وقوله ~~تعالى: # والعين بالعين يعني تفقأ بها والأنف بالأنف يعني يجدع به والأذن بالأذن ~~يعني تقطع بها والسن بالسن يعني تقلع بها وأما سائر الأطراف والأعضاء فيجري ~~فيها القصاص كذلك، وقوله تعالى: والجروح قصاص يعني فيما يمكن أن يقتص منه ~~وهذا تعميم بعد التخصيص، لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن ~~فخص هذه الأربعة بالذكر ثم قال تعالى: والجروح قصاص، على سبيل العموم فيما ~~يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل والذكر والأنثيين وغيرها وأما ما لا يمكن ~~القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا ~~قصاص في ذلك وفيه الأرش والحكومة. واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا ~~الحكم كان شرعا في التوراة فمن قال شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه ~~بالتفصيل قال هذه الآية حجة في شرعنا ومن أنكره قال إنها ليست بحجة علينا ~~وأصل هذه المسألة أن ms1011 النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بعد البعثة هل هم ~~متعبدون بشرع من تقدم من الأنبياء عليهم السلام؟ فنقل عن أصحاب أبي حنيفة ~~وبعض أصحاب الشافعي وعن أحمد في أحد الروايتين عنه أنه كان متعبدا بما صح ~~من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها ~~واختار ابن الحاجب من المتأخرين هذا المذهب وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله فيما لم ينسخ من الأحكام الباقية قبل ~~شريعته لكنه لم يعتبر فيه قيد الوحي وهو الحق وإلا لم يبق للنزاع معنى إذ ~~لا ينكر أحد كون النبي صلى الله عليه وسلم متعبدا بعد البعثة بما أوحى إليه ~~سواء كان من شريعة من قبله أم لا وذهبت الأشاعرة والمعتزلة إلى المنع من ~~ذلك وهو اختيار الآمدي من المتأخرين واحتج الأولون لصحة مذهبهم بأن الإجماع ~~منعقد على صحة الاستدلال بقوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية ~~مع أنه من شريعة من تقدم لأنه مذكور في التوراة. # ومكتوب على بني إسرائيل: ولولا أنا متعبدون بشريعة من قبلنا لما صح هذا ~~الاستدلال، وقوله تعالى: فمن تصدق به يعني بالقصاص فلم يقتص من الجاني فهو ~~كفارة له في هاء له قولان: أحدهما أن الهاء في له كناية عن المجروح وولي ~~المقتول وذلك أن المجروح أو ولي المقتول إذا تصدق بالقصاص كان ذلك كفارة ~~لذنوبه وهذا قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن ويدل عليه ما ~~روي عن أبي الدرداء قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من رجل يصاب بشيء من جسده ~~فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة» أخرجه الترمذي. وعن أنس ~~قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر ~~فيه بالعفو أخرجه أبو داود والنسائي». # والقول الثاني: أن الضمير في قوله له يعود إلى الجارح والقاتل يعني أن ~~المجني عليه إذا عفا عن ms1012 الجاني كان ذلك العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ ~~به في الآخرة وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل كما أن القصاص كفارة له فأما ~~أجر العافي، فعلى الله تعالى. # وقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون: يعني ~~لأنفسهم حيث لم يحكموا بما أنزل الله عز وجل: # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 46 الى 48] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون (47) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون (48) # PageV02P049 # قوله عز وجل: وقفينا على آثارهم يعني وعقبنا على آثار النبيين الذين ~~أسلموا بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة يعني أن عيسى عليه ~~السلام كان مصدقا بأن التوراة منزلة من عند الله عز وجل وكان العمل بها ~~واجبا قبل ورود النسخ عليها فإن عيسى عليه السلام نسخ بعض أحكام التوراة ~~وخالفها وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور يعني فيه هدى من الجهالة وضياء من ~~عمى البصيرة ومصدقا لما بين يديه من التوراة هذا ليس بتكرار للأول لأن في ~~الأول الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة. وفي الثاني: الإخبار ~~بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بين اللفظين وأنه ليس بتكرار وهدى ~~وموعظة للمتقين إنما قال: وهدى مرة أخرى لأن الإنجيل يتضمن البشارة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيكون سببا لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وأما كون الإنجيل موعظة، فلما فيه من المواعظ البليغة والزواجر ~~والأمثال وإنما خص المتقين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون ms1013 بالمواعظ. # قوله تعالى: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه قال أهل المعاني: قوله ~~وليحكم يحتمل وجهين: # أحدهما أن يكون المعنى وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارا عما ~~فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل ثم حذف القول ~~لأن ما قبله من قوله وكتبنا وقفينا يدل عليه وحذف القول كثير. # والوجه الثاني: أن يكون قوله وليحكم ابتداء وفيه أمر للنصارى بالحكم بما ~~في كتابهم وهو الإنجيل. # فإن قلت فعلى هذا الوجه كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد ~~نزول القرآن قلت: إن المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~لأن ذكره في الإنجيل ووجوب التصديق بنبوته موجود فإذا آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فقد حكموا بما في الإنجيل. # وقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون يعني: فأولئك هم ~~الخارجون عن طاعة الله عز وجل. # قوله عز وجل: وأنزلنا إليك الكتاب الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني ~~وأنزلنا إليك يا محمد القرآن بالحق يعني بالصدق الذي لا شك فيه أنه من عند ~~الله مصدقا لما بين يديه من الكتاب يعني أن يصدق جميع الكتب التي أنزلها ~~الله على أنبيائه ومهيمنا عليه قال ابن عباس يعني شاهدا على الكتب التي ~~قبله ومنه قول حسان: # إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب # يريد أنه شاهد ومصدق لنبينا صلى الله عليه وسلم وإنما كان القرآن مهيمنا ~~على الكتب التي قبله لأنه الكتاب الذي لا ينسخ ولا يغير ولا يبدل. وإذا كان ~~القرآن كانت شهادته على التوراة والإنجيل والزبور وجميع الكتب المنزلة حقا ~~وصدقا. وقيل: المهيمن الأمين. وإنما كان القرآن أمينا على الكتب التي قبله ~~فيما أخبر أهل الكتب عن كتبهم فإن قالوا ذلك في القرآن فقد صدقوا وإلا فلا ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله يعني: إذا ترافع أهل الكتاب إليك يا محمد فاحكم ~~بينهم بالقرآن الذي أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم يعني: ولا تتبع أهواء ~~هؤلاء اليهود في ms1014 الحكم وقال ابن عباس لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن عما ~~جاءك من الحق يعني ولا تنحرف عن الحق # PageV02P050 # الذي جاءك من عند الله متبعا أهواءهم، وقوله: ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من الحق وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد به غيره لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يتبع أهواءهم قط. # وقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا الخطاب في قوله منكم للأمم ~~الثلاثة أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ~~بدليل أن الله عز وجل قال قبل هذه إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ثم قال ~~بعد ذلك وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ثم قال وأنزلنا إليك الكتاب ثم ~~جمع فقال لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا والشرعة: الشريعة. يعني لكل أمة ~~شريعة فللتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة والدين واحد وهو ~~التوحيد. وأصل الشريعة من الشرع وهو البيان والإظهار فمعنى شرع بين وأوضح. # وقيل: هو من الشروع في الشيء. والشريعة في كلام العرب، المشرعة التي ~~يشرعها الناس فيشربون ويسقون منها. وقيل: الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك ~~للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين والمنهاج الطريق الواضح وقال بعضهم ~~الشريعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد والتكرير للتأكيد والمراد بهما: ~~الدين وقال آخرون: بينهما فرق لطيف وهو أن الشريعة هي التي أمر الله بها ~~عباده. والمنهاج: الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة. # قال ابن عباس: في قوله شرعة ومنهاجا سنة وسبيلا. وقال قتادة: سبيلا وسنة ~~فالسنن مختلفة للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة يحل الله عز وجل ~~فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل ~~غيره هو التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم السلام وقال ~~علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث آدم عليه السلام شهادة أن لا إله إلا ~~الله والإقرار بما جاء من عند الله ولكل قوم شريعة ومنهاج. قال العلماء: ~~وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل منها ms1015 قوله: أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم منها ~~هذه الآية وهي قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وطريق الجمع بين هذه ~~الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين فهي دالة على أصول الدين من الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكل ذلك جاءت به الرسل من عند ~~الله ولم يختلفوا فيه. # وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهم، فمحمولة على الفروع، وما ~~يتعلق بظواهر العبادات فجائز أن يتعبد الله عباده في كل وقت بما يشاء فهذه ~~طريق الجمع بين هذه الآيات والله أعلم بأسرار كتابه واحتج بهذه من قال إن ~~شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا يدل على أن ~~كل رسول جاء بشريعة خاصة فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر ثم ~~قال تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة يعني جماعة متفقة على شريعة ~~واحدة ودين واحد لا اختلاف فيه ولكن ليبلوكم يعني ولكن أراد أن يختبركم في ~~ما آتاكم يعني من الشرائع المختلفة هل تعلمون بها أم لا؟ فيتبين بذلك ~~المطيع من العاصي والموافق من المخالف استبقوا الخيرات # هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني فبادروا يا أمة محمد ~~بالأعمال الصالحات التي تقربكم إلى الله تعالى إلى الله مرجعكم جميعا يعني ~~المطيع والعاصي والموافق والمخالف فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون يعني: ~~فيخبركم في الآخرة بما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين والدنيا. والمعنى: ~~فيخبركم في الآخرة بما لا تشكون معه فيفصل بين المحق والمبطل والطائع ~~والعاصي بالثواب والعقاب. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 49 الى 50] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون (50) # قوله تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله قال ابن عباس: إن كعب ms1016 بن أسيد ~~وعبد الله بن صوريا # PageV02P051 # وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، ~~فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن ~~اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفونا وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم ~~إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله هذه الآية وأن احكم بينهم بما أنزل الله يعني احكم بينهم يا ~~محمد بالحكم الذي أنزله الله في كتابه ولا تتبع أهواءهم يعني فيما أمروك ~~به. # قال العلماء: ليس في هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنما أنزلت في حكمين ~~مختلفين. أما الآية الأولى: # فنزلت في شأن رجم المحصن وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده وهذه الآية نزلت ~~في شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم قال بعض ~~العلماء هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. # وقوله تعالى: واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك يعني: واحذر يا ~~محمد هؤلاء اليهود الذين جاءوا إليك أن يصرفوك ويصدوك بمكرهم وكيدهم ~~فيحملوك على ترك العلم ببعض ما أنزل الله إليك في كتابه واتباع أهوائهم فإن ~~تولوا يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك والرضا بالحكم بما أنزل الله عليك ~~فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم يعني فاعلم يا محمد أن الله ~~يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم وإنما خص بعض الذنوب لأن ~~الله جازاهم في الدنيا على بعض ذنوبهم بالقتل والسبي والجلاء وأخر مجازاتهم ~~على باقي ذنوبهم إلى الآخرة وإن كثيرا من الناس لفاسقون يعني اليهود لأنهم ~~ردوا حكم الله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون يعني أفحكم الجاهلية يطلب هؤلاء ~~اليهود قال ابن عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا عليه من الضلال والجور ~~في الأحكام وتحريفهم إياها عما أمر الله به وقال مقاتل كانت بين بني النضير ~~وقريظة دماء وهما حيان من اليهود وذلك قبل أن يبعث الله محمدا صلى ms1017 الله ~~عليه وسلم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه فقالت بنو قريظة بنو ~~النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فإن قتل بنو النضير ~~منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر وإن قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة ~~وأربعين وسقا وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم فاقض بيننا وبينهم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضيري، ~~ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ~~ولا جراحة. فغضبت بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك لنا عدو وإنك ما ~~تألو في وضعنا وتصغيرنا. فأنزل الله: أفحكم الجاهلية يبغون. وقرئ بالتاء ~~على الخطاب. والمعنى: قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون يعني: # أي حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين أن لكم ربا وأنه عدل في أحكامه. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 51 الى 52] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين، ~~لأن خصوص السبب لا يمنع من عموم الحكم، فقال قوم: # نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت رضي الله عنه وعبد الله بن أبي سلول ~~رأس المنافقين وذلك أنهما اختصما فقال عبادة إن لي أولياء من اليهود كثير ~~عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم ولا مولى لي ~~إلا الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود فإن ~~أخاف الدوائر ولا بد لي منهم. # فقال النبي صلى الله ms1018 عليه وسلم: يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية ~~اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه فقال: إذن أقبل # PageV02P052 # فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على ~~طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ~~ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن يدال علينا اليهود. وقال ~~رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا. فأنزل الله ~~هذه الآية ينهاهم عن موالاة اليهود والنصارى. # وقال عكرمة: نزل في أبي لبابة بن عبد المنذر لما بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع ~~بنا إذا نزلنا؟ فجعل إصبعه في حلقه أشار إلى أنه الذبح وأنه يقتلكم فأنزل ~~الله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء فنهى الله ~~المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وأعوانا على أهل الإيمان ~~بالله ورسوله وأخبر أنه من اتخذهم أنصارا وأعوانا وخلفاء من دون الله ~~ورسوله والمؤمنين فإنه منهم وإن الله ورسوله والمؤمنين منه براء بعضهم ~~أولياء بعض يعني أن بعض اليهود أنصار لبعض على المؤمنين وأن النصارى كذلك ~~يد واحدة على من خالفهم في دينهم وملتهم ومن يتولهم منكم فإنه منهم يعني ~~ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فينصرهم على المؤمنين فهو من أهل ~~دينهم وملتهم لأنه لا يتولى مولى إلا وهو راض به وبدينه وإذا رضيه ورضى ~~دينه صار منهم وهذا تعليم من الله تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود ~~والنصارى وكل من خالف دين الإسلام إن الله لا يهدي القوم الظالمين يعني أن ~~الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فتول اليهود والنصارى مع علمه ~~بعداوتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، روي أن أبا موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن ~~الخطاب: إن لي كاتبا نصرانيا فقال: مالك وله قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا؟ # يعني مسلما أما سمعت قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ms1019 لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض قلت: له دينه ولي كتابته. فقال: ~~لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله ولا أدنيهم إذا أبعدهم ~~الله. قلت: إنه لا يتم أمر البصرة إلا به. فقال: مات النصراني والسلام ~~يعني: هب أنه مات فما تصنع بعده فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه ~~بغيره من المسلمين. # قوله تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض يعني فترى يا محمد الذين في قلوبهم ~~شك ونفاق يسارعون فيهم يعني يسارعون في مودة اليهود وموالاتهم ومناصحتهم ~~لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار فكانوا يغشونهم ويخالطونهم لأجل ذلك. نزلت في ~~عبد الله بن أبي، المنافق وفي أصحابه من المنافقين يقولون يعني المنافقين ~~نخشى أن تصيبنا دائرة الدائرة من دوائر الدهر كالدولة التي تدول والمعنى. ~~يقول المنافقون: إنما نخالط اليهود لأنا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه، ~~ويعنون بذلك المكروه الهزيمة في الحرب والقحط والجدب والحوادث المخوفة. قال ~~ابن عباس: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور علينا الأمر كما كان قبل ~~محمد فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده قال المفسرون: عسى من الله ~~واجب لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله وهو بمنزلة الواعد لتعلق النفس به ~~ورجائها له والمعنى فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم على أعدائه وإظهار دينه على الأديان كلها وإظهار المسلمين على أعدائهم ~~من الكفار واليهود والنصارى وقد فعل الله ذلك بمنه وكرمه فأظهر دينه ونصر ~~عبده. وقيل: أراد بالفتح فتح مكة. وقيل: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك ~~ونحوهما من بلادهم أو أمر من عنده يعني أنه تعالى يقطع أصل اليهود من أرض ~~الحجاز ويخرجهم من بلادهم بلا كلفة وتعب ولا يكون للناس فيه فعل البتة كما ~~ألقى في قلوبهم الرعب فأخلوا ديارهم وخربوها بأيديهم ورحلوا إلى الشام. # وقوله تعالى: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين يعني فيصبح ~~المنافقون الذين كانوا يوالون اليهود نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ms1020 أن أمر ~~محمد لا يتم وقيل ندموا على دس الأخبار إلى اليهود. # PageV02P053 # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 53 الى 54] # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم (54) # ويقول الذين آمنوا يعني ويقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق ~~المنافقين أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم وذلك أن ~~المؤمنين كانوا يتعجبون من حال المنافقين عند ما أظهروا الميل إلى موالاة ~~اليهود والنصارى ويقولون إن المنافقين حلفوا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعنا ~~ومن أنصارنا والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا من اليهود محبين للاختلاط بهم ~~فبان كذب المنافقين في أيمانهم الباطلة حبطت أعمالهم أي بطل كل خير عملوه ~~لأجل ما أظهروا من النفاق وموالاة اليهود فأصبحوا خاسرين يعني أنهم خسروا ~~في الدنيا بافتضاحهم وخسروا في الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم وحصلوا بالعذاب ~~الدائم المقيم. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه يعني من يرجع ~~منكم عن دينه الحق الذي هو عليه وهو دين الإسلام فيبدله ويغيره بدخوله في ~~الكفر بعد الإيمان فيختار: إما اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من أصناف ~~الكفر فلن يضر الله شيئا وإنما ضر نفسه برجوعه عن الدين الصحيح الذي هو دين ~~الإسلام قال الحسن: علم الله تعالى أن قوما سيرجعون عن الإسلام بعد موت ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه. وذكر صاحب ~~الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم: بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسي وكان كاهنا ~~فتنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج منها عمال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1021 إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن ~~فأهلكه الله تعالى على يد فيروز الديلمي في بيته فقتله فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المسلمين بقتله ليلة قتل فسر المسلمون بذلك وقبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول. وبنو حنيفة ~~وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. # «أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك» فكتب إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد فإن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» وستأتي قصة قتله فيما بعد وبنو ~~أسد وهم قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن ~~إسلامه وارتد سبع فرق في خلافة أبي بكر الصديق وهم فزارة قوم عيينة بن حصن ~~الفزاري وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ~~ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة اليربوعي وبعض تميم قوم سجاح بنت ~~المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب. وكندة قوم الأشعث بن ~~قيس الكندي وبنو بكر بن وائل قوم الحطم بن زيد فكفى الله أمرهم على يد أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه وفرقة واحدة ارتدت في خلافة عمر بن الخطاب وهم ~~غسان قوم جبلة بن الأيهم واختلف العلماء في المعنى بقوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة ~~هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب «1» كما تقدم تفصيله إلا أهل ~~المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس فإنهم ثبتوا على الإسلام ~~ونصر الله بهم الدين ولما ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة هم ms1022 أبو بكر ~~بقتالهم وكره ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر: كيف تقاتل ~~الناس وقد قال PageV02P054 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله». فقال ~~أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ~~والله لو منعوني عناقا أو قال عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. وقال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي ~~الزكاة، وقالوا: هم أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا ~~بدا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه ~~عليه في الانتهاء. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد ~~النبيين أفضل من أبي بكر الصديق لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل ~~الردة وقالت عائشة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب ~~النفاق ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها وبعث أبو بكر ~~الصديق خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني حنيفة باليمامة وهم قوم مسيلمة ~~الكذاب فأهلك الله مسيلمة على يد وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة، ~~فكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد ~~بذلك وحشي أنه في حال الجاهلية قتل حمزة وهو خير الناس وفي حال إسلامه قتل ~~مسيلمة الكذاب وهو شر الناس وقال قوم: المراد بقوله تعالى: فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري، روي عن عياض بن غنم ~~الأشعري قال لما نزلت هذه الآية فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري أخرجه ~~الحاكم في المستدرك وقيل هم أهل اليمن (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أتاكم ms1023 أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان ~~يمان والحكمة يمانية». # وقال السدي: نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأعانوه على إظهار الدين. وقيل: # هم أحياء من أهل اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من أهل كندة وبجيلة ~~وثلاثة آلاف من أخلاط الناس جاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في خلافة ~~عمر، وعلى هذا التقدير، تكون هذه الآية إخبارا عن الغيب وقد وقع الخبر على ~~وفقه بحمد الله تعالى فتكون هذه الآية معجزة. # وأما معنى المحبة، فيقال أحببت فلانا بمعنى جعلت قلبي معرضا بأن يحبه ~~والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيرا. ومحبة الله تعالى العبد، إنعامه عليه ~~وتوفيقه وهدايته إلى طاعته والعمل بما يرضى به عنه وأن يثيبه أحسن الثواب ~~على طاعته وأن يثني عليه ويرضى عنه ومحبة العبد لله عز وجل أن يسارع إلى ~~طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعل ما يوجب سخطه وعقوبته وأن يتحبب بما يوجب ~~له الزلفى لديه جعلنا الله ممن يحبهم ويحبونه بمنه وكرمه. # وقوله تعالى: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين هذه من صفات الذين ~~اصطفاهم الله تعالى ووصفهم بقوله: يحبهم ويحبونه، يعني أنهم أرقاء رحماء ~~لأهل دينهم وإخوانهم من المؤمنين ولم يرد ذل الهوان بل أراد لين جانبهم ~~لإخوانهم المؤمنين وهم من رقتهم ورحمتهم ولين جانبهم أشداء أقوياء غلظاء ~~على أعدائهم الكافرين. # قال علي بن أبي طالب: أذلة على المؤمنين يعني أهل رقة على أهل دينهم أعزة ~~على الكافرين أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ابن عباس: تراهم ~~كالولد لوالده والعبد لسيده وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته. ~~وقال ابن الأنباري: أثنى الله على المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا ~~لقوهم ويعنفون الكافرين إذا لقوهم. وقيل: إن الذل بمعنى الشفقة والرحمة ~~كأنه قال راحمين للمؤمنين مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع وإنما أتى ~~بلفظة على حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم لا لأجل كونهم ذليلين في ~~أنفسهم بل ذلك التذلل لأجل ms1024 أنهم ضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع ويدل ~~على صحة هذا سياق الآية وهو # PageV02P055 # قوله: أعزة على الكافرين يعني أنهم أشداء أقوياء في أنفسهم وعلى أعدائهم ~~يجاهدون في سبيل الله يعني أنهم ينصرون دين الله ولا يخافون لومة لائم يعني ~~لا يخافون عدل عادل في نصرهم الدين وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ~~ويخافون لومهم فبين الله تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين فإنه ~~لا يخاف في نصره لدين الله بيده أو بلسانه لومة لائم وهذه صفة المؤمنين ~~المخلصين إيمانهم لله تعالى (ق). # عن عبادة بن الصامت قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره على أن لا ننازع الأمر أهله وعلى ~~أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ثم قال تعالى: ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصفهم بمحبة الله ولين ~~جانبهم للمؤمنين وشدتهم على الكافرين وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم كل ذلك من فضل الله تعالى تفضل بهم عليهم ومن إحسانه ~~إليهم والله واسع عليم يعني أنه تعالى واسع الفضل عليم بمن يستحقه. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 55 الى 56] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) # قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا قال ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود وقال: أوالي الله ~~ورسوله والمؤمنين يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقال جابر بن عبد ~~الله: # نزلت في عبد الله بن سلام وذلك أنه جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا ~~يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأ: عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عبد الله بن سلام: رضينا بالله ms1025 ربا وبرسوله نبيا وبالمؤمنين أولياء. # وقيل: الآية عامة في حق جميع المؤمنين لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ~~فعلى هذا يكون قوله تعالى: # الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون صفة لكل مؤمن ويكون المراد ~~بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأن المنافقين كانوا يدعون ~~أنهم مؤمنون إلا أنهم لم يكونوا يداومون على فعل الصلاة والزكاة فوصف الله ~~تعالى المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة يعني بتمام ركوعها وسجودها في مواقيتها ~~ويؤتون الزكاة يعني ويؤدون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم. # أما قوله تعالى وهم راكعون فعلى هذا التفسير فيه وجوه: # أحدها: أن المراد من الركوع هنا الخضوع والمعنى أن المؤمنين يصلون ويزكون ~~وهم منقادون خاضعون لأوامر الله ونواهيه. # الوجه الثاني: أن يكون المراد منه أن من شأنهم إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وإنما خص الركوع بالذكر تشريفا له. # الوجه الثالث: قيل إن هذه الآية نزلت وهم ركوع. وقيل: نزلت في شخص معين ~~وهو علي بن أبي طالب. # قال السدي: مر بعلي سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، فعلى هذا قال ~~العلماء: العمل القليل في الصلاة لا يفسدها والقول بالعموم أولى وإن كان قد ~~وافق وقت نزولها صدقة علي بن أبي طالب وهو راكع. ويدل على ذلك ما روي عن ~~عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عن هذه الآية ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا من هم؟ فقال: المؤمنون، فقلت: إن ناسا ~~يقولون هو علي، فقال: علي من الذين آمنوا. # PageV02P056 # وقوله تعالى: ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا يعني ومن يتول القيام ~~بطاعة الله ونصر رسوله والمؤمنين. قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار ~~ومن يأتي بعدهم فإن حزب الله يعني أنصار دين الله هم الغالبون لأن الله ~~ناصرهم على عدوهم والحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه ~~وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه يعني أهمه. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 57 الى 59] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ms1026 ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) ~~وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) ~~قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهر ~~الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. ومعنى: اتخذوا دينكم هزوا ولعبا هو إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولا ~~وهم على ذلك يبطنون الكفر ويسرونه من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني ~~اليهود والكفار يعني عبدة الأصنام وإنما فصل بين أهل الكتاب والكفار وإن ~~كان أهل الكتاب من الكفر لأن كفر المشركين من عبدة الأصنام أغلظ وأفحش من ~~كفر أهل الكتاب أولياء يعني لا تتخذوهم أولياء والمعنى أن أهل الكتاب ~~والكفار اتخذوا دينكم يا معشر المؤمنين هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أنتم ~~أولياء وأنصارا واتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني مؤمنين حقا لأن المؤمن ~~يأبى موالاة أعداء الله عز وجل. # قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قال الكلبي: كان ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون ~~إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا ويضحكون على طريق ~~الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: نزلت هذه الآية في رجل من ~~النصارى كان بالمدينة فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا رسول الله يقول حرق الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وهو ~~وأهله نيام فطارت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: إن ~~الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا حسدوا المسلمين على ذلك فدخلوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع بمثله ~~فيما مضى من الأمم قبلك فإن كنت تدعي ms1027 النبوة فقد خالفت الأنبياء قبلك ولو ~~كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء فمن أين لك صياح كصياح العير فما ~~أقبح هذا الصوت وما أسمج هذا الأمر؟ فأنزل الله عز وجل: ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله الآية وأنزل وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون يعني أن هزؤهم ولعبهم من أفعال السفهاء والجهال الذين ~~لا عقل لهم. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: قل ~~يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذي اتخذوا دينك هزوا ولعبا هل تنقمون منا ~~وهذا على سبيل التعجب من فعل أهل الكتاب والمعنى هل تجدون علينا في الدين ~~إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وبما أنزل على جميع الأنبياء من قبل ~~وهذا ليس مما ينكر أو ينقم منه وهذا كما قال بعضهم: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # يعني أنه ليس فيهم عيب إلا ذلك وهذا ليس بعيب بل هو مدح عظيم لهم. قال ~~ابن عباس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم أبو ياسر ~~بن أخطب ورافع بن أبي رافع وعازوراء وزيد وخالد وأزار بن أبي أزار وأشيع ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق # PageV02P057 # ويعقوب والأسباط- إلى قوله- ونحن له مسلمون الآية فلما ذكر عيسى جحدوا ~~نبوته، وقالوا: والله لا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: ~~إنهم قالوا والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا ~~شرا من دينكم فأنزل الله هذه الآية قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وهذا هو ديننا الحق وطريقنا ~~المستقيم فلم تنقمونه علينا وأن أكثركم فاسقون يعني إنما كرهتم إيماننا ~~ونقمتموه علينا مع علمكم بأننا على الحق بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين ~~الباطل لحب الرياسة وأخذ الأموال ms1028 بالباطل وإنما قال أكثركم لأن الله يعلم ~~أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله وبرسوله. قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5): الآيات 60 الى 63] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم ~~بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) # قل هل أنبئكم بشر من ذلك هذا جواب لليهود لما قالوا ما نعرف دينا شرا من ~~دينكم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين قالوا هذه المقالة هل ~~أخبركم بشر من ذلك الذي ذكرتم ونقمتم علينا من إيماننا بالله وبما أنزل ~~علينا مثوبة عند الله يعني جزاء. # فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان لأنها في معنى الثواب، فكيف جاءت في ~~الإساءة؟. قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب ~~وجيع. # فإن قلت: هذا يقتضي أن الموصوفين بذلك الدين محكوم عليهم بالشر لأنه ~~تعالى قال بشر من ذلك ومعلوم أن الأمر ليس كذلك فما جوابه؟. قلت: جوابه أن ~~الكلام خرج على حسب قولهم واعتقادهم، فإن اليهود حكموا بأن اعتقاد ذلك ~~الدين شر فقال لهم: هب أن الأمر كذلك لكن من لعنه الله وغضب عليه ومسخ ~~صورته شر من ذلك. # وقوله تعالى: من لعنه الله معناه هل أنبئكم بمن لعنه الله أو هو من لعنه ~~الله ومعنى لعنه الله: أبعده وطرده عن رحمته وغضب عليه يعني وانتقم منه لأن ~~الغضب إرادة الانتقام من العصاة وجعل منهم القردة والخنازير يعني من اليهود ~~من لعنه الله وغضب عليه ومنهم من جعلهم قردة وخنازير قال ابن عباس: إن ~~الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. # وقيل إن مسخ القردة كان من أصحاب السبت من اليهود ومسخ الخنازير كان ms1029 في ~~الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام ولما نزلت هذه الآية ~~عير المسلمون اليهود وقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير وافتضحوا بذلك ~~وعبد الطاغوت يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت، يعني من أطاع الشيطان فيما سول ~~له والطاغوت هو الشيطان. وقيل: هو العجل. وقيل: هو الكهان والأحبار. وجملته ~~أن كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده وهو الطاغوت أولئك يعني ~~الملعونين والمغضوب عليهم والممسوخين شر مكانا يعني من غيرهم ونسب الشر إلى ~~المكان والمراد به أهله فهو من باب الكناية وقيل: أراد أن مكانهم سقر ولا ~~مكان أشد شرا منه وأضل عن سواء السبيل يعني وأخطأ عن قصد طريق الحق. # قوله تعالى: وإذا جاؤكم قالوا آمنا قال قتادة: نزلت في أناس من اليهود ~~دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P058 # فأخبروه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به وهم متمسكون بضلالتهم وكفرهم ~~فكان هؤلاء يظهرون الإيمان وهم في ذلك منافقون، فأخبر الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بحالهم وشأنهم وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به يعني: إنهم ~~دخلوا كافرين وخرجوا كما دخلوا كافرين لم يتعلق بقلوبهم شيء من الإيمان فهم ~~كافرون في حالتي الدخول والخروج والله أعلم بما كانوا يكتمون يعني من الكفر ~~الذي في قلوبهم. # قوله عز وجل: وترى كثيرا منهم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وترى يا ~~محمد كثيرا من اليهود وكلمة «من» يحتمل أن تكون للتبعيض. ولعل هذه الأفعال ~~المذكورة في هذه الآية ما كان يفعلها كل اليهود فلذا قال تعالى: # وترى كثيرا منهم يسارعون. المسارعة في الشيء: المبادرة إليه بسرعة لكن ~~لفظة المسارعة إنما تستعمل في الخير. ومنه قوله تعالى: يسارعون في الخيرات ~~وضدها العجلة، وتقال في الشر في الأغلب وإنما ذكرت لفظة في قوله يسارعون في ~~الإثم والعدوان وأكلهم السحت الفائدة وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه ~~المنكرات كأنهم محقون فيها. والإثم اسم جامع لجميع المعاصي والمنهيات فيدخل ~~تحته العدوان وأكل السحت، فلهذا ذكر الله العدوان وأكل ms1030 السحت بعد الإثم ~~والمعاصي وقيل الإثم ما كتموه من التوراة والعدوان ما زادو فيها والسحت هو ~~الرشا وما يأكلونه من غير وجهه لبئس ما كانوا يعملون يعني لبئس العمل كان ~~هؤلاء اليهود يعملون وهو مسارعتهم إلى الإثم والعدوان وأكلهم السحت. # قوله تعالى: لولا يعني هلا وهي هنا بمعنى التحضيض والتوبيخ ينهاهم ~~الربانيون والأحبار قال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء ~~أهل التوراة وقال غيره كلهم من اليهود لأنه متصل بذكرهم عن قولهم الإثم ~~يعني الكذب وأكلهم السحت والمعنى هلا نهى الأحبار والرهبان، اليهود عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون يعني الأحبار والرهبان إذا ~~لم ينهوا غيرهم عن المعاصي. وهذا يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة ~~مرتكبه لأن الله تعالى ذم الفريقين في هذه الآية. قال ابن عباس: ما في ~~القرآن أشد توبيخا من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي ~~منها. ### || [سورة المائدة (5): آية 64] # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) # قوله عز وجل: وقالت اليهود يد الله مغلولة نزلت هذه الآية في فنحاص ~~اليهودي. قال ابن عباس: إن الله قد بسط على اليهود حتى كانوا أكثر الناس ~~أموالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكذبوا به ~~كف عنهم ما بسط عليهم من السعة. # فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل ~~والعطاء. فنسبوا الله تعالى إلى البخل والقبض تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا، ولما قال هذه المقالة الخبيثة فنحاص ولم ينهه بقية اليهود ورضوا ~~بقوله، لا جرم لأن الله تعالى أشركهم معه في هذه المقالة فقال تعالى إخبارا ~~عنهم: وقالت اليهود يد الله مغلولة. يعني نعمته مقبوضة عنا. وقيل: معناه ms1031 يد ~~الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا بقدر ما يبر به قسمه وذلك قدر ما ~~عبد آباؤنا العجل. # والقول الأول أصح، لقوله تعالى: ينفق كيف يشاء. واعلم أن غل اليد وبسطها ~~مجاز عن البخل والجود بدليل قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط والسبب أن اليد آلة لكل # PageV02P059 # الأعمال لا سيما لدفع المال وإنفاقه وإمساكه فأطلقوا اسم السبب على ~~المسبب وأسندوا الجود والبخل إلى اليد مجازا فقيل للجواد الكريم فياض اليد ~~ومبسوط اليد وقيل للبخيل مقبوض اليد. # وقوله تعالى: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا يعني: أمسكت أيديهم عن كل خير ~~وطردوا عن رحمة الله. # قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم ~~هي المغلولة الممسوكة. وقيل: # هذا دعاء على اليهود علمنا الله كيف ندعو عليهم؟ فقال: غلت أيديهم أي في ~~نار جهنم. فعلى هذا هو من الغل حقيقة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم وطرحوا في ~~النار جزاء لهم على هذا القول ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا بسبب ما قالوا ~~فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~والجزية وفي الآخرة لهم عذاب النار. # وقوله تعالى: بل يداه مبسوطتان يعني أنه تعالى جواد كريم ينفق كيف يشاء ~~وهذا جواب لليهود ورد عليهم ما افتروه واختلقوه على الله تعالى عن قولهم ~~علوا كبيرا وإنما أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم. # وأما الكلام في اليد فقد اختلف العلماء في معناها على قولين: أحدهما وهو ~~مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين أن يد الله صفة من صفات ~~ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم ونمرها كما ~~جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل قال الله تعالى لما ~~خلقت بيدي وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عن يمين الرحمن وكلتا يديه ~~يمين». # والقول الثاني: قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل، فإنهم قالوا اليد تذكر ~~في اللغة على وجوه، أحدها: # الجارحة ms1032 وهي معلومة. وثانيهما: النعمة. يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها. ~~وثالثها: القدرة قال الله تعالى: # أولي الأيدي والأبصار فسروه بذوي القوى والعقول لا يدلك بهذا الأمر ~~والمعنى سلب كمال القدرة. ورابعها: # الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه ومنه قوله تعالى الذي بيده ~~عقدة النكاح أي يملك ذلك، أما الجارحة فمنتفية في صفة الله عز وجل لأن ~~العقل دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من ~~الأجزاء والأبعاض تعالى الله عن الجسمية والكيفية والتشبيه علوا كبيرا ~~فامتنع بذلك أن تكون يد الله بمعنى الجارحة وأما سائر المعاني، التي فسرت ~~اليد بها فحاصلة، لأن أكثر العلماء من المتكلمين زعموا أن اليد في حق الله ~~عبارة عن القدرة وعن الملك وعن النعمة وهاهنا إشكالان: # أحدهما: أن اليد إذا فسرت بمعنى القدرة فقدرة الله واحدة ونص القرآن ناطق ~~بإثبات اليدين في قوله تعالى بل يداه مبسوطتان وأجيب عن هذا الإشكال بأن ~~اليهود لما جعلوا قولهم يد الله مغلولة كناية عن البخل أجيبوا على وفق ~~كلامهم فقال: بل يداه مبسوطتان. أي ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل بل ~~هو جواد كريم على سبيل الكمال فإن من أعطى بيديه فقد أعطى عل أكمل الوجوه. # الإشكال الثاني: أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنص القرآن ناطق بتثنية اليد ~~ونعم الله غير محصورة ولا معدودة ومنه قوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها وأجيب عن هذا الإشكال بأن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت كل واحد ~~من الجنسين أنواع لا نهاية لها مثل: نعمة الدنيا ونعمة الدين ونعمة الظاهر ~~ونعمة الباطن ونعمة النفع ونعمة الدفع. فالمراد بالتثنية، المبالغة في وصف ~~النعمة. أجاب أصحاب القول عن هذا بأن قالوا: إن الله تعالى أخبر عن آدم أنه ~~خلقه بيديه ولو كان معنى خلقه لآدم بقدرته أو بنعمته أو بملكه لم يكن ~~لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم لأن جميع خلقه مخلوقون بقدرته وجميعهم في ملكه ~~ومتقلبون في نعمه فلما ms1033 خص الله آدم عليه السلام بقوله تعالى لما خلقت بيدي ~~دون خلقه علم بذلك اختصاصه وتشريفه على غيره. ونقل الإمام فخر الدين # PageV02P060 # الرازي عن أبي الحسن الأشعري قولا: أن اليد صفة قائمة بذات الله وهي صفة ~~سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال والذي يدل عليه أنه ~~تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه على سبيل الكرامة لآدم واصطفائه له فلو كانت ~~اليد عبارة عن القدرة امتنع كون آدم مصطفى بذلك لأن ذلك حاصل في جميع ~~المخلوقات فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين ~~على سبيل الاصطفاء هذا آخر كلامه. وأجيب عن قولهم: # إن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع كثيرة بأن ~~الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجمع ولا ~~يؤدي عن الجنس أيضا قالوا وخطأ في كلام العرب أن يقال ما أكثر الدرهمين في ~~أيدي الناس بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم لأن الدرهم إذا ثني لا يؤدي في ~~كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما ولكن الواحد يؤدي عن جنسه، كما تقول ~~العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس. بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم، ~~لأن الواحد يؤدي عن الجمع فثبت بهذا البيان قول من قال: إن اليد صفة لله ~~تعالى تليق بجلاله وإنها ليست بجارحة، كما نقول: المجسمة تعالى الله عن ~~قولهم علوا كبيرا ينفق كيف يشاء يعني أنه تعالى يرزق كما يريد ويختار فيوسع ~~على من يشاء ويقتر على من يشاء لا اعتراض عليه في ملكه ولا فيما يفعله (ق) ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تبارك وتعالى ~~لما أنفق عليك وقال يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ~~ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما بيده وكان عرشه على الماء ~~وبيده الميزان يرفع ويخفض وهذا الحديث أيضا أحد أحاديث الصفات فيجب الإيمان ~~به وإمراره كما ms1034 جاء من غير تشبيه ولا تكييف. # وقوله تعالى: وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا يعني ~~كلما نزلت عليك آية من القرآن كفروا بها فازدادوا شدة في كفرهم وطغيانا مع ~~طغيانهم والمراد بالكثير علماء اليهود وقيل إقامتهم على كفرهم زيادة منهم ~~فيه وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة يعني: ألقينا العداوة ~~والبغضاء بين اليهود والنصارى. وقيل: ألقى ذلك بين طوائف اليهود، فجعلهم ~~مختلفين في دينهم متعادين متباغضين إلى يوم القيامة، فإن بعض اليهود جبرية، ~~وبعضهم قدرية، وبعضهم مشبهة وكذلك النصارى فرق كالملكانية، والنسطورية، ~~واليعقوبية، والمارونية. # فإن قلت: فهذا المعنى أيضا حاصل بين فرق المسلمين فكيف يكون ذلك عيبا على ~~اليهود والنصارى حتى يذموا به. قلت: هذه البدع التي حصلت في المسلمين إنما ~~حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة والتابعين. # أما في الصدر الأول، فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيبا ~~على اليهود والنصارى في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله يعني كلما أفسد اليهود ~~وخالفوا حكم الله يبعث الله عليهم من يهلكهم. أفسدوا فبعث الله عليهم ~~بختنصر البابلي ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي ثم أفسدوا فسلط ~~الله عليهم المجوس وهم الفرس ثم أفسدوا. وقالوا: يد الله مغلولة فبعث الله ~~المسلمين فلا تزال اليهود في ذلة أبدا وقال مجاهد: معنى الآية كلما مكروا ~~في حرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأه الله تعالى وقال السدي: كلما أجمعوا ~~أمرهم على شيء ليفسدوا به أمر محمد صلى الله عليه وسلم فرقه الله تعالى ~~وكلما أوقدوا نارا في حرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأها الله وأخمد نارهم ~~وقذف في قلوبهم الرعب وقهرهم ونصر نبيه ودينه ويسعون في الأرض فسادا يعني ~~ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم. وقيل: ~~إنهم يسعون بالمكر والكيد والحيل وليس يقدرون على غير ذلك والله لا ms1035 يحب ~~المفسدين يعني أن الله لا يحب من كانت هذه صفته. قال قتادة: لا نلقى اليهود ~~ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس فيها وهم أبغض خلق الله إليه. # PageV02P061 # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 65 الى 67] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ~~(66) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) # قوله تعالى: ولو أن أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه ~~فيما جاء به واتقوا يعني اليهودية والنصرانية لكفرنا عنهم سيئاتهم يعني: ~~لمحونا عنهم ذنوبهم التي عملوها قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله ~~ولأدخلناهم جنات النعيم يعني مع المسلمين يوم القيامة ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل يعني أقاموا أحكامهما بحدودهما وعملوا بما فيهما من ~~الوفاء بالعهود والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن نعته وصفته موجودان ~~فيهما. # فإن قلت: كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل مع أنهما نسخا ~~وبدلا. قلت: إنما أمرهم الله تعالى بإقامة ما فيهما من الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم واتباع شريعته وهذا غير منسوخ لأنه موافق لما في القرآن. # وقوله تعالى: وما أنزل إليهم من ربهم فيه قولان أحدهما أن المراد به كتب ~~أنبيائهم القديمة مثل كتاب شعياء وكتاب أرمياء وزبور داود وفي هذا الكتب ~~أيضا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. # والقول الثاني: أن المراد بما أنزل من ربهم هو القرآن لأنهم مأمورون ~~بالإيمان به فكأنه نزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم يعني ~~أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد وثبتوا على كفرهم ويهوديتهم أصابهم ~~الله بالقحط والشدة حتى بلغوا إلى حيث قالوا يد الله مغلولة فأخبر الله ~~أنهم لو ms1036 تركوا اليهودية والكفر الذي هم عليه لانقلبت تلك الشدة بالخصب ~~والسعة وهو قوله تعالى: لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم قال ابن عباس: ~~معناه لأنزلت عليهم المطر وأخرجت لهم النبات والمراد من ذلك توسعة الرزق ~~عليهم منهم أمة مقتصدة أي عادلة. والاقتصاد: الاعتدال في العمل من غير غلو ~~ولا تقصير. أصله من القصد، لأن من عرف مقصودا طلبه من غير اعوجاج عنه. ~~والمراد بالأمة المقتصدة: من آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه والنجاشي وأصحابه الذين أسلموا وكثير منهم يعني من أهل الكتاب ~~الذين أقاموا على كفرهم مثل كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود ساء ما يعملون ~~يعني بئس ما يعملون من إقامتهم على كفرهم قال ابن عباس: عملوا بالقبيح مع ~~التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية روي عن الحسن ~~أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاق ذرعا وعرف أن من ~~الناس من يكذبه، فأنزل هذه الآية. وقيل: نزلت في عيب اليهود وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون ~~به ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى حنانا، فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم، سكت، فأنزل الله هذه الآية وأمره بأن ~~يقول لهم: # يا أهل الكتاب لستم على شيء الآية. # وقيل: نزلت هذه الآية في أمر الجهاد وذلك أن المنافقين كرهوه فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما علم من ~~كراهية بعضهم له فأنزل الله هذه الآية. # وقيل: نزلت في قصة الرجم والقصاص وما سأل عنه اليهود ومعنى الآية يا أيها ~~الرسول بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرا به ولا تراقبن أحدا ولا نترك ~~شيئا مما أنزل إليك من ربك وإن أخفيت شيئا من ذلك في وقت من الأوقات فلما ~~بلغت رسالته وهو قوله تعالى وإن لم ms1037 تفعل فما بلغت رسالته وقرئ رسالاته قال # PageV02P062 # ابن عباس: يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالتي يعني ~~أنه صلى الله عليه وسلم لو ترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ شيئا مما أنزل ~~الله إليه وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئا مما أوحي إليه. ~~روى مسروق عن عائشة قالت من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا ~~مما أنزل إليه فقد كذب؟ ثم قرأت يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~أخرجاه في الصحيحين بزيادة فيه. # وقوله تعالى: والله يعصمك من الناس يعني يحفظك يا محمد ويمنعك منهم ~~والمراد بالناس هنا الكفار فإن قلت أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد ~~وقد أوذي بضروب من الأذى فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله والله يعصمك من ~~الناس. # قلت: المراد منه أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل ويدل ~~على صحة ذلك ما روي عن جابر أنه غزى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في ~~واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون ~~بالشجر فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه ونمنا ~~معه نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي ~~فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا. فقال: من ~~يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس. # وفي رواية أخرى «قال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات ~~الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة ~~فاخترطه فقال تخافني؟. فقال: لا. فقال من يمنعك مني؟ قال: الله فتهدده ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» أخرجاه في ms1038 الصحيحين وزاد البخاري في ~~رواية له: أن اسم ذلك الرجل غورث بن الحارث (ق). # عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه ~~المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قال: فبينما ~~نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح فقال من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص: # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم نام» وعن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ~~ليلا حتى نزلت «والله يعصمك من الناس» فأخرج رسول الله من القبة فقال لهم ~~أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله» أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وقيل ~~في الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد لأن سورة ~~المائدة من آخر القرآن نزولا وقوله إن الله لا يهدي القوم الكافرين قال ابن ~~عباس: معناه لا يرشد من كذبك وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطبري: معناه إن ~~الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به ~~من عند الله ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لستم على شيء يعني: قل يا محمد لهؤلاء ~~اليهود والنصارى لستم على شيء من الدين الحق المرتضى عند الله ولستم على ~~شيء مما تدعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى عليه السلام يا معشر اليهود ولا ~~مما جاءكم به عيسى يا معشر النصارى فإنكم أحدثتم وغيرتم. # قال ابن عباس: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة وسلام بن ~~مشكم ومالك بن الصيف وراتع بن حرملة. # قالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من ~~التوراة وتشهد أنها حق، فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم بلى: ms1039 ولكنكم ~~أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن ~~تبينوه للناس فأنا بريء من إحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا ~~على الحق والهدى ولا نؤمن لك ولا نتبعك فأنزل الله: # PageV02P063 # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 68 الى 71] # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون ~~فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير ~~بما يعملون (71) # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم الآية وقد تقدم معنى إقامة التوراة والإنجيل وإنه يلزمهم ~~العمل بما فيهما وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تفسير ما ~~أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~وقوله تعالى فلا تأس على القوم الكافرين يعني فلا تحزن يا محمد على هؤلاء ~~اليهود الذي جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك فإنما يعود ضرر ذلك الكفر عليهم. # قوله عز وجل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى لما بين ~~الله عز وجل أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين في هذه الآية ~~أن هذا الحكم عام في كل أهل الملل وأنه لا يحصل لأحد منهم فضيلة ولا منقبة ~~إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا يرضاه الله ومن العمل الصالح ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتم الإيمان إلا به وقد تقدم ~~تفسير هذه الآية في سورة البقرة. # وقوله تعالى: والصابئون ظاهر الإعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وكذا ms1040 ~~قراءة أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير من السبعة. وقرأ الجمهور بالرفع. ~~ومذهب الخليل وسيبويه أنه ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير كأنه ~~قيل إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك فحذف خبره ~~والحكمة في عطف الصابئين على من قبلهم هي أن الصابئين أشد الفرق المذكورة ~~في هذه الآية ضلالا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا آمنوا وأتوا بالعمل ~~الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون، فإنهم إذا آمنوا كانوا أيضا كذلك، ~~وإنما سموا صابئين، لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، بمعنى: خرجوا لأنهم صبئوا ~~إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا ما جاءت به الرسل من عنده ~~الله. # فإن قلت: قد قال الله تعالى في أول الآية إن الذين آمنوا ثم قال في آخر ~~الآية فمن آمن فما فائدة هذا التكرار. قلت: فائدته أن المنافقين كانوا ~~يظهرون الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل ~~المؤمنين فيكون معنى إن الذين آمنوا أي بألسنتهم لا بقلوبهم. ثم قال: من ~~آمن يعني من ثبت على إيمانه ورجع عن نفاقه منهم. وقيل: فيه فائدة أخرى وهي ~~أن الإيمان يدخل تحته أقسام كثيرة وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ~~ففائدة التكرار التنبيه على أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان وفي قوله من ~~آمن بالله حذف تقديره من آمن بالله واليوم الآخر منهم وإنما حسن هذا الحذف ~~لكونه معلوما عند السامعين وعمل صالحا يعني وضم إلى إيمانه العمل الصالح ~~وهو الذي يراد به وجه الله تعالى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون يعني في ~~الآخر. قوله عز وجل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل يعني أخذنا العهود عليهم ~~في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد والعمل بما أمرناهم به ~~والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم رسلا يعني لبيان الشرائع والأحكام ~~كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم يعني بما يخالف أهواءهم ويضاد شهواتهم ~~من ميثاق التكليف والعمل بالشرائع فريقا ms1041 كذبوا يعني من الرسل الذين جاءتهم ~~وفريقا يقتلون يعني من الرسل فكان # PageV02P064 # فيمن كذبوا عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكان فيمن قتلوا زكريا ويحيى ~~عليهما السلام وإنما فعلوا ذلك نقضا للميثاق وجراءة على الله عز وجل ~~ومخالفة لأمره. # قوله تعالى: وحسبوا يعني وظن هؤلاء الذين كذبوا الرسل وقتلوا الأنبياء ~~ألا تكون فتنة يعني أن لا يعذبهم الله ولا يبتليهم بذلك الفعل الذي فعلوه ~~وإنما حملهم على هذا الظن الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع ~~آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله. فلهذا السبب حسبوا أن لا يكون فعلهم ~~ذلك فتنة يبتلون بها. وقيل: إنما قدموا على ذلك لاعتقادهم أن آباءهم ~~وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة فعموا وصموا يعني أنهم عموا عن الحق ~~فلم يبصروه وصموا عنه فلم يسمعوه وهذا العمى هو كناية عن عمى البصيرة لا ~~البصر وكذلك الصمم هو كناية عن منع نفوذ الحق إلى قلوبهم وسبب ذلك شدة ~~جهلهم وقوة كفرهم وإعراضهم عن قبول الحق قال بعض المفسرين سبب هذا العمى ~~والصمم عبادتهم العجل في زمن موسى عليه السلام ثم تاب الله عليهم يعني أنهم ~~لما تابوا من عبادتهم العجل تاب الله عليهم ثم عموا وصموا يعني في زمان ~~زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لأنهم كذبوا عيسى وقتلوا زكريا ويحيى وقيل ~~إن العمى والصمم الأول كان بعد موسى ثم تاب الله عليهم يعني ببعثه عيسى ~~عليه السلام ثم عموا وصموا يعني بسبب الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم كثير ~~منهم من اليهود لأن بعضهم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن ~~سلام وأصحابه والله بصير بما يعملون يعني من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 72 الى 75] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ms1042 ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ~~ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان ~~الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) # قوله عز وجل: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم لما حكى ~~الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل ~~وغير ذلك شرع في الأخبار عن كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد فقال ~~تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وهذا قول اليعقوبية ~~والملكانية من النصارى لأنهم لا يقولون إن مريم ولدت إلها ولأنهم يقولون إن ~~الإله جل وعلا حل في ذات عيسى واتحد به فصار إلها تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم يعني وقد كان ~~المسيح قال هذا لبني إسرائيل عند مبعثه إليهم وهذا تنبيه على ما هو الحجة ~~القاطعة على فساد قول النصارى ذلك لأنه عليه السلام لم يفرق بينه وبين غيره ~~في العبودية والإقرار لله بالربوبية وإن دلائل الحدوث ظاهرة عليه إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة يعني أنه من يجعل له شريكا من خلقه فقد ~~حرم الله عليه الجنة يعني إذا مات على شركه ومأواه النار يعني أنه يصير إلى ~~النار في الآخرة وما للظالمين يعني وما للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بالشرك ~~من أنصار يعني ما لهم من أنصار ينصرونهم ويمنعونهم من العذاب يوم القيامة. # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وهذا قول المرقوسية ~~والنساورية من النصارى. # ولتفسير قول النصارى طريقان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين إنهم أرادوا ~~بهذه المقالة أن الله ومريم وعيسى # PageV02P065 # آلهة ثلاثة وأن الإلهية مشتركة بينهم وأن كل واحد منهم إله ويبين ذلك ~~قوله تعالى للمسيح: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ms1043 من دون الله؟ فقوله ~~ثالث ثلاثة فيه إضمار تقديره إن الله أحد ثلاثة آلهة أو واحد من ثلاثة ~~آلهة. قال الواحدي: ولا يكفر من يقول إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به أنه ~~ثالث ثلاثة آلهة لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم ويدل عليه قوله ~~تعالى في سورة المجادلة ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين ~~الله ثالثهما؟». والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم ~~يقولون: إنه جوهر واحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله ~~واحد كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات ~~وبالابن الكلمة وبالروح الحياة وأثبتوا الذات والكلمة والحياة قالوا إن ~~الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن، وزعموا أن ~~الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد واعلم أن هذا الكلام معلوم ~~البطلان لبديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدا والواحد لا يكون ثلاثة، ~~ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فسادا ولا أظهر بطلانا من مقالة النصارى وعلى ~~هذا أخبر الله عنهم في قوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة فهذا ~~معنى مذهبهم وإن لم يصرحوا بأنه واحد من ثلاثة آلهة فذلك لازم لهم وإنما ~~يمتنعون من هذه العبارة لأنهم إذا قالوا: إن كل واحد من الأقانيم إله فقد ~~جعلوه ثالث ثلاثة. وقولهم بعد هذا: هو إله واحد فيه مناقضة لما قالوا أولا ~~فهذا بيان فساد قول النصارى ثم رد الله عليهم فقال تعالى: وما من إله إلا ~~إله واحد يعني أنه ليس في الوجود إله واحد موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا ~~شريك له ولا والد له ولا ولد له ولا صاحبة له إلا الله تعالى: وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون يعني وإن لم ينته النصارى عن هذه المقالة الخبيثة ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم يعني ليصيبن الذين أقاموا ms1044 على هذا القول الخبيث ~~وهذا الدين الذي ليس بمرضي عذاب وجيع في الآخرة وإنما قال تعالى منهم لعلمه ~~السابق أن من النصارى من سيؤمن ويخلص ويترك هذا القول ويعلم أنه فاسد ثم ~~ندب سائر النصارى إلى التوبة من هذه المقالة الخبيثة فقال تعالى: أفلا ~~يتوبون إلى الله يعني من قولهم بالتثليث ويستغفرونه وهذا استفهام بمعنى ~~الأمر أي: توبوا إلى الله واستغفروه من هذا الذنب العظيم فإنه تعالى يغفر ~~الذنوب والله غفور يعني لمن استغفره وتاب إليه رحيم به وبسائر خلقه. # قوله عز وجل: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل يعني أن ~~المسيح رسول من الله عز وجل ليس بإله كما أن الرسل الذين كانوا من قبله لم ~~يكونوا آلهة وقد أتى عيسى عليه السلام بالمعجزات الدالة على صدقه كما أن ~~الذين من قبله أتوا بالمعجزات الدالة على صدقهم وأمه صديقة يعني أنها كثيرة ~~الصدق وقيل: سميت مريم صديقة، لأنها صدقت بآيات ربها وكتبه. وقوله تعالى: ~~كانا يأكلان الطعام في احتجاج على فساد قول النصارى بإلهية المسيح. يعني: ~~أن المسيح وأمه مريم كانا بشرين يأكلان الطعام ويعيشان به كسائر بني آدم، ~~فكيف يكون إلها من يحتاج إلى الطعام ولا يعيش إلا به؟ وقيل: معناه أنه لو ~~كان إلها كما يزعمون لدفع عن نفسه ألم الجوع وألم العطش ولم يوجد ذلك فكيف ~~يكون إلها وقيل هذا كناية عن الحدث وذلك أن كل من أكل وشرب لا بد له من ~~الغائط والبول ومن كانت هذه صفته فكيف يكون إلها؟ # وبالجملة فإن فساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج إلى إقامة دليل عليه ثم ~~قال تعالى: انظر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي انظر يا محمد كيف نبين ~~لهم الآيات يعني الدالة على بطلان قولهم ثم انظر أنى يؤفكون أي كيف يصرفون ~~عن استماع الحق وقبوله. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 76 الى 79] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم ms1045 (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين ~~كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) # PageV02P066 # قوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: ~~قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا يعني لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب ~~في الأنفس والأموال ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة ~~الأبدان وسعة الأرزاق فإن الضار والنافع هو الله تعالى لا من تعبدون من ~~دونه ومن لم يقدر على النفع والضر لا يكون إلها والله هو السميع العليم ~~يعني أنه تعالى سميع لأقوالكم وكفركم عليم بما في ضمائركم. # قوله عز وجل: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم. الغلو: مجاوزة الحد ~~وذلك أن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط فمجاوزة الحد والتقصير مذمومان في ~~الدين غير الحق يعني: لا تغلوا في دينكم غلوا باطلا غير الحق وذلك أنهم ~~خالفوا الحق في دينهم ثم غلوا في الإصرار عليه وكلا الفريقين من اليهود ~~والنصارى غلوا في عيسى عليه السلام، أما غلو اليهود فالتقصير في حقه حتى ~~نسبوه إلى غير رشدة، وأما غلو النصارى فمجاوزة الحد في حقه حتى جعلوه إلههم ~~وكلا الغلوين مذموم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل الأهواء جمع هوى ~~وهو ما تدعو شهوة النفس إليه، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى الهوى في ~~القرآن إلا وذمه وقال أبو عبيدة: # لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر لأنه لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال ~~فلان يحب الخير ويريده والخطاب في قوله ولا تتبعوا أهواء قوم لليهود ~~والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع ms1046 ~~أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم وهو المراد بقوله أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل فبين الله تعالى أنهم كانوا على ضلاله وأضلوا كثيرا يعني من ~~اتبعهم على ضلالتهم وأهوائهم وضلوا عن سواء السبيل يعني وأخطئوا عن قصد ~~طريق الحق. # قوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود قال أكثر ~~المفسرين: هم أصحاب السبت لما اعتدوا في السبت واصطادوا الحيتان فيه. قال ~~داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم قردة فمسخوا قردة وستأتي قصتهم في ~~سورة الأعراف وعيسى ابن مريم يعني وعلى لسان عيسى ابن مريم وهم كفار أصحاب ~~المائدة لما أكلوا منها وادخروا ولم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام اللهم ~~العنهم واجعلهم خنازير فمسخوا خنازير وستأتي قصتهم. # وقال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بآبائهم ويقولون نحن من أولاد ~~الأنبياء عليهم السلام، فأخبر الله تعالى بأنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء ~~عليهم السلام. وقيل: إن داود وعيسى بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعنا من ~~يكفر به ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يعني ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم ~~ثم فسر الاعتداء والمعصية فقال تعالى: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي ~~لا ينهى بعضهم بعضا عن منكر. وقيل: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ~~ولا عن الإصرار عليه لبئس ما كانوا يفعلون اللام في لبئس لام القسم أي أقسم ~~لبئس ما كانوا يفعلون يعني من ارتكاب المعاصي والعدوان. عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل ~~النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ~~ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن ~~يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال ~~لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما # PageV02P067 # عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ms1047 لبئس ما كانوا يفعلون ~~ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم إلى قوله ~~فاسقون ثم قال «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على ~~يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا» زاد في رواية أو ~~ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم أخرجه أبو داود وأخرجه ~~الترمذي عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما وقعت بنو ~~إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم ~~وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم: ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا ~~فقال «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا» قال الترمذي: هذا ~~الحديث حسن غريب قوله أكيله وشريبه وقعيده هو المؤاكل والمشارب والمقاعد ~~فعيل بمعنى فاعل وقوله: لتأطرنه، الأطر العطف يعني لتعطفنه ولتردنه إلى ~~الحق الذي خالفه والقصر والقهر على الشيء. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 80 الى 82] # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) # قوله عز وجل: ترى كثيرا منهم يعني من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه ~~يتولون الذين كفروا يعني: يوالون المشركين من أهل مكة وذلك حين خرجوا إليهم ~~ليجيشوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن عباس: معناه ترى كثيرا من المنافقين يتولون اليهود لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم يعني بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة أن سخط الله ~~عليهم يعني بما فعلوا من موالاة الكفار وفي العذاب هم خالدون يعني في ~~الآخرة أن سخط الله عليهم يعني بما فعلوا من ms1048 موالاة الكفار وفي العذاب هم ~~خالدون يعني في الآخرة ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي يعني ولو كان هؤلاء ~~الذين يتولون الكفار يؤمنون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه ~~نبي مبعوث إلى كافة الخلق وما أنزل إليه يعني ويؤمنون بالقرآن الذي أنزل ~~إليه من ربه ما اتخذوهم أولياء يعني ولكن أكثرهم خارجون عن طاعة الله وأمره ~~وإنما قال كثيرا لأنه علم أن منهم من سيؤمن مثل عبد الله بن سلام وأصحابه. # قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~اللام في قوله لتجدن لام القسم تقديره والله يا محمد إنك لتجدن أشد الناس ~~عداوة للذين آمنوا بك وصدقوك اليهود والذين أشركوا ووصف الله شدة عداوة ~~اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق وجعلهم قرناء المشركين عبدة الأصنام في ~~العداوة للمؤمنين وذلك حسدا منهم للمؤمنين ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا ~~الذين قالوا إنا نصارى ووصف لين عريكة النصارى وسهولة قبولهم الحق. قال ~~بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في ~~الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال بأنواع المكر والكيد والحيل، ~~ومذهب النصارى خلاف اليهود، فإن الإيذاء في مذهبهم حرام، فحصل الفرق بين ~~اليهود والنصارى. وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب ~~الرياسة ومن كان كذلك كان شديد العداوة لغيره. # وأما النصارى، فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذتها وترك طلب الرياسة ~~ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحدا ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب ~~الحق لهذا قال تعالى: ذلك بأن منهم يعني من النصارى # PageV02P068 # قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ولم يرد به كل النصارى فإن معظم ~~النصارى في عداوة المسلمين كاليهود بل الآية نزلت فيمن آمن من النصارى مثل ~~النجاشي وأصحابه. والقس والقسيس: اسم رئيس النصارى والجمع قسيسون. وقال ~~قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم. وهذا مما وقع الوفاق بين اللغتين ~~يعني العربية والرومية. وأما الرهبان، فهو جمع راهب. وقيل: الرهبان واحد ~~وجمعه رهابين وهم سكان الصوامع. ms1049 # فإن قلت: كيف مدحهم الله بذلك مع قوله ورهبانية ابتدعوها قلت: إنما مدحهم ~~الله في مقابلة ذم اليهود ووصفهم بشدة العداوة للمؤمنين ولا يلزم من هذا ~~القدر أن يكون مدحا على الإطلاق. وقيل: إنما مدح من آمن منهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فوصفهم بالتمسك بدين عيسى إلى أن بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه فإن قلت: # كفر النصارى أشد وأغلظ من كفر اليهود وأقبح فإن النصارى ينازعون في ~~الإلهيات فيدعون أن لله ولدا واليهود ينازعون في النبوات فيقرون ببعض ~~النبيين وينكرون بعضهم والأول أقبح فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ قلت: # إنما هو مدح في مقابلة ذم وليس بمدح على الإطلاق وقد تقدم الفرق بين شدة ~~عداوة اليهود ولين النصارى فلذلك ذم اليهود ومدح النصارى الذين آمنوا منهم. ~~واختلف العلماء في من نزلت هذه الآية فقيل نزلت في النجاشي ملك الحبشة ~~واسمه أصحمة وأصحابه الذين أسلموا معه. # (ذكر قصة الهجرة الأولى وسبب نزول هذه) قال ابن عباس وغيره من المفسرين ~~في قوله ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى: # إن قريشا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من آمن ~~منهم فأذوهم وعذبوهم فافتتن من افتتن منهم وعصم الله من شاء منهم ومنع الله ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما نزل بأصحابه ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين ولم يؤمر ~~بعد بالجهاد، أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إن بها ملكا صالحا ~~لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا فخرج ~~إليها أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا وهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهل بن عمرو، ومصعب بن ~~عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة ms1050 بنت أمية، وعثمان بن مظعون ~~وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء، ~~فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة وذلك في رجب في ~~السنة الخامسة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى. ثم ~~خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون فكان جميع من هاجر إلى أرض ~~الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما علمت ~~قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم ~~إليهم، فدخل إليه عمرو وقال له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول ~~قريش وأحلامها وزعم أنه نبي وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك ~~قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم وأن قومهم يسألونك أن تردهم إليهم. ~~فقال: حتى نسألهم فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن ~~أولياء الله. فقال: # ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من ~~المشركين: أيها الملك ألا ترى أنا قد صدقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي ~~تحيا بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا له: إنا ~~حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم ~~في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله ~~وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول. ~~قال: فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: والله ما زال صاحبكم على ما قال ~~عيسى قدر هذا العود. # فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. فقال: هل تعرفون شيئا مما أنزل على ~~صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: # اقرءوا، فقرأ جعفر سورة مريم وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى فعرفوا ~~ما قرأ فانحدرت دموعهم مما # PageV02P069 # عرفوا من الحق فأنزل الله فيهم ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون إلى آخر الآيتين فقال النجاشي لجعفر وأصحابه اذهبوا فأنتم سيوم ~~بأرضي يعني أنكم آمنون فرجع عمرو وأصحابه خائبين وأقام المسلمون ms1051 عند ~~النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه وذلك في سنة ست من الهجرة وكتب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قد هاجرت مع زوجها ومات عنها فأرسل النجاشي ~~جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد خطبها فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحا كانت لها وأذنت لخالد بن سعيد في ~~نكاحها فأنكحا رسول الله صلى الله عليه وسلم على صداق مبلغه أربعمائة دينار ~~وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي فأرسل إليها بجميع ~~الصداق على يد جاريته أبرهة فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينار ~~فلم تأخذها. وقالت: # إن الملك أمرني أن لا أخذ منك شيئا. وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه ~~وقد صدقت بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني ~~السلام. قالت: نعم. فقالت قد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من ~~دهن وعود وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عندها فلا ينكره. قالت أم ~~حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر خيبر فخرج ~~من خرج إليه ممن قدم من الحبشة وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكان يسألني عن النجاشي وقرأت عليه السلام من أبرهة جارية الملك ~~فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها السلام وأنزل الله عز وجل: عسى ~~الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة يعني أبا سفيان وذلك بتزوج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ولما بلغ أبا سفيان أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة قال ذلك الفحل لا يجدع أنفه. وبعث ~~النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه أزهى في ~~ستين رجلا من أصحابه ms1052 وكتب إليه يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله صادقا ~~مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرا وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت ~~إليك ابني أزهى وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله. ~~فركبوا في سفينة قي أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ووافى جعفر ~~وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخير ووافى مع جعفر سبعون رجلا ~~عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة وثمانية من الشام فقرأ ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يس إلى آخرها فبكى القوم حين سمعوا ~~القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام ~~فأنزل الله هذه الآية فيهم وهي قول: ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا ~~من أصحاب الصوامع. # وقيل: نزلت في ثمانين رجلا أربعين من نصارى نجران من بني الحرث بن كعب ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية روميين من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت ~~في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق بما جاء به عيسى عليه السلام ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به وصدقوه فأثنى الله عليهم بقوله: ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون يعني لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق. # PageV02P070 ### || [سورة المائدة (5): الآيات 83 الى 87] # وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما ~~جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) فأثابهم الله ~~بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) # قوله عز وجل: ms1053 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول يعني: وإذا سمعوا القرآن ~~الذي أنزل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى يخرج منه ما فيه. وصفهم الله تعالى بسيل ~~الدمع عند البكاء ورقة القلب عن سماع القرآن. قال ابن عباس: يريد النجاشي ~~وأصحابه لما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم. قال: فما زالوا يبكون ~~حتى فرغ جعفر من القراءة مما عرفوا من الحق يعني الذي نزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهو الحق يقولون يعني القسيسين والرهبان الذين سمعوا القرآن ~~من جعفر عند النجاشي ربنا آمنا يعني بالقرآن وشهدنا أنه حق وصدق فاكتبنا مع ~~الشاهدين يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق وما لنا ~~لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق قال ابن عباس: لما رجع الوفد من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لامهم قومهم على ترك دينهم. وقيل: إن اليهود ~~عيروهم وقالوا تركتم دينكم فأجابوا بهذا الجواب. ومعنى الآية: # ومالنا لا نؤمن بوحدانية الله وما جاءنا من الحق من عنده على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونطمع يعني: ونرجو بذلك الإيمان أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصالحين يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: فأثابهم ~~الله بما قالوا يعني بالتوحيد الذي قالوه وإنما علق الثواب وهو قوله تعالى: ~~جنات تجري من تحتها الأنهار # بمجرد القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو ~~المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب، لأن القول إذا ~~اقترن بالمعرفة، فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب. وقال ابن عباس: ~~بما قالوا يريد سألوا يعني قولهم فاكتبنا مع الشاهدين خالدين فيها يعني في ~~الجنات وذلك جزاء المحسنين يعني المؤمنين الموحدين المخلصين في إيمانهم ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا لما ذكر الله عز وجل الوعد لمؤمني أهل الكتاب ~~وما أعدلهم من الجنات ذكر الوعيد لمن أقام منهم على كفره وتكذيبه وأطلق ms1054 ~~القول بذلك ليكون هذا الوعيد لهم ولمن جرى مجراهم في الكفر والتكذيب فقال ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم قوله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال علماء التفسير: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرق الناس وبكوا، فاجتمع ~~عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم: أبو بكر، وعلي بن أبي ~~طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى ~~أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، وتشاوروا ~~واتفقوا على أنهم يترهبون ويلبسون المسوح ويجبون مذاكيرهم ويصومون الدهر ~~ويقومون الليل ولا ينامون على الفرش ولا يأكلون اللحم والودك ولا يقربون ~~النساء ولا الطيب ويسيحون في الأرض. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته: أحق ما بلغني عن زوجك ~~وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب وكرهت أن تبدي سر زوجها، فقالت: يا رسول الله إن ~~كان قد أخبرك عثمان فقد صدق. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء ~~عثمان أخبرته بذلك فأتى هو وأصحابه العشرة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على ~~كذا وكذا فقالوا بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني لم أؤمر بذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم ~~وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ثم جمع ~~الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب وشهوات ~~الدنيا فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك ~~اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، ~~اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة ms1055 وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الديار والصوامع فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم يعني الطيبات اللذيذات التي تشتهيها الأنفس وتميل إليها القلوب من ~~المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة فأعلم الله عز وجل بهذه الآية أن شريعة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم غير ما عزموا عليه من ترك الطيبات وأنه لا ينبغي ~~أن تجتنب # PageV02P071 # الطيبات المباحات ومعنى: لا تحرموا، لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، ~~فإن من اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر. أما ترك لذات الدنيا وشهواتها ~~والانقطاع إلى الله والتفرغ لعبادته من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق ~~الغير ففضيلة لا مانع منها بل مأمور بها. # وقوله تعالى: ولا تعتدوا يعني: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام. وقيل: ~~معناه ولا تجبوا أنفسكم فسمى جب المذاكير اعتداء وقيل معناه ولا تعتدوا ~~بالإسراف في الطيبات إن الله لا يحب المعتدين يعني المجاوزين الحلال إلى ~~الحرام. ### || [سورة المائدة (5): آية 88] # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) # وقوله تعالى: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا يعني: وكلوا أيها المؤمنون ~~من رزق الله الذي رزقكم وأحله لكم من المطاعم والمشارب. قال عبد الله بن ~~المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجامد ~~كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. وعن ابن عباس: أن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم ~~انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله: # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن غريب وله عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ~~والعسل. وله عن أبي هريرة قال: أتي رسول ms1056 الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع ~~إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها قالت عائشة: ما كان الذراع أحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا وكان يعجل إليه ~~الذراع لأنه أعجلها نضجا أخرجه الترمذي. # وقوله تعالى: واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون هذا تأكيد للوصية بما أمر ~~الله تعالى به وزاد التأكيد بقوله الذي أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب ~~التقوى في الانتهاء إلى أمر الله به وعما نهى عنه. وفي الآية دليل على أن ~~الله عز وجل قد تكفل برزق كل أحد من عباده فإنه تعالى لو لم يتكفل بذلك لما ~~قال وكلوا مما رزقكم الله وإذا تكفل برزق العبد وجب أن لا يبالغ في الطلب ~~والحرص على الدنيا وأن يعول على ما وعده الله وتكفل به فإنه تعالى أكرم من ~~أن يخلف الوعد. ### || [سورة المائدة (5): آية 89] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال ابن عباس: «لما نزلت ~~يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم- قالوا يا رسول الله ~~كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا قد حلفوا على ما اتفقوا عليه ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم» وقد تقدم ~~تفسير اللغو في الأيمان في سورة البقرة وقوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان يعني ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم وقصدتم به اليمين ومنه قول ~~الفرزدق: # ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم # وفي الآية حذف تقديره ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذفه لأنه معلوم ~~عند السامعين فكفارته يعني فكفارة إيمانكم التي عقدتموها إذا حنثتم إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ms1057 أهليكم يعني من # PageV02P072 # أقصد ذلك لأن من الناس من يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر عليهم فأمر ~~الله بالعدل في أداء الكفارة. # وقيل: أراد بالأوسط في القيمة فلا يكون غالبا من أعلى الموجود ولا خسيس ~~الثمن من أردأ الموجود بل الوسط في القيمة وقيل أراد بالأوسط الأفضل قال ~~ابن عباس: كل شيء في كتاب الله أوسط فهو أفضل فعلى هذا يكون المعنى من خير ~~ما تطعمون أهليكم وأفضله أو كسوتهم هو معطوف على محل أوسط أي كما تطعمون ~~المساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم فكذلك فاكسوهم من أوسط الكسوة أو تحرير ~~رقبة يعني عتق رقبة والمراد جملة الشخص. # ((فصل في حكم الآية وفيه مسائل)) المسألة الأولى: في بيان الكفارة وهي ~~أربعة أنواع: # النوع الأول: من الكفارة الإطعام فيجب إطعام عشرة مساكين واختلفوا في قدر ~~ما يطعم لكل مسكين فذهب قوم إلى أنه يطعم لكل مسكين مد من الطعام بمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلث بالبغدادي من غالب قوت البلد وكذلك سائر ~~الكفارات وهذا قول ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب ~~والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وعطاء والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي ~~ويروى عن عمر وعلي وعائشة أنه يطعم لكل مسكين مدان من بر وهو نصف صاع وبه ~~قال أهل العراق. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع وإن أطعم من ~~غيرها فصاع وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال أحمد بن ~~حنبل: # يطعم لكل مسكين مد من البر أو نصف صاع من غيرها مثل التمر والشعير: ومن ~~شرط الإطعام تمليك الطعام للمساكين فلو عشاهم وغداهم لم يجزه وقال أبو ~~حنيفة: يجزيه ذلك ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارة كالدراهم والدنانير. ~~وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك ولا إخراج الدقيق والخبز في الكفارة بل يجب إخراج ~~الحب، وجوزه أبو حنيفة ولا يجوز صرف الكل إلى مسكين واحد في عشرة أيام. # النوع الثاني: من الكفارات الكسوة واختلف العلماء ms1058 في قدرها فذهب قوم إلى ~~أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو ~~قميص أو عمامة أو سراويل أو كساء ونحو ذلك وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وعطاء وطاوس وإليه ذهب الشافعي. وقال مالك: يجب أن يكسو كل مسكين ما تجوز ~~به الصلاة فيكسو الرجل ثوبا والمرأة ثوبين درعا وخمارا. وقال أحمد: للرجال ~~ثوبا وللمرأة ثوبين درعا وخمارا وهو أدنى ما يجزى في الصلاة وقال ابن عمر: ~~يجب قميص وإزار ورداء. وقال أبو موسى الأشعري: يجب ثوبان وهو قول سعيد بن ~~المسيب وابن سيرين وقال إبراهيم النخعي: يجب ثوب جامع كالملحفة. # النوع الثالث: من الكفارات العتق فيجب إعتاق رقبة مؤمنة وكذلك يجب في ~~جميع الكفارات وأجاز أبو حنيفة والثوري إعتاق الرقبة الكافرة في جميع ~~الكفارات إلا كفارة القتل فإن الله قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل ~~ومذهب الشافعي أن المطلق يحمل على المقيد ولا يجوز إعتاق المرتد في ~~الكفارات بالإجماع ويشترط أن تكون الرقبة سليمة الرق حتى لو أعتق في ~~الكفارة مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي ~~يعتق عليه فكل هؤلاء لا يجزى في إعتاق الكفارة وجوز أصحاب الرأي عتق ~~المكاتب في الكفارة إذا لم يؤد من نجوم الكتابة شيئا وجوزوا عتق القريب في ~~الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل فلا يجزى مقطوع ~~اليد أو الرجل ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق ويجوز عتق الأعور ~~والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب كلها لا تضر بالعمل وعند أبي ~~حنيفة كل عيب يفوت جنسا من المنفعة يمنع الجواز فيجوز عتق مقطوع إحدى ~~اليدين ولا يجوز عتق مقطوع الأذنين في الكفارة. # النوع الرابع: من الكفارات الصوم وهو قوله تعالى: فمن لم يجد يعني ~~الكفارة فصيام ثلاثة أيام # PageV02P073 # يعني فإذا عجز من لزمته كفارة اليمين عن الإطعام أو الكسوة أو العتق وجب ~~عليه صيام ثلاثة أيام وهو قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام، ms1059 يعني فعليه صيام ~~ثلاثة أيام. قال الشافعي: إذا كان عنده قوته أو قوته عياله يومه وليلته ~~وفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام وإن لم يكن عنده هذا ~~القدر جاز له الصيام. وقال أبو حنيفة: يجوز له الصيام إذا لم يكن عنده من ~~المال ما تجب فيه الزكاة فجعل من لا زكاة عليه عادما. وقال الحسن: إذا لم ~~يجد درهمين صام. وقال سعيد بن جبير: ثلاثة دراهم. واختلفوا في وجوب التتابع ~~في الصيام عن كفارة اليمين على قولين: أحدهما: أنه يجب التتابع فيه قياسا ~~على كفارة الظهار والقتل وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وعطاء وقتادة وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي والقول الثاني: لا يجب التتابع في ~~كفارة اليمين فإن شاء تابع وإن شاء فرق والتتابع أفضل وبه قال الحسن ومالك ~~وهذا القول الثاني للشافعي. # المسألة الثانية: كلمة أو للتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق فإن شاء ~~أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق فبأيها أخذ المكفر فقد أصاب وخرج عن العهدة. # المسألة الثالثة: لا يجوز صرف شيء من الكفارات إلا إلى مسلم حر محتاج فلو ~~صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجزيه. وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة ~~واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. # المسألة الرابعة: اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث فذهب قوم إلى جوازه ~~لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على ~~يمينه فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» أخرجه الترمذي ~~(ق) عن عبد الرحمن بن سمرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عبد ~~الرحمن لا تسأل الأمارة فإنها إن أتتك عن مسألة وكلت إليها وإن أتتك من غير ~~مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو ~~خير وكفر عن يمينك» وهذا قول عمر وابن عباس وعائشة وعامة الفقهاء وبه قال ~~الحسن وابن سيرين وإليه ذهب ms1060 مالك والأوزاعي والشافعي. إلا أن الشافعي قال: ~~إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني إنما يجوز الطعام أو الكسوة أو ~~العتق. وقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث وقوله ذلك إشارة ~~إلى ما تقدم ذكره من الإطعام أو الكسوة أو العتق أو الصوم عند العجز كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم يعني: وحنثتم، لأن الكفارة لا تجب بمجرد اليمين إنما تجب ~~بالحنث بعد اليمين وفيه إشارة إلى تقديم الكفارة على اليمين لا يجوز، بل ~~بعد اليمين وقبل الحنث كما تقدم واحفظوا أيمانكم يعني قللوا أيمانكم ففيه ~~النهي عن كثرة الحلف ومنه قول الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه وصفه بأنه لا يحلف وقيل في معنى الآية: واحفظوا ~~أيمانكم عن الحنث إذا حلفتم لئلا تحتاجوا إلى التكفير وهذا إذا لم يحلف على ~~ترك مندوب أو فعل مكروه فإن حلف على ذلك فالأفضل، بل الأولى أن يحنث نفسه ~~ويكفر لما روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خير منها إلا كفرت عن ~~يميني وأتيت الذي هو خير» أخرجاه في الصحيحين قوله تعالى: كذلك يبين الله ~~لكم آياته يعني كما بين لكم كفارة أيمانكم إذا حنثتم كذلك يبين لكم جميع ما ~~تحتاجون إليه في أمر دينكم لعلكم تشكرون يعني نعمه التي أنعم بها عليكم أن ~~بين لكم آياته ومعالم شريعته. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 90 الى 91] # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون (91) # PageV02P074 # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس لما أنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم وقوله: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا وكانت الخمر والميسر مما ~~يستطاب عندهم بين الله ms1061 تعالى في هذه الآية أن الخمر والميسر غير داخلين في ~~جملة الطيبات المحللات، بل هما من جملة المحرمات والخمر كل ما خامر العقل ~~وغطاه والميسر القمار وقد تقدم تفسيرهما في سورة البقرة والأنصاب هي ~~الحجارة التي كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها والأزلام هي القداح ~~التي كانوا يستقسمون بها وتقدم تفسير ذلك. والرجس في اللغة الشيء الخبيث ~~المستقذر من عمل الشيطان يعني من تزيينه وإغوائه ودعائه إياكم إليها وليس ~~المراد أنها من عمل يديه فاجتنبوه يعني كونوا جانبا منه والضمير في قوله ~~فاجتنبوه عائد إلى الرجس لأنه اسم جامع للكل كأنه قال إن هذه الأربعة ~~الأشياء كلها رجس فاجتنبوه لعلكم تفلحون يعني لكم لكي تدركوا الفلاح إذا ~~اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ~~فروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر والميسر ~~بيانا شافيا فنزلت الآية في سورة البقرة: يسئلونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر ~~والميسر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في سورة النساء: يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا ~~في الخمر والميسر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر إلى قوله فهل ~~أنتم منتهون فدعي عمر فقرئت عليه فقال انتهينا انتهينا أخرجه الترمذي من ~~طريقين. وقال رواية أبي ميسرة هذه أصح وأخرجه أبو داود والنسائي. وروى مصعب ~~بن سعيد عن أبيه قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا وذلك قبل أن ~~تحرم زاد حتى انتشينا فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن أفضل منكم ~~فقال سعد بن أبي وقاص: المهاجرون خير منكم فأخذ رجل من الأنصار لحى جمل ~~فضرب به أنف سعد ففزره فأتى سعد رسول الله صلى الله عليه ms1062 وسلم فأخبره فنزلت ~~هذه الآية: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى قوله فهل أنتم منتهون وقال ~~ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا حتى ثملوا ~~وعبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول فعل بي ~~هذا فلان أخي وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فأنزل الله تعالى تحريم ~~الخمر في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى قوله فهل ~~أنتم منتهون وأما تفسير الآية فقوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر يعني إنما يزين لكم الشيطان شرب الخمر ~~والقمار بالقداح وهو الميسر ويحسن ذلك لكم إرادة أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء بسبب شرب الخمر لأنها تزيل عقل شاربها فيتكلم بالفحش وربما أفضى ~~ذلك إلى المقاتلة وذلك سبب إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيها. # وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله ~~فيقمر فيقعد حزينا سليبا ينظر إلى ماله في يد غيره فيورثه ذلك العداوة ~~والبغضاء فنهى الله عن ذلك وتقدم ما فيه والله أعلم بما يصلح خلقه فظهر ~~بذلك أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس ~~وهذا فيما يتعلق بأمر الدنيا وفيهما مفاسد تتعلق بأمر الدين وهي قوله ~~تعالى: ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر الله وعن ~~فعل الصلاة وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكر الله وعن الصلاة. # فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم ~~أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟ # PageV02P075 # قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب بالقمار وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى ~~الخمر والميسر لتأكيد تحريم الخمر والميسر فلما كان المقصود من الآية النهي ~~عن شرب الخمر والميسر لا جرم أفردهما بالذكر في آخر الآية والله أعلم. # قوله تعالى: فهل أنتم منتهون لفظة استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا وهذا ms1063 ~~من أبلغ ما ينهى به لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطب كأنه ~~قيل قد تدلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم منتهون مع ~~هذه الأمور أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تنزجروا؟ وفي هذه ~~الآية دليل على تحريم شرب الخمر لأن الله تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة ~~الأصنام وعدد أنواع الفساد الحاصلة بهما ووعد بالفلاح عند اجتنابهما وقال ~~فهل أنتم منتهون ومعناه الأمر وقد صح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» أخرجاه في الصحيحين وزاد الترمذي وأبو ~~داود: ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام. الفرق بالتحريك إناء يسع ستة ~~عشر رطلا، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من شرب الخمر ~~لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم يقبل الله ~~له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لن يقبل الله له صلاة ~~أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له ~~أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه الله من نهر الخبال» قالوا يا ~~أبا عبد الرحمن وما نهر الخبال؟ قال: صديد أهل النار أخرجه الترمذي. وقال: ~~حديث حسن وأخرجه النسائي وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن ~~الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه» أخرجه أبو داود. ### || [سورة المائدة (5): الآيات 92 الى 94] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ~~والله يحب المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم (94) # قوله عز وجل: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ms1064 يعني، فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه واحذروا أي واحذروا مخالفة الله ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما أمركم به ونهاكم عنه فإن توليتم يعني فإن أعرضتم عما أمركم به ونهاكم ~~عنه فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين وهذا وعيد وتهديد لمن أعرض عن ~~أمر الله ونهيه كأنه قال فاعلموا أنكم بسبب توليكم وإعراضكم قد استحققتم ~~العذاب والسخط. # قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية ~~عن البراء بن عازب قال: # مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل ~~تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: # كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال: فنزلت: ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية أخرجه الترمذي. وقال حديث: حسن ~~صحيح. عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون ~~الخمر لما نزل تحريم الخمر فنزلت: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا الآية أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ومعنى الآية ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا أي لا حرج ولا إثم عليهم فيما ~~شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم قال ابن ~~قتيبة يقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما قال الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # PageV02P076 # النقاخ الماء والبرد النوم إذا ما اتقوا يعني إذا ما اتقوا الشرك وقيل ~~اتقوا ما حرم الله عليهم وآمنوا يعني بالله ورسوله وعملوا الصالحات أي ~~وازدادوا من عمل الصالحات ثم اتقوا وآمنوا يعني اتقوا الخمر والميسر بعد ~~التحريم فعلى هذا تكون الأولى إخبارا عن حال من مات وهو يشربها قبل التحريم ~~أنه لا جناح عليه. # والثانية: خطاب لمن بقي بعد التحريم أمروا باتقائها والإيمان بتحريمها ثم ~~اتقوا يعني ما حرم عليهم في المستقبل وأحسنوا يعني العمل. وقيل: المراد ~~بالاتقاء الأول فعل التقوى وبالثاني المداومة عليها وبالثالث ms1065 اتقاء الظلم ~~مع ضم الإحسان إليه. وقيل: إن المقصود من التكرير التأكيد والمبالغة في ~~الحث على الإيمان والتقوى وضم الإحسان إليهما ثم قال تعالى: والله يحب ~~المحسنين يعني أنه تعالى يحب المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة ~~والتقوى والإحسان وهذا ثناء ومدح لهم على الإيمان والتقوى والإحسان لأن هذه ~~المقامات من أشرف الدرجات وأعلاها (م) عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت ~~هذه الآية ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إلى آخر ~~الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم ومعناه، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن مسعود منهم يعني من الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات والتقوى والإحسان. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد نزلت هذه ~~الآية عام الحديبية وكانوا محرمين، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت الوحوش ~~تغشى رحالهم من كثرتها فهموا بأخذها وصيدها فأنزل الله هذه الآية: يا أيها ~~الذين آمنوا ليبلونكم الله الآية اللام في ليبلونكم لام القسم أي ليخبرن ~~طاعتكم من معصيتكم والمعنى يعاملكم معاملة المختبر بشيء من الصيد يعني بصيد ~~البر دون البحر. وقيل: أراد الصيد في حالة الإحرام دون الإحلال وإنما قال ~~بشيء من الصيد ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي نزل عندها أقدام ~~الثابتين ويكون التكليف فيها صعبا شاقا كالابتلاء ببذل الأموال والأرواح ~~وإنما هو ابتلاء سهل كما ابتلي أصحاب السبت بصيد السمك فيه لكن الله عز وجل ~~بفضله وكرمه عصم أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يصطادوا شيئا في حالة ~~الابتلاء ولم يعصم أصحاب السبت فمسخوا قردة وخنازير. # وقوله تعالى: تناله أيديكم يعني الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار ~~الصيد ورماحكم يعني كبار الصيد مثل حمر الوحش ونحوها. وقال ابن عباس: في ~~قوله تناله أيديكم ورماحكم هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به عباده ~~في إحرامهم حتى لو شاؤوا نالوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه ليعلم الله ~~أي: ليرى الله فإنه ms1066 قد علمه فهو مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل والمعنى ~~يعاملكم معاملة المختبر. وقيل: معناه ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هو ~~من باب حذف المضاف والتقدير ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب يعني: من ~~يخاف الله ولم يره فلا يصطاد في حالة الإحرام شيئا بعد النهي فمن اعتدى بعد ~~ذلك يعني فصاد في حالة الإحرام بعد النهي فله عذاب أليم يعني في الدنيا. ~~قال ابن عباس: هو أن يوجع ظهره وبطنه جلدا وتسلب ثيابه وهذا قول أكثر ~~المفسرين في معنى هذه الآية لأنه قد سمى الجلد عذابا وهو قوله وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين. # ### || [سورة المائدة (5): آية 95] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) # وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم جمع حرام. ~~أي: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بالحج والعمرة وقيل المراد منه دخول ~~الحرم. يقال: أحرم إذا عقد الإحرام، وأحرم: إذا دخل الحرم. # PageV02P077 # وقيل: هما مرادان بالآية فلا يجوز قتل الصيد للمحرم ولا في الحرم نزلت ~~هذه الآية في أبي اليسر شد على حمار وحش فقتله وهو محرم ثم صار هذا الحكم ~~عاما فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له ما دام محرما ولا في الحرم. والمراد ~~بالصيد، كل حيوان متوحش مأكول اللحم وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: هو ~~كل حيوان متوحش سواء كان مأكولا أو لم يكن فيجب عنده الضمان على من قتل ~~سبعا أو نمرا أو نحو ذلك واستثنى الشارع خمس فواسق فأجاز قتلهن (ق). # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الدواب ليس على ~~المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» ~~وفي رواية: «خمس ms1067 لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام» (ق). عن عائشة ~~رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الدواب كلهن ~~فواسق يقتلن في الحرم: # الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» ولمسلم «خمس فواسق ~~يقتلن في الحل والحرم» وذكر نحوه. وفي رواية النسائي قال: «خمس يقتلن ~~المحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والغراب الأبقع، والكلب العقور». قال ابن ~~عيينة: الكلب العقور كل سبع ضار يعقر. وقاس الشافعي عليها جميع ما لا يؤكل ~~لحمه، قال: # لأن الحديث يشتمل على أشياء بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها ~~طير لا يدخل في معنى السباع ولا في معنى الهوام وإنما هو حيوان مستخبث ~~اللحم. وتحريم الأكل، يجمع الكل فاعتبره ورتب عليه الحكم. # وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في كل ما لا يؤكل لحمه إلا الأعيان ~~المذكورة في الحديث وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه كفارة. # قوله تعالى: ومن قتله منكم متعمدا قال مجاهد والحسن وابن زيد: هو الذي ~~يتعمد قتل الصيد مع نسيان الإحرام فعليه الجزاء. # أما إذا تعمد قتل الصيد ذكرا لإحرامه، فلا جزاء عليه لأنه أعظم من أن ~~يكون له كفارة. وقال ابن عباس والجمهور: يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل ~~مع ذكر الإحرام وهذا مذهب عامة الفقهاء، أما إذا قتل الصيد خطأ بأن قصد ~~غيره بالرمي فأصابه، فهو كالعمد في وجوب الجزاء وهذا مذهب جمهور المفسرين ~~والفقهاء قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ يعني ألحقت ~~المخطئ بالمتعمد في وجوب الجزاء وقال سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئا ~~وهذا قول شاذ لا يؤخذ به فجزاء مثل ما قتل من النعم يعني فعليه جزاء من ~~النعم مثل ما قتل والمثل والشبه واحد واختلفوا في هذه المماثلة أهي بالخلقة ~~أم بالقيمة والذي عليه جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أن المماثلة في ~~الخلقة معتبرة لأن ظاهر الآية يدل على ذلك وما لا مثل له فالقيمة، وقال أبو ~~حنيفة: المثل الواجب في قتل الصيد هو ms1068 القيمة لأن الصيد المقتول إذا لم يكن ~~له مثل فإنه يضمن بالقيمة وهذا لا نزاع فيه فكان المراد بالمثل هو القيمة ~~في هذه الصورة فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز ~~حمله إلا على معنى واحد وأجيب عنه بأن حقيقة المماثلة أمر معلوم فيجب ~~رعايتها بأقصى الإمكان وإن لم تكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها ~~للضرورة وحجة الشافعي ومن وافقه في اعتبار المماثلة بالخلقة أن الصحابة ~~حكموا في بلدان شتى وأزمان مختلفة بالمثل من النعم فحكموا في النعامة ببدنة ~~وهي لا تساوي بدنة وحكموا في حمار الوحش ببقرة وهو لا يساوي بقرة وكذا في ~~الضبع بكبش فدل ذلك على أنهم إنما نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث ~~الخلقة فحكموا به ولم يعتبروا القيمة فيجب في الظبي شاة وفي الأرنب سخل وفي ~~الضب سخلة وفي اليربوع جفرة ويجب في الحمامة وكل ما عب وهدر كالفواخت ~~والقمري وذوات الأطواق شاة وما سواه من الطير ففيه القيمة في المكان الذي ~~أصيب فيه. وروي عن عثمان وابن عباس أنهما حكما في حمام الحرم. وروي عن عمر ~~أنه قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع ~~بجفرة. # PageV02P078 # وقوله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم يعني يحكم بالجزاء في قتل الصيد رجلان ~~صالحان عدلان من أهل ملتكم ودينكم وينبغي أن يكونا فقيهين فينظران إلى أشبه ~~الأشياء به من النعم فيحكمان به. # قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق، فقال: إني أصبت من ~~الصيد كذا وكذا فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: إني أتيتك أسألك ~~وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: يحكم به ~~ذوا عدل منكم فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به وقوله تعالى: ~~هديا بالغ الكعبة يعني أن الكفارة هدي يساق إلى الكعبة وسميت الكعبة كعبة ~~لارتفاعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة. وإنما أريد الكعبة، كل الحرم لأن ms1069 ~~الذبح لا يقع في الكعبة وعندها ملاقيا لها إنما يقع في الحرم وهو المراد ~~بالبلوغ فيذبح الهدي بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم هذا مذهب الشافعي ~~وقال أبو حنيفة له أن يتصدق به حيث شاء إذا وصل الهدي إلى الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن كلمة- ~~أو- في هذه الآية للتخيير وقال أحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة إنها للترتيب ~~وهما روايتان. عن ابن عباس قال الشافعي إذا قتل صيدا له مثل فهو مخير بين ~~ثلاثة أشياء: إن شاء ذبح المثل من النعم وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء ~~قوم المثل دراهم والدراهم طعاما ثم يتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام ~~عن كل مد من الطعام يوما. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوما. وعن ~~أحمد روايتان كالقولين وأصل هذه المسألة أن الصوم مقدر بطعام اليوم فعند ~~الشافعي مقدر بالمد وعند أبي حنيفة مقدر بنصف صاع وله أن يصوم حيث شاء لأنه ~~لا نفع فيه للمساكين وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيار في تعيين أحد هذه ~~الثلاثة الأشياء إلى قاتل الصيد الذي وجب عليه الكفارة لأن الله أوجب عليه ~~أحد هذه الثلاثة على التخيير فوجب أن يكون هو المخير بين أيها شاء وقال ~~محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة التخيير إلى الحكمين لأن الله تعالى قال: ~~يحكم به ذوا عدل منكم ومن قال: إن كلمة أو للترتيب، قال: إن لم يجد الهدي ~~اشترى طعاما وتصدق به فإن كان معسرا صام وقال مالك: إن لم يخرج المثل من ~~النعم يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به أو يصوم. وقال أبو حنيفة: ~~لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من ~~النعم وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو ~~صاع من غيره يوما واختلفوا في موضع التقويم فقال جمهور الفقهاء يقوم ms1070 في ~~المكان الذي قتل فيه الصيد. وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يصرف ~~بها. # وقوله تعالى: ليذوق وبال أمره يعني جزاء ذنبه. والوبال في اللغة، الشيء ~~الثقيل الذي يخاف ضرره. # يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة وإنما سمى ذلك الله وبالا لأن إخراج ~~الجزاء ثقيل على النفس لأن فيه تنقيصا للمال وهو ثقيل على النفس وكذا الصوم ~~أيضا ثقيل على النفس لأن فيه إنهاك البدن عفا الله عما سلف يعني قبل ~~التحريم ومن عاد يعني إلى قتل الصيد مرة ثانية فينتقم الله منه يعني في ~~الآخرة والانتقام المبالغة في العقوبة وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في ~~المرة الثانية والثالثة فإذا تكرر من المحرم قتل الصيد تكرر عليه الجزاء ~~وهذا قول جمهور العلماء وقد روي عن ابن عباس والنخعي وداود الظاهري أنه إذا ~~قتل الصيد مرة ثانية فلا جزاء عليه لأنه وعد بالانتقام منه. # قال ابن عباس: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا سئل هل قتل شيئا من الصيد، فإن ~~قال نعم، لم يحكم عليه. # ويقال له: اذهب فينتقم الله منك وإن قال لم أقتل قبله شيئا، حكم عليه، ~~فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وكذلك حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في صيدوج وهو واد بالطائف: والله عزيز ذو انتقام ~~يعني ممن عصاه. وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد الذي لا مثل له من النعم ~~مثل البيض وطائر صغير دون الحمام # PageV02P079 # ففيه القيمة فيقوم ثم يشتري بقيمته طعاما ويتصدق به على محاويج الحرم أو ~~يصوم عن كل مد يوما. ### || [سورة المائدة (5): آية 96] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) # قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه المراد بالصيد ما صيد من البحر ~~والمراد جميع المياه العذبة والمالحة. # فأما طعامه، فاختلفوا فيه فقيل: هو ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل ~~يروى ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عمرو ms1071 أبي أيوب وقتادة وقيل: صيد البحر طريه ~~وطعامه مالحه. يروى ذلك عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي. # ويروى عن ابن عباس ومجاهد كالقولين وجملة حيوان الماء على قسمين: سمك ~~وغير سمك فأما السمك فجميعه حلال على اختلاف أجناسه وأنواعه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أخرجه أبو داود ~~والترمذي والنسائي ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب فيحل أكله وقال ~~أبو حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب وما عدا السمك فقسمان: قسم يعيش في البر ~~والبحر كالضفدع والسرطان فلا يحل أكلهما وقال سفيان أرجو أن لا يكون ~~بالسرطان بأس واختلفوا في الجراد فقيل هو من صيد البحر فيحل أكله للمحرم ~~وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال ~~الإحرام فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. # قال عمر: في الجرادة تمرة. وعنه وعن ابن عباس قبضة من طعام وكذلك طير ~~الماء فهو من صيد البر أيضا وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع ~~والتمساح قال لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح ~~كل ما في البحر وذهب جماعة إلى أن ماله نظير من البر يؤكل فيؤكل نظيره من ~~حيوان البحر مثل بقر الماء ونحوه ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل ~~كلب الماء وخنزير الماء فلا يحل أكله. # قوله تعالى: متاعا لكم وللسيارة يعني ينتفع به المقيمون والمسافرون ~~فيتزودون منه. # قوله تعالى: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ذكر الله عز وجل تحريم ~~الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة أحدها في أول السورة وهو ~~قوله: غير محلي الصيد وأنتم حرم. # والثاني قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والثالث: ~~هذه الآية وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما. كل ذلك لتأكيد تحريم قتل ~~الصيد على المحرم واختلف العلماء هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم صيد صاده ms1072 ~~غيره فذهب قوم إلى أنه لا يحل ذلك بحال يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول طاوس ~~وإليه ذهب الثوري واحتجوا على ذلك بما روي عن الصعب بن جثامة الليثي أنه ~~أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما رأى ما في وجهه من الكراهة قال: ~~إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم. أخرجاه في الصحيحين وذهب جمهور العلماء إلى ~~أنه يجوز للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده بنفسه ولا صيد له ولا ~~بإشارته ولا أعان عليه. # وهذا قول عمر وعثمان وأبي هريرة وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وهو ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ويدل عليه ما روي عن أبي قتادة ~~الأنصاري، قال: كنت جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمامنا والقوم محرمون وأنا ~~غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلا فلم ~~يؤذنوا بي وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت، فأبصرته، فقمت إلى # PageV02P080 # الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط ~~والرمح. قالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت فأخذتهما ثم ركبت ~~فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلون. ثم إنهم ~~شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد فأدركنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت نعم. فناولته العضد ~~فأكل منها وهو محرم. وزاد في رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ~~إنما هي طعمة أطعمكموها الله. وفي رواية: هو حلال فكلوه. وفي رواية قال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار ~~إليها قالوا: لا؟ قال: كلوا ما بقي من لحمها. أخرجاه في الصحيحين وأجاب ~~أصحاب هذا المذهب عن حديث الصعب بن جثامة بأنه ms1073 إنما رده النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه ظن أنه إنما صيد لأجله والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله واتقوا ~~الله يعني فلا تستحلوا الصيد في حال الإحرام ولا في الحرم ثم حذرهم بقوله ~~الذي إليه تحشرون يعني في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 97 الى 98] # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # قوله عز وجل: جعل الله الكعبة البيت الحرام جعل بمعنى صبر. وقيل: معناه ~~بين وحكم. وقال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعه. وقيل: لارتفاعه عن الأرض. ~~وسمي البيت الحرام لأن الله حرمه وعظمه وشرفه وعظم حرمته وحرم أن يصطاد ~~عنده وأن يختلى خلاه وأن يعضد شجره وأراد بالبيت الحرام، جميع الحرم لما صح ~~من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال «إن ~~هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى ~~يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا ~~يختلى خلاه». # وقوله تعالى: قياما للناس أصله قواما لأنه سبب لقوام مصالح الناس في أمر ~~دينهم ودنياهم وآخرتهم. # أما في أمر الدين فإنه به يقوم الحج وتتم المناسك، وأما في أمر الدنيا ~~فإنه تجبى إليه ثمرات كل شيء ويأمنون فيه من النهب والغارة فلو لقي الرجل ~~قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يهجه، وأما في أمر الآخرة فإن البيت جعل ~~لقيام المناسك عنده وجعلت تلك المناسك التي تقام عنده أسبابا لعلو الدرجات ~~وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات والمثوبات فلما كانت الكعبة الشريفة سببا ~~لحصول هذه الأشياء كانت سببا لقيام الناس والشهر الحرام يعني وجعل الشهر ~~الحرام قياما للناس وأراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة وهي: ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد يعني وكذلك جعل الأشهر الحرم يأمنون ~~فيها ms1074 من القتال وذلك أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ~~وكانوا إذا دخلت الأشهر الحرم أمسكوا عن القتال والغارة فيها فكانوا يأمنون ~~في الأشهر الحرم فكانت سببا لقيام مصالح الناس. والهدي والقلائد يعني وكذلك ~~جعل الهدي والقلائد سببا لقيام مصالح الناس وذلك أنهم كانوا يأمنون بسوق ~~الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوا أنفسهم من ~~لحاء شجر الحرام فلا يتعرض لهم أحد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض يعني: أنه تعالى علم في الأزل بمصالح العباد وما ~~يحتاجون إليه فجعل الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~يأمنون بها لأنه يعلم مصالح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض ~~لأنه تعالى علم جميع المعلومات الكليات والجزئيات وهو قوله تعالى: وأن الله ~~بكل شيء عليم يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية اعلموا أن الله شديد ~~العقاب يعني لمن انتهك محارمه واستحلها وأن الله # PageV02P081 # غفور رحيم يعني لمن تاب وآمن ولما ذكر الله أنواع رحمته بعباده ذكر بعدها ~~أنه شديد العقاب لأن الإيمان لا يتم إلا بحصول الرجاء والخوف ثم ذكر بعده ~~ما يدل على سعة رحمته وأنه غفور رحيم. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 99 الى 101] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون (100) يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور ~~حليم (101) # قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ يعني ليس على رسولنا الذي أرسلناه ~~إليكم إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج، ففي الآية تشديد ~~عظيم في إيجاب القيامة بما أمر الله وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ ~~مما وجب عليه من التبليغ وقامت الحجة عليكم بذلك ولزمتكم الطاعة فلا عذر في ~~التفريط ms1075 والله يعلم ما تبدون وما تكتمون يعني أنه تعالى لا يخفى عليه شيء ~~من أحوالكم ظاهرا وباطنا قل لا يستوي الخبيث والطيب يعني الحلال والحرام في ~~الدرجة والرتبة ولا يعتد الرديء والجيد ولا المسلم والكافر ولا الصالح ~~والطالح ولو أعجبك كثرة الخبيث يعني ولو سرك كثرة الخبيث لأن عاقبته عاقبة ~~سوء. والمعنى: أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا وما عند الله ~~خير وأبقى لأن زينة الدنيا ونعيمها يزول وما عند الله يدوم. وقال ابن ~~الجوزي: # روى جابر بن عبد الله أن رجلا قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي ~~فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب» وقال مقاتل: نزلت في شريح بن ضبعة ~~البكري وحجاج بن بكر وقد تقدمت القصة في أول السورة فاتقوا الله يعني فيما ~~أمركم به أو نهاكم عنه ولا تعتدوه يا أولي الألباب يعني يا ذوي العقول ~~السليمة لعلكم تفلحون قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء ~~إن تبد لكم تسؤكم اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فروي عن أنس بن مالك قال ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعنا مثلها قط فقال لو تعلمون ~~ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجوههم لهم حنين فقال رجل: من أبي؟ فقال فلان فنزلت هذه الآية لا ~~تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فقام على المنبر فذكر الساعة فذكر ~~فيها أمورا عظاما ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن ~~شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي فأكثر الناس البكاء وأكثر أن يقول سلوا ~~فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: من أبي؟ فقال: # أبوك حذافة. ثم أكثر أن يقول سلوني فبرك عمر ms1076 على ركبتيه فقال: «رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا» فسكت ثم قال: عرضت علي الجنة والنار ~~أنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر. قال ابن شهاب: ~~فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة ~~لعبد الله بن حذافة ما سمعت بابن قط أعق منك أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما ~~تقارف أهل الجاهلية فتفضحها عن أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: لو ~~ألحقني بعبد أسود للحقته زاد في رواية أخرى قال قتادة يذكر هذا الحديث عند ~~هذه الآية لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم أخرجاه في الصحيحين (خ). # عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ~~فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل: تضل ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم ~~هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ~~كلها وقيل نزلت هذه الآية في شأن الحج عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قالوا: يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كل عام؟ فسكت فقالوا يا رسول الله في كل عام؟ قال: لا ~~ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (م). # PageV02P082 # عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله فقال: يا أيها الناس قد فرض عليكم ~~الحج فحجوا. فقال رجل: أفي كل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال: ذروني ما ~~تركتكم ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذ ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». # وروى مجاهد عن ابن عباس: لا تسألوا عن أشياء قال هي البحيرة والوصيلة ~~والسائبة والحام ألا ترى أنه يقول بعد ذلك ما جعل الله ms1077 من بحيرة ولا كذا ~~ولا كذا وقال عكرمة: إنهم كانوا يسألون عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرون ومعنى الآية يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسئلوا عن أشياء جمع شيء إن تبد لكم أي تظهر لكم وتبن لكم تسؤكم يعني إن ~~أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به فلا يقدر عليه ~~فيسوءه ذلك ومن سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بغير أبيه فيفتضح ويسوءه ذلك وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ~~معناه: إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم وليس في ظاهره ~~شرح ما تحتاجون إليه ومست حاجتكم إليه فإذا سألتم عنه فحينئذ يبدي لكم، ~~ومثال هذا: أن الله عز وجل لما بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها ~~والحامل ولم يكن في عدد هؤلاء دليل على عدة التي ليست ذات قرء ولا حامل ~~فسألوا عنها فأنزل الله عز وجل جوابهم في قوله واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم الآية عفا الله عنها يعني عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كره الله لكم السؤال عنها فلم يؤاخذكم ~~بها ولم يعاقبكم عليها والله غفور يعني لمن تاب منكم حليم فلا يعجل ~~بعقوبتكم. وقال عطاء: غفور يعني لما كان في الجاهلية. حليم: يعني عن عقابكم ~~منذ آمنتم وصدقتم. وقال بعض العلماء: الأشياء التي يجوز السؤال عنها، هي ما ~~يترتب عليها أمر الدين والدنيا من مصالح العباد وما عدا ذلك فلا يجوز ~~السؤال عنه (ق). # عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم ~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل ~~مسألته (ق). # عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان ~~ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال ms1078 وكثرة السؤال» عن معاوية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «نهى عن الأغلوطات» أخرجه أبو داود. والأغلوطات صعاب المسائل ~~التي تزل فيها أقدام العلماء ويؤيد ذلك قول أبي هريرة: شرار الناس الذين ~~يسألون عن شرار المسائل كي يغلطوا بها العلماء. عن سلمان قال سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال «الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما ~~حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه فلا تتكلفوا» وعن أبي ~~ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله تعالى فرض ~~فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تقربوها وترك ~~أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» هذان الحديثان أخرجهما في جامع الأصول ~~ولم يعزهما إلى الكتب الستة ثم قال تعالى: ### || [سورة المائدة (5): الآيات 102 الى 103] # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~وأكثرهم لا يعقلون (103) # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين قال المفسرون: يعني قوم صالح ~~سألوا الناقة ثم عقروها فأصبحوا بها كافرين، وقوم موسى قالوا: أرنا الله ~~جهرة، فكان هذا السؤال وبالا عليهم، وقوم عيسى، سألوا نزول المائدة عليهم ~~ثم كذبوها. كأنه تعالى يقول: إن أولئك سألوا فلما أعطوا سؤلهم كفروا به فلا ~~تسألوا أنتم شيئا فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك. # PageV02P083 # قوله تعالى: ما جعل الله أي ما أنزل الله ولا حكم به ولا شرعه ولا أمر به ~~من بحيرة البحيرة: من البحر وهو الشق. يقال: بحر ناقته إذا شق أذنها فهي ~~فعلية بمعنى مفعولة ولا سائبة يعني المسيبة المخلاة ولا وصيلة الوصيلة: ~~الشاة وكانت العرب في الجاهلية إذا ولدت لهم ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها ~~ولا حام الحام: هو الفحل من الإبل يحمى ظهره فلا يركب ولا ينتفع به. قال ~~ابن عباس: في بيان هذه الأوصاف، البحيرة: هي الناقة ms1079 إذا ولدت خمسة أبطن لم ~~يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلى خامس ولدها ~~فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء وإن كانت أنثى شقوا أذنها وتركوها ~~وحرموا على الناس منافعها. وكانت منافعها للرجال خاصة فإذا ماتت حلت الرجال ~~والنساء. وقيل كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ~~ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق ~~أذنها ثم سيب مع أمها ويفعل بها ما يفعل بأمها. وقيل: السائبة البعير الذي ~~يسيب لآلهتهم وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب ~~نذر، فقال: 7 ن شفاني الله أو شفى الله مريضي أو قدم غائبي فناقتي هذه ~~سائبة ثم يسيبها، فلا تحبس عن ماء ولا مرعى ولا يركبها أحد، فهي بمنزلة ~~البحيرة والوصيلة من الغنم. # كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكر ذبحوه وأكل منه ~~الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كانت ولدت ذكرا وأنثى ~~قالوا وصلت أخاها واستحيوا الذكر فلم يذبحوه من أجل الأنثى والحامي هو ~~الفحل إذا ركب ولد ولده. وقيل: هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن. قالوا: ~~حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى فإذا مات أكله ~~الرجال والنساء (ق) عن سعيد بن المسيب قال: # البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا ~~يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. ولمسلم عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة ~~بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار (خ) عن عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأيت جهنم تحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه ~~وهو أول من ms1080 سيب السوائب. القصب بضم القاف وسكون الصاد المهملة الأمعاء كانت ~~الجاهلية تفعل هذا في جاهليتهم فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أبطل ذلك بقوله ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ~~يعني ما بحر الله من بحيرة ولا سيب من سائبة ولا وصل من وصيلة ولا حمى من ~~حام ولا أذن فيه ولا أمر به ولكنكم أنتم فعلتم ذلك من عند أنفسكم (خ) عن ~~ابن مسعود أن أهل الإسلام لا يسيبون وأن أهل الجاهلية كانوا يسيبون. # وقوله تعالى: ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب يعني بقولهم إن ~~الله أمرنا بهم وأكثرهم لا يعقلون أراد بالأكثر الاتباع يعني أن الاتباع لا ~~تعقل أن هذا كذب وافتراء من الرؤساء على الله عز وجل: # ### || [سورة المائدة (5): آية 104] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول يعني: وإذا قيل لهؤلاء ~~الذين بحروا البحائر وفعلوا هذه الأشياء أضافوها إلى الله كذبا تعالوا إلى ~~ما أنزل الله يعني في كتابه وإلى الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~الذي أنزل عليه كتابه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى الله ويبين لكم الشرائع ~~والأحكام وإن الذي تفعلونه ليس بشيء قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا يعني ~~قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من الدين ونحن لهم تبع قال الله ردا عليهم أولو ~~كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون يعني إنما يصح الاقتداء بالعالم ~~المهتدي الذي يبني قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا ~~كذلك فيصح اقتداؤهم بهم قوله عز وجل: # PageV02P084 # ### || [سورة المائدة (5): آية 105] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال بعض ~~العلماء: ms1081 هذا أمر من الله تعالى ومعناه احفظوا أنفسكم من ملابسة الذنوب ~~والإصرار على المعاصي لأنك إذا قلت عليك زيدا معناه الزم زيدا وقيل معناه ~~عليكم أنفسكم فأصلحوها واعملوا في خلاصها من عذاب الله عز وجل. وانظروا لها ~~ما يقربها من الله عز وجل. لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، يعني لا يضركم كفر ~~من كفر إذا كنتم مهتدين وأطعتم الله عز وجل فيما أمركم به ونهاكم عنه. # قال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب اليهود والنصارى ~~يعني عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية ~~واتركوهم. وقيل: لما قبلت الجزية من أهل الكتاب قال بعض الكفار: كيف تقبل ~~الجزية من بعض دون بعض؟ فنزلت هذه الآية. وقيل: إن المؤمنين كان يشتد عليهم ~~بقاء الكفار على كفرهم فقيل لهم: عليكم أنفسكم واجتهدوا في صلاحهم لا يضركم ~~ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين إذا كنتم مهتدين. فإن قلت هل يدل ظاهر هذه ~~الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # قلت: لا يدل على ذلك والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه عز وجل لا ~~يكون مؤاخذا بذنوب أصحاب المعاصي فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنه أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم # ولا تضعونها موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم ~~الله بعقاب منه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود زاد ~~فيه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا ~~إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب». # وقال قوم في معنى الآية عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن ~~المنكر فلم يقبل منكم قال ابن ms1082 مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل ~~منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه أي قد مضى ~~تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه أي وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومنه أي وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه أي ~~يقع تأويلهن في آخر الزمان ومنه أي يقع تأويلهن يوم القيامة وهو ما ذكر من ~~الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعا ولم ~~يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلفت قلوبكم ~~وأهواؤكم وألبستم شيعا وأذيق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل ~~هذه الآية. وقيل لابن عمر لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله ~~يقول «عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» فقال ابن عمر: إنها ليست ~~لي ولا لأصحابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا ليبلغ الشاهد ~~الغائب فكنا نحن الشهود وأنت الغائب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ~~إن قالوا لم يقبل منهم. وعن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني ~~فقلت له: كيف نصنع بهذه الآية قال: أية آية قلت يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا ~~سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن ~~المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن ~~قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم». # PageV02P085 # وفي رواية: «قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم، قال: لا بل ~~أجر خمسين منكم» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقيل في معنى الآية: إن ~~العبد إذا عمل بطاعة الله واجتنب نواهيه لا يضره من ضل. وقال ابن ms1083 عباس: ~~قوله «عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» يقول إذا ما العبد أطاعني ~~فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به ~~وعن صفوان بن محرز قال: دخل علي شاب من أصحاب الأهواء فذكر شيئا من أمره ~~فقلت له: ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أوليائه «يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» وقال الحسن: لم يكن مؤمن فيما ~~مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله. وقيل في معنى ~~الآية: لا يضركم من كفر بالله وحاد عن قصد السبيل من أهل الكتاب إذا ~~اهتديتم أنتم. قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب. وقال ابن ~~زيد: كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت وكان ~~ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل وتفعل فقال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال الطبري: وأولى هذه الأقوال ~~وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق وهو العمل ~~بطاعة الله وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد ~~الظالم لأن الله تعالى يقول: وتعاونوا على البر والتقوى ومن التعاون على ~~البر والتقوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم حتى ~~يرجع عن ظلمه. # وقال عبد الله بن المبارك: هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر لأن الله تعالى قال: عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ ~~بعضكم بعضا ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات والذي يؤكد ذلك ~~أن معنى قوله: عليكم أنفسكم أي احفظوا أنفسكم وهذا أمر بأن نحفظ أنفسنا ولا ~~يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله أعلم. # وقوله تعالى: إلى الله مرجعكم جميعا يعني في الآخرة الطائع والعاصي ~~والضال والمهتدي فينبئكم بما كنتم تعملون يعني فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم ~~عليها. ### || [سورة المائدة (5): آية 106] # يا ms1084 أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم سبب نزول هذه الآية ما روي ~~أن تميم بن أوس الداري، وعدي بن بداء، خرجا من المدينة في تجارة إلى الشام ~~وهما نصرانيان ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدموا الشام ~~مرض بديل فكتب كتابا فيه جميع ما معه من المتاع وألقاه في متاعه ولم يخبر ~~صاحبيه بذلك فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى ~~أهله إذا رجعا إلى المدينة ومات بديل، ففتشا متاعه، فوجدا فيه إناء من فضة ~~منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فغيباه، ثم إنهما قضيا حاجتهما وانصرفا ~~إلى المدينة فدفعا المتاع إلى أهل البيت ففتشوه فأصابوا الصحيفة وفيها ~~تسمية ما كان معه فجاء أهل الميت إلى تميم وعدي فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا ~~من متاعه قالا: لا. قالوا: فهل أتجر تجارة؟ قالا: لا. # قالوا: فهل طال مرضه فأنفق شيئا على نفسه قالا: لا. قالوا: إنا وجدنا في ~~متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا فقدنا إناء من فضة منقوشا بالذهب ~~فيه ثلاثمائة مثقال فضة قالا: لا ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ~~ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأصرا على الإنكار وحلفا فأنزل الله هذه الآية هذا قول المفسرين. وروى ~~الترمذي عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة بينكم إذا # PageV02P086 # حضر أحدكم الموت قال تميم برىء الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا ~~نصرانيين يختلفان إلى الشام بتجارتهما قبل الإسلام فأتيا إلى الشام ~~بتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل ms1085 بن أبي مريم بتجارة ومعه ~~جام من فضة يريد به الملك وهو أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن ~~يبلغا ما ترك أهله قال تميم: ولما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم ~~اقتسمناه أنا وعدي فلما أتينا أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقد الجام ~~فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا ولا دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت ~~بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله ~~فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ~~فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن ~~يستحلفوه بما يعظم على أهل دينه فحلف فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت إلى قوله أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ~~فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي قال ~~الترمذي: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. # وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه قال ابن ~~عباس: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ~~ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم ~~وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ~~وإن الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرج هذه ~~الرواية الأخيرة البخاري في صحيحه فأما التفسير فقوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم يعني ليشهد ما بينكم لأن الشهادة إنما يحتاج إليها عند ~~وقوع التنازع والتشاجر إذا حضر أحدكم الموت يعني إذا قارب وقت حضور الموت ~~حين الوصية اثنان لفظه خبر ومعناه الأمر يعني ليشهد اثنان منكم عند حضور ~~الموت وأردتم الوصية ذوا عدل ms1086 منكم يعني من أهل دينكم وملتكم يا معشر ~~المؤمنين واختلفوا في هذين الاثنين فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على ~~وصية الموصي وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: # فيقسمان بالله والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين تأكيدا فعلى هذا ~~تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك: شهدت وصية فلان بمعنى حضرت أو آخران من ~~غيركم يعني من غير أهل دينكم وملتكم وهذا قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري ~~وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والشعبي وابن سيرين وابن شريح وأكثر ~~المفسرين. وقيل: معناه من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون. واختلف العلماء ~~في حكم هذه الآية فقال إبراهيم النخعي وجماعة: هي منسوخة كانت شهادة أهل ~~الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت بقوله تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم لأن إجماع الأمة على أن شهادة الفاسق لا تجوز ~~فشهادة الكفار وأهل الذمة لا تجوز بطريق الأولى وذهب قوم إلى أنها ثابتة لم ~~تنسخ وهو قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن ~~سيرين وبه قال أحمد بن حنبل قالوا إذا لم يجد مسلمين يشهدان على وصيته وهو ~~في أرض غربة فليشهد كافرين أو ذميين أو من أي دين كانا لأن هذا موضع ضرورة ~~قال شريح: من كان بأرض غربة لم يجد مسلما يشهد وصيته فليشهد كافرين على أي ~~دين كانا من أهل الكتاب أو من عبدة الأصنام فشهادتهم جائزة في هذا الموضع ~~ولا تجوز شهادة كافر على مسلم بحال إلا على وصيته في سفر لا يجد فيه مسلما. ~~عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه ولم يجد أحدا من ~~المسلمين حضر يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة ~~فأتيا أبا موسى فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال أبو موسى هذا أمر لم يكن ~~بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحلفهما بعد العصر ~~بالله ما خانا ولا كذبا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصيته ms1087 ~~الرجل وتركته فأمضى شهادتهما أخرجه أبو داود. وقال قوم في قوله ذوا عدل ~~منكم يعني من # PageV02P087 # عشيرتكم وحيكم أو آخران من غيركم من غير عشيرتكم وحيكم وأن الآية كلها في ~~المسلمين وهذا قول الحسن والزهري وعكرمة وقالوا لا تجوز شهادة كافر في شيء ~~من الأحكام وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة غير أن أبا حنيفة أجاز ~~شهادة أهل الذمة فيما بينهم بعضهم على بعض واحتج من قال بأن هذه الآية ~~محكمة بأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ واحتج من أجاز ~~شهادة غير المسلم في هذا الموضع بأن الله تعالى قال في أول الآية: يا أيها ~~الذين آمنوا فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ثم قال بعده ذوا عدل منكم أو ~~آخران من غيركم فعلم بذلك أنهما من غير المؤمنين، ولأن الآية دالة على وجوب ~~الحلف على هذين الشاهدين وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه ~~يمين ولأن الميت إذا كان في أرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ضاع ~~ماله وربما كان عليه ديون أو عنده وديعة فيضيع ذلك كله وإذا كان ذلك كذلك ~~احتاج إلى إشهاد من حضر من أهل الذمة وغيرهم من الكفار حتى لا يضيع ماله ~~وتنفذ وصيته فهذا كالمضطر الذي أبيح له أكل الميتة في حال الاضطرار ~~والضرورات قد تبيح شيئا من المحظورات واحتج من منع ذلك بأن الله تعالى قال: # ممن ترضون من الشهداء والكفار ليسوا مرضيين ولا عدولا فشهادتهم غير ~~مقبولة في حال من الأحوال. # وقوله تعالى: إن أنتم ضربتم في الأرض يعني: إن أنتم سافرتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت يعني نزل بكم أسباب الموت فأوصيتم إليهما ودفعتم ~~مالكم إليهما تحبسونهما يعني إن اتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة ~~فالحكم فيه أن يوقفوهما من بعد الصلاة يعني من بعد صلاة العصر لأن جميع أهل ~~الأديان يعظمون ذلك الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب وقيل من بعد صلاة أهل ~~دينهم لأنهما إذا كانا كافرين لا يحترمان صلاة العصر فيقسمان ms1088 بالله يعني ~~فيحلفان بالله. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق ~~والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان فيحلف بعد صلاة العصر إن كان ~~بمكة بين الركن والمقام وإن كان بالمدينة فعند المنبر وإن كان في بيت ~~المقدس فعند الصخرة وفي سائر البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها إن ارتبتم ~~يعني إن شككتم أيها الورثة في قول الشاهدين وصدقهما، فحلفوهما وهذا إذا ~~كانا كافرين أما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم ~~غير مشروع لا نشتري به ثمنا يعني لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ولا نحلف ~~بالله كاذبين لأجل عوض نأخذه أو حق نجحده ولو كان ذا قربى يعني ولو كان ~~المشهود له ذا قرابة منا وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من ~~غيرهم ولا نكتم شهادة الله إنما أضاف الشهادة إليه لأنه أمر بإقامتها ونهى ~~عن كتمانها إنا إذا لمن الآثمين يعني إن كتمنا الشهادة أو خنا فيها ولما ~~نزلت هذه الآية صلى صلى الله عليه وسلم العصر ودعا تميما وعديا وحلفهما عند ~~المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما فحلفا ~~على ذلك فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم ظهر الإناء من بعد ~~ذلك قال ابن عباس وجد الإناء بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي. وقيل: ~~لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا ~~اشتريناه منه. فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه؟ ~~قالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه لذلك فرفعوهما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 107 الى 108] # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا ms1089 والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~(108) # فإن عثر يعني فإن اطلع وظهر والعثور الهجوم على أمر لم يهجم عليه غيره ~~وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه على أنهما استحقا ~~إثما يعني الوصيين ومعنى الآية فإن حصل العثور # PageV02P088 # والوقوف على أن الوصيين كانا استوجبا الإثم بسبب خيانتهما وأيمانهما ~~الكاذبة فآخران يعني من أولياء الميت وأقربائه يقومان مقامهما يعني مقام ~~الوصيين في اليمين من الذين استحق عليهم يعني من الذين استحق عليهم الإثم ~~وهم الورثة والمعنى إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم اثنان آخران ~~من الذين جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته الأوليان يعني بأمر الميت وهم ~~أهله وعشيرته فيقسمان بالله يعني فيحلفان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ~~يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما وما اعتدينا يعني في أيماننا وقولنا إن ~~شهادتنا أحق من شهادتهما إنا إذا لمن الظالمين ولما نزلت هذه الآية قام ~~عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان لو وهما من أهل الميت وحلفا ~~بالله بعد العصر ودفع الإناء إليهما وإنما ردت اليمين على أولياء الميت لأن ~~الوصيين ادعيا أن الميت باعهما الإناء وأنكر ورثة الميت ذلك ومثل هذا أن ~~الوصي إذا أخذ شيء من مال الميت وقال: إنه أوصى له به وأنكر ذلك الورثة ردت ~~اليمين عليه ولما أسلم تميم الداري بعد هذه القصة كان يقول صدق الله وصدق ~~رسوله أنا أخذت الإناء فأنا أتوب إلى الله وأستغفره. # وقوله تعالى: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها يعني ذلك الذي حكمنا ~~به من رد اليمين على أولياء الميت بعد أيمانهم أدنى، أي: أجدر وأحرى أن ~~يأتوا بالشهادة على وجهها يعني أن يأتي الوصيان وسائر للناس بالشهادة على ~~وجهها فلا يخونوا فيها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم أي وأقرب أن ~~يخاف الوصيان أن ترد الأيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم ~~فيفتضحوا ويغرموا فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذه الحكم واتقوا الله ~~يعني وخافوا الله أن ms1090 تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة واسمعوا يعني ~~المواعظ والزواجر وقيل معناه واسمعوا سمع إجابة والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين يعني: والله لا يرشد من كان على معصية وهذا تهديد وتخويف ووعيد ~~لمن خالف حكم الله تعالى أو خان أمانته أو حلف أيمانا كاذبة وهذه الآية ~~الكريمة من أصعب ما في القرآن من الآيات نظما وإعرابا وحكما والله أعلم ~~بأسرار كتابه. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 109 الى 110] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110) # قوله عز وجل: يوم يجمع الله الرسل قال الزجاج هي متصلة بما قبلها ~~تقديرها: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، وقيل: تقدير: والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل. أي لا يهديهم إلى الجنة في ذلك اليوم ~~وهو يوم القيامة وقيل إنها منقطعة عما قبلها وتقديره اذكر يا محمد يوم يجمع ~~الله الرسل ذلك يوم القيامة فيقول ماذا أجبتم يعني فيقول الله تبارك وتعالى ~~للرسل ماذا أجابكم أممكم وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم في دار ~~الدنيا إلى توحيدي وطاعتي وفائدة هذا السؤال توبيخ أمم الأنبياء الذين ~~كذبوهم قالوا يعني الرسل لا علم لنا قال ابن عباس: معناه لا علم لنا كعلمك ~~فيهم لأنك تعلم ما أضمروا وما أظهروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك ~~فيهم أنفذ من علمنا وأبلغ. # فعلى هذا القول، إنما نفوا العلم عن أنفسهم وإن كانوا علماء لأن علمهم ~~صار كلا علم عند علم الله. # وقال في رواية أخرى: معناه لا علم لنا إلا علم أنت ms1091 أعلم به منا وهذا ~~القول قريب من الأول. وقيل: معناه # PageV02P089 # لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا. وقيل: ~~معناه لا حقيقة لعلمنا بعاقبة أمرهم لأنا كنا نعلم ما كان من أفعالهم ~~وأقوالهم وقت حياتنا ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا ولا نعلم ما أحدثوا ~~من بعدنا ومنه ما أخبر الله عن عيسى عليه السلام بقوله: «وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم» ومنه ما روي عن أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى ~~إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك» زاد في رواية «فأقول سحقا لمن بدل بعدي» أخرجاه في الصحيحين ~~وقال جمع من المفسرين إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها القلوب عن ~~مواضعها فيفزعون من هول ذلك ويذهلون عن الجواب ثم إذا ثابت إليهم عقولهم ~~يشهدون على أممهم بالتبليغ. # وهذا فيه ضعف ونظر لأن الله تعالى قال في حق الأنبياء: «لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر»، وذكر الإمام فخر الدين الرازي وجها آخر وهو أن الرسل عليهم السلام ~~لما علموا أن الله تعالى عالم لا يجهل وحليم لا يسفه وعادل لا يظلم علموا ~~أن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا فرأوا أن الأدب في السكوت وفي تفويض ~~الأمر إلى الله تعالى وعدله فقالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب يعني ~~إنك تعلم ما غاب عنا من بواطن الأمور ونحن نعلم ما نشاهد ولا نعلم ما في ~~البواطن. وقيل معناه إنك لا يخفى عليك ما عندنا من العلوم وأن الذي سألتنا ~~عنه ليس بخاف عليك لأنك أنت علام الغيوب ومعناه العالم بأصناف المعلومات ~~على تفاوتها ليس تخفى عليه خافية وبناء فعال بتاء التكثير ودلت الآية على ~~جواز إطلاق العلام على الله تعالى كما يجوز إطلاق الخلاق عليه. # قوله عز وجل: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي ms1092 عليك قال بعضهم: ~~إن إذ قال الله تعالى: يا عيسى صلة لماذا أجبتم ولما كان المراد بقوله ~~للرسل ما أجبتم توبيخ الأمم ومن تمرد منهم على الله وكان أشد الأمم احتياجا ~~وافتقارا إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه ~~السلام ووجه ذلك أن جميع الأمم إنما كان طعنهم في أنبيائهم بالتكذيب لهم ~~وطعن هؤلاء النصارى تعدي إلى جلال الله تعالى حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله ~~من اتخاذ الزوجة والولد. ذكر الله في هذه الآية أنواع نعمه على عيسى عليه ~~السلام التي تدل على أنه عبد وليس بإله والفائدة في ذكر هذه الحكاية تنبيه ~~النصارى على قبح مقالتهم وفساد اعتقادهم وتوكيد الحجة عليهم. وقيل: فائدة ~~ذلك إسماع الأمم يوم القيامة ما خص الله عيسى عليه السلام به من الكرامة. ~~وقيل: # موضع إذا رفع بالابتداء على القطع ومعناه اذكر إذ قال الله: يا عيسى ~~وإنما خرج قوله: إذ قال الله على لفظ الماضي دون المستقبل لأنه ورد على ~~سبيل حكاية الحال. وقيل: تقديره إذ يقول الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~عليك لفظه واحد والمراد به الجمع لأن الله تعالى عدد نعمه عليه في هذه ~~الآية والمراد من ذكرها شكرها وعلى والدتك يعني بنعمته على مريم عليها ~~السلام أنه تعالى: أنبتها نباتا حسنا وطهرها واصطفاها على نساء العالمين. # ثم ذكر نعمه على عيسى عليه السلام فقال تعالى: إذ أيدتك بروح القدس يعني ~~بجبريل عليه السلام لأن القدس هو الله تعالى وأضافه إليه على سبيل التشريف ~~والتعظيم كإضافة بيت الله وناقة الله. وقيل: أراد بروح القدس الروح المطهرة ~~لأن الأرواح تختلف باختلاف الماهية فمنها روح طاهرة مقدسة نورانية ومنها ~~روح خبيثة كدرة ظلمانية فخص الله عيسى بالروح المقدسة الطاهرة النورانية ~~المشرفة تكلم الناس في المهد يعني تكلمهم طفلا في حال الصغر وكهلا يعني وفي ~~حالة الكهولة من غير أن يتفاوت كلامك في هذين الوقتين وهذه معجزة عظيمة ~~وخاصة شريفة ليست لأحد قبله. قال ابن عباس: أرسل الله عيسى ms1093 عليه السلام وهو ~~ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه وإذ علمتك ~~الكتاب والحكمة يعني الكتابة وهي الخط والحكمة الفهم والاطلاع على أسرار ~~العلوم والتوراة والإنجيل أي وعلمتك التوراة التي أنزلتها على موسى ~~والإنجيل الذي # PageV02P090 # أنزلته عليك وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني يعني وإذ تجعل وتصور من ~~الطين كصورة الطير بإذني فتنفخ فيها ذكر هنا فيها سورة آل عمران فيه يعني ~~بالضمير في قوله فيها يعود إلى الهيئة بجعلها مصدرا كما يقع اسم الخلق على ~~المخلوق وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة إنما يكون في المهيأ وذي الهيئة ~~ويجوز أن يعود الضمير إلى الطير لأنها مؤنثة قال الله تعالى: أولم يروا إلى ~~الطير فوقهم صافات. # وأما الضمير المذكور في آل عمران في قوله فيه فيعود إلى الكاف يعني في ~~ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فتكون طيرا بإذني وإنما كرر قوله بإذني ~~تأكيدا لكون ذلك الخلق واقعا بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى عليه ~~السلام وتخليقه لأن المخلوق لا يخلق شيئا إنما خالق الأشياء كلها هو الله ~~تعالى لا خالق لها سواه وإنما كان الخلق لهذا الطير معجزة لعيسى عليه ~~السلام أكرمه الله تعالى بها وكذا قوله تعالى: وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ~~يعني وتشفي الأكمه وهو الأعمى المطموس البصر والأبرص معروف ظاهر وإذ تخرج ~~الموتى يعني من قبورهم أحياء بإذني تفعل ذلك كله بدعائك والفاعل لهذه ~~الأشياء كلها في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو المبرئ للأكمه والأبرص وهو ~~محيي الموتى وهو على كل شيء قدير وإنما كانت هذه الأشياء معجزات لعيسى عليه ~~السلام ووقعت بإذن الله تعالى وقدرته. # وقوله تعالى: وإذ كففت بني إسرائيل عنك يعني واذكر نعمتي عليك إذ كففت ~~وصرفت عنك اليهود ومنعتك منهم حين أرادوا قتلك إذ جئتهم بالبينات يعني ~~بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي ذكرت في هذه الآية وذلك أن ~~عيسى عليه السلام لما أتى بهذه المعجزات العجيبة الباهرة قصد اليهود قتله ~~فخلصه الله منهم ورفعه إلى ms1094 السماء فقال الذين كفروا منهم يعني فقال الذين ~~استمروا على كفرهم من اليهود ولم يؤمنوا بهذه المعجزات إن هذا إلا سحر مبين ~~يعني ما جاءهم به عيسى عليه السلام من المعجزات. # ### || [سورة المائدة (5): الآيات 111 الى 112] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) # قوله عز وجل: وإذ أوحيت إلى الحواريين يعني ألهمتهم وقذفت في قلوبهم فهو ~~وحي إلهام كما أوحى إلى أم موسى وإلى النحل والحواريون هم أصحاب عيسى ~~وخواصه أن آمنوا بي وبرسولي يعني عيسى عليه السلام قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون لما وفقهم الله للإيمان، قالوا: آمنا. وإنما قدم ذكر الإيمان على ~~الإسلام، لأن الإيمان من أعمال القلوب والإسلام هو الانقياد والخضوع في ~~الظاهر والمعنى أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. قوله تعالى: إذ قال ~~الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك قال المفسرون: هذا على المجاز ~~ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى لكنه ~~كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على ~~القيام وإنما قصد بقوله هل تستطيع هل يسهل عليك وهل يخف أن تقوم معي فكذلك. ~~معنى الآية: لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل ومعترفين ~~بكمال قدرته وإنما قالوا ذلك ليحصل لهم مزيد الطمأنينة كما قال إبراهيم ~~عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي. ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث ~~مزيد الطمأنينة في القلب ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا وقال بعضهم هو ~~على ظاهره. وقال: غلط القوم وقالوا ذلك قبل استحكام الإيمان والمعرفة في ~~قلوبهم وكانوا بشرا فقالوا هذه المقالة فرد الله عليهم عند غلطهم بقوله: ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله ~~أن تشكوا في قدرة الله عز وجل والقول الأول أصح وقيل في معنى ms1095 الآية: هل ~~يقبل ربك دعاءك ويعطيك بإجابة # PageV02P091 # دعائك وسؤالك إنزال المائدة، فقد ورد في الآثار: من أطاع الله أطاعه كل ~~شيء أن ينزل علينا مائدة من السماء المائدة الخوان الذي عليه الطعام ولا ~~يسمى مائدة إن لم يكن عليه طعام إنما يقال خوان أو طبق وأصلها من ماد يميد ~~إذا تحرك كأنها تميد بما عليها من الطعام قال يعني عيسى مجيبا للحواريين ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله في هذا السؤال إن كنتم مؤمنين ~~لأنه سؤال تعنت وقيل: أمرهم بالتقوى ليحصل لهم هذا السؤال ومعنى إن كنتم ~~مؤمنين مصدقين فلا تشكوا في قدرة الله تعالى وقيل معناه اتقوا الله أن ~~تسألوا شيئا لم يسأله أحد من الأمم قبلكم فنهاهم عن اقتراح الآية بعد ~~الإيمان. ### || |[سورة المائدة (5): الآيات 113 الى 115] # قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~(114) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين (115) # قالوا نريد أن نأكل منها يعني: قال الحواريون مجيبين لعيسى عليه السلام ~~إنما نطلب نزول المائدة علينا لأن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا. وقيل: ~~معناه نريد أن نأكل منها للتبرك بها لا أكل حاجة وتطمئن قلوبنا يعني وتسكن ~~قلوبنا ونستيقن قدرة الله تعالى لأنا، وإن علمنا قدرة الله بالدليل، فإذا ~~شاهدنا نزول المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة ونعلم أن قد صدقتنا ~~يعني: ونزداد إيمانا ويقينا بأنك رسول الله ونكون عليها من الشاهدين يعني ~~لله بالوحدانية ولك بالرسالة والنبوة. وقيل: معناه ونكون لك عليها من ~~الشاهدين عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم، فلما قالوا ذلك، أمرهم عيسى أن ~~يصوموا ثلاثين يوما وقال لهم: إنكم إذا صمتم ذلك وأفطرتم فلا تسألون الله ~~شيئا إلا أعطاكم، ففعلوا ذلك وسألوا نزول المائدة فعند ذلك قال عيسى ابن ms1096 ~~مريم اللهم قيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وبكى ثم دعا ~~فقال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~يعني عائدة من الله علينا وحجة وبرهانا والعيد يوم السرور وأصله من عاد ~~يعود إذا رجع والمعنى نتخذ ذلك اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا لعظمه ~~ونصلي فيه نحن ومن يجيء من بعدنا فنزلت في يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا. ~~وقال ابن عباس: معناه يأكل منها أول الناس كما يأكل آخرهم وآية منك أي ~~وتكون المائدة دلالة على قدرتك دلالة على قدرتك ووحدانيتك وحجة بصدق رسولك ~~وارزقنا أي ارزقنا ذلك من عندك وقيل: ارزقنا الشكر على هذه النعمة وأنت خير ~~الرازقين يعني وأنت خير من تفضل ورزق قال الله عز وجل مجيبا لعيسى إني ~~منزلها عليكم يعني المائدة فمن يكفر بعد منكم يعني بعد نزول المائدة فإني ~~أعذبه عذابا يعني جنسا من العذاب لا أعذبه أحدا من العالمين يعني من عالمي ~~زمانهم فجحدوا وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا خنازير. قال الزجاج: ويجوز ~~أن يكون هذا العذاب معجلا في الدنيا ويجوز أن يكون مؤخرا إلى الآخرة. قال ~~عبد الله بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من ~~أصحاب المائدة وآل فرعون. واختلف العلماء في نزول المائدة فقال الحسن ~~ومجاهد: # لم تنزل المائدة لأن الله لما أوعدهم على كفرهم بالعذاب بعد نزول المائدة ~~خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل عليهم فعلى هذا ~~القول يكون معنى قوله تعالى: إني منزلها عليكم إن سألتم نزولها والصحيح ~~الذي عليه جمهور العلماء والمفسرين أنها نزلت لأن الله تعالى قال: إني ~~منزلها عليكم وهذا وعد من الله بإنزالها ولا خلف في خبره ووعده ولما روي عن ~~عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلت المائدة من ~~السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ~~ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير # PageV02P092 # أخرجه الترمذي. وقال قد روي ms1097 عن عمار من غير طريق موقوفا وهو أصح. وقال ~~ابن عباس: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ثلاثين يوما ثم اسألوا الله ~~ما شئتم يعطيكموه فصاموا فلما فرغوا قالوا يا عيسى إنا لو عملنا عملا لأحد ~~فقضينا عمله لأطعمنا وسألوا المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها ~~سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل ~~أولهم. وقال سليمان الفارسي: لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى صوفا وبكى ~~وقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء الآية، فنزلت سفرة حمراء بين ~~غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي تهوي إليهم ~~منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من ~~الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة واليهود ينظرون إلى شيء لم ~~ينظروا مثله ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه فقال عيسى عليه السلام ليقم ~~أحسنكم عملا فليكشف عنها ويسم الله. فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت ~~أولى بذلك منا. فقام عيسى عليه السلام فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى بكاء ~~كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة ~~مشوية ليس فيها شوك ولا عليها فلوس تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ~~ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد ~~منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى ~~الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام ~~الجنة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة ~~ولكنه شيء اخترعه الله بقدرته العالية. كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ~~ويزدكم من فضله. فقالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها فقال عيسى: معاذ ~~الله أن آكل منها يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها فدعا لها أهل ~~الفاقة والمرض والبرص والجذام والمقعدين فقال: كلوا من رزق الله لكم الشفاء ~~ولغيركم البلاء، فأكلوا منها ms1098 وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض ~~وزمن ومبتلى وصدروا عنها وهم شباع، وإذا السمكة بحالها حين أنزلت ثم طارت ~~المائدة صعودا وهم ينظرون إليها حتى توارت ولم يأكل منها مريض أو زمن أو ~~مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى. وندم من لم يأكل منها. # وقيل: مكثت أربعين صباحا تنزل ضحى فإذا نزلت اجتمع إليها الأغنياء ~~والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء يأكلون منها ولا تزال منصوبة ~~يؤكل منها حتى يفيء الفيء، فإذا فاء الفيء، طارت وهم ينظرون إليها حتى ~~تتوارى عنهم وكانت تنزل غبا يوما ويوما لا تنزل فأوحى الله عز وجل إلى عيسى ~~عليه السلام اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء ~~حتى شكوا وشككوا الناس فيها وقالوا: ترون المائدة حقا تنزل من السماء، ~~فأوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام إني شرطت أن من كفر بعد نزولها ~~عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عيسى عليه السلام عند ذلك «إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» فمسخ الله منهم ~~ثلاثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم ثم أصبحوا خنازير ~~يسعون في الطرق يأكلون العذرة من الكناسات والحشوش فلما رأى الناس ذلك ~~فزعموا إلى عيسى عليه السلام وبكوا ولما أبصرت الخنزير عيسى عليه السلام ~~بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى عليه السلام يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ~~ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وقال كعب: أنزلت ~~المائدة منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل شيء إلا ~~اللحم وقال ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. وقال ~~الكلبي: كان عليها خبز بر وبقل. وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير ~~وحيتانا فكان القوم يأكلون ويخرجون ثم يجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا ~~بأجمعهم وفضل. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن ~~والسلوى لبني إسرائيل. وقال الكلبي ومقاتل: أنزل الله سمكا وخمسة أرغفة ~~فأكلوا منها ما شاء ms1099 الله والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا ~~الحديث ضحك من لم يشهد منهم وقالوا ويحكم إنما سحر أعينكم فمن أراد الله به ~~خيرا ثبته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره فمسخوا خنازير وليس فيهم # PageV02P093 # صبي ولا امرأة فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم ~~يشربوا وكذلك كل ممسوخ. ### || [سورة المائدة (5): آية 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) # قوله عز وجل: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله الآية اختلف المفسرون في وقت هذا القول فقال السدي: قال ~~الله لعيسى هذا القول حين رفعه إلى السماء بدليل أن حرف إذ يكون للماضي ~~وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله: ~~يوم يجمع الله الرسل وذلك يوم القيامة وبدليل قوله هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم وذلك يوم القيامة وأجيب عن حرف إذ بأنها قد تجيء بمعنى إذا كقوله ولو ~~ترى إذ فزعوا يعني إذ فزعوا وقال الراجز ثم جزاك الله عني إذا جزى. # جنات عدن في السموات العلى ولفظ الآية في قوله: أأنت قلت للناس لفظ ~~استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام من ~~النصارى، لأن عيسى عليه السلام لم يقل هذه المقالة، فإن قلت إذا كان عيسى ~~عليه السلام لم يقلها فما وجه هذا السؤال له مع علم الله بأنه لم يقله؟ ~~قلت: وجه هذا السؤال تثبيت الحجة على قومه وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه ~~وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله ~~وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل فنفى عن نفسه هذه المقالة. وقال: ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به ms1100 أن اعبدوا الله ربي وربكم فاعترف بالعبودية وأنه ليس بإله ~~كما زعمت وادعت فيه النصارى فإن قلت إن النصارى لم يقولوا بإلهية مريم، ~~فكيف قال: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قلت إن النصارى لما ادعت في عيسى ~~أنه إله ورأوا أن مريم ولدته لزمهم بهذه المقالة على سبيل التبعية وقوله ~~تعالى إخبارا عن عيسى عليه السلام قال سبحانك يعني تنزيها لك عن النقائص ~~وبراءة لك من العيوب قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه السلام قال سبحانك يعني ~~تنزيها لك عن النقائص وبراءة لك من العيوب قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه ~~السلام هذا الخطاب وهو قوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله ارتعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم وقال مجيبا ~~لله تعالى سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي كيف أقول هذا الكلام ~~ولست بأهل ولست أستحق العبادة حتى ادعو الناس إليها ولما بين أنه ليس له أن ~~يقول هذه المقالة وهذا المقام مقام التواضع والخشوع لعظمة الله تعالى شرع ~~في بيان هل وقع ذلك منه أم لا؟ فقال: إن كنت قلته فقد علمته أسند العلم إلى ~~الله تعالى وهذا هو غاية الأدب وإظهار المسكنة لعظمة الله تعالى وتفويض ~~الأمر إلى علمه ثم قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك يعني تعلم ما ~~أعلم ولا أعلم ما تعلم وقال ابن عباس تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ~~وقيل معناه تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي وقيل معناه تعلم ما كان مني في ~~دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة وقيل معناه تعلم ما أقول ~~وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء ~~وذاته بمعنى واحد. وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقال ~~تعلم جميع حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك. وقيل: معناه تعلم معلومي ولا ~~أعلم ms1101 معلومك وإنما ذكر هذا الكلام على طريقة المشاكلة والمطابقة وهو من ~~فصيح الكلام ثم قال: إنك أنت علام الغيوب يعني أنك تعلم ما كان وما سيكون ~~وهذا تأكيد لما تقدم من قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. # PageV02P094 ### || [سورة المائدة (5): الآيات 117 الى 118] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) # قوله تعالى إخبارا عن عيسى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به يعني ما قلت لهم ~~إلا قولا أمرتني به أن اعبدوا الله يعني قلت لهم اعبدوا الله ربي وربكم ~~يعني وحده ولا تشركوا به شيئا وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم يعني وكنت أشهد ~~ما يفعلون وأحصره ما دمت مقيما فيهم فلما توفيتني يعني فلما رفعتني إلى ~~السماء فالمراد به وفاة الرفع لا الموت كنت أنت الرقيب عليهم يعني الحفيظ ~~عليهم المراقب لأعمالهم وأحوالهم والرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء وأنت ~~على كل شيء شهيد يعني أنت شهدت مقالتي التي قلتها لهم وأنت الشهيد عليهم ~~بعد ما رفعتني إليك لا تخفى عليك خافية فعلى هذا الشهيد هنا بمعنى الشاهد ~~لما كان وما يكون أن يجوز أن يكون الشهيد هنا بمعنى العليم يعني أنت العالم ~~بكل شيء فلا يعزب عن علمك شيء. # قوله عز وجل إخبارا عن عيسى عليه السلام إن تعذبهم يعني إن تعذب هؤلاء ~~الذين قالوا هذه المقالة بأن تميتهم على كفرهم فإنهم عبادك لا يقدرون على ~~دفع ضر نزل بهم ولا جلب نفع لأنفسهم وأنت العادل فيهم لأنك أوضحت لهم طريق ~~الحق فرجعوا عنه وكفروا وإن تغفر لهم يعني لمن تاب من كفره منهم بأن تهديه ~~إلى الإيمان فإن ذلك بفضلك ورحمتك فإنك أنت العزيز يعني في الانتقام ممن ~~تريد الانتقام منه لا يمتنع عليك ما تريده الحكيم في أفعالك ms1102 كلها وهذا ~~التفسير إنما يصح على قول السدي لأنه قال كان سؤال الله عز وجل لعيسى عليه ~~السلام حين رفعه إلى السماء قبل يوم القيامة. أما على قول جمهور المفسرين ~~إن هذا السؤال إنما يقع يوم القيامة ففي قوله وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم إشكال وهو أنه يليق بعيسى عليه السلام طلب المغفرة لهم مع علمه بأن ~~الله تعالى لا يغفر لمن يموت على الشرك والجواب عن هذا الإشكال من وجوه ~~أحدها أنه ليس هذا على طريق طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال فإنك أنت الغفور ~~الرحيم ولكنه على تسليم الأمر إلى الله وتفويضه إلى مراده فيهم لأنه العزيز ~~في ملكه الحكيم في فعله ويجوز في حكمته وسعة مغفرته ورحمته أن يغفر للكفار، ~~لكنه تعالى أخبر أنه لا يفعل ذلك بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به الوجه ~~الثاني: قيل معناه أن تعذبهم يعني إقامتهم على كفرهم إلى الموت وإن تغفر ~~لهم يعني لمن آمن منهم وتاب ورجع عن كفره، الوجه الثالث: قال ابن الأنباري: ~~لما قال الله لعيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. لم يقع ~~لعيسى إلا أن النصارى حكت عنه الكذب لأنه لم يقل ذلك وقول الكذب ذنب فيجوز ~~أن يسأل له المغفرة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (م) عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم ~~رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني الآية وقول عيسى: إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فرفع يديه وقال ~~اللهم أمتي أمتي فبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم ~~فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك ~~في أمتك ولا نسوءك. عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله ms1103 عليه وسلم قام حتى ~~أصبح بآية والآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم أخرجه النسائي قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5): الآيات 119 الى 120] # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم اتفق جمهور العلماء على أن المراد ~~بهذا اليوم يوم القيامة # PageV02P095 # والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة لأنه يوم الإثابة والجزاء ~~وما تقدم من صدقهم في الدنيا يتبين نفعه يوم القيامة والمراد بالصادقين ~~النبيون والمؤمنون لأن الكفار لا ينفعهم صدقهم يوم القيامة. قال قتادة: ~~متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام لأنه يقوم فيقول ما قص ~~الله عنه ما قلت لهم إلا ما أمرتني به الآية فكان صادقا في الدنيا والآخرة ~~فينفعه صدقه. وأما المتكلم الآخر فإبليس فإنه يقوم فيقول وقال الشيطان لما ~~قضى الأمر الآية فصدق عدو الله فيما قال ولم ينفعه صدقه. وقال عطاء هو يوم ~~من أيام الدنيا لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وذهب في هذا القول إلى ظاهر ~~الآية من أن الصدق النافع إنما يكون في الدنيا وهذا القول موافق لمذهب ~~السدي حيث يقول إن هذه المخاطبة جرت مع عيسى عليه السلام حين رفع إلى ~~السماء، والوجه ما ذهب إليه الجمهور ثم ذكر الله تعالى ما لهم من الثواب ~~على صدقهم فقال تعالى: لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~فهذا إشارة إلى ما يحصل من الثواب الدائم الذي لا انقطاع له ولا انتهاء رضي ~~الله عنهم يعني بطاعتهم لهم ورضوا عنه يعني بما أعطاهم من ثوابه وجزيل ~~كرامته ذلك إشارة إلى ما ذكره من ثوابهم الفوز العظيم يعني أنهم فازوا ~~بالجنة وبرضوانه عنهم ونجوا من النار لله ملك السماوات والأرض وما فيهن عظم ~~الله عز وجل نفسه عما قال ms1104 فيه النصارى يعني، أن الذي له ملك السموات والأرض ~~هو الذي يستحق الإلهية لا ما قالت النصارى من إلهة المسيح وأمه لأنهما جملة ~~من في السموات والأرض فهما عبيده وفي ملكه. وقيل: # هو جواب السؤال مضمر في الكلام كأنه لما وعد الصادقين بالثواب العظيم قيل ~~من يعطيهم ذلك قال الذي له ملك السموات والأرض ومن فيهن وهو على كل شيء ~~قدير والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV02P096 ### | سورة الأنعام # (فصل في ذكر نزولها) روى مجاهد عن ابن عباس أن سورة الأنعام مما نزل بمكة ~~وهذا قول الحسن وقتادة وجابر بن زيد. وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: نزلت سورة الأنعام جملة ليلا بمكة وحولها سبعون ألف ملك ~~وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية نزلت جملة واحدة نزلت ليلا وكتبوها ~~من ليلتهم غير ست آيات منها فإنها مدنيات وهي قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم إلى آخر الثلاث آيات وقوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره ~~الآية وقوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء إلى آخر الآيتين وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين وهما قوله ~~تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق الآية وقوله ~~تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الآية وروي عن ابن ~~عباس أيضا وقتادة أنهما قالا: هي مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة قوله وما ~~قدروا الله حق قدره وقوله: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات الآية ~~ولما نزلت سورة الأنعام ومعها سبعون ألف ملك قد سدوا ما بين الخافقين لهم ~~زجل بالتسبيح والتحميد قال النبي صلى الله عليه وسلم «سبحان ربي العظيم ~~سبحان ربي العظيم وخر ساجدا» قال البغوي وروي عنه مرفوعا من قرأ سورة ~~الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره وذكره بغير سند والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأنعام (6): آية 1] # بسم الله ms1105 الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) # قوله عز وجل: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض قال كعب الأحبار: هذه ~~الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة قوله تعالى: وقل الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا الآية وفي رواية عنه أن آخر آية في التوراة آخر سورة هود ~~قال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السموات ~~والأرض وختمه بالحمد فقال تعالى: وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين وفي قوله: الحمد لله، تعليم لعباده كيف يحمدونه أي: قولوا الحمد ~~لله. وقال أهل المعاني لفظه خبر ومعناه الأمر أي احمدوا الله وإنما جاء على ~~صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ من البيان من حيث إنه جمع الأمرين ~~ولو قيل احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله الحمد لله أبلغ وقد تقدم ~~معنى الحمد في تفسير سورة فاتحة الكتاب بما فيه مقنع الذي خلق السموات ~~والأرض أي احمدوا الله خلق السموات والأرض وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم ~~المخلوقات فيما يرى العباد لأن السماء بغير عمد ترونها وفيها العبر ~~والمنافع والأرض مسكن الخلق وفيها أيضا العبر والمنافع وجعل الظلمات والنور ~~الجعل هنا بمعنى الخلق أي وخلق الظلمات والنور. قال السدي: يريد بالظلمات، ~~ظلمات الليل والنهار، وبالنور، نور النهار. وقال الحسن: يعني بالظلمات ~~الكفر وبالنور الإيمان. وقيل: يعني بالظلمات # PageV02P097 # الجهل وبالنور العلم. وقيل: الجنة والنار. وقال قتادة: خلق الله السموات ~~قبل الأرض وخلق الظلمات قبل النور وخلق الجنة قبل النار. # روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد ~~اهتدى ومن أخطأه ضل» ذكره البغوي بغير سند ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ~~يعني والذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يشركون وأصل العدل، مساواة الشيء ~~بالشيء. والمعنى: أنهم يعدلون بالله غير الله ويجعلون له ms1106 عديلا من خلقه ~~فيعبدون الحجارة مع إقرارهم بأن الله خلق السموات والأرض. # وقال النضر بن شميل: الباء في قوله بربهم بمعنى عن أي عن ربهم يعدلون ~~وينحرفون من العدول عن الشيء وقيل دخول ثم في قوله ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون دليل على معنى لطيف وهو أنه تعالى دل به على إنكاره على الكفار ~~العدل به وعلى تعجيب المؤمنين من ذلك ومثال ذلك: أن تقول لرجل أكرمتك ~~وأحسنت إليك وأنت تنكرني وتجحد إحساني إليك فتقول ذلك منكرا عليه ومتعجبا ~~من فعله قوله تعالى: # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 2 الى 3] # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) # هو الذي خلقكم من طين يعني أنه تعالى خلق آدم من طين وإنما خاطب ذريته ~~بذلك لأنه أصلهم وهم من نسله وذلك لما أنكر المشركون البعث وقالوا من يحيي ~~العظام وهي رميم أعلمهم بهذه الآية أنه خلقهم من طين وهو القادر على إعادة ~~خلقهم وبعثهم بعد الموت. قال السدي: لما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم بعث ~~جبريل إلى الأرض ليأتيه بقبضة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن ~~تقبض مني فراجع ولم يأخذ منها شيئا فقال: يا رب عاذت بك فبعث الله ميكائيل ~~فاستعاذت فرجع فبعث الله ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن ~~أخالف أمره وأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذا اختلفت ~~ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم ثم ~~قال الله لملك الموت رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل ~~أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع ~~الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ~~والسهل والحزن والخبيث والطيب» أخرجه ms1107 أبو داود والترمذي وأما قوله تعالى: ~~ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده فاختلف العلماء في معنى ذلك فقال الحسن وقتادة ~~والضحاك: # الأجل الأول، من وقت الولادة إلى وقت الموت. والأجل الثاني: من وقت الموت ~~إلى البعث، وهو البرزخ. # ويروى نحو ذلك عن ابن عباس قال: لكل أحد أجلان: أجل إلى الموت، وأجل من ~~الموت إلى البعث، فإن كان الرجل برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث ~~إلى أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل ~~البعث وذلك قوله: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب وقال ~~مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة. ~~وقيل: الأجل هو الوقت المقدر فأجل كل إنسان مقدر معلوم عند الله لا يزيد ~~ولا ينقص. # والأجل الثاني: هو أجل القيامة وهو أيضا معلوم مقدر عند الله لا يعلمه ~~إلا الله تعالى وقال ابن عباس في رواية عطاء عنه ثم قضى أجلا يعني النوم ~~تقبض فيه الروح ثم ترجع عند الانتباه وأجل مسمى عنده هو أجل الموت وقيل هما ~~واحد ومعناه ثم قضى أجلا يعني قدر مدة لأعماركم تنتهون إليها وهو أجل مسمى ~~عنده يعني أن ذلك الأجل عنده لا يعلمه إلا هو والمراد بقوله عنده يعني في ~~اللوح المحفوظ الذي لا يطلع عليه غيره ثم أنتم تمترون يعني ثم أنتم تشكون ~~في البعث. # PageV02P098 # قوله عز وجل: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعني وهو إله السموات وإله ~~الأرض. وقيل: معناه وهو المعبود في السموات وفي الأرض. وقال محمد بن جرير ~~الطبري: معناه وهو الله في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض. وقال ~~الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي ~~الأرض. وقيل: معناه وهو المنفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض لا شريك له ~~فيهما. والمراد بالسر، ما يخفيه الإنسان في ضميره فهو من أعمال القلوب ~~وبالجهر ما يظهره الإنسان فهو من أعمال الجوارح والمعنى: ms1108 أن الله لا يخفى ~~عليه خافية في السموات ولا في الأرض ويعلم ما تكسبون يعني من خير أو شر، ~~بقي في الآية سؤال وهو أن الكسب إما أن يكون من أعمال القلوب وهو المسمى ~~بالسر أو من أعمال الجوارح وهو المسمى بالجهر فالأفعال لا تخرج عن هذين ~~النوعين يعني السر والجهر فقوله ويعلم ما تكسبون يقتضي عطف الشيء على نفسه ~~وذلك غير جائز فما معنى ذلك وأجيب عنه بأنه يجب حمل قوله ويعلم ما تكسبون ~~على ما يستحقه الإنسان على فعله وكسبه من الثواب والعقاب والحاصل فيه أنه ~~محمول على المكتسب فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ولا يجوز ~~حمله على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه ذكره الإمام فخر الدين. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 4 الى 7] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء ~~عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) # وما تأتيهم يعني أهل مكة من آية من آيات ربهم يعني من المعجزات الباهرات ~~التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغير ذلك وقيل ~~المراد بالآيات آيات القرآن إلا كانوا عنها معرضين يعني إلا كانوا لها ~~تاركين وبها مكذبين فقد كذبوا بالحق يعني بآيات القرآن وقيل بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبما أتى به من المعجزات لما جاءهم يعني لما جاءهم الحق من عند ~~ربهم كذبوا به فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن يعني فسوف يأتيهم ~~أخبار استهزائهم إذا عذبوا في الآخرة. # قوله تعالى: ألم يروا الخطاب لكفار مكة يعني ألم ير هؤلاء المكذبون ~~بآياتي كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني ms1109 مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من ~~الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن الأمة من الناس وأهل كل زمان قرن ~~سموا بذلك لاقترانهم في الوجود في ذلك الزمان وقيل سمي قرنا لأنه زمان ~~بزمان وأمة بأمة واختلفوا في مقدار القرن، فقيل: ثمانون سنة. وقيل: ستون ~~سنة. وقيل: أربعون سنة. وقيل: مائة وعشرون، وقيل: مائة سنة. وهو الأصح لما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني: إنك تعيش ~~قرنا فعاش مائة سنة. فعلى هذا القول: المراد بالقرن أهله الذين وجدوا فيه، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم يعني أصحابي وتابعيهم وتابعي التابعين مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم يعني أعطيناهم ما لم نعطكم يا أهل مكة وقيل أمددناهم في العمر ~~والبسطة في الأجسام والسعة في الأرزاق مثل إعطاء قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا مفعال من الدر يعني وأرسلنا المطر متتابعا في ~~أوقات الحاجة إليه والمراد بالسماء المطر سمي بذلك لنزوله منها وجعلنا ~~الأنهار تجري من تحتهم يعني: # وفجرنا لهم العيون تجري من تحتهم والمراد منه كثرة البساتين فأهلكناهم ~~بذنوبهم يعني بسبب ذنوبهم وكفرهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين يعني وخلفنا ~~من بعد هلاك أولئك أهل قرن آخرين وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة ~~بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية فإنهم مع ما كانوا فيه من ~~القوة وسعة # PageV02P099 # الرزق وكثرة الأتباع أهلكناهم لما كفروا وطغوا وظلموا فكيف حال من هو ~~أضعف منهم وأقل عددا وعددا وهذا يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ~~ورقدة الجهالة. # قوله عز وجل: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس الآية. قال الكلبي ومقاتل: ~~نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد قالوا يا محمد ~~لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون ~~عليه أنه من عند الله وإنك رسوله فأنزل الله تعالى هذه الآية ولو ms1110 نزلنا ~~عليك كتابا في قرطاس يعني من عندي يعني مكتوبا في قرطاس وهو الكاغد ~~والصحيفة التي يكتب فيها فلمسوه بأيديهم يعني فعاينوه ومسوه بأيديهم وإنما ~~ذكر اللمس، ولم يذكر المعاينة، لأنه أبلغ في إيقاع العلم بالشيء من الرؤية، ~~لأن المرئيات قد يدخلها التخيلات كالبحر ونحوه بخلاف الملموس لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين يعني لو أنزلنا عليهم كتابا كما سألوه لما آمنوا ~~به ولقالوا هذا سحر مبين كما قالوا في انشقاق القمر وأنه لا ينفع معهم شيء ~~لما سبق فيهم من علمي بهم. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 8 الى 11] # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ~~ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) قل سيروا في ~~الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # وقالوا يعني مشركي مكة لولا يعني هلا أنزل عليه يعني على محمد ملك يعني ~~نراه عيانا ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر يعني لفرغ الأمر ولوجب العذاب وهذه ~~سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا استوجبوا العذاب ~~واستؤصلوا به ثم لا ينظرون يعني أنهم لا يمهلون ولا يؤخرون طرفة عين بل ~~يعجل لهم العذاب ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا ~~لجعلناه في صورة رجل وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في ~~صورهم التي خلقوا عليها ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته ولذلك كانت ~~الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في ~~صورة رجلين وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام ولما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلق عليها صعق لذلك وغشي ~~عليه. # وقوله تعالى: وللبسنا عليهم ما يلبسون يقال لبست الأمر على القوم إذا ~~أشبهته عليهم وجعلته ms1111 مشكلا ولبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف ~~جهته ومعنى الآية وخالطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا ~~أملك هو أم آدمي وقيل في معنى الآية إنا لو جعلنا الملك في صورة البشر ~~لظنوه بشرا فتعود المسألة بحالها أنا لا نرضى برسالة البشر ولو فعل الله عز ~~وجل ذلك صار فعل الله مثل فعلهم في التلبيس وإنما كان تلبيسا لأنهم يظنون ~~أنه ملك وليس بملك أو يظنون أنه بشر وليس هو بشرا وإنما كان فعلهم تلبيسا ~~لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما هو ~~بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلا للحقهم من اللبس مثل ما لحق بضعفائهم فيكون ~~اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال ~~واللبس على الضعفاء. # قوله عز وجل: ولقد استهزئ برسل من قبلك يعني كما استهزئ بك يا محمد وفي ~~هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له عما كان من تكذيب ~~المشركين إياه واستهزائهم به إذ جعل له أسوة في ذلك بالأنبياء الذين كانوا ~~قبله فحاق أي فنزل وقيل: أحاط، وقيل: حل بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزؤن والمعنى: # فنزل العذاب بهم ووجب عليهم من النقمة والعذاب جزاء استهزائهم أو في هذه ~~الآية تحذير للمشركين أن يفعلوا # PageV02P100 # بنبيهم كما فعل من كان قبلهم بأنبيائهم فينزل بهم مثل ما نزل بهم قل ~~سيروا في الأرض أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سيروا في الأرض معتبرين ~~ومتفكرين وقيل هو سير الأقدام ثم انظروا فعلى القول الأول يكون النظر نظرة ~~فكرة وعبرة وهو بالبصيرة بالبصر وعلى القول الثاني يكون المراد بالنظر نظر ~~العين والمعنى ثم انظروا بأعينكم إلى آثار الأمم الخالية والقرون الماضية ~~السالفة وهو قوله تعالى: كيف كان عاقبة المكذبين يعني كيف كان جزاء ~~المكذبين وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك فحذر كفار مكة عذاب الأمم ~~الخالية. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 12 الى 13] # قل لمن ما في السماوات ms1112 والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # قوله عز وجل: قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله هذا سؤال وجواب المعنى ~~قل يا محمد لهؤلاء المكذبين العادلين بربهم لمن ملك ما في السموات والأرض ~~فإن أجابوك وإلا فأخبرهم أن ذلك لله الذي قهر كل شيء وملك كل شيء واستعبد ~~كل شيء لا للأصنام التي تعبدونها أنتم فإنها موات لا تملك شيئا ولا تملك ~~لنفسها ضرا ولا نفعا وإنما أمره بالجواب عقب السؤال ليكون أبلغ في التأكيد ~~وآكد في الحجة ولما بين الله تعالى كمال قدرته وتصرفه في سائر مخلوقاته ~~أردفه بكمال رحمته وإحسانه إليهم فقال تعالى: كتب على نفسه الرحمة يعني أنه ~~تعالى أوجب وقضى على نفسه الرحمة وهذا استعطاف منه للمتولين عنه الإقبال ~~عليه وإخبار بأنه رحيم بعباده وأنه لا يعجل بالعقوبة بل يقبل التوبة ~~والإنابة ممن تاب وأناب (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب ~~غضبي» وفي البخاري: «أن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت ~~غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش» وفي رواية لهما أن الله لما خلق الخلق، ~~وعند مسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو موضوع عنده، ~~زاد البخاري على العرش ثم اتفقا «إن رحمتي تغلب غضبي» (ق) عن أبي هريرة قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك ~~عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق ~~حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» زاد البخاري في رواية له ~~ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم ~~المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب ms1113 لم يأمن من العذاب. ولمسلم إن لله مائة ~~رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون ~~وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم ~~بها عباده يوم القيامة (م) عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما ~~بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها ~~والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» (ق) ~~عن عمر قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي ~~تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله ~~وهي تقدر أن تطرحه فقال صلى الله عليه وسلم الله أرحم بعباده من هذه المرأة ~~بولدها. # وقوله تعالى: ليجمعنكم اللام في قوله ليجمعنكم لام القسم تقديره والله ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة يعني في يوم القيامة وقيل معناه في قبوركم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه أي لا شك فيه أنه آت الذين خسروا أنفسهم يعني ~~بالشرك بالله أو غبنوا أنفسهم باتخاذهم الأصنام فعرضوا أنفسهم لسخط الله ~~وأليم عقابه فكانوا كمن خسر شيئا وأصل الخسار الغبن يقال خسر الرجل إذا غبن ~~في بيعه فهم لا يؤمنون يعني لما سبق عليهم القضاء # PageV02P101 # بالخسران فهو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان. # قوله تعالى: وله ما سكن في الليل والنهار يعني وله ما استقر وقيل ما سكن ~~وما تحرك فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر وقيل إنما خص السكون بالذكر لأن ~~النعمة فيه أكثر وقال ابن جرير كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن ~~الليل والنهار فيكون المراد منه جميع ما حصل في الأرض من الدواب والحيوانات ~~والطير وغير ذلك مما في البر والبحر وهذا يفيد الحصر والمعنى أن جميع ~~الموجودات ملك ms1114 لله تعالى لا لغيره وهو السميع لأقوالهم وأصواتهم العليم ~~بسرائرهم وأحوالهم. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 14 الى 17] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) ~~وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ~~(17) # قوله عز وجل: قل أغير الله أتخذ وليا قال مقاتل لما دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى دين آبائه أنزل الله هذه الآية فقال قل لهم يا محمد ~~أغير الله اتخذ وليا يعني ربا ومعبودا وناصرا ومعينا وهو استفهام ومعناه ~~الإنكار أي لا أتخذ غير الله وليا فاطر السماوات والأرض أي خالق السموات ~~والأرض ومبدعهما ومبدئهما وهو يطعم ولا يطعم يعني وهو يرزق ولا يرزق وصف ~~الله عز وجل نفسه بالغني عن الخلق وباحتياج الخلق إليه لأن من كان من صفته ~~أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه وهو لا يطعم لاستغنائه سبحانه وتعالى عن ~~الإطعام فهو غني عن الخلق ومن كان كذلك وجب أن يتخذ ربا وناصرا ووليا ~~ومعبودا قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم يعني من هذه الأمة والإسلام بمعنى ~~الاستسلام يعني أمرت أن استسلم لأمر الله وأنقاد إلى طاعته ولا تكونن من ~~المشركين يعني وقيل لي يا محمد لا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى عبادة ~~غيري إن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم ونهاني عن عبادة شيء سواه وإني أخاف ~~إن عصيت ربي فعبدت شيئا سواه عذاب يوم عظيم وهو عذاب يوم القيامة من يصرف ~~عنه يعني العذاب يومئذ يعني يوم القيامة فقد رحمه يعني بأن أنجاه من العذاب ~~ومن أنجاه من العذاب فقد رحمه وأناله الثواب لا محالة وإنما ذكر الرحمة ms1115 من ~~صرف العذاب لئلا يتوهم أنه صرف العذاب فقط بل تحصل الرحمة من صرف العذاب ~~عنه وذلك الفوز المبين يعني أن صرف العذاب وحصول الرحمة هو النجاة والفلاح ~~المبين. # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر يعني بشدة وبلية والضر اسم جامع لما ينال ~~الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه فلا كاشف له إلا هو يعني ~~فلا يدفع ذلك الضر إلا الله عز وجل: وإن يمسسك بخير يعني بعافية ونعمة ~~والخير اسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور ونحو ذلك فهو على ~~كل شيء قدير يعني من دفع الضر وجلب الخير. وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى: لا تتخذ وليا سوى الله لأنه هو القادر على أن يمسك بضر ~~وهو القادر على دفعه عنك وهو القادر على إيصال الخير إليك وأنه لا يقدر على ~~ذلك إلا هو فاتخذه وليا وناصرا ومعينا. وهذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو عام لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضر أيها الإنسان فلا ~~كاشف لذلك الضر إلا هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من ~~دفع الضر وإيصال الخير. # PageV02P102 # عن ابن عباس قال: «كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقيل لي يا ~~غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت ~~فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ~~ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك ~~بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» أخرجه ~~الترمذي زاد فيه رزين تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وفيه «وإن ~~استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن الصبر ~~على ما تكره خير كثير واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع ~~العسر يسرا ولن يغلب عسر ms1116 يسرين» قال ابن الأثير وقد جاء نحو هذا أو مثله ~~بطوله في مسند أحمد بن حنبل. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 18 الى 20] # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي شيء أكبر شهادة قل ~~الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء ~~مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) # قوله عز وجل: وهو القاهر فوق عباده يعني وهو الغالب لعباده القاهر لهم ~~وهم مقهورون تحت قدرته والقاهر والقهار معناه الذي يدبر خلقه بما يريد فيقع ~~في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن ويفقر ويميت ويذل خلقه فلا يستطيع ~~أحد من خلقه رد تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره وهذا معنى القاهر في ~~صفة الله تعالى لأنه القادر والقاهر الذي لا يعجزه شيء أراده ومعنى فوق ~~عباده هنا أن قهره قد استعلى على خلقه فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم ~~به من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه ولا ينفك عنه فكل ~~من قهر شيئا فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة. وقال ابن جرير الطبري: معنى ~~القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم وإنما قال فوق عباده لأنه تعالى وصف نفسه ~~بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون مستعليا عليه فمعنى الكلام إذا ~~والله الغالب عباده المذلل لهم العالي عليهم بتذليله إياهم فهو فوقهم بقهره ~~إياهم وهم دونه. وقيل: # فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل: وهو الحكيم يعني ~~في أمره وتدبير عباده الخبير يعني بأعمالهم وما يصلحهم. # قوله عز وجل: قل أي شيء أكبر شهادة قال الكلبي أتى أهل مكة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى ~~أحدا يصدقك ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ~~فأنزل الله ms1117 عز وجل قل يعني يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ~~نبوتك من قومك أي شيء أكبر شهادة يعني أعظم شهادة فإن هم أجابوك وإلا قل ~~أنت يا محمد الله شهيد بيني وبينكم قال مجاهد أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن يسأل قريشا أي شيء أكبر شهادة ثم أمره أن يخبرهم فيقول الله شهيد بيني ~~وبينكم يعني يشهد لي بالحق وعليكم بالباطل الذي تقولونه والحاصل أنهم طلبوا ~~شاهدا مقبول القول يشهد له بالنبوة فبين الله تعالى بهذه الآية أن أكبر ~~الأشياء شهادة هو الله تعالى ثم بين أنه يشهد له بالنبوة وهو المراد بقوله: ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به يعني أن الله عز وجل يشهد لي بالنبوة لأنه ~~أوحى إلي هذا القرآن وهو معجزة لأنكم أنتم الفصحاء البلغاء وأصحاب اللسان ~~وقد عجزتم عن معارضته فكان معجزا وإذا كان معجزا كان نزوله على شهادة من ~~الله بأني رسوله وهو المراد بقوله لأنذركم به يعني أوحي إلى هذا القرآن ~~لأخوفكم به وأحذركم مخالفة أمر الله عز وجل: ومن بلغ يعني وأنذر من بلغه ~~القرآن ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر ~~الأمم فكل من بلغ إليه القرآن وسمعه فالنبي صلى الله عليه وسلم نذير له قال ~~محمد بن كعب القرظي من بلغه القرآن فكأنما # PageV02P103 # رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال أنس بن مالك لما نزلت هذه الآية ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله ~~عز وجل (خ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار». # ((شرح ما يتعلق بهذا الحديث)) فيه الأمر بإبلاغ ما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى من بعده من قرآن وسنة وقوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ~~الحرج الضيق والإثم ومعنى الحديث أنه مهما ms1118 قلتم عن بني إسرائيل فإنهم كانوا ~~في حال أكثر مما قلتم وأوسع وليس هذا فيه إباحة الكذب والإخبار عن بني ~~إسرائيل لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على بعض البلاغ وإن لم يتحقق ذلك ~~بنقل لأنه أمر قد تعذر لبعد المسافة وطول المدة عن ابن مسعود قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله أمرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه ~~فرب مبلغ أوعى له من سامع» أخرجه الترمذي وله عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى ~~يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» عن ~~ابن عباس قال «تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم» أخرجه أبو داود ~~موقوفا. # وقوله تعالى: أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى يعني قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين الذين جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون ~~أن مع الله آلهة أخرى يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها وإنما قال أخرى لأن ~~الجمع يلحقه التأنيث كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فما بال القرون ~~الأولى ولم يقل الأول ولا الأولين قل لا أشهد يعني قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين لا أشهد بما تشهدون به أن مع الله آلهة أخرى بل أجحد ذلك وأنكره ~~قل إنما هو إله واحد يعني قل لهم إنما الله إله واحد ومعبود واحد لا شريك ~~له وبذلك أشهد وإنني بريء مما تشركون يعني وأنا بريء من كل شيء تعبدونه سوى ~~الله وفي هذه الآية دليل على إثبات التوحيد لله عز وجل وإبطال كل معبود ~~سواه لأن كلمة إنما تفيد الحصر ولفظة الواحد صريح في التوحيد ونفي الشريك ~~فثبت بذلك إيجاب التوحيد وسلب كل شريك والتبرؤ من كل معبود سوى الله تعالى ~~قال العلماء يستحب لكل من أسلم أن يأتي بالشهادتين ويبرأ من كل دين خالف ~~الإسلام لقوله تعالى: وإنني بريء مما تشركون. # قوله عز وجل: ms1119 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم المراد ~~بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذلك أن كفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~إنا سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر وأنكروا معرفته ~~بين الله عز وجل أن شهادته له كافية على صحة نبوته وبين في هذه الآية أنهم ~~يعرفونه وأنهم كذبوا في قولهم إنهم لا يعرفونه. وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر بن الخطاب: ~~إن الله عز وجل أنزل على نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بمكة الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن ~~سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم مني بابني فقال عمر وكيف ذاك؟ قال أشهد أنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حقا ولا أدري ما يصنع النساء. # وقوله تعالى: الذين خسروا أنفسهم يعني: أهلكوا أنفسهم وغبنوها وأوبقوها ~~في نار جهنم بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي الذين خسروا أنفسهم قولان: أحدهما: أنه صفة الذين الأولى ويكون ~~المقصود من ذلك وعيد # PageV02P104 # المعاندين الذين يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ويجحدون نبوته وهم كفار ~~أهل الكتابين فهم لا يؤمنون يعني به. # والقول الثاني: إنه كلام مبتدأ ولا تعلق له بالأول وهم كفار مكة الذين لم ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكروا في معنى الخسار وجهين: أحدهما: أنه ~~الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب كفرهم وإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # والوجه الثاني: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزلا في الجنة ومنزلا في ~~النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة ~~وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار فذلك هو الخسران. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 21 الى 24] # ومن أظلم ممن افترى ms1120 على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ~~(21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا يعني ومن أشد عنادا وأخطأ ~~فعلا وأعظم كفرا ممن اختلق على الله كذبا فزعم أن له شريكا من خلقه وإلها ~~يعبد من دونه كما قال المشركون من عبدة الأصنام، أو ادعى أن له صاحبة وولدا ~~كما قلت النصارى أو كذب بآياته يعني كذب بحجته وأعلام أدلته التي أعطاها ~~رسله كما كذبت اليهود بمعجزات الأنبياء وقيل معناه أو كذب بآيات القرآن ~~الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم إنه لا يفلح الظالمون يعني أنه لا ~~ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون على الله الباطل ويوم نحشرهم جميعا ~~أي اذكر يوم نحشر العابدين والمعبودين وهو يوم القيامة ثم نقول للذين ~~أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون يعني أنها تشفع لكم عند ربكم. # قوله عز وجل: ثم لم تكن فتنتهم يعني قولهم وجوابهم وقال ابن عباس معذرتهم ~~والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له فتنة ~~قال الزجاج في قوله ثم لم تكن فتنتهم معنى لطيف وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب ~~ثم تصيبه فيه محنة فيبرأ من محبوبه فيقال لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب ~~فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ثم لما رأوا العذاب تبرؤوا منها. يقول ~~الله تبارك وتعالى ثم لم تكن فتنتهم ومحبتهم للأصنام إلا أن تبرؤوا منها ~~وهو قوله تعالى: إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وذلك إذا شاهدوا ~~يوم القيامة مغفرة الله تعالى لأهل التوحيد فيقول بعضهم لبعض تعالوا نكتم ~~الشرك لعلنا ننجو من أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم ~~على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: انظر كيف ~~كذبوا على أنفسهم يعني ms1121 انظر يا محمد بعين البصيرة والتأمل إلى حال هؤلاء ~~المشركين كيف كذبوا على أنفسهم يعني اعتذارهم بالباطل وتبرؤهم من الأصنام ~~والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا ~~وذلك لا ينفعهم وهو قوله: وضل عنهم يعني زال عنهم وذهب ما كانوا يفترون ~~يعني ما كانوا يكذبون وهو قولهم إن الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله ~~في ذلك اليوم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 25 الى 26] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون (26) # قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك الآية. قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان صخر ~~بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر # PageV02P105 # يستمعون القرآن فقالوا للنضر يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما ~~يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال ~~أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقا. فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من ~~هذا وفي رواية للموت أهون علينا من هذا فأنزل الله تعالى: ومنهم من يستمع ~~إليك يعني إلى كلامك وقراءتك يا محمد وجعلنا على قلوبهم أكنة يعني أغطية ~~جمع كنان أن يفقهوه يعني لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~يعني وجعلنا في آذانهم صمما وثقلا وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب ~~القلوب فيشرح بعضها للهدى والإيمان فتقبله ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه ~~كلام الله ولا تؤمن به: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها يعني: كل معجزة من ~~المعجزات الدالة على صدقك لا يؤمنوا بها يعني لا يصدقوا بها ولا يقروا أنها ms1122 ~~دالة على صدقك حتى إذا جاؤك يجادلونك يعني أنهم إذا رأوا الآيات واستمعوا ~~القرآن إنما جاءوا ليجادلوك ويخاصموك لا ليؤمنوا بها يقول الذين كفروا إن ~~هذا أي ما هذا القرآن إلا أساطير الأولين يعني أحاديث الأولين من الأمم ~~الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم. وما سطروا: يعني وما كتبوا والأساطير جمع ~~أسطورة وأسطارة. وقيل: واحدها سطر وأسطار جمع وأساطير جمع الجمع فعلى هذا ~~لو قال قائل: لم عابوا القرآن وجعلوه أساطير الأولين وقد سطر الأولون في ~~كتبهم الحكم والعلوم النافعة وما لا يعاب قائله؟ أجيب عنه: بأنهم إنما ~~نسبوا القرآن إلى أساطير الأولين بمعنى أنه ليس بوحي من الله تعالى وإنما ~~هو أخبار مجردة كما تروى أخبار الأولين. وقيل في معنى أساطير الأولين: إنها ~~الترهات وهي عند العرب طرق غامضة ومسالك وعرة مشكلة. # يقول قائلهم: أخذنا في الترهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق ~~المشكل الذي لا يعرض فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف ولا يتضح من الأمور ~~المشكلة الغامضة التي لا أصل لها. # قوله عز وجل: وهم ينهون عنه يعني ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وينأون عنه يعني ويتباعدون عنه بأنفسهمه نزلت في كفار مكة كانوا ~~يمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن الاجتماع به وينهون ~~عن استماع القرآن وكانوا هم كذلك. وقال ابن عباس: نزلت في أبي طالب عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى المشركين عن أذى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويمنعه منهم وينأى هو بنفسه عن الإيمان به بمعنى يبعد حتى روي أنه ~~اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا له خذ شابا من أصبحنا وجها وادفع إلينا ~~محمد. فقال: ما أنصفتموني أدفع إليكم ابني محمدا لتقتلوه وأربي لكم ابنكم ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا طالب إلى الإيمان فقال لولا أن ~~تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال في ذلك أبياتا: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ms1123 ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا # ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وقوله تعالى: وإن يهلكون إلا أنفسهم يعني لا يرجع وبال كفرهم وفعلهم إلا ~~عليهم وما يشعرون يعني بذلك. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 27 الى 30] # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين (29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # PageV02P106 # قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار يعني في النار فوضع على موضع في: ~~كقوله «على ملك سليمان» أي في ملك سليمان وقيل معناه إذ عرضوا على النار ~~وجواب لو محذوف. والمعنى: ولو ترى الكفار الذين ينهون عنك وينأون عنك يا ~~محمد في تلك الحالة لرأيت أمرا عجيبا وموقفا فظيعا فقالوا يعني الكفار يا ~~ليتنا نرد يعني إلى الدنيا ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين تمنوا أن ~~يردوا إلى الدنيا مرة أخرى حتى يؤمنوا ولا يكذبوا بآيات ربهم فرد الله ~~عليهم ذلك فقال تعالى: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل يعني ليس الأمر ~~كما قالوا لو ردوا إلى الدنيا لأمنوا بل ظهر لهم ما كانوا يسرون في الدنيا ~~من الكفر والمعاصي. وقيل: # ظهر لهم ما كانوا يخفون من قولهم والله ربنا ما كنا مشركين أخفوا شركهم ~~وكتموه فأظهره الله عليهم حين شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا من ~~شركهم وقيل ظهر لهم ما أخفوا من الكفر فعلى هذا تكون الآية في المنافقين ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون يعني في قولهم لو رددنا إلى ~~الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين: وقالوا ms1124 إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين وهذا خبر عن حال منكري البعث وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أخبر الكفار عن أحوال القيامة وأهوالها وما أعد الله في ~~الآخرة من الثواب للمؤمنين المطيعين وما أعد الله من العقاب للكفار ~~والعاصين قالوا، يعني الكفار، إن هي أي ما هي إلا حياتنا الدنيا، أي، ليس ~~لنا غير هذه الدنيا التي نحن فيها وما نحن بمبعوثين يعني بعد الموت. وقال ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: # هذا خبر من الله عن هؤلاء الكفار الذي وقفوا على النار أنهم لو ردوا إلى ~~الدنيا لقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. # قوله عز وجل: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم يعني على حكم ربهم وقضائه ~~ومسألته وقال مقاتل عرضوا على ربهم قال أليس هذا بالحق أي يقول الله يوم ~~القيامة أليس هذا البعث والنشر بعد الموت الذي كنتم تنكرونه في الدنيا ~~وتكذبون به وتقولون لا بعث ولا نشور حقا قالوا بلى وربنا يعني أنهم اعترفوا ~~بما كانوا ينكرونه فأجابوا وقالوا بلى والله إنه لحق. وقيل: تقول لهم خزنة ~~النار بأمر الله أليس هذا بالحق يعني البعث حقا فأجابوا بقولهم بلى وربنا ~~قال ابن عباس: للقيامة مواقف ففي موقف ينكرون ويقولون والله ربنا ما كنا ~~مشركين وفي موقف يعترفون بما كانوا ينكرونه في الدنيا قال فذوقوا العذاب أي ~~يقول الله لهم ذلك أو الخزنة تقول لهم ذلك بأمر الله تعالى. وإنما خص لفظ ~~الذوق، لأنهم في كل حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس بما ~~كنتم تكفرون يعني هذا العذاب بسبب كفركم وجحودكم البعث بعد الموت. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 31 الى 33] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ms1125 فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) # قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يعني خسروا أنفسهم بسبب ~~تكذيبهم بالمصير إلى الله تعالى وبالبعث بعد الموت وهذا الخسران هو فوت ~~الثواب العظيم في دار النعيم المقيم وحصول العذاب الأليم، في دركات الجحيم ~~حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة يعني جاءتهم القيامة فجأة وسميت القيامة ساعة: ~~لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تبارك وتعالى. وقيل: ~~سميت ساعة لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو ~~أقل من ذلك قالوا يعني منكري البعث وهم كفار قريش ومن سلك # PageV02P107 # سبيلهم في الكفر والاعتقاد يا حسرتنا يعني: يا ندامتنا والحسرة التلهف ~~على الشيء الفائت وذكرت على وجه النداء للمبالغة والمراد تنبيه المخاطبين ~~على ما وقع بهم من الحسرة على ما فرطنا يعني قصرنا فيها يعني في الدنيا ~~لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة والمعنى يا حسرتنا على الأعمال ~~الصالحة التي فرطنا فيها في دار الدنيا. وقال محمد بن جرير الطبري: الهاء ~~والألف في قوله فيها تعود إلى الصفقة ولكن اكتفى بدلالة قوله قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله عليها من ذكرها إذ كان معلوما أن الخسران لا يكون إلا في ~~صفقة بيع قد جرى ومعنى الآية قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم الإيمان ~~الذي يستوجبون به رضوان الله وجنته بالكفر الذي يستوجبون به سخط الله ~~وعقوبته وهم لا يشعرون بذلك حتى تقوم الساعة. # فإذا جاءتهم الساعة بغتة ورأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم قالوا ~~حينئذ: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وروى الطبري بسنده عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يا حسرتنا، قال: يرى أهل النار ~~منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا. # وقوله تعالى: وهم يحملون أوزارهم يعني أثقالهم: على ظهورهم والأوزار: ~~الخطايا والذنوب. # وأصل الوزر: الثقل والحمل. يقال: وزرته إذا حملته وإنما قيل للذنوب ~~أوزار، لأنها تثقل ظهر من يحملها. قال قتادة والسدي: إن المؤمن ms1126 إذا خرج من ~~قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول ~~أنا عملك الصالح فاركبني فقد طالما ركبتك في الدنيا فذلك قوله: يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا يعني ركبانا. # وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول هل تعرفني؟ فيقول ~~لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك فذلك ~~معنى قوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. # وقال عمر بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح كلما رأى هو ~~صورته وقبحه زاده الله خوفا فيقول له بئس الجليس أنت فيقول أنا عملك طالما ~~ركبتني فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الخلائق فيركبه ويتخطى به الناس ~~حتى يقف بين يدي ربه تعالى فذلك قوله تعالى: وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم. وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في الوزن فقد يذكر في الحال والصفة ~~يقال ثقل علي كلام فلان بمعنى كرهته فالمعنى أنهم يقاسون من ألم عقاب ~~ذنوبهم مقاساة تثقل ذلك عليهم فعلى هذا القول يكون قوله وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم مجازا عما يقاسونه من شدة العذاب. وقيل في معنى الآية: أوزارهم ~~لا تزايلهم كما تقول شخصه نصب عيني أي ذكره ملازم لي ألا ساء ما يزرون يعني ~~بئس الشيء شيئا يحملونه. # وقال ابن عباس: بئس الحمل حملوا. قوله عز وجل: وما الحياة الدنيا إلا لعب ~~ولهو أي باطل وغرور لا بقاء لها وهذا فيه رد على منكري البعث في قولهم إن ~~هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين فقال الله ردا عليهم وكذبا لهم وما ~~الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وهل المراد بهذه الحياة حياة المؤمن أو الكافر ~~قولان: # أحدهما: إن المراد بها حياة الكافر لأن المؤمن لا يزداد بحياته في الدنيا ~~إلا خيرا لأنه يحصل في أيام حياته من الأعمال الصالحة والطاعة ما يكون سببا ~~لحصول السعادة في الآخرة وأما الكافر فإن كل حياته في الدنيا وبال عليه قال ~~ابن عباس يريد حياة أهل الشرك والنفاق. ms1127 # والقول الثاني: إن هذا عام في حياة المؤمن والكافر لأن الإنسان يلتذ ~~باللعب واللهو ثم عند انقضائه تحصل له الحسرة والندامة لأن الذي كان فيه من ~~اللعب واللهو سريع الزوال لا بقاء له فبان بهذا التقرير أن المراد بهذه ~~الحياة حياة المؤمن والكافر وأنه عام فيهما. وإنما شبه الحياة الدنيا ~~باللعب واللهو لسرعة زوالها وقصر عمرها كالشيء الذي يلعب به. # PageV02P108 # وقيل: معناه إن أمر الدنيا والعمل لها لعب ولهو فأما فعل الخير والعمل ~~الصالح فهو من فعل الآخرة وإن كان وقوعه في الدنيا وقيل معناه وما أهل ~~الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لأنه لا يجدي شيئا ولاشتغالهم عما أمروا به ~~ونسبوا إلى اللعب وقوله تعالى: وللدار الآخرة يعني الجنة واللام فيه لام ~~القسم تقديره والله لدار الآخرة خير يعني من الدنيا وأفضل لأن الدنيا سريعة ~~الزوال والانقطاع للذين يتقون يعني الشرك. وقيل: # يتقون اللعب واللهو أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون لها. # قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون يعني قد نعلم يا محمد إنه ~~ليحزنك الذي يقوله المشركون لك، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق أبو جهل ~~بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم ~~كاذب فإنه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدا ~~لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة ~~والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله هذه الآية وقال ناجية ~~بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك ولا نكذبك ولكنا ~~نكذب الذي جئت به، فأنزل الله هذه الآية. عن علي بن أبي طالب أن أبا جهل ~~قال للنبي إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله فيهم فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون أخرجه الترمذي من طريقين وقال في ~~أحدهما وهذا أصح، ففي هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما ~~يواجهه به ms1128 قومه لأنهم كانوا يعتقدون صدقه وأنه ليس بكذاب وإنما حملهم على ~~تكذيبه في الظاهر الحسد والظلم: فإنهم لا يكذبونك يعني أنهم لا يكذبونك في ~~السر، لأنهم قد عرفوا أنك صادق ولكن الظالمين يعني الكافرين بآيات الله ~~يجحدون يعني في العلانية وذلك أنهم جحدوا القرآن بعد معرفة الصدق الذي أنزل ~~عليه لعنادهم وكفرهم كما قال الله تعالى في حق غيرهم، وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. وقيل: ظاهر الآية يدل على أنهم لم يكذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وإنما جحدوا آيات الله وهي القرآن الدال على ~~صدقه، فعلى هذا يكون المعنى: فإنهم لا يكذبونك لأنهم قد عرفوا صدقك وإنما ~~جحدوا آيات الله وهي القرآن الدال على صدقه فعلى هذا يكون المعنى فإنهم لا ~~يكذبونك لأنهم قد عرفوا صدقك وإنما جحدوا صحة نبوتك ورسالتك، قوله عز وجل: # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 34 الى 35] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) وإن كان كبر عليك إعراضهم ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) # ولقد كذبت رسل من قبلك يعني ولقد كذبت الأمم الخالية رسلهم كما كذبك ~~قومك: فصبروا على ما كذبوا وأوذوا يعني أن الرسل عليهم السلام صبروا على ~~تكذيب قومهم إياهم وصبروا على أذاهم، فاصبر أنت يا محمد على تكذيب قومك ~~وأذاهم لك كما صبر من كان قبلك من الرسل وهذا فيه تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وإزالة حزنه على تكذيب قومه له وأذاهم إياه حتى أتاهم نصرنا يعني ~~بإهلاك من كذبهم ولا مبدل لكلمات الله يعني ولا ناقض لما حكم الله به من ~~إهلاك المكذبين ونصر المسلمين كما قال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقال الله تعالى: كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي ولا خلف فيما وعد الله به. # وقوله تعالى: ولقد ms1129 جاءك من نبإ المرسلين يعني ولقد أنزلت عليك في القرآن ~~من أخبار المرسلين ما فيه تسلية لك وتسكين لقلبك. وقال الأخفش: من هنا صلة ~~كما تقول أصابنا من مطر وقال غيره بل هي للتبعيض لأن الواصل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قصص بعض الأنبياء وأخبارهم كما قال تعالى: منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك. # PageV02P109 # قوله تعالى: إن كان كبر عليك إعراضهم ذكر ابن الجوزي في سبب نزول هذه ~~الآية: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش ~~فقال: ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات فإن فعلت آمنا بك ~~فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: وإن كان عظم ~~عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك والإيمان بك، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص وكان إذا سألوه آية ~~أحب أن يريهم الله ذلك طعما في إيمانهم فقال الله عز وجل: فإن استطعت أن ~~تبتغي يعني تطلب وتتخذ نفقا في الأرض يني سربا في الأرض والنفق سرب في ~~الأرض تخلص منه إلى مكان آخر أو سلما في السماء يعني: أو تتخذ مصعدا إلى ~~السماء والسلم المصعد وهو مشتق من السلامة فتأتيهم بآية يعني بالآية: # التي سألوا عنها. ومعنى الآية وإن كان كبر وعظم عليك إعراض قومك عن ~~الإيمان بك فإن قدرت أن تذهب في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية ~~تدلهم على صدقك فافعل وإنما حسن حذف جواب الشرط لأنه معلوم عند السامع ~~والمقصود من هذا أن يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعمه عن إيمانهم ولا ~~يتأذى بسبب إعراضهم عنه وعن الإيمان به ويدل عليه قوله تعالى: ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ~~تركوا الإيمان وأعرضوا عنه وأقبلوا على الكفر بمشيئة الله تعالى ونافذ ~~قضائه فيهم وأنه لو شاء لجمعهم على ms1130 الهدى: # فلا تكونن من الجاهلين يعني بأن لو شاء الله لجمعهم على الهدى وأنه يؤمن ~~بك بعضهم دون بعض وقيل معناه لا يشتد تحسرك على تكذيبهم، إياك ولا تجزع من ~~إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه ~~الحالة وغلظ له الخطاب تبعيدا له عن هذه الحالة. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 36 الى 38] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # قوله عز وجل: إنما يستجيب الذين يسمعون يعني المؤمنين الذين فتح الله ~~أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويبغونه وينتفعون به دون من ختم ~~الله على سمع قلبه وهو قوله الموتى يعني الكفار الذين لا يسمعون ولا ~~يستجيبون يبعثهم الله يعني يوم القيامة ثم إليه يرجعون فيجزيهم بأعمالهم ~~وقالوا يعني رؤساء كفار قريش لولا يعني هلا نزل عليه آية من ربه يعني الملك ~~ليشهد لمحمد بالنبوة وقيل الآية المعجزة الباهرة كمثل معجزات الأنبياء قل ~~يعني قل لهم يا محمد إن الله قادر على أن ينزل آية يعني أنه تعالى قادر على ~~إيجاد ما طلبوه وإنزال ما اقترحوه من الآيات والمعجزات الباهرات ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون يعني ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها ~~وقيل معناه إنهم لا يعلمون أن الله قادر على إنزال الآيات وقيل إنهم لا ~~يعلمون وجه المصلحة في إنزالها قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم قال العلماء: جميع ما خلق الله عز وجل لا ~~يخرج عن هاتين الحالتين إما أن يدب على الأرض، أو يطير في الهواء، حتى ~~ألحقوا حيوان الماء بالطير، لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح ~~في الهواء. # وإنما خص ما ms1131 في الأرض بذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقا ~~لأن الاحتجاج بالشاهد أظهر وأولى مما لا يشهد وإنما ذكر الجناح في قوله ~~بجناحيه للتوكيد كقولك كتبت بيدي ونظرت بعيني إلا أمم أمثالكم. # قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. يريدون أن كل جنس من الحيوان ~~أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون ~~بأسمائهم كما يقال الإنس والناس ويدل على أن كل جنس # PageV02P110 # من الدواب أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود ~~بهيم» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. # فإن قلت ثبت بالآية والحديث أن الدواب والطير أمم أمثالنا وهذه المماثلة ~~لم تحصل من كل الوجوه فيما يظهر لنا فما وجه هذه المماثلة. # قلت: اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقيل: إن هذه الحيوانات تعرف ~~الله وتوحده وتسبحه وتصلي له كما أنكم تعرفون الله وتوحدونه وتسبحونه ~~وتصلون له. وقيل: إنها مخلوقة لله كما أنكم مخلوقون لله عز وجل وقيل إنها ~~يفهم بعضها عن بعض ويألف بعضها بعضا كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضا ~~ويفهم بعضهم عن بعض. وقيل: أمثالكم في طلب الرزق وتوقي المهالك ومعرفة ~~الذكر والأنثى. وقيل: أمثالكم في الخلق والموت والبعث بعد الموت للحساب حتى ~~يقتص للجماء من القرناء وهو قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء يعني في ~~اللوح المحفوظ لأنه يشمل جميع أحوال المخلوقات وقيل إن المراد بالكتاب ~~القرآن يعني أن القرآن مشتمل على جميع الأحوال: ثم إلى ربهم يحشرون يعني ~~الدواب والطير قال ابن عباس: حشرها موتها. # وقال أبو هريرة يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير ~~وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا (م). # عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتؤدن الحقوق إلى ~~أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. # ### || [سورة ms1132 الأنعام (6): الآيات 39 الى 43] # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) # قوله عز وجل: والذين كذبوا بآياتنا يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وقيل: كذبوا بحجج الله وأدلته على توحيده صم يعني عن سماع الحق وبكم ~~يعني عن النطق به والمعنى أنهم في حال كفرهم وتكذيبهم كمن لا يسمع ولا ~~يتكلم، ولهذا شبه الكفار بالموتى لأن الميت لا يسمع ولا يتكلم في الظلمات ~~يعني في ظلمات الكفر، حائرين مترددين فيها لا يهتدون سبيلا من يشأ الله ~~يضلله يعني عن الإيمان ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم يعني ومن يشأ يجعله ~~الله على دين الإسلام وفي هذا دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى فمن ~~أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه للإيمان به ومن أحب ضلالته تركه على كفره ~~وهذا عدل منه لأنه تعالى هو الفاعل المختار لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # قوله تعالى: قل أرأيتكم يعني: قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين تركوا ~~عبادة الله عز وجل وعبدوا غيره من الأصنام أخبروني تقول العرب أرأيتك بمعنى ~~أخبرنا بحالك وأصله أرأيتم والكاف فيه للتأكيد: إن أتاكم عذاب الله يعني ~~قبل الموت مثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة من: الغرق والخسف والمسخ ~~والصواعق ونحو ذلك من العذاب أو أتتكم الساعة يعني القيامة أغير الله تدعون ~~يعني في كشف العذاب عنكم إن كنتم # PageV02P111 # صادقين يعني في دعواكم. ومعنى الآية أن الكفار كانوا إذا نزل بهم شدة ~~وبلاء رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء وتركوا الأصنام فقيل لهم: أترجعون ~~إلى الله في حال الشدة والبلاء ولا تعبدونه ولا تطيعونه في ms1133 حال اليسر ~~والرخاء؟ بل إياه تدعون يعني بل تدعون الله، ولا تدعون غيره في كشف ما نزل ~~بكم فيكشف ما تدعون إليه إن شاء يعني فيكشف الضر الذي من أجله دعوتموه ~~وإنما قيد الإجابة بالمشيئة رعاية للمصلحة وإن كانت الأمور كلها بمشيئة ~~الله تعالى: وتنسون ما تشركون يعني: وتتركون دعاء الأصنام التي تعبدونها ~~فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع وقيل معناه أنكم في ترككم دعاء ~~الأصنام بمنزلة من قد نسيها وهذا معنى قول الحسن لأنه قال وتعرضون عنها ~~إعراض الناسي لها. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك في الآية محذوف والتقدير ولقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك يا محمد رسلا فخالفوهم وكفروا وحسن هذا الحذف لكونه ~~معلوما عند السامع فأخذناهم بالبأساء يعني بالفقر الشديد وأصله من البؤس ~~وهو الشدة والمكروه وقيل: البأساء، شدة الجوع والضراء يعني الأمراض ~~والأوجاع والزمانة لعلهم يتضرعون يعني يخضعون ويتوبون والتضرع التخشع ~~والتذلل والانقياد وترك التمرد وأصله من الضراعة وهي الذلة. ومقصود الآية، ~~أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل من قبله رسلا إلى ~~أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالبأساء والضراء وهي الشدة في النفس ~~والمال فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فلولا ~~يعني فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا معناه نفي التضرع فلم يتضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم يعني ولكن غلظت قلوبهم فلم تضرع ولم تخشع بل أقاموا على كفرهم ~~وتكذيبهم رسلهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون يعني من الكفر والتكذيب ~~وتزيين الشيطان إغواؤه بما في المعصية من اللذة. قال ابن عباس: يريد زين ~~الشيطان الضلالة التي كانوا عليها فأصروا على معاصي الله عز وجل. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 44 الى 45] # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين (45) # قوله عز وجل: فلما نسوا ما ذكروا به أي تركوا ms1134 ما وعظوا به وقيل تركوا ~~العمل بما أمرتهم به الرسل وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأن التارك للشيء ~~معرضا عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي فتحنا عليهم أبواب كل شيء يعني ~~بدلنا مكان البأساء والرخاء والسعة في الرزق والعيش ومكان الضراء الصحة ~~والسلامة في الأبدان والأجسام وذلك استدراج منه لهم. وقيل: فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء من الخير كان مغلقا عنهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا يعني فرحوا ~~بما أوتوا من السعة والرخاء والصحة في الأبدان والمعيشة وظنوا أن ما كان ~~نزل بهم من الشدة لم يكن انتقاما من الله تعالى فإنهم لما فتح الله عليهم ~~ما فتح من الخير والسعة فرحوا به وظنوا أن ذلك باستحقاقهم وهذا فرح بطر كما ~~فرح قارون بما أوتي من الدنيا أخذناهم بغتة يعني جاءهم عذابنا فجأة من حيث ~~لا يشعرون قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال أهل المعاني: إنما أخذوا ~~في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة ~~والعافية والتصرف في ضروب اللذة، فأخذناهم في آمن ما كانوا وأعجب ما كانت ~~الدنيا إليهم فإذا هم مبلسون أي آيسون من كل خير، وقال الفراء المبلس ~~اليائس المنقطع رجاؤه ولذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون له ~~جواب قد أبلس وقال الزجاج المبلس الشديد الحزن والحسرة وقال أبو عبيدة ~~المبلس النادم والحزين والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم روى عقبة بن ~~عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد ما ~~يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك # PageV02P112 # استدراج ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به الآية» ذكره البغوي بغير سند ~~وأسنده الطبري. # وقوله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا أي آخرهم الذي يدبرهم. يقال: ~~دبر فلان القوم، إذا كان آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم تبق ~~منهم باقية والحمد لله رب العالمين قال الزجاج: حمد الله نفسه على أن قطع ~~دابرهم واستأصل شأفتهم ومعنى هذا أن قطع دابرهم نعمة ms1135 أنعم الله بها على ~~الرسل الذين أرسلوا إليهم فكذبوهم فذكر الحمد تعليما للرسل ولمن آمن بهم ~~ليحمدوا الله على كفايتهم إياهم شر الذين ظلموا وليحمد محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه ربهم، إذ أهلك المشركين المكذبين. وقيل: معناه الثناء الكامل ~~والشكر الدائم لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته بإظهار ~~حجتهم على من خالفهم وإهلاك أعدائهم واستئصالهم العذاب. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 46 الى 51] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) وما نرسل المرسلين ~~إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين ~~كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) # قوله تعالى: قل أرأيتم أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن أخذ الله سمعكم ~~يعني الذي تسمعون به فأصمكم حتى لا تسمعوا شيئا وأبصاركم يعني وأخذ أبصاركم ~~التي تبصرون بها فأعماكم حتى لا تبصروا شيئا أصلا وختم على قلوبكم يعني لا ~~تفقهوا شيئا أصلا ولا تعرفوا شيئا مما تعرفون من أمور الدنيا. وإنما ذكر ~~هذه الأعضاء الثلاثة، لأنها أشرف أعضاء الإنسان فإذا تعطلت هذه الأعضاء، ~~اختل نظام الإنسان وفسد أمره وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. ومقصود هذا ~~الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار وتقريره أن القادر على ~~إيجاد هذه الأعضاء وأخذها هو الله تعالى المستحق للعبادة لا الأصنام التي ~~تعبدونها وهو قوله تعالى: من إله غير الله يأتيكم به يعني يأتيكم بما أخذ ~~الله منكم لأن الضمير في به يعود على معنى الفعل ويجوز أن يعود على ms1136 السمع ~~الذي ذكر أولا ويندرج تحته غيره انظر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل معه غيره أن انظر يا محمد كيف نصرف الآيات يعني كيف نبين لهم ~~العلامات الدالة على التوحيد والنبوة ثم هم يصدفون يعني يعرضون عنها مكذبين ~~لها قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة يعني فجأة أو جهرة يعني معاينة ~~ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس ليلا أو نهارا هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~يعني المشركين لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. # قوله عز وجل: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين يعني لمن آمن بالثواب ومنذرين ~~يعني لمن أقام على كفره بالعقاب والمعنى ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما ~~يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة فمن آمن وأصلح يعني ~~آمن بهم وأصلح العمل لله فلا خوف عليهم يعني حين يخاف أهل النار ولا هم ~~يحزنون أي إذا حزن غيرهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب يعني يصيبهم ~~العذاب بما كانوا يفسقون يعني بسبب ما كانوا يكفرون ويخرجون عن الطاعة. # قوله تعالى: قل لا أقول لكم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين لا أقول لكم عندي خزائن الله نزلت حين اقترحوا عليه ~~الآيات فأمره الله تعالى أن يقول لهم إنما بعثت بشيرا ونذيرا ولا # PageV02P113 # أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء ~~وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي والمعنى ليس عندي خزائن رزق الله ~~فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~كنت رسولا من الله فاطلب منه أن يوسع علينا عيشنا ويغني فقرنا فأخبر أن ذلك ~~بيد الله لا بيدي ولا أعلم الغيب يعني فأخبركم بما مضى وما سيقع في ~~المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى ~~نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم ~~بما تريدون ولا أقول لكم إني ملك وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في ms1137 الأسواق ويتزوج النساء؟ فأجابهم بقوله: ولا أقول لكم إني ~~ملك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدون فلست ~~أقول شيئا من ذلك ولا أدعيه فتنكرون قولي وتجحدون أمري. وإنما نفى عن نفسه ~~الشريفة هذه الأشياء تواضعا لله تعالى واعترافا له بالعبودية وأن لا ~~يقترحوا عليه الآيات العظام إن أتبع إلا ما يوحى إلي يعني ما أخبركم إلا ~~بوحي من الله أنزله علي ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم ~~أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي وأنه لا يعلم الغيب فيخبر بما ~~كان وما سيكون وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر إنما يتبع ~~ما يوحى إليه من ربه عز وجل فما أخبر عنه من غيب بوحي الله إليه وظاهر ~~الآية يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يجتهد في شيء من ~~الأحكام بل جميع أوامره ونواهيه إنما كانت بوحي من الله إليه قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير؟ # يعني: المؤمن والكافر والضال والمهتدي والعالم والجاهل أفلا تتفكرون يعني ~~أنهما لا يستويان. # قوله عز وجل: وأنذر به يعني وخوف بالقرآن والإنذار إعلام مع تخويف الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم. # قال ابن عباس: يريد المؤمنين لأنهم يخافون يوم القيامة وما فيه من شدة ~~الأهوال. وقيل: معنى يخافون يعلمون والمراد بهم كل معترف بالبعث من مسلم ~~وكتابي وإنما خص الذين يخافون الحشر بالذكر دون غيرهم وإن كان إنذاره صلى ~~الله عليه وسلم لجميع الخلائق لأن الحجة عليهم أوكد من غيرهم لاعترافهم ~~بصحة المعاد والحشر. وقيل: # المراد بهم الكفار لأنهم لا يعتقدون صحة ولذلك قال: يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم، وقيل: المراد بالإنذار جميع الخلائق فيدخل فيه كل مؤمن معترف بالحشر ~~وكل كافر منكر له لأنه ليس أحد إلا وهو يخاف الحشر سواء اعتقد وقوعه أو كان ~~يشك فيه ولأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذاره لجميع الخلق ليس لهم ~~من دونه يعني من دون ms1138 الله ولي أي قريب ينفعهم ولا شفيع يعني يشفع لهم ثم إن ~~فسرنا الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أن المراد بهم الكفار فلا إشكال فيه ~~لقوله تعالى: ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وإن فسرنا الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم أن المراد بهم المؤمنون ففيه إشكال، لأنه قد ثبت بصحيح ~~النقل شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للمذنبين من أمته وكذلك تشفع ~~الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض والجواب عن هذا الإشكال أن ~~الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله لقوله عز وجل: من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه وإذا كانت الشفاعة بإذن الله صح قوله: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~يعني حتى يأذن الله لهم في الشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع ~~لعلهم يتقون يعني ما نهيتم عنه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 52] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) # قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه قال ~~سلمان وخباب بن الأرت: # فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ~~وهما من المؤلفة قلوبهم فوجدوا # PageV02P114 # النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع صهيب وبلال وعمار وخباب في نفر من ~~ضعفاء المؤمنين فلما رأوهم حوله، حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو ~~جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكانت عليهم جباب صوف ~~لها رائحة ليس عليهم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «ما أنا بطارد المؤمنين» قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف ~~به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء ~~الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. قال: ~~نعم. قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا. # قال: فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذا نزل ms1139 ~~جبريل عليه السلام بقوله: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى ~~قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تبارك ~~وتعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ذلك وندنو منه حتى كانت ركبنا تمس ~~ركبته فإذا بلغ الساعة التي يريد أن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال ~~لنا «الحمد الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم ~~المحيا ومعكم الممات». # وروي عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة ~~نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا. ~~قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هزيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في ~~نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله ~~عز وجل: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أخرجه مسلم. # وقال الكلبي: قالوا له، يعني أشراف قريش، اجعل لنا يوما ولهم يوما. قال: ~~لا أفعل. قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل علينا وول ظهرك إليهم. فأنزل ~~الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت قريش لولا بلال وابن أم عبد يعني ابن ~~مسعود لبايعناك فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن مسعود: مر ملأ من ~~قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ~~ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء بدلا من قومك هؤلاء الذين من ~~الله عليهم من بيننا أنحن نكون تبعا لهؤلاء اطردهم فلعلك إن طردتهم أن ~~نتبعك فنزلت هذه الآية. وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل ms1140 الكفر إلى أبي ~~طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك ~~محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في ~~صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأتى أبو طالب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به فقال عمر بن الخطاب: لو ~~فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ماذا يصيرون فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم قوله أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين فجاء عمر فاعتذر من مقالته. قلت بين هذه الروايات والرواية ~~الأولى التي عن سلمان وخباب بن الأرت فرق كثير وبعد عظيم، وهو أن إسلام ~~سلمان كان بالمدينة، وكان إسلام المؤلفة قلوبهم بعد الفتح وسورة الأنعام ~~مكية. # والصحيح ما روي عن ابن مسعود والكلبي وعكرمة في ذلك، ويعضده حديث مسعد بن ~~أبي وقاص المخرج في صحيح مسلم من أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: اطرد هؤلاء، يعني ضعفاء المسلمين، والله أعلم. # وأما معنى الآية فقوله: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الخطاب ~~فيه للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني: ولا تطرد هؤلاء الضعفاء عنك ولا ~~تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم. ثم وصفهم فقال تعالى الذي يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يعني صلاة الصبح وصلاة العصر. ويروى عنه أن المراد منه ~~الصلوات الخمس. وإنما ذكر هذين الوقتين تنبيها على شرفهما ولأنهم مواظبون ~~عليهما مع بقية الصلوات، ولأن الصلوات تشتمل على القراءة # PageV02P115 # والدعاء والذكر فعبر بالدعاء عن الصلاة لهذا المعنى. قال مجاهد: صليت ~~الصبح مع سعيد بن المسيب فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص فقال سعيد بن ~~المسيب: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس؟ فقال مجاهد: يتأولون قوله تعالى ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي قال أوفي هذا إنما هو في الصلاة التي انصرفنا ~~عنها الآن وقال ابن عباس إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال ناس من أشراف الناس نؤمن لك وإذا ms1141 صلينا فأخر هؤلاء الذين معك ~~فليصلوا خلفنا، وقيل: المراد منه حقيقة الدعاء والذكر والمعنى: أنهم كانوا ~~يذكرون ربهم ويدعونه طرفي النهار يريدون وجهه يعني يطلبون بعبادتهم وطاعتهم ~~وجه الله مخلصين في عبادتهم له. وقال ابن عباس: يطلبون ثواب الله تعالى: ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء يعني لا تكلف أمرهم ولا ~~يكلفون أمرك. وقيل: ما عليك حسابهم رزقهم فتملهم وتطردهم عنك ولا رزقك ~~عليهم إنما الرازق لجميع الخلق هو الله تعالى فلا تطردهم عنك: فتطردهم ~~فتكون من الظالمين يعني بطردهم عنك وعن مجلسك. فقوله: فتطردهم، جواب النفي ~~وهو قوله ما عليك من حسابهم من شيء وقوله: فتكون من الظالمين، جواب النهي ~~وهو قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هم بطرد ~~الفقراء عن مجلسه لأجل الأشراف عاتبه الله على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك ~~يقدح في العصمة وقوله فتطردهم فتكون من الظالمين والجواب عن هذا الاحتجاج ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ما طردهم ولا هم بطردهم، لأجل استخفاف بهم ~~والاستنكاف من فقرهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف بهؤلاء الأشراف ~~في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو اجتهاد منه فأعلمه ~~الله تعالى أن إدناء هؤلاء الفقراء أولى من الهم بطردهم فقربهم منه ~~وأدناهم. وأما قوله فتطردهم فتكون من الظالمين فإن الظلم في اللغة وضع ~~الشيء في غير موضعه فيكون المعنى أن أولئك الفقراء الضعفاء يستحقون التعظيم ~~والتقريب فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير موضعه فهو من باب ترك ~~الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات والله أعلم. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 53 الى 54] # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من ms1142 بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم (54) # قوله عز وجل: وكذلك فتنا بعضهم ببعض يعني وكذلك ابتلينا الغني بالفقير، ~~والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف فكل أحد مبتلى بضده فكان ~~ابتلاء الأغنياء فالشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى ~~الإسلام وتقدموا عليهم فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك فكان ذلك فتنة ~~وابتلاء لهم. وأما فتنة الفقراء بالأغنياء، فلما يرون من سعة رزقهم وخصب ~~عيشهم فكان ذلك فتنة لهم ليقولوا يعني الأغنياء والشرفاء والرؤساء أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا يعني من على الفقراء والضعفاء بالإسلام ومتابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا اعتراض من الكفار على الله تعالى فأجابهم ~~بقوله: أليس الله بأعلم بالشاكرين يعني أنه تعالى أعلم بخلقه وبأحوالهم ~~وأعلم بالشاكرين من الكافرين. قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه عن طردهم فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام. # وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم بن أبي عبيدة ~~ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي ~~الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد وقيل إن الآية على إطلاقها في كل مؤمن. ~~وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدمت في رواية عكرمة ~~وقال: ما # PageV02P116 # أردت إلا الخير، نزلت وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم يعني فرض ربكم وقضى ربكم على نفسه الرحمة وهذا يفيد الوجوب وسبب هذا ~~أنه تعالى يتصرف في عباده كيف يشاء وأراد فأوجب على نفسه الرحمة على سبيل ~~الفضل والكرم لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين: أنه من عمل منكم سوءا ~~بجهالة قال مجاهد: كل من عمل ذنبا أو خطيئة فهو بها جاهل واختلفوا في سبب ~~هذا الجهل فقيل لأنه جاهل بمقدار ما استحقه من العقاب وما فاته من الثواب. ~~وقيل إنه وإن علم أن عاقبة ذلك السوء والفعل القبيح مذمومة إلا أنه آثر ~~اللذة العاجلة على ms1143 الخير الكثير الآجل ومن آثر القليل على الكثير فهو جاهل ~~وقيل إنه لما فعل فعل الجهال نسب إلى الجهل وإن لم يكن جاهلا: ثم تاب من ~~بعده يعني من بعد ارتكابه ذلك السوء ورجع عنه وأصلح يعني أصلح العمل في ~~المستقبل، وقيل أخلص توبته وندم على فعله فأنه غفور يعني لمن تاب من ذنوبه ~~رحيم بعباده قال خالد بن دينار كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة الآية. ~~عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ~~ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقام علينا فلما قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ ~~فسلم ثم قال ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ لنا يقرأ علينا ~~وكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد ~~لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» وجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسطنا ليعدل بنفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتلحقوا وبرزت وجوههم، ~~قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري. ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور ~~التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة ~~عام أخرجه أبو داود. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 55 الى 57] # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من ~~المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) # وقوله عز وجل: وكذلك نفصل الآيات يعني وكما فصلنا لك يا محمد في هذه ~~السورة دلائلنا على صحة التوحيد وإبطال ما هم ms1144 عليه من الشرك كذلك نميز ~~ونبين لك أدلة حججنا وبراهيننا على تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ولتستبين ~~قرأ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وليظهر لك الحق يا ~~محمد ويتبين لك سبيل المجرمين يعني طريق هؤلاء المجرمين وقرأ بالياء على ~~الغيبة ومعناه ليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا إلى النار. # قوله تعالى: قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله يعني نهيت أن أعبد الأصنام التي تعبدونها أنتم من دون ~~الله وقيل تدعونها عند شدائدكم من دون الله لأن الجمادات أخس من أن تعبد أو ~~تدعى وإنما كانوا يعبدونها على سبيل الهوى وهو قوله تعالى قل لا أتبع ~~أهواءكم يعني في عبادة الأصنام وطرد الفقراء قد ضللت يعني: إذا عبدتها وما ~~أنا من المهتدين يعني لو عبدتها قل يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني ~~على بينة من ربي قال ابن عباس: يعني على يقين من ربي، وقيل: البينة الدلالة ~~التي تفصل بين الحق والباطل والمعنى: إني على بيان وبصيرة في عبادة ربي ~~وكذبتم به يعني وكذبتم بالبيان الذي جئت به من عند ربي وهو القرآن ~~والمعجزات الباهرات والبراهين الواضحات التي تدل على صحة التوحيد وفساد ~~الشرك ما عندي ما تستعجلون به يعني العذاب، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم وكانوا يستعجلون به استهزاء وكانوا ~~يقولون: يا محمد ائتنا بما تعدنا يعني من نزول # PageV02P117 # العذاب، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ما عندي ~~ما تستعجلون به لأن إنزال العذاب لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يقدر أحد ~~على تقديمه ولا تأخيره. # وقيل: كانوا يستعجلون بالآيات التي طلبوها واقترحوها فأعلم الله أن ذلك ~~عنده ليس عند أحد من خلقه. # وقيل: كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله تعالى يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها إن الحكم إلا لله يعني الحكم الذي يفصل به بين الحق والباطل ms1145 ~~والثواب للطائع والعقاب للعاصي أي ما الحكم المطلق إلا لله ليس معه حكم فهو ~~يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال العذاب إذا شاء يقص الحق قرئ بالصاد ~~المهملة. ومعناه: # يقول الحق لأن كل ما أخبر به فهو وحق وقرئ يقض بالضاد المعجمة من القضاء ~~يعني أنه تعالى يقضي القضاء الحق وهو خير الفاصلين يعني وهو خير من بين ~~وفصل وميز بين المحق والمبطل لأنه لا يقع في حكمه وقضائه جور ولا حيف على ~~أحد من خلقه. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 58 الى 60] # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين (59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون (60) # قل لو أن عندي ما تستعجلون به يعني من إنزال العذاب. والاستعجال، ~~المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كانت العجلة مذمومة. والإسراع: تقديم ~~الشيء في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين المستعجلين لنزول العذاب لو أن عندي ما تستعجلون به لم أمهلكم ~~ساعة ولكن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة. # قوله تعالى: لقضي الأمر بيني وبينكم يعني: لا نفصل ما بيني وبينكم ~~ولأتاكم ما تستعجلون به من العذاب والله أعلم بالظالمين يعني أنه أعلم بما ~~يستحقون من العذاب والوقت الذي يستحثونه فيه وقيل علم أنه سيؤمن بعض من كان ~~يستعجل بالعذاب فلذلك أخره عنهم قال والله أعلم بالظالمين وبأحوالهم. قوله ~~عز وجل: # وعنده مفاتح الغيب المفتاح الذي يفتح به المغلاق جمعه مفاتيح ويقال فيه ~~تفتح بكسر الميم وجمعه مفاتح والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت ~~لصنف من الأشياء فهي مفتح وجمعه مفاتح فقوله وعنده مفاتح الغيب يحتمل أن ~~يكون المراد منه المفاتيح التي يفتح بها ويحتمل ms1146 أن يكون المراد منه ~~الخزائن. فعلى التفسير الأول فقد جعل للغيب مفاتيح على طرق الاستعارة، لأن ~~المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق، فمن ~~علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها، فهو عالم. وكذلك هاهنا لأن الله ~~تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب عن هذا المعنى ~~بهذه العبارة. # وعلى التفسير الثاني، يكون المعنى وعنده خزائن الغيب والمراد منه القدرة ~~الكاملة على كل الممكنات ثم اختلفت أقوال المفسرين في قوله وعنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو فقيل: مفاتيح الغيب خمس وهي ما روي عن عبد الله بن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا ~~الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في ~~الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ~~ولا يدري أحد متى يجيء المطر. # وفي رواية أخرى: لا يعلم أحد ما تغيض الأرحام، ولا يعلم ما في غد إلا ~~الله، ولا يعلم متى يأتي المطر # PageV02P118 # أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى الساعة ~~إلا الله، أخرجه البخاري. وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب: خزائن الأرض، ~~وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: هو ~~انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم. ~~وقيل: هو علم ما لم يكن بعد أن يكون إذ يكون كيف يكون وما لا يكون أن لو ~~كان كيف يكون وقال ابن مسعود: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء إلا ~~مفاتح الغيب. وقال ابن عباس: إنها خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار ~~والأرزاق ويعلم ما في البر والبحر قال مجاهد: البر المفاوز والقفار، والبحر ~~القرى والأمصار لا يحدث فيها شيء إلا وهو يعلمه. وقال جمهور المفسرين: هو ~~البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما ms1147 بر وإما بحر وفي كل واحد منهما ~~من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها يريد ساقطة وثابتة والمعنى أنه يعلم عدد ما يسقط ~~من الورق وما بقي على الشجر من ذلك ويعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن تسقط ~~على الأرض ولا حبة في ظلمات الأرض قيل: هو الحب المعروف يكون في بطن الأرض ~~قبل أن ينبت. وقيل: هي الحبة التي في الصخرة التي في أسفل الأرضين ولا رطب ~~ولا يابس قال ابن عباس: الرطب الماء واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ~~ينبت وما لا ينبت. وقيل: المراد بالرطب الحي واليابس الميت. وقيل: هو عبارة ~~عن كل شيء لأن جميع الأشياء إما رطبة وإما يابسة. # فإن قلت إن جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله وعنده مفاتح الغيب فلم أفرد ~~هذه الأشياء بالذكر وما فائدة ذلك؟. # قلت: لما قال الله تعالى وعنده مفاتح الغيب على سبيل الإجمال ذكر من بعد ~~ذلك الإجمال ما يدل على التفصيل، فذكر هذه الأشياء المحسوسة ليدل بها على ~~غيرها، فقدم ذكر البر والبحر لما فيهما من العجائب والغرائب من المدن ~~والقرى والمفاوز والجبال وكثرة ما فيها من المعادن والحيوان، وأصناف ~~المخلوقات مما يعجز الوصف عن إدراكها، ثم ذكر بعد ذلك ما هو أقل من ذلك وهو ~~مشاهد لكل أحد لأن الورقة الساقطة والثابتة يراها كل أحد، لكن لا يعلم ~~عددها وكيفية خلقها إلا الله تعالى ثم ذكر بعد ذلك ما هو أصغر من الورقة ~~وهي الحبة. ثم ذكر بعد ذلك مثالا يجمع الكل وهو الرطب واليابس فذكر هذه ~~الأشياء وأنه لا يخرج شيء منها عن علمه سبحانه وتعالى فصارت هذه الأمثال ~~منبهة على عظمة عظيمة وقدرة عالية وعلم واسع فسبحان العليم الخبير. # قوله تعالى: إلا في كتاب مبين فيه قولان: أحدهما أن الكتاب المبين هو علم ~~الله الذي لا يغير ولا يبدل. # والثاني: أن المراد بالكتاب المبين، هو اللوح المحفوظ، لأن الله كتب فيه ~~علم ms1148 ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء ~~كلها في هذا الكتاب، لتقف الملائكة على إنفاذ علمه ونبه بذلك على تعظيم ~~الحساب وأعلم عباده أنه لا يفوته شيء مما يصنعونه لأن من أثبت ما لا ثواب ~~فيه ولا عقاب في كتاب فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع. # قوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل يعني يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل ~~ويعلم ما جرحتم ما كسبتم بالنهار ثم يبعثكم فيه أي يوقظكم فيه أي في النهار ~~ليقضى أجل مسمى يعني أجل الحياة إلى الممات يريد استيفاء العمر على التمام ~~ثم إليه مرجعكم في الآخرة ثم ينبئكم أي يخبركم بما كنتم تعملون قوله تعالى: # PageV02P119 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 61 الى 63] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو ~~أسرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) # وهو القاهر فوق عباده يعني وهو العالي عليهم بقدرته لأن كل من قهر شيئا ~~وغلبه فهو مستعل عليه بالقهر والقدرة. فهو كما يقال: أمر فلان فوق أمر ~~فلان، يعني: أنه أقدر منه. وأغلب هذا مذهب أهل التأويل في معنى لفظة فوق في ~~قوله: وهو القاهر فوق عباده وأما مذهب السلف. فيها: فإمرارها كما جاءت من ~~غير تكييف ولا تأويل ولا إطلاق على جهة والقاهر هو الغالب لغيره المذلل له ~~والله تعالى هو القاهر لخلقه وقهر كل شيء بضده فقهر الحياة بالموت والإيجاد ~~بالإعدام والغنى بالفقر والنور بالظلمة. # وقوله تعالى: ويرسل عليكم حفظة يعني أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة ~~عليهم والمراد بالحفظة الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم من الخير والشر ~~والطاعة والمعصية وغير ذلك من الأقوال والأفعال قيل إن مع كل إنسان ملكين ~~ملكا عن يمينه وملكا عن شماله فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين وإذا عمل ~~سيئة ms1149 قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر عليه لعله يتوب منها فإن لم يتب ~~منها كتبها عليه صاحب الشمال. وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان أنه إذا ~~علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأفعاله في صحائف ~~تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد كان ذلك زاجرا له عن فعل ~~القبيح وترك المعاصي. وقيل: المراد بقوله ويرسل عليكم حفظة، هم الملائكة ~~الذين يحفظون بني آدم ويحفظون أجسادهم. # قال قتادة: حفظه يحفظون على ابن آدم رزقه وأجله وعمله حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت توفته رسلنا يعني أعوان ملك الموت الموكلين بقبض أرواح البشر. # فإن قلت قال الله تعالى في آية: الله يتوفى الأنفس حين موتها وقال في آية ~~أخرى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم وقال هنا توفته رسلنا فكيف الجمع ~~بين هذه الآيات؟ قلت وجه الجمع بين هذه الآيات أن المتوفي في الحقيقة هو ~~الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه ولملك الموت ~~أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى ~~الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه فحصل الجمع بين الآيات. وقيل: المراد من ~~قوله توفته رسلنا ملك الموت وحده وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. وقال ~~مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطشت يتناول من حيث شاء وجعلت له أعوان ~~ينزعون الأنفس ثم يقبضها منهم وقال أيضا: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا ~~وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين. وقيل: إن الأرواح إذا كثرت عليه يدعوها ~~فتستجيب له وقوله: وهم لا يفرطون يعني الرسل لا يقصرون فيما أمروا به ولا ~~يضيعونه. # قوله عز وجل: ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق يعني ثم رد العباد بالموت إلى ~~الله في الآخرة وإنما قال مولاهم الحق لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال ~~بالباطل والله مولاهم وسيدهم ومالكهم بالحق ألا له الحكم يعني لا حكم إلا ~~له وهو أسرع الحاسبين يعني أنه تعالى أسرع ms1150 من حسب لأنه لا يحتاج إلى فكر ~~وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض. # قوله تعالى: قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر يعني يا محمد، قل لهؤلاء ~~الكفار الذين يعبدون الأصنام من دون الله من ذا الذي ينجيكم من ظلمات البر ~~إذا ضللتم فيه وتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق ومن ذا الذي ينجيكم من ظلمات ~~البحر إذا ركبتم فيه فأخطأتم الطريق وأظلمت عليكم السبل فلم تهتدوا وقيل: ~~ظلمات البر والبحر مجاز عما فيهما من الشدائد والأهوال وقيل الحل على ~~الحقيقة أولى. فظلمات البر هي ما اجتمع فيه # PageV02P120 # من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم ~~الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة ~~السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف ~~الشديد من الوقوع في الهلاك فالمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة ~~للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله سبحانه وتعالى لأنه هو ~~القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: تدعونه تضرعا ~~وخفية يعني فإذا اشتد بكم الأمر تخلصون له الدعاء تضرعا منكم إليه ~~واستكانة. جهرا وخفية: يعني سرا حالا وحالا لئن أنجانا من هذه يعني قائلين ~~في حال الدعاء والتضرع لئن أنجيتنا من هذه الظلمات وخلصتنا من الهلاك ~~لنكونن من الشاكرين يعني لك على هذه النعمة والشكر وهو معرفة النعمة مع ~~القيام بحقها لمن أنعم بها. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 64 الى 65] # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم ~~بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) # قل الله ينجيكم منها يعني من الظلمات والشدائد التي أنتم فيها ومن كل كرب ~~يعني وهو الذي ينجيكم من كل كرب أيضا والكرب هو الغم الشديد الذي يأخذ ~~بالنفس ثم أنتم تشركون يريد أنهم يقرون بأن ms1151 الذي أنجاهم من هذه الشدائد هو ~~الله تعالى ثم إنهم بعد ذلك الإقرار يشركون معه الأصنام التي لا تضر ولا ~~تنفع. # قوله عز وجل: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أي: قل يا ~~محمد لقومك إن الله هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم يعني ~~الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط أو ~~من تحت أرجلكم يعني الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون. وقال ابن عباس ~~ومجاهد: عذابا من فوقكم، يعني أئمة السوء والسلاطين الظلمة أو من تحت ~~أرجلكم يعني عبيد السوء. وقال الضحاك: من فوقكم يعني من قبل كباركم أو من ~~تحت أرجلكم يعني السفلة أو يلبسكم شيعا الشيع جمع شيعة وكل قوم اجتمعوا على ~~أمر فهم شيعة وأشياع وأصله من التشيع. ومعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم ~~بعضا. # وقيل: الشيعة هم الذي يتقوى بهم الإنسان. قال الزجاج: في قوله أو يلبسكم ~~شيعا يعني يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط إنفاق فيجعلكم فرقا مختلفين يقاتل ~~بعضكم بعضا وهو معنى قوله: ويذيق بعضكم بأس بعض قال ابن عباس: قوله أو ~~يلبسكم شيعا يعني الأهواء المختلفة ويذيق بعضكم بأس بعض يعني أنه يقتل ~~بعضكم بيد بعض. وقال مجاهد: يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن ~~والاختلاف. وقال ابن زيد: هو الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء ~~وسفك بعضهم دماء بعض. ثم اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية فقال قوم عني ~~بها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم نزلت هذه الآية. قال ~~أبو العالية: في قوله قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~الآية. قال: هن أربع وكلهن عذاب فجاءت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان وهما ~~لا بد واقعتان يعني الخسف والمسخ. وعن أبي بن كعب نحوه وهن أربع خلال وكلهن ~~واقع قبل يوم القيامة مضت ثنتان بعد ms1152 وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض ثنتان واقعتان لا محالة ~~الخسف والرجم. وقال مجاهد: في قوله من فوقكم أو من تحت أرجلكم لأمة محمد ~~فأعفاهم منه أو يلبسكم شيعا ما كان بينهم من الفتن والاختلاف زاد غيره ~~ويذيق بعضكم بأس بعض يعني ما كان فيهم من القتل بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (خ) عن جابر قال لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك ~~أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال ~~هذا أهون أو هذا أيسر» (م). # PageV02P121 # عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من ~~العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ~~ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني ~~واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك ~~أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها». عن ~~خباب بن الأرت قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها فقالوا ~~يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال: «أجل إنها صلاة رغبة ورهبة إني ~~سألت الله فيها ثلاثة فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا تهلك أمتي ~~بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن ~~لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» أخرجه الترمذي وقوله تعالى: انظر كيف نصرف ~~الآيات أي انظر يا محمد كيف نبين دلائلنا وحجتنا لهؤلاء المكذبين لعلهم ~~يفقهون يعني يفهمون ويعتبرون فينزجروا ويرجعوا عما هم عليه من الكفر ~~والتكذيب. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 66 الى 69] # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون (67) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ms1153 عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # قوله تعالى: وكذب به قومك يعني بالقرآن وهو الحق يعني في كونه كتابا ~~منزلا من عند الله وقيل الضمير في به يرجع إلى العذاب وهو الحق يعني أنه ~~نازل بهم أن أقاموا على كفرهم وتكذيبهم. وقيل: الضمير يرجع إلى تصريف ~~الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كونها من عند الله قل لست عليكم بوكيل. أي: قل ~~يا محمد لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم ~~عن قبول الحق بل إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم على أعمالكم وقيل ~~معناه إنما أدعوكم إلى الله وإلى الإيمان به ولم أومر بحربكم، فعلى هذا ~~القول، تكون الآية منسوخة بآية السيف. وقيل في معنى الآية: قل لست عليكم ~~بوكيل، يعني حفيظا إنما أطالبكم بالظاهر من الإقرار والعلم لا بما تحويه ~~الضمائر والأسرار فعلى هذا تكون الآية محكمة لكل نبإ مستقر أي لكل خبر من ~~أخبار القرآن حقيقة ومنتهى ينتهي إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقيل ~~لكل خبر يخبر الله به وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير فكان ما ~~وعدهم به من العذاب في الدنيا وقع يوم بدر وسوف تعلمون يعني صحة هذا الخبر ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة. # قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا الخطاب في وإذا رأيت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى وإذا رأيت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يخوضون ~~في آياتنا يعني القرآن الذي أنزلناه إليك والخوض في اللغة هو الشروع في ~~الماء والعبور فيه، ويستعار للأخذ في الحديث والشروع فيه. يقال: تخاوضوا في ~~الحديث وتفاوضوا فيه، لكن أكثر ما يستعمل الخوض في الحديث على وجه اللعب ~~والعبث وما يذم عليه ومنه قوله وكنا نخوض مع الخائضين وقيل: الخطاب في وإذا ~~رأيت لكل فرد من الناس. والمعنى: وإذا رأيت أيها الإنسان الذين ms1154 يخوضون في ~~آياتنا وذلك أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في الاستهزاء ~~بالقرآن وبمن أنزله وبمن أنزل عليه، فنهاهم الله أن يقعدوا معهم في وقت ~~الاستهزاء بقوله فأعرض عنهم يعني فاتركهم ولا تجالسهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره يعني حتى يكون خوضهم في غير القرآن والاستهزاء به وإما ينسينك الشيطان ~~يعني فقعدت معهم فلا تقعد بعد الذكرى يعني إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد مع ~~القوم الظالمين يعني المشركين قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم ~~من شيء قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف # PageV02P122 # بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي رواية، قال المسلمون: إنا نخاف الإثم حين ~~نتركهم ولا ننهاهم فأنزل الله هذه الآية وما على الذين يتقون يعني يتقون ~~الشرك والاستهزاء من حسابهم من حساب المشركين من شيء يعني ليس عليهم شيء من ~~حسابهم ولا آثامهم ولكن ذكرى يعني ولكن ذكروهم ذكرى. وقيل: معناه ولكن ~~عليكم أن تذكروهم لعلهم يتقون يعني لعل تلك الذكرى تمنعهم من الخوض ~~والاستهزاء. # ((فصل)) قال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية ~~التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ~~آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها ~~لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ لأنها إنما دلت على أن كل إنسان إنما يختص ~~بحساب نفسه لا بحساب غيره، وقيل: إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكير ~~والموعظة فلا تكون منسوخة. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 70 الى 71] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا ms1155 يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~(71) # قوله عز وجل: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا الخطاب للنبي. يعني: وذر ~~يا محمد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه وهو ~~دين الإسلام لعبا ولهوا وذلك حيث سخروا به واستهزءوا به وقيل إنهم اتخذوا ~~عبادة الأصنام لعبا ولهوا. وقيل: إن الكفار كانوا إذا سمعوا القرآن لعبوا ~~ولهوا عند سماعه. وقيل إن الله جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم يعني ~~عيدهم لعبا ولهوا يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة ~~وتكبيرا وفعل الخير فيه مثل عيد الفطر وعيد النحر ويوم الجمعة وغرتهم ~~الحياة الدنيا يعني أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة ~~الدنيا وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق واتخذوا دينهم لعبا ولهوا ~~ومعنى الآية: وذر يا محمد الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا واتركهم ولا تبال ~~بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم ثم نسخ ذلك الإعراض بآية ~~السيف وهو قول قتادة والسدي. وقيل: إنه خرج مخرج التهديد فهو كقوله ذرني ~~ومن خلقت وحيدا وهذا قول مجاهد فعلى هذا تكون الآية محكمة. # وقيل: المراد بالإعراض عنهم، ترك معاشرتهم ومخالطتهم لا ترك الإنذار ~~والتخويف ويدل عليه قوله: وذكر به يعني وذكر بالقرآن وعظ به هؤلاء المشركين ~~أن تبسل نفس بما كسبت أي لئلا تبسل نفس وأصل البسل في اللغة: التحريم وضم ~~الشيء ومنعه. وهذا عليك بسل: أي حرام ممنوع. فمعنى تبسل نفس بما كسبت: # ترتهن وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسبب ما كسبت من الآثام. # وقال ابن عباس: تبسل تهلك. وقال قتادة: تحبس يعني في جهنم. وقال الضحاك: ~~تحرق بالنار. وقال ابن زيد: تؤخذ يعني بما كسبت. وقيل: تفضح. والمعنى: ~~وذكرهم بالقرآن ومواعظه وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جهنم ~~بسبب الجنايات التي اكتسبت في الدنيا وتحرم ms1156 الثواب في الآخرة ليس لها يعني ~~لتلك النفس التي هلكت من دون الله ولي أي قريب يلي أمرها ولا شفيع يعني ~~يشفع لها في الآخرة وإن # PageV02P123 # تعدل كل عدل يعني وإن تفتد بكل فداء والعدل الفداء لا يؤخذ منها يعني ~~العدل وتلك الفدية أولئك الذين إشارة إلى الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ~~وغرتهم الحياة الدنيا أبسلوا بما كسبوا يعني أسلموا إلى الهلاك بسبب ما ~~اكتسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ذلك لهم بسبب كفرهم. # قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا يعني: قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائك أندعو يعني أنعبد من دون ~~الله يعني الأصنام التي لا تنفع من عبدها ولا تضر من ترك عبادتها ونرد على ~~أعقابنا يعني ونرد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله يعني إلى دين الإسلام ~~والتوحيد كالذي استهوته الشياطين في الأرض يعني كالذي ذهبت به الشياطين ~~فألقته في هوية من الأرض وأصله من الهوى وهو النزول من أعلى إلى أسفل حيران ~~يقال: حار فلان في الأمر، إذا تردد فيه فلم يهتد إلى الصواب ولا المخرج منه ~~له أصحاب يدعونه إلى الهدى يعني لهذا المتحير الذي استهوته الشياطين أصحاب ~~على الطريق المستقيم ائتنا يعني يقولون له ائتنا وهذا مثل ضربه الله لمن ~~يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولمن يدعو إلى عبادة الله عز ~~وجل الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقة ضل به الغول والشيطان عن ~~الطريق المستقيم فجعل أصحابه ورفقته يدعونه إليهم يقولون: هلم إلى الطريق ~~المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب ~~الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم قل إن هدى الله هو الهدى يعني ~~أن طريق الله الذي أوضحه لعباده ودينه الذي شرعه لهم هو الهدى والنور ~~والاستقامة لا عبادة الأصنام ففيه زجر عن عبادتها كأنه يقول لا تفعل ذلك ~~فإن هدى الله هو الهدى ms1157 لا هدى غيره وأمرنا لنسلم أي وأمرنا أن نسلم ونخلص ~~العبادة لرب العالمين لأنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 72 الى 73] # وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # وأن أقيموا الصلاة واتقوه يعني وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى لأن فيهما ~~ما يقرب إليه وهو الذي إليه تحشرون يعني في يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. # قوله عز وجل: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق يعني إظهارا للحق فعلى ~~هذا تكون الباء بمعنى اللام لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته. وقيل: خلقها ~~بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه وكل ذلك حق. وقيل خلقها بكلامه الحق ~~وهو قول كن وفيه دليل على أن كلام الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق ~~مخلوق بمخلوق ويوم يقول كن فيكون. وقيل إنه راجع إلى خلق السموات. والمعنى: ~~اذكر يوم قال للسموات والأرض كن فيكون. وقيل: يرجع إلى القيامة ويدل عليه ~~سرعة البعث والحساب كأنه قال: ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون وقوموا للحساب ~~فيقومون أحياء قوله الحق يعني أن قول الله تبارك وتعالى للشيء إذا أراده كن ~~فيكون حق وصدق وهو كائن لا محالة وله الملك يوم ينفخ في الصور إنما أخبر عن ~~ملكه يومئذ وإن كان الملك له سبحانه وتعالى خالصا في كل وقت في الدنيا ~~والآخرة لأنه لا منازع يومئذ يدعي الملك وأنه المنفرد بالملك يومئذ وأن من ~~كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في ~~الدنيا قد زال ملكهم واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار وإنه لا منازع ~~له فيه واعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور. # واختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه وهو ~~لغة أهل اليمن. قال # PageV02P124 # مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ms1158 عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما ~~الصور؟ «قال قرن ينفخ فيه» أخرجه أبو داود والترمذي. # عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنتم وقد ~~التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ فكان ~~ذلك ثقل على أصحابه» فقالوا كيف نفعل يا رسول الله وكيف نقول؟ # قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا، وربما قال توكلنا ~~على الله» أخرجه الترمذي. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيه ~~إحياؤها بنفخ الروح فيها. وهذا قول الحسن ومقاتل. والقول الأول أصح لما ~~تقدم في الحديث ولقوله تعالى في آية أخرى: ثم نفخ فيه أخرى: ولإجماع أهل ~~السنة أن المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين، نفخة ~~الصعق، ونفخة البعث للحساب. # وقوله تعالى: عالم الغيب والشهادة يعني أنه تعالى ما غاب عن عباده وما ~~يشاهدونه فلا يغيب عن عمله شيء وهو الحكيم يعني في جميع أفعاله وتدبير خلقه ~~الخبير يعني بكل ما يفعلونه من خير أو شر. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 74 الى 76] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~(75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين (76) # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر اختلف العلماء في لفظ آزر فقال ~~محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم ~~بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: ~~آزر وتارح مثل يعقوب وإسرائيل اسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي ~~آزر وتارح لقب له وبالعكس والله سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرخين ~~اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم من كوثي وهي قرية من سواد ~~الكوفة. وقال سليمان التيمي: آزر سب وعيب. ومعناه في كلامهم المعوج. ms1159 وقيل: ~~الشيخ الهرم وهو بالفارسية وهذا على مذهب من يجوز أن في القرآن ألفاظا ~~قليلة فارسية. # وقيل: هو المخطئ فكان إبراهيم عابه وذمه بسبب كفره وزيغه عن الحق. وقال ~~سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه ~~بهذا الاسم لأن من عبد شيئا أو أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما ~~له فهو كقوله: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم ~~لأبيه آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والصحيح هو الأول أن آزر ~~اسم لأبي إبراهيم لأن الله تعالى سماه به وما نقل عن النسابين والمؤرخين أن ~~اسمه تارح ففيه نظر لأنهم إنما نقلوه عن أصحاب الأخبار وأهل السير من أهل ~~الكتاب ولا عبرة بنقلهم. # وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال «يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر ~~قترة وغبرة» الحديث فسماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر أيضا ولم يقل أباه ~~تارخ فثبت بهذا أن اسمه الأصلي آزر لا تارخ والله أعلم. # وقوله تعالى: أتتخذ أصناما آلهة معناه: اذكر لقومك يا محمد قول إبراهيم ~~لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة تعبدها من دون الله الذي خلقك ورزقك. ~~والأصنام: جمع صنم وهو التمثال الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب ~~أو فضة على صورة الإنسان وهو الوثن أيضا إني أراك وقومك في ضلال مبين يعني: ~~يقول إبراهيم لأبيه آزر: إني أراك وقومك الذين يعبدون الأصنام معك ~~ويتخذونها آلهة في ضلال يعني عن طريق الحق مبين يعني بين لمن أبصر ذلك فإنه ~~لا يشك أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع وهذه الآية احتجاج على مشركي # PageV02P125 # العرب بأحوال إبراهيم ومحاجته لأبيه وقومه لأنهم كانوا يعظمون إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم ويعترفون بفضله فلا جرم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع ~~أبيه وقومه في معرض الاحتجاج على المشركين قوله عز وجل: وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات ms1160 والأرض معناه وكما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق في ~~خلاف قومه وما كانوا عليه من الضلال في عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات ~~والأرض فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل في قوله وكذلك نرى ~~إبراهيم لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق ~~فخالفهم فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات والأرض فحسنت هذه ~~العبارة لهذا المعنى. والملكوت: الملك زيدت فيه التاء للمبالغة كالرهبوت ~~والرغبوت والرحموت من الرهبة والرغبة والرحمة. # قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ~~آيات السموات والأرض وذلك أنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات حتى رأى ~~العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك ~~قوله: وآتيناه أجره في الدنيا يعني أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض ~~حتى نظر إلى أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب. قال البغوي: وروي عن ~~سليمان ورفعه بعضهم عن علي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر ~~رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر ~~فأراد أن يدعو عليه فقال له تبارك وتعالى: «يا إبراهيم أنت رجل مجاب الدعوة ~~فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي ~~فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إلى فإن شئت عفوت ~~وإن شئت عاقبت» وفي رواية، وإن تولى فإن جهنم من ورائه، قال قتادة: ملكوت ~~السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، واختلف ~~في هذه الرؤية هل كانت بعين البصر أو بعين البصيرة على قولين: أحدهما إنها ~~كانت بين البصر الظاهر فشق لإبراهيم السموات حتى رأى العرش وشق له الأرض ~~حتى رأى ما في بطنها. # والقول الثاني: إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأن ملكوت السموات ~~والأرض عبارة عن الملك وذلك لا يعرف إلا بالعقل فبان بهذا أن هذه الرؤية ~~كانت بعين ms1161 البصيرة، إلا أن يقال: المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات ~~والأرض. # وقوله تعالى: وليكون من الموقنين عطف على المعنى ومعناه «وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض» ليستدل به وليكون من الموقنين واليقين: ~~عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة، لأن الإنسان في أول الحال ~~لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت، صارت سببا لحصول اليقين ~~والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك: قال ابن عباس في وليكون من ~~الموقنين جلا له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ~~فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى: إنك لا تستطيع هذا فرده الله ~~كما كان قبل ذلك فمعنى الآية على هذا القول وكذلك أريناه ملكوت السموات ~~والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسا وخبرا. # وقوله تعالى: فلما جن عليه الليل يقال جن الليل وأجن إذا أظلم وغطى كل ~~شيء وأجنه الليل وجن عليه إذا ستره بسواده رأى كوكبا قال هذا ربي ((ذكر ~~القصة في ذلك)) قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار والسير: ولد إبراهيم عليه ~~السلام في زمن نمرود بن كنعان الملك وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ~~ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان منجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك # PageV02P126 # هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه. ~~ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء. وقال السدي: رأى نمرود في منامه ~~كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك ~~فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهان وسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ~~ناحيتك في هذه السنة يكون هلاكك وزوال ملكك وهلاك أهل دينك على يديه، فأمر ~~بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في ناحيته وأمر بعزل النساء عن الرجال وجعل ~~على كل عشرة، رجلا يحفظهم فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم ~~كانوا لا يجامعون في المحيض فإذا طهرت من الحيض حالوا بينهما. قالوا: فرجع ms1162 ~~آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم. وقال محمد بن ~~إسحاق: بعث نمرود إلى كل رجل امرأة حبلى بقربه فحبسها عنده إلا ما كان من ~~أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية صغيرة لم يعرف الحبل في ~~بطنها. وقال السدي: فخرج نمرود بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفا ~~من ذلك المولود فمكثت بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم ~~يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر فبعث إليه فأحضره عنده وقال له: # إن لي إليك حاجة أحب أن أوصيك بها ولم أبعثك فيها إلا لثقتي بك فأقسمت ~~عليك ألا تدنو من أهلك. فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته ~~فدخل المدينة وقضى حاجة الملك، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما ~~دخل على أم إبراهيم ونظر إليها لم يتمالك حتى واقعها فحملت من ساعتها ~~بإبراهيم. # قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: إن الغلام الذي ~~أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادة ~~أم إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها. ~~قالوا: فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت فأخبرت ~~زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا، فانطلق إليه أبوه فأخذه من ذلك ~~المكان وحفر له سربا في النهر فواراه فيه وسد بابه بصخرة مخافة السباع. ~~وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم ~~الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من ~~شأنه ما يصلح بالمولود ثم سدت عليها باب المغارة ثم رجعت إلى بيتها. وكانت ~~تختلف إليه لتنظر ما فعل فتجده حيا وهو يمص إبهامه. # قال أبو روق: قالت أم إبراهيم لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء، ~~ومن إصبع لبنا، ومن إصبع سمنا، ومن إصبع عسلا، ومن إصبع تمرا. وقال محمد بن ms1163 ~~إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل فقالت: ولدت غلاما فما ~~صدقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة فلم ~~يمكث في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال: أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر ~~وتفكر في خلق السموات والأرض. وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وساقني ~~لربي الذي ما لي إله غيره ونظر في السماء فرأى كوكبا قال: هذا ربي ثم أتبعه ~~بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. # فلما رأى القمر بازغا، قال: هذا ربي وأتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم ~~طلعت الشمس قال هكذا إلى آخره ثم رجعت به إلى أبيه آزر قد استقامت وجهته ~~وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك. فلما رجعت به أمه، ~~أخبرته أنه ابنه وأخبرته بما صنعت به فسر بذلك وفرح فرحا شديدا. وقيل: إنه ~~مكث في السرب سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة. قالوا، ~~فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه: # من ربي؟ قالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: ~~اسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين ~~أهل الأرض فإنه ابنك. ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم: يا ~~أبتاه من ربي؟ قال: أمك. قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا. قال: فمن ربك؟ قال: ~~نمرود. قال: # فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال: اسكت. # فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا ~~قال: هذا ربي ويقال إنه قال # PageV02P127 # لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من باب السرب حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى ~~الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم. فقال إبراهيم: ~~ما لهذه بد من أن يكون لها إله وهو ربها وخالقها. ثم نظر، فإذا المشتري قد ~~طلع ويقال إنها الزهرة، وكانت تلك الليلة من آخر الشهر فتأخر طلوع القمر ms1164 ~~فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل: فلما جن عليه الليل يعني ستره ~~بظلامه رأى كوكبا قال هذا ربي ثم اختلف العلماء في وقت هذه الرؤية وفي وقت ~~هذا القول هل كان قبل البلوغ أو بعده على قولين: أحدهما أنه كان قبل البلوغ ~~في حال طفوليته وذلك قبل قيام الحجة عليه فلم يكن لهذا القول الذي صدر من ~~إبراهيم في هذا الوقت اعتبار ولا يترتب عليه حكم لأن الأحكام إنما تثبت بعد ~~البلوغ. وقيل: إن إبراهيم لما خرج من السرب في حال صغره ونظر إلى السماء ~~وما فيها من العجائب ونظر إلى الأرض وما فيها من العجائب وكان قد خصه الله ~~بالعقل الكامل والفطرة السليمة تفكر في نفسه وقال لا بد لهذا الخلق من خالق ~~مدبر وهو إله الخلق، ثم نظر في حال تفكره فرأى الكوكب وقد أزهر، فقال: هذا ~~ربي على ما سبق إلى وهمه وذلك في حال طفوليته وقبل استحكام النظر في معرفة ~~الرب سبحانه وتعالى واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين قالوا وهذا يدل على نوع تحير وذلك لا يكون إلا ~~في حال الصغر وقبل البلوغ وقيام الحجة وهذا القول ليس بسديد ولا مرضي لأن ~~الأنبياء معصومون في كل حال من الأحوال وأنه لا يجوز أن يكون لله عز وجل ~~رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو بالله عارف وله موحد وله من كل ~~منقصة منزه ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على إبراهيم وقد عصمه ~~الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السموات والأرض أفبرؤية الكوكب ~~يقول معتقدا هذا ربي؟ حاشا إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ذلك لأن منصبه ~~أعلى وأشرف من ذلك صلى الله عليه وسلم. # والقول الثاني: الذي عليه جمهور المحققين إن هذه الرؤية وهذا القول كان ~~بعد بلوغ إبراهيم وحين شرفه الله بالنبوة وأكرمه بالرسالة ثم اختلف أصحاب ~~هذا القول في تأويل الآية ومعناها فذكروا فيها وجوها: # الوجه ms1165 الأول: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج قومه بهذا القول ~~ويعرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم وعبادتها لأنهم كانوا يرون أن كل ~~الأمور إليها، فأراهم إبراهيم أنه معظم ما عظموه فلما أفل الكوكب والقمر ~~والشمس أراهم النقص الداخل على النجوم بسبب الغيبوبة والأفول ليثبت خطأ ما ~~كانوا يعتقدون فيها من الألوهية. ومثل هذا كمثل الحواري الذي ورد على قوم ~~كانوا يعبدون صنما فأظهر تعظيمه فأكرموه لذلك حتى صاروا يصدرون عن رأيه في ~~كثير من أمورهم إلى أن دهمهم عدو لا قبل لهم به فشاوروه في أمر هذا العدو ~~فقال: # الرأي عندي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما نزل بنا، فاجتمعوا حول ~~الصنم يتضرعون إليه فلم يغن شيئا فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يضر ولا ~~يدفع، دعاهم الحواري وأمرهم أن يدعو الله عز وجل ويسألوه أن يكشف ما نزل ~~بهم، فدعوا الله مخلصين، فصرف عنهم ما كانوا يحذرون فأسلموا جميعا. # الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال هذا القول على سبيل الاستفهام ~~وهو استفهام إنكار وتوبيخ لقومه وتقديره: أهذا ربي الذي تزعمون، وإسقاط حرف ~~الاستفهام كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى: أفإن مت فهم الخالدون يعني ~~أفهم الخالدون. والمعنى أيكون هذا ربا ودلائل النقص فيه ظاهرة. # الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك على وجه الاحتجاج على قومه ~~يقول هذا ربي بزعمكم فلما غاب قال لو كان إلها كما تزعمون لما غاب فهو ~~كقوله ذق إنك أنت العزيز الكريم يعني عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى ~~عليه السلام بقوله تعالى: انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا يريد إلهك ~~بزعمك. # الوجه الرابع: إن في هذه الآية إضمارا تقديره يقولون «هذا ربي» وإضمار ~~القول كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا أي يقولان ربنا تقبل منا. # PageV02P128 # الوجه الخامس: إن الله تعالى قال في حقه وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين ثم ms1166 قال بعده فلما جن عليه الليل والفاء ~~تقتضي التعقيب فدل هذا أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه الله ملكوت السموات ~~والأرض وبعض الإيقان ومن كان معه بهذه المنزلة العالية الشريفة لا يليق ~~بحاله أن يعبد الكواكب ويتخذها ربا. # فأما الجواب عن قوله: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فإن ~~الأنبياء عليهم السلام لم يزالوا يسألون الله التثبيت ومنه قوله واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام قوله تعالى: فلما أفل يعني غاب والأفول غيبة النيرات ~~قال يعني إبراهيم لا أحب الآفلين يعني لا أحب ربا يغيب ويطلع لأن أمارات ~~الحدوث فيه ظاهرة. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 77 الى 80] # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ~~وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون (80) # قوله تعالى: فلما رأى القمر بازغا يعني طالعا منتشر الضوء قال هذا ربي ~~معناه ما تقدم من الكلام في الكوكب فلما أفل يعني غاب قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين يعني إن لم يثبتني ربي على الهدى وليس المراد أنه ~~لم يكن مهتديا لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة وفي الآية ~~دليل على أن الهداية من الله تعالى لأن إبراهيم أضاف الهداية لله تعالى: ~~فلما رأى الشمس بازغة يعني طالعة قال هذا ربي يعني هذا الطالع أو أنه إشارة ~~إلى الضياء والنور لأنه رأى الشمس أضوأ من الكوكب والقمر وقيل إنما قال هذا ~~ولم يقل هذه لأن تأنيث الشمس غير حقيقي فلهذا أتى بلفظ التذكير هذا أكبر ~~يعني من الكوكب والقمر فلما أفلت يعني فلما غابت الشمس قال يا قوم إني بريء ms1167 ~~مما تشركون يعني أنه لما أثبت إبراهيم عليه السلام بالدليل القطعي أن هذه ~~النجوم ليست بآلهة ولا تصلح للربوبية تبرأ منها وأظهر لقومه أنه بريء مما ~~يشركون ولما أظهر خلاف قومه وتبرأ من شركهم أظهر ما هو عليه من الدين الحق ~~فقال إني وجهت وجهي يعني إني صرفت وجه عبادتي وقصرت توحيدي للذي فطر ~~السماوات والأرض يعني للذي خلقهما وأبدعهما حنيفا يعني مائلا عن عبادة كل ~~شيء سوى الله تعالى. وأصل الحنف: الميل، وهو ميل عن طرق الضلال إلى طريق ~~الاستقامة. وقيل: # الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة في صلاته وما أنا من المشركين تبرأ من ~~الشرك الذي كان عليه قومه. # قوله عز وجل: وحاجه قومه يعني وخاصمه قومه وذلك لما أظهر إبراهيم عليه ~~السلام عيب آلهتهم التي كانوا يعبدونها وأظهر التوحيد لله عز وجل خاصمه ~~قومه وجادلوه في ذلك فقال: أتحاجوني في الله. يعني تجادلونني في توحيدي لله ~~وقد هداني وقد بين لي طريق الهداية إلى توحيده ومعرفته. وقال البغوي: لما ~~رجع إبراهيم إلى أبيه وصار من الشباب بحالة تسقط عنه طمع الذابحين وضمه آزر ~~إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها فيذهب إبراهيم ~~وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يكتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها ~~إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة ~~حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته حاجه قومه يعني خاصمه وجادله قومه ~~في دينه قال يعني إبراهيم أتحاجوني في الله وقد # PageV02P129 # هدان يعني إلى توحيده ومعرفته ولا أخاف ما تشركون به وذلك أنهم قالوا له: ~~احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون لعيبك إياها فأجابهم بقوله ~~ولا أخاف ما تشركون به فإنها جمادات لا تضر ولا تنفع وإنما يكون الخوف ممن ~~يقدر على النفع والضر وهو قوله إلا أن يشاء ربي شيئا يعني لكن أن يشأ ربي ~~شيئا كان ما يشاء لأنه قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال ms1168 ~~أن الإنسان قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره ما يكرهه فلو أصابه مكروه ~~نسبوه إلى الأصنام فنفى هذه الشبهة بقوله إلا أن يشاء ربي شيئا وهذا ~~استثناء منقطع وليس هو من الأول في شيء. والمعنى ولكن إن شاء ربي شيئا كان ~~وسع ربي كل شيء علما يعني أحاط علمه بكل شيء فلا يخرج شيء عن علمه أفلا ~~تتذكرون يعني أفلا تعتبرون أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع وأن ~~الضار هو الذي خلق السموات والأرض ومن فيهما. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 81 الى 84] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) # وكيف أخاف ما أشركتم يعني وكيف أخاف الأصنام التي أشركتم بها لأنها ~~جمادات لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~يعني وأنتم لا تخافون وقد أشركتم بالله وهو من أعظم الذنوب ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا يعني ما ليس لكم فيه حجة وبرهان فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون يعني يقول من أولى بالأمن من العذاب في يوم القيامة الموحد أم ~~المشرك الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وهذا فصل قضاه الله بين ~~إبراهيم وبين قومه يعني أن الذين يستحقون الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. وقيل: هو من تمام كلام إبراهيم في المحاجة لقومه. ~~والمعنى: إن الذين يحصل لهم الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا يعني آمنوا ~~بالله وحده ولم يشركوا به شيئا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم يعني ولم يخلطوا ~~إيمانهم بشرك (ق). # عن ابن مسعود قال: لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ms1169 بظلم شق ذلك ~~على المسلمين وقالوا أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم وفي رواية ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال ~~لقمان لابنه وذكره. وقيل: في معنى قوله ولم يلبس إيمانهم بظلم، يعني: ولم ~~يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم وذلك بأن يفعل بعض ما نهى الله عنه أو ~~يترك ما أمر الله به فعلى هذا القول تكون الآية على العموم لأن الله لم يخص ~~به معنى من معاني الظلم دون غيره والصحيح أن الظلم المذكور في هذه الآية هو ~~الشرك لما تقدم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الظلم ~~هنا بالشرك وفي الآية دليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئا كانت عاقبته ~~الأمن من النار لقوله أولئك يعني الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم ~~الأمن يوم القيامة من عذاب النار وهم مهتدون يعني إلى سبيل الرشاد. وقوله ~~تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه يعني ما جرى بين إبراهيم وبين ~~قومه واستدل على حدوث الكوكب والقمر والشمس بالأفول وقيل لما قالوا ~~لإبراهيم إنا نخاف عليك من آلهتنا لسبك إياها قال أفلا تخافون أنتم منها إذ ~~سويتم بين الصغير والكبير في العبادة أن يغضب الكبير عليكم؟ وقيل: إنه خاصم ~~قومه المشركين فمالوا أي الفريقين أحق بالأمن من يعبد إلها واحدا مخلصا له ~~الدين والعبادة أم من يعبد أربابا كثيرة # PageV02P130 # فدلوا من يعبد إلها واحدا فقضوا على أنفسهم فكانت هذه حجة إبراهيم عليه ~~نرفع درجات من نشاء يعني بالعلم والفهم والعدل والفضيلة كما رفعنا درجات ~~إبراهيم حتى اهتدى إلى محاجة قومه. وقيل: نرفع درجات من نشاء في الدنيا ~~بالنبوة والعلم والحكمة وفي الآخرة بالثواب على الأعمال الصالحة إن ربك ~~حكيم عليم يعني أنه تعالى حكيم في جميع أفعاله عليم بجميع أحوال خلقه لا ~~يفعل شيء إلا بحكمة وعلم. ms1170 # قوله عز وجل: ووهبنا له إسحاق ويعقوب لما أظهر إبراهيم عليه السلام دينه ~~وغلب خصمه بالحجج القاطعة والبراهين القوية والدلائل الصحيحة التي فهمه ~~الله تعالى إياه وهداه إليها عدد الله نعمه عليه وإحسانه إليه بأن رفع ~~درجته في عليين وأبقى النبوة في ذريته إلى يوم الدين فقال تعالى: ووهبنا له ~~يعني لإبراهيم إسحاق يعني ابنا لصلبه ويعقوب يعني ابن إسحاق وهو ولد الولد ~~كلا هدينا يعني هدينا جميعهم إلى سبيل الرشاد ووفقناهم إلى طريق الحق ~~والصواب ونوحا هدينا من قبل يعني من قبل إبراهيم أرشدنا نوحا ووفقناه للحق ~~والصواب ومننا عليه بالهداية ومن ذريته اختلفوا في الضمير إلى من يرجع فقيل ~~يرجع إلى إبراهيم يعني ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان وقيل: يرجع إلى نوح ~~وهو اختيار جمهور المفسرين، لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور ولأن الله ذكر ~~في جملة هذه الذرية لوطا وهو ابن أخي إبراهيم ولم يكن من ذريته فثبت بهذا ~~أن هاء الكناية ترجع إلى نوح وقال الزجاج: كلا القولين جائز لأن ذكرهما ~~جميعا قد جرى. وداود هو ابن بيشا وكان ممن آتاه الله الملك والنبوة وكذلك ~~سليمان بن داود وأيوب هو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن ~~إبراهيم ويوسف هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وموسى هو ابن عمران بن ~~يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وهارون هو أخو موسى وكان أكبر منه بسنة ~~وكذلك نجزي المحسنين يعني: # وكما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه كذلك نجزي المحسنين ~~على إحسانهم. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 85 الى 88] # وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ~~ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من ~~عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) # وزكريا هو ابن آذن بن بركيا ويحيى هو ابن زكريا وعيسى هو ابن مريم بنت ~~عمران وإلياس. # قال ابن مسعود: هو ms1171 إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل وقال محمد بن ~~إسحاق: هو الياس بن سنا بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. وهذا هو ~~الصحيح لأن أصحاب الأنساب يقولون: إن إدريس جد نوح لأن نوحا بن لامك بن ~~متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ولأن الله تعالى نسب الياس في هذه الآية إلى نوح ~~وجعله من ذريته كل من الصالحين يعني أن كل من ذكرنا وسمينا من الصالحين ~~وإسماعيل هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق وذكر ~~أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا واليسع ~~هو ابن أخطوب بن العجوز ويونس هو ابن متى ولوطا هو ابن أخي إبراهيم: وكلا ~~فضلنا على العالمين يعني على عالمي زمانهم. ويستدل بهذه الآية من يقول إن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل ~~فيه الملك فيقتضي أن الأنبياء أفضل من الملائكة. # واعلم أن الله تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من الأنبياء عليهم السلام ~~من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب ~~ولكن هنا لطيفة أوجبت هذا الترتيب وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف ~~الأنبياء عليهم السلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا وإبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب # PageV02P131 # لأنهم أصول الأنبياء وإليهم ترجع أنسابهم جميعا ثم من المراتب المعتبرة ~~بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان قد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظا ~~وافرا من المراتب: الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه ~~أيوب عليه السلام ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف عليه ~~السلام فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن أعطاه الله ملك مصر مع النبوة ثم ~~من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات وقوة ~~البراهين وقد خص الله تعالى موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر ثم من المراتب ~~المعتبرة الزهد في الدنيا والإعراض عنها وقد خص الله بذلك زكريا ms1172 ويحيى ~~وعيسى والياس عليهم السلام ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين ثم ذكر ~~الله من بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل ~~واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه كان هذا الترتيب ~~من أحسن شيء يذكر والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # قوله تعالى: ومن آبائهم يعني ومن آباء الذين سميناهم ومن هنا للتبعيض لأن ~~من آباء بعضهم من لم يكن مسلما وذرياتهم يعني ومن ذرياتهم أي بعضهم لأن ~~عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من هو كافر كابن نوح ~~وإخوانهم يعني ومن إخوانهم والمعنى أن الله تعالى وفق من آباء المذكورين ~~ومن إخوانهم وذرياتهم للهداية وخالص الدين وهو قوله تعالى: واجتبيناهم يعني ~~اخترناهم واصطفيناهم وهديناهم يعني وأرشدناهم إلى صراط مستقيم أي إلى دين ~~الحق ذلك هدى الله قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي كان عليه هؤلاء ~~الأنبياء. وقيل: المراد بهدى الله معرفة الله وتنزيهه عن الشركاء والأضداد ~~والأنداد يهدي به من يشاء من عباده يعني يوفق من يشاء من عباده ويرشده إلى ~~دينه وطاعته وخلع الأضداد والشركاء ولو أشركوا يعني هؤلاء الذين سميناهم ~~لحبط يعني لبطل وذهب عنهم ما كانوا يعملون من الطاعات قبل ذلك لأن الله ~~تعالى لا يقبل مع الشرك من الأعمال شيئا. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 89 الى 91] # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91) # قوله عز وجل: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة يعني أولئك ~~الذين سميناهم من الأنبياء أعطيناهم الكتب التي أنزلناها ms1173 عليهم وآتيناهم ~~العلم والفهم وشرفناهم بالنبوة وإنما قدم ذكر الكتاب والحكمة على النبوة ~~وإن كانت النبوة هي الأصل لأن منصب النبوة أشرف المراتب والمناصب فذكروا ~~أولا الكتاب والحكم لأنهما يدلان على النبوة فإن يكفر بها هؤلاء يعني فإن ~~يجحد بدلائل التوحيد والنبوة كفار قريش فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين قال ابن عباس: هم الأنصار وأهل المدينة. وقيل: هم المهاجرون ~~والأنصار وقال الحسن وقتادة: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم ~~واختاره الزجاج قال: والدليل عليه قوله أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~وقال رجاء العطاردي: هم الملائكة وفيه بعد لأن اسم القوم لا ينطلق إلا على ~~بني آدم وقيل هم الفرس. قال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكا ~~أو نبيا أو من الصحابة أو التابعين وفي الآية دليل على أن الله تعالى ينصر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ويقوي دينه ويجعله عاليا على الأديان كلها وقد جعل ~~ذلك فهو # PageV02P132 # إخبار عن الغيب ... قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله يعني النبيين الذين ~~تقدم ذكرهم لأنهم هو المخصوصون بالهداية فبهداهم اقتده إشارة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعني فبشرائعهم وسننهم اعمل وأصل الاقتداء في اللغة طلب ~~موافقة الثاني للأول في فعله. وقيل أمره أن يقتدي بهم في أمر الدين الذي ~~أمرهم أن يجمعوا عليه وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن جميع النقائص التي ~~لا تليق بجلاله في الأسماء والصفات والأفعال. وقيل: # أمره الله أن يقتدي بهم في جميع الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية ~~والصفات الرفيعة الكاملة مثل: الصبر على أذى السفهاء، والعفو عنهم. وقيل: ~~أمره أن يقتدي بشرائعهم إلا ما خصه دليل آخر فعلى هذا القول يكون في الآية ~~دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا. # ((فصل)) احتج العلماء بهذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. بيانه أن جميع خصال الكمال ~~وصفات الشرف وكانت متفرقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه، وكان ms1174 ~~إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجل، وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب ~~الصبر على البلاء والمحن، وكان داود عليه السلام سليمان من أصحاب الشكر على ~~النعمة، قال الله فيهم: اعملوا آل داود شكرا وكان أيوب صاحب صبر على ~~البلاء، قال الله فيه إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب وكان يوسف قد ~~جمع بين الحالتين، يعني: الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة ~~والمعجزات الباهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في ~~الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع وإخبات ثم إن الله ~~تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال ~~المحمودة المتفرقة فيهم فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم كان أفضل ~~الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا يعني: قل يا محمد لا أطلب على تبليغ ~~الرسالة جعلا قيل لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين وكان من جملة ~~هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم ~~فقال: لا أسألكم عليه أجرا إن هو يعني ما هو يعني القرآن إلا ذكرى للعالمين ~~يعني أن القرآن موعظة وذكرى لجميع العالم من الجن والإنس وفيه دليل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق من الجن والإنس وإن دعوته ~~عمت جميع الخلائق. # قوله عز وجل: وما قدروا الله حق قدره قال ابن عباس: لما عظموا الله حق ~~عظمته وعنه أن معناه ما آمنوا أن الله على شيء قدير. وقال أبو العالية: ما ~~وصفوا الله حق وصفه. وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته. يقال: قدر ~~الشيء إذا حزره وسبره وأراد أن يعلم مقداره يقال قدره يقدره بالضم قدرا ثم ~~يقال لمن عرف شيئا هو يقدره قدره وإذا لم يعرفه بصفاته يقال فيه إنه لا ~~يقدر قدره فقوله وما قدروا الله حق قدره يصح فيه جميع الوجوه ms1175 المذكورة في ~~معناه إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء يعني الذين قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته إذ لو عرفوه حق ~~معرفته لما قالوا هذه المقالة، ثم اختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على ~~قولين: # أحدهما: أنها نزلت في كفار قريش وهذا على قول من يقول إن جميع هذه السورة ~~مكية وهو قول السدي. # ويروي ذلك عن مجاهد وصححه الطبري قال: لأن من أول السورة إلى هذا الموضع ~~هو خبر عن المشركين من عبدة الأصنام وكان قوله وما قدروا الله حق قدره ~~موصولا بذلك غير مفصول عنه فلا يكون قوله إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر ~~من شيء خبرا عن غيرهم وأورد فخر الدين الرازي على هذا القول إشكالا وهو أن ~~كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء فكيف يمكن إلزامهم بنبوة موسى وأيضا ~~فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش # PageV02P133 # إنما يليق بحال اليهود وأجاب عنه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود ~~وقد سمعوا منهم أن موسى جاءهم بالتوراة وبالمعجزات الباهرات وإنما أنكر ~~كفار قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيمكن إلزامهم بقوله قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى وأجاب عن كون سياق الآية لأي ليق إلا بحال اليهود ~~بأن كفار قريش واليهود لما كانوا مشتركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلا يبعد أن بعض الآية يكون خطابا لكفار قريش وبعضها خطابا لليهود. # والقول الثاني: في سبب نزول هذه الآية وهو قول جمهور المفسرين أنها نزلت ~~في اليهود وهذا على قول من يقول: إن هذه الآية نزلت بالمدينة وأنها من ~~الآيات المدنيات التي في السور المكية. قال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام ~~بمكة إلا ست آيات منها قوله: وما قدروا الله حق قدره فإنها نزلت بالمدينة ~~ثم اختلف القائلون بهذا القول في اسم من نزلت هذه الآية فيه فقال سعيد بن ~~جبير: جاء رجل من اليهود يقال له ms1176 مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على ~~موسى أما تجدون في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا ~~فغضب. وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال أصحابه الذين معه ويحك ~~ولا على موسى فقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى نورا وهدى للناس الآية. قال البغوي: # وفي القصة أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه ~~وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى فلم قلت ما أنزل الله على بشر من ~~شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد فقلت ذلك. فقالوا له: # وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق؟ فنزعوه عن الحبرية وجعلوا مكانه ~~كعب الأشرف. وقال السدي: لما نزلت هذه الآية في فنحاص بن عازوراء اليهودي ~~وهو القائل هذه المقالة. وقال ابن عباس: قالت اليهود يا محمد أنزل الله ~~عليك كتابا؟ قال: نعم فقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا فأنزل ~~الله: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى الآية وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من ~~اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب؟ فقالوا يا أبا القاسم ألا ~~تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملونها من عند الله فأنزل ~~الله يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء الآية التي في سورة ~~النساء فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة جثا رجل منهم وقال: ما أنزل الله عليك ~~ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا فأنزل الله: وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء وأورد الرازي على ms1177 هذا القول ~~إشكالا أيضا وهو أنه قال: إن اليهود مقرون بإنزال التوراة على موسى فكيف ~~يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء مع اعترافهم بإنزال التوراة ولم يجب عن ~~هذا الإشكال بشيء وأجيب عنه بأن مراد اليهود إنكار إنزال القرآن على محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقط ولهذا ألزموا بما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال ~~التوراة على موسى فقال تعالى: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى أي: قل ~~يا محمد لهؤلاء اليهود الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم ما أنزل الله ~~على بشر من شيء من أنزل التوراة على موسى وفي هذا الإلزام توبيخ اليهود ~~بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر نورا وهدى للناس يعني ~~التوراة ضياء من ظلمة الضلالة وبيانا يفرق بين الحق والباطل من دينهم وذلك ~~قبل أن تبدل وتغير تجعلونه قراطيس يكتبونه في قراطيس مقطعة تبدونها يعني ~~القراطيس المكتوبة وتخفون كثيرا يعني ويخفون كثيرا مما كتبوه في القراطيس ~~وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في التوراة ومما أخفوه ~~أيضا آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم أكثر المفسرين على أن هذا خطاب لليهود ومعناه: أنكم علمتم على ~~لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من قبل. قال ~~الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا ~~به. وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم قل الله هذا راجع إلى قوله: قل من أنزل الكتاب الذي جاء ~~به موسى، فإن أجابوك يا محمد وإلا فقل أنت # PageV02P134 # الله الذي أنزله: ثم ذرهم في خوضهم يلعبون يعني: دعهم يا محمد فيما هم ~~فيه يخوضون من باطلهم وكفرهم بالله. ومعنى يلعبون: يستهزءون ويسخرون. وقيل: ~~معناه يا محمد إنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا ~~المبلغ العظيم فحينئذ ms1178 لم يبق عليك من أمرهم شيء فذرهم فيما هم فيه من الخوض ~~واللعب وفيه وعيد وتهديد للمشركين. وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف وفيه ~~بعد لأنه مذكور لأجل التهديد والوعيد. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 92 الى 93] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم ~~أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك يعني: وهذا القرآن كتاب أنزلناه من ~~عندنا عليك يا محمد كثير الخير والبركة دائم النفع يبشر المؤمنين بالثواب ~~والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية. وأصل البركة: النماء والزيادة وثبوت ~~الخير مصدق الذي بين يديه يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء على ~~الأنبياء يعني أنه موافق لما في التوراة والإنجيل وسائر الكتب، لأنها ~~اشتملت جميعها على التوحيد والتنزيه لله من كل عيب ونقيصة وتدل على البشارة ~~والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقا لجميع الكتب المنزلة ولتنذر قرئ ~~بالتاء يعني ولتنذر يا محمد وبالياء ومعناه ولينذر الكتاب أم القرى يعني ~~مكة وفيه حذف تقديره ولتنذر أهل القرى وسميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت ~~من تحتها. قاله ابن عباس: وقيل: لأنها أقدم القرى وأعظمها بركة. # وقيل: لأنها قبلة أهل الأرض ومن حولها يعني جميع البلاد والقرى التي ~~حولها شرقا وغربا والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به يعني: والذين يصدقون ~~بقيام الساعة وبالمعاد والبعث بعد الموت يصدقون بها الكتاب وأنه منزل من ~~عند الله عز وجل وقيل ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أن الذي يؤمن ~~بالآخرة يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ومن كان كذلك فإنه يرغب في ~~تحصيل الثواب ورد العقاب عنه وذلك لا يحصل إلا بالنظر التام فإذا نظر ms1179 وتفكر ~~علم بالضرورة أن دين محمد أشرف الأديان وشريعته أعظم الشرائع وهم على ~~صلاتهم يحافظون يعني يداومون عليها في أوقاتها. والمعنى: أن الإيمان ~~بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك يحمل على المحافظة ~~على الصلاة، وفائدة تخصيص الصلاة بالذكر دون سائر العبادات، التنبيه على ~~أنها أشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، فإذا حافظ العبد عليها يكون ~~محافظا على جميع العبادات والطاعات قوله عز وجل: ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا يعني ومن أعظم خطأ وأجهل فعلا ممن اختلق على الله كذبا فزعم أن ~~الله بعثه نبيا وهو في زعمه كذاب مبطل أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ~~قال قتادة: نزلت هذه الآية في مسيلمة الكذاب بن ثمامة. وقيل مسيلمة بن حبيب ~~من بني حنيفة وكان صاحب نيرجات وكهانة وسجع ادعى النبوة باليمن وزعم أن ~~الله أوحى إليه وكان قد أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولين: فقال ~~لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ # قالا: نعم. فقال لهما: النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن الرسل لا تقتل ~~لضربت أعناقكما (ق). # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم إذ ~~أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني فأوحي إلي ~~أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء ~~وصاحب اليمامة» وفي لفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ~~في المنام كأن في يدي سوارين فأولتهما كذا بين يخرجان من بعدي، يقال ~~لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء» قوله فأوحى إلي أن # PageV02P135 # أنفخهما يروى بالخاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفخت الدابة برجلها ~~إذا دفعت ورمحت ويروى بالخاء المعجمة من النفخ يريد أنه نفخهما فطارا عنه ~~وهو قريب من الأول فأما مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوة باليمامة من اليمن ~~وتبعه قوم من بني حنيفة وكان صاحب نيرجات فاغتر قومه بذلك وقتل مسيلمة. ~~الكذاب ms1180 في زمن خلافة أبي بكر الصديق قتله وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب ~~وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس يعني حمزة وقتلت شر الناس يعني مسيلمة وأما ~~الأسود العنسي بالنون فهو عبهلة بن كعب وكان يقال له ذو الحمار ادعى النبوة ~~باليمن في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقتل والنبي صلى الله عليه ~~وسلم حي لم يمت وذلك قبل موته بيومين وأخبر أصحابه بقتله وقتله فيروز ~~الديلمي فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاز فيروز يعني بقتلة الأسود العنسي ~~فمن قال إن هذه الآية يعني قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء أنزلت في مسيلمة الكذاب والأسود العنسي ~~يقول: إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة وهو قول لبعض علماء التفسير تقدم ~~ذكره في أول السورة ومن قال إن هذه الآية مكية وقال: إنها نزلت في شأنهما ~~يقول إنها خبر عن غيب قد ظهر ذلك فيما بعد والله أعلم. # وقوله تعالى: ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله قال السدي: نزلت في عبد ~~الله بن أبي سرح القرشي وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان إذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما وإذا أملى عليه عليما ~~حكيما كتب غفورا رحيما فلما نزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق ~~الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اكتبها فهكذا نزلت فشك عبد الله بن أبي سرح وقال: لئن كان محمد صادقا فقد ~~أوحي إلي مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع عبد ~~الله بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة والنبي صلى الله عليه وسلم ~~نازل بمر الظهران وقال ابن عباس نزل قوله ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ~~في المستهزئين وهو جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا ms1181 قال العلماء وقد دخل ~~في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذبا في ذلك الزمان وبعده لأنه لا ~~يمنع خصوص السبب من عموم الحكم: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت يعني ~~ولو ترى يا محمد حال هؤلاء الظالمين إذ أنزل بهم الموت لرأيت أمرا عظيما ~~وغمراته شدائده وسكراته وغمرة كل شيء معظمه وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء ~~فيغطيها ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره والملائكة باسطوا أيديهم يعني ~~بالعذاب يضربون وجوههم وأدبارهم وقيل: باسطو أيديهم لقبض أرواحهم أخرجوا ~~أنفسكم يعني يقولون لهم أخرجوا أنفسكم. # فإن قلت: إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا الكلام. # قلت: معناه يقولون لهم أخرجوا أنفسكم كرها لأن المؤمن يحب لقاء الله ~~بخلاف الكافر وقيل معناه يقولون لهم خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم ~~على ذلك فيكون هذا القول توبيخا لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من ~~العذاب في ذلك الوقت اليوم تجزون عذاب الهون يعني الهوان بما كنتم تقولون ~~على الله غير الحق يعني ذلك العذاب الذي تجزونه بسبب ما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون يعني وبسبب ما كنتم تتعظمون عن ~~الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) # قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى يعني وحدانا لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ~~ولا خدم وهذا خبر من الله عز وجل عن حال الكافرين يوم القيامة وكيف يحشرون ~~إليه ماذا يقول لهم في ذلك اليوم وفي قوله للكافرين # PageV02P136 # ولقد جئتمونا فرادى تقريع وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى ~~تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ~~كل ذلك شيئا يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا كما خلقناكم ~~أول مرة يعني جئتمونا حفاة ms1182 عراة غرلا يعني قلفا كما ولدتهم أمهاتهم في أول ~~مرة في الدنيا لا شيء عليهم ولا معهم (ق). # عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: ~~«أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا» كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين (ق) عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # «تحشر الناس حفاة غراة غرلا» قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعا ينظر ~~بعضهم إلى بعض؟ قال الأمر أشد من أن يهمهم ذلك روي الطبري بسنده عن عائشة ~~أنها قرأت قول الله عز وجل ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة فقالت: ~~يا رسول الله وا سوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى ~~سوأة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل امرئ منهم يومئذ شيء ~~يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض». ~~وقوله تعالى: وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم يعني وتركتم الذي أعطيناكم ~~وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم والخول وكل ما أعطى الله العبد خوله ~~فيه من المال والعبيد وراء ظهوركم يعني في الدنيا وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء يعني أن المشركين زعموا أنهم إنما عبدوا هذه ~~الأصنام «لأنها تشفع لهم عند الله يوم القيامة لأنها شركاء الله تعالى الله ~~عن ذلك فإذا كان يوم القيامة وبخ الله المشركين وقرعهم بهذه الآية ثم قال ~~تعالى: لقد تقطع بينكم قرئ بينكم برفع النون، ومعناه لقد تقطع وصلكم والبين ~~من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا وضل عنكم ما كنتم تزعمون يعني: وذهب وبطل ~~ما كنتم تكذبون في الدنيا. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 95 الى 98] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ~~ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا ms1183 الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي أنشأكم من ~~نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) # قوله عز وجل: إن الله فالق الحب والنوى لما تقدم الكلام على تقرير ~~التوحيد وتقرير النبوة، أردفه بذكر الدلائل على كمال قدرته وعلمه وحكمته ~~تنبيها بذلك على أن المقصود الأعظم هو معرفة الله سبحانه وتعالى بجميع ~~صفاته وأفعاله وأنه مبدع الأشياء وخالقها ومن كان كذلك كان هو المستحق ~~للعبادة لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها وتعريفا منه خطأ ما كانوا عليه ~~من الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى: أن الذي يستحق العبادة دون غيره هو ~~الله الذي فلق الحب عن النبات والنواة عن النخلة. وفي معنى فلق قولان: ~~أحدهما: أنه بمعنى خلق ومعنى الآية على هذا القول: «أن الله خالق الحب ~~والنوى» وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه وبه. قال الضحاك ومقاتل: قال ~~الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر. وأنكر الطبري هذا القول وقال لا يعرف في ~~كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى خلق. ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه فقال: ~~وقيل الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق، تبين لك أن أكثره عن انفلاق ومعنى هذا ~~الكلام أن جميع الأشياء كانت قبل الوجود في العدم فلما أوجدها الله تعالى ~~وأخرجها من العدم إلى الوجود فكأنه فلقها وأظهرها. # والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن الفلق هو الشق ثم اختلفوا في معناه ~~على قولين: أحدهما: وهو # PageV02P137 # مروي عن ابن عباس قال: فلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة وهو قول ~~الحسن والسدي وابن زيد. قال الزجاج: بشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة ~~فيخرج منها ورقا أخضر. # والقول الثاني: وهو قول مجاهد إنه الشقان اللذان في الحب والنوى والحب هو ~~الذي ليس له نوى كالحنطة والشعير والأرز وما أشبه ذلك والنوى جمع نواة وهي ~~ما كان على ضد الحب كالرطب والخوخ والمشمش وما أشبه ذلك ومعنى قوله: فالق ~~الحب والنوى أنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مر على ذلك ~~قدر من الزمان أظهر الله تبارك وتعالى ms1184 من تلك الحبة ورقا أخضر ثم يخرج من ~~ذلك الورق سنبلة يكون فيها الحب ويظهر من النواة شجرة صاعدة في الهواء ~~وعروقا ضاربة في الأرض فسبحان من أوجد جميع الأشياء بقدرته وإبداعه وخلقه. # وقوله تعالى: يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي قال ابن عباس: في ~~رواية عنه: يخرج من النطفة بشرا حيا ويخرج النطفة الميتة من الحي وهذا قول ~~الكلبي ومقاتل. قال الكلبي: يخرج النسمة الحية من النطفة الميتة ويخرج ~~الفرخة من البيضة ويخرج النطفة الميتة والبيضة الميتة من الحي. وقال ابن ~~عباس في رواية أخرى: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن فجعل ~~الإيمان بمنزلة الحياة والكفر بمنزلة الموت وهذا قول الحسن. وقيل: معناه ~~يخرج الطائع من العاصي والعاصي من الطائع. وقال السدي: يخرج النبات من الحب ~~والحب من النبات وهذا اختيار الطبري لأنه قال عقب قوله «إن الله فالق الحب ~~والنوى». # فإن قلت كيف قال ومخرج الميت من الحي بلفظ اسم الفاعل بعد قوله «يخرج ~~الحي من الميت» وما السبب في عطف الاسم على الفعل. # قلت: قوله ومخرج الميت من الحي عطف على قوله: فالق الحب والنوى وقوله: ~~يخرج الحي من الميت كالبيان والتفسير لقوله فالق الحب والنوى لأن فلق الحب ~~والنوى واليابس وإخراج النبات والشجر منه من جنس إخراج الحي من الميت لأن ~~النامي من النبات في حكم الحيوان وقوله ذلكم الله يعني ذلكم الله المدبر ~~الخالق الصانع لهذه الأشياء المحيي المميت لها فأنى تؤفكون يعني فأنى ~~تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء كلها وفيه دليل أيضا ~~على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على ~~إخراجه من التراب للحساب قوله تعالى: فالق الإصباح أي شاق عمود الصبح عن ~~ظلمة الليل وسواده والإصباح مصدر سمي به الصبح. وقال الزجاج: الإصباح ~~والصبح واحد وهما أول النهار. # فإن قلت ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق ~~بالصبح فما معنى ذلك؟ قلت ذكر ms1185 العلماء فيه وجوها: # الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الصبح وذلك لأن الصبح صبحان: فالصبح ~~الأول هو البياض المستطيل الصاعد في الأفق كذنب السرحان وهو الذئب ثم تعقبه ~~ظلمة بعد ذلك ويسمى هذا الصبح الفجر الكاذب لأنه يبدو في الأفق الشرقي ثم ~~يضمحل ويذهب ثم يطلع بعده الصبح الثاني، وهو الضوء المستطير في جميع الأفق ~~الشرقي ويسمى الفجر الصادق لأنه ليس بعده ظلمة والحاصل من هذا أن يكون ~~المعنى: فالق ظلمة الصبح الأول بنور الصبح الثاني. # الوجه الثاني: أنه تعالى كما شق ظلمة الليل بنور الصباح فكذلك يشق نور ~~الصبح بضياء النهار فيكون معنى قوله: فالق الإصباح أي فالق الصباح بنور ~~النهار. # الوجه الثالث: أن يراد فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي ~~يلي الصبح. # PageV02P138 # الوجه الرابع: أن يكون المعنى فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر إذا انصدع ~~الفجر وانفلق وسمي الفجر فلقا بمعنى مفلوق. # الوجه الخامس: الفلق بمعنى الخلق يعني خالق الإصباح. وعلى هذا القول يزول ~~الإشكال. والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار. والمعنى أنه تعالى مبدي ~~ضوء الصبح وخالقه ومنوره. # وقوله تعالى: وجعل الليل سكنا السكن ما سكنت إليه واسترحت به. يريد أن ~~الناس يسكنون في الليل سكون راحة لأن الله جعل الليل لهم كذلك. قال ابن ~~عباس: إن كل ذي روح يسكن فيه لأن الإنسان قد أتعب نفسه في النهار فاحتاج ~~إلى زمان يستريح فيه ويسكن عن الحركة وذلك هو الليل والشمس والقمر حسبانا ~~يعني أنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر في الفلك بحسبان معين. قال ابن عباس: ~~يجريان إلى أجل جعل لهما يعني عدد الأيام والشهور والسنين وقال الكلبي ~~منازلهما بحسبان لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما ذلك إشارة إلى ~~ما تقدم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو ~~المراد بقوله تقدير العزيز العليم فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم ~~إشارة إلى كمال علمه. # قوله عز وجل: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ms1186 والبحر ~~جعل هنا بمعنى خلق يعني والله الذي خلق لكم هذه النجوم أدلة لتهتدوا بها ~~إذا ضللتم الطريق وتحيرتم فيه، فامتن الله على عباده بأن جعل لهم النجوم ~~ليهتدوا بها في المسالك والطرق في البر والبحر إلى حيث يريدون ويستدلون ~~بالنجوم أيضا على القبلة فيستدلون على ما يريدون في النهار بحركة الشمس وفي ~~الليل بحركة الكواكب ومن منافعها أيضا أنه تعالى خلقها زينة للسماء ورجوما ~~للشياطين كما قال: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين قد فصلنا الآيات يعني قد بينا الآيات الدالة على توحيدنا وكمال ~~قدرتنا لقوم يعلمون أن ذلك مما يستدل به على وجود الصانع المختار وكمال ~~علمه وقدرته. # قوله تعالى: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يعني والله الذي ابتدأ خلقكم ~~أيها الناس من آدم عليه السلام فهو أبو البشر كلهم وحواء مخلوقة منه وعيسى ~~أيضا لأن ابتداء خلقه من مريم وهي من بنات آدم فثبت أن جميع الخلق من آدم ~~عليه السلام فمستقر ومستودع قرئ فمستقر بكسر القاف وفتحها. يقال: قر في ~~مكانه واستقر فمن كسر القاف قال: المستقر بمعنى القار. والمعنى: منكم مستقر ~~يعني في الأرحام. ومن فتح القاف جعله مكانا فالمستقر نفس المقر فيكون ~~المعنى لكم مقر. # وأما المستودع فهو مثل أودع فيجوز أن يكون اسما للإنسان الذي استودع ذلك ~~المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه. # فمن قرأ فمستقر بفتح القاف جعل المستودع مكانا، والمعنى: فلكم مكان ~~استقرار ومكان استيداع ومن كسر القاف جعل المعنى منكم مستقر ومنكم مستودع ~~يعني منكم من استقر ومنكم من استودع والفرق بين المستقر والمستودع أن ~~المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، لأن المستقر من القرار والمستودع ~~معرض لأن يرد. # ولهذا اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذين اللفظين فروي عن ابن عباس أنه ~~قال المستقر في أرحام الأمهات والمستودع في أصلاب الآباء ثم قرأ ونقر في ~~الأرحام ما نشاء ويؤيد هذا القول أن النطفة لا تبقى في صلب الأب زمانا ~~طويلا والجنين يبقى في بطن الأم زمانا طويلا، ms1187 ولما كان المكث في بطن الأم ~~أكثر من صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب. وروي عنه أنه ~~قال: بالعكس يعني أن المستقر صلب # PageV02P139 # الأب والمستودع رحم الأم. ووجه هذا القول، أن النطفة حصلت في صلب الأب ~~قبل رحم الأم فوجب حمل المستقر على الصلب والمستودع على الرحم. وقال ابن ~~مسعود: المستقر في الرحم إلى أن يولد والمستودع في القبر إلى أن يبعث وقال ~~مجاهد: المستقر على ظهر الأرض في الدنيا لقوله: ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين والمستودع عند الله في الآخرة. وقال الحسن: المستقر في القبر ~~والمستودع في الدنيا وكان يقول يا ابن آدم أنت مستودع في أهلك إلى أن تلحق ~~بصاحبك يعني القبر وقيل المستودع في القبر والمستقر إما في الجنة والنار، ~~لأن المقام فيهما يقتضي الخلود والتأبيد قد فصلنا الآيات قد بينا الدلائل ~~الدالة على التوحيد بالبراهين الواضحة والحجج القاطعة لقوم يفقهون يعني ~~لقوم يفهمون عن الله آياته ودلائله الدالة على توحيده لأن الفقه هو الفهم. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6): آية 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) # وهو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر وقيل إن الله ينزل المطر من ~~السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض فأخرجنا به يعني بالماء الذي ~~أنزلنا من السماء نبات كل شيء يعني كل شيء ينبت وينمو من جميع أصناف ~~النبات، وقيل معناه أخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء غذاء كل شيء من: ~~الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم مما يتغذون به ~~فينبتون عليه وينمون فأخرجنا منه خضرا يريد أخضر مثل عور وأعور. والأخضر هو ~~جميع الزروع والبقول الرطبة نخرج منه حبا متراكبا يعني: يخرج من ذلك الأخضر ~~سنابل فيها الحب يركب بعضها فوق بعض ms1188 مثل: سنبل القمح والشعير والأرز والذرة ~~وسائر الحبوب وفي تقديم الزرع على النخل دليل على الأفضلية ولأن حاجة الناس ~~إليه أكثر لأنه القوت المألوف ومن النخل من طلعها قنوان دانية يعني من ~~ثمرها. يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها وطلعها كفراها قبل أن ينشق عن ~~الإغريض. والإغريض: يسمى طلعا أيضا وهو ما يكون في قلب الطلع والطلع أول ما ~~يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق فإذا شق عنه كيزانه سمي ~~عذقا وهو القنو وجمعه قنوان مثل: صنو وصنون. # دانية أي قريبة التناول ينالها القائم والقاعد وقال مجاهد: متدلية. وقال ~~الضحاك: قصار ملتصقة بالأرض وفيه اختصار وحذف تقديره ومن النخل ما قنوانها ~~دانية قريبة ومنها ما هي بعيدة عالية فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لشدة ~~الاهتمام بها ولأنها أسهل تناولا من البعيدة لأن البعيدة تحتاج إلى كلفة ~~وجنات من أعناب يعني وأخرجنا من ذلك بساتين من أعناب والزيتون والرمان يعني ~~وأخرجنا شجر الزيتون وشجر الرمان مشتبها قال قتادة مشتبها ورقها مختلفا ~~ثمرها لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان وغير متشابه يعني ومنها غير متشابه ~~في الورق والطعم. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من ~~الشجر بعد ذكر الزرع وإنما قدم الزرع على سائر الأشجار لأن الزرع غذاء ~~وثمار أشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه وإنما قدم النخلة على غيرها ~~لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء، وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من ~~الأشجار وإنما ذكر العنب عقب النخلة لأنها من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر ~~عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة في الأكل وسائر وجوه ~~الاستعمال ثم ذكر عقيبه الرمان لما فيه من المنافع أيضا لأنه فاكهة ودواء ~~ثم قال تعالى: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه يعني ونضجه وإدراكه. والمعنى ~~انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج الله تعالى هذه التمرة الرطبة ~~اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله: إن في ذلكم لآيات لقوم ~~يؤمنون يعني # PageV02P140 # يصدقون أن الذي أخرج ms1189 هذا النبات وهذه الثمار قادر على أن يحيي الموتى ~~ويبعثهم وإنما احتج الله عليهم بتصريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما ~~يعلمونه قطعا ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها وإخراج سائر أنواع النبات ~~والثمار منها وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى ليبين أنه تعالى ~~كذلك قادر على أن يحييهم بعد موتهم ويبعثهم يوم القيامة فاحتج عليهم بهذه ~~الأشياء لأنهم كانوا ينكرون البعث قوله تعالى: # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 100 الى 102] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) # وجعلوا لله شركاء الجن قال الحسن: معناه أطاعوا الجن في عبادة الأوثان. ~~وهو اختيار الزجاج. قال: # معناه إنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله. وقال ~~الكلبي: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشرك لاثنين في الخلق فقالوا الله خالق ~~النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات ~~والعقارب ونقل هذا القول ابن الجوزي عن ابن السائب ونقله الرازي عن ابن ~~عباس. قال الإمام فخر الدين: # وهذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن المجوس ~~يلتبسون بالزندقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل من السماء سماه ~~بالزند والمنسوب إليه زندي ثم عرب: فقيل: زنديق فإذا جمع، قيل: زنادقة. ثم ~~إن المجوس قالوا: كل ما يكون في هذا العالم من الخير فهو من يزدان يعني ~~النور وجميع ما في العالم من الشر فهو من الظلمة يعني إبليس ثم اختلف ~~المجوس فالأكثرون منهم على أن إبليس محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ~~والأقلون منهم قالوا: إنه قديم وعلى كلا القولين فقد اتفقوا على أنه شريك ~~الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر ms1190 فمن إبليس ~~تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # فإن قلت فعلى هذا القول إنما أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس فكيف حكى ~~الله أنهم جعلوا له شركاء قلت: إن إبليس له أعوان من جنسه وحزبه وهم شياطين ~~الجن يعملون أعماله فصح ما حكاه الله عنهم من أنهم جعلوا له شركاء الجن ~~ومعنى الآية وجعلوا الجن شركاء لله واختلفوا في معنى هذه الشركة فمن قال إن ~~الآية في كفار العرب قال إنهم لما أطاعوا الجن فيما أمروهم به من عبادة ~~الأصنام فقد جعلوهم شركاء لله ومن قال إنها في المجوس قال إنهم أثبتوا ~~إلهين اثنين النور والظلمة، وقيل إن كفار العرب قالوا الملائكة بنات الله ~~وهم شركاؤه فعلى هذا القول فقد جعلوا الملائكة من الجن وذلك لأنهم مستورون ~~عن الأعين. # وقوله وخلقهم في معنى الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الجن فيكون ~~المعنى: والله خلق الجن فكيف يكون شريك الله من هو محدث مخلوق. # والقول الثاني: إن الكناية تعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى: ~~وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئا. # وهذا كالدليل القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكه لله وكل ما في الكون محدث ~~مخلوق والله تعالى هو الخالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ~~ملكه وخرقوا له بنين وبنات بغير علم أي اختلقوا وكذبوا يقال: اختلق واخترق ~~على فلان إذا كذب عليه وذلك أن النصارى وطائفة من اليهود ادعوا أن لله ~~ابنا، وكفار العرب ادعوا أن الملائكة بنات الله وكذبوا على الله جميعا فيما ~~ادعوه وقوله بغير علم كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على فساد هذا القول ~~لأن الولد جزء من الأب والله سبحانه وتعالى لا يتجزأ فثبت بهذا فساد قول من ~~يدعي أن لله ولدا ثم نزه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد وعن هذه الأقاويل ~~الفاسدة فقال تعالى: سبحانه وتعالى # PageV02P141 # عما يصفون فقوله سبحانه فيه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وقوله ~~تعالى يعني هو المتعالي عن كل ms1191 اعتقاد باطل وقول فاسد، أو يكون المعنى: ~~المتعالي عن اتخاذ الولد والتشريك وقوله عما يصفون يعني عما يصفونه به من ~~الكذب. # قوله عز وجل: بديع السماوات والأرض الإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير ~~مثال سبق والله تعالى خلق السموات والأرض على غير مثال سبق أنى يكون له ولد ~~يعني من أين يكون له ولد ولم تكن له صاحبة لأن الولد لا يكون إلا من صاحبة ~~أنثى ولا ينبغي أن تكون لله صاحبة لأنه ليس كمثله شيء وخلق كل شيء يعني أن ~~الصاحبة والولد في جملة من خلق لأنه خالق كل شيء وليس كمثله شيء فكيف يكون ~~الولد لمن لا مثل له وإذا نسب الولد والصاحبة إليه فقد جعل له مثل والله ~~تعالى منزه عن المثلية وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى وهو بكل ~~شيء عليم يعني أنه تعالى عالم بجميع خلقه لا يعزب عن علمه شيء وعلمه محيط ~~بكل شيء. # قوله تعالى: ذلكم الله ربكم يعني ذلكم الله الذي من صفته أنه خلق السموات ~~والأرض وأبدعهما على غير مثال سبق إنه بكل شيء عليم هو ربكم الذي يستحق ~~العبادة لا من تدعون من دونه من الأصنام لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ولا ~~تنفع ولا تعلم والله تعالى هو الخالق الضار النافع لا إله إلا هو خالق كل ~~شيء فاعبدوه يعني أنه هو الذي يستحق العبادة فاعبدوه وأطيعوه وهو على كل ~~شيء وكيل يعني أنه هو تعالى على كل شيء خلق رقيب حفيظ، يقوم بأرزاق جميع ~~خلقه. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 103 الى 105] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم ~~بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # قوله عز وجل: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قال جمهور المفسرين ~~معنى: الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ~~ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط ms1192 به. وقال سعيد بن المسيب في ~~تفسيره: قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت ~~أبصار المخلوقين عن الإحاطة به. # ((فصل)) تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض ~~المرجئة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته ~~مستحيلة عقلا، لأن الله أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن ~~الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله ~~لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة ~~أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا ~~واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم ~~من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال ~~الله تبارك وتعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ففي هذه الآية دليل ~~على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون قال الشافعي رحمه الله: حجب قوما بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوما ~~يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة ~~لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وفسروا هذه ~~الزيادة بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى يوم القيامة. # PageV02P142 # وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال «كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم ~~عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «أن ناسا قالوا يا ~~رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~تضامون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في ms1193 الشمس ~~ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإنكم ترونه» كذلك أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن ~~أناسا سألوا ولا في آخره ليس دونها سحاب. عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا ~~رسول الله أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: نعم قلت وما آية ذلك ~~من خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به قلت ~~بلى قال: «فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله جل وأعظم» ~~أخرجه أبو داود وأما الدلائل العقلية، فقد احتج أهل السنة أيضا بهذه الآية ~~على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وتقريره، أنه تعالى تمدح بقوله ~~لا تدركه الأبصار فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن المعدوم ~~لا يصح التمدح به فثبت أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد المدح، وهذا يدل على ~~أنه تعالى جائز الرؤية وتحقيق هذا أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع ~~رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم، أما إذا كان في نفسه جائز ~~الرؤية. ثم إنه قدر على حجب الأبصار عنه كانت القدرة دالة على المدح ~~والعظمة فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية وإذا ثبت هذا ~~وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، لأن موسى صلى الله عليه وسلم ~~سأل الرؤية بقوله: أرني أنظر إليك وذلك يدل على جواز الرؤية، إذ لا يسأل ~~نبي مثل موسى ما لا يجوز ويمتنع وقد علق الله الرؤية على استقرار الجبل ~~بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني. استقرار الجبل جائز. والمعلق على الجائز ~~جائز. وأما الجواب عن تمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية في نفي الرؤية، فاعلم ~~أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، ~~والرؤية: المعاينة للشيء من غير إحاطة. وقد تكون الرؤية بغير إدراك كما قال ~~تعالى في قصة موسى: قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا ms1194 وكان قوم فرعون قد ~~رأوا قوم موسى ولم يدركوهم لكن قاربوا إدراكهم إياه فنفى موسى الإدراك مع ~~إثبات الرؤية بقوله كلا والله تعالى يجوز أن يرى في الآخرة من غير إدراك ~~ولا إحاطة لأن الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وهو ما كان محدودا وله جهات ~~والله تعالى منزه عن الحد والجهة لأنه القديم الذي لا نهاية لوجوده فعلى ~~هذا أنه تعالى # يرى ولا يدرك وقال قوم: إن الآية مخصوصة بالدنيا. قال ابن عباس في معنى ~~الآية: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة وعلى هذا القول فلا ~~فرق بين الإدراك والرؤية قالوا ويدل على هذا التخصيص قوله: وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة فقوله: يومئذ ناضرة مقيد بيوم القيامة على هذا يمكن ~~الجمع بين الآيتين وقال السدي: البصر بصران: بصر معاينة وبصر علم فمعنى ~~قوله لا تدركه الأبصار لا يدركه علم العلماء ونظيره ولا يحيطون به علما هذا ~~وجه حسن أيضا والله أعلم. # وقوله تعالى: وهو يدرك الأبصار يعني أنه تعالى يرى جميع المرئيات ويبصر ~~جميع المبصرات لا يخفى عليه شيء منها ويعلم حقيقتها ومطلع على ماهيتها فهو ~~تعالى لا تدركه أبصار المبصرين وهو يدركها وهو اللطيف الخبير قال ابن عباس: ~~بأوليائه الخبير بهم. وقال الزهري: معنى اللطيف الرفيق بعباده. وقيل هو ~~الموصل الشيء إليك برفق ولين. وقيل هو الذي ينسى عباده ذنوبهم لئلا يخجلوا ~~وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء. وقال أبو سليمان الخطابي: اللطيف هو ~~اللين بعباده يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويوصل إليهم مصالحهم من حيث لا ~~يحتسبون. وقال الأزهري: اللطيف في أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده. ~~وقيل: هو اللطيف حيث لم يأمر عباده بفوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. ~~وقيل: هو اللطيف بعباده حيث يثني # PageV02P143 # عليهم عند الطاعة ولم يقطع عنهم بره وإحسانه عند المعصية. وقيل: هو الذي ~~لطف عن أن تدركه الأبصار وهو يدركها. # قوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة ~~التي توجب البصر بالشيء والعلم به. ms1195 والمعنى: قد جاءكم القرآن الذي فيه ~~البيان والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل. وقيل: إن ~~الآيات والبراهين ليست في أنفسها بصائر إلا أنها لقوتها توجب البصائر لمن ~~عرفها ووقف على حقائقها فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين أسبابا ~~لحصول البصائر سميت بصائر فمن أبصر يعني فمن عرف الآيات واهتدى بها إلى ~~الحق فلنفسه يعني فلنفسه أبصر ولها عمل لأنه يعود نفع ذلك عليه ومن عمي ~~يعني ومن جهل ولم يعرف الآيات ولم يستدل بها إلى الطريق فعليها يعني فعلى ~~نفسه عمى ولها ضر وكان وبال ذلك العمى عليه لأن الله تعالى غني عن خلقه وما ~~أنا عليكم بحفيظ يعني وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم ~~إنما أنا رسول من ربكم إليكم أبلغكم ما أرسلت به إليكم والله هو الحفيظ ~~عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. وقيل معناه لا أقدر أن أدفع ~~عنكم ما يريده الله بكم وقيل معناه لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل ~~وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات ~~السيف وعلى القول الأول ليست منسوخة والله أعلم. # قوله عز وجل: وكذلك نصرف الآيات يعني وكذلك نبين الآيات ونفصلها في كل ~~وجه كما صرفناها وبيناها من قبل وليقولوا درست يعني وكذلك نصرف الآيات ~~لتلزمهم الحجة وليقولوا درست. وقيل: معناه لئلا يقولوا درست وقيل اللام فيه ~~لام العاقبة ومعناه عاقبة أمرهم أن يقولوا درست يعني قرأت على غيرك. يقال: # درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذلله للحفظ. قال ابن عباس: ~~وليقولوا، يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست يعني تعلمت من يسار ~~وجبر وكانا عبدين من سبي الروم ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله وقال ~~الفراء: معناه تعلمت من اليهود وقرئ دارست بالألف بمعنى قارأت أهل الكتاب ~~من المدارسة التي هي بين اثنين يعني يقولون قرأت على أهل الكتاب وقرءوا ~~عليك وقرئ درست بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء ومعناه أن هذه ms1196 ~~الأخبار التي تتلوها علينا قديمة فدرست وانمحت من قولهم فرس الأثر إذا محي ~~وذهب أثره ولنبينه لقوم يعلمون يعني القرآن وقيل: معناه نصرف الآيات لقوم ~~يعلمون. قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل: ~~معنى الآية وكذلك نصرف الآيات ليسعد بها قوم ويشفى بها آخرون فمن أعرض عنها ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: درست أو درست فهو شقي ومن تبين له الحق ~~وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد وقال أبو إسحاق: إن السبب الذي أداهم إلى أن ~~قالوا درست هو تلاوة الآيات عليهم وهذه اللام تسميها أهل اللغة لام ~~الصيرورة يعني صار عاقبة أمرهم أن قالوا دارست فصار ذلك سببا لشقاوتهم وفي ~~هذا دليل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سببا لضلالة قوم وشقاوتهم ~~وسعادة قوم وهدايتهم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 106 الى 108] # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # قوله تعالى: اتبع ما أوحي إليك من ربك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~يعني اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك وهو القرآن ~~فاعمل به وبلغه إلى البادي ولا تلتفت إلى قول من يقول: دارست أو درست. وفي ~~قوله اتبع ما أوحي إليك من ربك تعزية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة ~~الحزن الذي حصل له بسبب قولهم درست ونبه بقوله # PageV02P144 # تعالى: لا إله إلا هو أنه سبحانه وتعالى واحد فرد صمد لا شريك له وإذا ~~كان كذلك فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين ~~وقوله تعالى: وأعرض عن المشركين قيل: المراد منه في الحال لا الدوام وإذا ~~كان كذلك لم يكن النسخ وقيل: المراد ترك مقالتهم فعلى هذا يكون الأمر ms1197 ~~بالإعراض منسوخة بآية القتال قوله عز وجل: ولو شاء الله ما أشركوا قال ~~الزجاج: معناه لو شاء الله لجعلهم مؤمنين وهذا نص صريح في أن شركهم كان ~~بمشيئة الله تعالى خلافا للمعتزلة في قولهم لم يرد من أحد الكفر والشرك ~~فالآية رد عليهم وما جعلناك عليهم حفيظا يعني: وما جعلناك يا محمد على ~~هؤلاء المشركين رقيبا ولا حافظا تحفظ عليهم أعمالهم. وقال ابن عباس في ~~رواية عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم منا ومعناه إنك لم تبعث لتحفظ ~~المشركين من العذاب وإنما بعثت مبلغا فلا تهتم بشركهم فإن ذلك بمشيئة الله ~~تعالى: وما أنت عليهم بوكيل يعني وما أنت عليهم بقيم تقوم بأرزاقهم وما أنت ~~عليهم بمسيطر، فعلى التفسير الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف وعلى قول ~~ابن عباس: لا تكون منسوخة. # قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم الآية قال ابن عباس: لما نزلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~قال المشركون يا محمد لتنتهين عن سبب آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن ~~يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم وقال قتادة: كان المؤمنون يسبون ~~أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله لأنهم ~~قوم جهلة لا علم لهم بالله عز وجل. وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة ~~قالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ~~فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان عمه يمنعه فلما مات قتلوه. ~~فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن ~~أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن أبي البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا ~~أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه ~~فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه فدعاه جاء النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فقال له أبو طالب: إن هؤلاء قومك وبنو عمك فقال رسول الله صلى ms1198 الله عليه ~~وسلم وما يريدون؟ قالوا: # نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك ~~فاقبل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل أنتم ~~معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم وأدت لكم الخراج؟ ~~فقال أبو جهل نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ فقال: قولوا لا ~~إله إلا الله «فأبوا ونفروا» فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فقال: يا ~~عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها ~~إرادة أن يؤيسهم فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك ~~فأنزلت: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله يعني ولا تسبوا أيها المؤمنون ~~الأصنام التي يعبدها المشركون فيسبوا الله عدوا بغير علم يعني فيسبوا الله ~~ظلما بغير علم لأنهم جهلة بالله عز وجل. قال الزجاج: نهوا في ذلك الوقت قبل ~~القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت عبدها المشركون. وقال ابن الأنباري: ~~هذه الآية منسوخة أنزلها الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلما ~~قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. ~~وقيل إنما نهوا عن سب الأصنام وإن كان في بسبها طاعة وهو مباح لما يترتب ~~على ذلك من المفاسد التي هي أعظم من ذلك وهو سب الله عز وجل وسب رسوله وذلك ~~من أعظم المفاسد فلذلك نهوا عن سب الأصنام وقيل لما نزلت هذه الآية قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا آلهتكم فيسبوا ربكم فأمسك المسلمون عن ~~سب آلهتهم فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب ~~الله تعالى لأنه سبب لذلك. # وقوله تعالى: كذلك زينا لكل أمة عملهم يعني كما زينا لهؤلاء المشركين ~~عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان كذلك زينا لكل أمه عملهم من ~~الخير والشر والطاعة والمعصية وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية ~~والمعتزلة حيث قالوا لا يحسن من الله خلق الكفر ms1199 وتزيينه. # PageV02P145 # وقوله تعالى: ثم إلى ربهم مرجعهم يعني المؤمن والكافر والطائع والعاصي ~~فينبئهم بما كانوا يعملون يعني في الدنيا ويجازيهم على ذلك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 109] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) # قوله عز وجل: وأقسموا بالله جهد أيمانهم قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: ~~قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كانت له عصا يضرب بها الحجر فتنفجر ~~منه اثنتا عشرة عينا وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى فأتنا بآية حتى نصدقك ~~ونؤمن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون؟ قالوا: تجعل ~~لنا الصفا ذهبا وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا ~~الملائكة يشهدون لك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فعلت بعض ما ~~تقولون أتصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعك أجمعون. وسأل المسلمون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجعل يدعو الله عز وجل أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل ~~فقال ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوك لنعذبهم وإن شئت تركتهم ~~حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم فأنزل ~~الله عز وجل: وأقسموا بالله جهد أيمانهم يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم ~~يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. ~~قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه لئن جاءتهم آية يعني ~~كما جاءت من قبلهم من الأمم ليؤمنن بها يعني ليصدقن بها قل يعني قل يا محمد ~~إنما الآيات عند الله يعني أن الله تعالى قادر على إنزالها وما يشعركم ~~يعني: وما يدريكم. ثم اختلف في المخاطبين بقوله وما يشعركم فقيل هو خطاب ~~للمشركين الذين أقسموا بالله وقيل هو خطاب للمؤمنين واختلفوا في قوله أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون فقرأ ابن كثير ms1200 وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم إنها بكسر ~~الألف على الابتداء وقالوا تم الكلام عند قوله وما يشعروكم على معنى وما ~~يدريكم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون فمن جعل ~~الخطاب للمشركين قال معناه وما يشعركم أيها المشركون أنها يعني الآيات إنها ~~إذا جاءت آمنتم. ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه وما يشعركم أيها ~~المؤمنون إذا جاءت آمنوا لأن المؤمنين كانوا يسألون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعو الله أن يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم الله ~~بقوله: # وما يشعركم ثم ابتدأ فقال تعالى إنها: إذا جاءت لا يؤمنون وهذا في قوم ~~مخصوصين حكم الله عز وجل عليهم بأنهم لا يؤمنون وذلك لسابق علمه فيهم وقرأ ~~الباقون أنها بفتح الألف وجعلوا الخطاب في ذلك للمؤمنين لأن المؤمنين هم ~~الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات حتى يؤمن المشركون ~~بها إذا رأوها لأن المشركين كانوا حلفوا أنهم إذا جاءتهم آية آمنوا وصدقوا ~~واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنزال الآيات لذلك فقال الله تعالى: وما يشعركم أيها المؤمنون أن ~~الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فعلى هذا اختلفوا في لفظة لا من ~~قوله لا يؤمنون فقيل هي صلة والمعنى وما يشعركم إنها إذا جاءت يؤمنون وقيل ~~هي على بابها وفيه حذف والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءتهم يؤمنون أو لا ~~يؤمنون وقيل إن بمعنى لعل في قوله إنها إذا جاءت وكذلك هو في قراءة أبي بن ~~كعب لعلها إذا جاءت وهذا سائغ في كلام العرب تقول العرب: أئت السوق أنك ~~تشتري لنا شيئا، بمعنى لعلك ومنه قول عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # يعني لعل منيتي. # PageV02P146 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 110 الى 111] # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ms1201 الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) # قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم وبين ~~الإيمان فلو جئناهم بالآيات التي سألوها لما آمنوا بها. والتقليب هو تحويل ~~الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر لأن الله تعالى إذا صرف القلوب والأبصار ~~عن الإيمان بقيت على الكفر كما لم يؤمنوا به أول مرة يعني كما لم يؤمنوا ~~بما قبل ذلك من الآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~انشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وقيل: أول مرة يعني الآيات ~~التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء. # وقال ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا يعني لو ردوا من الآخرة إلى ~~الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة قبل مماتهم وفي الآية دليل على أن الله تعالى: يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه فيقيم ما شاء منها ويزيغ ما أراد ~~منها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ~~فمعنى قوله بقلب أفئدتهم نزيغها عن الإيمان ونقلب أبصارهم عن رؤية الحق ~~ومعرفة الصواب وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا ~~بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فعلى هذا تكون الكناية في به عائدة على ~~الإيمان بالقرآن وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سؤالهم ~~الآيات التي اقترحوها. # وقوله تعالى: ونذرهم في طغيانهم يعمهون يعني ونترك هؤلاء المشركين الذين ~~سبق علم الله أنهم لا يؤمنون في تمردهم على الله واعتدائهم عليه يترددون لا ~~يهتدون إلى الحق. # قوله عز وجل: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة قال ابن جريج: نزلت في ~~المستهزئين، وذلك أنهم أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من ~~قريش، فقالوا: يا محمد ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم ~~باطل وأرنا ms1202 الملائكة يشهدن لك أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ائتنا ~~بالله والملائكة قبيلا فنزلت هذه الآية جوابا لهم. والمعنى: # ولو أنا نزلنا إليهم الملائكة حتى يشهدوا لك بالرسالة وكلمهم الموتى يعني ~~كما سألوا وحشرنا عليهم كل شيء قبلا يعني وجمعنا عليهم كل شيء قبلا قبيلا، ~~قيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول ما آمنوا وهو قوله: ما كانوا ليؤمنوا إلا ~~أن يشاء الله يعني إلا أن يشاء الله الإيمان منهم وفيه دليل على أن جميع ~~الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان والكفر، وموضع المعجزة أن الأشياء ~~المحشورة منها ناطق ومنها صامت فإذا أنطق الله الكل حتى يشهدوا له بصحة ما ~~يقول كان ذلك في غاية الإعجاز. وقيل قبلا من المقابلة والمواجهة، والمعنى: ~~وحشرنا عليهم كل شيء مواجهة ومعاينة ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~أخبر الله أن الإيمان بمشيئة الله لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى ~~شاؤوا لم يؤمنوا، وقال ابن عباس: ما كانوا ليؤمنوا هم أهل الشقاء إلا أن ~~يشاء الله هم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان. ~~وصحح الطبري قول ابن عباس قال: لأن الله عم بقوله ما كانوا ليؤمنوا القوم ~~الذين تقدم ذكرهم في قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها ثم استثنى منهم أهل السعادة وهم الذين شاء لهم الإيمان. # قوله تعالى: ولكن أكثرهم يجهلون يعني يجهلون أن ذلك كذلك ويحسبون أن ~~الإيمان إليهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس الأمر كذلك بل ~~الإيمان والكفر بمشيئة الله تعالى فمن شاء له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر ~~كفر وفي هذا دليل لمذهب أهل السنة أن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى ورد ~~على القدرية والمعتزلة في قولهم: إن الله أراد الإيمان من جميع الكفار. # PageV02P147 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 112 الى 113] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى ms1203 إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) # قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا قيل هو منسوق على قوله تعالى كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم، أي كما فعلنا ذلك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا. وقيل: ~~معناه كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء كذلك جعلنا لك أعداء وفيه ~~تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له يقول الله تبارك وتعالى: كما ~~ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوا ليعظم ثوابه على ما ~~يكابده من أذى أعدائه وعدو واحد يراد به الجمع يعني جعلنا لكل نبي أعداء ~~شياطين الإنس والجن اختلف العلماء في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: # أحدهما: أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن والشيطان كل عات ~~متمرد من الجن والإنس وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مجاهد ~~وقتادة. قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن لأن شيطان الجن إذا ~~عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس ~~ليفتنه، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «هل تعوذت بالله من شيطان الجن والإنس قلت يا رسول الله وهل ~~للأنس من شيطان؟ قال نعم هم شر من شياطين الجن» ذكره البغوي بغير سند ~~وأسنده الطبري. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن ~~وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى ~~المعاصي. # القول الثاني: إن الجميع من ولد إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى ~~أنهم يغوونهم، وهذا قول عكرمة والضحاك والكلبي والسدي. ورواية عن ابن عباس ~~قالوا: والمراد بشياطين الإنس التي مع الإنس وبشياطين الجن التي مع الجن ~~وذلك أن إبليس قسم جنده قسمين فبعث فريقا منهم إلى الجن وفريقا إلى الإنس ~~فالفريقان شياطين الجن والإنس بمعنى أنهم يغوونهم ويضلونهم وكلا الفريقين ~~أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه من المؤمنين والصالحين. ومن ms1204 ذهب ~~إلى هذا القول قال: يدل على صحته أن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى ~~الإنس والجن والإضافة تقتضي المغايرة فعلى هذا يكون في الشياطين نوع مغاير ~~للإنس والجن وهم أولاد إبليس. # وقوله تعالى: يوحي بعضهم إلى بعض يعني يلقي ويسر بعضهم إلى بعض ويناجي ~~بعضهم بعضا وهو الوسوسة التي يلقيها إلى من يريد إغوائه، فعلى القول الأول: ~~إن شياطين الإنس والجن يسر بعضهم إلى بعض ما يفتنون به المؤمنين والصالحين، ~~وعلى القول الثاني: إن أولاد إبليس يلقى بعضهم بعضا في كل حين فيقول شيطان ~~الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بمثله ويقول شيطان ~~الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك وحي بعضهم إلى بعض. # وقوله: زخرف القول يعني باطل القول والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد ~~زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف غرورا يعني أن الشياطين يغرون ~~بذلك القول الكذب المزخرف غرورا وذلك أن الشياطين يزينون الأعمال القبيحة ~~لبني آدم ويغرونهم بها غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه يعني ما فعلوا الوسوسة ~~التي يلقيها الشياطين في قلوب بني آدم، والمعنى أن الله تعالى لو شاء لمنع ~~الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن ولكن الله يمتحن من يشاء من ~~عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر على المحنة فذرهم وما ~~يفترون يعني فخلهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي ~~فإني من ورائهم. # PageV02P148 # قوله تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة قال ابن عباس: ~~ولتميل إليه وأصل الصغو في اللغة الميل، يقال: أصغى إلى كذا مال إليه. ~~ويقال صغوت أصغو وصغيت أصغى لغتان. قال ابن الأنباري: # اللام في ولتصغى متعلقة بفعل مضمر معناه وفعلنا بهم ذلك لكي تصغي إلى ~~الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وقال غيره اللام متعلقة بيوحي تقديره ~~ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول، ليغروا بذلك ms1205 ولتصغي ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول ~~والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به وهو ~~قوله: وليرضوه يعني يرضون ذلك القول المزخرف الباطل وليقترفوا ما هم ~~مقترفون يعني وليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 114 الى 117] # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر ~~من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~(116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # قوله عز وجل: أفغير الله أبتغي حكما أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أفغير ~~الله أطلب حكما قاضيا يقضي بيني وبينكم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكما، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بهذا ~~الجواب والحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل المعاني قال: ~~الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم من شأنه أن يحكم والحكم أهل أن يتحاكم ~~إليه وهو الذي لا يحكم إلا بالحق فالله تعالى حكم لا يحكم إلا بالحق فلما ~~أنزل الله على محمد القرآن فقد حكم له بالنبوة وهو قوله تعالى: وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا يعني علماء اليهود والنصارى يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق يعني يشهدون أن هذا القرآن منزل من عند الله وذلك لما ثبت عندهم ~~بالدلائل الدالة على ذلك، وقيل المراد بهم علماء الصحابة ورؤساؤهم مثل: أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي ونظرائهم يعلمون أن هذا القرآن منزل من ربك بالحق ~~فآمنوا به وصدقوه فلا تكونن من الممترين يعني فلا تكونن يا محمد من الشاكين ~~أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله وقيل: ~~معناه فلا تكونن في شك مما قصصنا ms1206 عليك أنه حق وصدق فهو من باب التهييج لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أن المراد به غيره. والمعنى: فلا تكونن أيها الإنسان ~~السامع لهذا القرآن في شك أنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا ~~يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى. # قوله تعالى: وتمت كلمة ربك وقرئ كلمات ربك على الجمع فمن قرأ على التوحيد ~~قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد ~~كقولهم قال الشاعر في كلمته يعني في قصيدته، وكذلك القرآن كلمة واحدة لأنه ~~شيء واحد في إعجاز النظم وكونه حقا وصدقا ومعجزا ومن قرأ بالجمع قال لأن ~~الله قال في سياق الآية لا مبدل لكلماته فوجب الجمع في اللفظ الأول اتباعا ~~للثاني صدقا وعدلا يعني صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم وقيل إن القرآن مشتمل ~~على الأخبار والأحكام فهو صادق فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية ~~وعما هو كائن إلى قيام الساعة. وفيما أخبر عن ثواب المطيع في الجنة وعقاب ~~العاصي في النار وهو عدل فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر ~~الأحكام لا مبدل لكلماته يعني لا مغير لقضائه ولا راد لحكمه ولا خلف ~~لمواعيده، وقيل: لما وصف كلماته بالتمام في قوله وتمت كلمة ربك والتمام في ~~كلام الله لا يقبل النقص والتغيير والتبديل. # PageV02P149 # قال الله تعالى: لا مبدل لكلماته لأنها مصونة عن التحريف والتغيير ~~والتبديل باقية إلى يوم القيامة وفي قوله: لا مبدل لكلماته دليل على أن ~~السعيد لا ينقلب شقيا ولا الشقي ينقلب سعيدا، فالسعيد من سعد في الأزل ~~والشقي من شقي في الأزل وأورد على هذا أن الكافر يكون شقيا بكفره فيسلم ~~فينقلب سعيدا بإسلامه وأجيب عنه بأن الاعتبار بالخاتمة فمن ختم له بالسعادة ~~كان قد كتب سعيدا في الأزل ومن ختم له بالشقاوة كان شقيا في الأزل والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: وهو السميع يعني لما يقول العباد ms1207 العليم بأحوالهم قوله عز ~~وجل: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله قال المفسرون إن ~~المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة ~~وذلك أنهم قالوا للمسلمين كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلوا ما قتل ربكم؟ ~~فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن تطع أكثر من في الأرض ~~في أكل الميتة، وكان الكفار يومئذ أكثر أهل الأرض يضلوك عن سبيل الله، يعني ~~يضلوك عن دين الله الذي شرعه لك وبعثك به وقيل معناه لا تطعهم في معتقداتهم ~~الباطلة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله يعني يضلوك عن طريق الحق ومنهج ~~الصدق ثم أخبر عن حال الكفار وما هم عليه فقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن ~~يعني أن هؤلاء الكفار الذين يجادلونك ما يتبعون في دينهم الذي هم عليه إلا ~~الظن وليسوا على بصيرة وحق في دينهم وليسوا بقاطعين أنهم على حق لأنهم ~~اتبعوا أهواءهم وتركوا التماس الصواب والحق واقتصروا على اتباع الظن والجهل ~~وإن هم إلا يخرصون يعني يكذبون وأصل الخرص الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة ~~إذا حزر كمية ثمرتها على الظن من غير يقين ويسمى الكذب خرصا لما يدخله من ~~الظنون الكاذبة وقيل: إن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص لأن قائله ~~لم يقله عن علم ويقين إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله يقول الله لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم يا محمد إن ربك هو أعلم منك ومن جميع خلقه أي الناس يضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين يعني وهو أعلم أيضا بمن كان على هدى واستقامة ~~وسداد ولا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه فأخبر تعالى أنه أعلم بالفريقين ~~الضال والمهتدي وأنه يجازي كلا بما يستحق. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 118 الى 120] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه ms1208 وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) ~~وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه هذا جواب لقول المشركين حيث ~~قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم؟ فقال الله ~~تعالى للمسلمين فكلوا أنتم مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح: إن كنتم ~~بآياته مؤمنين وقيل كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الميتة فقيل: ~~أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، فعلى هذا القول تكون الآية خطابا ~~للمشركين. # وعلى القول الأول تكون الآية خطابا للمسلمين وهو الأصح لقوله في آخر ~~الآية: إن كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~يعني وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا وما يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره: وقد فصل لكم ~~ما حرم عليكم يعني وقد بين لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون. وقال جمهور ~~المفسرين: المراد بقوله وقد فصل لكم ما حرم عليكم المحرمات المذكورة في ~~قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~وأورد الإمام فخر الدين الرازي هاهنا إشكالا فقال: في سورة الأنعام مكية ~~وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، وقوله: وقد فصل يجب أن ~~يكون ذلك المفصل متقدما على هذا المحل والمدني متأخر على # PageV02P150 # المكي فيمتنع كونه متقدما ثم قال بل الأولى أن يقال قوله تعالى بعد هذه ~~الآية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل ~~إلا أن هذا القدر من المتأخر لا يمنع أن يكون هو المراد قال كاتبه ولما ~~ذكره المفسرون وجه وهو أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة ~~الأنعام في الترتيب لا في النزول ms1209 حسن عود الضمير في قوله وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله حرمت عليكم الميتة الآية ~~والله أعلم بمراده. # قوله تعالى: إلا ما اضطررتم إليه يعني إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله ~~بسبب شدة المجاعة فيباح لكم ذلك عند الاضطرار وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ~~بغير علم يعني وإن كثيرا من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم ~~في ذلك بقولهم أتأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما يذبحه الله، وإنما قالوا ~~هذه المقالة جهلا منهم بغير علم منهم بصحة ما يقولون بل يتبعون أهواءهم ~~ليضلوا أنفسهم وأتباعهم بذلك. وقيل: المراد به عمرو بن لحي فمن دونه من ~~المشركين لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين ~~إبراهيم عليه السلام إن ربك هو أعلم بالمعتدين يعني إن ربك يا محمد هو أعلم ~~بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فهو يجازيهم على سوء صنيعهم. # قوله عز وجل: وذروا ظاهر الإثم وباطنه يعني وذروا أيها الناس ما يوجب ~~الإثم وهي الذنوب والمعاصي كلها سرها وعلانيتها قليلها وكثيرها، قال الربيع ~~بن أنس: نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه أن يعمل به سرا وعلانية وقال سعيد ~~بن جبير: في هذه الآية الظاهر منه قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف ونكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات والباطن ~~الزنا، وقال السدي: أما الظاهر فالزواني في الحوانيت وهن أصحاب الرايات. # وأما الباطن فالمرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سرا، وقال الضحاك: كان ~~أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون أن ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر ~~منه والعلانية، وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في ~~الطواف والباطن الزنا، وقال الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا ~~عراة وباطنه طواف النساء بالليل عراة وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك إلى أن ~~جاء الإسلام فنهى الله عن ذلك كله. وقيل: إن هذا النهي عام في جميع ~~المحرمات التي نهى الله ms1210 عنها وهو الأصح لأن تخصيص العام بصورة معينة من غير ~~دليل لا يجوز، فعلى هذا القول يكون معنى الآية وذروا ما أعلنتم به وما ~~أسررتم من الذنوب كلها، قال ابن الأنباري: # وذروا الإثم من جميع جهاته. وقيل: المراد بظاهر الإثم الإقدام على الذنوب ~~من غير مبالاة وباطنه ترك الذنوب لخوف الله عز وجل لا خوف الناس وقيل ~~المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وباطنه أفعال القلوب فيدخل في ذلك الحسد ~~والكبر والعجب إرادة السوء للمسلمين ونحو ذلك. # وقوله عز وجل: إن الذين يكسبون الإثم يعني إن الذين يعملون بما نهاهم ~~الله عنه ويرتكبون ما حرم عليهم من المعاصي وغيرها سيجزون يعني في الآخرة ~~بما كانوا يقترفون يعني بما كانوا يسكبون في الدنيا من الآثام وظاهر هذا ~~النص يدل على عقاب المذنب أنه مخصوص بمن لم يتب لأن المسلمين أجمعوا على ~~أنه إذا تاب العبد من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وزاد أهل السنة في ذلك، ~~فقالوا: المذنب إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا ~~عنه بفضله وكرمه، وقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال ~~بن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال ~~عطاء الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام اه. # ((فصل)) اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها فذهب ~~قوم إلى تحريمها سواء تركها عامدا أو # PageV02P151 # ناسيا: وهو قول ابن سيرين والشعبي ونقله الإمام فخر الدين الرازي عن ~~مالك، ونقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب ~~فهو حرام. احتجوا في ذلك بظاهر هذه الآية. وقال الثوري وأبو حنيفة: # إن ترك التسمية عامدا لا تحل وإن تركها ناسيا تحل. وقال الشافعي: تحل ~~الذبيحة سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك ~~ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين: فيما إذا ترك التسمية عامدا وإن تركها ~~ناسيا حلت ms1211 فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال: المراد ~~من الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام بدليل أنه قال تعالى في سياق ~~الآية وإنه لفسق وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية ~~عليها لا يفسق واحتجوا أيضا في إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله إن هنا أقواما حديثا عهدهم ~~بشرك يأتوننا بلحمان فما ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا قال اذكروا أنتم ~~اسم الله وكلوا» قالوا لو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها ~~مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح وقول الشافعي في أول الآية وإن كان عاما ~~بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة وهي قوله وإنه ~~لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم أنكم ~~لمشركون علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص والفسق ذكر اسم غير الله ~~في الذبح ما قال في آخر السورة قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلى قوله أو فسقا أهل لغير الله به فصار هذا الفسق الذي أهل لغير ~~الله به مفسرا لقوله وإنه لفسق وإذا كان كذلك كان قوله: # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 121 الى 122] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق مخصوصا بما أهل لغير ~~الله به والله أعلم. # وقوله تعالى: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم يعني أن ~~الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم ويخاصموا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت ~~من قتلها فقال: الله قتلها قالوا فتزعم أن ms1212 ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما ~~قتله الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ~~وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية في تحريم الميتة كتبت فارس، وهم المجوس، ~~إلى مشركي قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبحه ~~الله فهو حرام فأنزل الله: وأن الشياطين، يعني مردة الإنس وهم المجوس، ~~ليوحون إلى أوليائهم، يعني مشركي قريش، وكان بين فارس والعرب مولاة ومكاتبة ~~على الروم، فعلى هذا يكون المراد بالوحي المكاتبة في خفية وإن أطعتموهم ~~يعني في أكل الميتة، وما حرم الله عليكم إنكم لمشركون يعني أنكم إذا مثلهم ~~في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ~~شيئا مما أحل الله فهو مشرك إنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما غير الله عز ~~وجل ومن كان كذلك فهو مشرك. # قوله عز وجل: أومن كان ميتا فأحييناه يعني أو من كان ميتا بالكفر ~~فأحييناه بالإيمان وإنما جعل الكفر موتا لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي ~~صاحب بصر يهتدي به إلى رشده ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم ~~والحياة الأبدية شبهه بالحياة وجعلنا له نورا يمشي به في الناس يعني وجعلنا ~~له نورا يستضيء به في الناس ويهتدي به إلى قصد السبيل، قيل: النور هو ~~الإسلام لأنه يخلص من ظلمات الكفر لقوله: يخرجهم من الظلمات إلى النور. # PageV02P152 # وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن لأنه بينة من الله مع المؤمن بما يعمله ~~كمن مثله في الظلمات يعني كمن هو في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى ~~البصيرة ليس بخارج منها يعني من تلك الظلمات وهذا مثل ضربه الله تعالى لحال ~~المؤمن والكافر فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاه ~~نورا يهتدي به في مصالحه وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها ليس ~~بخارج منها فيكون متحيرا على الدوام، ثم اختلف المفسرون في هذين المثالين ~~هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو ms1213 هما عامان في كل مؤمن وكافر؟ # فذكروا في ذلك قولين: أحدهما أن الآية في رجلين معينين ثم اختلفوا فيهما ~~فقال ابن عباس في قوله وجعلنا له نورا يمشي به في الناس يريد حمزة بن عبد ~~المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كمن مثله في الظلمات يريد بذلك أن أبا ~~جهل بن هشام وذلك أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة ~~بما فعل أبو جهل، وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد ~~فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع ~~إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا ~~وخالف آباءنا؟ فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون الله ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فأسلم حمزة يومئذ فأنزل ~~الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة ~~والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل: نزلت في النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أن أبا جهل قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ~~حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن ~~حتى يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية. # والقول الثاني: وهو قول الحسن في آخرين أن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن ~~وكافر وهذا هو الصحيح لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل دخل فيه كل أحد. # وقوله تعالى: كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون قال أهل السنة: المزين ~~هو الله تعالى ويدل عليه قوله زينا لهم أعمالهم ولأن حصول الفعل يتوقف على ~~حصول الدواعي وحصوله لا يكون إلا بخلق الله تعالى فدل ذلك على أن المزين هو ~~الله تعالى، وقالت المعتزلة المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 123 الى 124] # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ms1214 وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) # وقوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها يعني وكما جعلنا في ~~مكة أكابر، وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء، وقيل: هو معطوف على ما ~~قبله. ومعناه: كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية ~~أكابر جمع الأكبر ولا يجوز أن يكون مضافا لأنه لا يتم المعنى في بل الآية ~~تقديم وتأخير تقديره: وكذلك جعلنا كل قرية أكابر «مجرميها» وإنما جعل ~~المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والغدر وترويج الباطل بين الناس من ~~غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رئاستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع ~~الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم ليمكروا فيها قال أبو عبيدة: المكر، ~~الخديعة والحيلة والغدر والفجور. زاد بعضهم والغيبة والنميمة والأيمان ~~الكاذبة وترويج الباطل. قال ابن عباس: معناه ليقولوا فيها الكذب. وقال ~~مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولوا هو كذاب ساحر كاهن فكان هذا مكرهم وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم يعني ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم يعود ~~عليهم وما يشعرون يعني أن وبال ذلك المكر يعود عليهم ويضرهم. # PageV02P153 # قوله عز وجل: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله يعني النبوة وذلك أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك ~~مالا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال ~~زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى ~~إليه والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فأنزل ms1215 ~~الله هذه الآية. وإذا جاءتهم آية، يعني حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # قالوا: يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام أو كل واحد من رؤساء ~~الكفر ويدل عليه الآية التي قبلها وهي قوله وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها فكان من مكر كفار قريش أن قالوا لن نؤمن لك حتى نؤتى ~~مثل ما أوتي رسل الله يعني النبوة وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسدا ~~منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وفي قولهم لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله قولان: # أحدهما: وهو المشهور أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما ~~حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين. # القول الثاني: وهو قول الحسن ومنقول عن ابن عباس أن المعنى: وإذا جاءتهم ~~آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: لن نؤمن لك ~~يعني لن نصدقك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني حتى يوحى إلينا ويأتينا ~~جبريل بصدقك بأنك رسول الله، فعلى هذا القول لم يطلبوا النبوة وإنما طلبوا ~~أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله تعالى. ~~وعلى القول الأول أنهم طلبوا أن يكونوا أنبياء ويدل على صحة هذا القول سياق ~~الآية وهو قوله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته يعني أنه تعالى يعلم من ~~يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها ومن ليس بأهل لها، وأنتم ~~لستم لها بأهل وأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصا لمن عنده حسد ومكر ~~وغدر. وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعثة ~~مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال إنما كانوا رؤساء مطاعين ~~فاتبعهم قومهم لأجل ذلك فكان الله تعالى أعلم بمن يستحق الرسالة فجعلها ~~ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وغيرهما من أكابر قريش ورؤسائها وقوله ~~تعالى: # سيصيب الذين أجرموا صغار أي ذلة وهوان. وقيل الصغار هو ms1216 الذل الذي تصغر ~~إلى المرء نفسه فيه عند الله يعني هذا من عند الله وقيل إن هذا الصغار ثابت ~~لهم عند الله فعلى هذا القول إنما يحصل لهم الصغار في الآخرة وقيل معناه ~~سيصيبهم صغار بحكم الله حكم به عليهم في الدنيا وعذاب شديد يعني في الآخرة ~~بما كانوا يمكرون يعني إنما حصل لهم هذ الصغار والعذاب بسبب مكرهم وحسدهم ~~وطلبهم ما لا يستحقون. ### || [سورة الأنعام (6): آية 125] # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # قوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي الإيمان. يقال: ~~شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول الإيمان والخير فتوسع وذلك أن الإنسان ~~إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر مال بطبعه ~~إليه وقويت رغبته فيه فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر. وقيل ~~الشرح الفتح والبين ويقال شرح فلان أمره إذا: أوضحه وأظهره. وشرح المسألة ~~إذا كانت مشكلة فأوضحها وبينها فقد ثبت أن للشرح معنين: # أحدهما: الفتح ومنه يقال شرح الكافر بالكفر صدرا أي فتحه لقبوله ومنه ~~قوله تعالى: ولكن من شرح بالكفر صدرا وقوله: أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~يعني فتحه ووسعه لقبوله. # PageV02P154 # والثاني: أن الشرح نور يقذفه الله في قلب العبد فيعرف بذلك النور الحق، ~~فيقبله وينشرح صدره له ومعنى الآية: فمن يرد الله أن يهديه للإيمان بالله ~~وبرسوله وبما جاء به من عنده يوفقه له ويشرح صدره، لقبوله ويهونه عليه ~~ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به وإحسانه إليه فعند ذلك يستنير الإسلام في ~~قلبه فيضيء به ويتسع له صدره ولما نزلت هذه الآية سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن شرح الصدر فقال «نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح» ~~قيل فهل لذلك أمارة قال: «نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار ~~الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» وأسنده ms1217 الطبري عن ابن مسعود قيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه هذه الآية: فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام قال «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» قالوا فهل ~~لذلك من آية يعرف بها؟ قال: # «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~لقاء الموت». # وقوله تعالى: ومن يرد أي الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا يعني يجعل ~~صدره ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ، وقال ~~ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ~~ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية وعنده أعرابي من كنانة فقال له: ما ~~الحرجة فيكم؟ # قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا ~~وحشية ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. وأصل ~~الحرج الضيق وهو مأخوذ من الحرجة وهي الأشجار الملتف بعضها على بعض حتى لا ~~يصل إليه شيء. وقرأ ابن عباس هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ قال ~~رجل: # نعم. قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا ~~طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. قال أهل المعاني: لما كان القلب ~~محلا للعلوم والاعتقادات وصف الله تعالى قلب من يريد هدايته بالانشراح ~~والانفساح ونوره فقبل ما أودعه من الإيمان بالله ورسوله ووصف قلب من يريد ~~ضلالته بالضيق الذي هو خلاف الشرح والانفساح فدل ذلك على أن الله تعالى صير ~~قلب الكافر بحيث لا يعي علما ولا استدلالا على توحيد الله تعالى والإيمان ~~به وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان ~~المؤمن وكفر الكافر. # وقوله تعالى: كأنما يصعد في السماء يعني أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام ~~كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر على ذلك، وقيل: يجوز أن يكون ~~المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام وتكبرا، ms1218 وقيل: ضاق ~~عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى السماء وليس يقدر على ذلك، وقيل: هو ~~من المشقة وصعوبة الأمر فيكون المعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام فإنه ~~يتكلف مشقة وصعوبة في ذلك كمن يتكلف إلى السماء وليس يقدر على ذلك كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون الكاف في كذلك تفيد التشبيه وفيه ~~وجهان: # الأول معناه أن جعله الرجس عليهم كجعله صدورهم ضيقة حرجة والمعنى كما ~~جعلنا صدورهم ضيقه حرجة كذلك يجعل الله الرجس عليهم. # والوجه الثاني: قال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك كذلك يجعل الله الرجس. ~~قال ابن عباس: الرجس الشيطان أي فيسلطه الله عليهم، وقال مجاهد: الرجس ما ~~لا خير فيه. وفي رواية عن ابن عباس أن الرجس العذاب، وقال الزجاج: الرجس في ~~الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب. # PageV02P155 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 126 الى 128] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام ~~عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن ~~قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ~~إن ربك حكيم عليم (128) # قوله عز وجل: وهذا صراط ربك مستقيما يعني وهذا الذي بينا لك يا محمد في ~~هذه السورة وغيرها من سور القرآن هو صراط ربك يعني دينه الذي شرعه لعباده ~~ورضيه لنفسه وجعله مستقيما لا اعوجاج فيه. قال ابن عباس: في قوله وهذا صراط ~~ربك مستقيما يعني الإسلام، وقال ابن مسعود: يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه ~~وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد قد فصلنا الآيات يعني قد فصلنا آيات ~~القرآن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب والحلال والحرام والأمر والنهي وغير ~~ذلك من أحكام القرآن لقوم يذكرون يعني لمن يتذكر بها ويتعظ بما فيها من ~~المواعظ والعبر. # قال عطاء: يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان لهم دار ~~السلام عند ربهم يعني الجنة ms1219 في قول جميع المفسرين. قال الحسن والسدي: ~~السلام هو الله تعالى وداره الجنة. معنى السلام في أسماء الله تعالى ذو ~~السلام وهو جمع سلامة لأنه تعالى ذو السلامة من جميع الآفات والنقائص فعلى ~~هذا القول أضيفت الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى إضافة تشريف ~~وتعظيم كما قيل للكعبة بيت الله وللنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله في ~~قوله «وأنه لما قام عبد الله يدعوه»، واحتج لصحة هذا بأن في إضافة الدار ~~إلى الله تعالى نهاية تشريفها وتعظيمها فكان ذكر الإضافة مبالغة في تعظيم ~~أمرها. وقيل إن السلام صفة للدار لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع ~~فعلى هذا يكون السلام بمعنى السلامة كأنه قال دار السلامة التي لا يلقون ~~فيها شيئا يكرهونه. وقيل سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة كما ~~قال تعالى في وصفها ادخلوها بسلام آمنين والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم وقال تحيتهم فيها سلام وقال سلام قولا من رب رحيم لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما وقوله عند ربهم يعني أن الجنة معدة مهيأة لهم عند ربهم ~~حتى يوصلهم إليها وهو وليهم بما كانوا يعملون يعني أنه تعالى يتولى أمرهم ~~وإيصال المنافع إليهم ويدفع المضار عنهم. وقيل معناه أنه يتولاهم في الدنيا ~~بالتوفيق والهداية وفي الآخرة بالجزاء والجنة. وقيل: الولي هو الناصر ~~والقريب يعني أنه تعالى ينصرهم في الدنيا ويقربهم في الآخرة بسبب أعمالهم ~~الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا قوله تعالى: ويوم يحشرهم ~~جميعا أي اذكر يا محمد يوم نحشر المعادلين بالله الأصنام مع أوليائهم من ~~الشياطين يعني نحشر المشركين والشياطين جميعا يوم القيامة يا معشر الجن فيه ~~حذف تقديره يقول لهم يا معشر الجن والمعشر الجماعة والمراد من الجن ~~الشياطين قد استكثرتم من الإنس يعني من إضلالهم وإغوائهم وقال ابن عباس: ~~معناه أضللتم كثيرا من الإنس وهذا التفسير لا بد له من تأويل آخر لأن الجن ~~لا يقدرون على إضلال الإنس وإغوائهم بأنفسهم لأنه لا يقدر على ms1220 الإجبار أحد ~~إلا الله لأنه هو المتصرف في خلقه بما شاء فوجب أن يكون المعنى: قد ~~استكثرتم من الدعاء إلى الإضلال مع مصادفة القبول من الإنس وقال أولياؤهم ~~من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض يعني استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن ~~فأما استمتاع الإنس بالجن فقال الكلبي: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر ~~فنزل بأرض قفراء وخاف على نفسه من الجن قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر ~~سفهاء قومه فيبيت في جوارهم. # وأما استمتاع الجن بالإنس فهم أنهم قالوا سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا ~~بنا فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وقيل: استمتاع الإنس ~~بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم ~~الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة ~~الإنس للجن، فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، وقيل: استمتاع الإنس ~~بالجن فيما كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات وأصناف الطيبات ويسهلونها ~~عليهم واستمتاع الجن بالإنس هي طاعة الإنس للجن، فيما يأمرونهم به وينقادون ~~لحكمهم # PageV02P156 # فصاروا كالرؤساء للإنس والإنس كالأتباع. وقيل: إن قوله ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض هو من كلام الإنس خاصة لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر نادر لا ~~يكاد يظهر، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ظاهر فوجب حمل الكلام عليه ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا يعني أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت ~~محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة الندامة، قال الحسن والسدي: لأجل الموت. وقيل: ~~هو وقت البعث للحساب في يوم القيامة قال يعني قال الله لهؤلاء الذين استمتع ~~بعضهم ببعض من الجن والإنس النار مثواكم يعني أن النار مقامكم ومقركم فيها ~~ومصيركم إليها خالدين فيها يعني مقيمين في نار جهنم أبدا إلا ما شاء الله ~~اختلفوا في معنى هذا الاستثناء فقيل: معناه خالدين فيها إلا قدر مدة بعثهم ~~ووقوفهم للحساب إلى حين دخولهم إلى النار فإن هذا الوقت ليسوا بخالدين فيه ~~في النار، وقيل: المراد من الاستثناء هو أوقات نقلتهم من عذاب إلى عذاب آخر ~~وذلك أنهم ms1221 يستغيثون من النار فينقلون إلى الزمهرير ثم يستغيثون منه فينقلون ~~إلى النار فكانت مدة نقلتهم هي المراد من هذا الاستثناء. ونقل جمهور ~~المفسرين عن ابن عباس أنه قال: إن هذا الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم ~~الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجون من النار قالوا ~~فعلى هذا التأويل تكون ما في قوله إلا ما شاء الله، بمعنى من يعني إلا ما ~~شاء الله ونقل الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول هذا الاستثناء بأن الله عز ~~وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، وقال في هذه الآية: ~~إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزلهم جنة ولا نارا. ~~قال الزجاج: والقول الأول أولى لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ~~لأن قوله: ويوم يحشرهم جميعا هو يوم القيامة ثم قال خالدين فيها منذ يبعثون ~~إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدة محاسبتهم. # إن ربك حكيم يعني في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال ~~وغير ذلك من أفعاله. # وقيل حكيم فيما يفعله من ثواب الطائع وعقاب العاصي وفي سائر وجوه ~~المجازاة عليم يعني بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون كأنه قال إنما ~~حكمت لهؤلاء الكفار بالخلود في النار، لعلمي بأنهم يستحقون ذلك. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 129 الى 130] # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين (130) # قوله عز وجل: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا الكاف في كذلك كاف التشبيه ~~تقتضي شيئا تقدم ذكره فالتقدير كما أنزلت العذاب بالجن والإنس الذين استمتع ~~بعضهم ببعض كذلك نولي بعض الظالمين بعضا أي نسلط بعضهم على بعض فنأخذ من ~~الظالم بالظالم كما جاء في الأثر: «من أعان ظالما سلطه الله عليه» وقال ~~قتادة: نجعل ms1222 بعضهم أولياء بعض فالمؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان والكافر ~~ولي الكافر حيث كان وأين كان. وفي رواية أخرى عن قتادة قال: يتبع بعضهم ~~بعضا في النار من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس الجن وظلمة الجن ~~ظلمة الإنس يعني نكل بعضهم إلى بعض. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية وأن ~~الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى عليهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى ~~عليهم شرارهم فعلى هذا القول إن الرعية متى كانوا ظالمين سلط الله عز وجل ~~عليهم ظالما مثلهم فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظالم فليترك الظلم. # وقوله تعالى: بما كانوا يكسبون يعني يسلط عليهم من يظلمهم بسبب أعمالهم ~~الخبيثة التي اكتسبوها. # قوله تعالى: امعشر الجن والإنس # المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر لم يأتكم رسل منكم # اختلف العلماء في معنى هذه الآية وهل كان من الجن رسل أم لا فذهب أكثر ~~العلماء إلى أنه لم يكن من # PageV02P157 # الجن رسول وإنما كانت الرسل من الإنس وأجابوا عن قوله رسل منكم يعني من ~~أحدكم وهم الإنس فحذف المضاف فهو كقوله: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما ~~يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في ~~قوله مرج البحرين وهو جائز في كل ما اتفق في أصله فلذلك لما اتفق ذكر الجن ~~مع الإنس جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين وهم الإنس، وهذا قول ~~الفراء والزجاج ومذهب جمهور أهل العلم. قال الواحدي: وعليه دل كلام ابن ~~عباس لأنه قال يريد أنبياء من جنسهم ولم يكن من جنس الجن أنبياء وذهب قوم ~~إلى أنه أرسل إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس رسلا منهم. قال ~~الضحاك: من الجن رسل كما من الإنس رسل وظاهر الآية يدل على ذلك لأنه تعالى ~~قال: لم يأتكم رسل منكم # فخاطب الفريقين جميعا وأجيب عن ذلك بأن الله تعالى قال: امعشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم # وهذا يقتضي كون الرسل بعضا من ms1223 أبعاض هذا المجموع وإذا كان الرسل من الإنس ~~كان الرسل بعضا من أبعاض هذا المجموع وكان هذا القول أولى من حمل لفظ الآية ~~على ظاهرها فثبت بذلك كون الرسل من الإنس لا من الجن، ويحتمل أيضا أن يقال ~~إن كافة الرسل كانوا من الإنس لكن الله تعالى يلقى الداعية في قلوب قوم من ~~الجن حتى يسمعوا كلام الرسل من الإنس ثم يأتوا قومهم من الجن فيخبروهم بما ~~سمعوا من الرسول ينذرهم به كما قال تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن- إلى- فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين فكان أولئك النفر من ~~الجن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم وهذا مذهب مجاهد فإن ~~الرسل من الإنس والنذر من الجن ونحو ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة. وقيل: ~~كانت الرسل يبعثون إلى الجن من الجن، ولكن بواسطة رسل الإنس والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. # وقوله تعالى: قصون عليكم آياتي # يعني يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي ~~ينذرونكم لقاء يومكم هذا # يعني ويحذرونكم ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة وذلك ~~أن الله تعالى يقول يوم القيامة يوم لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع ~~والتوبيخ ما أخبر في كتابه، وهو قوله تعالى: امعشر الجن والإنس # الآية فيجيبون بما أخبر عنهم في قوله تعالى: الوا # يعني كفار الجن والإنس هدنا على أنفسنا # اعترفوا بأن الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذروهم لقاء يومهم هذا ~~وأنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك ~~والكفر قال الله تعالى: غرتهم الحياة الدنيا # إنما كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها: شهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين # في الدنيا. # فإن قلت كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا الشرك والكفر ~~في قوله: والله ربنا ما كنا مشركين. # قلت: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة فإذا رأوا ما حصل ~~للمؤمنين من الخير والفضل والكرامة أنكروا الشرك لعل ذلك الإنكار ms1224 ينفعهم، ~~وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فحينئذ يختم على أفواههم وتشهد عليهم ~~جوارحهم بالشرك والكفر فذلك قوله تعالى: شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين. # فإن قلت لما كرر شهادتهم على أنفسهم، قلت: شهادتهم الأولى اعتراف منهم ~~بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتكذيب الرسل وفي قوله: شهدوا ~~على أنفسهم # ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة ~~الدنيا ولذاتها فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر ~~والمقصود من شرح حالهم تحذير السامعين وضجر لهم عن الكفر والمعاصي. وقوله ~~عز وجل: # PageV02P158 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 131 الى 134] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما ~~عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون ~~لآت وما أنتم بمعجزين (134) # وذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، ~~وقال الزجاج: معناه ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذبهم ~~أن لم يكن ربك يعني لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم قال الكلبي: معناه لم ~~يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل فتنهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم ~~العذاب، وهذا قول جمهور المفسرين قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى لم يكن ~~ليهلكهم بظلم منه وأهلها غافلون أي: وهم غافلون فعلى قول الجمهور: يكون ~~الظلم فعلا للكفار وهو شركهم وذنوبهم التي عملوها، وعلى قول الفراء: إنه لو ~~أهلكهم قبل بعثة الرسل لكان ظالما والله عز وجل يتعالى عن الظلم. # والقول الأول: أصح، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض ~~لأحد عليه في شيء من أفعاله، غير أنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل ولو ~~فعل ذلك لم يكن ظلما منه قوله تعالى: ولكل درجات مما عملوا يعني ولكل عامل ~~بطاعة الله أو بمعصيته درجات، يعني منازل يبلغها بعمله إن ms1225 كان خيرا فخير ~~وإن كان شرا فشر. # وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج وهذا إنما ~~يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا فمنهم من هو أعظم ثوابا ~~ومنهم من هو أشد عقابا، وهو قول جمهور المفسرين وقيل: إن قوله تعالى ولكل ~~درجات مما عملوا، مختص بأهل الطاعة لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم. # وقوله تعالى: وما ربك بغافل عما يعملون مختص بأهل الكفر والمعاصي ففيه ~~وعيد وتهديد لهم. # والقول الأول أصح، لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات فيدخر فيه المؤمن ~~والكافر والطائع والعاصي وأنه عالم بأعمالهم على التفصيل التام فيجزي كل ~~عامل على قدر عمله وما يليق به من ثواب أو عقاب. # قوله عز وجل: وربك الغني يعني عن خلقه وذلك أنه تعالى لما بين أن لكل ~~عامل بطاعة أو معصية درجة على قدر عمله بين أن تخصيص المطيعين بالثواب ~~والعاصين بالعقاب ليس لأنه محتاج إلى طاعة المطيع أو منتقص بمعصية العاصي ~~بل هو الغني على الإطلاق وأن جميع الخلق فقراء إليه ذو الرحمة قال ابن ~~عباس: # بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز عنهم فمن رحمته ~~تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون إن يشأ يذهبكم يعني يهلككم. ~~الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم ويستخلف يعني وينشئ ويخلق من بعدكم ~~يعني من بعد إهلاككم ما يشاء يعني خلقا غيركم أمثل وأطوع منكم كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين اختلف عبارات المفسرين في هذه اللفظة فقال البغوي: يعني ~~آباءهم الماضين قرنا بعد قرن، ونحوه قال الواحدي وصاحب الكشاف: يعني من ~~أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام. ~~وقال الإمام فخر الدين الرازي في قوله تعالى: ويستخلف من بعدكم يعني من بعد ~~إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت. # وأما قوله ما يشاء فالمراد منه خلق ثالث أو رابع واختلفوا فيه، فقال ~~بعضهم: خلقا آخر من أمثال الجن والإنس. قال القاضي: وهو ms1226 الوجه الأقرب لأن ~~القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى كمل ~~خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ~~ليست مقصورة على جنس # PageV02P159 # دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي الثواب فبين بهذا ~~الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء الأقوام الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء ~~لأماتهم وأفناهم وأبدل منهم سواهم ثم بين الله تعالى قوة قدرته على ذلك ~~فقال: كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين لأن المرء إذا تفكر علم أنه تعالى خلق ~~الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير فوجب أن يكون ذلك بمحض ~~القدرة والحكمة وإذا كان كذلك فكما قدر على تصوير هذه الأجسام بهذه الخاصة ~~فكذلك يقدر على تصويرهم خلقا آخر مخالفا لها هذا آخر كلامه. وقال الطبري في ~~قوله «كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين» يقول كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق ~~آخرين كانوا قبلكم ومعنى من في هذا الموضع التعقيب كما يقال في الكلام ~~أعطيتك من دينارك ثوبا يعني مكان الدينار ثوبا لا أن الثوب من الدينار بعض. ~~كذلك الذين خوطبوا بقوله «كما أنشأكم» لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم ~~أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ولكن معنى ذلك ما ذكرنا أنهم أنشئوا مكان قوم ~~آخرين قد أهلكوا قبلهم. # قوله تعالى: إن ما توعدون به من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر ~~للحساب يوم القيامة لآت يعني أنه كائن قريب وما أنتم بمعجزين يعني بفائتين ~~حيثما كنتم يدرككم الموت. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 135 الى 37] # قل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد يا قوم أي قل لقومك من ~~كفار قريش اعملوا على مكانتكم وقرئ مكاناتكم على الجمع والمكانة تكون مصدرا ~~يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة كما ~~يقال مقام ومقامة فقوله اعملوا على مكانتكم يحتمل أن يكون معناه اعملوا على ~~تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ويحتمل أن يكون معناه ms1227 اعملوا على ~~حالتكم التي أنتم عليها كما يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: مكانتك ~~يا فلان أي أثبت على ما أنت عليه لا تتغير عنه. وقال ابن عباس معناه اعملوا ~~على ناحيتكم إني عامل يعني إني عامل على مكانتي التي أنا عليها وما أمرني ~~به ربي والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة فإني ثابت على ~~الإسلام والمصابرة. # فإن قلت ظاهر الآية يدل على أمر الكفار بالإقامة على ما هم عليه من الكفر ~~وذلك لا يجوز. # قلت: معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه من ~~الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم ~~بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى: اعملوا ما شئتم ففيه تفويض أمر العمل ~~إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من ~~الكفر والمعاصي. # وقوله تعالى: فسوف تعلمون يعني لمن العاقبة المحمودة لنا أو لكم. وقيل ~~معناه فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم أينا كان على الحق في عمله نحن أم ~~أنتم من تكون له عاقبة الدار يعني فسوف تعلمون غدا القيامة لمن تكون عاقبة ~~الدار وهي الجنة إنه لا يفلح الظالمون قال ابن عباس: معناه أنه لا يسعد من ~~كفر بي وأشرك. ثم في هذه الآية قولان: # PageV02P160 # أحدهما: أنها محكمة وهذا على قول من يقول إن المراد بقوله اعملوا على ~~مكانتكم الوعيد التهديد. # والقول الثاني: أنها منسوخة بآية السيف وهذا على قول من يقول إن المراد ~~بها ترك القتال. # قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا الآية لما بين ~~الله عز وجل قبح طريقه الكفار وما كانوا عليه من إنكار البعث وغير ذلك عقبه ~~بذكر أنواع من جهالاتهم وأحكامهم الفاسدة تنبيها على ضعف عقولهم وفساد ما ~~كانوا عليه في الجاهلية فقال تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ يعني مما خلق من ~~الحرث يعني الزرع والثمر والأنعام، يعني ومن الأنعام وهي الإبل والبقر ~~والغنم نصيبا يعني قسما وجزءا. ms1228 قال المفسرون: كان المشركون في الجاهلية ~~يجعلون لله من حروثهم وثمارهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبا وللأصنام نصيبا ~~فما جعلوه من ذلك لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام ~~أنفقوه عليها وعلى خدمتها فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان ~~تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه ~~لله ردوه إلى الأوثان. وقالوا: إنها محتاجة إليه. وكانوا إذا هلك شيء مما ~~جعلوه لله لم يبالوا به وإذا انتقص شيء مما جعلوه للأوثان جبروه مما جعلوه ~~لله فذلك قوله: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وفيه اختصار ~~تقديره وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وللأصنام نصيبا فقالوا ~~هذا لله بزعمهم يعني قولهم الذي هو بغير حقيقة لأن معنى زعم حكاية قول يكون ~~مظنة الكذب ولذلك لا يجيء إلا في موضع ذم لقائليه وإنما نسبوا إلى الكذب في ~~قولهم هذا الله بزعمهم وإن كانت الأشياء كلها لله لإضافتهم نصيب الأصنام مع ~~نصيب الله وهو قولهم: وهذا لشركائنا يعني الأصنام وإنما سموا الأصنام شركاء ~~لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها: فما كان لشركائهم يعني ~~وما جعلوا لها من الحرث والأنعام فلا يصل إلى الله يعني فلا يعطونه ~~المساكين ولا ينفقونه على الضيفان وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم والمعنى ~~أنهم كانوا يقرون ما جعلوه للأصنام مما جعلوه لله ولا يقرون ما جعلوه لله ~~مما جعلوه للأصنام، وقال قتادة: كانوا إذا أصابتهم سنة قحط وشدة استعانوا ~~بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا مما جعلوه لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئا. # وقال الحسن والسدي: كانوا إذا هلك ما جعلوا لشركائهم أخذوا بدله مما ~~جعلوه لله ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه لشركائهم فلذلك ذمهم الله تعالى فقال: ~~ساء ما يحكمون يعني: بئس ما يحكمون ويقضون وذلك أنهم رجحوا جانب الأصنام ~~على جانب الله تعالى في الرعاية والحفظ وهذا سفه منهم. وقيل: إن الأشياء ~~كلها لله عز وجل وهو خلقها فلما جعلوا ms1229 للأصنام جزءا من المال وهي لا تملك ~~ولا تخلق ولا تضر ولا تنفع نسبوا إلى الإساءة في الحكم والمقصود من ذلك ~~بيان ما كانوا عليه في الجاهلية من هذه الأحكام الفاسدة التي لم يرد بها ~~شرع ولا نص ولا يحسنها عقل. # قوله عز وجل: وكذلك عطف على قوله وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا يعني كما فعلوا ذلك جهلا منهم كذلك زين لكثير منهم قتل أولادهم ~~شركاؤهم. والمعنى أن جعلهم لله نصيبا من أموالهم ولشركائهم نصيبا في غاية ~~الجهل بمعرفة الخالق المنعم لأنهم جعلوا الأصنام مثله في استحقاق النصيب ~~وكذلك إقدامهم على قتل أولادهم في نهاية الجهالة أيضا فكأنه قال ومثل ذلك ~~الذي فعلوه في القسم جهلا وخطأ وضلالا كذلك زين يعني حسن لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم يعني به وأد البنات أحياء مخافة الفقر والعيلة شركاؤهم يعني ~~شياطينهم أمروهم أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر وسميت الشياطين شركاء لأنهم ~~أطاعوهم فيما أمروهم به من معصية الله وقتل الأولاد فأشركوهم مع الله في ~~وجوب طاعتهم وأضيف الشركاء إلى المشركين لأنهم أطاعوهم واتخذوهم أربابا، ~~وقال الكلبي: شركاؤهم سدنة آلهتهم يعني خدامها وهم الذين كانوا يزينون ~~ويحسنون للكفار قتل الأولاد وكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف لئن ولد له ~~كذا وكذا غلاما لينحرن آخرهم # PageV02P161 # كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله فعلى هذا القول، الشركاء هم السدنة ~~وخدام الأصنام سموا شركاء لأنهم أشركوهم في الطاعة ليردوهم يعني ليهلكوهم ~~بذلك الفعل الذي أمروهم به. والإرداء في اللغة: الإهلاك. # قال ابن عباس: ليردوهم في النار وليلبسوا عليهم دينهم يعني وليخلطوا ~~عليهم دينهم. قال ابن عباس: # ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل عليه السلام فرجعوا ~~عنه بتلبيس الشياطين، وإنما فعلوا ذلك ليزيلهم عن الدين الحق الذي كان عليه ~~إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأوضاع الفاسدة ~~وزينوها لهم ولو شاء الله ما فعلوه يعني ولو شاء الله لعصمهم من ذلك الفعل ~~القبيح الذي زين لهم من تحريم الحرث ms1230 والأنعام وقتل الأولاد أخبر الله عز ~~وجل أن جميع الأشياء بمشيئته وإرادته إذ لو لم يشأ ما فعلوا ذلك فذرهم يعني ~~فاتركهم يا محمد وما يفترون يعني وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله ~~لهم بالمرصاد. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 138 الى 139] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) # قوله تعالى: وقالوا يعني المشركين هذه أنعام وحرث حجر أي حرام وأصله ~~المنع لأنه منع من الانتفاع منه بتحريمه. وقيل: هو من التضييق والحبس لأنهم ~~كانوا يحبسون أشياء من أنعامهم وحروثهم لآلهتهم. # قال مجاهد: يعني بالأنعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي لا يطعمها ~~إلا من نشاء بزعمهم يعني يأكلها خدام الأصنام والرجال دون النساء: وأنعام ~~حرمت ظهورها يعني الحوامي وهي الأنعام التي حموا ظهورها عن الركوب فكانوا ~~لا يركبونها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها يعني لا يذكرون اسم الله ~~عليها عند الذبح وإنما كانوا يذكرون عليها أسماء الأصنام: وقيل معناه لا ~~يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير لأنه لما جرت العادة بذكر الله على ~~فعل كل خير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير افتراء عليه يعني أنهم كانوا يفعلون ~~هذه الأفعال ويزعمون أن الله أمرهم بها وذلك اختلاق وكذب على الله عز وجل: ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون فيه وعيد وتهديد لهم على افترائهم على الله ~~الكذب. # قوله عز وجل: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا يعني نساءنا، قال ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد جنة البحائر ~~والنساء جميعا وهو قوله تعالى: وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ودخلت الهاء في ~~خالصة للتأكيد والمبالغة، كقولهم رجل علامة ونسابه. وقال الفراء: دخلت ~~الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنث بتأنيثها. وقال الكسائي: ~~خالص وخالصة واحد ms1231 مثل وعظ وموعظة وقيل: إذا كان اللفظ عبارة عن مؤنث جاز ~~تأنيثه على المعنى وتذكيره على اللفظ كما في هذه الآية فإنه أنث خالصة على ~~المعنى وذكر ومحرم على اللفظ سيجزيهم وصفهم يعني سيكافئهم بسبب وصفهم على ~~الله الكذب إنه حكيم عليم فيه وعيد وتهديد يعني أنه تعالى حكيم فيما يفعله ~~عليم بقدر استحقاقهم. # PageV02P162 # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 140 الى 141] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ~~كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~(141) # قوله تعالى: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم قال عكرمة: نزلت ~~فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر وكان الرجل يقاضي الرجل على أن يستحيي جارية ~~ويئد أخرى فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عندها امرأته ~~وقال لها أنت علي كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها فتخد لها في الأرض خدا ~~وترسل إلى نسائها فيجتمعن عليها ثم يتداولنها بينهن حتى إذا أبصرته راجعا ~~دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب. # وقال قتادة: هذا من صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنه مخافة السبي ~~والفاقة ويفدو كلبه. # أما سبب الخسران المذكور في قوله قد خسر الذين قتلوا أولادهم: أن الولد ~~نعمة عظيمة أنعم الله بها على الوالد فإذا تسبب الرجل في إزالة هذه النعمة ~~عنه وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما خسارته في ~~الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله به عليه. وأما خسارته في ~~الآخرة فقد استحق بذلك العذاب العظيم. # وقوله سفها بغير علم يعني فعلوا ذلك للسفاهة وهي الخفة والجهالة المذمومة ~~وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم بل عدمه لأن الجهل كان هو الغالب عليهم ~~قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا ms1232 جاهلية وقوله تعالى: ~~وحرموا ما رزقهم الله يعني البحائر والسوائب والحامي وبعض الحروث وبعض ما ~~في بطون الأنعام، وهذا أيضا من أعظم الجهالة افتراء على الله يعني أنهم ~~فعلوا هذه الأفعال المذمومة وزعموا أن الله أمرهم بذلك وهذا افتراء على ~~الله وكذب وهذا أيضا من أعظم الجهالة لأن الجرأة على الله والكذب عليه من ~~أعظم الذنوب وأكبر الكبائر ولهذا قال تعالى: قد ضلوا يعني في فعلهم عن طريق ~~الحق والرشاد وما كانوا مهتدين يعني إلى طريق الحق والصواب في فعلهم (خ). # عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ~~والمائة من سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم إلى ~~قوله قد ضلوا وما كانوا مهتدين. # قوله عز وجل: وهو الذي أنشأ جنات معروشات يعني والله الذي ابتدع وخلق ~~جنات يعني بساتين معروشات وغير معروشات يعني مسموكات مرتفعات وغير مرتفعات ~~وأصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش يقال عرشت الكرم ~~أعرشه عرشا وعرشته تعريشا إذا جعلته كهيئة السقف واعترش العنب العريش إذا ~~علاه وركبه. واختلفوا في معنى قوله معروشات وغير معروشات فقال ابن عباس: # المعروشات ما انبسط على الأرض وانتشر مما يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ ~~ونحو ذلك وغير معروشات ما قام على ساق ونسق كالنخل والزرع وسائر الشجر. ~~وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش ومنه ما لم يعرش بل ~~يلقى على وجه الأرض منبسطا، وقيل: المعروشات ما غرسه الناس في البساتين ~~واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره وغير معروشات وهو ما أنبته الله في البراري ~~والجبال من كرم أو شجر والنخل والزرع يعني وأنشأ النخل والزرع وهو جميع ~~الحبوب التي تقتات وتدخر مختلفا أكله يعني به اختلاف الطعوم في الثمار ~~كالحلو والحامض والجيد والرديء ونحو ذلك والزيتون والرمان متشابها يعني في ~~المنظر وغير متشابه يعني في المطعم كالرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، ~~وقيل: إن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان ولكن ثمرتهما مختلفة في ms1233 الجنس والطعم ~~كلوا من ثمره إذا أثمر لما ذكر ما أنعم الله به على عباده من خلق هذه ~~الجنات المحتوية على أنواع من الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو ~~الانتفاع بها، فقال تعالى: كلوا من ثمره إذا أثمر، وهذا أمر إباحة. وتمسك ~~بهذا بعضهم فقال: الأمر قد يرد إلى غير الوجوب لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع ~~الحجر. وقال بعضهم: المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق لأنه تعالى لما ~~أوجب الزكاة في الحبوب # PageV02P163 # والثمار كان يحتمل أن يحرم على المالك أن يأكل منها شيئا قبل إخراج ~~الواجب فيها لمكان شركة الفقراء والمساكين معه فأباح الله أن يأكل قبل ~~إخراجه لأن رعاية حق النفس مقدمة على رعاية حق الغير وقيل إنما قال تعالى ~~كلوا من ثمره إذا أثمر بصيغة الأمر ليعلم أن المقصود من خلق هذه الأشياء ~~التي أنعم الله بها على عباده وهو الأكل وآتوا حقه يوم حصاده يعني يوم ~~جذاذه وقطعه. واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقال ابن عباس وأنس بن ~~مالك: هو الزكاة المفروضة. وهذا قول طاوس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن ~~المسيب ومحمد بن الحنفية وقتادة. قال قتادة في قوله «وآتوا حقه يوم حصاده» ~~أي من الصدقة المفروضة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت ~~السماء والعين السائحة أو سقاه النيل والندى أو كان بعلا العشر كاملا وإن ~~سقي بنضح أو سانية فنصف العشر وهذا فيما يكال من الثمرة أو الزرع وبلغ خمسة ~~أوسق وذلك ثلاثمائة صاع فقد وجب فيها حق الزكاة وفي رواية عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده قال هو العشر ونصف العشر. # فإن قلت على هذا التفسير إشكال وهو أن فرض الزكاة كان بالمدينة وهذه ~~السورة مكية فكيف يمكن حمل قوله وآتوا يوم حصاده على الزكاة المفروضة، قلت: ~~ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس وقتادة: إن هذه الآية نزلت بالمدينة ~~فعلى هذا القول تكون الآية محكمة نزلت في حكم الزكاة ms1234 وإن قلنا إن هذه الآية ~~مكية تكون منسوخة بآية الزكاة، لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت آية ~~الزكاة كل صدقة في القرآن وقيل في قوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده أنه حق ~~سوى الزكاة فرض يوم الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، ~~وهذا قول علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد. قال إبراهيم: هو الضغث، وقال ~~الربيع: هو لقاط السنبل، وقال مجاهد: كانوا يجيئون بالعذق عند الصرام فيأكل ~~منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون ~~بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه ~~أكله فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر وجوب أو استحباب وندب فيه قولان: # أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخا بآية الزكاة. # وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي هل علي غيرها قال إلا أن ~~تطوع. # والقول الثاني: إنه أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن ~~جبير: كان هذا حقا يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخا بإيجاب ~~العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن واختار هذا ~~القول الطبري وصححه واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه. # فإن قلت: فعلى القول الأولى كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ~~وإنما يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف، قلت: معناه قدروا أداء إخراج ~~الواجب منه يوم الحصاد فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف ولأن النخل يجب ~~إخراج الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه إلا أنه لا يمكن ~~إخراج الحق منه إلا بعد التصفية. وقيل معناه وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده ~~بعد التصفية، وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه ~~إنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في ~~يد مالكه. # قوله تعالى: ولا تسرفوا الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان وإن كان ~~في الإنفاق أشهر وقيل السراف تجاوز ms1235 ما حد لك وسرف المال إنفاقه في غير ~~منفعة. # ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلا. قال ~~ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها ~~في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء فأنزل الله هذه الآية # PageV02P164 # ولا تسرفوا قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء. قال الزجاج ~~فعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف لأنه ~~قد صح في الحديث «ابدأ بمن تعول». وقال سعيد بن المسيب: # معناه لا تمنعوا الصدقة فتأويل الآية على هذا القول لا تجاوزوا الحد في ~~البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وهذان القولان يشتركان في أن ~~المراد من الإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول في البذل والإعطاء والثاني في ~~الإمساك والبخل، وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ~~وهذا القول أيضا يرجع إلى مجاوزة الحد لأن من شرك الأصنام في الحرث ~~والأنعام فقد جاوز ما حد له. وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية الله ~~عز وجل. وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به في حق الله تعالى ولو كان أبو قبيس ~~ذهبا فأنفقته في طاعة الله لم تكن مسرفا ولو أنفقت درهما أو مدا في معصية ~~الله كنت مسرفا. وقال ابن زيد: إنما خوطب بهذا السلطان نهي أن يأخذ من رب ~~المال فوق الذي ألزم الله ماله. يقول الله عز وجل للسلاطين: لا تسرفوا أي ~~لا تأخذوا بغير حق فكانت الآية بين السلطان وبين الناس. وقوله تعالى: إنه ~~لا يحب المسرفين فيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه الله ~~فهو من أهل النار. قوله تعالى: # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 142 الى 143] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني ms1236 بعلم إن ~~كنتم صادقين (143) # ومن الأنعام يعني وأنشأ من الأنعام حمولة وهي كل ما يحمل عليها من الإبل ~~وفرشا يعني صغار الإبل التي لا تحمل. قال ابن عباس: الحمولة هي الكبار من ~~الإبل والفرش هي الصغار من الإبل، وقال في رواية أخرى عنه ذكرها الطبري: # أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه وأما ~~الفرش فالغنم. وقال الربيع بن أنس: الحمولة: الإبل والبقر والفرش المعز ~~والضان فالحمولة كل ما يحمل عليها من الأنعام والفرش ما لا يصلح للحمل سمي ~~فرشا لأنه يفرش للذبح ولأنه قريب من الأرض لصغره كلوا مما رزقكم الله يعني ~~كلوا مما أحله الله لكم من هذه الأنعام والحرث ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~يعني لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام كما فعله أهل ~~الجاهلية إنه يعني الشيطان لكم عدو مبين يعني أنه مبين العداوة لكم ثم بين ~~الحمولة والفرش فقال عز وجل: ثمانية أزواج يعني وأنشأ من الأنعام ثمانية ~~أزواج يعني ثمانية أصناف والزوج في اللغة الفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ~~ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على الاثنين فيقال للذكر زوج ~~وللأنثى زوج من الضأن اثنين يعني الذكر والأنثى والضأن ذوات الصوف من الغنم ~~والواحد ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن ومن المعز اثنين يعني الذكر ~~والأنثى والمعز ذوات الشعر من الغنم والواحد ماعز والجمع معزى: قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين استفهام إنكار، أي: قل يا محمد لهؤلاء الجهلة الذكرين من ~~الضأن والمعز حرم عليكم أم الأنثيين منهما، فإن كان حرم الذكرين من الغنم ~~فكل ذكورها حرام وإن كان حرم الأنثيين منهما فكل إناثها حرام أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين يعني أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن ~~والمعز فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى نبئوني أي أخبروني وفسروا لي ما ~~حرمتم بعلم إن كنتم صادقين يعني أن الله حرم ذلك عليكم. # PageV02P165 ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 144 الى 145] # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ms1237 قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) ~~قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # من الإبل اثنين ومن البقر اثنين وهذه أربعة أزواج أخر بقية الثمانية قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وتفسير هذه الآية ~~نحو ما تقدم وفي هاتين الآيتين تقريع وتوبيخ من الله تعالى لأهل الجاهلية ~~بتحريمهم ما لم يحرمه الله وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر. ~~وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وحرموا ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء ~~وبعضها على النساء دون الرجال كما أخبر الله عنهم في كتابه فلما جاء ~~الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالك ~~بن عوف الجشمي فقال: يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حرمتم أصنافا من النعم على غير ~~أصل وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع فمن أين جاء هذا ~~التحريم من قبل الذكر أم من قبل الأنثى؟ فسكت مالك بن عوف وتحير ولم يتكلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا مالك ألا تتكلم؟ فقال: بل أنت تتكلم ~~وأسمع منك، قال المفسرون: فلو قال جاء التحريم من قبل الذكر بسبب الذكورة ~~وجب أن يحرم جميع الذكور ولو قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث وإن ~~كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل لأن الرحم لا يشتمل إلا على ~~ذكر أو أنثى. # وأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو بالبعض دون البعض فمن أين ms1238 ~~ذلك التحريم؟ فاحتج الله على بطلان دعواهم بهاتين الآيتين وأعلم نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن كل ما قالوه من ذلك وأضافوه إلى الله فهو كذب على الله ~~وأنه لم يحرم شيئا من ذلك وأنهم اتبعوا في ذلك أهواءهم وخالفوا أمر ربهم. # وذكر الإمام فخر الدين في معنى الآية وجهين آخرين ونسبهما إلى نفسه، ~~فقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم بل هو ~~استفهام على سبيل الإنكار يعني إنكم لا تقرون بنبوة نبي ولا تعترفون بشريعة ~~شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم. # والوجه الثاني: إنكم حكمتم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي مخصوصا ~~بالإبل فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة وهي: الضأن ~~والمعز والبقر والإبل فلم لم تحكموا بهذه الأحكام في هذه الأنواع الثلاثة ~~وهي الضأن والمعز والبقر فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم دون هذه الأنواع ~~الثلاثة. # قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا يقول الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم قل لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين يزعمون أن الله حرم عليهم ما ~~حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث هل شاهدتم الله حرم هذا عليكم ووصاكم ~~به فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء فكيف تثبتون هذه الأحكام ~~وتنسبونها إلى الله عز وجل. ولما احتج الله عليهم بهذه الحجة وبين أنه لا ~~مستند لهم في ذلك قال تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ~~بغير علم يعني فمن أشد ظلما وأبعد عن الحق ممن يكذب على الله ويضيف تحريم ~~ما لم يحرمه الله إلى الله ليضل الناس بذلك ويصدهم عن سبيل الله جهلا منه ~~إذ ليس هو على بصيرة وعلم في ذلك الذي ابتدعه ونسبه إلى الله ويقول إن الله ~~أمرنا بهذا، قيل: أراد به عمرو بن لحي لأنه أول من بحر البحائر وسيب ~~السوائب وغير دين إبراهيم عليه السلام ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على ~~طريقته أو ابتدع شيئا لم يأمر الله به ms1239 ولا رسوله ونسب # PageV02P166 # ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين ~~الله ما ليس فيه فهو داخل في هذا الوعيد إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~يعني أن الله لا يرشده ولا يوفق من كذب على الله وأضاف إليه ما لم يشرعه ~~لعباده. # قوله عز وجل: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه اعلم أنه ~~لما بين الله تعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التضليل ~~والتحريم من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات ~~أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي ~~سماوي وشرع نبوي، فقال تعالى: قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين ~~الذين يحللون ويحرمون من عند أنفسهم لا أجد فيما أوحي إلي، وقيل إنهم قالوا ~~فما المحرم إذا فنزل؟ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما يعني شيئا محرما على ~~طاعم يطعمه يعني على آكل يأكله إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا يعني سائلا ~~مصبوبا أو لحم خنزير فإنه رجس أي نجس أو فسقا أهل لغير الله به يعني ما ذبح ~~على غير اسم الله تعالى فبين الله تعالى في هذه الآية أن التحريم والتحليل ~~لا يكون إلا بوحي منه وأن المحرمات محصورة في الأربعة الأشياء المذكورة في ~~هذه الآية وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم ~~الله، وهذا مبالغة في أن التحريم لا يخرج عن هذه الأربعة وذلك أنه ثبت أنه ~~لا طريق إلى معرفة المحرمات إلا بالوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية ~~على هذه الأربعة الأشياء ولهذا اختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب بعضهم ~~إلى ظاهرها وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوان إلا ما ذكر في هذه ~~الآية يروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وهو ظاهر مذهب مالك ~~واحتجوا على ذلك بأن هذه الآية محكمة لأنها خبر والخبر ms1240 لا يدخله النسخ ~~واحتجوا بأن هذه الآية وإن كانت مكية لكن يعضدها آية مدنية وهي قوله تعالى ~~في سورة البقرة: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله، وكلمة إنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية ~~في الحكم، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذا التحريم لا يختص بهذه الأشياء ~~المنصوص عليها في هذه الآية فإن المحرم بنص الكتاب هو ما ذكر في هذه الآية. # وقد حرمت السنة أشياء فوجب القول بها: منها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ~~ناب من السباع ومخلب من الطير. عن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته ~~فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه ~~حراما حرمناه وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. ولأبي داود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ~~يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من ~~حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا ~~لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم ~~يقروه فله أن يعفيهم بمثل قراه». # عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا ~~فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما ~~أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو معفو وتلا: قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الآية أخرجه أبو داود (م) ~~عن ابن عباس قال «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ~~ذي مخلب من الطير» (م) عن ms1241 أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم ~~خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية» (ق) عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل» وفي رواية: «أكلنا من خيبر الخيل ~~وحمر الوحش» ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي عن جابر ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P167 # نهى عن أكل الهر وأكل ثمنه» وقد استثنى الشارع من الميتة السمك والجراد ~~ومن الدم الكبد والطحال وأباح أكل ذلك وقد تقدم دليله. # والأصل في ذلك عند الشافعي أن كل ما لم يرد فيه نص بتحريم أو تحليل فما ~~كان أمر الشرع بقتله كما ورد في الصحيح «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ~~وهي الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور» وروي عن سعد بن أبي وقاص ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ» أخرجه البخاري ومسلم، وسماه ~~فويسقا. وعن ابن عباس قال «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من ~~الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد» أخرجه أبو داود فهذا كله حرام لا ~~يحل أكله وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادة العرب فما يستطيبه ~~الأغلب منهم فهو حلال وما يستخبثه الأغلب منهم ولا يأكلونه فهو حرام لأن ~~الله خاطبهم بقوله: أحل لكم الطيبات فما استطابوه فهو حلال فهذا تقرير ما ~~يحل ويحرم من المطعومات. # وأما الجواب عن هذه الآية الكريمة فمن وجوه: # أحدها: أن يكون المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من ~~البحائر والسوائب وغيرها إلا ما أوحي إلي في هذه الآية. # الوجه الثاني: أن يكون المراد وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما غير ما ~~ذكر ونص عليه في هذه الآية ثم حرم بعد نزولها أشياء أخر. # الوجه الثالث: يحتمل أن هذا اللفظ العام خصص بدليل آخر، وهو ما ورد في ~~السنة. # الوجه الرابع: أن ما ذكر في هذه الآية محرم على لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو ms1242 ما ورد في السنة من المحرمات والله أعلم. # بقي في الآية أحكام في قوله تعالى: أو دما مسفوحا وهو ما سال من الحيوان ~~في حال الحياة أو عند الذبح فإن ذلك الدم حرام نجس وما سوى ذلك كالكبد ~~والطحال فإنهما حلال لأنهما دمان جامدان. وقد ورد الحديث بإباحتهما وكذا ما ~~اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل، قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عما ~~يختلط باللحم من الدم وعن القدر يرى فيها حمرة الدم فقال لا بأس بذلك وإنما ~~نهي عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ إلا ~~المسفوح، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما ~~تتبع اليهود. # وقوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد لما بين الله المحرمات في هذه ~~الآية أباح أكلها عند الاضطرار من غير بغي ولا عدوان، وفي قوله: فإن ربك ~~غفور رحيم دليل على الرخصة والإباحة عند الاضطرار. ### || [سورة الأنعام (6): آية 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) # قوله تعالى: وعلى الذين هادوا يعني اليهود حرمنا كل ذي ظفر قال ابن عباس: ~~هو البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب. وقيل كل ما لم يكن مشقوق الأصابع ~~من البهائم والطير مثل البعير والنعامة والإوز والبط. قال القتيبي هو كل ذي ~~مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وسمي الحافر ظفرا على الاستعارة ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما يعني شحم الجوف وهي الثروب وشحم الكليتين ~~إلا ما حملت ظهورهما يعني إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما من ~~الشحم فإنه غير محرم عليهم، وقال السدي # PageV02P168 # وأبو صالح: الألية مما حملت ظهورهما وهذا القول مختص بالغنم لأن البقر ~~ليس لها ألية أو الحوايا وهي المباعر، في قول ابن عباس وجمهور المفسرين ~~واحدتها حاوية وحوية، وقيل: الحوايا المباعر والمصارين وهي الدوائر التي ~~تكون ms1243 في بطن الشاة والمعنى أن الشحم المتلصق بالمباعر والمصارين غير محرم ~~على اليهود أو ما اختلط بعظم # يعني من شحم الألية لأنه اختلط بالعصعص وكذا الشحم المختلط بالعظام التي ~~تكون في الجنب والرأس والعين فكل هذا حلال على اليهود فحاصل هذا أن الذي ~~حرم عليهم شحم الثرب وشحم الكلية وما عدا ذلك فهو حلال عليهم (ق). # عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام ~~الفتح بمكة «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول ~~الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها ~~الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ~~قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ~~ثمنه» قوله: جملوه يعني أذابوه يقال أجملت الشحم وجملته إذا أذبته وجملته ~~أكثر وأفصح. # وقوله تعالى: ذلك جزيناهم أي ذلك التحريم جزيناهم عقوبة ببغيهم يعني بسبب ~~بغيهم وظلمهم وهو قتل الأنبياء وأخذ الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل ~~وإنا لصادقون يعني في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا ~~التحريم. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 147 الى 148] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) # فإن كذبوك يعني فإن كذبك اليهود يا محمد فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم ~~وأحللنا لهم مما بيناه في هذه الآية المتقدمة فقل ربكم ذو رحمة واسعة يعني ~~بتأخير العقوبة عنكم فإن رحمته تسع المسيء والمحسن فلا يعجل بالعقوبة على ~~من كفر به أو عصاه ولا يرد بأسه يعني ولا يرد عذابه ونقمته إذا جاء وقتهما ~~عن القوم المجرمين لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك ~~بالله ms1244 وتحريم ما لم يحرمه الله أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه فقال ~~تعالى: سيقول الذين أشركوا يعني مشركي قريش والعرب لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا يعني من قبل، قال المفسرون: جعلوا قولهم لو شاء الله ما أشركنا ~~حجة على إقامتهم على الكفر والشرك. وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا ~~وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله فلولا أنه رضي ما نحن عليه وأراده منا ~~وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك ولا حرمنا من شيء يعني ما حرموه من البحائر ~~والسوائب وغير ذلك، فقال الله عز وجل ردا وتكذيبا لهم كذلك كذب الذين من ~~قبلهم يعني من كفار الأمم الخالية الذي كانوا قبل قومك كذبوا أنبياءهم ~~وقالوا مثل قول هؤلاء حتى ذاقوا بأسنا يعني عذابنا. # ((فصل)) استدل القدرية والمعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن القوم لما قالوا ~~لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم بقوله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~وأيضا فإن الله تعالى حكى عن هؤلاء الكفار صريح مذهب الجبرية وهو قولهم لو ~~شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك ولمنعنا عن هذا الكفر وحيث لم يمنعنا عنه ~~ثبت أنه مريد له وإذا أراده منا امتنع تركه منا وأجيب عن هذا بأن الله ~~تعالى حكى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا ثم ذكر عقيبة ~~كذلك كذب الذين من قبلهم وهذا التكذيب ليس هو في قولهم لو شاء الله ما ~~أشركنا، بل ذلك القول حق # PageV02P169 # وصدق ولكن الكذب في قولهم إن الله أمرنا به ورضي ما نحن عليه كما أخبر ~~عنهم في سورة الأعراف وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها فرد الله تعالى عليهم بقوله قل إن الله لا يأمر بالفحشاء والدليل ~~أن التكذيب في قولهم إن الله أمرنا بهذا ورضيه منا لا في قولهم لو شاء الله ~~ما أشركنا قوله كذلك كذب الذين من قبلهم بالتشديد ولو كان خبرا من الله عن ~~كذبهم في قولهم لو ms1245 شاء الله ما أشركنا لقال كذلك كذب الذين من قبلهم ~~بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب وقال الحسن بن الفضل: لو ~~قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون لما ~~عابهم بذلك، ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله ~~وبما يقولون. وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة وهو ~~قوله: لو شاء الله ما أشركنا إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه ~~حجة لهم في ترك الإيمان والرد عليهم في ذلك أن أمر الله بمعزل عن مشيئته ~~وإرادته فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى ~~العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد ~~عليه في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به ومع ~~هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة ~~غير ممتنع. # فالحاصل أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في ~~شركهم وكفرهم، فأخبر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل فإنه لا يلزم من ~~ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: قل هل عندكم من علم أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~القائلين لو شاء الله ما أشركنا ولكنه رضي ما نحن عليه من الشرك هل عندكم ~~يعني بدعواكم ما تدعون من علم يعني من حجة وكتاب يوجب اليقين من العلم ~~فتخرجوه لنا يعني فتظهروا ذلك العلم لنا وتبينوه كما بينا لكم خطأ قولكم ~~وفعلكم وتناقض ذلك واستحالته في العقول إن تتبعون إلا الظن يعني فيما أنتم ~~عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله عليكم وتحسبون أنكم على حق وإنما هو ~~باطل وإن أنتم إلا تخرصون يعني وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على ~~الله الباطل. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 149 الى 151] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل ms1246 هلم شهداءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين ~~كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ~~(151) # وقوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~حين عجزوا عن إظهار علم الله أو حجة لهم فلله الحجة البالغة يعني التامة ~~على خلقه بإنزال الكتاب وإرسال الرسل. قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى ~~الله أو أشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده فلو شاء لهداكم ~~أجمعين يعني فلو شاء الله لوفقكم أجمعين للهداية ولكنه لم يشأ ذلك وفيه ~~دليل على أنه تعالى لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء لهداه لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون قل هلم شهداءكم الذين يشهدون يعني هاتوا وادعوا شهداءكم. وهلم ~~كلمة دعوة إلى الشيء يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والذكر والأنثى ~~وفيها لغة أخرى يقال للواحد هلم وللاثنين هلما # PageV02P170 # وللجمع هلموا وللأنثى هلمي واللغة الأولى أفصح أن الله حرم هذا وهذا ~~تنبيه من الله باستدعاء الشهود من الكافرين على تحريم ما حرموه على أنفسهم ~~وقالوا إن الله أمرنا به ليظهر أن لا شاهد لهم على ذلك وإنما اختلقوه من ~~عند أنفسهم فإن شهدوا فلا تشهد معهم وهذا تنبيه أيضا على كونهم كاذبين في ~~شهادتهم فلا تشهد أنت يا محمد معهم لأنهم في شهادتهم كاذبون ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآياتنا يعني إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا ~~تتبع أنت يا محمد أهواءهم ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتابي الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذين لا يؤمنون بالآخرة أي ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ms1247 يعني يشركون. # قوله عز وجل: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لما بين الله تعالى فساد ~~مقالة الكفار فيما زعموا أن الله أمرهم بتحريم ما حرموه على أنفسهم فكأنهم ~~سألوا وقالوا: أي شيء حرم الله فأمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول لهم تعالوا تعال من الخاص الذي صار عاما وأصله أن يقوله من ~~كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم. وقيل أصله أن ~~تدعو الإنسان إلى مكان مرتفع وهو من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه دعاه ~~إلى ما فيه رفعة وشرف ثم كثر في الاستعمال، والمعنى: تعالوا وهلموا أيها ~~القوم أتل عليكم يعني أقرأ ما حرم ربكم عليكم يعني الذي حرم ربكم عليكم حقا ~~يقينا لا شك فيه ولا ظنا ولا كذبا كما تزعمون أنتم بل هو وحي أوحاه الله ~~إلي ألا تشركوا به شيئا. # فإن قلت: ترك الإشراك واجب فما معنى قوله أن لا تشركوا به شيئا لأنه ~~كالتفصيل لما أجمله فيقوله حرم ربكم عليكم وذلك لا يجوز. # قلت الجواب عنه من وجوه: # الوجه الأول: أن يكون موضع أن رفع معناه هو أن لا تشركوا له. # الوجه الثاني: أن يكون محل النصب، واختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه ~~حرم عليكم أن تشركوا وتكون لا صلة. وقيل: إن حرف لا على أصلها ويكون ~~المعنى: أتل عليكم تحريم الشرك أي لا تشركوا ويكون المعنى أوصيكم أن لا ~~تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحسانا محمول على: أوصيكم بالوالدين إحسانا. # الوجه الثالث: أن يكون الكلام قد تم عند قوله حرم ربكم، ثم قال: عليكم أن ~~لا تشركوا على الإغراء أو بمعنى فرض عليكم أن لا تشركوا به شيئا ومعنى هذا ~~الإشراك الذي حرمه الله ونهى عنه هو أن يجعل الله شريكه من خلقه أو يطيع ~~مخلوقا في معصية الخالق أو يريد بعبادته رياء وسمعة ومنه قوله: ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا. # وقوله عز وجل: وبالوالدين إحسانا أي: وفرض عليكم ووصاكم ms1248 بالوالدين إحسانا ~~وإنما ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين لأن أعظم النعم على الإنسان نعمة ~~الله لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن ~~شيئا ثم بعد نعمة الله نعمة الوالدين لأنهما السبب في وجود الإنسان ولما ~~لهما عليه من حق التربية والشفقة والحفظ من المهالك في حال صغره ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق يعني من خوف الفقر، والإملاق: الإقتار. والمراد بالقتل، ~~وأد البنات وهن أحياء فكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى ~~عن ذلك وحرمه عليهم نحن نرزقكم وإياهم يعني لا تئدوا بناتكم خوف العيلة ~~والفقر فإني رازقكم وإياهم لأن الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب ~~على الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله عز ~~وجل: ولا تقربوا الفواحش يعني الزنا ما ظهر منها وما بطن يعني علانيته وسره ~~وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر ~~فحرم الله تعالى الزنا في السر والعلانية وقيل # PageV02P171 # إن الأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات ~~والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه ~~فاحشة فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضا فإن ~~السبب إذا كان خاصا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم وفي قوله ما ظهر منها ~~وما بطن دقيقة وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز ~~منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ~~فيما أمرها به أو نهى عنه ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم ومن كان ~~كذلك استحق العقاب ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف الله وتعظيما ~~لأمره استوجب رضوان الله وثوابه ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~حرم الله تعالى قتل النفس إلا بالحق وقتها من جملة الفواحش المتقدم ذكرها ~~في قوله تعالى: ولا تقربوا الفواحش وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيما ~~لأمر ms1249 القتل وإنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل: إنما أفرده بالذكر لأنه ~~تعالى أراد أن يستثني منه ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش إلا ~~بالإفراد فلذلك فقال: لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وهي التي ~~أبيح قتلها من ردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم. # (ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ ~~مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ~~والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة». # وقوله تعالى: ذلكم يعني ما ذكر من الأوامر والنواهي المحرمات وصاكم به ~~يعني أمركم به وأوجبه عليكم لعلكم تعقلون يعني لكي تفهموا ما في هذه ~~التكاليف من الفوائد والمنافع فتعملوا بها. قوله تعالى: ### || [سورة الأنعام (6): آية 152] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # يعني ولا تقربوا مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه وتثميره وتحصيل الربح له. ~~قال مجاهد: هو التجارة فيه وقال الضحاك: هو أن يسعى له فيه. ولا يأخذ من ~~ربحه شيئا هذا إذا كان القيم بالمال غنيا غير محتاج فلو كان الوصي فقيرا ~~فله أن يأكل بالمعروف حتى يبلغ أشده # يعني احفظوا مال اليتيم إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ~~ماله. # فأما الأشد فهو استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشاب إلى حد ~~الرجال. قال الشعبي ومالك: # لأشد الحلم حين تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات. وقال أبو العالية: ~~حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ~~ثلاثين سنة وقيل إلى أربعين وقيل إلى ستين سنة وقال الضحاك: # الأشد عشرون سنة، وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة وقال مجاهد: الأشد ثلاث ~~وثلاثون سنة وهذه الأقوال ms1250 التي نقلت عن المفسرين في هذه الآية إنما هي ~~نهاية الأشد لا ابتداؤه. والمراد بالأشد في هذه الآية، هو ابتداء بلوغ ~~الحلم مع إيناس الرشد وهذا هو المختار في تفسير هذه الآية. # وقوله تعالى: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط # يعني بالعدل من غير زيادة ولا نقصان لا نكلف نفسا إلا وسعها # يعني طاقتها وما يسعها في إيفاء الكيل والميزان وإتمامه. لم يكلف المعطي ~~أن يعطي أكثر مما وجب عليه ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه حتى لا ~~تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد بما يسعه مما لا حرج عليه فيه وإذا قلتم ~~فاعدلوا # يعني في الحكم والشهادة ولو كان ذا قربى # يعني المحكوم عليه وكذا # PageV02P172 # المشهود عليه، وقيل: إن الأمر بالعدل في القول هو أعم من الحكم والشهادة، ~~بل يدخل فيه كل قول حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير زيادة فيه ~~ولا نقصان وأداء الأمانة وغير ذلك من جميع الأقوال التي يعتمد فيها العدل ~~والصدق وبعهد الله أوفوا # يعني ما عهد إلى عباده ووصاهم به وأوجبه عليهم أو ما أوجبه الإنسان على ~~نفسه كنذر ونحوه فيجب الوفاء به ذلكم # يعني الذي ذكر في هذه الآيات وصاكم به # يعني بالعمل به لعلكم تذكرون # يعني لعلكم تتعظون وتتذكرون فتأخذون ما أمرتكم به. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 153 الى # 154] # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # قوله عز وجل وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه يعني وأن هذا الذي وصيتكم به ~~وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي يعني طريقي وديني الذي ارتضيته ~~لعبادي مستقيما يعني قويما لا اعوجاج فيه فاتبعوه ويعني فاعملوا به. وقيل: ~~إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به مفصلا أجمله في هذه ~~الآية إجمالا يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه ويدخل فيه أيضا جميع ms1251 أحكام ~~الشريعة وكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام هو ~~المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين ~~وأمرهم باتباع جملته وتفصيله ولا تتبعوا السبل يعني الطرق المختلفة ~~والأهواء المضلة والبدع الرديئة وقيل السبل المختلفة مثل: # اليهود والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام فتفرق بكم ~~عن سبيله يعني فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ~~ارتضاه لعباده، روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ~~وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ وإن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل الآية ذلكم وصاكم به يعني باتباع دينه وصراطه ~~الذي لا اعوجاج فيه لعلكم تتقون يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة. قال ~~ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن من محرمات ~~على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. ~~وعن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى ~~الله عليه وسلم فليقرأ هؤلاء الآيات قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~الآيات- إلى قوله- لعلكم تتقون أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. # قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب يعني التوراة. # فإن قلت إتيان موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن وحرف ثم للتعقيب فما معنى ~~ذلك؟ قلت دخلت ثم لتأخير الخير لا لتأخير النزول والمعنى قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم # وهو كذا وكذا إلى قوله تعالى لعلكم تتقون ثم أخبركم أنا آتينا موسى ~~الكتاب وقيل إن المحرمات المذكورة في قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم محرمات على جميع الأمم وجميع الشرائع فتقدير الكلام: ذلك وصاكم ~~به يا بني آدم قديما وحديثا ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب يعني بعد إيجاب ~~هذه المحرمات وقيل معناه قل تعالوا ms1252 أتل ما حرم ربكم عليكم ثم قال بعد ذلك ~~يا محمد إنا آتينا موسى الكتاب فحذف لفظة قل لدلالة الكلام عليها. # وقوله تعالى: تماما على الذي أحسن اختلف أهل التفسير فيه فقيل معناه ~~تماما على المحسنين من قومه فيكون الذي بمعنى أي تماما على من أحسن من قومه ~~لأنه كان منهم محسن ومسيء وعلى قراءة ابن مسعود تماما على الذين أحسنوا، ~~وقيل: معناه تماما على كل من أحسن أي أتممنا فضيلة موسى على المحسنين وهم ~~الأنبياء # PageV02P173 # والمؤمنون أي أتممنا فضله عليهم بالكتاب، وقيل: الذي أحسن هو موسى فيكون ~~الذي بمعنى ما أي على ما أحسن وتقديره وآتينا موسى الكتاب إتماما للنعمة ~~عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. # وقيل الإحسان بمعنى العلم وتقديره آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~موسى من العلم والحكمة زيادة له على ذلك وقيل معناه تماما مني على إحساني ~~إلى موسى وتفصيلا لكل شيء يعني: وفيه بيان لكل شيء يحتاج إليه من شرائع ~~الدين وأحكامه وهدى يعني: وفيه هدى من الضلالة ورحمة يعني: إنزاله عليهم ~~رحمة مني عليهم لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون قال ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ~~ويصدقوا بالثواب والعقاب. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 155 الى 157] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # قوله عز وجل: وهذا كتاب أنزلناه مبارك يعني: القرآن لأنه كثير الخير ~~والنفع والبركة ولا يتطرق إليه نسخ فاتبعوه يعني: فاعملوا بما فيه من ~~الأوامر والنواهي والأحكام واتقوا يعني مخالفته لعلكم ترحمون يعني: ليكن ~~الغرض بالتقوى رحمة الله وقيل معناه لكي ترحموا على جزاء التقوى أن تقولوا ~~يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا يعني أنزلنا إليكم الكتاب ~~كراهية ms1253 أن تقولوا إنما أنزل الكتاب وقيل: # يجوز أن تكون أن متعلقة بما قبلها فيكون المعنى واتقوا أن تقولوا وهذا ~~خطاب لأهل مكة والمعنى واتقوا يا أهل مكة أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~والكتاب اسم جنس لأن المراد به التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا يعني ~~اليهود والنصارى وإن كنا أي: وقد كنا وقيل وإنه كنا عن دراستهم يعني ~~قراءتهم لغافلين يعني: # لا علم لنا بما فيها لأنها ليست بلغتنا. والمراد بهذه الآية إثبات الحجة ~~على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهم ~~والمعنى: وأنزلنا القرآن بلغتهم لئلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة ~~والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيهما ~~فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم وذلك أن جماعة من الكفار قالوا لو أنزل علينا ما ~~أنزله على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم وأهدى وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم ~~على صحة عقولهم وجودة فطنهم وذهنهم قال الله عز وجل: فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهو رحمة ونعمة أنعم الله بها عليكم فمن أظلم أي لا أحد أظلم أو أكفر ~~ممن كذب بآيات الله وصدف عنها يعني وأعرض عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب يعني أسوأ العذاب وأشده بما كانوا يصدفون أي ذلك العذاب ~~جزاؤهم بسبب إعراضهم وتكذيبهم بآيات الله قوله تعالى: # ### || [سورة الأنعام (6): آية 158] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) # هل ينظرون يعني: هل ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن وصدهم ~~عن آيات الله وهو استفهام معناه النفي وتقديره الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا ~~إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث فإذا جاءتهم إحداها آمنوا وذلك حين لا ~~ينفعهم إيمانهم إلا أن تأتيهم الملائكة يعني: ms1254 لقبض أرواحهم وقيل أن تأتيهم ~~بالعذاب أو يأتي ربك يعني: للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيمة وقد ~~تقدم الكلام في معنى الآية في # PageV02P174 # سورة البقرة عند قوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام بما ~~فيه كفاية وإن المجيء والذهاب على الله لمحال فيجب إمرارها بلا تكييف أو ~~يأتي بعض آيات ربك قال جمهور المفسرين: هو طلوع الشمس من مغربها، ويدل على ~~ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ثلاث إذا ~~خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها ~~والدجال ودابة الأرض» أخرجه مسلم. عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله «أو يأتي بعض آيات ربك» قال: «طلوع الشمس من مغربها» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث غريب (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من ~~تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه» عن صفوان بن عسال المراد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «باب من قبل المغرب مسيرة عرضه أو قال ~~يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السموات ~~والأرض مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن صحيح. # (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقوم الساعة ~~حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها» وفي رواية «فإذا ~~طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (م) عن حذيفة بن أسد الغفاري قال اطلع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون قلنا ~~الساعة فقال «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال ~~والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خسوف خسف بالمشرق ~~وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة ms1255 العرب وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم» (م) ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «بادروا بالأعمال قبل ~~ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة وخويصة أحدكم وأمر ~~العامة» (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن ~~أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ~~كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا» وروى الطبري بسنده عن عبد الله ~~بن مسعود في تفسير هذه الآية قال: «تصبحون والشمس والقمر من هاهنا من قبل ~~المغرب كالبعيرين القرينين» زاد في رواية عنه «فذلك حين لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» وبسنده عن أبي ذر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما «أتدرون أين تذهب هذه الشمس ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ~~فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها ثم ~~تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال ~~لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها لا تنكر الناس منها ~~شيئا حتى تنتهي فتخر ساجدة في مستقرها تحت العرش فيقال لها اطلعي من مغربك ~~فتصبح طالعة من مغربها» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتدرون أي يوم ~~ذلك أقالوا: الله ورسوله أعلم. قال ذلك يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». # وبسنده عن أبي ذر قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على ~~حمار «فنظر إلى الشمس حين غربت فقال إنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر ~~لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها ~~فتقول يا رب إن ms1256 مسيري بعيد فيقول لها اطلعي من حيث غربت فذلك حين لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» وروي بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات فقال لهم «عباد الله توبوا إلى ~~الله قبل أن يأتيكم بعذاب فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب فإذا ~~فعلت حبست التوبة وطوي العمل» فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ~~ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ~~ينقص ثم يأتون مضاجعهم # PageV02P175 # فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك ~~بين يدي أمر عظيم فإذا أصبحوا فطال عليهم رأت أعينهم طلوع الشمس فبينما هم ~~ينظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل» قال ابن عباس: لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات وينفع ~~أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك. وقال ابن الجوزي ~~قيل إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة المنجمين زعموا أن ذلك ~~لا يكون فيريهم الله قدرته فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق فيتحقق ~~عجزهم وقيل بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس ~~من مغربها. يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ~~ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة وطلوع الشمس من مغربها أو يأجوج ومأجوج. ~~ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت التوبة وحبست الحفظة وشهدت ~~الأجساد على الأعمال. ويروى عن أبي هريرة في قوله تعالى أو يأتي بعض الآيات ~~ربك قال هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ~~ورواه مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ms1257 في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها ~~والدجال ودابة الأرض» وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة ~~وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلوع الشمس من مغربها وقوله تعالى: ~~يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل يعني لا ~~ينفع من كان مشركا إيمانه ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة ~~التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة أو كسبت في إيمانها خيرا يعني أو عملت قبل ~~ظهور هذه الآية خيرا من عمل صالح وتصديق. قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات ~~وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما ~~قبل منه قبل ذلك فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية ~~فلا يقبل منه لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على أمة فآمنوا ~~وصدقوا فإنها لا ينفعهم إيمانهم ذلك لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي ~~تضطرهم إلى الإيمان والتوبة وقوله قل انتظروا يعني ما وعدتم به من مجيء ~~الآية ففيه وعيد وتهديد إنا منتظرون يعني ما وعدكم ربكم من العذاب يوم ~~القيامة أو قبله في الدنيا. قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في ~~الوجود من المشركين والمكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الوقت ~~والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت ~~الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبدا. وقيل إن قوله قل ~~انتظروا إنا منتظرون المراد به الكف عن قتال الكفار فتكون الآية منسوخة ~~بآية القتال وعلى القول الأول تكون الآية محكمة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 159] # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) # قوله عز وجل: إن الذين فرقوا وقرئ فارقوا دينهم وكانوا شيعا يعني أحزابا ~~متفرقة في الضلالة ومعنى فرقوا دينهم أنهم لم يجتمعوا عليه وكانوا مختلفين ~~فيه فمن قرأ وفرقوا دينهم يعني جعلوا دينهم ms1258 وهو دين إبراهيم الحنيفية ~~السهلة أديانا مختلفة كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام ونحو ذلك من ~~الأديان المختلفة، ومن قرأ فارقوا دينهم قال: معناه باينوه وتركوه من ~~المفارقة للشيء. وقيل: إن معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد في الحقيقة وهو ~~أن من فرق دينه فأمر ببعض وأنكر بعضا فارق دينه في الحقيقة ثم اختلفوا في ~~المعنى بهذه الآية، فقال الحسن: هم جميع المشركين لأن بعضهم عبدوا الأصنام ~~وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا إنهم بنات ~~الله وبعضهم عبدوا الكواكب فكان هذا تفريق دينهم. وقال مجاهد: هم اليهود. ~~وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: هم اليهود والنصارى لأنهم تفرقوا ~~فكانوا فرقا مختلفة. وقال أبو هريرة: # في هذه الآية هم أهل الضلالة من هذه الأمة وروى ذلك مراوعا قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة» ~~أسنده # PageV02P176 # الطبري، فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة ~~المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروي عن ~~عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة» ذكره ~~البغوي بغير سند عن العرباض بن سارية قال: # صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل بوجهه علينا ~~فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: يا رسول ~~الله كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال «أوصيكم بتقوى الله والسمع ~~والطاعة وإن تأمر عليك عبد حبشي فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» أخرجه ~~أبو داود والترمذي عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال «ألا ms1259 إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة وإن ~~هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ~~وهي الجماعة «زاد في رواية» وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء ~~كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» أخرجه أبو ~~داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~ملة كلها في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على ~~ما أنا عليه وأصحابي» أخرجه الترمذي. قال الخطابي في هذا الحديث دلالة على ~~أن هذه الفرق غير خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته. وقوله تتجارى ~~بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، التجاري تفاعل من الجري وهو الوقوع ~~في الأهواء الفاسدة والبدع المضلة تشبيها بجري الفرس والكلب. قال ابن مسعود ~~«إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر ~~الأمور محدثاتها» ورواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. # وقوله تعالى: لست منهم في شيء يعني: في قتال الكفار فعلى هذا تكون الآية ~~منسوخة بآية القتال وهذا على قول من يقول إن المراد من الآية اليهود ~~والنصارى والكفار، ومن قال: المراد من الآية أهل الأهواء والبدع من هذه ~~الأمة قال: معناه لست منهم في شيء أي أنت منهم بريء وهم منك برآء. تقول ~~العرب إن فعلت كذا فلست منك ولست مني أي كل واحد منا بريء من صاحبه إنما ~~أمرهم إلى الله يعني في الجزاء والمكافأة ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون يعني ~~إذا وردوا القيامة. # ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 160 الى 163] # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن ms1260 صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) # قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها يعني مثلها في مقابلتها واختلفوا في هذه الحسنة والسيئة على ~~قولين: # أحدهما: أن الحسنة قول لا إله إلا الله والسيئة هي الشرك بالله، وأورد ~~على هذا القول: إن كلمة التوحيد لا مثل لها حتى يجعل جزاء قائلها عشر ~~أمثالها وأجيب عنه بأن جزاء الحسنة قدر معلوم عند الله فهل يجازى على قدر ~~إيمان المؤمن بما يشاء من الجزاء وإنما قال عشر أمثالها للترغيب في الإيمان ~~لا للتحديد وكذلك جزاء السيئة بمثلها من جنسها. # والقول الثاني: إن اللفظ عام في كل حسنة يعملها العبد أو سيئة، وهذا ~~أولى. لأن حمل اللفظ على العموم أولى قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس ~~التحديد لأن الله يضاعف لمن يشاء في حسناته إلى سبعمائة ويعطي من # PageV02P177 # يشاء بغير حساب وإعطاء الثواب لعامل الحسنة فضل من الله تعالى هذا مذهب ~~أهل السنة وجزاء السيئة بمثلها عدل منه سبحانه وتعالى وهو قوله تعالى: وهم ~~لا يظلمون يعني لا ينقص من ثواب الطائع ولا يزاد على عذاب العاصي (ق) عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أحسن أحدكم إسلامه ~~فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها ~~تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى» (م) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله تبارك وتعالى من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها وأزيد من جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني ~~شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي ~~أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا لقيته ~~بمثلها مغفرة» (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «يقول الله تبارك وتعالى ms1261 وإذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه ~~حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن ترك من أجلي فاكتبوها له حسنة ~~وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له ~~بعشر أمثالها إلى سبعمائة» لفظ البخاري وفي لفظ مسلم عن محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «قال الله تبارك وتعالى إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة ~~فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها ~~وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا ~~أكتبها له بمثلها» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قالت الملائكة رب ~~ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها ~~له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي» زاد الترمذي: ~~من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها. # قوله عز وجل: قل يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك إنني هداني ~~ربي إلى صراط مستقيم يعني: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم وهو ~~دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين دينا قيما يعني هداني صراطا ~~مستقيما دينا قيما، وقيل: يحتمل أن يكون محمولا على المعنى تقديره: # وعرفني دينا قيما يعني دينا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، وقيل: قيما ~~ثابتا مقوما لأمور معاشي ومعادي، وقيل: هو من قام وهو أبلغ من القائم ملة ~~إبراهيم والملة بالكسر الدين والشريعة. يعني هداني وعرفني دين إبراهيم ~~وشريعته حنيفا الأصل في الحنيف الميل وهو ميل عن الضلالة إلى الاستقامة ~~والعرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم عليه ~~السلام وما كان من المشركين يعني إبراهيم عليه السلام وفيه رد على كفار ~~قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أن إبراهيم لم ~~يكن من المشركين وممن يعبد الأصنام قل إن صلاتي أي: قل يا محمد إن صلاتي ~~ونسكي قال مجاهد وسعيد بن ms1262 جبير والضحاك والسدي: أراد بالنسك في هذا الموضع ~~الذبيحة في الحج والعمرة، وقيل: النسك العبادة والناسك العابد. وقيل: ~~المناسك أعمال الحج. وقيل: النسك كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ~~وحج وذبح وعبادة. ونقل الواحدي عن أبي الأعرابي قال: النسك سبائك الفضة كل ~~سبيكة منها نسيكة وقيل للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها ~~كالسبيكة المخلصة من الخبث. # وفي قوله إن صلاتي ونسكي دليل على أن جميع العبادات يؤديها العبد على ~~الإخلاص لله ويؤكد هذا قوله لله رب العالمين لا شريك له وفيه دليل على أن ~~جميع العبادات لا تؤدى إلا على وجه التمام والكمال لأن ما كان لله لا ينبغي ~~أن يكون إلا كاملا تاما مع إخلاص العبادة له فما كان بهذه الصفة من ~~العبادات كان مقبولا ومحياي ومماتي أي حياتي وموتي بخلق الله وقضائه وقدره ~~أي هو يحييني ويميتني وقيل معناه إن محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على ~~الإيمان لله، وقيل: معناه إن طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله ~~وحاصل هذا الكلام له أن الله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين أن ~~صلاته ونسكه وسائر عباداته وحياته وموته كلها واقعة بخلق الله # PageV02P178 # وقضائه وقدره وهو المراد بقوله لله رب العالمين لا شريك له يعني في ~~العبادة والخلق والقضاء والقدر وسائر أفعاله لا يشاركه فيها أحد من خلقه ~~وبذلك أمرت يعني: قل يا محمد وبهذا التوحيد أمرت وأنا أول المسلمين قال ~~قتادة: يعني من هذه الأمة وقيل معناه وأنا أول المستسلمين لقضائه وقدره. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 164 الى 165] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ~~ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # قوله عز وجل: قل أغير الله أبغي ربا أي: قل ms1263 يا محمد لهؤلاء الكفار من ~~قومك أغير الله أطلب سيدا أو إلها وهو رب كل شيء يعني وهو سيد كل شيء ~~ومالكه لا يشاركه فيه أحد وذلك أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول اتبعوا سبيلي ~~أحمل عنكم أوزاركم فقال الله عز وجل ردا عليه ولا تكسب كل نفس إلا عليها ~~يعني أن إثم الجاني عليه لا على غيره ولا تزر وازرة وزر أخرى يعني لا تؤاخذ ~~نفس آثمة بإثم أخرى ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر ثم ~~إلى ربكم مرجعكم يعني يوم القيامة فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون يعني في ~~الدنيا من الأديان والملل. # قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض يعني: والله الذي جعلكم يا أمة ~~محمد خلائف في الأرض فإن الله أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية ~~واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم وذلك ~~لأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهو آخرهم وأمته آخر الأمم ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده فجعل بعضهم ~~فوق بعض في الخلق والرزق والشرف والعقل والقوة والفضل فجعل منهم الحسن ~~والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل والقوي والضعيف ~~وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز أو الجهل أو الجهل أو ~~البخل فإن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص وإنما هو لأجل الابتلاء ~~والامتحان وهو قوله تعالى: ليبلوكم في ما آتاكم يعني يعاملكم معاملة ~~المبتلي والمختبر وهو أعلم بأحوال عباده. والمعنى: يبتلي الغني بغناه ~~والفقير بفقره والشريف بشرفه والوضيع بدناءته والعبد والحر وغيرهم من جميع ~~أصناف خلقه ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب، لأن العبد إما أن يكون ~~مقصرا فيما كلف به وإما أن يكون موفيا ما أمره به فإن كان مقصرا كان نصيبه ~~التخويف والترغيب وهو قوله تعالى: إن ربك سريع العقاب يعني لأعدائه ~~بإهلاكهم في الدنيا ms1264 وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت فهو قريب إن ~~كان العبد موفيا حقوق الله تعالى فيما أمره به أو نهاه عنه كان نصيبه ~~الترغيب والتشريف والتكريم وهو قوله تعالى: وإنه لغفور يعني لذنوب أوليائه ~~وأهل طاعته رحيم يعني بجميع خلقه والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV02P179 ### | سورة الأعراف # نزلت بمكة روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وعطاء وجابر ~~بن زيد وقتادة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنها مكية إلا خمس آيات أولها: وأسألهم عن القرية ~~التي كانت. وبه قال قتادة وقال مقاتل: ثمان آيات في سورة الأعراف مدنية ~~أولها وأسألهم عن القرية إلى قوله وإذا أخذ ربك من بني آدم وهي مائتان وست ~~آيات وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة وأربعة عشرة ألف حرف عشرة ~~أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأعراف (7): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) # قوله عز وجل المص قال ابن عباس: معناه أنا الله أفصل وعنه أنا الله أعلم ~~وأفصل وعنه أن المص قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقال ~~قتادة: المص اسم من أسماء القرآن، وقال الحسن: هو اسم للسورة، وقال السدي: ~~هو بعض اسمه تعالى المصور، وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام ~~مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق وصبور. ~~وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها وهي سره في كتابه العزيز، ~~وقيل: هي حروف اسمه الأعظم وقيل هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على ~~مراده وقد تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول ~~سورة البقرة. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 2 الى 6] # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~(3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ms1265 (5) فلنسئلن الذين أرسل ~~إليهم ولنسئلن المرسلين (6) # وقوله تعالى: كتاب أنزل إليك يعني هذا كتاب أنزله الله إليك يا محمد وهو ~~القرآن فلا يكن في صدرك حرج منه يعني: فلا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما ~~أرسلت به إلى الناس لتنذر به يعني: أنزلت إليك الكتاب يا محمد لتنذر به من ~~أمرتك بإنذاره وذكرى للمؤمنين يعني: ولتذكر وتعظ به المؤمنين وهذا من ~~المؤخر الذي معناه التقديم، تقديره: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به وذكر ~~للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه. # قال ابن عباس: فلا تكن في شك منه لأن الشك لا يكون إلا من ضيق الصدر وقلة ~~الاتساع لتوجيه ما حصل له. # قوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم أي: قل يا محمد لقومك اتبعوا ~~أيها الناس ما أنزل إليكم من ربكم يعني من القرآن الذي فيه الهدى والنور ~~والبيان. قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد صلى الله ~~عليه وسلم والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها، ~~وبنحو هذا قال الزجاج: أي اتبعوا القرآن وما # PageV02P180 # أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مما أنزل لقوله تعالى: وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ومعنى الآية أن الله تعالى لما أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنذار في قوله لتنذر به كان معنى الكلام ~~أنذر القوم «وقل لهم اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم» واتركوا ما أنتم عليه ~~من الكفر والشرك، وقيل: معناه لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم ~~«اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم»، وقيل: هو خطاب للكفار أي اتبعوا أيها ~~المشركون ما أنزل إليكم من ربكم واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك ويدل ~~عليه قوله تعالى: ولا تتبعوا من دونه أولياء يعني ولا تتخذوا الذين يدعونكم ~~إلى الكفر والشرك أولياء فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين ~~الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع والأهواء الفاسدة قليلا ~~ما تذكرون يعني ما تتعظون إلا قليلا. # قوله ms1266 تعالى: وكم من قرية أهلكناها لما أمر الله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالإنذار والإبلاغ، وأمر أمته باتباع ما أنزله إليهم حذرهم نقمته ~~وبأسه إن لم يتبعوا ما أمروا به فذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة ~~والإعراض عن أمره من الوعيد فقال تعالى: وكم من قرية أهلكناها، قيل: فيه ~~حذف تقديره وكم من أهل قرية لأن المقصود بالإهلاك أهل القرية لا القرية، ~~وقيل: ليس فيه حذف لأن إهلاك القرية إهلاك لأهلها فجاءها بأسنا يعني ~~عذابنا. # فإن قلت مجيء البأس وهو العذاب إنما يكون قبل الإهلاك فكيف قال أهلكناها ~~فجاءها بأسنا؟ # قلت: معناه وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقال الفراء: ~~الهلاك والبأس قد يقعان معا كما يقال أعطيتني فأحسنت إلي فلم يكن الإحسان ~~قبل الإعطاء ولا بعده وإنما وقعا معا. وقال غيره: لا فرق بين قولك أعطيتني ~~فأحسنت إلي أو أحسنت إلي فأعطيتني فيكون أحدهما بدلا من الآخر بياتا يعني ~~فجاءها عذابنا ليلا قبل أن يصبحوا أو هم قائلون من القيلولة وهي نوم نصف ~~النهار أو استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم والمعنى فجاءها بأسنا ~~غفلة وهم غير متوقعين له ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة ~~وكل ذلك وقت الغفلة. ومقصود الآية أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من ~~غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب وفيه وعيد وتخويف للكفار كأنه ~~قيل لهم لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة ~~واحدة فما كان دعواهم يعني فما كان دعاء أهل القرية التي جاءها بأسنا ~~والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم ~~أشركنا في صالح دعوى المؤمنين ومنه قوله تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم إذ جاءهم بأسنا يعني عذابنا إلا أن قالوا إنا ~~كنا ظالمين يعني أنهم لم يقدروا على رد العذاب عنهم وكان حاصل أمرهم ~~الاعتراف بالجناية وذلك حين لا ينفع الاعتراف فلنسئلن الذين أرسل إليهم ~~يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا ms1267 إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به ~~الرسل ولنسئلن المرسلين يعني ولنسألن الرسل الذين أرسلناهم إلى الأمم هل ~~بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ذلك. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: يسأل الله تعالى الناس عما ~~أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا وعنه أنه قال يوضع الكتاب يوم ~~القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. وقال السدي: يسأل الأمم ماذا عملوا فيما ~~جاءت به الرسل ويسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به. # فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم بالظلم ~~في قوله إنا كنا ظالمين فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على أنفسهم بذلك؟ # قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا ~~الظلم والتقصير والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار. # PageV02P181 # فإن قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم ~~إلى من أرسلنا إليهم من الأمم؟ # قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ الرسالة من الرسل فقالوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فكان مسألة الرسل على وجه الاستشهاد بهم على من ~~أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليه من ~~الأمم فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ للكفار أيضا لأنهم أنكروا تبليغ ~~الرسل فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 7 الى 9] # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ~~بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # وقوله تعالى: فلنقصن عليهم بعلم يعني: فلنخبرن الرسل ومن أرسلوا إليهم ~~بعلم ويقين بما عملوا في الدنيا وما كنا غائبين يعني عنهم وعن أفعالهم وعن ~~الرسل فيما بلغوا وعن الأمم فيما أجابوا. # فإن قلت كيف الجمع بين قوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن ~~المرسلين وبين قوله فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين وإذا كان عالما فما ~~فائدة هذا السؤال؟ # قلت: ms1268 فائدة سؤال الأمم والرسل مع علمه سبحانه وتعالى بجميع المعلومات، ~~التقريع، والتوبيخ للكفار لأنهم إذ أقروا على أنفسهم كان أبلغ في المقصود، ~~فأما سؤال الاسترشاد والاستثبات، فهو منفي عن الله عز وجل، لأنه عالم بجميع ~~الأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، فهو العالم بالكليات، ~~والجزئيات، وعلمه بظاهر الأشياء كعلمه بباطنها. # قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق يعني والوزن يوم سؤال الأمم والرسل وهو ~~يوم القيامة العدل، وقال مجاهد: المراد بالوزن هنا القضاء، ومعنى الحق ~~العدل. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالوزن وزن الأعمال بالميزان ~~وذلك أن الله عز وجل ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة ما بين المشرق ~~والمغرب، قال ابن الجوزي: جاء في الحديث «أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ~~ربه أن يريه الميزان فأراه إياه فقال إلهي من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات ~~فقال يا داود إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة» وقال حذيفة: جبريل صاحب ~~الميزان يوم القيامة فيقول له ربه عز وجل زن بينهم ورد من بعضهم على بعض ~~وليس ثم ذهب ولا فضة فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة فإن لم ~~يكن له حسنة أخذ من سيئات المظلوم فيرد على سيئات الظالم فيرجع الرجل وعليه ~~مثل الجبل. # فإن قلت: أليس الله عز وجل يعلم مقادير أعمال العباد فما الحكمة في ~~وزنها؟ # قلت: فيه حكم منها إظهار العدل، وأن الله عز وجل لا يظلم عباده، ومنها ~~امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ومنها ~~تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة ومنها إظهار علامة السعادة ~~والشقاوة ونظيره أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ثم في صحائف ~~الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه سبحانه وتعالى، ثم ~~اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال المكتوبة ~~فيها الحسنات والسيئات ويدل على ذلك حديث البطاقة وهو ما روي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى ms1269 الله عليه وسلم قال «إن الله عز وجل ~~سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين ~~سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي ~~الحافظون فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر فيقول لا يا رب فيقول الله تبارك ~~وتعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم # PageV02P182 # عليك اليوم فيخرج الله له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه ~~السجلات فيقال فإنه لا ظلم عليك اليوم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في ~~كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء» أخرجه الترمذي ~~وأحمد بن حنبل. وقال ابن عباس: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة ~~وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فعلى قول ابن عباس: أن ~~الأعمال تتصور صورا وتوضع تلك الصور في الميزان ويخلق الله في تلك الصور ~~ثقلا وخفة. # ونقل البغوي عن بعضهم أنها توزن الأشخاص واستدل لذلك بما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنه ليأتي الرجل ~~العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة» أخرجاه في ~~الصحيحين وهذا الحديث ليس فيه دليل على ما ذكر من وزن الأشخاص في الميزان ~~لأن المراد بقوله لا يزن عند الله جناح بعوضة مقداره وحرمته لا وزن جسده ~~ولحمه والصحيح قول من قال إن صحائف الأعمال توزن أو نفس الأعمال تتجسد ~~وتوزن والله أعلم بحقيقة ذلك. # وقوله تعالى: فمن ثقلت موازينه جمع ميزان، وأورد على هذا أنه ميزان واحد ~~فما وجه الجمع وأجيب عنه بأن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد، وقيل: ~~إنه ينصب لكل عبد ميزان، وقيل: إنما جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين ~~والشاهدين واللسان ولا يتم الوزن إلا باجتماع ذلك كله وقيل هو جمع موزون ~~يعني من رجحت أعماله بالحسنة الموزونة ms1270 التي لها وزن وقدر فأولئك هم ~~المفلحون يعني: هم الناجون غدا والفائزون بثواب الله وجزائه ومن خفت ~~موازينه يعني موازين أعماله وهم الكفار بدليل قوله تعالى: فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم يعني غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون يعني سبب ذلك الخسران أنهم كانوا بحجج الله وأدلة ~~توحيده يجحدون ولا يقرون بها. روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ~~أنه حين حضره الموت قال في وصيته لعمر بن الخطاب: إنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان يوضع ~~فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة ~~باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن ~~يكون خفيفا. قوله عز وجل: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 10 الى 12] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين (12) # ولقد مكناكم في الأرض يعني ولقد مكناكم أيها الناس في الأرض، والمراد من ~~التمكين التمليك وقيل: معناه جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا أو قدرناكم على ~~التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش جمع معيشة يعني به جمع وجوه المنافع ~~التي تحصل بها الأرزاق وتعيشون بها أيام حياتكم وهي على قسمين: # أحدهما: ما أنعم الله تعالى به على عباده من الزرع والثمار وأنواع المآكل ~~والمشارب. # والثاني: ما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع وكلا ~~مقسمين في الحقيقة إنما يحصل بفضل الله وإنعامه وإقداره وتمكينه لعباده من ~~ذلك فثبت بذلك أن جميع معايش العالم إنعام من الله تعالى على عباده وكثرة ~~الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بين تعالى أنه مع هذا ~~الإفضال على عباده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكره كما ينبغي فقال ms1271 تعالى: ~~قليلا ما تشكرون يعني: على ما صنعت إليكم وأنعمت به عليكم، وفيه دليل على ~~أنهم قد يشكرون لأن الإنسان قد يذكر نعم الله فيشكره عليها فلا يخلو في # PageV02P183 # بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر، تصور النعمة وإظهارها ~~ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. # قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم يعني: ولقد خلقناكم أيها الناس ~~المخاطبون بهذا الخطاب وقت نزوله في ظهر أبيكم آدم ثم صورناكم في أرحام ~~النساء صورا مخلوقة. # فإن قلت على هذا التفسير يكون قوله «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» يقتضي ~~الأمر بالسجود كان وقع بعد خلق المخاطبين بهذا الخطاب وتصويرهم لأن كلمة ثم ~~للتراخي ومعلوم أن الأمر ليس كذلك بل كان السجود لآدم عليه الصلاة والسلام ~~قبل خلق ذريته؟ # قلت: يحتمل أن يكون المعنى ولقد خلقناكم ثم صورناكم أيها المخاطبون ثم ~~أخبرناكم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فتكون كلمة ثم تفيد ترتيب خبر على ~~خبر ولا تفيد ترتيب المخبر به على الخبر. وقيل في معنى الآية: ولقد خلقناكم ~~يعني آدم، ثم صورناكم يعني ذريته، وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد ولقد ~~خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم يعني في ظهره وعلى هذين القولين إنما ذكر آدم ~~بلفظ الجمع على التعظيم أو لأنه أبو البشر فكان في خلقه خلق من خرج من صلبه ~~وقيل: إن الخلق والتصوير يرجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام وحده. # والمعنى: ولقد خلقناكم يعني آدم حكمنا بخلقه ثم صورناكم يعني آدم صورة من ~~طين ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم يعني بعد إكمال خلقه وقد تقدم في سورة ~~البقرة الكلام في معنى هذا السجود وأنه كان على سبيل التحية والتعظيم لآدم ~~لا حقيقة السجود، وقيل: بل كان حقيقة السجود وأن المسجود له هو الله تعالى ~~وإنما كان آدم كالقبلة للساجدين، وقيل: بل كان المسجود له وكان ذلك بأمر ~~الله تعالى وهل كان هذا الأمر بالسجود لجميع الملائكة أو لبعضهم فيه خلاف ~~تقدم ذكره في سورة البقرة. # وقوله تعالى: فسجدوا يعني الملائكة إلا إبليس ms1272 يعني: فسجد الملائكة لآدم ~~إلا إبليس لم يكن من الساجدين يعني له وظاهر الآية يدل على أن إبليس كان من ~~الملائكة لأن الله تعالى استثناه منهم وكان الحسن يقول: إن إبليس لم يكن من ~~الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور وإنما استثناه من الملائكة لأنه ~~كان مأمورا بالسجود لآدم مع الملائكة فلما لم يسجد أخبر الله تعالى عنه أنه ~~لم يكن من الساجدين لآدم فلهذا استثناه منهم. # قوله تعالى: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك يعني: قال الله عز وجل لإبليس ~~أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك به فعلى هذا التأويل تكون كلمة لا في ~~قوله أن لا تسجد صلة زائدة وإنما دخلت للتوكيد والتقدير ما منعك أن تسجد ~~فهو كقوله: فلا أقسم وقوله وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون أي ~~يرجعون وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب أي يعلم أهل الكتاب وهذا قول الكسائي ~~والفراء والزجاج والأكثرين. # وقيل: إن كلمة لا هنا على أصلها مفيدة وليست بزائدة لأنه لا يجوز أن يقال ~~إن كلمة من كتاب الله زائدة أو لا معنى لها، وعلى هذا القول حكى الواحدي عن ~~أحمد بن يحيى: أن لا في هذه الآية ليست زائدة ولا توكيدا لأن معنى قوله «ما ~~منعك أن لا تسجد» من قال لك لا تسجد فحمل نظم الكلام على معناه وهذا القول ~~حكاه أبو بكر عن الفراء. وقال الطبري والصواب في ذلك أن يقال إن في الكلام ~~محذوفا تقديره ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد فترك ذكر ذلك أحوجك ~~استغناء عنه بمعرفة السامعين به ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن القاضي ~~قال: ذكر الله تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه قال ما دعاك إلى أن لا تسجد ~~لأن مخالفة الله تعالى عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها. # PageV02P184 # فإن قلت: لم سأله عن المانع له من السجود وهو أعلم به؟ # قلت: إنما سأله للتوبيخ والتقريع له ولإظهار معاندته وكفره وافتخاره ~~بأصله وحسده لآدم عليه الصلاة ms1273 والسلام ولذلك لم يتب الله عليه قال يعني قال ~~إبليس مجيبا لله تعالى عما سأله عنه أنا خير منه. # فإن قلت قوله أنا خير منه ليس بجواب عما سأله عنه في قوله تعالى: ما منعك ~~ألا تسجد فلم يجب بما منعه من السجود فإنه كان ينبغي له أن يقول منعني كذا ~~وكذا ولكنه قال أنا خير منه. # قلت: استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم وفيها دليل على موضع ~~الجواب وهو قوله خلقتني من نار وخلقته من طين والنار خير من الطين وأنور ~~وإنما قال أنا خير منه لما رأى أنه أشد منه قوة وأفضل منه أصلا وذلك لفضل ~~الجنس الذي خلق منه وهو النار على الطين الذي خلق منه آدم عليه الصلاة ~~والسلام فجهل عدو الله وجه الحق وأخطأ طريق الصواب لأن من المعلوم أن من ~~جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب، وهذا الذي حمل الخبيث إبليس ~~مع الشقاء الذي سبق له من الله تعالى في الكتاب السابق على الاستكبار على ~~السجود لآدم عليه الصلاة والسلام والاستخفاف بأمر ربه فأورده ذلك العطب ~~والهلاك ومن المعلوم أن في جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم ~~والحياة والتثبت وهذا كان الداعي لآدم عليه الصلاة والسلام مع السعادة ~~السابقة التي سبقت له من الله تعالى في الكتاب السابق إلى التوبة من خطيئته ~~ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة، ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: أول ~~من قاس إبليس فأخطأ وقال ابن سيرين أيضا: # ما عبدت الشمس والقمر لا بالمقاييس وأصل هذا القياس الذي قاسه إبليس لعنه ~~الله تعالى لما رأى أن النار أفضل من الطين وأقوى فقال أنا خير منه خلقتني ~~من نار وخلقته من طين ولم يدر أن الفضل لمن جعله الله فاضلا وأن الأفضلية ~~والخيرية لا تحصل بسبب فضيلة الأصل والجوهر وأيضا الفضيلة إنما تحصل بسبب ~~الطاعة وقبول الأمر، فالمؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي فالله تعالى خص ~~صفيه آدم عليه الصلاة والسلام بأشياء لم يخص بها غيره وهو أنه ms1274 خلقه بيده ~~ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأورثه الاجتباء ~~والتوبة والهداية إلى غير ذلك مما خص الله تعالى به آدم عليه الصلاة ~~والسلام للعناية التي سبقت له في القدم وأورث إبليس كبره اللعنة والطرد ~~للشقاوة التي سبقت له في القدم. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 13 الى 17] # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) ~~قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) # وقوله تعالى: قال فاهبط منها يعني قال الله تعالى لإبليس لعنه الله اهبط ~~من الجنة. وقيل: من السماء إلى الأرض. والهبوط الإنزال والانحدار من فوق ~~على سيل القهر والهوان والاستخفاف فما يكون لك أن تتكبر فيها يعني فليس لك ~~أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة أو في ~~السماء متكبر مخالف لأمر الله عز وجل فأما غير الجنة والسماء فقد يسكنها ~~المستكبر عن طاعة الله تعالى وهم الكفار الساكنون في الأرض فاخرج إنك من ~~الصاغرين يعني: إنك من الأذلاء المهانين والصغار الذل والمهانة. قال ~~الزجاج: استكبر عدو الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة. وقيل: ~~كان له ملك الأرض فأخرجه الله تعالى منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه ~~عليه فلا يدخل الأرض إلا خائفا كهيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار رثة يروع ~~فيها حتى يخرج منها قال يعني: قال إبليس عند ذلك أنظرني يعني أخرني وأمهلني ~~فلا تمتني إلى يوم يبعثون يعني من قبورهم وهي النفخة الآخرة عند قيام ~~الساعة وهذا من جهالة الخبيث إبليس لعنه الله لأنه # PageV02P185 # سأل ربه الإمهال وقد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله تعالى إلى البقاء ~~في الدنيا ولكنه كره أن يكون ذائقا للموت فطلب البقاء والخلود فلم يجب إلى ~~ما سأل به قال الله تعالى إنك من المنظرين يعني ms1275 من المؤخرين الممهلين وقد ~~بين الله تعالى مدة النظرة والمهلة في سورة الحجر فقال تعالى: فإنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم وذلك هو النفخة الأولى حين يموت الخلق ~~كلهم. # فإن قلت: فما وجه قولك إنك من المنظرين وليس أحد ينظر سواه؟ # قلت: معناه إن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم فهو ~~منهم قال يعني إبليس فبما أغويتني يعني فبأي شيء أضللتني فعلى هذا تكون ما ~~استفهامية وتم الكلام عند قوله أغويتني ثم ابتدأ فقال لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم وقيل: هي باء القسم تقديره فبإغوائك إياي وقيل معناه فيما أوقعت ~~في قلبي الغي الذي كان سبب هبوطي إلى الأرض من السماء وأضللتني عن الهدى ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم يعني لأجلسن على طريقك القويم وهو طريق الإسلام. ~~وقيل المراد بالصراط المستقيم الطريق الذي يسلكونه إلى الجنة وذلك بأن ~~أوسوس إليهم وأزين لهم الباطل وما يكسبهم المآثم. وقيل: المراد بالصراط ~~المستقيم هنا طريق مكة يعني يمنعهم من الهجرة. وقيل: المراد به الحج. ~~والقول الأول أولى لأنه يعم الجميع ومعنى لأردن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ~~ولأغوينهم ولأضلنهم كما أضللتني. عن سبرة بن أبي الفاكه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة قعد له في ~~طريق الإسلام فقال تسلم وتذر دين آبائك وآباء آبائك فعصاه وأسلم، وقعد له ~~بطريق الهجرة فقال تهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في ~~الطول فعصاه فهاجر وقعد له بطريق الجهاد فقال تجاهد فهو جهد النفس والمال ~~فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد قال فمن فعل ذلك كان ~~حقا على الله أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو ~~وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة» أخرجه النسائي، وقوله تعالى ~~إخبارا عن إبليس ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم قال ابن عباس: من بين أيديهم يعني من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ms1276 ومن ~~خلفهم يعني من قبل الدنيا فأرغبهم فيها، وعن أيمانهم يشبه عليهم أمر دينهم، ~~وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي. وإنما جعل الآخرة من بين أيديهم في هذا ~~القول لأنهم منقلبون إليها وصائرون إليها فعلى هذا الاعتبار فالدنيا خلفهم ~~لأنها وراء ظهورهم. وقال ابن عباس في رواية عنه: من بين أيديهم من قبل ~~دنياهم يعني أزينها في قلوبهم، ومن خلفهم من قبل الآخرة، فأقول لا بعث ولا ~~نشور ولا جنة ولا نار، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم من قبل ~~سيئاتهم وإنما جعل الدنيا من بين أيديهم في هذا القول لأن الإنسان يسعى ~~فيها ويشاهدها فهي حاضرة بين يديه والآخرة غائبة عنه فهي خلفه. وقال الحكم ~~بن عتبة: من بين أيديهم يعني من قبل الدنيا فأزينها لهم ومن خلفهم من قبل ~~الآخرة فأثبطهم عنها وعن أيمانهم يعني من قبل الحق فأصدهم عنه وعن شمائلهم ~~من قبل الباطل فأزينه لهم وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا ~~بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن ~~إيمانهم من قبل حسناتهم فبطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ~~ودعاهم إليها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك فلم ~~يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى. وقال مجاهد: يأتيهم من بين ~~أيديهم وعن أيمانهم حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. ~~ومعنى هذا من حيث يخطئون ويعلمون أنهم يخطئون ومن حيث لا يبصرون أنهم ~~يخطئون ولا يعلمون أنهم يخطئون، وقيل: من بين أيديهم يعني فيما بقي من ~~أعمارهم فلا يقدمون فيه طاعة ومن خلفهم يعني ما مضى من أعمارهم فلا يتوبون ~~عما أسلفوا فيه من معصية عن أيمانهم يعني من قبل الغنى فلا ينفقون ولا ~~يشركون ومن خلفهم يعني من قبل الفقر فلا يمتنعون فيه من محظور نالوه. وقال ~~شقيق البلخي: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يدي ~~ومن خلفي ms1277 وعن يميني وعن شمالي # PageV02P186 # أما بين يدي فيقول: لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر ~~فأقرأ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وأما من قبل يميني فيأتيني ~~من الثناء فأقرأ والعاقبة للمتقين، وأما من # قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وحيل بينهم وبين ما يشتهون. وقيل ~~إن ذكر هذه الجهات الأربع إنما أريد بها التأكيد والمبالغة في إلقاء ~~الوسوسة في قلب ابن آدم وأنه لا يقصر في ذلك، ومعنى الآية على هذا القول: ~~ثم لآتينهم من جميع الوجوه الممكنة لجميع الاعتبارات وقوله ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين يعني ولا تجد يا رب أكثرهم بني آدم شاكرين على نعمك التي أنعمت بها ~~عليهم. وقال ابن عباس: معناه ولا تجد أكثرهم موحدين. # فإن قلت: كيف علم الخبيث إبليس ذلك حتى قال ولا تجد أكثرهم شاكرين؟ # قلت: قاله ظنا فأصاب منه قوله تعالى، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وقيل إنه ~~كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين القبائح وعلم ميل بني آدم ~~إلى ذلك فقال هذه المقالة وقيل إنه رآه مكتوبا في اللوح المحفوظ فقال هذه ~~المقالة على سبيل اليقين والقطع والله أعلم بمراده. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 18 الى 20] # قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ~~ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين (20) # قوله عز وجل: قال اخرج منها أي: قال الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه ~~وأبعده عن جنابه وذلك بسبب مخالفته وعصيانه اخرج منها يعني من الجنة فإنه ~~لا ينبغي أن يسكن فيها العصاة مذؤما يعني معيبا والذأم أشد العيب مدحورا ~~يعني مطرودا مبعدا. وقال ابن عباس: ms1278 صغيرا ممقوتا. وقال قتادة: لعينا مقيتا ~~وقال الكلبي: ملوما مقصيا من الجنة ومن كل خير لمن تبعك منهم يعني من بني ~~آدم وأطاعه منهم. # قوله تعالى: ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة أي وقلنا يا آدم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة فكلا من ~~حيث شئتما يعني فكلا من ثمار الجنة من أي مكان شئتما. # فإن قلت: قال في سورة البقرة وكلا بالواو وقال هنا فكلا بالفاء فما ~~الفرق؟ # قلت: قال الإمام فخر الدين الرازي إن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء ~~تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من ~~الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر ~~النوع ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين تقدم في سورة البقرة الكلام ~~على تفسير هذه الآية مستوفى. # قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان يعني فوسوس إليهما والوسوسة حديث يلقيه ~~الشيطان في قلب الإنسان، يقال: وسوس إذا تكلم كلاما خفيفا مكررا وأصله من ~~صوت الحلي ومعنى وسوس لهما فعل الوسوسة وألقاها إليهما. # فإن قلت: كيف وسوس إليهما وآدم وحواء في الجنة وإبليس قد أخرج منها؟ # قلت: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في الجواب عن هذا السؤال عن الحسن أنه ~~قال: كان يوسوس في # PageV02P187 # الأرض إلى السماء إلى الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. ~~قوله وقال أبو مسلم الأصبهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة ~~كانت بعض جنات الأرض والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ~~فدخلت به الحية إلى الجنة فقصة مشهورة ركيكة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ~~ربما قربا من باب الجنة وكان إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها فقرب ~~أحدهما من الآخر فحصلت الوسوسة هناك. # فإن قلت: إن آدم عليه الصلاة والسلام قد عرف ما بينه وبين إبليس من ~~العداوة فكيف قبل قوله؟ # قلت: يحتمل أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغبه ms1279 في أكل هذه ~~الشجرة بطرق كثيرة منها رجاء نيل الخلد ومنها قوله وقاسمهما «إني لكما لمن ~~الناصحين» فلأجل هذه المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلام إبليس في ~~آدم حتى أكل من الشجرة ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما يعني ليظهر لهم ~~ما غطى وستر عوراتهما وقوله ما ووري مأخوذ من المواراة وهي الستر يقال ~~واريته بمعنى سترته والسوأة فرج الرجل والمرأة سمي بذلك لأن ظهوره يسوء ~~الإنسان وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات المحرمات واللام في ~~قوله ليبدي لهما لام العاقبة وذلك لأن إبليس لم يقصد بالوسوسة ظهور ~~عوراتهما وإنما كان حملهما على المعصية فقط فكان عاقبة أمرهما أن بدت ~~عوراتهما وقال يعني وقال إبليس لآدم وحواء ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~يعني عن الأكل من هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين يعني ~~إنما نهاكما عن هذه الشجرة لكي لا تكونا ملكين من الملائكة تعلمان الخير ~~والشر أو تكونا من الباقين الذين لا يموتون وإنما أطمع إبليس آدم بهذه ~~الآية لأنه علم أن الملائكة لهم المنزلة والقرب من العرش فاستشرف لذلك آدم ~~وأحب أن يعيش مع الملائكة لطول أعمارهم أو يكون من الخالدين الذين لا ~~يموتون أبدا. # فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن الملك أفضل من الأنبياء لأن آدم عليه ~~الصلاة والسلام طلب أن يكون من الملائكة وهذا يدل على فضلهم عليه. # قلت: ليس في ظاهر الآية ما يدل على ذلك لأن آدم عليه الصلاة والسلام لما ~~طلب أن يكون من الملائكة كان ذلك الطلب قبل أن يتشرف بالنبوة وكانت هذه ~~الواقعة قبل نبوة آدم عليه الصلاة والسلام فطلب أن يكون من الملائكة أو من ~~الخالدين وعلى تقديره أن تكون هذه الواقعة في زمان النبوة بعد أن شرف بها ~~آدم إنما طلب أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم لا لأنهم أفضل منه حتى ~~يلتحق بهم في الفضل لأنه طلب إما أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم أو من ~~الخالدين ms1280 الذين لا يموتون أبدا وقوله تعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 21 الى 22] # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) # وقاسمهما أي وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد إني ~~لكما لمن الناصحين قال قتادة: حلف لهما بالله تعالى حتى خدعهما وقد يخدع ~~المؤمن بالله فقال إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما وقال ~~بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له فدلاهما بغرور يعني فخدعهما بغرور ~~يقال ما زال فلان يدلي فلانا بغرور يعني ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من ~~القول الباطل. قال الأزهري وأصله أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ ~~الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه ~~والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش وهو أن إبليس حطهما من منزلة الطاعة إلى ~~حالة المعصية لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى أسفل. ومعنى الآية أن ~~إبليس لعنه الله تعالى غر آدم باليمين الكاذبة وكان آدم عليه الصلاة ~~والسلام # PageV02P188 # يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا وإبليس أول من حلف بالله كاذبا فلما حلف ~~إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به فلما ذاقا الشجرة يعني: طعما من ثمرة ~~الشجرة وفيها دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصد إلى معرفة طعمه لأن ~~الذوق يدل على الأكل اليسير بدت لهما سوآتهما يعني: ظهرت لهما عوراتهما قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة والعقوبة أن ظهرت ~~وبدت لهما سوآتهما وتهافت عنهما لبسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه ~~من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك. وقال وهب: كان لباسهما من النور لا يرى ~~هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما وقال ~~قتادة: كان لباس آدم في الجنة ظفرا كله فلما وقع في الذنب قشط عنه ms1281 وبدت ~~سوأته وطفقا يعني وأقبلا وجعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة يعني أنهما لما ~~بدت لهما سوآتهما جعلا يرقعان ويلزقان عليهما من ورق الجنة وهو ورق التين ~~حتى صار كهيئة الثوب. وقال الزجاج: جعلا ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما وفي ~~الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم قبيح ألا ترى أنهما بادرا إلى ستر ~~العورة لما تقرر في عقلهما من قبيح كشفها. # روى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كان آدم صلى الله ~~عليه وسلم رجلا طويلا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة ~~بدت له سوأته وكان لا يراها في الجنة فانطلق فارا فعرضت له شجرة من شجر ~~الجنة فحبسته بشعره فقال لها أرسليني قالت لست بمرسلتك فناداه ربه يا آدم ~~أمني تفر قال لا يا رب ولكني استحييتك» ذكره البغوي بغير سند وأسنده الطبري ~~من طريقين موقوفا ومرفوعا. # قوله تعالى: وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة يعني أن الله ~~تعالى نادى آدم وحواء وخاطبهما فقال: ألم أنهكما عن أكل ثمرة هذه الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين # يعني أعلمكما أن الشيطان قد بانت عداوته لكما بترك السجود حسدا وبغيا. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من ~~الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال فإني أعقبتها أن لا تحمل ~~إلا كرها ولا تضع إلا كرها قال فرنت حواء عند ذلك رنة فقيل لها الرنة عليك ~~وعلى بناتك وقال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك قال ~~أطعمتني حواء فقال لحواء لم أطعمتيه قالت أمرتني الحية فقال للحية لم ~~أمرتها قالت أمرني إبليس قال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت ~~الشجرة تدمين كل شهر وأما أنت يا حية فأنطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ ~~رأسك من لقيك وأما أنت يا إبليس فملعون مطرود مدحور يعني عن الرحمة. # وقيل ناداه ربه ms1282 يا آدم أما خلقتك بيدي أما نفخت فيك من روحي أما أسجدت لك ~~ملائكتي أما أسكنتك جنتي في جواري. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 23 الى 26] # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) ~~قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم ~~يذكرون (26) # قوله عز وجل: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وهذا خبر من الله عز وجل عن آدم ~~عليه الصلاة والسلام وحواء عليها السلام واعترافهما على أنفسهما بالذنب ~~والندم على ذلك والمعنى: قالا يا ربنا إنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها ~~بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ما لم يكن لنا أن نطيعه فيه من أكل الشجرة ~~التي نهيتنا عن أكلها وإن لم تغفر لنا يعني وأنت يا ربنا إن لم تستر علينا ~~ذنبنا وترحمنا يعني وتتفضل علينا برحمتك لنكونن من الخاسرين يعني من ~~الهالكين. # قال قتادة: قال آدم يا رب أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك، قال: إذا أدخلك ~~الجنة. # PageV02P189 # وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله أن ينظره فأعطى كل واحد مهما ما سأل ~~وقال الضحاك في قوله ربنا ظلمنا أنفسنا قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم ~~عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل. # ((فصل)) وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بهذه الآية وأجيب عنه بأن درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الرفعة ~~والعلو والمعرفة بالله عز وجل مما حملهم على الخوف منه والإشفاق من ~~المؤاخذة بما لم يؤاخذ به غيرهم وأنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على ~~سبيل التأويل والسهو فهم بسبب ذلك خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو ~~منصبهم وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص ~~كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم، مع طهارتهم ونزاهتهم وعمارة بواطنهم بالوحي ~~السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية ms1283 لله عز وجل، ~~ذنوبا وهي حسنات بالنسبة إلى غيرهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ~~يعني أنهم يرونها بالنسبة إلى أحوالهم كالسيئات وهي حسنات لغيرهم. وقد تقدم ~~في سورة البقرة أن أكل آدم من الشجرة هل كان قبل النبوة أو بعدها؟ والخلاف ~~فيه فأغنى عن الإعادة والله أعلم. # قوله تعالى: قال اهبطوا قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: إن الذي ~~تقدم ذكره هو آدم وحواء وإبليس فقوله اهبطوا يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة. ~~وقال الطبري: قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس والحية اهبطوا يعني من ~~السماء إلى الأرض قال السدي رحمه الله: قوله تعالى: اهبطوا يعني إلى الأرض ~~آدم وحواء وإبليس والحية بعضكم لبعض عدو يعني أن العداوة ثابتة بين آدم ~~وإبليس والحية وذرية كل واحد من آدم وإبليس ولكم في الأرض مستقر يعني موضع ~~قرار تستقرون فيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ولكم ~~في الأرض مستقر يعني القبور ومتاع إلى حين يعني ولكم فيها متاع تستمتعون به ~~إلى انقطاع الدنيا أو إلى انقضاء آجالكم ومعنى الآية أن الله عز وجل أخبر ~~آدم وحواء وإبليس والحية أنه إذا أهبطهم إلى الأرض فإن بعضهم لبعض عدو وأن ~~لهم في الأرض موضع قرار يستقرون فيه إلى انقضاء آجالهم ثم يستقرون في ~~قبورهم إلى انقطاع الدنيا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله ~~تعالى: ومتاع إلى حين يعني إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا قال فيها ~~تحيون يعني: قال الله عز وجل لآدم وذريته وإبليس وأولاده فيها تحيون يعني ~~في الأرض تعيشون أيام حياتكم وفيها تموتون يعني: وفي الأرض تكون وفاتكم ~~وموضع قبوركم ومنها تخرجون يعني: ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم للحساب يوم ~~القيامة. # قوله عز وجل: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم اعلم أن ~~الله عز وجل لما أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعلها مستقرا لهم أنزل ~~عليهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح الدين والدنيا فكان مما أنزل عليهم ms1284 ~~اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا فأما منفعته في الدين فإنه يستر ~~العورة وسترها شرط في صحة الصلاة وأما منفعته في الدنيا فإنه يمنع الحر ~~والبرد فامتن الله على عباده بأن أنزل عليهم لباسا يواري سوءاتهم فقال ~~تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم يعني لباسا تسترون ~~به عوراتكم. # فإن قلت ما معنى قوله قد أنزلنا عليكم لباسا. # قلت ذكر العلماء فيه وجوها أحدها: أنه بمعنى خلق أي خلقنا لكم لباسا أو ~~بمعنى رزقناكم لباسا. # الوجه الثاني: أن الله تعالى أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس ~~فكأنه أنزله عليهم. # الوجه الثالث: أن جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال كما قال ~~تعالى: وأنزلنا الحديد وريشا الريش للطائر معروف وهو لباسه وزينته كالثياب ~~للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى # PageV02P190 # وأنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوءاتكم ولباسا لزينتكم لأن التزيين ~~غرض صحيح كما قال تعالى لتركبوها وزينة وقال ولكم فيها جمال وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله جميل يحب الجمال» واختلفوا في معنى الريش ~~المذكور في الآية فقال ابن عباس رضي الله عنهما وريشا يعني مالا، وهو قول ~~مجاهد والضحاك والسدي لأن المال مما يتزين به، ويقال: تريش الرجل إذا تمول. ~~وقال ابن زيد: الريش الجمال وهو يرجع إلى الزينة أيضا، وقيل: إن الرياش في ~~كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس أو يفرش والريش أيضا ~~المتاع والأموال عندهم وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال ~~يقال إنه لحسن الريش أو لحسن الثياب وقيل الريش والرياش يستعمل أيضا في ~~الخصب ورفاهية العيش ولباس التقوى اختلف العلماء في معناه فمنهم من حمله ~~على نفس الملبوس وحقيقته، ومنهم من حمله على المجاز أما من حمله على نفس ~~الملبوس فاختلفوا أيضا في معناه، فقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس ~~الأول وإنما أعاده إخبارا أن ستر العورة من التقوى وذلك خير. # وقيل: إنما أعاده لأجل أن يخبر عنه بأنه خير ms1285 لأن العرب في الجاهلية كانوا ~~يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فأخبر أن ستر العورة في ~~الطواف هو لباس التقوى وذلك خير. وقال زيد بن علي رحمه الله تعالى: لباس ~~التقوى آلات الحرب التي يتقى بها في الحروب كالدروع والمغفر ونحو ذلك. وقيل ~~لباس التقوى هو الصوف والخشن من الثياب التي يلبسها أهل الزهد والورع. ~~وقيل: هو ستر العورة في الصلاة وأما من حمل لباس التقوى على المجاز ~~فاختلفوا في معناه. فقال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان لأن صاحبه ~~يتقي به من النار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لباس التقوى هو العمل ~~الصالح، وقال الحسن رضي الله عنه: هو الحياء لأنه يحث على التقوى. وقال ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه: لباس التقوى هو السمت الحسن، وقال عروة بن ~~الزبير رضي الله عنه: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: هو العفاف فعلى ~~هذه الأقوال: إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق الله له من ~~لباس التجمل وزينة الدنيا وهو قوله تعالى: ذلك خير يعني لباس التقوى خير من ~~لباس الجمال والزينة وأنشدوا في المعنى: # إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص # وقوله تعالى: ذلك من آيات الله يعني أنزل اللباس عليكم يا بني آدم من ~~آيات الله الدالة على معرفته وتوحيده لعلهم يذكرون يعني لعلهم يذكرون نعمته ~~عليهم فيشكرونها. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 27 الى 28] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون (28) # قوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ~~قيل: هذا خطاب للذين كانوا يطوفون بالبيت عراة والمعنى: لا يخدعنكم بغروره ~~ولا يضلنكم فيزين لكم كشف عوراتكم ms1286 في الطواف وإنما ذكر قصة آدم هنا وشدة ~~عداوة إبليس له ليحذر بذلك أولاد آدم فقال تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة يعني آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام ~~والمعنى أن من قدر على إخراج أبويكم من الجنة بوسوسته وشدة عداوته فبأن ~~يقدر على فتنتكم بطريق الأولى فحذر الله عز وجل بني آدم وأمرهم بالاحتراز ~~عن وسوسة الشيطان وغروره وتزيينه القبائح وتحسينه الأفعال الرديئة في قلوب ~~بني آدم فهذه فتنته التي نهى الله تعالى عباده عنها وحذرهم منها. # PageV02P191 # قوله تعالى: ينزع عنهما لباسهما إنما أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم ~~يباشر ذلك لأن نزع لباسهما كان بسبب وسوسة الشيطان وغروره فأسند إليه ~~واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ~~ومنافع، وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: كان لباس آدم وحواء نورا، وقال ~~مجاهد: كان لباسهما التقى. # وفي رواية عنه التقوى وقيل إن لباسهما من ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن ~~إطلاق اللباس ينصرف إليه ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس ليريهما سوآتهما ~~يعني: ليرى آدم عورة حواء وترى حواء عورة آدم وكان قبل ذلك لا يرى بعضهم ~~سوءة بعض إنه يراكم هو وقبيله يعني أن إبليس يراكم يا بني آدم هو وقبيله ~~إنما أعاد الكناية في قوله هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة ~~المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضا، وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل ~~ومعنى يراكم هو وقبيله أي من هو من نسله، وحكى أبو عبيد عن أبي يزيد ~~القبيل: ثلاثة فصاعدا من قوم شتى والجمع قبل والقبيلة بنو أب واحد. وقال ~~الطبري: قبيله يعني صنفه وجيله الذي هو منهم وهو واحد يجمع على قبل وهم ~~الجن. وقال مجاهد: الجن والشياطين وقال ابن يزيد: قبيله نسله. وقال ابن ~~عباس رضي عنهما: هو ولده وقوله من حيث لا ترونهم يعني أنتم ms1287 يا بني آدم، قال ~~العلماء رحمهم الله: إن الله تعالى خلق في عيون الجن إدراكا يرون بذلك ~~الإدراك الإنس ولم يخلق في عيون الإنس هذا الإدراك فلم يروا الجن. وقالت ~~المعتزلة الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها والوجه ~~في رؤية الجن للإنس كثافة أجسام الإنس والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضا أن ~~الله تعالى قوى شعاع أبصار الجن وزاد فيها حتى يرى بعضهم بعضا ولو جعل في ~~أبصارنا هذه القوة لرأيناهم ولكن لم يجعلها. وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الشيطان يجري ~~من ابن آدم مجرى الدم وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله ~~تعالى» كما قال تعالى: «الذي يوسوس في صدور الناس» فهم يرون بني آدم وبنو ~~آدم لا يرونهم، وقال مجاهد: قال إبليس جعل لنا أربعة نرى ولا نرى ونخرج من ~~تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن عدوا ~~يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى إنا جعلنا الشياطين ~~أولياء يعني أعوانا وقرباء للذين لا يؤمنون قال الزجاج يعني سلطانهم عليهم ~~يزيدون في غيهم. # قوله عز وجل: وإذا فعلوا فاحشة قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: هي ~~طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء. وقال عطاء: هي الشرك والفاحشة اسم لكل ~~قبيح فيدخل فيه جميع المعاصي والكبائر فيمكن حملها على الإطلاق وإن كان ~~السبب مخصوصا بما ورد من طوافهم عراة ولما كانت هذه الأفعال التي كان أهل ~~الجاهلية يفعلونها ويعتقدون أنها طاعات وهي في نفسها فواحش ذمهم الله تعالى ~~عليها ونهاهم عنها فاحتجوا عن هذه الأفعال بما أخبر الله عنهم وهو قوله ~~تعالى: قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها فذكروا لأنفسهم عذرين ~~أحدهما محض التقليد وهو قولهم وجدنا على هذا الفعل آباءنا وهذا التقليد ~~باطل لأنه لا أصل له، والعذر الثاني قولهم والله أمرنا بها وهذا العذر أيضا ~~باطل ms1288 وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله قل إن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى ~~أن هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية يفعلونها هي في أنفسها قبيحة منكرة ~~فكيف يأمر الله تعالى بها والله لا يأمر بالفحشاء بل يأمر بما فيه مصالح ~~العباد ثم قال تعالى ردا عليهم أتقولون على الله ما لا تعلمون يعني انكم ~~سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين ~~هم وسائط بين الله تعالى وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه لأنكم ~~تنكرون نبوة الأنبياء فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون. # PageV02P192 # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 29 الى 30] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا ~~الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # قوله تعالى: قل أمر ربي بالقسط أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون على ~~الله ما لا يعلمون أمر ربي بالقسط يعني بالعدل، وهذا قول مجاهد والسدي. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلا إله إلا الله فالأمر بالقسط في هذه ~~الآية يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله وأنه واحد لا شريك ~~له وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد فإن قلت قل أمر ربي بالقسط خبر وقوله ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز فما معناه. # قلت: فيه إضمار وحذف تقديره قل أمر ربي بالقسط وقال «وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد» فحذف فقال لدلالة الكلام عليه ومعنى الآية قول مجاهد والسدي: ~~وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، وقال الضحاك: معناه إذا ~~حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي أو ~~في مسجد قومي. وقيل معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا وادعوه مخلصين له الدين ~~أي واعبدوه مخلصين العبادة والطاعة والدعاء لله عز وجل لا لغيره كما بدأكم ~~تعودون قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله عز وجل بدأ خلق ms1289 بني آدم مؤمنا ~~وكافرا كما قال تعالى: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم يعيدهم يوم ~~القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا وحجة هذا القول قوله في سياق الآية ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة فإنه كالتفسير له ويدل على صحة ذلك ما ~~روي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يبعث كل عبد على ما مات عليه» أخرجه مسلم زاد البغوي في روايته: المؤمن ~~على إيمانه والكافر على كفره. وقال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على ~~الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة كما أن ~~إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة. ومن ابتدأ خلقه على ~~السعادة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل الشقاوة كما أن السحرة كانوا يعملون ~~بعمل أهل الشقاوة ثم صاروا إلى السعادة ويصح هذا القول ما روي عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الرجل ليعمل ~~الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار وإن الرجل ~~ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» أخرجه ~~مسلم وقال الحسن ومجاهد في معنى الآية كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم ~~تكونوا شيئا فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة ويشهد لمصلحة ~~هذا القول ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بموعظة فقال «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة ~~عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين» أخرجه ~~البخاري ومسلم وقوله تعالى: فريقا هدى يعني هداهم إلى الإيمان به ومعرفته ~~ووفقهم لطاعته وعبادته وفريقا حق عليهم الضلالة يعني وخذل فريقا حتى وجبت ~~عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل بأنهم أشقياء وفيه دليل على ~~أن الهدى والضلالة من الله عز وجل، ولما روي ms1290 عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~روى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق خلقه ~~في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل» ~~أخرجه الترمذي. # وقوله تعالى: إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله يعني أن الفريق ~~الذي حق عليهم الضلالة اتخذوا الشياطين نصراء وأعوانا أطاعوهم فيما أمروهم ~~به من الكفر والمعاصي والمعنى أن الداعي الذي دعاهم إلى الكفر والمعاصي هو ~~أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله لأن الشياطين لا يقدرون على إضلال ~~أحد. # وقوله ويحسبون أنهم مهتدون يعني أنهم مع ضلالتهم يظنون ويحسبون أنهم على ~~هداية وحق وفيه دليل # PageV02P193 # على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر ~~سواء. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 31 الى 33] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (32) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون (33) # قوله عز وجل: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما قال «كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول من يعيرني ~~تطوافا تجعله على فرجها وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية خذوا زينتكم عند كل مسجد أخرجه مسلم وروى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال بالنهار ~~والنساء بالليل» وذكر الحديث زاد في رواية أخرى عنه فأمرهم الله تعالى أن ~~يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وقال مجاهد: كان حي من أهل اليمن كان أحدهم إذا ~~قدم حاجا أو معتمرا يقول ms1291 لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه فيقول من ~~يعيرني مئزرا فإن قدر عليه وإلا طاف عريانا فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد. وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا ~~الحمس وهم قريش وأحلافهم فمن جاء من غير الحمس وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي ~~ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ~~ثيابه ويطوف عريانا وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها أي ~~جعلها حراما عليه فلذلك قال الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد، والمراد ~~من الزينة لبس الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو ~~عباءة. وقال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد كطواف وصلاة وقوله ~~تعالى: خذوا زينتكم، أمر وظاهره الوجوب وفيه دليل على أن ستر العورة واجب ~~في الصلاة والطواف وفي كل حال. # وقوله تعالى: وكلوا واشربوا قال الكلبي كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام ~~حجهم إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون نحن أحق أن ~~نفعل ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل وكلوا واشربوا ~~يعني الدسم واللحم ولا تسرفوا يعني بتحريم ما لم يحرمه الله من أكل اللحم ~~والدسم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما ~~شئت ما أخطأ بك خصلتان سرف ومخيلة» وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع ~~الله الطب كله في نصف آية فقال: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وفي الآية دليل ~~على أن جميع المطعومات والمشروبات حلال إلا ما خصه الشرع دليل في التحريم ~~لأن الأصل في جميع الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشارع وثبت تحريمه بدليل ~~منفصل إنه لا يحب المسرفين يعني أن الله تعالى لا يحب من إسراف المأكول ~~والمشروب والملبوس وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن ~~محبة الله تعالى ms1292 عبارة عن رضاه عن العبد وأيضا. وإيصال الثواب إليه وإلا لم ~~يحبه علم أنه تعالى ليس هو راض عنه فدلت الآية على الوعيد الشديد في ~~الإسراف قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده يعني قل يا محمد ~~لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة من حرم عليكم زينة الله ~~التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها وتلبسوها في الطواف وغيره ثم في تفسير ~~الزينة قولان: # أحدهما: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد من الزينة هنا اللباس الذي ~~يستر العورة. # PageV02P194 # والقول الثاني: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أنه يتناول جميع أنواع ~~الزينة فيدخل تحته جميع أنواع الملبوس والحلي، ولولا أن النص ورد بتحريم ~~استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد ~~بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال دون النساء والطيبات من الرزق ~~يعني ومن حرم الطيبات من الرزق التي أخرجها الله لعباده وخلقها لهم ثم ~~ذكروا في معنى الطيبات في هذه الآية أقوالا: # أحدها أن المراد بالطيبات اللحم والدسم الذي كانوا يحرمونه على أنفسهم ~~أيام الحج يعظمون بذلك حجهم فرد الله تعالى بقوله: قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. # القول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة: أن المراد ~~بذلك ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله تعالى من الرزق ~~وغيرها وهو قول الله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا وهو هذا وأنزل الله قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق. # والقول الثالث: إن الآية على العموم فيدخل تحته كل ما يستلذ ويشتهى من ~~سائر المطعومات إلا ما نهى عنه وورد نص بتحريمه قل هي للذين آمنوا يعني قل ~~يا محمد إن الطيبات التي أخرج الله من رزقه للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~غير خالصة لهم لأنه يشركهم فيها المشركون ms1293 خالصة لهم يوم القيامة يعني لا ~~يشركهم فيها أحد لأنه لا حظ للمشركين يوم القيامة في الطيبات من الرزق، ~~وقيل: خالصة لهم يوم القيامة من التكدير والتنغيص والغم لأنه قد يقع لهم في ~~الحياة الدنيا في تناول الطيبات من الرزق كدر وتنغيص فأعلمهم أنها خالصة ~~لهم في الآخرة من ذلك كله كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون يعني كذلك نبين ~~الحلال مما أحللت والحرام مما حرمت لقوم علموا إني أنا الله وحدي لا شريك ~~لي فأحلوا حلالي وحرموا حرامي. # قوله عز وجل: قل إنما حرم ربي الفواحش جمع فاحشة وهي ما قبح وفحش من قول ~~أو فعل، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من الثياب ~~ويطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل الطيبات مما أحل الله لهم إن الله لم يحرم ~~ما تحرمونه أنتم بل أحله الله لعباده وطيبه لهم وإنما حرم ربي الفواحش من ~~الأفعال والأقوال ما ظهر منها وما بطن يعني علانيته وسره (ق). عن عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا أحد أغير ~~من الله» من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه ~~المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه. # أصل الغيرة ثوران القلب وهيجان الحفيظة بسبب المشاركة فيما يختص به ~~الإنسان ومنه غيرة أحد الزوجين على الآخر لاختصاص كل واحد منهما بصاحبه ولا ~~يرضى أن يشاركه أحد فيه فلذلك يذب عنه ويمنعه من غيره وأما الغيرة في وصف ~~الله تعالى فهو منعه من ذلك وتحريمه له ويدل على ذلك قوله: ومن غيرته حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقد يحتمل أن تكون غيرته تغيير حال فاعل ذلك ~~بعقاب والله أعلم. # وقوله تعالى: والإثم يعني وحرم الإثم واختلفوا في الفرق بين الفاحشة ~~والإثم فقيل الفواحش الكبائر لأنه قد تفاحش قبحها وتزايد والإثم عبارة عن ~~الصغائر من الذنوب فعلى هذا يكون معنى الآية: قل إنما حرم ربي الكبائر ~~والصغائر. وقيل الفاحشة اسم ms1294 لما يجب فيه الحد من الذنوب والإثم اسم لما لا ~~يجب فيه الحد، وهذا القول قريب من الأول واعترض على هذين القولين بأن الإثم ~~في أصل اللغة الذنب فيدخل فيه الكبائر والصغائر، وقيل: إن الفاحشة اسم ~~للكبيرة والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيرا أو صغيرا والفائدة فيه أن ~~يقال لما حرم الله الكبيرة بقوله: قل إنما حرم ربي الفواحش أردفه بتحريم ~~مطلق الذنب لئلا يتوهم متوهم أن التحريم مقصور على الكبائر فقط وقيل إن ~~الفاحشة وإن كانت بحسب اللغة اسما لكل ما تفاحش من قول أو فعل لكنه قد # PageV02P195 # صار في العرف مخصوصا بالزنا لأنه إذا أطلق لفظ الفاحشة لم يفهم منه إلا ~~ذاك نوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا وأما الإثم فقد قيل إنه اسم من أسماء ~~الخمر وهو قول الحسن وعطاء. قال الجوهري وقد تسمى الخمر إثما واستدل عليه ~~بقول الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول # وقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي أن تسمية الخمر بالإثم صحيح لأن شربها ~~إثم وبهذا المعنى يظهر الفرق بين اللفظين وأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية ~~الخمر بالإثم قال لأن العرب ما سمته إثما قط في جاهلية ولا في إسلام ولكن ~~قد يكون الخمر داخلا تحت الإثم لقوله: قل فيهما إثم كبير. # وقوله تعالى: والبغي أي وحرم البغي بغير الحق والبغي هو الظلم والكبر ~~والاستطالة على الناس ومجاوزة الحد في ذلك كله ومعنى البغي بغير الحق هو أن ~~يطلب ما ليس له بحق فإذا طلب ما له بحق خرج من أن يكون بغيا وأن تشركوا أي ~~وحرم أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا هذا فيه تهكم بالمشركين والكفار ~~لأنه لا يجوز أن ينزل حجة وبرهانا بأن يشرك به غيره لأن الإقرار بشيء ليس ~~على ثبوته حجة ولا برهانا ممتنع فلما امتنع حصول الحجة والبينة على صحة ~~القول بالشرك وجب أن يكون باطلا على الإطلاق فإن قلت البغي والإشراك داخلان ~~تحت الفاحشة والإثم لأن الشرك من ms1295 أعظم الفواحش وأعظم الإثم وكذا البغي أيضا ~~من الفواحش والإثم. # قلت: إنما أفردهما بالذكر للتنبيه على عظم قبحهما أنه قال من الفواحش ~~المحرمة البغي والشرك فكأنه بين جملته ثم تفصيله وقوله وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون تقدم تفسيره. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 34 الى 37] # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا بني ~~آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~(37) # قوله تعالى: ولكل أمة أجل الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة ثم في ~~هذا الأجل المذكور في الآية قولان: أحدهما أنه أجل العذاب والمعنى أن لكل ~~أمة كذبت رسله وقتا معينا وأجلا مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت فإذا جاء ~~أجلهم يعني: إذا حل وقت عذابهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون يعني فلا ~~يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة وإنما ذكرت الساعة لأنها أقل ~~أسماء الوقت في العرف وهذا حين سألوا نزول العذاب فأخبرهم الله تعالى أن ~~لهم وقتا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم فلا يؤخرون عنه ساعة ~~ولا يستقدمون. # والقول الثاني: إن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ~~ذلك الأجل وحضر الموت فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة وعلى هذا القول يلزم أن ~~يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير وإنما قال تعالى: لكل أمة ~~تقارب أعمار أهل كل عصر فكأنهم كالواحد في مقدار العمر. وعلى هذا القول ~~أيضا يكون المقتول ميتا بأجله خلافا لمن يقول القاتل قطع عليه أجله. # PageV02P196 # قوله عز وجل: يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم هي إن الشرطية ms1296 ضمت إليها ~~ما مؤكدة لمعنى الشرط وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء، ~~وهو قوله فمن اتقى وأصلح يعني منكم وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان ~~المراد به واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء وهو مرسل ~~إلى كافة الخلق فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم فعلى هذا يكون الخطاب في ~~قوله يا بني آدم لأهل مكة ومن يلحق بهم. وقيل: أراد جميع الرسل وعلى هذا ~~فالخطاب في قوله يا بني آدم عام في كل بني آدم وإنما قال منكم يعني من ~~جنسكم ومثلكم من بني آدم لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان أقطع لعذرهم ~~وأثبت للحجة عليهم لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله فإذا أتاهم بما لا يليق ~~بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذي أتى به معجزة له وحجة على من خالفه ~~يقصون عليكم آياتي يعني يقرءون عليكم كتابي وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت ~~لعبادي فمن اتقى يعني فمن اتقى الشرك ومخالفة رسلي وأصلح يعني العمل الذي ~~أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب معصيتي وما نهيته عنه فلا خوف عليهم يعني ~~حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب ولا هم يحزنون يعني على ما فاتهم من ~~دنياهم التي تركوها والذين كذبوا بآياتنا # يعني ومن جحدوا آياتنا وكذبوا رسلنا واستكبروا عنها يعني واستكبروا عن ~~الإيمان بها وما جاءت به رسلنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يعني لا ~~يخرجون منها أبدا. # قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا يعني فمن أعظم ظلما ممن ~~يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكا من خلقه وهو منزه عن الشريك ~~والولد أو كذب بآياته يعني أو كذب بالقرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب يعني ينالهم حظهم مما ~~قدر لهم وكتب في اللوح المحفوظ واختلفوا في ذلك النصيب على قولين أحدهما: ~~أن المراد به هو العذاب المعين لهم في الكتاب ثم اختلفوا ms1297 فيه، فقال الحسن ~~والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضي عليهم من سواد الوجوه ورزقه العيون، ~~وقال ابن عباس: في رواية عنه كتب لمن يفتري على الله كذبا أن وجهه أسود، ~~وقال الزجاج: هو المذكور في قوله فأنذرتكم نارا تلظى وفي قوله إذ الأغلال ~~في أعناقهم فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم. # والقول الثاني: إن المراد بالنصيب المذكور في الكتاب هو شيء سوى العذاب ~~ثم اختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى عنه وعن مجاهد ~~وسعيد بن جبير وعطية، في قوله: ينالهم نصيبهم من الكتاب، قالوا: هو السعادة ~~والشقاوة، وقال ابن عباس: ما كتب عليهم من الأعمال، وقال في رواية أخرى ~~عنه: # من عمل خيرا جوزي به ومن عمل شرا جوزي به. وقال قتادة: جزاء أعمالهم التي ~~عملوها. وقيل معنى ذلك ينالهم نصيبهم مما وعدوا في الكتاب من خير أو شر ~~قاله مجاهد والضحاك، وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، وقال ~~الربيع بن أنس: ينالهم ما كتب لهم في الكتاب من الرزق، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: # عمله ورزقه وعمره. وقال ابن زيد: ينالهم نصيبهم من الكتاب من الأعمال ~~والأرزاق والأعمار فإذا فرغ هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وصحح الطبري هذا ~~القول الآخر وقال: لأن الله تعالى أتبع ذلك بقوله حتى إذا جاءتهم رسلنا ~~يتوفونهم فأبان أن الذي ينالهم هو ما قدر لهم في الدنيا فإذا فرغ توفتهم ~~رسل ربهم. قال الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى: إنما حصل الاختلاف لأن ~~لفظ النصيب محتمل لكل الوجوه. وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق ~~أولى لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم فإنه ليس ~~بمانع أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله سبحانه وتعالى لكي ~~يصلحوا ويتوبوا. # قوله تعالى: حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم يعني حتى إذا جاءت هؤلاء ~~الذين يفترون على الله الكذب # PageV02P197 # رسلنا يعني ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم عند ms1298 استكمال أعمارهم وأرزاقهم ~~لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى قالوا يعني: قال الرسل وهم الملائكة للكفار ~~أين ما كنتم تدعون من دون الله وهذا سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت لا سؤال ~~استعلام والمعنى أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله ادعوهم ليدفعوا عنكم ~~ما نزل بكم. وقيل إن هذا يكون في الآخرة والمعنى حتى إذا جاءتهم رسلنا يعني ~~ملائكة العذاب يتوفونهم يعني يستوفون عددهم عند حشرهم إلى النار قالوا ~~أينما كنتم تدعون يعني شركاء وأولياء تعبدونهم من دون الله فادعوهم ليدفعوا ~~عنكم ما جاءكم من أمر الله قالوا يعني الكفار مجيبين للرسل ضلوا عنا يعني ~~بطلوا وذهبوا عنا وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين يقول الله تعالى وشهد هؤلاء الكفار عند معاينة العذاب ~~أنهم كانوا جاحدين وحدانية الله واعترفوا على أنفسهم بذلك. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 38 الى 39] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~(39) # قوله عز وجل: قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس يقول ~~الله عز وجل يوم القيامة لمن افترى عليه الكذب وجعل له شريكا من خلقه: ~~ادخلوا في أمم يعني في جملة أمم قد خلت يعني قد مضت وسلفت وإنما قال قد خلت ~~ولم يقل قد خلوا لأنه أطلق الضمير على الجماعة يعني في جملة جماعة قد خلت ~~من قبلكم يعني من الجن والإنس في النار أي ادخلوا جميعا في النار التي هي ~~مستقركم ومأواكم وإنما عنى بالأمم والجماعات والأحزاب وأهل الملل الكافرة ~~من الجن والإنس كلما دخلت أمة يعني كلما دخلت جماعة النار لعنت أختها يعني ~~كلما دخلت أمة النار لعنت أختها من أهل ملتها في الدين لا في ms1299 النسب. قال ~~السدي: كلما دخلت أهل ملة النار لعنوا أصحابهم على ذلك الدين فيلعن ~~المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى النصارى والصابئون الصابئين ~~والمجوس المجوس تلعن الآخرة الأولى حتى إذا اداركوا يعني تداركوا وتلاحقوا ~~فيها جميعا يعني تلاحقوا واجتمعوا في النار جميعا وأدرك بعضهم بعضا ~~واستقروا في النار قالت أخراهم لأولاهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ~~قال آخر كل أمة لأولها، وقال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان ~~لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين. وقال مقاتل: يعني قال أخراهم دخولا ~~النار وهم الأتباع لأولاهم دخولا وهم القادة لأن القادة يدخلون النار أولا ~~ربنا هؤلاء أضلونا يعني: تقول الأتباع ربنا هؤلاء القادة والرؤساء أضلونا ~~عن الهدى وزينوا لنا طاعة الشيطان، وقيل: إنما قال المتأخرون ذلك لأنهم ~~كانوا يعتقدون تعظيم المتقدمين من أسلافهم فسلكوا سبيلهم في الضلالة ~~واتبعوا طريقهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلالة فلما كان يوم القيامة ~~وتبين لهم فساد ما كانوا عليه قالوا ربنا هؤلاء أضلونا لأنا اتبعنا سبيلهم ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار أي أضعف عليهم العذاب، قال أبو عبيدة: الضعف هو ~~مثل الشيء مرة واحدة، قال الأزهري والذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله ~~الناس في مجاز كلامهم وأما كتاب الله فهو عربي مبين فيرد تفسيره إلى موضع ~~كلام العرب والضعف في كلامهم ما زاد وليس بمقصور على مثلين وجائز في كلام ~~العرب هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف في الأصل زيادة غير ~~محصورة وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله فأقل الضعف محصور وهو المثل ~~وأكثره غير محصور وقال الزجاج في تفسير هذه الآية: فآتهم عذابا ضعفا أي ~~مضاعفا لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما المثل والآخر أن يكون في ~~معنى تضعيف الشيء أي زيادته قال يعني قال الله # PageV02P198 # تعالى: لكل ضعف يعني لأولاكم ضعف ولأخراكم ضعف وقيل معناه للتابع ضعف ~~وللمتبوع ضعف لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا ولكن لا تعلمون يعني ما أعد ~~الله لكل فريق من ms1300 العذاب وقرئ بالياء ومعناه ولكن لا يعلم كل فريق ما أعد ~~الله تعالى من العذاب للفريق الآخر وقالت أولاهم يعني في الكفر وهم القادة ~~لأخراهم يعني الأتباع فما كان لكم علينا من فضل يعني قد ضللتم كما ضللنا ~~وكفرتم كما كفرنا وقيل في معنى الآية وقالت كل أمة سلفت في الدنيا لأخراها ~~الذين جاءوا من بعدهم فسلكوا سبيل من مضى قبلهم فما كان لكم علينا من فضل ~~وقد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله بسبب كفرنا ومعصيتنا إياه وجاءتكم بذلك ~~الرسل والنذر فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم فذوقوا العذاب وهذا يحتمل أن ~~يكون من قول القادة للاتباع والأمة الأولى للأخرى التي بعدها ويحتمل أن ~~يكون من قول الله تعالى يعني يقول الله للجميع فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون يعني بسبب ما كنتم تكسبون من الكفر والأعمال الخبيثة. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 40 الى 43] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # قوله عز وجل: إن الذين كذبوا بآياتنا يعني كذبوا بدلائل التوحيد فلم ~~يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا واستكبروا عنها أي وتكبروا عن الإيمان بها ~~والتصديق لها وأنفوا عن اتباعها والانقياد لها والعمل بمقتضاها تكبرا لا ~~تفتح لهم أبواب السماء يعني لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم ولا يصعد ~~لهم إلى الله عز وجل في وقت حياتهم قول ولا عمل لأن أرواحهم وأقوالهم ~~وأعمالهم كلها خبيثة وإنما يصعد إلى الله تعالى الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا ms1301 تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار ~~وتفتح لأرواح المؤمنين. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا قال: لا ~~يصعد لهم قول ولا عمل، وقال ابن جريج: لا تفتح أبواب السماء لأعمالهم ولا ~~لأرواحهم. وروى الطبري بسنده عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء قال فيصعدون بها ~~فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة قال فيقولون ~~فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء ~~فيستفتحون له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تفتح ~~لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» وقيل في ~~معنى الآية: لا تنزل عليهم البركة والخير لأن ذلك لا ينزل إلا من السماء ~~فإذا لم تفتح لهم أبواب السماء فلا ينزل عليهم من البركة والخير والرحمة ~~شيء. # وقوله تعالى: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط والولوج ~~الدخول والجمل معروف وهو الذكر من الإبل وسم الخياط ثقب الإبرة قال الفراء: ~~الخياط والمخيط ما يخاط به والمراد به الإبرة في هذه الآية وإنما خص الجمل ~~بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسما عند العرب ~~قال الشاعر: # جسم الجمال وأحلام العصافير وصف من هجاه بهذا بعظم الجسم مع صغر العقل ~~فجسم الجمل من أعظم الأجسام وثقب الإبرة من أضيق # PageV02P199 # المنافذ فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا فكذلك ~~دخول الكفار الجنة محال ولما وصف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط ~~وكان وقوع هذا الشرط محالا ثبت أن الموقوف على المحال محال فوجب بهذا ~~الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعا. وقال بعض أهل المعاني: لما ~~علق الله تعالى دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ~~ذلك نفيا لدخولهم الجنة على التأبيد وذلك لأن العرب إذا علقت ما يجوز ms1302 كونه ~~بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز وهذا كقولك: لا آتيك حتى يشيب ~~الغراب ويبيض القار ومنه قول الشاعر: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب # قوله تعالى: وكذلك نجزي المجرمين أي ومثل الذي وصفنا نجزي المجرمين يعني: ~~الكافرين لأنه تقدم من صفتهم أنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه ~~صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار ولما بين الله عز وجل أن ~~الكفار لا يدخلون الجنة أبدا بين أنهم من أهل النار ووصف ما أعد لهم فيها ~~فقال تعالى: لهم من جهنم مهاد يعني لهم من نار جهنم فراش وأصل المهاد ~~التمهد الذي يقعد عليه ويضطجع عليه كالفراش والبساط ومن فوقهم غواش جمع ~~غاشية وهي الغطاء كاللحاف ونحوه ومعنى الآية أن النار محيطة بهم من تحتهم ~~ومن فوقهم، قال محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي: المهاد الفراش والغواشي ~~اللحف وكذلك نجزي الظالمين يعني وكذلك نكافئ ونجازي المشركين الذين وضعوا ~~العبادة في غير موضعها. # قوله عز وجل: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها لما ~~ذكر الله تعالى وعيد الكافرين وما أعد لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد ~~المؤمنين وما أعد لهم في الآخرة فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني ~~والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحي الله إليه وتنزيله ~~عليه من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم ~~عنه لا نكلف نفسا إلا وسعها يعني لا نكلف نفسا إلا ما يسعها من الأعمال وما ~~يسهل عليها ويدخل في طوقها وقدرتها وما لا حرج فيه عليها ولا ضيق. قال ~~الزجاج: # الوسع ما يقدر عليه، وقال مجاهد: معناه إلا ما افترض عليها يعني الذي ~~افترض عليها من وسعها الذي تقدر عليه ولا تعجز عنه وقد غلط من قال إن الوسع ~~بذل المجهود قال أكثر أصحاب المعاني إن قوله تعالى لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك ms1303 أصحاب الجنة هم فيها خالدون لا نكلف نفسا إلا وسعها وإنما يحسن وقوع ~~هذا الكلام بين المبتدأ والخبر لأنه جنس هذا الكلام لأنه تعالى لما ذكر ~~عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه ~~تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها ومحلها يتوصل إليها بالعمل الصالح ~~السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة. وقال قوم من أصحاب المعاني هو من ~~تمام الخبر موضعه رفع والعائد محذوف كأنه قال لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها ~~فحذف العائد للعلم به. # قوله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل يعني وقلعنا وأخرجنا ما في صدور ~~المؤمنين من غش وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا ومعنى الآية أزلنا ~~تلك الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر ~~متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم دون بعض ومعنى نزع ~~الغل تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ودفعها عن أن ترد على القلب روي عن علي ~~رضي الله عنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين وروي عنه أيضا أنه قال إني لأرجو أن أكون أنا ~~وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل وقيل إن الحسد والغل يزول بدخولهم الجنة (خ) عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يخلص # PageV02P200 # المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من ~~بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن الله لهم في دخول ~~الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في ~~الدنيا» وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا ~~وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في ~~صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من ms1304 الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم ~~فلن يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبدا. وقيل إن درجات أهل الجنة متفاوتة في ~~العلو والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض وأخرج الله عز وجل الغل والحسد ~~من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب ~~العالية، وأورد على هذا القول كيف يعقل أن الإنسان يرى الدرجات العالية ~~والنعم العظيمة وهو محبوس عنها لا يصل إليها ولا يميل بطبعه إليها ولا يغتم ~~بسبب حرمانه منها وإن كان في لذة ونعيم وأجيب عن هذا بأن الله تعالى قد وعد ~~بإزالة الحقد والحسد من قلوب أهل الجنة حتى تكمل لهم اللذة والسرور حتى إن ~~أحدهم لا يرى نفسه إلا في كمال وزيادة في النعيم الذي هو فيه فيرضى بما هو ~~فيه ولا يحسد أحدا أبدا وبهذا تم نعيمه ولذته وكمل سروره وبهجته. # وقوله تعالى: تجري من تحتهم الأنهار لما أخبر الله تعالى بما أنعم به على ~~أهل الجنة من إزالة الغل والحسد والحقد من صدورهم أخبرنا بما أنعم به عليهم ~~من اللذات والخيرات والمسرات وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا يعني أن ~~المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي ~~هذا ثوابه وتفضل علينا رحمة منه وإحسانا وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه ~~فله الحمد على ذلك وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله يعني وما كنا لنرشد ~~لذلك العمل الذي هذا ثوابه لولا أنه أرشدنا الله إليه ووفقنا بفضله ومنه ~~وكرمه وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله ومن لم يهده الله فليس ~~بمهتد لقد جاءت رسل ربنا بالحق يعني أن أهل النعيم إذا دخلوها ورأوا ما أعد ~~الله لهم فيها من النعيم قالوا لقد جاءت رسل ربنا بالحق يعني أنهم رأوا ما ~~وعدهم به الرسل عيانا ونودوا أن تلكم الجنة يعني: ونادى منادي أهل الجنة إن ~~هذه الجنة التي كانت الرسل وعدتكم بها في الدنيا واختلفوا في المنادى فقيل ~~هو الله عز وجل وقيل الملائكة ms1305 ينادون بأمر الله عز وجل وقيل هذا النداء ~~يكون في الجنة (م). عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد ~~إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم ~~أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز ~~وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون». # وقوله تعالى: أورثتموها بما كنتم تعملون روى أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في ~~النار فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار والمؤمن يرث الكافر ~~منزله من الجنة» زاد في رواية فذلك قوله تعالى: أورثتموها بما كنتم تعملون ~~قال بعضهم لما سمى الله الكافر ميتا بقوله أموات غير أحياء وسمى المؤمن حيا ~~بقوله: لينذر من كان حيا وفي الشرع أن الأحياء يرثون الأموات فقال ~~أورثتموها يعني أن المؤمن حي وهو يرث الكافر منزله من الجنة لأنه في حكم ~~الميت. وقيل معناه أن أمرهم يؤول إلى الجنة كما أن الميراث يؤول إلى ~~الوارث، وقيل: أورثتموها عن الأعمال الصالحة التي عملتموها لأن الجنة جعلت ~~لهم جزاء وثوابا على الأعمال ويعارض هذا القول ما ورد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «لن يدخل الجنة أحد بعمله وإنما يدخلها برحمة الله» فإن ~~دخول الجنة برحمة الله وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال. وقيل إن العمل ~~الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله تعالى وتوفيقه وإذا كان ~~العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله تعالى ~~وجعلها الله ثوابا وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في دار ~~الدنيا والله أعلم. # PageV02P201 ### || [سورة الأعراف (7): آية 44] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن ms1306 بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) # قوله تعالى: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار يعني ونادى أهل الجنة أهل ~~النار وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار تقول أهل الجنة يا أهل النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا يعني ما ~~وعدنا في الدنيا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته ~~حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا يعني من العذاب على الكفر قالوا نعم يعني ~~قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة نعم وجدنا ذلك حقا. # فإن قلت: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ # قلت: ظاهر قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار يفيد العموم والجمع إذا ~~قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه ~~من الكفار في دار الدنيا. # فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ ~~هذا النداء أو كيف يصح أن يقع. # قلت: إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات والأسماء فيصير البعيد ~~كالقريب. # وقوله تعالى: فأذن مؤذن بينهم يعني نادى مناد وأعلم لأن أصل الأذان في ~~اللغة الإعلام. والمعنى نادى مناد أسمع الفريقين وهذا المنادي من الملائكة ~~وقيل إنه إسرافيل صاحب الصور ذكره للواحدي أن لعنة الله على الظالمين يعني ~~يقول المؤذن إن لعنة الله على الظالمين ثم فسر الظالمين من هم فقال تعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 45 الى 46] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما ~~حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) # الذين يصدون عن سبيل الله يعني الذين يمنعون الناس عن الدخول في دين ~~الإسلام ويبغونها عوجا يعني ويحاولون أن يغيروا دين الله وطريقته التي شرع ~~لعباده ويبدلونها. وقيل معناه أنهم يصلون لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه ~~الله وذلك أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغير الله وتعظيم ما ms1307 لم يعظمه الله ~~فأخطئوا الطريق وضلوا عن السبيل وهم بالآخرة كافرون يعني وهم بكون الآخرة ~~واقعة جاحدون منكرون لها. # قوله عز وجل: وبينهما حجاب يعني بين الجنة والنار وقيل بين أهل الجنة ~~وأهل النار حجاب وهو المذكور في قوله تعالى: فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب قال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة ~~والنار. وقال السدي وبينها حجاب هو السور وهو الأعراف وقوله: وعلى الأعراف ~~رجال الأعراف: جمع عرف وهو كل مرتفع من الأرض ومنه قيل عرف الديك لارتفاعه ~~على ما سواه من الجسد سمي بذلك لأنه بسبب ارتفاعه صار أعرف وأبين مما ~~انخفض، وقال السدي: إنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الأعراف الشيء المشرف وعنه قال الأعراف سور كعرف ~~الديك وعنه أن الأعراف جبل بين الجنة والنار. يحبس عليه ناس من أهل الذنوب ~~بين الجنة والنار واختلف العلماء في صفة الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم ~~على الأعراف وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك فروي عن حذيفة أنه سئل عن ~~أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن ~~الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله ~~تعالى فيهم، قال بعضهم: إنما جعلوا # PageV02P202 # على الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار فهم لا من أهل الجنة ولا ~~من أهل النار لكن الله تعالى يدخلهم الجنة بفضله ورحمته لأنه ليس في الآخرة ~~دار إلا الجنة أو النار. وقال ابن مسعود رضي الله عنه يحاسب الناس يوم ~~القيامة فمن كانت حسناته أكثر بواحدة دخل الجنة من كانت سيئاته أكثر بواحدة ~~دخل النار وإن الميزان يخف ويثقل بمثال حبة من خردل ومن استوت حسناته ~~وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الأعراف فإذا نظروا إلى أهل الجنة ~~نادوا سلام عليكم وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين فهنالك يقول الله تعالى: لم يدخلوها وهم يطمعون فكان ms1308 الطمع دخولا ~~قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا عمل العبد حسنة كتب له بها عشر وإذا ~~عمل سيئة لم تكتب له إلا واحدة ثم قال هلك من غلب آحاده عشراته، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الأعراف سور بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف هم قوم ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم فهم بذلك المكان حتى إذا أراد الله تعالى أن ~~يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل ~~باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة ~~بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال ~~تمنوا ما شئتم فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم لكم الذي تمنيتم ~~ومثله سبعون ضعفا فيدخلون الجنة ذكره ابن جرير في تفسيره. وقال شرحبيل بن ~~سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو من غير إذن آبائهم. ورواه الطبري ~~بسنده إلى يحيى بن غيل مولى لبني هاشم عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال «هم قوم قتلوا ~~عصاة لآبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار ومنعتهم معصية آبائهم أن ~~يدخلوا الجنة» زاد في رواية «فهم آخر من يدخل الجنة» وذكر ابن الجوزي: إنهم ~~قوم رضي آباؤهم دون أمهاتهم وأمهاتهم دون آبائهم. ورواه عن إبراهيم وذكر عن ~~أبي صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنهم أولاد ~~الزنا، وقيل: إنهم الذين ماتوا في الفترة وفيه بعد لأن آخر أمر أصحاب ~~الأعراف إلى الجنة وهؤلاء الذين ماتوا في الفترة والله أعلم بحالهم وهو ~~يتولى أمرهم وقيل إنهم أولاد المشركين الذين ماتوا أطفالا وهذا القول يرجع ~~معناه إلى القول الذي قبله لأنه داخل في حكمه فهذه الأقوال تدل على أن ~~أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله ~~تعالى. وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء فعلى هذا القول ~~إنما يكون لبثهم على الأعراف ms1309 على سبيل النزهة أو ليرى غيرهم شرفهم وفضلهم ~~وقيل إنهم أنبياء حكاه ابن الأنباري وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان ~~العالي تمييزا لهم على سائر أهل القيامة وإظهارا لفضلهم وعلو مرتبتهم ~~وليكونوا مشرفين على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب ~~أهل الجنة وعقاب أهل النار. # وقال أبو مجلز: أصحاب الأعراف ملائكة يعرفون الفريقين بسيماهم يعني ~~يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فقيل لأبي مجلز: إن الله تعالى يقول وعلى ~~الأعراف رجال وأنت تقول إنهم ملائكة فقال إن الملائكة ذكور ليسوا بإناث ~~وضعف الطبري قول أبي مجلز قال: لأن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق إلا ~~على الذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق وحاصل هذه الأقوال أن ~~أصحاب الأعراف أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى منهم منزلة وأفضل. وقيل: إنما ~~أجلسهم الله في ذلك المكان العالي ليميزوا بين أهل الجنة وبين أهل النار ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # قوله عز وجل: يعرفون كلا بسيماهم يعني: أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة ~~بسيماهم وذلك ببياض وجوههم ونضرة النعيم عليهم ويعرفون أهل النار بسيماهم ~~وذلك بسواد وجوههم وزرقة عيونهم والسيما العلامة الدالة على الشيء وأصله من ~~السمة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنة ~~عرفوا ببياض الوجوه وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد الوجوه. # فإن قلنا إن أصحاب الأعراف من استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم دون أهل الجنة ~~في الدرجة كان وقوفهم # PageV02P203 # على الأعراف ليكونوا درجة متوسطة بين الجنة والنار فإذا رأوا أهل الجنة ~~وعرفوهم ببياض وجوههم نادوهم أن سلام عليكم وهو قوله تعالى ونادوا أصحاب ~~الجنة أن سلام عليكم يعني: نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة أن سلام عليكم ~~يعني سلمتم من الآفات وحصل لكم الأمن والسلامة وإذا رأوا أهل النار ~~يعرفونهم بسواد وجوههم قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين وإن قلنا: ~~إن أصحاب الأعراف هم الأشراف والأفاضل من أهل الجنة كان جلوسهم على الأعراف ~~ليطلعوا على أهل الجنة وأهل النار ثم لينقلهم الله ms1310 عز وجل إلى الدرجات ~~العلية في الجنة. # وقوله تعالى: لم يدخلوها وهم يطمعون يعني في دخول الجنة. قال الحسن: ما ~~جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 47 الى 49] # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى ~~عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) # قوله تعالى: وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار يعني وإذا صرفت أبصار ~~أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار يعني وجاههم وحيالهم فنظروا إليهم وإلى ~~سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ~~يعني الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أصحاب ~~الأعراف إذا نظروا لأهل النار وعرفوهم قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين والمعنى أن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وما هم فيه من ~~العذاب تضرعوا إلى الله تعالى وسألوه أن لا يجعلهم منهم. # قوله تعالى: ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعني ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~كانوا عظماء في الدنيا وهم من أهل النار يعرفونهم بسيماهم يعني سيما أهل ~~النار قالوا يعني أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين عرفوهم في النار ما أغنى عنكم ~~جمعكم يعني ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا وما كنتم تستكبرون ~~يعني وما أغنى عنكم تكبركم عن الإيمان شيئا. قال الكلبي: ينادونهم وهم على ~~السور يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون ~~إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزئون بهم مثل سلمان ~~وصهيب وخباب وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار أهؤلاء لفظ ~~استفهام يعني أهؤلاء الضعفاء الذين أقسمتم بالله لا ينالهم الله برحمة يعني ~~أنكم حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة وقد دخلوا الجنة ثم يقول الله تعالى ~~لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضلي ورحمتي لا خوف عليكم ms1311 ولا أنتم تحزنون ~~وقيل إن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأصحاب النار ما أخبر الله عنهم قال لهم ~~أهل النار إن أولئك دخلوا الجنة وأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك ويقسمون ~~إنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله برحمة فتقول الملائكة لأهل النار ~~أهؤلاء يعني أصحاب الأعراف الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ثم تقول ~~الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة برحمة الله لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون. قوله عز وجل: # PageV02P204 ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 50 الى 53] # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا قال ابن عباس رضي الله عنهما لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة ~~طمع أهل النار في الفرج فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن ~~لنا حتى نراهم ونكلمهم فيأذن لهم فينظرون إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه ~~من النعيم فيعرفونهم وينظر أهل الجنة إلى قرابتهم من أهل النار فلم يعرفوهم ~~لسواد وجوههم فينادون أي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم فينادي الرجل ~~أباه وأخاه فيقول قد احترقت أفض علي من الماء فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون ~~إن الله حرمهما على الكافرين. ومعنى الآية أن أهل النار يستغيثون بأهل ~~الجنة إذا استقروا فيها وذلك عند نزول البلاء بأهل النار وما يلقون من شدة ~~العطش والجوع عقوبة لهم من الله على ما سلف منهم في الدنيا من الكفر ~~والمعاصي. يقول أهل النار لأهل الجنة ms1312 يا أهل الجنة أفيضوا علينا من الماء ~~يعني صبوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله يعني أو أطعمونا مما رزقكم ~~الله ووسعوا علينا من طعام الجنة فيجيبهم أهل الجنة بقولهم إن الله حرمهما ~~على الكافرين وهذا الجواب يفيد الحرمان، وقال بعضهم: لما كانت شهواتهم في ~~الدنيا في لذة الأكل والشرب عذبهم الله في الآخرة بشدة الجوع والعطش فسألوا ~~ما كانوا يعتادونه في الدنيا في طلب الأكل والشرب فأجيبوا بأن الله حرمهما ~~على الكافرين يعني طعام الجنة وشرابها ثم وصف الكافرين فقال تعالى: الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا يعني أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه. ~~وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. ويقال لهوت بكذا ولهيت عن كذا ~~أي اشتغلت عنه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المستهزؤون وذلك أنهم ~~كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزءوا به استهزاء بالله ~~عز وجل، وقيل: هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والمكاء ~~والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. ~~وقيل: معنى دينهم عيدهم اتخذوه لهوا ولعبا لا يذكرون الله فيه وغرتهم ~~الحياة الدنيا يعني وخدعهم عاجل ما هم فيه من خصب العيش ولذته وشغلهم ما هم ~~فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسله وعن الأخذ بنصيبهم من الآخرة حتى أتتهم ~~المنية على ذلك. والغرة غفلة في اليقظة وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن ~~العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات فإذا حصل ذلك صار محجوبا عن الدين ~~وطلب الخلاص لأنه غريق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله ~~تعالى بهذه الصفات الذميمة قال فاليوم يوم القيامة ننساهم كما نسوا لقاء ~~يومهم هذا يعني فاليوم نتركهم في العذاب المهين جياعا عطاشا كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر. وقيل معناه نعاملهم معاملة ~~من نسي فنتركهم في النار ms1313 كما تركوا العمل وأعرضوا عن الإيمان إعراض الناسي. ~~سمى الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأن الله تعالى لا ينسى ~~شيئا فهو كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها فيكون المراد من هذا النسيان أن الله ~~تعالى لا يجيب دعاءهم ولا يرحم ضعفهم وزلتهم بل يتركهم في النار كما تركوا ~~الإيمان والعمل وما كانوا بآياتنا يجحدون يعني ونتركهم في النار كما كانوا ~~بدلائل وحدانيتنا يكذبون. # قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب يعني ولقد جئنا هؤلاء الكفار بالقرآن الذي ~~أنزلناه عليك يا محمد فصلناه على علم أي بيناه على علم منا بما نفصله ~~ونبينه هدى ورحمة لقوم يؤمنون أي جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة لقوم يؤمنون ~~هل ينظرون يعني هل ينتظر هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآياتنا وجحدوها ولم ~~يؤمنوا بها إلا تأويله يعني هل ينظرون ويتوقعون إلا ما وعدوا به على ألسنة ~~الرسل من العذاب وأن مصيرهم إلى النار # PageV02P205 # والتأويل ما يؤول إليه الشيء يوم يأتي تأويله يعني يوم القيامة لأنه يوم ~~الجزاء وما تؤول إليه أمورهم يقول الذين نسوه من قبل يعني: يقول الذين ~~تركوا العمل بالقرآن ولم يؤمنوا به يوم القيامة عند معاينة العذاب قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق أقروا على أنفسهم واعترفوا حين لا ينفعهم ذلك الاعتراف ~~والإقرار. والمعنى أن الكفار أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من الإيمان ~~والتصديق والحشر والنشر والبعث يوم القيامة والثواب والعقاب حق وصدق وإنما ~~أقروا بهذه الأشياء لأنهم شاهدوها معاينة وذلك حين لا ينفعهم ولما رأوا ~~أنفسهم في العذاب قالوا فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل يعني أنه ليس لنا طريق إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب إلا ~~أن يشفع لنا شفيع عند ربنا فيقبل شفاعته فينا فيخلصنا من هذا العذاب أو نرد ~~إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها فنبدل الكفر بالتوحيد والإيمان ~~والمعاصي بالطاعة والإنابة قد خسروا أنفسهم يعني أن الذي طلبوه لا يحصل لهم ~~فتبين خسرانهم وإهلاكهم أنفسهم لأنهم كانوا في الدنيا ms1314 أول مرة فلم يعملوا ~~بطاعة الله ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ~~والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم وضل عنهم ما كانوا يفترون يعني وبطل ~~وذهب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم فلما ~~أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعملوا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين. ### || [سورة الأعراف (7): آية 54] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) # قوله عز وجل: إن ربكم الله يعني إن سيدكم ومالككم ومصلح أموركم وموصل ~~الخيرات إليكم والذي يدفع عنكم المكاره وهو الله الذي خلق السماوات والأرض ~~أصل الخلق في اللغة التقدير ويستعمل في إيداع الشيء من غير أصل سبق ولا ~~ابتداء تقدم. فقوله: خلق السموات والأرض يعني أبدعهما وأنشأ خلقهما على غير ~~مثال سبق وقدر أحوالهما في ستة أيام فإن قلت: اليوم عبارة عن مقدار من ~~الزمان وذلك المقدار هو من طلوع الشمس إلى غروبها فكيف قال في ستة أيام ولم ~~يكن شمس ولا سماء قلت معناه في مقدار ستة أيام فهو كقوله ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا يعني على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ~~ولا نهار. # واختلف العلماء في اليوم الذي ابتدأ الله عز وجل بخلق الأشياء فيه فقيل ~~في يوم السبت وهو قول محمد بن إسحاق وغيره، ويدل على صحة هذا القول ما روى ~~مسلم في إفراده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال «أخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم ~~الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم ~~الأربعاء وخلق الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ~~الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» وهذا الحديث ms1315 ~~وإن كان في صحيح مسلم ففيه مقال وقد أنكره بعض العلماء لما فيه من المخالفة ~~للآية الكريمة لأن الله تعالى يقول: خلق السموات والأرض في ستة أيام. وقال ~~في آخر آية أخرى: ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام فدل ~~بهذين النصين على أن جميع الخلق تم وعمل في ستة أيام والذي في الحديث أن ~~بعض الخلق وقع في سبعة أيام وذلك مجموع أيام الأسبوع فلهذا السبب أنكره ~~وأنكره من العلماء وقد ذكر الأزهري في كتابه تهذيب اللغة ما يقوي الحديث ~~فقال: وقال ابن الأنباري السبت القطع وسمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ ~~الخلق يوم السبت وقطع فيه بعض خلق السموات والأرض وقيل: إن ابتداء الخلق ~~كان يوم الأحد وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد ~~واختاره ابن جرير الطبري، قال الطبري: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ~~وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وروي بسنده ~~عن مجاهد قال: بدأ خلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وبدأ ~~الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وجمع # PageV02P206 # الخلق في يوم الجمعة وتهودت اليهود في يوم السبت ويوم من الستة الأيام ~~كألف سنة مما تعدون ويعضد هذا القول ما حكاه صاحب المحكم ابن سيده قال: ~~وسمي سابع الأسبوع سبتا لأن ابتداء الخلق كان من يوم الأحد إلى يوم الجمعة ~~ولم يكن في السبت خلق. قال أصحاب الأخبار والسير والتواريخ: إن الله تعالى ~~خلق التربة التي هي الأرض بلا دحو ولا بسط في يوم الأحد والاثنين ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سموات في يومين وهما الثلاثاء والأربعاء ثم دحا ~~الأرض وبسطها وطحاها وأخرج ماءها ومرعاها وخلق دوابها ووحشها وجميع ما فيها ~~في يومين وهما الخميس والجمعة وخلق آدم في يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ~~ساعة من ساعات الجمعة وقبل خلق الله عز وجل التربة يوم الأحد ثم استوى إلى ~~السماء فخلقها وجميع ما فيها يوم الاثنين والثلاثاء ثم مد الأرض ودحاها ms1316 يوم ~~الأربعاء والخميس وخلق آدم يوم الجمعة وأسكنه الجنة هو وزوجته حواء ثم ~~أهبطهما إلى الأرض في آخر ساعة من يوم الجمعة. وقيل: أول ما خلق الله القلم ~~ثم اللوح فكتب فيه ما كان وما سيكون وما خلق وما هو خالق إلى يوم القيامة ~~ثم خلق الظلمة والنور ثم خلق العرش ثم خلق السماء من درة بيضاء ثم خلق ~~التربة ثم خلق السموات وما فيها من نجوم وشمس وقمر ثم مد الأرض وبسطها من ~~التربة التي خلقها أولا ثم خلق جميع ما فيها من جبال وشجر ودواب وغير ذلك ~~ثم خلق آدم آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وفيه أهبط إلى الأرض ~~فتكامل جميع الخلق في ستة أيام كل يوم مقداره ألف سنة وهذا قول جمهور ~~العلماء وقيل في ستة أيام من أيام الدنيا. # فإن قلت إن الله عز وجل قادر على أن يخلق جميع الخلق في لحظة واحدة ومنه ~~قوله تعالى: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر فما الفائدة في خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وما الحكمة في ذلك؟ # قلت: إن الله سبحانه وتعالى، وإن كان قادرا على خلق جميع الأشياء في لحظة ~~واحدة، إلا أنه تعالى جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا معلوما فلا يدخل في ~~الوجود إلا في ذلك الوقت والمقصود من ذلك تعليم عباده التثبت والتأني في ~~الأمور. وقال سعيد بن جبير كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض ~~في لمحة ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور ~~كما في الحديث «التأني من الله والعجلة من الشيطان» وقيل إن الشيء إذا أحدث ~~دفعة واحدة فلعله أن يخطر ببال بعضهم أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل ~~الاتفاق فإذا أحدث شيئا بعد شيء على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في ~~القدرة وأقوى في الدلالة. # وقيل: إن الله تعالى أراد أن يوقع في كل يوم أمرا من أمره حتى تستعظمه ~~الملائكة وغيرهم ممن شاهده. وقيل إن التعجيل ms1317 في الخلق أبلغ في القدرة وأقوى ~~في الدلالة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق ~~الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن فيكون. # وقوله تعالى: ثم استوى على العرش العرش في اللغة: السرير، وقيل: هو ما ~~علا فأظل وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوه. ويكنى عن العز والسلطان ~~والمملكة بالعرش على الاستعارة والمجاز. يقال فلان فل عرشه بمعنى ذهب عزه ~~وملكه وسلطانه. قال الراغب في كتابه مفردات القرآن: وعرش الله عز وجل مما ~~لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة ~~فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى الله عن ذلك وليس كما قال قوم إنه ~~الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب. وأما استوى بمعنى استقر فقد رواه ~~البيهقي في كتابه الأسماء والصفات برواية كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها ~~كلها، وقال: أما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا كانوا لا يفسرونه ولا ~~يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في أمثال ذلك، وروى بسنده عن عبد الله بن وهب أنه ~~قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش ~~استوى كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: ~~الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه # PageV02P207 # ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه فأخرج ~~الرجل. وفي رواية يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا ~~أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استواؤه؟ # فأطرق مالك برأسه حتى علته الرحضاء ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن ~~يخرج. روى البيهقي بسنده عن ابن عيينة قال: ما وصف الله تعالى به نفسه في ~~كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. قال البيهقي: والآثار عن السلف في مثل ~~هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب ms1318 ~~أحمد بن حنبل والحسن بن الفضل البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي. ~~قال البغوي أهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على ~~الرجل الإيمان به ويكل العلم به إلى الله عز وجل وذكر حديث مالك بن أنس مع ~~الرجل الذي سأله عن الاستواء وقد تقدم. وروى عن سفيان الثوري والأوزاعي ~~والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة ~~في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة اقرءوها كما جاءت بلا كيف. ~~وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله بعد ذكره الدلائل العقلية ~~والسمعية: أنه لا يمكن حمل قوله تعالى ثم استوى على العرش على الجلوس ~~والاستقرار وشغل المكان والحيز وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان الأول ~~القطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على ~~التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى وهو الذي قررنا في تفسير قوله: وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به وهذا المذهب هو ~~الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه والمذهب الثاني: أنا نخوض في تأويله على ~~التفصيل وفيه قولان ملخصان: # الأول، ما ذكره القفال فقال العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه ~~الملك ثم جعل ثل العرش كناية عن نقض الملك يقال ثل عرشه انتقض ملكه وإذا ~~استقام له ملكه واطرد أمره ونفذ حكمه قالوا استوى على عرشه واستوى على سرير ~~ملكه هذا ما قاله القفال والذي قاله القفال حق وصواب ثم قال الله تعالى دل ~~على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ~~واستقر في قلوبهم تنبيها على عظمة الله جل جلاله وكمال قدرته وذلك مشروط ~~بنفي التشبيه والمراد منه نفاذ القدرة وجريان المشيئة. قال ويدل على صحة ~~هذا قوله في سورة يونس ثم استوى على العرش يدبر فقوله يدبر الأمر جرى مجرى ~~التفسير لقوله ثم استوى على العرش وأورد على هذا القول أن الله تعالى لم ~~يكن مستويا على الملك ms1319 قبل خلق السموات والأرض والله تعالى منزه عن ذلك ~~وأجيب عنه بأن الله تعالى كان قبل خلق السموات والأرض مالكها لكن لا يصح أن ~~يقال شبع زيد إلا بعد أكله الطعام فإذا فسر العرش بالملك صح أن يقال إنه ~~تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض والقول الثاني: أن يكون ~~استوى بمعنى استولى وهذا مذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين واحتجوا عليه ~~بقول الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وعلى هذا القول إنما خص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم ~~المخلوقات ورد هذا القول بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما يقال ~~استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله تعالى ~~لم يزل مالكا للأشياء كلها ومستوليا عليها، فأي تخصيص للعرش هنا دون غيره ~~من المخلوقات. # ونقل البيهقي عن أبي الحسن الأشعري أن الله تعالى فعل في العرش فعلا سماه ~~استواء كما فعل في غيره فعلا سماه رزقا ونعمة وغيرهما من أفعاله ثم لم يكيف ~~الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله تعالى: ثم استوى على العرش. وثم ~~للتراخي والتراخي إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة ~~منه إياها ولا حركة وحكى الأستاذ أبو بكر بن فورك عن بعض أصحابنا أنه قال: ~~استوى بمعنى علا من العلو قال ولا يريد بذلك علوا # PageV02P208 # بالمسافة والتحيز والكون في المكان متمكنا فيه ولكن يريد معنى نفي التحيز ~~عنه وأنه ليس مما يحويه طبق أو يحيط به قطر ووصف الله تعالى بذلك طريقة ~~الخبر. ولا يتعدى ما ورد به الخبر قال البيهقي رحمه الله تعالى وهو على هذه ~~الطريقة من صفات الذات وكلمة ثم تعلقت بالمستوي عليه لا بالاستواء. قال وقد ~~أشار أبو الحسن الأشعري إلى هذه الطريقة حكاية فقال بعض أصحابنا إنه صفة ~~ذات قال وجوابي هو الأول وهو أن الله تعالى مستو على عرشه وأنه فوق الأشياء ~~بائن منها بمعنى أن لا تحله ولا ms1320 يحلها ولا يماسها ولا يشبهها وليست ~~البينونة بالعزلة تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسة علوا كبيرا وقد قال ~~بعض أصحابنا: إن الاستواء صفة الله تعالى تنفي الاعوجاج عنه. وروي أن ابن ~~الأعرابي جاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن ما معنى قوله تعالى الرحمن على ~~العرش استوى؟ قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال الرجل: إنما معنى قوله ~~استوى أي استولى. فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك أن العرب لا تقول استولى ~~فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل لمن غلب قد استولى ~~عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر لا كما تظنه البشر ~~والله أعلم. وقوله تعالى: يغشي الليل النهار يعني أنه تعالى يأتي بالليل ~~على النهار لدلالة الكلام عليه يطلبه حثيثا يعني سريعا، وذلك أنه إذا كان ~~يعقب أحدهما الآخر ويخلفه فكأنه يطلبه، حكى الإمام فخر الدين الرازي عن ~~القفال أنه قال: إن الله تعالى لما أخبر عباده باستوائه على العرش أخبر عن ~~استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته وأراهم ذلك فيما يشاهدونه منها ~~لينضم العيان إلى الخبر وتزول الشبهة من كل الجهات. قال الإمام: واعلم أنه ~~سبحانه وتعالى وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك لأن تعاقب الليل ~~والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة فإن ~~الإنسان إذا كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها بتحرك الفلك الأعظم ~~ثلاث آلاف ميل وهي ألف فرسخ فلهذا قال تعالى يطلبه حثيثا لسرعة حركته ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره معنى التسخير التذليل وقال الزجاج وخلق ~~هذه الأشياء جارية في مجاريها بأمره وقال المفسرون: يعني بتسخيرهن تذليلهن ~~لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع إذ ليس هي قادرات بأنفسهن وإنما هن ~~يتصرفن في متصرفاتهن على إرادة المدبر لهن الحكيم في تدبيرهن وتصريفهن على ~~ما أراد منهن والمراد بالأمر في قوله بأمره نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه ~~الآية تبين عظمة قدرته ومنهم من حمل الأمر على الأمر ms1321 الذي هو الكلام وقال ~~إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة إلى انقضاء ~~الدنيا وخراب هذا العالم. # فإن قلت: إن الشمس والقمر من النجوم فلم أفردهما بالذكر ثم عطف عليهما ~~ذكر النجوم؟ # قلت: إنما أفردهما بالذكر لبيان شرفهما على سائر الكواكب لما فيهما من ~~الإشراق والنور وسيرهما في المنازل لتعرف الأوقات فهو كقوله: من كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فعطف جبريل وميكال على ذكر الملائكة وإن ~~كانا من الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما على غيرهما من الملائكة وقوله ~~تعالى: ألا له الخلق والأمر يعني: له الخلق لأنه خلقهم وله أن يأمر فيهم ~~بما أراد وله أن يحكم فيهم بما شاء وعلى هذا المعنى الأمر هنا الذي هو نقيض ~~النهي، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا المعنى أن كلام الله عز وجل ليس ~~بمخلوق فقال: إن الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر ~~يعني أن من جعل الأمر الذي هو كلامه تعالى من جملة ما خلقه فقد كفر لأن ~~المخلوق لا يقوم بمخلوق مثله. وقيل: معناه أن جميع ما في العالم لله عز وجل ~~والخلق له لأنه خلقهم وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره فهو مجريها ومنشئها ~~فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء، وقيل: المراد بالأمر هنا الإرادة لأن الغرض من ~~الآية تعظيم القدرة وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله عز وجل ففيه ~~رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم، فأخبر ~~الله أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم لا الشمس والقمر والكواكب وله الأمر ~~المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي # PageV02P209 # الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه تبارك الله ~~يعني تمجد وتعظم وارتفع، وقال الزجاج: تبارك تفاعل من البركة ومعنى البركة ~~الكثرة من كل خير وقيل معناه تعالى وتعظم الله رب العالمين يعني أنه هو ~~الذي يستحق التعظيم وذلك أن الله تعالى لما افتتح هذه الآية بقوله: إن ربكم ms1322 ~~الله الذي خلق السماوات والأرض وذكر أشياء من عظيم خلقه وأن له الخلق ~~والأمر والنهي والقدرة عليهم ختم الآية بالثناء عليه لأنه هو المستحق للمدح ~~المطلق والثناء والتعظيم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما. معناه جاء بكل ~~بركة. # وقيل: تبارك معناه تقدس والتقديس الطهارة. وقيل معناه باسمه يتبرك في كل ~~شيء وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال، وأصل ~~البركة الثبوت ويقال تبارك الله ولا يقال متبارك ولا مبارك لأنه لم يرد به ~~التوقيف. قوله عز وجل: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 55 الى 56] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) # ادعوا ربكم قيل معناه اعبدوا ربكم لأن معنى الدعاء طلب الخير من الله ~~تعالى وهذه الصفة العبادة ولأنه تعالى عطف عليه قوله وادعوه خوفا وطمعا ~~والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقيل: المراد به حقيقة الدعاء ~~هو الصحيح لأن الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة لأن ~~الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو ~~عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء ويعلم حاجته، وهو ~~قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ~~ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى: تضرعا يعني ادعوا ربكم ~~تذللا واستكانة، وهو إظهار الذل في النفس والخشوع. يقال: ضرع فلان لفلان ~~إذا أذل له وخشع. وقال الزجاج: تضرعا يعني تملقا وحقيقته أن ندعوه خاضعين ~~خاشعين متعبدين بالدعاء له تعالى وخفية يعني سرا في أنفسكم وهو ضد العلانية ~~والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية قال الحسن بين دعوة السر ودعوة ~~العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت ~~إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية وأن الله تعالى ذكر عبدا صالحا ms1323 رضي فعله فقال تعالى: إذ نادى ربه ~~نداء خفيا (ق) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ~~إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته» قال أبو موسى رضي الله عنه وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم في نفسي فقال: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من ~~كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم» قوله صلى الله عليه وسلم «أربعوا على أنفسكم» يعني ارفقوا بها ~~وأقصروا عن الصياح في الدعاء. # وقوله تعالى: إنه لا يحب المعتدين يعني في الدعاء، وقال أبو مجلز: هم ~~الذين يسألون منازل الأنبياء. # عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن ~~يمين الجنة إذا دخلتها قال أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في ~~الطهور والدعاء» أخرجه أبو داود. وقال ابن جريج: الاعتداء رفع الصوت ~~والنداء والصياح في الدعاء. وقيل: الاعتداء مجاوزة الحد في كل شيء فكل من ~~خالف أمر الله ونهيه فقد اعتدى ودخل تحت قوله تعالى: إنه لا يحب المعتدين ~~وفرع بعض أرباب الطريقة على قوله تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية هل الأفضل ~~إظهار العبادات أم لا فذهب بعضهم إلى أن إخفاء الطاعات والعبادات أفضل من ~~إظهارها لهذه الآية ولكونها أبعد عن # PageV02P210 # الرياء وذهب بعضهم إلى أن إظهارها أفضل ليقتدي به الغير فيعمل مثل عمله ~~وتوسط الشيخ محمد بن عبد الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفا على نفسه من ~~الرياء، فالأولى إخفاء العبادات صونا لعمله عن البطلان وإن كان قد بلغ في ~~الصفاء وقوة اليقين إلى ms1324 التمكين بحيث صار مباينا شائبة الرياء كأن الأولى ~~في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به وذهب بعضهم إلى أن إظهار العبادات ~~المفروضات أفضل من إخفائها فالصلاة المكتوبة في المسجد أفضل من صلاته في ~~بيته وصلاة النفل في البيت أفضل من صلاته في المسجد وكذا إظهار الزكاة أفضل ~~من إخفائها وإخفاء صدقة التطوع أفضل من إظهارها ويقاس على هذا سائر ~~العبادات قوله تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها يعني ولا تفسدوا ~~أيها الناس في الأرض بالمعاصي والكفر والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح ~~الله إياها ببعثة الرسل وبيان الشرائع والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا ~~معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. قال ابن عطية: لا تعصوا في الأرض ~~فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بسبب معاصيكم فعلى هذا يكون معنى قوله بعد ~~إصلاحها يعني بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب. وقيل معنى الآية: ولا ~~تفسدوا في الأرض شيئا بعد أن أصلحه الله تعالى فيدخل فيه المنع من إتلاف ~~النفس بالقتل أو إفسادها بقطع بعض الأعضاء وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ~~وأخذه من الغير بوجوه الحيل وإفساد الأديان بالكفر واعتقاد البدع والأهواء ~~المضلة وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنى وإفساد العقول بسبب شرب المسكر ~~وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة فمنع الله من إدخال ~~الفساد في ماهيتها. # وقوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا أصل الخوف انزعاج في الباطن لما لا يؤمن ~~من المضار وقيل هو توقع مكروه يحصل فيما بعد والطمع توقع محبوب يحصل له ~~والمعنى وادعوه خوفا منه ومن عقابه وطمعا فيما عنده من جزيل ثوابه. وقال ~~ابن جريج: العدل معناه خوف والطمع الفضل. وقيل معناه ادعوه خوفا من الرياء ~~في الذكر والدعاء طمعا في الإجابة. # فإن قلت قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال هنا وادعوه وهذا ~~هو عطف الشيء على نفسه فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله ~~تعالى ادعوا ربكم أي ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات وقوله وادعوه ~~خوفا وطمعا أن فائدة الدعاء ms1325 أحد هذين الأمرين فكانت الآية الأولى في بيان ~~شرط صحة الدعاء والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء وقيل معناه كونوا ~~جامعين في أنفسكم من بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها ولا تطمعوا أنكم ~~وفيتم حق الله في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما إن رحمت الله أصل ~~الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتستعمل تارة في الرقة المجردة عن ~~الإحسان وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة وإذا وصف بها الباري جل وعز فليس ~~يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة فرحمة الله عز وجل عبارة عن الإفضال ~~والإنعام على عباده وإيصال الخير إليهم. وقيل: هي إرادة إيصال الخير ~~والنعمة إلى عباده فعلى القول الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال وعلى ~~القول الثاني تكون من صفات الذات قريب من المحسنين قال سعيد بن جبير: ~~الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ. وقيل إن تأنيث ~~الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة ~~وكون الرحمة قريبة من المحسنين لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار ~~عن الدنيا وإقبال على الآخرة وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة ~~وليس بينه وبين رحمة الله التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من ~~الإنسان. # PageV02P211 # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 57 الى 58] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) # قوله عز وجل: وهو الذي يرسل الرياح هذا عطف على ما قبله. والمعنى أن ربكم ~~الله الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح بشرا قرئ نشرا بالنون ~~أراد جمع نشور وهي الريح الطيبة الهبوب التي تهب من كل ناحية، وقيل: هو جمع ~~ناشر يقال أنشر الله الريح بمعنى أحياها. وقال الفراء: النشر الريح الطيبة ~~اللينة التي ms1326 تنشئ السحاب. وقال ابن الأنباري: النشر المنتشرة الواسعة ~~الهبوب. وقيل: النشر خلاف الطي فيحتمل أنها كانت بانقطاعها كالمطوية ~~فانتشرت بمعنى أرسلت. وقرئ بشرا بالباء جمع بشيرة وهي التي تبشر بالمطر ~~والريح هو الهواء المتحرك يمنة ويسرة والرياح أربعة الصبا وهي الشرقية ~~والدبور وهي الغربية والشمال وهي التي تهب من تحت القطب الشمالي والجنوب ~~وهي القبلية. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمان: # أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي ~~الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات بين يدي رحمته يعني أمام المطر ~~الذي هو رحمته وإنما سماه رحمة لأنه سبب لحياة الأرض الميتة. قال أبو بكر ~~بن الأنباري رحمه الله تعالى: اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى ~~التقدمة تقول هذه تكون في الفتن بين يدي الساعة يريدون قبل أن تقوم الساعة ~~تشبيها وتمثيلا بما إذا كانت يد الإنسان تتقدمانه كذلك الرياح تتقدم المطر ~~وتؤذن به. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر ~~حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه شيئا ~~وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت ~~في مؤخر الناس فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة ~~وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله من خيرها واستعيذوا ~~بالله من شرها» رواه الشافعي رضي الله عنه بطوله وأخرجه أبو داود في المسند ~~عنه. وقال كعب الأحبار: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر ~~أهل الأرض وقوله تعالى: حتى إذا أقلت سحابا ثقالا يقال أقل فلان الشيء إذا ~~حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئا يراه قليلا والسحاب جمع ~~سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحابا لانسحابه في الهواء. # والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيه ms1327 من الماء قال ~~السدي: إن الله تبارك وتعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين ~~وهما طرفا السماء والأرض حيث يلقيان فتخرجه من ثم، ثم تنشره فتبسطه في ~~السماء كيف يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر ~~السحاب بعد ذلك. # وقيل إن الله تعالى دبر بحكمته أن الرياح تتحرك تحريكا شديدا فتثير ~~السحاب ثم ينضم بعضه إلى بعض فيتراكم وينعقد ويحمل الماء ثم تسوقه إلى حيث ~~يشاء الله عز وجل وهو قوله تعالى: سقناه لبلد ميت يعني إلى بلد فتكون اللام ~~بمعنى إلى. وقيل: معناه لأجل حياة بلد ميت وإنما قال سقنا، لأن لفظ السحاب ~~مذكر وإن كان جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزا نظرا ~~إلى اللفظ. قال الأزهري رحمه الله تعالى: قال الليث البلد كل موضع من الأرض ~~عامرا أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها بلدة والجمع بلاد. زاد غيره ~~والمفازة تسمى بلدة، لكونها مسكن الوحش والجن. قال الأعشى: # وبلدة مثل ظهر الترس موحشة ... للجن بالليل في حافاتها زجل # ومعنى الآية: إنا سقنا السحاب إلى بلد ميت محتاج لإنزال الماء لم ينزل ~~فيه غيث ولم تنبت فيه خضرة فأنزلنا به الماء اختلفوا في الضمير في قوله ~~تعالى به إلى ماذا يعود؟ فقال الزجاج رحمه الله وابن الأنباري جائز أن يكون ~~المعنى فأنزلنا بالبلد الميت الماء وجائز أن يكون المعنى وأنزلنا بالسحاب ~~الماء لأن السحاب آلة # PageV02P212 # لنزول الماء فأخرجنا به يعني بذلك الماء لأن إنزال الماء كان سببا لإخراج ~~الثمرات، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى فأخرجنا بذلك الماء من كل الثمرات ~~يعني وأخرجنا بذلك البلد بعد موته وجد به من أصناف الثمار والزروع كذلك ~~نخرج الموتى يعني كما أحيينا البلد الميت كذلك نخرج الموتى أحياء من قبورهم ~~بعد فنائهم ودروس آثارهم واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إن الله تعالى كما ~~يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضا. ~~قال أبو هريرة وابن عباس رضي الله ms1328 عنهما: إن الناس إذا ماتوا في النفخة ~~الأولى أمطر الله تعالى عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين ~~سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. وفي رواية: أربعين يوما فينبتون في ~~قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم ~~النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون ~~من قبورهم وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين ~~يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا فيناديهم ~~المنادي: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: قال مجاهد: إذا أراد الله تعالى ~~أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تنشق الأرض ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح ~~إلى جسدها فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض به وقيل إنما وقع ~~التشبيه بأصل الإحياء والمعنى أنه تعالى كما أحيا هذا البلد الميت بعد ~~خرابه وموته فأنبت فيه الزرع والشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي الموتى ~~ويخرجهم من قبورهم أحياء بعد أن كانوا أمواتا ورمما بالية لأن من قدر على ~~إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على أن يحييهم ويخرجهم من قبورهم ~~إلى حشرهم ونشرهم لعلكم تذكرون الخطاب لمنكري البعث، يقول: إنكم شاهدتم ~~الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم شاهدتموها ~~يابسة عارية من تلك الأزهار والأوراق والثمار ثم إن الله تعالى أحياها مرة ~~أخرى فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها. ~~والمعنى: إنما وصفت ما وصفت من التشبيه والتمثيل لكي تعتبروا وتتذكروا ~~وتعلموا أن من فعل ذلك كان هو الذي يعيد ويحيي. # قوله تعالى: والبلد الطيب يعني والأرض الطيبة التربة السهلة السمحة يخرج ~~نباته بإذن ربه يعني إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن الله عز وجل: والذي ~~خبث لا يخرج يعني والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا يخرج يعني لا يخرج ~~نباته إلا نكدا يعني عسرا بمشقة وكلفة قال الشاعر في المعنى يذم إنسانا: # لا تنجز ms1329 الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت أعطيت تافها نكدا # يعني بالتافه القليل وبالنكد العسير ومعناه: إنك إن أعطيت أعطيت القليل ~~بعسر ومشقة. قال المفسرون: # هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الحرة الطيبة ~~وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل ~~المطر عليها أخرجت أنواع الأزهار والثمار وكذلك المؤمن إذ سمع القرآن آمن ~~به وانتفع به وظهرت منه الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه ~~الكافر بالأرض الرديئة الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر ~~فكذلك الكافر إذا سمع القرآن لا ينتفع به ولا يصدقه ولا يزيده إلا عتوا ~~وكفرا وإن عمل الكافر حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في ~~الآخرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول ~~هو طيب وعمله طيب كما أن البلد الطيب ثمره طيب ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة ~~السبخة المالحة التي خرجت منها البركة فالكافر خبيث وعمله خبيث. وقال ~~مجاهد: هذا مثل ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم خبيث وطيب ويدل على ~~صحة هذا التأويل ما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى ~~والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ ~~والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء # PageV02P213 # فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها ~~أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبته كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ~~عز وجل ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به» أخرجاه في الصحيحين. # وقوله تعالى: كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون يعني كما ضربنا هذا المثل ~~كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية وحجة بعد حجة ~~لقوم يشكرون الله تعالى ms1330 على إنعامه عليهم بالهداية وحيث جنبهم سبيل الضلالة ~~وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا لسماع القرآن. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 59 الى 62] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # قوله عز وجل: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه اعلم أن الله تبارك وتعالى لما ~~ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته وغرائب خلقه وصنعته الدالة على ~~توحيده وربوبيته وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك ~~بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما جرى لهم مع أممهم وفي ذلك تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه فقط عن قبول الحق بل قد ~~أعرض عنه سائر الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن عاقبة ~~أولئك الذين كذبوا الرسل كانت إلى الخسار والهلاك في الدنيا وفي الآخرة إلى ~~العذاب العظيم فمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم من قومه كانت عاقبته مثل ~~أولئك الذين خلوا من قبله من الأمم المكذبة وفي ذكر هذه القصص دليل على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحدا ~~من علماء زمانه فلما أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم ~~الخالية مما لم ينكره عليه أحد علم بذلك أنه إنما أتى به من عند الله عز ~~وجل وإنه أوحى إليه ذلك فكان دليلا واضحا وبرهانا قاطعا على صحة نبوته صلى ~~الله عليه وسلم وقوله تعالى: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه لقد أرسلنا نوحا ~~جواب قسم محذوف تقديره والله لقد أرسلنا نوحا وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن ~~أخنوخ وهو إدريس عليه الصلاة والسلام ويعني أرسلنا بعثنا وهو أول نبي بعثه ~~الله تعالى بعد ms1331 إدريس وكان نوح عليه الصلاة والسلام نجارا. وقيل: معنى ~~الإرسال أن الله تعالى حمله رسالة ليؤديها إلى قومه فعلى هذا التقدير ~~فالرسالة تكون متضمنة للبعث أيضا ويكون البعث كالتابع لا أنه أصل، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: بعثه الله وهو ابن أربعين سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة ~~وقيل وهو ابن مائتين وخمسين سنة وقيل هو ابن مائة سنة، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه واختلفوا في سبب نوحه فقيل: ~~لدعوته على قومه بالهلاك وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنان وقيل: لأنه ~~مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه أعبتني أم عبت ~~الكلب؟ فقال يعني نوحا لقومه يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره يعني ~~اعبدوا الله تعالى فإنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره فإنه ليس لكم إله ~~معبود سواه فإنه هو الذي يستوجب أن يعبد إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم يعني ~~إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى واتباع أمره وطاعته واليوم ~~الذي خافه عليهم وهو إما يوم الطوفان وإهلاكهم فيه أو يوم القيامة وإنما ~~قال أخاف على الشك وإن كان على يقين من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به ~~لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم ~~القيامة قال الملأ وهم الجماعة الأشراف من قومه إنا لنراك يعني يا نوح في ~~ضلال مبين يعني في خطأ وزوال عن الحق بين قال يعني نوحا يا قوم ليس بي ~~ضلالة يعني ما بي ما تظنون من الضلال ولكني رسول من رب العالمين يعني: هو ~~أرسلني إليكم لأنذركم وأخوفكم إن لم تؤمنوا به وهو قوله # PageV02P214 # أبلغكم رسالات ربي يعني بتحذيري إياكم عقوبة على كفركم إن لم تؤمنوا به ~~وأنصح لكم يقال نصحته ونصحت له كما يقال شكرته وشكرت له والنصح إرادة الخير ~~لغيره كما يريده لنفسه وقيل النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح ms1332 للغير وقيل ~~حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه والمعنى أنه ~~قال أبلغكم جميع تكاليف الله وشرائعه وأرشدكم إلى الوجه الأصلح والأصوب لكم ~~وأدعوكم إلى ما دعاني إليه وأحب لكم ما أحب لنفسي قال بعضهم والفرق بين ~~إبلاغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله ~~تعالى ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم. # وأما النصيحة فهو أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ~~ويحذرهم عقابه إن عصوه وأعلم من الله ما لا تعلمون يعني أعلم أنكم إن عصيتم ~~أمره عاقبكم بالطوفان والغرق في الدنيا ويعذبكم في الآخرة عذابا عظيما وقيل ~~أعلم أن مغفرة الله تعالى لمن تاب وعقوبته لمن أصر على الكفر وقيل: لعل ~~الله تعالى أطلعه على سر من أسراره فقال وأعلم من الله ما لا تعلمون. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 63 الى 67] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه ~~إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ~~ولكني رسول من رب العالمين (67) # أوعجبتم الألف ألف استفهام والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف وهذا ~~الاستفهام استفهام إنكار معناه أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم يعني ~~وحيا من ربكم على رجل منكم تعرفونه وتعرفون نسبه وذلك لأن كونه منهم يزيل ~~التعجب، وقيل: المراد بالذكر الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نوح عليه ~~الصلاة والسلام سماه ذكرا كما سمي القرآن ذكرا. وقيل: المراد بالذكر ~~المعجزة التي جاء بها نوح عليه السلام فعلى هذا تكون على بمعنى مع أي مع ~~رجل منكم. قال الفراء على هنا بمعنى مع لينذركم يعني جاءكم لأجل أن ينذركم ~~ولتتقوا أي ولأجل أن تتقوا ولعلكم ترحمون لأن ms1333 المقصود من إرسال الرسل ~~الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى ~~الفوز بالرحمة في الدار الآخرة فكذبوه يعني فكذبوا نوحا فأنجيناه يعني من ~~الطوفان والغرق والذين معه يعني من آمن من قومه معه في الفلك يعني في ~~السفينة وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ما عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى، قال الزجاج: عموا عن ~~الحق والإيمان. يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير: # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم # قال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الفرق. # قوله تعالى: وإلى عاد أخاهم هودا أي وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن ~~إرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى أخاهم هودا يعني أخاهم في النسب لا في ~~الدين وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ~~بن نوح. وقال ابن إسحاق: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح واتفقوا ~~على أن هودا عليه الصلاة والسلام لم يكن أخاهم في الدين ثم اختلفوا في سبب ~~الأخوة من أين حصلت فقيل إنه كان # PageV02P215 # واحدا من القبيلة فيتوجه قوله أخاهم لأنه واحد منهم وقيل إنه لم يكن من ~~القبيلة ثم ذكروا في تفسير هذه الإخوة وجهين: # الأول: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من الملائكة ويكفي ~~هذا القدر في تسمية الأخوة. # والمعنى إنا أرسلنا إلى عاد واحدا من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس ~~بكلامه أتم وأكمل ولم نبعث إليهم من غير جنسهم مثل الملك أو الجن. # والثاني: إنه أخاهم يعني صاحبهم والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت ~~منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضر موت قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أي اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه ~~إلها آخر فإنه ليس ms1334 لكم إله غيره والفرق بين قوله في قصة نوح وهنا قال إن ~~نوحا كان مواظبا على دعوة قومه غير متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب. # وأما هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله ~~تعالى عنه بقوله قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~يعني أفلا تخافون عقابه بعبادتكم غيره ولما كانت هذه القصة منسوقة على قصة ~~قوم نوح وقد علموا ما حل بهم من الفرق حسن قوله هنا. أفلا تتقون يعني أفلا ~~تخافون ما نزل بهم العذاب ولم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء حسن تخويفهم من ~~العذاب فقال هناك إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ الذين كفروا من ~~قومه إنا لنراك في سفاهة يعني إنا لنراك يا هود في حمق وجهالة وضلالة عن ~~الحق. والصواب: أخبر الله تعالى عن قومه نوح أنهم قالوا له إنا لنراك في ~~ضلال مبين وأخبر عن قوم هود أنهم قالوا إنا لنراك في سفاهة والفرق بينهما ~~أن نوحا لما خوف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة قال له قومه عند ذلك ~~إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في إصلاح سفينة في أرض ليس فيها من الماء ~~شيء وأما هود عليه السلام فإنه لما زيف عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى ~~السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين يعني في ادعائك أنك رسول من عند الله قال يعني قال هود لهؤلاء ~~الملأ الذين نسبوه إلى السفه يا قوم ليس بي سفاهة يعني ليس الأمر كما تدعون ~~أن بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين يعني إليكم. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 68 الى 72] # أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله ~~وحده ونذر ms1335 ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال ~~قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه ~~والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ~~(72) # أبلغكم رسالات ربي يعني أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه ~~وشرائعه وتكاليفه وأنا لكم ناصح يعني فيما آمركم به من عبادة الله عز وجل ~~وترك عبادة ما سواه أمين يعني على تبليغ الرسالة وأداء النصح والأمين الثقة ~~على ما ائتمن عليه. حكى الله عن نوح عليه الصلاة والسلام، أنه قال وأنصح ~~لكم وحكى عن هود عليه الصلاة والسلام أنه قال: وأنا لكم ناصح فالأول بصيغة ~~الفعل والثاني بصيغة اسم الفاعل والفرق بينهما أن صيغة الفعل تدل على تجدد ~~النصح ساعة بعد ساعة فكان نوح يدعو قومه ليلا ونهارا كما أخبر الله عنه ~~بقوله # PageV02P216 # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة ~~الفعل فقال: وأنصح لكم وأما هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتا دون وقت ~~فلهذا قال: وأنا لكم ناصح أمين والمدح للنفس بأعظم صفات المدح غير لائق ~~بالعقلاء وإنما فعل هود ذلك وقال هذا القول لأنه كان يجب عليه إعلام قومه ~~بذلك ومقصوده الرد عليهم في قولهم وإنا لنظنك من الكاذبين فوصف نفسه ~~بالأمانة وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله ففيه تقرير للرسالة ~~والنبوة وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها ~~أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم يعني أعجبتم أن أنزل ~~الله وحيه على رجل تعرفونه لينذركم بأس ربكم ويخوفكم عقابه واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح يعني واذكروا نعمة الله عليكم إذا أهلك قوم نوح ~~وجعلكم تخلفونهم في الأرض وزادكم في الخلق بصطة يعني طولا وقوة. قال الكلبي ~~والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع ms1336 وقامة القصير ستين ذراعا وقيل ~~سبعين ذراعا. عن ابن عباس رضي الله عنهما ثمانين ذراعا وقال مقاتل: اثني ~~عشر ذراعا وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة فاذكروا آلاء الله ~~يعني نعم الله وفيه إضمار تقديره فاذكروا نعمة الله عليكم واعملوا عملا ~~يليق بذلك الإنعام وهو أن تؤمنوا به وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام ~~لعلكم تفلحون يعني لكي تفوزوا بالفلاح وهو البقاء في الآخرة قالوا يعني قال ~~قوم هود مجيبين له أجئتنا يا هود لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ~~يعني من الأصنام فأتنا بما تعدنا يعني من العذاب إن كنت من الصادقين يعني ~~في قولك إنك رسول الله قال يعني قال هود مجيبا لهم قد وقع يعني نزل ووجب ~~عليكم من ربكم رجس وغضب أي عذاب وسخط أتجادلونني يعني أتخاصمونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم يعني وضعتم لها أسماء من عند أنفسكم والمراد منه ~~الاستفهام على سبيل الإنكار عليهم لأنهم سموا الأصنام بالآلهة وذلك معدوم ~~فيها ما نزل الله بها من سلطان يعني من حجة وبرهان على هذه التسمية وإنما ~~سميتموها أنتم من عند أنفسكم بغير دليل فانتظروا يعني العذاب إني معكم من ~~المنتظرين يعني نزول العذاب بكم فأنجيناه يعني فأنجينا هودا عند نزول ~~العذاب بقومه والذين معه برحمة منا يعني وأنجينا أتباعه الذين آمنوا به ~~وصدقوه لأنهم كانوا مستحقين للرحمة وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا يعني ~~وأهلكنا الذين كذبوا هودا من قومه وأراد بالآيات معجزات هود عليه الصلاة ~~والسلام الدالة على صدقه وهذا هلاك استئصال فهلكوا جميعا ولم يبق منهم واحد ~~وما كانوا مؤمنين يعني لأنهم لم يكونوا مصدقين بالله ولا برسوله هود عليه ~~الصلاة والسلام: # ((ذكر قصة عاد على ما ذكره محمد بن إسحاق وأصحاب السير والأخبار)) قالوا ~~جميعا: كانت منازل عاد وجماعتهم حين بعث الله تعالى فيهم هودا عليه الصلاة ~~والسلام الأحقاف والأحقاف الرمل فيما بين عمان وحضر موت من أرض اليمن ~~وكانوا قد فسقوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل ms1337 قوتهم التي جعلها الله ~~فيهم وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله عز وجل صنم يقال له صداء، ~~وصنم يقال له صمود وصنم يقال له الهباء فبعث الله عز وجل فيهم هودا عليه ~~الصلاة والسلام وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا فأمرهم أن يوحدوا الله ~~ولا يجعلوا معه إلها غيره وأن يكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ~~ذكر فأبوا عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس فآمنوا به ~~وهم يسير يكتمون إيمانهم وكان ممن صدقه وآمن به رجل يقال له مرثد بن سعد بن ~~عفير وكان يكتم إيمانه فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم وأكثروا في الأرض ~~الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية واتخذوا المصانع لعلهم يخلدون فلما فعلوا ~~ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس في ذلك ~~الزمان إذا نزل بهم بلاء وجهد يطلبون الفرج من الله عز وجل وذلك عند بيته ~~الحرام بمكة مؤمنهم ومشركهم وكان يجتمع بمكة ناس كثير مختلفة أديانهم وكل # PageV02P217 # معظم مكة معترف بحرمتها ومكانها من الله عز وجل وكان البيت معروفا مكانه ~~من الحرم وكان سكان مكة يومئذ العماليق وإنما سموا العماليق لأن أباهم كان ~~عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيد العماليق يومئذ رجلا يقال له معاوية ~~بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري وهو رجل من عاد وكانت عاد أخوال ~~معاوية سيد العماليق فلما قحطت عاد وقل عنهم المطر قالوا: جهزوا منكم وفدا ~~إلى مكة ليستسقوا لكم فإنكم قد هلكتم فبعثوا قيل بن عنز ونعيم بن هزال من ~~هزيل وعقيل بن صنديد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم ~~إسلامه وجلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر سيد العماليق ولقمان بن عاد ~~فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم ومعه جماعة من قومه فبلغ عدد وفد عاد سبعين ~~رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم ~~فأنزلهم وأكرمهم ms1338 وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ~~وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية بن بكر فلما رأى معاوية بن بكر طول ~~مقامهم عنده وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك ~~عليه وقال هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون علي ~~والله وما أدري كيف أصنع فإني أستحي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه ~~فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم عندي وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا ~~قال وشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به ولا ~~يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال معاوية: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهمو بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامى # وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما # وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركمو وليلكمو تماما # فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما # فلما قال معاوية هذا الشعر وغنتهم به الجرادتان وعرف القوم ما غنتا به ~~قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي ~~نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال مرثد بن سعد ~~بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم ~~سقيتم وأظهر إسلامه عند ذلك وقال في ذلك: # عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء # لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء # فبصرنا الرسول سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى وجلا العماء # وأن إله هود هو إلهي ... على الله التوكل والرجاء # زاد في رواية: # لقد حكم الإله وليس جورا ... وحكم الله إن غلب الهواء # على عاد وعاد شر قوم ... فقد هلكوا وليس لهم بقاء # وإني لن أفارق دين هود ... طوال الدهر أو يأتي الفناء # فقال جلهمة بن الخيبري مجيبا لمرثد بن سعد حين فرغ من مقالته وعرف أنه ms1339 ~~اتبع دين هود وآمن به: # PageV02P218 # ألا يا سعد إنك من قبيل ... ذوي كرم وأمك من ثمود # فإنا لا نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد # أتأمرنا لنترك دين وفد ... ورمل والصداء مع الصمود # ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود # ثم قال جلهمة لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا مرثدا فلا يقدمن معنا ~~مكة فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد ~~فلما ولو إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر حتى أدركهم بمكة ~~قبل أن يدعو الله بشيء مما خرجوا إليه فلما انتهى إليهم قام يدعو الله وبها ~~وفد عاد يدعونه فقال مرثد: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني فيما يدعوك به ~~وفد عاد، وقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو فقال: اللهم أعط قيلا ما سألك. ~~وقال الوفد معه: واجعل سؤلنا مع سؤله. وكان قد تخلف عن وفد عاد لقمان بن ~~عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعواتهم قام لقمان فقال: اللهم إني جئتك ~~وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وسأل طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر وقال قيل بن ~~عنز حين دعا يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله ~~تعالى سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء يا قيل ~~اختر لقومك ولنفسك من هذه السحائب فقال قيل: قد اخترت السحابة السوداء ~~فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمددا لا يبقي من آل عاد ~~أحدا وساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة ~~إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا بها ~~وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله عز وجل: بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم تدمر كل شيء أي كل شيء مرت به بأمر ربها وكان أول من أبصر ما ~~فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال ms1340 لها مهدد فلما عرفت ما فيها من ~~العذاب صاحت ثم صعقت فلما أن أفاقت قالوا لها ماذا رأيت قالت رأيت الريح ~~فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فلم تدع من آل عاد أحدا إلا أهلكه واعتزل هود ومن معه من ~~المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ ~~به الأنفس وإنها في وقتها لتمر بالظعن من عاد فتحملها بين السماء والأرض ~~وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليه ~~فبينما هم عنده إذ أقبل إليه رجل على ناقة في ليلة مقمرة وذلك مساء ثالثة ~~من مصاب عاد فأخبرهم الخبر فقالوا له: أين فارقت هودا وأصحابه؟ فقال: ~~فارقتهم بساحل البحر وكأنهم شكوا فيما حدثهم به فقالت هذيلة بنت بكر: صدق ~~ورب الكعبة. وقال السدي بعث الله عز وجل على عاد الريح العقيم فلما دنت ~~منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض فلما رأوها ~~تبادروا إلى البيوت فدخلوها وأغلقوا الأبواب، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم ~~ودخلت عليهم فأهلكتهم فيها ثم أخرجتهم من البيوت فلما أهلكتهم أرسل الله ~~تعالى عليهم طيرا أسود فنقلهم إلى البحر فألقاهم فيه، وقيل: إن الله تعالى ~~أمر الريح فأمالت عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام يسمع ~~لهم أنين تحت الرمل ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل ثم احتملتهم فرمت ~~بهم في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة ~~فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها وفي الحديث «إنما خرجت على مثل خرق ~~الخاتم» وقيل: إن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل ابن عنز حين دعوا بمكة ~~قيل لهم أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم غير أنه لا سبيل إلى الخلود ولا بد ~~من الموت فقال مرثد: اللهم أعطني برا وصدقا فأعطي ذلك، وقال لقمان: اللهم ~~أعطني عمرا فقيل له اختر فاختار عمر سبعة أنسر فكان يأخذ الفرخ ms1341 حين يخرج من ~~البيضة وكان يأخذ الذكر لقوته فيربيه حتى يموت فإذا مات أخذ غيره فلم يزل ~~يفعل ذلك حتى أتى على السابع وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة وكان السابع من ~~النسور اسمه لبد فلما مات لبد مات لقمان معه. # PageV02P219 # وأما قيل فإنه اختار لنفسه ما يصيب قومه فقيل له إنه الهلاك فقال لا ~~أبالي لا حاجة لي في البقاء بعد قومي فأصابه الذي أصاب عادا فهلك ومن معه ~~من الوفد الذين خرجوا يستسقون لعاد فأتت # الريح لما خرجوا من الحرم فأهلكتهم جميعا فلما أهلك الله عادا ارتحل هود ~~ومن معه من المؤمنين من أرضهم بعد هلاك قومه إلى موضع يقال له الشجر من أرض ~~اليمن فنزل هناك ثم أدركه الموت فدفن بأرض حضر موت. يروى عن علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه أن قبر هود عليه الصلاة والسلام بحضر موت في كثيب أحمر ~~وقال عبد الرحمن بن شبابة: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا ~~وأن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام في تلك البقعة ~~ويروى أن كل نبي من الأنبياء كان إذا هلك قومه جاء هو والصالحون من قومه ~~معه إلى مكة يعبدون الله تعالى حتى يموتوا بها. ### || [سورة الأعراف (7): آية 73] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) # قوله عز وجل: وإلى ثمود أخاهم صالحا يعني أرسلنا إلى ثمود وهو ثمود بن ~~عابر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عابر وكانت مساكن ثمود الحجر ~~بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله ومعنى الكلام وإلى بني ثمود ~~أخاهم صالحا لأن ثمود قبيلة. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها ~~والثمد الماء القليل وقيل سموا ثمود باسم أبيهم الذي ينسبون إليه أخاهم ~~صالحا يعني في النسب لا في الدين وهو ms1342 صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ~~بن حاذر بن ثمود قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره يعني قال لهم ~~صالح حين أرسله الله تعالى إليهم يا قوم وحدوا الله تعالى ولا تشركوا به ~~شيئا فما لكم من إله يستحق أن يعبد سواه قد جاءتكم بينة من ربكم يعني ~~جاءتكم حجة من ربكم وبرهان على صدق ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ~~ولا تشركوا به شيئا وعلى تصديق بأني رسول الله إليكم ثم فسر تلك البينة ~~فقال هذه ناقة الله لكم آية يعني علامة على صدقي قال العلماء رحمهم الله ~~تعالى: ووجه كون هذه الناقة آية على صدق صالح ومعجزة له خارقة للعادة أنها ~~خرجت من صخرة في الجبل وكونها لا من ذكر ولا من أنثى وكمال خلقها من غير ~~حمل ولا تدريج لأنها خلقت في ساعة وخرجت من الصخرة وقيل لأنه كان لها شرب ~~يوم ولجميع قبيلة ثمود شرب يوم وهذا من المعجزة أيضا لأن ناقة تشرب ما ~~تشربه قبيلة معجزة وكانوا يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم ~~ويقوم لهم مقام الماء وهذ أيضا معجزة وقيل إن سائر الوحوش والحيوانات كانت ~~تمتنع من شرب الماء في يوم شرب الناقة وتشرب الحيوانات الماء في غير يوم ~~الناقة وهذا أيضا معجزة وإنما أضافها إلى الله تعالى في قوله هذه ناقة الله ~~على سبيل التفضيل والتشريف كما يقال بيت الله وقيل لأن الله تعالى خلقها ~~بغير واسطة ذكر وأنثى وقيل لأنه لم يملكها أحد إلا الله تعالى وقيل لأنها ~~كانت حجة الله على قوم صالح فذروها تأكل في أرض الله يعني فذروا الناقة ~~تأكل العشب من أرض الله فإن الأرض لله والناقة أيضا لله وليس لكم في أرض ~~الله شيء لأنه هو الذي أنبت العشب فيها ولا تمسوها بسوء يعني ولا تطردوها ~~ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى ولا تعقروها فيأخذكم عذاب أليم يعني بسبب ~~عقرها وأذاها. # PageV02P220 # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 74 الى ms1343 77] # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ~~وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد يعني أن الله أهلك عادا وجعلكم ~~تخلفونهم في الأرض وتعمرونها وبوأكم يعني وأسكنكم وأنزلكم في الأرض تتخذون ~~من سهولها قصورا يعني تبنون القصور من سهولة الأرض لأن القصور إنما تبنى من ~~اللبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين وتنحتون الجبال بيوتا يعني ~~وتشقون بيوتا من الجبال وقيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في ~~الشتاء وهذا يدل على أنهم كانوا متمتعين مترهفين فاذكروا آلاء الله أي ~~فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال ~~قتادة: معناه ولا تسيروا في الأرض مفسدين فيها والعثو أشد الفساد وقيل أراد ~~به عقر الناقة وقيل هو على ظاهره فيدخل فيه النهي عن جميع أنواع الفساد قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه يعني قال الأشراف الذين تعظموا عن الإيمان ~~بصالح للذين استضعفوا يعني المساكين لمن آمن منهم يعني قال الأشراف ~~المتعظمون في أنفسهم لأتباعهم الذين آمنوا بصالح وهم الضعفاء من قومه ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه يعني أن الله أرسله إلينا وإليكم قالوا إنا ~~بما أرسل به مؤمنون يعني قال الضعفاء إنا بما أرسل الله به صالحا من الدين ~~والهدى مصدقون قال الذين استكبروا يعني عن أمر الله والإيمان به وبرسوله ~~صالح إنا بالذي آمنتم به كافرون أي جاحدون منكرون فعقروا الناقة يعني فعقرت ~~ثمود الناقة والعقر قطع عرقوب البعير ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير ~~يعقره ثم ينحره وعتوا عن أمر ربهم أي تكبروا عن أمر ربهم وعصوه ms1344 والعتو ~~الغلو في الباطل والتكبر عن الحق والمعنى أنهم عصوا الله وتركوا أمره في ~~الناقة وكذبوا نبيهم صالحا عليه الصلاة والسلام وقالوا يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا يعني من العذاب إن كنت من المرسلين يعني: إن كنت كما تزعم أنك رسول ~~الله فإن الله تعالى ينصر رسله على أعدائه وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا ~~مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب فعجل الله لهم ذلك فقال تعالى: ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 78 الى 79] # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) # فأخذتهم الرجفة قال الفراء والزجاج: الرجفة الزلزلة الشديدة العظيمة، ~~وقال مجاهد والسدي: هي الصيحة فيحتمل أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم والصيحة ~~من فوقهم حتى هلكوا وهو قوله تعالى: فأصبحوا في دارهم جاثمين يعني فأصبحوا ~~في أرضهم وبلدهم جاثمين ولذلك وحد الدار كما يقال دار الحرب أي بلد الحرب ~~ودار بني فلان بمعنى موضعهم ومجمعهم وجمع في آية أخرى، فقال في ديارهم لأنه ~~أراد ما لكل واحد منهم من الديار والمساكن وقوله جاثمين يعني باركين على ~~الركب والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للبعير وجثوم الطير هو وقوعه ~~لاطئا بالأرض في حال نومه وسكونه بالليل والمعنى أنهم أصبحوا جاثمين على ~~وجوههم موتى لا يتحركون فتولى عنهم يعني فأعرض عنهم صالح وفي وقت هذا ~~التولي قولان: # أحدهما: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدل عليه قوله فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين فتولى عنهم والفاء للتعقيب فدل على أنه جعل هذا التولي بعد ~~جثومهم وهو موتهم. # والقول الثاني: أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل موتهم وهلاكهم ويدل عليه أنه ~~خاطبهم وقال يا قوم لقد # PageV02P221 # أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين وهذا الخطاب لا يليق ~~إلا بالأحياء فعلى هذا القول يحتمل أن يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره ~~فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ms1345 جاثمين وأجاب أصحاب القول الأول ~~عن هذا أنه خاطبهم بعد هلاكهم وموتهم توبيخا وتقريعا كما خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب فجعل يناديهم ~~بأسمائهم الحديث في الصحيح وفيه فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أقواما قد ~~جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون. وقيل إنما خاطبهم ~~صالح بذلك ليكون عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجر عن مثل تلك الطريقة التي ~~كانوا عليها. # ((ذكر قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب بن منبه وغيرهما من أصحاب ~~السير والأخبار)) قالوا جميعا إن عاد لما هلكت وانقضى أمرها عمرت ثمود ~~بعدها واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا وعمروا حتى إن أحدهم ليبني ~~المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا ~~وكانوا في سعة من العيش والرخاء فعثوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله ~~فبعث الله تعالى إليهم صالحا نبيا وكانوا قوما عربا وكان صالح من أوسطهم ~~نسبا وأفضلهم بيتا وحسبا فبعثه الله تعالى إليهم وهو غلام فلم يزل يدعوهم ~~إلى الله تعالى وإلى عبادته حتى شمط وكبر فلم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ~~فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن ~~يريهم آية تكون مصداقا على ما يقول فقال صالح أي آية تريدون؟ فقالوا: تخرج ~~معنا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه أصنامهم، وذلك في يوم معلوم من ~~السنة وقالوا تدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا ~~اتبعتنا فقال لهم صالح نعم فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ودعوا ~~أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال جندع بن ~~عمرو بن حراش وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة، لصخرة ~~منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة، ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء ~~والمخترجة ما شاكلت بالبخت من الإبل فإن فعلت آمنا بك وصدقناك فأخذ ms1346 عليهم ~~صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي قالوا نعم قال فصلى صالح عليه ~~الصلاة والسلام ركعتين ودعا ربه عز وجل فتمخضت الصخرة كما تمخض النتوج ~~بولدها ثم تحركت الهضبة عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما سألوا ووصفوا غير ~~أنه لا يعلم ما بين جنبها إلا الله عز وجل عظيما وهم ينظرون إليها ثم نتجت ~~سقبا مثلها في العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط معه من قومه وأراد بقية ~~أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب ~~وكانا صاحبا أوثانهم ورباب بن ضمير وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود فلما ~~خرجت الناقة من الصخرة قال لهم صالح: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ~~فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد ~~الماء غبا فإذا كان يوم ورودها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر ~~الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها فلا تدع قطرة ثم ترفع رأسها ~~فتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا منها من لبن فيشربون ويدخرون حتى يملؤوا ~~أوانيهم كلها ثم تصدر الناقة من غير الفج الذي وردت منه ولا تقدر أن تصدر ~~من حيث وردت حتى إذا كان من الغد كان يوم ثمود فيشربوا ما شاء الله من ~~الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة فهم على ذلك في سعة ودعة وكانت الناقة ~~تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم الإبل والبقر والغنم ~~فتهبط إلى بطن الوادي فتكون في حره وجدبه وإذا كان الشتاء فتشتو الناقة في ~~بطن الوادي فتهرب المواشي إلى ظهره فتكون في البرد والجدب فأضر ذلك ~~بمواشيهم للأمر الذي يريده الله بهم والبلاء الاختبار، فكبر ذلك عليهم ~~فعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر # PageV02P222 # الناقة فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود يقال لإحداهما عنيزة بنت ~~غنم بن مخلد وتكنى بأم غنم وكانت عجوزا مسنة وهي امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت ~~ذات بنات حسان وذات مال ms1347 من إبل وبقر وغنم، والمرأة الأخرى يقال لها صدقة ~~بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات مواش كثيرة وكانتا من أشد الناس عداوة ~~لصالح عليه الصلاة والسلام وكانتا تحبان عقر الناقة لما أضرت بمواشيهما ~~فتحيلتا في عقر الناقة فدعت صدقة رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة ~~وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال لها مصدع بن ~~مهزج بن المحيا وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس ~~وجها وأكثرهم مالا فأجابها إلى إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف # وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا ويزعمون أنه كان ابن زانية ولم يكن لسالف ~~ولكنه ولد على فراشه فقالت عنيزة لقدار أي بناتي شئت أعطيتك على أن تعقر ~~الناقة وكان قدار عزيزا منيعا في قومه (ق). # عن عبد الله بن زمعة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة» قوله ~~انبعث أي قام بسرعة والعارم الخبيث الشرير والعرامة الشدة والقوة والشراسة ~~والمنيع الممتنع ممن أراده. قال أصحاب الأخبار: # فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهزج، فاستنفروا غواة ثمود فاتبعهم سبعة ~~نفر فكانوا تسعة رهط فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حتى صدرت ~~عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل ~~صخرة أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم في عضلة ساقها فخرجت أم غنم ~~عنيزة وأمرت ابنتها فسفرت عن وجهها وكانت من أحسن الناس وجها ليراها قدار ~~ثم حثته على عقرها وأغرته فشد قدار على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرجت ~~ورغت رغاة واحدة فتحذر سقبها من الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج ~~أهل البلد فاقتسموا لحمها فلما رأى سقبها ذلك انطلق هاربا حتى أتى جبلا ~~منيعا يقال له صور وقيل قارة ms1348 وأتى صالح عليه الصلاة والسلام فقيل له أدرك ~~الناقة فقد عقرت فأقبل نحوها وخرج أهل البلد يتلقونه ويعتذرون إليه ويقولون ~~يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا فقال صالح انظروا هل تدركون ~~فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا في طلبه فرأوه على ~~الجبل فذهبوا ليأخذوه فأوحى الله تعالى إلى الجبل أن تطاول فتطاول حتى ما ~~تناله الطير وجاء صالح عليه السلام فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم ~~رغا ثلاثا ثم انفجرت الصخرة فدخلها فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في ~~داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب وقال ابن إسحاق تبع السقب أربعة نفر من ~~التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع بن مهزج وأخوه ذؤاب فرماه مصدع بسهم ~~فأصاب قلبه ثم جذبه فأنزله وألقوا لحمه مع لحم أمه وقال لهم صالح عليه ~~الصلاة والسلام: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته قالوا وهم ~~يهزئون به: ومتى ذلك يا صالح وما آية ذلك؟ # وكانوا يسمون الأيام في ذلك الوقت الأحد أول والاثنين أهون والثلاثاء ~~دبار والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة العروبة والسبت شبار وكانوا ~~عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح عليه الصلاة والسلام حين قالوا ~~ذلك: تصبحون غدا يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم ~~محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب يوم أول فلما ~~قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلموا فلنقتل صالحا فإن ~~كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ~~ليقتلوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا ~~منزل صالح عليه الصلاة والسلام فوجدوهم وقد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح ~~أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه وقالوا لا تقتلوه أبدا فإنه قد ~~وعدكم العذاب أنه نازل بكم بعد ثلاث فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم إلا غضبا ~~عليكم وإن كان كاذبا فأنتم وراء ما تريدون فانصرفوا عنه تلك الليلة فأصبحوا ~~يوم الخميس ms1349 ووجوههم مصفرة كأنما طليت بالخلوق صغيرهم # PageV02P223 # وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم فأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن صالحا قد صدقهم فيما ~~قال فطلبوه ليقتلوه فهرب منهم ولحق بحي من بطون ثمود يقال لهم بنو غنم فنزل ~~على سيدهم واسمه نفيل ويكنى بأبي هدب وهو مشرك فمنع صالحا فلم يقدروا عليه ~~وكانوا عمدوا إلى أصحاب صالح ليدلوهم عليه فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ~~مبدع بن هرم: يا نبي الله إنهم يعذبونا لندلهم عليك أفندلهم عليك؟ قال: ~~نعم. فدلوهم عليه فأتوا أبو هدب فكلموه في أمر صالح فقال هو عندي وليس لكم ~~إليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم ما نزل بهم من العذاب فجعل بعضهم يخبر ~~بعضا بما يرون في وجوههم فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل ~~فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدم فصاحوا ~~وضجوا وبكوا وأيقنوا أنه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان ~~من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة ~~كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فلما كانت ليلة الأحد ~~خرج صالح عليه الصلاة والسلام ومن أسلم معه من بين أظهرهم إلى الشام فنزل ~~رملة فلسطين فلما أصبحوا في اليوم الرابع تكفنوا وتحنطوا وألقوا بأنفسهم ~~إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة لا يدرون من أين ~~يأتيهم العذاب فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة عظيمة من السماء ~~فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم ~~وهلكوا جميعا إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف وكانت كافرة شديدة ~~العداوة لصالح عليه الصلاة والسلام فأطلق الله تعالى رجليها بعد ما عاينت ~~العذاب وما أصاب ثمود فخرجت مسرعة حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم بما عاينت ~~من العذاب الذي بثمود ثم استقت ماء فسقيت فلما شربت ماتت في الحال. وذكر ~~السدي في عقر الناقة فقال: أوحى الله عز وجل إلى صالح عليه والسلام إن ms1350 قومك ~~سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك صالح فقالوا ما كنا لنفعل فقال صالح إنه سيولد ~~في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه فقالوا لا يولد لنا في هذا ~~الشهر ولد إلا قتلناه قال فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر أولاد فذبحوهم ثم ~~ولد للعاشر ولد فأبى أن يذبحه لأنه كان لم يولد له قبل ذلك ولد وكان الولد ~~الذي ولد له أحمر أزرق فنبت نباتا سريعا فكان إذا مر بالتسعة فرأوه، قالوا: ~~لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا الغلام فغضب التسعة على صالح لأنه كان ~~سبب قتل أبنائهم فتقاسموا بالله يعني فتحالفوا بالله لنبيتنه وأهله وقالوا ~~نخرج فنرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون فيه حتى إذا كان ~~الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه ثم نرجع إلى الغار فنكون فيه حتى ~~ننصرف إلى رحلنا فنقول ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقوننا فيظنون ~~أنا قد خرجنا إلى سفر وكان صالح لا ينام معهم في القرية بل كان يبيت في ~~مسجد له خارج القرية فإذا أصبح أتاهم فيعظهم ويذكرهم فإذا أمسى خرج إلى ~~مسجده فيتعبد فيه قال فانطلق التسعة إلى الغار فدخلوا فسقط عليهم فقتلوا ~~فانطلق رجال ممن كان قد اطلع على أمرهم لينظروا ما فعل أولئك النفر فرأوهم # وهم رضخ فرجعوا إلى القرية يصيحون ما رضي صالح بقتل أولادهم حتى قتلهم ~~فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة. وقال ابن إسحاق: كان التسعة قد تقاسموا ~~على تبييت صالح بعد عقر الناقة، وقال السدي وغيره: لما ولد للعاشر ولد سماه ~~بقدار فكان يشب سريعا فلما كبر جلس مع أناس يشربون الخمر فأرادوا ماء ~~ليمزجوا به شرابهم وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته ~~الناقة فاشتد ذلك عليهم وقالوا ما نصنع نحن بلبن هذه الناقة ولو كنا نأخذ ~~هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه لأنعامنا وزروعنا كان خيرا لنا، وقال ~~ابن العاشر: هل لكم أن أعقرها لكم قالوا نعم فعقرها (ق) عن ابن ms1351 عمر رضي ~~الله عنهما قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: «لا ~~تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ~~ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي» وفي رواية لمسلم: لا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين ثم ذكر مثله ولهما عنه أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين ~~فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوه # PageV02P224 # ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة ~~«وللبخاري» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك ~~أمرهم أن لا يشربوا من آبارهم ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا منها ~~واستقينا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ~~ذلك الماء. وفي بعض الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا ~~رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآيات فبعث الله الناقة فكانت ~~ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب ماءهم يوم ورودها وأراهم مرتقى ~~الفصيل من القارة فعتوا عن أمر ربهم وعقروها فأهلك الله من تحت أديم السماء ~~منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا يقال له أبو وغال وهو أبو ~~ثقيف، كان في حرم الله فمنعه حرم الله تعالى من عذاب الله فلما خرج أصابه ~~ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب وأراهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبر أبي رغال فنزل القوم وابتدروه بأسيافهم وحفروا عنه واستخرجوا ذلك ~~الغصن» وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى ~~حضرموت فلما دخلوها مات صالح فسمي حضرموت ثم بنوا أربعة آلاف مدينة وسموها ~~حضوراء وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح عليه الصلاة السلام بمكة وهو ابن ~~ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 80 الى 81] # ولوطا إذ قال لقومه ms1352 أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) # قوله تعالى: ولوطا يعني وأرسلنا لوطا وقيل: معناه واذكر يا محمد لوطا وهو ~~لوط بن هاران بن تارخ وهو ابن أخي إبراهيم وإبراهيم عمه إذ قال لقومه يعني ~~أهل سدوم وإليهم كان قد أرسل وذلك أن لوطا عليه الصلاة والسلام لما هاجر مع ~~عمه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلى الشام فنزل إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام أرض فلسطين ونزل لوط الأردن أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم يدعوهم ~~إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: أتأتون الفاحشة ~~يعني أتفعلون الفعلة الخسيسة التي هي غاية في القبح وكانت فاحشتهم إتيان ~~الذكران في أدبارهم ما سبقكم بها من أحد من العالمين من الأولى زائدة ~~لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض، والمعنى: ما سبقكم ~~أيها القوم بهذه الفعلة الفاحشة أحد من العالمين قبلكم وفي هذا الكلام ~~توبيخ لهم وتقريع على فعلهم تلك الفاحشة. قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر ~~على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط إنكم لتأتون الرجال يعني في أدبارهم ~~شهوة من دون النساء يعني في أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء بل ~~أنتم يعني أيها القوم قوم مسرفون أي مجاوزون الحلال إلى الحرام وإنما ذمهم ~~وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وركب ~~فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا وجعل النساء محلا للشهوة وموضع ~~النسل فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فكأنما قد أسرف ~~وجاوز واعتدى لأنه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له لأن أدبار ~~الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان ~~وكانت قصة قوم لوط، على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير ~~أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع وثمار لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم ~~الناس فآذوهم وضيقوا عليهم فعرض ms1353 لهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم إذا فعلتم ~~بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا فلما أحل الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا ~~حسانا صباحا فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا ~~الغرباء، وقيل: استحكم ذلك الفعل فيهم حتى نكح بعضهم بعضا. وقال الكلبي: إن ~~أول من عمل به عمل قوم لوط إبليس وذلك لأن بلادهم أخصبت فقصدها أهل البلدان ~~فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد فدعا إلى نفسه فكان أول من نكح في دبره ~~فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض أن تخسف بهم. # PageV02P225 # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 82 الى 85] # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل ~~والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم ~~خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) # قوله عز وجل: وما كان جواب قومه يعني وما كان جواب قوم لوط للوط إذ وبخهم ~~على فعلهم القبيح وركوبهم ما حرم الله تعالى عليهم من العمل الخبيث إلا أن ~~قالوا يعني قال بعضهم لبعض أخرجوهم من قريتكم يعني أخرجوا لوطا وأتباعه ~~وأهل دينه من بلدكم إنهم أناس يتطهرون يعني أنهم أناس يتنزهون عن فعلكم وعن ~~أدبار الرجال لأنها موضع النجاسة ومن تركها فقد تطهر، وقيل: إن البعد عن ~~المعاصي والآثام يسمى طهارة فمن تباعد عنهما فقد تطهر فلهذا قال إنهم أناس ~~يتطهرون أي من فعل المعاصي والآثام فأنجيناه وأهله يعني فأنجينا لوطا ومن ~~آمن به واتبعه على دينه، وقيل: المراد بأهله المتصلون به بسبب النسل أو ~~المراد بأهله ابنتاه إلا امرأته يعني زوجته كانت من الغابرين يعني كانت من ~~الباقين في العذاب لأنها كانت كافرة، وقيل: معناه كانت من الباقين المعمرين ~~قد أتى عليها دهر طويل ثم هلكت مع ms1354 من هلك من قوم لوط وإنما قال من الغابرين ~~ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الرجال فقال من الغابرين ~~وأمطرنا عليهم مطرا يعني حجارة من سجيل قد عجنت بالكبريت والنار يقال مطرت ~~السماء وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب أمطرت وفي الرحمة مطرت ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين يعني انظر يا محمد كيف كان عاقبة هؤلاء الذين ~~كذبوا بالله ورسوله وعملوا الفواحش كيف أهلكناهم. قال مجاهد: نزل جبريل ~~عليه السلام فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم ~~قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم اتبعوا بالحجارة. # وقوله فانظر كيف كان عاقبة المجرمين وإن كان هذا الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن المراد به غيره من أمته ليعتبروا بما جرى على أولئك فينزجروا ~~بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة والفواحش الخبيثة. # قوله عز وجل: وإلى مدين أخاهم شعيبا يعني: وأرسلنا إلى مدين أكثر ~~المفسرين على أن مدين اسم رجل وهو مدين بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة ~~والسلام فعلى هذا يكون المعنى وأرسلنا إلى ولد مدين ومدين اسم للقبيلة كما ~~يقال بنو تميم بنو عدي وبنو أسد. وقيل: مدين اسم للماء الذي كانوا عليه ~~وقيل هو اسم للمدينة وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين ~~والصحيح هو الأول لقوله أخاهم شعيبا يعني في النسب لا في الدين وشعيب هو ~~ابن ثويب بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قاله عطاء وقال محمد بن ~~إسحاق وهو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~وأم ميكيل بنت لوط عليه السلام. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن ثويب بن مدين بن ~~إبراهيم عليه السلام وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن ~~مراجعته قومه وكان قومه أهل كفر وبخس في المكيال والميزان قال يعني شعيبا ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم يعني: قد ~~جاءتكم حجة وبرهان من ربكم بحقيقة ما أقول وصدق ما ms1355 أدعي من النبوة والرسالة ~~إليكم لأنه لا بد لكل نبي من معجزة تدل على صدق ما جاء به من عند الله غير ~~أن تلك المعجزة التي كانت لشعيب لم تذكر في القرآن وليست كل آيات الأنبياء ~~مذكورة في القرآن، وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب بالرسالة إليهم وقيل أراد ~~بالبينة الموعظة وهي قوله: فأوفوا الكيل والميزان يعني فأتموا الكيل ~~والميزان وأعطوا الناس حقوقهم وهو قوله ولا تبخسوا الناس أشياءهم يعني لا ~~تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها فتطففوا الكيل والوزن. يقال: بخس ~~فلان في الكيل والوزن إذا نقصه وطففه # PageV02P226 # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها يعني بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة ~~الرسل وإقامة العدل وكل نبي يبعث إلى قوم فهو صلاحهم ذلكم يعني الذي ذكرت ~~لكم وأمرتكم به من الإيمان بالله ووفاء الكيل والميزان وترك الظلم والبخس ~~خير لكم يعني مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس إن كنتم مؤمنين يعني إن ~~كنتم مصدقين بما أقول. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 86 الى 89] # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان ~~طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا ~~شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين ~~(88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ~~وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون يعني أن شعيبا قال لقومه الكفار ولا تقعدوا ~~على كل طريق من الدين والحق تمنعون الناس من الدخول فيه وتهددونهم على ذلك ~~ذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من يريد الإيمان بالله وبرسوله ~~شعيب وهو ms1356 قوله تعالى: وتصدون عن سبيل الله من آمن به يعني وتمنعون من يريد ~~الإيمان بالله وتقولون إن شعيبا كذاب وتخوفونه بالقتل. قال ابن عباس: كانوا ~~يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبا الذي تريدونه كذاب فلا ~~يفتنكم عن دينكم وتبغونها عوجا يعني: وتريدون اعوجاج الطريق عن الحق ~~وعدولها عن القصد. وقيل معناه تلتمسون لها الزيغ والضلال ولا تستقيمون على ~~طريق الهدى والرشاد واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم يعني: أن شعيبا عليه ~~الصلاة والسلام ذكرهم نعمة الله عليهم. قال الزجاج: يحتمل ذلك ثلاثة أوجه ~~كثر عددكم وكثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقوة بعد الضعف ووجه ذلك أنهم ~~إذا كانوا فقراء ضعفاء فهم بمنزلة القليل والمعنى إنه كثركم بعد القلة ~~وأعزكم بعد الذلة فاشكروا نعمة الله تعالى عليكم وآمنوا به وانظروا كيف كان ~~عاقبة المفسدين يعني وانظروا نظر اعتبار ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم ~~السالفة والقرون الخالية حين عتوا على ربهم وعصوا رسله من العذاب والهلاك ~~وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من ~~السماء لما عصوه وكذبوا رسله وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به ~~وطائفة لم يؤمنوا يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي ~~وصدقت برسالتي وفرقة كذبت وجحدت رسالتي فاصبروا فيه وعيد وتهديد حتى يحكم ~~الله بيننا يعني حتى يقضي الله ويفصل بيننا فيعجز المؤمنين المصدقين ~~وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم وهو خير الحاكمين يعني أنه حاكم ~~عادل منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه وإنما قال خير الحاكمين لأنه قد ~~يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة ~~فلهذا قال وهو خير الحاكمين قال الملأ الذين استكبروا من قومه يعني قال ~~الجماعة من أشراف قومه الذين تكبروا عن الإيمان بالله وبرسوله وتعظموا عن ~~اتباع شعيب لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ~~يعني أن قوم شعيب أجابوه بأن قالوا لا بد من أحد أمرين إما ms1357 إخراجك ومن تبعك ~~على دينك من بلدنا أو لترجعن إلى ديننا وملتنا وما نحن عليه وهذا فيه إشكال ~~وهو أن شعيبا عليه الصلاة والسلام لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان ~~عليه فما معنى # PageV02P227 # قوله أو لتعودن في ملتنا وأجيب عن هذا الإشكال بأن اتباع شعيب كانوا قبل ~~الإيمان به على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعا فدخل هو في ~~الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط. وقيل: معناه لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود ~~على معنى الابتداء كما تقول قد عاد علي من فلان مكروه بمعنى قد لحقني منه ~~ذلك وإن لم يكن قد سبق منه مكروه فهو كما قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مدة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب # أراد فقد صارت لهن ذنوب ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان. # وقوله تعالى: قال أولو كنا كارهين أي لا نعود في ملتكم وإن أكرهتمونا ~~وأجبرتمونا على الدخول فيها فلا نقبل ولا ندخل قد افترينا على الله كذبا إن ~~عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها يعني أن شعيبا أجاب قومه إذ دعوه ومن ~~آمن به إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها فقال قد افترينا يعني قد اختلقنا ~~على الله كذبا وتخرصنا عليه من القول باطلا إن نحن رجعنا إلى ملتكم وقد ~~علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين وقد أنقذنا الله وخلصنا منها ~~وبصرنا خطأها وهذا أيضا فيه من الأشكال مثل ما في الأول وهو أن شعيبا عليه ~~الصلاة والسلام ما كان في ملتهم قط حتى يقول إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها والجواب عنه مثل ما أجيب عن الإشكال الأول وهو أن نقول إن الله ~~نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة، إلا أن شعيبا نظم نفسه في ~~جملتهم وإن كانا بريئا مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم ~~التغليب. وقيل: معنى نجانا الله منها علمنا قبح ملتكم وفسادها فكأنه خلصنا ~~منها وقوله ms1358 تعالى إخبارا عنه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا يعني وما يكون لنا أن نرجع إلى ملتكم ونترك الحق الذي نحن عليه إلا أن ~~يشاء الله ربنا يعني إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله أن نعود فيها ~~فحينئذ يمضي قضاء الله وقدره فينا وينفذ سابق مشيئته علينا وقال الواحدي: ~~ومعنى العود هنا الابتداء والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية أن ~~شعيبا وأصحابه قالوا ما كنا لنرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنها ضلالة ~~تكسب دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا فأمورنا راجعة إلى الله غير ~~خارجة عن قبضته يسعد من يشاء بالطاعة ويشقي من يشاء بالمعصية وهذا من شعيب ~~وقومه استسلام لمشيئة الله ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة ~~وانقلاب الأمر ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام «واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام» وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول «يا ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قال الزجاج رحمه الله تعالى المعنى وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود ~~فيها وتصديق ذلك قوله وسع ربنا كل شيء علما يعني أنه تعالى يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون وما سيكون وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء ~~فالسعيد من سعد في علم الله تعالى والشقي من شقي في علم الله تعالى على ~~الله توكلنا على الله نعتمد وإليه نستند في أمورنا كلها فإنه الكافي لمن ~~توكل عليه والمعنى: على الله توكلنا لا على غيره فكأنه ترك الأسباب ونظر ~~إلى مسبب الأسباب ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق لما أيس شعيب من إيمان ~~قومه دعا بهذا الدعاء فقال ربنا افتح أي اقض وافصل واحكم بيننا وبين قومنا ~~بالحق يعني بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف وأنت خير الفاتحين يعني ~~خير الحاكمين قال الفراء إن أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح وقال ms1359 ~~غيره من أهل اللغة هي لغة مراد وأنشد لبعضهم في ذلك: # ألا أبلغ بني عصم رسولا ... فإني عن فتى حكم غني # أراد أنه غني عن حاكمهم وقاضيهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت ~~أدري ما معنى قوله ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين حتى ~~سمعت ابنة ذي يزن تقول تعال أفاتحك يعني أقاضيك. # وهذا قول قتادة والسدي وابن جريج وجمهور المفسرين أن الفاتح هو القاضي ~~والحاكم سمي بذلك لأنه يفتح # PageV02P228 # أغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها. وقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه ~~ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ينزل ~~عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين وعلى هذا ~~الوجه فالفتح يراد به الكشف والتمييز. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 90 الى 92] # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا يعني وقال جماعة من ~~أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم لئن اتبعتم شعيبا على دينه وتركتم ~~دينكم وملتكم وما أنتم عليه إنكم إذا لخاسرون يعني إنكم لمغبونون في فعلكم ~~فأخذتهم الرجفة يعني الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم جاثمين قال ابن عباس ~~وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم فأرسل عليهم حرا شديدا من جهنم فأخذ ~~بأنفاسهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليبردوا فيها فوجدوها ~~أشد حرا من الظاهر فخرجوا هربا إلى البرية فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح ~~طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى ~~إذا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ~~ورجفت بهم الأرض من تحتهم فاحترقوا كاحتراق الجراد في المقلاة وصاروا ~~رمادا، وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى ~~هلكوا بها. وقال ms1360 قتادة: بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين ~~فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم ~~جبريل عليه السلام صيحة هلكوا جميعا. قال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد ~~وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة ~~اسمه كلمن فلما هلك قالت ابنته شعرا تبكيه وترثيه به: # كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحلة # سيد القوم أتاه ... هلك نار تحت ظله # جعلت نارا عليهم ... دارهم كالمضمحله # وقوله تعالى: الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها يعني كأن لم يقيموا ~~فيها ولم ينزلوها يوما من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي أقمت به. والمغاني: ~~المنازل التي بها أهلها واحدها مغنى قال الشاعر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد # أراد أقاموا فيها وقيل في معنى الآية كأن لم يعيشوا فيها متنعمين ~~مستغنين. يقال: غني الرجل إذا انغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين يعني خسروا أنفسهم بهلاكهم. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 93 الى 97] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين (93) وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون (97) # فتولى عنهم يعني فأعرض عنهم شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب ~~وقال يا قوم لقد # PageV02P229 # أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم يعني أنه قال لهم ذلك لما تيقن نزول العذاب ~~بقومه واختلفوا هل كان ذلك القول قبل نزول العذاب أو بعده على قولين سبقا ~~في قصة صالح عليه الصلاة والسلام وقوله فكيف آسى يعني أحزن على قوم كافرين ~~والأسى أشد الحزن وإنما اشتد ms1361 حزنه على قومه لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع ~~منهم الإجابة والإيمان فلما نزل بهم ما نزل من العذاب عزى نفسه فقال كيف ~~أحزن على قوم كافرين لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر. ~~وقيل في معنى الآية إن شعيبا قال لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة ~~والتحذير فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصحي فكيف أحزن عليكم يعني إنكم لستم ~~مستحقين لأن يحزن عليكم. # فعلى القول الأول: إنه حصل لشعيب حزن على قومه. # وعلى القول الثاني: لم يحزن عليه والله أعلم. # وقوله تعالى: وما أرسلنا في قرية من نبي فيه إضمار وحذف تقديره فكذبوه ~~إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضراء ~~المرضى وهو معنى قول الزجاج: فإنه قال البأساء كل ما نالهم من الشدة في ~~أموالهم والضراء كل ما نالهم من الأمراض. وقيل: البأساء الشدة وضيق العيش ~~والضراء الضر وسوء الحال لعلهم يضرعون يعني إنما فعلنا بهم ذلك لكي يتضرعوا ~~ويتوبوا والتضرع الخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل والمراد من هذه الآية ~~أن الله عز وجل لما عرف نبيه صلى الله عليه وسلم أحوال الأنبياء مع أممهم ~~المكذبة وقص عليه من أخبارهم وعرفه سنته في الأمم الذين خلوا من قبله وما ~~صاروا إليه من الهلاك والعذاب عرفه في هذه الآية أنه قد أرسل رسلا إلى أمم ~~أخر فكذبوا رسلهم فأخذهم بالبأساء والضراء كما فعل بمن كذب برسله وفيه ~~تخويف وتحذير الكفار قريش وغيرهم من لكفار لينزجروا عما هم عليه من الكفر ~~والتكذيب ثم بين تعالى أنه لا يجري تدبيره في أهل القرى على نمط واحد وسنة ~~واحدة إنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب وهو قوله تعالى: ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة لأن ورود النعمة على البدن والمال بعد الشدة والضيق ~~يستدعي الانقياد للطاعة والاشتغال بالشكر. قال أهل اللغة: السيئة كل ما ~~يسوء صاحبه والحسنة كل ما يستحسنه الطبع والعقل فالسيئة والحسنة هنا الشدة ~~والرخاء. والمعنى أنه تعالى بدل مكان البأساء والضراء النعمة والسعة والخصب ~~والصحة ms1362 في الأبدان فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي ~~والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله حتى عفوا ~~يعني أنه فعل ذلك بهم حتى كثروا وكثرت أموالهم. يقال: عفا الشعر إذا كثر ~~وطال. قال مجاهد: حتى كثرت أموالهم وأولادهم وقالوا يعني من غرتهم وغفلتهم ~~بعد ما صاروا إلى الرخاء والسعة قد مس آباءنا الضراء والسراء يعني أنهم ~~قالوا هكذا عادة الدهر قديما وحديثا لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدة ~~والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه فكونوا على ما أنتم عليه ~~كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم مما أصابهم من الضراء والسراء ~~قال الله تعالى: فأخذناهم بغتة يعني أخذناهم فجأة آمن ما كانوا ليكون ذلك ~~أعظم لحسرتهم وهم لا يشعرون يعني بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة ~~اعتبار من سمعها لينزجر عما هو عليه من الذنوب. # قوله عز وجل: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لما بين الله تعالى في هذه ~~الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم بعذابه بين في هذه الآية أنهم لو ~~آمنوا يعني بالله ورسوله وأطاعوه فيما أمرهم به واتقوا يعني ما نهى الله ~~تعالى عنه وحرمه عليهم لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض وبركات السماء ~~المطر وبركات الأرض النبات والثمار وجميع ما فيها من الخيرات والأنعام ~~والأرزاق والأمن والسلامة من الآفات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه على ~~عباده. وأصل البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء وسمي المطر بركة السماء ~~لثبوت البركة فيه وكذا ثبوت البركة في نابت الأرض لأنه نشأ عن بركات السماء ~~وهي المطر. وقال البغوي: أصل البركة # PageV02P230 # المواظبة على الشيء. أي تابعنا عليهم بالمطر من السماء والنبات من الأرض ~~ورفعنا عنهم القحط والجدب ولكن كذبوا يعني فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ~~ولكن كذبوا يعني الرسل فأخذناهم يعني بأنواع العذاب بما كانوا يكسبون يعني ~~أخذناهم بسبب كسبهم الأعمال الخبيثة. # قوله تعالى: أفأمن أهل القرى هو استفهام ms1363 بمعنى الإنكار وفيه وعيد وتهديد ~~وزجر، والمراد بالقرى مكة وما حولها، وقيل: هو عام في كل أهل القرى الذين ~~كفروا وكذبوا أن يأتيهم بأسنا يعني عذابنا بياتا يعني ليلا وهم نائمون. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 98 الى 101] # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) أولم يهد للذين يرثون الأرض من ~~بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ~~(100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى يعني نهارا لأن الضحى صدر النهار ~~وهم يلعبون يعني: # وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم. والمقصود من الآية أن الله خوفهم ~~بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار ~~لأنه الوقت الذي يغلب على الإنسان التشاغل فيه بأمور الدنيا، وأمور الدنيا ~~كلها لعب ويحتمل أن يكون المراد خوضهم في كفرهم وذلك لعب أيضا لأنه يضر ولا ~~ينفع أفأمنوا مكر الله يعني استدراجه إياهم بما أنعم عليهم من الدنيا وقيل: ~~المراد به أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون، وعلى هذا الوجه فيكون بمعنى ~~التحذير وسمي هذا العذاب مكرا لنزوله وهم في غفلة عنه لا يشعرون به فلا ~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون يعني أنه لا يأمن أن يكون ما أعطاهم من ~~النعمة مع كفرهم استدراجا إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين أولم يهد ~~أو لم يبين للذين يرثون الأرض من بعد هلاك أهلها الذين كانوا من قبلهم ~~فورثوها عنهم وخلفوهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم يعني لو نشاء أخذناهم ~~وعاقبناهم بسبب كفرهم ونطبع أي نختم على قلوبهم فهم لا يسمعون يعني لا ~~يسمعون موعظة ولا يقبلون الإيمان ونطبع منقطع عما قبله والمعنى ونحن نطبع ~~على قلوبهم ويجوز أن يكون معطوفا على الماضي ولفظه لفظ المستقبل والمعنى ms1364 لو ~~شئنا طبعنا على قلوبهم تلك القرى يعني هذه القرى التي ذكرنا لك يا محمد ~~أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب نقص عليك من ~~أنبائها يعني نخبرك عنها وعن أخبار أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم ~~الذين أرسلوا إليهم لتعلم يا محمد إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على ~~أعدائنا وأعدائهم من أهل الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم وبمخالفتهم ~~رسلهم ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم ~~مثل ما أصابهم ولقد جاءتهم يعني لأهل تلك القرى رسلهم بالبينات يعني جاءتهم ~~رسلهم بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا من قبل اختلف أهل التفسير في معنى ذلك فقيل: معناه فما كانوا ~~هؤلاء المشركين الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم ~~رسلهم بما كذبوا من قبل ذلك وهو يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ~~عليه السلام فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وهذا معنى قول ابن عباس ~~والسدي. قال السدي: آمنوا كرها يوم أخذ الميثاق، وقال مجاهد: # فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ومعاينتهم العذاب ليؤمنوا بما كذبوا ~~من قبل هلاكهم وقيل معناه فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق لهم في ~~علم الله أنهم يكذبون به حين أخرجهم من صلب آدم عليه الصلاة والسلام. # PageV02P231 # قال أبي بن كعب: كان سبق لهم في علمه يوم أقروا له بالميثاق أنهم لا ~~يؤمنون به وقال الربيع بن أنس يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى ~~لهم ربهم وأن لا يتأولوا علم ما أخفى الله تعالى عنهم فإن علمه نافذ فيما ~~كان وفيما يكون وفي ذلك قال تعالى: ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين قال: نفذ علمه ~~فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في صلب آدم عليه الصلاة والسلام. قال ~~الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول أبي بن كعب والربيع بن أنس وذلك ms1365 أن من ~~سبق في علم الله أنه لا يؤمن به فلا يؤمن أبدا وقد كان سبق في علم الله لمن ~~هلك من الأمم الذين قص خبرهم في هذه السورة أنهم لا يؤمنون أبدا فأخبر عنهم ~~أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم مكذبون به في سابق علمه قبل مجيء الرسل عند ~~مجيئهم إليهم كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين يعني كما طبع الله على قلوب ~~كفار الأمم الخالية وأهلكهم كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب ~~الله عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 102 الى 107] # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على ~~أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ~~إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # وما وجدنا لأكثرهم من عهد يعني وما وجدنا لأكثر الأمم الخالية والقرون ~~الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم ~~وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق قال ابن عباس إنما أهلك الله أهل القرى لأنهم ~~لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين أي ما وجدنا أكثرهم ~~إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا قوله عز وجل: ثم بعثنا من بعدهم يعني ~~ثم بعثنا من بعد الأنبياء الذين تقدم ذكرهم وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ~~عليهم الصلاة والسلام موسى بآياتنا يعني بحججنا وأدلتنا الدالة على صدقه ~~مثل اليد والعصا ونحو ذلك من الآيات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام ~~إلى فرعون وملائه قيل إن كل من ملك مصر كان يسمى فرعون في ذلك الزمان مثل ~~ما كان يسمى ملك الفرس كسرى وملك الروم قيصر وملك الحبشة النجاشي وكان اسم ~~فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه ms1366 الصلاة والسلام الوليد بن مصعب بن الريان ~~وكان ملك القبط والملأ إشراف قومه وإنما خصوا بالذكر لأنه إذا آمن الأشراف ~~آمن الأتباع فظلموا بها يعني: فجحدوا بها لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ~~وكانت هذه الآيات معجزات ظاهرة قاهرة فكفروا بها ووضعوا الكفر موضع الإيمان ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين أي: انظر يا محمد بعين العقل والبصيرة كيف ~~فعلنا بهم وكيف أهلكناهم وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين يعني ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام لما دخل على فرعون دعاه إلى الله تعالى وإلى ~~الإيمان به وقال له إني رسول أي مرسل إليك وإلى قومك من رب العالمين يعني ~~أن الله الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم هو الذي ~~أرسلني إليك حقيق أي واجب على أن لا أقول على الله إلا الحق يعني إني رسول ~~والرسول لا يقول على الله إلا الحق في وصفه وتنزيهه وتوحيده وأنه لا إله ~~غيره قد جئتكم ببينة من ربكم يعني ببرهان على صدقي فيما أدعي من الرسالة ~~والمراد ببينته معجزته وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى عليه الصلاة ~~والسلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم فقال موسى فأرسل معي ~~بني إسرائيل يعني خل عنهم وأطلقهم من أسرك وكان فرعون قد استعبد بني ~~إسرائيل واستعملهم في الأعمال الشاقة مثل ضرب # PageV02P232 # اللبن ونقل التراب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة قال إن كنت جئت بآية فأت ~~بها إن كنت من الصادقين يعني أن فرعون قال لموسى عليه الصلاة والسلام بعد ~~تبليغ الرسالة: إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على صدقك فأتني بها ~~وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك فيما قلت فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين أي بين، والثعبان الذكر من الحيات وصفه هنا بأنه ثعبان والثعبان من ~~الحيات العظيم الضخم ووصفه في آية أخرى بأنه جان والجان الحية الصغيرة ~~والجامع بين هذين الوصفين أنها كانت في عظم الجثة كالثعبان العظيم وفي خفة ~~الحركة ms1367 كالحية الصغيرة وهي الجان. قال ابن عباس والسدي: إن موسى لما ألقى ~~العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعا ~~وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ~~ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره ~~هاربا وأحدث وقيل إنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وقيل: إنها أخذت قبة ~~فرعون بين أنيابها وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا وقتل بعضهم بعضا فمات ~~منهم في ذلك اليوم خمسة وعشرون ألفا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك ~~بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فعادت في يده ~~عصا كما كانت وفي كون الثعبان مبينا وجوه: # الأول: أنه تميز وتبين ذلك عما عملته السحرة من التمويه والتلبيس وبذلك ~~تتميز معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تمويه السحرة وتخليهم. # الوجه الثاني: أنهم شاهدوا العصا قد انقلبت حية ولم يشتبه ذلك عليهم فذلك ~~قال ثعبان مبين أي بين. # الوجه الثالث: إن ذلك الثعبان لما كان معجزة لموسى عليه الصلاة والسلام ~~كان من أعظم الآيات التي أبانت صدق قول موسى عليه الصلاة والسلام في أنه ~~رسول من رب العالمين. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 108 الى 112] # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه ~~وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) # وقوله تعالى: ونزع يده النزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه ~~والمعنى أنه أخرج يده من جيبه أو من تحت جناحه فإذا هي بيضاء للناظرين قال ~~ابن عباس وغيره: أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعني من غير برص، ~~وقيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام أدخل يده تحت جيبه ثم نزعها منه وقيل ~~أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس وكان موسى عليه ~~الصلاة والسلام آدم اللون ثم ms1368 ردها إلى جيبه فأخرجها فإذا هي كما كانت ولما ~~كان البياض المفرط عيبا في الجسد وهو البرص قال الله تعالى في آية أخرى ~~«بيضاء من غير سوء» يعني من غير برص والمعنى فإذا هي بيضاء للنظارة ولا ~~تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يتعجب ~~منه. # ((فصل في بيان المعجزة وكونها دليلا على صدق الرسل)) اعلم أن الله تبارك ~~وتعالى كان قادرا على خلق المعرفة والإيمان في قلوب عباده ابتداء من غير ~~واسطة ولكن أرسل إليهم رسلا تعرفهم معالم دينه وجميع تكليفاته وذلك الرسول ~~واسطة بين الله عز وجل وبين عباده يبلغهم كلامه ويعرفهم أحكامه وجائز أن ~~تكون تلك الواسطة من غير البشر كالملائكة من الأنبياء وجائز أن تكون ~~الواسطة من جنس البشر كالأنبياء مع أممهم ولا مانع لهذا من جهة العقل وإذا ~~جاز هذا في دليل العقل وقد جاءت الرسل # PageV02P233 # عليهم الصلاة والسلام بمعجزات دلت على صدقهم فوجب تصديقهم في جميع ما ~~أتوا به لأن المعجز مع التهدي من النبي قائم مقام قول الله عز وجل صدق عبدي ~~فأطيعوه واتبعوه ولأن معجزة النبي شاهد على صدقه فيما يقوله وسميت المعجزة ~~معجزة لأن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها وهي على ضربين: فضرب منها هو على ~~نوع قدرة البشر ولكن عجزوا عنه فعجزهم عنه دل على أنه من فعل الله ودل على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم كتمني الموت في قوله فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين فلما صرفوا عن تمنيه مع قدرتهم عليه علم أنه من عند الله ودل على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم وسلم الضرب الثاني ما هو خارج عن قدرة البشر ~~كإحياء الموتى وقلب العصا حية وإخراج ناقة من صخرة وكلام الشجر والجماد ~~والحيوان ونبع الماء من بين الأصابع وغير ذلك من المعجزات التي عجز البشر ~~عن مثلها فإذا أتى النبي بشيء من تلك المعجزات الخارقة للعادات علم أن ذلك ~~من عند الله وأن الله عز وجل هو الذي أظهر ذلك ms1369 المعجز على يد نبيه ليكون ~~حجة له على صدقه فيما يخبر به عن الله عز وجل وقد ثبت بدليل العقل والبرهان ~~القاطع أن الله تعالى قادر على خلق الأشياء وإبداعها من غير أصل سبق لها ~~وإخراجها من العدم إلى الوجود وأنه قادر على قلب الأعيان وخوارق العادات ~~والله تعالى أعلم. # قوله عز وجل: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا يعني موسى لساحر عليم يعني ~~أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل لهم أن العصا صارت حية ويرى الشيء بخلاف ما ~~هو عليه كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون، وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان ~~هو الغالب في ذلك الزمان فلما أتى بما يعجز عنه غيره قالوا إن هذا لساحر ~~عليم. # فإن قلت: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قوم الملأ ~~لفرعون وقال في سورة الشعراء قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم فكيف الجمع ~~بينهما. # قلت: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولا ثم إنهم قالوه بعده فأخبر الله ~~تعالى عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء، وقيل: يحتمل أن فرعون قال ~~هذا القول، ثم إن الملأ من قومه وهم خاصته سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى ~~العامة فأخبر الله عز وجل هنا عن الملأ وأخبر هناك عن فرعون. # وقوله: يريد أن يخرجكم من أرضكم يعني يريد موسى أن يخرجكم أيها القبط من ~~أرض مصر فماذا تأمرون يعني: فأي شيء تشيرون أن نفعل به وقيل إن قوله فماذا ~~تأمرون من قول الملأ لأن كلام فرعون تم عند قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فقال الملأ مجيبين لفرعون فماذا تأمرون وإنما خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد ~~على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم والمعنى فما ترون أن نفعل به والقول ~~الأول أصح لسياق الآية التي بعدها وهو قوله تعالى: قالوا أرجه وأخاه يعني ~~أخر أمرهما ولا تعجل فيه فتصير عجلتك عليك لا لك والإرجاء في اللغة هو ~~التأخير لا الحبس ولأن فرعون ما كان يقدر ms1370 على حبس موسى بعد أن رأى من أمر ~~العصا ما رأى وأرسل في المدائن جمع مدينة واشتقاقها من مدن بالمكان أي أقام ~~به يعني مدائن صعيد مصر حاشرين يعني رجالا يحشرون إليك السحرة من جميع ~~مدائن الصعيد والمعنى أنهم قالوا لفرعون أرسل إلى هذه المدائن رجالا من ~~أعوانك وهم الشرط يحشرون إليك من فيها من السحرة وكان الرؤساء السحرة بأقصى ~~مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدقناه واتبعناه وإن غلبوه أنه ساحر فذلك قوله ~~يأتوك يعني الشرط بكل ساحر وقرئ سحار والفرق بين الساحر والسحار أن الساحر ~~هو المبتدئ في صناعة السحر فيتعلم ولا يعلم والسحار هو الماهر الذي يتعلم ~~منه السحر وقيل الساحر من يكون سحره وقتا دون وقت والسحار الذي يدوم سحره ~~ويعمل في كل وقت عليم يعني ماهر بصناعة السحر وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وابن إسحاق والسدي: إن فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا قال ~~إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أشد منه سحرا فاتخذ غلمانا من بني # PageV02P234 # إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها الغوصاء يعلمونهم السحر فعلموهم ~~سحرا كبيرا وواعد فرعون موسى موعدا ثم بعث إلى السحرة فجاؤوا ومعهم معلمهم ~~فقال فرعون للمعلم ماذا صنعت قال قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحر أهل الأرض ~~إلا أن يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته ~~فلم يترك ساحرا إلا أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون فقال ~~مقاتل: كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من ~~بني إسرائيل وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى ~~وكانوا سبعين غير رئيسهم وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفا، وقال محمد ~~بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا وقال محمد بن ~~المنكدر: كانوا ثمانين ألفا وقال السدي: كانوا بضعا وثمانين ألفا، ويقال: ~~رئيس القوم شمعون، وقيل: يوحنا. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 113 الى 117] # وجاء السحرة ms1371 فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر ~~عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) # قوله عز وجل: وجاء السحرة فرعون يعني لما اجتمعوا وجاءوا إلى فرعون قالوا ~~إن لنا لأجرا يعني جعلا وعطاء تكرمنا به إن كنا نحن الغالبين يعني لموسى ~~قال الإمام فخر الدين الرازي: ولقائل أن يقول كان حق الكلام أن يقول وجاء ~~السحرة فرعون فقالوا بالفاء وجوابه هو على تقدير سائل سأل ما قالوا إذا ~~جاءوا فأجيب بقوله قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين يعني لموسى قال ~~نعم يعني: قال لهم فرعون لكم الأجر والعطاء وإنكم لمن المقربين يعني ولكم ~~المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر والمعنى أن فرعون قال للسحرة إني لا أقتصر ~~معكم على الأجر بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي، ~~قال الكلبي: تكونوا أول من يدخل علي وآخر من يخرج من عندي قالوا يعني ~~السحرة يا موسى إما أن تلقي يعني عصاك وإما أن نكون نحن الملقين يعني عصينا ~~وحبالنا في هذه الآية دقيقة لطيفة وهي أن السحرة راعوا مع موسى عليه الصلاة ~~والسلام حسن الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء لا جرم أن الله عز وجل ~~عوضهم حيث تأدبوا مع نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أن من عليهم بالإيمان ~~والهداية ولما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم في ذلك قال يعني ~~قال لهم موسى ألقوا يعني أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء. # فإن قلت كيف جاز لموسى أن يأمر بالإلقاء وقد علم أنه سحر وفعل السحر غير ~~جائز؟ # قلت: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أجوبة أحدها أن معناه إن كنتم ~~محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا. # الجواب الثاني: إنما أمرهم بالإلقاء لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا ~~حبالهم وعصيهم ms1372 لم تظهر معجزة موسى في عصاه. # الجواب الثالث: أن موسى علم أنهم لا بد أن يلقوا تلك الحبال والعصي وإنما ~~وقع التخيير في التقديم والتأخير فأذن لهم في التقديم لتظهر معجزته أيضا ~~بغلبهم لأنه لو ألقى أولا لم يكن له غلب وظهور عليهم فلهذا المعنى أمرهم ~~بالإلقاء أولا فلما ألقوا يعني حبالهم وعصيهم سحروا أعين الناس يعني صرفوا ~~أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوا من التمويه والتخييل وهذا هو السحر ~~وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام التي هي فعل الله وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن ~~إدراك # PageV02P235 # ذلك الشيء والمعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى عليه الصلاة ~~والسلام حية تسعى واسترهبوهم يعني أرهبوهم وأفزعوهم بما فعلوه من السحر ~~وهذا قوله تعالى: وجاؤ يعني السحرة بسحر عظيم وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا ~~وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا، ~~ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصي زئبقا أيضا ~~وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى ~~تخيل للناس أنها حيات. ويقال: إن الأرض كانت سعتها ميلا في ميل فصارت كلها ~~حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم ~~تحصل لموسى عليه الصلاة والسلام لأجل سحرهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان ~~على يقين وثقة من الله تعالى أنهم لن يغلبوه وهو غالبهم وكان عالما بأن كل ~~ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخييل وذلك باطل ~~ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى من ذلك بل كان خوفه عليه الصلاة ~~والسلام لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوا من أمر تلك الحيات فخاف موسى ~~عليه الصلاة والسلام أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسه ~~خيفة موسى. # قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك يعني فألقاها فإذا هي تلقف ~~يعني تبتلع ms1373 ما يأفكون يعني ما يكذب فيه السحرة لأن أصل الإفك قلب الشيء عن ~~غير وجهه ومنه قيل للكذاب أفاك لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى ~~الباطل. قال المفسرون: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن ~~لا تخف وألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان ~~اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ~~ثمانين ذراعا فإذا هي تلقف يعني تبتلع كل شيء أتوا به من السحر فكانت تبتلع ~~حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك ~~المجمع ففزعوا ووقع الزحام بينهم فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا ثم ~~أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ~~ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس من قدرة البشر ~~وقوتهم فعند ذلك خروا سجدا وقالوا: آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 118 الى 125] # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~(119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى ~~وهارون (122) # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # فوقع الحق يعني فظهر الحق الذي جاء به موسى وبطل ما كانوا يعملون يعني من ~~السحر وذلك أن السحرة قالوا لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ~~فلما نفدت وتلاشت في عصا موسى علموا أن ذلك من أمر الله وقدرته فغلبوا ~~هنالك يعني فعند ذلك غلب فرعون وسحرته وجموعه وانقلبوا صاغرين يعني ورجعوا ~~ذليلين مقهورين وألقي السحرة ساجدين يعني أن السحرة لما عاينوا من عظيم ~~قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ~~ساجدين وذلك أن الله عز وجل ألهمهم معرفته والإيمان به قالوا آمنا برب ms1374 ~~العالمين فقال فرعون إياي تعنون فقالوا بل رب موسى وهارون قال مقاتل: قال ~~موسى لكبير السحرة تؤمن بي إن غلبتك فقال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ولئن ~~غلبتني لأومنن بك، وقيل: إن الحبال والعصي التي كانت مع السحرة كانت حمل ~~ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى كلها قال بعضهم لبعض هذا أمر خارج عن ~~حد السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا به وصدقوه. # PageV02P236 # فإن قلت كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود ~~على الإيمان. # قلت: لما قذف الله عز وجل في قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجدا لله ~~تعالى شكرا على هدايتهم إليه وعلى ما ألهمهم الله من الإيمان بالله وتصديق ~~رسوله ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم. وقيل: لما رأوا عظيم قدرة الله تعالى ~~وسلطانه في أمر العصا وأنه ليس يقدر على ذلك أحد من البشر وزالت كل شبهة ~~كانت في قلوبهم بادروا إلى السجود لله تعظيما لشأنه لما رأوا من عظيم قدرته ~~ثم إنهم أظهروا الإيمان باللسان. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما ~~رأت السحرة ما رأت عرفت أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر فخروا سجدوا وقالوا ~~آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. # قوله عز وجل: قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم يعني فرعون للسحرة آمنتم ~~بموسى وصدقتموه قبل أن آمركم به وآذن لكم فيه إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة يعني إن هذا الصنع الذي صنعتموه أنتم وموسى في مدينة مصر قبل ~~خروجكم إلى هذا الموضع وذلك أن فرعون رأى موسى يحدث كبير السحرة فظن فرعون ~~أن موسى وكبير السحرة قد تواطآ عليه وعلى أهل مصر وهو قوله لتخرجوا منها ~~أهلها وتستولوا عليها أنتم فسوف تعلمون فيه وعيد وتهديد يعني: فسوف تعلمون ~~ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد فقال لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف وهو أن ~~تقطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين فيخالف بينهما في القطع ثم لأصلبنكم أجمعين ~~يعني على شاطئ نيل مصر. قال ابن عباس رضي ms1375 الله عنهما: أول من صلب وأول من ~~قطع الأيدي والأرجل فرعون قالوا يعني مجيبين لفرعون حين وعدهم بالقتل إنا ~~إلى ربنا منقلبون إنا إلى ربنا راجعون وإليه صائرون في الآخرة. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 126 الى 128] # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ~~(127) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء ~~من عباده والعاقبة للمتقين (128) # وما تنقم منا وما تكره منا وما تطعن علينا وقال عطاء: معناه وما لنا عندك ~~من ذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ثم فزعوا إلى الله ~~تعالى وسألوه الصبر على تعذيب فرعون إياهم فقالوا ربنا أفرغ علينا صبرا أي ~~اصبب علينا صبرا كاملا تاما ولهذا أتى بلفظ التنكير يعني صبرا وأي صبر عظيم ~~وتوفنا مسلمين يعني واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في أول النهار سحرة ~~وفي آخر النهار شهداء. قال الكلبي: إن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم غير ~~أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون. # قوله تعالى: وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى يعني وقال جماعة من أشراف ~~قوم فرعون لفرعون أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا في الأرض يعني ~~أرض مصر وأراد بالإفساد فيها أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قوله ويذرك ~~وآلهتك يعني وتذره ليذرك ويذر آلهتك فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: كانت لفرعون بقرة كان يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم ~~بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلا. وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ ~~لقومه أصناما وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم أنا ربكم ورب هذه الأصنام وذلك ~~قوله أنا ربكم الأعلى والأولى أن يقال إن فرعون كان دهريا ms1376 منكر الوجود ~~الصانع فكان # PageV02P237 # يقول مدبر هذا العالم السفلي هي الكواكب فاتخذ أصناما على صورة الكواكب ~~وكان يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه إنه هو المطاع والمخدوم في ~~الأرض فلهذا قال أنا ربكم الأعلى وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس ~~والشعبي والضحاك ويذرك وإلهتك بكسر الألف ومعناه ويذرك وعبادتك فلا يعبدك ~~لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل أراد بالآلهة الشمس والكواكب لأنه كان ~~يعبدها قال الشاعر: # تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا # أراد بالإلاهة الشمس قال يعني فرعون مجيبا لقومه حين قالوا له أتذر موسى ~~وقومه سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم يعني نتركهن أحياء. # وذلك أن قوم فرعون لما أرادوا إغراء فرعون على قتل موسى وقومه أوجس موسى ~~إنزال العذاب بقومه ولم يقدر فرعون أن يفعل بموسى عليه الصلاة والسلام شيئا ~~مما أرادوا به لقوة موسى عليه السلام بما معه من المعجزات فعدل إلى قومه ~~فقال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قد ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ~~ولد موسى فلما جاءهم موسى بالرسالة وكان من أمره ما كان قال فرعون: أعيدوا ~~عليهم القتل فأعادوا القتل على بني إسرائيل، والمعنى أن فرعون قال إنما ~~يتقوى موسى بقومه فنحن نسعى في تقليل عدد قومه بالقتل لتقل شوكته، ثم بين ~~فرعون أنه قادر على ذلك بقوله وإنا فوقهم قاهرون يعني بالغلبة والقدرة ~~عليهم ولما نزل ببني إسرائيل ما نزل شكوا إلى موسى ما نزل بهم قال موسى ~~لقومه يعني لما شكوا إليه استعينوا بالله واصبروا يعني استعينوا بالله على ~~فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله هو الكافي لكم واصبروا على ما ~~نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم إن الأرض لله يعني أرض مصر وإن كانت ~~الأرض كلها لله تعالى يورثها من يشاء من عباده وهذا إطماع من موسى عليه ~~الصلاة والسلام لبني إسرائيل أن يهلك فرعون وقومه ويملك بني إسرائيل أرضهم ~~وبلادهم بعد إهلاكهم وهو قوله تعالى: ms1377 والعاقبة للمتقين يعني أن النصر ~~والظفر للمتقين على عدوهم، وقيل أراد الجنة يعني إن عاقبة المتقين الصابرين ~~الجنة. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 129 الى 131] # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا ~~هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (131) # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: لما آمنت السحرة تبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل والمعنى أن بني ~~إسرائيل لما سمعوا ما قاله فرعون ووعدهم به من القتل مرة ثانية قالوا لموسى ~~قد أوذينا من قبل أن تأتينا يعني بالرسالة وذلك أن بني إسرائيل كانوا ~~مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف ~~النهار فلما جاء موسى بالرسالة وجرى ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان ~~يستعملهم جميع النهار وأعاد القتل عليهم فقالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعد ما جئتنا يعني بالرسالة وظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل ~~كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر. # والجواب عن هذا الإيهام أن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد وعدهم بزوال ~~ما كانوا فيه من الشدة والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنه ~~قد زادت الشدة عليهم قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد # PageV02P238 # ما جئتنا فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه قال موسى مجيبا لهم ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم يعني فرعون وقومه ويستخلفكم في الأرض يعني ويجعلكم ~~تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم فينظر كيف تعملون يعني فيرى ربكم كيف تعملون ~~من بعدهم. قال الزجاج: فيرى وقوع ذلك منهم لأن الله تعالى لا يجازيهم بما ~~يعلمه منهم وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. # قوله عز وجل: ولقد أخذنا آل ms1378 فرعون بالسنين يعني بالقحط والجدب. تقول ~~العرب: مستهم السنة بمعنى أخذهم الجدب في السنة ويقال أسنتوا كما يقال ~~أجدبوا قال الشاعر: # ورجال مكة مسنتون عجاف ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعلها عليهم ~~سنين كسني يوسف» ومعنى الآية: ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع ~~سنة بعد سنة ونقص من الثمرات يعني وإتلاف الغلات بالآفات. قال قتادة أما ~~السنون فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار لعلهم يذكرون يعني ~~لعلهم يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي وذلك لأن الشدة ترقق ~~القلوب وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير، ثم بين الله تعالى أنهم عند ~~نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا فقال ~~تعالى: فإذا جاءتهم الحسنة يعني الغيث والخصب والسعة والعافية والسلامة من ~~الآفات قالوا لنا هذه أي نحن مستحقون لها ونحن أهلها على العادة التي جرت ~~لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم فيشكروه ~~على إنعامه وإن تصبهم سيئة يعني القحط والجدب والمرض والبلاء ورأوا ما ~~يكرهون في أنفسهم يطيروا يعني يتشاءموا وأصله يتطيروا والتطير التشاؤم في ~~قول جميع المفسرين بموسى ومن معه يعني أنهم قالوا ما أصابنا بلاء إلا حين ~~رأيناهم وما ذلك إلا بشؤم موسى وقومه. قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: ~~كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين وسنة لم يروا مكروها قط ولو ~~كان حصل له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى ~~الربوبية قط ألا إنما طائرهم عند الله يعني أن نصيبهم من الخصب والجدب ~~والخير والشر كله من الله قال ابن عباس رضي الله عنهما طائرهم ما قضي لهم ~~وقدر عليهم من عند الله وفي رواية عنه شؤمهم عند الله تعالى ومعناه أنه ~~إنما جاءهم بكفرهم بالله وقيل الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب ~~النار ولكن أكثرهم لا يعلمون يعني أن ما أصابهم من الله تعالى وإنما قال ms1379 ~~أكثرهم لا يعلمون لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا يضيفونها ~~إلى القضاء والقدر. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 132 الى 133] # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) # قوله تعالى: وقالوا يعني قوم فرعون وهم القبط لموسى عليه السلام مهما ~~تأتنا به من آية يعني من عند ربك فهي عندنا سحر وهو قولهم لتسحرنا بها يعني ~~لتصرفنا عما نحن عليه من الدين فما نحن لك بمؤمنين يعني بمصدقين وكان موسى ~~عليه الصلاة والسلام رجلا حديدا مستجاب الدعوة فدعا عليهم فاستجاب الله عز ~~وجل دعاءه فقال تعالى فأرسلنا عليهم الطوفان قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق: دخل كلام بعضهم في بعض قالوا لما ~~آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوبا أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر ~~والتمادي في الشر فتابع الله عز وجل عليهم الآيات فأخذهم أولا بالسنين وهو ~~بالقحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا ~~فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن ~~قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة # PageV02P239 # ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله ~~عليهم المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مختلفة مشتبكة ~~فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم ~~يدخل من ذلك الماء في بيوت إسرائيل شيء وركد الماء على أرضهم فلم يقدروا ~~على التحرك ولم يعلموا شيئا ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى ~~السبت. # وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة أهل ~~اليمن. # وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به ثم بقي في الأرض. ~~وقال مقاتل: الطوفان الماء طفا فوق حروثهم. وفي رواية ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الطوفان أمر ms1380 من الله عز وجل طاف بهم فعند ذلك قالوا يا موسى ادع ~~لنا ربك ليكشف عنا هذا المطر ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى ~~عليه الصلاة والسلام ربه فرفع عنهم الطوفان وأنبت الله لهم تلك السنة شيئا ~~لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم فقالوا ما كان هذا ~~الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية فبعث الله عليهم ~~الجراد فأكل عامة زرعهم وثمارهم وورق الشجر وأكل الأبواب وسقوف البيوت ~~والخشب والثياب والأمتعة وأكل مسامير الحديد التي في الأبواب وغيرها وابتلي ~~الجراد بالجوع فكان لا يشبع وامتلأت دور القبط منه ولم يصب بني إسرائيل من ~~ذلك شيء فعجوا وضجوا وقالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا هذا الرجز ~~لنؤمنن لك وأعطوه عهد الله وميثاقه بذلك فدعاه موسى ربه عز وجل فكشف الله ~~عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت وفي الخبر ~~«مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم» ويقال إن موسى عليه السلام خرج ~~إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق فرجع الجراد من حيث جاء وكان قد بقي من ~~زروعهم وثمارهم بقية فقالوا قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا ~~فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة فأقاموا ~~شهرا في عافية ثم بعث الله عز وجل عليهم القمل واختلفوا فيه فروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القمل هو السوس الذي يخرج من الحنطة. ~~وقال مجاهد وقتادة والسدي والكلبي: القمل الدبي وهو صغار الجراد الذي لا ~~أجنحة له. وقال الحسن: يقرأ بفتح القاف وسكون الميم. قال أصحاب الأخبار أمر ~~الله عز وجل موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب رملي أعفر بقرية من قرى مصر ~~تسمى عين شمس فمشى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه فانهال عليهم القمل فتتبع ما ~~بقي من حروثهم وزروعهم وثمارهم فأكلها كلها ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب ~~أحدهم ms1381 وجلده فيعضه فإذا أكل أحدهم طعاما امتلأ قملا. قال سعيد بن المسيب: # القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى ~~الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل ~~وأخذت أشعارهم وأبصارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ~~عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا بموسى إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا ~~هذا البلاء فدعا موسى فرفع الله عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من ~~السبت إلى السبت فمكثوا بعد ذلك ورجعوا إلى أخبث ما كانوا عليه من الأعمال ~~الخبيثة وقالوا ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل ~~دوابا فدعا موسى عليهم بعد ما أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم ~~الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما ~~إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل منهم يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا ~~أراد أن يتكلم يثب الضفدع فيدخل في فيه وكانت تثب في قدورهم فتفسد طعامهم ~~عليهم وتطفئ نيرانهم وكان أحدهم إذا اضطجع ركبته الضفادع حتى تكون عليه ~~ركاما فلا يستطيع أن ينقلب إلى شقه الآخر وإذا أراد أن يأكل سبقه الضفدع ~~إلى فيه ولا يعجن أحدهم عجينا إلا امتلأ ضفادع فلقوا من ذلك بلاء شديدا. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت الضفادع برية فلما ~~أرسلها الله عز وجل على آل # PageV02P240 # فرعون وسمعت وأطاعت وجعلت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي على النار وفي ~~التنانير وهي تفور أثابها الله عز وجل بحسن طاعتها برد الماء فلما رأوا ذلك ~~بكوا وشكوا إلى موسى عليه الصلاة والسلام ما يلقونه من الضفادع وقالوا هذه ~~المرة نتوب ولا نعود فأخذ موسى عليه السلام عليهم العهود والمواثيق ثم دعا ~~الله عز وجل فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقامت عليهم سبعا من السبت إلى السبت ~~فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا إلى كفرهم فدعا عليهم موسى ~~عليه الصلاة ms1382 والسلام فأرسل الله عز وجل الدم فسال النيل عليهم دما عبيطا ~~وصارت مياههم كلها دما وكل ما يستقون من الآبار والأنهار يجدونها دما عبيطا ~~فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا: # ليس لنا شراب إلا الدم، فقال: سحركم. فقالوا: من أين يسحرنا ونحن لا نجد ~~في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا. فكان فرعون يجمع بين القبطي ~~والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ~~ويفرغان الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى أن المرأة ~~من آل فرعون تأتي إلى المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول لها ~~اسقني من مائك فتصب لها في قربتها فيصير في الإناء ماء حتى كانت تقول ~~اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي فتفعل ذلك فيصير دما ثم إن فرعون اعتراه ~~العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما ~~فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم. وقال زيد بن أسلم: إن الدم ~~الذي سلط الله عز وجل عليهم كان الرعاف فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام ~~وشكوا إليه ما يلقوه وقالوا ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنحن نؤمن بك ~~ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه فكشف عنهم ذلك ~~فلم يؤمنوا فذلك قوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات يعني يتبع بعضها بعضا وتفصيلها أن كل عذاب كان ~~يقوم عليهم أسبوعا وبين كل عذابين مدة شهر فاستكبروا يعني عن الإيمان فلم ~~يؤمنوا وكانوا قوما مجرمين يعني آل فرعون. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 134 الى 136] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) # قوله تعالى: ولما وقع عليهم الرجز يعني لما نزل بهم العذاب الذي ذكره ms1383 في ~~الآية المتقدمة هو الطوفان وما بعده وقال سعيد بن جبير الرجز الطاعون وهو ~~العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت فنزل بهم الطاعون حتى مات منهم ~~في يوم واحد سبعون ألفا فأمسوا وهم لا يتدافنون (ق). عن أبي أسامة بن زيد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني ~~إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع ~~بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه». # وقوله تعالى: قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك يعني بما أوصاك ~~وقيل بما عهد عندك من إجابة دعوتك لئن كشفت عنا الرجز يعني العذاب الذي وقع ~~بنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل حتى يذهبوا حيث شاؤوا فلما كشفنا ~~عنهم الرجز يعني بدعوة موسى عليه الصلاة والسلام إلى أجل هم بالغوه يعني ~~إلى الوقت الذي أجل لهم وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم إذا هم ينكثون يعني ~~إذا هم ينقضون العهد الذي التزموه فلم يفوا به. # واعلم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات هي معجزات في الحقيقة دالة ~~على صدق موسى عليه الصلاة والسلام ووجه ذلك أن العذاب كان مختصا بآل فرعون ~~دون بني إسرائيل فاختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز وكون بني إسرائيل في ~~أمان منه وعافية وقوم فرعون في شدة وعذاب وبلاء مع اتحاد المساكن معجز ~~أيضا. # PageV02P241 # فإن اعترض معترض وقال إن الله تعالى علم من حال آل فرعون أنهم لا يؤمنون ~~بتلك المعجزات فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها. # فالجواب على مذهب أهل السنة إن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا ~~يسأل عما يفعل وأما على قول المعتزلة في رعاية المصلحة فلعله تعالى علم من ~~قوم فرعون أن بعضهم كان يؤمن بتوالي تلك المعجزات وظهورها فلهذا السبب ~~والاها عليهم والله أعلم بمراده. # قوله عز وجل: فانتقمنا منهم يعني كافأناهم عقوبة لهم سوء صنيعهم. وأصل ~~الانتقام في اللغة سلب النعمة ms1384 بالعذاب فأغرقناهم في اليم والمعنى أنه تعالى ~~لما كشف عنهم العذاب مرات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا عن كفرهم فلما بلغوا الأجل ~~الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق فذلك قوله فأغرقناهم في اليم ~~يعني البحر واليم الذي لا يدرك قعره وقيل هو لجة جر البحر ومعظم مائه. قال ~~الزهري: اليم معروف لفظة سريانية عربتها العرب ويقع اسم على البحر الملح ~~والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى: فاقذفيه في اليم والمراد به نيل مصر ~~وهو عذب بأنهم كذبوا بآياتنا يعني أهلكناهم وأغرقناهم بسبب أنهم كذبوا ~~بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق نبينا وكانوا عنها يعني عن آياتنا ~~غافلين يعني معرضين وقيل كانوا على حلول النقمة بهم غافلين. # ولما كان الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها كالغفلة عنها سموا ~~غافلين تجوزا لأن الغفلة ليست من فعل الإنسان. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 137 الى 140] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ~~(139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) # قوله عز وجل: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون يعني ومكنا القوم الذين ~~كانوا يقهرون ويغلبون على أنفسهم وهو أن فرعون وقومه كانوا قد تسلطوا على ~~بني إسرائيل فقتلوا أبناءهم واستخدموهم فصيروهم مستضعفين تحت أيديهم مشارق ~~الأرض ومغاربها يعني أرض الشام ومصر وأراد بمشارقها ومغاربها جميع جهاتها ~~ونواحيها. وقيل: أراد بمشارق الأرض ومغاربها الأرض المقدسة وهو بيت المقدس ~~وما يليه من الشرق والغرب. وقيل: أراد جميع جهات الأرض وهو اختيار الزجاج ~~قال: لأن داود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما كانا من بني إسرائيل وقد ~~ملكا الأرض. # وقوله عز وجل: التي باركنا فيها يدل على أنها الأرض المقدسة ms1385 يعني باركنا ~~فيها بالثمار والأشجار والزروع والخصب والسعة وتمت كلمت ربك الحسنى على بني ~~إسرائيل يعني وتمت كلمة الله وهي وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض ~~من بعدهم وقيل كلمة الله هي قوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~الآية والحسنى صفة للكلمة وهي تأنيث الأحسن وتمامها إنجاز ما وعدهم به من ~~تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم بما صبروا يعني إنما حصل لهم ذلك التمام وهو ~~ما أنعم الله تعالى به عليهم من إنجاز وعده لهم بسبب صبرهم على دينه وأذى ~~فرعون لهم ودمرنا يعني وأهلكنا والدمار الهلاك باستئصال ما كان # PageV02P242 # يصنع فرعون وقومه في أرض مصر من العمارات والبنيان وما كانوا يعرشون يعني ~~يسقفون من ذلك البنيان وقال مجاهد: ما كانوا يبنون من البيوت والقصور. وقال ~~الحسن: وما كانوا يعرشون من الثمار والأعناب. # قوله عز وجل: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر يعني وقطعنا ببني إسرائيل البحر ~~بعد إهلاك فرعون وقومه وإغراقهم فيه يقال جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه ~~وراء ظهره. # وقال الكلبي عبر موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا ~~لله تعالى: فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم يعني فمر بنو إسرائيل بعد ~~مجاوزة البحر على قوم يعكفون أي يقيمون ويواظبون على أصنام لهم يعني تماثيل ~~لهم كانوا يعبدونها من دون الله. قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل ~~بقر وذلك أول شأن العجل. وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا ~~بالرقة يعني بالرقة ساحل البحر وقيل كان أولئك الأقوام من الكنعانيين الذين ~~أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقتالهم قالوا يعني قال بنو إسرائيل لموسى ~~لما رأوا ذلك التمثال يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة يعني كما لهم ~~أصنام يعبدونها ويعظمونها فاجعل لنا أنت إلها نعبده ونعظمه. قال البغوي ~~رحمه الله: ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى وإنما ~~معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا ~~يضر ms1386 الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم وقال غيره هذا يدل على غاية جهل بني ~~إسرائيل وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعد ما رأوا ~~الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت ~~على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم وعبادتهم غير الله ~~تعالى فحملهم جهلهم على أن قالوا لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة فرد عليهم موسى عليه الصلاة والسلام بقوله قال إنكم قوم ~~تجهلون يعني تجهلون عظمة الله تعالى وأنه لا يستحق أن يعبد سواه لأنه هو ~~الذي أنجاكم من فرعون وقومه فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه. عن أبي واقد ~~الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة ~~حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ~~فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل إلها كما لهم ~~آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم» أخرجه الترمذي. # وقوله تعالى: إن هؤلاء متبر ما هم فيه أي مهلك والتتبير الإهلاك وباطل ما ~~كانوا يعملون البطلان عبارة عن عدم الشيء إما بعدم ذاته أو بعدم فائده ~~ونفعه والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا يدفع ~~عنهم ضرا لأنه عمل لغير الله تعالى فكان باطلا لا نفع فيه قال أغير الله ~~أبغيكم إلها لما قال بنو إسرائيل لموسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة حكم عليهم بالجهالة وقال مجيبا لهم على سبيل العجب والإنكار ~~عليهم أغير الله أبغيكم إلها يعني أطلب لكم وأبغي لكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين والمعنى أن الإله ليس هو شيئا يطلب ويلتمس ويتخير بل الإله هو ~~الذي فضلكم على العالمين لأنه القادر على الإنعام والإفضال فهو هذا الذي ~~يستحق أن يعبد ويطاع لا ms1387 عبادة غيره ومعنى قوله فضلكم على العالمين يعني على ~~عالمي زمانكم وقيل فضلهم بما خصهم به من الآيات الباهرة التي لم تحصل ~~لغيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم. # PageV02P243 ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 141 الى 143] # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في ~~قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ~~قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال ~~سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) # قوله عز وجل: وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم هذه الآية تقدم ~~تفسيرها في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو ~~الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره ~~حتى تقولوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. # قوله عز وجل: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة يعني وواعدنا موسى عليه الصلاة ~~والسلام لمناجاتنا ثلاثين ليلة وهي ذو القعدة وأتممناها بعشر يعني عشر ذي ~~الحجة وهذا قول ابن عباس ومجاهد. قال المفسرون إن موسى عليه الصلاة والسلام ~~وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند ~~الله عز وجل فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما أهلك الله تعالى فرعون سأل ~~موسى ربه عز وجل أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل فأمره أن ~~يصوم ثلاثين يوما فصامها فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب وقيل بل ~~أكل من ورق الشجر فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته ~~بالسواك فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له أما علمت أن خلوف فم ~~الصائم أطيب عندي من ريح ms1388 المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي ~~زادها الله عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام وقيل إن الله تعالى أمر موسى ~~عليه الصلاة والسلام أن يصوم ثلاثين يوما ويعمل فيها ما يتقرب به إلى الله ~~ثم كلمه وأعطاه الألواح في العشر التي زادها فلهذا قال: وتممناها بعشر وهذا ~~التفصيل الذي ذكره هنا هو تفصيل ما أجمله في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ~~وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة فذكره هناك على الإجمال وذكره هنا على ~~التفصيل. # وقوله تعالى: فتم ميقات ربه أربعين ليلة يعني فتم الوقت الذي قدره الله ~~لصوم موسى عليه الصلاة والسلام وعبادته أربعين ليلة لأن الميقات هو الوقت ~~الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال ولهذا قيل مواقيت الحج وقال موسى ~~لأخيه هارون اخلفني في قومي يعني كن أنت خليفتي فيهم من بعدي حتى أرجع إليك ~~وأصلح يعني وأصلح أمور بني إسرائيل واحملهم على عبادة الله تعالى. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: # يريد الرفق بهم والإحسان إليهم ولا تتبع سبيل المفسدين يعني ولا تسلك ~~طريق المفسدين في الأرض ولا تطعهم والمقصود من هذا الأمر التأكيد لأن هارون ~~عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يتبع سبيل المفسدين فهو كقوله ولكن ليطمئن ~~قلبي وكقولك للقاعد اقعد بمعنى دم على ما أنت عليه من القعود. # قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا يعني للوقت الذي وقتنا له أن يأتي ~~فيه لمناجاتنا وهو قوله وكلمه ربه وفي هذه الآية دليل على أن الله عز وجل ~~كلم موسى عليه الصلاة والسلام واختلف الناس في كلام الله تعالى فقال ~~الزمخشري كلمه ربه عز وجل من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق ~~الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في الألواح هذا كلامه ~~وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن الشجرة أو ذلك الجرم لا ~~يقول «إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري» فثبت بذلك ~~بطلان ما قالوه وذهبت الحنابلة ومن وافقهم ms1389 إلى أن كلام الله تعالى حروف ~~وأصوات متقطعة وأنه قد تم وذهب جمهور المتكلمين إلى أن كلام الله تعالى صفة ~~مغايرة لهذه الحروف والأصوات وتلك الصفة قديمة أزلية والقائلون بهذا القول ~~قالوا إن موسى عليه الصلاة والسلام سمع تلك الصفة الأزلية الحقيقية وقالوا ~~كما أنه لا يبعد رؤية ذاته وليس جسما ولا # PageV02P244 # عرضا كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه ليس بصوت ولا حرف ومذهب أهل ~~السنة وجمهور العلماء من السلف والخلف إن الله تعالى متكلم بكلام قديم ~~وسكتوا عن الخوض في تأويله وحقيقته. قال أهل التفسير والأخبار: لما جاء ~~موسى عليه الصلاة والسلام لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام ثم أتى طور ~~سيناء وفي القصة أن الله تعالى أنزل ظلة تغشت الجبل على أربع فراسخ من كل ~~ناحية وطرد عنه الشيطان وهو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى ~~الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وأدنى ربه حتى سمع صريف الأقلام ~~على الألواح وكلمه الله تبارك وتعالى وناجاه وأسمعه كلامه وكان جبريل عليه ~~السلام معه فلم يسمع ما كلم الله تعالى به موسى فاستحلى كلام ربه عز وجل ~~واشتاق إلى رؤيته قال رب أرني أنظر إليك قال الزجاج: فيه اختصار تقديره ~~أرني نفسك أنظر إليك وقال ابن عباس معناه أعطني أنظر إليك وإنما سأل موسى ~~عليه الصلاة والسلام الرؤية مع علمه بأن الله تعالى لا يرى في الدنيا لما ~~هاج به من الشوق وفاض عليه من أنواع الجلال حتى استغرق في بحر المحبة فعند ~~ذلك سأل الرؤية وقيل إنما سأل الرؤية ظنا منه بأنه تعالى يرى في الدنيا ~~فتعالى الله عن ذلك قال لن تراني يعني ليس لبشر أن يراني في الدنيا ولا ~~يطيق النظر إلي في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات فقال موسى عليه الصلاة ~~والسلام: إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت ~~أحب إلي من أن أعيش ولا أراك. وقال السدي: لما كلم الله تعالى موسى ms1390 عليه ~~الصلاة والسلام غاص عدو الله إبليس الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي ~~موسى فوسوس إليه أن مكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه ~~الرؤية فقال «رب أرني أنظر إليك» قال الله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة ~~والسلام «لن تراني». # ((فصل)) وقد تمسك من نفي الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض ~~المرجئة بظاهر هذه الآية وهو قوله تعالى: لن تراني قالوا لن تكون للتأبيد ~~والدوام ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة وما ~~قالوه في أن لن تكون للتأبيد خطأ بين ودعوى على أهل اللغة إذ ليس يشهد لما ~~قالوه نص عن أهل أهل اللغة والعربية ولم يقل به أحد منهم ويدل على صحة ذلك ~~قوله تعالى في صفة اليهود «ولن يتمنوه أبدا» مع أنهم يتمنون الموت يوم ~~القيامة يدل عليه قوله تعالى: ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقوله يا ~~ليتها كانت القاضية فإن قالوا إن لن معناها تأكيد النفي كلا التي تنفي ~~المستقبل قلنا إن صح هذا التأويل فيكون معنى لن تراني محمولا على الدنيا أي ~~لن تراني في الدنيا جمعا بين دلائل الكتاب والسنة فإنه قد ثبت في الحديث ~~الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيمة في الدار الآخرة وأيضا فإن ~~موسى عليه الصلاة والسلام كان عارفا بالله تعالى وبما يجب ويجوز ويمتنع على ~~الله عز وجل وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على ~~الله تعالى لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام فحيث سألها علمنا أن الرؤية ~~جائزة على الله تعالى وأيضا فإن الله عز وجل علق رؤيته على أمر جائز ~~والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون الرؤية في نفسها جائزة وإنما ~~قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل وهو قوله تعالى: ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني وهو أمر جائز الوجود في نفسه ~~وإذا كان كذلك ثبت أن ms1391 رؤيته جائزة الوجود لأن استقرار الجبل غير مستحيل عند ~~التجلي إذا جعل الله تعالى له قوة على ذلك والمعلق بما لا يستحيل لا يكون ~~محالا والله أعلم بمراده. # قال وهب ومحمد بن إسحاق: لما سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل ~~الرؤية أرسل الله الضباب والرياح والصواعق والرعد والبرق والظلمة حتى أحاطت ~~بالجبل الذي عليه موسى عليه الصلاة والسلام أربع # PageV02P245 # فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى أهل السموات أن يعترضوا على موسى عليه ~~الصلاة والسلام فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم ~~بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد فقال موسى: # رب إني كنت عن هذا غنيا ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية أن ~~اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه مثل الأسود لهم لجب بالتسبيح ~~والتقديس ففزع العبد الضعيف موسى بن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في ~~رأسه وبدنه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني مما أنا فيه شيء فقال ~~له خير الملائكة ورئيسهم: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم ~~أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا ~~عليه أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس ~~لهم جلب كجلب الجيش العظيم أو النهم كلهب النار ففزع موسى واشتد فزعه وأيس ~~من الحياة فقال له خير الملائكة ورئيسهم: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا ~~صبر لك عليه ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا على موسى ~~فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا قبلهم ألوانهم كلهب ~~النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا ~~يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد ~~بكاؤه فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من ~~كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة اهبطوا على موسى فاعترضوا ~~عليه فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان ms1392 فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ولم ير ~~مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال ~~له خير الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصير عليه ثم ~~أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا ~~عليه وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءا من ~~الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ~~الملائكة كلهم يقولون بشدة أصواتهم سبوح قدوس رب العزة أبدا لا يموت في رأس ~~كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى عليه الصلاة والسلام رفع صوته يسبح ~~معهم وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك فلا أدري أأنفلت مما أنا فيه ~~أم لا إن خرجت احترقت وإن أقمت مت فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت ~~يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى ~~أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انصدع الجبل من ~~عظمة الرب سبحانه وتعالى ورفعت الملائكة أصواتهم جميعا يقولون سبحان الملك ~~القدوس رب العزة أبدا لا يموت فارتج الجبل لشدة أصواتهم واندك واندكت كل ~~شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فأرسل ~~الله تعالى برحمته الروح فتغشته وقلب عليه الحجر الذي كان جلس عليه موسى ~~فصار عليه كهيئة القبة لئلا يحترق موسى عليه الصلاة والسلام وأقامت الروح ~~عليه مثل اللامة فلما أفاق موسى قام يسبح ويقول آمنت بك وصدقت أنه لا يراك ~~أحد فيحيا ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب ~~الأرباب وملك الملوك والإله العظيم لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت ~~إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك يا رب العالمين فذلك قوله ~~تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال ابن عباس: ظهر نور ربه للجبل فصار ~~ترابا واسم الجبل زبير. ms1393 # وقال الضحاك أظهر الله عز وجل من نور الحجب مثل منخر الثور. وقال عبد ~~الله بن سلام وكعب الأحبار ما تجلى للجبل من الله تعالى إلا مثل سم الخياط ~~حتى صار دكا. وقال السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ثابت عن ~~أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذا ~~ووضع الإبهام على الفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل ذكره البغوي هكذا بغير ~~سند وأخرجه الترمذي أيضا عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال حماد هكذا وأمسك بطرف إبهامه على أنملة ~~إصبعه اليمنى فساخ الجبل وخر موسى عليه السلام صعقا. وقال الترمذي حديث حسن ~~صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة # PageV02P246 # ويروى عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا ~~قدر الدرهم فجعل الجبل دكا يعني مستويا بالأرض وقال ابن عباس: جعله ترابا ~~وقال سفيان ساخ الجبل حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفي صار ~~رملا هائلا وقال الكلبي جعله دكا يعني كسرا جبالا صغارا وقيل إنه صار لعظمة ~~الله تعالى ستة أجبل فوقع ثلاثة بالمدينة وهي: أحد وورقان ورضوى ووقع ثلاثة ~~بمكة وهي: ثور وثبر وحراء وقوله تعالى: # وخر موسى صعقا قال ابن عباس والحسن يعني مغشيا عليه. وقال قتادة يعني ~~ميتا والأول أصح لقوله فلما أفاق والميت لا إفاقة له إنما يقال أفاق من ~~غشيته قال الكلبي صعق موسى عليه الصلاة والسلام يوم الخميس وهو يوم عرفة ~~وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. وقال الواقدي: لما خر موسى صعقا قالت ~~ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال الرؤية وفي بعض الكتب أن ملائكة ~~السموات أتوا موسى وهو في غشيته فجعلوا يركلونه ويقولون يا ابن النساء ~~الحيض أطمعت في رؤية رب العزة فلما أفاق يعني من غشيته ورجع عقله إليه وعرف ~~أنه سأل أمرا عظيما لا ينبغي ms1394 له قال سبحانك يعني تنزيها لك من النقائص كلها ~~تبت إليك يعني من مسألتي الرؤية بغير إذنك وقيل من سؤال الرؤية في الدنيا ~~وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال سبحانك ~~تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي وقيل لما سأل الرؤية ومنعها قال تبت إليك ~~يعني من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئات المقربين وأنا أول المؤمنين يعني ~~بأنك لا ترى في الدنيا وقيل وأنا أول المؤمنين يعني من بني إسرائيل بقي في ~~الآية سؤالات: الأول أن الرؤية عين النظر فكيف قال أرني أنظر إليك وعلى هذا ~~يكون التقدير أرني حتى أراك؟ والجواب عنه: أن معنى قوله أرني اجعلني متمكن ~~من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك. # السؤال الثاني كيف قال لن تراني ولم يقل لن تنظر إلي حتى يكون مطابقا ~~لقوله «أنظر إليك»؟ والجواب: أن النظر لما كان مقدمة الرؤية كان المقصود هو ~~الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه. # السؤال الثالث: كيف استدرك وكيف اتصل الاستدراك من قوله: ولكن انظر إلى ~~الجبل بما قبله؟ # والجواب أن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤيته ~~تعالى إلا من قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ألا ترى أنه لما ظهر أصل ~~التجلي للجبل اندك وتقطع فهذا هو المراد من هذا الاستدراك لأنه يدل على ~~تعظيم أمر الرؤية والله أعلم بمراده. # ### || [سورة الأعراف (7): آية 144] # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) # قوله عز وجل: قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي يعني ~~قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام يا موسى إني اخترتك واتخذتك ~~صفوة. الاصطفاء الاستخلاص من الصفوة والاجتباء والمعنى إني فضلتك واجتبيتك ~~على الناس وفي هذا تسلية لموسى عليه الصلاة والسلام عن منع الرؤية حين ~~طلبها لأن الله تعالى عدد عليه نعمه التي أنعم بها عليه وأمره أن يشتغل ~~بشكرها كأنه قال له إن كنت منعت من الرؤية التي طلبت فقد ms1395 أعطيتك من النعم ~~العظيمة كذا وكذا فلا يضيقن صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع ~~النعم التي خصصتك بها ويه الاصطفاء على الناس برسالاتي وبكلامي يعني من غير ~~واسطة لأن غيره من الرسل منع كلام الله تعالى إلا بواسطة الملك. # فإن قلت كيف قال اصطفيتك على الناس برسالاتي مع أن كثيرا من الأنبياء قد ~~ساواه في الرسالة قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال جوابين: # أحدهما: ذكره البغوي فقال لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس ~~كافة استقام قوله «اصطفيتك على الناس» وإن شاركه فيها غيره كما يقول الرجل ~~للرجل خصصتك بمشورتي وإن كان قد شاور غيره إذا لم تكن # PageV02P247 # المشورة على العموم فيكون مستقيما وفي هذا الجواب نظر لأن من جملة من ~~اصطفاه الله برسالته محمدا صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من موسى عليه ~~الصلاة والسلام فلا يستقيم هذا الجواب الجواب الثاني ذكره الإمام فخر الدين ~~الرازي فقال: إن الله تعالى بين أنه خصه بمجموع أمرين وهما الرسالة مع ~~الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره فثبت أنه إنما حصل التخصيص ~~هاهنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة وإنما كان الجواب بغير واسطة سببا ~~لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر لأن من سمع كلام الملك العظيم من فيه ~~كان أعلى وأشرف ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب وهذا الجواب فيه نظر أيضا ~~لأن محمدا صلى الله عليه وسلم اصطفاه برسالته وكلمه ليلة المعراج بغير ~~واسطة وفرض عليه وعلى أمته الصلوات وخاطبه بيا محمد يدل عليه قوله فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى # ورفعه إلى حيث سمع صريف الأقلام وهذا كله يدل على مزيد الفضل والشرف على ~~موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء فلا يستقيم هذا الجواب أيضا ~~والذي يعتمد في هذا الجواب عن هذا السؤال أن الله اصطفى موسى عليه الصلاة ~~والسلام برسالته وبكلامه على الناس الذين كانوا في زمانه وذلك أنه لم يكن ~~في ذلك الوقت أعلى منصبا ولا أشرف ولا أفضل منه وهو صاحب ms1396 الشريعة الظاهرة ~~وعليه نزلت التوراة فدل ذلك عليه أنه اصطفاه على ناس زمانه كما اصطفى قومه ~~على عالمي زمانهم وهو قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين قال المفسرون: يعني على عالمي زمانهم. # وقوله تعالى: فخذ ما آتيتك يعني ما فضلتك وأكرمتك به وكن من الشاكرين ~~يعني على إنعامي عليك وفي القصة أن موسى عليه الصلاة والسلام كان بعد ما ~~كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على ~~وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن ~~وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت ساجدة وقالت ادع ~~الله أن يجعلني زوجتك في الجنة قال ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي فإن المرأة ~~لآخر أزواجها قوله تعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): آية 145] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # وكتبنا له في الألواح قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة والمعنى وكتبنا ~~لموسى في ألواح التوراة قال البغوي وفي الحديث كانت من سدر الجنة طول اللوح ~~إثنا عشر ذراعا وجاء في الحديث خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده ~~وغرس شجرة طوبى بيده. وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. وقال الكلبي من ~~زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير من ياقوتة حمراء. وقال ابن جريج من زمرد ~~أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى جاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم ~~الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور. وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح ~~من زبرجد وقال وهب: أمره الله بقطع أرواح من صخرة صماء لينها له فقطعها ~~بيده ثم شقها بإصبعه وسمع موسى عليه الصلاة والسلام صرير الأقلام بالكلمات ~~العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة كان طول الألواح عشرة أذرع على طول ~~موسى وقيل إن موسى خر صعقا يوم عرفه ms1397 فأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ~~وهذا أقرب إلى الصحيح عنه أنها لوحان واختاره الفراء قال وإنما جمعت على ~~عدة العرب في إطلاق الجمع على الإثنين وقال وهب كانت عشرة ألواح. وقال ~~مقاتل: كانت تسعة. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي وقر سبعين بعيرا ~~يقرأ لجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع بن نون وعزيز ~~وعيسى عليهم الصلاة والسلام والمراد بقوله لم يقرأها يعني لم يحفظها ~~ويقرأها عن ظهر قلبه إلا هؤلاء الأربعة. وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ~~بألف آية يعني قوله وكتبنا له في الألواح من كل شيء يعني يحتاج إليه من أمر ~~ونهي موعظة يعني نهيا عن الجهل وحقيقة الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف ~~عاقبته وتفصيلا لكل شيء يعني وتبيينا لكل شيء # PageV02P248 # من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام مما يحتاج إليه في ~~أمور الدين وروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه قال: كتب له يعني في التوراة ~~لا تشرك بي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي ولا تحلف ~~باسمي كاذبا فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه ووقر والديك. وروى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى عليه الصلاة والسلام نظر في التوراة ~~فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا ~~الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى فقال رب إني لأجد ~~أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء ~~الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون ~~كفارتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون ~~والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا ~~رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله ~~الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما ms1398 كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم ~~بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من آثار الوضوء ~~فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة ~~ولم يعلمها كتب له حسنة بمثلها وإن عملها كتبت بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء ~~يرثون الكتاب الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات فلا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: ~~رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في ~~صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد ~~منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء من البحر فاجعلهم ~~أمتي قال هي أمة محمد فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله عز وجل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وأمته قال يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله إليه ثلاث ~~آيات يرضيه بهن يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي- إلى قوله- ~~سأريكم دار الفاسقين ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون قال فرضي # موسى كل الرضا. # وقوله تعالى: فخذها بقوة يعني وقلنا لموسى عليه الصلاة والسلام إذا كتبنا ~~له في الألواح من كل شيء خذها بجد واجتهاد. وقيل معناه فخذها بقوة قلب وصحة ~~عزيمة ونية صادقة لأن من أخذ شيئا بضعف نية أداه إلى الفتور وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها قال ابن عباس: يحلوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا ~~أمثالها ويعلموا بمحكمها ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه الصلاة ~~والسلام أشد عبادة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به وقيل ظاهر قوله وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها يدل على أن بين التكليفين فرقا ليكون في هذا الفصل فائدة ~~وهي أن التكليف كان على موسى أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره من ~~قومه. # فإن قلت ظاهر قوله تعالى: يأخذوا بأحسنها يدل على ms1399 أن فيها ما ليس بحسن ~~وذلك لم يقل به أحد فما معنى قوله يأخذوا بأحسنها؟ قلت إن التكليف كله حسن ~~وبعضه أحسن كالقصاص حسن ولكن العفو أحسن وكالانتصار حسن والصبر أحسن منه ~~فأمروا أن يأخذوا بالشد على أنفسهم ليكون ذلك أعظم من الثواب فهو كقوله ~~اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم وكقوله الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه وقيل إن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح والأحسن الأخذ ~~بالأشد والأشق على النفس وقيل معناه بأحسنها بحسنها وكلها حسن. # قوله تعالى: سأريكم دار الفاسقين قال مجاهد: يعني مصيركم في الآخرة وقال ~~الحسن وعطاء يريد جهنم يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة: سأدخلكم الشام ~~فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا الله # PageV02P249 # تعالى لتعتبروا بها. وقال عطية العوفي يعني دار فرعون وقومه وهي مصر. ~~وقال السدي: يعني منازل الكفار وقال الكلبي هي منازل عاد وثمود والقرون ~~الذين هلكوا فكانوا يمرون عليها إذا سافروا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 146] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) # قوله عز وجل: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قال ابن ~~عباس يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي سأصرفهم عن قبول آياتي ~~والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي عقوبة بحرمان الهداية لعنادهم الحق. وقال ~~سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن وقيل معناه سأصرفهم عن التفكير في خلق ~~السموات والأرض وما فيهما من الآيات والعبر وقيل حكم الآية لأهل مصر خاصة ~~وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى عليه الصلاة ~~والسلام والأكثرون على أن الآية فيه دليل لمذهب أهل السنة على أن الله ~~تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويصرف عن آياته ويقبل الحق من يشاء ويوفق ~~بالتفكر في آياته وقبول الحق من يشاء لأنه القادر على ما يشاء لا يسئل عما ~~يفعل وهم يسئلون ms1400 ومعنى الذين يتكبرون الذين يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم ~~من الحق ما ليس لغيرهم والتكبر على هذه الصفة لا يكون إلا لله عز وجل لأنه ~~هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد سواه فالتكبر في حق الله عز وجل ~~صفة مدح وفي حق المخلوقين صفة ذم لأنه تكبر بما ليس له ولا يستحقه وقيل ~~التكبر إظهار كبر النفس على غيرها فهو صفة ذم في حق جميع العباد وقوله ~~يتكبرون من الكبر لا من التكبر أن يفتعلون التكبر ويرون أنهم أفضل من غيرهم ~~فلذلك قال يتكبرون في الأرض بغير الحق بل بالباطل وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد يعني طريق الحق والهدى والسداد والصواب لا ~~يتخذوه سبيلا يعني لا يختاروه لأنفسهم طريقا يسلكونه إلى الهداية وإن يروا ~~سبيل الغي يعني طريق الضلال يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا يعني ذلك ~~اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع الغي بسبب أنهم كذبوا بآيات الله ~~الدالة على توحيده وكانوا عنها غافلين يعني عن التفكر فيها والاتعاظ بها، # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 147 الى 150] # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (147) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في ~~أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين (150) # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة يعني ولقاء الدار الآخرة التي فيها ~~الثواب والعقاب حبطت أعمالهم يعني بطلت فصارت كأن لم تكن والمعنى أنه قد ~~يكون في الذين يكذبون بآيات الله من يعمل البر والإحسان والخير فبين الله ~~تعالى بهذه الآية أن ذلك ms1401 ليس ينفعهم من كفرهم وتكذيبهم بآيات الله وإنكارهم ~~الدار الآخرة والبعث هل يجزون إلا ما كانوا يعملون # يعني هل يجزون في العقبى إلا جزاء العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا. # PageV02P250 # قوله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده يعني من بعد انطلاق موسى إلى الجبل ~~لمناجاة ربه عز وجل: # من حليهم يعني التي استعاروها من قوم فرعون وذلك أن بني إسرائيل كان لهم ~~عيد فاستعاروا من القبط الحلي ليتزينوا به في عيدهم فبقي عندهم إلى أن أهلك ~~الله فرعون وقومه فبقي الحلي لبني إسرائيل ملكا لهم فلذلك قال الله تعالى ~~من حليهم فلما أبطأ موسى عليهم جمع السامري ذلك الحلي وكان رجلا مطاعا في ~~بني إسرائيل فذلك قال تعالى: واتخذ قوم موسى. والمتخذ هو واحد فنسب الفعل ~~إلى الكل لأنه كان برضاهم فكأنهم أجمعوا عليه وكان السامري رجلا صائغا فصاغ ~~لهم عجلا جسدا يعني من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة وألقى في ذلك العجل من ~~تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا جسدا لحما ودما له خوار هو صوت ~~البقر وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور أهل التفسير وقيل كان ~~جسدا لا روح فيه وكان يسمع منه صوت وقيل إن ذلك الصوت كان خفيق الريح وذلك ~~أنه جعله مجوفا ووضع في جوفه أنابيب على وضع مخصوص فإذا هبت الريح دخلت في ~~تلك الأنابيب فيسمع لها صوت كصوت البقر. # والقول الأول: أصح لأنه كان يخور وقيل إنه خار مرة واحدة وقيل إنه كان ~~يخور كثيرا وكلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. قال وهب كان يسمع ~~منه الخوار ولا يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي ألم يروا يعني الذين ~~عبدوا العجل وقيل إن بني إسرائيل كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه الصلاة ~~والسلام بدليل قوله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده وهذا يفيد العموم وقيل ~~إن بعضهم عبد العجل وهو الصحيح وأجيب عن قوله واتخذ قوم موسى أنه خرج على ~~الأغلب وكذا قوله ألم يروا أنه يعني العجل ms1402 الذي عبدوه لا يكلمهم ولا يهديهم ~~سبيلا يعني أن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي إلى رشد ولا ~~يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جمادا أو حيوانا ناقصا عاجزا وعلى كلا ~~التقديرين لا يصلح لأن يعبد اتخذوه وكانوا ظالمين يعني لأنفسهم حيث أعرضوا ~~عن عبادة الله تعالى الذي يضر وينفع واشتغلوا بعبادة العجل الذي لا يضر ولا ~~ينفع ولا يتكلم ولا يهديهم إلى رشد وصواب. # قوله عز وجل: ولما سقط في أيديهم يعني ولما ندموا على عبادة العجل. تقول ~~العرب لكل نادم على أمر: سقط في يده وذلك لأن من شأن من اشتد ندمه على أمر ~~أن يعض يده ثم يضرب على فخذه فتصير يده ساقطة لأن السقوط عبارة عن النزول ~~من أعلى إلى أسفل ورأوا أنهم قد ضلوا يعني وتيقنوا أنهم على الضلالة في ~~عبادتهم العجل قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا يعني يتب علينا ويتجاوز ~~عنا لنكونن من الخاسرين يعني الذين خسروا أنفسهم بوضعهم العبادة في غير ~~موضعها وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدر عليه من الذنب وندم على ما صدره ~~منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته واعترافهم على أنفسهم بالخسران إن ~~لم يغفر لهم ربهم ويرحمهم كلام التائب النادم على ما فرط منه وإنما قالوا ~~ذلك لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم وهو قوله تعالى: ولما رجع موسى ~~إلى قومه غضبان أسفا يعني لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام من مناجاة ربه ~~إلى قومه بني إسرائيل رجع غضبان أسفا لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد ~~فتن قومه وأن السامري قد أضلهم فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفا. قال أبو ~~الدرداء: الأسف أشد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: الأسف الحزن والأسيف ~~الحزين. قال الواحدي والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ~~فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت ~~فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا ms1403 فعلى هذا كان موسى عليه ~~الصلاة والسلام غضبان من قومه لأجل عبادتهم العجل آسفا حزينا لأن الله ~~تعالى فتنهم وأن الله تعالى كان قد أعلمه بذلك فحزن لأجل ذلك قال يعني موسى ~~عليه الصلاة والسلام لقومه بئسما خلفتموني من بعدي أي بئس الفعل فعلتم بعد ~~فراقي إياكم هذا الخطاب يحتمل # PageV02P251 # أن يكون لعبدة العجل من السامي وأتباعه أو لهارون من بني إسرائيل فعلى ~~الاحتمال الأول في أنه خطاب لعبدة العجل يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث ~~عبدتم العجل وتركتم عبادة الله وعلى الاحتمال الثاني وهو أن يكون الخطاب ~~لهارون ومن معه من المؤمنين يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من ~~عبادة غير الله تعالى وقد رأيتم مني الأمر بتوحيد الله تعالى وإخلاص ~~العبادة له ونفي الشركاء عنه وحمل بني إسرائيل على ذلك ومن حق الخلفاء أن ~~يسروا لسيرة مستخلفهم وقوله أعجلتم أمر ربكم معنى العجلة التقدم بالشيء قبل ~~وقته ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول ~~وقته ولقائل أن يقول لو كانت العجلة مذمومة لم يقل موسى عليه الصلاة ~~والسلام «عجلت إليك رب لترضى» ومعنى الآية أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا ~~له. وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدروا ~~أنه لم يأت على رأس الثلاثين فقد مات وقيل معناه أعجلتم سخط ربكم بعبادة ~~العجل. وقال الكلبي: معناه أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ~~ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه الصلاة والسلام رجع إلى قومه غضبان أسفا ~~ذكر بعده ما أوجبه الغضب فقال تعالى: وألقى الألواح يعني التي فيها التوراة ~~وكان حاملا لها فألقاها من شدة الغضب قالت الرواة وأصحاب الأخبار: كانت ~~التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباع وبقي ~~سبع واحد رفع منها ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه المواعظ والأحكام ~~والحلال والحرام، وروى أن الله تعالى أخبر موسى عليه الصلاة والسلام بفتنة ~~قومه وعرف موسى عليه الصلاة والسلام أن ms1404 ما أخبره الله سبحانه وتعالى به حق ~~وصدق ومع ذلك لم يلق التوراة من يده فلما رجع إلى قومه وعاين ذلك وشاهده ~~ألقى التوراة وهذا كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وأخذ برأس أخيه يجره إليه ~~قيل إنه أخذ بشعر رأسه ولحيته من شدة غضبه وقال ابن الأنباري لما رجع موسى ~~عليه الصلاة والسلام ووجد قومه مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه فأقبل ~~على أخيه هارون يلومه ومد يده إلى رأسه لشدة موجدته عليه إذا لم يلحق به ~~فيعرفه خبر بني إسرائيل فيرجع ويتلافاهم فأعلمه هارون عليه السلام # أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفا على نفسه من القتل وهو قوله تعالى: قال ~~يعني هارون ابن أم إذ قال هارون لموسى ابن أم وإن كانا لأب وأم ليرققه ~~ويستعطفه عليه إن القوم يعني الذين عبدوا العجل استضعفوني أي استذلوني ~~وقهروني وكادوا يقتلونني أي وقاربوا أهموا أن يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ~~أصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال شمت فلان بفلان إذا سر ~~بمكروه نزل به والمعنى لا تسر الأعداء بما تنال مني من مكروه ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين يعني الذين عبدوا العجل. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 151 الى 153] # قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (153) # قال رب اغفر لي يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لما تبين له عذر أخيه ~~هارون قال رب اغفر لي ما صنعت إلى أخي هارون يريد ما أظهر من الموجدة عليه ~~في وقت الغضب ولأخي يعني واغفر لأخي هارون إن كان وقع منه تقصير في الإنكار ~~على عبدة العجل وأدخلنا يعني جميعا في رحمتك يعني في سعة رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين وهذا فيه دليل على الترغيب في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين ~~تؤمل منه الرحمة وفيه تقوية لطمع الداعي في ms1405 نجاح طلبته إن الذين اتخذوا ~~العجل يعني إلها عبدوه من دون الله سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا يعني سينالهم عقوبة من ربهم وهوان بسبب كفرهم وعبادتهم العجل وذلك ~~في عاجل الحياة الدنيا ثم للمفسرين في هذه الآية قولان: # PageV02P252 # أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم ~~أنفسهم كما أمرهم الله فتاب عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ ~~والجواب: إن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك ~~القتل غضبا عليهم والمراد بالذلة هو إسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على ~~أنفسهم بالضلال والخطأ. # فإن قلت السين في قوله سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ # قلت: هذا الكلام إنما هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه الصلاة والسلام ~~حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنه ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه وهو التل الذي ~~أمرهم الله به بعد ذلك وقال ابن جريج في هذه الآية إن هذا الغضب والذلة لمن ~~مات منهم على عبادة العجل ولمن فر من القتل وهو الذي قاله ابن جريج وإن كان ~~له وجه لكن لجميع المفسرين على الخلافة. # القول الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن ~~النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: هم الذين أدركوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآباؤهم هم الذين عبدوا العجل وأراد بالغضب عذاب الآخرة ~~وبالذلة في الدنيا الجزية. وقال عطية العوفي: سينال أولاد الذين عبدوا ~~العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد بالغضب ~~والذلة ما أصاب بني النضير وبني قريظة من القتل والجلاء وعلى هذا القول في ~~تقرير الآية وجهان: # الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل لك في ~~المناقب فتقول للأبناء كذا وفعلتم كذا وإما فعل ذلك من مضى من آبائهم فكذلك ~~هاهنا وصف اليهود الذين كانوا على زمن رسول الله صلى الله عليه ms1406 وسلم بأنهم ~~اتخذوا العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ثم حكم على اليهود الذين كانوا في ~~زمنه بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا. # الوجه الثاني: أن تكون الآية من باب حذف المضاف والمعنى أن الذين اتخذوا ~~العجل وباشروا عبادته سينال أولادهم، إلخ ثم حذف المضاف لدلالة الكلام ~~عليه. # وقوله تعالى: وكذلك نجزي المفترين يعني: وكما جزينا هؤلاء الذين اتخذوا ~~العجل إلها نجزي كل من افترى على الله كذبا أو عبد غيره وقال أبو قلابة: هي ~~والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله، وقال سفيان بن عيينة: ~~هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة وقال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وهو ~~يجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية قال والمبتدع مفتر في دين الله والذين ~~عملوا السيئات يعني عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب صغير وكبير ~~حتى الكفر فما دونه ثم تابوا من بعدها يعني ثم رجعوا إلى الله من بعد ~~أعمالهم السيئة وآمنوا يعني وصدقوا بالله تعالى وأنه يقبل توبة التائب ~~ويغفر الذنوب إن ربك يا محمد أو يا أيها الإنسان التائب من بعدها يعني من ~~بعد توبتهم لغفور رحيم يعني أنه تعالى يغفر الذنوب ويرحم التائبين وفي ~~الآية دليل على أن السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن ~~الله تعالى يغفرها جميعا بفضله ورحمته وتقدير الآية أن من أتى بجميع ~~السيئات ثم تاب إلى الله وأخلص التوبة فإن الله يغفرها له ويقبل توبته وهذا ~~من أعظم البشائر للمذنبين التائبين. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 154 الى 155] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ~~رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) # PageV02P253 # قوله تعالى: ولما سكت ms1407 عن موسى الغضب يعني: سكن لأن السكوت أصله الإمساك ~~عن الشيء ولما كان السكوت بمعنى السكون استعير في سكون الغضب لأن الغضب لا ~~يتكلم لكنه لما كان بفورته دالا على ما في نفس المغضب كان بمنزلة الناطق ~~فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة السكوت عما كان متكلما به وقيل معناه ولما ~~سكت موسى عن الغضب فهو من المقلوب كما تقول أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى ~~أدخلت رأسي في القلنسوة والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير أخذ ~~الألواح يعني التي ألقاها قال الإمام فخر الدين: # وظاهر هذا يدل على أن الألواح لم تتكسر ولم يرفع من التوراة شيء وفي ~~نسختها النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف ~~فقد نقلت ما في الأصل إلى الفرع فعلى هذا قيل أراد بها الألواح لأنها نسخت ~~من اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بها النسخة المكتتبة من الألواح التي أخذها ~~موسى بعد ما تكسرت. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار: لما ألقى موسى الألواح ~~فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين وفيهما ما في الأولى بعينها ~~فيكون نسخها نقلها وعلى قول من قال إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بعينها ~~بعد ما ألقاها يكون معنى وفي نسختها المكتوب فيها هدى ورحمة قال ابن عباس: ~~يعني هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للذين هم لربهم يرهبون يعني للخائفين ~~من ربهم. # قوله عز وجل: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا الاختيار افتعال من ~~لفظ الخيار يقال اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره. والمعنى اختار موسى من ~~قومه فحذف كلمة من وذلك سائغ في العربية لدلالة الكلام عليه. قال أصحاب ~~الأخبار: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من كل سبط من قومه ستة نفر ~~فكانوا اثنين وسبعين فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال لمن قعد منكم مثل ~~أجر من خرج فقعد يوشع بن نون وكالب بن يقونا وقيل إنه لم يجد إلا ستين شيخا ~~فأوحى الله إليه أن يختار من الشباب عشرة ms1408 فاختارهم فأصبحوا شيوخا فأمرهم أن ~~يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم ذهب بهم إلى ميقات ربه واختلف أهل ~~التفسير في ذلك الميقات فقيل إنه الميقات الذي كلمه فيه ربه وسأل فيه ~~الرؤية وذلك أنه لما خرج إلى طور سيناء أخذ معه هؤلاء السبعين فلما دنى ~~موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودخل موسى فيه ~~وقال لقومه ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجدا وسمعوا الله تعالى ~~وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل كذا لا تفعل كذا فلما انكشف الغمام أقبلوا ~~على موسى وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد ~~من الرجفة المذكورة في هذه الآية. وقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه ~~في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار ~~موسى من قومه سبعين رجلا ثم ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا فلما أتوا ذلك ~~المكان قالوا «لن نؤمن لك» يا موسى «حتى نرى الله جهرة» فإنك قد كلمته ~~فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا ~~أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي. وقال محمد بن إسحاق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير ~~فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من ~~تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ثم خرج بهم إلى طور ~~سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال السبعون ~~فيما ذكر لي حين فعلوا ما أمرهم به وخرجوا مع موسى لميقات ربه اطلب لنا ~~نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى ~~غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا فكان موسى إذا كلمه ربه ~~وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه ~~بالحجاب ودنا القوم حتى ms1409 دخلوا في الغمام ووقعوا سجودا فسمعوا الله وهو يكلم ~~موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ من أمره انكشف عن موسى الغمام ~~فأقبل إليهم فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وهي ~~مرجفة فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه يقول رب لو شئت ~~أهلكتهم من # PageV02P254 # قبل وإياي، وقال ابن عباس: كان الله أمر موسى أن يختار من قومه سبعين ~~رجلا فبرز بهم ليدعو ربهم فكان فيما دعوا الله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم ~~تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم ~~الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة من ~~أجل أنهم ادعوا على موسى أنه قتل هارون. قال علي بن أبي طالب: انطلق موسى ~~وهارون إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفاه الله فلما رجع موسى إلى بني ~~إسرائيل قالوا له: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه، وكان هارون حسن الخلق ~~محببا في بني إسرائيل فقال لهم موسى اختاروا من شئتم فاختاروا سبعين رجلا ~~فلما انتهوا إليه قالوا يا هارون من قتلك قال ما قتلني أحد ولكن الله ~~توفاني فأخذتهم الرجفة فجعل موسى يرجع يمينا وشمالا ويقول رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي الآية فأحياهم الله عز وجل وقيل إنما أخذتهم الرجفة ~~لتركهم فراق عبدة العجل لا لأنهم كانوا من عبدته. قال ابن عباس: إنما ~~تناولتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا القوم حين نصبوا العجل وما كرهوا أن ~~يجامعوهم عليه. قال ابن جريج فلما خرجوا ودعوا الله أماتهم ثم أحياهم: وقال ~~مجاهد: واختار موسى قومه سبعين # رجلا لميقاتنا الميقات الموعد فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى ~~بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم ~~علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم ~~بالمعروف فأخذتهم الرجفة ms1410 فماتوا ثم أحياهم الله وقوله تعالى: فلما أخذتهم ~~الرجفة أصل الرجفة الاضطراب الشديد الذي يحصل معه التغيير والهلاك ولهذا ~~اختلفوا في تلك الرجفة التي حصلت لهؤلاء هل كان معها موت أم لا فمعظم ~~الروايات التي تقدمت أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة. وقال وهب بن منبه: لم تكن ~~تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة أخذتهم الرعدة وقلقوا ~~ورجفوا حتى كادت أن تبين مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت ~~واشتد عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين له مطيعين، فعند ذلك ~~دعا موسى وبكى وناشد ربه فكشف الله عنهم تلك الرجفة فاطمأنوا وسمعوا كلام ~~الله فذلك قوله تعالى: فلما أخذتهم الرجفة قال يعني موسى رب أي يا رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل يعني من قبل عبادتهم العجل وإياي وذلك أنه خاف أن يتهمه ~~بنو إسرائيل على السبعين إذا رجع إليهم وما هم معه ولم يصدقوه بأنهم ماتوا ~~فقال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل يعني قبل خروجهم إلى الميقات وإياي معهم ~~فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني أتهلكنا بما فعل السفهاء منا قال ~~الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحاب العجل العجل فقال أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء منا يعني عبدة العجل وإنما أهلكوا بسبب مسألتهم الرؤية وهي ~~قولهم أرنا الله جهرة، وهذا قول الكلبي وجماعة، وقال جماعة من أهل العلم: ~~لا يجوز أن يظن موسى أن الله تعالى يهلك قوما بذنوب غيرهم ولكن قوله ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا استفهام بمعنى الجحد أي لست تفعل ذلك وهذا قول ~~ابن الأنباري، وقال المبرد: هذا استفهام استعطاف أي لا تهلكنا إن هي إلا ~~فتنتك قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما تقول إن هو إلا زيد ~~والمعنى أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي اختبارك ~~وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا لأن معناه لا ~~تهلكنا بفعلهم فإن تلك الفتنة كانت اختبارا منك وابتلاء أضللت بها ms1411 قوما ~~فافتتنوا وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك وهو المراد من قوله: # تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة ~~على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر أنت ولينا يعني أنت يا ربنا ناصرنا ~~وحافظنا وهذا يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر ولا حافظ إلا أنت فاغفر ~~لنا سأل موسى عليه الصلاة والسلام لنفسه ولقومه الغفران أما لنفسه فلقوله ~~إن هي إلا فتنتك وهذا فيه إقدام على الحضرة المقدسة وأما لقومه فلقولهم ~~أرنا الله جهرة وفي هذا إقدام على الحضرة المقدسة فلهذا السبب سأل موسى ~~عليه الصلاة والسلام الغفران له ولقومه وارحمنا أي اشملنا برحمتك التي وسعت ~~كل # PageV02P255 # شيء وأنت خير الغافرين يعني أن كل من سواك إنما يغفر الذنب طلبا للثناء ~~الجميل أو لدفع ضرر وأما أنت يا رب فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض ولا غرض ~~بل لمحض الفضل والكرم فأنت خير الغافرين. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 156 الى 157] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون (157) # قوله تعالى: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة يعني قال موسى في ~~دعائه واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي واجعلنا ممن كتبت له حسنة وهي ثواب ~~الأعمال الصالحة وفي الآخرة أي واكتب لنا في الآخرة مغفرة لذنوبنا إنا هدنا ~~إليك قال ابن عباس معناه إنا تبنا إليك، وهذا قول جميع المفسرين وأصل الهود ~~الرجوع برفق قال بعضهم وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم فلما ~~نسخت شريعتهم صار اسم ذم وهو ms1412 لازم لهم قال يعني قال الله عز وجل لموسى عليه ~~الصلاة والسلام عذابي أصيب به من أشاء يعني من خلقي وليس لأحد علي اعتراض ~~لأن الكل ملكي وعبيدي ومن تصرف في خالص حقه فليس لأحد عليه اعتراض ورحمتي ~~وسعت كل شيء يعني أن رحمته سبحانه وتعالى عمت خلقه كلهم، وقال بعضهم: هذا ~~من العام أريد به الخاص فرحمه الله عمت البر والفاجر في الدنيا وهي ~~للمؤمنين خاصة في الآخرة وقيل هي للمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة ولكن ~~الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن لسعة رحمة الله له فإذا كان يوم ~~القيامة وجبت للمؤمنين خاصة قال جماعة من المفسرين لما نزلت ورحمتي وسعت كل ~~شيء تطاول إبليس إليها وقال أنا من ذلك الشيء فنزعها الله تعالى من إبليس ~~فقال تعالى: فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~أيس إبليس منها، وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا ~~فنزعها الله وأثبتها لهذه الأمة فقال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الآية وقال نوف البكالي لما اختار موسى من قومه سبعين رجلا قال الله ~~تعالى لموسى اجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة لا عند ~~مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ~~ظهر قلوبكم يقرؤها الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير فقال موسى ~~ذلك لقومه فقالوا لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة ~~في قلوبنا ولا نستطيع أن نقرأ التوراة على ظهر قلوبنا ولا نريد أن نقرأها ~~إلا نظرا قال الله تعالى فسأكتبها للذين يتقون- إلى قوله- المفلحون فجعلها ~~الله تعالى لهذه الأمة، فقال موسى: رب اجعلني نبيهم، قال: نبيهم منهم، قال: ~~اجعلني منهم قال إنك لن تدركهم قال موسى: يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل ~~فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون فرضي موسى، أما التفسير فقوله الذين يتقون يعني الشرك وسائر ما نهوا ~~عنه لأن جميع التكاليف محصورة في نوعين: ms1413 # الأول: التروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها والاحتراز عنها ~~ولا يقربها وإليه الإشارة بقوله تعالى: للذين يتقون والثاني الأفعال ~~المأمور بها وتلك الأعمال بدنية وقلبية أما البدنية فإنها الإشارة بقوله ~~ويؤتون الزكاة وهذه الآية وإن كانت في حق المال لكن يختص البدن بإخراجها ~~والأعمال القلبية كالإيمان # PageV02P256 # والمعرفة وإليها الإشارة بقوله تعالى: والذين هم بآياتنا يؤمنون. # قوله عز وجل: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه التبعية ~~وجهين: # أحدهما: إن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في ~~التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وفي قوله ~~والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل لأن من المحال أن يجده فيه ~~قبل ما أنزل الله الإنجيل. # الوجه الثاني: إن المراد من لحق من بني إسرائيل زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا ~~اتبعوه، قال: وهذا القول أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه ~~الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة ~~وآمن بآيات الله في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، ومن كانت هذه صفته في ~~أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون ~~المراد بقوله الذين يتبعون الرسول من بني إسرائيل خاصة. وجمهور المفسرين ~~على خلاف ذلك فإنهم قالوا: المراد بهم جميع أمته الذين آمنوا به واتبعوه ~~سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم وأجمع المفسرون على أن المراد بالرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصفه بكونه رسولا لأنه الواسطة بين الله وبين خلقه ~~المبلغ رسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ثم وصفه بكونه نبيا. # وهذا أيضا من أعلى المراتب وأشرفها وذلك يدل على أنه رفيع الدرجات عند ~~الله المخبر عنه ثم وصفه بالأمي. قال ابن عباس: هو نبيكم صلى الله عليه ms1414 ~~وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الزجاج في معنى الأمي: هو ~~الذي على صفة أمة العرب لأن العرب أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم كان كذلك فلهذا وصفه الله تعالى بكونه أميا وصح في ~~الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» قال ~~أهل التحقيق: وكونه صلى الله عليه وسلم كان أميا من أكبر معجزاته وأعظمها، ~~وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الكتاب العظيم الذي أعجزت الخلائق ~~فصاحته وبلاغته وكان يقرؤه عليهم بالليل والنهار من غير زيادة فيه ولا ~~نقصان منه ولا تغيير فدل ذلك على معجزته وهو قوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى ~~وقيل: إنه لو كان يحسن الكتابة ثم إنه أتى بهذا القرآن العظيم لكان متهما ~~فيه لاحتمال أنه كتبه ونقله عن غيره فلما كان أميا وأتى بهذا القرآن العظيم ~~الذي فيه علم الأولين والآخرين والمغيبات دل ذلك على كونه معجزة له صلى ~~الله عليه وسلم. وأيضا فإن الكتابة تعين الإنسان على الاشتغال بالعلوم ~~وتحصيلها ثم إنه أتى بهذه الشريعة الشريفة والآداب الحسنة مع علوم كثيرة ~~وحقائق دقيقة من غير مطالعة كتب ولا اشتغال على أحد فدل ذلك على كونه معجزة ~~له صلى الله عليه وسلم وقيل في معنى الأمي: الذي هو منسوب إلى أمه كأنه لم ~~يخرج بعد عما ولدته عليه وقيل سمي أميا لأنه منسوب إلى أم القرى وهي مكة ~~وقوله تعالى: الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يعني يجيدون ~~صفته ونعته ونبوته مكتوبا عندهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم ولكنهم كتموا ذلك ~~وبدلوه وغيروه حسدا منهم له وخوفا على زوال رئاستهم وقد حصل لهم ما كانوا ~~يخافونه فقد زالت رئاستهم ووقعوا في الذل والهوان (خ) عن عطاء بن يسار قال: ~~لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة ~~فقال: أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا ms1415 ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ~~ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ~~ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا ~~الله ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. # ((شرح غريب ألفاظ الحديث)) الفظ: السيئ الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، ~~وقوله سخاب: بالسين والصاد وهو كثير الصياح في # PageV02P257 # الأسواق، والاعوجاج: ضد الاستقامة وأراد بالملة العوجاء: الكفر والقلب ~~الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه شبهه بالأغلف كأنه في غلاف. وروى ~~البغوي بسنده عن كعب الأحبار قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول ~~الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ~~ويصفح، أمته الحامدون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد يأتزرون ~~على أنصافهم ويغضون أطرافهم صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء مناديهم ~~ينادي في جوف السماء لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل مولده بمكة ومهاجره ~~بطيبة وملكه بالشام. # وقوله تعالى: يأمرهم بالمعروف يعني بالإيمان وتوحيد الله وينهاهم عن ~~المنكر يعني عن الشرك بالله، وقيل: المعروف ما عرف في الشريعة والسنة ~~والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. # وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق وصلة الأرحام ~~وينهاهم عن المنكر عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام ويحل لهم الطيبات يعني ~~بذلك ما كان محرما عليهم في التوراة من الطيبات وهو لحوم الإبل وشحم الغنم ~~والمعز والبقر، وقيل: هو ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من ~~البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، وقيل: هي المستلذات التي تستطيبها ~~الأنفس ويحرم عليهم الخبائث قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد ~~الميتة والدم ولحم الخنزير، وقيل: هو كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس، ~~فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل ويضع عنهم إصرهم ~~يعني ثقلهم وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحركة لثقله، ~~والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق ms1416 الذي أخذ على بني إسرائيل أن يعملوا بما ~~في التوراة من الأحكام فكانت تلك الشدائد والأغلال التي كانت عليهم يعني ~~ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم في الدين والشريعة وذلك مثل قتل ~~النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثوب ~~بالمقراض وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت وأن ~~صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وتتبع العروق في اللحم وغير ذلك من الشدائد ~~التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال مجازا لأن التحريم يمنع من الفعل ~~كما أن الغل يمنع من الفعل، وقيل: شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. ~~كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه ~~وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد عليه ~~الصلاة والسلام نسخ ذلك كله ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: بعثت ~~بالحنيفية السهلة السمحة فالذين آمنوا به يعني بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~وعزروه يعني وقروه وعظموه، وأصل التعزير المنع والنصرة وتعزير النبي صلى ~~الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه وهو قوله ونصروه يعني على ~~أعدائه واتبعوا النور الذي أنزل معه يعني القرآن سمي القرآن نورا لأن به ~~يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم ~~أولئك هم المفلحون يعني هم الناجون الفائزون بالهداية. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 158 الى 159] # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون (159) # قوله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد للناس إني رسول الله إليكم جميعا لا إلى ~~بعضكم دون بعض ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة الخلق، لأن قوله يا ~~أيها الناس خطاب ms1417 عام يدخل فيه جميع الناس ثم أمره الله عز وجل بأن يقول إني ~~رسول الله إليكم جميعا، وهذا # PageV02P258 # يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس (ق) عن جابر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي ~~الأرض طيبة وطهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت ~~بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة» وفي رواية «أعطيت خمسا ~~لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل ~~لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة» وقوله في الرواية الأولى وبعثت إلى كل أحمر وأسود قيل أراد ~~بالأحمر العجم وبالأسود العرب وقيل أراد بالأحمر الإنس وبالأسود الجن فعلى ~~هذا تكون رسالته صلى الله عليه وسلم عامة إلى كافة الخلق من الإنس والجن. # (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«فضلت على الأنبياء بستة أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون». # وقوله تعالى: الذي له ملك السماوات والأرض لما أمر الله عز وجل رسوله ~~محمدا بأن يقول «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» أردفه بما يدل ~~على صحة دعواه: يعني أن الذي له ملك السموات والأرض وهو مدبرهما ومالك ~~أمرهما هو الذي أرسلني إليكم وأمرني بأن أقول لكم إني رسول الله إليكم ~~جميعا لا إله إلا هو يحيي ويميت وصف الله نفسه بالإلهية وأنه لا شريك له ~~فيها وأنه القادر على إحياء خلقه وإماتتهم ومن كان كذلك فهو القادر على ~~إرسال الرسل إلى خلقه فآمنوا بالله ورسوله لما أمر الله رسوله محمدا صلى ~~الله عليه ms1418 وسلم بأن يقول للناس إني رسول الله إليكم جميعا أمر الله جميع ~~خلقه بالإيمان به ورسوله وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله ~~فرع عنه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله فقال فآمنوا ~~بالله ورسوله ثم وصفه الله تعالى فقال النبي الأمي تقدم معناهما الذي يؤمن ~~بالله وكلماته قال قتادة: يعني آياته وهو القرآن، وقال مجاهد والسدي: أراد ~~بكلماته عيسى ابن مريم لأنه خلق بقوله كن فكن، وقيل: هو على العموم يعني ~~يؤمن بجميع كلمات الله تعالى: واتبعوه يعني واقتدوا به أيها الناس فيما ~~يأمركم به وينهاكم عنه وقيل: المتابعة على قسمين: متابعة في الأقوال ~~ومتابعة في الأفعال. # أما المتابعة في الأقوال فبأن يتمثل التابع جميع ما أمره به المتبوع على ~~طريق الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأما المتابعة في الأفعال فبأن يقتدي ~~به في جميع أفعاله وآدابه إلا ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت ~~بالدليل أنه من خصائصه فلا متابعة فيه وقوله تعالى: لعلكم تهتدون يعني لكي ~~تهتدوا وترشدوا وتصيبوا الحق والصواب في متابعتكم إياه. # قوله عز وجل: ومن قوم موسى يعني من بني إسرائيل أمة أي جماعة يهدون بالحق ~~يعني يهتدون بالحق ويستقيمون عليه ويعملون به ويرشدون إليه وبه يعدلون يعني ~~وبالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون ويتصفون. # واختلفوا في هؤلاء من هم فقيل هم الذين أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد ~~الله بن سلام وأصحابه فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وآمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن واعترض على هذا بأنهم كانوا قليلين ولفظ الأمة يقتضي ~~الكثرة. # وأجيب عنه بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم ~~كما في قوله إن إبراهيم كان أمة وقيل هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء ~~به موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف والتبديل ودعوا # PageV02P259 # الناس إليه. وقال السدي وابن جريج وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل ~~لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا ~~واعتذروا وسألوا الله ms1419 أن يفرق بينهم وأن يبعدهم عنم ففتح الله لهم نفقا في ~~الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون ~~قبلتنا. قال ابن جريج قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا رواه الطبري. ~~وحكى البغوي عن الكلبي والضحاك والربيع قالوا: هم قوم خلف الصين بأقصى ~~الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ~~ويصحون بالنهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق. # وذكر لنا أن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء به فكلمهم ~~فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ # قالوا: لا، قالوا هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول الله إن ~~موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على قوم موسى وأقرأهم عشر سور من القرآن نزلت عليه بمكة ~~وأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن ~~يجمعوا ويتركوا السبت وهذه الحكاية ضعيفة من وجوه: # الأول: قولهم إن أحدا منا لا يصل إليهم وإذا كان كذلك فمن ذا الذي أوصل ~~خبرهم إلينا. # الوجه الثاني: قولهم إن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء به وهذا لم يرد به نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ولا يلتفت ~~إلى قول الأخباريين والقصاص في ذلك. # الوجه الثالث: قولهم إنهم بلغوا النبي صلى الله عليه وسلم موسى وقد صح في ~~حديث المعراج أنه سلم عليه في السماء السادسة وأيضا قولهم وأقرأهم عشر سور ~~وقد نزل عليه بمكة أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها ~~قبل فرضيتها فإذا ثبت بما ذكرناه بطلان هذه الرواية فالمختار في تفسير هذه ~~الآية أنها إما أن تكون نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل ~~والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1420 كعبد الله بن سلام وأصحابه والله ~~أعلم بمراده. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 160 الى 162] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ~~سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) # قوله تعالى: وقطعناهم يعني وفرقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة أسباطا يعني من ~~أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وكانوا اثني عشر ولدا ~~أمما يعني جماعات وقبائل وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه يعني في التيه ~~أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست يعني: فانفجرت. وقيل: عرقت وهو الانبجاس منه ~~أي من الحجر اثنتا عشرة عينا يعني: لكل سبط عين قد علم كل أناس مشربهم يعني ~~لا يدخل سبط على سبط في مشربهم وظللنا عليهم الغمام يعني في التيه يقيهم حر ~~الشمس وأنزلنا عليهم المن هو الترنجبين والسلوى جنس من الطير جعل الله ذلك ~~طعاما لهم في التيه كلوا من طيبات ما # PageV02P260 # رزقناكم أي وقلنا كلوا وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون في الكلام ~~حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم فأجمعوا ذلك وسئموه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غيره ~~لأن المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصيا بفعله ذلك ~~فلهذا قال: وما ظلمونا يعني وما أدخلوا علينا في ملكنا وسلطاننا نقصا ~~بمسألتهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يعني بمخالفتهم ما أمروا به وقد تقدم ~~بسط الكلام على هذه الآية في سورة البقرة. # وقوله تعالى: وإذ قيل لهم يعني: واذكر يا محمد لقومك إذ قيل لهم يعني ~~لبني إسرائيل اسكنوا هذه القرية يعني بيت المقدس، ms1421 وقال في سورة البقرة: ~~ادخلوا هذه القرية، ولا منافاة بينهما لأن كل ساكن في موضع لا بد له من ~~الدخول إليه وكلوا منها حيث شئتم يعني وكلوا من ثمار القرية وزروعها ~~وحبوبها وبقولها حيث شئتم وأين شئتم. وقال في البقرة: فكلوا، بالفاء وهنا ~~بالواو والفرق بينهما أن الدخول حالة مقتضية للأكل عقبه فيحسن دخول الفاء ~~التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى ~~فيكون الأكل حاصلا متى شاؤوا وإنما قال في سورة البقرة: رغدا، ولم يقله هنا ~~لأن الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل فأما الأكل مع السكنى والاستمرار فليس كذلك ~~فحسن دخول لفظة رغدا هناك بخلافه هنا وقولوا حطة أي حط عنا ذنوبنا وادخلوا ~~الباب سجدا وقال في البقرة عكس هذا اللفظ ولا منافاة في ذلك لأن المقصود من ~~ذلك تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بسبب ~~التقديم والتأخير نغفر لكم خطيئاتكم يعني نغفر لكم ذنوبكم ولم نؤاخذكم بها. # وإنما قال هنا خطيئاتكم وفي البقرة خطاياكم لأن المقصود غفران ذنوبهم ~~سواء كانت قليلة أو كثيرة إذا أتوا بالدعاء والتضرع سنزيد المحسنين وقال في ~~سورة البقرة: وسنزيد، بالواو ومعناه أنه قد وعد المسيئين بالغفران ~~وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بهذا المعنى لأنه ~~استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له: سنزيد ~~المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم يعني فغير الذين ~~ظلموا أنفسهم بمخالفة أمرنا من بني إسرائيل فقالوا قولا غير الذي قيل لهم ~~وأمروا به وذلك أنهم أمروا أن يقول حطة فقالوا حنطة في شعيرة فكان ذلك ~~تبديلهم وتغييرهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء يعني بعثنا عليهم عذابا من ~~السماء أهلكهم، ولا منافاة بين قوله تعالى هنا أرسلنا وبين قوله في سورة ~~البقرة أنزلنا لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل، وقيل: بينهما فرق ~~وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بذلك فكأنه تعالى بدأ بإنزال ~~العذاب قليلا ثم أرسله ms1422 عليهم كثيرا بما كانوا يظلمون يعني أن إرسال العذاب ~~عليهم بسبب ظلمهم ومخالفتهم أمر الله. وقال في البقرة: بما كانوا يفسقون، ~~والجمع بينهما أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا ~~عن طاعة الله تعالى وقد تقدمت هذه القصة أيضا في تفسير سورة البقرة. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 163 الى 164] # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) # قوله عز وجل: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك عن حال أهل ~~القرية وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان قد علم حال أهل هذه القرية بوحي الله عز وجل إليه وإخباره ~~إياهم بحالهم وإنما المقصود # PageV02P261 # بهذا السؤال تقريع اليهود على إقدامهم على الكفر والمعاصي قديما وأن ~~إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكار نبوته ومعجزاته ليس ~~بشيء قد حدث منهم في زمانه بل إصرارهم على الكفر كان حاصلا لأسلافهم في ~~قديم الزمان. وفي الإخبار بهذه القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان أميا لا يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأولين، ثم أخبرهم بما جرى ~~لأسلافهم في قديم الزمان وإنهم بسبب مخالفتهم أمر الله عز وجل مسخوا قردة ~~وخنازير واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس «1»: هي قرية بين مصر ~~والمدينة والمغرب. وقيل بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي ~~طبرية الشام. وفي رواية عن ابن عباس قال: هي مدين وقال وهب: هي ما بين مدين ~~وعيوني يعني القرية التي كانت على ساحل البحر وقريبة منه إذ يعدون في السبت ~~يعني يتجاوزون حد الله فيه، وما أمرهم به من تعظيمه فخالفوا أمر الله ms1423 ~~وصادوا فيه السمك إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا يعني ظاهرة على الماء ~~كثيرة وقال الضحاك تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضا وقيل كانت تأتيهم يوم ~~السبت مثل الكباش البيض السمان ويوم لا يسبتون لا تأتيهم يعني الحيتان كذلك ~~نبلوهم يعني مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ونحن أعلم بحالهم بما كانوا ~~يفسقون يعني أن ذلك الابتداء والاختبار بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله ~~وما أمروا به. قال أهل التفسير: إن اليهود أمروا يوم الجمعة فتركوه ~~واختاروا يوم السبت فابتلوا به وهو أن الله أمرهم بتعظيمه ونهاهم عن العمل ~~فيه وحرم عليهم فيه الصيد، فلما أراد أن يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في ~~يوم السبت ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر إلى السبت ~~المقبل فلما ابتلوا به وسوس إليهم الشيطان وقال إن الله لم ينهكم عن ~~الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا وقيل إنه وسوس إليهم أنكم إنما ~~نهيتم عن الأخذ فاتخذوا حياضا على ساحل البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم ~~السبت فإذا كان يوم الأحد خذوها ففعلوا ذلك زمانا ثم إنهم تجرؤوا على السبت ~~وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا فاصطادوا فيه وأكلوا وباعوا وصار أهل ~~القرية أحزابا ثلاثة وكانوا نحوا من سبعين ألفا فثلث نهوا عن الاصطياد وثلث ~~سكتوا ولم ينهوا وقالوا للناهين لم تعظمون قوما الله مهلكهم وثلث هم أصحاب ~~الخطيئة الذين خالفوا أمر الله واصطادوا وأكلوا وباعوا فلما لم ينتهوا عما ~~هم فيه من المعصية قال الناهون لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية ~~بينهم بجدار للناهين باب يدخلون ويخرجون منه وللعاصين باب، ولعنهم داود ~~عليه الصلاة والسلام وكانوا في زمنه فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من ~~المعتدين أحد فقالوا إن لهم لشأنا لعل الخمر قد غلبتهم فعلوا على الجدار ~~الذي بينهم فإذا هم قد مسخوا قردة ففتحوا عليهم الباب ودخلوا إليهم فصار ~~القردة يعرفون أنسابهم من الناس ولم يعرف الناس أنسابهم من القردة فجعلت ~~القردة تأتي أنسابها من الناس فتشم ثيابها ms1424 فيقول لهم أهلوهم ألم ننهكم ~~فتقول القردة برأسها نعم فنجا الناهون وهلك سائرهم فذلك قوله تعالى: وإذ ~~قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا ~~معذرة إلى ربكم واختلفوا في القائلين هذه المقالة فقال بعض المفسرين إن أهل ~~القرية افترقوا ثلاث فرق فرقة اعتدت وأصابت الخطيئة وفرقة نهتهم عن ذلك ~~الفعل وفرقة أمسكت عن الصيد وسكتت عن موعظة المعتدين. وقالوا للناهين: لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، يعني أنهم لاموهم على موعظة ~~قوم يعلمون أنهم غير متعظين ولا منزجرين فقالت الفرقة الناهية للذين ~~لاموهم: معذرة إلى ربكم يعني أن موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم لأن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر واجب علينا فموعظتنا لهؤلاء عذر لنا عند الله ~~ولعلهم يتقون أي: # وجائز عندنا أن ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد ~~وقال بعضهم: إن أهل القرية كانوا فرقتين فرقة نهت وزجرت عن السوء ~~PageV02P262 # وفرقة عملت بالسوء فعلى هذا يكون الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~الفرقة المعتدية وذلك أن الفرقة الناهية قالوا للفرقة المعتدية انتهوا قبل ~~أن ينزل بكم عذاب شديد إن لم تنتهوا عما أنتم فيه فقالت لهم الفرقة ~~المعتدية: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ والمعنى: لم ~~تعظونا وقد علمتم أن الله مهلكنا أو منزل بنا عذابه، والقول الأول أصح ~~لأنهم لو كانوا فرقتين لكان قولهم معذرة إلى ربكم خطابا من الناهية ~~للمعتدية. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 165 الى 168] # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون (168) # وقوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أي فلما تركوا ما وعظوا به ms1425 أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وهم الفرقة الناهية وأخذنا الذين ظلموا يعني الفرقة ~~المعتدية العاصية بعذاب بئيس أي شديد وجميع من البأس وهو الشدة بما كانوا ~~يفسقون يعني أخذناهم بالعذاب بسبب فسقهم واعتدائهم وخروجهم عن طاعتنا. روى ~~عكرمة عن ابن عباس قال: أسمع الله يقول أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الذين ظلموا بعذاب بئيس فلا أدر ما فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي قال ~~عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، ~~وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم ~~قال فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ببردين فكسانيهما وقال: نجت الساكتة وقال ~~يمان ابن رباب: نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون والذين قالوا معذرة ~~وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن، وقال ابن زيد: نجت الناهية ~~وهلكت الفرقتان وهذه الآية أشد آية في ترك النهي عن المنكر وقوله تعالى: ~~فلما عتوا عن ما نهوا عنه قول ابن عباس: # أبوا أن يرجعوا عن المعصية والعتو عبارة عن الإباء والعصيان والمعنى فلما ~~عتوا عما نهوا يعني عن ترك ما نهوا عنه وتمردوا في العصيان من اعتدائهم في ~~السبت واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله قلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين يعني صاغرين مبعدين من كل خير. # قال قتادة: لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم الله فصيرهم قردة تتعاوى بعد ما ~~كانوا رجالا ونساء. وقال ابن عباس: جعل الله منهم القردة والخنازير فزعم أن ~~شبان القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير، قيل إنهم بقوا ثلاثة أيام ~~ينظر الناس إليهم ثم هلكوا جميعا. # قوله تعالى: وإذ تأذن ربك الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعنى ~~تأذن أذن والأذان الإعلام يعني أعلم ربك وقيل معناه قال ربك، وقيل: حكم ربك ~~وقيل آلى ربك بمعنى أقسم أجزما ربك ليبعثن عليهم اللام في قوله ليبعثن جواب ~~القسم لأن قوله وإذ تأذن ربك جار مجرى القسم لكونه وجواب ms1426 القسم ليبعثن ~~عليهم واختلفوا في الضمير في عليهم إلى من يرجع فقيل يقتضي أن يكون راجعا ~~إلى قوله فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين لكن قد علم أن ~~الذين مسخوا لم يبق منهم أحد فيحتمل أن يكون المراد الذين بقوا منهم فألحق ~~الذل بهم وقيل بأن المراد سائر اليهود من بعدهم لأن الذين بقوا من أهل ~~القرية كانوا صالحين والذي بعثه الله على اليهود هو بختنصر وسخاريب وملوك ~~الروم فساموهم سوء العذاب. وقيل: المراد بقوله ليبعثن عليهم اليهود الذين ~~كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثه الله عليهم وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمته فألزم من لم يسلم منهم الصغار والذلة ~~والهوان والجزية لازمة لليهود إلى يوم القيامة وأورد على هذا بأن في آخر ~~الزمان يكون لهم عزة وذلك عند خروج # PageV02P263 # الدجال لأن اليهود أتباعه وأشياعه وأجيب عنه بأن ذلك العز الذي يحصل لهم ~~هو في نفسه غاية الذلة لأنهم يدعون إلهية الدجال فيزدادون كفرا على كفرهم ~~فإذا هلك الدجال أهلكهم المسلمون وقتلوهم جميعا فذلك هو الذلة والصغار ~~المشار إليه بقوله تعالى ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب وهذا نص في أن العذاب إنما يحصل لهم في الدنيا مستمرا عليهم إلى يوم ~~القيامة ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة وأخذ الجزية منهم فإذا أفضوا ~~إلى الآخرة كان عذابهم أشد وأعظم وهو قوله تعالى إن ربك لسريع العقاب يعني ~~لمن أقام على الكفر ففيه دليل على أنه يجمع لهم مع ذلة الدنيا عذاب الآخرة ~~فيكون العذاب مستمرا عليهم في الدنيا والآخرة، ثم ختم الآية بقوله تعالى: ~~وإنه لغفور رحيم يعني لمن آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين ~~الإسلام. # قوله تعالى: وقطعناهم في الأرض أمما يعني وفرقنا بني إسرائيل في الأرض ~~جماعات متفرقة فلا تجد بلدا إلا وفيه من اليهود طائفة وجماعة، قال ابن ~~عباس: كل أرض يدخلها قوم من اليهود منهم الصالحون يعني من هؤلاء ms1427 الذين ~~وصفهم الله من بني إسرائيل صالحون وهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على ~~دينه قبل مبعث عيسى عليه الصلاة والسلام وإنما وصفهم بذلك قبل ارتدادهم عن ~~دينهم وكفرهم بربهم ذكره الطبري ولم يذكر غيره، وروى البغوي وغيره من ~~المفسرين عن ابن عباس ومجاهد: إن المراد بالصالحين الذين أدركوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم من اليهود وآمنوا به والصحيح ما ذكره الطبري يدل عليه قوله ~~بعد فخلف من بعدهم خلف والخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم بالصلاح من ~~بني إسرائيل. # وقوله تعالى: ومنهم دون ذلك يعني الذين كفروا من بني إسرائيل وبدلوا ~~وغيروا وبلوناهم يعني جميعا الصالح وغيره وهي بلوى اختبار وامتحان بالحسنات ~~يعني الخصب والعافية والسيئات يعني الجدب والشدة لعلهم يرجعون يعني لكي ~~يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني: كل واحدة من الحسنات ~~والسيئات إذا فسرت بالنعم والشدة تدعو إلى طاعة الله تعالى أما النعمة ~~فيزداد عليها شكرا فيرغب في الطاعة وأما الشدة فيخاف سوء عاقبتها فيرهب ~~منها. ### || [سورة الأعراف (7): آية 169] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) # قوله تعالى: فخلف من بعدهم يعني من بعد هؤلاء الذين وصفناهم قوله تعالى: ~~خلف يعني خلف سوء يعني حدث من بعدهم وتبدل منهم بدل سوء يقال منه هو خلف ~~صدق بفتح اللام وخلف سوء بسكونها فأكثر ما يقال في المدح بفتح اللام وفي ~~الذم بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت في المدح: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # فسكن اللام في قوله وخلفنا وهو يريد المدح وقال لبيد في الذم: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ففتح اللام وهو يريد الذم وأصله من الفساد. يقال: خلف اللبن إذا فسد ms1428 ~~وتغير في السقاء ويقال للرديء من القول: خلف وخلف الشيء تغيره، ومنه خلوف ~~فم الصائم والمعنى جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم # PageV02P264 # خلف والخلف القرن الذي يجيء بعد قرن كان قبله ورثوا الكتاب يعني انتقل ~~إليهم الكتاب عن آبائهم والمراد بالكتاب التوراة يأخذون عرض هذا الأدنى ~~العرض بفتح الراء جميع متاع الدنيا كما يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها ~~البر والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير ~~والمعنى أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام على تبديل الكلام وتغييره وذلك ~~الذي يأخذونه من حطام الدنيا هو الشيء التافه الخسيس الحقير لأن الدنيا ~~بأسرها فانية حقيرة والراغب فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ~~ما فيها وضيعوا العمل بما فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون ~~أنها حرام ثم إنهم مع إقدامهم على هذا الذنب العظيم يصرون عليه ويقولون ~~سيغفر لنا يعني ذنوبنا فيتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة عن شداد ~~بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الكيس من دان نفسه وعمل لما ~~بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» أخرجه ~~الترمذي وقال في قوله عليه الصلاة والسلام دان نفسه يعني حاسبها في الدنيا ~~قبل أن يحاسب يوم القيامة وموضع الاستشهاد من الحديث على الآية، قوله وتمنى ~~على الله الأماني لأن اليهود كانوا يقدمون على الذنوب ويقولون سيغفر لنا ~~وهذا هو التمني بعينه قوله تعالى: وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه وهذا إخبار عن ~~حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، والمعنى أنهم إذا أتاهم شيء من ~~الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من ~~الغد مثله أخذوه. # قال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم فيقال ~~له ما بالك ترتشي فيقول: # سيغفر لي فيطعن عليه الآخرون فإذا مات أو نزع من الحكم وجعل مكانه آخر ~~فمن كان يطعن عليه ارتشى أيضا يقول الله عز وجل وإن يأت الآخرين عرض الدنيا ~~يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ms1429 ميثاق الكتاب يعني ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في ~~أحكامهم العهود والمواثيق في الكتاب وهو التوراة أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق يعني إنا أخذنا عليهم الميثاق على أن يقولوا الحق فقالوا الباطل ~~وخالفوا أمر الله وهو قولهم سيغفر لنا والمراد من هذا التوبيخ والتقريع ~~لليهود في ادعائهم على الله الباطل قال ابن عباس: هو ما يوجبون على الله من ~~غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها ودرسوا ما فيه ~~يعني ما في الكتاب والمعنى أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم من العهود والمواثيق ~~في الكتاب لأنهم دارسون له لم يتركوه ولكن درسوه وضيعوا العمل به والدار ~~الآخرة يعني وما في الدار الآخرة مما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ~~العاملين بما أمرهم الله به من كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا ولم يرتشوا في ~~الأحكام خير للذين يتقون يعني يتقون الله ويخافون عقابه أفلا تعقلون يعني ~~أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى لأنها ~~دار المتقين. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 170 الى 172] # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين (172) # والذين يمسكون بالكتاب يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وأمسكت به ~~والمراد بالتمسك بالكتاب العمل بما فيه من إحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة ~~حدوده والتمسك بأحكامه. # نزلت هذه الآية في الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه لأنهم تمسكوا بالكتاب الأول ولم يحرفوه ولم يغيروه فأداهم ذلك ~~التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني وهو القرآن وأقاموا الصلاة يعني وداوموا ~~على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في ~~التمسك بالكتاب تنبيها # PageV02P265 # على عظم قدرها وأنها من أعظم العبادات ms1430 بعد الإيمان بالله وبرسوله إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين قوله عز وجل: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة يعني واذكر ~~يا محمد إذ قلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل كأنه ظلة يعني جعلناه ~~فوقهم كالظلة والظلة كل ما علا الإنسان كالسقف ونحوه وظنوا أي علموا ~~وأيقنوا أنه واقع بهم يعني الجبل خذوا يعني وقلنا لهم خذوا وإضمار القول ~~كثير في القرآن وكلام العرب ما آتيناكم يعني التوراة بقوة يعني بجد واجتهاد ~~واذكروا ما فيه يعني واعملوا بما فيه من الأحكام لعلكم تتقون قال أصحاب ~~الأخبار: إن بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من ~~التكاليف الشاقة أمر الله عز وجل جبريل فرفع جبلا عظيما حتى صار على رؤوسهم ~~كالظلة فلما نظروا إلى الجبل فوق رؤوسهم خروا ساجدين فسجد كل واحد منهم على ~~خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليه ~~ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الآية ~~عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن قوله سبحانه وتعالى: وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية قال سئل عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ~~فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ~~ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال ~~رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~سبحانه وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على ~~عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل ~~أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار» أخرجه مالك ~~في الموطأ وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن ومسلم ms1431 بن يسار لم يسمع من عمر ~~وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا. قلت ذكر الطبري ~~في بعض طرق هذا الحديث الرجل فقال عن مسلم بن يسار عن يعمر بن ربيعة عن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لما خلق الله سبحانه وتعالى آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل ~~نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان وبيصا من ~~نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم ~~فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال داود قال رب كم جعلت عمره ~~قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري أربعين سنة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم أو لم ~~يبق من عمري أربعون سنة؟ قال أو لم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحد ذريته ~~ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته» أخرجه الترمذي وقال ~~حديث حسن صحيح. # وأما تفسير الآية فقوله سبحانه وتعالى: وإذ أخذ ربك، يعني واذكر يا محمد ~~إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم يعني من ظهور بني آدم وإنما لم يذكر ظهر ~~آدم وإن كان الله سبحانه وتعالى أخرج جميع الذرية من ظهره لأن الله تعالى ~~أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهر بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فلذلك ~~قال سبحانه وتعالى من بني آدم من ظهورهم فاستغنى عن ذكر ظهر آدم عليه ~~السلام لما علم أنهم كلهم بنو آدم وأخرجوا من ظهره فترك ذكر ظهر آدم ~~استغناء. # ثم للعلماء في تفسير هذه الآية مذهبان: أحدهما وهو مذهب أهل التفسير ~~والأثر وظاهر ما جاءت به الروايات عن السلف فيما روي عن ابن عباس من طرق ~~كثيرة وروايات مختلفة رواها عنه الطبري بأسانيد، ms1432 فمنها عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ~~بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم ~~كلمهم قبلا وقال ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن يقولوا يوم # PageV02P266 # القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» وعن ابن عباس في هذه الآية قال: مسح ربك ~~ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء ~~عرفة وأخذ ميثاقهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا وعن ابن عباس أيضا قال: إن ~~أول ما أهبط الله آدم إلى الأرض أهبطه بدهناء أرض الهند فمسح ظهره فأخرج ~~منه كل نسمة هو بارئها إلى يوم القيامة ثم أخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين» زاد في رواية عنه «فجف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» وفي ~~رواية عنه قال «لما خلق الله آدم أخذ ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ~~ومصائبه واستخرج ذريته كالذر وكتب أرزاقهم وآجالهم ومصائبهم» وفي رواية عنه ~~قال «إن الله عز وجل مسح صلب آدم فاستخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم ~~القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم ~~بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد كل من أعطي الميثاق ~~يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك ~~الميثاق الآخر فلم يف به لم ينفعه الأول ومن مات صغيرا ولم يدرك الميثاق ~~الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة» وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط ~~من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى؟ قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة «إنا كنا عن هذا غافلين» وقال ابن عباس: أخرج ذرية آدم من ظهره ~~فكلمهم الله وأنطقهم فقال ألست ms1433 بربكم قالوا بلى ثم أعادها في صلبه فليس أحد ~~من الخلق إلا وقد تكلم فقال ربي الله وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان ~~يومئذ أشهد على نفسه، وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من ~~السماء ثم إنه مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه كهيئة الذر بيضاء فقال ~~ادخلوا الجنة برحمتي ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه كهيئة الذر سوداء ~~فقال ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم ~~أخذ منهم الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة ~~كارهين على وجهه التبعية زاد في رواية وذلك حيث يقول «وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها» وقال محمد بن كعب القرظي: أقر له بالإيمان ~~والمعرفة الأرواح قبل خلق أجسادها، وقال مقاتل: مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، ~~فأخرج منها ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج ~~منها ذرية سوداء كهيئة الذر يتحركون فقال يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال لهم ~~ألست بربكم قالوا بلى فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين ~~وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال ثم أعادهم جميعا في ~~صلب آدم فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق جميعا. # وروى أن الله سبحانه وتعالى قال لهم جميعا. اعلموا أنه لا إله لكم غيري ~~وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم ~~يؤمن بي وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتبا ~~فتكلموا جميعا وقالوا شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك مواثيقهم ثم ~~كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فنظر إليهم آدم عليه السلام فرأى منهم الغني ~~والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب هلا سويت بينهم فقال إني أحب أن أشكر ~~فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعاده إلى صلبه فلا تقوم الساعة ~~حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق» وقال الزجاج وجائز أن يكون ms1434 الله سبحانه ~~وتعالى جعل لأمثال الذر عقلا وفهما تعقل به كما قال تبارك وتعالى في النملة ~~قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم وكما قال وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وقال ابن الأنباري مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه ~~الآية أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولادهم وهم صور كالذر ~~وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعه فاعترفوا بذلك وقبلوه وذلك بعد ~~أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبال عقولا حتى خوطبوا ~~بقوله «يا جبال أوبي معه» وكم جعل للبعير عقلا حتى سجد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك الشجرة حتى سمعت لأمره وانقادت ومعنى قوله «ألست بربكم» على هذا ~~التفسير قال الله تعالى للذرية «ألست بربكم» فهو إيجاب # PageV02P267 # للربوبية عليهم قالوا بلى يعني قالت الذرية بلى أنت ربنا فهو جواب منهم ~~له وإقرار منهم له بالربوبية واعتراف على أنفسهم بالعبودية شهدنا فيه ~~قولان: # أحدهما: أنهم لما أقروا له بالربوبية قال الله عز وجل للملائكة اشهدوا ~~قالوا شهدنا على إقرارهم فعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله سبحانه وتعالى ~~بلى لأن كلام الذرية تم وانقطع وقوله شهدنا كلام مستأنف. # والقول الثاني: إن قوله سبحانه وتعالى شهدنا من كلام الذرية والمعنى ~~شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار وعلى هذا لا يحسن الوقف على بلى لتعلقه بما ~~بعده. # وقوله سبحانه وتعالى: أن تقولوا وقرئ بالتاء على خطاب الذرية ومعناه لئلا ~~تقولوا أيها الذرية يوم القيامة إنا كنا عن هذا يعني الميثاق غافلين وقرئ ~~أن يقولوا بالياء على الغيبة ومعناه لئلا يقولوا أي الذرية إنا كنا عن هذا ~~غافلين، والمذهب الثاني في معنى هذه الآية وهو مذهب أهل الكلام والنظر أنه ~~سبحانه وتعالى أخرج الذرية وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء وهم ~~أولاد بني آدم فأخرج الذرية إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود وأشهدهم على ~~أنفسهم بما ركب فيهم من العقول وأراهم عجائب خلقه وغرائب صنعه ودلائل ~~وحدانيته فبهذا الإشهاد صاروا ms1435 كأنهم قالوا: بلى وأشهدهم على أنفسهم أنه ~~ربهم وذلك بما أظهر لهم من دلائل آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا ~~أنه خالقهم وبارئهم وربهم ونافذ الحكم فيهم فلما عرفوا ذلك دعاهم ذلك إلى ~~التصديق بوحدانيته وربوبيته فقالوا بلى شهدنا على أنفسنا أنك أنت ربنا ~~وخالقنا فعلى هذا القول يكون قولهم بلى شهدنا على أنفسنا على المجاز لا على ~~الحقيقة وهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في كلام العرب فكل من بلغ ~~وعقل فقد أخذ عليه الميثاق بما جعل فيه من السبب الذي يؤخذ به الميثاق وهو ~~العقل والتكليف فيكون معنى الآية وإذ يأخذ ربك من بني آدم ويشهدهم على ~~أنفسهم بما ركب فيهم من العقل الذي يكون به الفهم والتكليف الذي به يترتب ~~على صاحبه الثواب والعقاب يوم القيامة. # فإن قلت: فما المختار من هذين المذهبين في تفسير هذه الآية؟ # قلت: المذهب الأول هو المختار لأنه مذهب جمهور المفسرين من السلف وورد ~~الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن قلت إذا كانت المختار في تفسير هذه الآية هو مذهب السلف في ذلك وأن ~~الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم لأخذ الميثاق عليهم كما ورد في الحديث ~~أيضا فكيف يحمل تفسير ألفاظ هذه الآية على هذا القول؟ # قلت: قد صح الحديث بأن الله مسح ظهر آدم فأخرج ذريته وأخذ عليهم الميثاق ~~ولا منافاة بين الآية والحديث كما تقدم في تفسير ألفاظ الآية من أن الله ~~أخرج ذرية آدم من ظهره على سبيل التوالد بعضهم من بعض كما في الخارج وكلهم ~~بأجمعهم من ظهر آدم الذي هو أصلهم فبهذا الطريق أمكن الجمع بين الآية ~~والحديث، إذ ليس في معنى ألفاظ الآية ما يدل على بطلان ذلك ونفيه وقد ورد ~~الحديث بثبوت ذلك وصحته فوجب المصير إليه والأخذ به جمعا بين الآية والحديث ~~وحكى الواحدي عن صاحب النظم أنه قال: ليس بين قوله إن الله مسح ظهر آدم ~~فأخرج منه ذريته وبين الآية اختلاف بحمد الله لأنه تعالى إذ ms1436 أخرجهم من ظهر ~~آدم فقد أخرجهم من ظهور ذريته لأن ذرية آدم ذرية كذرية بعضهم من بعض قال ~~وتحصل الفائدة بهذا الفصل بأنه تعالى أثبت الحجة على كل منفوس ممن بلغ ومن ~~لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم وزاد على من بلغ منهم بالحجة بالآيات ~~والدلائل التي نصبها بالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ وقال ~~غيره: فائدة أخذ الميثاق عليها في القدم أن من مات منهم صغيرا أدخل الجنة ~~بإقراره بالميثاق الأول وهذا على قول من يقول إن أطفال المشركين يدخلون ~~الجنة # PageV02P268 # إذا ماتوا صغارا فأما من لا يحكم لهم بالجنة فإنه يقول من كان من أهل ~~الشقاوة من الذرية السوداء وإنما أقروا بالمعرفة كرها فلم يغن عنهم ذلك ~~شيئا ومن بلغ وعقل لم يغن عنه إقراره بالميثاق الأول شيئا حتى يؤمن ويصدق ~~عند بلوغه وعقله بأن الله ربه وخالقه ويصدق رسله فيما جاءوا به من عنده ~~وإنما فعل ذلك لئلا يقول الكفار إنا كنا عن هذا الميثاق أو الإيمان بأن ~~الله ربنا غافلين أو لئلا تقول أخلافهم إنما أشرك آباؤنا ونحن نسير على ~~آثارهم ظنا منهم أن الحق ما كانوا عليه. # فإن قلت: إن ذلك الميثاق لا يذكره أحد اليوم فكيف يكون حجة عليهم اليوم ~~أو فكيف يذكرونه يوم القيامة حتى يحتج عليهم به. # قلت: لما أخرج الذرية من صلب آدم ركب فيهم العقول وأخذ عليهم الميثاق ~~فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما ركب فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق ~~لاقتضاء الحكمة الإلهية نسيانهم له ثم ابتدأهم بالخطاب على ألسنة الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام وأصحاب الشرائع فقام ذلك مقام الذكر، إذ الدار دار ~~تكليف وامتحان ولو لم ينسوه لانتفت المحنة والابتلاء والتكليف، فقامت الحجة ~~عليهم لإمدادهم بالرسل وإعلامهم بجريان أخذ الميثاق عليهم وبذلك قامت الحجة ~~عليهم أيضا يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا فمن ~~أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمتهم الحجة ولم تسقط الحجة عنهم بنسيانهم ~~وعدم حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات الباهرات. ### || [سورة ms1437 الأعراف (7): الآيات 173 الى 175] # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) # وقوله تعالى: أو تقولوا يعني الذرية إنما أشرك آباؤنا من قبل يعني إنما ~~أخذ الميثاق عليهم لئلا يقول المشركون إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية ~~من بعدهم يعني وكنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم في الشرك أفتهلكنا يعني ~~أفتعذبنا بما فعل المبطلون قال المفسرون: هذا قطع لعذر الكفار فلا يستطيع ~~أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة إنما أشرك آباؤنا من قبلنا ونقضوا العهد ~~والميثاق وكنا نحن الذرية من بعدهم فقلدناهم واقتدينا بهم وكنا في غفلة عن ~~هذا الميثاق فلا ذنب لنا فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل ذلك وقد أخذ عليهم ~~جميعا الميثاق وجاءتهم الرسل وذكروهم به وثبتت الحجة عليهم بذلك يوم ~~القيامة، وأما الذين حملوا معنى الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل ~~وهو مذهب أهل النظر قالوا معناه إن الله نصب هذه الدلائل وأظهرها للعقول ~~لئلا يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لآبائنا لأن نصب أدلة التوحيد ~~قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على تقليد الآباء في الشرك. # وقوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات يعني ليتدبرها العباد فيرجعوا إلى الحق ~~والإيمان ويعرضوا عن الباطل والكفر وهو المراد من قوله ولعلهم يرجعون يعني ~~عن الشرك إلى التوحيد وقيل معناه ولعلهم يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ~~ويعملون بموجبه ومقتضاه. # قوله عز وجل: واتل عليهم يعني واقرأ على قومك يا محمد نبأ يعني خبر الذي ~~آتيناه آياتنا اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال مجاهد: ~~بلعام بن باعر، وقال ابن مسعود: هو بلعم بن أبر، قال عطية قال ابن عباس: ~~إنه كان من بني إسرائيل وفي رواية أخرى عنه أنه كان من الكنعانيين من بلد # PageV02P269 # الجبارين، وقال مقاتل: هو من مدينة البلقاء وكانت قصته على ما ذكره ابن ms1438 ~~عباس ومحمد بن إسحاق والسدي وغيرهم من أصحاب الأخبار والسير قالوا: إن موسى ~~عليه الصلاة والسلام لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض كنعان من أرض الشام أتى ~~قوم بلعام إليه وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد وأن ~~معه جنودا كثيرة وأنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ~~وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردهم عنا. فقال: ويلكم نبي الله ~~ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني ~~إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي؟ فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي ~~وكان لا يدعو حتى يؤامر ربه في المنام فأتى في المنام فقيل له لا تدع عليهم ~~فقال لقومه: إني قد آمرت ربي فنهاني أن أدعو عليهم فأهدوا له هدية فقبلها ~~وراجعوه فقال حتى أؤامر ربي فآمر فلم يوح إليه شيء فقال قد آمرت ربي فلم ~~يوح إلي بشيء فقالوا له: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك أول مرة ~~فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل ~~يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال لذلك الجبل جبل حسان فلما سار على أتانه ~~غير بعيد ربضت فنزل عنها وضربها فقامت وركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ~~فضربها حتى قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت فضربها حتى أزلقها فأذن ~~الله عز وجل لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعام ~~أتدري أين تذهب أما ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي وهذا ويحك أتذهب إلى ~~نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم فلم ينزع فخلى الله سبيل الأتان فانطلقت به ~~حتى إذا أشرفت به على جبل حسان ومعه قومه جعل يدعو فلم يدع بشيء إلا صرف ~~الله به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني ~~إسرائيل فقال له قومه يا بلعام أتدري ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا ~~فقال هذا ms1439 ما لا أملكه هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره ~~فقال لقومه: قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق لي إلا المكر والحيلة ~~فسأمكر لكم وأحتال، ثم قال: جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن ~~إلى عسكر بني إسرائيل ليبعنها عليهم ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل ~~أرادها فإنه إن زنى رجل منهم بواحدة منهن كفيتموهم ففعلوا ذلك فلما دخل ~~النساء على العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستي بنت صور على رجل من ~~عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام ~~إلى المرأة وأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى ~~عليه الصلاة والسلام وقال إني لأظنك أنك تقول هذه حرام عليك فقال أجل هي ~~حرام عليك لا تقربها قال والله إني لا أطيعك في هذا ثم قام ودخل بها إلى ~~قبته فوقع عليها فأرسل الله عز وجل الطاعون على بني إسرائيل في ذلك الوقت. ~~وكان فنحاص بن العيزار بن هارون وكان صاحب أمر موسى وكان رجلا فظا قد أعطي ~~بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلون ما صنع فجاء ~~والطاعون يجوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ~~ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فطعنهما بحربته فانتظمهما ثم خرج بهما ~~وهو رافعهما إلى السماء وقد أخذ الحربة بذارعه واعتمد بمرفقه على خاصرته ~~وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر بن العيزار وجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن ~~عصاك ورفع الطاعون من بني إسرائيل فحسب من مات منهم في ذلك الطاعون فيما ~~بين أن أصاب ذلك الرجل المرأة إلى أن # قتله فنحاص فوجوده قد هلك سبعون ألفا في ساعة واحدة من النهار فمن هنالك ~~يعطي بنو إسرائيل لولد فنحاص من كل ذبيحة يذبحونها الفشة والذراع واللحى ~~لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته ~~ويعطوهم البكر من كل أموالهم ms1440 لأنه كان بكر العيزار وفي بلعام أنزل الله عز ~~وجل: # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا الآية، وقال مقاتل: إن ملك البلقاء ~~قال لبلعام ادع الله على موسى فقال بلعام إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه ~~فنصب له خشبة ليصلبه عليها فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو على موسى ~~فلما عاين عسكرهم وقفت به الأتان فضربها فقالت: لم تضربني وأنا مأمورة وهذه ~~نار أمامي قد منعتني أن أمشي # PageV02P270 # فرجع إلى الملك فأخبره بذلك فقال لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى ~~بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى ومن معه من بني ~~إسرائيل في التيه بدعاء بلعام عليه فقال موسى يا رب بأي ذنب وقعت في التيه ~~قال بدعاء بلعام قال فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه ~~السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فنزع الله سبحانه وتعالى منه ~~المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله سبحانه وتعالى: ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها. # فإن قلت هذه القصة ذكرها جماعة من المفسرين وفيها أن موسى عليه السلام ~~دعا على بلعام بأن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان وكيف يجوز لموسى عليه ~~السلام مع علو منصبه في النبوة أن يدعو على إنسان بالكفر بعد الإيمان أو ~~يرضى له بذلك قلت الجواب عنه من وجوه: # أحدها: منع صحة هذه القصة لأنها من الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره ~~أهل الأخبار إذا خالف الأصول. # الوجه الثاني: أن سبب وقوع بني إسرائيل في التيه هو عبادتهم العجل أو ~~قولهم لموسى عليه السلام اجعل لنا إلها فكان ذلك هو سبب وقوعهم في التيه ~~لادعاء بلعام عليهم. # الوجه الثالث: على تقدير صحة هذه القصة وأن موسى عليه السلام دعا على ~~بلعام أن موسى عليه السلام لم يدع عليه إلا بعد أن ثبت عنده أن بلعام كفر ~~وارتد عن الإيمان بدعائه على موسى وإيثاره الحياة الدنيا فدعا عليه مقابلة ~~لدعائه عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك ms1441 كله والمقصود من ذلك ~~تنزيه منصب النبوة عما ينقله أصحاب الأخبار في كتبهم من غير نظر فيه ولا ~~بحث عن معناه وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن ~~أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصته أنه كان قد ~~قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله سبحانه وتعالى مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ~~ذلك الرسول فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم وشرفه الله بالنبوة حسده ~~وكذبه وكان أمية صاحب حكمة وشعر ومواعظ حسنة فقصد بعض الملوك فلما رجع مر ~~على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل له: قتلهم محمد فقال: لو كان نبيا ما قتل ~~أقرباءه فلما مات أمية أتت أخته فازعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو راقد ~~أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ~~فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: أوعى قال وعى قال أزكى قال أبي قالت ~~فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي فصرف عني ثم غشي عليه فلما أفاق من غشيته ~~قال شعرا: # كل عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرة إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا # إن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوما ثقيلا # فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني من شعر أخيك فأنشدته بعض ~~قصائده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمن شعره وكفر قلبه» فأنزل ~~الله عز وجل: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها الآية وفي ~~رواية عن ابن عباس: # إنها نزلت في البسوس وهو رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي ثلاث دعوات ~~مستجابات وكانت له امرأة منها أولاد فقالت له اجعل لي منها دعوة فقال لك ~~منها واحدة كما تريدين قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل ~~فدعا لها فصارت أجمل ms1442 النساء فلما علمت أنه ليس في نساء بني إسرائيل مثلها ~~رغبت عنه فغضبت فدعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان فجاء بنوها ~~إلى أبيهم وقالوا ليس لنا على هذا الأمر قرار صارت أمنا كلبة نباحة والناس ~~تعيرنا بذلك فادع الله أن يردها إلى حالها الأول فدعا فعادت كما كانت فذهبت ~~فيها الدعوات # PageV02P271 # جميعا والقولان الأولان أشهر. وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل ~~الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته كما ~~يعرفون أبناءهم ثم أنكروه، وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه ~~الهدى فلم يقبله وقوله تعالى آتيناه آياتنا قال ابن عباس: كان يعلم اسم ~~الله الأكبر وقال ابن زيد كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وقال السدي: ~~كان يعلم اسم الله الأعظم. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه أوتي كتابا ~~وقيل آتاه الله حجة وأدلة وهي الآيات التي أوتيها فانسلخ منها يعني فخرج من ~~الآيات التي كان الله آتاه إياها كما تنسلخ الحية من جلدها، وقال ابن عباس: ~~نزع منه العلم فأتبعه الشيطان يعني لحقه وأدركه وصيره الشيطان تابعا لنفسه ~~في معصية الله يخالف أمر ربه ويطيع الشيطان وهواه. # قوله تعالى: فكان من الغاوين يعني من الهالكين الضالين بما خالف ربه ~~وأطاع هواه وشيطانه وقوله تعالى: ### || [سورة الأعراف (7): آية 176] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) # ولو شئنا لرفعناه بها يعني رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات التي أوتيها. ~~وقال ابن عباس: لرفعناه، وقال ابن عباس: لرفعناه بعمله بها، وقال مجاهد ~~وعطاء: معناه لو شئنا لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات ولكنه أخلد إلى ~~الأرض يعني: ولكنه سكن إلى الدنيا ومال إليها ورضي بها وأصله من الخلود وهو ~~الدوام والمقام والأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن الأرض عبارة عن المفاوز ~~والقفار وفيها المدن والضياع والمعادن والنبات ومنها يستخرج ms1443 ما يعاش به في ~~الدنيا فالدنيا كلها هي الأرض واتبع هواه يعني أنه أعرض عن التمسك بما أتاه ~~الله من الآيات واتبع الهوى فخسر دنياه وأخرته ووقع في هاوية الردى والهلاك ~~وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا وشهوات ~~النفس ويتبعون الهوى وذلك لأن الله عز وجل خص هذا الرجل بآياته وحكمته ~~وعلمه اسمه الأعظم وجعل دعاءه مستجابا ثم إنه اتبع هواه وركن إلى الدنيا ~~ورضي بها عوضا عن الآخرة نزع منه ما كان أعطيه وانسلخ من الدين فخسر الدنيا ~~والآخرة ومن الذي يسلم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى إلا من عصمه الله ~~بالورع وثبته بالعلم وبصره بعيوب نفسه. عن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من ~~حرص المرء على المال والسرف لدينه» أخرجه الترمذي ثم ضرب الله عز وجل مثلا ~~لهذا الرجل الذي أتاه آياته فانسلخ منها واتبع هواه فقال تعالى فمثله كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه ~~من العطش وشدة الحر وعند الإعياء والتعب وهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن ~~أتاه آياته وحكمته فتركها وعدل عنها واتبع هواه وترك آخرته وآثر دنياه بأخس ~~الحيوانات وهو الكلب في أخس أحواله وهو اللهث لأن الكلب في حال لهثه لا ~~يقدر على نفع نفسه ولا ضرها كذلك العالم الذي يتبع هواه لا يقدر على نفع ~~نفسه ولا ضرها في الآخرة لأن التمثيل به على أن يلهث على كل حال إن حملته ~~عليه أو تركته كان لاهثا وذلك عادة منه وطبيعة وهي مواظبته على اللهث دائما ~~فكذلك من أتاه الله العلم والدين وأغناه عن التعرض لحطام الدنيا الخسيسة، ~~ثم إنه مال إليها وطلبها كانت حالته كحالة الكلب اللاهث وقيل: إن العالم ~~إذا توصل بعلمه إلى طلب الدنيا فإنه يظهر علومه عند أهلها ويدلع لسانه في ~~تقرير تلك العلوم وبيانها وذلك لأجل ما ms1444 يحصل عنده من حرارة الحرص الشديد ~~وشدة العطش إلى الفوز بمطلوبه من الدنيا فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب ~~الذي أدلع لسانه من اللهث في غير حاجة ولا ضرورة. ومعنى أن تحمل عليه يلهث، ~~أو تتركه يلهث أي إن شددت عليه وأهجته لهث وإن تركته على حاله لهث لأن ~~اللهث طبيعة أصلية فيه فكذلك حال الحريص على الدنيا إن وعظته فهو حريص لا ~~يقبل الوعظ ولا ينجع فيه وإن تركته ولم تعظه فهو # PageV02P272 # حريص أيضا لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث ~~طبيعة لازمة للكلب ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا يعني أن المثل الذي ~~ضربناه للذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فعم ~~هذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها فوجه التمثيل بينهم وبين الكلب ~~اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا وإن تركوا لم يهتدوا أيضا ~~بل هم ضلال في كل حال ثم قال سبحانه وتعالى فاقصص القصص وهذا خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني فاقصص القصص يا محمد على قومك أي أخبار من كفر ~~بآيات الله لعلهم يتفكرون يعني فيتعظون، وقيل: هذا المثل لكفار مكة وذلك ~~أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل فلما جاءهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وإلى طاعته وهم يعرفونه ويعرفون ~~صدقه كذبوه ولم يقبلوا منه ثم قال سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 177 الى 178] # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا يعني بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون يعني بتكذيبهم بآياتنا. # قوله عز وجل: من يهد الله فهو المهتدي يعني من يرشده الله إلى دينه فهو ~~المهتدي، وقيل: معناه من يتول الله هدايته وإرشاده فهو المهتدي ومن يضلل ~~يعني ومن يتول الضلالة فأولئك هم الخاسرون يعني في الآخرة وفي الآية دليل ~~على ms1445 أن الله سبحانه وتعالى هو الهادي المضل وقوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 179 الى 180] # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) # ولقد ذرأنا يعني خلقنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس أخبر الله سبحانه ~~وتعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار وهم الذين حقت عليهم الكلمة ~~الأزلية بالشقاوة ومن خلقه الله للنار فلا حيلة له في الخلاص منها. واستدل ~~البغوي على صحة هذا التأويل بما رواه عن عائشة قالت: دعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا ~~عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال «أو غير ذلك يا عائشة ~~إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا ~~خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» أخرجه مسلم. قال الشيخ محيي الدين النووي ~~في شرح مسلم: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال ~~المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفا وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به ~~لحديث عائشة هذا. # وأجاب العلماء عنه بأنه لعله صلى الله عليه وسلم نهاها عن المسارعة إلى ~~القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص لفظة ~~«إني لأراه مؤمنا فقال: أو مسلما» الحديث، ويحتمل أن صلى الله عليه وسلم ~~قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم ذلك قال به، وأما ~~أطفال المشركين ففيهم ثلاث مذاهب قال الأكثرون: هم في النار تبعا لآبائهم ~~وتوقف طائفة فيهم والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل ~~الجنة ويستدل له بأشياء منها خبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين ~~رآه النبي صلى الله ms1446 عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس فقالوا: # يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. رواه البخاري في ~~صحيحه ومنها قوله سبحانه وتعالى: # PageV02P273 # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه ~~قبول قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله أعلم. # وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله خالق أعمال العباد ~~جميعها خيرها وشرها وأن الله سبحانه وتعالى بين بصريح اللفظ أنه خلق كثيرا ~~من الجن والإنس للنار ولا تزيد على بيان الله عز وجل لأن العاقل لا يختار ~~لنفسه دخول النار فلما عمل بما يوجب دخول النار به علم أنه له من يضطره إلى ~~ذلك العمل الواجب إلى دخول النار وهو الله عز وجل، وقيل: اللام في جهنم ~~للعاقبة أي عاقبتهم جهنم، ثم وصفهم فقال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ~~يعني: لا يفهمون بها ولا يعقلون بها وأصل الفقه في اللغة الفهم والعلم ~~بالشيء ثم صار علما على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم يقال: ~~فقه الرجل يفقه فهو فقيه إذا فهم ومعنى الآية لهم قلوب لا يتفكرون بها في ~~آيات الله ولا يتدبرونها ولا يعلمون بها الخير والهدى لإعراضهم عن الحق ~~وتركهم قبوله ولهم أعين لا يبصرون بها يعني لا يبصرون بها طريق الحق والهدى ~~ولا ينظرون بها في آيات الله وأدلة توحيده ولهم آذان لا يسمعون بها يعني لا ~~يسمعون آيات القرآن ومواعظه فيعتبرون بها، قال أهل المعاني: إن الكفار لهم ~~قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ولهم أعين يبصرون بها المرئيات ~~وآذان يسمعون بها الكلمات وهذا لا يشك فيه. # ولما وصفهم الله عز وجل بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود ~~هذه الحواس الدراكة علم بذلك أن المراد بذلك يرجع إلى مصالح الدين وما فيه ~~نفعهم في الآخرة وحاصل هذا الكلام أنهم مع وجود هذه الحواس لا ينتفعون بها ~~فيما ينفعهم في أمور الدين والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك ms1447 استعمال بعض جوارحه ~~فيما لا يصلح له ومنه قول الشاعر: # وعوراء الكلام صمت عنها ... وإني إن أشاء بها سميع # فإنه أثبت له صمما مع وجود السمع. قال مجاهد: لهم قلوب لا يفقهون بها ~~شيئا من أمر الآخرة ولهم أعين لا يبصرون بها الهدى ولهم آذان لا يسمعون بها ~~الحق. # ثم ضرب لهم مثلا فقال سبحانه وتعالى: أولئك كالأنعام يعني أن الذين ذرأهم ~~لجهنم وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية كالأنعام وهي البهائم التي لا ~~تفهم ولا تعقل وذلك لأن الإنسان وسائر الحيوانات مشتركون في هذه الحواس ~~الثلاثة التي هي القلب والبصر والسمع. # وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدي إلى ~~معرفة الحق من الباطل والخير والشر فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه ~~فلا فرق بينه وبين الأنعام التي لا تدرك شيئا ثم قال تعالى: # بل هم أضل يعني: بل إن الكفار أضل من الأنعام لأن الأنعام تعرف ما يضرها ~~وما ينفعها والكافر لا يعرف ذلك فصار أضل من الأنعام ولأن الأنعام لم تعط ~~القوة الفعلية والإنسان قد أعطيها فإذا لم يستعملها فيما ينفعه صار أحسن ~~حالا من الأنعام. # وقيل: إن الأنعام مطيعة لله عز وجل والكافر غير مطيع لله عز وجل، فصارت ~~الأنعام أفضل منه ثم قال تعالى: أولئك هم الغافلون يعني عن ضرب هذه الأمثال ~~لهم. # قوله سبحانه وتعالى: ولله الأسماء الحسنى قال مقاتل: إن رجلا دعا الله في ~~صلاته ودعا الرحمن فقال بعض مشركي مكة قال ابن الجوزي: هو أبو جهل إن محمدا ~~وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحد فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل الله ~~هذه الآية ولله الأسماء الحسنى والحسنى تأنيث الأحسن، ومعنى الآية أن أسماء ~~الله # PageV02P274 # سبحانه وتعالى المقدسة كلها حسنى وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن ~~والمعنى أن الأسماء الحسنى ليس إلا لله لأن هذا اللفظ يفيد الحصر. وقيل إن ~~الأسماء ألفاظ دالة على معان فهي إنما تحسن بمعانيها ولا معنى للحسن في حق ~~الله تبارك وتعالى إلا ms1448 ذكره بصفات الكمال ونعوت الجلال وهي محصورة في ~~نوعين: # أحدهما: عدم افتقاره إلى غيره. # الثاني: افتقار غيره إليه وإنه هو المسمى بالأسماء الحسنى (ق). عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله تسعة وتسعين اسما من ~~حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر» وفي رواية «من أحصاها» وفي رواية ~~أخرى «لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر» وفي ~~رواية «من أحصاها» وفي رواية أخرى «لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا لا ~~يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» قال البخاري: # أحصاها حفظها. وفي رواية الترمذي قال: قال رسول الله «إن لله تسعة وتسعين ~~اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور ~~الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع ~~المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور ~~الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب ~~الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي ~~الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي الميت الحي القيوم الواجد الماجد ~~الواحد الصمد القادر المقتدر المعدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن ~~الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال ~~والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي ~~البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور» قال الترمذي: حدثنا به غير واحد عن ~~صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث ~~قال وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء التي في هذا الحديث. قال ~~ابن الأثير: وفي رواية ذكرها رزين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ~~قوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ~~ما كانوا ms1449 يعملون فقال: «إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما» الحديث. # قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على أن هذا ~~الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى وليس معناه أنه ليس له أسماء غير ~~هذه التسعة والتسعين وإنما المقصود من الحديث أن هذه التسعة والتسعين اسما ~~من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار ~~بحصر الأسماء ولهذا جاء في الحديث الآخر «أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك» وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي ~~عن بعضهم أن لله ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: من أحصاها دخل الجنة تقدم فيه قول البخاري أن معناه حفظها وهو قول ~~أكثر المحققين ويعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة. وقيل: المراد من ~~الإحصاء العدد أي عدها في الدعاء بها. وقيل معناه من أطاقها وأحسن المراعاة ~~لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وعمل بمقتضاها دخل الجنة وقيل ~~معنى أحصاها أحضر بباله عند ذكرها معناه وتفكر في مدلولها معتبرا متدبرا ~~ذاكرا راغبا راهبا معظما لها ولمسماها ومقدسا لذات الله سبحانه وتعالى وأن ~~يخطر بباله عند ذكر كل اسم الوصف الدال عليه، وقوله والله وتر يحب الوتر ~~الوتر الفرد ومعناه في وصف الله تعالى أنه الواحد الذي لا شريك له ولا نظير ~~فيه تفضيل الوتر في الأعمال لأن أكثر الطاعات وتر وفيه دليل على أن أشهر ~~أسمائه سبحانه وتعالى الله لإضافة الأسماء إليه فيقال الرؤوف والكريم ~~واللطيف من أسماء الله ولا يقال من أسماء الله الرؤوف والكريم واللطيف الله ~~وقد قيل إن لفظة الله هو الاسم الأعظم. قال أبو # PageV02P275 # القاسم القشيري: فيه دليل على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت ~~الأسماء لغيره وقد قال «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» وقال الإمام فخر ~~الدين الرازي: دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لا تدل على أن أسماء الله ~~كثيرة لأن لفظ الأسماء ms1450 الجمع وهو يفيد الثلاثة فما فوقها فثبت أن أسماء ~~الله كثيرة ولا شك أن الله واحد فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضا ~~قوله سبحانه وتعالى: ولله الأسماء يقتضي إضافة الأسماء إلى الله وإضافة ~~الشيء إلى نفسه محال. وقال غيره: الاسم عبارة عن اللفظ الدال على الشيء ~~المسمى به فهو غيره. وقال أهل اللغة: إنما جعل الاسم تنويها على المعنى لأن ~~المعنى تحت الاسم والتسمية غير الاسم لأن التسمية عبارة عن وضع اللفظ ~~المعين لتعريف ذات الشيء والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق ظاهر. ~~قال العلماء: وكما يجب تنزيه الله عن جميع النقائص فكذلك يجب تنزيه أسمائه ~~أيضا وقوله سبحانه وتعالى: فادعوه بها يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمى ~~بها نفسه أو سماه بها رسوله ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا ~~اصطلاحية ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن يقال يا جواد ولا ~~يجوز أن يقال يا سخي ويجوز أن يقال يا عالم ولا يجوز أن يقال يا عاقل ويجوز ~~أن يقال يا حكيم ولا يجوز أن يقال يا طبيب وللدعاء شرائط منها أن يعرف ~~الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها ويستحضر في قلبه عظمة المدعو سبحانه ~~وتعالى ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم والتبجيل والتقديس لله ويعزم ~~المسألة مع رجاء الإجابة ويعترف الله سبحانه وتعالى بالربوبية وعلى نفسه ~~بالعبودية فإذا فعل العبد ذلك عظم موقع الدعاء وكان له تأثير عظيم وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد والعدول عن ~~الاستقامة. وقال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه ~~يقال ألحد في الدين إلحادا إذا عدل عنه ومال إلى غيره. قال المحققون: ~~الإلحاد يقع في أسماء الله تعالى على وجوه: # أحدها: إطلاق أسماء الله عز وجل على غيره وذلك أن المشركين سموا أصنامهم ~~بالآلهة واشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فسموا اللات والعزى ومناة ~~واشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة ms1451 من المنان وهذا معنى قول ~~ابن عباس ومجاهد. # الوجه الثاني: وهو قول أهل المعاني أن الإلحاد في أسماء الله هو تسميته ~~بما لم يسم به نفسه ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة لأن أسماء الله سبحانه ~~وتعالى كلها توقيفية كما تقدم فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل ندعو ~~الله بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم. # الوجه الثالث: مراعاة حسن الأدب في الدعاء فلا يجوز أن يقال يا ضار يا ~~مانع يا خالق القردة على انفراد بل يقال يا ضار يا نافع يا خالق الخلق. # الوجه الرابع: أن لا يسمي الله العبد باسم لا يعرف معناه فإنه ربما سماه ~~باسم لا يليق إطلاقه على جلال الله سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يسمى به لما ~~فيه من الغرابة. # وقوله سبحانه وتعالى: سيجزون ما كانوا يعملون يعني في الآخرة ففيه وعيد ~~وتهديد لمن ألحد في أسماء الله عز وجل. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 181 الى 183] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) # قوله عز وجل: وممن خلقنا أمة يعني جماعة وعصابة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والأنصار ~~والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قرأ هذه # PageV02P276 # الآية قال «هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون» (ق) عن معاوية قال وهو يخطب سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من ~~خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» وفي الآية دليل على ~~أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه والذين كذبوا بآياتنا ~~يريد به جميع المكذبين بآيات الله وهم الكفار. وقيل: المراد بهم أهل مكة ~~والأول أولى لأن ms1452 صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال الأزهري: سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا ~~يحتسبون وذلك أن الله سبحانه وتعالى يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ~~ويركنون إليه ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون وقيل معناه سنقربهم إلى ~~ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم لأنهم كانوا إذا ~~أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم من أبواب الخير والنعمة في ~~الدنيا فيزدادون تماديا في الغي والضلال ويندرجون في الذنوب والمعاصي ~~فيأخذهم الله أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه. وقال الضحاك: معناه كلما ~~جددوا معصية جددنا نعمة. وقال الكلبي: نزين أعمالهم ثم نهلكهم بها، وقال ~~سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم ثم نسلبهم الشكر. # روي أن عمر بن الخطاب لما حمل إليه كنوز كسرى قال: اللهم إني أعوذ بك أن ~~أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. قال أهل ~~المعاني: الاستدراج أن يندرج الشيء إلى الشيء في خفية قليلا ومنه درج الصبي ~~إذا قارب بين خطاه في المشي ومنه درج الكتاب إذا أطواه شيئا بعد شيء وأملي ~~لهم يعني وأمهلهم وأطيل مدة أعمارهم. # والإملاء في اللغة الإمهال وإطالة المدة والمعنى إني أطيل مدة أعمارهم ~~ليتمادوا في الكفر والمعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة ~~إن كيدي متين يعني إن أخذي شديد والمتين من كل شيء هو القوي الشديد. وقال ~~ابن عباس: معناه إن مكري شديد. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المستهزئين ~~من قريش وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمهلهم ثم قتلهم في ليلة واحدة وفي هذه ~~الآية دليل على مسألة القضاء والقدر وأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 184 الى 187] # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا ~~في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى ms1453 أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون (186) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ~~لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(187) # قوله سبحانه وتعالى: أولم يتفكروا ما بصاحبهم يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم من جنة يعني من جنون قال قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا «يا بني فلان يا بني ~~فلان إني لكم نذير مبين» وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه فقال قائلهم: إن ~~صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح فأنزل الله عز وجل: أولم يتفكروا ~~والتفكر التأمل وإعمال الخاطر في عاقبة الأمر والمعنى أو لم يتفكروا ~~فيعلموا ما بصاحبهم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من جنة والجنة. حالة من ~~الجنون وإدخال لفظة من في قوله من جنة يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع ~~الجنون وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه لأنهم رأوا أنه صلى الله عليه ~~وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال لأنه كان معرضا عن الدنيا ولذاتها مقبلا ~~على الآخرة ونعيمها مشتغلا بالدعاء إلى الله عز وجل وإنذارهم # PageV02P277 # بأسه ونقمته ليلا ونهارا من غير ملال ولا ضجر فعند ذلك نسبوه إلى الجنون ~~فبرأه الله سبحانه وتعالى من الجنون فقال تعالى: إن هو يعني ما هو إلا نذير ~~مبين ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم بالوحدانية فقال سبحانه وتعالى: ~~أولم ينظروا يعني نظر اعتبار واستدلال في ملكوت السماوات والأرض وما خلق ~~الله من شيء والمقصود التنبيه على أن الدلالة على الوحدانية ووجود الصانع ~~القديم غير مقصورة على ملك السموات والأرض بل كل شيء خلقه الله سبحانه ~~وتعالى وبرأه فيه دليل على وحدانية الله سبحانه وتعالى وآثار قدرته كما قال ~~الشاعر: # وفي كل شيء له آية ... تدل ms1454 على أنه واحد # وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم والمعنى ولعل أجلهم يكون قد اقترب ~~فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار وإذا كان الأمر كذلك ~~وجب على العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز ~~بالنعيم المقيم فبأي حديث بعده يعني بعد القرآن يؤمنون يعني يصدقون. ~~والمعنى فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون ~~وليس بعد محمد نبي ولا بعد كتابه كتاب لأنه خاتم الأنبياء وكتابه خاتم ~~الكتب لانقطاع الوحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر علة إعراضهم عن ~~الإيمان فقال سبحانه وتعالى: من يضلل الله فلا هادي له يعني أن إعراض هؤلاء ~~عن الإيمان لإضلال الله إياهم فلو هداهم لآمنوا ويذرهم في طغيانهم يعمهون ~~يعني ويتركهم في ضلالتهم وتماديهم في الكفر يترددون متحيرين لا يهتدون ~~سبيلا. # قوله عز وجل: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قال قتادة: قالت قريش لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس: قال جبل بن أبي قشير وشمول بن زيد، ~~وهما من اليهود، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد أخبرنا متى الساعة ~~إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم متى الساعة فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن ~~الساعة يعني عن خبر القيامة. سميت ساعة لأنها تقوم في ساعة غفلة وبغتة أو ~~لأن حساب الخلائق ينقضي فيها في ساعة واحدة أيان سؤال استفهام عن الوقت ~~الذي تقوم فيه الساعة ومعناه متى مرساها. قال ابن عباس: يعني منتهاها أي ~~متى وقوعها. قالوا والساعة الوقت الذي تموت فيه الخلائق وأصل الإرساء ~~الثبات يقول رسا يرسو إذا ثبت قل أي قل لهم يا محمد إنما علمها عند ربي أي ~~لا يعلم الوقت الذي تقوم فيه إلا الله استأثر الله بعلمها فلم يطلع عليه ~~أحد ومر حديث الإيمان والإسلام والإحسان وسؤال جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرني عن الساعة قال ms1455 ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. # قال المحققون: وسبب إخفاء علم الساعة ووقت قيامها عن العباد ليكونوا على ~~خوف وحذر منها لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت كانوا على وجل وخوف ~~وإشفاق منها فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة والتوبة وأزجر لهم عن المعصية ~~لا يجليها لوقتها إلا هو قال مجاهد لا يأتي بها إلا هو، وقال السدي: لا ~~يرسلها لوقتها إلا هو والتجلية إظهار الشيء بعد خفائه، والمعنى: لا يظهرها ~~لوقتها المعين إلا الله ولا يقدر على ذلك غيره ثقلت في السماوات والأرض ~~يعني ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات والأرض فكل شيء خفي فهو ثقيل ~~شديد. وقال الحسن: إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض وإنما ثقلت ~~عليهم لأن فيها فناءهم وموتهم وذلك ثقيل على القلوب لا تأتيكم إلا بغتة ~~يعني فجأة على حين غفلة من الخلق (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا ~~يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا ~~يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع ~~أكلته إلى فيه فلا يطعمها» اللقحة بفتح اللام وكسرها: الناقة القريبة العهد ~~بالنتاج. # PageV02P278 # قوله: يليط حوضه ويروى يلوط حوضه يعني يطينه ويصلحه يقال لاط حوضه يليطه ~~أو يلوطه إذا طينه وأصله من اللصوق. الأكلة: بضم الهمزة اللقمة. # وقوله سبحانه وتعالى: يسئلونك كأنك حفي عنها يعني يسألونك قومك عن الساعة ~~كأنك حفي بهم بمعنى بار بهم شفيق عليهم فعلى هذا القول فيه تقديم وتأخير ~~تقديره يسألونك عنها كأنك حفي بهم. قال ابن عباس: يقول كأن بينك وبينهم ~~مودة وكأنك صديق لهم. قال ابن عباس لما سأل الناس محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا صلى الله عليه وسلم حفي بهم ~~فأوحى الله عز وجل إليه إنما علمها عنده استأثر بعلمها فلم يطلع عليها ملكا ~~ولا رسولا وقيل ms1456 معناه يسألونك عنها كأنك حفي بها أي عالم بها من قولهم ~~أحفيت في المسألة إذا بالغت في السؤال عنها حتى علمتها قل يعني يا محمد ~~إنما علمها عند الله يعني استأثر الله بعلمها فلا يعلم متى الساعة إلا الله ~~عز وجل. # فإن قلت: قوله سبحانه وتعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها وقوله سبحانه ~~وتعالى ثانيا يسألونك كأنك حفي عنها فيه تكرار؟ # قلت: ليس فيه تكرار لأن السؤال الأول سؤال عن وقت قيام الساعة والسؤال ~~الثاني سؤال عن أحوالها من ثقلها وشدائدها فلم يلزم التكرار. # فإن قلت: عبر عن الجواب في السؤال الأول بقوله تعالى: علمها عند ربي وعن ~~الجواب في السؤال الثاني بقوله تعالى: علمها عند الله فهل من فرق بين ~~الصورتين في الجوابين. # قلت: فيه فرق لطيف وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعا عن قيام وقت ~~الساعة عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى علم وقت قيامها عند ربي. # ولما كان السؤال الثاني واقعا عن أحوالها وشدائدها وثقلها عبر عن الجواب ~~فيه بقوله سبحانه وتعالى عند الله لأنه أعظم الأسماء ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون يعني لا يعملون أن علمها عند الله وأنه استأثر بعلم ذلك حتى لا ~~يسألوا عنه. # وقيل: ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفى علم وقت قيامها ~~المغيب عن الخلق قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 188 الى 189] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من ~~الشاكرين (189) # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا قال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا يا محمد ~~ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري به فتربح فيه عند الغلاء ~~وبالأرض التي يريد أن تجدب فترحل عنها ms1457 إلى ما قد أخصبت فأنزل الله عز وجل: ~~قل لا أملك أي قل يا محمد لا أملك ولا أقدر لنفسي نفعا أي اجتلاب نفع بأن ~~أربح فيما أشتريه ولا ضرا يعني ولا أقدر أن أدفع عن نفسي ضرا نزل بها بأن ~~أرتحل إلى الأرض الخصبة وأترك الجدبة إلا ما شاء الله يعني أن أملكه وأقدر ~~عليه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير يعني ولو كنت # PageV02P279 # أعلم وقت الخصب والجدب لاستكثرت من المال وما مسني السوء يعني الضر ~~والفقر والجوع. وقال ابن جريج: معناه لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا من الهدى ~~والضلالة ولو كنت أعلم الغيب يريدون وقت الموت لاستكثرت من الخير يعني من ~~العمل الصالح. وقيل إن أهل مكة لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الساعة أنزل الله تعالى الآية الأولى وهذه الآية ومعناه: أنا لا أدعي علم ~~الغيب حتى أخبركم عن وقت قيام الساعة وذلك لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب ~~فذكر أن قدرته قاصرة عن علم الغيب. # فإن قلت: قد أخبر صلى الله عليه وسلم عن المغيبات وقد جاءت أحاديث في ~~الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم فكيف الجمع بينه وبين ~~قوله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير؟ # قلت: يحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع والأدب ~~والمعنى لا أعلم الغيب إلا أن يطلعني الله عليه ويقدره لي. ويحتمل أن يكون ~~قال ذلك قبل أن يطلعه الله عز وجل على الغيب فلما أطلعه الله عز وجل أخبر ~~به كما قال تعالى: فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول أو يكون ~~خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله سبحانه وتعالى ~~عن أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته ~~صلى الله عليه وسلم وقوله وما مسنى السوء يعني الجنون وذلك أنهم نسبوه إلى ~~الجنون وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل ms1458 الخير واحترزت عن ~~الشر حتى أصير بحيث لا يمسني السوء وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم ~~بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا وما مسني السوء يعني قولكم لو كنت نبيا لعلمت ~~متى تقوم الساعة إن أنا إلا نذير يعني ما أنا إلا رسول أرسلني الله إليكم ~~أنذركم وأخوفكم عقابه إن لم تؤمنوا وبشير يعني وأبشر بثوابه لقوم يؤمنون ~~يعني يصدقون. # قوله عز وجل: هو الذي خلقكم من نفس واحدة يعني آدم عليه السلام وجعل منها ~~زوجها يعني وخلق منها زوجها حواء قد تقدم كيفية خلق حواء من ضلع آدم في أول ~~سورة النساء ليسكن إليها يعني ليأنس بها ويأوي فلما تغشاها يعني واقعها ~~وجامعها كنى به عن الجماع أحسن كناية لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة وقد ~~غشيها وتغشاها إذا علاها وتجللها حملت حملا خفيفا يعني النطفة والمني لأن ~~أول ما تحمل النطفة وهي خفيفة عليها فمرت به يعني أنها استمرت بذلك الحمل ~~فقامت وقعدت وهو خفيف عليها فلما أثقلت أي صارت إلى حال الثقل وكبر ذلك ~~الحمل ودنت مدة ولادتها دعوا الله ربهما يعني أن آدم وحواء دعوا الله ربهما ~~لئن آتيتنا صالحا يعني لئن أعطيتنا بشرا سويا مثلنا لنكونن من الشاكرين ~~يعني لك على إنعامك علينا. قال المفسرون: لما هبط آدم وحواء إلى الأرض ~~ألقيت الشهوة في نفس آدم فأصاب حواء فحملت من ساعتها فلما ثقل الحمل وكبر ~~الولد أتاها إبليس فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري قال: إني أخاف ~~أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا أترين في الأرض إلا بهيمة أو نحوها قالت: ~~إني أخاف بعض ذلك قال وما يدريك من أين خرج أمن دبرك أم من فيك أو يشق بطنك ~~فيقتلك فخافت حواء من ذلك وذكرته لآدم فلم يزالا في غم من ذلك ثم عاد إليها ~~إبليس فقال لها إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ~~ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث ms1459 ~~فذكرت ذلك حواء لآدم عليه السلام فقال لعله صاحبنا الذي قد علمت فعاودها ~~إبليس فلم يزل بهما حتى غرهما فلما ولدت سمياه عبد الحارث. وقال ابن عباس: ~~كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت ~~فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فولدت ~~فسمياه عبد الحارث فعاش. عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد ~~الحارث فسمته فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة # PageV02P280 # وقال وقد رواه بعضهم ولم يرفعه وقوله وذلك من وحي الشيطان يعني من وسوسته ~~وحديثه كما جاء أنه خدعهما مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض. قال ابن ~~عباس: لما ولد له أول ولد آتاه إبليس فقال إني أنصح لك في شأن ولدك هذا ~~تسميه عبد الحارث وكان اسمه في السماء الحارث فقال آدم: أعوذ بالله من ~~طاعتك إني أطعتك في أكل الشجرة فأخرجتني من الجنة فلن أطيعك فمات ولده ثم ~~ولد له بعد ذلك ولد آخر فقال أطعني وإلا مات كما مات الأول فعصاه فمات ~~ولده، فقال لا أزال أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث فلم يزل به حتى سماه عبد ~~الحارث فذلك فقوله تعالى: ### || [سورة الأعراف (7): آية 190] # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ~~(190) # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما قال ابن عباس: أشركاه في ~~طاعته في غير عبادة ولم يشركا بالله ولكن أطاعاه. وقال قتادة: أشركا في ~~الاسم ولم يشركا في العبادة. وقال عكرمة ما أشرك آدم ولا حواء وكان لا يعيش ~~لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد ~~الحارث فهو قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهما قرئ شركا بكسر الشين مع ~~التنوين ومعناه شركة وقال ms1460 أبو عبيدة معناه حظا ونصيبا وقرئ شركاء بضم الشين ~~مع المد جمع شريك يعني إبليس عبر عن الواحد بلفظ الجمع يعني جعلا له شريكا ~~إذ سميا ولدهما عبد الحارث. قال العلماء: ولم يكن ذلك شركا في العبادة ولا ~~أن الحارث رب لهما لأن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيا معصوما من الشرك ~~ولكن قصد بتسميتهما الولد بعبد الحارث أن الحارث كان سبب نجاة الولد ~~وسلامته وسلامة أمه وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك كما ~~قال الشاعر: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا # أخبر عن نفسه أنه عبد الضيف ما أقام عنده مع بقاء الحرية عليه وإنما أراد ~~بالعبودية خدمة الضيف والقيام بواجب حقوقه كما يقوم العبد بواجب حقوق سيده. ~~وقد يطلق اسم الرب بغير الألف واللام على غير الله كقول يوسف عليه الصلاة ~~والسلام لعزيز مصر «إنه ربي أحسن مثواي» أراد به التربية ولم يرد به أنه ~~ربه ومعبوده فكذلك هنا وإنما أخبر عن آدم عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: ~~جعلا له شركاء فيما آتاهما لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأن منصب ~~النبوة أشرف المناصب وأعلاها فعاتبه الله على ذلك لأنه نظر إلى السبب ولم ~~ينظر إلى المسبب والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قال العلماء: وعلى هذا ~~فقد تم الكلام عند قوله فيما آتاهما ثم ابتدأ في الخبر عن الكفار بقوله ~~تعالى: فتعالى الله عما يشركون نزه نفسه سبحانه وتعالى عن إشراك المشركين ~~من أهل مكة وغيرهم وهذا على العموم، ولو أراد آدم وحواء لقال سبحانه وتعالى ~~فتعالى الله عما يشركان على التثنية لا على الجمع وقال بعض أهل المعاني: ~~ولو أراد به ما سبق في معنى الآية فمستقيم أيضا من حيث إنه كان الأولى بهما ~~أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في التسمية فكان الأولى أن يسمياه عبد ~~الله لا عبد الحارث وفي معنى الآية قول آخر وهو أنه راجع إلى جميع المشركين ~~من ذرية آدم وهو قول الحسن وعكرمة ومعناه وجعل ms1461 أولادهما له شركاء فحذف ذكر ~~الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء بقوله: ثم اتخذتم ~~العجل وإذ قتلتم نفسا فعير به اليهود الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان ذلك من فعل آبائهم وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق ~~بقوله: هو الذي خلقكم من نفس واحدة أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها ~~أي وجعل من جنسها زوجها آدمية مثله وهذا قول حسن إلا أن القول وورد الحديث ~~بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم الله ~~أولادا فهودوهم ونصروهم وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى ~~وعبد شمس وعبد الدار ونحو ذلك. # PageV02P281 # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 191 الى 194] # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) # وقوله سبحانه وتعالى: أيشركون قرئ بالتاء على خطاب الكفار، وقرئ بالياء ~~على الغيبة ما لا يخلق شيئا يعني إبليس والأصنام وهم يخلقون أي وهم ~~مخلوقون. # فإن قلت: كيف وحد يخلق ثم جمع فقال وهم يخلقون؟ # قلت: إن لفظة «ما» تقع على الواحد والإثنين والجمع فهي من صيغ الواحدان ~~بحسب ظاهر اللفظ ومحتملة للجمع بحسب المعنى فوحد قوله ما لا يخلق رعاية ~~الحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله وهم يخلقون رعاية لجانب المعنى. # فإن قلت: كيف جمع بالواو وبالنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ # قلت: لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع بناء على ~~ما يعقدونه ويتصورونه. # وقوله تعالى: ولا يستطيعون لهم نصرا يعني أن الأصنام لا تقدر على نصر من ~~أطاعها وعبدها ولا تضر من عصاها والنصر، المعونة على الأعداء. والمعنى أن ~~المعبود الذي تجب عبادته يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضر وهذه ~~الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل ms1462 أن يعبدها ثم قال تعالى: ولا أنفسهم ~~ينصرون يعني ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرها ~~قدر عليه وهي لا تقدر على دفعه عنها. # ثم خاطب المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى يعني وإن ~~تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يتبعوكم لأن الله سبحانه وتعالى ~~حكم عليهم بالضلالة فلا يقبلون الهداية سواء عليكم أدعوتموهم إلى الدين ~~والهداية أم أنتم صامتون أي ساكتون عن دعائهم فهم في كلا الحالين لا ~~يؤمنون. وقيل إن الله سبحانه وتعالى لما بين في الآية المتقدمة عجز الأصنام ~~بين في هذه الآية أنه لا علم لها بشيء البتة والمعنى أن هذه الأصنام التي ~~يعبدها المشركون معلوم من حالها أنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع لمن دعاها ~~إلى خير وهدى ثم قوى هذا المعنى بقوله سبحانه وتعالى: سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون وذلك أن المشركين كانوا إذا وقعوا في شدة وبلاء تضرعوا ~~لأصنامهم فإذا لم تكن لهم إلى الأصنام حاجة سكتوا وصمتوا فقيل لهم لا فرق ~~بين دعائكم للأصنام أو سكوتكم عنها فإنها عاجزة في كل حال. # قوله سبحانه وتعالى: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم يعني أن ~~الأصنام التي يعبدها هؤلاء المشركون إنما هي مملوكة لله أمثالهم وقيل إنها ~~مسخرة مذللة مثل ما أنتم مسخرون مذللون قال مقاتل في قوله سبحانه وتعالى: ~~عباد أمثالكم أنها الملائكة والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة والقول ~~الأول أصح وفيه سؤال وهو أنه وصفها بأنها عباد مع أنها جماد. # والجواب أن المشركين لما ادعوا أن الأصنام تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا ~~كونها عاقلة فاهمة فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتا لهم وتوبيخا ~~ولذلك قال عز وجل: فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين في كونها آلهة ~~وجواب آخر وهو أن هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين والمعنى ~~أن قصارى هذه الأصنام التي تعبدونها أحياء عاقلة على معتقدكم فهم عباد الله ~~أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلما ms1463 # PageV02P282 # عبدتموهم وجعلتموهم آلهة وجعلتم أنفسكم لهم عبيدا ثم وصفهم بالعجز فقال ~~تعالى: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 195 الى 198] # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن وليي ~~الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من دونه لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ~~وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها يعني أن قدرة الإنسان المخلوق إنما تكون بهذه الجوارح ~~الأربعة فإنها آلات يستعين بها الإنسان في جميع أموره والأصنام ليس لها من ~~هذه الأعضاء والجوارح شيء فهم مفضلون عليها بهذه الأعضاء لأن الرجل الماشية ~~أفضل من الرجل العاجزة عن المشي وكذلك اليد الباطشة أفضل من اليد العاجزة ~~عن البطش والعين الباصرة أفضل من العين العاجزة عن الإدراك والأذن السامعة ~~أفضل من الأذن العاجزة عن السمع فظهر بهذا البيان أن الإنسان أفضل من هذه ~~الأصنام العاجزة بكثير بل لا فضل لها البتة لأنها حجارة وجماد لا تضر ولا ~~تنفع وإذا كان لا فضل له البتة ولا يضر ولا ينفع فامتنع بهذه الحجة كون ~~الأصنام آلة ثم قال تعالى: قل ادعوا شركاءكم أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~ادعوا شركاءكم هذه الأصنام التي تعبدونها حتى يتبين عجزها ثم كيدون يعني ~~أنتم وشركاؤكم وهذا متصل بما قبله في استكمال الحجة عليهم لأنهم لما قرعوا ~~بعادة من لا يملك ضرا ولا نفعا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم قل إن معبودي ~~يملك الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لأن الله يدفع عني، ~~وقال الحسن كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون فلا تنظرون أي لا تمهلون واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم إن وليي الله ~~يعني أن الذي يتولى حفظي وينصرني عليكم هو ms1464 الله الذي نزل الكتاب يعني ~~القرآن، المعنى كما أيدني بإنزال القرآن علي كذلك يتولى حفظي وينصرني وهو ~~يتولى الصالحين يعني يتولاهم بنصره وحفظه فلا تضرهم عداوة من عاداهم من ~~المشركين وغيرهم ممن أرادهم بسوء أو كادهم بشر. # قال ابن عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا ولا يعصونه وفي ~~هذا مدح للصالحين لأن من تولاه الله يحفظه فلا يضره شيء. # قوله عز وجل: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ~~هذه الآية قد تقدم تفسيرها، والفائدة في تكريرها أن الآية الأولى مذكورة ~~على جهة التقريع والتوبيخ وهذه الآية مذكورة على جهة الفرق بين من تجوز له ~~العبادة وهو الله الذي يتولى الصالحين بنصره وحفظه وبين هذه الأصنام وهي ~~ليست كذلك فلا تكون معبودة. # وقوله سبحانه وتعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك ~~وهم لا يبصرون قال الحسن المراد بهذا المشركون ومعناه وإن تدعوا إليها ~~المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم لأن آذانهم قد صمت عن سماع ~~الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم لا يبصرون يعني ببصائر قلوبهم وذهب ~~أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية أيضا واردة في صفات الأصنام لأنها جماد لا ~~تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر. # قوله تعالى: خذ العفو العفو هنا الفضل وما جاء بلا كلفة والمعنى: اقبل ~~الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فيستقصوا عليك فتتولد منه العداوة ~~والبغضاء. وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس ~~وذلك مثل قبول الاعتذار منهم وترك البحث عن الأشياء والعفو التساهل في كل ~~شيء # PageV02P283 # (خ) عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت خذ العفو وأمر بالعرف إلا في ~~أخلاق الناس وفي رواية قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو ~~من أقوال الناس وكذا في جامع الأصول وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي قال ~~أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس أو كما ~~قال: وقال ms1465 ابن عباس يعني خذ ما عفا لك من أموالهم فما أتوك به من شيء فخذه ~~وكان هذا قبل أن تتنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه وقال ~~السدي خذ العفو أي الفضل من المال نسختها آية الزكاة، وقال الضحاك: خذ ما ~~عفا من أموالهم وهذا قبل أن تفرض الصدقة المفروضة وأمر بالعرف يعني وأمر ~~بكل ما أمرك الله به وهو ما عرفته بالوحي من الله عز وجل وكل ما يعرفه ~~الشارع وقال عطاء وأمر بقول لا إله إلا الله وأعرض عن الجاهلين أمر الله ~~سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصفح عن الجاهلين وهذا قبل أن ~~يؤمر بقتال الكفار فلما أمر بقتالهم صار الأمر بالإعراض عنهم منسوخا بآية ~~القتال، قال بعضهم: أول هذه الآية وآخرها منسوخ، ووسطها محكم يريد ينسخ ~~أولها أخذ الفضل من الأموال فنسخ بفرض الزكاة والأمر بالمعروف محكم ~~والإعراض عن الجاهلين منسوخ بآية القتال روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذا؟ قال لا أدري حتى أسأل. ثم ~~رجع فقال إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ذكره ~~البغوي بغير سند. وقال جعفر الصادق: أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه. # عن عائشة قالت «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ~~ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح» أخرجه ~~الترمذي وروى البغوي بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال» قوله عز وجل: # ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 200 الى 201] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ قال ابن زيد «لما نزل قوله سبحانه وتعالى خذ ~~العفو وأمر ms1466 بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ~~بالغضب يا رب فأنزل الله عز وجل: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم. ونزغ الشيطان عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب. وقيل النزغ ~~الانزعاج وأكثر ما يكون عند الغضب وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر ~~والإفساد. يقال: نزغت بين القوم إذا أفسدت بينهم. وقال الزجاج: النزغ أدنى ~~حركة تكون ومن الشيطان أدنى وسوسة والمعنى وإما يصيبنك يا محمد ويعرض لك من ~~الشيطان وسوسة أو نخسة فاستعذ بالله يعني فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه ~~عنك إنه سميع يعني لدعائك عليم بحالك وقيل إن الشيطان يجد مجالا في حمل ~~الإنسان على ما لا ينبغي في حالة الغضب والغيظ فأمر الله بالالتجاء إليه ~~والتعوذ به في تلك الحالة فهي تجري مجرى العلاج لذلك المرض. # ((فصل واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية)) فقالوا لو كان النبي ~~معصوما لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى الاستعاذة ~~والجواب عنه من وجوه، الأول: أن معنى الكلام إن حصل في قلبك نزغ من الشيطان ~~فاستعذ بالله وإنه لم يحصل له ذلك البتة فهو كقوله لئن أشركت وهو بريء من ~~الشرك البتة. والوجه الثاني: على تقدير أنه لو حصل وسوسة من الشيطان لكن ~~الله عز وجل عصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن قبولها وثبوتها في قلبه (م) عن ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما منكم من أحد إلا وقد ~~وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال ~~وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» قال الشيخ محيي ~~الدين النووي يروى فأسلم بفتح الميم وضمها فمن # PageV02P284 # رفع قال معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن فتح قال معناه أن القرين أسلم ~~من الإسلام يعني صار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير. قال الخطابي: الصحيح ~~المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح قال الشيخ وهو المختار لقوله ms1467 فلا ~~يأمرني إلا بخير. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه وفي هذا الحديث إشارة ~~إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه أعلمنا أنه معنا لنحترز عنه ~~بحسب الإمكان والله أعلم. الوجه الثالث: يحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به غيره ومعناه وإما ينزغنك أيها الإنسان من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله فهو كقوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله. # قوله سبحانه وتعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف وقرئ طيف من الشيطان ~~وهما لغتان ومعناه الشيء يلم بالإنسان وقيل بينهما فرق فالطائف ما يطوف حول ~~الإنسان والطيف الوسوسة. وقيل الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف ~~اللمم والمس. قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون وقيل للغضب طيف لأن ~~الغضبان يشبه المجنون. وقيل سمي الجنون والغضب والوسوسة طيفا لأنه لمة من ~~الشيطان تشبه لمة الخبال فذكر في الآية الأولى النزغ وهو أخف من الطيف ~~المذكور في هذه الآية لأن حالة الشيطان مع الأنبياء أضعف من حاله مع غيرهم ~~تذكروا يعني عرفوا ما حصل لهم من وسوسة الشيطان وكيده قال سعيد بن جبير هو ~~الرجل يغضب الغضب فيذكر الله فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو الرجل يلم بالذنب ~~فيذكر الله فيقوم ويدعه فإذا هم مبصرون يعني أنهم يبصرون مواقع الخطأ ~~بالتذكر والتفكر. وقال السدي: إذا زلوا تابوا وقال مقاتل: هو الرجل إذا ~~أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية فأبصر ونزع عن مخالفة الله عز ~~وجل: ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 202 الى 204] # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (203) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ~~(204) # وإخوانهم يعني وإخوان الشياطين من المشركين يمدونهم أي يمدهم الشياطين في ~~الغي قال الكلبي لكل كافر أخ من الشياطين يمدونهم أي يطيلون لهم في الإغواء ms1468 ~~حتى يستمروا عليه وقيل يزيدونهم في الضلالة ثم لا يقصرون يعني لا يكفون عن ~~الضلالة ولا يتركونها وهذا بخلاف حال المؤمنين المتقين لأن المؤمن إذا ~~أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب واستغفر والكافر مستمر ~~في ضلالته لا يتذكر ولا يرعوي. وقال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون ~~من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنه فعلى هذا القول يحمل قوله لا يقصرون ~~على فعل الإنس والشياطين جميعا. # قوله عز وجل: وإذا لم تأتهم بآية يعني وإذا لم تأت المشركين يا محمد بآية ~~ومعجزة باهرة قالوا يعني قال المشركون لولا اجتبيتها يعني افتعلتها ~~وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك تقول العرب اجتبت الكلام إذا اختلقته ~~وافتعلته. وقال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ~~الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها يعني هلا أحدثتها ~~وأنشأتها من عندك قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات ~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي يعني القرآن الذي أنزل علي وليس لي أن أقترح ~~الآيات والمعجزات هذا بصائر من ربكم يعني هذا القرآن حجج وبرهان وأصل ~~البصائر من الإبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره الإنسان ولما كان القرآن سببا ~~لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه اسم البصائر فهو ~~من باب تسمية السبب باسم المسبب وهدى يعني وهو هدى ورحمة يعني وهو رحمة من ~~الله لقوم يؤمنون وهنا لطيفة وهي الفرق بين هذه المراتب الثلاث وذلك أن ~~الناس متفاوتون في درجات العلوم فمنهم من بلغ الغاية في علم # PageV02P285 # التوحيد حتى صار كالمشاهد وهو أصحاب عين اليقين ومنهم من بلغ درجة ~~الاستدلال والنظر وهم أصحاب علم اليقين ومنهم المسلم والمستسلم وهم عامة ~~المؤمنين وهم أصحاب حق اليقين فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر ~~وفي حق القسم الثاني وهم المستدلون هدى وفي حق القسم الثالث وهم عامة ~~المؤمنين رحمة. # قوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى عظم شأن القرآن ms1469 بقوله هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~أتبعه بما يجب من تعظيم شأنه عند قراءته فقال سبحانه وتعالى: # وإذا قرئ عليكم أيها المؤمنون القرآن فاستمعوا له يعني أصغوا إليه ~~بأسماعكم لتفهموا معانيه وتتدبروا مواعظه وأنصتوا يعني عند قراءته والإنصات ~~السكوت للاستماع. يقال: نصت وأنصت وانتصت بمعنى واحد. واختلف العلماء في ~~الحال التي أمر الله عز وجل بالاستماع لقارئ القرآن والإنصات له إذا قرأ ~~لأن قوله فاستمعوا له وأنصتوا أمر. # وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبين وللعلماء في ~~ذلك أقوال: # القول الأول: وهو قول الحسن وأهل الظاهر أن تجري هذه الآيات على العموم ~~ففي أي وقت وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد الاستماع له والسكوت. # والقول الثاني: إنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة روي عن أبي هريرة ~~أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكون والاستماع لقراءة ~~القرآن. وقال عبد الله: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على فلان ~~وسلام على فلان قال فجاء القرآن وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا. # القول الثالث: إنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام روى عن أبي ~~هريرة قال نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وعن ابن مسعود: أنه سمع ناسا يقرءون مع الإمام فلما انصرف قال أما آن ~~لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله. وقال ~~الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار. # القول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة وهو قول سعيد ~~بن جبير ومجاهد وعطاء قال مجاهد: الإنصات للإمام يوم الجمعة. وقال عطاء وجب ~~الصمت في اثنتين عند الرجل يقرأ القرآن وعند الإمام وهو يخطب. وهذا القول ~~قد اختاره جماعة وفيه بعد لأن الآية مكية والخطبة إنما وجبت بالمدينة ~~واتفقوا على أنه يجب الإنصات حال الخطبة بدليل السنة وهو ما روي عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1470 قال «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام ~~يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» أخرجاه في الصحيحين واختلف العلماء في القراءة ~~خلف الإمام فذهب جماعة إلى إيجابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. يروى ~~ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ وهو قول الأوزاعي وإليه ذهب ~~الشافعي وذهب قوم إلى أن يقرأ فيما أسر الإمام فيه القراءة ولا يقرأ فيما ~~جهر الإمام فيه، يروى ذلك عن ابن عمر وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن ~~محمد وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق وذهب قوم إلى أنه لا ~~يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر. يروى ذلك عن جابر وإليه ذهب أصحاب الرأي حجة ~~من لا يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية وحجة من قال يقرأ في السرية ~~دون الجهرية قال إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن ودلت ~~السنة على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآية على صلاة الجهرية ~~وحملنا مدلول السنة على صلاة السرية جمعا بين دلائل الكتاب والسنة وحجة من ~~أوجب القراءة خلف الإمام في صلاة السرية والجهرية قال الآية واردة في غير ~~الفاتحة لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم ~~يفرق بين السرية والجهرية. قالوا وإذا قرأ الفاتحة خلف الإمام تتبع سكناته ~~ولا ينازعه في القراءة ولا يجهر بالقراءة خلفه ويدل عليه ما روى عن عبادة ~~بن الصامت قال: «صلى # PageV02P286 # رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال ~~أراكم تقرؤون وراء إمامكم قال قلنا: يا رسول الله أي والله قال لا تفعلوا ~~إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» أخرجه الترمذي بطوله وأخرجاه ~~في الصحيحين أقصر منه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثا غير ~~تمام فقيل لأبي هريرة إنا ms1471 نكون وراء الإمام قال اقرأ بها في نفسك» وذكر ~~الحديث وقوله سبحانه وتعالى: لعلكم ترحمون يعني لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ~~ما أمركم به من أوامره ونواهيه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # قوله عز وجل: واذكر ربك في نفسك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل ~~فيه غيره من أمته لأنه عام لسائر المكلفين. قال ابن عباس: يعني بالذكر ~~القرآن في الصلاة يريد اقرأ سرا في نفسك والفائدة فيه أن انتفاع الإنسان ~~بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة لأن ذكر النفس أقرب إلى الإخلاص ~~والبعد عن الرياء وقيل المراد بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة ~~المذكور جل جلاله وإذا كان الذكر باللسان عاريا عن ذكر القلب كان عديم ~~الفائدة لأن فائدة الذكر حضور القلب واستشعاره عظمة المذكور عز وجل تضرعا ~~يقال ضرع الرجل يضرع ضراعه إذا خضع وذل واستكان لغيره وخيفة ودون الجهر من ~~القول يعني وخوفا والمعنى تضرع إلي وخاف عذابي. وقال مجاهد وابن جريج: أمر ~~أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت في الدعاء وهاهنا ~~لطيفة وهي أن قوله سبحانه وتعالى: واذكر ربك في نفسك فيه إشعار بقرب العبد ~~من الله عز وجل وهو مقام الرجاء لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والرحمة والفضل ~~والإحسان فإذا تذكر العبد إنعام الله عليه وإحسانه إليه فعند ذلك يقوى مقام ~~الرجاء ثم أتبعه بقوله تضرعا وخيفة وهذا مقام الخوف فإذا حصل في قلب العبد ~~داعية الخوف والرجاء قوي إيمانه والمستحب أن يكون الخوف أغلب على العبد في ~~حال صحته وقوته فإذا قارب الموت ودنا آخر أجله فيستحب أن يغلب رجاؤه على ~~خوفه. عن أنس بن مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في ~~الموت فقال كيف تجدك؟ قال أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في ms1472 مثل هذا الموطن ~~إلا أعطاه الله ما يرجو منه وآمنه مما يخاف» أخرجه الترمذي. # وقوله سبحانه وتعالى: بالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل وهي ما بين صلاة ~~العصر إلى المغرب والمعنى اذكر ربك بالبكر والعشيات وإنما خص هذين الوقتين ~~بالذكر لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت فاستحب له أن ~~يستقبل حالة الانتباه من النوم وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون ~~أول أعماله ذكر الله عز وجل وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان ~~يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب له أن يستقبله بالذكر لأنها ~~حالة تشبه الموت ولعله لا يقوم من تلك النومة فيكون موته على ذكر الله عز ~~وجل وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى ولا تكن من الغافلين يعني عما يقربك ~~إلى الله عز وجل وقيل إن أعمال العبد تصعد أول النهار وآخره فيصعد عمل ~~الليل عند صلاة الفجر ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى المغرب فاستحب له ~~الذكر في هذين الوقتين ليكون ابتداء عمله بالذكر واختتامه بالذكر وقيل: لما ~~كانت الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر مكروهة استحب للعبد أن يذكر ~~الله في هذين الوقتين ليكون في جميع أوقاته مشتغلا بما يقربه إلى الله عز ~~وجل من صلاة أو ذكر. ### || [سورة الأعراف (7): آية 206] # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) # PageV02P287 # قوله عز وجل: إن الذين عند ربك يعني الملائكة المقربين لما أمر الله عز ~~وجل رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالذكر في حالة التضرع والخوف أخبر ~~أن الملائكة الذين عنده مع علو مرتبتهم وشرفهم وعصمتهم لا يستكبرون عن ~~عبادته وطاعته لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه عز وجل: ويسبحونه يعني ~~وينزهونه عن جميع النقائص ويقولون سبحان ربنا وله يسجدون لا لغيره. # فإن قلت: التسبيح والسجود داخلان في قوله تعالى لا يستكبرون عن عبادته ~~لأنهما من جملة العبادة فكيف أفردهما بالذكر؟ # قلت: أخبر الله عز وجل عن حال الملائكة أنهم خاضعون لعظمته لا ms1473 يستكبرون ~~عن عبادته ثم أخبر عن صفة عبادتهم أنهم يسبحونه وله يسجدون ولما كانت ~~الأعمال تنقسم إلى قسمين أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأعمال القلوب هي ~~تنزيه الله عن كل سوء وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله: ويسبحونه. وعبر ~~عن أعمال الجوارح بقوله: وله يسجدون وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن ~~فيستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قوله: وله يسجدون ليوافق الملائكة ~~المقربين في عباداتهم (ق) عن عبد الله بن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا ~~موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة» (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول ~~يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي ~~النار» (م) عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا ~~رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء الثاني من تفسير الخازن ويليه الجزء الثالث وأوله: تفسير سورة ~~الأنفال. # PageV02P288 ### | سورة الأنفال # مدنية كلها إلا سبع آيات منها نزلت بمكة وهي من قوله سبحانه وتعالى: وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا إلى آخر سبع آيات والأصح أنها نزلت بالمدينة وإن كانت ~~الواقعة مكية وهي خمس وسبعون آية وألف وخمس وسبعون كلمة وخمسة آلاف وثمانون ~~حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأنفال (8): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # قوله سبحانه وتعالى: يسئلونك عن الأنفال (ق) عن سعيد بن جبير قال: سألت ~~ابن عباس عن سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر واختلف أهل التفسير في سبب ~~نزولها فقال ابن عباس لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى ms1474 الله عليه وسلم: ~~«من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا ومن أتى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا ومن قتل ~~قتيلا فله كذا فتسارع الشباب وبقيت الشيوخ تحت الرايات فلما فتح الله عليهم ~~جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم الأشياخ: لا ~~تذهبوا به دوننا ولا تستأثروا به علينا فإن كنا رداءا لكم ولو انكشفتم ~~إلينا فتنازعوا. فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الأنفال. الآية قال أهل ~~التفسير: قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله ~~إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا وكذا وإنا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين ~~وقام سعد بن معاذ فقال: # والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ~~ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فتعطف عليك خيل من المشركين فيصيبونك. فأعرض ~~عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله إن الناس كثير ~~والغنيمة دون ذلك فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كبير شيء فنزلت ~~هذه الآية: يسألونك عن الأنفال وقال محمد بن إسحاق: «أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو ~~لنا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب وقال الذين ~~كانوا يقاتلون العدو لولا نحن ما أصبتموه وقال الذين يحرسون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقد كنا نقدر أن نقاتل العدو ولكنا خفنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق منا فنزلت هذه الآية». # روى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: «سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال ~~فقال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ~~فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء» يقول على سواء وكان فيه تقوى ms1475 الله ~~وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين وعن سعد بن أبي وقاص ~~قال: «لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من ~~المشركين أو نحو هذا هب لي هذا السيف فقال: «هذا ليس لي ولا لك فقلت: عسى ~~أن يعطي هذا من لا يبلي بلائي فجاءني # PageV02P289 # الرسول فقال «إنك سألتني وليس لي وأنه قد صار لي وهو لك» فنزلت يسألونك ~~عن الأنفال، الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه ~~مسلم في جملة حديث طويل يتضمن فضائل سعد ولفظ مسلم فيه. قال: «أصاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة وإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت نفلني هذا السيف فأنا قد علمت حاله فقال رده ~~من حيث أخذته فانطلقت به حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت ~~إليه فقلت أعطنيه قال فشد على صوته «رده من حيث أخذته فأنزل الله عز وجل» ~~يسألونك عن الأنفال وقال ابن عباس: كانت المغانم لرسول صلى الله عليه وسلم ~~خاصة ليس لأحد فيها شيء وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس ~~منه إبرة أو سلكا فهو غلول وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى» يسألونك عن ~~الأنفال» استفتاء يعني يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها وهو ~~سؤال استفتاء لا سؤال طلب. وقال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب وقوله عن ~~الأنفال أي من الأنفال وعن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي يسألونك الأنفال ~~والأنفال هي الغنائم في قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأصله الزيادة ~~سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله عز وجل لهذه الأمة على الخصوص ~~وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ عن ~~المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو امرأة أو متاع فهو للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء قل الأنفال لله والرسول أي: قل ms1476 لهم يا ~~محمد إن الأنفال حكمها لله ورسوله يقسمانها كيف شاؤوا واختلف العلماء في ~~حكم هذه الآية فقال مجاهد وعكرمة والسدي هذه الآية منسوخة فنسخها الله ~~سبحانه وتعالى بالخمس في قوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول الآية. وقيل كانت الغنائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها ~~كيف شاء ولمن شاء ثم نسخها الله بالخمس. وقال بعضهم: هذه الآية ناسخة من ~~وجه منسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراما على الأمم الذين من قبلنا في ~~شرائع أنبيائهم فأباحها الله لهذه الأمة بهذه الآية وجعلها ناسخة لشرع من ~~قبلنا ثم نسخت بآياته الخمس وقال عبد الرحمن بن زيد إنها محكمة وهي إحدى ~~الروايات عن ابن عباس ومعنى الآية على هذا القول قل الأنفال لله والرسول ~~يضعها حيث أمره الله وقد بين الله مصارفها في قوله: واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه وللرسول الآية. وصح من حديث ابن عمر، قال: بعثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سرية فغنمنا إبلا فأصاب كل واحد منا اثني عشر ~~بعيرا ونفلنا بعيرا نعيرا أخرجاه في الصحيحين فعلى هذا تكون الآية محكمة ~~وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس فاتقوا الله يعني ~~اتقوا الله بطاعته واتقوا مخالفته واتركوا المنازعة والمخاصمة في الغنائم ~~وأصلحوا ذات بينكم أي أصلحوا الحال فيما بينكم بترك المنازعة والمخالفة ~~وبتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله وأطيعوا الله ورسوله فيما يأمرانكم به ~~وينهيانكم عنه إن كنتم مؤمنين يعني إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده قوله ~~سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 2 الى 4] # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم لما أمر الله سبحانه ~~وتعالى بطاعته وطاعة رسوله في الآية المتقدمة ثم قال بعد ذلك إن ms1477 كنتم ~~مؤمنين لأن الإيمان يستلزم الطاعة، بين في هذه الآية صفات المؤمنين ~~وأحوالهم فقال سبحانه وتعالى إنما المؤمنون ولفظة إنما تفيد الحصر والمعنى ~~ليس المؤمنون الذين يخالفون الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خضعت وخافت ورقت قلوبهم وقيل إذا خوفوا ~~بالله انقادوا خوفا من عقابه. وقال أهل الحقائق: الخوف على قسمين: خوف عقاب ~~وهو خوف العصاة، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف الخواص، لأنهم يعلمون عظمة ~~الله عز وجل فيخافونه أشد # PageV02P290 # خوف، وأما العصاة فيخافون عقابه فالمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على ~~قدر مرتبته في ذكر الله. # فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في هذه الآية وجلت قلوبهم بمعنى خافت ~~وقال في آية أخرى تطمئن قلوبهم بذكر الله فكيف الجمع بينهما؟ قلت: لا ~~منافاة بين هاتين الحالتين لأن الوجل هو خوف العقاب والاطمئنان إنما يكون ~~من ثلج اليقين وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهذا مقام الخوف والرجاء ~~وقد جمعا في آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. والمعنى: تقشعر جلودهم من خوف ~~عقاب الله ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله ورجاء ثوابه وهذا حاصل في ~~قلب المؤمنين ثم قال تعالى: وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا يعني وإذا ~~قرأت عليهم آيات القرآن زادتهم تصديقا قاله ابن عباس. والمعنى: أنه كلما ~~جاءهم شيء من عند الله آمنوا به فيزدادون بذلك إيمانا وتصديقا لأن زيادة ~~الإيمان بزيادة التصديق وذلك على وجهين الوجه الأول وهو الذي عليه عامة أهل ~~العلم على ما حكاه الواحدي أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان ~~إيمانه أزيد لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ~~فتكون معرفته بالله أقوى فيزداد إيمانه. # الوجه الثاني: هو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ولما كانت ~~التكاليف متوالية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف ~~صدقوا به فيزدادون ms1478 بذلك الإقرار تصديقا وإيمانا ومن المعلوم أن من صدق ~~إنسانا في شيئين كان أكبر ممن يصدقه في شيء واحد فقوله تعالى: وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا معناه أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار ~~جديد وتصديق جديد فكان ذلك زيادة في إيمانهم واختلف أناس في أن الإيمان هل ~~يقبل الزيادة والنقص أم لا؟ فالذين قالوا إن الإيمان عبارة عن التصديق ~~القلبي قالوا لا يقبل الزيادة لإجماع أهل اللغة على أن الإيمان هو التصديق ~~والاعتقاد بالقلب وذلك لا يقبل الزيادة ومن قال إن الإيمان عبارة عن مجموع ~~أمور ثلاثة وهي التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح والأركان ~~فقد استدل على ذلك بهذه الآية من وجهين أحدهما أن قوله زادتهم إيمانا صريح ~~في أن الإيمان يقبل الزيادة ولو كان عبارة عن التصديق بالقلب فقط لما قبل ~~الزيادة وإذا قيل لزيادة فقد قبل النقص. # الوجه الثاني: أنه ذكر في هذه الآية أوصافا متعددة من أحوال المؤمنين ثم ~~قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: # أولئك هم المؤمنون حقا. وذلك يدل على أن تلك الأوصاف داخلة في مسمى ~~الإيمان. # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإيمان بضع ~~وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق والحياء شعبة من الإيمان» أخرجاه في الصحيحين ففي هذا الحديث دليل ~~على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلا للزيادة والنقص. ~~قال عمير بن حبيب، وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا. قيل له: فما ~~زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته وإذا سهونا وغفلنا فذلك ~~نقصانه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: أن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع ~~وحدودا وسننا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل ~~الإيمان. # وقوله سبحانه وتعالى: وعلى ربهم يتوكلون معناه يفوضون جميع أمورهم إليه ~~ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه. # واعلم أن المؤمن إذا كان واثقا بوعد الله ووعيده كان من المتوكلين عليه ~~لا على ms1479 غيره وهي درجة عالية ومرتبة شريفة لأن الإنسان يصير بحيث لا يبقى له ~~اعتماد في شيء من أموره إلا على الله عز وجل واعلم أن هذه المراتب الثلاث ~~أعني الوجل عند ذكر الله وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن والتوكل على الله ~~من أعمال القلوب # PageV02P291 # ولما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الصفات الثلاث أتبعها بصفتين من أعمال ~~الجوارح فقال سبحانه وتعالى: # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون يعني يقيمون الصلاة المفروضة ~~بحدودها وأركانها في أوقاتها وينفقون أموالهم فيما أمرهم الله به من ~~الإنفاق فيه ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج والجهاد وغير ذلك من الإنفاق ~~في أنواع البر والقربات ثم قال تعالى: أولئك يعني من هذه صفتهم هم المؤمنون ~~حقا يعني يقينا لا شك في إيمانهم قال ابن عباس برءوا من الكفر. وقال قتادة: ~~استحقوا الإيمان وأحقه الله لهم وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه ~~بكونه مؤمنا حقا لأن الله سبحانه وتعالى إنما وصف بذلك أقواما مخصوصين على ~~أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه وهذا يتعلق بمسألة ~~أصولية وهي أن العلماء اتفقوا على أنه يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن ~~واختلفوا في أنه هل يجوز له أن يقول أنا مؤمن حقا أم لا؟ فقال أصحاب الإمام ~~أبي حنيفة: الأولى أن يقول أنا مؤمن حقا ولا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء ~~الله واستدلوا على صحة هذا القول بوجهين: # الأول: أن المتحرك لا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله وكذا القول في ~~القائم والقاعد، فكذلك هذه المسألة يجب فيها أن يكون المؤمن مؤمنا حقا، ولا ~~يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله. # الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال أولئك هم المؤمنون حقا فقد حكم الله ~~لهم بكونهم مؤمنين حقا وفي قوله أنا مؤمن إن شاء الله تشكيك فيما قطع الله ~~لهم به وذلك لا يجوز وقال أصحاب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه الأولى ~~أن يقول الرجل أنا مؤمن إن ms1480 شاء الله واحتجوا لصحة هذا القول بوجوه: الأول ~~أن الإيمان عندهم عبارة عن الاعتقاد والإقرار والعمل وكون الإنسان آتيا ~~بالأعمال الصالحة المقبولة أمر مشكوك فيه والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب ~~الشك في الماهية فيجب أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله وإن كان اعتقاده ~~وإقراره صحيحا وعند أصحاب أبي حنيفة أن الإيمان عبارة عن الاعتقاد فيخرج ~~العمل من مسمى الإيمان فلم يلزم حصول الشك. # الوجه الثاني: أن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله ليس هو على سبيل الشك ولكن ~~إذا قال الرجل أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك عجب ~~فإذا قال: إن شاء الله زال عنه ذلك العجب وحصل له الانكسار. # روي أن أبا حنيفة قال لقتادة: لم استثنيت في إيمانك؟ فقال قتادة: اتباعا ~~لإبراهيم عليه السلام في قوله: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين فقال أبو حنيفة هلا اقتديت به في ~~قوله أو لم تؤمن؟ قال: بلى فانقطع قتادة قال بعضهم كان لقتادة أن يقول إن ~~إبراهيم قال بعد قوله بلى ولكن ليطمئن قلبي فطلب. مزيد الطمأنينة. # الوجه الثالث: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في أول الآية إنما المؤمنون ~~ولفظة إنما تفيد الحصر يعني إنما المؤمنون الذين هم كذا وكذا وذكر بعد ذلك ~~أوصافا خمسة وهي الخوف من الله والإخلاص لله والتوكل على الله والإتيان ~~بالصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى وإيتاء الزكاة كذلك ثم بعد ذلك قال: ~~أولئك هم المؤمنون حقا يعني أن من أتى بجميع هذه الأوصاف كان مؤمنا حقا ولا ~~يمكن لأحد أن يقطع بحصول هذه الصفات له فكان الأولى له أن يقول أنا مؤمن إن ~~شاء الله. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال أمؤمن أنت؟ فقال الحسن: ~~إن كنت سألتني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة ~~والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن وإن كنت سألتني عن قوله إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية فلا أدري أنا منهم أم لا. ms1481 وقال ~~علقمة: كنا في سفر فلقينا قوم فقلنا من القوم؟ فقالوا نحن المؤمنون حقا فلم ~~ندر ما نجيبهم حتى لقينا عبد الله بن # PageV02P292 # مسعود فأخبرناه بما قالوا قال فما رددتم عليهم قلنا لم نرد عليهم شيئا ~~قال هلا قلتم لهم أمن أهل الجنة أنتم إن المؤمنين هم أهل الجنة؟ وقال سفيان ~~الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا عند الله ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن ~~بنصف الآية دون النصف الآخر. # الوجه الرابع: إن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله للتبرك لا للشك فهو كقوله ~~صلى الله عليه وسلم «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» مع العلم القطعي أنه ~~لاحق بأهل القبور. # الوجه الخامس: إن المؤمن لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا ختم له بالإيمان ومات ~~عليه وهذا لا يحصل إلا عند الموت، فلهذا السبب حسن أن يقول: أنا مؤمن إن ~~شاء الله. فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة. وأجاب أصحاب هذا القول، ~~وهم أصحاب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم، عن استدلال أصحاب أبي حنيفة ~~رضي الله تعالى عنهم بقولهم: إن المتحرك لا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء ~~الله بأن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا وبين وصفه بكونه متحركا أن ~~الإيمان يتوقف حاله على الخاتمة والحركة فعل يقيني فحصل الفرق بينهما ~~والجواب عن الوجه الثاني وهو قولهم إنه سبحانه وتعالى قال: أولئك هم ~~المؤمنون حقا فقد حكم لهم بكونهم مؤمنين حقا أنه تعالى حكم للموصوفين بتلك ~~الصفات المذكورة في الآية بكونهم مؤمنين حقا إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة ~~ولا يقدر أحد أن يأتي بتلك الأوصاف على الحقيقة ونحن نقول أيضا إن من أتى ~~بتلك الأوصاف على الحقيقة كان مؤمنا حقا ولكن لا يقدر على ذلك أحد والله ~~أعلم بمراده وأسرار كتابه. # وقوله تعالى: لهم درجات عند ربهم يعني لهم مراتب بعضها أعلى من بعض لأن ~~المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ تلك الأوصاف المذكورة فلهذا تتفاوت ~~مراتبهم في الجنة لأن درجات الجنة على قدر الأعمال. قال ms1482 عطاء: درجات الجنة ~~يرتقون فيها بأعمالهم، وقال الربيع بن أنس: درجات الجنة سبعون درجة ما بين ~~الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام» أخرجه ~~الترمذي وله عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن في الجنة ~~مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» ومغفرة يعني ولهم ~~مغفرة لذنوبهم ورزق كريم يعني ما أعد لهم في الجنة وصفه بكونه كريما لأن ~~منافعه حاصلة لهم دائمة عليهم مقرونة بالإكرام والتعظيم. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 5 الى 7] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) # قوله سبحانه وتعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق اختلفوا في الجالب لهذه ~~الكاف ما هو؟ فقال المبرد: تقديره قل الأنفال لله والرسول وإن كرهوا كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: معناه امض لأمر ربك في الأنفال ~~وإن كرهوا كما مضيت لأمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. # وقيل: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم كما أن إخراج ~~محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق هو خير لكم وإن كرهه فريق منكم. ~~وقيل: هو راجع لقوله سبحانه وتعالى: لهم درجات عند ربهم تقديره وعد الله ~~المؤمنين بالدرجات حق حتى ينجزه الله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~وأنجز الوعد بالنصر والظفر. # وقيل: هي متعلقة بما بعدها تقديره كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره ~~فريق منهم كذلك يكرهون القتال ويجادلونك فيه. وقيل: الكاف بمعنى على أي امض ~~على الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق فإنه حق. وقيل: # الكاف بمعنى القسم تقديره ms1483 والذي أخرجك ربك من بيتك وجوابه يجادلونك في ~~الحق. وقيل: الكاف بمعنى إذ # PageV02P293 # تقديره واذكر يا محمد إذ أخرجك ربك من بيتك بالحق. قيل: المراد بهذا ~~الإخراج إخراجه من مكة إلى المدينة للهجرة. وقال جمهور المفسرين: المراد ~~بهذا الإخراج هو خروجه من المدينة إلى بدر ومعناه كما أمرك ربك بالخروج من ~~بيتك بالمدينة بالحق يعني بالوحي لطلب المشركين وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون يعني للقتال وإنما كرهوه لقلة عددهم وقلة سلاحهم وكثرة عدوهم ~~وسلاحهم يجادلونك في الحق وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك ~~وقالوا لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم وإنما خرجنا لطلب العير ~~فذلك جدالهم بعد ما تبين يعني تبين لهم أنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ربك ~~وتبين لهم صدقك في الوعد كأنما يساقون إلى الموت يعني لشدة كراهتهم القتال ~~وهم ينظرون يعني إلى الموت شبه حالهم في فرط فزعهم بحال من يجر إلى القتل ~~ويساق إلى الموت وهو ينظر إليه ويعلم أنه آتيه. # قوله عز وجل: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين يعني الفرقتين فرقة أبي ~~سفيان مع العير وفرقة أبي جهل مع النفير أنها لكم يعني إحدى الفرقتين لكم. ~~قال ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي: # أقبل أبو سفيان بن حرب من الشام في عير قريش في أربعين راكبا من كفار ~~قريش منهم عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهري ومعهم تجارة كبيرة وهي ~~اللطيمة. يريد باللطيمة، الجمال التي تحمل العطر والبز غير الميرة، حتى إذا ~~كانوا قريبا من بدر، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فندب أصحابه إليهم ~~وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو وقال: هذه هي عير قريش فيها أموالهم ~~فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ~~وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا فلما سمع ~~أبو سفيان بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه استأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا ms1484 يستنفرهم ويخبرهم أن محمدا في ~~أصحابه قد عرض لعيرهم فخرج ضمضم سريعا إلى مكة وكانت عاتكة بنت عبد المطلب ~~قد رأت رؤيا قبل قدوم ضمضم مكة بثلاثة أيام أفزعتها فبعثت إليها أخيها ~~العباس بن عبد المطلب. فقالت: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني ~~وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فقال لها وما رأيت؟ قالت: رأيت ~~راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا فانفروا يا ~~آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد ~~والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ مثلها ~~بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على ~~رأس أبي قبيس فصرخ مثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت ~~بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخلها ~~منها فلقة فقال العباس: والله إن هذه الرؤيا فظيعة فاكتميها ولا تذكريها ~~لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان صديقا للعباس، فذكر رؤيا ~~عاتكة له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت ~~به قريش بمكة. قال العباس: فعمدت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في نفر من ~~قريش يتحدثون برؤيا عاتكة فغدوت أطوف فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل ~~إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. قال العباس: فلما فرغت من طوافي أقبلت ~~إليهم حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه ~~النبية فيكم قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة قلت وما رأت قال يا ~~بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم لقد زعمت عاتكة ~~في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك ما قالت ~~حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا بأنكم أكذب ~~أهل ms1485 بيت في العرب قال العباس فو الله ما كان مني إليه من كبير شيء إلا أني ~~جحدت ذلك وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئا ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة ~~من بني عبد المطلب إلا أتتني فقلن أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في ~~رجالكم حتى تناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. قال: ~~قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من شيء وايم الله لأتعرضن له فإن عاد ~~لأكفيكنه، قال: فغدوت في اليوم الثالث من # PageV02P294 # رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني شيء أحب أن أدركه منه قال ~~فدخلت المسجد فرأيته فو الله إني لأمر نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع ~~به وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو ~~باب المسجد يشتد قال العباس: فقلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقا مني ~~أن أشاتمه قال فإذا هو قد سمع ما لم أسمع سمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ~~ببطن الوادي واقفا على بعيره وقد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: ~~يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة هذه أموالكم مع أبي سفيان وقد عرض لها محمد ~~في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء ~~من الأمر قال: فتجهز الناس سراعا ولم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أن أبا ~~لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما اجتمعت قريش للمسير ~~ذكرت الذي بينها وبين بني بكر # بن عبد مناة ابن كنانة من الحرب فقالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك ~~أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف ~~بني بكر فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجت ~~قريش سراعا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه لليال مضت من شهر ~~رمضان حتى بلغ واديا ms1486 يقال له ذا قرد فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن ~~عيرهم فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عينا ~~للقوم فأخبره بخبرهم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عينا له من جهينة ~~حليفا للأنصار يدعى أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إنها ~~لكم إما العير، وإما قريش، وكانت العير أحب إليهم فاستشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال وأحسن ~~وقام عمر فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما ~~أمرك الله فنحن معك والله ما نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما ~~مقاتلون فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد- يعني مدينة الحبشة- ~~لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له خيرا ~~ودعا له بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس ~~وإنما يريد الأنصار وذلك لأنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: ~~يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ~~زمامنا فنمنعك مما منع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من ~~عدوه وأن ليس عليهم أن يسيروا معه إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول ~~الله. قال: أجل. قال: آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ~~وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله ~~لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه ms1487 معك ما ~~يتخلف منا أحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا وعدوك إنا لصبر عند الحرب صدق ~~عند اللقاء ولعل الله عز وجل أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة ~~الله تعالى، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك فقال: ~~سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين ~~والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم (م). # عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب حدثه عن أهل بدر قال: «إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول هذا مصرع فلان غدا إن ~~شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان غدا ~~إن شاء الله تعالى قال عمر فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال يا فلان ابن فلان ويا فلان ~~ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله ~~حقا فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها فقال ما أنتم ~~بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا» فذلك قوله ~~سبحانه وتعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم يعني طائفة أبي ~~سفيان مع العير وطائفة أبي جهل مع النفير وتودون أي # PageV02P295 # وتريدون وتتمنون أن غير ذات الشوكة تكون لكم والمعنى: وتتمنون أن العير ~~التي ليس فيها قتال ولا شوكة تكون لكم والشوكة الشدة والقوة ويقال السلاح ~~ويريد الله أن يحق الحق أي يظهر الحق ويعليه بكلماته يعني بأمره إياكم ~~بالقتال وقيل بعداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه ويقطع دابر ~~الكافرين أي ويستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 8 الى 9] # ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم ms1488 فاستجاب ~~لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) # ليحق الحق يعني ليثبت الإسلام ويبطل الباطل يعني وينفي الكفر ولو كره ~~المجرمون يعني المشركين وفي الآية سؤالان: الأول: أن قوله ويريد الله أن ~~يحق الحق ثم قال بعده ليحق الحق تكرير فما معناه؟. # والجواب أنه ليس فيه تكرير لأن المراد بالأول تثبيت ما وعد في هذه ~~الواقعة من النصر والظفر بالأعداء والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدين ~~وإظهار منار الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم وقهر ~~الكافرين مع كثرتهم كان سبب لإعزاز الدين وقوته ولهذا السبب قرنه بقوله ~~ويبطل الباطل يعني الذي هو الشرك. # السؤال الثاني: الحق حق لذاته والباطل باطل لذاته فما المراد من تحقيق ~~الحق وإبطال الباطل. # والجواب: إن المراد من تحقيق الحق إظهار كون ذلك الحق حقا والمراد من ~~إبطال ذلك الباطل إظهار كون ذلك الباطل باطلا وذلك بإظهار دلائل الحق ~~وتقويته. وقمع رؤساء الباطل وقهرهم. # قوله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم أي واذكر يا محمد إذ تستجيرون بربكم من ~~عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر وفي المستغيثين قولان أحدهما أنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قاله الزهري والقول الثاني: أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم له ~~(م) عن ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر ~~رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه ~~يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى ~~سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه ~~من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل ~~الله عز وجل إذ ms1489 تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين فأمده الله بالملائكة. قال سماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من ~~المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ~~وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيا فنظر إليه ~~فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السيف فأحصى ذلك أجمع وجاء فحدث بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا ~~يومئذ سبعين وأسروا سبعين وقوله سبحانه وتعالى فاستجاب لكم، يعني فأجاب ~~دعاءكم أني ممدكم أصله بأني ممدكم أي مرسل إليكم مددا ورداء لكم بألف من ~~الملائكة مردفين، يعني: يردف بعضهم بعضا بمعنى يتبع بعضهم بعضا. روي أنه ~~نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة وميكائيل عليه السلام في خمسمائة في صور ~~الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوها بين أكتافهم. وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه وقال أبو بكر إن الله سينجز لك ~~ما وعدك خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه ~~فقال: يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل أخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه ~~النقع (خ). # عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ ~~برأس فرسه عليه أداة الحرب» يعني آلة الحرب قال ابن عباس: كان سيما ~~الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر ولم تقاتل الملائكة في يوم ~~سوى # PageV02P296 # يوم بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا. وروي عن أبي أسيد ~~مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا أنه قال بعد ما ذهب بصره لو كنت معكم اليوم ~~ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة تقدم الكلام في سورة ~~آل عمران هل قاتلت الملائكة أم لا والصحيح أنهم قاتلوا يوم بدر لما تقدم من ~~حديث ابن عباس في الذي ضربه بالسوط فحطم ms1490 أنفه وشق وجهه وكانوا فيما سوى يوم ~~بدر مددا وعونا قيل إنهم لم يقاتلوا وإنما نزلوا ليكثروا سواد المسلمين ~~ويثبتوهم ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 10 الى 12] # وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ~~(11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) # وما جعله الله إلا بشرى يعني وما جعل الله الإرداف بالملائكة إلا بشرى ~~ولتطمئن به قلوبكم وهذا يحقق أنهم إنما نزلوا لذلك لا للقتال والصحيح هو ~~الأول وأنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا فيما سواه من الأيام. # وقوله تعالى: وما النصر إلا من عند الله يعني أن الله هو ينصركم أيها ~~المؤمنون فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وشدة بأسكم وفيه تنبيه على أن ~~الواجب على العبد المسلم أن لا يتوكل إلا على الله تعالى في جميع أحواله ~~ولا يثق بغيره فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة إن الله عزيز يعني أنه ~~تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو يقهر كل شيء ويغلبه حكيم ~~يعني في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل من يشاء من عباده. # قوله سبحانه وتعالى: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه أي: واذكروا إذ يلقى ~~عليكم النعاس وهو النوم الخفيف أمنة منه أي أمنا من الله لكم من عدوكم أن ~~يغلبكم قال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة ~~من الشيطان والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا ~~يأخذه النوم فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلا على الأمن وإزالة ~~الخوف. وقيل إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عدوهم وعددهم وقلة المسلمين ~~وقلة عددهم وعددهم وعطشوا عطشا شديدا ألقى ms1491 عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة ~~وزال عنهم الكلال والعطش وتمكنوا من قتال عدوهم وكان ذاك النوم نعمة في ~~حقهم لأنه كان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على ~~دفعه عنهم وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله أنه وقع عليهم النعاس ~~دفعة واحدة فناموا كلهم مع كثرتهم وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم مع وجود ~~الخوف الشديد أمر خارج عن العادة فلهذا السبب قيل إن ذلك النعاس كان في حكم ~~المعجزة لأنه أمر خارق للعادة وقوله سبحانه وتعالى: وينزل عليكم من السماء ~~ماء يعني المطر ليطهركم به وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل ~~أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب وكان المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر ~~فنزلوا عليه وأصبح المسلمون على غير ماء وبعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم ~~العطش فوسوس لهم الشيطان. وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنتم ~~أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين فكيف ~~ترجون أن تظهروا على عدوكم؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى مطرا سال منه الوادي ~~فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الركاب وملأوا الأسقية وأطفأ ~~الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام وزالت عنهم وسوسة الشيطان وطابت ~~أنفسهم وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك وكان دليلا على حصول النصر والظفر، ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به يعني: من ~~الإحداث والجنابة ويذهب # PageV02P297 # عنكم رجز الشيطان يعني وسوسته التي ألقاها في قلوبكم وليربط على قلوبكم ~~يعني بالنصر واليقين والربط في اللغة الشد وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه ~~عليه قال الواحدي ويشبه أن تكون لفظة على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالصبر ~~وما أوقع فيها من اليقين وقيل: إن لفظة على ليست بصلة لأنها تفيد الاستعلاء ~~فيكون المعنى: أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع ~~فوقها ويثبت به الأقدام يعني أن ذاك المطر لبد الأرض وقوى الرمل حتى تثبتت ~~عليه الأقدام وحوافر الدواب، ms1492 وقيل المراد به تثبت الأقدام بالصبر وقوة ~~القلب لأن من يكون ضعيف القلب لا يثبت قدمه بل يفر ويهرب عن اللقاء. # وقوله سبحانه وتعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم يعني أن الله ~~سبحانه وتعالى أوحى إلى الملائكة الذين أمد بهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه إني معكم بالنصر والمعونة فثبتوا الذين آمنوا أي: قووا قلوبهم ~~واختلفوا في كيفية هذه التقوية والتثبيت. فقيل: كما أن للشيطان قوة في ~~إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة في إلقاء الإلهام في ~~قلب ابن آدم بالخير. ويسمى ما يلقي الشيطان: وسوسة، وما يلقي الملك لمة ~~وإلهاما، فهذا هو التثبيت. وقيل: إن ذلك التثبيت هو حضورهم معهم القتال ~~ومعونتهم لهم أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين، وقيل معناه بشروهم بالنصر ~~والظفر فكان الملك يمشي في صورة رجل أمام الصف ويقول أبشروا فإن الله ~~ناصركم عليهم سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب يعني الخوف وكان ذلك نعمة من ~~الله على المؤمنين حيث ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فاضربوا فوق ~~الأعناق قيل هو خطاب مع المؤمنين فيكون منقطعا عما قبله. وقيل: هو خطاب مع ~~الملائكة فيكون متصلا بما قبله .. # قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعرف تقتل بني آدم فعلمهم الله ذلك ~~بقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق. قال عكرمة: يعني الرؤوس لأنها فوق ~~الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق وفوق صلة. # وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق فتكون فوق بمعنى على واضربوا منهم كل ~~بنان يعني كل مفصل. وقال ابن عباس: يعني الأطراف وهي جمع بنانة وهي أطراف ~~أصابع اليدين سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن الإنسان أن يبين ما ~~يريد أن يعمله بيديه وإنما خصت بالذكر من دون سائر الأطراف لأجل أن الإنسان ~~بها يقاتل وبها يمسك السلاح في الحرب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى أمرهم بضرب ~~أعلى الجسد وهو الرأس وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان وهو أضعف الأعضاء ~~فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. وقيل: أمرهم بضرب الرأس ms1493 وفيه هلاك الإنسان ~~وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة الإنسان عن الحرب لأن بالبنان يتمكن من مسك ~~السلاح وحمله والضرب به فإذا قطع بنانه تعطل عن ذلك كله. روي عن أبي داود ~~المازني، وكان شهد بدرا، قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع ~~رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف قال: ~~لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده ~~قبل أن يصل إليه السيف، وروى عكرمة عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان الإسلام قد دخل علينا أهل البيت فأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان ~~العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في ~~قومه وكان عدو الله أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن ~~المغيرة فلما جاء الخبر عن مقتل أصحاب بدر كبته الله وأخزاه ووجدنا في ~~أنفسنا قوة وعزا، قال أبو رافع وكنت رجلا ضعيفا أعمل القداح وأنحتها في ~~حجرة زمزم فو الله إني لجالس أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة إذ أقبل ~~الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري ~~فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب قد قدم ~~فقال أبو لهب: إلي يا ابن أخي فعندك الخبر اليقين فجلس إليه والناس قيام ~~عليه فقال أبو لهب: يا ابن أخي خبرني كيف كانت أحوال الناس؟ قال: لا # PageV02P298 # شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا ~~كيف شاؤوا وايم الله ما لمت الناس لقينا رجالا بيضاء على خيل بلق بين ~~السماء والأرض والله لا يتلقاهم شيء ولا يقوم لهم شيء. قال أبو رافع: فرفعت ~~طرف الحجرة بيدي وقلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة ~~شديدة فساورته ms1494 فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك على صدري وكنت رجلا ضعيفا، ~~فقامت إليه أم الفضل بعمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة ففلقت رأسه شجة ~~منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فو الله ما عاش ~~إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته. وروي مقسم عن ابن عباس ~~قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة وكان أبو ~~اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي اليسر كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ~~ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم. وكانت وقعة بدر في صبيحة يوم الجمعة السابع ~~عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة النبوية. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 13 الى 16] # ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (16) # وقوله سبحانه وتعالى: لك # يعني الذي وقع من القتل والأسر يوم بدرأنهم شاقوا الله ورسوله # يعني بأنهم خالفوا الله ورسوله. والمشاقة: المخالفة، وأصلها المجانبة، ~~كأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين وجانبهم وهذا مجاز معناه أنهم ~~شاقوا أولياء الله وهم المؤمنون أو شاقوا دين الله ثم قال سبحانه وتعالى: # من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب # يعني أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم من القتل والأسر شيء قليل فيما أعد ~~الله لهم من العقاب يوم القيامة ثم قال تعالى: ذلكم إشارة إلى القتل والأسر ~~الذي نزل بهم فذوقوه يعني عاجلا في الدنيا لأن ذلك يسير بالإضافة إلى ~~المؤجل الذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب وهو قوله: ms1495 وأن للكافرين ~~عذاب النار يعني في الآخرة، عن ابن عباس قال: لما فرغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من بدر قيل له عليك بالعير ليس من دونها شيء قال فناداه العباس ~~من وثاقه لا يصلح لك لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك الله ما وعدك ~~قال: صدقت، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا يعني ~~مجتمعين متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف التداني في القتال وأصل الزحف مشي ~~مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي وسمي مشي الطائفتين بعضهم إلى بعض ~~في القتال زحفا لأنها تمشي كل طائفة إلى صاحبتها مشيا رويدا وذلك قبل ~~التداني للقتال، وقال ثعلب: الزحف المشي قليلا قليلا إلى الشيء فلا تولوهم ~~الأدبار يعني فلا تولوهم ظهوركم منهزمين منهم فإن المنهزم يولي ظهره ودبره ~~ومن يولهم يومئذ دبره يعني ومن ينهزم ويول دبره يوم الحرب والقتال إلا ~~متحرفا لقتال يعني إلا منقطعا إلى القتال يرى عدوه من نفسه الانهزام وقصده ~~طلب الكرة على العدو والعود إليه وهذا هو أحد أبواب الحرب وخدعها ومكايدها. # وقوله تعالى: أو متحيزا إلى فئة يعني أو منضما وصائرا إلى جماعة من ~~المؤمنين يريدون العود إلى القتال فقد باء بغضب من الله يعني من انهزم من ~~المسلمين وقت الحرب إلا في هاتين الحالتين وهي التحرف للقتال والتحيز إلى ~~فئة من المسلمين فقد رجع بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير # PageV02P299 # ((فصل في حكم هذه الآية)) اختلف العلماء في ذلك، فقال أبو سعيد الخدري: ~~هذا في أهل بدر خاصة لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان معهم ولم تكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولأنها أول غزاة غزاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنفسه والمسلمون معه فشدد الله عليهم أمر الانهزام ~~وحرمه عليهم يوم بدر فأما بعد ذلك اليوم فإن المسلمين بعضهم ms1496 فئة بعض فيكون ~~الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك ~~قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فر يوم بدر فلما كان يوم أحد ~~قال الله تعالى إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ثم ~~كان يوم حنين بعده فقال سبحانه وتعالى: ثم وليتم مدبرين ثم يتوب الله من ~~بعد ذلك على من يشاء وقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون ~~قال: لا بل أنتم الكرارون إنا فئة المسلمين. قوله فحاص الناس حيصة، يعني ~~جال الناس جولة يطلبون الفرار من العدو. والمحيص: الهرب. وقال محمد بن ~~سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر بن الخطاب، فقال: لو انحاز إلي ~~كنت له فئة أنا فئة كل مسلم. # وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ظهره منهزما بدليل قوله يا أيها ~~الذين آمنوا وهذا خطاب عام فيتناول جميع الصور وإن كانت الآية نزلت في غزاة ~~بدر لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وجاء في الحديث «من الكبائر ~~الفرار من الزحف» وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ~~الآن خفف الله عنكم فليس لقوم أن يفروا من مثلهم فنسخت بذلك إلا في هذه ~~العدة وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم ~~لا يجوز لهم أن يفروا منهم ويولوهم ظهورهم وإن كان العدو أكثر من المثلين ~~جاز لهم أن يفروا منهم قال ابن عباس من فر من ثلاثة لم يفر ومن فر من اثنين ~~فقد فر قوله تعالى: ### || [سورة الأنفال (8): آية 17] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم قال مجاهد: سبب نزول هذه الآية أنهم لما ~~انصرفوا عن قتال أهل بدر كان ms1497 الرجل يقول: أنا قتلت فلانا، ويقول الآخر: أنا ~~قتلت فلانا فنزلت هذه الآية والمعنى فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم ~~يعني بنصره إياكم وتقويتكم عليهم وقيل: معناه ولكن الله قتلهم بإمداده ~~إياكم بالملائكة. # قال الزمخشري: الفاء في قوله فلم تقتلوهم جواب شرط محذوف تقديره وإن ~~افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى قال أهل التفسير والمغازي لما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه، انطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم أسلم غلام ~~أسود لبني الحجاج وأبو يسار غلام لبني العاص بن سعد فأخذوهما وأتوا بهما ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أين قريش؟ قالا: # هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: # ما عددهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما عشرة ويوما ~~تسعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة إلى ألف. ~~ثم قال لهما: من فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام والحارث بن عامر وطعمة بن عدي والنضر ~~بن الحارث وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن ~~عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ ~~كبدها. فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من ~~العقنقل، وهو الكثيب الرمل جاء إلى الوادي. فقال: # «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك ~~الذي وعدتني» فأتاه جبريل # PageV02P300 # عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان ~~تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من الحصباء عليه تراب فرمى به وجوه ~~القوم وقال: «شاهت الوجوه» يعني قبحت الوجوه فلم يبق مشرك إلا ودخل في ms1498 عينه ~~وفمه ومنخريه من ذلك التراب شيء فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ~~ويأسرونهم وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم ~~وبحصاة بين أظهرهم وقال: «شاهت الوجوه» فانهزموا فذلك قوله عز وجل: وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من ~~الحصى في وجوه جيش فلا تبقى عين إلا وقد دخل فيها من ذلك شيء فصورة الرمي ~~صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأثيرها صدر من الله عز وجل فلهذا ~~المعنى صح النفي والإثبات، وقيل. في معنى الآية: وما بلغت إذ رميت ولكن ~~الله بلغ رميك، وقيل: ما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بحصياتك ولكن الله ~~رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا يعني ~~ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والثواب فقد أجمع ~~المفسرون على أن البلاء هنا بمعنى النعمة إن الله سميع يعني لدعائكم عليم ~~يعني بأحوالكم. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 18 الى 19] # ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن ~~تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن ~~الله مع المؤمنين (19) # وقوله تعالى: ذلكم يعني الذين ذكرت من أمر القتل والرمي والبلاء الحسن من ~~الظفر بهم والنصر عليهم فعلنا ذلك الذي فعلنا وأن الله يعني واعملوا أن ~~الله مع ذلك موهن أي مضعف كيد الكافرين يعني مكرهم وكيدهم قوله عز وجل: إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح هذا خطاب مع المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر، لما التقى الجمعان: ~~اللهم أينا كان أفخر يعني نفسه ومحمدا صلى الله عليه وسلم قاطعا للرحم ~~فأحنه اليوم. وقيل: إنه قال: اللهم أينا كان خيرا عندك فانصره. وقيل: قال: ~~اللهم انصر أهدى الفئتين وخير ms1499 الفريقين وأفضل الجمعين اللهم من كان أفخر ~~وأقطع لرحمه فأحنه اليوم فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا ومعنى الآية إن ~~تستحكموا الله على أقطع الفريقين للحرم وأظلم الفئتين فينصر المظلوم على ~~الظالم والمحق على المبطل والمقطوع على القاطع (ق). # عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لواقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني ~~وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين ~~أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال أي عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم فما حاجتك ~~إليه يا ابن أخي. قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فو الذي ~~نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك ~~قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في ~~الناس فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال فابتدراه بسيفيهما ~~فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه ~~فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. # فقال: هل مسحتما سيفكما؟ فقالا: لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى السيفين فقال كلاكما قتله وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه ~~لهما والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء (ق). # عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ينظر لنا ما ~~صنع أبو جهل فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ ~~بلحيته فقال أنت أبو جهل وفي كتاب البخاري أنت أبو جهل هكذا قاله أنس فقال ~~وهل فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه وفي رواية فقال أبو جهل فلو غير أكار ~~قتلني» عن عبد الله بن مسعود قال: مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله ~~فقلت يا عدو الله يا أبا جهل قد أخزى الله الآخر قال: # PageV02P301 # ولا أهابه عند ذلك فقال أعمد من رجل قتله قومه فضربته بسيف غير ms1500 طائل فلم ~~يغن شيئا حتى سقط سيفه من يده فضربته حتى برد أخرجه أبو داود وأخرجه ~~البخاري مختصرا. قال: إنه أتى أبا جهل يوم بدر وبه رمق فقال: هل أعمد من ~~رجل قتلتموه. وقال عكرمة: قال المشركون والله ما نعرف ما جاء به محمد فافتح ~~بيننا وبينه بالحق فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح يعني إن ~~تستقضوا فقد جاءكم القضاء. وقال السدي والكلبي: # كان المشركون لما خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا ~~بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم ~~الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح. يعني: إن ~~تستنصروا فقد جاءكم النصر. وهو على ما سألوه فكان النصر لأهدى الفئتين وهم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن ~~الجموح: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر أمر بأبي جهل بن ~~هشام أن يلتمس في القتلى فقال: اللهم لا يعجزك، فلما سمعتها جعلته من شأني ~~فعمدت نحوه فضربته ضربة طيرت قدمه بنصف ساقه قال: وضربني ابنه عكرمة على ~~عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني ~~لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها ثم مر ~~بأبي جهل وهو عفير معاذ بن عفراء فضربه حتى أتبته وتركه وبه رمق فمر به عبد ~~الله بن مسعود قال عبد الله وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ~~فقلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه ~~أخبرني لمن الدبرة قلت لله ولرسوله. روي عن ابن مسعود أنه قال: # قال لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم ~~جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله هذا رأس عدو ~~الله أبي جهل فقال: آلله الذي لا ms1501 إله غيره فقلت نعم والذي لا إله غيره ثم ~~ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله. وقال أبي بن كعب: ~~هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل للمسلمين إن ~~تستفتحوا أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح أي النصر (خ) عن خباب بن الأرت قال: ~~«شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ~~فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر ~~له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط ~~بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا ~~الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على ~~غنمه ولكنكم تستعجلون» قلت: استدل البغوي بهذا الحديث على ما فسر به أبي بن ~~كعب الآية وفيه نظر، لأن هذه الواقعة المذكورة في الحديث كانت بمكة والآية ~~مدنية، فلا تعلق للحديث بتفسير الآية والله أعلم ولكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما دعا الله ببدر وسأله إنجاز ما وعده من إحدى الطائفتين وألح في ~~الدعاء والمسألة حتى سقط رداؤه وقال الله سبحانه وتعالى مجيبا له إن ~~تستفتحوا يعني تطلبوا النصر وإنجاز ما وعدكم الله به فقد جاءكم الفتح يعني ~~فقد حصل لكم ما طلبتم فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من إجابة دعائكم ~~وإنجاز ما وعدكم به وهذا القول أولى لأن قوله فقد جاءكم الفتح لا يليق إلا ~~بالمؤمنين. # هذا إذا فسرنا الفتح بالنصر والظفر على الأعداء. # أما إذا فسرناه بالقضاء والحكم لم يمتنع أن يراد به الكفار. # أما قوله سبحانه وتعالى: وإن تنتهوا فهو خير لكم فهو خطاب للكفار يعني ~~وإن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم وعن تكذيبه فهو خير لكم في ~~الدين والدنيا أما في الدين بأن تؤمنوا به وتكفوا عنه فيجعل لكم بذلك الفوز ~~بالثواب والخلاص ms1502 من العقاب. # وأما في الدنيا فهو الخلاص من القتل والأسر وإن تعودوا نعد يعني وإن ~~تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم نعد بتسليطه عليكم ونصره عليكم ولن ~~تغني عنكم فئتكم يعني جماعتكم شيئا يعني لا تغني عنكم شيئا ولو # PageV02P302 # كثرت يعني جماعتكم وأن الله مع المؤمنين يعني بالنصر لهم عليكم يا معشر ~~الكفار. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 20 الى 24] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ~~ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون (24) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله يعني في أمر الجهاد ~~لأن فيه بذل المال والنفس ولا تولوا عنه يعني عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لأن التولي لا يصح إلا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لا في حق الله ~~تعالى والمعنى لا تعرضوا عنه وعن معونته ونصرته في الجهاد وأنتم تسمعون ~~يعني القرآن يتلى عليكم ولا تكونوا كالذين قالوا بألسنتهم سمعنا وهم لا ~~يسمعون يعني وهم لا يتعظون ولا ينتفعون بما سمعوا من القرآن والمواعظ وهذه ~~صفة المنافقين إن شر الدواب عند الله يعني إن شر من دب على وجه الأرض من ~~خلق الله عند الله الصم عن سماع الحق البكم عن النطق به فلا يقولونه الذين ~~لا يعقلون يعني لا يفهمون عن الله أمره ونهيه ولا يقبلونه وإنما سماهم دواب ~~لقلة انتفاعهم بعقولهم. قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي ~~كانوا يقولون نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقتلوا ~~جميعا يوم أحد وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير ~~وسويبط بن حرملة ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم يعني ms1503 سماع تفهم وانتفاع ~~وقبول للحق ومعنى ولو علم الله. قال الإمام فخر الدين: إن كان ما كان حاصلا ~~فيجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه فلا جرم حسن ~~التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده وتقدير الكلام لو حصل فيهم ~~خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ولو أسمعهم يعني بعد أن ~~علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بما يسمعون من المواعظ والدلائل لقوله ~~تعالى: لتولوا وهم معرضون يعني لتولوا عن سماع الحق وهم معرضون عنه لعنادهم ~~وجحودهم الحق بعد ظهوره وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك فقال الله ~~سبحانه وتعالى: ولو أحيا لهم قصيا وسمعوا كلامه لتولوا عنه وهم معرضون. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول يعني أجيبوهما ~~بالطاعة والانقياد لأمرهما إذا دعاكم يعني الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وإنما وجد الضمير في قوله تعالى إذا دعاكم لأن استجابة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم استجابة لله تعالى وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد واستدل ~~أكثر الفقهاء بهذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن كل من أمره الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل فقد دعاه إليه وهذه الآية تدل على أنه لا ~~بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه (خ). # عن أبي سعيد بن المعلى قال: «كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال صلى ~~الله عليه وسلم ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم» ثم ذكر الحديث ~~عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب وهو ~~يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبي فالتفت أبي ولم يجبه وصلى ~~أبي وخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ms1504 السلام عليك يا ~~رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك ~~فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم أفلم تجد ~~فيما أوحى الله إلي: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم قال بلى ~~ولا أعود إن شاء الله تعالى» وذكر الحديث أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ~~صحيح. # PageV02P303 # قيل هذه الإجابة مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا ليس لأحد أن ~~يقطع صلاته لدعاء أحد آخر وقيل لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير فله ~~أن يقطع صلاته. # وقوله تعالى: لما يحييكم يعني إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم. قال السدي: ~~هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان. وقال قتادة: هو القرآن، لأنه ~~حياة القلوب وفيه النجاة والعصمة في الدارين. وقال مجاهد: # هو الحق وقال محمد بن إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل. وقيل: ~~هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون: واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله ويحول ~~بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك ~~ومجاهد. وقال السدي: # يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإذنه وقد دلت ~~البراهين العقلية على هذا القول لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواعي وتلك ~~الاعتقادات والدواعي لا بد أن تتقدمها الإرادة وتلك الإرادة لا بد لها من ~~فاعل مختار وهو الله سبحانه وتعالى فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء ~~هو الله تعالى (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول «إن قلوب بين آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب ~~واحد يصرفه حيث شاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب ~~ثبت قلوبنا على طاعتك» عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يكثر أن يقول يا مقلب ms1505 القلوب ثبت قلبي على دينك فقلنا يا رسول الله قد ~~آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء». أخرجه الترمذي وهذا الحديث من أحاديث ~~الصفات، فيجب على المرء المسلم أن يمره على ما جاء مع الاعتقاد الحازم ~~بتنزيه الله تعالى عن الجارحة والجسم. وقيل في معنى الآية: إن الله عز وجل ~~يحول بين المرء وقلبه حتى لا يدري ما يصنع ولا يعقل شيئا. وقيل: إن القوم ~~لما دعوا إلى القتال والجهاد وكانوا في غاية الضعف والقلة خافت قلوبهم ~~وضاقت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه فيبدل الخوف أمنا والجبن جراءة. # وقوله تعالى: وأنه إليه تحشرون يعني في الآخرة فيجزي كل عامل بعمله فيثيب ~~المحسن ويعاقب العاصي. قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الأنفال (8): آية 25] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة لما أخبر الله عز وجل أنه ~~يحول بين المرء وقلبه حذر من وقوع المرء في الفتن والمعنى واحذروا فتنة إن ~~نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل تتعدى إليكم جميعا وتصل إلى الصالح ~~والطالح وأراد بالفتنة الابتلاء والاختبار وقيل: تقديره واتقوا فتنة إن لم ~~تتقوها أصابتكم جميعا الظالم وغير الظالم. # قال الحسن: نزلت هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير. قال الزبير: لقد ~~قرأنا هذه الآية زمانا وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها يعني ما ~~كان منهم في يوم الجمل. وقال السدي ومجاهد والضحاك وقتادة: # هذا في قوم مخصوصين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم ~~الجمل. وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ~~أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب فيصيب الظالم وغير الظالم روى البغوي بسنده عن ~~عدي بن عدي الكندي قال حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه ms1506 وسلم يقول «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر ~~بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~العامة والخاصة» والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي بن عميرة ~~الكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا # PageV02P304 # عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها ~~فرضيها كان كمن شهدها» أخرجه أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي ~~يقدرون على أن يغيروا عليه ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن ~~يموتوا» أخرجه أبو داود. وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة ~~بعضهم بعضا (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي ~~خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذبه» فإن قلت ~~ظاهر قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة يشمل الظالم ~~وغير الظالم كما تقدم تفسيره فكيف يليق برحمة الله وكرمه أن يوصل الفتنة ~~إلى من يذنب. # قلت: إنه تعالى مالك الملك وخالق الخلق وهم عبيده وفي ملكه يتصرف فيهم ~~كيف يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فيحسن ذلك منه على سبيل المالكية أو ~~لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على أنواع المصلحة والله أعلم بمراده. # وقوله سبحانه وتعالى: واعلموا أن الله شديد العقاب فيه تحذير ووعيد لمن ~~واقع الفتنة التي حذره الله منها. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 26 الى 27] # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27) # وقوله عز وجل: واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض لما أمر الله ~~سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة الله ms1507 وطاعة رسوله وحذرهم من الفتنة ذكرهم ~~نعمته عليهم. فقال تعالى: واذكروا يا معشر المؤمنين المهاجرين إذ أنتم قليل ~~يعني في العدد مستضعفون في الأرض يعني في أرض مكة في ابتداء الإسلام تخافون ~~أن يتخطفكم الناس يعني كفار مكة قال عكرمة كفار العرب وقال وهب ابن منبه ~~يعني فارس والروم فآواكم يعني إلى المدينة وأيدكم بنصره يعني وقواكم ~~بالأنصار. وقال الكلبي: وقواكم يوم بدر بالملائكة ورزقكم من الطيبات يعني ~~الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم لعلكم تشكرون يعني تشكرون الله على ~~نعمه عليكم قوله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول قال الزهري والكلبي: نزلت هذه الآية في أبي لبابة هارون بن عبد ~~المنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى ~~أذرعات وأريحاء من أرض الشام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ~~ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعيد بن معاذ فأبوا وقالوا أرسل إلينا أبا لبابة ~~بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم فبعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم ~~سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه يعني إنه الذبح فلا تفعلوا. قال ~~أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ~~ورسوله ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه ~~على سارية من سواري المسجد. وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ~~أو يتوب الله علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، قال: أما لو ~~جاءني لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه ~~فمكث سبعة أيام لا يذوق ms1508 طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله ~~عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاء فحله بيده ثم قال أبو ~~لبابة إن تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من # PageV02P305 # مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزيك الثلث أن تصدق به فنزل ~~فيه يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول. # وقال السدي: كانوا يسمعون السر من النبي صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى ~~يبلغ المشركين فنزلت هذه الآية وقال جابر بن عبد الله: إن أبا سفيان خرج من ~~مكة فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي إن أبا سفيان في مكان كذا ~~وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن أبا سفيان في مضوع كذا وكذا ~~فاخرجوا إليه واكتموا قال فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدا يريدكم ~~فخذوا حذركم فأنزل الله عز وجل لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~ومعنى الآية لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون يعني ~~أنها أمانة وقيل: معناه وأنتم تعلمون أن ما فعلتم من الإشارة إلى الخلق ~~خيانة وأصل الخيانة من الخون وهو النقص لأن من خان شيئا فقد نقصه والخيانة ~~ضد الأمانة، وقيل في معنى الآية: لا تخونوا الله والرسول فإنكم إذا فعلتم ~~ذلك فقد خنتم أماناتكم. وقال ابن عباس: معناه لا تخونوا الله بترك فرائضه ~~ولا تخونوا الرسول بترك سنته ولا تخونوا أماناتكم قال ابن عباس هي ما يخفى ~~عن أعين الناس من فرائض الله تعالى والأعمال التي ائتمن عليها العباد وقال ~~قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه ~~وحدوده ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ومنه الحديث عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك» ms1509 أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 28 الى 30] # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) # وقوله عز وجل واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة # . قيل: هذا مما نزل في أبي لبابة وذلك لأن أمواله وأولاده كانت في بني ~~قريظة فلذلك قال ما قال خوفا عليهم. وقيل: إنه عام في جميع الناس وذلك أنه ~~لما كان الإقدام على الخيانة في الأمانة هو حب المال والولد نبه الله ~~سبحانه وتعالى بقوله: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم # فتنة على أنه يجب على العاقل أن يحذر من المضار المتولدة من حب المال ~~والولد، لأن ذلك يشغل القلب ويصيره محجوبا عن خدمة المولى وهذا من أعظم ~~الفتن وروى البغوي بسنده عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم «أتى بصبي ~~فقبله وقال أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله» أخرج الترمذي عن ~~عمر بن عبد العزيز قال زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم قال: «خرج ذات ~~يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون وإنكم ~~لمن ريحان الله» قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا عن خولة. ~~قوله، لمن ريحان الله: أي لمن رزق الله والريحان في اللغة الرزق. # وقوله تعالى: وأن الله عنده أجر عظيم # يعني لمن أدى الأمانة ولم يخن وفيه تنبيه على أن سعادة الآخرة وهو ثواب ~~الله أفضل من سعادة الدنيا وهو المال والولد. # وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يعني بطاعته وترك ~~معاصيه يجعل لكم فرقانا يعني يجعل لكم نورا وتوفيقا في قلوبكم تفرقون به ~~بين الحق والباطل والفرقان أصله الفرق بين الشيئين لكنه أبلغ من أصله لأنه ~~يستعمل في الفرق بين الحق والباطل والحجة والشبهة. قال ms1510 مجاهد: يجعل لكم ~~مخرجا في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجا في الدين من الشبهات وقال ~~عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون وقال محمد بن إسحاق: فصلا بين ~~الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفئ باطل من خالفكم وقيل يفرق بينكم وبين # PageV02P306 # الكفار بأن يظهر دينكم ويعليه ويبطل الكفر ويوهنه ويكفر عنكم سيئاتكم ~~يعني ويمح عنكم ما سلف من ذنوبكم ويغفر لكم يعني ويستر عليكم بأن لا يفضحكم ~~في الدنيا ولا في الآخرة والله ذو الفضل العظيم لأنه هو الذين يفعل ذلك بكم ~~فله الفضل العظيم وعلى غيركم من خلقه ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفي ~~به قيل إنه يتفضل على الطائعين بقبول الطاعات ويتفضل على العاصين بغفران ~~السيئات وقيل: معناه أن بيده الفضل العظيم فلا يطلب من عند غيره. # قوله سبحانه وتعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا لما ذكر الله المؤمنين نعمه ~~عليهم بقوله تعالى: # واذكروا إذ أنتم قليل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه فيما جرى ~~عليه بمكة من قومه لأن هذه السورة مدنية وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن ~~يهاجر إلى المدينة والمعنى واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا وكان هذا ~~المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير قالوا جميعا إن قريشا ~~فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر ~~فاجتمع نفر من كبار قريش في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان رؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأبو سفيان ~~وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم ~~بن حزام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف، فاعترضهم إبليس في صورة ~~شيخ، فلما رأوه قالوا له: # من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا ~~مني رأيا ونصحا. فقالوا: # ادخل. فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في ~~بيت ms1511 مقيدا وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون منها طعامه وشرابه ~~وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء فصرخ عدو الله ~~إبليس وهو الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم لئن حبستموه ليخرجن أمره من ~~وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم فيقاتلوكم ~~ويأخذوه من أيديكم فقالوا صدق الشيخ النجدي. فقام هشام بن عمرو من بني عامر ~~بن لؤي، فقال: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من بين أظهركم فلا ~~يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه. فقال إبليس اللعين: ما ~~هذا لكم برأي تعتمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم ~~ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاقة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه ~~والله لئن فعلتم ذلك يذهب ويستميل قلوب قوم آخرين ثم يسير بهم إليكم ~~فيخرجكم من بلادكم فقالوا: صدق الشيخ النجدي. فقال أبو جهل: والله لأشيرن ~~عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا ~~وسطا فتيا ثم نعطي كل فتى سيفا صارما ثم يضربوه جميعا ضربة رجل واحد فإذا ~~قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على ~~حرب قريش كلها وأنهم إذا أرادوا ذلك. قالوا: العقل فتؤدي قريش ديته فقال ~~إبليس اللعين: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا، والقول ما قال لا أرى غيره ~~فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجتمعون عليه فأتى جبريل عليه السلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت ~~فيه وأذن الله عز وجل له عند ذلك بالخروج إلى المدينة «فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يبيت في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي ~~فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه» ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخذ قبضة من تراب وأخذ الله عز وجل ms1512 أبصارهم عنه فخرج وجعل ينثر التراب على ~~رؤوسهم وهو يقرأ: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا الى قوله، فهم لا يبصرون. ~~ومضى إلى الغار من ثور وهو أبو بكر وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع ~~التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته. قالوا: وبات المشركون ~~يحرسون عليا وهو على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا، ساروا إليه ليقتلوه فرأوه عليا فقالوا له: ~~أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتفوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار ~~رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخله لم يكن لنسج العنكبوت على بابه ~~أثر فمكث في الغار ثلاثا ثم خرج إلى المدينة فذلك قوله سبحانه وتعالى: وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا وأصل المكر احتيال # PageV02P307 # في خفية ليثبتوك أي ليحبسوك ويوثقوك لأن كل من شد شيئا وأوثقه فقد أثبته ~~لأنه لا يقدر على الحركة أو يقتلوك يعني كما أشار عليهم أبو جهل أو يخرجوك ~~يعني من مكة ويمكرون يعني ويحتالون ويدبرون في أمرك ويمكر الله يعني ~~ويجازيهم الله جزاء مكرهم فسمى الجزاء مكر، لأنه في مقابلته. وقيل: معناه ~~ويعاملهم الله معاملة مكرهم. والمكر: هو التدبير وهو من الله تعالى التدبير ~~بالحق. والمعنى: أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله ~~سبحانه وتعالى أظهره وقواه ونصره فضاع فعلهم وتدبيرهم وظهر فعل الله ~~وتدبيره والله خير الماكرين فإن قلت كيف قال الله سبحانه وتعالى والله خير ~~الماكرين ولا خير في مكرهم. # قلت: يحتمل أن يكون المراد والله أقوى الماكرين فوضع خبر موضع أقوى وفيه ~~تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن مكرهم ~~فيه خير بزعمهم فقال سبحانه وتعالى في مقابلته: والله خير الماكرين. وقيل: ~~ليس المراد التفضيل بل إن فعل الله خير مطلقا. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 31 الى 33] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) وإذ ms1513 قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) # قوله عز وجل: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار وذلك أنه كان يختلف ~~إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم وإسفنديار وأحاديث العجم وكان ~~يمر بالعباد من اليهود والنصارى فيراهم يقرءون التوراة والإنجيل ويركعون ~~ويسجدون ويبكون فلما جاء مكة وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه ~~وهو يقرأ ويصلي. فقال النضر بن الحارث: قد سمعنا يعني مثل هذا الذي جاء به ~~محمد لو نشاء لقلنا مثل هذا فذمهم الله بدفعهم الحق الذي لا شبهة فيه ~~بادعائهم الباطل بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا بعد التحدي وأبان عجزهم عن ~~ذلك ولو قدروا ما تخلفوا عنه وهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة فبان بذلك ~~كذبهم في قولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين يعني ~~أخبار الماضين. # قوله سبحانه وتعالى: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم نزلت في النضر بن الحرث أيضا. # قال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، ~~قال النضر بن الحرث: لو شئت لقلت مثل هذا فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله ~~فإن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول الحق قال وأنا أقول الحق. قال: فإن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول لا إله إلا ~~الله. ولكن هذه بنات الله، يعني الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا هو الحق ~~يعني القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يعني إن كان الذي ~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد وادعاء النبوة وغير ذلك هو ~~الحق ms1514 فأمطر علينا حجارة من السماء يعني كما أمطرتها على قوم لوط أو ائتنا ~~بعذاب أليم: يعني مثل ما عذبت به الأمم الماضية، في النضر بن الحرث نزل سأل ~~سائل بعذاب واقع. قال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية فحاق ~~به ما سأل من العذاب يوم بدر قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط ~~والنضر بن الحرث وروى أنس بن مالك أن الذي قال ذلك أبو جهل (ق) عن أنس قال: ~~قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~الآية # PageV02P308 # فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية فلما أخرجوه نزلت وما لهم أن ~~لا يعذبهم الله وهم يصدونهم عن المسجد الحرام. # قوله عز وجل: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم اختلفوا في معنى هذه الآية ~~فقال محمد بن إسحاق: # هذه الآية متصلة بما قبلها وهي حكاية عن المشركين وذلك أنهم قالوا إن ~~الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمة ونبيها معها فقال الله عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ثم قال تعالى ردا عليهم: وما لهم ~~ألا يعذبهم الله وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام. وقال آخرون: هذا كلام مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن ~~نفسه تعالى وتقدس وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، واختلفوا في معناه فقال ~~الضحاك وجماعة: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت يا محمد مقيم فيهم بين ~~أظهرهم. قالوا: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة ~~ثم لما خرج منها بقي بقية من المسلمين يستغفرون، فأنزل الله عز وجل وما كان ~~الله معذبهم وهم ms1515 يستغفرون ثم لما خرج أولئك المسلمون من بين أظهر الكافرين ~~أذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم. وقال ابن عباس: لم يعذب الله ~~قرية حتى يخرج نبيها منها والذين آمنوا معه ويلحق بحيث أمر فقال الله وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعني ~~المسلمين فلما خرجوا قال الله لهم ومالهم ألا يعذبهم الله، وقال بعضهم: هذا ~~الاستغفار راجع إلى المشركين وذلك أنهم كانوا يقولون بعد فراغهم من الطواف ~~غفرانك غفرانك. وقال زيد بن رومان: قالت قريش اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا ~~غفرانك اللهم فقال الله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وقال ~~قتادة والسدي: معناه وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي لو استغفروا ~~ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقروا بالذنب واستغفروا الله لكانوا مؤمنين. ~~وقيل: هذا دعاء لهم إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، كالرجل يقول لعبده ~~لا أعاقبك. وأنت تطيعني أي أطعني حتى لا أعاقبك وقال مجاهد وعكرمة: وهم ~~يستغفرون أي يسلمون. يعني: لو أسلموا لما عذبوا. وقال ابن عباس: وفيهم من ~~سبق له من الله العناية أنه يؤمن ويستغفر مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن ~~أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وغيرهم. وقال مجاهد: ~~وهم يستغفرون، أي وفي أصلابهم من يستغفر وقيل في معنى الآية: إن الكفار لما ~~بالغوا وقالوا إن كان محمد محقا في قوله فأمطر علينا حجارة من السماء أخبر ~~الله سبحانه وتعالى أن محمدا محق في قوله وأنه مع ذلك لا يمطر على أعدائه ~~ومنكري نبوته حجارة من السماء ما دام بين أظهرهم وذلك تعظيما له صلى الله ~~عليه وسلم وأورد على هذا أنه إذا كانت إقامته مانعة من نزول العذاب بهم ~~فكيف قال في غير هذه الآية قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فالجواب أن المراد ~~من العذاب الأول هو عذاب الاستئصال والمراد من العذاب ms1516 الثاني وهو قوله ~~سبحانه وتعالى يعذبهم الله بأيديكم هو عذاب القتل والسبي والأسر وذلك دون ~~عذاب الاستئصال. # قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان سلامة من العذاب ~~عن أبي موسى الأشعري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أنزل علي أمانين لأمتي وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت ~~تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» أخرجه الترمذي. ### || [سورة الأنفال (8): آية 34] # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # PageV02P309 # وقوله سبحانه وتعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله يعني أي شيء يمنعهم من أن ~~يعذبهم يعني بعد خروجك من بين أظهرهم، لأنه سبحانه وتعالى بين في الآية ~~الأولى أنه لا يعذبهم وهو مقيم فيهم بين أظهرهم وبين في هذه الآية أنه ~~معذبهم. ثم اختلفوا في هذا العذاب فقيل: هو القتل والأسر يوم بدر. وقيل: ~~أراد به عذاب الآخرة. # وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال وأراد بالعذاب الثاني: العذاب ~~بالسيف. وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا وبهذا العذاب عذاب الآخرة. # وقال الحسن: الآية الأولى وهو قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم منسوخة ~~بقوله وما لهم ألا يعذبهم الله وفيه بعد لأن الأخبار لا يدخلها النسخ ثم ~~بين ما لأجله يعذبهم فقال تعالى: وهم يصدون عن المسجد الحرام يعني وهم ~~يمنعون المؤمنين عن الطواف بالبيت وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية وما كانوا أولياءه قال الحسن: ~~كان المشركون يقولون نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله عليهم بقوله وما ~~كانوا أولياءه يعني ليسوا أولياء المسجد الحرام إن أولياؤه إلا المتقون ~~يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك ولكن أكثرهم يعني المشركين لا يعلمون ذلك ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 35 الى 36] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا ms1517 عن سبيل الله فسينفقونها ثم ~~تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية لما ذكر الله عز وجل أن الكفار ~~ليسوا بأولياء البيت الحرام ذكر عقبة السبب في ذلك وهو أن صلاتهم عنده كانت ~~مكاء وتصدية. والمكاء في اللغة: الصفير. يقال: مكا الطير يمكو إذا صفر ~~والمكاء: اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفير. وقيل: هو طائر يألف الريف سمي ~~بذلك لكثرة مكائه يعني صفيره. # والتصدية: التصفيق وفي أصله واشتقاقه قولان أحدهما: أنه من الصدى وهو ~~الصوت الذي يرجع من الجبل كالمجيب للمتكلم ولا يرجع إلى شيء. الثاني: قال ~~أبو عبيدة أصله تصددة فأبدلت الياء من الدال. قال الأزهري: والمكاء ~~والتصدية، ليسا بصلاة، ولكن الله سبحانه وتعالى أخبر أنهم جعلوا مكان ~~الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية قال حسان بن ثابت: # صلاتهم التصدي والمكاء. # قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. وقال ~~مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطواف ويستهزءون به ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: # جعل الأصابع في الشدق، والتصدية: الصفير. وقال جعفر بن ربيعة: سألت أبا ~~سلمة بن عبد الرحمن عن قوله: # إلا مكاء وتصدية، فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا. وقال مقاتل: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قام رجلان عن يمينه يصفران ورجلان عن ~~يساره يصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وهم من بني عبد ~~الدار. فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول ~~غيره كان نوع أذى للنبي صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عباس أصح، لأن الله ~~سبحانه وتعالى سمى ذلك صلاة. # فإن قلت كيف سماها صلاة وليس ذلك من جنس الصلاة؟ # قلت: إنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة فخرج ذلك على حسب ~~معتقدهم وفيه وجه آخر # PageV02P310 # وهو أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له فهو كقول العرب ms1518 من كان ~~السخاء عيبه فلا عيب له وقال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن ~~المسجد الحرام وعن الدين والصلاة فعلى هذا التصدية من الصد وهو المنع وقوله ~~سبحانه وتعالى: فذوقوا العذاب يعني عذاب القتل والأسر في الدنيا. وقيل: ~~يقال لهم في الآخرة فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون يعني بسبب كفرهم في ~~الدنيا. # قوله سبحانه وتعالى: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~لما ذكر الله سبحانه وتعالى عبادة الكفار البدنية وهي المكاء والتصدية، ذكر ~~عقبها عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة. وقال الكلبي ومقاتل: ~~نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا أبو جهل بن هشام وعتبة ~~وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأبو البختري بن هشام ~~والنضر بن الحارث وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود والحارث بن ~~عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، فكان يطعم كل واحد ~~منهم الجيش في كل يوم عشر جزر وأسلم من هؤلاء: العباس بن عبد المطلب عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكيم بن حزام. وقال الحكم بن عتبة: نزلت في ~~أبي سفيان بن حرب حين أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية كل أوقية ~~اثنان وأربعون مثقالا. وقال ابن أبزي: استأجر أبو سفيان يوم أحد ألفين ~~ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب. وقيل: ~~استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من كنانة فقاتل بهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: لما أصيب من أصيب من قريش يوم بدر ورجع أبو سفيان بعيره ~~إلى مكة مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في ~~رجال من قريش قد أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ~~بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش إن ~~محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ms1519 ندرك منه ~~ثأرا. بمن أصيب منافقيهم نزلت إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله أي ليصرفوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله وقيل ينفقون أموالهم ~~على أمثالهم من المشركين ليتقووا بهم على قتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين فسينفقونها يعني أموالهم في ذلك الوجه ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون يعني ما أنفقوا من أموالهم يكون عليهم حسرة وندمة يوم القيامة ~~لأن أموالهم تذهب ويغلبون ولا يظفرون بما يؤملون والذين كفروا يعني منهم ~~لأن فيهم من أسلم ولهذا قال والذين كفروا يعني من المنفقين أموالهم إلى ~~جهنم يحشرون يعني يساقون إلى النار. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 37 الى 40] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا ~~فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # ليميز الله الخبيث من الطيب يعني ليفرق الله بين فريق الكفار وهم الفريق ~~الخبيث وبين فريق المؤمنين وهم الفريق الطيب وهذا معنى قول ابن عباس فإنه ~~قال: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وقال: ليميز العمل الخبيث من العمل ~~الطيب فيجازي على العمل الخبيث النار وعلى العمل الطيب الجنة وقيل: المراد ~~به إنفاق الكفار في سبيل الشيطان وإنفاق المؤمنين في سبيل الله ويجعل ~~الخبيث بعضه على بعض يعني بعضه فوق بعض فيركمه جميعا يعني فيجمعه جميعا ~~ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكم فيجعله في جهنم يعني الخبيث أولئك إشارة إلى ~~المنفقين في سبيل الشيطان أو إلى الخبيث هم الخاسرون يعني أنهم خسروا ~~الدنيا والآخرة لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الآخرة. # PageV02P311 # قوله سبحانه وتعالى: قل يعني قل يا محمد للذين كفروا إن ينتهوا يعني عن ~~الشرك يغفر لهم ما قد سلف يعني ما قد مضى من كفرهم وذنوبهم قبل الإسلام وإن ~~يعودوا ms1520 فقد مضت سنت الأولين يعني في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه. ومعنى ~~الآية: إن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن الكفر ودخلوا في دين الإسلام والتزموا ~~شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وشركهم وإن عادوا إلى الكفر وأصروا ~~عليه فقد مضت سنة الأولين بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه وأوليائه وأجمع ~~العلماء على أن الإسلام يجب ما قبله وإذا أسلم الكافر لم يلزمه شيء من قضاء ~~العبادات البدنية والمالية. وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه يعني بذلك أنه ~~ليس عليه ذنب. # قال يحيى بن معاذ الرازي: التوحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر فأرجو ~~الله أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال ابن ~~عباس: حتى لا يكون بلاء ويكون الدين كله لله يعني تكون الطاعة والعبادة ~~كلها لله خالصة دون غيره، وقال قتادة: حتى يقال لا إله إلا الله عليها قاتل ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم وإليها عاد وقال محمد بن إسحاق في قوله ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يعني لا يفتن مؤمن عن دينه ~~ويكون التوحيد لله خالصا ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد والشركاء ~~فإن انتهوا يعني عن الشرك وإفتان المؤمنين وإيذائهم فإن الله بما يعملون ~~بصير يعني فإن الله لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم حتى يوصل ~~إليهم ثوابهم وإن تولوا يعني وإن أعرضوا عن الإيمان وأصروا على الكفر ~~وعادوا إلى قتال المؤمنين وإيذائهم فاعلموا يعني أيها المؤمنون أن الله ~~مولاكم يعني أن الله وليكم وناصركم عليها وحافظكم نعم المولى ونعم النصير ~~يعني أن الله سبحانه وتعالى هو نعم المولى فمن كان في حفظه ونصره وكفايته ~~وكلاءته فهو له نعم المولى ونعم النصير. ### || [سورة الأنفال (8): آية 41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ms1521 (41) # قوله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول الغنم ~~الفوز بالشيء يقال يغنم غنما فهو غانم واختلف العلماء هل الغنيمة والفيء ~~اسمان لمسمى واحد أم يختلفان في التسمية فقال عطاء بن السائب: # الغنيمة ما ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوة وأما الأرض ~~فهي فيء. # وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوة بقتال ~~وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة. والفيء: ما صولحوا عليه بغير ~~قتال وليس فيه خمس فهو لمن سمى الله. وقيل: الغنيمة ما أخذ من أموال الكفار ~~عنوة عن قهر وغلبة، والفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب كالعشور والجزية ~~وأموال الصلح والمهادنة. وقيل: إن الفيء والغنيمة معناهما واحد وهما اسمان ~~لشيء واحد، والصحيح أنهما يختلفان فالفيء ما أخذ من أموال الكفار بغير ~~إيجاف خيل ولا ركاب والغنيمة ما أخذ من أموالهم على سبيل القهر والغلبة ~~بإيجاف خيل عليه وركاب فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حكم الغنيمة ~~فقال تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء يعني من أي شيء كان حتى الخيط ~~والمخيط فإن لله خمسه وللرسول. وقد ذكر أكثر المفسرين والفقهاء أن قوله لله ~~افتتاح كلام على سبيل التبرك وإنما أضافه لنفسه تعالى لأنه هو الحاكم فيه ~~فيقسمه كيف شاء وليس المراد منه أن سهما منه لله منفردا لأن الدنيا والآخرة ~~كلها لله وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم النخعي قالوا: سهم الله ~~وسهم رسوله واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل عليها # PageV02P312 # وأحرزها والخمس الباقي لخمسة أصناف كما ذكر الله عز وجل للرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. # وقال أبو العالية: يقسم خمس الخمس على ستة أسهم سهم لله عز وجل فيصرف إلى ~~الكعبة القول الأول أصح أي إن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم سهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان له في حياته واليوم هو لمصالح المسلمين وما ~~فيه قوة الإسلام وهذا قول الشافعي وأحمد. وروى الأعمش عن ms1522 إبراهيم قال: كان ~~أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الكراع والسلاح. وقال قتادة: هو للخليفة. وقال أبو حنيفة: # سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مردود في الخمس فيقسم الخمس على ~~الأربعة الأصناف المذكورين في الآية وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل. # وقوله سبحانه وتعالى: ولذي القربى يعني أن سهما من خمس الخمس لذوي القربى ~~وهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيهم فقال قوم هم جميع ~~قريش وقال قوم هم الذين لا تحل لهم الصدقة وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم ~~بنو هاشم. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس ~~لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء وإن كانوا إخوة ويدل عليه ما روي عن ~~جبير بن مطعم «قال جئت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وفي ~~رواية: أعطيت بني المطلب من خمس الخمس وتركتنا وفي رواية قال جبير: ولم ~~يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا أخرجه ~~البخاري وفي رواية أبي داود «أن جبير بن مطعم جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقسم من الخمس في بني هاشم وبني المطلب ~~فقلت يا رسول الله قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئا وقرابتنا ~~وقرابتهم واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو هاشم وبنو ~~المطلب شيء واحد» وفي رواية النسائي قال «لما كان يوم خيبر رفع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل ~~وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ms1523 ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك ~~الله به منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا ~~إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه» واختلف أهل العلم في سهم ~~ذوي القربى هل هو ثابت اليوم أم لا فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت فيعطي فقراؤهم ~~وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ الأنثيين وهو قول مالك والشافعي وذهب ~~أبو حنيفة وأصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت قالوا سهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسهم ذوي القربى مردود في الخمس فيقسم خمس الغنيمة على ثلاثة أصناف ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل فيصرف إلى فقراء ذوي القربى مع هذه الأصناف ~~دون أغنيائهم وحجة الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى ~~وكذا الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطون ذوي القربى ولا ~~يفضلون فقيرا على غني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس بن عبد ~~المطلب مع كثرة ماله وكذا الخلفاء بعده كانوا يعطونه وألحقه الشافعي ~~بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد قال ويفضل ~~الذكر على الأنثى فيعطى الذكر سهمين والأنثى سهما. # وقوله سبحانه وتعالى: واليتامى جمع يتيم يعني ويعطى من خمس الخمس ~~لليتامى، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم الذي لا أب له ~~فيعطى مع الحاجة إليه والمساكين وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين وابن ~~السبيل وهو المسافر البعيد عن ماله فيعطى من خمس الخمس مع الحاجة فهذا مصرف ~~خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانمين الذين شهدوا الواقعة ~~وحازوا الغنيمة فيعطى للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، ويعطى الراجل ~~سهما واحدا لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P313 # قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما. وفي رواية نحوه بإسقاط لفظ النفل ~~أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1524 ~~أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وهذا قول أكثر أهل ~~العلم وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم ويرضخ للعبيد والنسوان ~~والصبيان إذا حضروا القتال ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون ~~كالمنقول وعند أبي حنيفة يتخير الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين ~~أن يجعله وقفا على المصالح وظاهر الآية يدل على أنه لا فرق بين العقار ~~والمنقول ومن قتل من المسلمين مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة ~~لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من قتل قتيلا ~~له عليه بينة فله سلبه» أخرجه الترمذي وأخرجه البخاري ومسلم في حديث طويل ~~والسلب كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح والفرس الذي كان راكبه ويجوز ~~للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب ~~يخصهم به من بين سائر الجيش ثم يجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة (ق) عن ~~ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا ~~لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش. # عن حبيب بن سلمة الفهري، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل ~~الربع في البدأة والثلث في الرجعة أخرجه أبو داود واختلف العلماء في أن ~~النفل من أين يعطى فقال قوم من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي. وهذا معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه عبادة بن الصامت قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم خيبر وبرة من جنب بعير فقال: يا أيها الناس إنه لا يحل لي ~~مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم أخرجه النسائي. ~~وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إقرار الخمس كسهام الغزاة وهو قول ~~أحمد وإسحاق. وذهب قوم إلى أن النفل من رأس الغنيمة ms1525 قبل التخميس كالسلب ~~للقاتل وأما الفيء، وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ~~ولا ركاب بأن صالحهم على ما يؤدونه، وكذلك الجزية وما أخذ من أموالهم إذا ~~دخلوا دار الإسلام للتجارة أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له ~~فهذا كله فيء ومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة ~~حياته. وقال عمر: إن الله سبحانه وتعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الفيء بشيء لم يخص به أحدا غيره ثم قرأ عمر: وما أفاء الله على رسوله ~~منهم الآية فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة وكان ينفق على ~~أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله في ~~الكراع والسلاح واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال قوم هو للأئمة بعده وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه ~~قولان أحدهما أنه للمقاتلة الذين أثبتت أسماؤهم في ديوان الجهاد لأنهم هم ~~القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في إرهاب العدو. # والقول الثاني: إنه لمصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم ~~ثم بالأهم فالأهم من المصالح واختلف أهل العلم في تخميس الفيء فذهب الإمام ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى أنه يخمس وخمسه لأهل الخمس من الغنيمة على ~~خمسة أسهم وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس ~~بل يصرف جميعه مصرفا واحدا ولجميع المسلمين فيه حق. # عن مالك بن أنس قال: ذكر عمر يوما الفيء فقال ما أنا أحق بهذا الفيء منكم ~~وما أحد منا أحق به الآخر إلا أنا على منازلنا من كتاب الله وقسمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقدمه والرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته ~~أخرجه أبو داود وأخرج البغوي بسنده عنه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: ما على ~~وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم وقوله سبحانه ~~وتعالى: ms1526 إن كنتم آمنتم بالله يعني واعلموا أيها المؤمنون أن خمس الغنيمة ~~مصروف إلى ما ذكر في هذه الآية من الأصناف فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا ~~بأربعة أخماس # PageV02P314 # الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله وصدقتم بوحدانيته وما أنزلنا على عبدنا يعني ~~وآمنتم بالمنزل على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه إضافة تشريف وتعظيم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~يسألونك عن الأنفال الآية يوم الفرقان يعني يوم بدر. قال ابن عباس: يوم ~~الفرقان يوم بدر فرق الله عز وجل بين الحق والباطل يوم التقى الجمعان يعني ~~جميع المؤمنين وجميع الكافرين وهو يوم بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة فالتقوا يوم الجمعة لتسع ~~عشرة أو لسبع عشرة من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين الألف والتسعمائة فهزم الله ~~المشركين وقتل منهم زيادة على سبعين وأسر منهم مثل ذلك والله على كل شيء ~~قدير يعني على نصركم أيها المؤمنون مع قلتكم وكثرة أعدائكم. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 42 الى 44] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) إذ يريكهم الله في منامك ~~قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم ~~بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) # قوله سبحانه وتعالى: إذ أنتم أي اذكروا نعمة الله عليكم يا معشر المسلمين ~~إذ أنتم بالعدوة الدنيا يعني بشفير الوادي الأدنى من المدينة والدنيا هنا ~~تأنيث الأدنى وهم يعني المشركين بالعدوة القصوى يعني بشفير الوادي الأقصى ~~من المدينة مما يلي مكة والقصوى تأنيث الأقصى والركب أسفل منكم يعني أبا ~~سفيان وأصحابه وهم ms1527 غير قريش التي خرجوا لأجلها وكانوا في موضع أسفل من موضع ~~المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر ولو تواعدتم يعني أنتم ~~والمشركون لاختلفتم في الميعاد وذلك لأن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج ~~الكفار ليمنعوها من المسلمين فالتقوا على غير ميعاد والمعنى ولو تواعدتم ~~أنتم والكفار على القتال لاختلفتم أنتم وهم لقتلكم وكثرة عدوكم ولكن يعني ~~ولكن الله جمعكم على غير ميعاد ليقضي الله أمرا كان مفعولا يعني من نصر ~~أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه وأعداء دينه ليهلك من هلك عن بينة يعني ~~ليموت من مات عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه ويحيى من حي عن ~~بينة يعني ويعيش من عاش عن بينة رآها وعبرة شاهدها وحجة قامت عليه وقال ~~محمد بن إسحاق: معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه ويؤمن من آمن على مثل ~~ذلك لأن الهلاك هو الكفر والحياة هي الإيمان ونحوه قال قتادة ليضل من ضل ~~على بينة ويهتدي من اهتدى على بينة وإن الله لسميع عليم يعني يسمع دعاءكم ~~ويعلم نياتكم ولا تخفى عليه خافية. # قوله عز وجل: إذ يريكهم الله يعني: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ يريك ~~المشركين في منامك يعني في نومك قليلا قال مجاهد: أراهم الله في منامه ~~قليلا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان ذلك تثبيتا. # وقال محمد بن إسحاق: فكان ما أراه الله من ذلك نعمة من نعمه عليهم يشجعهم ~~بها على عدوهم، فكف عنهم بها ما تخوف عليهم من ضعفهم لعلمه بما فيهم. وقيل: ~~لما أرى الله النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش في منامه قليلا فأخبر ~~بذلك أصحابه قالوا: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق فصار ذلك سببا ~~لجراءتهم على عدوهم وقوة لقلوبهم. وقال الحسن: إن هذه الإراءة كانت في ~~اليقظة. والمراد من المنام، العين، لأنها موضع النوم ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم يعني لجبنتم والفشل ضعف مع جبن والمعنى ولو أراكهم كثيرا فذكرت ذلك ~~لأصحابك لفشلوا وجبنوا ms1528 عنهم ولتنازعتم في الأمر يعني اختلفتم في أمر ~~الإقدام عليهم أو الإحجام عنهم وقيل معنى التنازع في الأمر الاختلاف الذي ~~تكون معه مخاصمة ومجادلة ومجاذبة كل واحد إلى واحد إلى ناحية والمعنى: ~~لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم # PageV02P315 # ولكن الله سلم يعني: ولكن الله سلمكم من التنازع والمخالفة فيما بينكم. ~~وقيل: معناه ولكن الله سلمكم من الهزيمة والفشل إنه عليم بذات الصدور يعني ~~أنه تعالى يعلم ما يحصل في الصدور من الجراءة والجبن والصبر والجزع. وقال ~~ابن عباس: معناه أنه عليم بما في صدوركم من الحب لله عز وجل: وإذ يريكموهم ~~إذ التقيتم في أعينكم قليلا يعني أن الله سبحانه وتعالى قلل عدد المشركين ~~في أعين المؤمنين يوم بدر لما التقوا في القتال ليتأكد في اليقظة ما رآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأخبر به أصحابه قال ابن مسعود: لقد ~~قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال: أراهم مائة فأسرنا ~~رجلا منهم فقلنا كم كنتم قال: كنا ألفا. ويقللكم في أعينهم يعني ويقللكم يا ~~معشر المؤمنين في أعين المشركين. قال السدي: قال ناس من المشركين إن العير ~~قد انصرف فارجعوا فقال أبو جهل الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه فلا ترجعوا ~~حتى نستأصلهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور يعني لقتلهم في عينيه ثم قال: ~~فلا تقتلوهم واربطوهم في الحبال يقوله من القدرة التي في نفسه والحكمة في ~~تقليل المشركين في أعين المؤمنين تصديق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم عليه ولا يجبنوا عند قتالهم ~~والحكمة في تقليل المؤمنين في أعين المشركين لئلا يهربوا وإذا استقلوا عدد ~~المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم فيكون ذلك سببا لظهور ~~المؤمنين عليهم. # فإن قلت: كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟ # قلت: ذلك ممكن في القدرة الإلهية فإن الله سبحانه وتعالى على ما يشاء ~~قدير ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم والمعجزة من خوارق العادات ~~فلا ينكر ذلك ليقضي الله أمرا كان ms1529 مفعولا يعني أمرا كان كائنا من إعلاء ~~كلمة الإسلام ونصر أهله وإذلال كلمة الشرك وخذلان أهله فإن قلت: قد قال في ~~الآية المتقدمة ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا وقال في هذه الآية ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا فما معنى هذا التكرار؟ # قلت: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة ليحصل استيلاء المؤمنين على ~~المشركين على وجه القهر والغلبة ليكون ذلك معجزة دالة على صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره في هذه الآية لأنه تعالى قلل عدد ~~الفريقين في أعين بعضهم بعضا للحكمة التي قضاها فلذلك قال ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور يعني في الآخرة فيجازى كل عامل على قدر ~~عمله فالمحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أو يغفر. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 45 الى 46] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~إن الله مع الصابرين (46) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة يعني جماعة كافرة فاثبتوا ~~يعني لقتالهم وهو أن يوطنوا أنفسهم على لقاء العدو وقتاله ولا يحدثوها ~~بالتولي واذكروا الله كثيرا يعني كونوا ذاكرين الله عند لقاء عدوكم ذكرا ~~كثيرا بقلوبكم وألسنتكم أمر الله عباده المؤمنين وأولياءه الصالحين بأن ~~يذكروه في أشد الأحوال وذلك عند لقاء العدو وقتاله، وفيه تنبيه على أن ~~الإنسان لا يجوز أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله. وقيل: المراد من هذا ~~الذكر هو الدعاء بالنصر على العدو وذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى فأمر ~~الله سبحانه وتعالى عباده أن يسألوه النصر على العدو عند اللقاء ثم قال ~~تعالى: لعلكم تفلحون يعني: وكونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفرة. # فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية ~~التحرف والتحيز. # قلت المراد من الثبات هو الثبات عند المحاربة والمقاتلة في الجملة وآية ~~التحرف والتحيز لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة بل ربما كان الثبات ~~لا ms1530 يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز ثم قال تعالى مؤكدا لذلك وأطيعوا الله ~~ورسوله يعني في أمر الجهاد والثبات عند لقاء العدو ولا تنازعوا فتفشلوا ~~يعني: ولا # PageV02P316 # تختلفوا فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن. # وقوله تعالى: وتذهب ريحكم يعني قوتكم. وقال مجاهد: نصرتكم. قال: وذهبت ~~ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد. وقال السدي: ~~جراءتكم وجدكم وقال مقاتل: حدتكم وقال الأخفش وأبو عبيدة: دولتكم. والريح ~~هنا كناية في نفاذ الأمر وجريانه على المراد. تقول العرب: هبت ريح فلان إذا ~~أقبل أمره على ما يريد وقال قتادة وابن زيد: هي ريح النصر ولم يكن نصر قط ~~إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. # وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم ~~يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر ~~أخرجه أبو داود. # وقوله سبحانه وتعالى: واصبروا يعني عند لقاء عدوكم ولا تنهزموا عنهم إن ~~الله مع الصابرين يعني بالنصر والمعونة (ق) عن عبد الله بن أبي أوفى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى ~~إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا ~~الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم ~~الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 47 الى 48] # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم ms1531 إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) # قوله عز وجل: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا يعني فخرا وأشرا. ~~وقيل: البطر: الطغيان في النعمة وذلك أن النعم إذا كثرت من الله تعالى على ~~العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان وأنفقها ~~في غير طاعة الرحمن فذلك هو البطر في النعم وإن صرفها في طاعة الله وابتغاء ~~مرضاته فذلك شكرها، وهذا معنى قول الزجاج البطر الطغيان في النعمة وترك ~~شكرها ورئاء الناس الرياء إظهار الجميل ليراه الناس مع إبطال القبيح والفرق ~~بين الرياء والنفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر والرياء إظهار ~~الطاعة مع إبطان المعصية ويصدون عن سبيل الله يعني ويمنعون الناس عن الدخول ~~في دين الله نزلت هذه الآية في كفار قريش حين خرجوا إلى بدر ولهم فخر وبغي ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها ~~وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني به. # قال ابن عباس: إن أبا سفيان لما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنكم ~~إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا، فقال ~~أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان في بدر موسم من مواسم العرب ~~يجتمع لهم بها سوق في كل عام قال فنقيم عليها ثلاثا وننحر الجزور ونطعم ~~الطعام ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون ~~يهابوننا أبدا فامضوا. زاد غيره قال: فلما وافوا بدرا سقوا كؤوس الحمام ~~عوضا عن الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله عباده المؤمنين ~~أن يكونوا مثلهم والمعنى لا يكونن أمركم أيها المؤمنون رياء وسمعة ولا ~~لالتماس ما عند الله ولكن أخلصوا لله عز وجل النية وقاتلوا حسبة في # PageV02P317 # نصر دينكم ومؤازرة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تعملوا إلا لذلك ولا ~~تطلبوا غيره. # وقوله تعالى: والله بما يعملون محيط فيه وعيد وتهديد يعني أنه تعالى عالم ~~بجميع الأشياء لا يخفى ms1532 عن علمه شيء لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازي ~~المحسنين ويعاقب المسيئين قوله سبحانه وتعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ~~يعني اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ زين الشيطان يريد إبليس ~~للمشركين أعمالهم الخبيثة وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~قال بعضهم: كان تزيينه وسوسة ألقاها في قلوبهم من غير أن يتحول في صورة غير ~~صورته. وقال جمهور المفسرين: تصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ~~وكان تزيينه أن قريشا لما أجمعت على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين ~~بكر بن الحرث من الحروب فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة ~~بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشرف بين كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن ~~يأتيكم من كنانة شيء تكرهونه فخرجوا سراحا. وقال ابن عباس: جاء إبليس يوم ~~بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من رجال بني مدلج سراقة بن ~~مالك بن جعشم فقال للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ~~اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في ~~وجوه المشركين فولوا مدبرين. وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، لعنه الله ~~فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا ~~وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك جار لنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون ~~إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة. وقوله: إني جار ~~لكم، يعني مجير لكم من كنانة فلما تراءت الفئتان أي التقى الجمعان رأى ~~إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء فعلم عدو الله إبليس أنه لا طاقة له بهم ~~نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم يعني رجع القهقرى وولى مدبرا هاربا على ~~قفاه، وقال الكلبي: لما التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة ~~سراقة بن مالك بن جعشم وهو آخذ بيد الحرث بن هشام فنكص عدو ms1533 الله إبليس على ~~عقبيه فقال له الحرث: أفرارا من غير قتال؟ وجعل يمسكه فدفع في صدره وانطلق ~~فانهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك سراقة فقال: ~~بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس فو الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني ~~هزيمتكم. فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا وكذا فحلف لهم، فلما أسلموا علموا ~~أن ذلك كان شيطانا قال الحسن في قوله: إني أرى ما لا ترون قال: رأى إبليس ~~جبريل عليه السلام معتجرا ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~يده اللجام يقود الفرس ما ركب. وقال قتادة: قال إبليس إني أرى ما لا ترون ~~وصدق وقال: إني أخاف الله وكذب ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ~~ولا منفعة فأوردهم وأسلمهم وتلك عادة عدو الله إبليس لمن أطاعه إذ التقى ~~الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم وقيل إنه خاف أن يهلك فيمن هلك وقيل خاف أن ~~يأخذه جبريل فيعرف حاله فلا يطيعوه وقيل معناه إني أخاف الله أعلم صدق وعده ~~لأوليائه لأنه كان على ثقة من أمر ربه وقيل لما رأى الملائكة قد نزلت من ~~السماء خاف أن تكون القيامة والله شديد العقاب قيل معناه إني أخاف الله ~~لأنه شديد العقاب فعلى هذا يكون من تمام قول إبليس. وقيل: تم كلامه عند ~~قوله: إني أخاف الله. وقوله تعالى: والله شديد العقاب ابتداء كلام. يقول ~~الله سبحانه وتعالى: والله شديد العقاب لمن خالف الله وكفر به. عن طلحة بن ~~عبيد الله بن كرز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رؤي الشيطان ~~يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا ~~لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر ~~فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة. أخرجه مالك في الموطأ. قوله: ولا أدحر هو ~~بالدال والحاء المهملتين من الدحور، وهو الإبعاد والطرد مع الإهانة. وقوله: # يزع ms1534 الملائكة، أي يكفهم ويحبسهم لئلا يتقدم بعضهم على بعض. والوازع: هو ~~الذي يتقدم ويتأخر في الصف ليصلحه. # فإن قلت: كيف يقدر إبليس على أن يتصور بصورة البشر وإذا تشكل بصورة البشر ~~فكيف يسمى شيطانا؟ # PageV02P318 # قلت: إن الله عز وجل أعطاه قوة وأقدره على ذلك كما أعطى الملائكة قوة ~~وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنة لم تتغير فلم يلزم ~~من تغير الصورة تغير الحقيقة. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 49 الى 50] # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) # قوله عز وجل: إذ يقول المنافقون يعني من أهل المدينة والذين في قلوبهم ~~مرض أي شك وارتياب وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقو الإسلام في ~~قلوبهم ولم يتمكن فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرجوا معهم إلى بدر فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا غر ~~هؤلاء دينهم يعني أن هؤلاء نفر قليلون يقاتلون أضعافهم فقد غرهم دينهم ~~الإسلام على ذلك وحملهم على قتل أنفسهم رجاء الثواب في الآخرة فقتلوا جميعا ~~يوم بدر. وقال مجاهد: إن فئة من قريش وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو ~~قيس بن الفاكه بن المغيرة بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن ~~خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، ~~فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ~~غر هؤلاء دينهم ثم قال تعالى: ومن يتوكل على الله يعني ومن يسلم أمره إلى ~~الله ويثق بفضله ويعول على إحسانه فإن الله حافظه وناصره لأنه عزيز لا ~~يغلبه شيء حكيم فيما قضى وحكم فيوصل الثواب إلى أوليائه والعقاب إلى ~~أعدائه. # قوله عز وجل: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يعني: ولو عاينت يا ~~محمد وشهدت إذ تقبض ms1535 الملائكة أرواح الذين كفروا عند الموت لرأيت أمرا عظيما ~~ومنظرا فظيعا وعذابا شديدا ينالهم في ذلك الوقت يضربون وجوههم وأدبارهم ~~اختلفوا في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار ~~وأدبارهم بسياط من نار. وقيل: إن الذين قتلوا يوم بدر من المشركين كانت ~~الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم. وقال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا ~~بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف وإذا ولوا أدبارهم ضربت ~~الملائكة أدبارهم. وقال ابن جريج: يريد، ما أقبل من أجسادهم وأدبر يعني ~~يضربون جميع أجسادهم وذوقوا عذاب الحريق يعني وتقول لهم الملائكة عند ~~القتل: ذوقوا عذاب الحريق. # قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محمية بالنار يضربون بها الكفار ~~فتلتهب النار في جراحاتهم. وقال ابن عباس: تقول لهم الملائكة ذلك بعد ~~الموت. وقال الحسن: هذا يوم القيامة تقول لهم الزبانية ذوقوا عذاب الحريق. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 51 الى 54] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد ~~العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # ذلك يعني الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق بما قدمت أيديكم يعني ~~إنما حصل لكم ذلك بسبب ما كسبت أيديكم من الكفر والمعاصي. # PageV02P319 # فإن قلت: اليد ليست محلا للكفر وإنما محله القلب لأن الكفر اعتقاد ~~والاعتقاد محله القلب وظاهر الآية يقتضي أن فاعل هذا الكفر هي اليد وذلك ~~ممتنع. # قلت: اليد هنا عبارة عن القدرة لأن اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في ~~العمل فاليد كناية عن القدرة. # قوله تعالى: وأن الله ليس بظلام للعبيد يعني أنه سبحانه وتعالى لا يعذر ~~أحدا من خلقه إلا بجرم اجترمه لأنه لا يظلم أحدا من خلقه وإنما نفى الظلم ~~عن نفسه مع أنه يعذب الكافر ms1536 على كفره والعاصي على عصيانه لأنه يتصرف في ~~ملكه كيف شاء ومن كان كذلك استحال نسبة الظلم إليه فلا يتوهم متوهم أنه ~~سبحانه وتعالى مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه عليه ظالم فلهذا قال الله سبحانه ~~وتعالى وأن الله ليس بظلام للعبيد لأنهم في ملكه وتحت قدرته فهو يتصرف فيهم ~~كيف يشاء. # قوله تعالى: كدأب آل فرعون يعني أن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم كعادة آل ~~فرعون في كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون ~~بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال فلان يدأب في كذا وكذا ~~يداوم عليه ويتعب نفسه فيه ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان يداوم على ~~عادته ويواظب عليها. # قال ابن عباس: معناه أن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبي من الله ~~تعالى فكذبوه فكذلك هؤلاء لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق كذبوه ~~فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون والذين من قبلهم يعني من قبل آل ~~فرعون كفروا بآيات الله يعني أن عادة الأمم السالفة هو كفرهم بآيات الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم يعني بسبب كفرهم وذنوبهم إن الله قوي يعني في أخذه ~~وانتقامه ممن كفر به وكذب رسله شديد العقاب يعني لمن كفر به وكذب رسله ذلك ~~بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم يعني: أن ~~الله سبحانه وتعالى أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وبعث ~~إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها وكذبوا ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وغيروا ما بأنفسهم فسلبهم الله سبحانه ~~وتعالى النعمة وأخذهم بالعقاب قال السدي: نعمة الله هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله الله تعالى إلى الأنصار وأن ~~الله سميع يعني لأقوال خلقه لا يخفى عليه شيء من كلامهم عليم يعني بما في ~~صدورهم من خير وشر، فيجازي كل واحد على عمله كدأب آل فرعون ms1537 يعني أن هؤلاء ~~الكفار الذين قتلوا يوم بدر غيروا نعمة الله عليهم كصنيع آل فرعون والذين ~~من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم يعني: أهلكنا بعضهم بالرجفة ~~وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ فكذلك أهلكنا ~~كفار قريش بالسيف وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين يعني الأولين ~~والآخرين، فإن قلت ما الفائدة في تكرير هذه الآية مرة ثانية؟. # قلت: فيها فوائد منها الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول لأن ~~الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير ~~للأولى. # الفائدة الثانية: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي ~~الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الأولى إشارة إلى أنهم ~~أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع ~~جحودهم لها وكفرهم بها. # الفائدة الثالثة: أن تكرير هذه القصة للتأكيد وفي قوله كذبوا بآيات ربهم ~~زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ ~~بالذنوب. # PageV02P320 # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 55 الى 58] # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) # وقوله تعالى: إن شر الدواب عند الله يعني في علمه وحكمه الذين كفروا فهم ~~لا يؤمنون والمعنى أن شر الدواب من الإنس الكفار المصرون على الكفر نزلت في ~~يهود بني قريظة رهط كعب بن الأشرف الذين عاهدت منهم قيل: من صلة يعني الذين ~~عاهدتهم وقيل: هي للتبعيض لأن المعاهدة مع بعض القوم وهم الرؤساء والأشراف ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان عاهد يهود بني قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه فنقضوا العهد ~~وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ثم قالوا ms1538 نسينا وأخطأنا فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد أيضا ومالؤوا الكفار ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وركب كعب بن الأشرف إلى مكة ~~فوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يتقون يعني أنهم ~~لا يخافون الله في نقض العهد لأن عادة من يرجع إلى دين وعقل وحزم أن يتقي ~~نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقون بكلامه فبين الله عز وجل أن من ~~جمع بين الكفر ونقض العهد فهو من شر الدواب فإما تثقفنهم في الحرب يعني ~~فأما تجدن هؤلاء الذين نقضوا العهد وتظفرن بهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ~~قال ابن عباس: معناه فنكل بهم من ورائهم. # وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم وأصل التشريد في اللغة التفريق مع ~~اضطراب ومعنى الآية إنك إذا ظفرت بهؤلاء الكفار الذين نقضوا العهد فافعل ~~بهم فعلا من القتل والتنكيل تفرق به جمع كل ناقض للعهد حتى يخافك من وراءهم ~~من أهل مكة واليمن لعلهم يذكرون يعني لعل ذلك النكال يمنعهم من نقض العهد ~~وإما تخافن يعني وإما تعلمن يا محمد من قوم يعني معاهدين خيانة يعني نقضا ~~للعهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر كما ظهر من بني قريظة والنضير فانبذ ~~أي فاطرح إليهم يعني عهدهم وارم به إليهم على سواء يعني على طريق ظاهر مستو ~~يعني أعلمهم قبل حربك إياهم إنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت ~~وهم في العلم ينقض العهد سواء فلا يتوهمون أنك نقضت العهد أولا بنصب الحرب ~~معهم إن الله لا يحب الخائنين يعني في نقض العهد عن سليم بن عمر عن رجل من ~~حمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى ~~إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر ~~الله أكبر وفاء لا غدرا فإذا هو عمرو بن عنبسة فأرسل إليه معاوية فسأله ~~فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ms1539 «من كان بينه وبين قوم عهد ~~فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء، فرجع ~~معاوية» أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي عن سليم بن عامر نفسه بلا زيادة رجل ~~من حمير وعنده الله أكبر مرة واحدة وفيه جاء على دابة أو فرس وأما حكم ~~الآية فقال أهل العلم إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن هادهم الإمام من ~~المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى الإمام عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب وإن ~~ظهرت الخيانة بأمارات تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض فحينئذ يجب على ~~الإمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم بالحرب وذلك لأن قريظة كانوا قد عاهدوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى ~~مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خوف الغدر به وبأصحابه فهاهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ~~ويعلمهم بالحرب وأما إذا ظهر نقض العهد ظهروا مقطوعا به فلا حاجة للإمام ~~إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة لما ~~نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرعهم ~~إلا وجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وذلك على أربع فراسخ من ~~مكة. # PageV02P321 # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 59 الى 60] # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون (60) # وقوله تعالى: ولا يحسبن قرئ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا سبقوا يعني فاتوا وانهزموا يوم بدر ~~وقرئ بالياء على الغيبة ومعناه ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا يعني خلصوا من ~~القتل والأسر يوم بدر إنهم لا يعجزون يعني أنهم بهذا السبق لا ms1540 يعجزون الله ~~من الانتقام منهم إما في الدنيا بالقتل وإما في الآخرة بعذاب النار وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيمن فاته من المشركين ولم ينتقم منهم ~~فأعلمهم الله أنهم لا يعجزونه. # قوله عز وجل: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الإعداد اتخاذ الشيء لوقت ~~الحاجة إليه وفي المراد بالقوة أقوال أحدها: أنها جميع أنواع الأسلحة ~~والآلات التي تكون لكم قوة في الحرب على قتال عدوكم، الثاني: أنها الحصون ~~والمعاقل الثالث: الرمي وقد جاءت مفسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~رواه عقبة بن عامر قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ~~يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ثلاثا» أخرجه مسلم ~~(خ) عن أبي أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوم بدر حين صففنا ~~لقريش إذا أكثبوكم» يعني غشوكم وفي رواية أكثروكم فارموهم واستبقوا نبلكم ~~وفي رواية «إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل» (م) عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز ~~أحدكم أن يلهو باسمه» (م) عن فقيم اللخمي قال قلت لعقبة بن عامر تختلف بين ~~هذين الغرضين وأنت شيخ كبير يشق عليك فقال عقبة لولا كلام سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم أغانه قال قلت وما ذاك؟ قال سمعته يقول: «من ~~تعلم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى» عن أبي نجيح السلمي قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة» فبلغت ~~يومئذ عشرة أسهم قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من رمى بسهم ~~في سبيل الله فهو عدل محرر» أخرجه النسائي والترمذي بمعناه وعنده قال عدل ~~رقبة محررة وأخرجه أبو داود أيضا عن عقبة بن عامر بمعناه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله عز وجل ليدخلن بالسهم الواحد ثلاثة ~~نفر الجنة، صانعه ms1541 يحتسب في عمله الخير والرامي به والممد به» وفي رواية ~~«ومنبله فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا كل لهو باطل ليس من ~~اللهو محمود إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه أي نبله ~~إنهن من الحق ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو ~~كفرها» أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي مختصر إلى نبله (خ) عن سلمة بن ~~الأكوع قال «مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالقوس ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ~~ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما لكم لا ترمون؟ فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا ~~معكم كلكم. القول الرابع: أن المراد بالقوة جميع ما يتقوى به في الحرب على ~~العدو فكل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور ~~باستعدادها وقوله صلى الله عليه وسلم «ألا أن القوة الرمي» لا ينفي كون غير ~~الرمي من القوة فهو كقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» وقوله: «الندم ~~توبة» فهذا لا ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود ~~وأجله فكذا هاهنا يحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد ~~العدو بجميع ما يمكن من الآلات كالرمي بالنبل والنشاب والسيف والدرع وتعليم ~~الفروسية كل ذلك مأمور به إلا أنه من فروض الكفايات وقوله تعالى: ومن رباط ~~الخيل يعني اقتناءها وربطها للغزو في سبيل الله والربط شد الفرس وغيره ~~بالمكان للحفظ وسمي المكان الذي يخص بإقامة # PageV02P322 # حفظة فيه رباطا والمرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها وربط ~~الخيل الجهاد من أعظم ما يستعان به. # روي أن رجلا قال لابن سيرين: إن فلانا أوصى بثلث ماله للحصون فقال ابن ~~سيرين: يشتري به الخيل ويربطها في سبيل الله. وقال عكرمة: القوة الحصون ومن ~~رباط الخيل يعني الإناث ووجه هذا أن العرب تربط ms1542 الإناث من الخيل بالأفنية ~~للنسل. وروي أن خالد بن الوليد كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة ~~صهيلها. وعن ابن محيريز قال: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف ~~وإناث الخيل عند الشنات والغارات. # وقيل: ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو فكانت ~~المحاربة عليها أولى من الإناث وقيل إن لفظ الخيل عام فيتناول الفحول ~~والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل الله (ق) عن عروة بن الجعد ~~البارقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الخيل معقود في نواصيها ~~الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة» (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (خ) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من احتبس فرسا في سبيل الله ~~إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم ~~القيامة» يعني حسنات (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر ~~فرجل ربطها في سبيل الله زاد في رواية لأهل الإسلام فأطال لها في مرج أو ~~روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان لها حسنات ولو أنها ~~قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها ~~مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات فهي لذلك الرجل أجر ~~ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ~~الرجل ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر» وسئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه ~~الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره الطيل الحبل الذي يشد به الفرس وقت الرعي واستنان ms1543 الجري والشرف الشوط ~~الذي تجري فيه الفرس وقوله تغنيا يعني استغناء بها عن الطلب لما في أيدي ~~الناس أما حق ظهورها فهو أن يحمل عليها منقطعا إلى أهله وأما حق رقابها ~~فقيل: أراد به الإحسان إليها. وقيل: أراد به الحمل عليها فعبر بالرقبة عن ~~الذات وقوله: نواء لأهل الإسلام النواء المعاداة يقال ناوأت الرجل مناوأة ~~إذا عاديته. # وقوله تعالى: ترهبون به عدو الله وعدوكم يعني: تخوفون بتلك القوة وبذلك ~~الرباط عدو الله وعدوكم يعني الكفار من أهل مكة وغيره. وقال ابن عباس: ~~تحزنون به عدو الله وعدوكم وذلك لأن الكفار إذا علموا أن المسلمين متأهبون ~~للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات الحرب وإعداد الخيل مربوطة ~~للجهاد خافوهم فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سببا لدخول الكفار ~~في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين. # وقوله تعالى: وآخرين من دونهم يعني وترهبون آخرين من دونهم اختلف العلماء ~~فيهم فقال مجاهد: # هم بنو قريظة، وقال السدي: هم فارس وقال ابن زيد هم المنافقون لقوله ~~تعالى: لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله الله ~~يعلمهم يعني أنهم منافقون وأورد على هذا القول أن المنافقين لا يقاتلون ~~لإظهارهم كلمة الإسلام فكيف يخوفون بإعداد القوة ورباط الخيل. وأجيب عن هذا ~~الإيراد أن المنافقين إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ~~ذلك مما يخوفهم ويحزنهم فكان في ذلك إرهابهم وقال الحسن: هم كفار الجن وصحح ~~هذا القول الطبري قال: لأن الله تعالى قال لا تعلمونهم ولا شك بأن المؤمنين ~~كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لعلمهم بأنهم مشركون ولأنهم حرب للمؤمنين ~~أما الجن فلا يعلمونهم الله يعلمهم يعني يعلم أحوالهم وأماكنهم دونكم ويعضد ~~هذا القول ما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم الجن وأن الشيطان لا ~~يخيل أحدا في داره فرس عتيق» ذكر هذا الحديث ابن الجوزي وغيره من المفسرين ~~بغير إسناد وقال الحسن: # PageV02P323 # صهيل الخيل يرهب الجن. وقوله سبحانه وتعالى: وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله قيل ms1544 أراد به نفقة الجهاد والغزو وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخير ~~والطاعة فيدخل فيه نفقة الجهاد وغيره يوف إليكم يعني أجره في الآخرة ويعجل ~~لكم عوضه في الدنيا وأنتم لا تظلمون يعني وأنتم لا تنقصون من ثواب أعمالكم ~~شيئا قوله تبارك وتعالى: # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 61 الى 65] # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن ~~يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف ~~بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ~~(64) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون (65) # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لما أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ~~بإعداد القوة وما يرهب العدو أمرهم بعد ذلك أن يقبلوا منهم الصلح إن مالوا ~~إليه وسألوه فقال تعالى: وإن جنحوا للسلم يعني مالوا إلى السلم يعني ~~المصالحة فاقبلوا منهم الصلح وهو قوله تعالى فاجنح لها أي مل إليها يعني ~~إلى المصالحة. روي عن الحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: ~~إنها غير منسوخة لكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان فيه مصلحة ظاهرة فإن رأى ~~الإمام أن يصالح أعداءه من الكفار وفيه قوة فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ~~وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها ~~اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة مدة عشر سنين ثم ~~إنهم نقضوا العهد قبل انقضاء المدة. # وقوله تعالى: وتوكل على الله يعني فوض أمرك إلى الله فيما عقدته معهم ~~ليكون عونا لك في جميع أحوالك إنه هو السميع يعني لأقوالهم العليم يعني ~~بأحوالهم: قوله عز وجل: وإن يريدوا أن يخدعوك يعني يغدروا بك قال مجاهد: ~~يعني بني قريظة والمعنى وإن ms1545 أرادوا بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم فإن حسبك ~~الله يعني فإن الله كافيك بنصره ومعونته هو الذي أيدك بنصره يعني هو الذي ~~قواك وأعانك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك وبالمؤمنين يعني وأيدك بالمؤمنين ~~يعني الأنصار. # فإن قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول ~~وبالمؤمنين. # قلت: التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير ~~معلومة وبأسباب ظاهرة معلومة فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد ~~بقوله «هو الذي أيدك بنصره» لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي ~~يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله «وبالمؤمنين» لأن أسبابه ظاهرة ~~بوسائط وهم المؤمنون والله سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب وهو الذي أقامهم ~~لنصره ثم بين كيف أيده بالمؤمنين فقال تعالى: وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم وذلك أن العرب كانت ~~فيهم الحمية الشديدة والأنفة العظيمة والأنفس القوية والعصبية والانطواء ~~على الضغينة من أدنى شيء حتى لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة قاتل عنه ~~أهل قبيلته حتى يدركوا ثأرهم لا يكاد يأتلف منهم قلبان فلما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيهم وآمنوا به واتبعوه انقلبت تلك الحالة فائتلفت ~~قلوبهم واستجمعت كلمتهم وزالت حمية الجاهلية من قلوبهم وأبدلت تلك الضغائن ~~والتحاسد بالمودة والمحبة لله وفي الله واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعوانا يقاتلون عنه ويحمونه وهم الأوس ~~والخزرج وكانت بينهم في الجاهلية حروب عظيمة ومعاداة # PageV02P324 # شديدة ثم زالت تلك الحروب وحصلت المحبة والألفة وهذا مما لا يقدر عليه ~~إلا الله عز وجل وصار ذلك معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة ~~دالة على صدقه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ~~ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي ~~وفي الآية دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء وأرادوا ms1546 ذلك لأن تلك ~~الألفة والمحبة إنما حصلت بسبب الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ثم إنه سبحانه وتعالى ختم هذه الآية بقوله إنه عزيز حكيم يعني أنه تعالى ~~قادر قاهر يمكنه التصرف في القلوب فيقلبها من العداوة إلى المحبة ومن ~~النفرة إلى الألفة وكل ذلك على وجه الحكمة والصواب. # قوله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب قال ~~سعيد بن جبير «أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست ~~نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية» فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في ~~سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها نزلت بالبيداء ~~في غزوة بدر قبل القتال فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: ومن اتبعك من ~~المؤمنين يعني إلى غزوة بدر وقيل أراد بقوله ومن اتبعك من المؤمنين الأنصار ~~وتكون الآية نزلت بالمدينة وقيل أراد جميع المهاجرين والأنصار، ومعنى الآية ~~يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين وقيل معناه حسبك الله ~~ومتبعوك من المؤمنين. # قوله عز وجل: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال يعني حثهم على قتال ~~عدوهم. # والتحريض في اللغة: الحث على الشيء بكثرة التزين وتسهيل الخطب فيه كأنه ~~في الأصل إزالة الحرض وهو الهلاك إن يكن منكم عشرون يعني رجلا صابرون يعني ~~عند اللقاء محتسبين أنفسهم يغلبوا مائتين يعني من عدوهم وظاهر لفظ الآية ~~خبر ومعناه الأمر فكأنه تعالى قال إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في ~~قتال عدوهم حتى يغلبوا مائتين ويدل على أن المراد بهذا الخبر الأمر قوله ~~«الآن خفف الله عنكم» لأن النسخ لا يدخل على الإخبار إنما يدخل على الأمر ~~فدل ذلك على أن الله سبحانه وتعالى أجب أولا على المؤمنين هذا الحكم وإنما ~~حسن هذا التكليف لأن الله وعدهم بالنصر ومن تكفل الله له بالنصر سهل عليه ~~الثبات مع الأعداء ms1547 وإن يكن منكم مائة يعني صابرة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا فحاصله وجوب ثبات الواحد من المؤمنين في مقابلة العشرة من الكفار، ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون يعني: أن المشركين لا يقاتلون لطلب ثواب وخوف عقاب ~~إنما يقاتلون حمية فإذا صدقتموهم في القتال فإنهم لا يثبتون معكم. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 66 الى 67] # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة والله عزيز حكيم (67) # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله (خ) عن ابن عباس: قال لما ~~نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين كتب عليهم أن لا يفر واحد من ~~عشرة ولا عشرون من مائتين ثم نزلت الآن خفف الله عنكم الآية فكتب أن لا يفر ~~مائة من مائتين. وفي رواية أخرى عنه قال: لما نزلت إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين شق ذلك على المسلمين فنزلت الآن خفف الله عنكم الآية ~~فلما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم عن الصبر بقدر ما خفف عنهم فظاهر هذا ~~أن قوله # PageV02P325 # سبحانه وتعالى الآن خفف الله عنكم ناسخ لما تقدم من الآية الأولى وكان ~~هذا الأمر يوم بدر فرض الله سبحانه وتعالى على الرجل الواحد من المؤمنين ~~قتال عشرة من الكافرين فثقل ذلك على المؤمنين فنزلت الآن خفف الله عنكم ~~أيها المؤمنون وعلم أن فيكم ضعفا يعني في قتال الواحد للعشرة فإن تكن منكم ~~مائة صابرة محتسبة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ~~فرد من العشرة إلى الاثنين فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا ~~يجوز لهم أن يفروا فأيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد ms1548 فر ~~والله مع الصابرين يعني بالنصر والمعونة. # قال سفيان: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ~~ذلك. # قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى روي عن عبد الله ابن مسعود قال: ~~لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولن ~~في هؤلاء فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل ~~الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا ~~رسول الله كذبوك وأخرجوك فدعهم نضرب أعناقهم مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ~~ومكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، ومكني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإن ~~هؤلاء أئمة الكفر وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير ~~الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا فقال له العباس: قطعت رحمك فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ثم دخل فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر ~~وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة ثم خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ~~ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ~~قال: فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل ~~عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ومثلك يا ~~عبد الله بن رواحة كمثل موسى قال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اليوم أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق قال عبد الله بن ~~مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: ms1549 فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء من ~~ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. قال ~~ابن عباس قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو ~~بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من ~~أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت ~~لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة ~~لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل عليه: ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآية خرج هذا الحديث الترمذي ~~مختصرا وقال: في الحديث قصة وهي هذه القصة التي ذكرها البغوي. وأخرج مسلم ~~في إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا ~~قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى ~~الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل ~~فيضرب عنقه وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه وتمكنني من فلان- نسيب لعمر- ~~فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده فهوى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخبرني من أي ms1550 شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت # PageV02P326 # لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي على أصحابك من أخذهم ~~الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة من نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~في الأرض إلى قوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنيمة لهم ذكره ~~الحميدي في مسنده عن عمر بن الخطاب من إفراد مسلم بزيادة فيه. # أما تفسير الآية، فقوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى يعني ما كان ~~ينبغي ولا يجب لنبي. وقال أبو عبيدة: معناه لم يكن لنبي ذلك فلا يكون لك يا ~~محمد والمعنى ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه وصار في يده أسيرا للفداء ~~والمن، والأسرى جمع أسير وأسارى جمع الجمع حتى يثخن في الأرض الإثخان في كل ~~شيء عبارة عن قوته وشدته. يقال: أثخنه المرض إذ اشتدت قوته عليه والمعنى ~~حتى يبالغ في قتال المشركين ويغلبهم ويقهرهم فإذا حصل ذلك فله أن يقدم على ~~الأسر فيأسر الأسارى تريدون عرض الدنيا الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأخذكم الفداء من المشركين ~~وإنما سمى منافع الدنيا عرضا لأنه لا ثبات لها ولا دوام فكأنها تعرض ثم ~~تزول بخلاف منافع الآخرة فإنها دائمة الانقطاع لها، وقوله سبحانه وتعالى: ~~والله يريد الآخرة يعني أنه سبحانه وتعالى يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم ~~المشركين ونصركم الدين لأنها دائمة بلا زوال ولا انقطاع والله عزيز لا يقهر ~~ولا يغلب حكيم يعني في تدبير مصالح عباده. # قال ابن عباس: كان ذلك يوم بدر والمؤمنون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد ~~سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى في الأسارى فأما منا بعد وإما فداء فجعل ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا ~~استعبدوهم وإن شاؤوا فادوهم وإن شاؤوا أعتقوهم. قال الإمام فخر ms1551 الدين: إن ~~هذا الكلام يوهم أن قوله فأما منا بعد وإما فداء يزيل حكم الآية التي نحن ~~في تفسيرها وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان وكلتاهما تدلان على ~~أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء. قال العلماء: كان الفداء ~~لكل أسير أربعين أوقية والأوقية أربعون درهما فيكون مجموع ذلك ألفا وستمائة ~~درهم. وقال قتادة: كان الفداء يومئذ لكل أسير أربعة ألاف درهم. # (فصل) قد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء. وبيانه من وجوه: # الأول: أن قوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى صريح في النهي عن أخذ ~~الأسارى وقد وجد ذلك يوم بدر. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقومه ~~بقتل المشركين يوم بدر فلما لم يقتلوهم بل أسروهم دل ذلك على صدور الذنب ~~منهم. # الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء وهو محرم ~~وذلك ذنب. # الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قعدا يبكيان لأجل ~~أخذ الفداء وخوف العذاب وقرب نزوله. # والجواب عن الوجه الأول: أن قوله سبحانه وتعالى: ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض يدل على أنه كان الأسر مشروعا ولكن بشرط الإثخان في ~~الأرض وقد حصل لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قتلوا يوم بدر سبعين رجلا ~~من عظماء المشركين وصناديدهم وأسروا سبعين وليس من شرط الإثخان في الأرض ~~قتل جميع الناس فدلت الآية على جواز الأسر بعد الإثخان وقد حصل. # والجواب عن الوجه الثاني: أن الأمر بالقتل إنما كان مختصا بالصحابة ~~لإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بمباشرة قتال الكفار ~~بنفسه وإذا ثبت أن الأمر بالقتل كان مختصا بالصحابة كان الذنب صادرا منهم ~~لا من النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV02P327 # والجواب عن الوجه الثالث: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ ~~الفداء وهو محرم فنقول لا نسلم أن أخذ الفداء كان محرما وأما قوله سبحانه ms1552 ~~وتعالى تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ففيه عتاب لطيف على أخذ الفداء ~~من الأسارى والمبادرة إليه ولا يدل على تحريم الفداء إذ لو كان حراما في ~~علم الله لمنعهم من أخذه مطلقا. # والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قعدا ~~يبكيان يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف الأمر بالقتل واشتغل ~~بالأسر استوجب بذلك الفعل العذاب فبكى النبي صلى الله عليه وسلم خوفا ~~وإشفاقا من نزول العذاب عليهم بسبب ذلك الفعل وهو الأسر وأخذ الفداء والله ~~أعلم. # ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 68 الى 69] # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) # قوله عز وجل: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم قال ابن ~~عباس: كانت الغنائم محرمة على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا مغنما ~~جعلوه للقربان فكانت النار تنزل من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع ~~المؤمنون في أخذ الغنائم والفداء فأنزل الله عز وجل: لولا كتاب من الله سبق ~~يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم. ثم ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: لولا كتاب من ~~الله سبق أنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون وأنه لا يأخذ قوما فعلوا بجهالة لمسكم يعني لأصابكم بسبب ما ~~أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به عذاب عظيم قال محمد بن إسحاق: لم يكن من ~~المؤمنين أحد ممن حضر بدرا إلا وأحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى وسعد بن معاذ فإنه قال: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء ~~الرجال ms1553 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو نزل عذاب من السماء ما نجا ~~منه غير عمر وسعد بن معاذ. # وقوله تعالى: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا يعني قد أحلت لكم الغنائم وأخذ ~~الفداء فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. # روي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله ~~الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وكانت قبل ذلك حراما على جميع الأمم الماضية ~~صح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم وذلك بأن ~~الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا. # وقوله سبحانه وتعالى: واتقوا الله إن الله غفور رحيم يعني وخافوا الله أن ~~تعودوا وإن لم تفعلوا شيئا من قبل أنفسكم قبل أن تؤمروا به واعلموا أن الله ~~قد غفر لكم ما أقدمتم عليه من هذا الذنب ورحمكم وقيل في قوله واتقوا الله ~~إشارة إلى المستقبل وقوله إن الله غفور رحيم إشارة إلى الحالة الماضية. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 70 الى 71] # يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) # قوله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم نزلن في العباس بن ~~عبد المطلب عم رسول الله # PageV02P328 # صلى الله عليه وسلم وكان أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين ~~خرجوا من مكة إلى بدر وكان قد خرج ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها إذ ~~جاءت نوبته فكانت نوبته يوم الوقعة ببدر فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا ~~فلم يطعم شيئا وبقيت العشرون أوقية معه فلما أسر أخذت منه، ms1554 فكلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: أما شيء خرجت به لتستعين به علينا فلا أتركه لك. وكلف ~~فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فقال العباس: يا محمد ~~تتركني أتكفف قريشا ما بقيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين ~~الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها إني لا أدري ما ~~يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل ~~وقثم يعني بنيه. فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي قال: أخبرني به ربي قال ~~العباس: أشهد أنك لصادق وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله لم يطلع ~~عليه أحد إلا الله وأمر ابني أخيه عقيل ونوفل بن الحارث فأسلما فذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى يعني الذين ~~أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يعني إيمانا ~~وتصديقا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم يعني من الفداء ويغفر لكم يعني ما سلف ~~منكم قبل الإيمان والله غفور يعني لمن آمن وتاب من كفره ومعاصيه رحيم يعني ~~بأهل طاعته قال العباس: فأبدلني الله خيرا مما أخذ مني عشرين عبدا كلهم ~~تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية ~~وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ~~ربي عز وجل. # وقوله تعالى: وإن يريدوا يعني الأسارى خيانتك يعني أن يكفروا بك فقد ~~خانوا الله يعني فقد كفروا بالله من قبل وقيل معناه وإن نقضوا العهد ورجعوا ~~إلى الكفر فقد خانوا الله بذلك فأمكن يعني فأمكن الله المؤمنين منهم ببدر ~~حتى قتلوا منهم وأسروا منهم وهذا نهاية الإمكان وفيه بشارة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه يتمكن من كل أحد يخونه أو ينقض عهده والله عليم يعني بما في ~~بواطنهم وضمائرهم ms1555 من إيمان وتصديق أو خيانة ونقض عهد حكيم يعني حكم بأنه ~~يجازي كلا بعمله الخير بالثواب والشر بالعقاب. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 72 الى 74] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم مغفرة ورزق كريم (74) # قوله عز وجل: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله يعني إن الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بما جاءهم به وهاجروا يعني ~~وهجروا ديارهم وقومهم في ذات الله عز وجل وابتغاء رضوان الله وهم المهاجرون ~~الأولون وجاهدوا يعني وبذلوا أنفسهم في سبيل الله يعني في طاعة الله ~~وابتغاء رضوانه والذين آووا ونصروا يعني آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن معه من أصحابه من المهاجرين وأسكنوهم منازلهم ونصروا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم الأنصار أولئك يعني المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء ~~بعض يعني في العون والنصر دون أقربائهم من الكفار وقال ابن عباس: في ~~الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ~~أقربائهم وذوي أرحامهم وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى ~~كان فتح مكة وانقطعت الهجرة فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا فصار ذلك منسوخا ~~بقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. # PageV02P329 # وقوله تعالى: والذين آمنوا ولم يهاجروا يعني آمنوا وأقاموا بمكة ما لكم ~~من ولايتهم من شيء يعني من الميراث حتى يهاجروا يعني إلى المدينة وإن ~~استنصروكم في الدين # يعني استنصركم الذين آمنوا ولم يهاجروا فعليكم النصر يعني فعليكم نصرهم ~~وإعانتهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق أي عهد فلا تنصروهم عليهم والله ~~بما تعملون بصير والذين كفروا ms1556 بعضهم أولياء بعض يعني في النصر والمعونة ~~وذلك أن كفار قريش كانوا معادين لليهود فلما بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تعاونوا عليه جميعا قال ابن عباس: يعني في الميراث وهو أن يرث الكفار ~~بعضهم من بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير قال ابن عباس: إلا ~~تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به، وقال ابن جريج إلا تتعاونوا وتتناصروا ~~وقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من ~~سواهم وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ثم قال سبحانه وتعالى إلا تفعلوه وهو ~~أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير فالفتنة ~~في الأرض هي قوة الكفار والفساد الكبير هو ضعف المسلمين والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ~~يعني لا شك في إيمانهم ولا ريب لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل ~~النفس والمال في نصر الدين لهم مغفرة يعني لذنوبهم ورزق كريم يعني في ~~الجنة. # فإن قلت ما معنى هذا التكرار؟ قلت ليس فيه تكرار لأنه سبحانه وتعالى ذكر ~~في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضا ثم ذكر في هذه ~~الآية ما من به عليهم من المغفرة والرزق الكريم وقيل إن إعادة الشيء مرة ~~بعد أخرى تدل على مزيد الاهتمام به فلما ذكرهم أولا ثم أعاد ذكرهم ثانيا دل ~~ذلك على تعظيم شأنهم وعلو درجاتهم وهذا هو الشرف العظيم لأنه تعالى ذكر في ~~هذه الآية من وجوه المدح ثلاث أنواع: # أحدها: قوله أولئك هم المؤمنون حقا وهذا يفيد الحصر وقوله سبحانه وتعالى ~~حقا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين وتحقيق هذا القول ~~أن من فارق أهله وداره التي نشأ فيها وبذل النفس والمال كان مؤمنا حقا. # النوع الثاني: قوله سبحانه وتعالى لهم مغفرة وتنكير لفظ المغفرة يدل على ~~أن لهم مغفرة وأي مغفرة لا ينالها غيرهم والمعنى لهم مغفرة تامة كاملة ~~ساترة لجميع ذنوبهم. # النوع الثالث: قوله سبحانه ms1557 وتعالى ورزق كريم فكل شيء شرف وعظم في بابه ~~قيل له كريم والمعنى أن لهم في الجنة رزقا لا تلحقهم فيه غضاضة ولا تعب. # وقيل: إن المهاجرين كانوا على طبقات فمنهم من هاجر أولا إلى المدينة وهم ~~المهاجرون الأولون ومنهم من هاجر إلى أرض الحبشة ثم هاجر إلى المدينة فهم ~~أصحاب الهجرتين ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة فذكر الله في ~~الآية الأولى أصحاب الهجرة الأولى وذكر في الثانية أصحاب الهجرة الثانية، ~~والله أعلم بمراده. ### || [سورة الأنفال (8): آية 75] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # وقوله سبحانه وتعالى: والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم اختلفوا ~~في قوله من بعد فقيل من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية وقيل من نزول ~~هذه الآية وقيل من بعد غزوة بدر والأصح أن المراد به أهل الهجرة الثانية ~~لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار ~~إسلام بعد الفتح ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح ~~ولكن جهاد ونية» أخرجاه في الصحيحين وقال الحسن الهجرة غير منقطعة. # PageV02P330 # ويجاب عن هذا بأن المراد منه الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدنية فأما من ~~كان من المؤمنين في بلد يخاف على إظهار دينه في كثرة الكفار وجب عليه أن ~~يهاجر إلى بلد لا يخاف على إظهار دينه وقوله تعالى: # فأولئك منكم يعني أنهم منكم وأنتم منهم لكن فيه دليل على أن مرتبة ~~المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن ~~الله سبحانه وتعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم ~~منهم وذلك معرض المدح والشرف ولولا أن المهاجرين الأولين أفضل وأشرف لما صح ~~هذا الإلحاق. # وقوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قال ابن عباس: ~~كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض أي في الميراث أي فبين بهذه الآية ms1558 أن سبب القرابة أقوى وأولى من ~~سبب الهجرة والإخاء ونسخ بهذه الآية ذلك التوارث وقوله في كتاب الله يعني ~~في حكم الله وقيل أراد به في اللوح المحفوظ وقيل أراد به القرآن وهي أن ~~قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن وتمسك أصحاب ~~الإمام أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام. # وأجاب عنه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله ~~كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء فصارت هذه الآية مقيدة ~~بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء من قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض ~~فروضهم وما بقي فللعصبات. # وقوله سبحانه وتعالى: إن الله بكل شيء عليم يعني أنه سبحانه وتعالى عالم ~~بكل شيء لا تخفى عليه خافية والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV02P331 ### | سورة التوبة # وهي مدنية بإجماعهم قال ابن الجوزي: سوى آيتين في آخرها لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم فإنهما نزلتا بمكة وهي مائة وتسع وعشرون آية وقيل مائة وثلاثون ~~آية وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمة وعشرة آلاف وأربعة وثمانون حرفا ولهذه ~~السورة أسماء عشرة التوبة وسورة براءة وهذان الاسمان مشهوران وهي المقشقشة ~~قاله ابن عمر سميت بذلك لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه وهي المبعثرة ~~لأنها تبعثر عن أخبار المنافقين وتبحث عنها وتثيرها والفاضحة قاله ابن عباس ~~لأنها فضحت المنافقين وسورة العذاب قاله حذيفة وهي المخزية لأن فيها خزي ~~المنافقين وهي المدمدمة سميت بذلك لأن فيها هلاك المنافقين وهي المشردة ~~سميت بذلك لأنها شردت جموع المنافقين وفرقتهم وهي المثيرة سميت بذلك لأنها ~~أثارت مخازي المنافقين وكشفت عن أحوالهم وهتكت أستارهم. # عن سعيد بن جبير: قال قلت لابن عباس سورة التوبة فقال بل هي الفاضحة ما ~~زالت تقول ومنهم ومنهم حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها قال قلت سورة ~~الأنفال قال نزلت في بدر قال قلت سورة الحشر قال بل سورة بني النضير أخرجاه ~~في الصحيحين. # ((فصل في بيان سبب ترك كتابة التسمية في ms1559 أول هذه السورة)) عن ابن عباس ~~قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى ~~براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ~~ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كثيرا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ~~وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في ~~السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وإذا نزلت عليه الآية يقول ضعوا هذه الآية ~~في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ~~وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها وظننت أنها منها ~~وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها أو من غيرها من ~~أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع ~~الطوال أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن. قال الزجاج: والشبه الذي ~~بينهما في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نقضها وكان قتادة يقول: هما سورة ~~واحدة وقال محمد بن الحنفية: قلت لأبي يعني علي بن أبي طالب لم لم تكتبوا ~~في براءة بسم الله الرحمن الرحيم قال يا بني إن براءة نزلت بالسيف وأن بسم ~~الله الرحمن أمان وسئل سفيان بن عيينة عن هذا فقال لأن التسمية رحمة ~~والرحمة أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين وقال المبرد لم تفتتح هذه ~~السورة الشريفة ببسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية افتتاح للخير وأول هذه ~~السورة وعيد ونقض عهود فلذلك لم تفتتح بالتسمية وسئل أبي بن كعب عن هذا ~~فقال إنها نزلت في آخر القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في ~~كل سورة بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم ولم يأمر في براءة بذلك فضمت إلى ~~الأنفال لشبهها بها وقيل إن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة ~~براءة هل هما سورة واحدة أم سورتان ms1560 فقال بعضهم سورة واحدة لأنهما نزلتا # PageV02P332 # في القتال ومجموعها معا مائتان وخمس آيات فكانت هي السورة السابعة من ~~السبع الطوال وقال بعضهم هما سورتان فلما حصل هذا الاختلاف بين الصحابة ~~تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول إنهما سورتان ولم يكتبوا بسم ~~الله الرحمن الرحيم تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة أما التفسير ~~فقوله تعالى. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 1 الى 2] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) # براءة من الله ورسوله يعني هذه براءة من الله ورسوله وأصل البراءة في ~~اللغة انقطاع العصمة يقال برئت من فلان أبرأ براءة أي انقطعت بيننا العصمة ~~ولم يبق بيننا علقة وقيل معناها التباعد مما تكره مجاورته قال المفسرون لما ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف ~~وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم وذلك قوله سبحانه وتعالى: وإما تخافن من قوم ~~خيانة الآية ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمر به ونبذ إليهم ~~عهودهم قال الزجاج: أي قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها ~~إذا نكثوا إلى الذين عاهدتم من المشركين الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم إلا ~~أنه هو الذي عاقدهم وأصحابه بذلك راضون فكأنهم هم عقدوا وعاهدوا. # قوله سبحانه وتعالى: فسيحوا في الأرض أي فسيروا في الأرض مقبلين ومدبرين ~~آمنين غير خائفين أحدا من المشركين وأصل السياحة الضرب من الأرض والاتساع ~~فيها والبعد عن مواضع العمارة قال ابن الأنباري: قوله فسيحوا فيه مضمر أي ~~قل لهم فسيحوا وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق ~~والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من ~~القتل والقتال أربعة أشهر يعني مدة أربعة أشهر ms1561 واختلف العلماء في هذا ~~التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مجاهد: هذا التأجيل من الله ~~للمشركين فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر ومن ~~كانت مدته أكثر حطه إلى أربعة أشهر ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حده ~~بأربعة أشهر ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن ~~يتوب ويرجع إلى الإيمان، وقيل: إن المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ~~ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل ~~فيصير هذا داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ~~ونكث العهد وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ~~ربيع الآخر. # فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما ~~قال الزهري الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه ~~الآية نزلت في شوال والقول الأول أصوب وعليه الأكثرون. # وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة أشهر عهدا لمن كان له عهد دون الأربعة ~~أشهر فأتم له الأربعة أشهر. # فأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله تعالى: ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وقيل كان ابتداؤها في العاشر من ذي القعدة ~~وآخرها العاشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في العاشر من ذي ~~القعدة بسبب النسإ ثم صار في السنة المقبلة في العاشر من ذي الحجة وفيها حج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «إن الزمان قد استدار» الحديث قال ~~الحسن: أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من ~~المشركين فقال تعالى: قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم # فكان لا يقاتل إلا من قاتله ثم أمره بقتال # PageV02P333 # المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من ~~أربعة أشهر لا من ms1562 كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد وكان الأجل ~~لجميعهم أربعة أشهر وأحل دماء جميعهم من أهل العهود وغيرهم بعد انقضاء ~~الأجل وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر ~~سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منهم وأعانتهم ~~قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو بن ~~سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا ... في فليق كالبحر يجري مزبدا # أبيض مثل الشمس يسمو صعدا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تنجي أحدا ... وهم أذل وأقل عددا # هم بيتونا بالحطيم هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نصرت إن لم أنصركم. وتجهز إلى مكة ~~ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحج فقيل له المشركون يحضرون ويطوفون بالبيت عراة فقال: لا أحب أن ~~أحج حتى لا يكون ذلك فبعث أبا بكر في تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم ~~للناس الحج وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم ثم ~~بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن ~~بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك ~~ولا يطوف بالبيت عريان فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل ~~في شأني ms1563 شيء فقال: لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي أما ~~ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض؟ قال: بلى يا ~~رسول الله فسار أبو بكر أميرا على الحجاج وعلي بن أبي طالب يؤذن ببراءة ~~فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم فأقام ~~للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية ~~من أمر الحج حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن ~~في الناس بالذي أمر به وقرأ عليهم أول سورة براءة وقال يزيد بن تبيع سألنا ~~عليا بأي شيء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان ~~بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ومن يكون له عهده ~~فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المشركون ~~والمسلمون بعد عامهم هذا في حج ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة ~~الوداع (ق). عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع (ق). عن أبي هريرة أن أبا بكر ~~بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة ~~الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف ~~بالبيت عريان وفي رواية ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب ~~فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ببراءة أن لا يحج ~~بالبيت بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وفي رواية ويوم الحج الأكبر ~~يوم النحر والحج الأكبر الحج وإنما قيل الحج الأكبر من أجل قول الناس ~~للعمرة الحج الأصغر قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك فلم يحج في العام ~~القابل الذي حج فيه حج فيه ms1564 النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مشرك وأنزل ~~الله في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله الآية. # PageV02P334 # ((فصل)) قد يتوهم متوهم أن في بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل ~~أبي بكر عن الإمارة وتفضيله على أبي بكر وذلك جهل من هذا المتوهم ويدل على ~~أن أبا بكر لم يزل أميرا على الموسم في تلك السنة أول حديث أبي هريرة ~~المتقدم أن أبا بكر بعثه في رهط يؤذنون في الناس الحديث وفي لفظ أبو داود ~~والنسائي قال بعثني أبو بكر فيمن يؤذن في يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد ~~العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فقوله بعثني أبو بكر فيه دليل على أن أبا ~~بكر كان هو الأمير على الناس وهو الذي أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم ~~وأجاب العلماء عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ليؤذن في الناس ~~ببراءة بأن عادة العرب جرت أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا سيد القبيلة ~~وكبيرها أو رجل من أقاربه وكان علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أبي بكر لأنه ابن عمه ومن رهطه فبعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة لئلا يقولوا هذا على خلاف # ما نعرفه من عادتنا في عقد العهود ونقضها وقيل لما خص أبا بكر بتوليته ~~على الموسم خص علينا بتبليغ هذه الرسالة تطييبا لقلبه ورعاية لجانبه وقيل ~~إنما بعث عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون جاريا مجرى ~~التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على الحجاج وولاه الموسم وبعث عليا خلفه ~~ليقرأ على الناس براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر ~~الخطيب وعلي المستمع ms1565 وكان أبو بكر المتولي أمر الموسم والأمير على الناس ~~ولم يكن ذلك لعلي فدل ذلك على تقديم أبي بكر على علي وفضله عليه والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: واعلموا أنكم غير معجزي الله يعني أن هذا الإمهال ليس لعجز ~~عنكم ولكن لمصلحة ولطف بكم ليتوب تائب وقيل: معناه فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر عالمين أنكم لا تعجزون الله بل هو يعجزكم ويأخذكم لأنكم في ملكه ~~وقبضته وتحت قهره وسلطانه وقيل معناه إنما أمهلكم هذه المدة لأنه لا يخاف ~~الفوت ولا يعجزه شيء وأن الله مخزي الكافرين يعني بالقتل والعذاب في ~~الآخرة. ### || [سورة التوبة (9): آية 3] # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) # قوله عز وجل: وأذان من الله ورسوله الأذان في اللغة الإعلام ومنه الأذان ~~للصلاة لأنه إعلام بدخول وقتها والمعنى وإعلام صادر من الله ورسوله واصل ~~إلى الناس يوم الحج الأكبر اختلفوا في يوم الحج الأكبر فروى عكرمة عن ابن ~~عباس أنه يوم عرفة ويروى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وهو قول عطاء وطاوس ~~ومجاهد وسعيد بن المسيب وعن علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر أخرجه الترمذي وقال ويروى ~~موقوفا عليه وهو أصح وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم ~~النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال: أي يوم هذا، فقالوا يوم ~~النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر أخرجه أبو داود ويروى ذلك عن عبد الله بن ~~أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي. # وروى ابن جريج عن مجاهد أن يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وكان سفيان ~~الثوري يقول الحج الأكبر أيام منى كلها لأن اليوم قد يطلق ويراد به الحين ~~والزمان كقولك يوم صفين ويوم الجمل لأن الحروب ms1566 دامت في تلك الأيام ويطلق ~~عليها يوم واحد وقال عبد الله بن الحرث بن نوفل: يوم الحج الأكبر الذي حج ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن سيرين لأنه اجتمع فيه حج ~~المسلمين وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ~~ولا بعده فعظم ذلك اليوم عند المؤمنين والكافرين. قال مجاهد: الحج الأكبر ~~القرآن لأنه قرن بين الحج والعمرة، وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر ~~الحج والحج الأصغر العمرة وإنما قيل لها الأصغر # PageV02P335 # لنقصان أعمالها عن الحج وقيل: سمي الحج الأكبر لموافقة حجة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجة الوداع وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فودع الناس فيه ~~وخطبهم وعلمهم مناسكهم وذكر في خطبته أن الزمان قد استدار وأبطل النسيء ~~وجميع أحكام الجاهلية. # وقوله سبحانه وتعالى: أن الله بريء من المشركين ورسوله فيه حذف والتقدير ~~وأذان من الله ورسوله بأن الله بريء من المشركين وإنما حذفت الباء لدلالة ~~الكلام عليها وفي رفع رسوله وجوه الأول أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ~~والتقدير أن الله بريء من المشركين ورسوله أيضا بريء الثاني تقديره بريء ~~الله ورسوله من المشركين الثالث إن الله في محل الرفع بالابتداء وبريء خبره ~~ورسوله عطف على المبتدأ. # فإن قلت: لا فرق بين قوله براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من ~~المشركين وبين قوله إن الله بريء من المشركين ورسوله فما فائدة هذا التكرار ~~قلت المقصود من الآية الأولى البراءة من العهد ومن الآية الثانية البراءة ~~التي هي تفيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد والذي يدل على صحة هذا ~~الفرق أنه قال في أولها براءة من الله ورسوله إلى يعني بريء إليهم وفي ~~الثانية بريء منهم وقوله تعالى: فإن تبتم يعني فإن رجعتم عن شرككم وكفركم ~~فهو خير لكم يعني من الإقامة على الشرك وهذا ترغيب من الله في التوبة ~~والإقلاع عن الشكر الموجب لدخول النار وإن توليتم يعني أعرضتم عن الإيمان ~~والتوبة من الشرك فاعلموا أنكم غير معجزي الله فيه ms1567 وعيد عظيم وإعلام لهم ~~بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال العذاب بهم وهو قوله تعالى: وبشر ~~الذين كفروا بعذاب أليم يعني في الآخرة ولفظ البشارة هنا إنما ورد على سبيل ~~الاستهزاء. كما يقال: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 4 الى 5] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) # إلا الذين عاهدتم من المشركين هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى براءة ~~من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين يعني إلا من عهد الذين عاهدتم ~~من المشركين وهم بنو ضمرة حي من كنانة أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بإتمام عهدهم إلى مدتهم وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر وكان السبب فيه ~~أنهم لم ينقضوا العهد وهو قوله تعالى: ثم لم ينقصوكم شيئا يعني من عهودهم ~~التي عاهدتموهم عليها ولم يظاهروا يعني ولم يعاونوا عليكم أحدا يعني من ~~عدوكم وقال صاحب الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى قوله فسيحوا في الأرض لأن ~~الكلام خطاب للمسلمين ومعناه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل لهم بعد ~~أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم ~~مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر إن الله يحب المتقين يعني أن قضية التقوى ~~تقتضي أن لا يسوى بين القبيلتين يعني الوافي بالعهد والناكث له والغادر ~~فيه. # قوله سبحانه وتعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم يعني فإذا انقضت الأشهر ~~الحرم ومضت وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقال مجاهد ومحمد بن ~~إسحاق: هي شهور العهد سميت حرما لحرمة نقض # PageV02P336 # العهد فيما فمن ms1568 كان له عهد فعهده أربعة أشهر ومن لا عهد له فأجله إلى ~~انقضاء المحرم وذلك خمسون يوما وقيل إنما قال لها حرم لأن الله سبحانه ~~وتعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. # فإن قلت: على هذا القول هذه المدة وهي الخمسون يوما بعض الأشهر الحرم ~~والله سبحانه وتعالى قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم. # قلت: لما كان هذا القدر من الأشهر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع ~~والمعنى فإذا مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم يعني في الحل والحرم وهذا أمر إطلاق يعني ~~اقتلوهم في أي وقت وأي مكان وجدتموهم وخذوهم يعني واسروهم واحصروهم أي ~~واحبسوهم. # قال ابن عباس: يريد أن تحصنوا فاحصروهم وامنعوهم من الخروج. وقيل: ~~امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام واقعدوا لهم كل مرصد يعني على ~~كل طريق والمرصد الوضع الذي يقعد فيه للعدو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته ~~والمعنى كونوا لهم رصدا حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا. وقيل: معناه اقعدوا ~~لهم بطريق مكة حتى لا يدخلوها فإن تابوا يعني من الشرك ورجعوا إلى الإيمان ~~وأقاموا الصلاة يعني وأتموا أركان الصلاة المفروضة وآتوا الزكاة الواجبة ~~عليهم طيبة بها أنفسهم فخلوا سبيلهم يعني إلى الدخول إلى مكة والتصرف في ~~بلادهم إن الله غفور يعني لمن تاب ورجع من الشرك إلى الإيمان ومن المعصية ~~إلى الطاعة رحيم يعني بأوليائه وأهل طاعته، وقال الحسن بن الفضل: نسخت هذه ~~الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 6 الى 8] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن ~~الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) # قوله تعالى: وإن أحد ms1569 من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله يعني ~~وإن استأمنك يا محمد أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد ~~انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله الذي أنزل عليك وهو القرآن فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ويعرف ماله من الثواب إن آمن وما عليه من العقاب إن أصر على ~~الكفر ثم أبلغه مأمنه يعني إن لم يسلم أبلغه إلى الموضع الذي يأمن فيه وهو ~~دار قومه وإن قاتلك بعد ذلك وقدرت عليه فاقتله ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي ~~لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم يحتاجون إلى سماع كلام الله عز وجل، قال ~~الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله هذا على وجه التعجيب ومعناه الجحد أي لا يكون لهم عهد عند الله ~~ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى: إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام قال ابن عباس: هم قريش. # وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية وقال السدي محمد بن عباد ومحمد بن إسحاق هم بنو خزيمة وبنو مدلج ~~وبنو الديل قبائل من بني بكر كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية، ~~وقال مجاهد: هم أهل العهد من خزاعة فما استقاموا لكم يعني على العهد ~~فاستقيموا لهم يعني ما أقاموا على العهد ثم إنهم لم يستقيموا ونقضوا العهد ~~وأعانوا بني بكر على خزاعة فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P337 # بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم إما أن يسلموا وإما أن يلحقوا بأي ~~بلاد شاؤوا فأسلموا بعد الأربعة الأشهر والصواب من ذلك قول من قال إنهم ~~قبائل من بني بكر وهم خزيمة وبنو مدلج من ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا ~~قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل ~~من بني بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة وإنما كان الصواب ~~هذا القول ms1570 لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وذلك قبل فتح مكة لأن ~~بعد الفتح كيف يقول لشيء قد مضى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم وإنما هم ~~الذين قال الله عز وجل فيهم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا كما نقصكم قريش ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على ~~خزاعة وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: إن الله يحب المتقين يعني أنه سبحانه وتعالى يحب الذين ~~يوفون بالعهد إذا عاهدوا ويتقون نقضه كيف وإن يظهروا عليكم قبل هذا مردود ~~على الآية الأولى تقديره كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة قال الأخفش معناه، كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي ~~يظهروا بكم ويغلبوكم ويعلوا عليكم لا يرقبوا أي لا يحفظوا. وقيل: معناه لا ~~ينتظروا. وقيل: معناه لا يراعوا فيكم إلا. # قال ابن عباس: يعني قرابة. وقيل: رحما وهذا معنى قول ابن عباس أيضا. وقال ~~قتادة: الإل الحلف. وقال السدي: هو العهد وكذلك الذمة وإنما كرر للتأكيد أو ~~لاختلاف اللفظين: وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل ومنه قول أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه لما سمع كلام مسيلمة الكذاب إن هذا الكلام لم يخرج ~~من إل يعني من الله وعلى هذا القول يكون معنى الآية لا يرقبون الله فيكم ~~ولا يحفظونه لا يراعونه ولا ذمة يعني ولا يحفظون عهدا يرضونكم بأفواههم ~~وتأبى قلوبهم يعني يطيعونكم بألسنتهم بخلاف ما في قلوبهم وأكثرهم فاسقون ~~فإن قلت إن الموصوفين بهذه الصفة كفار والكفر أخبث وأقبح من الفسق فكيف ~~وصفهم بالفسق في معرض الذم وما الفائدة في قوله وأكثرهم فاسقون مع أن ~~الكفار كلهم فاسقون. # قلت: قد يكون الكافر عدلا في دينه وقد يكون فاسقا خبيث الفسق في دينه ~~فالمراد بوصفهم بكونهم فاسقين أنهم نقضوا العهد وبالغوا في العداوة فوصفهم ~~بكونهم فاسقين مع كفرهم فيكون أبلغ في الذم وإنما قال أكثرهم ولم يقل كلهم ~~فاسقون ms1571 لأن منهم من وفى بالعهد ولم ينقضه وأكثرهم نقضوا العهد فلهذا قال ~~سبحانه وتعالى وأكثرهم فاسقون. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 9 الى 11] # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(11) # وقوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا يعني استبدلوا بآيات القرآن ~~والإيمان بها عرضا قليلا من متاع الدنيا وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أكلة أطعمهم إياها أبو سفيان ~~بن حرب فذمهم الله بذلك. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه وترك حلفاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصدوا عن سبيله يعني منعوا الناس عن الدخول في دين ~~الله قال ابن عباس: وذلك أن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم ساء ما كانوا يعملون يعني من الشرك ~~ونقضهم العهد ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإسلام لا يرقبون في مؤمن إلا ~~ولا ذمة يعني أن هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهدا ولا ذمة إذا قدروا ~~عليه قتلوه فلا تبقوا أنتم عليهم كما لم يبقوا عليكم إذا ظهروا عليكم ~~وأولئك هم المعتدون يعني في نقض العهد. # PageV02P338 # قوله عز وجل: فإن تابوا يعني فإن رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض ~~العهد إلى الوفاء به وأقاموا الصلاة يعني المفروضة عليهم بجميع حدودها ~~وأركانها وآتوا الزكاة يعني وبذلوا الزكاة المفروضة عليهم طيبة بها أنفسهم ~~فإخوانكم في الدين يعني إذا فعلوا ذلك فهم إخوانكم في الدين لهم مالكم ~~وعليهم ما عليكم ونفصل الآيات لقوم يعلمون يعني ونبين حجج أدلتنا ونوضح ~~بيان آياتنا لمن يعلم ذلك ويفهمه. قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل ~~القبلة وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. # وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وأبى ms1572 أن يقبل ~~الصلاة إلا بالزكاة. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه يعني بذلك ما ~~ذكره أبو بكر في حق منع الزكاة وهو قوله: والله لا أفرق بين شيئين جمع الله ~~بينهما يعني الصلاة والزكاة (ق) يعني أبي هريرة قال لما توفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب ~~لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ~~مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل» فقال أبو بكر: والله ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني ~~عناقا كانوا يؤدونها. وفي رواية، عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت ~~أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. عن أنس قال. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ~~ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 12 الى 13] # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم ~~مؤمنين (13) # وقوله سبحانه وتعالى: وإن نكثوا أيمانهم يعني وإن نقضوا عهودهم من بعد ~~عهدهم يعني من بعد ما عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا ~~من أعدائكم وطعنوا في دينكم يعني وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه ~~وثلبوه. # وفي هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام وعابه ظاهرا لا يبقى ~~له عهد والمراد بهؤلاء الذين نقضوا العهد كفار قريش وهو قوله تعالى: ~~فقاتلوا أئمة الكفر يعني رؤوس المشركين وقادتهم. # قال ابن ms1573 عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو ~~وأبي جهل وابنه عكرمة وسائر رؤساء قريش وهم الذين نقضوا عهدهم وهموا بإخراج ~~الرسول وقيل أراد جميع الكفار وإنما ذكر الأئمة لأنهم الرؤساء والقادة ففي ~~قتالهم قتال الأتباع، وقال مجاهد: هم فارس والروم وقال حذيفة بن اليمان: ما ~~قوتل أهل هذه الآية بعد ولم يأت أهلها ولعل حذيفة أراد بذلك الذين يظهرون ~~مع الدجال من اليهود فإنهم أئمة الكفر في ذلك الزمان والله أعلم بمراده. # وقوله سبحانه وتعالى: إنهم لا أيمان لهم جمع يمين أي لا عهد لهم وقيل ~~معناه إنهم لا وفاء لهم بالعهود وقرئ لا إيمان لهم بكسر الهمزة ومعناه لا ~~دين لهم ولا تصديق وقيل هو من الأمان أي اقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تؤمنوهم ~~لعلهم ينتهون أي لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم ويرجعوا عن الكفر إلى ~~الإيمان ثم حض المؤمنين على جهاد الكفار وبين السبب في ذلك فقال تعالى: ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم يعني نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا عهد الصلح ~~بالحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول # PageV02P339 # يعني من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة وهم بدؤكم يعني بالقتال أول مرة ~~يعني يوم بدر وذلك أنهم قالوا لا ننصرف حتي نستأصل محمدا وأصحابه وقيل أراد ~~به أنهم بدءوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أتخشونهم ~~يعني أتخافوهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم فالله أحق أن تخشوه يعني في ~~ترك القتال إن كنتم مؤمنين يعني إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 14 الى 17] # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) أم ~~حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ~~ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) ما كان للمشركين ~~أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي ~~النار ms1574 هم خالدون (17) # قوله سبحانه وتعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم يريد بالتعذيب القتل ~~يعني يقتلهم الله بأيديكم. # فإن قلت: كيف الجمع بين قوله يعذبهم الله بأيديكم وبين قوله وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم؟ قلت: # المراد بقوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم عذاب الاستئصال يعني وما ~~كان الله ليستأصلهم بالعذاب جميعا وأنت فيهم والمراد بقوله: قاتلوهم، يعني ~~الذين نقضوا العهد وبدءوا بالقتال فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بقتال من قاتلهم أو نقض عهدهم. # والفرق بين العذابين، أن عذاب الاستئصال يتعدى إلى المذنب وغير المذنب ~~وإلى المخالف والموافق، وعذاب القتل لا يتعدى إلا إلى المذنب المخالف وقوله ~~تعالى: ويخزهم يعني ويذلهم بالقهر والأسر وينزل بهم الذل والهوان وينصركم ~~عليهم يعني بأن يظفركم بهم ويشف صدور قوم مؤمنين يعني ويبرئ داء قلوبهم مما ~~كانوا ينالونه من الأذى منهم ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ثم مكنه ~~الله منه فإنه يفرح بذلك ويعظم سروره ويصير ذلك سببا لقوة اليقين وثبات ~~العزيمة. قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث أعانت قريش بني بكر على خزاعة حتى قتلوا منهم ثم شفى الله صدور ~~خزاعة من بني بكر حتى أخذوا ثأرهم منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ويذهب غيظ قلوبهم يعني ويذهب وجد قلوبهم بما نالوه من بني بكر. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: ارفعوا السيف إلا ~~خزاعة من بني بكر إلى العصر ذكره البغوي بغير سند. ثم قال تعالى: ويتوب ~~الله على من يشاء هذا كلام مستأنف ليس له تعلق بالأول والمعنى ويهدي الله ~~من يشاء إلى الإسلام فيمن عليه بالتوبة من الشرك والكفر ويهديه إلى الإسلام ~~كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو فهؤلاء كانوا ~~من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم من الله عليهم بالإسلام يوم فتح مكة ~~فأسلموا والله عليم يعني بسرائر عباده ومن سبقت له العناية الأزلية ms1575 ~~بالسعادة فيتوب عليه ويهديه إلى الإسلام حكيم يعني في جميع أفعاله قوله عز ~~وجل: أم حسبتم أن تتركوا هذا من الاستفهام المعترض في وسط الكلام ولذلك ~~أدخلت فيه أم لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ والمعنى أظننتم أيها ~~المؤمنون أن تتركوا فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم أراد بالعلم: # المعلوم، لأن وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله لا جرم جعل علم ~~الله بوجوده كناية عن وجوده. قاله الإمام فخر الدين الرازي: ونقل الواحدي ~~عن الزجاج أي العلم الذي يجازي عليه لأنه إنما يجازي على ما عملوا # PageV02P340 # ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة قال الفراء: ~~الوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: ~~وليجة، يعني خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. يعني لا تتخذوا ~~المشركين أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين. وقال أبو عبيدة: كل شيء ~~أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة من ~~الولوج فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة أمره دون الناس. # وقال الراغب: الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من قولهم ~~فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم وليس منهم والمقصود من هذا نهي المؤمنين ~~عن موالاة المشركين وإن يفشوا إليهم أسرارهم والله خبير بما تعملون يعني من ~~موالاة المشركين وإخلاص العمل لله وحده. # قوله سبحانه وتعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله يعني به ~~المسجد الحرام وقرئ مساجد الله على الجمع والمراد به المسجد الحرام أيضا ~~وإنما ذكر بلفظ الجمع لأنه قبلة المساجد كلها وسبب نزول هذه الآية أن جماعة ~~من رؤساء كفار قريش أسروا يوم بدر ومنهم العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعيرونهم بالشرك وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بسبب قتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقطيعة الرحم. فقال العباس: ما ms1576 لكم تذكرون مساوينا وتكتمون ~~محاسننا؟ فقيل له: وهل لكم من محاسن؟ قال: نعم. نحن أفضل منكم نحن نعمر ~~المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فنزلت ~~هذه الآية: ما كان للمشركين أي ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~أوجب الله على المسلمين منعهم من ذلك المساجد إنما تعمر لعبادة الله تعالى ~~وحده فمن كان كافرا بالله فليس له أن يعمر مساجد الله واختلفوا في المراد ~~بالعمارة على قولين أحدهم أن المراد بالعمارة العمارة المعروفة من بناء ~~المساجد وتشييدها ومرمتها عند خرابها فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى ببناء ~~مسجد لم تقبل وصيته والقول الثاني إن المراد بالعمارة دخول المسجد والقعود ~~فيه فيمتنع الكافر من دخول المسجد بغير إذن مسلم حتى لو دخل بغير إذن مسلم ~~عزر وإن دخل بإذن لم يعزر ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو ~~كافر والأولى تعظيم المساجد ومنعهم من دخولها. # وقوله تعالى: شاهدين على أنفسهم بالكفر يعني: لا يدخلون المساجد في حال ~~كونهم شاهدين. # وقيل: تقديره وهم شاهدون فلما حذفت وهم نصب. وقال ابن عباس: شهادتهم على ~~أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام وذلك أن كفار قريش كانوا قد نصبوا أصنامهم ~~خارج البيت الحرام عند القواعد وكانوا يطوفون بالبيت عراة كلما طافوا طوفة ~~سجدوا للأصنام فلم يزدادوا بذلك من الله إلا بعدا. وقال الحسن: إنهم لم ~~يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شهادة عليهم بالكفر. وقال السدي: ~~شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت فيقول نصراني ~~واليهودي يقول يهودي والمشرك يقول مشرك. وقال ابن عباس: في رواية عنه ~~شاهدين على رسولهم بالكفر لأنه من أنفسهم أولئك حبطت أعمالهم يعني الأعمال ~~التي عملوها في حال الكفر من أعمال البر مثل قرى الضيف وسقي الحاج وفك ~~العاني لأنها لم تكن لله فلم يكن لها تأثير مع الكفر وفي النار هم خالدون ~~يعني من مات منهم على ms1577 كفره. # ### || [سورة التوبة (9): آية 18] # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) # قوله عز وجل: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر لما بين ~~الله عز وجل أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين في هذه الآية من هو ~~المستحق لعمارة المساجد وهو من آمن بالله فإن الإيمان بالله شرط # PageV02P341 # فيمن يعمر المسجد لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه فمن لم ~~يكن مؤمنا بالله امتنع أن يعمر موضعا يعبد الله فيه واليوم الآخر يعني وآمن ~~باليوم الآخر وأنه حق كائن لأن عمارة المسجد لأجل عبادة الله وجزاء أجره ~~إنما يكون في الآخرة فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله ولم يعمر له مسجدا. # فإن قلت لم لم يذكر الإيمان برسول الله مع أن الإيمان به شرط في صحة ~~الإيمان. # قلت: إن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في الإيمان بالله ~~فإن من آمن بالله واليوم الآخر فقد آمن برسول الله لأن من جهته عرف الإيمان ~~بالله واليوم الآخر لأنه هو الداعي إلى ذلك وقيل إن المشركين كانوا يقولون ~~أن محمدا إنما ادعى النبوة طلبا للرياسة والملك فأخبر الله عز وجل أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إنما دعا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر لا لطلب ~~الرياسة والملك فلذلك قال سبحانه وتعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وترك ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه ~~تبارك وتعالى قال بعد الإيمان بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~وكان ذلك مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أقام الصلاة وآتى ~~الزكاة فقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن الاعتبار بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المساجد أن الإنسان إذا عمر المسجد أقام ~~الصلاة وآتى الزكاة لأن عمارة المسجد إنما تلزم لإقامة الصلاة فيه ولا ~~يشتغل ms1578 بعمارة المسجد إلا إذا كان مؤديا للزكاة لأن الزكاة واجبة وعمارة ~~المسجد نافلة ولا يشتغل الإنسان بالنافلة إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة ~~عليه. # وقوله تعالى: ولم يخش إلا الله يعني ولم يخف في الدين غير الله ولم يترك ~~أمر الله لخشية الناس فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين وعسى من الله واجب ~~يعني وأولئك هم المهتدون المتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة عن أبي ~~سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المساجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله عز وجل يقول إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر» الآية أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن (ق) عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله ~~له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح النزل ما يهيأ للضيف عند نزوله بالقوم ~~(ق) عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى ~~لله مسجدا يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتا في الجنة. # وفي رواية: بنى الله له في الجنة مثله. وعن أنس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في ~~الجنة. أخرجه الترمذي عن عمرو بن عنبسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: من بنى لله مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة، أخرجه ~~النسائي. ### || [سورة التوبة (9): آية 19] # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) # قوله سبحانه وتعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام الآية (م) ~~عن النعمان بن بشير قال: # كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل ~~عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. قال الآخر: الجهاد في سبيل ~~الله أفضل ms1579 مما قلتم فزجره عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما ~~اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر إلى آخرها. # وقيل: قال العباس حين أسروا يوم بدر لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة ~~والجهاد لقد كنا نعمر المسجد # PageV02P342 # الحرام ونسقي الحاج فأنزل الله هذه الآية وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام ~~وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله وإن الإيمان والجهاد مع نية ~~خير مما هم عليه. وقال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي: # نزلت في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن أبي شيبة ~~افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه. وقال العباس: وأنا صاحب ~~السقاية والقيامة عليها وقال ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة ~~أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله هذه الآية أجعلتم سقاية الحاج ~~والسقاية مصدر كالرعاية والحماية وهي: سقي الحاج وكان العباس ابن عبد ~~المطلب بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم ~~العباس أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وعمارة المسجد الحرام ~~يعني بناؤه وتشييده ومرمته كمن آمن بالله واليوم الآخر فيه حذف تقديره ~~كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله # أي وكجهاد من جاهد في سبيل الله. وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي ~~والعامر تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله يعني: لا يستوي حال ~~هؤلاء الذين آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر ~~المسجد الحرام وهو مقيم على شركه وكفره لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل ~~عملا إلا مع الإيمان به والله لا يهدي القوم الظالمين (خ) عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل ~~اذهب ms1580 إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها فقال اسقني ~~فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه قال اسقني فشرب منه ثم أتى زمزم ~~وهم يستقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح ثم قال لولا أن ~~تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا يعني عاتقه (م) عن بكر بن عبد الله ~~المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال مالي أرى ~~بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل ~~فقال ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل إنما قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى ~~فضله أسامة فقال: أحسنتم أو أجملتم كذا فاصنعوا فلا نريد تغيير ما أمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم النبيذ تمر ينقع في الماء غدوة ويشرب عشاء أو ~~ينقع عشاء ويشرب غدوة وهذا حلال فإن غلى وحمض حرم. قوله عز وجل: # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 20 الى 23] # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله يعني أن من كان موصوفا بهذه الصفات يعني الإيمان والهجرة والجهاد ~~في سبيل الله بالمال والنفس كان أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية ~~وعمارة المسجد الحرام وإنما لم يذكر القسم المرجوح لبيان فضل القسم الراجح ~~على الإطلاق على من سواهم والمراد بالدرجة المنزلة والرفعة عند الله في ~~الآخرة وأولئك يعني من هذه صفتهم هم الفائزون يعني بسعادة الدنيا والآخرة ~~يبشرهم ربهم يعني يخبرهم ربهم والبشارة الخبر السار الذي يفرح ms1581 الإنسان عند ~~سماعه وتستنير بشرة وجهه عند سماعه ذلك الخبر السار ثم ذكر الخبر الذي ~~يبشرهم به فقال تعالى: # برحمة منه ورضوان وهذا أعظم البشارات لأن الرحمة والرضوان من الله عز وجل ~~على العبد نهاية مقصوده وجنات لهم فيها نعيم مقيم يعني أن نعيم الجنة دائم ~~غير منقطع أبدا خالدين فيها يعني في الجنان وفي # PageV02P343 # النعيم أبدا يعني لا انقطاع له إن الله عنده أجر عظيم يعني لمن عمل ~~بطاعته وجاهد في سبيله. # قوله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم ~~أولياء قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة ~~وامتناعهما من الهجرة وقال ابن عباس: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الناس بالهجرة إلى المدينة فمنهم من تعلق به أهله وأولاده يقولون ننشدك ~~الله أن لا تضيعنا فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة فأنزل الله هذه الآية. ~~وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله ~~المؤمنين عن موالاتهم وأنزل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم ~~أولياء يعني بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على ~~الهجرة. قال بعضهم: حمل هذه الآية على ترك الهجرة مشكل لأن هذه السورة نزلت ~~بعد الفتح وهي من آخر القرآن نزولا والأقرب أن يقال إن الله سبحانه وتعالى ~~لما أمر المؤمنين بالتبري من المشركين قالوا كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه ~~وأخاه وابنه فذكر الله أن مقاطعة الرجل أهله وأقاربه في الدين واجبة ~~فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه وأخاه وابنه وهو قوله تعالى: إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان يعني إن اختاروا الكفر وأقاموا عليه وتركوا ~~الإيمان بالله ورسوله ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون يعني ومن يختار ~~المقام معهم على الهجرة والجهاد فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله واختيار ~~الكفار على المؤمنين ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا: لم يهاجروا إن ~~نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا فأنزل ~~الله سبحانه وتعالى: ms1582 # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 24 الى 25] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) # قل أي قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وقرئ على الجمع وعشيراتكم العشيرة هم الأدنون ~~من أهل الإنسان الذين يعاشرونه دون غيرهم وأموال اقترفتموها يعني ~~اكتسبتموها وتجارة تخشون كسادها يعني بفراقكم لها ومساكن ترضونها يعني ~~تستوطنوها راضين بسكناها أحب إليكم من الله ورسوله يعني أحب إليكم من ~~الهجرة إلى الله ورسوله وجهاد في سبيله فبين الله سبحانه وتعالى أنه يجب ~~تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليما وأخبر أنه كانت رعاية هذه ~~المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في ~~سبيل الله فتربصوا أي فانتظروا حتى يأتي الله بأمره يعني بقضائه وهذا أمر ~~تهديد وتخويف وقال مجاهد ومقاتل يعني بفتح مكة والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين يعني الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين ~~مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح ~~الدنيا. # قوله عز وجل: لقد نصركم الله النصر المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين ~~عليهم في مواطن كثيرة يعني أماكن كثيرة والمراد بها غزوات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ما ذكره في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في ~~حديثه قاتل في ثمان منهم ويقال إن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون وقيل: ~~ثمانون وهو قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم # PageV02P344 # حنين يعني: ونصركم الله في يوم حنين أيضا فأعلم الله سبحانه وتعالى أنه ~~هو ms1583 الذي يتولى نصر المؤمنين في كل موقف وموطن ومن يتولى الله نصره فلا غالب ~~له وحنين اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا. وقال عروة: ~~هو إلى جنب ذي المجاز وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان فخرج إلى حنين ~~لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ~~وألفان من الطلقاء وقال عطاء: كانوا ستة عشر ألفا. وقال الكلبي: كانوا عشرة ~~آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن ~~وثقيف وكان على هوازن مالك بن عوف النصري وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل ~~فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن رقيش لن ~~نغلب اليوم من قلة فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ووكلوا إلى ~~كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله قوله ووكلهم إلى أنفسهم. وذكر ابن ~~الجوزي عن سعيد بن المسيب، أن القائل لذلك أبو بكر الصديق. وحكى ابن جرير ~~الطبري: أن القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناد هذه الكلمة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بعد لأنه صلى الله عليه وسلم كان في ~~جميع أحواله متوكلا على الله عز وجل لا يلتفت إلى كثرة عدد ولا إلى غيره بل ~~نظره إلى ما يأتي من عند الله عز وجل من النصر والمعونة قالوا: فلما التقى ~~الجمعان اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ثم تنادوا: # يا حماة السواد اذكروا الفضائح. فتراجعوا وانكشف المسلمون. وقال قتادة: ~~ذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا (ق) عن ~~أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا ~~عمارة فقال أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ولكنه انطلق أخفاء ~~من النسا وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم ms1584 قوم رماة فرموهم برقش من نبل ~~كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي ~~لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نصرك. زاد أبو خيثمة ثم وصفهم. قال ~~البراء: # كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي إسحاق قال: قال رجل للبراء بن عازب يا ~~أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤه حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح ~~فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبنى نصر فرشقوهم رشقا ما ~~يكادون يخطئون فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ~~يقود به فنزل ودعا واستنصر وقال: # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم صفهم وروى شعبة عن أبي إسحاق ~~قال: قال البراء إن هوازن كانوا قوما رماة ولما لقيناهم حملنا عليهم ~~فانهزموا فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فأما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم يفر. # قوله: ولكنه انطلق إخفاء من الناس. الإخفاء: جمع خفيف وهم المسرعون من ~~الناس الذين ليس لهم ما يعوقهم. والحسر: جمع حاسر وهو الذي لا درع عليه ~~يقال إذا رمى القوم بأسرهم إلى جهة واحدة: رمينا رشقا، والرجل من الجراد ~~القطعة الكبيرة منه. وقوله: كنا إذا احمر البأس يعني إذا اشتد الحرب والبأس ~~بالموحدة من تحت الشدة والخوف. وقال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس وقال غيره لم يبق مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه أبو ~~سفيان بن الحارث وأيمن بن أم أيمن قتل يوم حنين ms1585 بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه أمهما بركاة مولاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحاضنته (م) عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن # PageV02P345 # الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على بلغة له بيضاء أهداها له فروة بن فاثة الجذامي ~~فلما التقى المسلمون والكفار ولي المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس ناد أصحاب ~~السمرة فقال العباس، وكان رجلا صيتا: فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة. ~~قال: فو الله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا ~~لبيك لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر ~~الأنصار يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج. ~~فقالوا: يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذا حين حمي الوطيس قال ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت ~~أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: # فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم ~~مدبرا. # قوله حمي الوطيس، أي اشتد الحرب. قال الخطابي: هذه الكلمة لم تسمع قبل أن ~~يقولها النبي صلى الله عليه وسلم من العرب وهي ما اقتضبه وأنشأه. والوطيس ~~في اللغة: التنور. وقوله: حدهم كليلا يعني لا يقطع شيئا (م) عن سلمة ms1586 بن ~~الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا قال: فلما غشوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بلغته ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم ~~استقبل به وجوههم. وقال: شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ ~~عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله بذلك وقسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين أخرجه مسلم بزيادة فيه قال سعيد بن ~~جبير: أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. ~~وروى أن رجلا من بني نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل ~~البالق والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان ~~قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تلك ~~الملائكة. وروي أن رجلا من المشركين قال يوم حنين لما التقينا وأصحاب محمد ~~لم يقفوا لنا حلب شاة أن كشفناهم فبينا نحن نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب ~~البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فتلقانا عنده ~~رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا. قال: فانهزمنا وركبوا ~~أكتافنا فكانت إياها. # واختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم حنين على قولين والصحيح أنها لم تقاتل ~~إلا يوم بدر وإنما كانت الملائكة يوم حنين مددا وعونا. وذكر البغوي أن ~~الزهري قال: بلغني أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد قتلا ~~يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري وقال ~~أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائضي فنظرت إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري ~~فقلت أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلعك الله على ما في نفسي ~~فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين انطلقوا إلى أوطاس وبها عيالهم ~~وأموالهم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من ms1587 الأشعريين يقال له أبو ~~عامر وأمره على الجيش فسار إلى أوطاس فاقتتلوا بها وقتل دريد بن الصمة وهزم ~~الله المشركين وسبى المسلمون عيال المشركين وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري ~~فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله وأهله فيمن أخذ وقتل أبو عامر أمير ~~المسلمين. قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف ~~صبي ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر ~~فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم وأتى الجعرانة فأحرم منها ~~بعمرة وقسم بها غنائم حنين وأوطاس وتألف أناسا منهم أبو سفيان بن حرب ~~والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم (ق). عن أنس بن ~~مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال ~~هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش ~~المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P346 # يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث بذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم ~~يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~حديث بلغني عنكم فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم ~~يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي ~~قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن تذهب الناس ~~بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم فو الله ما ~~تنقلبون به خير مما ينقلبون به. قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. قال: ~~فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض ~~قالوا سنصبر زاد في رواية قال أنس فلم نصبر (ق) عن عبد الله بن زيد بن ms1588 عاصم ~~قال لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في ~~المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب ~~الناس فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم ~~متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي كلما قال شيئا قالوا الله ~~ورسوله أمن قال: فما منعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا قالوا الله ~~ورسوله آمن قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن تذهب الناس بالشاة ~~والبعير وتذهبوا بالنبي إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو ~~سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم الأنصار شعار والناس ~~دثار (م) عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان مائة ~~من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع # فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة (خ) عن المسور ومروان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد ~~عليهم مالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن معي من ترون ~~وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما المال وإما السبي وقد ~~كنت استأنيت بكم. # وفي رواية: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة ~~حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد ~~عليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا إنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن ~~إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين وإني قد ms1589 رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم ~~أن يطيب ذلك لهم فليفعل فقال الناس قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقال ~~لهم في ذلك: إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا ~~عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمتهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا فهذا الذي بلغنا من سبي هوازن ~~وأنزل الله عز وجل في قصة حنين لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم يعني حين قلتم لن نغلب اليوم من قلة فلم تغن عنكم يعني ~~كثرتكم شيئا يعني أن الظفر بالعدو ليس بكثرة العدد ولكن إنما يكون بنصر ~~الله ومعونته وضاقت عليكم الأرض بما رحبت يعني بسعتها وفضائها ثم وليتم ~~مدبرين يعني منهزمين. # PageV02P347 ### || [سورة التوبة (9): الآيات 26 الى 28] # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~والله غفور رحيم (27) يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء إن الله عليم حكيم (28) # ثم أنزل الله سكينته يعني بعد الهزيمة والسكينة والطمأنينة والأمنة، وهي ~~فعلية من السكون وذلك أن الإنسان إذا خاف رجف فؤاده فلا يزال متحركا وإذا ~~أمن سكن فؤاده وثبت فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن ~~الأمن. # وقوله تعالى: على رسوله وعلى المؤمنين إنما كان إنزال السكينة على ~~المؤمنين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساكن القلب ليس عنده اضطراب كما ~~حصل للمؤمنين من الهزيمة واضطراب في هذه الواقعة ثم من الله عليهم بإنزال ~~السكينة عليهم حتى رجعوا إلى قتال عدوهم بعد الهزيمة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثابت لم يفر وأنزل جنودا لم تروها يعني الملائكة تثبيت المؤمنين ~~وتشجيعهم وتخذيل المشركين وتجبينهم لا للقتال لأن الملائكة لم تقاتل إلا ms1590 ~~يوم بدر وعذب الذين كفروا يعني بالأسر والقتل وسبي العيال والأموال وذلك ~~جزاء الكافرين يعني في الدنيا ثم إذا أفضوا إلى الآخرة كان لهم عذاب أشد من ~~ذلك العذاب وأعظم ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء يعني فيهديه إلى ~~الإسلام كما فعل بمن بقي من هوازن حيث أسلموا وقدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تائبين فمن عليهم وأطلق سبيهم والله غفور إن تاب رحيم ~~بعباده. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس قيل: أراد بالمشركين ~~عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار. وقيل: بل أراد جميع أصناف الكفار ~~عبدة الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى. والنجس: # الشيء القذر من الناس وغيرهم. وقيل: النجس الشيء الخبيث وأراد بهذه ~~النجاسة نجاسة الحكم لا نجاسة العين. سموا نجسا على الذم لأن الفقهاء ~~اتفقوا على طهارة أبدانهم. وقيل: هم أنجاس العين كالكلب والخنزير. # حتى قال الحسن بن صالح: من مس مشركا فليتوضأ. ويروى هذا عن الزيدية من ~~الشيعة والقول الأول أصح وقال قتادة سماهم: نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ~~ويحدثون فلا يتوضؤون فلا يقربوا المسجد الحرام المراد: منعهم من دخول الحرم ~~لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ويؤكد هذا قوله تعالى ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام أراد به الحرم لأنه أسرى به ~~صلى الله عليه وسلم من بيت أم هانئ. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق ~~الكفار ثلاثة أقسام أحدها: الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو ~~مستأمنا لظاهر هذه الآية وبه قال الشافعي وأحمد ومالك فلو جاء رسول من دار ~~الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه بنفسه أو ~~يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهدة ~~حول الحرم القسم الثاني من بلاد الإسلام الحجاز وحده ما بين اليمامة واليمن ~~ونجد والمدينة الشريفة قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي. وقيل: كلها حجازي. ~~وقال ابن الكلبي: حد الحجاز ms1591 ما بين جبل طيء وطريق العراق سمي حجازا لأنه ~~حجز بين تهامة، ونجد. وقيل: لأنه حجز بين نجد والسراة. وقيل: لأنه حجز بين ~~نجد وتهامة والشام. قال الحربي: وتبوك من الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض ~~الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام ~~(م) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأخرجن اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما زاد في رواية لغير مسلم ~~وأوصى فقال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم ~~عمر في خلافته وأجل لمن يقدم تاجرا ثلاثا. عن ابن شهاب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب أخرجه مالك في الموطأ ~~مرسلا (م) عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان ~~قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن # PageV02P348 # في التحريش بينهم. قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي ~~إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر وقال غيره حد جزيرة العرب من ~~أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر ~~إلى أطراف الشام عرضا والقسم الثالث سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن ~~يقيم فيها بعهد وأمان وذمة ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. # وقوله تعالى: بعد عامهم هذا يعني العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق ~~بالناس وفيه نادى على براءة وأن لا يحج بعد العام مشرك وهو سنة تسع من ~~الهجرة وإن خفتم عيلة يعني فقرا وفاقة وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من ~~التجارات وكان المشركون يجلبون إلى مكة الطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول ~~الحرم خاف أهل مكة من الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله عز وجل وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله قال ~~عكرمة: فأغناهم الله بأن أنزل المطر مدرارا وكثر ms1592 خيرهم وقال مقاتل: أسلم ~~أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ~~ما كانوا يخافون وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها ~~إن شاء قيل: إنما شرط المشيئة في الغنى المطلوب ليكون الإنسان دائم التضرع ~~والابتهال إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات وأن يقطع العبد أمله ~~من كل أحد إلا من الله عز وجل فإنه هو القادر على كل شيء وقيل إن المقصود ~~من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله تبارك وتعالى لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين إن الله عليم يعني بما يصلحكم حكيم يعني ~~أنه تعالى لا يفعل شيئا إلا عن حكمة وصواب فمن حكمة أن منع المشركين من ~~دخول الحرم وأوجب الجزية والذل والصغار على أهل الكتاب فقال تعالى: # ### || [سورة التوبة (9): آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر قال مجاهد: نزلت الآية ~~حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، ~~وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية ~~أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين وهذا خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين والمعنى قاتلوا أيها المؤمنون ~~القوم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. # فإن قلت اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف ~~أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟ # قلت: إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم ~~والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله. وقيل: ~~من اعتقد أن عزيزا ابن الله وأن المسيح ابن الله فليس بمؤمن بالله بل هو ~~مشرك بالله. وقيل: من كذب رسولا من رسل الله فليس بمؤمن بالله واليهود ~~والنصارى يكذبون ms1593 أكثر الأنبياء فليسوا بمؤمنين بالله. وأما إيمانهم باليوم ~~الآخر، فليس كإيمان المؤمنين، وذلك أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد ~~ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون ومن اعتقد ذلك ~~فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن. # وقوله تعالى: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله يعني: ولا يحرمون الخمر ~~والخنزير. وقيل: معناه أنهم لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم ~~رسوله في السنة. وقيل: معناه لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما ~~وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم ولا يدينون دين الحق يعني: ولا يعتقدون صحة ~~الإسلام الذي هو # PageV02P349 # دين الحق. وقيل: الحق هو الله تعالى ومعناه: ولا يدينون دين الله ودينه ~~الإسلام وهو قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقيل معناه ولا يدينون ~~دين أهل الحق وهم المسلمون ولا يطيعون الله كطاعتهم من الذين أوتوا الكتاب ~~يعني أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى حتى يعطوا الجزية وهي ما يعطى ~~المعاهد من أهل الكتاب على عهده وهي الخراج المضروب على رقابهم سميت جزية ~~للاجتزاء بها في حقن دمائهم عن يد يعني عن قهر وغلبة يقال لكل من أعطى شيئا ~~كرها من غير طيب نفس أعطى عن يد وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون ~~بها على يد غيرهم وقيل: يعطونها نقدا لا نسيئة. وقيل: يعطونها مع إقرارهم ~~بإنعام المسلمين عليهم بقبولها منهم وهم صاغرون من الصغار وهو الذل ~~والإهانة يعني يعطون الجزية وهم أذلاء مقهورون وقال عكرمة: يعطون الجزية ~~وهم قائمون والقابض جالس. وقال ابن عباس: تؤخذ الجزية من أحدهم وتوطأ عنقه ~~وقال الكلبي: إذا أعطى يصفع قفاه وقال هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه ~~ويقال له أد حق الله يا عدو الله وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ~~الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم. # ((فصل في بيان أحكام الآية)) اجتمعت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل ~~الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربا واختلفوا في أهل الكتاب ~~العرب ms1594 وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب الشافعي إلى أن الجزية على ~~الأديان لا على الأنساب فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ولا تؤخذ ~~من عبدة الأوثان بحال واحتج بما روي عن أنس: # أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيد ردومة فأخذوه ~~فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية أخرجه أبو داود وقال الشافعي: وهو رجل ~~من العرب يقال إنه من غسان وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب وذهب مالك ~~والأوزاعي إلى أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد. وقال أبو حنيفة: ~~تؤخذ من أهل الكتاب على العموم وتؤخذ من مشركي العجم ولا تؤخذ من مشركي ~~العرب وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي كتابيا كان أو مشركا وتؤخذ من ~~العجمي كتابيا كان أو مشركا وأما المجوس فاتفقت الصحابة على جواز الأخذ ~~منهم ويدل عليه ما روي عن بجالة بن عبيدة ويقال عبدة: لم يكن عمر أخذ ~~الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذها من مجوس هجر. أخرجه البخاري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن ~~الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف ~~أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن ~~عثمان بن عفان أخذها من البربر أخرجه مالك في الموطأ وفي امتناع عمر من أخذ ~~الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ~~منهم دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك وإنما تؤخذ ~~من أهل الكتاب واختلفوا في أن المجوس هل هم من أهل الكتاب. فروي عن علي بن ~~أبي طالب أنه ms1595 قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع ~~من بين أظهرهم واتفقوا على تحريم ذبائحهم ومناكحتهم بخلاف أهل الكتاب وأما ~~من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين فينظر فإن كانوا قد ~~دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل فإنهم يقرون بالجزية وتحل مناكحتهم وذبائحهم ~~وإن كانوا دخلوا فيه بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعتهم ~~بشريعته فإنهم لا يقرون بالجزية ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم ومن شككنا في ~~أمرهم هل دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم ولا ~~تحل ذبائحهم ومناكحتهم تغليبا للتحريم ومنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء ~~وبني تغلب أقرهم عمر على الجزية. وقال: لا تحل لنا ذبائحهم وأما الصابئة ~~والسامرة فسبيلهم سبيل أهل الكتاب فهم في أهل الكتاب كأهل البدع في ~~المسلمين وأما قدر الجزية فأقلها دينار ولا يجوز أن ينقص عنه ويقبل # PageV02P350 # الدينار من الغني والفقير والمتوسط ويدل عليه ما روي عن معاذ بن جبل: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ~~أي محتلم دينارا أو عدله من المغافرية ثياب تكون باليمن» أخرجه أبو داود ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل محتلم وهو البالغ دينارا ولم ~~يفرق بين الغني والفقير والمتوسط وفيه دليل على أنه لا تؤخذ الجزية من ~~الصبيان والنساء وإنما تؤخذ من الأحرار البالغين وذهب قوم إلى أن على كل ~~موسر أربعة دنانير وعى كل متوسط دينارين وعلى كل فقير دينارا وهو قول أصحاب ~~الرأي ويدل عليه ما روي عن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب ~~أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ~~ثلاثة أيام أخرجه مالك في الموطأ. قال أصحاب الشافعي: أقل الجزية دينار لا ~~يزاد على الدينار إلا بالتراضي فإذا رضي أهل الذمة بالزيادة ضربنا على ~~المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير قال العلماء: إنما أقر أهل الكتاب ~~على ms1596 دينهم الباطل بخلاف أهل الشرك حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين من ~~شريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل وأيضا فإن بأيديهم كتبا قديمة ~~فربما تفكروا فيها فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته فأمهلوا ~~لهذا المعنى وليس المقصود من أخذ الجزية من أهل الكتاب إقرارهم على كفرهم ~~بل المقصود من ذلك حقن دمائهم وإمهالهم رجاء أن يعرفوا # الحق فيرجعوا إليه بأن يؤمنوا ويصدقوا إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة ~~دلائله وكثرة الداخلين فيه. # ### || [سورة التوبة (9): آية 30] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) # قوله عز وجل: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~الآية لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أن اليهود والنصارى لا ~~يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق بينه في هذه الآية فأخبر عنهم أنهم ~~أثبتوا لله ولدا ومن جوز ذلك على الله فقد أشرك به لأنه لا فرق بين من يعبد ~~صنما وبين من يعبد المسيح فقد بان بهذا أنهم لا يؤمنون بالله ولا يدينون ~~دين الحق وقد تقدم سبب أخذ الجزية منهم وإبقائهم على هذا الشرك وهو حرمة ~~الكتب القديمة التي بأيديهم ولعلهم يتفكرون فيها ويعرفون الحق فيرجعون ~~إليه. روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ~~ومالك بن الصيف فقالوا كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ~~ابن الله فأنزل الله هذه الآية. # وقال عبيد بن عمير إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص ~~بن عازوراء وهو الذي قال إن الله فقير ونحن أغنياء فعلى هذين القولين ~~القائل لهذه المقالة جماعة من اليهود أو واحد وإنما نسب ذلك إلى اليهود في ~~وقالت اليهود جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد تقول ~~العرب فلان ms1597 يركب الخيل وإنما يركب فرسا واحدا منها. وتقول العرب: فلان ~~مجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا واحدا منهم وروى عطية العوفي عن ابن عباس ~~أنه قال: إنما قالت اليهود ذلك من أجل أن عزير كان فيهم وكانت التوراة ~~عندهم والتابوت فيهم فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله سبحانه ~~وتعالى عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا الله عزير ~~وابتهل إليه أن يرد إليه التوراة فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله عز وجل ~~نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه فأذن في قومه وقال يا قوم قد أتاني ~~الله التوراة وردها إلي فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ثم إن ~~التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزير ~~على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله. ~~وقال الكلبي: إن بختنصر لما غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وقتل من ~~قرأ التوراة كان عزير إذ ذاك صغيرا فلم يقتله لصغيره فلما رجع بنو إسرائيل ~~إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم عزيرا ليجدد لهم ~~التوراة ويكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة سنة # PageV02P351 # قال فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما ~~أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ~~فكتبها لهم من صدره ثم إن رجلا منهم قال إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة ~~جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم ~~عزير فلم يجدوه غادر حرفا فقالوا إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا ~~أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله فعلى هذين القولين أن هذا ~~القول كان فاشيا في اليهود جميعا ثم إنه انقطع واندرس فأخبر الله تعالى به ~~عنهم وأظهره عليهم ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن خبر الله عز وجل أصدق ~~وأثبت من ms1598 إنكارهم وأما قول النصارى المسيح ابن الله فكان السبب فيه أنهم ~~كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنة يصلون إلى ~~القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل ~~شجاع يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم قال بولص لليهود ~~إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا فنحن مغبونون إن دخلنا النار ~~ودخلوا الجنة فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس ~~كان يقاتل عليه فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه ثم أتى ~~إلى النصارى فقالوا له من أنت قال: أنا عدوكم بولص فقد نوديت من السماء أنه ~~ليس لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه السكينة ونصروه وأدخلوه ~~بيتا منها لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال قد نوديت أن الله ~~قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال اسم ~~الواحد منهم نسطور والآخر يعقوب والآخر ملكان فعلم نسطور أن عيسى ومريم ~~والإله ثلاثة وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن الله وعلم ملكان أن ~~عيسى هو الله لم يزل ولا يزال فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد منهم في ~~الخلوة وقال له: أنت خالصتي وادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية ~~من البلاد ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وقال لكل واحد ~~منهم: إني سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرق ~~أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية ~~أخرى وأظهر كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من ~~الناس فتفرقوا واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله # . وقال الإمام فخر الدين الرازي، بعد أن حكى هذه الحكاية: والأقرب عندي ~~أن يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ms1599 ورد لفظ ~~الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة ~~الحقيقية والجهال قبلوا ذلك منهم وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى ~~عليه السلام والله أعلم بحقيقة الحال ذلك قولهم بأفواههم يعني أنهم يقولون ~~ذلك القول بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه قال أهل المعاني: لم يذكر الله ~~قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك القول زورا وكذبا لا حقيقة له ~~يضاهؤن قال ابن عباس: يشابهون والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد: يواطئون ~~وقال الحسن: يوافقون قول الذين كفروا من قبل قال قتادة والسدي: معناه ضاهت ~~النصارى قول اليهود من قبلهم فقالوا: المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ~~ابن الله. وقال مجاهد: معناه يضاهئون قول المشركين من قبل لأن المشركين ~~كانوا يقولون: الملائكة بنات الله وقال الحسن: شبه الله كفر اليهود ~~والنصارى بكفر الذين مضوا من الأمم الخالية الكافرة. وقال القتيبي: # يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ~~يقولون ما قال أولوهم قاتلهم الله قال ابن عباس: # لعنهم الله وقال ابن جريج: قتلهم الله وقيل ليس هو على تحقيق المقاتلة ~~ولكنه بمعنى التعجب أي حق أن يقال لهم هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما ~~يقال لمن فعل فعلا يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله أنى يؤفكون يعني أنى ~~يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد فجعلوا له ~~ولدا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأن الله ~~سبحانه وتعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا # PageV02P352 # الخطاب على عادة العرب في مخاطبتهم فالله سبحانه وتعالى عجب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل. # ### || [سورة التوبة (9): آية 31] # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) # قوله سبحانه وتعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله يعني ~~اتخذ اليهود والنصارى علماءهم وقراءهم ms1600 والأحبار العلماء من اليهود والرهبان ~~أصحاب الصوامع من النصارى أربابا من دون الله يعني أنهم أطاعوهم في معصية ~~الله تعالى وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم ~~فأطاعوهم فيها فاتخذوهم كالأرباب لأنهم عبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية. عن ~~عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ~~فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ~~ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» ~~أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. قال عبد الله بن المبارك: # وهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها # والمسيح ابن مريم يعني اتخذوه إلها وذلك لما اعتقدوا فيه النبوة والحلول ~~اعتقدوا فيه الإلهية وما أمروا يعني وما أمروا في الكتب القديمة المنزلة ~~عليهم على ألسنة أنبيائهم إلا ليعبدوا إلها واحدا لأنه سبحانه وتعالى هو ~~المستحق للعبادة لا غيره لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون أي تعالى الله ~~وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية ~~يستحق التعظيم والإجلال. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 32 الى 33] # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون (33) # يريدون يعني يريد رؤساء اليهود والنصارى أن يطفؤا نور الله بأفواههم يعني ~~يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بتكذيبهم ~~إياه. وقيل المراد: من النور الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه ~~وسلم وهي أمور أحدها المعجزات الباهرات الخارقة للعادة التي ظهرت على يد ~~النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه وثانيها القرآن العظيم الذي نزل ~~عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على الأبد دالة على صدقه وثالثها أن ~~دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس ms1601 فيه شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه ~~والانقياد لأمره ونهيه واتباع طاعته والأمر بعبادته والتبرئ من كل معبود ~~سواه فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن ~~أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله ثم إن الله سبحانه ~~وتعالى وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بمزيد النصر وإعلاء الكلمة ~~وإظهار الدين بقوله: ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون يعني ~~ويأبى الله إلا أن يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ولو كره ذلك الكافرون. # قوله عز وجل: هو الذي أرسل رسوله يعني أن الله الذي يأبى إلا أن يتم نوره ~~هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى يعني بالقرآن ~~الذي أنزله عليه وجعله هاديا إليه ودين الحق يعني دين الإسلام ليظهره يعني ~~ليعليه على الدين كله يعني على سائر الأديان وقال ابن عباس: الهاء في ~~ليظهره عائدة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين ~~كلها ويظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها وقال غيره من المفسرين الهاء ~~راجعة إلى الدين الحق والمعنى ليظهر دين الإسلام على الأديان كلها وهو ألا ~~يعبد الله إلا به وقال # PageV02P353 # أبو هريرة والضحاك ذلك عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى أهل دين إلا ~~دخلوا في الإسلام ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة في حديث ~~نزول عيسى عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ويهلك في زمانه ~~الملل كلها إلا الإسلام. عن المقداد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام ~~إما بعز عزيز أو بذل ذليل إما أن يعزهم فيجعلهم من أهله فيعزوا به وإما أن ~~يذلهم فيدينون له» أخرجه البغوي بغير سند (م) عن عائشة قالت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms1602 يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ~~فقلت يا رسول الله إني كنت أظن حين أنزل الله تعالى هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله إن ذلك تام قال إنه سيكون ذلك ما ~~شاء الله ثم يبعث ريحا طيبة تتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ~~إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» قال الشافعي: وقد أظهر ~~الله دين رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه ~~أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل وقال وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ~~ودين الأميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا ~~بالإسلام طوعا وكرها وقتل أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى ~~بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه فهذا هو ظهوره على الدين كله ولو كره ~~المشركون قوله تعالى: ### || [سورة التوبة (9): آية 34] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان قد تقدم معنى الأحبار ~~والرهبان وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى وفي قوله سبحانه ~~وتعالى: إن كثيرا دليل على أن الأقل من الأحبار والرهبان لم يأكلوا أموال ~~الناس بالباطل ولعلهم الذين كانوا قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم وعبر ~~عن أخذ الأموال بالأكل في قوله تعالى: # ليأكلون أموال الناس بالباطل لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل فسمى ~~الشيء باسم ما هو أعظم مقاصد واختلفوا في السبب الذي من أجله أكلوا أموال ~~الناس بالباطل فقيل إنهم كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم في تخفيف الشرائع ~~والمسامحة في الأحكام وقيل إنهم كانوا يكتبون بأيديهم كتبا يحرفونها ~~ويبدلونها ويقولون هذه من عند الله ويأخذون بها ثمنا قليلا وهي المآكل التي ~~كانوا يصيبونها من سفلتهم على تغيير نعت النبي صلى الله ms1603 عليه وسلم وصفته في ~~كتبه لأنهم كانوا يخافون لو آمنوا به وصدقوه لذهبت عنهم تلك المآكل وقيل إن ~~التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على نعت النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~الأحبار والرهبان يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة باطلة ويحرفون معانيها ~~طلبا للرياسة وأخذ الأموال ومنع الناس عن الإيمان به وذلك قوله تعالى: ~~ويصدون عن سبيل الله يعني ويمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والدخول في دين الإسلام والذين يكنزون الذهب والفضة أصل الكنز في ~~اللغة جعل المال بعضه على بعض وحفظه ومال مكنوز مجموع واختلفوا في المراد ~~بهؤلاء الذين ذمهم الله بسبب كنز الذهب والفضة فقيل هم أهل الكتاب. قال ~~معاوية بن أبي سفيان: لأن الله سبحانه وتعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ ~~أموال الناس بالباطل ثم وصفهم بالبخل الشديد وهو جمع المال ومنع إخراج ~~الحقوق الواجبة منه. وقال ابن عباس: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين وذلك ~~أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان في الحرص على ~~أخذ الأموال بالباطل حذر المسلمين من ذلك وذكر وعيد من جمع المال ومنع حقوق ~~الله منه. وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين. ووجه هذا القول ~~أن الله سبحانه وتعالى وصف أهل الكتاب بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ~~ثم ذكر بعده وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء كان من أهل ~~الكتاب أو من المسلمين (خ) # PageV02P354 # عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت: ما أنزلك هذا ~~المنزل؟ قال: كنت في الشأم فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فقال معاوية: # نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك كلام ~~فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر علي ~~الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال إن شئت تنحيت فكنت ~~قريبا فذاك الذي أنزلني هذا ms1604 المنزل ولو أمر على عبد حبشي لسمعت وأطعت ~~واختلف العلماء في معنى الكنز فقيل هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد ~~زكاته وروي عن ابن عمر: أنه قال له أعرابي أخبرني عن قول الله عز وجل: ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~قال ابن عمر من كنزها فلم يؤد زكاتها ويل له هذا كان قبل أن تنزل الزكاة ~~فلما نزلت جعلها الله طهرا للأموال. أخرجه البخاري. وفي رواية مالك عن عبد ~~الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال: # هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة ورواه الطبري بسنده عن ابن عمر قال: كل ~~مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا وكل مال لم تؤد زكاته فهو الكنز ~~الذي ذكره الله في القرآن يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفونا. # وروي عن علي بن أبي طالب قال: أربعة آلاف فما فوقها كنز وما دونها نفقة. ~~وقيل: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. وروى الطبري بسنده عن ~~أبي أمامة قال: توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم كيتان كان هذا في أول الإسلام قبل أن تفرض الزكاة فكان يجب على ~~كل من فضل معه شيء من المال إخراجه لاحتياج غيره إليه فلما فرضت الزكاة نسخ ~~ذلك الحكم. # عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية: والذين يكنزون الذهب والفضة، كبر ~~على المسلمين فقال عمر: # أنا أفرج عنكم. فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. ~~فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم وإنما فرض ~~المواريث لتكون لمن بعدكم. قال: فكبر عمر ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما ~~يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب ms1605 ~~عنها حفظته» أخرجه أبو داود عن ثوبان قال «لما نزلت والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بعض أسفاره فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة فلو علمنا أي المال خيرا ~~اتخذناه؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة ~~صالحة تعين المؤمن على إيمانه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن والصحيح من هذه ~~الأقوال القول الأول وهو ما ذكرنا عن ابن عمر أن كل مال أديت زكاته فليس ~~بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر وإن كان كل مال لم تؤد زكاته ~~فصاحبه معاقب عليه وإن قل إذا كان مما تجب فيه الزكاة ويستحق على منع ~~الزكاة الوعيد من الله إلا أن يتفضل الله عز وجل عليه بعفوه وغفرانه ويدل ~~على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ~~صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح ~~من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره كلما ردت ~~أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقتضي بين العباد فيرى سبيله ~~إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالإبل قال: ولا صاحب إبل ~~لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها إلا إذا كان يوم القيامة بطح ~~له بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه ~~بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا ~~رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا ~~كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا ~~جلحاء ولا غضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما ms1606 مر عليه أولاها رد عليه ~~أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله ~~إما إلى الجنة # PageV02P355 # وإما إلى النار» أخرجه مسلم بزيادة فيه قوله كلما ردت أعيدت له هكذا هو ~~في بعض نسخ صحيح مسلم ردت بضم الراء وفي بعضها بردت بالباء وهذا هو الصواب ~~والرواية الأولى هي رواية الجمهور قوله حلبها هو بفتح اللام على المشهور ~~وحكى إسكانها وهو ضعيف قوله بقاع قرقر هو المستوي من الأرض الواسع الأملس ~~والعقصاء هي الشابة الملتوية القرنين وإنما استثناها لأنها لا تؤلم بنطحها ~~وكذا الجلحاء وهي الشاة التي لا قن لها وكذا العضباء وهي الشاة المكسورة ~~القرن (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أتاه ~~الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم ~~القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ~~قوله سبحانه وتعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم الآية الشجاع الحية والأقرع صفة له بطول العمر لأن من طال عمره تمزق ~~شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات والزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين ~~واللهزمتان عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين. # وقوله تعالى: ولا ينفقونها في سبيل الله يعني ولا يؤدون زكاتها وإنما قال ~~ولا ينفقونها ولم يقل ينفقونهما لأنه رد الكناية إلى المال المكنوز وهي ~~أعيان الذهب والفضة وقيل رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب أموال الناس ~~فبشرهم بعذاب أليم يعني الكافرين الذين لا يؤدون زكاة أموالهم (ق) عن أبي ~~ذر قال: «انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما ~~رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة قال فجئت حتى جلست فلم أتقار حتى قمت ~~فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من ~~قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يده ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ~~ما من صاحب ms1607 إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ~~ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه ~~أولاها حتى يقضي بين الناس» هذا لفظ مسلم وفرقه البخاري في موضعين. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 35 الى 36] # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ~~أن الله مع المتقين (36) # وقوله تعالى: يوم يحمى عليها يعني الكنوز فتدخل النار فيوقد عليها حتى ~~تبيض من شدة الحرارة في نار جهنم فتكوى بها جباههم يعني الكنوز جباه ~~كانزيها وجنوبهم وظهورهم قال ابن عباس: لا يوضع دينار على دينار ولا درهم ~~على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته. قال ~~بعض العلماء: إنما خص هذه الأعضاء، بالكي من بين سائر الأعضاء لأن الغني ~~صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئا تبدو منه آثار الكراهة والمنع ~~فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه ثم إن كرر ~~السائل الطلب نأى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبا ثم إن كرر الطلب ~~وألح في السؤال ولاه ظهره وأعرض عنه واستقبل جهة أخرى وهي النهاية في الرد ~~والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل وهذا دأب ما نعى البر ~~والإحسان. وعادة البخلاء فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة. # وقوله سبحانه وتعالى: هذا ما كنزتم لأنفسكم أي يقال لهم ذلك يوم القيامة ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون أي فذوقوا عذاب ما كنزتم في الدنيا من الأموال ~~ومنعتم حق الله منها (ق) عن الأحنف بن قيس قال: قدمت # PageV02P356 # المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب خشن ~~الجسد خشن الوجه فقام عليهم فقال بشر ms1608 الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ~~فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى ~~يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل قال فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع ~~إليه شيئا قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما رأيت هؤلاء إلا ~~كرهوا ما قلت لهم فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئا هذا لفظ مسلم وفيه زيادة ~~لم أذكرها. وزاد البخاري قلت: «1» من هذا؟ قالوا: أبا ذر. قال: فقمت إليه ~~فقلت ما شيء سمعتك تقول قبيل فقال ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله عز وجل إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا هي: المحرم، وصفر، ~~وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ~~ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وهذه شهور السنة القمرية التي هي ~~مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في ~~صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ~~ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك ~~دورة تامة وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن ~~السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الحج ~~والصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف. قال المفسرون: وسبب نزول هذه الآية ~~من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية فكان يقع حجهم تارة في ~~وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر وتارة في غيره من الشهور فأعلم الله عز ~~وجل أن عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا عشر شهرا على منازل ~~القمر وسيره فيها وهو قوله تبارك وتعالى إن عدة الشهور عند الله يعني في ~~علمه وحكمه اثنا عشر شهرا في كتاب الله يعني في اللوح المحفوظ الذي كتب ~~الله فيه جميع أحوال الخلق وما يأتون وما يذرون. وقيل: أراد بكتاب الله ~~القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر وقيل ms1609 أراد بكتاب الله ~~الحكم الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به يوم خلق السماوات والأرض يعني أن ~~هذا الحكم حكم به وقضاه يوم خلق السموات والأرض أن السنة اثنا عشر شهرا ~~منها يعني من الشهور أربعة حرم وهي رجب فرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~ثلاثة متوالية وإنما سميت حرما لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها وتحرم ~~فيها القتال حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه وابنه وأخيه في هذه الأربعة ~~الأشهر لم يهجه ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما ولأن الحسنات ~~والطاعات فيها تتضاعف وكذلك السيئات أيضا أشد من غيرها فلا يجوز انتهاك ~~حرمة الأشهر الحرم ذلك الدين القيم يعني ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح ~~المستوي فالدين هنا بمعنى الحساب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: الكيس من ~~دان نفسه. يعني: حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت. وقيل: أراد بالدين القيم ~~الحكم الذي لا يغير ولا يبدل. # والقيم هنا: بمعنى الدائم الذي لا يزول. فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا ~~الحساب والعدد في صومهم وحجهم وأعيادهم وبياعاتهم وأجل ديونهم وغير ذلك من ~~سائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور (ق) عن أبي بكر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ~~السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم ~~فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال أي ~~بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال ~~أليس البلد الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ # قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ~~يوم النحر. قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم PageV02P357 # فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ms1610 رقاب بعض ألا ~~ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم ~~قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت قلنا نعم قال: اللهم اشهد. # وقوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم قيل: الكناية في فيهن ترجع إلى جميع ~~الأشهر أي لا تظلموا أنفسكم في جميع أشهر السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات ~~لأن المقصود منع الإنسان من الإقدام على المعاصي والفساد مطلقا في جميع ~~الأوقات إلى الممات. وقيل: إن الكناية ترجع إلى الأشهر الحرم وهو قول أكثر ~~المفسرين. وقال قتادة: العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم والظلم فيهن ~~أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس: لا ~~تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن وقال محمد بن إسحاق ~~بن يسار: لا تجعلوا حلالها حراما ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو ~~النسيء. وقيل: إن الأنفس مجبولة بطبعها على الظلم والفساد والامتناع عنه ~~على الإطلاق شاق على النفس لا جرم أن الله خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم ~~والاحترام ليمتنع الإنسان في تلك الأوقات من فعل الظلم والقبائح والمنكرات ~~فربما تركها في باقي الأوقات فتصير هذه الأوقات الشريفة والأشهر المحرمة ~~المعظمة سببا لترك الظلم وفعل المعاصي في غيرها من الأشهر فهذا وجه الحكمة ~~في تخصيص بعض الأشهر دون بعض بمزيد التشريف والتعظيم وكذلك الأمكنة أيضا. ~~وقوله سبحانه وتعالى: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة يعني ~~قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم كما أنهم يقاتلونكم على هذه ~~الصفة والمعنى تعاونوا وتناصروا على قتالهم ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا ~~تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة ~~أعدائكم من المشركين واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال ~~قوم كان كبيرا حراما ثم نسخ بقوله: وقاتلوا المشركين كافة يعني في الأشهر ~~الحرم وفي غيرهن وهذا قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري. ~~قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف ~~وحاصرهم في ms1611 شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج: ~~حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر ~~الحرم وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها واعلموا أن الله مع المتقين يعني ~~بالنصر والمعونة على أعدائه قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة التوبة (9): آية 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # إنما النسيء زيادة في الكفر النسيء: في اللغة، عبارة عن التأخير في الوقت ~~ومنه النسيئة في البيع ومعنى النسيء المذكور في الآية هو تأخير شهر حرام ~~إلى شهر آخر وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم ~~وتعظيمها وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكانت ~~عامة معايش العرب من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر ~~متوالية وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم ~~إلى الأشهر الحلال فنسؤوا يعني أخروا تحريم شهر إلى شهر آخر فكانوا يؤخرون ~~تحريم المحرم إلى صفر فيستحلون المحرم ويحرمون صفر فإذا احتاجوا إلى تأخير ~~تحريم صفر أخروه إلى ربيع الأول فكانوا يصنعون هكذا يؤخرون شهرا بعد شهر ~~حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ~~الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور ~~السنة فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية ~~من ذي القعدة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة ~~الوداع فوافق حجة شهر ذي الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم ~~التاسع # PageV02P358 # وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت ~~باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق ~~السموات والأرض وهو قوله ms1612 صلى الله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض الحديث المتقدم. وأمرهم بالمحافظة على ذلك ~~لئلا يتبدل في مستأنف الأيام واختلفوا في أول من نسأ النسيء. فقال ابن عباس ~~والضحاك وقتادة ومجاهد: أول من نسأ النسيء، بنو مالك بن كنانة وكان يليه ~~جنادة بن عوف بن أمية الكناني وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني ~~كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان يقوم على الناس في الموسم فإذا هم الناس ~~بالصدر قام فخطف الناس فيقول لا مرد لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ~~فيقول له المشركون لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه فيقول: إن ~~صفر في هذا العام حرام فإذا قال ذلك، حلوا الأوتار، ونزعوا الأسنة، والأزجة ~~من الرماح، وإن قال: حلال، عقدوا أوتار القسي، وركبوا الأسنة في الرماح، ~~وأغاروا وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له جنادة بن عوف: وهو الذي ~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو رجل من ~~بني كنانة يقال له القلمس قال شاعرهم: # وفينا ناسئ الشهر القلمس وكانوا يفعلون ذلك إذا اجتمعت العرب في الموسم ~~وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة ~~بن خندف والذي صح من حديث أبي هريرة وعائشة أن عمرو بن لحي أول من سيب ~~السوائب وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في ~~النار فهذا ما ورد في تفسير النسيء الذي ذكره الله في قوله تعالى إنما ~~النسيء زيادة في الكفر يعني زيادة كفر على كفرهم وسبب هذه الزيادة أنهم ~~أمروا بإيقاع كل فعل في وقته من الأشهر الحرم ثم إنهم بسبب أغراضهم الفاسدة ~~أخروه إلى وقت آخر بسبب ذلك النسيء فأوقعوه في غير وقته من الأشهر الحرم ~~فكان ذلك الفعل زيادة في كفرهم يضل به الذين كفروا وقرئ: يضل بفتح الياء ~~وكسر الضاد ومعناه ms1613 يضل الله به الطين كفروا أو يضل به الشيطان الذين كفروا ~~بتزيين ذلك لهم وقيل يضل بالنسيء الذين كفروا وقرئ يضل بضم الياء وفتح ~~الضاد ومعناه أن كبارهم أضلوهم وحملوهم عليه وقرئ يضل به الذين كفروا بضم ~~الياء وكسر الضاد ومعناه يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأفعالهم ~~وهذا الوجه أقوى الوجهين في تفسير قراءة من قرأ يضل بضم الياء وكسر الضاد ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما يعني يحلون ذلك الإنساء عاما ويحرمونه عاما ~~والمعنى يحلون الشهر المحرم عاما فيجعلونه حلالا ليغيروا فيه ويحرمونه عاما ~~فيجعلونه محرما فلا يغيرون فيه ليواطؤا يعني ليوافقوا عدة ما حرم الله يعني ~~أنهم ما أحلوا شهرا من المحرم إلا حرموا شهرا مكانه من الحلال ولم يحرموا ~~شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر ~~الحرم أربعة كما حرم الله فيكون ذلك موافقة في العدد لا في الحكم فذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم قال ابن عباس: زين ~~لهم الشيطان هذا العمل والله لا يهدي القوم الكافرين يعني أنه سبحانه ~~وتعالى لا يرشد من هو كافر أثيم لما سبق له في الأزل أنه من أهل النار. # PageV02P359 ### || [سورة التوبة (9): الآيات 38 الى 40] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض نزلت هذه الآية في الحث على ms1614 غزوة تبوك وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم وكان ~~ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الظلال ولم يكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز وعددا ~~كثيرا وجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فشق عليهم الخروج وتثاقلوا ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم يعني ~~قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفروا في سبيل الله، أي اخرجوا إلى ~~الجهاد. يقال: استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم ~~إليه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا». # والإثم النفير اثاقلتم أي تثاقلتم وتباطأتم عن الخروج إلى الغزو إلى ~~الأرض يعني لزمتم أرضكم ومساكنكم وإنما استثقل ذلك الغزو لشدة الزمان وضيق ~~الوقت وشدة الحر وبعد المسافة والحاجة إلى كثرة الاستعداد من العدد والزاد ~~وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة وطيب ظلالها وكان العدو كثيرا ~~فاستثقل الناس تلك الغزوة فعاتبهم الله تعالى بقوله: أرضيتم بالحياة الدنيا ~~من الآخرة يعني أرضيتم بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة فما ~~متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل يعني أن لذات الدنيا ونعيمها فان ~~زائل ينفد عن قليل ونعيم الآخرة باق على الأبد فلهذا السبب كان متاع الدنيا ~~قليلا بالنسبة إلى نعيم الآخرة وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال ~~وفي كل وقت لأن الله سبحانه وتعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ~~فلو لم يكن الجهاد واجبا لما عاتبهم على ذلك التثاقل ويؤكد هذا الوعيد ~~المذكور الآية الآتية وهي قوله تعالى: # إلا تنفروا يعني إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما استنفركم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليه: يعذبكم عذابا أليما يعني في الآخرة لأن العذاب ~~الأليم لا ms1615 يكون إلا في الآخرة. وقيل: إن المراد به احتباس المطر في الدنيا. ~~قال نجدة بن نفيع: سألت ابن عباس عن هذه الآية، فقال: استنفر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله تعالى عنهم المطر ~~فكان ذلك عذابهم ويستبدل قوما غيركم يعني خيرا منكم وأطوع. # قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. وقيل: هم أهل اليمن نبه سبحانه وتعالى ~~على أنه قد تكفل بنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه فإن سارعوا معه ~~إلى الخروج إلى حيث استنفروا حصلت النصرة بهم ووقع أجرهم على الله عز وجل ~~وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه حصلت النصرة بغيرهم وحصلت العتبى لهم لئلا يتوهموا ~~أن إعزاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته لا تحصل إلا بهم وهو قوله ~~تعالى: ولا تضروه شيئا قيل: الضمير راجع إلى الله تعالى يعني ولا تضروا ~~الله شيئا لأنه غني عن العالمين وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الضمير راجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعني: ولا تضروا محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا فإن الله ناصره على ~~أعدائه ولا يخذله والله على كل شيء قدير يعني أنه تعالى قادر على كل شيء ~~فهو ينصر نبيه ويعز دينه قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة وقال الجمهور هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم ~~استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس ~~وعلى هذا التقدير فلا نسخ. # قوله عز وجل: إلا تنصروه فقد نصره الله يعني إلا تنصروا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أيها المؤمنون هذا خطاب لمن تثاقل عن الخروج معه إلى تبوك فأعلم ~~الله عز وجل أنه هو المتكفل بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه ~~وإعلاء كلمته أعانوه أو لم يعينوه وإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة ~~الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد # PageV02P360 # إذ ms1616 أخرجه الذين كفروا يعني أنه تعالى نصره في الوقت الذي أخرجه فيه كفار ~~مكة من مكة حين مكروا به وأرادوا قتله ثاني اثنين يعني هو واحد اثنين وهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إذ هما في الغار يعني إذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار والغار نقب عظيم يكون في الجبل وهذا ~~الغار في جبل ثور وهو قريب من مكة إذ يقول لصاحبه لا تحزن يعني يقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق لا تحزن وذلك أن أبا بكر خاف من ~~الطلب أن يعلموا بمكانهم فجزع من ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا تحزن إن الله معنا يعني بالنصر والمعونة قال الشعبي: عاتب الله عز وجل ~~أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر وقال الحسن بن الفضل: من قال إن ~~أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص ~~القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ولا يكون كافرا. # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنت صاحبي على ~~الحوض وصاحبي في الغار. أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب (ق) عن أبي بكر ~~الصديق قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا ~~رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: يا أبا بكر ما ~~ظنك باثنين الله ثالثهما. قال الشيخ محيي الدين النووي معناه: ثالثهما ~~بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى أن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه ~~والفضيلة من أوجه منها اللفظ الدال على أن الله ثالثهما ومنها بذله نفسه ~~ومفارقته أهله وماله ورئاسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وملازمته ms1617 النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها ومنها جعله نفسه ~~وقاية عنه وغير ذلك. # روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده أبو بكر فقال: وددت أن عملي كله مثل ~~عمله يوما واحدا من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما فليلته ليلة سار مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال والله لا ~~تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكنسه ووجد في ~~جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به وبقي منهما ثقبان فألقمهما رجليه ثم قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ~~ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: مالك يا أبا بكر فقال: لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته ~~وأما يومه فلما قبض صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، وقالوا: لا نؤدي ~~الزكاة فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تألف ~~الناس وارفق بهم. قال: لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام أنه قد انقطع ~~الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي أخرجه في جامع الأصول ولم يرقم عليه علامة ~~لأحد قال البغوي وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الغار جعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: مالك يا أبا بكر؟ # فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي بين يديك فلما انتهيا إلى ~~الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار فدخل فاستبرأه ثم قال انزل ~~يا رسول الله فنزل وقال له: إن أقتل فأنا رجل واحد من المسلمين وإن قتلت ~~هلكت الأمة. # ((ذكر سياق حديث الهجرة وهو من أفراد ms1618 البخاري)) عن عائشة قالت: لم أعقل ~~أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو ~~بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد ~~القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن ~~أسيح في # PageV02P361 # الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ~~إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ~~فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن ~~الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ~~أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيق ويعين على ~~نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وفي رواية فأنفذت قريش جوار ابن ~~الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ~~وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن ~~نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه ~~في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى ~~مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذ عليه نساء المشركين ~~وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك ~~عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن ~~الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في ~~داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه ~~وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ~~ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ms1619 ذمتك فإنا قد ~~كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن ~~الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ~~ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل ~~عقدت له فقال أبو بكر: فإني أراد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني ~~رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل ~~المدينة ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل ~~المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن ~~لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر ~~هو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب: قال عروة قالت عائشة: فبينا نحن جلوس ~~يوما في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: # فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر: اخرج من عندك. فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله. قال: فإني قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال أبو بكر: ~~فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في ~~جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت ms1620 به فم الجراب فبذلك ~~سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار ~~في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام ~~شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا ~~يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما ~~عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من ~~العشاء فيبيتان في رسل حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة ~~من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا ~~من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية ~~قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه ~~فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما صبح ثلاث ~~فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل ~~وفي رواية طريق الساحل. قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي ~~وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن ~~جعشم يقول: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو # PageV02P362 # أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى ~~قام علينا ونحن جلوس. # فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال ~~سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له: # إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم ~~ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من ~~وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض ~~وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب ms1621 بي حتى دنوت منهم فعثرت بي ~~فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام ~~فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي ~~حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر ~~يكبر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم ~~زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ الأثر يديها عثان ~~ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم ~~بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من ~~الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد ~~جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد ~~والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال أخف عنا ما استطعت فسألته أن ~~يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ومضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشأم ~~فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع ~~المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون ~~كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما ~~أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على ظهر أطم من ~~آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين ~~يزول بهم السارب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا ~~جدكم الذي تنتظرونه قال فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن ~~عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ms1622 فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار لمن لم ير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع ~~عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا ~~للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقال لا ~~بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما ~~هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول: # هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر # ويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة، فتمثل بشعر ~~رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت أخرجه البخاري ~~بطوله. # ((شرح غريب ألفاظ الحديث)) قولها: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ~~يعني، أنهما كانا ينقادان إلى الطاعة، وبرك الغماد بفتح الباء من برك وكسر ~~الغين المعجمة اسم موضع بينه وبين مكة خمس ليال مما يلي ساحل البحر إلى ~~المدينة من بلاد غفار. وقيل: هو قليب ماء لبني ثعلبة. قوله: تكسب المعدوم ~~فيه قولان: أحدهما: أنه لقوة سعده وحظه من # PageV02P363 # الدنيا لا يتعذر ms1623 عليه كسب كل شيء حتى المعدوم الذي يتعذر كسبه على غيره. # والقول الثاني: إنه يملك الشيء المعدوم المتعذر لمن لا يقدر عليه ففيه ~~وصفة بالإحسان والكرم والكل ما يثقل حمله من حقوق الناس وصلة الأرحام ~~والقيام بأمر العيال وإقراء الضيف ونوائب الحق ما ينوب الإنسان من المغارم ~~وقضاء الحقوق لمن يقصده أنا لك جار أي حام وناصر ومدافع عنك والاستعلان ~~إظهار المخفي. وقوله: # فينقذف النساء عليه يعني يزدحمن عليه والذمة العهد والأمان وإخفاؤها ~~نقضها. واللابة: الجبل. والحرة: # الأرض التي تعلوها حجارة سود. يقال: افعل الشيء على رسلك بكسر الراء أي ~~على هينتك. والراحلة: البعير القوي على الحمل والسير، والظهيرة: وقت شدة ~~الحر والنطاق: حبل أو نحوه تشد به المرأة وسطها وترفع ثوبها من تحته فتعطف ~~طرفا من أعلاه إلى أسفله لئلا يصل إلى الأرض. وقولها: ثقف لقن. يقال: ثقف ~~الرجل ثقافة إذا صار حاذقا فطنا واللقن السريع الفهم. والإدلاج: بتخفيف ~~الدال سير أول الليل وبتشديدها سير آخره والمنحة الشاة ذات اللبن والرسل ~~بكسر الراء وسكون السين هو اللبن يقال: نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتجتمع ~~إليه. # والغلس: ظلام آخر الليل. والخريت: تقدم شرحه في الحديث وهو الماهر ~~بالهداية وأراد به هداية الطريق فهو الدليل. وقد غمس حلفا يقال: غمس فلان ~~حلفا في آل فلان إذا أخذ بنصيب من عهدهم وحلفهم والأسودة الأشخاص. والأكمة: ~~التل المرتفع من الأرض. يقال: قرب الفرس يقرب تقريبا إذا عدا عدوا دون ~~الإسراع والكناية هي الجعبة التي تجعل فيها السهام والأزلام القداح التي ~~كانوا يستقسمون بها عند طلب الحوائج كالفأل والعثان الغبار. يقال: ما رزأت ~~فلانا شيئا أي ما أصبت منه شيئا والمراد أنهم لم يأخذوا منه شيئا وقوله ~~أوفى أي أشرف وأطلع. # والأطم: البناء المرتفع كالحصن، وقوله: مبيضين هو بكسر الياء أي: هم ذو ~~ثياب بيض والمربد الموضع يوضع فيه التمر كالبيدر. وقوله: هذا الحمال هو ~~بالحاء المهملة يعني هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر وأبقى ~~ذخرا وأدوم منفعة في الآخرة لأحمال ms1624 خيبر يعني ما يحمل من خيبر من التمر ~~والزبيب والطعام المحمول منها. والمعنى: أن ذلك الحمل الذي نحمله من اللبن ~~لأجل عمارة المسجد أفضل عند الله مما يحمل من خيبر وقد روى هذا الجمال ~~بالجيم من التجمل، والرواية الأولى أشهر وأكثر والله أعلم قال الزهري: لما ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله سبحانه وتعالى ~~زوجا من حمام حتى باضتا في أسفل النقب ونسجت العنكبوت بيتا. وقيل: أتت ~~يمامة على فم الغار وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعم أبصارهم» ~~فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون لو دخلا هذا الغار لتكسر ~~بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ووجدت في بعض التفاسير شعرا وقد نسب إلى أبي ~~بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو قوله: # قال النبي ولم يجزع يوقرني ... ونحن في سدف في ظلمة الغار # لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد تكفل لي منه بإظهار # وإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين قد كادت لكفار # والله مهلكهم بما صنعوا ... وجاعل المنتهي منهم طم إلى النار # وقوله سبحانه وتعالى: فأنزل الله سكينته عليه يعني فأنزل الله الطمأنينة ~~والسكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس عن أبي بكر لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ذلك. # ((فصل في الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على فضل سيدي أبي بكر ~~الصديق رضي الله تعالى عنه)) منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختفى ~~في الغار من الكفار كان مطلعا على باطن أبي بكر الصديق في سره وإعلانه # PageV02P364 # وأنه من المؤمنين الصادقين الصديقين المخلصين فاختار صحبته في ذلك المكان ~~المخوف لعمله بحاله. ومنها: # أن هذه الهجرة كانت بإذن الله فخص الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أبا بكر دون غيره من أهله وعشيرته وهذا التخصيص يدل على شرف أبي بكر وفضله ~~على غيره. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى عاتب أهل الأرض بقوله تعالى إلا ~~تنصروه فقد ms1625 نصره الله سوى أبي بكر الصديق وهذا دليل على فضله. ومنها: أن ~~سيدنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفر ولا حضر بل كان ملازما له وهذا دليل على صدق محبته وصحة صحبته ~~له ومنها مؤانسته للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار وبذل نفسه له وفي هذا ~~دليل على فضله. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى جعله ثاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقوله سبحانه وتعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وفي هذا نهاية ~~الفضيلة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر كان ~~ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ومنها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا الخلق إلى الإيمان بالله فكان أبو بكر أول من آمن ثم ~~دعا أبو بكر إلى الإيمان بالله ورسوله فاستجاب له عثمان وطلحة والزبير ~~فآمنوا على يدي أبي بكر ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف في موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه في ~~ذلك الموقف ومنه أنه لما مرض صلى الله عليه وسلم قام مقامه في الإمامة فكان ~~ثانيه ومنها أنه ثانيه في تربته صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل على فضل ~~أبي بكر الصديق ومنها أن الله سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره ~~بقوله سبحانه وتعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن ومنها أن الله سبحانه وتعالى ~~كان ثالثهما ومن كان الله معه دل على فضله وشرفه على غيره ومنها إنزال ~~السكينة على أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله والله أعلم. # وقوله سبحانه وتعالى: وأيده بجنود لم تروها يعني: وأيد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإنزال الملائكة ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. وقيل: ~~ألقى الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا وقال مجاهد والكلبي: أعانه بالملائكة ~~يوم بدر فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه نصره وصرف ms1626 عنه كيد الأعداء وهو في ~~الغار في حالة القلة والخوف ثم نصره بالملائكة يوم بدر وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى يعني كلمة الشرك فهي سفلى إلى يوم القيامة وكلمة الله هي ~~العليا والله عزيز حكيم قال ابن عباس: هي كلمة لا إله إلا الله فهي باقية ~~إلى يوم القيامة عالية. وقيل: إن كلمة الذين كفروا هي ما كانوا قدروها فيما ~~بينهم من الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وكلمة الله هي ما وعده من ~~النصر والظفر بهم فكان ما وعد الله سبحانه وتعالى حقا وصدقا. ### || [سورة التوبة (9): آية 41] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) # قوله سبحانه وتعالى: انفروا خفافا وثقالا يعني انفروا على الصفة التي ~~يخفف عليكم الجهاد بها وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها وهذان الوصفان يدخل ~~تحتها أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيها. # فقال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: يعني شبابا وشيوخا. وقال ابن ~~عباس: نشاطا وغير نشاط. # وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة. وقال أبو صالح: خفافا من المال يعني ~~فقراء وثقالا يعني أغنياء. وقال ابن زيد: الخفيف الذي لا ضيعة له والثقيل ~~الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته. # ويروى عن ابن عباس قال: خفافا أهل اليسرة من المال وثقالا أهل العسرة. ~~وقيل: خفافا يعني من السلاح مقلين منه وثقالا يعني مستكثرين منه. وقيل: ~~مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: أصحاء ومرضى. وقيل: عزابا ومتأهلين. وقيل: خفافا ~~من الحاشية والأتباع وثقالا مستكثرين منهم. وقيل: خفافا يعني مسرعين في ~~الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وثقالا يعني بعد التروي فيه والاستعداد ~~له والصحيح أن هذا عام لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت قوله تعالى انفروا ~~خفافا وثقالا يعني على أي حال كنتم فيهما. # PageV02P365 # فإن قلت: فعلى هذا يلزم الجهاد لكل أحد حتى المريض والزمن والفقير وليس ~~الأمر كذلك فما معنى هذا الأمر. # قلت: من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ. # قال ابن عباس: نسخت هذه الآية بقوله ms1627 وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~الآية. وقال السدي: نسخت بقوله: # ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب. ~~قال مجاهد: إن أبا أيوب الأنصاري شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون بعده فقيل له في ذلك، ~~فقال: سمعت الله عز وجل يقول انفروا خفافا وثقالا ولا أجدني إلا خفيفا أو ~~ثقيلا وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك ~~عليل صاحب ضر فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت ~~السواد أو حفظت المتاع. وقال صفوان بن عمرو: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا ~~قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت يا عم أنت ~~معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ~~إلا أنه من يحبه يبتليه والصحيح. هو القول الأول أنها منسوخة وأن الجهاد من ~~فروض الكفايات ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فدل ذلك ~~على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان والله أعلم. # وقوله سبحانه وتعالى: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله فيه قولان ~~الأول أن الجهاد إنما يجب على من له مال يتقوى به على تحصيل آلاف الجهاد ~~ونفس سليمة قوية صالحة للجهاد فيجب عليه فرض الجهاد والقول الثاني أن من ~~كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للحرب فعليه الجهاد بماله بأن ~~يعطيه غيره ممن يصلح للجهاد فيغزو بماله فيكون مجاهدا بماله دون نفسه ذلكم ~~يعني ذلكم الجهاد خير لكم يعني من القعود والتثاقل عنه. وقيل: معناه أن ~~الجهاد خير حاصل لكم ثوابه إن كنتم تعلمون يعني أن ثواب الجهاد خير لكم من ~~القعود عنه ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms1628 في غزوة تبوك قوله عز وجل: # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 42 الى 45] # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) ~~عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) # لو كان عرضا قريبا فيه إضمار تقديره لو كان ما تدعوهم إليه عرضا يعني ~~غنيمة سهلة قريبة التناول والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. يقال: ~~الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وسفرا قاصدا يعني سهلا قريبا ~~لاتبعوك يعني لخرجوا معك ولكن بعدت عليهم الشقة أي المسافة والشقة السفر ~~البعيد، لأنه يشق على الإنسان سلوكها. ومعنى الآية: لو كان العرض قريبا ~~والغنيمة سهلة والسفر قاصدا لاتبعوك طمعا في تلك المنافع التي تحصل لهم ~~ولكن لما كان السفر بعيدا وكانوا يستعظمون غزو الروم لا جرم أنهم تخلفوا ~~لهذا السبب ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنه إذا رجع النبي عليه السلام ~~من هذا الجهاد يحلفون بالله وهو قوله تعالى: وسيحلفون بالله يعني المنافقين ~~الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة لو استطعنا # PageV02P366 # لخرجنا معكم يعني إلى هذه الغزوة يهلكون أنفسهم يعني بسبب هذه الأيمان ~~الكاذبة والنفاق وفيه دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها والله يعلم ~~إنهم لكاذبون يعني في أيمانهم وهو قولهم: لو استطعنا لخرجنا معكم لأنهم ~~كانوا مستطيعين الخروج. # قوله عز وجل: عفا الله عنك لم أذنت لهم قال الطبري: هذا عتاب من الله عز ~~وجل عاتب الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أي في إذنه لمن أذن له في ~~التخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم. والمعنى: # عفا الله عنك يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين ms1629 ~~استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك. # قال عمرو بن ميمون الأودي: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يؤمر بشيء فيهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله كما ~~تسمعون وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن ~~يعيره بالذنب. # ((فصل)) استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنوب من الأنبياء وبيانه من ~~وجهين: أحدهما، أنه سبحانه وتعالى. قال: عفا الله عنك والعفو يستدعي سابقة ~~الذنب الوجه الثاني أنه سبحانه وتعالى قال لم أذنت لهم وهذا استفهام معناه ~~الإنكار. # والجواب عن الأول: إنا لا نسلم أن قوله تعالى عفا الله عنك يوجب صدور ~~الذنب بل نقول إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم والتوقير فهو كما يقول ~~الرجل لغيره إذا كان معظما له عفا الله عنك ما صنعت في أمري رضي الله عنك ~~ما جوابك عن كلامي وعافاك الله وغفر لك كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام ~~وافتتاحه تدل على تعظيم المخاطب به قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل: # عفا الله عنك إلا حرمة ... تعود بفضلك أن أبعدا # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى # أقلني أقالك من لم يزل ... يقيل ويصرف عنك الردى # والجواب عن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله لم أذنت لهم ~~الإنكار عليه وبيانه: إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أولا فإن ~~كان قد صدر عنه ذنب فذكر الذنب بعد العفو لا يليق. فقوله: عفا الله عنك، ~~يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه وإن لم ~~يكن قد صدر عنه ذنب امتنع الإنكار عليه فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه ~~صلى الله عليه وسلم وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في الجواب عن قوله ~~عفا الله عنك لم أذنت لهم: أنه أمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~من الله تعالى نهي فيعد معصية ولا عده تعالى عليه معصية بل لم ms1630 يعده أهل ~~العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: وقد حاشاه لله من ذلك بل ~~كان مخيرا في أمرين قالوا: وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه ~~فيه وحي فكيف وقد قال الله سبحانه وتعالى له فأذن لمن شئت منهم فلما أذن ~~لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه ~~لا حرج عليه فيما فعل وليس عفا هنا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ولم تجب عليهم قط أي يلزمكم ~~ذلك ونحوه للقشيري. قال: # وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال ومعنى ~~عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنب. # قال الداودي: إنها تكرمة. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله ~~وأعزك وحكى السمرقندي أن معناه عفاك الله. وقيل معناه: أدام الله لك العفو ~~لم أذنت لهم يعني في التخلف عنك وهذا يحمل على ترك الأولى # PageV02P367 # والأكمل لا سيما وهذه كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا يعني في اعتذارهم وتعلم الكاذبين يعني فيما يعتذرون ~~به. قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين ~~يومئذ حتى نزلت براءة. # قوله سبحانه وتعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم أي في أن يجاهدوا وإنما حسن هذا الحذف لظهوره ~~والله عليم بالمتقين يعني الذين يتقون لمخالفته ويسارعون إلى طاعته إنما ~~يستأذنك يعني في التخلف عن الجهاد معك يا محمد من غير عذر الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وهم المنافقون لقوله وارتابت قلوبهم يعني شكت قلوبهم في ~~الإيمان وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لأنه محل المعرفة والإيمان ~~أيضا فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقا فهم في ريبهم يترددون يعني أن ~~المنافقين متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وقد اختلف علماء الناسخ ~~والمنسوخ في ms1631 هذه الآية. فقيل: إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي ~~قوله سبحانه وتعالى إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم وقيل إنها محكمات ~~كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله ~~وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذرا استأذن في التخلف فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت ~~منهم وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله ~~تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 46 الى 48] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون (48) # ولو أرادوا الخروج يعني إلى الغزو معكم لأعدوا له عدة لتهيئوا له بإعداد ~~آلات السفر وآلات القتال من الكراع والسلاح ولكن كره الله انبعاثهم يعني ~~خروجهم إلى الغزو معكم فثبطهم يعني منعهم وحبسهم عن الخروج معكم والمعنى أن ~~الله سبحانه وتعالى كره خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم فصرفهم ~~عنه وهاهنا يتوجه سؤال وهو أن خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلم قال: # ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وإن كان فيه مفسدة. فلم عاتب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في أذنه لهم بالقعود والجواب عن السؤال أن خروجهم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان فيه مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عن تلك ~~المفسدة بقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، بقي فلم عاتب الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم بقوله لم أذنت لهم فنقول إنه صلى الله عليه وسلم ~~أذن لهم قبل ms1632 تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم فلهذا السبب قال ~~الله تعالى: لم أذنت لهم؟ وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحي ~~إليه في أمرهم بالقعود وقيل اقعدوا مع القاعدين معناه أنهم لما استأذنوه في ~~القعود. # قيل لهم: اقعدوا مع القاعدين وهم النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ~~ثم اختلفوا في القائل من هو فقيل، قال بعضهم لبعض: اقعدوا مع القاعدين. ~~وقيل: القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قال ذلك لهم على سبيل ~~الغضب لما استأذنوه في القعود فقال لهم اقعدوا مع القاعدين فاغتنموا ذلك ~~وقعدوا وقيل إن القائل ذلك هو الله سبحانه وتعالى بأن ألقى في قلوبهم ~~القعود لما كره انبعاثهم مع المسلمين إلى الجهاد ثم بين سبحانه وتعالى ما ~~في خروجهم من المفاسد فقال تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا يعني ~~لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الغزو ما زادوكم إلا فسادا وشرا وأصل ~~الخبال اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون قال بعض النحاة: # PageV02P368 # هذا من الاستثناء المنقطع والمعنى لو خرجوا فيكم ما زادوكم قوة لكن خبالا ~~والمراد به هنا الإفساد وإيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر ~~وشدة السفر وكثرة العدوان وقوتهم ولأوضعوا خلالكم يعني ولأسرعوا فيكم ~~وساروا بينكم بإلقاء النميمة والأحاديث الكاذبة فيكم يبغونكم الفتنة يعني ~~يطلبون لكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين لقد جمع لكم كذا وكذا ~~ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ونحو ذلك من الأحاديث ~~الكاذبة التي تجبن وقيل معناه يطلبون العيب والشر وفيكم سماعون لهم قال ~~مجاهد: يعني وفيكم عيون لهم يؤدون إليهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم ~~الجواسيس. وقال قتادة: وفيكم مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم ~~وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها ~~منهم. # فإن قلت: كيف يجوز أن يكون في المؤمنين المخلصين من يسمع ويطيع ~~للمنافقين؟ # قلت: يحتمل أن يكون بعض المؤمنين لهم أقارب من كبار المنافقين ورؤسائهم ~~فإذا قالوا قولا ربما أثر ms1633 ذلك القول في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال ~~والله عليم بالظالمين وهذا وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن ~~والشبهات بين المؤمنين وقوله سبحانه وتعالى: لقد ابتغوا الفتنة من قبل يعني ~~لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنكم ~~قيل هذا اليوم كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد حين انصرف بأصحابه ~~عنكم وقلبوا لك الأمور يعني وأجالوا فيك وفي أمرك وفي إبطال دينك الرأي ~~وبالغوا في تخذيل الناس عنك وقصدهم تشتيت أمرك حتى جاء الحق يعني النصر ~~والظفر وظهر أمر الله وهم كارهون يعني ذلك. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 49 الى 52] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم ~~متربصون (52) # قوله عز وجل: ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني نزلت في الجد بن قيس وكان ~~من المنافقين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز إلى غزوة تبوك قال ~~للجد بن قيس: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر يعني الروم تتخذ منهم ~~سراري ووصفاء. فقال الجد: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بحب ~~النساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن لي في ~~القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي قال ابن عباس: اعتل الجد بن قيس ولم تكن ~~له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت ~~لك فأنزل الله عز وجل فيه ومنهم يعني ومن المنافقين من يقول ائذن لي يعني ~~في التخلف والقعود في المدينة ولا تفتني يعني ببنات بني الأصفر ms1634 وهم الروم ~~ألا في الفتنة سقطوا يعني أنهم وقعوا في الفتنة العظيمة وهي النفاق ومخالفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عنه وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يعني ~~يوم القيامة تحيط بهم وتجمعهم فيها. # قوله سبحانه وتعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم يعني إن تصبك يا محمد حسنة من ~~نصر وغنيمة تحزن المنافقين وإن تصبك مصيبة يعني من هزيمة أو شدة يقولوا ~~يعني المنافقين قد أخذنا أمرنا يعني أخذنا أمرنا بالجد والحزم في القعود عن ~~الغزو من قبل يعني من قبل هذه المصيبة ويتولوا وهم فرحون يعني # PageV02P369 # مسرورين لما نالك من المصيبة وسلامتهم منها قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا يعني قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه لن ~~يصيبنا إلا ما قدره الله لنا وعلينا وكتبه في اللوح المحفوظ لأن القلم جف ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه ~~مكروها نزل به أو يجلب لنفسه نفعا أراده لم يقدر له هو مولانا يعني أن الله ~~سبحانه وتعالى هو ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون يعني في جميع أمورهم قل هل تربصون بنا يعني: # قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقون إلا إحدى ~~الحسنيين يعني إما النصر والغنيمة وإما الشهادة والمغفرة وذلك أن المسلم ~~إذا ذهب إلى الغزو والجهاد في سبيل الله إما أن يغلب عدوه فيفوز بالنصر ~~والغنيمة والأجر العظيم في الآخرة وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له ~~الشهادة وهي الغاية القصوى ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «تكفل الله وفي رواية تضمن الله لمن خرج في سبيله لا ~~يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله ~~الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة» ~~أخرجاه في الصحيحين. # وقوله سبحانه ms1635 وتعالى: ونحن نتربص بكم يعني ونحن ننتظر بكم إحدى السوأيين ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده يعني فيهلككم كما أهلك من كان قبلكم من الأمم ~~الخالية أو بأيدينا يعني أو يصيبكم بأيدي المؤمنين بأن يظفرنا بكم ويظهرنا ~~عليكم فتربصوا إنا معكم متربصون قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا ~~متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 53 الى 55] # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون (55) # قل أنفقوا طوعا أو كرها نزلت في الجد بن قيس المنافق وذلك أنه استأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عنه وقال أنا أعطيكم مالي فأنزل ~~الله عز وجل ردا عليه قل أي قل يا محمد لهذا المنافق وأمثاله في النفاق ~~أنفقوا طوعا أو كرها يعني أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق ~~بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق لن يتقبل منكم لأن هذا الإنفاق إنما وقع ~~لغير الله وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل ~~من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه ثم علل ~~بسبب منع القبول بقوله إنكم أي لأنكم كنتم قوما فاسقين والمراد بالفسق هنا ~~الكفر ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله أي المانع من قبول نفقاتهم هو كفرهم بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى جمع كسلان يعني متثاقلين في ~~الإتيان إلى الصلاة وذلك لأنهم لا يرجون على فعلها ثوابا ولا يخافون على ~~تركها عقابا فلذلك ذمهم مع فعلها ولا ينفقون إلا وهم كارهون لأنهم كانوا ~~يعتقدون الإنفاق في سبيل الله مغرما ومنع ذلك الإنفاق مغنما ms1636 فلا تعجبك يا ~~محمد أموالهم ولا أولادهم هذا الخطاب وإن كان مختصا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن المراد به جميع المؤمنين والمعنى فلا تعجبوا بأموال المنافقين ~~وأولادهم والإعجاب السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به مع الاعتقاد أنه ~~ليس لغيره مثله وهذا يدل على استغراق النفس بذلك الشيء ويكون سبب انقطاعه ~~عن الله عز وجل فينبغي للإنسان أن لا يعجب بشيء من أمور الدنيا ولذاتها فإن ~~العبد إذا كان من الله عز وجل في استدراج كثر ماله وولده فيكثر إعجابه ~~بماله وولده فيبطر ويكفر نعم الله عليه ولهذا # PageV02P370 # قال سبحانه وتعالى: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا فإن قلت ~~كيف يكون المال والولد عذابا في الدنيا وفيهما اللذة والسرور في الدنيا. # قلت: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة. وقيل: إن سبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل من ~~المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ~~ويزداد الحزن والغم بسبب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول، لا حاجة ~~إلى التقديم والتأخير في نظم الآية وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب ~~حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا ~~التعذيب في الدنيا وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين مخصوصون بزيادة من ~~هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وإنه يثاب بالمصائب ~~الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابا في الدنيا وأما ~~المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وإنه ليس فيها ثواب فبقي ما يحصل له ~~في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على المال والولد عذابا عليه في ~~الدنيا فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافقين في الدنيا ~~دون المؤمنين. وقيل: إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في ~~سبيل الله غير مثابين على ذلك ms1637 وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد ~~المنافق على قتل ولده وذهاب ماله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه ~~والكره في إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ثم يقدم في الآخرة ~~على ملك لا يعذره وتزهق أنفسهم يعني وتخرج أنفسهم وهم كافرون والمعنى أنهم ~~يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 56 الى 58] # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ~~ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) # قوله عز وجل: ويحلفون بالله يعني المنافقين إنهم لمنكم يعني على دينكم ~~وملتكم وما هم منكم يعني أنهم كاذبون في أيمانهم ولكنهم قوم يفرقون يعني ~~أنهم يخافون أن تظهروا على ما هم عليه من النفاق لو يجدون ملجأ يعني حرزا ~~وحصنا ومعقلا يلجئون إليه وقيل لو وجدوا مهربا لهربوا إليه وقيل لو يجدون ~~قوما يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم ولفارقوكم أو مغارات يعني ~~غيرانا في الجبل جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي يستتر أو ~~مدخلا يعني موضع دخول يدخلون فيه وهو السرب في الأرض كنفق اليربوع وقال ~~الحسن: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لولوا إليه ~~والمعنى أنهم لو وجدوا مكانا بهذه الصفة أو على أحد هذه الوجوه الثلاثة وهي ~~شر الأمكنة وأضيقها لولوا إليه أي لرجعوا إليه وتحرزوا فيه وهم يجمحون يعني ~~وهم يسرعون إلى ذلك المكان والمعنى أن المنافقين لشدة بغضهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين لو قدروا أن يهربوا منكم إلى أحد هذه الأمكنة ~~لصاروا إليه لشدة بغضهم إياكم. # قوله سبحانه وتعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات نزلت في ذي الخويصرة ~~التميمي واسمه حرقوص بن زهير وهو أصل الخوارج (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: ~~«بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ms1638 فيئا فأتاه ذو ~~الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ويلك من يعدل إذا لم أعدل وفي رواية: قد خبت وخسرت إن لم أعدل ~~فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» زاد ~~في رواية «يقرءون القرآن # PageV02P371 # لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين» وفي رواية «من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية» وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له أبو الجواظ لم تقسم ~~بالسوية فنزلت هذه الآية، وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث ~~عهد بأعرابية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة فقال: يا ~~محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل فما عدلت فقال نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم ويلك فمن ذا يعدل بعدي وقال ابن زيد قال المنافقون والله ما ~~يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا من يهواه فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات يعني ومن المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وفي ~~تفريقها ويطعن عليك في أمرها يقال همزه ولمزه بمعنى واحد أي عابه فإن أعطوا ~~منها يعني من الصدقات رضوا يعني رضوا عنك في قسمتها وإن لم يعطوا منها إذا ~~هم يسخطون يعني وإن لم تعطهم منها عابوا عليك وسخطوا. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 59 الى 60] # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) # ولو أنهم رضوا يعني ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك رضوا بما قسم الله ~~لهم وقنعوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله أي كافينا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله يعني إليه إنا إلى ms1639 الله راغبون يعني في أن يوسع علينا ~~من فضله فيغنينا عن الصدقة وعن غيرها من أموال الناس وجواب لو محذوف تقديره ~~لكان خيرا لهم وأعود عليهم. # قوله عز وجل: إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية اعلم أن المنافقين ~~لما لمزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعابوه في قسم الصدقات بين الله عز ~~وجل في هذه الآية إن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية ومصرفها ~~إليهم ولا تعلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها بشيء ولم يأخذ لنفسه ~~منها شيئا فلم يلمزونه ويعيبون عليه فلا مطعن لهم فيه بسبب قسم الصدقات. عن ~~زياد بن الحرث الصدائي قال «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ~~فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية ~~أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» أخرجه أبو داود. # (فصل في بيان حكم هذه الآية وفيه مسائل) # المسألة الأولى: في بيان وجه الحكمة في إيجاب الزكاة على الأغنياء وصرفها ~~إلى المحتاجين من الناس وذلك من وجوه، الوجه الأول أن المال محبوب بالطبع ~~وسببه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها والمال سبب لتحصيل تلك ~~القدرة فكان المال محبوبا بالطبع فإذا استغرق القلب في حب المال اشتغل به ~~عن حب الله عز وجل وعن الاشتغال بالطاعات المقربة إلى الله عز وجل فاقتضت ~~الحكمة الإلهية إيجاب الزكاة في ذلك المال الذي هو سبب البعد عن الله فيصير ~~سببا للقرب من الله عز وجل بإخراج الزكاة منه. الوجه الثاني: إن كثرة المال ~~توجب قسوة القلب وحب الدنيا والميل إلى شهواتها ولذاتها فأوجب الله سبحانه ~~وتعالى الزكاة ليقل ذلك المال الذي هو سبب لقساوة القلب. والوجه الثالث سبب ~~وجوب الزكاة امتحان العبد المؤمن لأن التكاليف البدنية غير شاقة على العبد ~~وإخراج المال مشق على النفس فأوجب الله عز وجل الزكاة على العباد ليمتحن ~~بإخراج الزكاة أصحاب الأموال ms1640 لتميز بذلك المطيع المخرج لها طيبة بها نفسه ~~من العاصي المانع لها. الوجه الرابع أن المال مال الله والأغنياء خزان الله ~~والفقراء عيال الله فأمر الله سبحانه وتعالى خزانه الذين هم أغنياء بدفع ~~طائفة من ماله إلى # PageV02P372 # عياله فيثيب العبد المؤمن المطيع المسارع إلى امتثال الأمر المشفق على ~~عياله ويعاقب العبد العاصي المانع لعياله من ماله (ق) عن أبي موسى الأشعري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ وربما ~~قال يعطي ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر ~~له به أحد المتصدقين. الوجه الخامس أن الفقراء ربما تعلقت قلوبهم بالأموال ~~التي بأيدي الأغنياء فأوجب الله عز وجل نصيبا للفقراء في ذلك المال تطييبا ~~لقلوبهم. # الوجه السادس أن المال الفاضل عن حاجة الإنسان الأصلية إذا أمسك بقي ~~معطلا عن المقصود الذي لأجله خلق المال فأمر بدفع الزكاة إلى الفقراء حتى ~~لا يصير ذلك المال معطلا بالكلية. # المسألة الثانية: الآية تدل على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا هؤلاء ~~الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه لأن كلمتي إنما تفيدان الحصر وذلك لأنها ~~مركبة من إن وما فكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي فعند اجتماعهما يفيدان ~~الحكم المذكور وصرفه عما عداه فدل ذلك على أن الصدقات لا تصرف إلا إلى ~~الأصناف الثمانية. # المسألة الثالثة: في بيان الأصناف الثمانية فالصنف الأول للفقراء والثاني ~~للمساكين وهم المحتاجون الذين لا يفي خرجهم بدخلهم ثم اختلف العلماء في ~~الفرق بين الفقير والمسكين فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والزهري: ~~الفقير الذي لا يسأل والمسكين السائل وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع ~~الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا ~~يقدر على الشيء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وقال قتادة: الفقير ~~المحتاج الزمن والمسكين الصحيح المحتاج وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: # الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن ~~والمسكين من له ms1641 مال أو حرفة ولكن لا تقع منه موقعا لكفايته سائلا كان أو ~~غير سائل فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير. وقال أبو حنيفة، وأصحاب ~~الرأي: # الفقير أحسن حالا من المسكين ومن الناس من قال لا فرق بين الفقير ~~والمسكين حجة الشافعي ومن وافقه أن الله سبحانه وتعالى حكم بصرف الصدقات ~~إلى هؤلاء الأصناف الثمانية دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم فبدأ بالفقر ~~وإنما يبدأ بالأهم فالأهم فلو لم تكن حاجتهم أشد من حاجة المساكين لما بدأ ~~بهم وأصل الفقير المكسور الفقار قال لبيد: # لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل # قال ابن الأعرابي: الفقير في هذا البيت المكسور الفقار فثبت بهذا أن ~~الفقير إنما سمي فقيرا لزمانته وحاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في ~~الكسب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر وقال «اللهم أحيني ~~مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» رواه الترمذي ~~من حديث أنس فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لما تعوذ من الفقر وسأل ~~المسكنة فثبت بهذا أن المسكين أحسن حالا من الفقير ولأن الله سبحانه وتعالى ~~قال أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأثبت لهم ملكا مع اسم ~~المسكنة لأن السفينة من سفن البحر تساوي دنانير كثيرة ولأن الغنى والفقر ~~ضدان والمسكنة قسم ثالث بينهما فثبت بهذا أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ~~وحجة أبي حنيفة ومن وافقه على أن المسكين أسوأ حالا من الفقير قوله أو ~~مسكينا ذا متربة وصف المسكين بكونه ذا متربة وهو الذي لصق جلده بالتراب ~~وهذا يدل على غاية الضر والشدة ولأن الله تعالى جعل الكفارات للمساكين فلو ~~لم يكن المسكين أشد حاجة من غيره لما جعلها له واحتج أيضا بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # واحتج أيضا بقول الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل ~~والمسكين الذي لا شيء له # PageV02P373 # وكذا قال القتيبي: الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي ms1642 لا شيء ~~له وقيل: الفقير الذي له المسكن والخادم والمسكين الذي لا ملك له وقيل: إن ~~كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره قال الله سبحانه ~~وتعالى: أنتم الفقراء إلى الله فأثبت لهم اسم الفقر مع وجدان المال والجواب ~~عن هذه الحجج أما قوله أو مسكينا ذا متربة فهو حجة لمذهب الإمام الشافعي ~~رضي الله تعالى عنه لأنه قيد المسكين المذكور هنا بكونه ذا متربة فدل على ~~أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة والجواب عن ~~جعل الكفارات للمسكين أنه هو الفقير الذي لصق جلده بالتراب من شدة المسكنة ~~والجواب عن الاستدلال ببيت الراعي إنه ذكر الفقير وجده فكل فقير أفرد ~~بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه فسقط الاستدلال به وأما الروايات المذكورة ~~فهي معارضة بما تقدم من الروايات عن ابن عباس وغيره من المفسرين. وبالجملة ~~أن الفقر والمسكنة عبارتان عن شدة الحاجة وضعف الحال فالفقير هو الذي كسرت ~~الحاجة فقار ظهره والمسكين هو الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب ~~القوت. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» أخرجه النسائي وأبو داود وله في ~~رواية أخرى «ولا لذي مرة قوي» عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال «أخبرني ~~رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع وهو يقسم ~~الصدقات فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جلدين فقال إن شئتما ~~أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه ~~الشافعي ولفظه «أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ~~الصدقة فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب» ~~واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع من أخذ الصدقة فقال الأكثرون حده أن ~~يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: ~~حده ms1643 أن يملك مائتي درهم. # وقال قوم: من ملك خمسين درهما أو قيمتها لا تحل له الصدقة لما روي عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجه خموش أو خدوش ~~أو كدوح قيل يا رسول الله وما يغنيه قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب» ~~أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وهذا قول الثوري وابن المبارك وأحمد ~~وإسحاق. وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل أكثر من خمسين درهما من الزكاة ~~وقيل: أربعين درهما لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» أخرجه أبو داود وكانت ~~الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهما الصنف الثالث قوله سبحانه وتعالى: ~~والعاملين عليها وهم السعاة الذين يتولون جباية الصدقات وقبضها من أهلها ~~ووضعها في جهتها فيعطون من مال الصدقات بقدر أجور أعمالهم سواء كانوا فقراء ~~أو أغنياء وهذا قول ابن عمر وبه. قال الشافعي وقال مجاهد والضحاك: يعطون ~~الثمن من الصدقات. وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي يقول: هو وأجرة عمل ~~تتقدر بقدر العمل والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على ~~الصدقات لما روي عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا ~~من بني مخزوم على الصدقة فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تحل لنا الصدقة وأن مولى القوم منهم» أخرجه الترمذي ~~والنسائي الصنف الرابع قوله تعالى: والمؤلفة قلوبهم وهم قسمان: قسم مسلمون ~~وقسم كفار فأما قسم المسلمين فقسمان القسم الأول هم قوم من أشراف العرب كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الصدقات يتألفهم بذلك كما أعطى ~~عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس السلمي فهؤلاء أسلموا وكانت ~~نيتهم ضعيفة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم لتقوى رغبتهم في ~~الإسلام وقوم أسلموا وكانت نيتهم قوية في الإسلام ms1644 وهم أشراف قومهم مثل عدي ~~بن حاتم والزبرقان بن بدر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا ~~لقومهم وترغيبا لأمثالهم في الإسلام فيجوز للإمام أن يعطي أمثال هؤلاء من ~~خمس خمس الغنيمة والفيء من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم من ~~ذلك ومن الصدقات أيضا. القسم الثاني من مؤلفة المسلمين هم قوم من المسلمين ~~يكونون بإزاء قوم كفار في موضع لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بكلفة كبيرة ~~ومؤنة عظيمة وهؤلاء الذين بإزائهم من المسلمين # PageV02P374 # لا يجاهدونهم لضعف نيتهم أو لضعف حالهم فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم ~~الغزاة من مال الصدقة وقيل من سهم المؤلفة قلوبهم ومن هؤلاء قوم بإزاء ~~جماعة من مانعي الزكاة فيأخذون منهم الزكاة ويحملونها إلى الإمام فيعطيهم ~~الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات وقيل من سهم سبيل الله. روي أن عدي بن ~~حاتم جاء أبا بكر بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ~~ثلاثين بعيرا وأما مؤلفة الكفار فهم قوم يخشى شرهم أو يرجى إسلامهم فيجوز ~~للإمام أن يعطي من يخاف شره أو يرجو إسلامه فقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس كما أعطى صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله ~~إلى الإسلام أما اليوم فقد أعز الله الإسلام وله الحمد على ذلك وأغناه عن ~~أن يتألف عليه أحد من المشركين فلا يعطى مشرك تألفا بحال وقد قال بهذا كثير ~~من أهل العلم ورأوا أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط يروى ذلك عن ابن عمر ~~وعكرمة وهو قول الشعبي وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق بن ~~راهويه. وقال قوم: سهمهم ثابت لم يسقط. يروى ذلك عن الحسن وهو قول الزهري ~~وأبي جعفر محمد بن علي وأبي ثور وقال أحمد يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك ~~الصنف الخامس قوله سبحانه وتعالى: وفي الرقاب قال الزجاج: فيه حذف تقديره ~~وفي فك الرقاب وفي تفسير الرقاب أقوال الأول أن سهم الرقاب موضوع في ~~المكاتبين فيدفع ms1645 إليهم ليعتقوا به وهذا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~وهو قول أكثر الفقهاء منهم سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد ~~ويدل عليه أيضا قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، القول الثاني ~~وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق أن سهم # الرقاب موضوع لعتق الرقاب فيشترى به عبيد ويعتقون ويدل عليه ما روي عن ~~ابن عباس أنه قال لا بأس أن يعتق الرجل من الزكاة القول الثالث وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في عتق رقبة ~~ويعان بها مكاتب لأن قوله في الرقاب يقتضي التبعيض. القول الرابع وهو قول ~~الزهري أن سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين ونصف يشترى به عبيد ممن صلوا ~~وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة. قال أصحابنا: الأحوط في سهم الرقاب ~~أن يدفع إلى السيد بإذن المكاتب ويدل عليه أنه سبحانه وتعالى أثبت الصدقات ~~للأصناف الأربعة المتقدمة بلام الملك فقال: إنما الصدقات للفقراء. وقال: في ~~الصنف الخامس وفي الرقاب فلا بد لهذا الفرق من فائدة وهي أن الأصناف ~~الأربعة المتقدم ذكرها يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات فيصرفون ذلك فيما ~~شاؤوا وأما الرقاب فيوضع نصيبهم في تخليص رقابهم من الرق ولا يدفع إليهم ~~ولا يمكنون من التصرف فيه وكذا القول في الغارمين فيصرف نصيبهم في قضاء ~~ديونهم وفي الغزاة يصرف نصيبهم فيما يحتاجون إليه في الغزو وكذا ابن السبيل ~~فيصرف إليه ما يحتاج إليه في سفره إلى بلوغ غرضه الصنف السادس قوله سبحانه ~~وتعالى: والغارمين أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق عليه النفس وسمى الدين ~~غرما لكونه شاقا على الإنسان والمراد بالغارمين هنا المديونون وهم قسمان ~~أدانوا لأنفسهم في غير معصية فيعطون من مال الصدقات بقدر ديونهم إذا لم يكن ~~لهم مال يفي بديونهم فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون وقسم أدانوا في المعروف ~~وإصلاح ذات البين فيعطون من مال الصدقات ما يقضون به دينهم وإن كانوا ~~أغنياء لما روي عن عطاء بن يسار أن رسول ms1646 الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو ~~لرجل أسير إعانة أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين ~~للغني» أخرجه أبو داود مرسلا لأن عطاء بن يسار لم يدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه أما من كان دينه في معصية فلا يعطى ~~من الصدقات شيئا الصنف السابع قوله تعالى: وفي سبيل الله يعني وفي النفقة ~~في سبيل الله وأراد به الغزاة فلهم سهم من مال الصدقات فيعطون إذا أرادوا ~~الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد من النفقة والكسوة والسلاح ~~والحمولة فيعطون ذلك وإن كانوا أغنياء لما تقدم من حديث عطاء وأبي سعيد ~~الخدري ولا يعطى من سهم الله لمن أراد الحج عند أكثر أهل العلم وقال قوم ~~يجوز أن يصرف سهم # PageV02P375 # سبيل الله إلى الحج يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وإليه ذهب أحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال بعضهم: إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على ~~الغزاة فقط ولهذا أجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير ~~من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك قال لأن ~~قوله وفي سبيل الله عام في الكل فلا يختص بصنف دون غيره والقول الأول هو ~~الصحيح لإجماع الجمهور عليه الصنف الثامن قوله سبحانه وتعالى: وابن السبيل ~~يعني المسافر من بلد إلى بلد والسبيل الطريق سمي المسافر ابن السبيل ~~لملازمته الطريق قال الشاعر: # أنا ابن الحرب ربتني وليدا ... إلى أن شبت واكتهلت لداتي # فكل مريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به مسافة سفره يعطى من الصدقات ~~ما يكفيه لمؤنة سفره سواء كان له مال في البلد الذي يقصده أو لم يكن له ~~مال، وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف وقال ms1647 فقهاء العراق: ابن السبيل هو ~~الحاج المنقطع. # وقوله تعالى: فريضة من الله يعني أن هذه الأحكام التي ذكرها في الآية ~~فريضة واجبة من الله وقيل فرض الله هذه الأشياء فريضة والله عليم يعني ~~بمصالح عباده حكيم يعني فيما فرض لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقض ولا خلل. # المسألة الرابعة: في أحكام متفرقة تتعلق بالزكاة اتفق العلماء على أن ~~المراد بقوله إنما الصدقات للفقراء هي الزكاة المفروضة بدليل قوله تعالى خذ ~~من أموالهم صدقة واختلفوا في كيفية قسمتها وفي جواز صرفها كلها إلى بعض ~~الأصناف دون بعض فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعض ~~الأصناف مع وجود الباقين وهو قول عكرمة وإليه ذهب الشافعي قال: يجب أن يقسم ~~زكاة ماله على الموجودين من الأصناف الستة الذين سماهم ثمانية أقسام قسمة ~~على السواء لأن سهم المؤلفة ساقط وسهم العامل ساقط إذا قسم زكاته بنفسه ثم ~~حصة كل صنف من الأصناف الستة لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد ~~منه ثلاثة أو أكثر فلو فاوت بين أولئك الثلاثة جاز فإن لم يجد من بعض ~~الأصناف إلا واحدا دفع حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج من حد الاستحقاق فإن ~~انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لو ~~صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف أو إلى شخص واحد منهم جاز لأن الله ~~سبحانه وتعالى إنما سمى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج ~~عن هذه الثمانية إلا إيجابا منه لقسمتها بينهم جميعا وهذا قول عمر وابن ~~عباس وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي ~~وأحمد بن حنبل. # قال أحمد بن حنبل: يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى. وقال ~~إبراهيم النخعي: إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف وإن ~~كان قليلا وضعه في صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم ~~الأولى فالأولى من أهل ms1648 الخلة والحاجة فإن رأى الخلة في الفقراء في عام ~~قدمهم وإن رآها في صنف آخر في عام حولها إليهم وكل من دفع إليه شيئا من ~~الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق فلا يزيد الفقير على قدر غناه وهو ما ~~يحتاج إليه فإن حصل أدنى اسم الغني فلا يعطي بعده شيئا وإن كان محترفا لكنه ~~لا يجد آلة حرفته فيعطي قدر ما يحصل به آلة حرفته فالاعتبار عند الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه ما يدفع الحاجة من غير حد. وقال أحمد بن حنبل: لا ~~يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما وقال أبو حنيفة: أكره أن يعطى رجل واحد من ~~الزكاة مائتي درهم فإن أعطيته أجزأ فإن أعطى من يظنه فقيرا فبان أنه غني ~~فهل يجزئ فيه قولان ولا يجوز أن يعطي صدقته لمن تلزمه نفقته وبه قال مالك ~~والثوري وأحمد وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطى والدا وإن علا ولا ولدا ~~وإن سفل ولا زوجة ويعطي من عداهم وتحرم الصدقة على ذوي القربى وهم بنو هاشم ~~وبنو المطلب فلا # PageV02P376 # يدفع إليهم من الزكاة شيء لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا آل بيت لا تحل ~~لنا الصدقة» وقال أبو حنيفة تحرم على بني هاشم ولا تحرم على بني المطلب ~~دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم «إنا وبنو المطلب شيء واحد لم يفارقونا في ~~جاهلية ولا إسلام» وتحرم الصدقة على موالي بني هاشم وبني المطلب لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «مولى القوم منهم» وقال مالك لا تحرم واختلفوا في نقل ~~الصدقة من بلد إلى بلد آخر مع وجود المستحقين في بلد المال فكرهه أكثر أهل ~~العلم لتعلق قلوب فقراء ذلك البلد بذلك المال ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ «وأعلمهم أن الله سبحانه وتعالى افترض عليهم صدقة من أغنيائهم وترد ~~على فقرائهم» الحديث بطوله في الصحيحين واتفقوا على أنه إذا نقل المال إلى ~~بلد آخر وأداه إلى فقراء ذلك البلد سقط عنه الفرض إلا ما حكى عن عمر بن عبد ~~العزيز فإنه رد ms1649 صدقة حملت من خراسان إلى الشام فردها إلى مكانها من خراسان ~~والله أعلم. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 61 الى 62] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~(61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) # قوله سبحانه وتعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن نزلت في ~~جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ~~ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون ~~فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد وهو من المنافقين بل نقول ما شئنا ثم نأتيه ~~وننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن أي يسمع كل ما يقال ~~له ويقبله وقيل معنى هو أذن أي ذو أذن سامعة، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في ~~رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان أزنم ثائر الشعر أحمر العينين ~~أسقع الخدين مشوه الخلقة وقد قال فيه النبي: «من أحب أن ينظر إلى الشيطان ~~فلينظر إلى نبتل بن الحرث» وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المنافقين. فقيل له: لا تفعل ذلك. فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه ~~فنقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا، فأنزل الله هذه الآية. # ومقصود المنافقين بقوله هو أذن أنه ليس بعيد غور بل هو سليم سريع ~~الاغترار بكل ما يسمع فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: قل أذن خير لكم ~~يعني هب أنه أذن لكنه أذن خير لكم كقولك رجل صدق وشاهد عدل والمعنى أنه ~~مستمع خير وصلاح لا مستمع شر وفساد وقرئ أذن خير مرفوعين منونين ومعناه ~~يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ثم وصف الله سبحانه ~~وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين يعني أنه يصدق المؤمنين ويقبل قولهم ولا يقبل ms1650 ~~قول المنافقين وإنما عدي الإيمان بالله بالياء والإيمان للمؤمنين باللام ~~لأن الإيمان بالله هو نقيض الكفر فلا يتعدى إلا بالياء فيقال: آمن بالله ~~والإيمان للمؤمنين معناه تصديق المؤمنين فيما يقولونه فلا يقال إلا باللام ~~ومنه قوله تعالى أنؤمن لك وقوله آمنتم له ورحمة أي هو رحمة للذين آمنوا ~~منكم وإنما قال منكم لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فبين الله ~~سبحانه وتعالى كذبهم بقوله إنه رحمة للمؤمنين المخلصين لا للمنافقين وقيل ~~في كونه صلى الله عليه وسلم رحمة لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر ولا ~~ينقب عن أحوالهم ولا يهتك أسرارهم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~يعني في الآخرة. # قوله عز وجل: يحلفون بالله لكم ليرضوكم قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من ~~المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ثم وديعة بن ثابت فوقعوا في النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير وكان عندهم ~~غلام من الأنصار اسمه عامر بن قيس فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام ~~من قولهم وقال والله # PageV02P377 # إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره فدعاهم فسألهم فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب وحلف عامر أنهم كذبة ~~فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق ~~وكذب الكاذب. # فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون ~~ويحلفون، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء ~~المنافقون ليرضوكم يعني فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والله ورسوله أحق أن يرضوه اختلفوا في معنى هذا الضمير إلى ماذا يعود ~~فقيل: الضمير عائد على الله تعالى لأن في رضا الله رضا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى والله ورسوله أحق أن يرضوه بالتوبة والإخلاص. # وقيل: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر ms1651 أحدهما عن الآخر. # وقيل: معناه والله أحق أن يرضوه وكذلك رسوله: إن كانوا مؤمنين يعني إن ~~كان هؤلاء المنافقون مصدقين بوعد الله ووعيده في الآخرة. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 63 الى 64] # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ~~قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) # قوله سبحانه وتعالى: ألم يعلموا قال أهل المعاني ألم تعلم خطاب لمن علم ~~شيئا ثم نسيه أو أنكره فيقال له ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من ~~أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله ألم يعلموا يعني من ~~شرائع الدين التي علمهم رسولنا أنه من يحادد الله ورسوله يعني أنه من يخالف ~~الله ورسوله. # وأصل المحاداة في اللغة: المخالفة والمجانبة والمعادة. واشتقاقه: من ~~الحد. يقال: حاد فلان فلانا إذا صار في غير حده وخالفه في أمره. وقيل: معنى ~~يحادد الله ورسوله أي يحارب الله ورسوله ويعاند الله ورسوله فأن له نار ~~جهنم أي فحق أن له نار جهنم خالدا فيها يعني على الدوام ذلك الخزي العظيم ~~يعني ذلك الخلود في نار جهنم هو الفضيحة العظيمة. # قوله عز وجل: يحذر المنافقون يعني يخشى المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~يعني على المؤمنين تنبئهم يعني تخبر المؤمنين بما في قلوبهم يعني بما في ~~قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا فيما ~~بينهم يذكرون المؤمنين بسوء ويسترونه ويخافون الفضيحة ونزول القرآن في ~~شأنهم. # قال قتادة: وهذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة يعني أنها ~~فضحت المنافقين وبعثرت عن أخبارهم وأثارتها وأسفرت عن مخازيهم ومثالبهم. # وقال ابن عباس: أنزل الله ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة منه على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضا لأن ~~أولادهم كانوا مؤمنين قل استهزؤا أمر تهديد فهو كقوله اعملوا ما شئتم ms1652 إن ~~الله مخرج أي مظهر ما تحذرون والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يظهر إلى ~~الوجود ما كان المنافقون يسترونه ويخفونه عن المؤمنين. قال ابن كيسان: نزلت ~~هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين # PageV02P378 # وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ~~ليفتكوا به إذا علاها وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبريل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قد أضمروا له وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ~~وكان معه عمار بن ياسر يقود ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة ~~يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاهم عن الطريق ~~فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال لم أعرف منهم أحدا يا رسول ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فإنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم فقال حذيفة هلا بعثت إليهم من يقتلهم ~~فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله ~~بالدبيلة (م) عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه ~~فإن الرأي يخطئ ويصيب أم عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس ~~كافة وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن في أمتي» قال شعبة ~~وأحسبه قال حدثني حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن في أمتي ~~اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم ~~من صدورهم». # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 65 الى 67] # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ms1653 نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ~~هم الفاسقون (67) # قوله سبحانه وتعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب الآية وسبب ~~نزولها على ما قال زيد بن أسلم أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في ~~غزوة تبوك: ما لقرائنا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء؟ ~~فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق ولأخبرن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد ~~سبقه. قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه، يعني إلى المنافق، متعلقة ~~بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة يقول إنما كنا نخوض ~~ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا لله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون» ما يزيده قال محمد بن إسحاق الذي قال هذه المقالة فيما بلغني هو ~~وديعة بن ثابت أخو أمية بن زيد بن عمرو بن عوف. # وقال قتادة: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين ~~يديه ناس من المنافقين فقالوا يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها ~~هيهات هيهات فأطلع الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال نبي ~~صلى الله عليه وسلم احبسوا على الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا ~~نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ما تسمعون» وقال الكلبي ~~ومقاتل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ~~ثلاثة نفر من المنافقين اثنان منهم يستهزئان بالقرآن والرسول والثالث يضحك» ~~قيل كانوا يقولون إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ~~ذلك. # وقيل: كانوا يقولون إن محمدا يزعم أنه أنزل في أصحابنا قرآن إنما هو قوله ~~وكلامه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك. فقال: احبسوا على ~~الركب فدعاهم. وقال لهم: قلتم كذا وكذا فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، ومعنى ~~الآية: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما كانوا يقولون فيما ms1654 بينهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب يعني كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعله ~~الركب يقطعون الطريق باللعب والحديث، وأصل الخوض: الدخول في # PageV02P379 # مائع كالماء مع الطين كثر استعماله حتى صار يستعمل في كل دخول مع تلويث ~~وأذى قل أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ~~فيه توبيخ وتقريع للمنافقين وإنكار عليهم والمعنى كيف تقدمون على إيقاع ~~الاستهزاء بالله يعني بفرائض الله وحدوده وأحكامه والمراد بآياته كتابه ~~وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن المنافقين لما قالوا كيف يقدر ~~محمد على أخذ حصون الشام. قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك فذكر بعض ~~المنافقين كلاما يشعر بالقدح في قدرة الله وإنما ذكروا ذلك على طريق ~~الاستهزاء. # قوله عز وجل: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم يعني قل لهؤلاء المنافقين ~~لا تعتذروا بالباطل. # ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قلب المعتذر إليه. وقيل: معنى العذر ~~قطع اللائمة عن الجاني. قد كفرتم بعد إيمانكم: يعني الاستهزاء بالله كفر ~~والإقدام عليه يوجب الكفر فلهذا قال سبحانه وتعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم فإن قلت إن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فكيف قال قد كفرتم بعد ~~إيمانكم. # قلت: معناه أظهرتم الكفر بعد ما كنتم قد أظهرتم الإيمان وذلك أن ~~المنافقين كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم ~~وهو كفر قيل لهم قد كفرتم بعد إيمانكم. وقيل: معناه قد كفرتم عند المؤمنين ~~بعد أن كنتم عندهم مؤمنين. # وقوله سبحانه وتعالى: إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين ذكر المفسرون أن الطائفتين كانوا ثلاثة فالواحد طائفة والاثنان ~~طائفة. والعرب توقع لفظ الجمع على الواحد فلهذا أطلق لفظ الطائفة على ~~الواحد. # قال محمد بن إسحاق: الذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشى بن حمير الأشجعي يقال ~~إنه هو الذي كان يضحك ولا يخوض. وقيل: إنه كان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ~~ما يسمع فكان ذنبه أخف فلما نزلت الآية تاب من نفاقه ورجع إلى الإسلام ~~وقال: ms1655 اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ عني بها تقشعر منها الجلود وتجب ~~منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت ~~أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه قوله سبحانه ~~وتعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يعني أنهم على أمر واحد ودين ~~واحد مجتمعون على النفاق والأعمال الخبيثة كما يقول الإنسان لغيره أنا منك ~~وأنت مني أي أمرنا واحد لا مباينة فيه يأمرون بالمنكر يعني يأمر بعضهم بعضا ~~بالشرك والمعصية وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وينهون عن المعروف يعني ~~عن الإيمان والطاعة وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ويقبضون أيديهم يعني ~~عن الإنفاق في سبيل الله تعالى وفي كل خير نسوا الله فنسيهم هذا الكلام لا ~~يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان الحقيقي لم يستحقوا ذما ~~عليه لأن النسيان ليس في وسع البشر دفعه وأيضا فإن النسيان في حق الله محال ~~فلا بد من التأويل وقد ذكروا فيه وجهين الأول معناه أنهم تركوا أمره حتى ~~صاروا بمنزلة الناسين له فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسى من ثوابه ورحمته ~~فخرج على مزاوجة الكلام فهو كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها. # الوجه الثاني: أن النسيان ضد الذكر فلما تركوا ذكر الله وعبادته ترك ~~الذكر لأن من ترك شيئا لم يذكره وقيل لما تركوا طاعة الله والإيمان به ~~تركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في العقبى إن المنافقين هم ~~الفاسقون يعني هم الخارجون عن الطاعة. # PageV02P380 # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 68 الى 69] # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك هم الخاسرون (69) # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار يقال: وعده بالخير وعدا، ووعده ~~بالشر وعيدا. فالوعد يكون في الخير والشر نار ms1656 جهنم خالدين فيها فيه حذف ~~تقديره يصلونها خالدين يعني مقيمين فيها هي حسبهم يعني هي كافيتهم جزاء على ~~كفرهم ونفاقهم وتركهم الإيمان والطاعة ولعنهم الله يعني وأبعدهم من رحمته ~~وطردهم عن بابه ولهم عذاب مقيم أي دائم لا ينقطع. # فإن قلت قوله خالدين فيها بمعنى ولهم عذاب مقيم وهذا تكرار فما معناه؟ ~~قلت ليس ذلك تكرارا. # وبيان الفرق من وجهين الأول أن معناه ولهم نوع آخر من العذاب المقيم سوى ~~الصلي بالنار. ولقائل أن يقول: هذا التأويل مشكل لأنه سبحانه وتعالى قال في ~~النار هي حسبهم وذلك يمنع من ضم شيء آخر إلى عذاب النار. # وأجيب عن هذا الإشكال بأن قوله هي حسبهم في الإيلام ولا يمتنع أن لا يحصل ~~نوع آخر من العذاب من غير جنس النار كالزمهرير ونحوه ويكون ذلك زيادة في ~~عذابهم. # الوجه الثاني: أن العذاب المقيم هو العذاب المعجل لهم في الدنيا وهو ما ~~يقاسونه من خوف اطلاع المسلمين عليهم وما هم فيه من النفاق وكشف فضائحهم ~~وهذا هو العذاب المقيم. # قوله سبحانه وتعالى: كالذين من قبلكم هذا رجوع عن الغيبة إلى خطاب الحضور ~~والكاف في كالذين للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم، شبه فعل ~~المنافقين بفعل الكفار الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن ~~المعروف وقبض الأيدي عن فعل الخير والطاعة وقيل: إنه تعالى شبه المنافقين ~~في عدو لهم عن طاعة الله واتباع أمره لأجل طلب الدنيا بمن قبلهم من الكفار ~~ثم وصف الكفار بأنهم كانوا أشد من هؤلاء المنافقين قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فقال تعالى: كانوا أشد منكم قوة يعني بطشا ومنعة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم يعني فتمتعوا بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ~~ورضوا بها عوضا عن الآخرة والخلاق النصيب وهو ما خلق الله للإنسان وقدر له ~~من خير كما يقال قسم له فاستمتعتم بخلاقكم وهذا خطاب للحاضرين يعني فتمتعتم ~~أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم # فإن قلت ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق ms1657 الأولين مرة ثم ذكره ~~في حق المنافقين ثانيا ثم إعادة ذكره في حق الأولين ثالثا. # قلت فائدته أنه يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ~~وشهواتها ورضاهم بها وتركهم النظر فيما يصلحهم في الدار الآخرة ثم شبه حال ~~المخاطبين من المنافقين والكفار بحال من تقدمهم ثم رجع إلى ذكر حال الأولين ~~ثالثا وهذا كما تريد أن تبكت بعض الظلمة على قبح ظلمة فتقول له أنت مثل ~~فرعون كان يقتل بغير حق ويعذب بغير جرم فأنت تفعل مثل ما كان يفعل فالتكرير ~~هنا للتأكيد وتقبيح فعلهم وفعل من شابههم في فعلهم. # وقوله تعالى: وخضتم كالذي خاضوا معطوف على ما قبله ومستند إليه يعني ~~وسلكتم في فعلكم مثل ما سلكوا في اتباع الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله ~~والاستهزاء بالمؤمنين أولئك حبطت أعمالهم يعني بطلت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة يعني أن أعمالهم لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة بل يعاقبون ~~عليها وأولئك هم الخاسرون والمعنى أنه كما بطلت أعمال الكفار الماضين ~~وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون # PageV02P381 # وتخسرون (ق). عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضب ~~لاتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن» قوله تعالى: # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 70 الى 72] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) # ألم يأتهم رجع من الخطاب إلى الغيبة يعني ألم يأت هؤلاء المنافقين ~~والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي قد أتاهم نبأ يعني خبر الذين من ms1658 ~~قبلهم يعني الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا ~~أمرنا وعصوا رسلنا ثم ذكرهم فقال تعالى: قوم نوح يعني أنهم أهلكوا بالطوفان ~~وعاد أهلكوا بالريح العقيم وثمود أهلكوا بالرجفة وقوم إبراهيم أهلكوا بسلب ~~النعمة وكان هلاك نمرود ببعوضة وأصحاب مدين وهم قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم ~~الظلة والمؤتفكات يعني المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها وهي مدائن ~~قوم لوط. # وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الطوائف الستة، لأن آثارهم باقية ~~وبلادهم بالشام والعراق واليمن وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون ~~عليهم ويعرفون أخبارهم أتتهم رسلهم بالبينات يعني بالمعجزات الباهرات ~~والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها ~~المنافقون والكفار فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما ~~عجلت لهم فما كان الله ليظلمهم يعني بتعجيل العقوبة ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون يعني أن الذي استحقوه من العقوبة بسبب ظلمهم أنفسهم. # قوله عز وجل: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض لما وصف الله ~~المنافقين بالأعمال الخبيثة والأحوال الفاسدة ثم ذكر بعده ما أعد لهم من ~~أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة عقبه بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة ~~وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يعني الموالاة في الدين واتفاق ~~الكلمة والعون والنصرة. # فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في وصف المنافقين: بعضهم من بعض وقال في ~~وصف المؤمنين: # بعضهم أولياء بعض فما الفائدة في ذلك. # قلت: لما كان نفاق الأتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد المتبوعين وهم الرؤساء ~~والأكابر وحصل بمقتضى الطبيعة أيضا قال فيهم بعضهم من بعض ولما كانت ~~الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله وتوفيقه وهدايته لا بمقتضى ~~الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين ~~وظهرت الفائدة. # وقوله سبحانه وتعالى: يأمرون بالمعروف يعني بالإيمان بالله ورسوله واتباع ~~أمره والمعروف كل ما عرف في الشرع من خير وبر وطاعة وينهون عن المنكر يعني ~~عن الشرك والمعصية والمنكر كل ما ms1659 ينكره الشرع وينفر منه الطبع وهذا في ~~مقابلة ما وصف به المنافقون وضده ويقيمون الصلاة يعني الصلاة المفروضة # PageV02P382 # ويتممون أركانها وحدودها ويؤتون الزكاة يعني الواجبة عليهم وهو في مقابلة ~~ويقبضون أيديهم ويطيعون الله ورسوله يعني فيما يأمرهم به وهو في مقابلة ~~نسوا الله فنسيهم أولئك يعني المؤمنين والمؤمنات الموصوفين بهذه الصفات ~~سيرحمهم الله لما ذكر الله ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ~~ما وعد به المؤمنين والمؤمنات من الرحمة والرضوان وما أعد لهم في الجنان ~~والسين في قوله سيرحمهم الله للمبالغة والتوكيد إن الله عزيز حكيم وهذا ~~يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو الذي لا يمتنع عليه شيء ~~أراده فهو قادر على إيصال العقوبة لمن أراد والحكيم هو الذي يدبر عباده على ~~ما يقتضيه العدل والإنصاف وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها لما ذكر الله في الآيات المتقدمة وعيد المنافقين وما ~~أعد لهم في نار جهنم من العذاب ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية ما وعد به ~~المؤمنين من الخير والثواب والمراد بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار ~~البساتين التي يتحير في حسنها الناظر لأنه سبحانه وتعالى قال ومساكن طيبة ~~في جنات عدن والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في ~~جنات عدن ومناظرهم الجنات التي هي البساتين فتكون جنات عدن هي المساكن التي ~~يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون فيها فهذه فائدة المغايرة ~~بين المعطوف والمعطوف عليه والفرق بينهما ومساكن طيبة يعني ومنازل يسكنونها ~~طيبة في جنات عدن يعني في بساتين خلد وإقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به. # روى الطبري بسنده عن عمران بن حصين وأبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن هذه الآية ومساكن طيبة في جنات عدن قال: قصر من لؤلؤة في ~~ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء ~~في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من ms1660 كل لون على كل فراش زوجة ~~من الحور العين» وفي رواية: كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من ~~طعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي ~~على ذلك كله أجمع» وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عدن داره يعني دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر ~~وهي مسكنه ولا يسكنها مع بني آدم غير ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء ~~يقول الله عز وجل طوبى لمن دخلك» هكذا رواه الطبري فإن صحت هذه الرواية فلا ~~بد من تأويلها فقوله عدن داره يعني دار الله وهو من باب حذف المضاف تقديره ~~عدن دار أصفياء الله تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقربين من ~~عباده. # عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنتان من ~~فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ~~أن ينظروا إلى ربهم إلى رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» أخرجه البخاري ~~ومسلم. وقال عبد الله بن مسعود: عدن بطنان الجنة يعني وسطها. وقال عبد الله ~~بن عمرو بن العاص: # إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا ~~يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. # وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة خيامه على حافتيه، وقال مقاتل ~~والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة فيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة بها ~~وهي مغطاة من حين خلقها الله حتى ينزلها أهلها وهم الأنبياء والصديقون ~~والشهداء والصالحون ومن شاء الله وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح ~~طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض. # قال الإمام فخر الدين الرازي: حاصل هذا الكلام أن في جنات عدن قولين: # أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا ~~القول قال صاحب الكشاف وعدن علم بدليل قوله «جنات عدن التي ms1661 وعد الرحمن ~~عباده» والقول الثاني إنه صفة للجنة. # قال الأزهري: العدن مأخوذ من قولك: عدن بالمكان إذا أقام به. يعدن عدوانا ~~فبهذا الاشتقاق قالوا: # الجنات كلها جنات عدن. # PageV02P383 # وقوله سبحانه وتعالى: ورضوان من الله أكبر يعني أن رضوان الله الذي ينزله ~~عليهم أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنة ذلك هو الفوز العظيم إشارة إلى ~~ما تقدم ذكره من نعيم الجنة والرضوان (ق) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل ~~الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون ~~ومالنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا ~~أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني ~~فلا أسخط بعده عليكم أبدا». ### || [سورة التوبة (9): الآيات 73 الى 74] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) # قوله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار يعني بالسيف والمحاربة ~~والقتال والمنافقين يعني وجاهد المنافقين واختلفوا في صفة جهاد المنافقين ~~وسبب هذا الاختلاف أن المنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام ولما كان ~~الأمر كذلك لم تجز مجاهدته بالسيف والقتال لإظهاره الإسلام فقال ابن عباس: ~~أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف ~~والمنافقين باللسان وإذهاب الرفق عنهم وهذا قول الضحاك أيضا وقال ابن: ~~مسعود بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر ~~في وجهه. # وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم يعني إذا تعاطوا أسبابها وهذا ~~القول فيه بعد لأن إقامة الحدود واجبة ms1662 على من ليس بمنافق فلا يكون لهذا ~~تعلق بالنفاق وإنما قال الحسن وقتادة ذلك لأن غالب من كان يتعاطى أسباب ~~الحدود فتقام عليهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون. # قال الطبري: وأولى الأقوال قول ابن مسعود لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد ~~وقد دلت الآية على وجوب جهاد المنافقين وليس في الآية ذكر كيفية ذلك الجهاد ~~فلا بد من دليل آخر وقد دلت الدلائل المنفصلة أن الجهاد مع الكفار إنما ~~يكون بالسيف ومع المنافقين بإظهار الحجة عليهم تارة وبترك الرفق بهم تارة ~~وبالانتهار تارة وهذا هو قول ابن مسعود واغلظ عليهم يعني شدد عليهم بالجهاد ~~والإرهاب ومأواهم جهنم وبئس المصير بمعنى أن جهنم مسكنهم وبئس المصير ~~مصيرهم إليها. # فإن قلت كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين بين أظهر أصحابه مع ~~علمه بهم وبحالهم. # قلت: إنما أمر الله عز وجل نبيه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بقتال من ~~أظهر كلمة الكفر وأقام على إظهارها. # فأما من تكلم بالكفر في السر فإذا اطلع عليه أنكره ورجع عنه وقال: إني ~~مسلم فإنه يحكم بإسلامه في الظاهر في حقن دمه وماله وولده وإن كان معتقدا ~~غير ذلك في الباطن لأن الله سبحانه وتعالى أمر بإجراء الأحكام على الظواهر ~~فلذلك أجرى النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين على ظواهرهم ووكل سرائرهم ~~إلى الله سبحانه وتعالى لأنه العالم بأحوالهم وهو يجازيهم في الآخرة بما ~~يستحقون. # قوله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية فقال عروة بن الزبير: نزلت في ~~الجلاس بن سويد أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء. # PageV02P384 # فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من حمرنا هذه التي نحن ~~عليها فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما قلت وخفت أن ينزل في القرآن أو أن تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته ~~فأتيت النبي صلى الله عليه ms1663 وسلم فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من ~~قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئته أو تصيبني قارعة ما ~~أخبرتك. قال: فدعا الجلاس، فقال له: يا جلاس أقلت ما قال مصعب؟ فحلف ما ~~قال، فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا، الآية. # وروي عن مجاهد ونحوه. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في ظل حجرة فقال: إنه سيأتينكم إنسان فينظر إليكم بعين الشيطان فإذا ~~جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما ~~قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنه فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا. ~~ثم نعتهم جميعا إلى آخر الآية. # وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار ~~وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي ~~بن سلول للأوس: انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال ~~القائل سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه ~~فسأله فحلف بالله ما قال فأنزل الله هذه الآية، هذه روايات الطبري. # وذكر البغوي عن الكلبي قال: نزلت في الجلاس بن سويد وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم ~~فقال الجلاس: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير فلما انصرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس. ~~فقال الجلاس: كذب يا رسول الله علي فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا ~~إله إلا هو ما قاله ولقد كذب على عامر ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله ~~إلا ms1664 هو لقد قاله وما كذبت عليه ثم رفع عامر يده إلى السماء فقال: اللهم ~~أنزل على نبيك تصديق الصادق منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون آمين فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض ~~علي التوبة صدق عامر بن قيس فيما قاله لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب ~~إليه فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه فتاب وحسنت توبته فذلك ~~قوله سبحانه وتعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم يعني أظهروا كلمة الكفر بعد إسلامهم وتلك الكلمة هي سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد لئن كان محمد صادقا لنحن ~~شر من الحمير وقيل هي كلمة عبد الله بن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل وستأتي القصة في موضعها في سورة المنافقين إن شاء ~~الله تعالى. # قوله سبحانه وتعالى: وهموا بما لم ينالوا قال مجاهد: هم الجلاس بقتل الذي ~~سمع مقالته خشية أن يفشيها عليه وقيل هم عبد الله بن أبي بن سلول وكان همه ~~قوله لئن رجعنا إلى المدينة فلم ينله وقيل: هم اثنا عشر رجلا من المنافقين ~~بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفوا على العقبة وقت رجوعه من تبوك ~~ليقتلوه فجاء جبريل عليه السلام فأخبره وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه ~~رواحلهم فأرسل حذيفة لذلك. # وقال السدي: قال المنافقون إذا رجعنا إلى المدينة عقدنا على رأس عبد الله ~~بن أبي بن سلول تاجا فلم يصلوا إليه وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله يعني وما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله والمعنى أن المنافقين عملوا بضد الواجب فجعلوا ~~موضع شكر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقموا عليه وقيل إنهم بطروا النعمة ~~فنقموا أشرا وبطرا ms1665 وقال ابن قتيبة: معناه ليس ينقمون شيئا ولا يتعرفون إلا ~~الصنع وهذا كقول الشاعر: # PageV02P385 # ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا # وهذا ليس مما ينقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا فهو كقول ~~النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # أي ليس فيهم عيب. # قال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من ~~العيش فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم. # فعلى هذا القول يكون الكلام عاما. وقال عروة: كان الجلاس قتل له مولى ~~فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بديته فاستغنى. # وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أبي دية فأخرجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم له. وقال عكرمة: إن مولى لبني عدي قتل رجلا من الأنصار فقضى له النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفا وفيه نزلت وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم يعني: فإن يتوبوا من ~~كفرهم ونفاقهم يك ذلك خيرا لهم في العاجل والآجل وإن يتولوا يعني وإن ~~يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر يعذبهم الله عذابا ~~أليما في الدنيا يعني بالخزي والإذلال والآخرة أي ويعذبهم في الآخرة بالنار ~~وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير يعني وليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله ~~أو ينصرهم في الدنيا والآخرة. # ### || [سورة التوبة (9): آية 75] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) # قوله سبحانه وتعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الآية. # روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي أمامة الباهلي قال: «جاء ثعلبة بن حاطب ~~الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن ~~يرزقني مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع ms1666 الله ~~أن يرزقني مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمالك في رسول الله ~~أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم ~~أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق ~~لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالا. قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت ~~عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها وهي تنمو كما ينمو الدود ~~فكان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه ~~سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ~~ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة ~~فكان إذا كان يوم جمعة خرج فتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله اتخذ ~~ثعلبة غنما ما يسعها واد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح ثعلبة ~~يا ويح ثعلبة. فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة ~~وكيف يأخذان وقال لهما: مرا على ثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا ~~صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى ~~تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بها السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله ~~فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياها قالا: ما هذه عليك. قال: خذاها ~~فإن نفسي بذلك طيبة فمرا على الناس وأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال ~~أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية اذهبا ~~حتى أرى رأيي. قالا: ms1667 فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه ~~بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه: ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن الآية إلى قوله سبحانه وتعالى: وبما كانوا يكذبون ~~وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة # PageV02P386 # فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا ~~فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته ~~فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني، فلما أبى أن ~~يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتى أبا بكر فقال: اقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها ~~منك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا لا أقبلها. فقبض أبو بكر ولم يقبلها ~~منه فلما ولي عمر أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها منك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا أبو بكر فأنا لا أقبلها منك فلم يقبلها. ثم ولي عثمان ~~فأتاه فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان». وأخرجه الطبري أيضا بسنده. قال ~~بعض العلماء: إنما لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة ثعلبة، لأن ~~الله سبحانه وتعالى منعه من قبولها منه مجازاة له على إخلافه ما وعد الله ~~عليه وإهانة له على قوله: إنما هي جزية أو أخت الجزية، فلما صدر هذا القول ~~منه ردت صدقته عليه إهانة له وليعتبر غيره فيه فلا يمتنع من بذل الصدقة عن ~~طيب نفس بإخراجها ويرى أنها واجبة عليه وأنه يثاب على إخراجها ويعاقب على ~~منعها. # وقال ابن عباس: إن ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني ~~الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه ms1668 وتصدقت منه ووصلت القرابة فمات ابن عم ~~له فورث منه مالا فلم يف بما عاهد الله عليه فأنزل الله فيه هذه الآية. ~~وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف ~~خرجا على ملأ قعود فقالا لئن رزقنا الله من فضله لنصدقن فلما رزقهما الله ~~بخلا به. وقال ابن السائب: إن حاطب بن أبي بلتعة «1» كان له مال بالشام ~~فأبطأ عليه فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله لئن آتاني الله من فضله يعني ~~ذلك المال لأصدقن منه ولأصلن فلما آتاه ذلك المال لم يف بما عاهد الله عليه ~~فنزلت هذه الآية وحاصله أن ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله ~~لئن آتاه من فضله ليصدقن وليفعلن فيه أفعال الخير والبر والصلة فلما آتاه ~~الله من فضله ما سأل لم يف بما عاهد الله عليه ومعنى الآية ومن المنافقين ~~من أعطى الله عهدا لئن رزقنا من فضله بأن يوسع علينا في الرزق لنصدقن يعني ~~لنتصدقن ولنخرجن من ذلك المال صدقته ولنكونن من الصالحين يعني: ولنعملن في ~~ذلك المال ما يعمله أهل الصلاح بأموالهم من صلة الأرحام والإنفاق في سبيل ~~الله وجميع وجوه البر والخير وإخراج الزكاة وإيصالها إلى أهلها والصالح ضد ~~المفسد والمفسد هو الذي يبخل بما يلزمه في حكم الشرع. وقيل: إن المراد ~~بقوله لنصدقن، إخراج الزكاة الواجبة. وقوله: ولنكونن من الصالحين إشارة إلى ~~كل ما يفعله أهل الصلاح على الإطلاق من جميع أعمال البر والطاعة. ### || [سورة التوبة (9): آية 76] # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # فلما آتاهم من فضله بخلوا به يعني فلما رزقهم الله لم يفعلوا من أعمال ~~البر شيئا وتولوا يعني عما عاهدوا الله عليه وهم معرضون يعني عن العهد. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 77 الى 79] # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام ~~الغيوب (78) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ms1669 في الصدقات والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) PageV02P387 # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم يعني فأعقبهم الله نفاقا بأن صيرهم منافقين يقال ~~أعقبت فلانا ندامة إذا صارت عاقبة أمره إلى ذلك وقيل معناه أنه سبحانه ~~وتعالى عاقبهم بنفاق قلوبهم إلى يوم يلقونه يعني أنه سبحانه وتعالى حرمهم ~~التوبة إلى يوم القيامة فيوافونه على النفاق فيجازيهم عليه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه يعني الصدقة والإنفاق في سبيله وبما كانوا يكذبون يعني في قولهم ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة وفي رواية خصلة منهن كانت فيه خصلة ~~من نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر» ~~قال الشيخ محيي الدين النووي: هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا ~~من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك وقد أجمع ~~العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه ~~بكفر ولا هو منافق مخلد في النار فإن إخوة يوسف عليه السلام جمعوا هذه ~~الخصال وكذا قد يوجد لبعض السلف ولبعض العلماء بعض هذا أو كله. قال الشيخ: ~~هذا ليس بحمد الله إشكالا ولكن اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون ~~والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها ~~يشبه المنافقين في هذه الخصال ويتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن ~~خلافه وهذا موجود في صاحب هذه الخصال فيكون نفاقه في حق من حدثه ووعده ~~وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن ~~الكفر ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق ms1670 نفاق الكفار ~~المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم كان منافقا ~~خالصا معناه كان شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال قال بعض العلماء ~~وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر ذلك منه فليس ذلك حاصلا ~~فيه هذا هو المختار في معنى الحديث. # وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم ~~فخافوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم وهذا قول ~~سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري بعد أن كان على ~~خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وروياه أيضا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئمتنا. وحكى الخطابي قولا آخر: إن ~~معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال وحكى أيضا عن بعضهم أن الحديث ~~ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح ~~القول فيقولا فلان منافق وإنما يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~بال أقوام يفعلون كذا» والله أعلم. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ظاهر هذه ~~الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن ~~يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. # وقوله سبحانه وتعالى: ألم يعلموا يعني هؤلاء المنافقين أن الله يعلم سرهم ~~يعني ما تنطوي عليه صدورهم من النفاق ونجواهم يعني ويعلم ما يفاوض به بعضهم ~~بعضا فيما بينهم والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم والمعنى أنهم ~~يعلمون أن الله يعلم جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها وأن الله علام ~~الغيوب وهذا مبالغا في العلم يعني أن الله عالم بجميع الأشياء فكيف تخفى ~~عليه أحوالهم. # قوله عز وجل: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات الآية (ق) عن ~~أبي مسعود البدري قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحمل على ms1671 ظهورنا فجاء رجل ~~فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغني عن ~~صاع هذا فنزلت الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم الآية وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء # PageV02P388 # عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف ~~درهم جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك ~~الله في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما ~~مائة وستين ألف درهم وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر ~~وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر ~~بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك بالآخر ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات فلمزهم المنافقون. ~~فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع ~~أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطي من الصدقة فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~الذين يلمزون يعيبون المطوعين يعني المتبرعين من المؤمنين يعني عبد الرحمن ~~بن عوف وعاصم بن عدي في الصدقات والتطوع التنفل بما ليس بواجب عليه والذين ~~لا يجدون إلا جهدهم يعني أبا عقيل الأنصاري والجهد بالضم الطاقة وهي لغة ~~أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وقيل: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة وقد ~~يكون القليل من المال الذي يأتي به فيتصدق به أكثر موقعا عند الله تعالى من ~~الكثير الذي يأتي به فيتصدق به لأن الغني أخرج ذلك المال الكثير عن قدرة ~~وهذا الفقير أخرج القليل إنما أخرجه عن ضعف وجهد وقد يؤثر المحتاج إلى ~~المال غيره رجاء ما عند الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فيسخرون منهم يعني أن ms1672 المنافقين كانوا يستهزئون ~~بالمؤمنين في إنفاقهم المال في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وهو قولهم لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيا وكانوا يعيرون الفقير الذي ~~يتصدق بالقليل ويقولون: إنه لفقير محتاج إليه فكان يتصدق به وجوابهم إن كل ~~من يرجو ما عند الله من الخير والثواب يبذل الموجود لينال ذلك الثواب ~~الموعود به وقوله سبحانه وتعالى: سخر الله منهم يعني أنه سبحانه وتعالى ~~جازاهم على سخريتهم ثم وصف ذلك وهو قوله تعالى: ولهم عذاب أليم يعني في ~~الآخرة. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 80 الى 82] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ~~(81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) # قوله سبحانه وتعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم قال المفسرون: لما نزلت الآيات المتقدمة في ~~المنافقين وبان نفاقهم وظهر للمؤمنين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعتذرون إليه ويقولون استغفر لنا فنزلت استغفر لهم أو لا تستغفر فلن ~~يغفر الله لهم وإنما خص سبحانه وتعالى السبعين من العدد بالذكر لأن العرب ~~كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى على ~~عمه حمزة رضي الله تعالى عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبعة وهو عدد ~~شريف فإن السموات والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع ~~والنجوم السيارة سبع فلهذا خص الله تبارك وتعالى السبعين بالذكر للمبالغة ~~في اليأس من طمع المغفرة لهم. قال الضحاك ولما نزلت هذه الآية قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله ~~أن يغفر لهم فأنزل الله سبحانه وتعالى سواء عليهم ms1673 استغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم فلن يغفر الله لهم (ق) عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله يعني بن أبي ~~بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن ~~يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنما خيرني الله عز وجل # PageV02P389 # فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على ~~السبعين قال إنه منافق فصلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون زاد في رواية فترك الصلاة عليهم. # وقوله سبحانه وتعالى: ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله يعني أن هذا الفعل من ~~الله وهو ترك العفو عنهم وترك المغفرة لهم من أجل أنهم اختاروا الكفر على ~~الإيمان بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين يعني والله لا يوافق ~~للإيمان به وبرسوله من اختار الكفر والخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. # قوله عز وجل: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله يعني فرح المتخلفون عن ~~غزوة تبوك والمخلف المتروك بمقعدهم يعني بقعودهم في المدينة خلاف رسول الله ~~يعني بعده وعلى هذا المعنى خلاف بمعنى خلف فهو اسم للجهة المعينة لأن ~~الإنسان إذا توجه إلى قدامه فمن تركه خلفه فقد تركه بعده وقيل معناه مخالفة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى تبوك وأقاموا بالمدينة لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان قد أمرهم بالخروج إلى الجهاد فاختاروا القعود ~~مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحانه وتعالى: وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف ~~وكرهوا الخروج ms1674 إلى الجهاد وذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة ~~والقعود مع الأهل والولد ويكره إتلاف النفس والمال وهو قوله سبحانه وتعالى: ~~وقالوا لا تنفروا في الحر وكانت غزوة تبوك في شدة الحر فأجاب الله عن هذا ~~بقوله سبحانه وتعالى: قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون يعني: قل يا ~~محمد لهؤلاء الذين اختاروا الراحة والقعود خلافك عن الجهاد في الحر أن نار ~~جهنم التي هي موعد في الآخرة أشد حرا من حر الدنيا لو كانوا يعلمون. قال ~~ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك ~~في الصيف. فقال رجال: يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفر ~~في الحر فقال الله عز وجل قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فأمره الله ~~تعالى بالخروج فليضحكوا قليلا يعني فليضحك هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرحين قليلا في الدنيا الفانية بمقعدهم خلافه وليبكوا ~~كثيرا يعني مكان ضحكهم في الدنيا وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه ~~الإخبار والمعنى: أنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا فهو قليل ~~بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة لأن الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع ~~الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل جزاء بما كانوا يكسبون يعني إن ذلك ~~البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيثة في الدنيا (خ). عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا ~~أن تبكوا» فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم ~~كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت ~~فيها لجرت». # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 83 الى 85] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ms1675 ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # قوله سبحانه وتعالى: فإن رجعك الله يعني فإن ردك الله يا محمد من غزاتك ~~هذه إلى طائفة منهم # PageV02P390 # يعني إلى المتخلفين عنك وإنما قال منهم لأنه ليس كل من تخلف بالمدينة عن ~~غزوة تبوك كان منافقا مثل أصحاب الأعذار فاستأذنوك للخروج يعني فاستأذنك ~~المنافقون الذين تخلفوا عنك وتحقق نفاقهم في الخروج معك إلى غزوة أخرى فقل ~~لن تخرجوا معي أبدا يعني فقل يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج وهم مقيمون ~~على نفاقهم لن تخرجوا معي أبدا لا إلى غزوة ولا إلى سفر ولن تقاتلوا معي ~~عدوا إنكم يعني لأنكم رضيتم بالقعود أول مرة يعني أنكم رضيتم بالتخلف عن ~~غزوة تبوك فاقعدوا مع الخالفين يعني: مع المتخلفين من النساء والصبيان. ~~وقيل: مع المرضى والزمنى. وقال ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر. وقيل: ~~مع المخالفين يقال صاحب خالف إذا كان مخالفا كثير الخلاف وفي الآية دليل ~~على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته ~~لأن الله سبحانه وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الجهاد وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما ~~علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات. # قوله عز وجل: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية، قال قتادة: بعث عبد ~~الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ليأتيه قال ~~فنهاه عمر عن ذلك فأتاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: أهلكك حب اليهود فقال يا نبي الله إني لم ~~أبعث إليك لتؤنبني ولكن بعثت إليك لتستغفر لي وسأله قميصه أن ms1676 يكفن فيه ~~فأعطاه إياه واستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فكفنه في قميصه ~~صلى الله عليه وسلم ونفث في جلده ودلاه في قبره فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية (خ). # عن عمر بن الخطاب: قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ~~إليه فقلت يا رسول الله أتصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي بن سلول وقد قال يوم كذا ~~كذا وكذا عدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخر عني ~~يا عمر فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على ~~السبعين يغفر له لزدت عليها قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره إلى قوله وهم فاسقون قال فعجبت بعد من جرأتي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم. وأخرجه الترمذي ~~وزاد فيه فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على ~~قبره حتى قبضه الله تعالى (ق) عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ~~ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه والله أعلم. قال: وكان كسا عباسا قميصا قال ~~سفيان وقال أبو هارون: # وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال له ابن عبد الله يا ~~رسول الله ألبس عبد الله قميصك الذي يلي جلدك. قال سفيان: فيرون أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أليس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع وفي رواية ms1677 عن جابر ~~قال: لما كان يوم بدر أتى بالأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه ~~فكساه النبي إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه. # ((فصل)) قد وقع في هذه الأحاديث التي تتضمن قصة موت عبد الله بن أبي بن ~~سلول المنافق صورة اختلاف في الروايات ففي حديث ابن عمر المتقدم، أنه لما ~~توفي عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه ~~وصلى عليه وفي حديث عمر بن الخطاب من إفراد البخاري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعى له ليصلي عليه. وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتاه بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه ~~وألبسه. قميصه ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم # PageV02P391 # أعطاه قميصه فكفن فيه ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وليس في حديث ~~جابر ذكر الصلاة عليه فالظاهر والله أعلم أنه صلى عليه أولا كما في حديث ~~عمر وابن عمر ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ثانيا بعد ما أدخل ~~حفرته فأخرجه منها ونزع عنه القميص الذي أعطاه وكفن فيه لينفث عليه من ريقه ~~ثم إنه صلى الله عليه وسلم ألبسه قميصه بيده الكريمة فعل هذا كله بعبد الله ~~بن أبي تطيبا لقلب ابنه عبد الله فإنه كان صحابيا مسلما صالحا مخلصا، وأما ~~قول قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه وأنه سأله أن ~~يستغفر له وأن يعطيه قميصه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه واستغفر له وصلى ~~عليه ونفث في جلده ودلاه في حفرته فهذه جمل من القول ظاهرها الترتيب وما ~~المراد بهذا الترتيب إلا توفيقا بين الأحاديث فيكون قوله: ونفث في جلده ms1678 ~~ودلاه في قبره جملة منقطعة عما قبلها. يعني أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ~~بعد ما أعطاه القميص وبعد أن صلى عليه والله أعلم. وقال القرطبي في شرح ~~صحيح مسلم له أن عبد الله بن أبي بن سلول كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم ~~فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وانصرف إليه الخزرج وغيرهم حسده وناصبه ~~العداوة غير أن الإسلام غلب عليه فنافق وكان رأسا في المنافقين وأعظمهم ~~نفاقا وأشدهم كفرا وكان المنافقون كثيرا حتى لقد روى عن ابن عباس أنهم ~~كانوا ثلاثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة وكان ولده عبد الله يعني ولد عبد ~~الله بن أبي من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاما وأكثرهم عبادة وأشرحهم صدرا ~~وكان أبر الناس بأبيه ومع ذلك فقد قال يوما للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~رسول الله إنك لتعلم أني من أبر الناس بأبي وإن أمرتني أن آتيك برأسه فعلت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # بل نعفو عنه وكان من أحرص الناس على إسلام أبيه وعلى أن ينتفع من بركات ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ولذلك لما مات أبوه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فينال من بركته فأعطاه وسأله أن يصلي عليه ~~فصلى عليه كل ذلك إكراما لابنه عبد الله وإسعافا له ولطلبته من قول عمر ~~تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه يحتمل أن يكون قبل نزول ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا. ويظهر من هذا السياق أن عمر وقع في خاطره أن الله نهاه ~~عن الصلاة عليه فيكون هذا من قبيل الإلهام والتحديث الذي شهد له به النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ويحتمل أن يكون فهمه من سياق قوله: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم وهذان ~~التأويلان فيهما بعد. قال القرطبي: والذي يظهر لي، والله أعلم، أن البخاري ~~ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس وساقه سياقة هي أبين من هذه وليس فيها ~~هذا اللفظ فقال عن ابن عباس ms1679 عن عمر لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~عمر: وثبت إليه الحديث، إلى قوله فصلى عليه ثم انصرف فلم يلبث إلا يسيرا ~~حتى أنزلت عليه الآيتان من براءة. قال القرطبي: وهذا مساق حسن وتنزيل متقن ~~ليس فيه شيء من الإشكال المتقدم فهو الأولى وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~سأزيد على السبعين وعد بالزيادة وهو مخالف لما في حديث ابن عباس عن ابن عمر ~~فإن فيه لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت وهذا تقييد لذلك ~~الوعد المطلق فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ويقيد بعضها بعضا فلذلك قال لو ~~أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت فقد علم أنه لا يغفر له. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: إني خيرت مشكل مع قوله تعالى ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن ~~مات كافرا وهو متقدم على الآية التي فيها التخيير والجواب عن هذا الإشكال ~~أن المنهي عنه استغفاره لمن تحقق موته على الكفر والشرك. وأما استغفاره ~~لأولئك المنافقين المخير فيهم فهو قد علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يقع ~~ولا ينفع وغايته وإن وقع كان تطييبا لقلوب الأحياء من قراباتهم فانفصل ~~الاستغفار المنهي عنه من المخير فيه وارتفع الإشكال بحمد الله والله أعلم. # وقال الشيخ محيي الدين النووي: إنما أعطاه قميصه ليكفنه فيه تطييبا لقلب ~~ابنه عبد الله فإنه كان صحابيا صالحا وقد سأل ذلك فأجابه إليه وقيل بل ~~أعطاه مكافأة لعبد الله بن أبي المنافق الميت لأنه ألبس العباس حين أسر يوم ~~بدر قميصا وفي الحديث بيان مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقد علم ~~ما كان من هذا المنافق من الإيذاء له # PageV02P392 # وقابله بالحسنى وألبسه قميصه كفنا وصلى عليه واستغفر له قال الله سبحانه ~~وتعالى وإنك لعلى خلق عظيم وقال البغوي: قال سفيان بن عيينة ms1680 كانت له يد عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب أن يكافئه بها ويروى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال صلى الله عليه وسلم: وما ~~يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه. # فيروى أنه أسلم ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقوله سبحانه وتعالى: ولا تقم على قبره يعني لا تقف عليه ولا تتول دفنه ~~من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وناب عنه فيه إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة عليه والقيام ~~على قبره ولما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~منافق ولا قام على قبره وبعدها. # فإن قلت: الفسق أدنى حالا من الكفر ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه ~~كافرا دخل تحته الفسق وغيره فما الفائدة في وصفه بكونه فاسقا بعد ما وصفه ~~بالكفر قلت إن الكافر قد يكون عدلا في نفسه بأن يؤدي الأمانة ولا يضمر لأحد ~~سوءا وقد يكون خبيثا في نفسه كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير ~~وهذا أمر مستقبح عند كل أحد ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة وصفهم ~~الله سبحانه وتعالى بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر. # قوله تعالى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون الكلام على هذه الآية في مقامين المقام ~~الأول في وجه التكرار والحكمة فيه أن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل ~~أولا وتأكيده وإرادة أن يكون المخاطب به على بال ولا يغفل عنه ولا ينساه ~~وأن يعتقد أن العمل به مهم وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر ~~منه وهو أن أشد الأشياء جذبا للقلوب والخواطر الاشتغال بالأموال والأولاد ~~وما كان كذلك يجب التحذير منه مرة بعد أخرى وبالجملة فالتكرير يراد به ~~التأييد والمبالغة ms1681 في التحذير من ذلك الشيء الذي وقع الاهتمام به وقيل أيضا ~~إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوما من المنافقين كان لهم ~~أموال وأولاد عند نزولها وبالآية الأخرى أقواما آخرين منهم المقام الثاني ~~في وجه بيان ما حصل من التفاوت في الألفاظ في هاتين الآيتين وذلك أنه قال ~~سبحانه وتعالى في الآية الأولى فلا تعجبك بالفاء وقال هنا ولا تعجبك بالواو ~~والفرق بينهما أنه عطف الآية الأولى على قوله ولا ينفقون إلا وهم كارهون ~~وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق لشدة المحبة للأموال والأولاد فحسن العطف عليه ~~بالفاء في قوله فلا تعجبك وأما هذه الآية فلا تعلق لها بما قبلها فلهذا أتى ~~بحرف الواو وقال سبحانه وتعالى في الآية الأولى فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم وأسقط حرف لا هنا قال سبحانه وتعالى وأولادهم والسبب فيه أن حرف لا ~~دخل هناك لزيادة التأكيد فيدل على أنهم كانوا معجبين بكثرة الأموال ~~والأولاد وكان إعجابهم بأولادهم أكثر وفي إسقاط حرف لا هنا دليل على أنه لا ~~تفاوت بين الأمرين قال سبحانه وتعالى في الآية الأولى إنما يريد الله ~~ليعذبهم بحرف اللام وقال سبحانه وتعالى هنا أن يعذبهم بحرف أن والفائدة فيه ~~التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف اللام ~~فمعناه أن كقوله سبحانه وتعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله ومعناه وما ~~أمروا إلا بأن يعبدوا الله وقال تبارك وتعالى في الآية الأولى في الحياة ~~الدنيا وقال تعالى هنا في الدنيا والفائدة في إسقاط لفظة الحياة التنبيه ~~على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى حيث أنها لا تستحق أن تذكر ولا ~~تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها على كمال ~~دنائتها فهذه جمل في ذكر الفرق بين هذه الألفاظ والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. # PageV02P393 # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 86 الى 90] # وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول ~~منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ms1682 ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء ~~المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم (90) # قوله عز وجل: وإذا أنزلت سورة يحتمل أن يراد بالسورة بعضها لأن إطلاق لفظ ~~الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة، فعلى هذا المراد بالسورة ~~براءة لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان والأمر بالجهاد أن أي بأن آمنوا ~~بالله وجاهدوا مع رسوله. # فإن قلت: كيف يأمرهم بالإيمان مع كونهم مؤمنين فهو من باب تحصيل الحاصل ~~قلت: معناه الأمر بالدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل. وقيل: إن الأمر ~~بالإيمان يتوجه على كل أحد في كل ساعة. وقيل: # إن هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون ~~والمعنى أن أخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله وإنما قدم الأمر ~~بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير إيمان لا يفيد أصلا فكأنه قيل ~~للمنافقين: الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله أولا وتجاهدوا مع رسوله ثانيا حتى ~~يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم نفعها في الدنيا والآخرة. # وقوله سبحانه وتعالى: استأذنك أولوا الطول منهم قال ابن عباس: يعني أهل ~~الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال وقيل: هم رؤساء المنافقين ~~وكبراؤهم وفي تخصيص أولى الطول بالذكر قولان: # أحدهما أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد. # والقول الثاني: إنما خص أولي الطول بالذكر لأن العاجز عن السفر والجهاد ~~لا يحتاج إلى الاستئذان وقالوا يعني أولي الطول ذرنا نكن مع القاعدين يعني ~~في البيوت مع النساء والصبيان وقيل مع المرضى والزمنى رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف قيل: الخوالف النساء اللواتي يتخلفن في البيوت فلا يخرجن منها، ~~والمعنى رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء وقيل: خوالف جمع ~~خالفة وهم أدنياء الناس وسفلتهم يقال فلان خالفة قومه إذا كان دونهم ms1683 وطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون يعني: وختم على قلوب هؤلاء المنافقين فهم لا ~~يفقهون مراد الله في الأمر بالجهاد. # قوله سبحانه وتعالى: لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم يعني الرسول ~~والمؤمنين وأولئك لهم الخيرات منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا ~~والجنة والكرامة في الآخرة وقيل الحور لقوله فيهن خيرات حسان وهي جمع خيرة ~~تخفيف خيرة وأولئك هم المفلحون أي الفائزون بالمطالب. # قوله سبحانه وتعالى: أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ذلك الفوز العظيم بيان لما لهم من الخيرات الأخروية. # قوله سبحانه وتعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم يعني وجاء ~~المعتذرون من أعراب البوادي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ~~في التخلف عن الغزو معه. قال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معتذرين إليه دفاعا عن أنفسهم فقالوا يا نبي الله ~~إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنى الله ~~عنكم. # وقيل: هم نفر من بني غفار رهط خفاف بن إيماء بن رحضة. وقيل: هم من أسد ~~وغطفان. وقال ابن # PageV02P394 # عباس هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء ~~المعذرون: أي المقصرون. يعني: أنهم قصروا ولم يبالغوا فيما اعتذروا به ~~والمعذر من يرى أن له عذرا ولا عذر له. وقيل: إن الأصل في هذا اللفظ عند ~~النحاة المعتذرون أدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما والاعتذار في كلام ~~العرب على قسمين يقال اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى يعتذرون إليكم ~~فرد الله عليهم بقوله قل لا تعتذروا فدل ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه ~~ويقال اعتذر إذا أتى بعذر صحيح ومنه قول لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر. # يعني فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو من ms1684 التعذير الذي هو التقصير. يقال: عذر ~~تعذيرا إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى، يحتمل أنهم كانوا صادقين في ~~اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين، ~~بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعده وقعد الذين كذبوا الله ورسوله فلما فصل ~~بينهم وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين ويروى عن أبي عمرو ~~بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام، قال: إن قوما تكلفوا عذرا بباطل فهم ~~الذين عناهم الله تعالى بقوله وجاء المعذرون وتخلف آخرون لا لعذر ولا لشبهة ~~عذر جرأة على الله تعالى فهم المراد بقوله وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~وهم منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ~~ورسوله يعني في ادعائهم الإيمان سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم يعني في ~~الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار وإنما قال منهم لأنه سبحانه وتعالى علم أن ~~منهم من سيؤمن ويخلص في إيمانه فاستثناهم الله من المنافقين الذين أصروا ~~على الكفر والنفاق وماتوا عليه. # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 91 الى 93] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم ~~لا يعلمون (93) # قوله عز وجل ليس على الضعفاء لما ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين الذين ~~تخلفوا عن الجهاد واعتذروا بأعذار باطلة عقبه بذكر أصحاب الأعذار الحقيقية ~~الصحيحة وعذرهم وأخبر أن فرض الجهاد عنهم ساقط فقال سبحانه وتعالى: ليس على ~~الضعفاء والضعيف هو الصحيح في بدنه العاجز عن الغزو وتحمل مشاق السفر ~~والجهاد مثل الشيوخ والصبيان والنساء ومن خلق في أصل الخلقة ضعيفا نحيفا ~~ويدل على أن هؤلاء الأصناف هم الضعفاء أن الله سبحانه ms1685 وتعالى عطف عليهم ~~المرضى فقال سبحانه وتعالى: ولا على المرضى والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ~~فأما المرضى فيدخل فيهم أهل العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفا بمرض ~~يمنعه من التمكن من الجهاد والسفر للغزو ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~يعني الفقراء العاجزين عن أهبة الغزو والجهاد، فلا يجدون الزاد والراحلة ~~والسلاح ومؤنة السفر لأن العاجز عن نفقة الغزو معذور حرج أي ليس على هؤلاء ~~الأصناف الثلاثة حرج أي إثم في التخلف عن الغزو. وقال الإمام فخر الدين ~~الرازي: ليس في الآية أنه يحرم عليهم الخروج لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ~~ليعين المجاهدين بمقدار القدرة إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم بشرط أن ~~لا يجعل نفسه كلا ووبالا عليهم فإن ذلك طاعة مقبولة ثم إنه تعالى شرط على ~~الضعفاء في جواز التخلف عن الغزو شرطا معينا وقوله سبحانه وتعالى: إذا ~~نصحوا لله ورسوله # PageV02P395 # ومعناه: أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إفشاء الأراجيف وإثارة ~~الفتن وسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو ~~وقاموا بمصالح بيوتهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وتابعوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فإن جملة هذه الأمور تجري مجرى النصح لله ورسوله ما على المحسنين ~~من سبيل أي ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلفه عن الجهاد بعذر قد ~~أباحه الشارع طريق يتطرق عليه فيعاقب عليه والمعنى أنه سد بإحسانه طريق ~~العقاب عن نفسه ويستنبط من قوله ما على المحسنين من سبيل أن كل مسلم يشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مخلصا من قلبه ليس عليه سبيل في ~~نفسه وماله إلا ما أباحه الشرع بدليل منفصل والله غفور يعني لمن تخلف عن ~~الجهاد بعذر ظاهر أباحه الشرع رحيم يعني: أنه تعالى رحيم بجميع عباده. # قال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو وأصحابه. وقال الضحاك: نزلت ~~في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر ولما ذكر الله عز وجل هذه الأقسام ~~الثلاثة من المعذورين ms1686 أتبعه بذكر قسم رابع وهو قوله تعالى: ولا على الذين ~~إذا ما أتوك يعني ولا حرج ولا إثم في التخلف عنك على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم يعني يسألونك الحملان ليبلغوا إلى غزو عدوك وعدوهم والجهاد معك يا ~~محمد. قال ابن إسحاق: # نزلت في البكائين وكانوا سبعة. ونقل الطبري عن محمد بن كعب وغيره قالوا: ~~جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال: لا أجد ما ~~أحملكم عليه فأنزل الله هذه الآية وهم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن ~~عمير ومن بني واقف جرمي بن عمير ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب ~~يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر ومن بني حارثة عبد الرحمن بن ~~زيد وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه ذلك ومن بني سلمة عمرو بن عنمة وعبد ~~الله بن عمر المزني. # وقال البغوي: هم سبعة نفر سموا البكائين معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، ~~وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة ~~بن عنمة، وعبد الله بن مغفل المزني. قال: أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الله عز وجل قد ندبنا إلى الخروج معك ~~فاحملنا. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة ~~وكانوا ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بنو مقرن. وقيل: # نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل ما ذكر. # قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. وقيل: بل سألوه أن يحملهم على ~~الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد ~~ما أحملكم عليه، فولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين. فذلك قوله سبحانه ~~وتعالى: قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع قال صاحب ~~الكشاف: # وكقولك تفيض دمعا وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع ~~فائض ومن البيان كقولك أفديك من رجل ms1687 حزنا ألا يجدوا ما ينفقون يعني على ~~أنفسهم في الجهاد إنما السبيل لما قال الله سبحانه وتعالى: ما على المحسنين ~~من سبيل. قال تعالى في حق من يعتذر ولا عذر له إنما السبيل يعني إنما يتوجه ~~الطريق بالعقوبة على الذين يستأذنونك يا محمد في التخلف عنك والجهاد معك ~~وهم أغنياء يعني قادرين على الخروج معك رضوا بأن يكونوا مع الخوالف يعني ~~رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وهم النساء والصبيان ~~والقعود معهم وطبع الله على قلوبهم يعني ختم عليها فهم لا يعلمون ما في ~~الجهاد من الخير في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر ~~بالعدو وأما في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع. # PageV02P396 # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 94 الى 98] # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ~~(96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) # قوله سبحانه وتعالى: يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم يعني يعتذر هؤلاء ~~المنافقون المتخلفون عنك يا محمد إليك وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له صلى ~~الله عليه وسلم ويحتمل أنهم اعتذروا إليه وإلى المؤمنين فلهذا قال تعالى ~~يعتذرون إليكم يعني بالأعذار الباطلة الكاذبة إذا رجعتم إليهم يعني من ~~سفركم قل أي قل لهم يا محمد لا تعتذروا قال البغوي: روي أن المنافقين الذين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين فقال الله تعالى قل لا تعتذروا لن ~~نؤمن لكم يعني لن نصدقكم فيما اعتذرتم به قد نبأنا الله من أخباركم يعني قد ~~أخبرنا الله ms1688 فيما سلف من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله يعني في المستأنف ~~أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه وقيل: # يحتمل أنهم وعدوا بأن ينصروا المؤمنين في المستقبل فلهذا قال وسيرى الله ~~عملكم ورسوله هل تفون بما قلتم أم لا ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم يعني فيخبركم بما كنتم تعملون لأنه هو المطلع على ما في ضمائركم في ~~الخيانة والكذب وإخلاف الوعد. # قوله عز وجل: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم يعني إذا رجعتم من ~~سفركم إليهم يعني إلى المتخلفين بالمدينة من المنافقين لتعرضوا عنهم يعني ~~لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم ولا توبخوهم بسبب تخلفهم فأعرضوا عنهم يعني ~~فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق. وقيل: يريد ترك الكلام يعني لا ~~تكلموهم ولا تجالسوهم فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم قال أهل المعاني إن هؤلاء المنافقين طلبوا إعراض ~~الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر العلة في سبب الإعراض عنهم فقال تعالى: ~~إنهم رجس يعني أن بواطنهم خبيثة نجسة وأعمالهم قبيحة ومأواهم يعني مسكنهم ~~في الآخرة جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يعني من الأعمال الخبيثة في الدنيا. ~~قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين ~~رجلا من المنافقين فقال النبي: صلى الله عليه وسلم لا تجالسوهم ولا ~~تكلموهم. وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي لا إله إلا هو أنه لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله عز وجل هذه الآية والتي بعدها يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم يعني: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم ~~يعني فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا لكم وقبلتم عذرهم فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوبهم من ~~النفاق والشك فلا يرضى عنهم أبدا. # وقوله سبحانه وتعالى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا نزلت في سكان البادية يعني ~~أن ms1689 أهل البدو أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر. قال أهل اللغة: يقال رجل عربي ~~إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب. ورجل أعرابي إذا كان بدويا يطلب مساقط ~~الغيث والكلأ. ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب فمن استوطن القرى ~~والمدن العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم الأعراب، فالأعرابي إذا قيل له ~~يا عربي فرح بذلك. والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب والعرب أفضل من ~~الأعراب، لأن المهاجرين والأنصار وعلماء الدين من العرب. # PageV02P397 # والسبب في كون الأعراب أشد كفرا ونفاقا بعدهم عن مجالسة العلماء وسماع ~~القرآن والسنن والمواعظ وهو قوله سبحانه وتعالى وأجدر يعني وأخلق وأحرى ألا ~~يعلموا يعني بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله يعني الفرائض ~~والسنن والأحكام والله عليم يعني بما في قلوب عباده حكيم فيما فرض من ~~فرائضه وأحكامه ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما يعني لا يرجو على إنفاقه ~~ثوابا ولا يخاف على إمساكه عقابا إنما ينفق خوفا أو رياء. والمغرم: التزام ~~ما لا يلزم. والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله ~~غرامة لأنه لا ينفق ذلك إلا خوفا من المسلمين أو مرآة لهم ولم يرد بذلك ~~الإنفاق وجه الله وثوابه ويتربص يعني: وينتظر بكم الدوائر يعني بالدوائر ~~تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. قال يمان بن رباب: ~~يعني تقلب الزمان فيموت الرسول وتظهر المشركون عليهم دائرة السوء يعني: بل ~~يتقلب عليهم الزمان ويدور السوء والبلاء والحزن بهم ولا يرون في محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ودينه إلا ما يسوءهم والله سميع يعني لأقوالهم عليم ~~يعني بما يخفون في ضمائرهم من النفاق والغش وإرادة السوء للمؤمنين نزلت هذه ~~الآية في أعراب أسد وغطفان وتميم ثم استثنى الله عز وجل فقال تبارك وتعالى: ### || [سورة التوبة (9): الآيات 99 الى 100] # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور ms1690 رحيم ~~(99) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم (100) # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر. # قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينة ~~(ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم إن كان ~~جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيرا من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن ~~غطفان ومن بني عامر بن صعصعة فقال رجل: خابوا وخسروا. قال: نعم هم خير من ~~بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة». # وفي رواية «أن الأقرع بن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما تابعك ~~سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال وجهينة. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال: وجهينة خيرا من بني ~~تميم وبني عامر وأسد وغطفان قال خابوا وخسروا قال نعم» (ق) عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها» زاد ~~مسلم في رواية له: أما إني لم أقلها لكن الله قالها (ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قريش والأنصار ~~وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله» ~~وقوله سبحانه وتعالى: ويتخذ ما ينفق قربات عند الله جمع قربة أي يطلب بما ~~ينفق القربة إلى الله تعالى: وصلوات الرسول يعني ويرغبون في دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين ~~بالخير والبركة ويستغفر لهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل ~~أبي أوفى» ألا إنها قربة لهم يحتمل أن يعود الضمير في إنها إلى صلوات ~~الرسول ويحتمل أن يعود إلى الإنفاق وكلاهما قربة لهم عند الله وهذه شهادة ~~من الله تعالى للمؤمن المتصدق بصحة ما ms1691 اعتقد من كون نفقته قربات عند الله ~~وصلوات الرسول له مقبولة عند الله لأن الله سبحانه وتعالى أكد ذلك بحرف ~~التنبيه وهو قوله تعالى ألا وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى إنها قربة لهم ~~سيدخلهم الله في رحمته وهذه النعمة هي أقصى مرادهم إن الله غفور للمؤمنين ~~المنفقين في سبيله رحيم يعني بهم حيث وفقهم لهذه الطاعة. # PageV02P398 # قوله سبحانه وتعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار اختلف ~~العلماء في السابقين الأولين فقال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين ~~وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. ~~وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. وقال محمد ~~بن كعب القرظي هم جميع الصحابة لأنهم حصل لهم السبق بصحبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال حميد بن زياد: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ألا ~~تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم وأردت الفتن ~~فقال: إن الله قد غفر لجميعهم محسنهم ومسيئهم وأوجب لهم الجنة في كتابه ~~فقلت له في أي موضع أوجب لهم الجنة فقال سبحان الله ألا تقرأ والسابقون ~~الأولون إلى آخر الآية فأوجب الله الجنة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم زاد في رواية في قوله والذين اتبعوهم بإحسان قال شرط في التابعين ~~شريطة وهي أن يتبعوهم في أعمالهم الحسنة دون السيئة. قال حميد: # فكأني لم أقرأ هذه الآية قط. واختلف العلماء في أول الناس إسلاما بعد ~~اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاما وأول من صلى مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال بعض العلماء أول من آمن بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول ~~جابر بن عبد الله ثم اختلفوا في سنة وقت إسلامه فقيل: كان ابن عشر سنين. ~~وقيل: أقل من ذلك. قيل: # أكثر. وقيل: كان بالغا. والصحيح، أنه لم يكن بالغا وقت إسلامه. وقال ~~بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس والنخعي ~~والشعبي وقال الزهري ms1692 وعروة بن الزبير: أول من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين ~~هذه الروايات فيقول أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن ~~الصبيان علي بن أبي طالب، ومن العبيد زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم ~~فهؤلاء الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام. قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر ~~أظهر إسلامه ودعا الناس إلى الله ورسوله وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب ~~قريش لقريش وأعلمها بما كان فيها وكان رجلا تاجرا وكان ذا خلق حسن ومعروف ~~وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام ~~من يثق به من قومه فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد ~~الرحمن بن عوف بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسلموا على يده وصلوا معه فكان هؤلاء النفر الثمانية أول من سبق ~~الناس إلى الإسلام ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول إلى الإسلام وأما ~~السابقون من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة وهي العقبة الأولى وكانوا ستة نفر «1» أسعد بن زرارة وعوف بن مالك ~~ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر وجابر بن عبد الله بن رباب ثم ~~أصحاب العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلا ثم أصحاب ~~العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلا منهم البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو ~~بن حرام أبو جابر وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة فهؤلاء ~~سباق الأنصار ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل ~~المدينة يعلمهم القرآن فأسلم على يده خلق كثير من الرجال والنساء والصبيان ~~من أهل المدينة وذلك قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة وقيل: إن المراد بالسابقين الأولين من سبق إلى الهجرة والنصرة ~~والذي يدل عليه أن الله ms1693 سبحانه وتعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين بماذا ~~سبقوا فبقي اللفظ مجملا فلما قال تعالى من المهاجرين والأنصار ووصفهم ~~بكونهم مهاجرين وأنصارا وجب صرف اللفظ المجمل إليه وهو الهجرة والنصرة ~~والذي يدل عليه أيضا أن الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية من حيث إن الهجرة ~~أمر شاق على النفس لمفارقة الوطن والعشيرة وكذلك النصرة فإنها مرتبة عالية ~~ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وآووه ~~وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله عز وجل عليهم ومدحهم فقال ~~سبحانه وتعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. PageV02P399 # قوله تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى ~~السابقين الأولين فعلى هذا القول، يكون الجميع من الصحابة. وقيل: هم الذين ~~سلكوا سبيل المهاجرين والأنصار في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة ~~وقال عطاء هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار فيترحمون عليهم ويدعون لهم ~~ويذكرون محاسنهم (ق) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران فلا أدري أذكر ~~بعد قرنه قرنين أو ثلاثا (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا وفي رواية أحدكم أنفق مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». # أراد بالقرن في الحديث الأول أصحابه. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم ~~بعضا واختلفوا في مدته من الزمان. فقيل: من عشر سنين إلى عشرين. وقيل: من ~~مائة إلى مائة وعشرين سنة. والمد: المذكور في الحديث الثاني هو ربع صاع. ~~والنصيف: نصفه. والمعنى: لو أن أحدا عمل مهما قدر عليه من أعمال البر ~~والإنفاق في سبيل الله ما بلغ هذا القدر اليسير التافه من أعمال الصحابة ~~وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا المجهود في وقت الحاجة. وقوله سبحانه وتعالى: ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه يعني رضي الله عن أعمالهم ورضوا عنه بما جازاهم ~~عليها من الثواب وهذا اللفظ عام يدخل فيه كل الصحابة وأعد لهم ms1694 جنات تجري ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة التوبة (9): آية 101] # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) # وممن حولكم من الأعراب منافقون ذكر جماعة من المفسرين المتأخرين كالبغوي ~~والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم وكانت ~~منازلهم حول المدينة ويعني ومن هؤلاء الأعراب منافقون وما ذكروه مشكل لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء القبائل ومدحهم فإن صح نقل المفسرين ~~فيحمل قوله سبحانه وتعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون على القليل لأن ~~لفظة من للتبعيض ويحمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم على الأكثر ~~والأغلب وبهذا يمكن الجمع بين قول المفسرين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم. وأما الطبري، فإنه أطلق القول ولم يعين أحدا من القبائل المذكورة بل ~~قال في تفسير هذه الآية: من القوم الذين حول مدينتكم أيها المؤمنون من ~~الأعراب منافقون ومن أهل مدينتكم أيضا أمثالهم أقوام منافقون وقال البغوي: ~~ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج منافقون مردوا على النفاق فيه تقديم ~~وتأخير تقديره وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على ~~النفاق يعني مرنوا عليه يقال تمرد فلان على ربه إذا عتا وتجبر ومنه الشيطان ~~المارد وتمرد في معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ولم يتب منها قال ابن ~~إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. # وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه لا تعلمهم يعني أنهم بلغوا في ~~النفاق إلى حيث أنك لا تعلمهم يا محمد مع صفاء خاطرك واطلاعك على الأسرار ~~نحن نعلمهم يعني لكن نحن نعلمهم لأنه لا تخفى علينا خافية وإن دقت سنعذبهم ~~مرتين اختلف المفسرون في العذاب الأول مع اتفاقهم على العذاب الثاني هو ~~عذاب القبر بدليل قوله ثم يردون إلى عذاب عظيم وهو عذاب النار في الآخرة ~~فثبت بهذا أنه سبحانه وتعالى يعذب المنافقين ثلاث مرات مرة في الدنيا ومرة ms1695 ~~في القبر ومرة في الآخرة أما المرة الأولى وهي التي اختلفوا فيها فقال ~~الكلبي والسدي «قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في يوم جمعة فقال اخرج ~~يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرج من المسجد أناسا وفضحهم» ~~فهذا هو العذاب الأول. # والثاني: هو عذاب القبر فإن صح هذا القول فيحتمل أن يكون بعد أن أعلمه ~~الله حالهم وسماهم له لأن الله # PageV02P400 # سبحانه وتعالى قال لا تعلمهم نحن نعلمهم ثم بعد ذلك أعلمه بهم. وقال ~~مجاهد: هذا العذاب الأول هو القتل والسبي وهذا القول ضعيف، لأن أحكام ~~الإسلام في الظاهر كانت جارية على المنافقين فلم يقتلوا ولم يسبوا وعن ~~مجاهد رواية أخرى أنهم عذبوا بالجوع مرتين. وقال قتادة: المرة الأولى هي ~~الدبيلة في الدنيا وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها خراج من نار تظهر في ~~أكتافهم حتى تنجم من صدورهم يعني تخرج من صدورهم. وقال ابن زيد: الأولى هي ~~المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن عباس: ~~الأولى إقامة الحدود عليهم في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن إسحاق: ~~الأولى هي ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه كرها غير حسبة والأخرى ~~عذاب القبر. وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ~~والأخرى عذاب القبر. وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والأخرى ~~إحراقهم بنار جهنم وهو قوله سبحانه وتعالى: ثم يردون إلى عذاب جهنم يخلدون ~~فيه. # ### || [سورة التوبة (9): آية 102] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) # قوله عز وجل: وآخرون اعترفوا بذنوبهم فيه قولان: أحدهما: أنهم قوم من ~~المنافقين تابوا من نفاقهم وأخلصوا وحجة هذا القول أن قوله تعالى وآخرون ~~عطف على قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون والعطف موهم ويعضده ما نقله ~~الطبري. عن ابن عباس أنه قال: هم الأعراب. والقول الثاني: وهو قول جمهور ~~المفسرين إنها نزلت في جماعة من المسلمين من أهل المدينة تخلفوا عن رسول ~~الله ms1696 صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك. # واختلف المفسرون في عددهم فروي عن ابن عباس أنهم كانوا عشرة منهم أبو ~~لبابة وروي أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن ~~أسلم كانوا ثمانية أحدهم أبو لبابة وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة أحدهم ~~أبو لبابة. وقيل: كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ~~ووديعة بن حزام، وذلك أنهم كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة تبوك ثم ندموا بعد ذلك وتابوا وقالوا أنكون في الظلال ومع النساء ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء؟ فلما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقن ~~أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~يطلقنا ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم مر بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك ~~فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم ~~حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين. فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فأطلقهم وعذرهم ~~فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق ~~بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرت أن ~~آخذ من أموالكم شيئا. فأنزل الله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية. وقال ~~قوم: نزلت هذه الآية في أبي لبابة خاصة واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه فقال ~~مجاهد: نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح ~~وأشار إلى حلقه فندم على ذلك وربط نفسه بسارية. وقال: والله لا أحل نفسي ~~ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى ms1697 أموت أو يتوب الله علي فمكث سبعة أيام لا ~~يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فأنزل الله هذه الآية فقيل له قد ~~تيب عليك فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يحلني فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله بيده فقال أبو ~~لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ~~وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~يجزيك الثلث يا أبا لبابة. قالوا جميعا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلث أموالهم وترك لهم الثلثين لأن الله سبحانه وتعالى قال: خذ من أموالهم ~~ولم يقل خذ أموالهم. لأن لفظة «من» تقتضي التبعيض. وقال الحسن وقتادة: ~~وهؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلفوا وسيأتي خبرهم. # PageV02P401 # أما تفسير الآية: فقوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم قال أهل المعاني: ~~الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء ومعناه أنهم أقروا بذنبهم وفيه دقيقة وهي ~~أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم من المنافقين ولكن اعترفوا ~~على أنفسهم بذنوبهم وندموا على ما فعلوا. # فإن قلت: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟ # قلت: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على ~~الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم ~~توبة. # وقوله سبحانه وتعالى: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا قيل: أراد بالعمل ~~الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن الجهاد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: العمل الصالح هو خروجهم مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك. ~~وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ما كان ضده فعلى ~~هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم أولى وإن كان السبب ~~مخصوصا بمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. # وروى الطبري عن ms1698 أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من ~~قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم. # فإن قلت قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطا فما المخلوط به. # قلت: إن الخلط عبارة عن الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن في ~~الموضع الذي يمتزج كل واحد من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية ~~كقولك خلطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء فيكون ~~معنى الآية على هذا خلطوا عملا صالحا بآخر ذكره غالب المفسرين وأنكره ~~الإمام فخر الدين الرازي. وقال: اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل ~~الصالح والعمل السيئ إذا حصلا معا بقي كل واحد منهما على حاله كما هو ~~مذهبنا فإن عندنا القول بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب ~~والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما ~~كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق. # وقال الواحدي: العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن كما ~~تقول جمعت زيدا وعمرا. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى الجمع ~~لا حقيقة الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيء كما يختلط الماء ~~باللبن لكن قد يجمع بينهما وقوله سبحانه وتعالى: عسى الله أن يتوب عليهم ~~قال ابن عباس وجمهور المفسرين: عسى من الله واجب والدليل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح وقد فعل ذلك. وقال أهل المعاني: لفظة عسى ~~هنا تفيد الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الاتكال والإهمال. # وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل كل ما يفعله على سبيل ~~التفضل والتطول والإحسان فذكر لفظة عسى التي هي للترجي والطمع حتى يكون ~~العبد بين الترجي والإشفاق ولكن هو إلى نيل ما يرجوه منه أقرب لأنه ختم ~~الآية بقوله إن الله غفور رحيم وهذا يفيد إنجاز الوعد قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة التوبة (9): آية 103] # خذ من ms1699 أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. قال ابن عباس: لما أطلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه انطلق أبو لبابة وصاحبه فأتوا ~~بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خذ أموالنا وتصدق بها ~~عنا وصل علينا يريدون # PageV02P402 # استغفر لنا وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آخذ شيئا منها ~~حتى أومر به، فأنزل الله عز وجل: خذ من أموالهم صدقة الآية، وهذا قول زيد ~~بن أسلم وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. ثم اختلف العلماء في المراد بهذه ~~الصدقة فقال بعضهم: هو راجع إلى هؤلاء الذين تابوا وذلك أنهم بذلوا أموالهم ~~صدقة فأوجب الله سبحانه وتعالى أخذها وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم لتكون ~~جارية مجرى الكفارة. وأصحاب هذا القول يقولون ليس المراد بها الصدقة ~~الواجبة. وقال بعضهم: إن الزكاة كانت واجبة عليهم فلما تابوا من تخلفهم عن ~~الغزو وحسن إسلامهم وبذلوا الزكاة أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يأخذها منهم وقال بعضهم إن الآية كلام مبتدأ والمقصود منها ~~إيجاب أخذها من الأغنياء ودفعها إلى الفقراء وهذا قول أكثر الفقهاء ~~واستدلوا بها على إيجاب أخذ الزكاة. # أما حجة أصحاب القول الأول، فإنهم قالوا: إن الآيات لا بد وأن تكون ~~منتظمة متناسبة فلو حملناها على أخذ الزكاة الواجبة، لم يبق لهذه الآية ~~تعلق بما قبلها ولا بما بعدها، ولأن جمهور المفسرين ذكروا في سبب نزولها ~~أنها نزلت في شأن التائبين وأما أصحاب القول الأخير فإنهم قالوا: المناسبة ~~حاصلة أيضا على هذا التقدير وذلك أنهم لما تابوا وأخلصوا وأقروا أن السبب ~~الموجب للتخلف وحب المال أمروا بإخراج الزكاة التي هي طهرة فلما أخرجوها ~~علمت صحة قولهم وصحة توبتهم. ولا يمنع من خصوص السبب عموم الحكم فإن قالوا: ~~إن الزكاة قدر معلوم لا يبلغ ثلث المال وقد أخذ منهم ثلث أموالهم قلنا: لا ~~يمنع هذا صحة ما قلناه ms1700 لأنهم رضوا ببذل الثلث من أموالهم فلأن يكونوا راضين ~~بإخراج الزكاة أولى. ثم في هذه الآية أحكام: الأول قوله سبحانه وتعالى: خذ ~~من أموالهم صدقة، الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أي خذ يا محمد من ~~أموالهم صدقة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها منهم أيام حياته ثم ~~أخذها من بعده الأئمة فيجوز للإمام أو نائبه أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ~~ويدفعها إلى الفقراء. # الحكم الثاني: قوله من أموالهم، ولفظة «من» تقتضي التبعيض وهذا البعض ~~المأخوذ غير معلوم ولا مقدر بنص القرآن فلم يبق إلا الصدقة التي بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قدرها وصفتها في أخذ الزكاة. # الحكم الثالث: ظاهر قوله خذ من أموالهم صدقة يفيد العموم فتجب الزكاة في ~~جميع المال حتى في الديون وفي مال الركاز. # الحكم الرابع: ظاهر قوله تطهرهم، أن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من ~~الآثام وصدور الآثام لا يمكن حصولها إلا من البالغ دون الصبي فوجب أن تجب ~~الزكاة في مال البالغ دون الصبي وهذا قول أبي حنيفة ثم أجاب أصحاب الشافعي: ~~بأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا. # وللعلماء في قوله سبحانه وتعالى تطهرهم أقوال: # الأول: أن معناه خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بأخذها من دنس ~~الآثام. # القول الثاني: أن يكون تطهرهم متعلقا بالصدقة تقديره خذ من أموالهم صدقة ~~فإنها طهرة لهم وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة من أوساخ ~~الناس فإذا أخذ الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ وكان ذلك الاندفاع جاريا ~~مجرى التطهير: فعلى هذا القول يكون قوله سبحانه وتعالى وتزكيهم بها متقطعا ~~عن قوله تطهرهم ويكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة تطهرهم تلك ~~الصدقة وتزكيهم أنت بها. # القول الثالث: أن تجعل التاء في قوله تطهرهم وتزكيهم ضمير المخاطب ويكون ~~المعنى تطهرهم أنت يا محمد بأخذها منهم وتزكيهم أنت بواسطة تلك الصدقة. # القول الرابع: أن معناه تطهرهم من ذنوبهم وتزكيهم يعني ترفع منازلهم عن ~~منازل المنافقين إلى ms1701 منازل # PageV02P403 # الأبرار المخلصين وقيل معنى وتزكيهم أي تنمي أموالهم ببركة أخذها منهم. # الحكم الخامس: قوله سبحانه وتعالى: وصل عليهم يعني ادع لهم واستغفر لهم ~~لأن أصل الصلاة في اللغة الدعاء. قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ~~السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول: # آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام ~~أن يدعو للمتصدق. وقال بعضهم: يستحب ذلك. وقيل: يجب في صدقة الفرض ويستحب ~~في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. وقال ~~بعضهم: يستحب أن يقول اللهم صل على فلان. ويدل عليه ما روي عن عبد الله بن ~~أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه ~~قوم بصدقة قال: اللهم صل عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال «اللهم صل على آل أبي ~~أوفى» أخرجاه في الصحيحين. # وقوله سبحانه وتعالى: إن صلاتك وقرئ: صلواتك على الجمع سكن لهم يعني إن ~~دعاءك رحمة لهم. وقال ابن عباس: طمأنينة لهم. وقيل: إن الله قد قبل منهم. ~~وقال أبو عبيدة: تثبيت لقلوبهم. وقيل: إن السكن ما سكنت إليه النفس والمعنى ~~إن صلواتك توجب سكون نفوسهم إليها والمعنى أن الله قد قبل توبتهم أو قبل ~~زكاتهم والله سميع يعني لأقوالهم أو لدعائك لهم عليم يعني بنياتهم. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 104 الى 106] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر ~~الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده هذه صيغة استفهام إلا أن ~~المقصود منه التقرير فبشر الله عز وجل هؤلاء التائبين بقبول توبتهم ~~وصدقاتهم ومعنى الآية ألم يعلم الذين تابوا أن الله تعالى يقبل التوبة ~~الصادقة والصدقة الخالصة. وقيل: إن المراد بهذه الآية غير التائبين ترغيبا ~~لهم في التوبة ms1702 وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال ~~الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا ~~يجالسون فما بالهم اليوم فأنزل الله هذه الآية ترغيبا لهم في التوبة. وقوله ~~سبحانه وتعالى عن عباده قيل: لا فرق بين عن عباده ومن عباده إذ لا فرق بين ~~قولك أخذت هذا العلم عنك أو منك. وقيل: بينهما فرق ولعل عن في هذا الموضع ~~أبلغ لأن فيه تبشيرا بقبول التوبة مع تسهيل سبيلها وقوله سبحانه وتعالى: ~~ويأخذ الصدقات يعني يقبلها ويثيب عليها وإنما ذكر لفظ الأخذ ترغيبا في بذل ~~الصفقة وإعطائها الفقراء وقيل معنى أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها. # ولما كان هو المجازي عليها والمثيب بها، أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان ~~الفقير أو السائل هو الآخذ لها وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن ~~الله تعالى يقبلها من عبده المتصدق (ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تصدق أحدكم ~~بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ~~وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم ~~فلوه أو فصيله» لفظ مسلم. وفي البخاري: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا ~~يصعد إلى الله إلا الطيب». وفي رواية: «ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله ~~يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» ~~وأخرجه الترمذي ولفظه: «إن الله سبحانه وتعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه ~~فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى اللقمة لتصير مثل جبل أحد» وتصديق ~~ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى: ألم يعلموا # PageV02P404 # أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربى ~~الصدقات. وقوله: من كسب طيب. # أي: حلال. وذكر اليمين والكف في الحديث كناية عن قبول الصدقة وأن الله ~~سبحانه وتعالى قد قبلها من المعطي، لأن من عادة الفقير أو السائل، أخذ ~~الصدقة بكفه اليمين، فكأن ms1703 المتصدق قد وضع صدقته في القبول والإثابة. وقوله: ~~فتربو أي تكبر. يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وكبر. والفلو: بضم الفاء ~~وفتحها لغتان المهر أول ما يولد والفصيل ولد الناقة إلى أن ينفصل عنها. # وقوله سبحانه وتعالى: وأن الله هو التواب الرحيم تأكيد لقوله سبحانه ~~وتعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وتبشير لهم بأن الله ~~هو التواب الرحيم. # قوله عز وجل: وقل أي: قل يا محمد لهؤلاء التائبين اعملوا يعني لله بطاعته ~~وأداء فرائضه فسيرى الله عملكم فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم ~~للمذنبين فكأنه قال اجتهدوا في العمل في المستقبل فإن الله تعالى يرى ~~أعمالكم ويجازيكم عليها ورسوله والمؤمنون يعني ويرى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون أعمالكم أيضا. # أما رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطلاع الله إياه على أعمالكم. ~~وأما رؤية المؤمنين، فبما يقذف الله عز وجل في قلوبهم من محبة الصالحين ~~وبغض المذنبين وستردون إلى عالم الغيب والشهادة يعني: وسترجعون يوم القيامة ~~إلى من يعلم سركم وعلانيتكم ولا يخفى عليه شيء من بواطنكم وظواهركم فينبئكم ~~أي فيخبركم بما كنتم تعملون يعني في الدنيا من خير أو شر فيجازيكم عن ~~أعمالكم. # قوله سبحانه وتعالى: وآخرون مرجون أي مؤخرون والإرجاء التأخير لأمر الله ~~يعني لحكم الله فيهم قال بعضهم إن الله سبحانه وتعالى قسم المتخلفين على ~~ثلاثة أقسام: # أولهم: المنافقون وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه. # والقسم الثاني: التائبون وهم الذين سارعوا إلى التوبة بعد ما اعترفوا ~~بذنوبهم وهم أبو لبابة وأصحابه فقبل الله توبتهم. # والقسم الثالث: موقوفون ومؤخرون إلى أن يحكم الله تعالى فيهم وهم المراد ~~بقوله: وآخرون مرجون لأمر الله. والفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث، أن ~~القسم الثاني سارعوا إلى التوبة فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث توقفوا ~~ولم يسارعوا إلى التوبة فأخر الله أمرهم. # نزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا وهم: كعب بن مالك، وهلال بن ~~أمية، ومرارة بن الربيع، وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: وعلى الثلاثة ms1704 الذين ~~خلفوا وذلك أنهم لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه ~~فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن كلامهم ~~وكانوا من أهل بدر، فجعل بعض الناس يقول هلكوا وبعضهم يقول: عسى الله أن ~~يتوب عليهم ويغفر لهم وهو قوله سبحانه وتعالى: إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ~~يعني أن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء عذبهم بسبب تخلفهم وإن شاء غفر لهم ~~وعفا عنهم والله عليم يعني بما في قلوبهم حكيم يعني بما يقضي عليهم. # ### || [سورة التوبة (9): آية 107] # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) # قوله سبحانه وتعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا نزلت في جماعة من ~~المنافقين بنوا مسجدا # PageV02P405 # يضارون به مسجد قباء وكانوا اثني عشر رجلا من أهل النفاق وديعة بن ثابت ~~وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب وجارية بن عمرو ~~وابناه مجمع وزيد ومعتب بن قشير وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وأبو حبيبة ~~بن الأزعر ونبتل بن الحرث وبجاد بن عثمان وبحزج بنوا هذا المسجد ضرارا يعني ~~مضارة للمؤمنين وكفرا يعني ليكفروا فيه بالله ورسوله وتفريقا بين المؤمنين ~~لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم ~~فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة وكان يصلي بهم فيه مجمع بن جارية ~~وكان شابا يقرأ القرآن ولم يدر ما أرادوا ببنائه، فلما فرغوا من بنائه، ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول ~~الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة ~~الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم ~~فصلينا فيه. # وقوله سبحانه وتعالى: وإرصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أنهم بنوا هذا ~~المسجد ms1705 للضرار والكفر وبنوه إرصادا يعني انتظارا وإعدادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل يعني من قبل بناء هذا المسجد وهو أبو عامر الراهب والد حنظلة ~~غسيل الملائكة وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر، فلما ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر ما هذا الدين الذي ~~جئت به؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: جئت بالحنيفية دين إبراهيم. # فقال أبو عامر: فأنا عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لست ~~عليها. قال أبو عامر: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية. فقال أبو عامر: أمات ~~الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين ~~وسماه الناس: أبا عامر الفاسق. فلما كان يوم أحد، قال أبو عامر الفاسق ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل ~~كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن، يئس أبو عامر وخرج هاربا إلى الشام، ~~وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا ~~فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه ~~فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك وقوله: سبحانه وتعالى: وإرصادا ~~يعني انتظارا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر الفاسق ليصلي فيه إذا رجع ~~من الشام من قبل يعني أن أبا عامر الفاسق حارب الله ورسوله من قبل مسجد ~~الضرار وليحلفن يعني الذين بنوا المسجد إن أردنا يعني ما أردنا ببنائه إلا ~~الحسنى يعني إلا الفعلة الحسنى وهي: الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل ~~الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والله يشهد إنهم لكاذبون يعني في قيلهم وحلفهم. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من تبوك راجعا نزل بذي أوان ~~وهو موضع قريب من المدينة فأتاه المنافقون وسألوه أن يأتي ms1706 مسجدهم فدعا ~~بقميصه ليلبسه ويأتيهم فأنزل الله هذه الآية وأخبره خبر مسجد الضرار وما ~~هموا به فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي ~~وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ~~فاهدموه وأحرقوه، فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن ~~الدخشم فقال مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار، فدخل أهله فأخذ من سعف ~~النخل فأشعله ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فأحرقوه وهدموه ~~وتفرق عنه أهله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك الموضع ~~كناسة تلقى فيها الجيف والنتن والقمامة. # مات أبو عامر الراهب بالشام غريبا وحيدا. وروي أن بني عمرو بن عوف الذين ~~بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في خلافته، فسألوه أن يأذن لمجمع بن ~~جارية أن يؤمهم في مسجدهم. فقال: لا ولا نعمة عين أليس هو إمام مسجد ~~الضرار؟ قال مجمع: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فو الله لقد صليت فيه وأنا ~~لا أعلم ما # PageV02P406 # أضمروا عليه ولو علمت ما صليت معهم فيه وكنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا ~~شيوخا لا يقرءون فصليت بهم ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله ولو أعلم ما ~~في أنفسهم فعذره عمر فصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. # قال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا ~~المساجد وأمرهم أن لا يبنوا في موضع واحد مسجدين يضار أحدهما الآخر وقوله ~~سبحانه وتعالى: # ### || [سورة التوبة (9): آية 108] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # لا تقم فيه أبدا قال ابن عباس: معناه لا تصل فيه أبدا منع الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار لمسجد أسس على التقوى ~~اللام فيه لام الابتداء. وقيل: لام القسم تقديره والله مسجد أسس يعني بني ~~أصله ووضع أساسه ms1707 على التقوى يعني على تقوى الله عز وجل من أول يوم يعني من ~~أول يوم بني ووضع أساسه كان ذلك البناء على التقوى أحق أن تقوم فيه يعني ~~مصليا واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال عمر وزيد بن ثابت وأبو ~~سعيد الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مسجد المدينة ويدل ~~عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيت بعض نسائه فقلت يا رسول الله أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال ~~فأخذ كفا من حصى فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» أخرجه ~~مسلم (ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين بيتي ومنبري ~~روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» (ق) عن عبد الله بن زيد قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» عن أم ~~سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن قوائم منبري هذا رواتب في ~~الجنة» أخرجه النسائي قوله رواتب يعني: ثوابت. يقال: رتب بالمكان إذا قام ~~فيه وثبت. وفي رواية عن ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة أنه ~~مسجد قباء ويدل عليه سياق الآية وهو قوله سبحانه وتعالى: فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين ويدل على أنهم أهل قباء ما روي عن أبي هريرة ~~«قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم» أخرجه أبو داود ~~والترمذي وقال: حديث غريب. # هكذا ذكره صاحب جامع الأصول من رواية أبي داود والترمذي موقوفا على أبي ~~هريرة ورواه البغوي من طريق أبي داود مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه ms1708 الآية ومما ~~يدل على فضل مسجد قباء ما روي عن ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يزور قباء أو يأتي قباء راكبا وماشيا» زاد في رواية فيصلي فيه ركعتين ~~وفي رواية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كل سبت ~~راكبا وماشيا وكان ابن عمر يفعله» أخرج الرواية الأولى والزيادة البخاري ~~ومسلم وأخرج الرواية الثانية البخاري عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء فيصلي فيه كان ~~له كعدل عمرة» أخرجه النسائي عن أسد بن ظهير أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال الصلاة في مسجد قباء كعمرة» أخرجه الترمذي. # وقوله سبحانه وتعالى: فيه رجال يحبون أن يتطهروا يعني من الأحداث ~~والجنابات وسائر النجاسات وهذا قول أكثر المفسرين. قال عطاء: ولما كانوا ~~يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة وروى الطبري بسنده عن عويمر ~~بن ساعدة وكان من أهل بدر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل ~~قباء «إني أسمع الله عز وجل قد أحسن عليكم الثناء في الطهور فما هذا ~~الطهور» قالوا: يا رسول الله ما نعمل شيئا إلا أن جيرانا لنا من اليهود # PageV02P407 # رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وعن قتادة قال: ذكر ~~لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء «إن الله سبحانه وتعالى قد ~~أحسن عليكم بالثناء في الطهور فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنا أثر الغائط ~~والبول» وقال الإمام فخر الدين الرازي: المراد من هذه الطهارة الطهارة من ~~الذنوب والمعاصي وهذا القول متعين لوجوه: # الأول: أن التطهر من الذنوب هو المؤثر في القرب من الله عز وجل واستحقاق ~~ثوابه ومدحه. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة ~~المسلمين والتفريق بينهم والكفر بالله وكون هؤلاء يعني أهل قباء بالضد من ~~صفاتهم وما ذاك إلا لكونهم مبرئين من الكفر والمعاصي وهي الطهارة الباطنية. # الوجه الثالث: أن طهارة الظاهر ms1709 إنما يحصل لها أثر عند الله إذا حصلت ~~الطهارة الباطنية من الكفر والمعاصي وقيل يحتمل أنه محمول على كلا الأمرين ~~يعني طهارة الباطن من الكفر والنفاق والمعاصي وطهارة الظاهر من الأحداث ~~والنجاسات بالماء والله يحب المطهرين فيه مدح لهم وثناء عليهم والرضا عنهم ~~بما اختاروه لأنفسهم من المداومة على محبة الطهارة. ### || [سورة التوبة (9): آية 109] # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) # قوله سبحانه وتعالى: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان يعني طلب ~~ببنائه المسجد الذي بناه تقوى الله ورضاه. والمعنى: أن الباني لما بنى ذلك ~~البناء كان قصده تقوى الله وطلب رضاه وثوابه خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار الشفا: هو الشفير وشفا كل شيء حرفه ومنه يقال: أشفى على كذا إذا ~~دنا منه وقرب أن يقع فيه. والجرف: المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى ~~السقوط قريب وقال أبو عبيد: الجرف هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية ~~فينحفر بالماء فيبقى واهيا هار أي هائر وهو الساقط فهو من هار يهور فهو ~~هائر وقيل: هو من هاريها إذا تهدم وسقط وهو الذي تداعى بعضه في أثر بعض كما ~~يهار الرمل والشيء الرخو فانهار به يعني سقط بالباني في نار جهنم والله لا ~~يهدي القوم الظالمين والمعنى أن بناء هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير ~~جهنم فيهور بأهله فيها. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمسجدين مسجد الضرار ~~ومسجد التقوى مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى المثل: ~~أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهو الحق الذي هو تقوى الله ~~ورضوانه خير أم من أسس دينه على أضعف القواعد وأقلها بقاء وثباتا وهو ~~الباطل والنفاق الذي مثله مثل بناء على غير أساس ثابت وهو شفا جرف هار وإذا ~~كان كذلك كان أسرع إلى السقوط في نار جهنم ولأن الباني الأول قصد ms1710 ببنائه ~~تقوى الله ورضوانه فكان بناؤه أشرف البناء، والباني الثاني قصد ببنائه ~~الكفر والنفاق وإضرار المسلمين فكان بناؤه أخس البناء وكانت عاقبته إلى نار ~~جهنم. # قال ابن عباس: صيرهم نفاقهم إلى النار. وقال قتادة: والله ما تناهى ~~بناؤهم حتى وقع في النار ولقد ذكر لنا أنه حفرت بقعة منه فرؤي الدخان يخرج ~~منها. وقال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. # PageV02P408 ### || [سورة التوبة (9): الآيات 110 الى 111] # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة يعني شكا ونفاقا في قلوبهم والمعنى: أن ~~ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، لأن المنافقين فرحوا ببناء ~~مسجدهم، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه، ثقل ذلك عليهم ~~وازدادوا غما وحزنا وبغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان سبب الريبة ~~في قلوبهم. وقيل: إنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه كما حبب العجل ~~إلى بني إسرائيل فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه، بقوا ~~شاكين مرتابين لأي سبب أمر بتخريبه. وقال السدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة ~~أي حرارة وغيظا في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم أي تجعل قلوبهم قطعا وتفرق ~~أجزاء إما بالسيف وإما بالموت. والمعنى: أن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى ~~أن يموتوا عليها والله عليم يعني بأحوالهم وأحوال جميع عباده حكيم يعني ~~فيما حكم به عليهم. قوله عز وجل: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة الآية قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا قال عبد الله ~~بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال أشترط لربي ms1711 أن تعبدوه ولا تشركوا ~~به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا ~~إذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. ~~فنزلت إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة قال ابن ~~عباس: بالجنة. قال أهل المعاني لا يجوز أن يشتري الله شيئا هو له في ~~الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والأشياء كلها ملك الله عز وجل، ~~ولهذا قال الحسن: أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها لكن جرى هذا ~~مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد، وذلك لأن المؤمن إذا قاتل في ~~سبيل الله حتى يقتل أو أنفق ماله في سبيل الله عوضه الله الجنة في الآخرة ~~جزاء لما فعل في الدنيا فجعل ذلك استبدالا واشتراء فهذا معنى اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة والمراد باشتراء الأموال إنفاقها ~~في سبيل الله وفي جميع وجوه البر والطاعة يقاتلون في سبيل الله هذا تفسير ~~لتلك المبايعة. وقيل: فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون يعني: فيقتلون أعداء الله ويقتلون في طاعته وسبيله وعدا عليه حقا ~~يعني ذلك الوعد بأن لهم الجنة وعدا على الله حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن يعني أن هذا الوعد الذي وعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله قد ~~أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن وفيه دليل على أن الأمر ~~بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل ومن أوفى بعهده ~~من الله يعني لا أحد أوفى بالعهد من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~فاستبشروا أيها المؤمنون بهذا البيع الذي بايعتم الله به وذلك يعني هذا ~~البيع هو الفوز العظيم لأنه رابح في الآخرة. قال عمر بن الخطاب: إن الله ~~بايعك وجعل الصفقتين لك وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها ~~كل مؤمن وعنه قال: إن الله سبحانه وتعالى أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. ~~وقال قتادة: ثامنهم فأغلى لهم. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 112 ms1712 الى 113] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم (113) # قوله سبحانه وتعالى: التائبون قال الفراء: استؤنف لفظ التائبون بالرفع ~~لتمام الآية الأولى وانقطاع الكلام. # PageV02P409 # وقال الزجاج: التائبون رفع بالابتداء وخبره مضمر. والمعنى: التائبون إلى ~~آخره لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا غير معاندين ولا قاصدين بترك الجهاد ~~وهذا وجه حسن فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين. كما قال تعالى: وكلا وعد ~~الله الحسنى ومن جعله تابعا للأول، كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين ~~الموصوفين بهذه الصفات، فيكون رفع التائبون على المدح يعني المؤمنين ~~المذكورين في قوله: إن الله اشترى. وأما التفسير: # فقوله سبحانه وتعالى التائبون يعني الذين تابوا من الشرك وبرئوا من ~~النفاق. وقيل: التائبون من كل معصية فيدخل فيه التوبة من الكفر والنفاق. ~~وقيل: التائبون من جميع المعاصي، لأن لفظ التائبين لفظ عموم فيتناول الكل. ~~واعلم أن التوبة المقبولة إنما تحصل بأمور أربعة: أولها احتراق القلب عند ~~صدور المعصية، وثانيها الندم على فعلها فيما مضى، وثالثها العزم على تركها ~~في المستقبل، ورابعها أن يكون الحامل له على التوبة طلب رضوان الله ~~وعبوديته فإن كان غرضه بالتوبة تحصيل مدح الناس له ودفع مذمتهم فليس بمخلص ~~في توبته. # العابدون يعني المطيعين لله الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم وقيل هم ~~الذين أتوا بالعبادة على أقصى وجوه التعظيم لله تعالى وهي أن تكون العبادة ~~خالصة لله تعالى: الحامدون يعني الذين يحمدون الله تعالى على كل حال في ~~السراء والضراء. # روى البغوي بغير سند عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول ~~من يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء والضراء. ~~وقيل: هم الذين يحمدون الله ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى ~~السائحون قال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون. قال سفيان بن عيينة: إنما ~~سمي الصائم سائحا لتركه اللذات ms1713 كلها من المطعم والمشرب والنكاح. وقال ~~الأزهري: قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد معه فكان ~~ممسكا عن الأكل وكذلك الصائم ممسك عن الأكل. وقيل: أصل السياحة استمرار ~~الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك ~~المنهي وقال عطاء: السائحون هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله ويدل عليه ما ~~روي عن عثمان بن مظعون قال قلت يا رسول الله ائذن لي في السياحة. فقال: إن ~~سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ذكره البغوي بغير سند. وقال عكرمة: ~~السائحون هم طلبة العلم لأنهم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه وقيل إن ~~السياحة لها أثر عظيم في تهذيب النفس وتحسين أخلاقها لأن السائح لا بد أن ~~يلقى أنواعا من الضر والبؤس ولا بد له من الصبر عليها ويلقى العلماء ~~والصالحين في سياحته فيستفيد منهم ويعود عليه من بركتهم ويرى العجائب وأثار ~~قدرة الله تعالى فيتفكر في ذلك فيدله على وحدانية الله سبحانه وتعالى وعظيم ~~قدرته الراكعون الساجدون يعني المصلين وإنما عبر عن الصلاة بالركوع ~~والسجود، لأنهما معظم أركانها وبهما يتميز المصلي من غير المصلي بخلاف حالة ~~القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره الآمرون بالمعروف يعني يأمرون ~~الناس بالإيمان بالله وحده والناهون عن المنكر يعني عن الشرك بالله. وقيل: ~~إنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم واتباع الرشد والهدى والعمل الصالح ~~وينهونهم عن كل قول وفعل نهى الله عباده عنه أو نهى عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الحسن: أما أنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى كانوا من أهله ~~ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه وأما دخول الواو في والناهون عن المنكر ~~فإن العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله سبحانه وتعالى: وثامنهم كلبهم ~~وقوله تعالى في صفة الجنة: وفتحت أبوابها. # وقيل: فيه وجه آخر وهو أن الموصوفين بهذه الصفات الست هم الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر، فعلى هذا يكون قوله تعالى التائبون إلى قوله ~~الساجدون مبتدأ خبره الآمرون يعني هم الآمرون ms1714 بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله قال ابن عباس: يعني القائمين بطاعة الله وقال الحسن: ~~الحافظون لفرائض الله وهم أهل الوفاء ببيعة الله. وقيل: هم المؤدون فرائض ~~الله المنتهون إلى أمره ونهيه فلا يضيعون شيئا من العمل الذي ألزمهم به ولا ~~يرتكبون منهيا نهاهم عنه وبشر المؤمنين يعني بشر يا محمد المصدقين بما ~~وعدهم الله به # PageV02P410 # إذا وفوا الله تعالى بعهده فإنه موف لهم بما وعدهم من إدخال الجنة. وقيل: ~~وبشر من فعل هذه الأفعال التسع وهو قوله تعالى التائبون إلى آخر الآية بأن ~~له الجنة وإن لم يغز. # قوله عز وجل: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى الآية واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت ~~في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والد علي وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته فنهاه الله عن ذلك ويدل على ذلك ~~ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن «قال لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن ~~أبي أمية بن المغيرة فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند ~~الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: أترغب عن ملة عبد ~~المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك ~~المقالة حتى قالوا: أبو طالب آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن ~~يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ~~ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى وأنزل الله في أبي طالب «إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» أخرجاه في الصحيحين. # فإن قلت قد استبعد بعض العلماء نزول هذه ms1715 الآية في شأن أبي طالب وذلك أن ~~وفاته كانت بمكة أول الإسلام ونزول هذه السورة بالمدينة وهي من آخر القرآن ~~نزولا. # «قلت الذي نزل في أبي طالب قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» كما في الحديث فيحتمل أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية ~~فمنع من الاستغفار والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (م). # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: «قل ~~لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» الآية وفي رواية قال: «لولا تعيرني قريش ~~يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله» الآية» (ق). # «عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه ~~طالب فقال «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ ~~كعبيه تغلى منه أم دماغه» وفي رواية: «يغلى منه دماغه من حرارة نعليه» (ق) ~~عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قلت يا ~~رسول الله ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: هو في ضحضاح من ~~نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» وفي رواية قال قلت يا رسول ~~الله إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال «نعم وجدته في ~~غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح» وقال أبو هريرة وبريدة «لما قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له ~~فيستغفر لها فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين» الآية ~~وروى الطبري بسنده عن بريدة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى ~~رسم قال وأكثر ظني أنه قال قبر أمه ms1716 فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا ~~فقلنا: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر ~~أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يؤذن لي فما رؤي باكيا أكثر من ~~يومئذ». # وحكى ابن الجوزي «عن بريدة قال إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه ~~فتوضأ وصلى ركعتين ثم بكى فبكى الناس لبكائه ثم انصرف إليهم فقالوا: ما ~~أبكاك؟ قال: مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها ~~فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرا ~~فأبكاني ثم دعا براحلته فركبها فما سار إلا هنيهة حتى قامت الناقة لثقل ~~الوحي فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى» الآية (ق) «عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر ~~أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت # PageV02P411 # ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ~~فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت» وقال قتادة قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله هذه الآية وروى ~~الطبري بسنده عنه قال: «ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالوا يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك ~~العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى ~~والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل الله عز وجل ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين» الآية ثم عذر الله إبراهيم فقال ~~تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية عن علي ~~بن أبي طالب قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له أتستغفر ~~لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~الآية أخرجه ms1717 النسائي والترمذي. وقال: # حديث حسن وأخرجه الطبري. وقال فيه: فأنزل الله عز وجل وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ~~الآية ومعنى الآية ما كان ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~وليس لهم ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يغفر للمشركين ولا يجوز أن يطلب ~~منه ما لا يفعله ففيه النهي عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى لأن ~~النهي عن الاستغفار للمشركين عام فيستوي فيه القريب والبعيد ثم ذكر عز وجل ~~سبب المنع فقال تعالى: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم يعني تبين لهم ~~أنهم ماتوا على الشرك فهم من أصحاب الجحيم وأيضا فقد قال تبارك وتعالى إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به والله تعالى لا يخلف وعده أما قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة التوبة (9): آية 114] # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فمعناه وما كان ~~طلب إبراهيم لأبيه المغفرة من الله إلا من أجل موعدة وعدها إبراهيم إياه أن ~~يستغفر له رجاء إسلامه قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: # «لما أنزل الله خبرا عن إبراهيم» أنه قال سلام عليك سأستغفر لك ربي سمعت ~~رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال ~~أولم يستغفر إبراهيم لأبيه فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ~~فأنزل الله عز وجل: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى قوله إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك» يعني أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار ~~لأنه إنما استغفر لأبيه وهو مشرك لمكان الوعد الذي وعده أن يسلم فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه فعلى هذا الهاء في إياه راجعة إلى إبراهيم والوعد ~~كان من أبيه وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يسلم فقال ms1718 إبراهيم: ~~سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمت. وقيل: إن الهاء راجعة إلى الأب وذلك أن ~~إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه. ويؤكد هذا قوله: سأستغفر لك ~~ربي ويدل عليه أيضا قراءة الحسن وعدها أباه بالباء الموحدة فلما تبين له ~~أنه عدو لله، تبرأ منه يعني: فلما ظهر لإبراهيم وبان له أن أباه عدو لله ~~يعني بموته على الكفر تبرأ منه عند ذلك وقيل يحتمل أن الله سبحانه وتعالى ~~أوحى إلى إبراهيم أن أباه عدو له فتبرأ منه وقيل لما تبين له في الآخرة أنه ~~عدو لله تبرأ منه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال: يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه ~~آزر قترة وغبرة فيقول إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه فاليوم لا ~~أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي ~~أخزى من أبي فيقول الله تبارك وتعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال ~~يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في ~~النار» أخرجه البخاري زاد غيره فتبرأ منه والقترة غبرة يعلوها سواد والذيخ ~~بذال معجمة ثم ياء مثناة من تحت ثم خاء معجمة هو ذكر الضباع والأنثى ذيخة. # PageV02P412 # وقوله تبارك وتعالى: إن إبراهيم لأواه حليم جاء في الحديث إن الأواه ~~الخاشع المتضرع. وقال ابن مسعود: الأواه الكثير الدعاء وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو المؤمن التواب، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد ~~الله وقال مجاهد: الأواه الموقن وقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوه ~~وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول أوه من النار قبل أن لا ينفع ~~أوه وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله عز وجل وقال سعيد بن جبير ~~هو المسبح وعنه أنه المعلم للخير. وقال عطاء: هو الراجع عما يكره الله ~~الخائف من النار. وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع ms1719 إيقانا ~~ولزوما للطاعة. وقال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه ~~وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت تنفس الصعداء والفعل منه أوه هو قول ~~الرجل عند شدة خوفه وحزنه أوه والسبب فيه أن عند الحزن تحمي الروح داخل ~~القلب ويشتد حرها فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق في القلب ليخف بعض ما به ~~من الحزن والشدة وأما الحليم: فمعناه ظاهر وهو الصفوح عمن سبه أو أتاه ~~بمكروه ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم بأبهى حين قال لئن لم ~~تنته لأرجمنك، فأجابه إبراهيم بقوله سلام عليك سأستغفر لك ربي. وقال ابن ~~عباس: الحليم: السيد، وإنما وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بهذين ~~الوصفين وهما شدة الرقة والخوف الوجل والشفقة على عباد الله ليبين سبحانه ~~وتعالى أنه مع هذه الصفات الجميلة الحميدة تبرأ من أبيه لما ظهر له إصراره ~~على الكفر فاقتدوا به أنتم في هذه الحالة أيضا. ### || [سورة التوبة (9): آية 115] # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) # وقوله سبحانه وتعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم يعني: وما كان ~~الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد أن رزقكم ~~الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله وذلك أنه لما منع المؤمنين من الاستغفار ~~للمشركين وكانوا قد استغفروا لهم قبل المنع خافوا ما صدر منهم فأعلمهم أن ~~ذلك ليس بضائرهم حتى يبين لهم ما يتقون يعني ما يأتون وما يذرون وهو أن ~~يقدم إليهم النهي عن ذلك الفعل فأما قبل النهي فلا حرج عليهم في فعله وقيل: ~~إن جماعة من المسلمين كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين فلما ~~منعوا من ذلك وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية وبين أنه لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم ما يجب عليهم ~~أن يتقوه ويتركوه. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار ms1720 ~~للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة. وقال الضحاك: وما كان ~~الله ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. وقال مقاتل والكلبي: هذا ~~في أمر المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا ~~قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ورجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم ~~حرمت الخمر وصرفت القبلة إلى الكعبة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا بعد ذلك إلى ~~المدينة فوجودا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت إلى الكعبة فقالوا: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن على ضلال فأنزل ~~الله عز وجل: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم يعني وما كان الله ليبطل ~~عمل قوم وقد عملوا بالمنسوخ حتى بين الناسخ إن الله بكل شيء عليم يعني أنه ~~سبحانه وتعالى عليم بما خالط نفوسكم من الخوف عند ما نهاكم عن الاستغفار ~~للمشركين ويعلم ما يبين لكم من أوامره ونواهيه. # PageV02P413 # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 116 الى 117] # إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رؤف رحيم (117) # إن الله له ملك السماوات والأرض يعني أنه سبحانه وتعالى هو القادر على ~~ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه يحكم فيهم بما يشاء يحيي ويميت ~~يعني أنه تعالى يحيي من يشاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من يشاء على ~~الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير يعني أنه تعالى هو وليكم وناصركم ليس لكم غيره يمنعكم من ~~عدوكم وينصركم عليهم. # قوله عز وجل: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الآية تاب الله ~~بمعنى تجاوز وصفح عن النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ومعنى ~~توبته على ms1721 النبي صلى الله عليه وسلم: عدم مؤاخذته بإذنه للمنافقين بالتخلف ~~في غزوة تبوك وهي كقوله سبحانه وتعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم فهو من ~~باب ترك الأفضل لا أنه ذنب يوجب عقابا. وقال أصحاب المعاني: هو مفتاح كلام ~~للتبرك كقوله سبحانه وتعالى فأن لله خمسه. ومعنى هذا: أن ذكر النبي بالتوبة ~~عليه تشريف للمهاجرين والأنصار في ضم توبتهم إلى توبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله فإن لله خمسه وللرسول فهو ~~تشريف له. وأما معنى: توبة الله على المهاجرين والأنصار، فلأجل ما وقع في ~~قلوبهم من الميل إلى القعود عن غزوة تبوك لأنها كانت في وقت شديد وربما وقع ~~في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم وكيف لنا بالخلاص منهم فتاب الله ~~عليهم وعفا عنهم ما وقع في قلوبهم من هذه الخواطر والوساوس النفسانية. ~~وقيل: إن الإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر ~~وإما من باب ترك الأفضل. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه لما ~~تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه وصبروا على تلك الشدائد العظيمة التي حصلت ~~لهم في ذلك السفر غفر الله لهم وتاب عليهم لأجل ما تحملوه من الشدائد ~~العظيمة في تلك الغزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ضم ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدين وأنهم قد بلغوا ~~إلى الرتبة التي لأجلها ضم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكرهم الذين ~~اتبعوه في تلك الغزوة من المهاجرين والأنصار وقد ذكر بعض العلماء أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفا ما بين راكب وماش من ~~المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل في ساعة العسرة يعني في وقت ~~العسرة ولم يرد ساعة بعينها والعسرة الشدة والضيق وكانت غزوة تبوك تسمى ~~غزوة العسرة والجيش الذي سار فيه يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في ms1722 ~~الظهر والزاد والماء قال الحسن كان العشرة: منهم يخرجون على بعير واحد ~~يعتقبونه بينهم يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم ~~التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر منهم يخرجون وما معهم إلا التمرات ~~اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم ~~يخرجها من فيه ويعطيها صاحبه ثم يشرب عليها جرعة من الماء ويفعل صاحبه كذلك ~~حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. وقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا ~~فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستقطع وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر ~~فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء ~~فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن ~~الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله قال أتحب ذلك قال: نعم فرفع ~~يديه صلى الله عليه وسلم فلم يرجعا حتى أرسل الله سحابة فمطرت فملأوا ما ~~معهم من الأوعية ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر أسنده الطبري عن ~~عمر. # قوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم يعني من بعد ما قارب أن ~~تميل قلوب بعضهم عن الحق من أجل المشقة والشدة التي نالتهم والزيغ في اللغة ~~الميل. وقيل: هم بعضهم أن يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلك الشدة ~~التي نالتهم لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا على ما خطر في قلوبهم فلأجل ذلك ~~قال تعالى: ثم تاب # PageV02P414 # عليهم يعني أنه سبحانه وتعالى علم إخلاص نيتهم وصدق توبتهم فرزقهم ~~الإنابة والتوبة. # فإن قلت قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة التكرار؟ # قلت إنه سبحانه وتعالى ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا ~~لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك ms1723 وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيما لشأنهم ~~وليعلموا أنه سبحانه وتعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم ثم أتبعه بقوله إنه ~~بهم رؤف رحيم تأكيدا لذلك ومعنى الرؤوف في صفة الله تعالى أنه الرفيق ~~بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات وبين الرؤوف والرحيم فرق ~~لطيف وإن تقاربا في المعنى. قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة ~~للمصلحة ولا تكاد الرأفة تكون مع الكراهة. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 118 الى 120] # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~(119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في ~~سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم ~~به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) # قوله سبحانه وتعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا هذا معطوف على ما قبله ~~تقديره لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا وفائدة هذا العطف بين قبول توبتهم وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ~~ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وهم المرادون بقوله سبحانه وتعالى ~~وآخرون مرجون لأمر الله وفي معنى خلفوا قولان: أحدهما أنهم خلفوا عن توبة ~~أبي لبابة وأصحابه وذلك أنهم لم يخضعوا كما خضع أبو لبابة وأصحابه فتاب ~~الله على أبي لبابة وأصحابه وأخر أمر هؤلاء الثلاثة مدة ثم تاب عليهم بعد ~~ذلك والقول الثاني أنهم تخلفوا عن غزوة تبوك ولم يخرجوا مع رسول الله فيها ~~وأما حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فقد روي عن ابن شهاب الزهري قال: ~~أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب وكان ~~قائد كعب من بنيه حين عمي ms1724 قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لأحاديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: سمعت كعب بن مالك بن عبد الله بن مالك بن كعب يحدث ~~حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال: لم ~~أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ~~غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين ~~عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر ~~أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حتى تخلفت عنه في تلك ~~الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حين جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك ~~الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ~~ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم ~~فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ~~ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب ~~إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر ~~فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز ~~معهم فأرجع # PageV02P415 # ولم أقض شيئا فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك ~~يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا ms1725 ~~والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ~~ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني ~~فعلت ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق ~~أو رجلا مما عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك فقال رجل ~~من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: ~~بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبينما هو كذلك، رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة وهو الذي تصدق ~~بصاع التمر حين لمزه المنافقون قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم ~~أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي # رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح ~~عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه فأصبح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ~~ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ~~ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر ~~لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم ~~قال لي تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ~~ظهرك قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من ms1726 أهل الدنيا لرأيت ~~أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك ~~اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق ~~تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، وفي رواية عفو الله عز وجل، والله ما ~~كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار ~~رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ~~لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر ~~إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ~~قال فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل لقي هذا أحد معي قالوا نعم لقيه ~~معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك قلت من هما قالوا مرارة ~~بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي قال فذكروا لي رجلين صالحين قد ~~شهدوا بدرا ففيهما أسوة قال فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: ~~فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي ~~بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في ~~بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة ~~وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ~~عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ~~ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت ~~نحوه أعرض عني حتى إذا ms1727 طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار ~~حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فو الله مارد علي ~~السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال: ~~فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي ~~وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط ~~أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل علي كعب بن مالك قال ~~فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا ~~فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله ~~بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك قال: فقلت حين قرأتها وهذه أيضا # PageV02P416 # من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته حتى إذا مضت أربعون من الخمسين ~~واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا ~~أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها قال وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك قال فقلت ~~لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال فجاءت ~~امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ~~إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خدام فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا ~~يقربنك فقالت إنه والله ما به حركة إلى # شيء وو الله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال فقال ~~لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن ~~لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا استأذن فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بذلك ms1728 عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة ~~من حين نهى عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على ظهر بيت ~~من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل عنا قد ضاقت علي ~~نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته ~~يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج قال وآذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب ~~الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم ~~قبلي وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته ~~يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما واستعرت ~~ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس ~~فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد ~~فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله ~~يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلا رجل من المهاجرين غيره. # قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: # أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال: قلت أمن عندك يا رسول الله أم ~~من عند الله؟ فقال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك منه قال فلما ~~جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى ~~الله رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير ~~لك قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال وقلت يا رسول الله إن الله إن ~~أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث ms1729 إلا صدقا ما بقيت قال فو الله ما ~~علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله، والله ما تعمدت كذبه منذ ~~قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني ~~الله فيما بقي قال فأنزل الله عز وجل لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة حتى بلغ أنه بهم رؤوف رحيم وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت حتى بلغ اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما أنعم الله عليهم الأرض بما رحبت حتى ~~بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما أنعم الله علي من ~~نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله عز وجل قال ~~للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله سبحانه وتعالى: ~~سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم ~~فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن ~~أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له ~~فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى ~~الله تعالى فيه فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ~~ذكر مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له ~~واعتذر إليه فقبل منه وفي رواية ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي ~~وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا فاجتنب الناس كلامنا ~~فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر فما # PageV02P417 # من شيء أهم إلي من أن أموت فلا ms1730 يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني ~~أحد منهم ولا يصلي علي ولا يسلم علي قال: وأنزل الله عز وجل توبتنا على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند أم سلمة. وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت: ~~أفلا أرسل إليه فأبشره قال: إذا يحطمكم الناغس فيمنعونكم النوم سائر الليل ~~حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بتوبة الله علينا أخرجه البخاري ومسلم. (شرح غريب هذا ~~الحديث) .. # قوله حين تواثقنا على الإسلام: التواثق تفاعل من الميثاق وهو العهد. ~~والراحلة: الجمل أو الناقة القويان على الحمل والسفر. وقوله: ورى بغيرها ~~يقال: ورى عن الشيء إذا أخفاه وأظهره غيره. والمفازة: البرية القفراء سميت ~~بذلك تفاؤلا بالفوز والنجاة منها قوله فجلا هو بالتخفيف يعني كشف لهم ~~مقصدهم وأظهره لهم والأهبة الجهاز وما يحتاج إليه المسافر قوله فأنا إليها ~~صعر هو بالعين المهملة أي أميل والصعر الميل. قوله: وتفارط الغزو أي تباعد ~~ما بيني وبين الجيش من المسافة وطفق مثل جعل والمغموص المعيب المشار إليه ~~بالعيب. # يقال: فلان ينظر في عطفيه إذا كان معجبا بنفسه ويقال: زال به السراب يزول ~~إذا ظهر شخص الإنسان خيالا فيه من بعد. والسراب: هو ما يظهر للإنسان في ~~البرية في وقت الهاجرة كأنه ماء والمبيض بكسر الياء لابس البياض. # قوله: كن أبا خيثمة معناه أنت أبو خيثمة وقيل معناه: اللهم اجعله أبا ~~خيثمة أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة قوله الذي لمزه المنافقون ~~يعني عابوه واحتقروه والقافل الراجع من سفره إلى وطنه قوله حضرني بثني البث ~~أشد الحزن كأنه لشدته يظهر قوله زاح عني الباطل أي زال وذهب عني وأجمعت ~~صدقه أي ms1731 عزمت عليه لقد أعطيت جدلا أي فصاحة وقوة في الكلام بحيث أخرج عن ~~عهدة ما أردت بما أشاء من الكلام والمغضب بفتح الضاد هو الغضبان قوله فما ~~زالوا يؤنبونني أي يلومونني أشد اللوم قوله حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما ~~هي الأرض التي أعرف: معناه تغير علي كل شيء من الأرض وتوحشت علي وصارت ~~كأنها أرض لا أعرفها وقوله فأما صاحباي فاستكانا يعني خضعا وسكنا قوله ~~تسورت حائط أبي قتادة أي علوته وصعدت سوره وهو أعلاه والأنباط الفلاحون ~~والزراعون وهم من العجم والروم والمضيعة مفعلة من الضياع والأطراح، وقوله ~~فتيممت بها التنور فسجرته بها أي فقصدت بالصحيفة التي أرسل بها ملك غسان ~~فأحرقتها في التنور وسلع جبل بالمدينة معروف وقوله وانطلقت أتأمم يعني أقصد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. والفوج: الجماعة من الناس. يقال: برق وجهه ~~إذا لمع وظهر عليه أمارات الفرح والسرور قوله أنخلع من مالي أي أخرج منه ~~جميعه وأتصدق به كما يخلع الإنسان قميصه. قوله ما علمت أحدا من المسلمين ~~أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني البلاء. والابتلاء: يكون في ~~الخير وفي الشر وإذا أطلق كان في الشر غالبا فإذا أريد به الخير قيد به كما ~~قيد هنا بقوله أحسن مما أبلاني أن أنعم على قوله أن لا أكون كذبته، هذا هو ~~في جميع روايات الحديث بزيادة لفظ لا قال بعض العلماء لفظة لا زائدة ومعناه ~~أن أكون كذبته وقوله فأهلك هو بكسر اللام وإرجاؤه أمرنا تأخيره وقوله في ~~الرواية الأخرى يحطمكم الناس أي يطؤكم ويزدحمون عليكم وأصل الوطء الكسر ~~وقوله سائر الليل يعني باقي الليل وقوله وآذن بتوبة الله علينا أي أعلم ~~والأذان الإعلام والله أعلم. # قوله عز وجل: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت يعني بما اتسعت والرحب ~~سعة المكان والمعنى أنه ضاق عليهم المكان بعد أن كان واسعا وضاقت عليهم ~~أنفسهم يعني من شدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم وظنوا ~~يعني وأيقنوا وعلموا أن لا ملجأ يعني ms1732 لا مفزع ولا مفر من الله إلا إليه ولا ~~عاصم من عذابه إلا هو ثم تاب عليهم فيه إضمار وحذف تقديره وظنوا أن لا ملجأ ~~من الله إلا # PageV02P418 # إليه فرحمهم ثم تاب عليهم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه وقوله ~~ثم تاب عليهم تأكيد لقبول توبتهم لأنه قد ذكر توبتهم في قوله تعالى: وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا كما تقدم بيانه وأنه عطف على قوله لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار أي وتاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار أي ~~وتاب الله على الثلاثة الذين خلفوا. # وقوله تعالى: ليتوبوا معناه: أن الله سبحانه وتعالى تاب عليهم في الماضي ~~ليكون ذلك داعيا لهم إلى التوبة في المستقبل فيرجعوا ويداوموا عليها وقيل ~~إن أصل التوبة الرجوع ومعناه ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالتهم الأولى يعني ~~إلى عادتهم في الاختلاط بالناس ومكالمتهم فتسكن نفوسهم بذلك إن الله هو ~~التواب يعني على عباده الرحيم بهم وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض ~~الرحمة والكرم والفضل والإحسان وأنه لا يجب على الله تعالى شيء. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله يعني في مخالفة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين يعني مع من صدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه في الغزوات ولا تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا ~~في البيوت وتركوا الغزو. وقال سعيد بن جبير: مع الصادقين يعني مع أبي بكر ~~وعمر. قال ابن جريج: مع المهاجرين. # وقال ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص نية. وقيل: كونوا مع الذين ~~صدقوا في الاعتراف بالذنب وهم يعتذرون بالأعذار الباطلة الكاذبة وهذه الآية ~~تدل على فضيلة الصدق لأن الصدق يهدي إلى الجنة والكذب إلى الفجور كما ورد ~~في الحديث. وقال ابن مسعود: الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم ~~صاحبه شيئا ثم لا ينجزه اقرءوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين. # وروي أن أبا ms1733 بكر الصديق احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة وذلك ~~أن الأنصار قالوا: منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: يا معشر الأنصار إن ~~الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه للفقراء المهاجرين إلى قوله أولئك هم ~~الصادقون من هم قالت الأنصار: أنتم هم فقال أبو بكر: إن الله تعالى يقول: ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا ~~ولم يأمرنا أن نكون معكم نحن الأمراء وأنتم الوزراء وقيل مع بمعنى من ~~والمعنى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين قوله سبحانه ~~وتعالى: ما كان لأهل المدينة يعني لساكني المدينة من المهاجرين والأنصار: ~~ومن حولهم من الأعراب يعني سكان البوادي من مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار ~~وقيل: هو عام في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى أن ~~يتخلفوا عن رسول الله يعني إذا غزا وهذا ظاهر خبر ومعناه النهي أي ليس لهم ~~أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرغبوا يعني ولا أن يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه يعني ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يختاره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويرضاه لنفسه ولا يختاروا لأنفسهم الخفض والدعة ويتركوا ~~مصاحبته والجهاد معه في حال الشدة والمشقة وقال الحسن: لا يرغبوا بأنفسهم ~~أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مشقة السفر ومقاساة التعب ذلك بأنهم لا يصيبهم في سفرهم وغزواتهم ظمأ أي ~~عطش ولا نصب أي تعب ولا مخمصة يعني مجاعة شديدة في سبيل الله ولا يطؤن ~~موطئا يغيظ الكفار يعني ولا يضعون قدما على الأرض يكون ذلك القدم سببا لغيظ ~~الكفار وغمهم وحزنهم ولا ينالون من عدو نيلا يعني أسرا أو قتلا أو هزيمة أو ~~غنيمة أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا إلا كتب لهم به عمل صالح يعني إلا كتب ~~الله لهم بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين يعني ms1734 أن الله سبحانه وتعالى لا يدع محسنا من خلقه قد أحسن في عمله ~~وأطاعه فيما أمره به أو نهاه عنه أن يجازيه على إحسانه وعمله الصالح وفي ~~الآية دليل # PageV02P419 # على أن من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها ~~حسنات مكتوبة عند الله من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته ~~وسكونه كلها سيئات إلا أن يغفرها الله بفضله وكرمه واختلف العلماء في حكم ~~هذه الآية. فقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر فأما غيره من الأئمة والولاة ~~فيجوز لمن شاء من المؤمنين أن يتخلف عنه إذا لم يكن للمسلمين إليه ضرورة. # وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعيدا ~~يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها فعلى هذا تكون هذه الآية ~~محكمة لم تنسخ. وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا ~~نسخها الله عز وجل وأباح التخلف لمن شاء بقوله وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة ونقل الواحدي عن عطية أنه قال: وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم وأمرهم. وقال: هذا هو الصحيح لأنه لا تتعين ~~الطاعة والإجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا أمر وكذا غيره من ~~الأئمة والولاة قالوا إذا ندبوا أو عينوا لأن لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد ~~ولم يختص بذلك بعض دون بعض لأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد والله أعلم. # ### || [سورة التوبة (9): آية # 121] # ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم ~~الله أحسن ما كانوا يعملون (121) # وقوله عز وجل: ولا ينفقون يعني في سبيل الله نفقة صغيرة ولا كبيرة يعني ~~تمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط ولا يقطعون واديا يعني ولا ~~يجاوزون في مسيرهم واديا مقبلين أو مدبرين فيه إلا كتب لهم يعني كتب الله ~~لهم آثارهم وخطاهم ونفقاتهم ms1735 ليجزيهم الله يعني يجازيهم أحسن ما كانوا ~~يعملون قال الواحدي: معناه بأحسن ما كانوا يعملون. وقال الإمام فخر الدين ~~الرازي: فيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة أفعالهم وفيها الواجب والمندوب ~~والمباح فالله سبحانه وتعالى يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون ~~المباح. والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم ~~وأجل وأفضل وهو الثواب وفي الآية دليل على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال ~~العباد (ق) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة ~~خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير ~~من الدنيا وما عليها وفي رواية وما فيها (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا ~~في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه ~~إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ~~ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون ~~دم وريحه ريح مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت ~~خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ~~ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فأقتل في ~~سبيل الله ثم أغزو فأقتل ثم أغزوا فأقتل» لفظ مسلم وللبخاري بمعناه (ق). # عن أبي سعيد الخدري قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي ~~الناس أفضل قال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال ثم رجل ~~في شعب من الشعاب يعبد الله» وفي رواية «يتقي الله ويدع الناس من شره» (خ) ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ms1736 عليه وسلم قال «من احتبس فرسا في سبيل ~~الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم ~~القيامة» يعني حسنات (خ) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار» (م) عن أبي مسعود الأنصاري ~~البدري قال: «جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة ~~سبعمائة ناقة كلها مخطومة» عن خريم بن # PageV02P420 # فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق نفقة في سبيل الله ~~كتب الله له سبعمائة ضعف أخرجه الترمذي والنسائي. ### || [سورة التوبة (9): آية 122] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # قوله سبحانه وتعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية. قال عكرمة: ~~لما نزلت هذه الآية ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله قال ناس من المنافقين. هلك من تخلف فنزلت هذه الآية ومن كان ~~المؤمنون لينفروا كافة. وقال ابن عباس: أنها ليست في الجهاد ولكن لما دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم فكانت القبيلة ~~منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون ~~فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم فأنزل الله عز وجل ~~الآية يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم إذا رجعوا إليهم ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى: ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وفي رواية أخرى ~~عن ابن عباس أنه قال: «كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ~~ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ما ms1737 تأمرنا أن نفعله وأخبرنا عما نقول ~~لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة ~~الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة فكانوا إذا أتوا قومهم ~~نادوا أن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى أن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما يحتاجون إليه من أمر الدين وأن ~~ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام وينذروهم ويبشروهم ~~بالجنة وقال مجاهد: إن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في ~~البوادي فأصابوا من الناس معروفا ومن الحطب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا ~~من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا ~~فوجدوا في أنفسهم تحرجا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال الله عز وجل فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~يبتغون الخير وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ليسمعوا ما أنزل الله ولينذروا ~~قومهم من الناس إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقال ابن عباس: ما كان ~~المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيرون إلا بإذنه ~~فإذا رجعت السرايا وقد نزل في بعضهم قرآن تعلمه القاعدون من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآنا وقد ~~تعلمناه فمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا ~~أخرى فذلك قوله سبحانه وتعالى ليتفقهوا في الدين يقول ليتعملوا ما أنزل ~~الله على نبيهم ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون نقل هذه ~~الأقوال كلها الطبري وأما تفسير الآية فيمكن أن يقال إنها من بقية أحكام ~~الجهاد ويمكن أن يقال إنها كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد فعلى الاحتمال ~~الأول فقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج للغزو ولم يتخلف ~~عنه إلا منافق أو صاحب عذر فلما ms1738 بالغ الله في الكشف عن عيوب المنافقين ~~وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن شيء من ~~الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سرية يبعثها فلما قدم ~~المدينة وبعث السرايا نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحده فنزلت هذه الآية فيكون المعنى ما كان ينبغي للمؤمنين ~~ولا يجوز لهم أن ينفروا بكليتهم إلى الجهاد ويتركوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بل يجب أن ينقسموا إلى قسمين فطائفة يكونون مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وطائفة ينفرون إلى الجهاد لأن ذلك الوقت كانت الحاجة داعية ~~إلى انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: قسم للجهاد، ~~وقسم لتعلم العلم والتفقه في الدين، لأن الأحكام والشرائع كانت تتجدد شيئا ~~بعد شيء فالملازمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظون ما نزل من ~~الأحكام وما تجدد من الشرائع فإذا قدم الغزاة أخبروهم بذلك فيكون معنى ~~الآية وما كان المؤمنون # لينفروا # PageV02P421 # كافة فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم ~~من غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة أمر الله وأمر رسوله وهذا معنى قول ~~قتادة. وقيل: إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن: ليتفقه الذين خرجوا ~~بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر الله لهم على أعدائهم ~~وأن الله يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه صلى الله عليه وسلم وأن الفئة ~~القليلة قد غلبت جمعا كثيرا، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من ~~الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم يحذرون ~~فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد تفقها في ~~الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن الله هو ناصرهم ومقويهم على ~~عدوهم كان ذلك زيادة ms1739 في إيمانهم فيكون ذلك فقها في الدين. وأما الاحتمال ~~الثاني: # وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد وهو ما ذكرناه ~~عن مجاهد أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البوادي ~~فأصابوا معروفا ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم: ما ~~نراكم إلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا فأقبلوا ~~كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني ~~بأس الله ونقمته إذا خالفوا أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون ~~المقصود من العلم والتفقه دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم ~~والصراط المستقيم فكل من تفقه وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط ~~المستقيم ومن عدل عنه وتعلم العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالا ~~الآية (ق). # عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من يرد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم يزل أمر هذه الأمة ~~مستقيما حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله» (ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تجدون الناس معادن ~~خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». عن ابن عباس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». ~~أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه ~~فقاهة إذا صار فقيها. وقيل: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو ~~أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام ~~الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة ~~وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي صلى الله ms1740 عليه ~~وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة ~~وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار ~~له مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه. # وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة ~~الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا وإذا قام به من كل بلد واحد ~~فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع ~~لهم من الحوادث. # عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على ~~العابد كفضلي على أدناكم» أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله ~~له طريقا إلى الجنة» أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» أخرجه الترمذي عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العلم ثلاثة ~~وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة» أخرجه أبو ~~داود. # PageV02P422 # الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس ~~بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، ~~والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. # قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيما في ملكوت السموات. وأخرجه ~~الترمذي موقوفا وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «طلب العلم أفضل من صلاة ~~النافلة» قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة التوبة (9): الآيات 123 الى 125] # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في ms1741 قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أمروا بقتال الأقرب ~~فالأقرب إليهم في الدار والنسب قال ابن عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر ~~ونحوها. وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا مكان الشأم والشأم أقرب إلى ~~المدينة من العراق. وقال بعضهم: هم الديلم. وقال ابن زيد: كان الذين يلونهم ~~من الكفار العرب فقاتلوهم حتى فرغوا منهم فأمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم ~~حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد. ونقل عن بعض العلماء أنه قال: نزلت هذه ~~الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت: وقاتلوا المشركين كافة ~~صارت ناسخة لقوله تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وقال المحققون من ~~العلماء: لا وجه للنسخ، لأنه سبحانه وتعالى لما أمرهم بقتال المشركين كافة ~~أرشدهم إلى الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى ~~يصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة ~~لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قاتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أولا قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم انتقل إلى قتال ~~أهل الكتاب وهم: قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم في ~~الشأم فكان فتح الشأم في زمن الصحابة ثم إنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ~~ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب تقوى بما ينال منهم من الغنائم ~~على الأبعد. # قوله سبحانه وتعالى: وليجدوا فيكم غلظة يعني شدة وقوة وشجاعة والغلظة ضد ~~الرقة. وقال الحسن: # صبرا على جهادهم واعلموا أن الله مع المتقين يعني بالعون والنصرة. # قوله عز وجل: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~يعني: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول يعني يقول ~~بعضهم لبعض أيكم زادته هذه يعني السورة إيمانا يعني تصديقا ويقينا وإنما ~~يقول ذلك المنافقون استهزاء وقيل: يقول ذلك المنافقون لبعض المؤمنين فقال ~~سبحانه وتعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم ms1742 إيمانا يعني تصديقا ويقينا وقربة من الله، ~~ومعنى الزيادة، ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته فالمؤمنون إذا أقروا ~~بنزول سورة القرآن عن ثقة واعترفوا أنها من عند الله عز وجل زادهم ذلك ~~القرار والاعتراف إيمانا وقد تقدم بسط الكلام على زيادة الإيمان في أول ~~سورة الأنفال وهم يستبشرون يعني أن المؤمنين يفرحون بنزول القرآن شيئا بعد ~~شيء لأنهم كلما نزل ازدادوا إيمانا وذلك يوجب مزيد الثواب في الآخرة كما ~~تحصل الزيادة في الإيمان بسبب نزول القرآن كذلك تحصل الزيادة في الكفر وهو ~~قوله سبحانه وأما الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضا ~~لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى ~~العلاج فزادتهم يعني السورة من القرآن رجسا إلى رجسهم يعني # PageV02P423 # كفرا إلى كفرهم وذلك أنهم كلما جحدوا نزول سورة أو استهزءوا بها ازدادوا ~~كفرا مع كفرهم الأول وسمي الكفر رجسا لأنه أقبح الأشياء وأصل الرجس في ~~اللغة الشيء المستقذر وماتوا يعني هؤلاء المنافقين وهم كافرون يعني وهم ~~جاحدون لما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: في ~~هذه الآية الإيمان يزيد وينقص وكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه ~~ويقول تعالوا حتى نزداد إيمانا. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن ~~الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازدادا الإيمان عظما ازداد ذلك ~~البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ~~ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب ~~مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. ### || [سورة التوبة (9): الآيات 126 الى 128] # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم ms1743 عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (128) # قوله سبحانه وتعالى: أولا يرون قرئ ترون بالتاء على خطاب المؤمنين وقرئ ~~بالياء على أنه خبر عن المنافقين المذكورين في قوله في قلوبهم مرض أنهم ~~يفتنون يعني يبتلون في كل عام مرة أو مرتين يعني بالأمراض والشدائد. وقيل: ~~بالقحط والجدب. وقيل: بالغزو والجهاد. وقيل: إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم. # وقيل: إنهم ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقيل إنهم ينقضون عهدهم في ~~السنة مرة أو مرتين ثم لا يتوبون يعني من النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى ~~الله ولا هم يذكرون يعني ولا يتعظون بما يرون من صدق وعد الله بالنصر ~~والظفر للمسلمين وإذا ما أنزلت سورة يعني فيها عيب المنافقين وتوبيخهم نظر ~~بعضهم إلى بعض يريدون بذلك الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة هل يراكم من أحد ~~يعني هل أحد من المؤمنين يراكم إن قمتم من مجلسكم فإن لم يرهم أحد خرجوا من ~~المسجد وإن علموا أن أحدا يراهم من المؤمنين أقاموا ولبثوا على تلك الحال ~~ثم انصرفوا يعني عن الإيمان بتلك السورة النازلة. وقيل: انصرفوا عن مواضعهم ~~التي يسمعون فيها ما يكرهون صرف الله قلوبهم يعني عن الإيمان. وقال الزجاج: ~~أضلهم الله مجازاة لهم على فعلهم بأنهم قوم لا يفقهون يعني لا يفقهون عن ~~الله دينه ولا شيئا فيه نفعهم. # قوله سبحانه وتعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم هذا خطاب للعرب يعني: لقد ~~جاءكم أيها العرب رسول من أنفسكم تعرفون نسبه وحسبه وأنه من ولد إسماعيل بن ~~إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وله فيهم نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ~~ولادة الجاهلية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني ~~خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» هكذا ذكره الطبري وذكر البغوي بإسناد ~~الثعلبي. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ولدني من ~~سفاح أهل الجاهلية ms1744 شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام» قال قتادة: ~~جعله الله من أنفسكم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة. ~~قال بعض العلماء في تفسير قول ابن عباس: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: من مضرها وربيعتها ويمانيها فأما ربيعة ~~ومضر فهم من ولد معد بن عدنان وإليه تنسب قريش وهو منهم وأما نسبه إلى عرب ~~اليمن وهم القحاطنة فإن آمنة لها نسب في الأنصار وإن كانت من قريش والأنصار ~~أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ فعلى هذا القول يكون المقصود من ~~قوله: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم». # PageV02P424 # ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزتهم بعزته ~~وفخرهم بفخره وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف ~~وطهارة النسب والأخلاق الحميدة. وقرأ ابن عباس والزهري: من أنفسكم بفتح ~~الفاء. ومعناه: أنه من أشرفكم وأفضلكم (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من ~~القرن الذي كنت منه» (م) عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من ~~كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» عن العباس بن عبد ~~المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله إن قريشا ~~جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدية من الأرض فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم ~~وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني ~~من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» أخرجه الترمذي. وقيل إن قوله ~~سبحانه وتعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عام فحمله على العموم أولى فيكون ~~المعنى على هذا القول لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم يعني من جنسكم ms1745 ~~بشر مثلكم إذ لو كان من الملائكة لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه والأخذ ~~عنه. # قوله سبحانه وتعالى: عزيز عليه ما عنتم أي شديد عليه عنتكم يعني مكروهكم. ~~وقيل: يشق عليه ضلالكم حريص عليكم حريص على إيمانكم وإيصال الخير إليكم ~~وقال قتادة: حريص على هدايتكم وأن يهديكم الله بالمؤمنين رؤف رحيم يعني أنه ~~صلى الله عليه وسلم رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين (ق). # عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لي خمسة أسماء ~~أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي ~~يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي» وقد سماه الله ~~رؤوفا رحيما. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله سبحانه وتعالى لأحد من ~~الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه وسلم فسماه رؤوفا ~~رحيما قال سبحانه وتعالى: إن الله بالناس لرؤف رحيم. ### || [سورة التوبة (9): آية 129] # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~(129) # قوله سبحانه وتعالى: فإن تولوا يعني فإن أعرض هؤلاء الكفار والمنافقون عن ~~الإيمان بالله ورسوله وناصبوك للحرب فقل حسبي الله يعني يكفيني الله ~~وينصرني عليكم لا إله إلا هو عليه توكلت يعني لا على غيره وبه وثقت وهو رب ~~العرش العظيم إنما خص سبحانه وتعالى العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات ~~فيدخل ما دونه في الذكر فيكون المعنى فهو رب العرش العظيم فما دونه أو يكون ~~خصه بالذكر تشريفا له كما يقال بيت الله، وروي عن أبي بن كعب أنه قال: ~~هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة آخر القرآن نزلا ~~وفي رواية عنه أنه قال: أحدث القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم إلى آخر الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P425 ### | سورة يونس # نزلت بمكة إلا ثلاث آيات وهي قوله سبحانه وتعالى: فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك إلى آخر الثلاثة آيات قاله ابن عباس وبه ms1746 قال قتادة. وفي رواية ~~أخرى: عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله تعالى: ومنهم من يؤمن به ومنهم ~~من لا يؤمن به الآية، وقال مقاتل: هي مكية إلا آيتين وهي قوله سبحانه ~~وتعالى: قل بفضل الله وبرحمته والتي تليها وهي مائة وتسع آيات وألف ~~وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة وتسعة آلاف وتسعة وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة يونس (10): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) # قوله عز وجل: الر قال ابن عباس والضحاك معناه أنا الله أرى وقال ابن عباس ~~في رواية أخرى: عنه الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وبه قال سعيد بن جبير ~~وسالم بن عبد الله وقال قتادة: الر اسم من أسماء القرآن وقيل هي اسم للسورة ~~وقد تقدم الكلام في معنى الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما فيه كفاية ~~تلك آيات الكتاب المراد في لفظ تلك الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه ~~السورة ويكون التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب وهو القرآن الذي أنزله ~~الله إليك يا محمد وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه ~~الماء ولا تغيره الدهور. وقيل: إن لفظة تلك للإشارة إلى ما تقدم هذه السورة ~~من آيات القرآن. والمعنى: أن تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم، وفيه قول ~~آخر أن المراد بآيات الكتاب الكتب التي قبل القرآن حكاه الطبري عن قتادة. ~~وروي عن مجاهد أنها التوراة والإنجيل فعلى هذا القول يكون التقدير أن ~~الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة أو الإنجيل ~~والمراد من الآيات القصص المذكورة في هذه السورة وهذا وإن كان له وجه فهو ~~ضعيف لأن التوراة والإنجيل لم يجر لهما ذكر قريب حتى يشار إليهما وقيل: إن ~~المراد من الآيات حروف الهجاء التي منها الر سميت آيات لأنها افتتاح السور ~~وسر القرآن الحكيم يعني المحكم الحلال والحرام والحدود والأحكام. فعيل: ~~بمعنى مفعول. وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم فعيل بمعنى فاعل لأن القرآن حاكم ~~يميز بين الحق ms1747 والباطل ويفصل الحلال من الحرام. وقيل: حكيم بمعنى المحكوم ~~فيه فيعمل بمعنى مفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى. وقيل: إن الحكيم هو الذي يفعل الحكمة والصواب فمن حيث إنه يدل على ~~الأحكام صار كأنه هو الحكيم في نفسه. # PageV02P426 # ### || [سورة يونس (10): الآيات 2 الى 4] # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم ~~جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (4) # قوله سبحانه وتعالى: أكان للناس عجبا قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية ~~أن الله عز وجل لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك ~~ومن أنكر منهم قال: الله أعظم من أن يكون له رسول بشر مثل محمد فقال الله ~~سبحانه وتعالى: أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم وقال سبحانه ~~وتعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا الآية والهمزة في أكان همزة استفهام ~~ومعناه الإنكار والتوبيخ والمعنى لا يكون ذلك عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~والعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة. وقيل: العجب حالة ~~تعتري الإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا ~~يعرف سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة وبالرجل محمد صلى الله عليه وسلم ~~منهم يعني من أهل مكة من قريش يعرفون نسبه وصدقه وأمانته أن أنذر الناس ~~يعني خوفهم بعقاب الله تعالى إن أصروا على الكفر والمخالفة والإنذار إخبار ~~مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور وهو قوله سبحانه وتعالى: وبشر الذين ~~آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم اختلفت ms1748 عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى ~~قدم صدق. فقال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. وقال الضحاك: ~~ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. ~~وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه ~~قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول يعني في اللوح المحفوظ. وقال زيد بن ~~اسلم: هو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة ~~رفيعة عند ربهم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقوله مسجد الجامع وصلاة ~~الأولى وحب الحصيد والفائدة في هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح ~~القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله في مقعد صدق، وقال أبو ~~عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في ~~الإسلام وقدم في الخير ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. قال حسان بن ثابت: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # وقال الليث وأبو الهيثم القدم السابق والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله ~~خير قال ذو الرمة: # وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة ... لهم قدم معروفة ومفاخر # والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا ~~بالقدم فسمى المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد. وقال ~~ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر # معناه لكم سابقة عظيمة لا ينكرها الناس وقال آخر: # صل لذي العرش واتخذ قدما ... تنجيك يوم العثار والزلل # وقوله سبحانه وتعالى: قال الكافرون إن هذا لساحر مبين وقرئ: لساحر مبين ~~وفيه حذف تقديره أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم فلما جاءهم بالوحي ~~وأنذرهم قال الكافرون: إن هذا لساحر، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من ~~البشر أن يحصل مثلها، ومن قرأ السحر فإنهم عنوا به القرآن المنزل عليه ms1749 ~~وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور وكانوا ينكرون ذلك. # PageV02P427 # قوله عز وجل: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش تقدم تفسير هذا في سورة الأعراف بما فيه كفاية. # وقوله سبحانه وتعالى: يدبر الأمر قال مجاهد: يقضيه وحده. وقيل: معنى ~~التدبير، تنزيل الأمور في مراتبها وعلى أحكام عواقبها. وقيل: إنه سبحانه ~~وتعالى يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة وهو النظر في أدبار الأمور ~~وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. وقيل: معناه إنه سبحانه وتعالى ~~يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض فلا يحدث حدث في العالم ~~العلوي ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه يعني: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن ~~له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده وبموضع الصواب والحكمة في تدبيرهم ~~فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم فإذا أذن له في الشفاعة كان له أن ~~يشفع فيمن يأذن له فيه وفيه رد على كفار قريش في قولهم: إن الأصنام تشفع ~~لهم عند الله يوم القيامة فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يشفع أحد عنده ~~إلا بإذنه لأن له التصرف المطلق في جميع العالم ذلكم الله ربكم يعني الذي ~~خلق هذه الأشياء ودبرها هو ربكم وسيدكم لا رب لكم سواه فاعبدوه أي فاجعلوا ~~عبادتكم له لا لغيره لأنه المستحق للعبادة بما أنعم عليكم من النعم العظيمة ~~أفلا تذكرون يعني أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الدلائل والآيات التي تدل على ~~وحدانيته سبحانه وتعالى: إليه مرجعكم جميعا يعني إلى ربكم الذي خلق جميع ~~المخلوقات مصيركم جميعا أيها الناس يوم القيامة والمرجع بمعنى الرجوع وعد ~~الله حقا يعني وعدكم الله ذلك وعدا حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده أي يحييهم ~~ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم وهذا معنى قول مجاهد فإنه قال يحييه ثم يميته ~~ثم يحييه. # وفي هذه الآية دليل على إمكان الحشر والنشر ms1750 والمعاد وصحة وقوعه ورد على ~~منكري البعث ووقوعه، لأن القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة والأعضاء ~~المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفرقها بالموت والبلى، ~~فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيبا ثانيا ويخلق الإنسان الأول مرة أخرى ~~وكما لم يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى لم يمتنع تعلقها ~~بالبدن مرة أخرى وإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت كان المقصود ~~منه إيصال الثواب للمطيع والعقاب للعاصي وهو قوله سبحانه وتعالى: ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط يعني بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئا ~~والذين كفروا لهم شراب من حميم هو ماء حار قد انتهى حره وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 5 الى 7] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) # هو الذي جعل الشمس ضياء يعني ذات ضياء والقمر نورا يعني ذا نور. # واختلف العلماء أصحاب الكلام في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو ~~عرض، والحق أنه عرض وهو كيفية مخصوصة فالنور اسم لأصل هذه الكيفية والضوء ~~اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية فلهذا خص الشمس بالضياء لأنها ~~أقوى وأكمل من النور وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما لو ~~تساويا لم يعرف الليل من النهار فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل ~~وأقوى من النور المختص # PageV02P428 # بالقمر وقدره منازل قيل: الضمير في وقدره يرجع إلى الشمس والقمر والمعنى ~~قدر لهما منازل أو قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانهما في السير ولا يقصران ~~عنهما وإنما وحد الضمير في وقدره للإيجاز أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر ~~فهو كقوله سبحانه وتعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه وقيل: الضمير في وقدره ~~يرجع إلى ms1751 القمر وحده لأن سير القمر في المنازل أسرع وبه يعرف انقضاء الشهور ~~والسنين وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة والسنة ~~المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية ومنازل القمر ثمان وعشرون ~~منزلة: وهي الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، ~~والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، ~~والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد ~~الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ ~~الدلو المؤخر، وبطن الحوت، فهذه منازل القمر وهي مقسومة على اثني عشر برجا ~~وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، ~~والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، لكل برج منزلان وثلث منزل وينزل ~~القمر كل ليلة منزلا منهما إلى انقضاء ثمانية وعشرين ليلة ثم يستتر ليلتين ~~إن كان الشهر ثلاثين وإن كان تسعا وعشرين اختفى ليلة واحدة لتعلموا عدد ~~السنين يعني قدر هذه المنازل لتعلموا بها عدد السنين ووقت دخولها وانقضائها ~~والحساب يعني: ولتعلموا حساب الشهور والأيام والساعات ونقصانها وزيادتها ما ~~خلق الله ذلك إلا بالحق يعني للحق وإظهار قدرته ودلائل وحدانيته ولم يخلق ~~ذلك باطلا ولا عبثا يفصل الآيات لقوم يعلمون يعني يبين دلائل التوحيد ~~بالبراهين القاطعة لقوم يستدلون بها على قدرة الله ووحدانيته إن في اختلاف ~~الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون تقدم ~~تفسير هذه الآية في نظائرها إن الذين لا يرجون لقاءنا يعني لا يخافون ~~لقاءنا يوم القيامة فهم مكذبون بالثواب والعقاب والرجاء يكون بمعنى الخوف ~~تقول العرب: فلان لا يرجو فلانا بمعنى: لا يخافه، ومنه قوله سبحانه وتعالى ~~ما لكم لا ترجون الله وقارا ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها أي لم يخفه. والرجاء يكون بمعنى الطمع، ~~فيكون المعنى: لا يطمعون في ثوابنا ورضوا بالحياة الدنيا يعني: اختاروها ~~وعملوا في طلبها فهم راضون بزينة الدنيا وزخرفها واطمأنوا بها يعني وسكنوا ~~إليها مطمئنين فيها وهذه الطمأنينة التي حصلت في قلوب الكفار من الميل إلى ~~الدنيا ولذاتها أزالت ms1752 عن قلوبهم الوجل والخوف فإذا سمعوا الإنذار والتخويف ~~لم يصل ذلك إلى قلوبهم والذين هم عن آياتنا غافلون قيل المراد بالآيات أدلة ~~التوحيد. # وقال ابن عباس: عن آياتنا يعني عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~غافلون: أي معرضون. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 8 الى 11] # أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ~~(10) ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر ~~الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون يعني: من الكفر والتكذيب والأعمال ~~الخبيثة. # قوله عز وجل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم يعني ~~يهديهم ربهم إلى الجنان # PageV02P429 # ثوابا لهم بإيمانهم وأعمالهم الصالحة وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى ~~الجنة: يجعل لهم نورا يمشون به. # وقال قتادة: بلغنا أن المؤمن إذا خرج من قبره يصور له عمله في صورة حسنة ~~فيقول له: من أنت فيقول: # أنا عملك. فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر بالضد، فلا يزال به ~~عمله حتى يدخله النار وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى أن الله ~~يزيدهم هداية بخصائص ولطائف وبصائر ينور بها قلوبهم ويزيل بها الشكوك عنهم ~~ويجوز أن يكون المعنى ويثبتهم على الهداية وقيل معناه بإيمانهم يهديهم ربهم ~~لدينه أي بتصديقهم هداهم تجري من تحتهم الأنهار يعني بين أيديهم ينظرون ~~إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم فهو كقوله سبحانه وتعالى: قد جعل ربك تحتك ~~سريا لم يرد به أنه تحتها وهي قاعدة عليه بل أراد بين يديها. وقيل: تجري ~~بأمرهم في جنات النعيم يعني ذلك لهم جنات النعيم دعواهم فيها أي قولهم ~~وكلامهم فيها. وقيل: # الدعوى بمعنى الدعاء أي دعاؤهم فيها سبحانك اللهم وهي كلمة تنزيه لله ~~تعالى من كل سوء ونقيصة. قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة ~~والخدم في الطعام فإذا أرادوا ms1753 الطعام قالوا: سبحانك اللهم فيأتونهم في ~~الوقت بما يشتهون على الموائد كل مائدة ميل في ميل على كل مائدة سبعون ألف ~~صحفة في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا فإذا فرغوا من الطعام ~~حمدوا الله على ما أعطاهم فذلك قوله تبارك وتعالى: وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين وقيل: إن المراد بقوله سبحانك اللهم اشتغال أهل الجنة ~~بالتسبيح والتحميد والتقديس لله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله وفي هذا ~~الذكر والتحميد سرورهم وابتهاجهم وكمال لذتهم ويدل عليه ما روي عن جابر ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أهل الجنة يأكلون فيها ~~ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون قالوا فما بال ~~الطعام قال جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس ~~وفي رواية التسبيح والحمد» أخرجه مسلم. # قوله جشاء أي يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقا. # وقوله سبحانه وتعالى: وتحيتهم فيها سلام يعني يحيي بعضهم بعضا بالسلام. ~~وقيل: تحييهم الملائكة بالسلام وقيل تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا ~~التسبيح والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب وأنهم إذا ~~اشتهوا شيئا قالوا: سبحانك اللهم فيحضر ذلك الشيء وإذا فرغوا منه. قالوا: ~~الحمد لله رب العالمين فترفع الموائد عند ذلك وقال الزجاج: أعلم الله أهل ~~الجنة يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بشكره والثناء عليه. وقيل: إنهم ~~يفتتحون كلامهم بالتسبيح ويختمونه بالتحميد. وقيل: إنهم يلهمون ذلك كما ذكر ~~في الحديث قوله سبحانه وتعالى: ولو يعجل الله للناس الشر يعني ولو يعجل ~~الله للناس إجابة دعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال. ~~قال ابن عباس: هذا في قول الرجل لأهله وولده عند الغضب لعنكم الله لا بارك ~~الله فيكم. وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وماله وأهله وولده بما يكره ~~أن يستجاب له فيه استعجالهم بالخير يعني كاستعجالهم بالخير وكما يحبون أن ms1754 ~~يعجل لهم إجابة دعائهم بالخير لقضي إليهم أجلهم يعني لفرغ من هلاكهم وماتوا ~~جميعا والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته والاستعجال طلب العجلة. # وقال ابن قتيبة: إن الناس عند الغضب والضجر قد يدعون على أنفسهم وأهلهم ~~وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء كما يدعون بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال ~~يقال لو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلون به استعجالهم بالخير ~~لقضى إليهم أجلهم يعني: لفرغ من هلاكهم ولكن الله عز وجل بفضله وكرمه ~~يستجيب للداعي بالخير ولا يستجيب له في الشر. وقيل: إن هذه الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث حين قال إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء فعلى هذا يكون المعنى ولو يعجل الله للكافرين العذاب كما عجل لهم # PageV02P430 # خير الدنيا من المال والولد لعجل قضاء آجالهم ولهلكوا جميعا ويدل على صحة ~~هذا القول قوله سبحانه وتعالى: # فنذر الذين لا يرجون لقاءنا يعني فندع الذين لا يخافون عقابنا ولا يؤمنون ~~بالبعث بعد الموت في طغيانهم يعني في تمردهم وعتوهم يعمهون يعني يترددون ~~(ق). # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني اتخذت ~~عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما رجل من ~~المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها ~~إليك يوم القيامة واجعل ذلك كفارة له يوم القيامة» قوله عز وجل: # ### || [سورة يونس (10): الآيات 12 الى 14] # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون (14) # وإذا مس الإنسان الضر أي الشدة والجهد والمراد بالإنسان في هذه الآية ~~الكافر دعانا لجنبه أي على جنبه مضطجعا أو قاعدا أو قائما يريد جميع حالاته ~~لأن الإنسان لا ينفك ms1755 عن إحدى هذه الحالات الثلاث والمعنى أن المضرور لا ~~يزال داعيا في جميع حالاته إلى أن ينكشف ضره سواء كان مضطجعا أو قائما أو ~~قاعدا وهذا القول فيه بعد لأن ذكر الدعاء إلى هذه الأحوال أقرب من ذكر الضر ~~فلما كشفنا عنه ضره يعني فلما أزلنا عنه ما نزل به من الضر ودفعنا عنه مر ~~يعني على طريقته الأولى قبل مس الضر كأن لم يدعنا فيه حذف تقديره كأنه لم ~~يدعنا وإنما أسقط الضمير على سبيل التخفيف إلى ضر مسه والمعنى أنه استمر ~~على حالته الأولى قبل أن يمسه الضر ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء ~~والضيق والفقر كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون يعني مثل ما زين لهذا ~~الكافر هذا العمل القبيح كذلك زين للمسرفين والمزين هو الله سبحانه وتعالى ~~لأنه مالك الملك والخلق كلهم عبيدة يتصرف فيهم كيف يشاء وقيل المزين هو ~~الشيطان وذلك بأقدار الله إياه على ذلك والمسرف هو المجاوز الحد في كل شيء ~~وإنما سمي الكافر مسرفا لأنه أتلف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام وأتلف ماله ~~وضيعه في البحائر والسوائب وما كانوا ينفقونه على الأصنام وسدنتها يعني ~~خدامها. وقال ابن جريج: في قوله كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون يعني من ~~الدعاء عند المصيبة وترك الشكر عند الرخاء. # وقيل: كما زين لكم أعمالكم كذلك زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم ~~أعمالهم. وبيان مقصود الآية أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء قليل ~~الشكر عند حصول النعماء والرخاء فإذا مسه الضر أقبل على الدعاء والتضرع في ~~جميع حالاته مجتهدا في الدعاء طالبا من الله إزالة ما نزل به من المحنة ~~والبلاء فإذا كشف الله ذلك عنه أعرض عن الشكر ورجع إلى ما كان عليه أولا ~~وهذه حالة الغافل الضعيف اليقين فأما المؤمن العاقل فإنه بخلاف ذلك فيكون ~~صابرا عند البلاء شاكر الله عند الرخاء والنعماء كثير التضرع والدعاء في ~~جميع أوقات الراحة والرفاهية وهاهنا مقام أعلى من هذا وهو أن المؤمن إذا ~~ابتلي ببلية أو ms1756 نزل به مكروه يكون مع صبره على ذلك راضيا بقضاء الله غير ~~معرض بالقلب عنه بل يكون شاكرا لله عز وجل في جميع أحواله وليعلم العبد ~~المؤمن أن الله تبارك وتعالى مالك الملك على الإطلاق حكيم في جميع أفعاله ~~وله التصرف في خلقه بما يشاء ويعلم أنه إن أبقاه على تلك المحنة فهو عدل ~~وإن أزالها عنه فهو فضل. # قوله سبحانه وتعالى: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم يعني أهلكنا الأمم ~~الماضية من قبلكم يخوف بذلك كفار مكة لما ظلموا يعني لما أشركوا وجاءتهم ~~رسلهم بالبينات يعني فكذبوهم وما كانوا ليؤمنوا # PageV02P431 # يعني: هذه الأمم برسلهم ويصدقوهم بما جاءوا به من عند الله كذلك نجزي ~~القوم المجرمين يعني: كما أهلكنا الأمم الخالية لما كذبوا رسلهم كذلك ~~نهلككم أيها المشركون بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم ثم جعلناكم خلائف ~~في الأرض من بعدهم الخطاب لأهل مكة الذين أرسل فيهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى ثم جعلناكم أيها الناس خلفاء في الأرض من بعد القرون ~~الماضية الذين أهلكناهم لننظر كيف تعملون يعني خيرا أو شرا فنعاملكم على ~~حسب أعمالكم والنظر هنا بمعنى العلم يريد لنختبر أعمالكم وهو يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون. قال أهل المعاني: معنى النظر، هو طلب العلم وجاز في وصف الله ~~سبحانه وتعالى إظهارا للعدل لأنه سبحانه وتعالى يعامل العباد معاملة من ~~يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله تبارك وتعالى: ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا ذكره الواحدي والرازي (م) عن سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف ~~تعملون فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء» أخرجه مسلم قوله فاتقوا الدنيا ~~معناه احذروا فتنة الدنيا واحذروا فتنة النساء. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 15 الى 17] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف ms1757 إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) # قوله سبحانه وتعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات يعني وإذا قرئ على ~~هؤلاء المشركين آيات كتابنا الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات يعني واضحات ~~تدل على وحدانيتنا وصحة نبوتك قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني قال هؤلاء ~~المشركون الذين لا يخافون عذابنا ولا يرجون ثوابنا لأنهم لا يؤمنون بالبعث ~~بعد الموت وكل من كان منكرا للبعث فإنه لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله قال قتادة: قال ذلك مشركو مكة، وقال مقاتل: هم خمسة ~~نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن ~~عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام، قال هؤلاء للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن غير هذا ليس فيه ترك ~~عبادة اللات والعزى ومناة وليس فيه عيبها وإن لم ينزله الله عليك فقل أنت ~~من عند نفسك أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ومكان حرام حلالا ومكان ~~حلال حراما. # قال الإمام فخر الدين الرازي: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس ~~يحتمل وجهين: أحدهما، أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء وهو ~~قولهم لو جئتنا بقرآن غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك وغرضهم السخرية ~~والاستهزاء. الثاني: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان حتى ~~أنه لو فعل ذلك علموا أنه كان كاذبا في قوله: إن هذا القرآن ينزل عليه من ~~عند الله. ومعنى قوله: ائت بقرآن غير هذا أو بدله يحتمل أن يأتي بقرآن آخر ~~مع وجود هذه القرآن والتبديل لا يكون إلا مع وجوده وهو أن يبدل بعض آياته ~~بغيرها كما طلبوه ولما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله أن ms1758 ~~يجيبهم بقوله قل أي قل يا محمد لهؤلاء ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ~~يعني أن هذا الذي طلبتموه من التبديل ليس إلي وما ينبغي لي أن أغيره من قبل ~~نفسي ولم أومر به إن أتبع إلا ما يوحى إلي يعني فيما آمركم به أو أنهاكم ~~عنه وما أخبركم إلا ما يخبرني الله به وإن الذي أتيتكم به هو من عند الله ~~لا من عندي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم أي: قل لهم يا محمد إني ~~أخشى من الله # PageV02P432 # إن خالفت أمره أو غيرت أحكام كتابه أو بدلته فعصيته بذلك أن يعذبني بعذاب ~~عظيم في يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت. # قوله سبحانه وتعالى: قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك ~~تغيير القرآن وتبديله لو شاء الله ما تلوته عليكم يعني لو شاء الله لم ينزل ~~علي هذا القرآن ولم يأمرني بقراءته عليكم ولا أدراكم به قال ابن عباس: ولا ~~أدراكم الله به ولا أعلمكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله يعني فقد مكثت ~~فيكم قبل أن يوحى إلي هذا القرآن مدة أربعين سنة لم آتكم بشيء ووجه هذا ~~الاحتجاج أن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~مبعثه وعلموا أحواله وأنه كان أميا لم يطالع كتابا ولا تعلم من أحد مدة ~~عمره قبل الوحي وذلك أربعون سنة ثم بعد الأربعين جاءهم بهذا الكتاب العظيم ~~المشتمل على نفائس العلوم وأخبار الماضين وفيه من الأحكام والآداب ومكارم ~~الأخلاق والفصاحة والبلاغة ما أعجز البلغاء والفصحاء عن معارضته فكل من له ~~عقل سليم وفكر ثاقب يعلم أن هذا لم يحصل إلا بوحي من الله تعالى لا من عند ~~نفسه وهو قوله أفلا تعقلون يعني أن هذا القرآن من عند الله أوحاه إلي لا من ~~قبل نفسي (ق) عن ابن عباس قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ابن أربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ms1759 ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى ~~المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي صلى الله عليه وسلم: وفي رواية أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وتوفي وهو ابن ~~ثلاث وستين سنة، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة ~~سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى إليه ~~وأقام بالمدينة عشرا أو توفي وهو ابن خمس وستين سنة أخرجاه في الصحيحين (ق) ~~عن عائشة قالت: # توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة. أخرجاه في ~~الصحيحين (م) عن أنس قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث ~~وستين سنة وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين وعمر وهو ابن ثلاث وستين أخرجه مسلم ~~(ق). # عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت أنس بن مالك يصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير أزهر ~~اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل أنزل عليه ~~الوحي وهو ابن أربعين سنة فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه الوحي وبالمدينة ~~عشرا وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. ~~أخرجاه في الصحيحين قال الشيخ محيي الدين النووي: # ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات إحداها أنه صلى الله عليه ~~وسلم توفي وهو ابن ستين سنة والثانية خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون ~~سنة وهو أصحها وأشهرها رواها مسلم من حديث أنس وعائشة وابن عباس واتفق ~~العلماء على أن أصحها ثلاث وستون سنة وتأولوا الباقي عليه فرواية ستين سنة ~~اقتصر فيها على العقود وترك الكسر ورواية الخمس متأولة أيضا بأنها حصل فيها ~~اشتباه. قوله: يسمع الصوت، يعني صوت الهاتف من الملائكة ويرى الضوء يعني ~~ضوء الملائكة أو نور آيات الله حتى رأى الملك بعينه وشافه بالوحي من الله ~~عز وجل وقوله ليس ms1760 بالأبيض الأمهق المراد به الشديد البياض كلون الجص وهو ~~كريه المنظر وربما توهم الناظر أنه برص. والمراد: أنه كان أزهر اللون بين ~~البياض والحمرة. # قوله عز وجل: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا يعني فزعم أن له شريكا ~~وولدا والمعنى: أني لم أفتر على الله كذبا ولم أكذب عليه في قولي إن هذا ~~القرآن من عند الله وأنتم قد افتريتم على الله الكذب فزعمتم أن له شريكا ~~وولدا والله تعالى منزه عن الشريك والولد وقيل: معناه إن هذا القرآن لو لم ~~يكن من عند الله لما كان أحد في الدنيا أظلم على نفسه مني من حيث إني ~~افتريته على الله ولما كان هذا القرآن من عند الله أوحاه إلي وجب أن يقال ~~ليس أحد في الدنيا أجهل ولا أظلم على نفسه منكم من حيث إنكم أنكرتم أن يكون ~~هذا القرآن من عند الله فقد كذبتم بآياته وهو قوله تعالى: أو كذب بآياته ~~يعني جحد بكون القرآن من عند الله وأنكر دلائل # PageV02P433 # التوحيد إنه لا يفلح المجرمون يعني المشركون وهذا وعيد وتأكيد لما سبق. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 18 الى 21] # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ~~فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس ~~رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا ~~يكتبون ما تمكرون (21) # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم يعني: ويعبد هؤلاء المشركون ~~الأصنام التي لا تضرهم إن عصوها وتركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها لأنها ~~حجارة وجماد لا تضر ولا تنفع وإن العبادة أعظم أنواع التعظيم فلا تليق إلا ~~بمن يضر وينفع ويحيي ويميت وهذه ms1761 الأصنام جماد وحجارة لا تضر ولا تنفع ~~ويقولون هؤلاء يعني الأصنام التي يعبدونها شفعاؤنا عند الله قال أهل ~~المعاني: توهموا أن عبادتها أشد من تعظيم الله من عبادتهم إياه وقالوا لسنا ~~بأهل أن نعبد الله ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام فإنها تكون شافعة لنا عند ~~الله ومنه قوله سبحانه وتعالى إخبارا عنهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى وفي هذه الشفاعة قولان: # أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة قاله ابن جريج عن ابن عباس. # والثاني: أنها تشفع لهم في الدنيا في إصلاح معايشهم قاله الحسن لأنهم ~~كانوا لا يعتقدون بعثا بعد الموت قل أي قل لهم يا محمد أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض يعني: أتخبرون الله أن له شريكا ولا يعلم ~~الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض. وهذا على طريق الإلزام. ~~المقصود: نفي علم الله بذلك الشفيع وأنه لا وجود له البتة لأنه لو كان ~~موجودا لعلمه الله وحيث لم يكن معلوما لله وجب أن لا يكون موجودا ومثل هذا ~~مشهور في العرف فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء حصل في نفسه يقول: ما علم ~~الله ذلك مني مقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع سبحانه وتعالى ~~عما يشركون نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن الشركاء والأضداد والأنداد ~~وتعالى أن يكون له شريك في السموات والأرض ولا يعلمه. # قوله سبحانه وتعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا يعني: فتفرقوا ~~إلى مؤمن وكافر يعني كانوا جميعا على الدين الحق وهو دين الإسلام ويدل على ~~ذلك أن آدم عليه السلام وذريته كانوا على دين الإسلام إلى أن قتل قابيل ~~هابيل ثم اختلفوا. وقيل: بقوا على ذلك إلى زمن نوح عليه السلام ثم اختلفوا ~~فبعث الله نوحا. # وقيل: إنهم كانوا على دين الإسلام وقت خروج نوح ومن معه من السفينة ثم ~~اختلفوا بعد ذلك وقيل كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم الخليل عليه ~~السلام إلى أن غيره عمرو ms1762 بن لحي. فعلى هذا القول، يكون المراد من الناس في ~~قوله وما كان الناس إلا أمة واحدة العرب خاصة. # وقيل: كان الناس أمة واحدة في الكفر. وهذا القول منقول عن جماعة من ~~المفسرين ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وتقديره: أنه لا مطمع في أن يصير الناس على دين واحد فإنهم ~~كانوا أولا على الكفر وإنما أسلم بعضهم ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: كان الناس أمة واحدة. وليس في الآية ما يدل على أي دين كانوا ~~من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج. وقيل: # PageV02P434 # معناه أنهم كانوا في أول الخلق على الفطرة السليمة الصحيحة ثم اختلفوا في ~~الأديان وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: # «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ~~والمراد بالفطرة في الحديث، فطرة الإسلام. # قوله سبحانه وتعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك يعني أنه سبحانه وتعالى جعل ~~لكل أمة أجلا وقضى بذلك في سابق الأزل، قال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة ~~وأنه لا يهلكهم بالعذاب لقضي بينهم يعني بنزول العذاب وتعجيل العقوبة ~~للمكذبين وكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه يختلفون وقال الحسن: ولولا كلمة ~~سبقت من ربك يعني مضت في حكمة الله أنه لا يقضي عليهم فيما اختلفوا فيه ~~بالثواب والعقاب دون يوم القيامة لقضى بينهم في الدنيا فأدخل المؤمنين ~~الجنة بإيمانهم وأدخل الكافرين النار بكفرهم ولكن سبق من الله الأجل فجعل ~~موعدهم يوم القيامة وقيل سبق من الله أنه لا يؤاخذ أحدا إلا بعد إقامة ~~الحجة عليه. وقيل: الكلمة التي سبقت من الله هي قوله: # إن رحمتي سبقت غضبي ولولا رحمته، لعجل لهم العقوبة في الدنيا ولكن أخرهم ~~برحمته إلى يوم القيامة ثم يقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يعني في ~~الدنيا ويقولون يعني كفار مكة لولا أنزل عليه آية من ربه يعني هلا نزل على ~~محمد ما نقترحه عليه من الآيات فقل أي: فقل لهم يا محمد ms1763 إنما الغيب لله ~~يعني إن الذي سألتمونيه هو من الغيب وإنما الغيب لله لا يعلم أحد ذلك إلا ~~هو والمعنى لا يعلم أحد متى نزول الآية إلا هو فانتظروا يعني نزولها إني ~~معكم من المنتظرين وقيل معناه فانتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على ~~المبطل إني معكم من المنتظرين قوله عز وجل: وإذا أذقنا الناس رحمة يعني ~~رخاء ونعمة من بعد ضراء مستهم يعني من بعد شدة وبلاء وضيق في العيش أصابهم ~~والمراد بالناس هنا: كفار مكة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حبس عنهم المطر ~~سبع سنين حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله سبحانه وتعالى رحمهم، ~~فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد وعاش الناس بعد ذلك الضر فلم ~~يتعظوا بذلك بل رجعوا إلى الفساد والكفر والمكر وهو قوله سبحانه وتعالى: ~~إذا لهم مكر في آياتنا قال مجاهد: أي تكذيب واستهزاء وقال مقاتل وابن حيان: ~~لا يقولون هذا رزق الله إنما يقولون سقينا بنوء كذا وكذا. ويدل على صحة هذا ~~القول ما روي عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل ~~على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال ~~«أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن ~~بالكواكب» أخرجاه في الصحيحين. قوله: على أثر سماء كانت من الليل أي مطر ~~كان قد وقع في الليل وسمي المطر سماء لأنه يقطر من السماء. والأنواء عند ~~العرب: هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره وكانوا يعتقدون في الجاهلية ~~أنه لا بد عند ذلك من وجود مطر أو ريح كما يزعم المنجمون أيضا فمن العرب من ~~يجعل ذلك التأثير للطالع لأنه ناء أي ظهر وطلع ومنهم من ينسبه للغارب فنفى ~~النبي عليه السلام صحة ذلك ms1764 ونهى عنه وكفر معتقده إذا اعتقد أن النجم فاعل ~~ذلك التأثير وأما من يجعله دليلا، فهو جاهل بمعنى الدلالة. وأما من أسند ~~ذلك إلى العادة التي يجوز انخرامها فقد كرهه قوم وحرمه قوم ومنهم من تأول ~~الكفر بكفر نعمة الله والله أعلم وسمى تكذيبهم بآيات الله مكرا لأن المكر ~~عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بنوع من الحيلة وكان كفار مكة يحتالون ~~في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من المفاسد: قل الله أسرع مكرا أي: # قل لهم يا محمد الله أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء وإن عذابه في ~~هلاكهم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق ولما قابلوا نعمة الله ~~بالمكر، قابل مكرهم بمكر أشد منه وهو إمهالهم إلى يوم القيامة إن رسلنا ~~يكتبون ما تمكرون يعني الحفظة الكرام الكاتبين يكتبون ويحفظون عليهم ~~الأعمال القبيحة السيئة إلى يوم القيامة حتى يفتضحوا بها ويجزون على مكرهم ~~قوله تعالى: # PageV02P435 # ### || [سورة يونس (10): الآيات 22 الى 23] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) ~~فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) # هو الذي يسيركم في البر والبحر يعني: هو الله الذي يسيركم يعني يحملكم في ~~البر على ظهور الدواب وفي البحر على الفلك. وقيل: معناه هو الله الهادي لكم ~~في السير في البر والبحر طلبا للمعاش أو هو المهيئ لكم أسباب السير في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك يعني: السفن. ولفظة الفلك: تطلق على الواحد ~~والجمع وتقديراهما مختلفان فإن أريد بها الواحد كان كبناء قفل، وإن أريد ~~بها الجمع كان كبناء أسد والمراد بها هنا الجمع لقوله تعالى: وجرين بهم ~~يعني: وجرت السفن ms1765 بركابها. # فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: قال صاحب ~~الكشاف: المقصود منه المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي ~~منهم مزيد الإنكار والتقبيح وقال غيره إن مخاطبة الله لعباده على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام ~~المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغائب. وقيل: إن الالتفات في الكلام من ~~الغيبة إلى الحضور وبالعكس من فصيح كلام العرب بريح طيبة يعني وجرت السفن ~~بريح طيبة ساكنة وفرحوا بها يعني وفرح ركبان تلك الفلك بتلك الريح الطيبة، ~~لأن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود حصل له ~~النفع التام والمسرة العظيمة بذلك جاءتها ريح عاصف قيل: إن الضمير في ~~جاءتها يرجع إلى الريح فيكون المعنى: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف فأقلبتها. ~~وقيل: الضمير في جاءتها يرجع إلى الفلك. يعني: جاءت الفلك. ريح عاصف. يقال: ~~ريح عاصف وعاصفة، ومعنى عصفت الريح: اشتدت. وأصل العصف: السرعة وإنما قال: ~~عاصف، لأنه أراد به ذات عصوف أو لأجل أن لفظ الريح قد يذكر وجاءهم الموج من ~~كل مكان يعني: وجاء ركبان السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من غوارب الماء ~~في البحر وقيل: هو شدة حركة الماء واختلاطه وظنوا أنهم أحيط بهم يعني: ~~وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق. وقيل: المراد من الظن اليقين أي ~~وأيقنوا أنه الهلاك. وقيل: بل المراد منه المقاربة من الهلاك والدنو منه ~~والإشراف عليه دعوا الله مخلصين له الدين يعني أنهم أخلصوا في الدعاء لله ~~عز وجل ولم يدعوا أحدا سواه من آلهتهم وقيل في معنى هذا الإخلاص العلم ~~الحقيقي لا إخلاص الإيمان لأنهم كانوا يعلمون حقيقة أنه لا ينجيهم من جميع ~~الشدائد والبلايا إلا الله تعالى فكانوا إذا وقعوا في شدة وضر وبلاء أخلصوا ~~لله الدعاء لئن أنجيتنا أي قائلين لئن أنجيتنا يا ربنا من هذه يعني من هذه ~~الشدائد التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة لنكونن من ~~الشاكرين يعني ms1766 من الشاكرين لك على إنعامك علينا بخلاصنا مما نحن فيه من هذه ~~الشدة فلما أنجاهم يعني: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من ~~الشدة التي كانوا فيها إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يعني أنهم أخلفوا ~~الله ما وعدوه وبغوا في الأرض فتجاوزوا فيها إلى غير ما أمر الله به من ~~الكفر والعمل بالمعاصي على ظهرها وأصل البغي مجاوزة الحد. # قال صاحب المفردات: البغي على ضربين، أحدهما محمود وهو مجاوزة العدل إلى ~~الإحسان والفرض إلى التطوع. # والثاني مذموم وهو مجاوزة الحق إلى الباطل أو إلى الشبهة. # قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله بغير الحق والبغي لا يكون بحق ~~قلت بلى قد يكون بحق # PageV02P436 # وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقلع ~~أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم يعني: إن وبال بغيكم راجع عليكم متاع الحياة الدنيا ~~قيل هو كلام مبتدأ، والمعنى: أن بغي بعضكم على بعض هو متاع الحياة الدنيا ~~لا يصلح لزاد الآخرة وقيل هو كلام متصل بما قبله والمعنى يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم لا يتهيأ أن يبغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة وهي ~~مدة حياتكم مع قصرها في سرعة انقضائها. والبغي: من منكرات الذنوب العظام. ~~قال بعضهم: لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي. # وقد نظم بعضهم هذا المعنى شعرا وكان المأمون يتمثل به فقال: # يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فارجع فخير مقال المرء أعدله # فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله # وقوله سبحانه وتعالى: ثم إلينا مرجعكم يعني يوم القيامة فننبئكم أي ~~فنخبركم بما كنتم تعملون يعني في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 24 الى 25] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها ms1767 أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم (25) # قوله عز وجل: إنما مثل الحياة الدنيا يعني في فنائها وزوالها كماء ~~أنزلناه من السماء يعني المطر فاختلط به أي بالمطر نبات الأرض قال ابن ~~عباس: نبت بالماء من كل لون مما يأكل الناس يعني من الحبوب والثمار ~~والأنعام يعني ومما يأكل الأنعام من الحشيش ونحوه حتى إذا أخذت الأرض ~~زخرفها يعني حسنها ونضارتها وبهجتها وأظهرت ألوان زهرها من أبيض وأحمر ~~وأصفر وغير ذلك من الزهور وازينت أي وتزينت وظن أهلها يعني أهل تلك الأرض ~~أنهم قادرون عليها يعني على جذاذها وقطافها وحصادها، رد الكناية إلى الأرض ~~والمراد النبات إذ كان مفهوما. وقيل: رده إلى الثمرة والغلة وقيل: إلى ~~الزينة أتاها أمرنا أي قضاؤنا بهلاكها ليلا أو نهارا يعني في الليل أو ~~النهار فجعلناها حصيدا يعني محصودة مقطوعة كأن لم تغن بالأمس يعني: كأن لم ~~تكن تلك الأشجار والنبات والزروع نابتة قائمة على ظهر الأرض وأصله من غنى ~~فلان بالمكان إذا أقام به وهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للمتشبثين ~~بالدنيا الراغبين في زهرتها وحسنها وذلك أنه تعالى لما قال: يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا، أتبعه بهذا المثل لمن بغى في ~~الأرض وتجبر فيها وركن إلى الدنيا وأعرض عن الآخرة لأن النبات في أول بروزه ~~من الأرض ومبدأ خروجه يكون ضعيفا فإذا نزل عليه المطر واختلط به قوي وحسن ~~واكتسى كمال الرونق والزينة وهو المراد من قوله حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت يعني بالنبات والزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء وجعلت الأرض آخذة ~~زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون حسن من حمرة ~~وخضرة وصفرة وبياض ولا شك أن الأرض متى كانت على هذه الصفة فإنه يفرح بها ~~صاحبها ويعظم رجاؤه في الانتفاع بها وبما فيها ثم إن الله سبحانه وتعالى ~~أرسل على هذه ms1768 الأرض صاعقة أو بردا أو ريحا فجعلها حصيدا كأن لم تكن من قبل. # قال قتادة: إن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون. # PageV02P437 # ووجه التمثيل، أن غاية هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء كناية عن ~~هذا النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه، ولأن ~~المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من ~~نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ينكر المعاد ~~والبعث بعد الموت وذلك، لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن إلى الغاية ~~القصوى أتته آفة فتلف بالكلية. ثم إن الله سبحانه وتعالى قادر على إعادته ~~كما كان أول مرة فضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليدل على أن من قدر على ~~إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادرا على إعادة الأموات أحياء في الآخرة ~~ليجازيهم على أعمالهم فيثيب الطائع ويعاقب العاصي. # كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون يعني: كما بينا لكم مثل الحياة الدنيا ~~وعرفناكم حكمها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ليكون ذلك سببا ~~موجبا لزوال الشك والشبهة من القلوب. # قوله سبحانه وتعالى: والله يدعوا إلى دار السلام لما ذكر الله زهرة ~~الحياة الدنيا وأنها فانية زائلة لا محالة دعا إلى داره والله يدعو إلى دار ~~السلام. # قال قتادة: الله هو السلام وداره الجنة فعلى هذا السلام اسم من أسماء ~~الله عز وجل ومعناه أنه سبحانه وتعالى سلم من جميع النقائص والعيوب والفناء ~~والتغيير. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يوصف بالسلام لأن الخلق سلموا من ظلمه. ~~وقيل: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى ذي السلام أي لا يقدر على تخليص ~~العاجزين من المكاره والآفات إلا هو. # وقيل: دار السلام اسم للجنة وهو جمع سلامة. والمعنى: أن من دخلها فقد سلم ~~من جميع الآفات، كالموت والمرض والمصائب والحزن والغم والتعب والنكد. وقيل: ~~سميت الجنة دار السلام لأن الله سبحانه وتعالى يسلم على أهلها أو تسلم ~~الملائكة عليهم. قيل: إن من كمال رحمة الله ms1769 وجوده وكرمه على عباده، أن ~~دعاهم إلى جنته التي هي دار السلام. # وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ~~لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم ولا يصف إلا عظيما، وقد وصف الله سبحانه ~~وتعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه: ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يعني: ~~والله يهدي من يشاء من خلقه إلى صراطه المستقيم وهو دين الإسلام عم بالدعوة ~~أولا إظهارا للحجة وخص بالدعوة ثانيا استغناء عن الخلق وإظهارا للقدرة ~~فحصلت المغايرة بين الدعوتين (خ). # عن جابر قال: «جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال ~~بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم ~~مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث ~~داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة» ومن لم يجب الداعي لم ~~يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها يفقهها فإن العين نائمة ~~والقلب يقظان فقال بعضهم الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع ~~الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس وفي رواية: «خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت في المنام كأن جبريل ~~عليه السلام عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا» ~~وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ضرب ~~مثلا صراطا مستقيما على كتفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة على الأبواب ~~ستور وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوقه والله يدعو إلى دار السلام ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والأبواب التي على كتفي الصراط حدود الله ~~فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. # PageV02P438 # ### || [سورة يونس (10): الآيات 26 الى 28] # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك ms1770 أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ~~ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) # قوله عز وجل: للذين أحسنوا الحسنى قال ابن عباس: للذين شهدوا أن لا إله ~~إلا الله الجنة. وقيل: # معناه للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه وأطاعوه فيما أمرهم ~~ونهاهم عنه الحسنى، قال ابن الأنباري: # الحسنى في اللغة، تأنيث الأحسن والعرب توقع هذه اللفظة على الخلة ~~المحبوبة والخلصة المرغوب فيها. # وقيل: معناه للذين أحسنوا المثوبة الحسنى وزيادة اختلف المفسرون في معنى ~~هذه الحسنى وهذه الزيادة على أقوال: # القول الأول: إن الحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم ~~وهذا قول جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري ~~وعبادة بن الصامت وهو قول الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي ويدل على صحة ~~هذا القول المنقول والمعقول أما المنقول فما روي عن صهيب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى ~~أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من ~~النار قال فيكشف الحجاب قال فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ~~تبارك وتعالى» زاد في رواية «ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة» أخرجه مسلم. وروى الطبري بسنده عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: الزيادة النظر إلى وجه ~~الله الكريم. # وعن أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه ~~وتعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. # قال: الحسنى: الجنة وزيادة: قال النظر إلى وجه الله. وعن أبي موسى ~~الأشعري قال: «إن كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديا ينادي هل ~~أنجزكم الله ms1771 ما وعدكم به فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات فيقولون ~~نعم فيقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى ~~وفي رواية رفعها أبو موسى قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~يبعث يوم القيامة» وذكره بمعناه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة قال الله لهم: هل بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال: فيتجلى ~~لهم عز وجل قال فيصغر عندهم كل شيء أعطوه ثم قال للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة قال الحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه ربهم» فهذه الأخبار ~~والآثار قد دلت على أن المراد بهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تبارك ~~وتعالى. وأما المعقول فنقول: # إن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف فانصرفت إلى المعهود السابق ~~وهو الجنة في قوله سبحانه وتعالى والله يدعو إلى دار السلام فثبت بهذا أن ~~المراد من لفظة الحسنى هي الجنة وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من ~~الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة من النعيم وإلا لزم التكرار وإذا كان ~~كذلك وجب حمل هذه الزيادة على رؤية الله تبارك وتعالى ومما يؤكد ذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فأثبت لأهل الجنة أمرين ~~أحدهما النضارة وهو حسن الوجوه وذلك من نعيم الجنة، والثاني النظر إلى وجه ~~الله سبحانه وتعالى وآيات القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل الحسنى على ~~الجنة ونعيمها وحمل الزيادة على رؤية الله تبارك وتعالى. وقالت المعتزلة: ~~لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية، لأن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية ~~الله سبحانه وتعالى ممتنعة، ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ~~ورؤية الله ليست من جنس نعيم الجنة ولأن الأخبار التي تقدمت توجب التشبيه ~~ولأن جماعة من المفسرين حملوا هذه الزيادة على غير الرؤية فانتفى ما قلتم. # PageV02P439 # أجاب أصحابنا عن هذه الاعتراضات بأن الدلائل العقلية قد دلت على إمكان ~~وقوع رؤية الله تعالى في الآخرة وإذا ms1772 لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية ~~الله تعالى وجاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الرؤية وجب المصير إليها ~~وإجراؤها على ظواهرها من غير تشبيه ولا إحاطة. # وأجيب عن قولهم ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه بأن المزيد ~~عليه إذا كان بمقدار معين كانت الزيادة من جنسه وإذا لم يكن بمقدار معين ~~وجب أن تكون الزيادة مخالفة له فالمذكور في الآية لفظ الحسنى وهي الجن ~~ونعيمها غير مقدر بقدر معين فوجب أن الزيادة تكون شيئا مغايرا لنعيم الجنة ~~وذلك المغاير هو الرؤية. # وأجيب عن قولهم ولأن جماعة من المفسرين حملوا الزيادة على غير الرؤية ~~بأنه معارض بقول جماعة من المفسرين: بأن الزيادة هي الرؤية والمثبت مقدم ~~على النافي والله أعلم. # القول الثاني: في معنى هذه الزيادة ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال ~~الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. # القول الثالث: إن الحسنى واحدة الحسنات والزيادة التضعيف إلى تمام العشرة ~~إلى سبعمائة. # قال ابن عباس: هو مثل قوله سبحانه وتعالى: ولدينا مزيد يقول يجزيهم ~~بعملهم ويزيدهم من فضله. # قال قتادة: كان الحسن يقول: الزيادة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف. # القول الرابع: إن الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان ~~قاله مجاهد. # القول الخامس: قول ابن زيد أن الحسنى هي الجنة والزيادة ما أعطاهم في ~~الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة وقوله سبحانه وتعالى: ولا يرهق وجوههم ~~يعني ولا يغشى وجوه أهل الجنة قتر أي كآبة ولا كسوف ولا غبار. # وقال ابن عباس: هو سواد الوجوه ولا ذلة يعني ولا هوان. قال ابن أبي ليلى: ~~هذا بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~يعني أن هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أصحاب الجنة لا غيرهم وهم فيها مقيمون ~~لا يخرجون منها أبدا. # قوله سبحانه وتعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها اعلم أنه لما ~~شرح الله سبحانه وتعالى أحوال المحسنين وما أعد لهم من الكرامة شرح في ~~الآية ms1773 حال من أقدم على السيئات والمراد بهم الكفار فقال سبحانه وتعالى: ~~والذين كسبوا السيئات. يعني: والذين عملوا السيئات والمراد بها الكفر ~~والمعاصي جزاء سيئة بمثلها يعني فلهم جزاء السيئة التي عملوها مثلها ~~العقاب. والمقصود من هذا التقييد، التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات ~~لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى ~~أضعاف كثيرة وذلك تفضلا منه وتكرما. وأما السيئات، فإنه يجازي عليها بمثلها ~~عدلا منه سبحانه وتعالى: وترهقهم ذلة قال ابن عباس: يغشاهم ذل وشدة. وقيل: ~~يغشاهم ذل وهوان لعقاب الله إياهم ما لهم من الله من عاصم يعني ما لهم مانع ~~يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ~~يعني كأنما ألبست وجوههم سوادا من الليل المظلم أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون قوله سبحانه وتعالى: ويوم نحشرهم جميعا الحشر الجمع من كل جانب ~~وناحية إلى موضع واحد والمعنى ويوم نجمع الخلائق جميعا لموقف الحساب وهو ~~يوم القيامة ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه حتى ~~تسألوا وفي هذا # PageV02P440 # وعيد وتهديد للعابدين والمعبودين أنتم وشركاؤكم يعني أنتم أيها المشركون ~~والأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله فزيلنا بينهم يعني: ففرقنا بين ~~العابدين والمعبودين وميزنا بينهم وانقطع ما كان بينهم من التواصل في ~~الدنيا. # فإن قلت قوله سبحانه وتعالى فزيلنا بينهم جاء على لفظ الماضي بعد قوله ثم ~~نقول للذين أشركوا وهو منتظر في المستقبل فما وجهه. # قلت: السبب فيه، أن الذي حكم الله فيه بأنه سيكون صار كالكائن الآن. # قوله: وقال شركاؤهم يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله وإنما ~~سماهم شركاءهم، لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم أو لأنه سبحانه وتعالى ~~لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: مكانكم فقد صاروا شركاء في هذا الخطاب ~~ما كنتم إيانا تعبدون تبرأ المعبودون من العابدين. # فإن قلت: كيف صدر هذا الكلام من الأصنام وهي جماد لا روح فيها ولا عقل ~~لها؟ # قلت: يحتمل أن الله تعالى خلق لها ms1774 في ذلك اليوم من الحياة والعقل والنطق ~~حتى قدرت على هذا الكلام فإن قلت إذا أحياهم الله في ذلك اليوم فهل يفنيهم ~~أو يبقيهم. # قلت: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأحوال القيامة ~~غير معلومة إلا ما دل عليه الدليل من كتاب أو سنة. # فإن قلت: إن الأصنام قد أنكرت أن الكفار كانوا يعبدونها وقد كانوا ~~يعبدونها؟ # قلت: قد تقدمت هذه المسألة وجوابها في تفسير سورة الأنعام ونقول هنا قال ~~مجاهد: تكون في يوم القيامة ساعة تكون فيها شدة تنصب لهم الآلهة التي كانوا ~~يعبدونها من دون الله، فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ~~ولا نعلم أنكم تعبدوننا فيقولون والله إياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 29 الى 32] # فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك ~~تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (30) قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون (32) # فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين. والمعنى قد ~~علم الله وكفى به شهيدا أما ما علمنا أنكم كنتم تعبدوننا وما كنا عن ~~عبادتكم إيانا من دون لله إلا غافلين ما نشعر بذلك أما قوله سبحانه وتعالى: # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت فهو كالتتمة للآية المتقدمة والمعنى في ذلك ~~المقام أو ذلك الموقف أو ذلك الوقت على معنى استعارة إطلاق اسم المكان على ~~الزمان وفي قوله تبلوا قراءات قرئ بتاءين ولها معنيان أحدهما أنه من تلاه ~~إذا تبعه أي تبع كل نفس ما أسلفت لأن العمل هو الذي يهدي النفس إلى الثواب ~~أو العقاب. # الثاني: أن يكون من التلاوة والمعنى أن كل نفس تقرأ صحيفة عملها من خير ~~أو شر. وقرئ: تبلو ms1775 بالتاء المثناة والباء الموحدة ومعناه تخبر وتعلم. ~~والبلو: الاختبار ومعناه: اختبارها ما أسلفت يعني: أنه إن قدم خيرا أو شرا ~~قدم عليه وجوزي به وردوا إلى الله مولاهم الحق الرد: عبارة عن صرف الشيء ~~إلى الموضع الذي جاء منه. والمعنى: وردوا إلى ما ظهر لهم من الله الذي هو ~~مالكهم ومتولي أمرهم. # PageV02P441 # فإن قلت: قد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى وأن الكافرين لا مولى ~~لهم فما الفرق؟ # قلت: المولى في اللغة يطلق على المالك ويطلق على الناصر، فمعنى المولى ~~هنا المالك ومعنى المولى هناك الناصر فحصل الفرق بين الآيتين وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون يعني وبطل وذهب ما كانوا يكذبون فيه في الدنيا وهو قولهم إن ~~هذه الأصنام تشفع لنا. # قوله عز وجل: قل من يرزقكم من السماء والأرض أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين من يرزقكم من السماء يعني المطر والأرض يعني النبات أمن يملك ~~السمع والأبصار يعني ومن أعطاكم هذه الحواس التي تسمعون بها وتبصرون بها ~~ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي يعني أنه تعالى يخرج الإنسان ~~حيا من النطفة وهي ميتة وكذلك الطير من البيضة وكذلك يخرج النطفة الميتة من ~~الإنسان الحي ويخرج البيضة الميتة من الطائر الحي. وقيل: معناه أنه يخرج ~~المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والقول الأول أقرب إلى الحقيقة ومن ~~يدبر الأمر يعني أن مدبر أمر السموات ومن فيها ومدبر أمر الأرض وما فيها هو ~~الله تعالى وذلك قوله فسيقولون الله يعني أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء ~~هو الله وإذا كانوا يقرون بذلك فقل أي قل لهم يا محمد أفلا تتقون يعني: ~~أفلا تخافون عقابه حيث تعبدون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر ~~على شيء من هذه الأمور فذلكم الله ربكم الحق يعني: فذلكم الذي يفعل هذه ~~الأشياء ويقدر عليها هو الله ربكم الحق الذي يستحق العبادة لا هذه الأصنام ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال يعني: إذا ثبت بهذه البراهين الواضحة والدلائل ~~القطعية أن ms1776 الله هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالا وباطلا فأنى تصرفون ~~يعني: إذا عرفتم هذا الأمر الظاهر الواضح فكيف تستخيرون العدول عن الحق إلى ~~الضلال الباطل. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 33 الى 35] # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم ~~من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل ~~هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) # كذلك # أي كما ثبت أنه ليس بعد الحق إلا الضلال حقت أي وجبت كلمة ربك في الأزل ~~على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قيل: المراد بكلمة الله قضاؤه عليهم في ~~اللوح المحفوظ أنهم لا يؤمنون وقضاؤه لا يرد ولا يدفع قل هل من شركائكم أي ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين هل من شركائكم يعني هذه الأصنام التي تزعمون ~~أنها آلهة من يبدؤا الخلق يعني من يقدر على أن ينشئ الخلق على غير مثال سبق ~~ثم يعيده أي ثم يعيده بعد الموت كهيئته أول مرة، وهذا السؤال استفهام إنكار ~~قل أي: قل أنت يا محمد الله يبدؤا الخلق ثم يعيده يعني أن الله هو القادر ~~على ابتداء الخلق وإعادته فأنى تؤفكون يعني فأنى تصرفون عن قصد السبيل ~~والمراد من هذا التعجب من أحوالهم كيف تركوا هذا الأمر الواضح وعدلوا عنه ~~إلى غيره قل أي قل يا محمد هل من شركائكم من يهدي إلى الحق يعني هل من هذه ~~الأصنام من يقدر علي أن يرشد إلى الحق فإذا قالوا لا ولا بد لهم من ذل قل ~~أي قل لهم أنت يا محمد الله يهدي للحق يعني أن الله هو الذي يرشد إلى الحق ~~لا غيره أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى يعني أن ~~الله هو الذي يهدي إلى الحق فهو أحق بالاتباع لا هذه الأصنام التي ms1777 لا تهتدي ~~إلا أن تهدي. # فإن قلت: الأصنام جماد لا تتصور هدايتها ولا أن تهدي فكيف قال إلا أن ~~يهدي. # قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال وجوها. # PageV02P442 # الأول: أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من مكان إلى مكان فيكون ~~المعنى أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر إلا أن تحمل وتنقل، فبين سبحانه ~~وتعالى بها عجز الأصنام. # الوجه الثاني: أن ذكر الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز وذلك أن ~~المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها ~~بما يعبر به عمن يسمع ويعقل ويعلم ووصفها بهذه الصفة وإن كان الأمر ليس ~~كذلك. # الوجه الثالث: يحتمل أن يكون المراد من قوله هل من شركائكم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده الأصنام، والمراد من قوله هل من شركائكم من يهدي إلى الحق رؤساء ~~الكفر والضلالة فالله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين بما ظهر من ~~الدلائل الدالة على وحدانيته وأما رؤساء الكفر والضلالة فإنهم لا يقدرون ~~على هداية غيرهم إلا إذا هداهم الله إلى الحق فكان اتباع دين الله والتمسك ~~بهدايته أولى من اتباع غيره. # وقوله سبحانه وتعالى: فما لكم كيف تحكمون قال الزجاج: فما لكم كلام تام ~~كأنه قيل لهم: أي شيء لكم في عبادة هذه الأصنام. ثم قال: كيف تحكمون؟ يعني: ~~على أي حال تحكمون. وقيل: معناه كيف تقضون لأنفسكم بالجور حين تزعمون أن مع ~~الله شريكا وقيل معناه بئسما حكمتم إذ جعلتم لله شريكا من ليس بيده منفعة ~~ولا مضرة ولا هداية. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 36 الى 40] # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون (36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك ms1778 كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين (40) # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا يعني: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ما لا ~~علم لهم بحقيقته وصحته بل هم في شك منه وريبة وقيل المراد بالأكثر الكل لأن ~~جميع المشركين يتبعون الظن في دعواهم أن الأصنام تشفع لهم وقيل المراد ~~بالأكثر الرؤساء إن الظن لا يغني من الحق شيئا يعني أن الشك لا يغني عن ~~اليقين شيئا ولا يقوم مقامه وقيل في الآية إن قولهم إن الأصنام آلهة وإنها ~~تشفع لهم ظن منهم لم يرد به كتاب ولا يعني أنها لا تدفع عنهم من عذاب الله ~~شيئا إن الله عليم بما يفعلون يعني من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق اليقين. # قوله تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله يعني وما كان ينبغي ~~لهذا القرآن أن يختلق ويفتعل لأن معنى الافتراء الاختلاق والمعنى ليس وصف ~~القرآن وصف شيء ممكن أن يفترى به على الله لأن المفترى هو الذي يأتي به ~~البشر وذلك أن كفار مكة زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن ~~من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق فأخبر الله عز وجل أن هذا القرآن ~~وحي أنزله الله عليه وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه أحد ~~إلا الله تعالى. # ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يؤكد هذا بقوله: ولكن تصديق الذي بين يديه يعني ~~ولكن الله أنزل هذا القرآن مصدقا لما قبله من الكتب التي أنزلها على ~~أنبيائه كالتوراة والإنجيل. وتقرير هذا، أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم إنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز وفيه أخبار الأولين وقصص # PageV02P443 # الماضين وكل ذلك موافق لما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة قبله ولو ~~لم يكن كذلك لقدحوا فيه لعداوة أهل الكتاب له ولما لم يقدح فيه أحد من ms1779 أهل ~~الكتاب علم بذلك أن ما فيه من القصص والأخبار مطابقة لما في التوراة ~~والإنجيل مع القطع بأنه ما علم ما فيها فثبت بذلك أنه وحي من الله أنزله ~~عليه وأنه مصدق لما بين يديه وأنه معجزة له صلى الله عليه وسلم. وقيل في ~~معنى قوله: ولكن تصديق الذي بين يديه يعني من أخبار الغيوب الآتية، فإنها ~~جاءت على وفق ما أخبر وتفصيل الكتاب يعني وتبيين ما في الكتاب من الحلال ~~والحرام والفرائض والأحكام لا ريب فيه من رب العالمين يعني أن هذا القرآن ~~لا شك فيه أنه من رب العالمين وأنه ليس مفترى على الله وأنه لا يقدر أحد من ~~البشر على الإتيان بمثله وهو قوله سبحانه وتعالى: أم يقولون افتراه يعني أم ~~يقول هؤلاء المشركون افترى محمد هذا القرآن وخلقه من قبل نفسه وهو استفهام ~~إنكار وقيل أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه قل أي: قل لهم يا محمد إن كان ~~الأمر كما تقولون فأتوا بسورة مثله يعني بسورة شبيهة به في الفصاحة ~~والبلاغة وحسن النظم فأنتم عرب مثلي في الفصاحة والبلاغة. # فإن قلت: قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة فأتوا بسورة من مثله ~~وقال سبحانه وتعالى هنا فأتوا بسورة مثله فما فائدة ذلك وما الفرق بينهما. # قلت لما كان محمد صلى الله عليه وسلم أميا لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا ~~القرآن العظيم كان معجزا في نفسه فقيل لهم فأتوا بسورة من مثله يعني: مع ~~إنسان أمي مثل محمد صلى الله عليه وسلم يساويه في عدم الكتابة والقراءة. # وأما قوله سبحانه وتعالى: فأتوا بسورة مثله أي فأتوا بسورة تساوي سور ~~القرآن في الفصاحة والبلاغة وهو المراد بقوله فأتوا بسورة مثله يعني أن ~~السورة في نفسها معجزة فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه وهو ~~المراد من قوله: وادعوا من استطعتم من دون الله يعني وادعوا للاستعانة على ~~ذلك من استطعتم من خلقه إن كنتم صادقين # يعني في قولكم إن محمدا افتراه ثم قال تعالى: ms1780 بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه يعني القرآن. أي: كذبوا بما لم يعلموه. قال عطاء: يريد أنه ليس خلق ~~يحيط بجميع علوم القرآن. وقيل: معناه بل كذبوا بما في القرآن من ذكر الجنة ~~والنار والحشر والقيامة والثواب والعقاب وغيرها مما لم يحيطوا بعلمه، لأنهم ~~كانوا ينكرون ذلك كله. وقيل: إنهم لما سمعوا ما في القرآن من القصص وأخبار ~~الأمم الخالية ولم يكونوا سمعوها قبل ذلك أنكروها لجهلهم فرد الله سبحانه ~~وتعالى عليهم بقوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لأن القرآن العظيم مشتمل ~~على علوم كثيرة لا يقدر أحد على استيعابها وتحصيلها ولما يأتهم تأويله يعني ~~أنهم كذبوا به ولم يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم ~~الله في القرآن به من العقوبة. والمعنى: أنهم لم يعلموا ما تؤول إليه عاقبة ~~أمرهم. وقيل: معناه أنهم لم يعلموه تنزيلا ولا علموه تأويلا فكذبوا به وذلك ~~لأنهم جهلوا القرآن وعلمه وعلم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم يعني كما ~~كذب هؤلاء بالقرآن كذلك كذب الأمم الماضية أنبياءهم فيما وعدوهم به فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فانظر يا محمد ~~كيف كان عاقبة من ظلم من الأمم كذلك تكون عاقبة من كذبك من قومك ففيه تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس. # والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل ~~فعله. # قوله عز وجل: ومنهم من يؤمن به يعني ومن قومك يا محمد من سيؤمن بالقرآن ~~ومنهم من لا يؤمن به لعلم الله السابق فيه أنه لا يؤمن وربك أعلم بالمفسدين ~~يعني الذين لا يؤمنون. # PageV02P444 # ### || [سورة يونس (10): الآيات 41 الى 45] # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ~~(42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) إن ~~الله لا ms1781 يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ويوم يحشرهم كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~وما كانوا مهتدين (45) # وإن كذبوك يعني وإن كذبك قومك يا محمد فقل أي فقل لهم لي عملي يعني ~~الطاعة وجزاء ثوابها ولكم عملكم يعني الشرك وجزاء عقابه أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون قيل: المراد منه الزجر والرجوع. وقال مقاتل ~~والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الإمام فخر الدين الرازي: وهو ~~بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا الحكم المنسوخ. ومدلول الآية: اختصاص كل ~~واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئا ~~من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلا. # قوله تعالى: ومنهم يعني ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إليك يعني ~~بأسماعهم الظاهرة ولا ينفعهم ذلك لشدة بغضهم وعداوتهم لك أفأنت تسمع الصم ~~يعني كما أنك لا تقدر على إسماع الصم فكذلك لا تقدر على إسماع من أصم الله ~~سمع قلبه ولو كانوا لا يعقلون يعني أن الله سبحانه وتعالى صرف قلوبهم عن ~~الانتفاع بما يسمعون ولم يوفقهم لذلك فهم بمنزلة الجهال إذا لم ينتفعوا بما ~~لم يسمعوا وهم أيضا كالصم الذين لا يعقلون شيئا ولا يفهمونه لعدم التوفيق ~~ومنهم من ينظر إليك يعني بأبصارهم الظاهرة أفأنت تهدي العمي يريد عمي ~~القلوب ولو كانوا لا يبصرون لأن الله أعمى بصائر قلوبهم فلا يبصرون شيئا من ~~الهدى وفي هذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول الله عز ~~وجل إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع ولا تقدر أن تهدي من سلبته البصر ~~ولا تقدر أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. # قال العلماء: لما حكم الله عز وجل على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره ~~السابق فيهم أخبر في هذه الآية أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلما منه ~~لأنه يتصرف في ملكه ms1782 كيف يشاء والخلق كلهم عبيدة وكل من تصرف في ملكه لا ~~يكون ظالما وإنما قال ولكن الناس أنفسهم يظلمون لأن الفعل منسوب إليهم بسبب ~~الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم. # قوله سبحانه وتعالى: ويوم يحشرهم يعني: واذكر يا محمد يوم نجمع هؤلاء ~~المشركين لموقف الحساب. وأصل الحشر: إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم كأن ~~لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يعني كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة ~~من النهار. وقيل: معناه كأنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار. # والوجه الأول أولى، لأن حال المؤمن والكافر سواء في عدم المعرفة بمقدار ~~لبثهم في القبور إلى وقت الحشر، فتعين حمله على أمر يختص بحال الكافر وهو ~~أنهم لما لم ينتفعوا بأعمارهم في الدنيا استقلوها. والمؤمن لما انتفع بعمره ~~في الدنيا لم يستقله. وسبب استقلال الكفار: مدة مقامهم في الدنيا أنهم لما ~~ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على ما فيها ولم يعملوا بطاعة الله ~~فيها كان وجود ذلك كالعدم فلذلك استقلوه. وقيل: إنهم لما شاهدوا أهوال يوم ~~القيامة وطال عليهم ذلك، استقلوا مدة مقامهم في الدنيا، لأن مقامهم في ~~الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل جدا يتعارفون بينهم يعني: يعرف بعضهم ~~بعضا إذا خرجوا من قبورهم كما كانوا يتعارفون في الدنيا ثم تنقطع المعرفة ~~بينهم إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، وفي بعض الآثار: أن الإنسان يوم ~~القيامة يعرف من بجنبه ولا يقدر أن يكلمه هيبة وخشية، وقيل: إن أحوال يوم ~~القيامة مختلفة ففي بعضها يعرف بعضهم بعضا وفي بعضها ينكر بعضهم بعضا لهول ~~ما يعاينون في ذلك اليوم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يعني أن # PageV02P445 # من باع آخرته الباقية بدنياه الفانية قد خسر لأنه أثر الفاني على الباقي ~~وما كانوا مهتدين يعني إلى ما يصلحهم وينجيهم من هذا الخسار. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 46 الى 50] # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) ولكل أمة رسول ms1783 فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ~~(47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون (50) # وإما نرينك يعني يا محمد بعض الذي نعدهم يعني ما نعدهم به من العذاب في ~~الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في ~~الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى: فإلينا مرجعهم يعني في الآخرة وفيه دليل ~~على أن الله يري رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من عذاب الكافرين ~~وذلهم وخزيهم في حال حياته في الدنيا وقد أراه ذلك في يوم بدر وغيره من ~~الأيام وسير به ما أعد لهم من العذاب في الآخرة بسبب كفرهم وتكذيبهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون فيه وعيد وتهديد لهم يعني أنه سبحانه وتعالى شاهد ~~على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم القيامة. # قوله عز وجل: ولكل أمة رسول لما بين الله عز وجل حال محمد صلى الله عليه ~~وسلم مع قومه بين أن حال الأنبياء مع أممهم كذلك فقال تعالى: ولكل أمة، ~~يعني قد خلت وتقدمت قبلكم، رسول يعني: مبعوثا إليهم يدعو إلى الله وإلى ~~طاعته والإيمان به فإذا جاء رسولهم في هذا الكلام إضمار تقديره، فإذا جاءهم ~~رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون قضي بينهم بالقسط ~~يعني حكم بينهم بالعدل وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما: أنه ~~في الدنيا وذلك أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى كل أمة رسولا لتبليغ ~~الرسالة وإقامة الحجة وإزالة العذر فإذا كذبوا رسلهم وخالفوا أمر الله قضى ~~بينهم، وبين رسلهم في الدنيا فيهلك الكافرين وينجي رسلهم والمؤمنين ويكون ~~ذلك عدلا لا ظلما لأن قبل مجيء الرسول لا يكون ثوابا ولا عقابا. # القول الثاني: إن وقت القضاء في الآخرة وذلك أن الله إذا ms1784 جمع الأمم يوم ~~القيامة للحساب والقضاء بينهم والفصل بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي ~~جيء بالرسل لتشهد عليهم. والمراد من ذلك، المبالغة في إظهار العدل، وهو ~~قوله تعالى: وهم لا يظلمون يعني من جزاء أعمالهم شيئا ولكن يجازي كل أحد ~~على قدر عمله. # وقيل: معناه أنهم لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من ~~حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم ويقولون يعني هؤلاء الكفار متى هذا الوعد ~~يعني الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب وقيل قيام الساعة، وإنما قالوا ~~ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد إن كنتم صادقين يعني فيما تعدونا به، وإنما ~~قالوا بلفظ الجمع لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك أو يكون المعنى: إن كنتم ~~صادقين أنت وأتباعك يا محمد أو ذكروه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم قل أي: ~~قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا يعني لا أملك لنفسي دفع ضر أو ~~جلب نفع ولا أقدر على ذلك إلا ما شاء الله يعني أن أقدر عليه أو أملكه. ~~والمعنى: أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصر للأولياء وعلم قيام ~~الساعة لا يقدر عليه إلا الله فتعيين الوقت إلى الله سبحانه وتعالى بحسب ~~مشيئته ثم إذا حضر ذلك الوقت الذي وقته الله لحدوث هذه الأشياء فإنه يحدث ~~لا محالة وهو قوله سبحانه وتعالى: لكل أمة أجل أي مدة مضروبة ووقت معين إذا ~~جاء أجلهم يعني إذا انقضت مدة أعمارهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون يعني ~~لا يتأخرون عن ذلك الأجل الذي أجل لهم ولا يتقدمونه قل أي قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين من قومك أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا يعني ليلا يقال بات # PageV02P446 # يفعل كذا إذا فعل بالليل والسبب فيه إن الإنسان في الليل لا يكون إلا في ~~البيت غالبا فجعل الله هذه اللفظة كناية عن الليل أو نهارا يعني في النهار ~~ماذا يستعجل منه المجرمون يعني ما الذي يستعجلون من نزول العذاب وقد وقعوا ~~فيه وحقيقة المعنى أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب ms1785 كما أخبر الله سبحانه ~~وتعالى عنهم بقوله اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم فأجابهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ماذا يستعجل ~~منه المجرمون يعني أي شيء يعلم المجرمون ما يطلبون ويستعجلون كما يقول ~~الرجل لغيره وقد فعل فعلا قبيحا ماذا جنيت على نفسك. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 51 الى 56] # أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ويستنبئونك أحق ~~هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل نفس ظلمت ما في ~~الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (55) # هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) # أثم إذا ما وقع يعني إذا ما نزل العذاب ووقع آمنتم به يعني آمنتم بالله ~~وقت نزول العذاب وهو وقت اليأس وقيل معناه صدقتم بالعذاب عند نزوله ودخلت ~~همزة الاستفهام على ثم للتوبيخ والتقريع آلآن فيه إضمار تقديره يقال لهم ~~آلآن تؤمنون أي حين وقوع العذاب وقد كنتم به تستعجلون يعني تكذيبا واستهزاء ~~ثم قيل للذين ظلموا يعني ظلموا أنفسهم بسبب شركهم وكفرهم بالله ذوقوا عذاب ~~الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون يعني في الدنيا من الأعمال. # قوله سبحانه وتعالى: ويستنبئونك أحق هو يعني ويستخبرونك يا محمد أحق ما ~~تعدنا به من نزول العذاب وقيام الساعة قل إي وربي أي قل لهم يا محمد نعم ~~وربي إنه لحق يعني إن الذي أعدكم به حق، لا شك فيه وما أنتم بمعجزين يعني ~~بفائتين من العذاب لأن من عجز عن شيء فقد فاته ولو أن لكل نفس ظلمت يعني ~~أشركت ما في الأرض يعني من شيء لافتدت به يعني يوم القيامة. والافتداء: ~~بمعنى البذل لما ينجو به من العذاب إلا أنه لا ينفعه الفداء ولا ms1786 يقبل منه ~~وأسروا الندامة يعني يوم القيامة، وإنما جاء بلفظ الماضي والقيامة من ~~الأمور المستقبلة، لأن أحوال يوم القيامة لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله ~~مستقبلها كالماضي والإسرار يكون بمعنى الإخفاء وبمعنى الإظهار فهو من ~~الأضداد، فلهذا اختلفوا في قوله: وأسروا الندامة. فقال أبو عبيدة: معناه ~~وأظهروا الندامة لأن ذلك اليوم ليس يوم تصبر وتصنع. وقيل: معناه أخفوا، ~~يعني أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء والأتباع خوفا من ملامتهم إياهم ~~وتعبيرهم لهم لما رأوا العذاب يعني: # حين عاينوا العذاب وأبصروه وقضي بينهم بالقسط يعني وحكم بينهم بالعدل قيل ~~بين المؤمن والكافر وقيل: # بين الرؤساء والأتباع. وقيل: بين الكفار لاحتمال أن بعضهم قد ظلم بعضا ~~فيؤخذ للمظلوم من الظالم وهو قوله سبحانه وتعالى: وهم لا يظلمون يعني في ~~الحكم لهم وعليهم بأن يخفف من عذاب المظلوم ويشدد في عذاب الظالم ألا إن ~~لله ما في السماوات والأرض يعني أن كل شيء في السموات والأرض لله ملك له لا ~~يشركه فيه غيره فليس للكافر شيء يفتدي به من عذاب الله يوم القيامة لأن ~~الأشياء كلها لله وهو أيضا ملك لله فكيف يفتدي من هو مملوك لغيره بشيء لا ~~يملكه ألا إن وعد الله حق يعني ما وعد الله به على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من ثواب الطائع وعقاب العاصي حق لا شك فيه ولكن أكثرهم لا يعلمون يعني ~~حقيقة ذلك هو يحيي ويميت # PageV02P447 # يعني الذي يملك ما في السموات والأرض قادر على الإحياء والإماتة لا يتعذر ~~عليه شيء مما أراد وإليه ترجعون يعني بعد الموت للجزاء قوله عز وجل: # ### || [سورة يونس (10): الآيات 57 الى 60] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة إن الله ms1787 لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم قيل: أراد بالناس قريشا. وقيل: هو ~~على العموم وهو الأصح وهو اختيار الطبري قد جاءتكم موعظة من ربكم يعني ~~القرآن والوعظ زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: # هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وقيل: الموعظة، ما يدعو إلى الصلاح ~~بطريق الرغبة والرهبة. # والقرآن داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق وشفاء لما في الصدور يعني أن ~~القرآن ذو شفاء لما في القلوب من داء الجهل وذلك لأن داء الجهل أضر للقلب ~~من داء المرض للبدن. # وأمراض القلب هي: الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة. # فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها، لأن فيه الوعظ والزجر والتخويف والترغيب ~~والترهيب والتحذير والتذكير فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية، ~~وإنما خص الصدر بالذكر، لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن ~~الإنسان لمكان القلب فيه وهدى يعني وهو هدى من الضلالة ورحمة للمؤمنين يعني ~~ونعمة على المؤمنين لأنهم هم الذين انتفعوا بالقرآن دون غيرهم قل بفضل الله ~~وبرحمته الباء في بفضل الله متعلقة بمضمر استغنى عن ذكره لدلالة ما تقدم ~~عليه وهو قوله قد جاءتكم موعظة من ربكم. والفضل هنا: بمعنى الإفضال ويكون ~~معنى الآية على هذا يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهو القرآن بإفضال الله عليكم ورحمته بكم وإرادته الخير لكم ثم قال ~~سبحانه وتعالى: فبذلك فليفرحوا أشار بذلك إلى القرآن لأن المراد بالموعظة ~~والشفاء: القرآن فترك اللفظ وأشار إلى المعنى وقيل: فبذلك فليفرحوا إشارة ~~إلى معنى الفضل والرحمة والمعنى فبذلك التطول والإنعام فليفرحوا قال ~~الواحدي الفاء في قوله تعالى: فليفرحوا زائدة كقول الشاعر: # فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي فالفاء في قوله فاجزعي، زائدة. # وقال صاحب الكشاف في معنى الآية بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك. ~~فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير إيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ~~ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه والفاء ~~داخلة لمعنى الشرط ms1788 فكأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا ~~مفروح به أحق منهما، والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب والمشتهى. يقال: ~~فرحت بكذا إذا أدركت المأمول ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح في اللذات البدنية ~~الدنيوية واستعمل هنا فيما يرغب فيه من الخيرات ومعنى الآية ليفرح المؤمنون ~~بفضل الله ورحمته أي ما آتاهم الله من المواعظ وشفاء الصدور وثلج اليقين ~~بالإيمان وسكون النفس إليه هو خير مما يجمعون يعني من متاع الدنيا ولذاتها ~~الفانية هذا مذهب أهل المعاني في هذه الآية. # PageV02P448 # وأما مذهب المفسرين فغير هذا، فإن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا: فضل ~~الله الإسلام ورحمته القرآن وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته ~~أن جعلنا من أهله. # وقال ابن عمر: فضل الله الإسلام ورحمته تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل الله ~~الإسلام ورحمته الجنة. # وقيل: فضل الله القرآن ورحمته السنن. فعلى هذا الباء في بفضل الله تتعلق ~~بمحذوف يفسره ما يعده تقديره قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته قل أي قل يا ~~محمد لكفار مكة أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق يعني من زرع وضرع وغيرهما ~~وعبر عما في الأرض بالإنزال لأن جميع ما في الأرض من خير ورزق فإنما هو من ~~بركات السماء فجعلتم منه يعني من ذلك الرزق حراما وحلالا يعني ما حرموه على ~~أنفسهم في الجاهلية من الحرث والأنعام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحامي. # قال الضحاك: وهو قوله سبحانه وتعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا قل آلله أذن لكم يعني: قل لهم يا محمد آلله أذن لكم في هذا ~~التحريم والتحليل أم على الله تفترون # يعني بل أنتم كاذبون على الله في ادعائكم أن الله أمرنا بهذا وما ظن ~~الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة يعني: إذا لقوه يوم القيامة ~~أيحسبون أنه لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم فهو استفهام بمعنى التوبيخ ~~والتقريع والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب إن الله لذو فضل على ~~الناس يعني ببعثة الرسل وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام ms1789 ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون يعني: لا يشكرون الله على ذلك الفضل والإحسان. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 61 الى 63] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) # قوله سبحانه وتعالى: وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وحده والشأن الخطب والحال والأمر الذي يتفق ويصلح ولا ~~يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور والجمع الشؤون تقول العرب ما شأن ~~فلان أي ما ماله. # والشأن اسم إذا كان بمعنى الخطب والحال ويكون مصدرا إذا كان معناه القصد ~~والذي في هذه الآية يجوز أن يكون المراد به الاسم. قال ابن عباس: معناه، ~~وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر؟ وقال الحسن: في شأن من شؤون ~~الدنيا وحوائجك ويجوز أن يكون المراد منه القصد يعني قصد الشيء وما تتلو ~~منه من قرآن. اختلفوا في الضمير في منه إلى ماذا يعود فقيل: يعود إلى الشأن ~~إذ تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو أعظم ~~شؤونه، فعلى هذا يكون داخلا تحت قوله تعالى: وما تكون في شأن إلا أنه ~~سبحانه وتعالى خصه بالذكر لشرفه وعلو مرتبته. وقيل: إنه راجع إلى القرآن ~~لأنه قد تقدم ذكره في قوله سبحانه وتعالى قل بفضل الله وبرحمته، فعلى هذا ~~يكون المعنى وما تتلو من القرآن من قرآن يعني من سورة وشيء منه لأن لفظ ~~القرآن يطلق على جميعه وعلى بعضه. وقيل: الضمير في منه راجع إلى الله ~~والمعنى وما تتلو من الله من قرآن نازل عليك. # وأما قوله سبحانه وتعالى: ولا تعملون من عمل فإنه خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمته داخلون فيه ومرادون ms1790 به، لأن من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس ~~قوم وكبيرهم، كان القوم داخلين في ذلك الخطاب. ويدل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى: ولا تعملون من عمل على صيغة الجمع فدل على أنهم داخلون في الخطابين ~~الأولين وقوله # PageV02P449 # سبحانه وتعالى: إلا كنا عليكم شهودا يعني شاهدين لأعمالكم وذلك لأن الله ~~سبحانه وتعالى شاهد على كل شيء وعالم بكل شيء لأنه لا محدث ولا خالق ولا ~~موجد إلا الله تعالى فكل ما يدخل في الوجود من أحوال العباد وأعمالهم ~~الظاهرة والباطنة داخل في علمه وهو شاهد عليه إذ تفيضون فيه يعني أن الله ~~سبحانه وتعالى شاهد عليكم حين تدخلون وتخوضون في ذلك العمل. # والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه. وقال ~~ابن الأنباري: معناه إذ تدفعون فيه وتبسطون في ذكره. وقيل: الإفاضة: الدفع ~~بكثرة. وقال الزجاج: تنشرون فيه. يقال: أفاض القوم في الحديث، إذا انتشروا ~~فيه وما يعزب عن ربك يعني: وما يبعد ويغيب عن ربك يا محمد من عمل خلقه شيء ~~لأنه عالم به وشاهد عليه. وأصل العزوب: البعد. يقال منه كلام عازب إذا كان ~~بعيد المطلب من مثقال ذرة يعني وزن ذرة والمثقال: الوزن. والذرة: النملة ~~الصغيرة الحمراء وهي خفيفة الوزن جدا في الأرض ولا في السماء فإن قلت: لم ~~قدم ذكر الأرض على السماء هنا وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ وما ~~فائدة ذلك؟ قلت: كان حق السماء أن تقدم على الأرض كما في سورة سبأ إلا أنه ~~تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ثم ~~وصل ذلك بقوله وما يعزب عن ربك حسن تقديم الأرض على السماء في هذا الموضع ~~لهذه الفائدة ولا أصغر من ذلك يعني من الذرة ولا أكبر يعني منها إلا في ~~كتاب مبين يعني في اللوح المحفوظ. # قوله سبحانه وتعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اعلم ~~أننا نحتاج أولا في تفسير هذه الآية أن نبين من يستحق اسم الولاية ومن ms1791 هو ~~الولي فنقول: اختلف العلماء فيمن يستحق هذا الاسم فقال ابن عباس في هذه ~~الآية هم الذين يذكر الله لرؤيتهم وروى الطبري بسنده عن سعيد بن جبير مرسلا ~~قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله فقال هم الذين إذ ~~رأوا ذكر الله» وقال ابن زيد: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ولن يتقبل ~~الإيمان إلا بالتقوى. # وقال قوم: هم المتحابون في الله. ويدل على ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا بشهداء يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟. ~~قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتقاطعونها فو ~~الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون ~~إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون» أخرجه أبو داود. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله تبارك ~~وتعالى يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ~~ظلي» أخرجه مسلم. # عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله ~~تعالى: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» أخرجه ~~الترمذي. # وروى البغوي بسنده عن أبي مالك الأشعري. قال: كنت عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «إن لله عبيدا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون ~~والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة. قال: وفي ناحية القوم ~~أعرابي، فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم من ~~هم؟ قال: فرأيت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم البشر فقال هم عباد من ~~عباد الله ومن بلدان شتى وقبائل شتى لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ولا ~~دنيا يتبادلون بها يتحابون بروح الله يجعل وجوههم ms1792 نورا ويجعل لهم منابر من ~~لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون ويخاف الناس # PageV02P450 # ولا يخافون». ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك ~~وتعالى إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» هكذا ذكره ~~البغوي بغير سند، وروى الطبري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل من هم ~~يا رسول الله لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا ~~أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا ~~حزن الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» الغبطة ~~نوع من الحسد إلا أن الحسد مذموم والغبطة محمودة والفرق بين الحسد والغبطة ~~أن الحاسد يتمنى زوال ما على المحسود من النعمة ونحوها والغبطة هي أن يتمنى ~~الغابط مثل تلك النعمة التي هي على المغبوط من غير زوال عنه. # وقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله هدايتهم وتولوا ~~القيام بحق العبودية لله والدعوة إليه. # وأصل الولي من الولاء وهو القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى ~~الله بكل ما افترض عليه ويكون مشتعلا بالله مستغرق القلب في معرفة نور جلال ~~الله فإن رأى رأى دلائل قدرة الله وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق ~~بالثناء على الله وإن تحرك تحرك في طاعة الله وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه ~~إلى الله لا يفتر عن ذكر الله ولا يرى بقلبه غير الله، فهذه صفة أولياء ~~الله وإذا كان العبد كذلك كان الله وليه وناصره ومعينه قال الله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا. # وقال المتكلمون: ولي الله من كان آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على ~~الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة وإليه ~~الإشارة بقوله الذين آمنوا وكانوا يتقون وهو أن الإيمان مبني على جميع ~~الاعتقاد والعمل ومقام التقوى هو أن يتقي العبد ms1793 كل ما نهى الله عنه وقوله ~~سبحانه وتعالى: لا خوف عليهم، يعني في الآخرة إذ خاف غيرهم ولا هم يحزنون ~~يعني على شيء فاتهم من نعيم الدنيا ولذاتها. # قال بعض المحققين: زوال الخوف والحزن عنهم إنما يحصل لهم في الآخرة لأن ~~الدنيا لا تخلو من هم وغم وأنكاد وحزن. # قال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب من الله ودوام الاشتغال ~~بالله وإذا كان العبد بهذه الحالة فلا يخاف من شيء ولا يحزن على شيء لأن ~~مقام الولاية والمعرفة منعه من أن يخاف أو يحزن. # وأما قوله سبحانه وتعالى الذين آمنوا وكانوا يتقون فقد تقدم تفسيره وأنه ~~صفة لأولياء الله. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 64 الى 65] # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ~~(65) # وقوله سبحانه وتعالى: هم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # اختلفوا في هذه البشرى، فروي عن عبادة بن الصامت قال «سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا قال: هي الرؤيا ~~الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» أخرجه الترمذي. # وله عن رجل من أهل مصر قال «سألت أبا الدرداء عن هذه الآية لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها وقال ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها ~~المسلم أو ترى له» قال الترمذي حديث حسن (خ). # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يبق بعدي من ~~النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة» (ق) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا ~~المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن # PageV02P451 # جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» لفظ البخاري ومسلم «إذا اقترب الزمان ~~لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المسلم ms1794 جزء من ~~خمسة وأربعين جزءا من النبوة والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة بشرى من الله ~~ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، قال بعض العلماء: ووجه ~~هذا القول إنا إذا حملنا قوله تبارك وتعالى لهم البشرى على الرؤيا الصالحة ~~الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحمل هذه الحالة إلا لهم، وذلك لأن ولي ~~الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله عز وجل ومن كان كذلك فإنه ~~عند النوم لا يبقى في قلبه غير ذكر الله ومعرفته ومن المعلوم أن معرفة الله ~~في القلب لا تفيد إلا الحق والصدق فإذا رأى الولي رؤيا أو رؤيت له كانت تلك ~~الرؤيا بشرى من الله عز وجل لهذا الولي. # قال الخطابي: في هذه الأحاديث توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها وإنما ~~كانت جزءا من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء عليهم ~~السلام يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة، قال الخطابي: قال ~~بعض العلماء معنى الحديث أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة لا أنها جزء من ~~النبوة وقال الخطابي وغيره في معنى قوله- الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة: أقام النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثا وعشرين سنة على ~~الصحيح وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام الوحي فهي جزء من ستة وأربعين ~~جزءا وقيل إن المنام لعل أن يكون فيه إخبار بغيب وهو أحد مراتب النبوة وهو ~~يسير في جانب النبوة لأنه لا يجوز أن يبعث الله بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا يشرع الشرائع ويبين الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا. # فإذا وقع لأحد في المنام الإخبار بغيب يكون هذا القدر جزءا من النبوة لا ~~أنه نبي، وإذا وقع ذلك لأحد في المنام يكون صدقا والله أعلم. # وقيل في تفسير الآية: إن المراد بالبشرى في الحياة الدنيا هي الثناء ~~الحسن وفي الآخرة الجنة ويدل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال «قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرأيت ms1795 الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال ~~تلك عاجل بشرى المؤمن» أخرجه مسلم قال الشيخ محيي الدين النووي قال العلماء ~~معنى هذا البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل للبشرى المؤخرة له في الآخرة ~~بقوله بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار وهذه البشرى المعجلة دليل ~~على رضا الله عنه ومحبته له وتحبيبه إلى الخلق كما قال ثم يوضع له القبول ~~في الأرض هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم وإلا فالتعرض ~~مذموم قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله عز وجل استنار قلبه وامتلأ ~~نورا فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه فتظهر عليه آثار الخشوع ~~والخضوع يحبه الناس ويثنون عليه فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه ~~عليه وقال الزهري وقتادة في تفسير البشرى: هي نزول الملائكة بالبشارة من ~~الله عند الموت ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وقال عطاء عن ابن عباس ~~البشرى في الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة وفي الآخرة بعد خروج ~~نفس المؤمن يعرج بها إلى الله تعالى ويبشر برضوان الله تعالى وقال الحسن هي ~~ما بشر الله به المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه ويدل عليه قوله ~~تعالى: تبديل لكلمات الله # يعني لا خلف لوعد الله الذي وعد به أولياءه وأهل طاعته في كتابه وعلى ~~ألسنة رسله ولا تغيير لذلك الوعدلك هو الفوز العظيم # يعني ما وعدهم به في الآخرة ولا يحزنك قولهم يقول الله لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين لك ولا يغمك تخويفهم ~~إياك إن العزة لله جميعا يعني أن القهر والغلبة والقدرة لله جميعا هو ~~المنفرد بها دون غيره وهو ناصرك عليهم والمنتقم لك منهم. # وقال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعا فيعز من يشاء وهذا كما قال ~~سبحانه وتعالى في آية أخرى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» ولا منافاة بين ~~الآيتين فإن عزة الرسول ms1796 صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين بإعزاز الله ~~إياهم فثبت بذلك # PageV02P452 # أن العزة لله جميعا وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. وقيل إن المشركين ~~كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم فأخبر الله سبحانه وتعالى أن ~~جميع ذلك لله وفي ملكه فهو قادر على أن يسلبهم جميع ذلك ويذلهم بعد العز هو ~~السميع لأقوالكم ودعائكم العليم بجميع أحوالكم لا تخفى عليه خافية. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 66 الى 70] # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم ~~من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # قوله سبحانه وتعالى: ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ألا كلمة ~~تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد في السموات ولا في الأرض إلا لله عز وجل فهو ~~يملك من في السموات ومن في الأرض. # فإن قلت قال سبحانه وتعالى في الآية التي قبل هذه ألا إن لله ما في ~~السموات بلفظة ما وقال سبحانه وتعالى في هذه الآية بلفظة من فما فائدة ذلك؟ ~~قلت إن لفظة ما تدل على ما لا يعقل ولفظة من تدل على من يعقل فمجموع ~~الآيتين يدل على أن الله عز وجل يملك جميع من في السموات ومن في الأرض من ~~العقلاء وغيرهم وهم عبيده وفي ملكه. # وقيل: إن لفظة من لمن يعقل فيكون المراد بمن في السموات الملائكة ~~والعقلاء ومن في الأرض الإنس والجن وهم العقلاء أيضا وإنما خصهم بالذكر ~~لشرفهم وإذا كان هؤلاء العقلاء المميزون في ملكه وتحت قدرته فالجمادات ~~بطريق الأولى أن يكونوا في ms1797 ملكه إذا ثبت هذا فتكون الأصنام التي يعبدها ~~المشركون أيضا في ملكه وتحت قبضته وقدرته ويكون ذلك قدحا في جعل الأصنام ~~شركاء لله معبودة دونه وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء لفظة ما ~~استفهاميه معناه وأي شيء يتبع الذي يدعون من دون الله شركاء والمقصود تقبيح ~~فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء لأنهم يعبدونها على أنها شركاء لله تشفع لهم ~~وليس الأمر على ما يظنون وهو قوله سبحانه وتعالى: إن يتبعون إلا الظن يعني ~~أن فعلهم ذلك ظن منهم أنها تشفع لهم وأنها تقربهم إلى الله وذلك ظن منهم لا ~~حقيقة له وإن هم إلا يخرصون يعني إن هم إلا يكذبون في دعواهم ذلك. # قوله عز وجل: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا يعني هو ~~الله ربكم الذي خلق لكم الليل راحة لتسكنوا فيه وليزول التعب والكلال ~~بالسكون فيه، وأصل السكون الثبوت بعد الحركة والنهار مبصرا وجعل النهار ~~مضيئا لتهتدوا فيه لحوائجكم وأسباب معايشكم وأضاف الإبصار إلى النهار وإنما ~~يبصر فيه وليس النهار مما يبصر ولكن لما كان مفهوما من كلام العرب معناه ~~خاطبهم بلغتهم وما يفهمونه قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم # فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به وإنما عنى نفسه وأنه لم يكن نائما هو ولا ~~بعيره وهذا من باب نقل الاسم من المسبب إلى السبب قال قطرب تقول العرب أظلم ~~الليل وأبصر النهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء. # قوله تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون يعني يسمعون سمع اعتبار وتدبر ~~فيعلمون بذلك أن الذي # PageV02P453 # خلق هذه الأشياء كلها هو الإله المعبود المنفرد بالوحدانية في الوجود ~~قالوا يعني المشركين اتخذ الله ولدا يعني به قولهم الملائكة بنات الله ~~سبحانه نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ الولد هو الغني يعني أنه ~~سبحانه وتعالى هو الغني عن جميع خلقه فكيف يليق بجلاله اتخاذ الولد وإنما ~~يتخذ الولد من هو محتاج إليه والله تعالى هو ms1798 الغني المطلق وجميع الأشياء ~~محتاجة إليه وهو غني عنها له ما في السماوات وما في الأرض يعني أنه مالك ما ~~في السموات وما في الأرض وكلهم عبيده وفي قبضته وتصرفه وهو محدثهم وخالقهم. # ولما نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ الولد عطف على من قال ذلك ~~بالإنكار والتوبيخ والتقريع فقال سبحانه وتعالى: إن عندكم من سلطان بهذا ~~يعني أنه لا حجة عندكم على هذا القول البتة ثم بالغ في الإنكار عليهم بقوله ~~تعالى: أتقولون على الله ما لا تعلمون يعني أتقولون على الله قولا لا ~~تعلمون حقيقته وصحته وتضيفون إليه ما لا تجوز إضافته إليه جهلا منكم بما ~~تقولون بغير حجة ولا برهان قل إن الذين يفترون على الله الكذب أي: قل يا ~~محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون على الله الباطل ويزعمون ~~أن له ولدا لا يفلحون يعني لا يسعدون وإن اغتروا بطول السلامة والبقاء في ~~النعمة. # والمعنى أن قائل هذا القول لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر ~~قال الزجاج هذا وقف قام يعني قوله لا يفلحون ثم ابتدأ فقال تعالى: متاع في ~~الدنيا وفيه إضمار تقديره لهم متاع في الدنيا يتمتعون به مدة أعمارهم ~~وانقضاء آجالهم في الدنيا وهي أيام يسيرة بالنسبة إلى طول مقامهم في العذاب ~~وهو قوله سبحانه وتعالى: ثم إلينا مرجعهم يعني بعد الموت ثم نذيقهم العذاب ~~الشديد بما كانوا يكفرون يعني ذلك العذاب بسبب ما كانوا يجحدون في الدنيا ~~من نعمة الله عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 71 الى 73] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في ~~الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر ms1799 كيف كان عاقبة ~~المنذرين (73) # قوله سبحانه وتعالى: واتل عليهم نبأ نوح لما ذكر الله سبحانه وتعالى في ~~هذه السورة أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من الكفر والعناد شرع بعد ذلك ~~في بيان قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم ليكون في ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسوة بمن سلف من الأنبياء وتسلية له ليخف عليه ما يلقى من ~~أذى قومه وأن الكفار من قومه إذا سمعوا هذه القصص وما جرى لكفار الأمم ~~الماضية من العذاب والهلاك في الدنيا كان ذلك سببا لخوف قلوبهم وداعيا لهم ~~إلى الإيمان. # ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكا وأعظمهم كفرا وجحودا ذكر الله قصتهم ~~وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة لكفار قريش، فقال سبحانه وتعالى ~~واتل عليهم نبأ نوح يعني واقرأ على قومك يا محمد خبر قوم نوح إذ قال لقومه ~~يا قوم وهو بنو قابيل إن كان كبر يعني ثقل عليكم مقامي يعني فيكم وتذكيري ~~بآيات الله يعني: ووعظي إياكم بآيات الله: وقيل: معناه إن كان ثقل وشق ~~عليكم طول مقامي فيكم وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أقام فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى ويذكرهم بآيات الله وهو قوله وتذكيري ~~بآيات الله يعني ووعظي بآيات الله وحججه وبيناته فعزمتم على قتلي وطردي ~~فعلى الله توكلت يعني فهو حسبي وثقتي فأجمعوا أمركم يعني فأحكموا أمركم ~~واعزموا عليه، قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة # PageV02P454 # على الأمر قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم ومكرهم ~~فالتقدير لا تدعوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه وشركاءكم يعني وادعوا ~~شركاءكم يعني آلهتكم فاستعينوا بها لتجمع معكم وتعينكم على مطلوبكم وإنما ~~حثهم على الاستعانة بالأصنام بناء على مذهبهم واعتقادهم أنها تضر وتنفع مع ~~اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع فهو كالتبكيت والتوبيخ لهم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة يعني لا يكن أمركم عليكم خفيا مبهما ولكن ليكن أمركم ظاهرا ~~منكشفا من قولهم غم الهلال فهو مغموم إذا خفي والتبس ms1800 على الناس ثم اقضوا ثم ~~امضوا إلي بما في أنفسكم من مكروه وما توعدوني به من قتل وطرد وافرغوا منه ~~تقول العرب قضى فلان إذا مات ومضى وقيل معناه ثم اقضوا ما أنتم قاضون ولا ~~تنظرون أي: ولا تؤخروني ولا تمهلوني بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه وهذا ~~الكلام من نوح عليه السلام على طريق التعجيز لهم أخبر الله عز وجل عن نوح ~~عليه السلام أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله وأنه كان واثقا ~~بنصره غير خائف من كيدهم علما منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر وإن ~~مكرهم لا يصل إليه فإن توليتم يعني فإن أعرضتم عن قولي وقبول نصحي فما ~~سألتكم من أجر يعني من جعل وعوض على تبليغ الرسالة فإذا لم يأخذ على تبليغ ~~الدعوة إلى الله شيئا كان أقوى تأثيرا في النفس إن أجري إلا على الله أي: ~~ما ثوابي وجزائي على تبليغ الرسالة إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ~~يعني أني أمرت بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تارك له سواء قبلتموه أم لم ~~تقبلوه وقيل معناه وأمرت أن أكون من المستسلمين لأمر الله ولكل مكروه يصل ~~إلي منكم لأجل هذه الدعوة فكذبوه يعني فكذبوا نوحا عليه السلام فنجيناه ومن ~~معه في الفلك يعني في السفينة وجعلناهم خلائف يعني وجعلنا الذين نجيناهم ~~معه في الفلك سكان الأرض بعد الهالكين وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر ~~كيف كان عاقبة المنذرين أي فانظر يا محمد أو يا أيها الإنسان كيف كان آخر ~~أمر من أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا ولم يقبلوا ذلك. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 74 الى 80] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما ~~جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق ~~لما جاءكم أسحر هذا ولا ms1801 يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون (80) # ثم بعثنا من بعده يعني من بعد نوح رسلا إلى قومهم لم يسم هنا من كان بعد ~~نوح من الرسل وقد كان بعد نوح هود وصالح وغيرهما من الرسل فجاؤهم بالبينات ~~يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي تدل على صدقهم فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل يعني أن أولئك الأقوام والأمم التي جاءتهم ~~الرسل جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب ولم يزجرهم ما جاءتهم به الرسل ~~ولم يرجعوا عما هم فيه من الكفر والتكذيب كذلك نطبع على قلوب المعتدين يعني ~~مثل إغراقنا قوم نوح بسبب تكذيبهم نوحا كذلك نختم على قلوب من اعتدى وسلك ~~سبيلهم في التكذيب. # قوله عز وجل: ثم بعثنا من بعدهم يعني من بعد الرسل موسى وهارون إلى فرعون ~~وملائه يعني أشراف قومه بآياتنا فاستكبروا يعني عن الإيمان بما جاء به موسى ~~وهارون وكانوا قوما مجرمين يعني مستكسبين للإثم فلما جاءهم الحق من عندنا ~~يعني فلما جاء فرعون وقومه الحق الذي جاء به موسى من عند # PageV02P455 # الله قالوا إن هذا لسحر مبين يعني أن هذا الذي جاء به موسى سحر مبين ~~يعرفه كل أحد قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا فيه حذف تقديره ~~أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة ~~الكلام عليه ثم قال أسحر هذا وهو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنه ليس ~~بسحر ثم احتج على صحة قوله فقال ولا يفلح الساحرون يعني حاصل السحر تمويه ~~وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبدا قالوا يعني قال قوم فرعون لموسى أجئتنا ~~لتلفتنا يعني لتصرفنا وتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا يعني من الدين وتكون ~~لكما الكبرياء يعني الملك والسلطان في الأرض يعني في أرض مصر والخطاب لموسى ~~وهارون. # قال الزجاج: سمي الملك كبرياء ms1802 لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا وما نحن ~~لكما بمؤمنين يعني بمصدقين وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم يعني أن فرعون ~~أراد أن يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر ~~فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون إنما أمرهم موسى بإلقاء ~~ما معهم من الحبال والعصي التي فيها سحرهم ليظهر الحق ويبطل الباطل ويتبين ~~أن ما أتوا به فاسد. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 81 الى 83] # فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) فما آمن ~~لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال ~~في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) # فلما ألقوا يعني ما معهم من الحبال والعصي قال موسى ما جئتم به السحر ~~يعني الذي جئتم به هو السحر الباطل وهذا على سبيل التوبيخ لهم إن الله ~~سيبطله يعني يكمله ويظهر فضيحة صاحبه إن الله لا يصلح عمل المفسدين يعني لا ~~يقويه ولا يكمله ولا يحسنه ويحق الله الحق يعني ويظهر الله الحق ويقويه ~~ويعليه بكلماته يعني وعده الصادق لموسى أنه يظهره وقيل بما سبق من قضائه ~~وقدره لموسى أنه يغلب السحرة ولو كره المجرمون. # قوله سبحانه وتعالى: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه لما ذكر الله عز وجل ~~ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة الباهرة أخبر الله سبحانه ~~وتعالى أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه وإنما ~~ذكر الله عز وجل هذا تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان كثير ~~الاهتمام بإيمان قومه وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به واستمرارهم على ~~الكفر والتكذيب فبين الله سبحانه وتعالى أن له أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام لأن الذي جاء به موسى عليه السلام من المعجزات كان أمرا عظيما ومع ~~ذلك فما آمن معه إلا ذرية. # والذرية: اسم ms1803 يقع على القليل من القوم، قال ابن عباس: الذرية القليل وقيل ~~المراد به التصغير وقلة العدد واختلفوا في هاء الكناية في قومه فقيل إنها ~~راجعة إلى موسى وأراد بهم قوم موسى وهم بنو إسرائيل الذين كانوا معه بمصر ~~من أولاده. قال مجاهد: هم أولاد يعقوب الذين أرسل إليهم موسى هلك الآباء ~~وبقي الأبناء وقيل هم قوم نجوا من قتل فرعون لما أمر بقتل أبناء بني ~~إسرائيل كانت المرأة في بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا عليه ~~من القتل فنشؤوا بين القبط فلما كان اليوم الذي غلب موسى فيه السحرة آمنوا ~~به، وقال ابن عباس: # ذرية من قومه يعني من بني إسرائيل. وقيل: إنها راجعة إلى فرعون يعني إلا ~~ذرية من قوم فرعون. # روى عطية عن ابن عباس قال: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا منهم امرأة ~~فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطة ابنته. # PageV02P456 # قال الفراء: سموا ذرية لأن آباءهم كانوا من القبط من آل فرعون وأمهاتهم ~~من بني إسرائيل فكان الرجل يتبع أمه وأخواله في الإيمان وذلك كما يقال ~~لأولاد فارس الذين دخلوا إلى اليمن الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس الآباء ~~على خوف من فرعون وملائهم الملأ: الأشراف فعلى هذا يكون معنى الآية على خوف ~~من فرعون ومن أشرافهم، وهم ملأ الذرية لأنه كان آباؤهم من القبط وأمهاتهم ~~من بني إسرائيل وقيل أراد بالملإ ملأ فرعون وإنما قال سبحانه وتعالى وملئهم ~~بالجمع وفرعون واحد على سبيل التفخيم له أن يفتنهم أي يصرفهم ويصدهم عن ~~الإيمان وإنما قال أن يفتنهم ولم يقل أن يفتنوهم لأن قوم فرعون كانوا على ~~مراده وتابعين لأمره وإن فرعون لعال في الأرض يعني أنه لغالب قهار متكبر ~~فيها وإنه لمن المسرفين يعني من المجاوزين الحد لأنه كان عبدا فادعى ~~الربوبية وكان كثير القتل والتعذيب لبني إسرائيل. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 84 الى 88] # وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) ~~فقالوا على الله توكلنا ربنا ms1804 لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما ~~بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) وقال ~~موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم (88) # وقال موسى يعني لقومه يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا يعني. فيه ~~فثقوا ولأمره فسلموا فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه إن كنتم مسلمين يعني ~~إن كنتم مستسلمين لأمره قيل إنما أعيد قوله إن كنتم مسلمين بعد قوله إن ~~كنتم آمنتم بالله لإرادة إن كنتم موصوفين بالإيمان القلبي وبالإسلام ~~الظاهري ودلت الآية على أن التوكل على الله والتفويض لأمره من كمال الإيمان ~~وأن من كان يؤمن بالله فلا يتوكل إلا على الله لا على غيره فقالوا يعني قال ~~قوم موسى مجيبين له على الله توكلنا يعني عليه اعتمدنا لا على غيره ثم دعوا ~~ربهم فقالوا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين يعني لا تظهرهم علينا ولا ~~تهلكنا بذنوبهم فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغيانا وكفرا وقال ~~مجاهد: لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق لما عذبوا ~~ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا بذلك وقيل معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا ~~ونجنا برحمتك من القوم الكافرين يعني وخلصنا برحمتك من أيدي قوم فرعون ~~الكافرين لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة قوله عز ~~وجل: وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا يعني اتخذا ~~لقومكما بمصر بيوتا للصلاة فيها يقال تبوأ فلان لنفسه بيتا إذا اتخذه مباءة ~~أي وطنا والمعنى اجعلا بمصر لقومكما بيوتا ترجعون إليها للصلاة والعبادة ~~واجعلوا بيوتكم قبلة اختلف أهل التفسير في معنى هذه البيوت والقبلة فمنهم ~~من قال أراد بالبيوت المساجد التي يصلى فيها وفسروا القبلة بالجانب الذي ~~يستقبل في الصلاة فعلى هذا يكون معنى الكلام واجعلوا بيوتكم مساجد ~~تستقبلونها لأجل الصلاة وقيل معناه ms1805 اجعلوا بيوتكم إلى القبلة. # واختلفوا في هذه القبلة، وظاهر القرآن لا يدل على تعيينها إلا أنه قد نقل ~~عن ابن عباس أنه قال: كانت الكعبة قبلة لموسى وهارون، وهو قول مجاهد أيضا ~~قال ابن عباس: قالت بنو إسرائيل لموسى لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع ~~الفراعنة فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم وأن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة ~~وقيل كانت القبلة إلى جهة المقدس. وقيل: أراد مطلق البيوت وعلى هذا يكون ~~معنى قوله واجعلوا بيوتكم قبلة أي مقابلة يعني يقابل بعضها بعضا وقيل معناه ~~واجعلوا في بيوتكم قبلة تصلون إليها. # PageV02P457 # فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى خص موسى وهارون بالخطاب في أول الآية بقوله ~~سبحانه وتعالى: وأخيه أن تبوآ لقومكما ثم إنه عم بهذا الخطاب فقال تعالى: ~~واجعلوا بيوتكم قبلة فما السبب فيه. # قلت: إنه سبحانه وتعالى أمر موسى وهارون بأن يتبوءا لقومهما بيوتا ~~للعبادة وذلك مما يخص به الأنبياء فخصا بالخطاب لذلك. # ثم لما كانت العبادة عامة تجب على الكافة عم بالخطاب الجميع فقال تعالى: ~~واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة يعني في بيوتكم وذلك حين خاف موسى ومن ~~آمن معه من بني إسرائيل من فرعون وقومه إذا صلوا في الكنائس والبيع الجامعة ~~أن يؤذهم فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يصلوا في بيوتهم خفية من فرعون ~~وقومه، وقيل: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في الكنائس الجامعة وكانت ~~ظاهرة فلما أرسل موسى أمر فرعون بتخريب تلك الكنائس ومنعهم من الصلاة فيها ~~فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون. # وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون وأظهرهما على فرعون ~~أمرهم باتخاذ المساجد ظاهرة على رغم الأعداء وتكفل لهم بصونهم من شرهم وهو ~~قوله سبحانه وتعالى: وبشر المؤمنين يعني بأنه لا يصل إليهم مكروه. # قوله سبحانه وتعالى: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا لما أتى موسى عليه السلام بالمعجزات الباهرات ورأى أن ~~القوم مصرون على الكفر والعناد والإنكار لما جاء به ms1806 أخذ في الدعاء عليهم ~~ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب إقدامه على الجرائم التي كانت ~~سبب إصراره على ما يوجب الدعاء عليه. # ولما كان سبب كفرهم وعنادهم هو حب الدنيا وزينتها لا جرم أن موسى لما أخذ ~~في الدعاء قدم هذه المقالة فقال ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا والزينة عبارة عما يتزين به اللباس والدواب والغلمان وأثاث ~~البيت الفاخر والأشياء الجميلة والمال ما زاد على هذه الأشياء من الصامت ~~ونحوه ثم قال تبارك وتعالى: ربنا ليضلوا عن سبيلك اختلفوا في هذه اللام ~~فقال الفراء: هي لام كي فعلى هذا يكون المعنى ربنا إنك جعلت هذه الأموال ~~سببا لضلالهم لأنهم بطروا وطغوا في الأرض واستكبروا عن الإيمان. # وقال الأخفش: إنما هي لما يؤول إليه الأمر والمعنى إنك أتيت فرعون وملأه ~~زينة في الحياة الدنيا فضلوا فعلى هذا هي لام العاقبة يعني فكان عاقبتهم ~~الضلال، وقال ابن الأنباري: هي لام الدعاء وهي لام مكسورة تحزم المستقبل ~~ويفتتح بها الكلام فيكون المعنى ربنا إنك ابتليتهم بالضلال عن سبيلك ربنا ~~اطمس على أموالهم الطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو. ومعنى اطمس على أموالهم ~~أزل صورها وهيئاتها. وقال مجاهد: أهلكها وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيرها ~~عن هيئتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم صارت ~~حجارة، وقال محمد بن كعب القرظي: صارت صورهم حجارة وكان الرجل مع أهله في ~~فراشه فصارا حجرين والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرا وهذا فيه ضعف لأن موسى ~~عليه السلام دعا على أموالهم ولم يدع على أنفسهم بالمسخ. وقال ابن عباس: ~~بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا ~~وأثلاثا. # وقيل إن عمر بن عبد العزيز دعا بخريطة فيها شيء من بقايا آل فرعون فأخرج ~~منها البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة. قال السدي: مسخ الله أموالهم ~~حجارة النخل والثمار والدقيق والأطعمة وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التي ~~أوتيها موسى عليه السلام واشدد على قلوبهم يعني اربط على قلوبهم ms1807 واطبع ~~عليها # PageV02P458 # وقسها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق ~~منها حتى لا يدخلها الإيمان قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله سبحانه ~~وتعالى يفعل ذلك لمن يشاء ولولا ذلك لما جسر موسى عليه السلام على هذا ~~السؤال فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم يعني الغرق قاله ابن عباس وقال ~~ابن عباس في رواية أخرى عنه: قال موسى قبل أن يأتي فرعون ربنا اشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فاستجاب الله له دعاءه فحال بين ~~فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق فلم ينفعه الإيمان. # قال بعض العلماء: إنما دعا عليهم موسى بهذا الدعاء لما علم أن سابق قضاء ~~الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون وذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب عليهم في ~~الأزل أنهم لا يؤمنون فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 89 الى 90] # قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) ~~وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه ~~الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ~~(90) # قال الله عز وجل لموسى وهارون قد أجيبت دعوتكما إنما نسب الدعاء إليهما ~~وأن الداعي هو موسى وحده لأن هارون عليه السلام كان يؤمن والتأمين دعاء ~~لأنه طلب وسؤال أيضا ومعناه اللهم استجب فصار بذلك شريك موسى في الدعاء ~~فلذلك قال تعالى قد أجيب دعوتكما فاستقيما يعني على تبليغ الرسالة وامضيا ~~لأمري إلى أن يأتيهم العذاب ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون يعني ولا ~~تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فإن وعدي لا خلف فيه ووعيدي نازل ~~بفرعون وقومه فلا تستعجلا. # قيل: كان بين دعاء موسى عليه السلام وبين الإجابة أربعون سنة. # قال الإمام فخر الدين الرازي: واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد ~~صدر من موسى وهارون كما أن قوله لئن أشركت ليحبطن عملك لا يدل على صدور ~~الشرك منه. # قوله عز ms1808 وجل: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر أي: وقطعنا ببني إسرائيل البحر ~~وعبرناهم إياه حتى جاوزوه وعبروه فأتبعهم فرعون وجنوده يعني لحقهم وأدركهم ~~بغيا وعدوا أي ظلما وعدوانا وقيل البغي طلب الاستعلاء بغير حق والعدو الظلم ~~وقيل بغيا في القول وعدوا في الفعل. # قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف وهم اثنان وسبعون وخرجوا مع ~~موسى من مصر وهم ستمائة ألف وذلك أنه لما أجاب الله دعاء موسى وهارون ~~أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر في الوقت الذي أمرهما أن يخرجا فيه بهم ~~ويسر لهم أسباب الخروج وكان فرعون غافلا فلما سمع بخروجهم ومفارقتهم مملكته ~~خرج بجنوده في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى أين المخلص والمخرج البحر ~~أمامنا وفرعون وراءنا وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم فأوحى الله ~~سبحانه وتعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم وكشف الله عن وجه الأرض وأيبس لهم البحر فلحقهم فرعون وكان ~~على حصان أدهم وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه سوى سائر ~~الألوان وكان مقدمهم جبريل وكان على فرس أنثى وديق وميكائيل بسوقهم حتى لا ~~يشد منهم أحد فلما خرج آخر بني إسرائيل من البحر دنا جبريل بفرسه فلما وجد ~~الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئا فنزل البحر وتبعه جنوده حتى ~~إذا اكتملوا جميعا في البحر وهم أولهم بالخروج التطم البحر عليهم فلما أدرك ~~فرعون الغرق أتى بكلمة الإخلاص # PageV02P459 # ظنا منه أنها تنجيه من الهلاك وهو قوله تعالى: حتى إذا أدركه الغرق قال ~~يعني فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به وقد كان في ~~مهل. # قال العلماء: إيمانه غير مقبول وذلك أن الإيمان والتوبة عند معاينة ~~الملائكة والعذاب غير مقبولين ويدل عليه قوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا. # وقيل: إنه قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل ms1809 به من البلية ~~الحاضرة، ولم يكن قصده بها الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف له ~~بالربوبية لا جرم لم ينفعه ما قال في ذلك الوقت. # وقيل: إن فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه ~~وتعالى، فلهذا قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فلم ينفعه ~~ذلك لحصول الشك في إيمانه ولما رجع فرعون إلى الإيمان والتوبة حين أغلق ~~بابهما بحضور الموت ومعاينة الملائكة قيل له. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 91 الى 93] # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) ولقد بوأنا بني ~~إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك ~~يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين يعني آلآن تتوب وقد أضعت التوبة في ~~وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، والمخاطب لفرعون بهذا هو ~~جبريل عليه السلام وقيل الملائكة. وقيل: إن القائل لذلك هو الله تعالى عرف ~~فرعون قبح صنعه وما كان عليه من الفساد في الأرض ويدل على هذا القول قوله ~~سبحانه وتعالى فاليوم ننجيك ببدنك، والقول الأول أشهر ويعضده ما روي عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لما أغرق الله فرعون قال آمنت ~~أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا ~~آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة» أخرجه الترمذي، وقال ~~حديث حسن. وفي رواية أخرى عنه عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس: ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن ~~جبريل عليه السلام جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله ~~فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. # ((فصل: في الكلام على هذا الحديث)) لأنه في ms1810 الظاهر مشكل فيحتاج إلى بيان ~~وإيضاح فنقول قد ورد هذا الحديث على طريقين مختلفين عن ابن عباس، ففي ~~الطريق الأول عن ابن زيد بن جدعان وهو وإن كان قد ضعفه يحيى بن معين وغيره ~~فإنه كان شيخا نبيلا صدوقا ولكنه كان سيئ الحفظ ويغلط وقد احتمل الناس ~~حديثه وإنما يخشى من حديثه إذا لم يتابع عليه أو خالفه فيه الثقات وكلاهما ~~منتف في هذا الحديث لأن في الطريق الآخر شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن ~~جبير وهذا الإسناد على شرط البخاري، ورواه أيضا شعبة عن عطاء بن السائب عن ~~سعيد بن جبير وعطاء بن السائب ثقة قد أخرج له مسلم فهو على شرط مسلم وإن ~~كان عطاء قد تكلم فيه من قبل اختلاطه فإنما يخاف منه ما انفرد به أو خولف ~~فيه وكلاهما منتف فقد علم بهذا أن لهذا الحديث أصلا وأن رواته ثقات ليس ~~فيهم متهم وإن كان فيهم من هو سيئ الحفظ فقد تابعه عليه غيره. # PageV02P460 # فإن قلت ففي الحديث الثاني شك في رفعه إنما هو جزم بأن أحد الرجلين رفعه ~~وشك شعبة في تعيينه هل هو عطاء بن السائب أو عدي بن ثابت وكلاهما ثقة فإذا ~~رفعه أحدهما وشك في تعيينه لم يكن هذا علة في الحديث وقوله من حال البحر أي ~~من طين البحر كما في الرواية الأخرى. # ((فصل)) ووجه إشكاله ما اعترض به الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره ~~فقال: هل يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين لئلا يتوب غضبا عليه والجواب ~~الأقرب أنه لا يصح لأن في تلك الحالة، إما أن يقال: التكليف هل كان ثابتا ~~أم لا فإن كان ثابتا لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن ~~يعينه على التوبة وعلى كل طاعة وإن كان التكليف زائلا عن فرعون في ذلك ~~الوقت فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة وأيضا لو منعه من ~~التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر وأيضا ms1811 فكيف يليق ~~بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان. # ولو قيل: إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا يبطله قول ~~جبريل وما نتنزل إلا بأمر ربك فهذا وجه الإشكال الذي أورده الإمام على هذا ~~الحديث في كلام أكثر من هذا، والجواب عن هذا الاعتراض أن الحديث قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلا اعتراض عليه لأحد. # وأما قول الإمام: إن التكليف هل كان ثابتا في تلك الحالة أم لا فإن كان ~~ثابتا لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة فإن هذا القول لا يستقيم على أصل ~~المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله وأن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون إن الله يحول بين ~~الكافر والإيمان ويدل على ذلك قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وقوله تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وقال ~~تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فأخبر الله سبحانه ~~وتعالى أنه قلب أفئدتهم مثل تركهم الإيمان به أول مرة، وهكذا فعل بفرعون ~~منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولا فدس الطين في فم ~~فرعون من جنس الطبع والختم على القلب ومنع الإيمان وصون الكافر عنه وذلك ~~جزاء على كفره السابق وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق ~~الأفعال لله. # ومن المنكرين لخلق الأفعال من اعترف أيضا أن الله سبحانه وتعالى يفعل هذا ~~عقوبة للعبد على كفره السابق فيحسن منه أن يضله ويطبع على قلبه ويمنعه من ~~الإيمان. # فأما قصة جبريل عليه السلام مع فرعون فإنها من هذا الباب فإن غاية ما ~~يقال فيه إن الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه ~~عقوبة له على كفره السابق ورده للإيمان لما جاءه. # وأما فعل جبريل من دس الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء ~~نفسه. # فأما قول الإمام لم يجز لجبريل أن ms1812 يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه ~~عليها وعلى كل طاعة هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب ~~علينا. # وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به والله سبحانه وتعالى هو ~~الذي منع فرعون من الإيمان وجبريل منفذ لأمر الله فكيف لا يجوز له منع من ~~منعه الله من التوبة وكيف يجب عليه إعانة من لم يعنه الله بل قد حكم عليه ~~وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم حين لا ينفعه الإيمان. # وقد يقال: إن جبريل عليه السلام إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما ~~أمر الله به وإما أن يفعل ما يشاء # PageV02P461 # من تلقاء نفسه لا بأمر الله وعلى هذين التقديرين فلا يجب عليه إعانة ~~فرعون على التوبة ولا يحرم عليه منعه منها لأنه إنما يجب عليه فعل ما أمر ~~به ويحرم عليه فعل ما نهي عنه والله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه أمره بإعانة ~~فرعون ولا حرم عليه منعه من التوبة وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا. # وقوله وإن كان التكليف زائلا عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا ~~الذي نسب إلى جبريل فائدة فجوابه أن يقال إن للناس في تعليل أفعال الله ~~قولين أحدهما أن أفعاله لا تعلل وعلى هذا التقدير فلا يريد هذا السؤال أصلا ~~وقد زال الإشكال. # والقول الثاني: إن أفعاله تبارك وتعالى لها غاية بحسب المصالح لأجلها ~~فعلها وكذا أوامره ونواهيه لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى ~~عنها وعلى هذا التقدير قد يقال لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة العذاب وأن ~~إيمانه لا ينفعه دس الطين في فيه لتحقق معاينته للموت فلا تكون تلك الكلمة ~~نافعة له وأنه وإن كان قالها في وقت لا ينفعه فدس الطين في فيه تحقيقا لهذا ~~المنع والفائدة فيه تعجيل ما قد قضي عليه وسد الباب عند سدا محكما بحيث لا ms1813 ~~يبقى للرحمة فيه منفذ ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان فإن موسى عليه ~~السلام لما دعا ربه بأن فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم والإيمان عند ~~رؤية العذاب غير نافع أجاب الله دعاءه. # فلما قال فرعون تلك الكلمة عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في ~~فيه لييأس من الحياة ولا تنفعه تلك الكلمة وتتحقق إجابة الدعوة التي وعد ~~الله موسى بقوله قد أجيبت دعوتكما فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في حكم ~~الله أنه يفعله فيكون سعي جبريل في مرضاة الله سبحانه وتعالى منفذا لما ~~أمره به وقدره وقضاه على فرعون. # وأما قوله: لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا ~~بالكفر كفر، فجوابه ما تقدم من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وجبريل ~~إنما يتصرف بأمر الله ولا يفعل إلا ما أمره الله به وإذا كان جبريل قد فعل ~~ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به فأي كفر يكون هنا ~~وأيضا فإن الرضا بالكفر إنما يكون كفرا في حقنا لأنا مأمورون بإزالته بحسب ~~الإمكان فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفرا في حقنا لمخالفتنا ~~ما أمرنا به. # وأما من ليس مأمورا كأمرنا ولا مكلفا كتكليفنا بل يفعل ما يأمره به ربه ~~فإنه إذا نفذ ما أمره به لم يكن راضيا بالكفر ولا يكون كفرا في حقه وعلى ~~هذا التقدير فإن جبريل لما دس الطين في في فرعون كان ساخطا لكفره غير راض ~~به والله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها وهو غير راض بالكفر ~~فغاية أمر جبريل مع فرعون أن يكون منفذا لقضاء الله وقدره في فرعون من ~~الكفر وهو ساخط له غير راض به وقوله كيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن ~~يمنعه من الإيمان فجوابه أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما ~~يفعل وأما قوله وإن قيل إن جبريل إنما فعل ذلك من عند نفسه لا ms1814 بأمر الله ~~فجوابه أنه إنما فعل ذلك بأمر الله منفذا لأمر الله والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. # قوله سبحانه وتعالى: فاليوم ننجيك ببدنك أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي ~~المكان المرتفع. # قال أهل التفسير: لما أغرق الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه أخبر موسى ~~قومه بهلاك فرعون وقومه فقالت بنو إسرائيل ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك ~~لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله فأمر الله عز وجل البحر ~~فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه فمن ~~ذلك الوقت لا يقبل # PageV02P462 # الماء ميتا أبدا، ومعنى قوله ببدنك يعني نلقيك وأنت جسد لا روح فيه وقيل ~~هذا الخطاب على سبيل التهكم والاستهزاء كأنه قيل له ننجيك ولكن هذه النجاة ~~إنما تحصل لبدنك لا لروحك. # وقيل: أراد بالبدن الدرع وكان لفرعون درع من ذهب مرصع بالجواهر، يعرف به ~~فلما رأوه في درعه ذلك عرفوه لتكون لمن خلفك آية يعني عبرة وموعظة، وذلك ~~أنهم ادعوا أن مثل فرعون لا يموت أبدا فأظهره الله لهم حتى يشاهدوه وهو ميت ~~لتزول الشبهة من قلوبهم ويعتبروا به لأنه كان في غاية العظمة فصار إلى ~~نهاية الخسة والذلة ملقى على الأرض لا يهابه أحد وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون قوله عز وجل: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق يعني أسكناهم ~~مكان صدق وأنزلناهم منزل صدق بعد خروجهم من البحر وإغراق عدوهم فرعون. # والمعنى: أنزلناهم منزلا محمودا صالحا وإنما وصف المكان بالصدق لأن عادة ~~العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق ~~والسبب فيه أن الشيء إذا كان كاملا صالحا، لا بد أن يصدق الظن فيه وفي ~~المراد بالمكان الذي بوءوا قولان أحدهما أنه مصر فيكون المراد: إن الله ~~أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ناطق وصامت وزرع ~~وغيره. # والقول الثاني: إنه أرض الشام والقدس والأردن لأنها بلاد الخصب والخير ~~والبركة ورزقناهم من الطيبات يعني تلك المنافع والخيرات ms1815 التي رزقهم الله ~~تعالى: فما اختلفوا حتى جاءهم العلم يعني فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم ~~هذا الفعل من بني إسرائيل حتى جاءهم ما كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مقرين به مجمعين على نبوته غير مختلفين ~~فيه لما يجدونه مكتوبا عندهم فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~واختلفوا فيه فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وكفر به بعضهم بغيا ~~وحسدا. # فعلى هذا المعنى يكون المراد من العلم المعلوم والمعنى فما اختلفوا حتى ~~جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه حقا فوضع العلم مكان العلوم وقيل المراد ~~من العلم القرآن النازل على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه علما لأنه ~~سبب العلم وتسمية السبب بالمسبب مجاز مشهور وفي كون القرآن سببا لحدوث ~~الاختلاف وجهان: # الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ~~ونعته ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث كذبوه بغيا وحسدا وإيثارا ~~لبقاء الرياسة لهم فآمن به طائفة قليلة وكفر به غالبهم. # والوجه الثاني: أن اليهود كانوا على دين واحد قبل نزول القرآن فلما نزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم آمن به طائفة وكفر به آخرون. # وقوله تعالى: إن ربك يعني يا محمد يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون يعني من أمرك وأمر نبوتك في الدنيا فيدخل من آمن بك الجنة ومن كفر ~~بك وجحد نبوتك النار. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 94 الى 98] # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) # PageV02P463 # قوله سبحانه وتعالى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ms1816 الشك في موضع اللغة ~~خلاف اليقين والشك اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين أو لعدم ~~الأمارة والشك ضرب من الجهل وهو أخص منه فكل شك جهل وليس كل جهل شكا فإذا ~~قيل فلان شك في هذا الأمر فمعناه توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو ~~خلافه وظاهر هذا الخطاب في قوله فإن كنت في شك أنه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى فإن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك يعني من حقيقة ما ~~أخبرناك به وأنزلناه يعني القرآن فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك يعني ~~علماء أهل الكتاب يخبرونك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل وأنك نبي ~~يعرفونك بصفتك عندهم وقد توجه هاهنا سؤال واعتراض وهو أن يقال هل شك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه أو في نبوته حتى يسأل أهل الكتاب عن ذلك ~~وإذا كان شاكا في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه. # قلت: الجواب عن هذا السؤال والاعتراض ما قاله القاضي عياض في كتابه ~~الشفاء فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ~~ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما أوحي إليه فإنه من البشر فمثل هذا لا يجوز عليه صلى الله ~~عليه وسلم جملة بل قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يسأل. ونحوه عن سعيد بن جبير والحسن البصري. وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما أشك ولا أسأل» وعامة المفسرين على ~~هذا، ثم كلام القاضي عياض رحمه الله ثم اختلفوا في معنى الآية ومن المخاطب ~~بهذا الخطاب على قولين أحدهما أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الظاهر والمراد به غيره فهو كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك ومعلوم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يشرك فثبت أن المراد به غيره ومن أمثلة العرب: # إياك أعني واسمعي يا جارة. ms1817 فعلى هذا يكون معنى الآية قل يا محمد، يا أيها ~~الإنسان الشاك إن كنت في شك مما أنزلنا إليك على لسان رسولنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم فاسأل الذين يقرءون الكتاب يخبروك بصحته ويدل على صحة هذا ~~التأويل قوله تعالى في آخر هذه السورة قل يا أيها الناس إن كنتم في شك في ~~ديني الآية فبين أن المذكور في هذه الآية على سبيل الرمز هو المذكور في تلك ~~الآية على سبيل التصريح وأيضا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكا في ~~بنوته لكان غيره أولى بالشك في نبوته وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية معاذ ~~الله من ذلك وقيل إن الله سبحانه وتعالى علم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يشك قط فيكون المراد بهذا التهييج فإنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع هذا ~~الكلام يقول لا أشك يا رب ولا أسأل أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته علي من ~~الدلائل الظاهرة. وقال الزجاج: إن الله خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~قوله فإن كنت في شك وهو شامل للخلق فهو كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء وهذا وجه حسن لكن فيه بعد وهو أن يقال متى كان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم داخلا في هذا الخطاب كان الاعتراض موجودا والسؤال واردا، وقيل: إن ~~لفظة إن في قوله فإن كنت في شك للنفي ومعناه وما أنت في شك موجودا والسؤال ~~واردا وقيل إن لفظه إن في قوله فإن كنت في شك للنفي ومعناه وما أنت في شك ~~مما أنزلنا إليك حتى تسأل فلا تسأل ولئن سألت لازددت يقينا. # والقول الثاني: إن هذا الخطاب ليس هو للنبي صلى الله عليه وسلم البتة ~~ووجه هذا القول إن الناس كانوا في زمنه على ثلاث فرق فرقة له مصدقون وبه ~~مؤمنون وفرقة على الضد من ذلك والفرقة الثالثة المتوقفون في أمره الشاكون ~~فيه فخاطبهم الله عز وجل بهذا الخطاب، فقال: تمجد وتعالى: فإن كنت أيها ~~الإنسان في شك مما أنزلنا إليك ms1818 من الهدى على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ~~فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته وإنما وحد الله الضمير في قوله فإن ~~كنت وهو يريد الجمع لأنه خطاب لجنس الإنسان كما في قوله تعالى: يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم لم يرد في الآية إنسانا بعينه بل أراد الجمع ~~واختلفوا في المسؤول عنه في قوله تعالى: فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك ~~من هم فقال المحققون من أهل التفسير: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه لأنهم هم الموثوق بأخبارهم. # PageV02P464 # وقيل: المراد كل أهل الكتاب سواء مؤمنهم وكافرهم لأن المقصود من هذا ~~السؤال الإخبار بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه مكتوب عندهم صفته ~~ونعته فإذا أخبروا بذلك فقد حصل المقصود والأول أصح. وقال الضحاك يعني أهل ~~التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لقد ~~جاءك الحق من ربك هذا كلام مبتدأ منقطع عما قبله وفيه معنى القسم تقديره ~~أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخير بأنك رسول الله حقا وأن أهل الكتاب ~~يعلمون صحة ذلك فلا تكونن من الممترين يعني من الشاكين في صحة ما أنزلنا ~~إليك ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله يعني بدلائله وبراهينه الواضحة ~~فتكون من الخاسرين يعني الذين خسروا أنفسهم. # واعلم أن هذا كله على ما تقدم من أن ظاهره خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به غيره ممن عنده شك وارتياب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ~~ولم يرتب ولم يكذب بآيات الله فثبت بهذا أن المراد به غيره والله أعلم. # قوله سبحانه وتعالى إن الذين حقت عليهم يعني وجبت عليهم كلمت ربك يعني ~~حكم ربك وهو قوله سبحانه وتعالى: وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وقال قتادة: ~~سخط ربك وقيل لعنة ربك وقيل هو ما قدره عليهم وقضاه في الأزل لا يؤمنون ولو ~~جاءتهم كل آية فإنهم لا يؤمنون بها حتى يروا العذاب الأليم فحينئذ لا ms1819 ~~ينفعهم شيء قوله سبحانه وتعالى: فلولا يعني فهلا كانت قرية وقيل معناه فما ~~كانت قرية وقيل لم تكن قرية لأن في الاستفهام معنى الحجة والمراد هل كانت ~~قرية آمنت يعني عند معاينة العذاب فنفعها إيمانها يعني في حال اليأس إلا ~~قوم يونس هذا استثناء منقطع يعني لكن قوم يونس فإنهم آمنوا فنفعهم إيمانهم ~~في ذلك الوقت وهو قوله لما آمنوا يعني لما أخلصوا الإيمان كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين يعني إلى وقت انقضاء آجالهم ~~واختلفوا في قوم يونس هل رأوا العذاب عيانا أم لا فقال بعضهم رأوا دليل ~~العذاب فآمنوا وقال الأكثرون إنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي والكشف لا يكون إلا بعد الوقوع أو إذا قرب وقوعه. # ((ذكر القصة في ذلك)) على ما ذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ووهب ~~وغيرهم قالوا: إن قوم يونس كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل وكانوا أهل كفر ~~وشرك فأرسل الله سبحانه وتعالى إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان ~~بالله وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه فقيل له أخبرهم أن العذاب ~~مصبحهم إلى ثلاث فأخبرهم بذلك فقالوا إنا لم نجرب عليه كذبا قط فانظروا فإن ~~بات فيكم الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما كان ~~جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق ~~رؤوسهم. قال ابن عباس: إن العذاب كان أهبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم ~~وبينه إلا قدر ثلثي ميل فلما دعوا كشف الله عنهم ذلك. # وقال مقاتل: قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى ~~الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا فهبط ~~حتى غشي مدينتهم واسودت أسطحتهم فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم ~~يونس عليه السلام فلم يجدوه فقذف الله سبحانه وتعالى في قلوبهم فخرجوا إلى ~~الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم فلبسوا المسوح وأظهروا الإسلام ~~والتوبة وفرقوا ms1820 بين كل والدة وولدها من الناس والدواب فحن البعض إلى البعض ~~فحن الأولاد إلى الأمهات والأمهات إلى الأولاد وعلت الأصوات وعجوا جميعا ~~إلى الله وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس وتابوا إلى الله ~~وأخلصوا النية فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب ~~بعد ما أظلهم وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة. # PageV02P465 # قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى أن كان ~~الرجل ليأتي إلى الحجر وقد وضع أساس بنيانه عليه فيقلعه فيرده. # وروى الطبري بسنده عن أبي الجلد خيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا ~~إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى قال ~~قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها ~~فكشف الله عنهم العذاب ومتعوا إلى حين. # وقال الفضيل بن عياض: إنهم قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم ~~وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، قال: وخرج يونس وجعل ~~ينتظر العذاب فلم ير شيئا فقيل له ارجع إلى قومك قال وكيف أرجع إليهم ~~فيجدوني كذابا وكان من كذب ولا بينة له قال فانصرف عنهم مغاضبا فالتقمه ~~الحوت وستأتي القصة في سورة والصافات إن شاء الله تعالى فإن قلت كيف كشف ~~العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم وقبل توبتهم ولم يكشف العذاب عن فرعون ~~حين آمن ولم يقبل توبته. # قلت: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة: # أحدها: أن ذلك كان خاصا بقوم يونس والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد ما باشر العذاب وهو وقت اليأس من ~~الحياة وقوم يونس دنا منهم العذاب ولم ينزل بهم ولم يباشرهم فكانوا كالمريض ~~يخاف الموت ويرجو العافية. # الجواب الثالث: أن الله عز وجل علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم ~~بخلاف فرعون فإنه ما صدق في إيمانهم ms1821 ولا أخلص فلم يقبل منه إيمانه والله ~~أعلم. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 99 الى 101] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون (101) # قوله سبحانه وتعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا يقول الله ~~عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولو شاء ربك يا محمد لآمن بك وصدقك ~~من في الأرض كلهم جميعا ولكن لم يشأ أن يصدقك ويؤمن بك إلا من سبقت له ~~السعادة في الأزل قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص ~~أن يؤمن به جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن ~~به إلا من سبقت له من السعادة في الذكر الأول ولم يضل إلا من سبق له من ~~الله الشقاء في الذكر الأول وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان حريصا على إيمانهم كلهم فأخبره الله أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له ~~العناية الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم وهو قوله سبحانه وتعالى: أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين يعني ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه أو ~~تحرص عليه إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئتنا وقضائنا وقدرنا ليس ~~ذلك لأحد سوانا وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله يعني وما كان ينبغي ~~لنفس خلقها الله تعالى أن تؤمن وتصدق إلا بقضاء الله لها بالإيمان فإن ~~هدايتها إلى الله وهو الهادي المضل. # وقال ابن عباس: معنى بإذن الله، بأمر الله، وقال عطاء: بمشيئة الله قوله ~~تعالى: ويجعل قرئ بالنون على سبيل التعظيم أي ونجعل نحن وقرئ بالياء ومعناه ~~ويجعل الله الرجس يعني العذاب، وقال ابن عباس: # PageV02P466 # يعني السخط على الذين لا يعقلون يعني لا يفهمون عن الله أمره ونهيه. # قوله عز وجل: قل ms1822 انظروا أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك ~~الآيات انظروا يعني انظروا بقلوبكم نظر اعتبار وتفكر وتدبر ماذا في ~~السماوات والأرض يعني: ماذا خلق الله في السموات والأرض من الآيات الدالة ~~على وحدانيته ففي السموات الشمس والقمر وهما دليلان على النهار والليل ~~والنجوم سخرها طالعة وغاربة وإنزال المطر من السماء وفي الأرض الجبال ~~والبحار والمعادن والأنهار والأشجار والنبات كل ذلك آية دالة على وحدانية ~~الله تعالى وأنه خالقها كما قال الشاعر: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وما تغني الآيات والنذر يعني الرسل عن قوم لا يؤمنون وهذا في حق أقوام ~~علم الله أنهم لا يؤمنون لما سبق لهم في الأزل من الشقاء. # ### || [سورة يونس (10): الآيات 102 الى 106] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن ~~أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله ما ~~لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) # فهل ينتظرون يعني مشركي مكة إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم يعني من ~~مضى من قبلهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل قال قتادة يعني وقائع الله في ~~قوم نوح وعاد وثمود. # والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما كقوله تعالى وذكرهم بأيام الله ~~والمعنى فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا يوما يعاينون فيه ~~العذاب مثل ما فعلنا بالأمم السالفة المكذبة أهلكناهم جميعا فإن كانوا ~~ينتظرون ذلك العذاب ف قل فانتظروا يعني: قل لهم يا محمد فانتظروا العذاب ~~إني معكم من المنتظرين يعني: هلاككم، قال الربيع بن أنس: خوفهم عذابه ~~ونقمته ثم أخبرهم أنه إذا وقع ذلك بهم أنجى الله رسله والذين آمنوا معهم من ~~ذلك العذاب وهو ms1823 قوله تعالى: ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا يعني من العذاب ~~والهلاك كذلك حقا علينا ننج المؤمنين يعني كما أنجينا رسلنا، والذين آمنوا ~~معهم من الهلاك كذلك ننجيك يا محمد والذين آمنوا معك وصدقوك من الهلاك ~~والعذاب. # قال بعض المتكلمين: المراد بقوله حقا علينا الوجوب لأن تخليص الرسول ~~والمؤمنين من العذاب واجب وأجيب عن هذا بأنه حق واجب من حيث الوعد والحكم ~~لا أنه واجب بسبب الاستحقاق لأنه قد ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا. # قوله سبحانه وتعالى: قل يا أيها الناس الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم فشكوا في أمرك ولم يؤمنوا بك إن ~~كنتم في شك من ديني يعني الذي أدعوكم إليه وإنما حصل الشك لبعضهم في أمره ~~صلى الله عليه وسلم لما رأى الآيات التي كانت تظهر على يد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحصل له الاضطراب والشك فقال إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم ~~إليه فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه لأنه دين إبراهيم عليه السلام وأنتم من ~~ذريته وتعرفونه ولا تشكون فيه وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في عبادتكم لهذه ~~الأصنام التي لا أصل لها البتة فإن أصررتم # PageV02P467 # على ما أنتم عليه فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله يعني هذه الأوثان ~~وإنما وجب تقديم هذا النفي لأن العبادة هي غاية التعظيم للمعبود فلا تليق ~~لأخس الأشياء وهي الحجارة التي لا تنفع لمن عبدها ولا تضر لمن تركها ولكن ~~تليق العبادة لمن بيده النفع والضر وهو قادر على الإماتة والإحياء وهو قوله ~~سبحانه وتعالى: ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم والحكمة في وصف الله سبحانه ~~وتعالى في هذا المقام بهذه الصفة أن المراد أن الذي يستحق العبادة أعبده ~~أنا وأنتم هو الذي خلقكم أولا ولم تكونوا شيئا ثم يميتكم ثانيا ثم يحييكم ~~بعد الموت ثالثا، فاكتفى بذكر الوفاة تنبيها على الباقي، وقيل: لما كان ~~الموت أشد الأشياء على النفس ذكر في هذ المقام ليكون أقوى ms1824 في الزجر والردع ~~وقيل إنهم لما استعجلوا بطلب العذاب أجابهم بقوله ولكن أعبد الله الذي هو ~~قادر على إهلاككم ونصري عليكم وأمرت أن أكون من المؤمنين يعني وأمرني ربي ~~أن أكون من المصدقين بما جاء من عنده قيل لما ذكر العبادة وهي من أعمال ~~الجوارح أتبعها بذكر الإيمان لأنه من أعمال القلوب وأن أقم وجهك للدين ~~حنيفا الواو في قوله وأن أقم واو عطف معناه وأمرت أن أقيم وجهي يعني أقم ~~نفسك على دين الإسلام حنيفا يعني مستقيما عليه غير معوج عنه إلى دين آخر، ~~وقيل معناه أقم عملك على الدين الحنيفي وقيل أراد بقوله وأن أقم وجهك للدين ~~صرف نفسه بكليته إلى طلب الدين الحنيفي غير مائل عنه ولا تكونن من المشركين ~~يعني ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه غيره فيهلك وقيل إن النهي عن عبادة ~~الأوثان قد تقدم في الآية المتقدمة فوجب حمل هذا النهي على معنى زائد وهو ~~أن من عرف الله عز وجل وعرف جميع أسمائه وصفاته وأنه المستحق للعبادة لا ~~غيره فلا ينبغي له أن يلتفت إلى غيره بالكلية وهذا هو الذي تسميه أصحاب ~~القلوب بالشكر الخفي ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك يعني إن عبدته ودعوته ~~ولا يضرك يعني إن تركت عبادته فإن فعلت يعني ما نهيتك عنه فعبدت غيري أو ~~طلبت النفع ودفع الضر من غيري فإنك إذا من الظالمين يعني لنفسك لأنك وضعت ~~العبادة في غير موضعها وهذا الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فالمراد به غيره لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع من دون الله شيئا ~~البتة فيكون المعنى ولا تدع أيها الإنسان من دون الله ما لا ينفعك، الآية. ### || [سورة يونس (10): الآيات 107 الى 109] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ms1825 ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109) # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر يعني وإن يصبك الله بشدة وبلاء فلا كاشف ~~له يعني لذلك الضر الذي أنزل بك إلا هو لا غيره وإن يردك بخير يعني بسعة ~~ورخاء فلا راد لفضله يعني فلا دافع لرزقه يصيب به يعني: بكل واحد من الضر ~~والخير من يشاء من عباده قيل إن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الأوثان وبين ~~أنها لا تقدر على نفع ولا ضر بين تعالى أنه هو القادر على ذلك كله، وأن ~~جميع الكائنات محتاجة إليه وجميع الممكنات مستندة إليه لأنه هو القادر على ~~كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة ولهذا المعنى ختم الآية بقوله وهو ~~الغفور الرحيم وفي الآية لطيفة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى رجح جانب ~~الخير على جانب الشر وذلك أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له ~~إلا هو وذلك يدل على أنه سبحانه وتعالى يزيل جميع المضار ويكشفها لأن ~~الاستثناء من النفي إثبات. # ولما ذكر الخير قال فيه فلا راد لفضله يعني أن جميع الخيرات منه فلا يقدر ~~أحد على ردها لأنه هو الذي # PageV02P468 # يفيض جميع الخيرات على عباده وعضده بقوله وهو الغفور يعني الساتر لذنوب ~~عباده الرحيم يعني بهم. # قوله سبحانه وتعالى: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم يعني القرآن ~~والإسلام وقيل الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله عز وجل ~~فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه لأن نفع ذلك يرجع إليه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~أي على نفسه لأن وباله راجع إليه فمن حكم الله له بالاهتداء في الأزل انتفع ~~ومن حكم عليه بالضلال ضل ولم ينتفع بشيء أبدا وما أنا عليكم بوكيل يعني وما ~~أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وقال ابن عباس: هذه الآية منسوخة بآية ~~السيف واتبع ما يوحى إليك يعني الأمر الذي يوحيه الله ms1826 إليك يا محمد واصبر ~~يعني على أذى من خالفك من كفار مكة وهم قومك حتى يحكم الله يعني ينصرك ~~عليهم بإظهار دينك وهو خير الحاكمين يعني أنه سبحانه وتعالى حكم بنصر نبيه ~~وإظهار دينه وبقتل المشركين وأخذ الجزية من أهل الكتاب، وفيها ذلهم وصغارهم ~~والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV02P469 ### | سورة هود # وهي مكية في قول ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وابن زيد وقتادة ~~وفي رواية عن ابن عباس أنها مكية غير آية وهي قوله سبحانه وتعالى: وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وعن قتادة نحوه وقال مقاتل: هي مكية إلا قوله سبحانه ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وقوله أولئك يؤمنون به وقوله سبحانه وتعالى إن ~~الحسنات يذهبن السيئات وهي مائة وثلاث وعشرون آية وألف وستمائة كلمة وتسعة ~~آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول ~~الله قد شبت قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس ~~كورت» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. وفي رواية غيره قال قلت «يا رسول ~~الله عجل إليك الشيب قال شيبتني هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون ~~وهل أتاك حديث الغاشية»، قال بعض العلماء: سبب شيبه صلى الله عليه وسلم من ~~هذه السور المذكورة في الحديث لما فيها من ذكر القيامة والبعث والحساب ~~والجنة والنار والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة هود (11): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) # قوله عز وجل: الر كتاب أحكمت آياته قال ابن عباس: لم ينسخها كتاب كما ~~نسخت هي الكتب والشرائع ثم فصلت يعني بينت وقال الحسن: أحكمت آياته بالأمر ~~والنهي وفصلت بالثواب والعقاب وفي رواية عنه بالعكس، قال: أحكمت بالثواب ~~والعقاب وفصلت بالأمر والنهي، وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل ثم فصلها ~~بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته فيها وقيل: أحكمها الله فليس فيها ~~تناقض ثم فصلها وبينها وقيل معناه نظمت آياته نظما ms1827 رصينا محكما بحيث لا يقع ~~فيه نقض ولا خلل كالبناء المحكم الذي ليس فيه خلل ثم فصلت آياته سورة سورة ~~وقيل إن آيات هذا الكتاب دالة على التوحيد وصحة النبوة والمعاد وأحوال ~~القيامة وكل ذلك لا يدخله النسخ ثم فصلت بدلائل الأحكام والمواعظ والقصص ~~والإخبار عن المغيبات، وقال مجاهد: # فصلت بمعنى فسرت وثم في قوله ثم فصلت ليست هي للتراخي في الوقت ولكن في ~~الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل فإن قلت كيف ~~عم الآيات هنا بالأحكام وخص بعضها في قوله منه آيات محكمات. # قلت: إن الإحكام الذي عم به هنا غير الذي خص به هناك فمعنى الإحكام العام ~~هنا أنه لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد كأحكام البناء فإن هذا الكتاب ~~نسخ جميع الكتب المتقدمة عليه والمراد بالأحكام الخاص المذكور في قوله منه ~~آيات محكمات أن بعض آياته منسوخة نسخها بآيات منه أيضا لم ينسخها غيره وقيل ~~أحكمت آياته أي معظم آياته محكمة وإن كان قد دخل النسخ على البعض فأجرى ~~الكل على البعض لأن الحكم للغالب وإجراء الكل على البعض مستعمل في كلامهم ~~تقول أكلت طعام زيد وإنما أكلت بعضه. # PageV02P470 # وقوله تعالى: من لدن حكيم يعني أحكمت آيات الكتاب من عند حكيم في جميع ~~أفعاله خبير يعني بأحوال عباده وما يصلحهم. # ### || [سورة هود (11): الآيات 2 الى 5] # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ~~(4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # ألا تعبدوا إلا الله هذا مفعول له معناه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا ~~تعبدوا إلا الله والمراد بالعبادة التوحيد وخلع الأنداد والأصنام وما كانوا ~~يعبدون والرجوع إلى الله تعالى وإلى عبادته والدخول في دين ms1828 الإسلام إنني ~~لكم منه أي: قل لهم يا محمد إنني لكم من عند الله نذير ينذركم عقابه إن ~~ثبتم على كفركم ولم ترجعوا عنه وبشير يعني وأبشر بالثواب الجزيل لمن آمن ~~بالله ورسوله وأطاع وأخلص العمل لله وحده وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~اختلفوا في بيان الفرق بين هذين المرتبتين فقيل معناه اطلبوا من ربكم ~~المغفرة لذنوبكم ثم ارجعوا إليه لأن الاستغفار هو طلب الغفر وهو الستر ~~والتوبة الرجوع عما كان فيه من شرك أو معصية إلى خلاف ذلك فلهذا السبب قدم ~~الاستغفار على التوبة وقيل معناه استغفروا ربكم لسالف ذنوبكم ثم توبوا إليه ~~في المستقبل وقال الفراء: ثم هنا بمعنى الواو لأن الاستغفار والتوبة بمعنى ~~واحد فذكرهما للتأكيد يمتعكم متاعا حسنا يعني إنكم إذا فعلتم ما أمرتم به ~~من الاستغفار والتوبة وأخلصتم العبادة لله عز وجل بسط عليكم من الدنيا ~~وأسباب الرزق ما تعيشون به في أمن وسعة وخير، قال بعضهم: المتاع الحسن هو ~~الرضا بالميسور والصبر على المقدور إلى أجل مسمى يعني يمتعكم متاعا حسنا ~~إلى حين الموت ووقت انقضاء آجالكم. # فإن قلت قد ورد في الحديث «إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وقد يضيق ~~على الرجل في بعض أوقاته حتى لا يجد ما ينفقه على نفسه وعياله فكيف الجمع ~~بين هذا وبين قوله سبحانه وتعالى يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى. # قلت أما قوله صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن» فهو بالنسبة إلى ما ~~أعد الله له في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم فإنه في سجن في ~~الدنيا حتى يفضي إلى ذلك المعد له وأما كون الدنيا جنة الكافر فهو بالنسبة ~~إلى ما أعد الله له في الآخرة من العذاب الأليم الدائم الذي لا ينقطع فهو ~~في الدنيا في جنة حتى يفضي إلى ما أعد الله له في الآخرة وأما ما يضيق على ~~الرجل المؤمن في بعض الأوقات فإنما ذلك لرفع الدرجات وتكفير السيئات وبيان ~~الصبر عند المصيبات فعلى هذا يكون المؤمن في جميع ms1829 أحواله في عيشة حسنة لأنه ~~راض عن الله في جميع أحواله. # وقوله سبحانه وتعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله أي ويعط كل ذي عمل صالح في ~~الدنيا أجره وثوابه في الآخرة، قال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا ~~زادت حسناته ودرجاته في الجنة لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال، وقال ابن ~~عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ومن زادت سيئاته دخل النار ومن ~~استوت حسناته وسيئاته كان من الأعراف ثم يدخلون الجنة. وقال ابن مسعود: من ~~عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات فإن عوقب بالسيئة ~~التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من ~~حسناته العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم يقول ابن مسعود: هلك من غلبت # PageV02P471 # آحاده أعشاره وقيل معنى الآية من عمل لله وفقه الله في المستقبل لطاعته ~~وإن تولوا يعني وإن أعرضوا عما جئتم به من الهدى فإني أخاف عليكم أي: فقل ~~لهم يا محمد إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير يعني: # عذاب النار في الآخرة إلى الله مرجعكم يعني في الآخرة فيثيب المحسن على ~~إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته وهو على كل شيء قدير يعني من إيصال الرزق ~~إليكم في الدنيا وثوابكم وعقابكم في الآخرة قوله سبحانه وتعالى: ألا إنهم ~~يثنون صدورهم قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام ~~حلو المنظر وكان يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي بقلبه ~~على ما يكره فنزلت ألا إنهم يثنون صدورهم يعني يخفون ما في صدورهم من ~~الشحناء والعداوة من ثنيت الثوب إذا طويته. وقال عبد الله بن شداد بن ~~الهاد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لا يراه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ~~ذكره وقيل ms1830 كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى ~~بثوبه ويقول هل يعلم الله ما في قلبي، وقال السدي: يثنون صدورهم أي يعرضون ~~بقلوبهم من قولهم ثنيت عناني ليستخفوا منه يعني من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال مجاهد من الله عز وجل إن استطاعوا ألا حين يستغشون ثيابهم يعني ~~يغطون رؤوسهم بثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ومعنى ~~الآية على ما قاله الأزهري: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يخفى علينا حالهم في كل حال وقد نقل عن ابن عباس غير هذا التفسير ~~وهو ما أخرجه البخاري في إفراده عن محمد بن عياش بن جعفر المخزومي أنه سمع ~~ابن عباس يقرأ: ألا إنهم يثنون صدورهم، قال: فسألته عنها فقال كل أناس ~~يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ~~فنزل ذلك فيهم. # ### || [سورة هود (11): الآيات 6 الى 7] # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) # وقوله سبحانه وتعالى: وما من دابة في الأرض الدابة اسم لكل حيوان دب على ~~وجه الأرض وأطلق لفظ الدابة على كل ذي أربع من الحيوان على سبيل العرف ~~والمراد منه الإطلاق فيدخل الآدمي وغيره من جميع الحيوانات إلا على الله ~~رزقها يعني هو المتكفل برزقها فضلا منه لا على سبيل الوجوب فهو إلى مشيئته ~~إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق وقيل إن لفظة على بمعنى أي من الله رزقها وقال ~~مجاهد ما جاءها من رزق فمن الله وربما لم يرزقها فتموت جوعا ويعلم مستقرها ~~ومستودعها قال ابن عباس: مستقرها المكان الذي تأوي في ليل أو نهار ~~ومستودعها المكان الذي تدفن فيه بعد الموت، وقال ابن مسعود: مستقرها ms1831 أرحام ~~الأمهات والمستودع المكان الذي تموت فيه وقيل المستقر الجنة أو النار ~~والمستودع القبر كل في كتاب مبين أي كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل ~~خلقها قوله عز وجل: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء يعني قبل خلق السموات والأرض قال كعب خلق الله ياقوتة خضراء ثم ~~نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم ~~وضع العرش على الماء. قال ضمرة: إن الله سبحانه وتعالى كان عرشه على الماء ~~ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم فكتب به ما خلق وما هو خالق وما هو كائن ~~من خلقه إلى يوم القيامة ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن ~~يخلق شيئا من خلقه. # وقال سعيد بن جبير سئل ابن عباس عن قوله سبحانه وتعالى: وكان عرشه على ~~الماء على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح، وقال وهب بن منبه: إن ~~العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض ثم قبض الله # PageV02P472 # قبضة من صفاء الماء ثم فتح القبضة فارتفع دخان ثم قضاهن سبع سموات في ~~يومين ثم أخذ سبحانه وتعالى طينة من الماء فوضعها مكان البيت ثم دحا الأرض ~~منها ثم خلق الأقوات في يومين والسموات في يومين والأرض في يومين ثم فرغ ~~آخر الخلق وفي اليوم السابع. قال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء وجعلها ~~على الماء ما يدل على كمال القدرة لأن البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس ~~على أرض صلبة لم يثبت فكيف بهذا الخلق العظيم وهو العرش والسموات والأرض ~~على الماء فهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى (خ) عن عمران بن حصين قال ~~«دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتى ناس من بني ~~تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير ~~وجهه ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم ~~يقبلها بنو ms1832 تميم قالوا قبلنا يا رسول الله ثم قالوا جئنا لنتفقه في الدين ~~ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال كان الله سبحانه وتعالى ولم يكن معه ~~شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ~~ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا ~~السراب يقطع دونها وايم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم» عن أبي رزين العقيلي ~~قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال «كان في عماء ما ~~فوقه هواء وما تحته هواء وخلق عرشه على الماء» أخرجه الترمذي، وقال قال ~~أحمد: يريد بالعماء أنه ليس معه شيء قال أبو بكر البيهقي: في كتاب الأسماء ~~والصفات له قوله صلى الله عليه وسلم «كان الله ولم يكن شيء قبله، يعني لا ~~الماء ولا العرش ولا غيرهما وقوله «وكان عرشه على الماء» يعني وخلق الماء ~~وخلق العرش على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء، وقوله في عماء وجدته في كتاب ~~عماء مقيدا بالمد فإن كان في الأصل ممدودا فمعناه سحاب رقيق ويريد بقوله في ~~عماء أي فوق سحاب مدبرا له وعاليا عليه كما قال سبحانه وتعالى «أأمنتم من ~~في السماء» يعني من فوق السماء وقال تعالى: لأصلبنكم في جذوع النخل يعني ~~على جذوعها وقوله ما فوقه هواء أي ما فوق السحاب هواء وكذلك قوله وما تحته ~~هواء أي ما تحت السحاب هواء وقد قيل إن ذلك العمى مقصور والعمى إذا كان ~~مقصورا فمعناه لا شيء ثابت لأنه مما عمى عن الخلق لكونه غير شيء فكأنه قال ~~في جوابه كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره ثم قال ما فوقه هواء وما ~~تحته هواء أي ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ولا تحته هواء لأن ~~ذلك إن كان غير شيء فليس يثبت له هواء بوجه والله أعلم وقال الهروي صاحب ~~الغريبين: قال بعض أهل العلم معناه أين كان عرش ms1833 ربنا فحذف المضاف اختصارا ~~كقوله واسأل القرية ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: وكان عرشه على الماء ~~هذا آخر كلام البيهقي، وقال ابن الأثير: العماء في اللغة السحاب الرقيق ~~وقيل: الكثيف وقيل: هو الضباب ولا بد في الحديث من حذف مضاف، تقديره أين ~~كان عرش ربنا فحذف ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: وكان عرشه على الماء ~~وحكي عن بعضهم في العمى المقصور أنه قال هو كل أمر لا يدركه الفطن، وقال ~~الأزهري: قال أبو عبيد إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم ~~وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته ~~(م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء» وفي رواية «فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن ~~يخلق السموات والأرض # وكان عرشه على الماء بخمسين ألف سنة» قوله فرغ يريد إتمام خلق المقادير ~~لا أنه كان مشغولا ففرغ منه لأن الله سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن ~~فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # قوله سبحانه وتعالى: ليبلوكم يعني ليختبركم وهو أعلم بكم منكم أيكم أحسن ~~عملا يعني بطاعة الله وأورع عن محارم الله ولئن قلت يعني ولئن قلت يا محمد ~~لهؤلاء الكفار من قومك إنكم مبعوثون من بعد الموت يعني للحساب والجزاء ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين يعنون القرآن. # PageV02P473 # ### || [سورة هود (11): الآيات 8 الى 12] # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (10) إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) فلعلك تارك بعض ما يوحى ms1834 إليك ~~وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير ~~والله على كل شيء وكيل (12) # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة يعني إلى أجل محدود وأصل الأمة في ~~اللغة الجماعة من الناس فكأنه قال سبحانه وتعالى إلى انقراض أمة ومجيء أمة ~~أخرى ليقولن ما يحبسه يعني: أي شيء يحبس العذاب وإنما يقولون ذلك استعجالا ~~بالعذاب واستهزاء يعنون أنه ليس بشيء قال الله عز وجل: ألا يوم يأتيهم يعني ~~العذاب ليس مصروفا عنهم أي لا يصرفه عنهم شيء وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ~~يعني ونزل بهم وبال استهزائهم. # قوله سبحانه وتعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة يعني: رخاء وسعة في ~~الرزق والعيش وبسطنا عليه من الدنيا ثم نزعناها منه يعني سلبناه ذلك كله ~~وأصابته المصائب فاجتاحته وذهبت به إنه ليؤس كفور يعني يظل قانطا من رحمة ~~الله آيسا من كل خير كفور أي جحود لنعمتنا عليه أولا قليل الشكر لربه قال ~~بعضهم: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من أمن وسعة وعافية فاشكرها ~~ولا تجحدها فإن نزعت عنك فينبغي لك أن تصبر ولا تيأس من رحمة الله فإنه ~~العواد على عباده بالخير وهو قوله سبحانه وتعالى: ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته يعني ولئن نحن أنعمنا على الإنسان وبسطنا عليه من العيش ليقولن ~~يعني الذي أصابه الخير والسعة ذهب السيئات عني يعني ذهب الشدائد والعسر ~~والضيق وإنما قال ذلك غرة بالله عز وجل وجرأة عليه لأنه لم يضف الأشياء ~~كلها إلى الله وإنما أضافها إلى العوائد فلهذا ذمه الله تعالى فقال إنه ~~لفرح فخور أي إنه أشر بطر والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المراد والمشتهى ~~والفخر هو التطاول على الناس بتعديد المناقب وذلك منهي عنه ثم استثنى فقال ~~تبارك وتعالى: إلا الذين صبروا، وعملوا الصالحات قال الفراء: هذا استثناء ~~منقطع معناه لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات فإنهم ليسوا كذلك فإنهم إن ~~نالتهم شدة صبروا وإن نالتهم نعمة شكروا ms1835 عليها أولئك يعني من هذه صفتهم لهم ~~مغفرة يعني لذنوبهم وأجر كبير يعني الجنة. # قوله عز وجل: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فلعلك يا محمد تارك ~~بعض ما يوحى إليك ربك أن تبلغه إلى من أمرك أن تبلغ ذلك إليه وضائق به صدرك ~~يعني ويضيق صدرك بما يوحى إليك فلا تبلغه إياهم وذلك أن كفار مكة قالوا ائت ~~بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك ذكر ~~آلهتهم ظاهرا فأنزل الله عز وجل فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك يعني من ذكر ~~آلهتهم هذا ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآية وأجمع المسلمون على أنه صلى ~~الله عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ فإنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء ~~منه بخلاف ما هو به لا خطأ ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا وأنه صلى الله عليه ~~وسلم بلغ جميع ما أنزل الله عليه إلى أمته ولم يكتم منه شيئا وأجمعوا على ~~أنه لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيانة في الوحي والإنذار ولا ~~يترك بعض ما أوحي إليه لقول أحد لأن تجويز ذلك يؤدي إلى الشك في أداء ~~الشرائع والتكاليف لأن المقصود من إرسال الرسول التبليغ إلى من أرسل إليه ~~فإذا لم يحصل ذلك فقد فاتت فائدة الرسالة والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم ~~من # PageV02P474 # ذلك كله وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد بقوله تعالى فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك شيئا آخر سوى ما ذكره المفسرون. # وللعلماء في ذلك أجوبة: # أحدها: قال ابن الأنباري: قد علم الله سبحانه وتعالى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يترك شيئا مما يوحى إليه إشفاقا من موجدة أحد وغضبه ولكن الله ~~تعالى أكد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في متابعة الإبلاغ من الله ~~سبحانه وتعالى كما قال: # يا أيها الرسول بلغ ms1836 ما أنزل إليك من ربك الآية. # الثاني: أن هذا من حثه سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتحريضه ~~على أداء ما أنزل إليه والله سبحانه وتعالى من وراء ذلك في عصمته مما يخافه ~~ويخشاه. # الثالث: أن الكفار كانوا يستهزئون بالقرآن ويضحكون منه ويتهاونون به وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره لذلك وأن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ~~ويستهزئون به فأمره الله سبحانه وتعالى بتبليغ ما أوحي إليه وأن لا يلتفت ~~إلى استهزائهم وأن تحمل هذا الضرر أهون من كتم شيء من الوحي، والمقصود من ~~هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من ~~طرفي الفعل والترك مشتمل على ضرر عظيم ثم علم أن الضرر في باب الترك أعظم ~~سهل عليه الإقدام على الفعل، وقيل: إن الله سبحانه وتعالى مع علمه بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يترك شيئا من الوحي هيجه لأداء الرسالة وطرح ~~المبالاة باستهزائهم وردهم إلى قبول قوله بقوله: فلعلك تارك بعض ما يوحى ~~إليك أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم مخافة ردهم واستهزائهم به وضائق به صدرك ~~أي بأن تتلوه عليهم أن يقولوا يعني مخافة أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~يعني يستغني به وينفقه أو جاء معه ملك يعني يشهد بصدقه وقائل هذه المقالة ~~هو عبد الله بن أمية المخزومي. # والمعنى أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت صادقا في قولك ~~بأنك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وأنت عزيز عنده مع أنك فقير ~~فهلا أنزل عليك ما تستغني به أنت وأصحابك وهل أنزل عليك ملكا يشهد لك ~~بالرسالة فتزول الشبهة في أمرك فأخبر الله عز وجل أنه صلى الله عليه وسلم ~~نذير بقوله عز وجل: إنما أنت نذير تنذر بالعقاب لمن خالفك وعصى أمرك وتبشر ~~بالثواب لمن أطاعك وآمن بك وصدقك والله على كل شيء وكيل يعني أنه سبحانه ~~وتعالى حافظ يحفظ أقوالهم وأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة. # ### || [سورة ms1837 هود (11): الآيات 13 الى 15] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) # قوله سبحانه وتعالى: أم يقولون افتراه يعني بل يقول كفار مكة اختلقه يعني ~~ما أوحي إليه من القرآن قل أي قل لهم يا محمد فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~لما قالوا له افتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك وليس هو من عند الله ~~تحداهم وأرخى لهم العنان وفاوضهم على مثل دعواهم فقال صلى الله عليه وسلم ~~هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي شيء وأن الأمر كما قلتم وأنتم ~~عرب مثلي من أهل الفصاحة وفرسان البلاغة وأصحاب اللسان فأتوا أنتم بكلام ~~مثل هذا الكلام الذي جئتكم به مختلق من عند أنفسكم فإنكم تقدرون على مثل ما ~~أقدر عليه من الكلام فلهذا قال سبحانه وتعالى: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~في مقابلة قولهم افتراه. # فإن قلت قد تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك وعجزوا عنه ~~فكيف قالوا فأتوا بعشر سور # PageV02P475 # مثله مفتريات ومن عجز عن سورة واحدة فهو عن العشرة أعجز. # قلت: قد قال بعضهم إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس، وأنه تحداهم أولا ~~بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة يونس وأنكر المبرد هذا القول وقال: إن ~~سورة يونس نزلت أولا، قال: ومعنى قوله في سورة يونس فأتوا بسورة مثله يعني ~~مثله في الإخبار عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد وفي قوله في سورة هود ~~فأتوا بعشر سور مثله يعني في مجرد الفصاحة والبلاغة من غير خبر عن غيب ولا ~~ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد فلما تحداهم بهذا الكلام أمره بأن يقول لهم ~~وادعوا من استطعتم من دون الله حتى يعينوكم على ذلك إن كنتم صادقين يعني في ~~قولكم إنه مفترى ms1838 فإلم يستجيبوا لكم اعلم أنه لما اشتملت الآية المتقدمة على ~~أمرين وخطابين: # أحدهما: أمر وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحانه وتعالى قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. والثاني: # أمر وخطاب للكفار وهو قوله تعالى وادعوا من استطعتم من دون الله ثم أتبعه ~~بقوله تبارك وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم ~~يستجيبوا في المعارضة لعجزهم عنها واحتمل أن يكون المراد أن من يدعون من ~~دون الله لم يستجيبوا للكفار في المعارضة فلهذا السبب اختلف المفسرون في ~~معنى الآية على قولين أحدهما أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه كانوا يتحدون الكفار ~~بالمعارضة ليتبين عجزهم فلما عجزوا عن المعارضة قال الله سبحانه وتعالى ~~لنبيه والمؤمنين فإن لم يستجيبوا لكم فيما دعوتموهم إليه من المعارضة ~~وعجزوا عنه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله يعني فاثبتوا على العلم الذي أنتم ~~عليه وازدادوا يقينا وثباتا لأنهم كانوا عالمين بأنه منزل من عند الله، ~~وقيل: الخطاب في قوله فإن لم يستجيبوا لكم للنبي صلى الله عليه وسلم وحده ~~وإنما ذكره بلفظ الجميع تعظيما له صلى الله عليه وسلم. # القول الثاني: أن قوله سبحانه وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم خطاب مع الكفار ~~وذلك أنه سبحانه وتعالى لما قال في الآية المتقدمة وادعوا من استطعتم من ~~دون الله قال الله عز وجل في هذه الآية فإن لم يستجيبوا لكم أيها الكفار ~~ولم يعينوكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأنه ليس مفترى على الله بل هو ~~أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا إله إلا هو يعني الذي أنزل ~~القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو لا من تدعون من دونه فهل أنتم مسلمون ~~فيه معنى الأمر أي أسلموا وأخلصوا لله العبادة وإن حملنا معنى الآية على ~~أنه خطاب مع المؤمنين كان معنى قوله فهل أنتم مسلمون الترغيب أي دوموا على ~~ما أنتم عليه من الإسلام. # قوله ms1839 عز وجل: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها يعني بعمله الذي يعمله ~~من أعمال البر نزلت في كل من عمل عملا يبتغي به غير الله عز وجل: نوف إليهم ~~أعمالهم فيها يعني أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى يوسع عليهم في الرزق ويدفع عنهم المكاره في الدنيا ونحو ذلك ~~وهم فيها لا يبخسون يعني أنهم لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب ~~الدنيا بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفرة. # ### || [سورة هود (11): الآيات 16 الى 17] # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا ~~تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # PageV02P476 # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها يعني وبطل ~~ما عملوا في الدنيا من أعمال البر وباطل ما كانوا يعملون لأنه لغير الله ~~واختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية فروى قتادة عن أنس أنها في اليهود ~~والنصارى وعن الحسن مثله، وقال الضحاك: من عمل عملا صالحا في غير تقوى يعني ~~من أهل الشرك أعطي على ذلك أجرا في الدنيا وهو أن يصل رحما أو يعطي سائلا ~~أو يرحم مضطرا أو نحو هذا من أعمال البر فيجعل الله له ثواب عمله في الدنيا ~~يوسع عليه في المعيشة والرزق ويقر عينه فيما خوله ويدفع عنه المكاره في ~~الدنيا وليس له في الآخرة نصيب ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار الآية وهذه حالة الكافر في الآخرة ~~وقيل نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الغنائم لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الآخرة وقيل إن حمل الآية على ~~العموم أولى فيندرج الكافر والمنافق الذي هذه صفته ms1840 والمؤمن الذي يأتي ~~بالطاعات وأعمال البر على وجه الرياء والسمعة قال مجاهد في هذه الآية هم ~~أهل الرياء وهذا القول مشكل لأن قوله سبحانه وتعالى أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة ~~والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب ~~النار ويدل على هذا ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا ~~أشرك فيه معي غيري تركته وشركه أخرجه مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ ~~مقعده من النار» أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به ~~غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها أخرجه أبو داود ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعوذوا بالله من جب ~~الحزن قالوا يا رسول الله وما جب الحزن قال واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل ~~يوم ألف مرة قيل يا رسول الله من يدخله قال القراء المراؤون بأعمالهم» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قال البغوي وروينا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما الشرك الأصغر قال الرياء» أخرجه بغير سند والرياء هو أن ~~يظهر الإنسان الأعمال الصالحة ليحمده الناس عليها أو ليعتقدوا فيه الصلاح ~~أو ليقصدوه بالعطاء فهذا العمل هو الذي لغير الله نعوذ بالله من الخذلان ~~قال البغوي وقيل هذا في الكفار يعني قوله من كان يريد الحياة وزينتها أما ~~المؤمن فيريد الدنيا والآخرة وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في ~~الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وروينا عن ms1841 أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى ~~بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا» أخرجه البغوي بغير سند. # قوله سبحانه وتعالى: أفمن كان على بينة من ربه لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى: في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ~~ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة فقال ~~سبحانه وتعالى أفمن كان على بينة من ربه أي كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~وليس لهم في الآخرة إلا النار وإنما حذف هذا الجواب لظهوره ودلالة الكلام ~~عليه وقيل معناه أفمن كان على بينة من ربه وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه كمن هو في ضلالة وكفر والمراد بالبينة الدين الذي أمر الله به نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالبينة اليقين يعني أنه على يقين من ربه ~~أنه على الحق ويتلوه شاهد منه يعني ويتبعه من يشهد له بصدقه واختلفوا في ~~الشاهد من هو، فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك وأكثر ~~المفسرين: أنه جبريل عليه السلام يريد أن جبريل يتبع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويؤيده ويسدده ويقويه وقال الحسن وقتادة هو لسان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وروي عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي يعني علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى: عنه أنت التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله سبحانه وتعالى ~~ويتلوه شاهد منه قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووجه هذا القول إن اللسان لما كان يعرف # PageV02P477 # عما في الجنان ويظهره جعل كالشاهد له لأن اللسان هو آلة الفصل والبيان ~~وبه يتلى القرآن وقال مجاهد الشاهد هو ملك يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويسدده وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هو القرآن لأن إعجازه وبلاغته وحسن ~~نظامه يشهد للنبي صلى الله ms1842 عليه وسلم بنبوته ولأنه أعظم معجزاته الباقية ~~على طول الدهر، وقال الحسين بن علي وابن زيد: الشاهد منه هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم ووجه هذا القول أن من نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعين ~~العقل والبصيرة علم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون، وقال جابر ~~بن عبد الله قال علي بن أبي طالب: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه ~~الآية والآيتان فقال له رجل وأنت أي آية نزلت فيك فقال على ما تقرأ الآية ~~التي في هود ويتلوه شاهد منه فعلى هذا القول يكون الشاهد علي بن أبي طالب ~~وقوله يعني من النبي صلى الله عليه وسلم والمراد تشريف هذا الشاهد وهو علي ~~لاتصاله بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل يتلوه شاهد منه يعني الإنجيل وهو ~~اختيار الفراء والمعنى أن الإنجيل يتلو القرآن في التصديق بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به وإن كان قد نزل قبل القرآن. # وقوله سبحانه وتعالى: ومن قبله يعني ومن قبل نزول القرآن وإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم كتاب موسى يعني التوراة إماما ورحمة يعني أنه كان إماما لهم ~~يرجعون إليه في أمور الدين والأحكام والشرائع وكونه رحمة لأنه الهادي من ~~الضلال وذلك سبب حصول الرحمة وقوله تعالى: أولئك يؤمنون به يعني أن الذين ~~وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم هم المشار إليهم بقوله أولئك يؤمنون به ~~يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه ومن يكفر به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~الأحزاب يعني من جميع الكفار وأصحاب الأديان المختلفة فتدخل فيه اليهود ~~والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وغيرهم والأحزاب الفرق الذين تحزبوا ~~وتجمعوا على مخالفة الأنبياء فالنار موعده يعني في الآخرة روى البغوي بسنده ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفس محمد بيده ~~لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا ms1843 نصراني ومات ولم يؤمن بالذي ~~أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله عز وجل حتى ~~بلغني هذا الحديث لا يسمع بي أحد من هذه الأمة الحديث، قال سعيد: فقلت أين ~~هذا في كتاب الله حتى أتيت على هذه الآية ومن قبله كتاب موسى إلى قوله ~~سبحانه وتعالى: ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده قال فالأحزاب أهل ~~الملل كلها ثم قال سبحانه وتعالى: فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك فيه ~~قولان أحدهما أن معناه فلا تك في شك من صحة هذا الدين ومن كون القرآن نازلا ~~من عند الله فعلى هذا القول يكون متعلقا بما قبله من قوله تعالى: أم يقولون ~~افتراه والقول الثاني: إنه راجع إلى قوله ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده يعني فلا تك في شك من أن النار موعد من كفر من الأحزاب والخطاب في ~~قوله فلا تك في مرية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويعضد هذا القول سياق الآية وهو قوله سبحانه ~~وتعالى: ولكن أكثر الناس لا يؤمنون يعني لا يصدقون بما أوحينا إليك أو من ~~أن موعد الكفار النار. # ### || [سورة هود (11): الآيات 18 الى 20] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك لم يكونوا ~~معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) # قوله عز وجل: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا يعني أي الناس أشد تعديا ~~ممن اختلق على الله كذبا فكذب عليه وزعم أن له شريكا أو ولدا وفي الآية ~~دليل على أن ms1844 الكذب على الله من أعظم أنواع الظلم لأن قوله # PageV02P478 # تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ورد في معرض المبالغة أولئك ~~يعني المفترين على الكذب يعرضون على ربهم يعني يوم القيامة فيسألهم عن ~~أعمالهم في الدنيا ويقول الأشهاد يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني ~~آدم، قاله مجاهد وقال ابن عباس: هم الأنبياء والرسل وبه قال الضحاك وقال ~~قتادة: الأشهاد الخلق كلهم هؤلاء الذين كذبوا على ربهم يعني: في الدنيا ~~وهذه الفضيحة تكون في الآخرة لكل من كذب على الله ألا لعنة الله على ~~الظالمين يعني يقول الله ذلك يوم القيامة فيلعنهم ويطردهم من رحمته (ق). عن ~~صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال ~~يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~النجوى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يدنو المؤمن من ربه عز ~~وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا وكذا فيقول أعرف رب أعرف ~~مرتين فيقول سترتها عليه في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب ~~حسناته» وفي رواية «ثم تطوى صحيفة حسناته» وأما الكفار والمنافقون فيقول ~~الأشهاد وفي رواية «فينادى بهم على رؤوس الأشهاد من الخلائق هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» قوله سبحانه وتعالى: الذين ~~يصدون عن سبيل الله هذه الآية متصلة بما قبلها والمعنى ألا لعنة الله على ~~الظالمين ثم وصفهم فقال الذين يصدون عن سبيل الله يعني يمنعون الناس من ~~الدخول في دين الله الذي هو دين الإسلام ويبغونها عوجا يعني ويطلبون إلقاء ~~الشبهات في قلوب الناس وتعويج الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهم ~~بالآخرة هم كافرون يعني وهم مع صدهم عن سبيل الله يجحدون البعث بعد الموت ~~وينكرونه أولئك يعني من هذه صفتهم لم يكونوا معجزين في الأرض قال ابن عباس ~~يعني سابقين وقيل هاربين وقيل فائتين في الأرض والمعنى أنهم لا يعجزون الله ~~إذا أرادهم ms1845 بالعذاب والانتقام منهم ولكنهم في قبضته وملكه لا يقدرون على ~~الامتناع منه إذا طلبهم وما كان لهم من دون الله من أولياء يعني وما كان ~~لهؤلاء المشركين من أنصار يمنعونهم من دون الله إذا أراد بهم سوءا وعذابا ~~يضاعف لهم العذاب يعني في الآخرة يزاد عذابهم بسبب صدهم عن سبيل الله ~~وإنكارهم البعث بعد الموت ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون قال ~~قتادة صموا عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به ولا يبصرون خيرا ~~فيأخذون به. # وقال ابن عباس أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين ~~طاعته في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإنه قال ما كانوا يستطيعون السمع ~~وهي طاعته وما كانوا يبصرون وأما في الآخرة فإنه قال لا يستطيعون خاشعة ~~أبصارهم. # ### || [سورة هود (11): الآيات 21 الى 26] # أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه إني لكم نذير مبين (25) # أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) # أولئك الذين خسروا أنفسهم # يعني أن هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة ~~الله وضل عنهم ما كانوا يفترون # يعني وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله وادعاؤهم أن الملائكة والأصنام ~~تشفع لهم لا جرم يعني حقا وقال الفراء لا محالة أنهم في الآخرة هم الأخسرون ~~لأنهم باعوا منازلهم في الجنة واشتروا عوضها منازل في النار وهذا هو ~~الخسران المبين. # قوله عز وجل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم لما ذكر ~~الله عز وجل أحوال الكفار # PageV02P479 # في الدنيا وخسرانهم في الآخرة أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا ~~وربحهم في الآخرة والإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب ولفظ ~~الإخبات يتعدى بإلى وباللام فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه ms1846 اطمأن إليه ~~وإذا قلت أخبت له فمعناه خشع وخضع له فقوله: إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إشارة إلى جميع أعمال الجوارح وقوله وأخبتوا إشارة إلى أعمال ~~القلوب وهي الخضوع والخشوع لله عز وجل يعني أن هذه الأعمال الصالحة لا تنفع ~~في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع فإذا فسرنا الإخبات ~~بالطمأنينة كان معنى الكلام يأتون بالأعمال الصالحة مطمئنين إلى صدق وعد ~~الله بالثواب والجزاء على تلك الأعمال أو يكونون مطمئنين إلى ذكره سبحانه ~~وتعالى وإذا فسرنا الإخبات بالخشوع والخضوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال ~~الصالحة خائفين وجلين أن لا تكون مقبولة وهو الخشوع والخضوع أولئك يعني ~~الذين هذه صفتهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون أخبر عن حالهم في الآخرة بأنهم ~~من أهل الجنة التي لا انقطاع لنعيمها ولا زوال. # قوله سبحانه وتعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع لما ~~ذكر الله سبحانه وتعالى أحوال الكفار وما كانوا عليه من العمى عن طريق ~~الهدى والحق ومن الصمم عن سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما كانوا عليه من ~~البصيرة وسماع الحق والانقياد للطاعة ضرب لهم مثلا فقال تبارك وتعالى مثل ~~الفريقين يعني فريق المؤمنين وفريق الكافرين كالأعمى وهو الذي لا يهتدي ~~لرشده والأصم وهو الذي لا يسمع شيئا البتة، والبصير وهو الذي يبصر الأشياء ~~على ماهيتها، والسميع وهو الذي يسمع الأصوات ويجيب الداعي فمثل المؤمنين ~~كمثل الذي يسمع ويبصر وهو الكامل في نفسه ومثل الكافر كمثل الذي لا يسمع ~~ولا يبصر وهو الناقص في نفسه هل يستويان مثلا قال الفراء لم يقل هل يستوون ~~لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد وهما من وصف الكافر والبصير والسميع ~~في حيز كأنهما واحد وهما من وصف المؤمن أفلا تذكرون يعني فتتعظون. # قوله عز وجل: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين يعني أن نوحا ~~عليه السلام قال لقومه حين أرسله الله إليهم إني لكم أيها القوم نذير مبين ~~يعني بين النذارة أخوف بالعقاب من خالف أمر الله وعبد غيره وهو قوله ms1847 سبحانه ~~وتعالى: أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم يعني مؤلم ~~موجع قال ابن عباس: بعث نوح بعد أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين ~~سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة فكان عمره ألفا وخمسين سنة. # وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل وهو ابن ~~مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ~~مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة. # ### || [سورة هود (11): الآيات 27 الى 30] # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~(27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم ~~قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) # فقال الملأ الذين كفروا من قومه يعني الأشراف والرؤساء من قوم نوح ما ~~نراك يا نوح إلا بشرا # PageV02P480 # مثلنا يعني آدميا مثلنا لا فضل لك علينا لأن التفاوت الحاصل بين آحاد ~~البشر يمتنع اشتهاره إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة على جميع العالم ~~وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة جهلا منهم لأن من حق الرسول ~~أن يباشر الأمة بالدعوة إلى الله تعالى بإقامة الدليل والبرهان على ذلك ~~ويظهر المعجزة الدالة على صدقه ولا يأتي ذلك إلا من آحاد البشر وهو من ~~اختصه الله بكرامته وشرفه بنبوته وأرسله إلى عباده ثم قال سبحانه وتعالى ~~إخبارا عن قوم نوح وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا يعني سفلتنا والرذل ~~الدون من كل شيء قيل هم الحاكة والأساكفة وأصحاب الصنائع الخسيسة وإنما ~~قالوا ذلك جهلا منهم أيضا لأن الرفعة في الذين ومتابعة الرسول لا تكون ~~بالشرف ولا ms1848 بالمال والمناصب العالية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ~~ولا يضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين بادي الرأي يعني أنهم ~~اتبعوك في أول الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك، ولو تفكروا ما اتبعوك. # وقيل: معناه ظاهر الرأي، يعني أنهم اتبعوك ظاهرا من غير أن تفكروا باطنا ~~وما نرى لكم علينا من فضل يعني بالمال والشرف والجاه وهذا القول أيضا جهل ~~منهم لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة ~~بل نظنكم كاذبين قيل الخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه وقيل هو لنوح وحده ~~فعلى هذا يكون الخطاب بلفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم قال يعني نوحا يا ~~قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي يعني على بيان ويقين من ربي بالذي ~~أنذرتكم به وآتاني رحمة من عنده يعني هديا ومعرفة ونبوة فعميت عليكم يعني ~~خفيت وألبست عليكم أنلزمكموها الهاء عائدة إلى الرحمة والمعنى أنلزمكم أيها ~~القوم قبول الرحمة يعني أنا لا نقدر أن نلزمكم ذلك من عند أنفسنا وأنتم لها ~~كارهون وهذا استفهام معناه الإنكار أي لا أقدر على ذلك والذي أقدر عليه أن ~~أدعوكم إلى الله وليس لي أن أضطركم إلى ذلك قال قتادة والله لو استطاع نبي ~~صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك ويا قوم لا أسئلكم عليه ~~مالا يعني لا أسألكم ولا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا إن أجري إلا على ~~الله وما أنا بطارد الذين آمنوا وذلك أنهم طلبوا من نوح أن يطرد الذين ~~آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال ما يجوز لي ذلك لأنهم يعتقدون إنهم ~~ملاقوا ربهم فلا أطردهم ولكني أراكم قوما تجهلون يعني عظمة الله ووحدانيته ~~وربوبيته وقيل معناه إنكم تجهلون أن هؤلاء المؤمنين خير منكم ويا قوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم يعني من يمنعني من عذاب الله إن طردتهم عني لأنهم ~~مؤمنون مخلصون أفلا تذكرون يعني فتتعظون. # ### || [سورة هود (11): الآيات 31 الى 36] # ولا أقول لكم عندي خزائن ms1849 الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ~~(33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا ~~بريء مما تجرمون (35) # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) # ولا أقول لكم عندي خزائن الله هذا عطف على قوله لا أسألكم عليه مالا ~~والمعنى لا أسألكم عليه مالا ولا أقول لكم عندي خزائن الله يعني التي لا ~~يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها وقال ابن الأنباري ~~الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق وإنما وجب أن يكون هذا ~~جوابا من نوح عليه # PageV02P481 # السلام لهم لأنهم قالوا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ~~وادعوا أن المؤمنين إنما اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم وهم في الحقيقة غير ~~متبعين له فقال مجيبا لهم ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يعلم منها ~~ما ينطوي عليه عباده وما يظهرونه إلا هو وإنما قيل للغيوب خزائن لغموضها عن ~~الناس واستتارها عنهم والقول الأول أولى ليحصل الفرق بين قوله ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله وبين قوله ولا أعلم الغيب يعني ولا أدعي علم ما يغيب عني ~~مما يسرونه في نفوسهم فسبيل قبول إيمانهم في الظاهر ولا يعلم ما في ضمائرهم ~~إلا الله ولا أقول إني ملك وهذا جواب لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا أي لا ~~أدعي أني من الملائكة بل أنا بشر مثلكم أدعوكم إلى الله وأبلغكم ما أرسلت ~~به إليكم. # ((فصل)) استدل بعضهم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء قال لأن ~~نوحا عليه السلام ms1850 قال ولا أقول إني ملك لأن الإنسان إذا قال أنا لا أدعي ~~كذا وكذا لا يحسن إلا إذا كان ذلك الشيء أشرف وأفضل من أحوال ذلك القائل ~~فلما قال نوح عليه السلام هذه المقالة وجب أن يكون الملك أفضل منه والجواب ~~أن نوحا عليه السلام إنما قال هذه المقالة في مقابلة قولهم ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا لما كان في ظنهم أن الرسل لا يكونون من البشر إنما يكونون من ~~الملائكة فأعلمهم أن هذا ظن باطل وأن الرسل إلى البشر إنما يكونون من البشر ~~فلهذا قال سبحانه وتعالى: ولا أقول إني ملك ولم يرد أن درجة الملائكة أفضل ~~من درجة الأنبياء والله أعلم. # وقوله سبحانه وتعالى: ولا أقول للذين تزدري أعينكم يعني تحتقر وتستصغر ~~أعينكم يعني المؤمنين وذلك لما قالوا إنهم أراذلنا من الرذالة وهي الخسة لن ~~يؤتيهم الله خيرا يعني توفيقا وهداية وإيمانا وأجرا الله أعلم بما في ~~أنفسهم يعني من الخير والشر إني إذا لمن الظالمين يعني إن طردتهم مكذبا ~~لظاهرهم ومبطلا لإيمانهم يعني أني إن فعلت هذا فأكون قد ظلمتهم وأنا لا ~~أفعله فما أنا من الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا يعني خاصمتنا فأكثرت ~~جدالنا يعني خصومتنا فأتنا بما تعدنا يعني من العذاب إن كنت من الصادقين ~~يعني في دعواك أنك رسول الله إلينا قال إنما يأتيكم به الله إن شاء يعني ~~قال نوح لقومه حين استعجلوه بإنزال العذاب إن ذلك ليس إلي إنما هو إلى الله ~~ينزله متى شاء وعلى من يشاء إن أراد إنزال العذاب بكم وما أنتم بمعجزين ~~يعني وما أنتم بفائتين إن أراد الله نزول العذاب بكم ولا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم يعني ولا ينفعكم إنذاري وتحذيري إياكم عقوبته ونزول ~~العذاب بكم إن كان الله يريد أن يغويكم يعني يضلكم وقيل يهلككم وهذا معنى ~~وليس بتفسير لأن الإغواء يؤدي إلى الهلاك هو ربكم يعني أنه سبحانه وتعالى ~~هو يملككم فلا تقدرون على الخروج من سلطانه وإليه ترجعون يعني في ms1851 الآخرة ~~فيجازيكم بأعمالكم أم يقولون افتراه أي اختلقه وجاء به من عند نفسه والضمير ~~يعود إلى الوحي الذي جاءهم به قل إن افتريته أي اختلقته فعلي إجرامي أي إثم ~~إجرامي والإجرام اقتراف السيئة واكتسابها يقال جرم وأجرم بمعنى أنه اكتسب ~~الذنب وافتعله وأنا بريء مما تجرمون يعني من الكفر والتكذيب وأكثر المفسرين ~~على أن هذا من محاورة نوح قومه فهي من قصة نوح عليه السلام وقال مقاتل «أم ~~يقولون» يعني المشركين من كفار مكة افتراه يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~اختلق القرآن من عند نفسه فعلى هذا القول تكون هذه الآية معترضة في قصة نوح ~~ثم رجع إلى القصة فقال سبحانه وتعالى: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن قال ابن عباس إن قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى يسقط فيلفونه ~~في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى ~~الله ويروي أن شيخا منهم جاء متكئا على عصاه ومعه ابنه فقال يا بني لا ~~يغرنك هذا الشيخ المجنون فقال يا أبت أمكني من العصا فأخذه من أبيه وضرب ~~بها نوحا عليه السلام حتى شجه شجة منكرة فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن # PageV02P482 # من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس يعني فلا تحزن عليهم فإني مهلكهم بما ~~كانوا يفعلون يعني بسبب كفرهم وأفعالهم فحينئذ دعا نوح عليه السلام عليهم ~~فقال «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا» وحكى محمد بن إسحاق عن عبد ~~الله بن عمير الليثي أنه بلغه أنهم كانوا يبسطون نوحا فيخنقونه حتى يغشى ~~عليه فإذا أفاق قال رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى تمادوا في المعصية ~~واشتد عليه منهم البلاء وهو ينتظر الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان ~~أنحس من الذي قبله ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول قد كان هذا الشيخ ~~مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا فلا يقبلون منه شيئا فشكا نوح إلى الله عز ~~وجل فقال يا ms1852 رب «إني دعوت قومي ليلا ونهارا» الآيات حتى بلغ رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه. # ### || [سورة هود (11): الآيات 37 الى 38] # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ~~ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) # واصنع الفلك يعني السفينة والفلك لفظ يطلق على الواحد والجمع بأعيننا قال ~~ابن عباس بمرأى منا وقيل بعلمنا وقيل بحفظنا ووحينا يعني بأمرنا ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون يعني بالطوفان والمعنى ولا تخاطبني في ~~إمهال الكفار فإني قد حكمت بإغراقهم وقيل ولا تخاطبني في ابنك كنعان ~~وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم وقيل إن جبريل أتى نوحا فقال له إن ~~ربك يأمرك أن تصنع الفلك فقال كيف أصنعها ولست نجارا فقال إن ربك يقول اصنع ~~فإنك بأعيننا فأخذ القدوم وجعل ينجر ولا يخطئ فصنعها مثل جؤجؤ الطير وهو ~~قوله سبحانه وتعالى: ويصنع الفلك يعني كما أمره الله سبحانه وتعالى قال أهل ~~السير لما أمر الله سبحانه وتعالى نوحا بعمل السفينة أقبل على عملها ولها ~~عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ القار وكل ما يحتاج إليه في ~~عمل الفلك وجعل قومه يمرون وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح قد صرت ~~نجارا بعد النبوة وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم ولد قال البغوي ~~وزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يطليه ~~بالقار من داخله وخارجه وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا ~~وطوله في السماء ثلاثين ذراعا والذراع إلى المنكب وأن يجعله ثلاث طباق سفلى ~~ووسطى وعلينا وأن يجعل فيه كوى فصنعه نوح كما أمره الله سبحانه وتعالى وقال ~~ابن عباس اتخذ نوح السفينة في سنتين فكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ~~ذراعا وطولها في السماء ثلاثين ذراعا وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة ~~بطون فجعل في البطن الأسفل ms1853 الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط الدواب ~~والأنعام وركب هو ومن معه في البطن الأعلى وجعل معه ما يحتاج إليه من الزاد ~~وغيره قال قتادة وكان بابها في عرضها، وروي عن الحسن: أنه كان طولها ألف ~~ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع والقول الأول أشهر وهو أن طولها ثلاثمائة ~~ذراع وقال زيد بن أسلم: مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها ومائة سنة ~~يصنع الفلك، وقال كعب الأحبار: عمل نوح عليه السلام السفينة في ثلاثين سنة ~~وروي أنها ثلاثة أطباق الطبقة السفلى للدواب والوحوش والطبقة الوسطى للإنس ~~والطبقة العليا للطير فلما كثرت رواث الدواب أوحى الله سبحانه وتعالى إلى ~~نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ومسح على ~~الخنزير فوقع منه الفأر فأقبلوا على الروث فأكلوه فلما أفسد الفأر في ~~السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها أوحى الله سبحانه وتعالى إليه أن اضرب ~~بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهي القطة والقط فأقبلا على ~~الفأر فأكلاه. # قوله سبحانه وتعالى: وكلما مر عليه ملأ من قومه أي جماعة من قومه سخروا ~~منه يعني استهزءوا به وذلك أنهم قالوا إن هذا الذي كان يزعم أنه نبي قد صار ~~نجارا وقيل قالوا يا نوح ماذا تصنع قال أصنع بيتا يمشي # PageV02P483 # على الماء فضحكوا منه قال يعني نوحا لقومه إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ~~كما تسخرون يعني إن تستجهلونا في صنعنا فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما يوجب سخط ~~الله وعذابه، فإن قلت السخرية لا تليق بمنصب النبوة فكيف قال نوح عليه ~~السلام إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. # قلت إنما سمي هذا الفعل سخرية على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام كما في ~~قوله سبحانه وتعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها والمعنى إنا نرى غب سخريتكم بنا إذا نزل بكم ~~العذاب وهو قوله تعالى: # ### || [سورة هود (11): الآيات 39 الى 40] # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) حتى إذا جاء ~~أمرنا وفار التنور قلنا احمل ms1854 فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه ~~القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # فسوف تعلمون يعني فسترون من يأتيه يعني أينا يأتيه نحن أو أنتم عذاب ~~يخزيه يعني يهينه ويحل عليه عذاب مقيم يعني في الآخرة فالمراد بالعذاب ~~الأول عذاب الدنيا وهو الغرق والمراد بالعذاب الثاني عذاب الآخرة وعذاب ~~النار الذي لا انقطاع له. # وقوله عز وجل: حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور يعني وغلى والفور الغليان ~~وفارت القدر إذا غلت. # والتنور: فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا فلذلك جاء في القرآن ~~بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون وقيل إن لفظ التنور جاء هكذا بكل لفظ عربي ~~وعجمي وقيل إن لفظ التنور أصله أعجمي فتكلمت به العرب فصار عربيا مثل ~~الديباج ونحوه واختلفوا في المراد بهذا التنور، فقال عكرمة والزهري: هو وجه ~~الأرض وذلك أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء قد فار على وجه الأرض ~~فاركب السفينة فعلى هذا يكون قد جعل فوران التنور علامة لنوح على هذا الأمر ~~العظيم وقال علي: فار التنور أي طلع الفجر ونور الصبح شبه نور الصبح بخروج ~~النار من التنور، وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إن التنور هو الذي يخبز فيه، ~~وهو قول أكثر المفسرين ورواية عن ابن عباس، أيضا وهذا القول أصح لأن اللفظ ~~إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى ولفظ التنور حقيقة ~~في اسم الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه. # فإن قلت الألف واللام في لفظ التنور للعهد وليس هاهنا معهود سابق عند ~~السامع فوجب حمله على غيره وهو شدة الأمر والمعنى إذا رأيت الماء يشتد ~~نبوعه ويقوى فانج بنفسك ومن معك. # قلت: لا يبعد أن يكون ذلك التنور معلوما عند نوح عليه السلام، قال الحسن ~~كان تنورا من حجارة وكانت حواء تخبز فيه ثم صار إلى نوح وقيل له إذا رأيت ~~الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك واختلفوا في موضع التنور فقال ~~مجاهد نبع الماء من ms1855 التنور فعلمت به امرأته فأخبرته وكان ذلك في ناحية ~~الكوفة وكان الشعبي يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، قال ~~الشعبي: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل ~~مما يلي باب كندة وكان فوران التنور علامة لنوح عليه السلام، وقال مقاتل: ~~كان ذلك التنور تنور آدم وكان بالشام بموضع يقال له عين وردة وروي عن ابن ~~عباس أنه كان بالهند قال: والفوران الغليان قلنا احمل فيها يعني: قلنا لنوح ~~احمل في السفينة من كل زوجين اثنين الزوجان كل اثنين لا يستغني أحدهما عن ~~الآخر كالذكر والأنثى يقال لكل واحد منهما زوج والمعنى من كل صنف زوجين ~~ذكرا أو أنثى فحشر الله سبحانه وتعالى إليه الحيوان من الدواب والسباع ~~والطير فجعل نوح يضرب بيديه في كل جنس منها فيقع الذكر في يده اليمنى ~~والأنثى في يده اليسرى فيجعلهما في السفينة وأهلك أي واحمل أهلك وولدك ~~وعيالك إلا من سبق عليه القول يعني بإهلاك وأراد به امرأته واعلة وولده ~~كنعان ومن آمن يعني واحمل معك من آمن بك من # PageV02P484 # قومك وما آمن معه إلا قليل اختلفوا في عدد من حمل نوح معه في السفينة ~~فقال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي لم يكن في السفينة إلا ثمانين: ~~نفر نوح وامرأته وثلاثة بنين له وهم سام وحام ويافث ونساؤهم وقال الأعمش: ~~كانوا سبعة نوحا وبنيه وثلاث كنائن له. وقال محمد بن إسحاق: كانوا عشرة سوى ~~نسائهم وهم نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة نفر آمنوا بنوح وأزواجهم جميعا، ~~وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة وقال ابن عباس كان في ~~السفينة ثمانون رجلا أحدهم جرهم، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن ~~يقال كما قال الله عز وجل: وما آمن معه إلا قليل فوصفهم الله سبحانه وتعالى ~~بالقلة ولم يحدد عددا بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله سبحانه ~~وتعالى إذ لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عنت رسول ms1856 الله صلى الله عليه ~~وسلم قال مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم عليه السلام فجعله معترضا بين الرجال ~~والنساء وقصد نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها قال ابن عباس: أول ما حمل ~~نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار فلما أراد أن يدخل الحمار أدخل صدره فتعلق ~~إبليس بذنبه فلم تنتقل رجلاه وجعل نوح يقول له ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع ~~حتى قال له أدخل وإن كان الشيطان معك كلمة ذلت على لسانه فلما قالها نوح ~~خلى سبيل الحمار فدخل الحمار ودخل الشيطان معه فقال له نوح ماذا أدخلك علي ~~يا عدو الله قال ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك قال اخرج عني يا عدو ~~الله. # قال: لا بد من أن تحملني معك فكان فيما يزعمون على ظهر السفينة، هكذا ~~نقله البغوي وقال الإمام فخر الدين الرازي: وأما الذي يروى أن إبليس دخل ~~السفينة فبعيد لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق وأيضا ~~فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح فالأولى ترك الخوض فيه، ~~قال البغوي: # وروي عن بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحا عليه السلام فقالتا احملنا معك ~~فقال إنكما سبب البلاء فلا أحملكما فقالتا احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر ~~أحدا ذكرك فمن قرأ حين يخاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين لم تضراه ~~وقال الحسن لم يحمل نوح معه في السفينة إلا ما يلد ويبيض وأما ما سوى ذلك ~~مما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا. # ### || [سورة هود (11): الآيات 41 الى 43] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي ~~تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) # قوله سبحانه وتعالى: وقال اركبوا ms1857 فيها يعني وقال نوح لمن حمل معه اركبوا ~~في السفينة بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم يعني بسم الله ~~اجراؤها وإرساؤها قال الضحاك كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال بسم ~~الله فتجري وكان إذا أراد أن ترسو يعني تقف قال بسم الله فترسو أي تقف وهذا ~~تعليم من الله لعباده أنه من أراد أمرا فلا ينبغي له أن يشرع فيه حتى يذكر ~~اسم الله عليه وقت الشروع حتى يكون ذلك سببا للنجاح والفلاح في سائر الأمور ~~وهي تجري بهم في موج كالجبال الموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه ~~الريح، شبهه سبحانه وتعالى بالجبال في عظمه هو ارتفاعه على الماء قال ~~العلماء: بالسير أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة وخرج الماء من الأرض ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض ~~عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر يعني: صار إناء نصفين نصفا من السماء ~~ونصفا من الأرض وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا وقيل خمسة ~~عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء. # PageV02P485 # وروي أنه لما كثر الماء في الشكك خافت أم الصبي على ولدها من الغرق وكانت ~~تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلحقها الماء فارتفعت حتى ~~بلغت ثلثيه فلما لحقها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء إلى ~~رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء فأغرقهما فلو رحم الله منهم ~~أحدا لرحم أم الصبي ونادى نوح ابنه يعني كنعان وكان كافرا وكان في معزل ~~يعني عن نوح لم يركب معه يا بني اركب معنا يعني في السفينة ولا تكن مع ~~الكافرين يعني فتهلك معهم قال يعني قال كنعان سآوي يعني سألتجئ وأصير إلى ~~جبل يعصمني يعني يمنعني من الماء قال يعني قال له نوح لا عاصم يعني لا مانع ~~اليوم من أمر الله يعني من عذابه إلا من رحم يعني إلا من رحمه الله فينجيه ~~من الغرق وحال بينهما الموج فكان من ms1858 المغرقين يعني كنعان. # ### || [سورة هود (11): الآيات 44 الى 46] # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ~~(46) # وقيل يعني بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح يا أرض ابلعي ماءك أي ~~اشربيه ويا سماء أقلعي أي أمسكي وغيض الماء أي نقص ونضب يقال غاض الماء إذا ~~نقص وذهب وقضي الأمر يعني وفرغ من الأمر وهو هلاك قوم نوح واستوت يعني ~~واستقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل وقيل بعدا يعني ~~هلاكا للقوم الظالمين قال العلماء: بالسير لما استقرت السفينة بعث نوح ~~الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع إليه فبعث الحمامة فجاءت ~~بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء قد ذهب فدعا ~~على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت وطوق الحمامة بالخضرة التي في ~~عنقها ودعا لها بالأمان فمن ثم تألف البيوت وروي أن نوحا عليه السلام ركب ~~السفينة لعشر بقين من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت الحرام ~~وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه فطافت السفينة به سبعا وأودع الحجر ~~الأسود جبل أبي قبيس وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح ~~عليه السلام وأمر جميع من معه بصيامه شكرا لله تعالى وبنوا قرية بقرب الجبل ~~فسميت سوق ثمانين فهي أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان، وقيل: إنه ~~لم ينج أحد من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق وكان المال يصل إلى حجزته ~~وسبب نجاته من الهلاك أن نوحا عليه السلام احتاج إلى خشب ساج لأجل السفينة ~~فلم يمكنه نقله فحمله عوج بن عنق من الشام إلى نوح فنجاه الله من الغرق ms1859 ~~لذلك. # فإن قلت: كيف اقتضت الحكمة الإلهية والكرم العظيم إغراق من لم يبلغوا ~~الحلم من الأطفال ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم. # قلت: ذكر بعض المفسرين أن الله عز وجل أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فلم ~~يولد لهم ولد تلك المدة وهذا الجواب ليس بقوي لأنه يرد عليه إغراق جميع ~~الدواب والهوام والطير وغير ذلك من الحيوان ويرد على ذلك أيضا إهلاك أطفال ~~الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح. # والجواب الشافي عن هذا كله أن الله سبحانه وتعالى متصرف في خلقه وهو ~~المالك المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # قوله عز وجل: ونادى نوح ربه أي دعاه وسأله فقال رب إن ابني من أهلي يعني ~~وقد وعدتني أن # PageV02P486 # تنجيني وأهلي وإن وعدك الحق يعني الصدق الذي لا خلف فيه وأنت أحكم ~~الحاكمين يعني أنك حكمت لقوم بالنجاة وحكمت على قوم بالهلاك قال يعني قال ~~الله تعالى: يا نوح إنه يعني هذا الابن الذي سألتني نجاته ليس من أهلك ~~اختلف علماء التفسير: هل كان هذا الولد ابن نوح لصلبه أم لا فقال الحسن ~~ومجاهد كان ولد حدث من غير نوح ولم يعلم به فلذلك قال إنه ليس من أهلك، ~~وقال محمد بن جعفر الباقر: كان ابن امرأة نوح وكان يعلمه نوح ولذلك قال من ~~أهلي ولم يقل مني. وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر ~~المفسرين: إنه ابن نوح من صلبه، وهذا القول هو الصحيح والقولان الأولان ~~ضعيفان بل باطلان ويدل على صحة هذا نقل الجمهور لما صح عن ابن عباس أنه ~~قال: ما بغت امرأة نبي قط ولأن الله سبحانه وتعالى نص عليه بقوله سبحانه ~~وتعالى: ونادى نوح ابنه ونوح صلى الله عليه وسلم أيضا نص عليه بقوله «يا ~~بني اركب معنا» وهذا نص في الدلالة وصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز من ~~غير ضرورة لا يجوز وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد ~~نبي كافرا ms1860 وهذا خطأ ممن قاله لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقه فريق في ~~الجنة وهم المؤمنون وفريق في السعير وهم الكفار والله سبحانه وتعالى يخرج ~~الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ~~فإن الله سبحانه وتعالى أخرج قابيل من صلب آدم عليه السلام وهو نبي وكان ~~قابيل كافرا وأخرج إبراهيم من صلب آزر وهو نبي وكان آزر كافرا فكذلك أخرج ~~كنعان وهو كافر من صلب نوح وهو نبي فهو المتصرف في خلقه كيف يشاء. # فإن قلت: فعلى هذا كيف ناداه نوح فقال: اركب معنا وسأل له النجاة مع قوله ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا قلت: قد ذكر بعضهم أن نوحا عليه ~~الصلاة والسلام لم يعلم بكون ابنه كان كافرا فلذلك ناداه وعلى تقدير أنه ~~يعلم كفره إنما حمله على أن ناداه رقة لأبوه ولعله إذا رأى تلك الأهوال أن ~~يسلم فينجيه الله بذلك من الغرق فأجابه الله عز وجل بقوله إنه ليس من أهلك ~~يعني أنه ليس من أهل دينك لأن أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما ~~يجري مجراهما. # ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر ~~قال الله سبحانه وتعالى لنوح: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح قرأ ~~الكسائي ويعقوب: عمل بكسر الميم وفتح اللام غير بفتح الراء على عود الفعل ~~على الابن ومعناه أنه عمل الشرك والكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح، وقرأ ~~الباقون من القراء: عمل بفتح الميم ورفع اللام مع التنوين وغير بضم الراء ~~ومعناه إن سؤالك إياي أن أنجيه من الغرق عمل غير صالح لأن طلب نجاة الكفار ~~بعد ما حكم عليه بالهلاك بعيد فلهذا قال سبحانه وتعالى: إنه عمل غير صالح ~~ويجوز أن يعود الضمير في إنه على ابن نوح أيضا ويكون التقدير على هذه ~~القراءة إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح فحذف المضاف كما قالت ~~الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار. # قال ms1861 الواحدي، وهذا قول أبي إسحاق يعني الزجاج وأبي بكر بن الأنباري وأبي ~~علي الفارسي قال أبو علي: # ويجوز أن يكون ابن نوح عمل عملا غير صالح فجعلت نفسه ذلك العمل لكثرة ذلك ~~منه، كما يقال الشعر زهير والعلم فلان إذا كثر منه فعلى هذا لا حذف فلا ~~تسئلن ما ليس لك به علم وذلك أن نوحا عليه السلام سأل ربه إنجاء ولده من ~~الغرق وهو من كمال شفقة الوالد على ولده وهو لا يعلم أن ذلك محظور لإصرار ~~ولده على الكفر فنهاه الله سبحانه وتعالى عن مثل هذه المسألة وأعلمه أن ذلك ~~لا يجوز فكان المعنى فلا تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته إني أعظك ~~يعني أنهاك أن تكون من الجاهلين يعني لمثل هذا السؤال # PageV02P487 # ### || [سورة هود (11): الآيات 47 الى 50] # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ~~ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) وإلى ~~عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا ~~مفترون (50) # قال يعني: قال نوح رب إني أعوذ بك يعني: ألجأ إليك وأعتذر إليك أن أسئلك ~~ما ليس لي به علم يعني: إنك أنت علام الغيوب وأنا لا أعلم ما غاب عني ~~فأعتذر إليك من مسألتي ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي يعني: جهلي وإقدامي ~~على سؤال ما ليس لي به علم وترحمني يعني برحمتك التي وسعت كل شيء أكن من ~~الخاسرين. # ((فصل وقد استدل بهذه الآيات من لا يرى عصمة الأنبياء)) وبيانه أن قوله ~~إنه عمل غير صالح المراد منه السؤال وهو محظور فلهذا نهاه عنه بقوله فلا ~~تسألن ما ليس لك به علم، وقوله سبحانه وتعالى: إني أعظك أن ms1862 تكون من ~~الجاهلين يدل على أن ذلك السؤال كان جهلا ففيه زجر وتهديد وطلب المغفرة ~~والرحمة له يدل على صدور الذنب منه. # والجواب أن الله عز وجل كان قد وعد نوحا عليه السلام بأن ينجيه وأهله ~~فأخذ نوح ظاهر اللفظ واتبع التأويل بمقتضى هذا الظاهر ولم يعلم ما غاب عنه ~~ولم يشك في وعد الله سبحانه وتعالى فأقدم على هذا السؤال لهذا السبب فعاتبه ~~الله عز وجل على سؤاله ما ليس له به علم وبين له أنه ليس من أهله الذي وعده ~~بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح وأعلمه الله سبحانه وتعالى أنه مغرق ~~مع الذين ظلموا ونهاه عن مخاطبته فيهم فأشفق نوح من إقدامه على سؤال ربه ~~فيما لم يؤذن له فيه فخاف نوح من ذلك الهلاك فلجأ إلى ربه عز وجل وخشع له ~~وعاذ به وسأل المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وليس في ~~الآيات ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح عليه السلام سوى تأويله وإقدامه ~~على سؤال ما لم يؤذن له فيه وهذا ليس بذنب ولا معصية والله أعلم. # قوله سبحانه وتعالى: قيل يا نوح اهبط أي انزل من السفينة أو من الجبل إلى ~~الأرض بسلام أي بأمن وسلامة منا وبركات عليك البركة هي ثبوت الخير ونماؤه ~~وزيادته، وقيل: المراد بالبركة هنا أن الله سبحانه وتعالى جعل ذريته هم ~~الباقين إلى يوم القيامة فكل العالم من ذرية أولاده الثلاثة ولم يعقب من ~~كان معه في السفينة غيرهم وعلى أمم ممن معك يعني: وعلى ذرية أمم ممن كانوا ~~معك في السفينة، والمعنى وبركات عليك وعلى قرون تجيء من بعدك من ذرية ~~أولادك وهم المؤمنون. قال محمد بن كعب القرظي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم ~~القيامة وأمم سنمتعهم هذا ابتداء كلام أي وأمم كافرة يحدثون بعدك سنمتعهم ~~يعني في الدنيا إلى منتهى آجالهم ثم يمسهم منا عذاب أليم يعني في الآخرة ~~تلك من أنباء الغيب هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني أن ms1863 هذه القصة ~~التي أخبرناك يا محمد من قصة نوح وخبر قومه من أنباء الغيب يعني من أخبار ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا يعني من قبل نزول ~~القرآن عليك. # فإن قلت إن قصة نوح كانت مشهورة معروفة في العالم فكيف قال ما كنت تعلمها ~~أنت ولا قومك من قبل هذا. # قلت: يحتمل أن يكون كانوا يعلمونها مجملة فنزل القرآن بتفصيلها وبيانها. # PageV02P488 # وجواب آخر وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لم يقرأ الكتب المتقدمة ~~ولم يعلمها وكذلك كانت أمته فصح قوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل ~~نزول القرآن بها فاصبر يا محمد على أذى مشركي قومك كما صبر نوح على أذى ~~قومه إن العاقبة يعني النصر والظفر على الأعداء والفوز بالسعادة الأخروية ~~يعني للمؤمنين. # قوله عز وجل: وإلى عاد يعني وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا يعني أخاهم في ~~النسب لا في الدين قال يا قوم اعبدوا الله يعني وحدوا الله ولا تشركوا معه ~~شيئا في العبادة ما لكم من إله غيره يعني أنه تعالى هو إلهكم لا هذه ~~الأصنام التي تعبدونها فإنها حجارة لا تضر ولا تنفع إن أنتم إلا مفترون ~~يعني ما أنتم إلا كاذبون في عبادتكم غيره. # ### || [سورة هود (11): الآيات 51 الى 56] # يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ~~ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) # يا قوم لا أسئلكم عليه يعني على تبليغ الرسالة أجرا يعني جعلا آخذه منكم ~~إن أجري ms1864 يعني ما ثوابي إلا على الذي فطرني يعني: خلقني فإنه هو الذي رزقني ~~في الدنيا ويثيبني في الآخرة أفلا تعقلون يعني فتتعظون ويا قوم استغفروا ~~ربكم أي آمنوا به فالاستغفار هنا بمعنى الإيمان لأنه هو المطلوب أولا ثم ~~توبوا إليه يعني من شرككم وعبادتكم غيره ومن سالف ذنوبكم يرسل السماء عليكم ~~مدرارا يعني: ينزل المطر عليكم متتابعا مرة بعد مرة في أوقات الحاجة إليه ~~وذلك أن بلادهم كانت مخصبة كثيرة الخير والنعم فأمسك الله عنهم المطر مدة ~~ثلاث سنين فأجدبت بلادهم وقحطت بسبب كفرهم فأخبرهم هود عليه السلام أنهم إن ~~آمنوا بالله وصدقوه أرسل الله إليهم المطر فأحيا به بلادهم كما كانت أول ~~مرة ويزدكم قوة إلى قوتكم يعني شدة مع شدتكم، وقيل: معناه أنكم إن آمنتم ~~يقوكم بالأموال والأولاد وذلك أنه سبحانه وتعالى أعقم أرحام نسائهم فلم تلد ~~فقال لهم هود عليه السلام إن آمنتم أرسل الله المطر فتزدادون مالا ويعيد ~~أرحام الأمهات إلى ما كانت عليه فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد ~~وقيل: تزدادون قوة في الدين إلى قوة الأبدان ولا تتولوا مجرمين يعني ولا ~~تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حال كونكم مشركين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة ~~أي ببرهان وحجة واضحة على صحة ما تقول وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك يعني ~~وما نترك عبادة آلهتنا لأجل قولك وما نحن لك بمؤمنين يعني بمصدقين إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء يعني إنك يا هود لست تتعاطى ما تتعاطاه من ~~مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بخبل وجنون لأنك سببتهم ~~فانتقموا منك بذلك ولا نحمل أمرك إلا على هذا قال يعني قال هود مجيبا لهم ~~إني أشهد الله يعني على نفسي واشهدوا يعني واشهدوا أنتم أيضا علي: أني بريء ~~مما تشركون من دونه يعني هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها فكيدوني جميعا ~~يعني احتالوا في كيدي وضري أنتم وأصنامكم التي تعتقدون أنها تضر وتنفع ~~فإنها لا تضر ولا تنفع ثم لا تنظرون يعني ثم لا تمهلون ms1865 وهذا فيه معجزة ~~عظيمة لهود عليه السلام وذلك أنه كان وحيدا في قومه فما قال لهم هذه ~~المقالة ولم يهبهم ولم يخف منهم مع ما هم فيه من الكفر والجبروت إلا لثقته ~~بالله عز وجل وتوكله عليه وهو قوله تعالى: إني توكلت على الله ربي وربكم ~~يعني أنه فوض أمره إلى الله واعتمد عليه ما # PageV02P489 # من دابة يعني تدب على الأرض ويدخل في هذا جميع بني آدم والحيوان لأنهم ~~يدبون على الأرض إلا هو آخذ بناصيتها يعني أنه تعالى هو مالكها والقادر ~~عليها وهو يقهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، والناصية: # مقدم الرأس وسمي الشعر الذي عليه ناصية للمجاورة قيل: إنما خص الناصية ~~بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم فإذا وصفوا إنسانا بالذلة مع ~~غيره يقولون ناصية فلان بيد فلان وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه ~~جزوا ناصيته ليمنوا عليه ويعتدوا بذلك فخرا عليه فخاطبهم الله سبحانه ~~وتعالى بما يعرفون من كلامهم إن ربي على صراط مستقيم يعني إن ربي وإن كان ~~قادرا وأنتم في قبضته كالعبد الذليل فإنه سبحانه وتعالى لا يظلمكم ولا يعمل ~~إلا بالإحسان والإنصاف والعدل فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه، وقيل ~~معناه أن دين ربي هو الصراط المستقيم وقيل فيه إضمار تقديره إن ربي يحملكم ~~على صراط مستقيم. # ### || [سورة هود (11): الآيات 57 الى 59] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # فإن تولوا يعني تتولوا بمعنى تعرضوا عن الإيمان بما أرسلت به إليكم فقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به إليكم يعني أني لم يقع مني تقصير في تبليغ ما أرسلت به ~~إليكم إنما التقصير منكم في قبول ذلك ويستخلف ربي قوما غيركم يعني أنكم إن ~~أعرضتم عن الإيمان وقبول ما أرسلت به إليكم يهلككم ms1866 الله ويستبدل بكم قوما ~~غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه فيه إشارة إلى عذاب الاستئصال فهو وعيد ~~وتهديد ولا تضرونه شيئا يعني بتوليكم إنما تضرون أنفسكم بذلك وقيل لا ~~تنقصونه شيئا إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء إن ربي على كل شيء ~~حفيظ يعني أنه سبحانه وتعالى حافظ لكل شيء فيحفظني من أن تنالوني بسوء. # قوله سبحانه وتعالى: ولما جاء أمرنا يعني بإهلاكهم وعذابهم نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه وكانوا أربعة آلاف برحمة منا وذلك أن العذاب إذا نزل قد ~~يعم المؤمن والكافر فلما أنجى الله المؤمنين من ذلك العذاب كان برحمته ~~وفضله وكرمه ونجيناهم من عذاب غليظ يعني الريح التي أهلكت بها عاد وذلك أن ~~الله سبحانه وتعالى أرسل على عاد ريحا شديدة غليظة سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما وهي الأيام النحسات فأهلكتهم جميعا وأنجى الله المؤمنين جميعا فلم ~~تضرهم شيئا، وقيل: المراد بالعذاب الغليظ هو عذاب الآخرة وهذا هو الصحيح ~~ليحصل الفرق بين العذابين والمعنى أنه تعالى كما أنجاهم من عذاب الدنيا ~~كذلك ينجيهم من عذاب الآخرة ووصف عذاب الآخرة بكونه غليظا لأنه أعظم من ~~عذاب الدنيا وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله لما فرغ من ذكر قصة عاد ~~خاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال وتلك عاد رده إلى القبيلة وفيه ~~إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ~~بها ثم وصف حالهم بقوله تعالى جحدوا بآيات ربهم يعني المعجزات التي أتى بها ~~هود عليه السلام وعصوا رسله يعني هودا وحده إنما أتى به بلفظ الجمع إما ~~للتعظيم أو لأن من كذب برسول فقد كذب كل الرسل واتبعوا أمر كل جبار عنيد ~~يعني أن السفلة منهم اتبعوا الرؤساء والمراد من الجبار الرفيع في نفسه ~~المتمرد على الله والعنيد المعاند الذي لا يقبل الحق ولا يتبعه. # PageV02P490 # ### || [سورة هود (11): الآيات 60 الى 63] # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود أخاهم ms1867 صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة يعني أردفوا لعنة تتبعهم وتلحقهم وتنصرف معهم ~~واللعنة الطرد والإبعاد من رحمة الله ويوم القيامة يعني وفي يوم القيامة ~~أيضا تتبعهم اللعنة كما تتبعهم في الدنيا، ثم ذكر سبحانه وتعالى السبب الذي ~~استحقوا به هذه اللعنة فقال سبحانه وتعالى: ألا إن عادا كفروا ربهم أي ~~كفروا بربهم ألا بعدا لعاد يعني هلاكا لهم وقيل بعدا عن الرحمة. # فإن قلت: اللعنة معناها الإبعاد والهلاك فما الفائدة في قوله ألا بعدا ~~لعاد لأن الثاني هو الأول بعينه. # قلت: الفائدة فيه أن التكرار بعبارتين مختلفتين يدل على نهاية التأكيد ~~وأنهم كانوا مستحقين له قوم هود عطف بيان لعاد. # فإن قلت: هذا البيان حاصل مفهوم فما الفائدة في قوله قوم هود؟ # قلت: إن عادا كانوا قبيلتين عاد الأولى القديمة التي هم قوم هود وعاد ~~الثانية وهم إرم ذات العماد وهم العماليق فأتى بقوله قوم هود ليزول ~~الاشتباه وجواب آخر وهو أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية التأكيد. # قوله عز وجل: وإلى ثمود أخاهم صالحا يعني وأرسلنا إلى ثمود وهم سكان ~~الحجر أخاهم صالحا يعني في النسب لا في الدين قال يا قوم اعبدوا الله أي ~~وحدوا الله وخصوه بالعبادة ما لكم من إله غيره يعني هو إلهكم المستحق ~~للعبادة لا هذه الأصنام ثم ذكر سبحانه وتعالى الدلائل الدالة على وحدانيته ~~وكمال قدرته فقال تعالى: هو أنشأكم من الأرض يعني أنه هو ابتدأ خلقكم من ~~الأرض وذلك أنهم من بني آدم وآدم خلق من الأرض واستعمركم فيها يعني وجعلكم ms1868 ~~عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ~~ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذلك كان قوم عاد وقال مجاهد: أعمركم من العمرى ~~أي جعلها لكم ما عشتم فاستغفروه يعني: من ذنوبكم ثم توبوا إليه يعني من ~~الشرك إن ربي قريب يعني من المؤمنين مجيب لدعائهم قالوا يا صالح قد كنت ~~فينا مرجوا قبل هذا يعني: قبل هذا القول الذي جئت به والمعنى إنا كنا نرجو ~~أن تكون فينا سيدا لأنه كان من قبيلتهم وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم، ~~وقيل: معناه أنا كنا نطمع أن تعود إلى ديننا فلما أظهر دعاءهم إلى الله ~~وعاب الأصنام انقطع رجاؤهم منه أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا يعني الآلهة ~~وإننا لفي شك مما تدعونا إليه يعني من عبادة الله مريب يعني انا مرتابون في ~~قولك من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس ووقوعها في التهمة قال ~~يعني قال صالح مجيبا لقومه يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي يعني على ~~يقين وبرهان وآتاني منه رحمة يعني نبوة وحكمة فمن ينصرني من الله أي فمن ~~يمنعني من عذاب الله إن عصيته يعني إن خالفت أمره فما تزيدونني غير تخسير ~~قال ابن عباس معناه غير خسارة في خسارتكم وقال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح ~~في خسارة حتى يقول فما تزيدونني غير تخسير وإنما المعنى فما تزيدونني بما ~~تقولون إلا نسبتي إلى الخسارة. # PageV02P491 # ### || [سورة هود (11): الآيات 64 الى 67] # ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن ~~خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين (67) # ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية وذلك أن قومه طلبوا أن يخرج لهم ناقة من ~~صخرة كانت هناك أشاروا إليها فدعا الله عز ms1869 وجل فأخرج لهم من تلك الصخرة ~~ناقة عشراء ثم ولدت فصيلا يشبهها وقوله ناقة الله إضافة تشريف كبيت الله ~~وعبد الله فكانت هذه الناقة لهم آية ومعجزة دالة على صدق صالح عليه السلام ~~فذروها تأكل يعني من العشب والنبات في أرض الله يعني فليس عليكم مؤنتها ولا ~~تمسوها بسوء يعني يعقر فيأخذكم يعني إن قتلتموها عذاب قريب يعني في الدنيا ~~فعقروها يعني فخالفوا أمر ربهم فعقروها فقال يعني فقال لهم صالح تمتعوا ~~يعني عيشوا في داركم أي في بلدكم ثلاثة أيام يعني ثم تهلكون ذلك يعني ~~العذاب الذي أوعدهم به بعد ثلاثة أيام وعد غير مكذوب أي هو غير كذب روى أنه ~~قال لهم يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في اليوم الأول ووجوهكم ~~مصفرة وفي اليوم الثاني محمرة وفي اليوم الثالث مسودة فكان كما قال وأتاهم ~~العذاب في اليوم الرابع وهو قوله سبحانه وتعالى: فلما جاء أمرنا يعني ~~العذاب نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا أي بنعمة منا بأن هديناهم ~~إلى الإيمان فآمنوا ومن خزي يومئذ يعني ونجيناهم من عذاب يومئذ سمي خزيا ~~لأن فيه خزي الكافرين إن ربك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني إن ربك ~~يا محمد هو القوي يعني هو القادر على إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين ~~العزيز يعني القاهر الذي لا يغلبه شيء ثم أخبر عن عذاب قوم صالح فقال ~~سبحانه وتعالى: وأخذ الذين ظلموا يعني أنفسهم بالكفر الصيحة وذلك أن جبريل ~~عليه السلام صاح بهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا وقيل أتتهم صيحة من السماء ~~فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم فماتوا ~~جميعا فأصبحوا في ديارهم جاثمين يعني صرعى هلكى. ### || [سورة هود (11): الآيات 68 الى 71] # كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) ~~فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا ms1870 إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب (71) # كأن لم يغنوا فيها يعني كأن لم يقيموا في تلك الديار ولم يسكنوها مدة من ~~الدهر يقال غنيت بالمكان إذا أتيته أقمت به ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا ~~بعدا لثمود وهذه القصص قد تقدمت مستوفاة في تفسير سورة الأعراف. # قوله عز وجل: ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى أراد بالرسل الملائكة ~~واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس وعطاء: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، وقال الضحاك: كانوا تسعة وقال مقاتل كانوا اثني عشر ملكا، وقال ~~محمد بن كعب القرظي: كان جبريل ومعه سبعة أملاك وقال السدي: كانوا أحد عشر ~~ملكا على صور الغلمان الحسان الوجوه وقول ابن عباس: هو الأولى لأن أقل ~~الجمع ثلاثة وقوله رسلنا جمع فيحمل على الأقل وما بعده غير مقطوع به ~~بالبشرى يعني بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بإهلاك قوم لوط قالوا سلاما ~~يعني أن الملائكة سلموا سلاما قال يعني لهم إبراهيم سلام أي عليكم أو أمركم ~~سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ يعني: مشويا والمحنوذ هو المشوي على الحجارة ~~المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه ~~الودك قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم عليه السلام البقر، وقيل: مكث ~~إبراهيم عليه # PageV02P492 # السلام خمس عشرة ليلة لم يأته ضيف فاغتم لذلك وكان يحب الضيف ولا يأكل ~~إلا معه فلما جاءت الملائكة رأى أضيافا لم ير مثلهم قط فعجل قراهم وجاءهم ~~بعجل سمين مشوي فلما رأى أيديهم يعني أيدي الأضياف لا تصل إليه يعني إلى ~~العجل المشوي نكرهم يعني أنكرهم وأنكر حالهم وإنما أنكر حالهم لامتناعهم من ~~الطعام وأوجس منهم خيفة يعني ووقع في قلبه خوف منهم والوجوس هو رعب القلب ~~وإنما خاف إبراهيم صلى الله عليه وسلم منهم لأنه كان ينزل ناحية من الناس ~~فخاف أن ينزلوا به مكروها لامتناعهم من طعامه ولم يعرف أنهم ملائكة وقيل إن ~~إبراهيم عرف أنهم ملائكة لما قدمه إليهم لمعلمه أن الملائكة لا ms1871 يأكلون ولا ~~يشربون ولأنه خافهم ولو عرف أنهم ملائكة وإنما خاف أن يكونوا نزلوا بعذاب ~~قومه فخاف من ذلك والأقرب أن إبراهيم عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة في ~~أول الأمر ويدل على صحة هذا أنه عليه السلام قدم إليهم الطعام ولو عرف أنهم ~~ملائكة لما خافهم فلما رأت الملائكة خوف إبراهيم عليه السلام قالوا لا تخف ~~يا إبراهيم إنا ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته يعني سارة زوجة ~~إبراهيم وهي ابنة هاران بن ناحوراء وهي ابنة عم إبراهيم قائمة يعني من وراء ~~الستر تسمع كلامهم، وقيل: كانت قائمة في خدمة الرسل وإبراهيم جالس معهم ~~فضحكت أصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس ولظهور الأسنان عنده سميت ~~مقدمات الأسنان الضواحك ويستعمل في السرور المجرد وفي التعجب المجرد أيضا ~~وللعلماء في تفسير هذا الضحك قولان أحدهما أنه الضحك المعروف وعليه أكثر ~~المفسرين ثم اختلفوا في سبب هذا الضحك فقال السدي لما قرب إبراهيم الطعام ~~إلى أضيافه فلم يأكلوا خاف إبراهيم منهم فقال ألا تأكلون فقالوا إنا لا ~~نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن له ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله ~~على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال حق لهذا أن يتخذه ~~ربه خليلا فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة وقالت يا ~~عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا، وقال قتادة: ~~ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف ~~إبراهيم من ثلاثة وهو فيما بين خدمه وحشمه وخواصه وقيل: ضحكت من زوال الخوف ~~عنها وعن إبراهيم وذلك أنها خافت لخوفه فحين قالوا لا تخف ضحكت سرورا وقيل ~~ضحكت سرورا بالبشارة، وقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد ~~على كبر سنها وسن زوجها فعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره ~~فبشرناها بإسحاق فضحكت يعني تعجبا من ذلك وقيل إنها قالت لإبراهيم اضمم ~~إليك ابن أخيك لوطا فإن ms1872 العذاب نازل بقومه فلما جاءت الرسل وبشرت بعذابهم ~~سرت سارة بذلك وضحكت لموافقة ما ظنت. # القول الثاني: في معنى قوله فضحكت قال عكرمة ومجاهد أي حاضت في الوقت ~~وأنكر بعض أهل اللغة ذلك، قال الراغب: وقول من قال حاضت ليس ذلك تفسيرا ~~لقوله فضحكت كما تصوره بعض المفسرين فقال ضحكت بمعنى حاضت وإنما ذكر ذلك ~~تنصيصا لحالها فإن جعل ذلك أمارة لما بشرت به بحيضها في الوقت لتعلم أن ~~حملها ليس بمنكر لأن المرأة ما دامت تحيض فإنها تحمل وقال الفراء: ضحكت ~~بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، وقال ~~ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت وقد عرفه ~~غيرهم وأنشد: # تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب بها يستهل # قال: أراد أنها تحيض فرحا وقال الليث في هذه الآية فضحكت أي طمثت وحكى ~~الأزهري عن بعضهم في قوله فضحكت أي حاضت قال: ويقال أصله من ضحاك الطلعة ~~إذا انشقت، قال: وقال الأخطل فيه بمعنى الحيض: # PageV02P493 # تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحراب تمور # وقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت وبه فسر بعضهم قوله سبحانه وتعالى ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق وضحكت الأرنب ضحكا يعني حاضت حيضا قال: # وضحك الأرنب فوق الصفا ... كمثل دم الخوف يوم اللقا # يعني الحيض فيما زعم بعضهم وأجاب عن هذا من أنكر أن يكون الضحك بمعنى ~~الحيض، قال: كان ابن دريد يقول من شاهد الضبع عند كشرها علم أنها تحيض ~~وإنما أراد الشاعر تكشر الأكل اللحوم وهذا سهو منه لأنه جعل كشرها حيضا، ~~وقيل: معناه أنها تستبشر بالقتلى فتهز بعضها على بعض فجعل هزيزها ضحكا، ~~وقيل: لأنها تسر بهم فجعل سرورها ضحكا. # فإن قلت أي القولين أصح في معنى الضحك قلت إن الله عز وجل حكى عنها أنها ~~ضحكت وكلا القولين محتمل في معنى الضحك فالله أعلم أي ذلك كان وقوله سبحانه ~~وتعالى: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب ~~وهو ms1873 ولد الولد فبشرت سارة بأنها تعيش حتى ترى ولد ولدها فلما بشرت بالولد ~~صكت وجهها أي ضربت وجهها وهو من صنيع النساء وعادتهن وإنما فعلت ذلك تعجبا. # ### || [سورة هود (11): الآيات 72 الى 73] # قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) # قالت يا ويلتى نداء ندبة وأصلها يا ويلتاه وهي كلمة يستعملها الإنسان عند ~~رؤية ما يتعجب منه مثل يا عجباه أألد وأنا عجوز وكانت بنت تسعين سنة في قول ~~ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة وهذا بعلي يعني زوجي ~~والبعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما ~~بأمرها سمي بعلا لذلك شيخا وكان سن إبراهيم يومئذ مائة وعشرين سنة في قول ~~محمد بن إسحاق وقال مجاهد مائة سنة وكان بين الولادة والبشارة سنة إن هذا ~~لشيء عجيب لم تنكر قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تعجبت من كون الشيخ ~~الكبير والعجوز الكبيرة يولد لهما قالوا يعني قالت الملائكة لسارة أتعجبين ~~من أمر الله معناه لا تعجبي من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء ~~فإذا أراد شيئا كان سريعا رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت يعني: بيت ~~إبراهيم عليه السلام وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة ~~وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته إنه حميد يعني: هو المحمود الذي ~~يحمد على أفعاله كلها وهو المستحق لأن يحمد في السراء والضراء والشدة ~~والرخاء فهو محمود على كل حال مجيد ومعناه المنيع الذي لا يرام، وقال ~~الخطابي: المجيد الواسع الكرم، وأصل المجد في كلامهم: السعة يقال رجل ماجد ~~إذا كان سخيا كريما واسع العطاء وقيل الماجد هو ذو الشرف والكرم قوله ~~سبحانه وتعالى: ### || [سورة هود (11): الآيات 74 الى 77] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا ms1874 إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) # فلما ذهب عن إبراهيم الروع يعني: الفزع والخوف الذي حصل له عند امتناع ~~الملائكة من الأكل وجاءته البشرى يعني زال عنه الخوف بسبب البشرى التي ~~جاءته وهي البشارة بالولد يجادلنا فيه إضمار # PageV02P494 # تقديره أخذ يجادلنا أو جعل يجادلنا ويخاصمنا وقيل معناه يكلمنا ويسألنا ~~في قوم لوط لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وقال جمهور المفسرين: معناه ~~يجادل رسلنا في قوم لوط وكانت مجادلة إبراهيم مع الملائكة أن قال لهم ~~أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا ~~قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا قال فما زال كذلك حتى بلغ خمسة ~~قالوا لا قال أرأيتم لو كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها قالوا لا قال ~~إبراهيم فإن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ~~كانت من الغابرين وقيل إنما طلب إبراهيم تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون أو ~~يرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، قال ابن جريج: # كان في قرى قوم لوط أربعة آلاف مقاتل إن إبراهيم لحليم أواه منيب تقدم ~~تفسيره في سورة التوبة فعند ذلك قالت الملائكة لإبراهيم يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا يعني أعرض عن هذا المقال واترك هذا الجدال إنه قد جاء أمر ربك يعني: إن ~~ربك قد حكم بعذابهم فهو نازل بهم وهو قوله سبحانه وتعالى: وإنهم آتيهم عذاب ~~غير مردود يعني أن العذاب الذي نزل بهم غير مصروف ولا مدفوع عنهم. # وقوله عز وجل: ولما جاءت رسلنا لوطا يعني: هؤلاء الملائكة الذين كانوا ~~عند إبراهيم وكانوا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه سيء بهم يعني أحزن لوط ~~بمجيئهم إليه وساء ظنه بقومه وضاق بهم ذرعا قال الأزهري: الذي يوضع موضع ~~الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه ~~فإذا حمل عليه أكثر من ms1875 طوقه ضاق ذرعه من ذلك وضعف ومد عنقه فجعل ضيق الذرع ~~عبارة عن ضيق الوسع والطاقة والمعنى وضاق بهم ذرعا إذا لم يجد من المكروه ~~في ذلك الأمر مخلصا، وقال غيره: معناه ضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله ~~إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي يعنون ~~ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في ~~مكروه ولا يطيق الخروج منه وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن ~~وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه وخاف أن يقصدوهم بمكروه أو فاحشة ~~وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم وقال يعني لوطا هذا يوم عصيب أي: شديد ~~كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي تشد بها ~~الرأس، قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوا ~~لوطا نصف النهار وهو يعمل في أرض له وقيل أنه كان يحتطب وقد قال الله ~~سبحانه وتعالى للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ~~فاستضافوه فانطلق بهم فلما مشى ساعة قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية ~~قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع ~~مرات فمضوا معه حتى دخلوا منزله وقيل: إنه لما حمل الحطب ومعه الملائكة مر ~~على جماعة من قومه فتغامزوا فيما بينهم فقال لوط إن قومي شر خلق الله ~~تعالى، فقال جبريل: هذه واحدة فمر على جماعة أخرى فتغامزوا فقال مثله ثم مر ~~على جماعة أخرى ففعلوا ذلك وقال لوط مثل ما قال أولا حتى قال ذلك أربع مرات ~~وكلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة اشهدوا وقيل إن الملائكة جاءوا ~~إلى بيت لوط فوجدوه في داره فدخلوا عليه ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا أهل بيت ~~لوط فخرجت امرأته الخبيثة فأخبرت قومها وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت ~~مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم. # ### || [سورة ms1876 هود (11): الآيات 78 الى 80] # وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) ~~قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن ~~لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) # وجاءه قومه يهرعون إليه قال ابن عباس وقتادة يسرعون إليه وقال مجاهد ~~يهرولون، وقال الحسن: # PageV02P495 # الإهراع هو مشي بين مشيين وقال شمر هو بين الهرولة والخبب والجمز ومن قبل ~~يعنى ومن قبل مجيء الرسل إليهم قيل ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يعملون ~~السيئات يعني الفعلات الخبيثة والفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال في ~~أدبارهم قال يعني: قال لوط لقومه حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني ~~آدم يا قوم هؤلاء بناتي يعني أزوجكم إياهن وقى أضيافه ببناته قيل إنه كان ~~في ذلك الوقت وفي تلك الشريعة تزويج المرأة المسلمة بالكافر، وقال الحسن بن ~~الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد ~~ببناته نساء قومه وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته وهو كالوالد لهم ~~وهذا القول هو الصحيح وأشبه بالصواب إن شاء الله تعالى والدليل عليه أن ~~بنات لوط كانتا إثنتين وليستا بكافيتين للجماعة وليس من المروءة أن يعرض ~~الرجل بناته على أعدائه ليزوجهن إياهم فكيف يليق ذلك بمنصب الأنبياء أن ~~يعرضوا بناتهم على الكفار وقيل إنما قال ذلك لوط على سبيل الدفع لقومه لا ~~على سبيل التحقيق وفي قوله هن أطهر لكم سؤال وهو أن يقال أن قوله هن أطهر ~~لكم من باب أفعل التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا ~~ومعلوم أنه محرم فاسد نجس لا طهارة فيه البتة فكيف قال هن أطهر لكم والجواب ~~عن هذا السؤال إن هذا جار مجرى قوله ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن ~~شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم لما قال يوم ms1877 أحد اعل ~~هبل قال الله أعلى وأجل إذ لا مماثلة بين الله عز وجل والصنم وإنما هو كلام ~~خرج مخرج المقابلة ولهذا نظائر كثيرة. # وقوله فاتقوا الله يعني خافوه وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر ~~والعصيان ولا تخزون في ضيفي يعني ولا تسوءني في أضيافي ولا تفضحوني معهم ~~أليس منكم رجل رشيد أي صالح سديد عاقل، وقال عكرمة: رجل يقول لا إله إلا ~~الله، وقال محمد بن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى ينهى عن ~~هذا الفعل القبيح قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق يعني ليس لنا بهن ~~حاجة ولا لنا فيهن شهوة وقيل معناه ليست بناتك لنا بأزواج ولا مستحقين ~~نكاحهن وقيل معناه مالنا في بناتك من حاجة لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط ~~الإيمان ولا نريد ذلك وإنك لتعلم ما نريد يعني من إتيان الرجال في أدبارهم ~~فعند ذلك قال لوط عليه السلام لو أن لي بكم قوة أي لو أني أقدر أن أتقوى ~~عليكم أو آوي إلى ركن شديد يعني أو أنضم إلى عشيرة يمنعوني منكم، وجواب لو ~~محذوف تقديره لو وجدت قوة لقاتلتكم أو لوجدت عشيرة لانضممت إليهم قال أبو ~~هريرة: ما بعث الله نبيا بعده إلا في منعة من عشيرته (ق) عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته» قال الشيخ ~~محيي الدين النووي رحمه الله: المراد بالركن الشديد هو الله عز وجل فإنه ~~أشد الأركان وأقواها وأمنعها ومعنى الحديث أن لوطا عليه السلام لما خاف على ~~أضيافه ولم تكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه واشتد خزنه عليهم ~~فغلب ذلك عليه فقال في تلك الحال لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي أو آوي ~~إلى عشيرة تمنع لمنعتكم وقصد لوط إظهار العذر عند أضيافه وأنه لو استطاع ~~لدفع المكروه عنهم ومعنى باقي الحديث فيما ms1878 يتعلق بيوسف عليه السلام يأتي في ~~موضعه من سورة يوسف إن شاء الله تعالى، قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق ~~لوط بابه والملائكة معه في الدار وجعل يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب ~~وقومه يعالجون سور الدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط بسببهم. # PageV02P496 # ### || [سورة هود (11): الآيات 81 الى 82] # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود (82) # قالوا يا لوط ركنك شديد إنا رسل ربك لن يصلوا إليك يعني بمكروه فافتح ~~الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ربه عز ~~وجل في عقوبتهم فأذن له فتحول إلى صورته التي يكون فيها ونشر جناحيه وعليه ~~وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك مثل المرجان كأنه ~~كالثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة فضرب بجناحيه وجوههم فطمس أعينهم وأعمالهم ~~فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون النجاء ~~النجاء في بيت لوط أسحر قوم في الأرض قد سحرونا وجعلوا يقولون يا لوط كما ~~أنت حتى تصبح وسترى ما تلقى منا غدا يوعدونه بذلك فأسر بأهلك يعني ببيتك ~~بقطع من الليل قال ابن عباس: بطائفة من الليل، وقال الضحاك: لبقية من ~~الليل، وقال قتادة: بعد مضي أوله وقيل أنه السحر الأول ولا يلتفت منكم أحد ~~يعني ولا يلتفت منكم أحد إلى ورائه ولا ينظر إلى خلفه إلا امرأتك فإنها من ~~الملتفتات فتهلك مع من هلك من قومها وهو قوله سبحانه وتعالى: إنه مصيبها ما ~~أصابهم فقال لوط: متى يكون هذا العذاب قالوا إن موعدهم الصبح قال لوط إنه ~~بعيد أريد أسرع من ذلك فقالوا له أليس الصبح بقريب فلما خرج لوط من قريته ~~أخذ أهله معه وأمرهم ألا يلتفت منهم أحد فقبلوا منه إلا امرأته فإنها لما ~~سمعت هذه العذاب ms1879 وهو نازل بهم التفتت وصاحت وا قوماه فأخذتها حجارة ~~فأهلكتها معهم فلما جاء أمرنا يعني أمرنا بالعذاب جعلنا عاليها سافلها وذلك ~~أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط وهي خمس مدائن أكبرها ~~سدوم وهي المؤتفكات المذكورة في سورة براءة ويقال كان فيها أربعمائة ألف ~~وقيل أربعة آلاف ألف فرفع جبريل المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح ~~الديكة ونباح الكلاب لم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه لهم نائم ثم قلبها فجعل ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها يعني على شذاذها ومن كان خارجا عنها من ~~مسافريها وقيل بعد ما قلبها أمطر عليهم حجارة من سجيل قال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير: معناه سنك كل فارسي معرب لأن العرب تكلمت بشيء من الفارسي صارت ~~لغة للعرب ولا يضاف إلى الفارسي مثل قوله سندس وإستبرق ونحو ذلك فكل هذه ~~ألفاظ فارسية تكلمت بها العرب واستعملتها في ألفاظهم فصارت عربية، قال ~~قتادة وعكرمة: السجيل الطين دليله قوله في موضع آخر حجارة من طين. وقال ~~مجاهد: أولها حجر وآخرها طين، وقال الحسن: أصل الحجارة طين فشدت، وقال ~~الضحاك: يعني الآجر وقيل: السجيل اسم سماء الدنيا، وقيل: # هو جبل في سماء الدنيا منضود قال ابن عباس: متتابع يتبع بعضها بعضا مفعول ~~من النضد وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض. ### || [سورة هود (11): الآيات 83 الى 85] # مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) # مسومة عند ربك صفة للحجارة يعني معلمة قال ابن جريج: عليها سيما لا تشاكل ~~حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع وقال الحسن ~~والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم، وقيل: كان مكتوبا عليها أي على ~~كل حجر اسم صاحبه الذي يرمى به وما هي يعني تلك ms1880 الحجارة من الظالمين يعني ~~مشركي مكة ببعيد قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الآمة والله ما أجار ~~الله منها ظالما بعد وفي بعض الآثار ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه ~~من ساعة إلى ساعة، وقيل: إن الحجارة # PageV02P497 # اتبعت شذاذ قوم لوط حتى إن واحدا منهم دخل الحرم فوجد الحجر معلقا في ~~السماء أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم فسقط عليه الحجر فأهلكه. # قوله عز وجل: وإلى مدين يعني وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا مدين اسم لابن ~~إبراهيم الخليل عليه السلام ثم صار اسما للقبيلة من أولاده وقيل هو اسم ~~مدينة بناها مدين بن إبراهيم فعلى هذا يكون التقدير وأرسلنا إلى أهل مدين ~~فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~يعني وحدوا الله ولا تعبدوا معه غيره كانت عادة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام يبدءون بالأهم فالأهم ولما كانت الدعوة إلى توحيد الله وعبادته أهم ~~الأشياء قال شعيب اعبدوا الله مالكم من إله غيره ثم بعد الدعوة إلى التوحيد ~~شرع فيما هم فيه ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في الكيل والوزن دعاهم ~~إلى ترك هذه العادة القبيحة وهي تطفيف الكيل والوزن فقال ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان النقص في الكيل والوزن على وجهين أحدهما: أن يكون ~~الاستنقاص من قبلهم فيكيلون ويزنون للغير ناقصا، والوجه الآخر: هو استيفاء ~~الكيل والوزن لأنفسهم زائدا عن حقهم فيكون نقصا في مال الغير وكلا الوجهين ~~مذموم فلهذا نهاهم شعيب عن ذلك بقوله ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير قال ابن عباس: كانوا موسرين في نعمة وقال مجاهد: كانوا في خصب ~~وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحصول النقمة إن لم يتوبوا ولم ~~يؤمنوا وهو قوله: وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط يعني: يحيط بكم فيهلككم ~~جميعا وهو عذاب الاستئصال في الدنيا أو حذرهم عذاب الآخرة ومنه قوله سبحانه ~~وتعالى وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ويا قوم أوفوا المكيال والميزان أي ~~أتموهما ولا ms1881 تطففوا فيهما بالقسط أي بالعدل، وقيل: بتقويم لسان الميزان ~~وتعديل المكيال ولا تبخسوا الناس أي: ولا تنقصوا الناس أشياءهم يعني ~~أموالهم فإن قلت قد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان، ثم قال: أوفوا المكيال والميزان وهذا عين الأول ~~ثم قال ولا تبخسوا الناس أشياءهم وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا ~~التكرار. # قلت: إن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح وهو تطفيف الكيل ~~والوزن ومنع الناس حقوقهم احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد ~~والتكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالتأكيد فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر ~~والمنع من ذلك الفعل ولأن قوله ولا تنقصوا المكيال والميزان نهى عن التنقيص ~~وقوله أوفوا المكيال والميزان أمر بإيفاء العدل وهذا غير الأول ومغاير له ~~ولقائل أن يقول النهي ضد الأمر فالتكرار لازم على هذا الوجه قلنا الجواب عن ~~هذا قد يجوز أن ينهى عن التنقيص ولا يأمر بإيفاء الكيل والوزن فلهذا جمع ~~بينهما فهو كقولك صل رحمك ولا تقطعها فتريد المبالغة في الأمر والنهي وأما ~~قوله ثانيا ولا تبخسوا الناس أشياءهم فليس بتكرير أيضا لأنه سبحانه وتعالى ~~لما خصص النهي عن التنقيص والأمر بإيفاء الحق في الكيل والوزن عمم الحكم في ~~جميع الأشياء التي يجب إيفاء الحق فيها فيدخل فيه الكيل والوزن والزرع وغير ~~ذلك فظهر بهذا البيان فائدة التكرار والله أعلم؟ وقوله سبحانه وتعالى: ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين يعني بتنقيص الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم. # PageV02P498 # [ ### || [سورة هود (11): الآيات 86 الى 89] # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا ~~شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا ~~إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا ms1882 ~~قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) # بقيت الله خير لكم قال ابن عباس يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد ~~إيفاء الكيل والوزن خير لكم مما تأخذونه بالتطفيف وقال مجاهد بقية الله ~~يعني طاعة الله خير لكم وقيل بقية الله يعني ما أبقاه لكم من الثواب في ~~الآخرة خير لكم مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام إن كنتم مؤمنين ~~يعني مصدقين بما قلت لكم وأمرتكم به ونهيتكم عنه وما أنا عليكم بحفيظ يعني ~~أحفظ أعمالكم قال بعضهم إنما قال لهم شعيب ذلك لأنه لم يؤمر بقتالهم قالوا ~~يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأصنام أو أن نفعل ~~في أموالنا ما نشؤا يعني من الزيادة والنقصان، قال ابن عباس: كان شعيب كثير ~~الصلاة فلذلك قالوا هذا وقيل إنهم كانوا يمرون به فيرونه يصلي فيستهزءون به ~~ويقولون هذه المقالة، وقال الأعمش: أقراءتك لأن الصلاة تطلق على القراءة ~~والدعاء وقيل المراد بالصلاة هنا الدين يعني أدينك يأمرك أن نترك ما يعبد ~~آباؤنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء وذلك أنهم كانوا ينقصون الدراهم ~~والدنانير فكان شعيب عليه السلام ينهاهم عن ذلك ويخبرهم أنه محرم عليهم ~~وإنما ذكر الصلاة لأنها من أعظم شعائر الدين إنك لأنت الحليم الرشيد قال ~~ابن عباس: أرادوا السفيه الغاوي لأن العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون للديغ ~~سليم وللفلاة المهلكة مفازة، وقيل: هو على حقيقته وإنما قالوا ذلك على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية، وقيل: معناه إنك لأنت الحليم الرشيد في زعمك وقيل هو ~~على بابه من الصحة ومعناه إنك يا شعيب فينا حليم رشيد فلا يحمل بك شق عصا ~~قومك ومخالفتهم في دينهم قال يعني قال لهم شعيب يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي يعني: على بصيرة وهداية وبيان ورزقني منه رزقا حسنا يعني حلالا ~~قيل كان شعيب كثير المال الحلال والنعمة وقيل ms1883 الرزق الحسن ما أتاه الله من ~~العلم والهداية والنبوة والمعرفة وجواب إن الشرطية محذوف تقديره أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال والهداية والمعرفة والنبوة فهل ~~يسعني مع هذه النعمة أن أخون في وحيه أو أن أخالف أمره أو أتبع الضلال أو ~~أبخس الناس أشياءهم، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم ذلك أنهم قالوا له ~~إنك لأنت الحليم الرشيد والمعنى فكيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أمر ربه ~~وله عليه نعم كثيرة وقوله: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه قال صاحب ~~الكشاف يقول خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ~~ولى عنه وأنت قاصده ويقال الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول ~~خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه صادرا ومنه ~~قوله وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه أي أن أسبقكم إلى شهواتكم التي ~~نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم. قال الإمام فخر الدين الرازي: وتحقيق الكلام ~~فيه أن القوم اعترفوا فيها بأنه حليم رشيد وذلك يدل على كمال العقل وكمال ~~العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح فكأنه عليه السلام قال ~~لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعملوا أن الذي اخترته لنفسي هو أصوب الطرق ~~وأصلحها وهو الدعوة إلى توحيد الله وترك البخس والنقصان فأنا مواظب عليها ~~غير تارك لها فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق وأشرفها لا ما أنتم عليه ~~وقال الزجاج: معناه إني لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه إنما أختار لكم لنفسي ~~وقال ابن الأنباري بين أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله وترك البخس ~~والتطفيف هو ما يرتضيه لنفسه وهو لا ينطوي إلا عليه فكان هذا محض النصيحة ~~لهم إن أريد يعني ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا الإصلاح يعني فيما ~~بيني وبينكم ما استطعت يعني ما استطعت إلا الإصلاح وهو الإبلاغ والإنذار ~~فقط ولا أستطيع إجباركم على الطاعة لأن ذلك إلى الله فإنه يهدي ms1884 من يشاء ~~ويضل من يشاء وما توفيقي إلا بالله التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة على ~~العبد ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى فلذلك قال تعالى: وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت يعني على الله اعتمدت في جميع أموري وإليه أنيب يعني ~~وإليه # أرجع فيما ينزل من النوائب # PageV02P499 # وقيل إليه أرجع في معادي روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~ذكر شعيبا قال ذلك خطيب الأنبياء» لحسن مراجعته قومه. # وقوله تعالى: ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أي لا يحملنكم خلافي وعداوتي أن ~~يصيبكم يعني عذاب العاجلة على كفركم وأفعالكم الخبيثة مثل ما أصاب قوم نوح ~~يعني الغرق أو قوم هود يعني الريح التي أهلكتهم أو قوم صالح يعني ما أصابهم ~~من الصيحة حتى هلكوا جميعا وما قوم لوط منكم ببعيد وذلك أنهم كانوا حديثي ~~عهد بهلاكهم وقيل معناه وما ديار قوم لوط منكم ببعيد وذلك أنهم كانوا جيران ~~قوم لوط وبلادهم قريبة من بلادهم. # ### || [سورة هود (11): الآيات 90 الى 93] # واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما ~~نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت ~~علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ~~سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) # واستغفروا ربكم يعني من عبادة الأصنام ثم توبوا إليه يعني من البخس ~~والنقصان في الكيل والوزن إن ربي رحيم يعني بعباده إذا تابوا واستغفروا ~~ودود قال ابن عباس: الودود المحب لعباده المؤمنين فهو من قولهم وددت الرجل ~~أوده إذا أحببته، وقيل: يحتمل أن يكون ودود فعول بمعنى مفعول ومعناه أن ~~عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه إليهم. وقال الحليمي: ~~هو الواد لأهل طاعته أي الراضي عنهم بأعمالهم والمحسن إليهم لأجلها والمادح ~~لهم بها، وقال أبو سليمان الخطابي: وقد يكون معناه من تودد ms1885 إلى خلقه قالوا ~~يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول يعني ما نفهم ما تدعونا إليه وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى ختم على قلوبهم فصارت لا تعي ولا تفهم ما ينفعها وإن كانوا ~~في الظاهر يسمعون ويفهمون وإنا لنراك فينا ضعيفا قال ابن عباس وقتادة: كان ~~أعمى، قال الزجاج: ويقال إن حمير كانوا يسمون المكفوف ضعيفا وقال الحسن ~~وأبو روق ومقاتل: يعني ذليلا، قال أبو روق: إن الله سبحانه وتعالى لم يبعث ~~نبيا أعمى ولا نبيا به زمانة، وقيل: كان ضعيف البصر وقيل المراد بالضعف ~~العجز عن الكسب والتصرف وقيل هو الذي يتعذر عليه المنع عن نفسه ويدل على ~~صحة هذا القول ما بعده وهو قوله ولولا رهطك يعني جماعتك وعشيرتك قيل الرهط ~~ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة لرجمناك يعني لقتلناك ~~بالحجارة والرجم بالحجارة أسوأ القتلات وشرها، وقيل: # معناه لشتمناك وأغلظنا لك القول وما أنت علينا بعزيز يعني بكريم وقيل ~~بممتنع منا والمقصود من هذا الكلام وحاصله أنهم بينوا لشعيب عليه السلام ~~أنه لا حرمة له عندهم ولا في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه ولم يسمعوه ~~الكلام الغليظ الفاحش لأجل احترامهم رهطه وعشيرته وذلك لأنهم كانوا على ~~دينهم وملتهم ولما قالوا لشعيب عليه السلام هذه المقالة أجابهم بقوله قال ~~يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله يعني أهيب عندكم من الله وأمنع حتى تركتم ~~قتلي لمكان رهطي عندكم فالأولى أن تحفظوني في الله ولأجل الله لا لرهطي لأن ~~الله أعز وأعظم واتخذتموه وراءكم ظهريا يعني ونبذتم أمر الله وراء ظهوركم ~~وتركتموه كالشيء الملقى الذي لا يلتفت إليه إن ربي بما تعملون محيط يعني ~~أنه سبحانه وتعالى عالم بأحوالكم جميعا لا يخفى عليه منها شيء فيجازيكم بها ~~يوم القيامة ويا قوم اعملوا على مكانتكم يعني على تؤدتكم وتمكنكم من ~~أعمالكم وقيل المكانة الحالة والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بعناية ~~المكنة والقدرة من الشر إني عامل يعني ما أقدر عليه من الطاعة # PageV02P500 # والخير وهذا الأمر في قوله اعملوا فيه ms1886 وعيد وتهديد عظيم ويدل على ذلك ~~قوله سبحانه وتعالى: سوف تعلمون أينا الجاني على نفسه المخطئ في فعله. # فإن قلت أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في قوله سوف تعلمون. # قلت إدخال الفاء في قوله: فسوف تعلمون، وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ونزعها ~~في قوله سوف تعلمون وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر ~~كأنهم قالوا فما يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت فقال سوف تعلمون ~~يعني عاقبة ذلك فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف للتفنن في البلادة كما ~~هو عادة بلغاء العرب وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف وهو باب من أبواب ~~علم البيان تتكاثر محاسنه والمعنى سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه يعني ~~بسبب عمله السيء أو أينا الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب يعني ~~فيما يدعيه وارتقبوا يعني وانتظروا العاقبة ما يؤول إليه أمري وأمركم إني ~~معكم رقيب أي منتظر، والرقيب بمعنى المراقب. # ### || [سورة هود (11): الآيات 94 الى 101] # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود (95) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى ~~فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء ~~القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب (101) # ولما جاء أمرنا يعني بعذابهم وإهلاكهم نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا يعني بفضل منا بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة وأخذت الذين ~~ظلموا يعني ظلموا أنفسهم بالشرك والبخس الصيحة وذلك أن جبريل عليه السلام ~~صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم وماتوا جميعا، وقيل: أتتهم صيحة واحدة من ~~السماء فماتوا جميعا فأصبحوا في ديارهم جاثمين يعني ميتين وهو استعارة من ~~قولهم ms1887 جثم الطير إذا قعد ولطأ بالأرض كأن لم يغنوا فيها يعني كأن لم يقيموا ~~بديارهم مدة من الدهر مأخوذ من قولهم غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنيا به ~~عن غيره ألا بعدا يعني هلاكا لمدين كما بعدت ثمود قال ابن عباس «لم تعذب ~~أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة ~~من تحتهم وأما قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من فوقهم» قوله عز وجل: ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنا يعني بحججنا والبراهين التي أعطيناه الدالة على صدقه ونبوته ~~وسلطان مبين يعني ومعجزة باهرة ظاهرة دالة على صدقة أيضا قال بعض المفسرين ~~المحققين سميت الحجة سلطانا لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه كالسلطان ~~يقهر غيره، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة وسمي السلطان سلطانا لأنه حجة ~~الله في الأرض إلى فرعون وملائه يعني أتباعه وأشراف قومه فاتبعوا أمر فرعون ~~يعني ما هو عليه من الكفر وترك الإيمان بما جاءهم به موسى وما أمر فرعون ~~برشيد يعني وما طريق فرعون وما هو عليه بسديد ولا حميد العاقبة ولا يدعو ~~إلى خير يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار يعني كما تقدم قومه فأدخلهم ~~البحر في الدنيا كذلك يتقدم قومه يوم القيامة فيدخلهم النار ويدخل هو ~~أمامهم، والمعنى كما كان قدوتهم في الضلال والكفر في الدنيا فكذلك هو ~~قدوتهم وإمامهم في النار وبئس الورد المورود يعني: وبئس الدخل المدخول فيه ~~وقيل شبه الله تعالى فرعون في تقدمه على قومه إلى النار بمن يتقدم # PageV02P501 # على الوارد إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين بعده ولما كان ورود الماء ~~محمودا عند الواردين لأنه يكسر العطش قال في حق فرعون وأتباعه فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود لأن الأصل فيه قصد الماء واستعمل في ورود النار ~~على سبيل الفظاعة وأتبعوا في هذه يعني في هذه الدنيا لعنة يعني طردا وبعدا ~~عن الرحمة ويوم القيامة يعني وأتبعوا لعنة أخرى يوم القيامة مع اللعنة التي ~~حصلت لهم في الدنيا بئس الرفد المرفود يعني بئس العون المعان وذلك ms1888 أن ~~اللعنة في الدنيا رفد للعنة في الآخرة وقيل معناه بئس العطاء المعطى وذلك ~~أنه ترادف عليهم لعنتان لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة. # وقوله سبحانه وتعالى: ذلك من أنباء القرى يعني من أخبار أهل القرى وهم ~~الأمم السالفة والقرون الماضية نقصه عليك يعني نخبرك به يا محمد لتخبر قومك ~~أخبارهم لعلهم يعتبرون بهم فيرجعوا عن كفرهم أو ينزل بهم مثل ما نزل بهم من ~~العذاب منها يعني من القرى التي أهلكنا أهلها قائم وحصيد يعني منها عامر ~~ومنها خراب وقيل منها قائم يعني الحيطان بغير سقوف ومنها ما قد محي أثره ~~بالكلية شبهها الله تعالى بالزرع الذي بعضه قائم على سوقه وبعضهم قد حصد ~~وذهب أثره والحصيد بمعنى المحصود وما ظلمناهم يعني بالعذاب والإهلاك ولكن ~~ظلموا أنفسهم يعني بالكفر والمعاصي فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك يعني بعذابهم أي لم تنفعهم أصنامهم ولم تدفع ~~عنهم العذاب وما زادوهم غير تتبيب يعني غير تخسير وقيل غير تدمير. # ### || [سورة هود (11): الآيات 102 الى 106] # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ~~ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي ~~وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) # وكذلك أخذ ربك يعني وهكذا أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة الضمير في وهي ~~عائد على القرى والمراد أهلها إن أخذه أليم شديد (ق) عن أبي موسى الأشعري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه ~~لم يفلته ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ~~شديد» فالآية الكريمة في الحديث دليل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب أن ~~يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير ms1889 لئلا ~~يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ولا يظن أن هذه الآية حكمها مختص ~~بظالمي الأمم الماضية بل هو عام في كل ظالم ويعضده الحديث والله أعلم. # قوله عز وجل: إن في ذلك لآية يعني ما ذكر من عذاب الأمم الحالية وإهلاكهم ~~لعبرة وموعظة لمن خاف عذاب الآخرة يعني أن إهلاك أولئك عبرة يعتبر بها ~~وموعظة يتعظ بها من كان يخشى الله ويخاف عذابه في الآخرة لأنه إذا نظر ما ~~أحل الله بأولئك الكفار في الدنيا من أليم عذابه وعظيم عقابه وهو كالأنموذج ~~مما أعد لهم في الآخرة اعتبر به فيكون زيادة في خوفه وخشيته من الله ذلك ~~يوم مجموع له الناس يعني يوم القيامة تجمع فيه الخلائق من الأولين والآخرين ~~للحساب والوقوف بين يدي رب العالمين وذلك يوم مشهود يعني يشهده أهل السماء ~~وأهل الأرض وما نؤخره إلا لأجل معدود يعني وما نؤخر ذلك اليوم وهو يوم ~~القيامة إلا إلى وقت معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه أحد إلا الله تعالى: ~~يوم يأت يعني ذلك اليوم لا تكلم نفس إلا بإذنه قيل: إن جميع الخلائق يسكتون ~~في ذلك اليوم فلا يتكلم أحد فيه إلا بإذن الله تعالى. # فإن قلت كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى: يوم تأتي ~~كل نفس تجادل عن نفسها وقوله إخبارا عن محاجة الكفار «والله ربنا ما كنا ~~مشركين» والأخبار أيضا تدل على الكلام في ذلك اليوم. # PageV02P502 # قلت: يوم القيامة يوم طويل وله أحوال مختلفة وفيه أهوال عظيمة ففي بعض ~~الأحوال لا يقدرون على الكلام لشدة الأهوال وفي بعض الأحوال يؤذن لهم في ~~الكلام فيتكلمون وفي بعضها تخفف عنهم تلك الأهوال فيحاجون ويجادلون ~~وينكرون، وقيل: المراد من قوله لا تكلم نفس إلا بإذنه الشفاعة يعني لا تشفع ~~نفس لنفس شيئا إلا أن يأذن الله لها في الشفاعة فمنهم يعني فمن أهل الموقف ~~شقي وسعيد الشقاوة خلاف السعادة والسعادة هي معاونة الأمور الإلهية للإنسان ~~ومساعدته على فعل الخير والصلاح وتيسيره لها ثم ms1890 السعادة على ضربين سعادة ~~دنيوية وسعادة أخروية وهي السعادة القصوى لأن نهايتها الجنة وكذلك الشقاوة ~~على ضربين أيضا شقاوة دنيوية وشقاوة أخروية وهي الشقاوة القصوى لأن نهايتها ~~النار فالشقي من سبق له الشقاوة في الأزل والسعيد من سبقت له السعادة في ~~الأزل (ق). # عن علي بن أبي طالب قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت بمخصرته ثم ~~قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا ~~رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من ~~كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة ~~فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى الآية. بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم والمخصرة ~~كالسوط والعصا ونحو ذلك مما يمسكه بيده الإنسان والنكت بالنون والتاء ~~المثناة من فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة أو باليد ونحو ذلك حتى يؤثر فيه ~~واستدل بعض العلماء بهذه الآية وهذا الحديث على أن أهل الموقف قسمان شقي ~~وسعيد لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر مسكوت ~~عنه وهو من استوت حسناته وسيئاته وهم أصحاب الأعراف في قول والأطفال ~~والمجانين الذين لا حسنات لهم ولا سيئات فهؤلاء مسكوت عنهم فهم تحت مشيئة ~~الله عز وجل يوم القيامة يحكم فيهم بما يشاء وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا ~~يدل على نفي القسم الثالث فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها أي في النار ~~من العذاب والهوان زفير وشهيق أصل الزفير ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ ~~منه الضلوع والشهيق رد النفس إلى الصدر أو الزفير مده وإخراجه من الصدر ~~وقال ابن عباس: الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف، وقال الضحاك ~~ومقاتل: # الزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره إذا رده إلى صدره وقال أبو العالية: ~~الزفير ms1891 في الحلق والشهيق في الجوف. # ### || [سورة هود (11): الآيات 107 الى 108] # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) # خالدين فيها يعني لابثين مقيمين في النار ما دامت السماوات والأرض قال ~~الضحاك: يعني ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما ولا بد لأهل الجنة وأهل ~~النار من سماء تظلهم وأرض تقلهم فكل ما علاك فأظلك فهو سماء وكل ما استقر ~~عليه قدمك فهو أرض وقال أهل المعاني هذه عبارة عن التأبيد وذلك على عادة ~~العرب فإنهم يقولون لا آتيك ما دامت السموات والأرض وما اختلف الليل ~~والنهار يريدون بذلك التأبيد. # وقوله سبحانه وتعالى: إلا ما شاء ربك اختلف العلماء في معنى هذين ~~الاستثناءين فقال ابن عباس والضحاك: الاستثناء الأول المذكور في أهل الشقاء ~~يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها ~~فيكون استثناء من غير الجنس لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة ~~استثناهم الله تعالى من الأشقياء ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله سبحانه وتعالى يخرج # PageV02P503 # قوما من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة» وفي رواية «إن الله يخرج ناسا من ~~النار فيدخلهم الجنة» أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «يخرج من النار قوم بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة ~~فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» وفي رواية «ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب ~~أصابوها عقوبة لهم ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته فيقال لهم الجهنميون» ~~(خ) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يخرج قوم من النار ~~بشفاعة محمد فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين» وأما الاستثناء الثاني المذكور ~~في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء في النار قبل دخولهم الجنة فعلى ~~هذا القول يكون معنى الآية فأما ms1892 الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ~~خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها فيدخلهم ~~الجنة إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك أن يدخله النار أولا ثم يخرجه منها ~~فيدخله الجنة فحاصل هذا القول إن الاستثناءين يرجع كل واحد منهما إلى قوم ~~مخصوصين هم في الحقيقة سعداء أصابوا ذنوبا استوجبوا بها عقوبة يسيرة في ~~النار ثم يخرجون منها فيدخلون الجنة لأن إجماع الأمة على أن من دخل الجنة ~~لا يخرج منها أبدا وقيل إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين السعداء ~~والأشقياء وهو مدة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت ~~إلى البعث ومدة وقوفهم للحساب ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إلا ما ~~شاء ربك سوى ما شاء ربك فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك من الزيادة على ذلك وهو كقولك لفلان علي ألف إلا ألفين أي ~~سوى ألفين وقيل إلا بمعنى الواو بمعنى وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار ~~وخلود هؤلاء في الجنة فهو كقوله تمجد وتعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا أي ولا الذين ظلموا وقيل معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه ~~لم يشأ لأنه حكم لهم بالخلود فيها، قال الفراء: هذا استثناء استثناه الله ~~ولا يفعله كقوله والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزمه أن يضربه فهذه ~~الأقوال في معنى الاستثناء ترجع إلى الفريقين والصحيح هو القول الأول ويدل ~~عليه قوله سبحانه وتعالى: # إن ربك فعال لما يريد يعني من إخراج من أراد من النار وإدخالهم الجنة ~~فهذا على الإجمال في حال الفريقين فأما على التفصيل فقوله إلا ما شاء ربك ~~في جانب الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق وتقريره أن يفيد حصول الزفير ~~والشهيق مع خلود لأنه إذا دخل ms1893 الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع ~~والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة يعني إلا ما شاء ربك من ~~الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود، وقيل: إن الاستثناء الأول في جانب ~~الأشقياء معناه إلا ما شاء ربك من أن يخرجهم من حر النار إلى البرد ~~والزمهرير وفي جانب السعداء معناه إلا ما شاء ربك أن يرفع بعضهم إلى منازل ~~أعلى منازل الجنان ودرجاتها والقول الأول هو المختار ويدل على خلود أهل ~~الجنة في الجنة أن الأمة مجتمعة على من دخل الجنة لا يخرج منها بل هو خالد ~~فيها. # وقوله سبحانه وتعالى في جانب السعداء عطاء غير مجذوذ يعني غير مقطوع قال ~~ابن زيد: أخبرنا الله سبحانه وتعالى بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى عطاء ~~غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار وروي عن ابن مسعود أنه قال ~~«ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا» وعن ~~أبي هريرة نحوه، وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة: فمحمول عند أهل السنة ~~على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار من النار بعد إخراجهم منها ~~لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها أو ~~يكون محمولا على إخراج الكفار من حر النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذابا ~~فوق عذابهم والله أعلم. # PageV02P504 # ### || [سورة هود (11): الآيات 109 الى 111] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # قوله سبحانه وتعالى: فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء يعني فلا تك في شك يا ~~محمد في هذه الأصنام التي يعبدها هؤلاء الكفار فإنها لا تضر ولا تنفع ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل يعني أنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام ~~مستند ms1894 إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فعبدوها مثلهم وإنا لموفوهم نصيبهم ~~غير منقوص يعني وإنا مع عبادتهم هذه الأصنام نرزقهم الرزق الذي قدرناه لهم ~~من غير نقص فيه ويحتمل أن يكون المراد من توفية نصيبهم يعني من العذاب الذي ~~قدر لهم في الآخرة كاملا موفرا غير ناقص. # قوله عز وجل: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه يعني في ~~الكتاب فمنهم مصدق به ومكذب به كما فعل قومك يا محمد بالقرآن ففيه تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولولا كلمة سبقت من ربك يعني بتأخير العذاب عنهم ~~إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقونه من تعجيل العقوبة في الدنيا على كفرهم ~~وتكذيبهم وهو قوله تبارك وتعالى: لقضي بينهم يعني لعذبوا في الحال وفرغ من ~~عذابهم وإهلاكهم وإنهم لفي شك منه يعني من القرآن ونزوله عليك يا محمد مريب ~~يعني أنهم قد وقعوا في الريب والتهمة وإن كلا يعني من الفريقين المختلفين ~~المصدق والمكذب لما ليوفينهم ربك أعمالهم اللام لام القسم تقديره والله ~~ليوفينهم جزاء أعمالهم في القيامة فيجازي المصدق على تصديقه الجنة ويجازي ~~المكذب على تكذيبه النار إنه بما يعملون خبير يعني أنه سبحانه وتعالى لا ~~يخفى عليه شيء من أعمال عباده وإن دقت ففيه وعد للمحسنين المصدقين وفيه ~~وعيد وتهديد للمكذبين الكافرين. ### || [سورة هود (11): الآيات 112 الى 115] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون (113) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~(115) # قوله سبحانه وتعالى: فاستقم كما أمرت الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك ~~والأمر في فاستقم للتأكيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الاستقامة ~~لم يزل عليها كقولك للقائم قم حتى آتيك أي دم على ما أنت ms1895 عليه من القيام ~~حتى آتيك ومن تاب معك يعني ومن آمن معك من أمتك فليستقيموا أيضا على دين ~~الله والعمل بطاعته قال عمر بن الخطاب: الاستقامة أن تستقيم على الأمر ~~والنهي ولا تروغ منه روغان الثعلب (م). عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: ~~قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال «قل ~~آمنت بالله ثم استقم» ولا تطغوا يعني ولا تجاوزوا أمري إلى غيره ولا تعصوني ~~وقيل معناه ولا تغلوا في الدين فتجاوزوا ما أمرتكم به ونهيتكم عنه إنه بما ~~تعملون بصير يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها ~~قال ابن عباس: ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أشد عليه ~~من هذه الآية ولذلك قال شيبتني هود وأخواتها (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا ~~وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» قوله: إن الدين ~~يسر، اليسر ضد العسر وأراد به التسهيل في الدين وترك التشدد فإن هذا الدين ~~مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى فسددوا أي اقصدوا السداد من ~~الأمور وهو الصواب وقاربوا أي اطلبوا المقاربة وهي القصد الذي لا غلو فيه ~~ولا تقصير والغدوة الرواح بكرة والرواح الرجوع عشيا والمراد منه اعملوا ~~أطراف النهار وقتا وقتا والدلجة # PageV02P505 # سير الليل والمراد منه اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضا وقوله شيء من ~~الدلجة إشارة إلى تقليله. # وقوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا قال ابن عباس: ولا تميلوا ~~والركون هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم، ~~وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة، وعن عكرمة لا تطيعوهم، وقيل: معناه ولا ~~تسكنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار يعني فتصيبكم النار بحرها وما لكم من ~~دون الله من أولياء يعني أعوانا وأنصارا يمنعونكم من عذابه ثم لا تنصرون ~~يعني ثم لا تجدون لكم من ينصركم ويخلصكم من عقاب ms1896 الله غدا في القيامة ففيه ~~وعيد لمن ركن إلى الظلمة أو رضي بأعمالهم أو أحبهم فكيف حال الظلمة في ~~أنفسهم نعوذ بالله من الظلم. # قوله عز وجل: وأقم الصلاة طرفي النهار سبب نزول هذه الآية ما رواه ~~الترمذي عن أبي اليسر قال «أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت إن في البيت تمرا ~~هو أطيب منه فدخلت معي فأهويت إليها فقبلتها فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له ~~فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له ~~فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ~~حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار قال ~~وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا حتى أوحى الله إليه وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله ذلك ذكرى للذاكرين. # قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه ~~يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة قال بل للناس عامة» قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن غريب وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره وأبو اليسر هو كعب بن ~~عمرو (ق). عن عبد الله بن مسعود «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فنزلت وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل الآية فقال الرجل يا رسول الله ألي هذه الآية قال لمن عمل بها من ~~أمتي وفي رواية فقال رجل من القوم يا نبي الله هذه له خاصة قال بل للناس ~~كافة» عن معاذ بن جبل قال «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول ~~الله أرأيت رجلا لقي امرأة وليس بينهما معرفة فليس يأتي الرجل إلى امرأته ~~شيئا إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها قال فأنزل الله عز وجل وأقم ~~الصلاة طرفي النهار ms1897 وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي قال معاذ فقلت يا ~~رسول الله أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: بل للمؤمنين عامة» أخرجه ~~الترمذي وقال هذا الحديث ليس بمتصل لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ~~معاذ. # أما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار يعني صلاة ~~الغداة والعشي وقال مجاهد: # طرفي النهار يعني صلاة الصبح والظهر والعصر وزلفا من الليل يعني صلاة ~~المغرب والعشاء، وقال مقاتل: صلاة الصبح والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب ~~طرف وزلفا من الليل يعني صلاة العشاء وقال الحسن طرفي النهار الصبح والعصر ~~وزلفا من الليل المغرب والعشاء وقال ابن عباس طرفي النهار الغداة والعشي ~~يعني صلاة الصبح والمغرب قال الإمام فخر الدين الرازي: كثرت المذاهب في ~~تفسير طرفي النهار والأشهر أن الصلاة التي في طرفي النهار هي الفجر والعصر ~~وذلك لأن أحد طرفي النهار هو طلوع الشمس والثاني هو غروبها فالطرف الأول هو ~~صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت ~~قوله تعالى وزلفا من الليل فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر وزلفا من ~~الليل يعني وأقم الصلاة في زلف من الليل وهي ساعاته واحدتها زلفة وأصل ~~الزلفة المنزلة والمراد بها صلاة المغرب والعشاء إن الحسنات يذهبن السيئات ~~يعني إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات ويكفرنها (م) عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما ~~بينهن زاد في رواية ما لم تغش الكبائر» وزاد في رواية أخرى «ورمضان إلى # PageV02P506 # رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (ق) عن أبي هريرة أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل ~~فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا قال فذلك مثل الصلوات ~~الخمس يمحو الله بها الخطايا» (خ) عن جابر قال: قال رسول الله ms1898 صلى الله ~~عليه وسلم «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل ~~يوم خمس مرات» قال الحسن وما يبقى من الدرن. # قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحات مثل الصلاة ~~والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر وأما الكبائر من الذنوب ~~فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن ~~الذنب بالكلية. # الثاني: الندم على فعله. # الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط ~~صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى، وقال مجاهد في تفسير الحسنات ~~إنها قول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والقول الأول ~~أصح أنها الصلوات الخمس وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ومجاهد في ~~إحدى الروايتين عنه والقرظي والضحاك وجمهور المفسرين ذلك إشارة إلى ما تقدم ~~ذكره من الاستقامة والتوبة وقيل هو إشارة إلى القرآن ذكرى للذاكرين يعني ~~عظة للمؤمنين المطيعين واصبر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني واصبر ~~يا محمد على أذى قومك وما تلقاه منهم، وقيل معناه واصبر على الصلاة فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين يعني أعمالهم، قال ابن عباس: يعني المصلين. # ### || [سورة هود (11): الآيات 116 الى 119] # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت ~~كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) # قوله سبحانه وتعالى: فلولا كان من القرون يعني فهلا كان من القرون التي ~~أهلكناهم من قبلكم يعني يا أمة محمد أولوا بقية يعني أولوا تمييز وطاعة ~~وخير يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير وقيل معناه أولوا بقية من خير يقال ~~فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ينهون ms1899 عن الفساد في الأرض ~~يعني يقومون بالنهي عن الفساد في الأرض والآية للتقريع والتوبيخ يعني لم ~~يكن فيهم من فيه خير ينهى عن الفساد عن الأرض فلذلك أهلكناهم إلا قليلا هذا ~~استثناء منقطع معناه لكن قليلا ممن أنجينا منهم يعني من آمن الأمم الماضية ~~وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض واتبع الذين ظلموا ما ~~أترفوا فيه يعني واتبع الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ما تنعموا فيه ~~والترف التنعم والمعنى أنهم اتبعوا ما تعودوا به من النعم وإيثار اللذات ~~على الآخرة ونعيمها وكانوا مجرمين يعني كافرين وما كان ربك يعني وما كان ~~ربك يا محمد ليهلك القرى بظلم يعني لا يهلكهم بظلم منه وأهلها مصلحون يعني: ~~في أعمالهم ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات، وقيل: في معنى الآية وما ~~كان ربك ليهلك القرى بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعني يعامل بعضهم بعضا ~~بالصلاح والسداد والمراد من الهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا أما عذاب ~~الآخرة فهو لازم لهم ولهذا قال بعض الفقهاء إن حقوق الله مبناها على ~~المسامحة والمساهلة وحقوق العباد مبناها على التضييق والتشديد قوله عز وجل: ~~ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة # يعني كلهم على دين واحد وشريعة واحدة ولا يزالون مختلفين يعني على أديان ~~شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل أهل دين من # PageV02P507 # هذه الأديان قد اختلفوا في دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «تفرق اليهود على ~~إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك وستفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين فرقة» أخرجه أبو داود والترمذي بنحوه عن معاوية قال «قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ~~اثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في ~~النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» أخرجه أبو داود قال الخطابي: قوله صلى ~~الله عليه وسلم «وستفترق أمتي» ms1900 فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة من ~~الملة والدين إذ جعلهم من أمته وقال غيره المراد بهذه الفرق أهل البدع ~~والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة ~~والرافضة وغيرهم من أهل البدع والأهواء والمراد بالواحدة هي فرقة السنة ~~والجماعة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. # وقوله سبحانه وتعالى: إلا من رحم ربك يعني لكن من رحم ربك فمن عليه ~~بالهداية والتوفيق إلى الحق، وهداه إلى الدين القويم والصراط المستقيم فهم ~~لا يختلفون ولذلك خلقهم قال الحسن وعطاء وللاختلاف خلقهم. # قال أشهب: سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة ~~وفريق في السعير، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم يعني ~~الذين يرحمهم. # وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة وخلق أهل الاختلاف للاختلاف، وقيل: ~~خلق الله عز وجل أهل الرحمة للرحمة لئلا يختلفوا وخلق أهل العذاب لأن ~~يختلفوا وخلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا فحاصل الآية أن ~~الله خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين فحكم على ~~بعضهم بالاختلاف ومصيرهم إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة وهم أهل الاتفاق ~~ومصيرهم إلى الجنة ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله تبارك ~~وتعالى: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وهذا صريح بأن ~~الله سبحانه وتعالى خلق أقواما للجنة وللرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل ~~الجنة وخلق أقواما للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية. ### || [سورة هود (11): الآيات 120 الى 123] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~(121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع ~~الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) # قوله سبحانه وتعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك لما ~~ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة قصص الأمم الماضية ms1901 والقرون ~~الحالية وما جرى لهم مع أنبيائهم خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله وكلا ~~نقص عليك يا محمد من أنباء الرسل يعني من أخبار الرسل وما جرى لهم مع قومهم ~~ما نثبت به فؤادك يعني ما نقوي به قلبك لتصبر على أذى قومك وتتأسى بالرسل ~~الذين خلوا من قبلك وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع هذه القصص ~~وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه ~~وأمكنه الصبر عليه وجاءك يا محمد في هذه الحق اختلفوا في هذا الضمير إلى ~~ماذا يعود فقيل معناه وجاءك في هذه الدنيا الحق وفيه بعد لأنه لم يجر ~~للدنيا ذكر حتى يعود الضمير إليها وقيل في هذه الآية وقيل في هذه السورة ~~وهو الأقرب وهو قول الأكثرين فإن قلت جاءه الحق في سورة القرآن فلم خص هذه ~~السورة بالذكر قلت لا يلزم من تخصيص هذه السورة بالذكر أن لا يكون قد جاءه ~~الحق في غيرها من السور بل القرآن كله حق وصدق وإنما # PageV02P508 # خصها بالذكر تشريفا لها وموعظة وذكرى للمؤمنين أي وهذه السورة موعظة يتعظ ~~بها المؤمنون إذا تذكروا أحوال الأمم الماضية وما نزل بهم وقل للذين لا ~~يؤمنون اعملوا على مكانتكم فيه وعيد وتهديد يعني اعملوا ما أنتم عاملون ~~فستعلمون عاقبة ذلك العمل فهو كقوله: اعملوا ما شئتم إنا عاملون يعني ما ~~أمرنا به ربنا وانتظروا يعني ما يعدكم به الشيطان إنا منتظرون يعني ما يحل ~~بكم من نقمة الله وعذابه إما في الدنيا وإما في الآخرة ولله غيب السماوات ~~والأرض يعني يعلم ما غاب عن العباد فيهما يعني أن علمه سبحانه وتعالى نافذ ~~في جميع الأشياء خفيها وجليها وحاضرها ومعدومها لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء إليه يرجع الأمر كله يعني إلى الله يرجع أمر الخلق كلهم في ~~الدنيا والآخرة فاعبده يعني أن من كان كذلك كان مستحقا للعبادة لا غيره ~~فاعبده ولا تشتغل بعبادة غيره وتوكل عليه يعني وثق ms1902 به في جميع أمورك فإنه ~~يكفيك وما ربك بغافل عما تعملون قال أهل التفسير هذا خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم والمعنى أنه سبحانه وتعالى يحفظ على ~~العباد أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته. # قال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. # PageV02P509 ### | سورة يوسف # وهي مكية بإجماعهم وهي مائة وإحدى عشرة آية وألف وستمائة كلمة وسبعة آلاف ~~ومائة وستة وستون حرفا. # قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وفي سبب نزولها قولان: أحدهما روي عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل الله عز ~~وجل الله نزل أحسن الحديث فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ~~تعالى: الر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله تعالى: نحن نقص عليك أحسن ~~القصص. # القول الثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف فأنزل الله عز وجل ~~الر تلك آيات الكتاب المبين الآيات الكريمة. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين (3) # قوله عز وجل: الر تقدم تفسيره في أول سورة يونس عليه الصلاة والسلام تلك ~~إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة ~~المسماة بالر هذه آيات الكتاب المبين وهو القرآن أي البين حلاله وحرامه ~~وحدوده وأحكامه وقال قتادة: مبين بينه الله ببركته وهداه ورشده فهذا من بان ~~أي ظهر، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام فهذا من أبان ~~بمعنى أظهر وقيل إنه يبين فيه قصص الأولين وشرح أحوال المتقدمين إنا ms1903 ~~أنزلناه يعني هذا الكتاب قرآنا عربيا أي أنزلناه بلغتكم لكي تعلموا معانيه ~~وتفهموا ما فيه وقيل لما قالت اليهود لمشركي مكة سلوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم عن أمر يعقوب وقصة يوسف وكانت عند اليهود بالعبرانية فأنزل الله هذه ~~السورة وذكر فيها قصة يوسف بالعربية لتفهمها العرب ويعرفوا معانيها ~~والتقدير إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه عربيا فعلى ~~هذا القول يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه لأنه اسم جنس يقع على الكل ~~والبعض واختلف العلماء هل يمكن أن يقال في القرآن شيء بغير العربية، فقال ~~أبو عبيدة: من زعم أن في القرآن لسانا غير العربية فقد قال بغير الحق وأعظم ~~على الله القول واحتج بهذه الآية إنا أنزلناه قرآنا عربيا. وروي عن ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة: أن فيه من غير لسان العربية مثل سجيل والمشكاة واليم ~~وإستبرق ونحو ذلك وهذا هو الصحيح المختار لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة ~~بلسان العرب وكلا القولين صواب إن شاء الله تعالى ووجه الجمع بينهما أن هذه ~~الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت # PageV02P510 # عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل لكنهم لما تكلموا بها نسبت ~~إليهم وصارت لهم لغة، فظهر بهذا البيان صحة القولين وأمكن الجمع بينهما ~~لعلكم تعقلون يعني تفهمون أيها العرب لأنه نازل بلغتكم قوله تعالى: نحن نقص ~~عليك أحسن القصص الأصل في معنى القصص اتباع الخبر بعضه بعضا والقاص هو الذي ~~يأتي بالخبر على وجهه وأصله في اللغة من قصص الأثر إذا تتبعه وإنما سميت ~~الحكاية قصة لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا والمعنى نحن ~~نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان وقيل ~~المراد منه قصة يوسف عليه الصلاة والسلام خاصة وإنما سماها أحسن القصص لما ~~فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من ~~سير الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء وحسن ~~التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ms1904 ذلك من الفوائد المذكورة في هذه السورة ~~الشريفة. قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في ~~الجنة. قال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. # وقوله تعالى: بما أوحينا إليك يعني بإيحائنا إليك يا محمد هذا القرآن وإن ~~كنت أي وقد كنت من قبله يعني من قبل وحينا إليك لمن الغافلين يعني عن هذه ~~القصة وما فيها من العجائب قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل ~~الله عز وجل: الله نزل أحسن الحديث فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا ~~فأنزل الله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص فقالوا يا رسول الله لو ذكرتنا ~~فأنزل الله عز وجل: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 4 الى 5] # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين (5) # إذ قال يوسف لأبيه أي اذكر يا محمد لقومك قول يوسف لأبيه يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم صلى الله عليه وعليهم أجمعين (خ) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ويوسف اسم عبري ولذلك لا يجري فيه الصرف وقيل هو ~~عربي سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف فقال الأسف أشد الحزن والأسيف العبد ~~واجتمعا في يوسف فسمي به يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين معناه قال أهل التفسير: رأى يوسف في منامه كأن أحد عشر ~~كوكبا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له وكانت هذه الرؤيا ليلة ~~الجمعة وكانت ليلة القدر وكان النجوم في التأويل إخوته وكانوا أحد عشر رجلا ~~يستضاء بهم ms1905 كما يستضاء بالنجوم والشمس أبوه والقمر أمه في قول قتادة، وقال ~~السدي: القمر خالته لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. وقال قتادة وابن جريج: # القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر وكان يوسف عليه ~~السلام ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل: # سبع عشرة سنة وقيل سبع سنين وأراد بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره ~~وقيل أراد به حقيقة السجود لأنه كان في ذلك الزمان التحية فيما بينهم ~~السجود. # فإن قلت: إن الكواكب جماد لا تعقل فكيف عبر عنها بكناية من يعقل في قوله ~~رأيتهم ولم يقل رأيتها وقوله: ساجدين ولم يقل ساجدات. # قلت: لما أخبرنا عنها بفعل من يعقل وهو السجود كنى عنها بكناية من يعقل ~~فهو كقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم وقيل إن الفلاسفة والمنجمين يزعمون ~~أن الكواكب أحياء نواطق حساسة فيجوز أن يعبر عنها # PageV02P511 # بكناية من يعقل وهذا القول ليس بشيء والأول أصح فإن قلت قد قال إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ثم أعاد لفظ الرؤيا ثانيا فقال رأيتهم لي ~~ساجدين فما فائدة هذا التكرار. # قلت: معنى الرؤيا الأولى أنه رأى أجرام الكواكب والشمس والقمر ومعنى ~~الرؤيا الثانية أنه أخبر بسجودها له وقال بعضهم. # معناه أنه لما قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر فكأنه قيل له: ~~وكيف رأيت؟ قال: رأيتهم لي ساجدين وإنما أفرد الشمس والقمر بالذكر وإن كانا ~~من جملة الكواكب للدلالة على فضلهما وشرفهما على سائر الكواكب قال أهل ~~التفسير: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان شديد الحب ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك ليعقوب، فلما رأى يوسف هذه الرؤيا ~~وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فلهذا قال يعقوب يا بني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك يعني لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك ~~كيدا أي: فيحتالوا في إهلاكك فأمره بكتمان رؤياه عن إخوته لأن رؤيا ~~الأنبياء وحي وحق واللام في فيكيدوا لك كيدا تأكيدا للصلة كقولك: نصحتك ~~ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك إن ms1906 الشيطان للإنسان عدو مبين يعني أنه بين ~~العداوة، لأن عداوته قديمة فهم إن أقدموا على الكيد كان ذلك مضافا إلى ~~تزيين الشيطان ووسوسته (ق) عن أبي قتادة قال: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا ~~السوء من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى ~~أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~وشرها فإنها لن تضره» (خ). عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله ~~فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من ~~الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره» ~~(م) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا رأى ~~أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» عن أبي رزين العقيلي قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «رؤيا المؤمن جزء من أربعين وفي رواية جزء من ~~ستة وأربعين جزء من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها ~~سقطت قال وأحسبه قال ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» أخرجه الترمذي، ~~ولأبي داود نحوه قال الشيخ محيي الدين النووي قال المازري مذهب أهل السنة ~~في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في ~~قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة فإذا ~~خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يجعلها في ثاني الحال ~~والجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي يجعلها علما على ~~ما سر بغير حضرة الشيطان فإذا خلق ما هو علم على ما يضر يكون بحضرة الشيطان ~~فينسب إلى الشيطان ms1907 مجازا وإن كان لا فعل له في الحقيقة فهذا معنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان»، لا على أن الشيطان ~~يفعل شيئا والرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه، وقال غيره: إضافة ~~الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف الرؤيا المكروهة وإن ~~كانتا جميعا من خلق الله وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيها ولكنه يحضر ~~المكروهة ويرتضيها فيستحب إذا رأى الرجل في منامه ما يحب أن يحدث به من يحب ~~وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها ~~وليتفل ثلاثا وليتحول إلى جنبه الآخر فإنها لا تضره فإن الله تعالى جعل هذه ~~الأسباب سببا لسلامته من المكروه كما جعل الصدقة سببا لوقاية المال وغيره ~~من البلاء والله أعلم. # PageV02P512 # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 6 الى 7] # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) لقد ~~كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # قوله تعالى: وكذلك يجتبيك ربك يعني يقول يعقوب ليوسف عليه الصلاة والسلام ~~أي وكما رفع منزلتك بهذه الرؤيا الشريفة العظيمة كذلك يجتبيك ربك يعني ~~يصطفيك ربك واجتباء الله تعالى العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل له منه ~~أنواع الكرامات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء أو ببعض من يقاربهم ~~من الصديقين والشهداء والصالحين ويعلمك من تأويل الأحاديث يعني به تعبير ~~الرؤيا سمي تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، يعني يعلمك تأويل ~~أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس ~~بتعبير الرؤيا. وقال الزجاج: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم السالفة والكتب ~~المنزلة. # وقال ابن زيد: يعلمك العلم والحكمة ويتم نعمته عليك يعني بالنبوة، قاله ~~ابن عباس لأن منصب النبوة أعلى من جميع المناصب وكل الخلق دون درجة ~~الأنبياء فهذا من إتمام النعمة عليهم، لأن جميع الخلق دونهم في الرتب ~~والمناصب وعلى آل يعقوب المراد بآل يعقوب ms1908 أولاده فإنهم كانوا أنبياء وهو ~~المراد من إتمام النعمة عليهم كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق # بأن جعلهما نبيين وهو المراد من إتمام النعمة عليهما وقيل: المراد من ~~إتمام النعمة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأن خلصه الله من النار ~~واتخذه خليلا والمراد من إتمام النعمة على إسحاق بأن خلصه الله من الذبح ~~وهذا على قول من يقول إن إسحاق هو الذبيح وليس بشيء والقول الأول هو الأصح ~~بأن إتمام النعمة عليهما بالنبوة لأنه لا أعظم من منصب النبوة فهو من أعظم ~~النعم على العبد إن ربك عليم يعني بمصالح خلقه حكيم يعني أنه تعالى لا يفعل ~~شيئا إلا بحكمة، وقيل: إنه تعالى حكم بوضع النبوة في بيت إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها ~~بمصر واجتماعه بأبويه وإخوته أربعون سنة وهذا قول أكثر المفسرين، وقال ~~الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه ~~وقالوا ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه. # قوله عز وجل: لقد كان في يوسف وإخوته يعني في خبره وخبر إخوته وأسماؤهم ~~روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وزبولون ويشجر وأمهم ليا بنت ليان ~~وهي ابنة خال يعقوب وولد يعقوب من سريتين اسم إحداهما زلفة والأخرى بلهة ~~أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب ~~أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين فهؤلاء بنو ليعقوب وهم الأسباط، ~~وعددهم اثنا عشر نفرا آيات للسائلين وذلك أن اليهود لما سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وقيل سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض ~~كنعان إلى أرض مصر ذكر قصة يوسف مع إخوته فوجدوها موافقة لما في التوراة ~~فعجبوا منه فعلى هذا تكون هذه القصة دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنه لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يجالس العلماء والأحبار، ولم يأخذ عن ~~أحد منهم شيئا ms1909 فدل ذلك على أن ما أتي به وحي سماوي وعلم قدسي أوحاه الله ~~إليه وشرفه به، ومعنى آيات للسائلين أي عبرة للمعتبرين فإن هذه القصة تشتمل ~~على أنواع من العبر والمواعظ والحكم ومنها رؤيا يوسف وما حقق الله فيها ~~ومنها حسد إخوته له وما آل إليه أمرهم من الحسد ومنها صبر يوسف على إخوته ~~وبلواه مثل إلقائه في الجب وبيعه عبدا وسجنه بعد ذلك وما آل إليه أمره من ~~الملك ومنها ما تشتمل عليه من حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه ~~أمره من بلوغ المراد وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر ~~واتعظ. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 8 الى 9] # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين (9) # PageV02P513 # إذ قالوا يعني إخوة يوسف ليوسف اللام فيه لام القسم تقديره والله ليوسف ~~وأخوه يعني بنيامين وهما من أم واحدة أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إنما ~~قالوا هذه المقالة حسدا منهم ليوسف وأخيه لما رأوا من ميل يعقوب إليه وكثرة ~~شفقته عليه والعصبة الجماعة وكانوا عشرة، قال الفراء: العصبة هي العشرة فما ~~زاد وقيل هي ما بين الواحد إلى العشرة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة، ~~وقال مجاهد: هي ما بين العشرة إلى خمسة عشر وقيل إلى الأربعين وقيل الأصل ~~فيه أن كل جماعة يتعصب بعضهم ببعض يسمون عصبة والعصبة لا واحد لها من لفظها ~~كالرهط والنفر إن أبانا لفي ضلال مبين يعني لفي خطأ بين في إيثاره حب يوسف ~~علينا مع صغره لا نفع فيه ونحن عصبة ننفعه ونقوم بمصالحه من أمر دنياه ~~وإصلاح أمر مواشيه وليس المراد من ذكر هذا الضلال الضلال عن الدين إذ لو ~~أرادوا ذلك لكفروا به ولكن أرادوا به الخطأ في أمر الدنيا وما يصلحها يقول ~~نحن أنفع له من يوسف فهو مخطئ في صرف محبته إليه لأنا أكبر منه ms1910 سنا وأشد ~~قوة وأكثر منفعة وغاب عنهم المقصود الأعظم وهو أن يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام ما فضل يوسف وأخاه على سائر الإخوة إلا في المحبة المحضة ومحبة ~~القلب ليس في وسع البشر دفعها ويحتمل أن يعقوب إنما خص يوسف بمزيد المحبة ~~والشفقة لأن أمه ماتت وهو صغير ولأنه رأى فيه من آيات الرشد والنجابة ما لم ~~يره في سائر إخوته فإن قلت الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد والحسد ~~من أمهات الكبائر وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلال هو محض العقوق وهو من ~~الكبائر أيضا وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء فما الجواب عنه. # قلت: هذه الأفعال إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم والمعتبر ~~في عصمة الأنبياء هو وقت حصول النبوة لا قبلها، وقيل: كانوا وقت هذه ~~الأفعال مراهقين غير بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ فعلى هذا لم تكن ~~هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء. # قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم لما قوي الحسد وبلغ النهاية قال إخوة يوسف فيما بينهم لا بد من تبعيد ~~يوسف عن أبيه وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين إما القتل مرة واحدة أو التغريب ~~إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه بأن تفترسه الأسد والسباع أو يموت في ~~تلك الأرض البعيدة ثم ذكروا العلة في ذلك وهي قوله يخل لكم وجه أبيكم ~~والمعنى أنه قد شغله حب يوسف عنكم فإذا فعلتم ذلك بيوسف أقبل يعقوب بوجهه ~~عليكم وصرف محبته إليكم وتكونوا من بعده يعني من بعد قتل يوسف أو إبعاده عن ~~أبيه قوما صالحين يعني: تائبين فتوبوا إلى الله يعف عنكم فتكونوا قوما ~~صالحين وذلك أنهم لما علموا أن الذي عزموا عليه من الذنوب والكبائر قالوا ~~نتوب إلى الله من هذا الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل، وقال مقاتل: ~~معناه يصلح لكم أمركم فيما بينكم وبين أبيكم فإن قلت كيف يليق أن تصدر هذه ~~الأفعال منهم وهم أنبياء. # قلت: الجواب ms1911 ما تقدم أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت حتى تكون هذه ~~الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء وإنما أقدموا على هذه الأفعال قبل النبوة ~~وقيل إن الذي أشار بقتل يوسف كان أجنبيا شاوروه في ذلك فأشار عليهم بقتله. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 10 الى 11] # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون (11) # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف يعني قال قائل من إخوة يوسف وهو يهوذا، ~~وقال قتادة: هو روبيل وهو ابن خالته وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه ~~فنهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة والأصح أن قائل هذه # PageV02P514 # المقالة هو يهوذا لأنه كان أقربهم إليه سنا وألقوه في غيابت الجب يعني ~~ألقوه في أسفل الجب وظلمته والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر والجب ~~البئر الكبيرة غير مطوية سمي بذلك لأنه جب أي قطع ولم يطو وأفاد ذكر ~~القيامة مع ذكر الجب أن المشير أشار بطرحه في موضع من الجب مظلم لا يراه ~~أحد واختلفوا في مكان ذلك الجب، فقال قتادة: هو بئر ببيت المقدس، وقال وهب: ~~هو في أرض الأردن وقال مقاتل هو في أرض الأردن على ثلاثة فراسخ من منزل ~~يعقوب وإنما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم يلتقطه بعض ~~السيارة وذلك أن هذا الجب كان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين، ~~والالتقاط أخذ الشيء من الطريق أو من حيث لا يحتسب، ومنه اللقطة بعض ~~السيارة يعني يأخذه بعض المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى فتستريحون منه ~~إن كنتم فاعلين فيه إشارة إلى ترك الفعل فكأنه قال لا تفعلوا شيئا من ذلك ~~وإن عزمتم على هذا الفعل فافعلوا هذا القدر إن كنتم فاعلين ذلك. # قال البغوي: كانوا يومئذ بالغين ولم يكونوا أنبياء إلا بعده وقيل لم ~~يكونوا بالغين وليس بصحيح بدليل أنهم قالوا وتكونوا من بعده قوما صالحين ~~وقالوا يا أبانا استغفر لنا ms1912 ذنوبنا إنا كنا خاطئين والصغير لا ذنب له. قال ~~محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة من قطيعة الرحم وعقوق ~~الوالدين وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له والغدر بالأمانة وترك العهد ~~والكذب مع أبيهم وعفا الله عن ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة الله تعالى ~~وقال بعض أهل العلم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم ولو فعلوا ذلك ~~لهلكوا جميعا وكل ذلك كان قبل أن نبأهم الله فلما أجمعوا على التفريق بين ~~يوسف وبين والده بضرب من الحيل قالوا يعني: قال إخوة يوسف ليعقوب يا أبانا ~~ما لك لا تأمنا على يوسف بدءوا بالإنكار عليه في ترك إرسال يوسف معهم كأنهم ~~قالوا: أتخافنا عليه إذا أرسلته معنا وإنا له لناصحون المراد بالنصح هنا ~~القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون ~~بمصلحته وبحفظه، وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا ~~لأبيهم أرسله معنا فقال يعقوب إني ليحزنني أن تذهبوا به فحينئذ قالوا: مالك ~~لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ثم قالوا. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 12 الى 15] # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # أرسله معنا غدا يعني إلى الصحراء يرتع الرتع هو الاتساع في الملاذ يقال ~~رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته والأصل في الرتع أكل البهائم في ~~الخصب زمن الربيع ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير ويلعب اللعب ~~معروف وقال الراغب: يقال لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا ~~سئل أبو عمرو بن العلاء كيف قالوا نلعب وهم الأنبياء فقال كم يكونوا يومئذ ~~أنبياء ويحتمل أن يكون المراد باللعب هنا الإقدام على المباحات لأجل انشراح ~~الصدر ومنه قوله صلى الله عليه ms1913 وسلم لجابر رضي الله عنه «هلا بكرا تلاعبها ~~وتلاعبك» وأيضا فإن لعبهم كان الاستباق وهو غرض صحيح مباح لما فيه من ~~المحاربة والإقدام على الأقران والحرب بدليل قوله نستبق وإنما سموه لعبا ~~لأنه في صورة اللعب وقيل في معنى نرتع ونلعب نتنعم ونأكل ونلهو وننشط وإنا ~~له لحافظون يعني نجتهد في حفظه غاية الاجتهاد حتى نرده إليك سالما قال يعني ~~قال لهم يعقوب عليه الصلاة والسلام إني ليحزنني أن تذهبوا به أي: ذهابكم به ~~والحزن هنا ألم القلب بفراق المحبوب ومعنى الآية أنه لما طلبوا منه أن يرسل ~~معهم يوسف عليه الصلاة والسلام اعتذر يعقوب عليه الصلاة والسلام بعذرين ~~أحدهما أن # PageV02P515 # ذهابهم به ومفارقته إياه يحزنه لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة ~~والثاني قوله وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون يعني إذا غفلوا عنه ~~برعيهم ولعبهم وذلك أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان رأى في المنام أن ~~ذئبا شد على يوسف عليه الصلاة والسلام فكان يعقوب يخاف عليه من ذلك وقيل ~~كانت الذئاب في أرضهم كثيرة قالوا يعني قال إخوة يوسف مجيبين ليعقوب لئن ~~أكله الذئب ونحن عصبة أي جماعة عشرة رجال إنا إذا لخاسرون يعني عجزة ضعفاء ~~وقيل إنهم خافوا أن يدعو عليهم يعقوب بالخسار والبوار وقيل معناه إنا إذا ~~لم نقدر على حفظ أخينا فكيف نقدر على حفظ مواشينا فنحن إذا خاسرون. # قوله عز وجل: فلما ذهبوا به فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ~~ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب يعني وعزموا على أن يلقوه في ~~غيابة الجب. # (ذكر قصة ذهابهم بيوسف عليه الصلاة والسلام) قال وهب، وغيره من أهل السير ~~والأخبار: إن إخوة يوسف قالوا له أما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فنصيد ~~ونستبق قال بلى قالوا له أنسأل أباك أن يرسلك معنا، قال يوسف: افعلوا ~~فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا ~~إلى مواشينا فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم ms1914 يا أبت إني أرى من إخوتي ~~اللين واللطف فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب يكره مفارقته ويحب مرضاته فأذن ~~له وأرسله معهم فلما خرجوا به من عند يعقوب جعلوا يحملونه على رقابهم ~~ويعقوب ينظر إليهم فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء وألقوه على الأرض ~~وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه فجعل ~~كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما فطن لما عزموا عليه من قتله ~~جعل ينادي يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك ~~وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاء شديدا ~~فأخذه روبيل وجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلا ~~يا أخي لا تقتلني، فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك ~~من أيدينا ولوى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا وقال له اتق الله في وحل بيني ~~وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة الإخوة ورق له فقال يهوذا يا إخوتي ما على ~~هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به فقالوا وما هو قال ~~تلقونه في هذا الجب إما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به إلى بئر ~~هناك على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه في البئر فتعلق ~~بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأستتر به ~~في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال إني لم أر ~~شيئا فألقوه فيها ثم قال لهم يا إخوتاه أتدعوني فيها فريدا وحيدا وقيل ~~جعلوه في دلو ثم أرسلوه فيها، فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان في ~~البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة كانت في البئر فقام عليها وقيل نزل ~~عليه ملك فحل يديه وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها، وقيل إنهم لما ~~ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا أن ms1915 ~~يرضخوه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا من ذلك وقيل إن يعقوب لما بعثه مع أخوته ~~أخرج له قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه من الجنة حين ألقي في النار ~~فجعله يعقوب في قصبة فضة وجعلها في عنق يوسف فألبسه الملك إياه حين ألقي في ~~الجب فأضاء له الجب. وقال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه فكان ~~يكفيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل فأنس به فلما أمسى نهض جبريل ~~ليذهب فقال له إنك إذا خرجت استوحشت فقال له إذا رهبت شيئا فقل يا صريخ ~~المستصرخين ويا غوث المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم ~~حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في ~~الجب، وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدا غير ~~غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير # PageV02P516 # مغلوب اجعل لي فرجا مما أنا فيه فما بات فيه واختلفوا في قدر عمر يوسف ~~يوم ألقي في الجب فقال الضحاك ست سنين وقال الحسن: اثنتا عشرة سنة، وقال ~~ابن السائب: سبع عشرة سنة، وقيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: # مكث في الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حوله وكان يهوذا يأتيه بالطعام ~~فذلك قوله تعالى: وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا يعني لتخبرن إخوتك قال ~~أكثر المفسرين: إن الله أوحى إليه وحيا حقيقة فبعث إليه جبريل يؤنسه ويبشره ~~بالخروج ويخبره أنه سينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه هذا قول طائفة عظيمة ~~من المحققين ثم القائلون بهذا القول اختلفوا هل كان بالغا في ذلك الوقت أو ~~كان صبيا صغيرا فقال بعضهم إنه كان بالغا وكان عمره خمس عشرة سن وقال آخرون ~~بل كان صغيرا إلا أن الله عز وجل أكمل عقله ورشده وجعله صالحا لقبول الوحي ~~والنبوة كما قال في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. # فإن قلت كيف جعله نبيا في ذلك الوقت ولم يكن أحد يبلغه رسالة ربه لأن ~~فائدة النبوة والرسالة تبليغها إلى من أرسل إليه. # قلت: ms1916 لا يمتنع أن الله يشرفه بالوحي ويكرمه بالنبوة والرسالة في ذلك ~~الوقت، وفائدة ذلك تطييب قلبه وإزالة الهم والغم والوحشة عنه ثم بعد ذلك ~~يأمره بتبليغ الرسالة في وقتها وقيل إن المراد من قوله وأوحينا إليه وحي ~~إلهام كما في قوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إلى أم موسى والقول ~~الأول أولى وقوله تعالى: # وهم لا يشعرون يعني بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم بصنيعهم ~~هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي أنهم إذا عرفوه فربما ازداد حسدهم له. ~~وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى يوسف لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد هذا اليوم ~~وهم لا يشعرون بأنك أنت يوسف والمقصود من ذلك تقوية قلب يوسف عليه الصلاة ~~السلام وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة ويصير مستوليا عليهم ويصيرون تحت ~~أمره وقهره قوله تعالى: ### || [سورة يوسف (12): الآيات 16 الى 18] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤ على ~~قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون (18) # وجاؤ أباهم عشاء يبكون قال المفسرون: لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى ~~أبيهم وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب فلما قربوا ~~من منزل يعقوب جعلوا يبكون ويصرخون فسمع أصواتهم ففزع من ذلك وخرج إليهم ~~فلما رآهم قال بالله سألتكم يا بني هل أصابكم شيء في غنمكم قالوا لا قال ~~فما أصابكم وأين يوسف قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق قال ابن عباس: يعني ~~ننتضل، وقال الزجاج: يسابق بعضنا بعضا في الرمي الأصل في السبق الرمي ~~بالسهم وهو التناضل أيضا وسمي المتراميان بذلك يقال تسابقا واستبقا إذا ~~فعلا ذلك ليتبين أيهما أبعد سهما. وقال السدي: يعني نشتد ونعدو والمعنى ~~نستبق على الأقدام ليتبين أينا أسرع عدوا وأخف حركة، وقال مقاتل: نتصيد ~~والمعنى نستبق إلى الصيد وتركنا يوسف عند متاعنا يعني عند ثيابنا فأكله ~~الذئب يعني في ms1917 حال استباقنا وغفلتنا عنه وما أنت بمؤمن لنا يعني وما أنت ~~بمصدق لنا ولو كنا صادقين يعني في قولنا والمعنى إنا وإن كنا صادقين لكنك ~~لا تصدق لنا قولا لشدة محبتك ليوسف فإنك تتهمنا في قولنا هذا وقيل معناه ~~إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا ~~وجاؤ على قميصه يعني قميص يوسف بدم كذب أي مكذوب فيه قال ابن عباس: إنهم ~~ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف ثم جاءوا أباهم وفي القصة أنهم لطخوا ~~القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب لهم: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه ~~فاتهمهم بذلك، وقيل إنهم أتوه بذئب وقالوا هذا أكله فقال # PageV02P517 # يعقوب: أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل وقال ~~والله ما أكلته ولا رأيت ولدك قط ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال ~~يعقوب فكيف وقعت بأرض كنعان فقال جئت لصلة الرحم وهي قرابة لي فأخذوني ~~وأتوا بي إليك فأطلقه يعقوب ولما ذكر إخوة يوسف ليعقوب هذا الكلام واحتجوا ~~على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم، قال يعقوب بل سولت لكم أنفسكم أمرا يعني ~~بل زينت لكم أنفسكم أمرا، وأصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في ~~إتمامه، وقال صاحب الكشاف: سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء أي سهلت لكم ~~أنفسكم أمرا عظيما ركبتموه من يوسف وهونتموه في أنفسكم وأعينكم فعلى هذا ~~يكون معنى قوله بل رد لقولهم فأكله الذئب كأنه قال ليس الأمر كما تقولون ~~أكله الذئب بل سولت لكم أنفسكم أمرا آخر غير ما تصفون فصبر جميل أي: فشأني ~~صبر جميل، وقيل: معناه فصبري صبر جميل والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا ~~جزع. وقيل: من الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ولا تزكين نفسك والله المستعان ~~على ما تصفون يعني: من القول الكذب، وقيل: معناه والله المستعان على حمل ما ~~تصفون. ### || [سورة يوسف (12): آية 19] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله ms1918 عليم بما يعملون (19) # قوله عز وجل: وجاءت سيارة وهم القوم المسافرون سموا سيارة لمسيرهم في ~~الأرض، وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا من ~~الجب الذي كان فيه يوسف وكان في قفرة بعيدة من العمارة ترده الرعاة والمارة ~~وكان ماؤه ملحا فلما ألقي يوسف فيه عذب فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين ~~يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء فذلك قوله عز وجل: فأرسلوا ~~واردهم فأدلى دلوه قال والوارد هو الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ ~~الأرشية والدلاء يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ودلوتها إذا ~~أخرجتها قال فتعلق يوسف عليه الصلاة والسلام بالحبال وكان يوسف عليه السلام ~~أحسن ما يكون من الغلمان وذكر البغوي بسند متصل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال «أعطي يوسف شطر الحسن ويقال إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة ~~وكانت قد أعطيت سدس الحسن قال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، ~~وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار، قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم ~~العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص ~~البطن صغير السرة وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت شعاع ~~النور في ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل ~~وكان يشبه آدم عليه الصلاة والسلام يوم خلقه الله وصورته قبل أن يصيب ~~الخطيئة. قالوا فلما خرج يوسف ورآه مالك بن ذعر كأحسن ما يكون من الغلمان ~~قال يعني الوارد وهو مالك بن ذعر يا بشرى يعني يقول الوارد لأصحابه أبشروا ~~هذا غلام وقرئ يا بشرى بغير إضافة ومعناه أن الوارد نادى رجلا من أصحابه ~~اسمه بشرى كما تقول يا زيد ويقال ان جدران البئر بكت على يوسف حين خرج منها ~~وأسروه بضاعة قال مجاهد أسره: مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين كانوا ~~معهم وقالوا إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل المال إلى مصر وإنما قالوا ذلك ~~خيفة أن يطلبوا منهم الشركة فيه، ms1919 وقيل: إن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف يعني ~~أنهم أخفوا أمر يوسف وكونه أخا لهم بل قالوا هو عبد لنا أبق وصدقهم يوسف ~~على ذلك لأنهم توعدوه بالقتل سرا من مالك ابن ذعر وأصحابه والقول الأول أصح ~~لأن مالك بن ذعر هو الذي أسره بضاعة وأصحابه والله عليم بما يعملون يعني من ~~إرادة إهلاك يوسف فجعل ذلك سببا لنجاته وتحقيقا لرؤياه أن يصير ملك مصر بعد ~~أن كان عبدا قال أصحاب الأخبار: إن يهوذا كان يأتي يوسف بالطعام فأتاه فلم ~~يجده في الجب فأخبر إخوته بذلك فطلبوه فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزولا ~~قريبا من البئر فأتوهم فإذا يوسف عندهم فقالوا لهم هذا عبدنا أبق منا ويقال ~~إنهم هددوا يوسف # PageV02P518 # حتى يكتم حاله ولا يعرفها وقال لهم مثل قولهم ثم إنهم باعوه منهم فذلك ~~قوله تعالى: # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 20 الى 21] # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) وقال الذي ~~اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (21) # وشروه أي باعوه وقد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال شريت الشيء بمعنى ~~بعته وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع لأن الضمير في وشروه وفي وكانوا ~~فيه من الزاهدين يرجع إلى شيء واحد وذلك أن إخوته زهدوا فيه فباعوه وقيل إن ~~الضمير في وشروه يعود على مالك بن ذعر وأصحابه فعلى هذا القول يكون لفظ ~~الشراء على بابه بثمن بخس قال الحسن والضحاك ومقاتل والسدي: بخس أي حرام ~~لأن ثمن الحر حرام ويسمى الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة يعني منقوصها وقال ~~ابن مسعود وابن عباس: بخس أي زيوف ناقصة العيار وقال قتادة: بخس أي ظلم ~~والظلم نقصان الحق يقال ظلمه إذا نقصه حقه وقال عكرمة والشعبي: بخس أي قليل ~~وعلى الأقوال كلها فالبخس في اللغة هو نقص الشيء على سبيل الظلم والبخس ~~والباخس الشيء الطفيف ms1920 دراهم معدودة فيه إشارة إلى قلة تلك الدراهم لأنهم في ~~ذلك الزمان ما كانوا يزنون أقل من أربعين درهما إنما كانوا يأخذون ما دونها ~~عددا فإذا بلغت أربعين درهما وهي أوقية وزنوها واختلفوا في عدد تلك الدراهم ~~فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة: كانت عشرين درهما فاقتسموها درهمين ~~درهمين فعلى هذا القول لم يأخذ أخوه من أمه وأبيه شيئا منها، وقال مجاهد: ~~كانت اثنين وعشرين درهما فعلى هذا أخذ أخوه منها درهمين لأنهم كانوا أحد ~~عشر أخا وقال عكرمة كانت أربعين درهما وكانوا فيه من الزاهدين يعني وكان ~~إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين وأصل الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا ~~إذا لم يكن له فيه رغبة والضمير في قوله وكانوا فيه من الزاهدين إن قلنا ~~إنه يرجع إلى أخوة يوسف كان وجه زهدهم فيه أنهم حسدوه وأرادوا إبعاده عنهم ~~ولم يكن قصدهم تحصيل الثمن وإن قلنا إن قوله وشروه وكانوا فيه من الزاهدين ~~يرجع إلى معنى واحد وهو أن الذين شروه كانوا فيه من الزاهدين كان وجه زهدهم ~~فيه إظهار قلة الرغبة فيه ليشتروه بثمن بخس قليل. # ويحتمل أن يقال: إن إخوته لما قالوا إنه عبدنا وقد أبق أظهر المشتري قلة ~~الرغبة فيه لهذا السبب قال أصحاب الأخبار ثم إن مالك بن ذعر وأصحابه لما ~~اشتروا يوسف انطلقوا به إلى مصر وتبعهم إخوته يقولون استوثقوا منه لا يأبق ~~منكم فذهبوا به حتى قدموا مصر فعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن ~~عباس، وكان قطفير صاحب أمر الملك وكان على خزائن مصر وكان يسمى العزيز وكان ~~الملك بمصر ونواحيها اسمه الريان بن الوليد بن شروان وكان من العماليق، ~~وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف واتبعه على دينه ثم مات ويوسف ~~عليه الصلاة والسلام حي. قال ابن عباس: لما دخلوا مصر لقي قطفير مالك بن ~~ذعر فاشترى يوسف منه بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال وهب بن ~~منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر ودخلوا به ms1921 السوق يعرضونه للبيع فترافع الناس ~~في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا وكان وزنه ~~أربعمائة رطل وكان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة أو سبع عشرة سنة فابتاعه قطفير ~~بهذا الثمن فذلك قوله تعالى: وقال الذي اشتراه من مصر يعني قطفير من أهل ~~مصر لامرأته وكان اسمها راعيل وقيل زليخا أكرمي مثواه يعني أكرمي منزله ~~ومقامه عندك والمثوى موضع الإقامة وقيل أكرميه في المطعم والملبس والمقام ~~عسى أن ينفعنا يعني إن أردنا بيعه بعناه بربح أو يكفينا بعض أمورنا ~~ومصالحنا إذا قوي وبلغ أو نتخذه ولدا يعني نتبناه وكان حصورا ليس له ولد، ~~قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث # PageV02P519 # قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وابنة شعيب في موسى ~~حيث قالت لأبيها استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر في عمر ~~استخلفه بعده وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يعني كما مننا على يوسف بأن ~~أنقذناه من القتل وأخرجناه من الجب كذلك مكناه في الأرض يعني أرض مصر ~~فجعلناه على خزائنها ولنعلمه من تأويل الأحاديث أي مكنا له في الأرض لكي ~~نعلمه من تأويل الأحاديث يعني عبارة الرؤيا وتفسيرها والله غالب على أمره ~~قيل الكناية في أمره راجعة إلى الله تعالى ومعناه والله غالب على أمره يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد لا دافع لأمره ولا راد لقضائه ولا يغلبه شيء وقيل هي ~~راجعة إلى يوسف ومعناه أن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة لا ~~يكله إلى أحد سواه حتى يبلغ منتهى ما علمه فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~يعني ما هو صانع بيوسف وما يريد منه. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 22 الى 23] # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) وراودته التي ~~هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # ولما بلغ أشده يعني منتهى شبابه وشدته وقوته، وقال مجاهد: ms1922 ثلاثة وثلاثون ~~سنة، وقال الضحاك: # عشرون سنة وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال الكلبي: الأشد ما بين ثمان عشرة ~~إلى ثلاثين سنة وسئل مالك عن الأشد فقال: هو الحلم آتيناه حكما وعلما يعني ~~آتينا يوسف بعد بلوغ الأشد نبوة وفقها في الدين وقيل حكما يعني إصابة في ~~القول وعلما بتأويل الرؤيا وقيل الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم هو ~~الذي يعلم الأشياء بحقائقها والحكيم هو الذي يعمل بما يوجبه العلم وقيل ~~الحكمة حبس النفس عن هواها وصونها عما لا ينبغي والعلم هو العلم النظري ~~وكذلك يعني وكما أنعمنا على يوسف بهذه النعم كلها كذلك نجزي المحسنين قال ~~ابن عباس: يعني المؤمنين وعنه أيضا المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين ~~على النوائب كما صبر يوسف وراودته التي هو في بيتها عن نفسه يعني أن امرأة ~~العزيز طلبت من يوسف الفعل القبيح ودعته إلى نفسها ليواقعها وغلقت الأبواب ~~أي أطبقتها وكانت سبعة لأن مثل هذا الفعل لا يكون إلا في ستر وخفية أو أنها ~~أغلقتها لشدة خوفها وقالت هيت لك أي هلم وأقبل، قال أبو عبيدة: كان الكسائي ~~يقول هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها تعال، وقال عكرمة أيضا ~~بالحورانية: هلم، وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على ~~الشيء وقيل هي بالعربانية وأصلها هيتالج أي تعال فعربت فقيل هيت لك فمن قال ~~إنها بغير لغة العرب يقول إن العرب وافقت أصحاب هذه اللغة فتكلمت بها على ~~وفق لغات غيرهم كما وافقت لغة العرب الروم في القسطاس ولغة العرب الفرس في ~~التنور ولغة العرب الترك في الغساق ولغة العرب الحبشة في ناشئة الليل ~~وبالجملة فإن العرب إذا تكلمت بكلمة صارت لغة لها وقرئ هئت لك بكسر الهاء ~~مع الهمزة ومعناها تهيأت لك قال يعني يوسف معاذ الله أي أعوذ بالله وأعتصم ~~به وألجأ إليه فيما دعوتني إليه إنه ربي يعني أن العزيز قطفير سيدي أحسن ~~مثواي أي أكرم منزلتي فلا أخونه وقيل إن الهاء في إنه ربي راجعة إلى ms1923 الله ~~تعالى والمعنى يقول إن الله ربي أحسن مثواي يعني أنه آواني ومن بلاء الجب ~~نجاني إنه لا يفلح الظالمون يعني إن فعلت هذا الفعل فأنا ظالم ولا يفلح ~~الظالمون، وقيل: معناه أنه لا يسعد الزناة. ### || [سورة يوسف (12): آية 24] # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # قوله عز وجل: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه الآية، هذه ~~الآية الكريمة مما يجب # PageV02P520 # الاعتناء بها والبحث عنها والكلام عليها في مقامين الأول في ذكر أقوال ~~المفسرين في هذه الآية قال المفسرون: # الهم هم المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، وقيل: الهم مصدر هممت بالشيء ~~إذا أردته وحدثتك نفسك به وقاربته من غير دخول فيه فمعنى قوله ولقد همت به ~~أي أرادته وقصدته فكان همها به عزمها على المعصية والزنا، وقال الزمخشري: ~~هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه قال الشاعر وهو عمرو بن ضابئ البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله # وقوله: ولقد همت به: معناه ولقد همت بمخالطته وهم بها أي وهم بمخالطتها ~~لولا أن رأى برهان ربه جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ~~قال البغوي وأما همه بها فروي عن ابن عباس أنه قال حل الهميان وجلس منها ~~مجلس الخائن، وقال مجاهد: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه، وهذا قول أكثر ~~المفسرين منهم سعيد بن جبير والحسن وقال الضحاك: جرى الشيطان بينهما فضرب ~~بيده إلى جيد يوسف وبيده الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما، قال أبو ~~عبيدة القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول قال البغوي: والقول ما قاله ~~قدماء هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير علم، ~~قال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عن نفسه جعلت ~~تذكر له محاسن نفسه وتشوقه إلى نفسها فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك، قال: هو ~~أول ما ينتثر عن جسدي، ms1924 قالت: ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل على خدي ~~في قبري، قالت: ما أحسن وجهك، قال: هو للتراب يأكله. وقيل: إنها قالت له إن ~~فراش الحرير مبسوط قم فاقض حاجتي قال: إذن يذهب نصيبي من الجنة. فلم تزل ~~تطمعه وتدعوه إلى اللذة وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل وهي امرأة ~~حسناء جميلة حتى لان لها لما يرى من كلفها به فهم بها ثم إن الله تدارك ~~عبده يوسف بالبرهان الذي ذكره وسيأتي الكلام على تفسير البرهان الذي رآه ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فهذا ما قاله المفسرون في هذه الآية أما المقام ~~الثاني في تنزيه يوسف عليه الصلاة والسلام عن هذه الرذيلة وبيان عصمته من ~~هذه الخطيئة التي ينسب إليها. قال بعض المحققين: الهم همان فهم ثابت وهو ما ~~كان معه عزم وقصد وعقيدة رضا مثل هم امرأة العزيز فالعبد مأخوذ به وهم عارض ~~وهو الخطرة في القلب وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف فالعبد ~~غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل به ويدل على صحة هذا ما روي عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك ~~وتعالى: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة ~~واحدة وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له ~~عشرة لفظ مسلم وللبخاري بمعناه (ق). # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ~~يرويه عن ربه عز وجل قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم ~~بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها ~~الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن هم بسيئة ولم ~~يعملها كتبها الله له عنده حسنة وإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عليه ~~سيئة واحدة» زاد في رواية أو محاها «ولن يهلك ms1925 على الله إلا هالك» قال ~~القاضي عياض في كتابه الشفاء فعلى مذهب كثير من الفقهاء المحدثين إن هم ~~النفس لا يؤاخذ به وليس سيئة وذكر الحديث المتقدم فلا معصية في هم يوسف إذن ~~وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وطنت عليه ~~النفس كان سيئة وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو ~~عنه هذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله وما أبرئ ~~نفسي الآية أي ما أبرئها من هذا الهم أو يكون ذلك على طريق التواضع ~~والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرئ فكيف وحكى أبو حاتم عن عبيدة أن ~~يوسف عليه الصلاة والسلام لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت ~~به ولولا أن أري برهان ربه لهم بها وقال # PageV02P521 # تعالى حاكيا عن المرأة ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقال تعالى: كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء، وقال تعالى: وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال ~~معاذ الله الآية وقيل في قوله وهم بها أي بزجرها ووعظها وقيل هم بها أي همه ~~امتناعه وقيل هم بها أي نظر إليها وقيل هم بضربها ودفعها وقيل هذا كله كان ~~قبل نبوته وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة زليخا حتى ~~نبأه الله فألقى عله هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسه هذا آخر ~~كلام القاضي عياض رحمه الله، وأما الإمام فخر الدين فذكر في هذا المقام ~~كلاما طويلا مبسوطا وأنا أذكر بعضه ملخصا، فأقول قال الإمام فخر الدين ~~الرازي: إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان بريئا من العمل الباطل والهم ~~المحرم وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب فإن ~~الدلائل قد دلت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يلتفت إلى ما ~~نقله بعض المفسرين عن الأئمة المتقدمين فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~متى صدرت منهم زلة أو هفوة استعظموها وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة ~~والاستغفار كما ذكر عن آدم ms1926 عليه السلام في قوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية ~~وقال في حق داود عليه الصلاة والسلام فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب وأما ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فلم يحك عنه شيئا من ذلك في هذه الواقعة لأنه لو ~~صدر منه شيء لأتبعه بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله ذلك عنه ~~في كتابه كما ذكر عن غيره من الأنبياء وحيث لم يحك عنه شيئا علمنا براءته ~~مما قيل فيه ولم يصدر عنه شيء كما نقله أصحاب الأخبار ويدل على ذلك أيضا أن ~~كل من كان له تعلق بهذه الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام عما نسب ~~إليه واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف والمرأة وزوجها والنسوة ~~واللاتي قطعن أيديهن والمولود الذي شهد على القميص شهدوا ببراءته والله ~~تعالى شهد ببراءته من الذنب أيضا. أما بيان أن يوسف ادعى براءته مما نسب ~~إليه فقوله هي راودتني عن نفسي، وقوله: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. ~~وأما بيان أن المرأة اعترفت ببراءة يوسف ونزاهته فقولها: أنا راودته عن ~~نفسه فاستعصم، وقولها: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين. وأما بيان أن زوج المرأة اعترف أيضا ببراءة يوسف فقوله: إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين. ~~وأما شهادة المولود ببراءته فقوله: وشهد شاهد من أهلها الآية وأما شهادة ~~الله له بذلك فقوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين ومن كان كذلك فليس للشيطان عليه سلطان بدليل قوله # لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وبطل بهذا قول من قال إن ~~الشيطان جرى بينهما حتى أخذ بجيده وجيد المرأة حتى جمع بينهما فإنه قول ~~منكر لا يجوز لأحد أن يقول ذلك. وأما ما روي عن ابن عباس: إنه جلس منها ~~مجلس الخائن فحاش ابن عباس أن يقول مثل هذا عن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~ولعل بعض أصحاب القصص وأصحاب الأخبار وضعوه عن ابن عباس، وكذلك ما روي ms1927 عن ~~مجاهد وغيره أيضا فإنه لا يكاد يصح بسند صحيح وبطل ذلك كله وثبت ما بيناه ~~من براءة يوسف عليه الصلاة والسلام من هذه الرذيلة والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه وما صدر من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. # فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله عز وجل لولا أن رأى برهان ربه ~~فائدة. # قلت: فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين أحدهما: أنه تعالى أعلم يوسف أنه ~~لو هم بدفعها لقتلته فأعلمه بالبرهان أن الامتناع من ضربتها أولى صونا ~~للنفس عن الهلاك الوجه، الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لو اشتغل بدفعها ~~عن نفسه لتعلقت به فكان في ذلك أن يتمزق ثوبه من قدام وكان في علم الله أن ~~الشاهد يشهد بأنه ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن وإذا تمزق من ~~خلف كانت هي الخائنة فأعلمه الله بالبرهان هذا المعنى فلم يشتغل بدفعها عن ~~نفسه بل ولى هاربا فأثبت بذلك الشاهد حجة له لا عليه وأما تفسير البرهان ~~على ما ذكره المفسرون في قوله تعالى لولا أن رأى برهان ربه فقال قتادة ~~وأكثر المفسرين: إن يوسف رأى صورة يعقوب عليه السلام وهو يقول له يا يوسف ~~أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء. وقال الحسن وسعيد بن جبير # PageV02P522 # ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على إصبعه، ~~وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل له يعقوب فضرب بيده في صدره فخرجت ~~شهوته من أنامله وقال السدي نودي يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها ~~مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه وإن مثلك إن واقعتها كمثله إذا وقع ~~على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئا ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور ~~الصعب الذي لا يطاق ومثلك إن واقعتها كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه لا ~~يستطيع أن يدفع عن نفسه وقيل إنه رأى معصما بلا عضد عليه مكتوب وإن عليكم ~~لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون فولى هاربا ثم رجع ms1928 فعاد المعصم ~~وعليه مكتوب ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فولى هاربا ثم عاد ~~فرأى ذلك الكف وعليه مكتوب واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله الآية ثم عاد ~~فقال الله تعالى لجبريل عليه السلام أدرك عبدي يوسف قبل أن يصيب الخطيئة ~~فانحط جبريل عاضا على إصبعه يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند ~~الله من الأنبياء وقيل إنه مسه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله قال محمد بن ~~كعب القرظي رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فرأى كتابا في حائط فيه ولا تقربوا ~~الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا وفي رواية عن ابن عباس أنه رأى مثال ذلك ~~الملك، وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة إليه وسترته ~~بثوب فقال لها يوسف عليه السلام لم فعلت هذا قالت استحييت منه أن يراني على ~~معصية فقال لها يوسف أتستحيين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئا فأنا أحق ~~أن أستحيي من ربي فهرب فذلك قوله لولا أن رأى برهان ربه أما المحققون فقد ~~فسروا البرهان بوجوه الأول، قال جعفر بن محمد الصادق: البرهان هو النبوة ~~التي جعلها الله تعالى في قلبه حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل الثاني ~~البرهان حجة الله عز وجل على العبد في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني ~~من العقاب الثالث أن الله عز وجل طهر نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~من الأخلاق الذميمة والأفعال الرذيلة وجبلهم على الأخلاق الشريفة الطاهرة ~~المقدسة فتلك الأخلاق الطاهرة الشريفة تحجزهم عن فعل ما لا يليق فعله كذلك ~~يعني كما رأيناه البرهان كذلك لنصرف عنه السوء يعني الإثم والفحشاء يعني ~~الزنا، وقيل: # السوء مقدمات الفحشاء وقيل السوء الثناء القبيح فصرف الله عنه ذلك كله ~~وجعله من عباده المخلصين وهو قوله إنه يعني يوسف من عبادنا المخلصين قرئ ~~بفتح اللام ومعناه أنه من عبادنا الذين اصطفيناهم بالنبوة واخترناهم على ~~غيرهم وقرئ بكسر اللام ومعناه أنه من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله عز ms1929 ~~وجل. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 25 الى 26] # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) # قوله تعالى: واستبقا الباب وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى ~~البرهان قام هاربا مبادرا إلى الباب وتبعته المرأة لتمسك عليه الباب حتى لا ~~يخرج والمسابقة طلب السبق فسبق يوسف وأدركته المرأة فتعلقت بقميصه من خلفه ~~وجذبته إليها حتى لا يخرج فذلك قوله عز وجل: وقدت قميصه من دبر يعني شقته ~~من خلف فغلبها يوسف فخرج وخرجت معه وألفيا سيدها لدى الباب يعني فلما خرجا ~~وجدا زوج المرأة قطفير وهو العزيز عند الباب جالسا مع ابن عم المرأة فلما ~~رأته المرأة هابته وخافت التهمة فسبقت يوسف بالقول قالت يعني لزوجها ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا يعني الفاحشة ثم خافت عليه أن يقتله وذلك لشدة ~~حبها له فقالت إلا أن يسجن أي يحبس في السجن ويمنع التصرف أو عذاب أليم ~~يعني الضرب بالسياط وإنما بدأت بذكر السجن دون العذاب لأن الحب لا يشتهي ~~إيلام المحبوب وإنما أرادت أن يسجن عندها يوما أو يومين # PageV02P523 # ولم ترد السجن الطويل وهذه لطيفة فافهمها فلما سمع يوسف مقالتها أراد أن ~~يبرهن عن نفسه قال يعني يوسف هي راودتني عن نفسي يعني طلبت مني الفحشاء ~~فأبيت وفررت وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام ما كان يريد أن يذكر هذا ~~القول ولا يهتك سترها ولكن لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة ~~هذه التهمة عن نفسه فقال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها يعني وحكم ~~حاكم من أهل المرأة واختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: ~~كان صبيا في المهد فأنطقه الله عز وجل وهو رواية عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms1930 «تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ~~وابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم» ذكره البغوي بغير سند ~~والذي جاء في الصحيحين «ثلاثة عيسى بن مريم وصاحب جريج وابن المرأة» وقصتهم ~~مخرجة في الصحيح قيل كان هذا الصبي شاهد يوسف ابن خال المرأة. # وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ذا ~~رأي، وقال السدي: هو ابن عم المرأة فحكم فقال إن كان قميصه قد من قبل أي من ~~قدام فصدقت وهو من الكاذبين. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 27 الى 30] # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد ~~من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري ~~لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود ~~فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) # وإن كان قميصه قد من دبر أي من خلف فكذبت وهو من الصادقين وإنما كان هذا ~~الشاهد من أهل المرأة ليكون أقوى من نفي التهمة عن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام ونفي التهمة عنه من وجوه منها أنه كان في الظاهر مملوك هذه المرأة ~~والمملوك لا يبسط يديه إلى سيدته ومنها أنهم شاهدوا يوسف يعدو هاربا منها ~~والطالب لا يهرب ومنها أنهم رأوا المرأة قد تزينت بأكمل الوجوه فكان إلحاق ~~التهمة بها أولى ومنها أنهم عرفوا يوسف في المدة الطويلة فلم يروا عليه ~~حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة فكان مجموع هذه العلامات دلالة على ~~صدقه مع شهادة الشاهد له بصدقه أيضا فلما رأى قميصه قد من دبر يعني فلما ~~رأى قطفير زوج المرأة قميص يوسف عليه الصلاة والسلام قد من خلفه عرف خيانة ~~امرأته وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام قال يعني قال لها زوجها قطفير إنه ~~يعني هذا الصنيع من كيدكن يعني من حيلكن ومكرهن إن كيدكن عظيم فإن قلت كيف ~~وصف كيد النساء بالعظيم مع قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا وهلا كان مكر ms1931 ~~الرجال أعظم من مكر النساء. # قلت أما كون الإنسان خلق ضعيفا فهو بالنسبة إلى خلق ما هو أعظم منه كخلق ~~الملائكة والسموات والأرض والجبال ونحو ذلك وأما عظم كيد النساء ومكرهن في ~~هذا الباب فهو أعظم من كيد جميع البشر لأن لهن من المكر والحيل والكيد في ~~إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب، وقيل: إن قوله إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم من قول الشاهد وذلك أنه لما ثبت عنده خيانة المرأة ~~وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام قال هذه المقالة يوسف يعني يا يوسف أعرض ~~عن هذا يعني اترك هذا الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يفشو ويشيع وينتشر بين ~~الناس وقيل معناه يا يوسف لا تكترث بهذا الأمر ولا تهتم به فقد بان عذرك ~~وبراءتك ثم التفت إلى المرأة فقال لها واستغفري لذنبك يعني توبي إلى الله ~~مما رميت يوسف به من الخطيئة وهو بريء منها وقيل إن هذا من قول الشاهد يقول ~~للمرأة سلي زوجك أن يصفح عنك ولا يعاقبك بسبب ذنبك إنك كنت من الخاطئين ~~يعني من المذنبين حين خنت زوجك ورميت يوسف بالتهمة وهو بريء وإنما قال من ~~الخاطئين ولم # PageV02P524 # يقل من الخاطئات تغليبا لجنس الرجال على النساء وقيل إنه لم يقصد به ~~الخبر عن النساء بل قصد الخبر عن كل ما يفعل هذا الفعل تقديره إنك كنت من ~~القوم الخاطئين فهو كقوله وكانت من القانتين. # قوله عز وجل: وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه ~~يعني وقال جماعة من النساء وكن خمسا وقيل كن أربعا وذلك لما شاع خبر يوسف ~~والمرأة في مدينة مصر وقيل هي مدينة عين الشمس وتحدثت النساء فيما بينهن ~~بذلك وهن امرأة حاجب الملك وامرأة صاحب دوابه وامرأة خبازه وامرأة ساقيه ~~وامرأة صاحب سجنه وقيل نسوة من أشراف مصر امرأة العزيز يعني زليخا تراود ~~فتاها عن نفسه يعني تراود عبدها الكنعاني عن نفسه لأنها تطلب منه الفاحشة ~~وهو يمتنع منها والفتى الشاب الحديث السن ms1932 قد شغفها حبا يعني قد علقها حبا ~~والشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب والمعنى أن حبه دخل الجلدة ~~حتى أصاب القلب وقيل إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب قال ~~الكلبي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل شيئا سواه إنا لنراها في ضلال مبين يعني ~~في خطأ بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر وأحبت ~~فتاها. ### || [سورة يوسف (12): آية 31] # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) # فلما سمعت بمكرهن يعني فلما سمعت زليخا بقولهن وما تحدثن به إنما سمى ~~قولهن ذلك مكرا لأنهن طلبن بذلك رؤية يوسف وكان وصف لهن حسنه وجماله فقصدن ~~أن يرينه وقيل إن امرأة العزيز أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك ~~عليها فلذلك سماه مكرا أرسلت إليهن يعني أنها لما سمعت بأنهن يلمنها على ~~محبتها ليوسف أرادت أن تقيم عذرها عندهن قال وهب اتخذت مائدة يعني صنعت لهن ~~وليمة وضيافة ودعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن هؤلاء اللاتي عيرنها ~~وأعتدت لهن متكأ يعني ووضعت لهن نمارق ومساند يتكئن عليها، وقال ابن عباس ~~وابن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكئا يعني طعاما وإنما سمي الطعام متكئا ~~لأن كل من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسائد يجلس ويتكئ عليها فسمي ~~الطعام متكأ على الاستعارة ويقال: اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده المتكأ ما ~~يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم «لا آكل متكئا» وقيل المتكأ الأترج وقيل هو كل شيء ~~يقطع بالسكين أو يحز بها ويقال إن المرأة زينت البيت بألوان الفاكهة ~~والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة اللاتي عيرنها بحب يوسف وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا يعني وأعطت كل واحدة من النساء سكينا لتأكل بها وكان من عادتهم ~~أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين وقالت ms1933 اخرج عليهن يعني وقالت زليخا ليوسف ~~اخرج على النسوة وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهن يوسف وكانت قد زينته ~~واختبأته في مكان آخر فلما رأينه يعني النسوة أكبرنه يعني أعظمنه ودهشن عند ~~رؤيته وكان يوسف قد أعطي شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في ~~الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم وروى أبو سعيد الخدري رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت ليلة أسري بي ~~إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر» ذكره البغوي بغير سند، وقال إسحاق بن ~~أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران ويقال إنه ~~ورث حسن آدم يوم خلقه الله عز وجل قبل أن يخرج من الجنة وقال أبو العالية ~~هالهن أمره وبهتن إليه وفي رواية عن ابن عباس قال أكبرنه أي حضن ونحوه، عن ~~مجاهد والضحاك قال: حضن من الفرج وأنكر أكثر أهل اللغة هذا القول. قال ~~الزجاج: هذه اللفظة ليست معروفة في اللغة والهاء في أكبرنه تمنع من هذا ~~لأنه لا يجوز أن يقال النساء قد حضنه لأن حضن لا يتعدى إلى مفعول قال ~~الأزهري إن صحت هذه اللفظة فلها مخرج وذلك أن المرأة إذا حاضت أول # PageV02P525 # ما تحيض فقد خرجت من حد الصغار إلى حد الكبار فيقال لها أكبرت أي حاضت ~~على هذا المعنى فإن صحت الرواية عن ابن عباس، سلمنا له وجعلنا الهاء في ~~قوله أكبرنه هاء الوقف لا هاء الكناية، وقيل: إن المرأة إذا خافت أو فزعت ~~فربما أسقطت ولدها وتحيض فإن كان ثم حيض فربما كان من فزعهن وما هالهن من ~~أمر يوسف حين رأينه قال الإمام فخر الدين الرازي: وعندي أنه يحتمل وجها آخر ~~وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة آثار ~~الخضوع والإخبات وشاهدن فيه مهابة وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى ~~المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهن وكان ذلك الجمال العظيم مقرونا بتلك ~~الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك الحالة ms1934 فلا جرم أكبرنه وأعظمنه ووقع الرعب ~~والمهابة في قلوبهن قال وحمل الآية على هذا الوجه أولى وقطعن أيديهن يعني: ~~وجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ولم ~~يجدن الألم لدهشتهن وشغل قلوبهن بيوسف قال مجاهد فما أحسسن إلا بالدم، وقال ~~قتادة: أين أيديهن حتى ألقينها والأصح أنه كان قطعا من غير إبانة، قال وهب: ~~مات جماعة منهن وقلن يعني النسوة حاش لله ما هذا بشرا أي معاذ الله أن يكون ~~هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم يعني على الله والمقصود من هذا إثبات الحسن ~~العظيم المفرط ليوسف لأنه قد ركز في النفوس أن لا شيء أحسن من الملك فلذلك ~~وصفته بكونه ملكا وقيل لما كان الملك مطهرا من بواعث الشهوة # وجميع الآفات والحوادث التي تحصل للبشر وصفن يوسف بذلك. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 32 الى 35] # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ~~آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه ~~فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين (35) # قوله تعالى: قالت فذلكن الذي لمتنني فيه يعني قالت امرأة العزيز للنسوة ~~لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته فذلكن الذي لمتنني في محبته وإنما قالت ذلك ~~لإقامة عذرها عندهن حين قلن إن امرأة العزيز قد شغفها فتاها الكنعاني حبا ~~وإنما قالت فذلكن الذي إلخ بعد ما قام من المجلس وذهب وقال صاحب الكشاف ~~قالت فذلكن ولم تقل فهذا وهو حاضر رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ~~ويفتن به ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن عشقت عبدها الكنعاني تقول ~~هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه ثم إن امرأة ~~العزيز صرحت بما فعلت فقالت ولقد راودته عن نفسه فاستعصم يعني فامتنع من ~~ذلك الفعل الذي طلبته منه وإنما صرحت ms1935 بذلك لأنها علمت أنه لا ملامة عليها ~~منهن وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته ثم إن امرأة العزيز قالت ولئن لم ~~يفعل ما آمره يعني وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ليسجنن أي ليعاقبن ~~بالسجن والحبس وليكونا من الصاغرين يعني: من الأذلاء المهانين فقال النسوة ~~ليوسف أطع مولاتك فيما دعتك إليه فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته ~~المرأة بذلك قال رب أي يا رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه قيل: إن ~~الدعاء كان منها خاصة وإنما أضافه إليهن جميعا خروجا من التصريح إلى ~~التعريض، وقيل: إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن، وقيل: إنهن لما قلن له أطع ~~مولاتك صحت إضافة الدعاء إليهن جميعا أو لأنه كان بحضرتهن قال بعضهم أو لم ~~يقل السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن والأولى بالعبد أن يسأل الله العافية ~~وإلا تصرف عني كيدهن يعني ما أردن مني أصب إليهن أي أمل إليهن يقال صبا ~~فلان إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه وأكن من الجاهلين يعني من المذنبين وقيل ~~معناه أكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، وفيه دليل على أن من ارتكب ذنبا إنما ~~يرتكبه عن جهالة فاستجاب له ربه يعني فأجاب الله تعالى # PageV02P526 # دعاء يوسف فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع يعني لدعاء يوسف وغيره العليم ~~يعني بحاله وفي الآية دليل على أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما أظلته ~~البلية بكيد النساء ومطالبتهن إياه بما لا يليق بحاله لجأ إلى الله وفزع ~~إلى الدعاء رغبة إلى الله ليكشف عنه ما نزل به من ذلك الأمر مع الاعتراف ~~بأنه إن لم يعصمه من المعصية وقع فيها فدل ذلك على أنه لا يقدر أحد عن ~~الانصراف عن المعصية إلا بعصمة الله ولطفه به. # قوله عز وجل: ثم بدا لهم يعني للعزيز وأصحابه في الرأي وذلك أنهم أرادوا ~~أن يقتصروا من أمر يوسف على الإعراض وكتم الحال وذلك أن المرأة قالت لزوجها ~~إن ذلك العبد العبراني قد فضحني عند الناس يخبرهم بأني قد راودته عن نفسه ms1936 ~~فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إلى الناس وإما أن تحبسه فرأى حبسه من بعد ما ~~رأوا الآيات يعني الدالة على صدق يوسف وبراءته من قد القميص وكلام الطفل ~~وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن عند رؤيته ليسجننه أي ليحبسن يوسف في ~~السجن حتى حين يعني إلى مدة يرون رأيهم فيها، وقال عطاء: إلى أن تنقطع ~~مقالة الناس، وقال عكرمة: إلى سبع سنين، وقال الكلبي: خمس سنين فحبسه، قال ~~السدي: جعل الله ذلك الحبس تطهيرا ليوسف من همه بالمرأة. ### || [سورة يوسف (12): آية 36] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) # ودخل معه السجن فتيان وهما غلامان كانا للوليد بن شروان العمليق ملك مصر ~~الأكبر أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه وكان قد غضب ~~عليهما الملك فحبسهما، وكان السبب في ذلك أن جماعة من أشراف مصر أرادوا ~~المرك بالملك واغتياله وقتله فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسما الملك ~~في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك وقبل الخباز ~~الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي لا تأكل أيها ~~الملك فإن الطعام مسموم وقال الخباز لا تشرب فإن الشراب مسموم فقال للساقي ~~اشرب فشربه فلم يضره وقال للخباز كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام ~~دابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما فحبسا مع يوسف وكان يوسف لما دخل السجن جعل ~~ينشر علمه ويقول إني أعبر الأحلام فقال أحد الغلامين لصاحبه هلم فلنجرب هذا ~~الغلام العبراني فتراءيا له رؤيا فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئا قال ~~ابن مسعود ما رأيا شيئا إنما تحالما ليجربا يوسف وقال بل كانا قد رأيا رؤيا ~~حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكرا أنهما غلامان ~~للملك وقد حبسهما وقد رأيا رؤيا قد غمتهما فقال يوسف قصا علي ما رأيتما ~~فقصا عليه ما رأياه فذلك ms1937 قوله تعالى: قال أحدهما وهو صاحب شراب الملك إني ~~أراني أعصر خمرا يعني عنبا سمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه يقال فلان ~~يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن حتى يصير آجرا، وقيل: الخمر العنب بلغة عمان وذلك ~~أنه قال إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه أصل حبلة عليها ثلاثة ~~عناقيد عنب فجنيتها وكان كأس الملك في يدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه ~~وقال الآخر وهو صاحب طعام الملك إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه وذلك أنه قال إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز ~~وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها نبئنا بتأويله أي أخبرنا بتفسير ما ~~رأينا وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا إنا نراك من المحسنين يعني من العالمين ~~بعبارة الرؤيا والإحسان هنا بمعنى العلم، وسئل الضحاك ما كان إحسانه فقال: ~~كان إذا مرض إنسان في الحبس عاده وقام عليه وإذا ضاق على أحد وسع عليه وإذا ~~احتاج أحد جمع له شيئا وكان مع هذا يجتهد في العبادة يصوم النهار ويقوم ~~الليل كله للصلاة. # وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال ~~حزنهم فجعل يسليهم ويقول اصبروا وأبشروا فقالوا بارك الله فيك يا فتى ما ~~أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أين # PageV02P527 # أنت قال أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله ~~إبراهيم فقال له صاحب السجن يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ولكن سأرفق ~~بك وأحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت وقيل إن الفتيين لما رأيا يوسف ~~قالا إنا قد أحببناك منذ رأيناك فقال لهما يوسف أنشدكما بالله أن لا تحباني ~~فو الله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء لقد أحبتني عمتي فدخل علي ~~من ذلك بلاء وأحبني أبي فألقيت في الجب وأحبتني امرأة العزيز فحبست فلما ~~قصا عليه رؤياهما كره يوسف أن يعبرها لهما حين سألاه لما ms1938 علم ما في ذلك من ~~المكروه لأحدهما وأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة ~~والدعاء إلى التوحيد وقيل إنه عليه السلام أراد أن يبين لهما أن درجته في ~~العلم أعلى وأعظم مما اعتقدا فيه وذلك أنهما طلبا منه علم التعبير ولا شك ~~أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين فأراد أن يعلمهما أنه يمكنه الإخبار ~~عن المغيبات على سبيل القطع واليقين وذلك مما يعجز الخلق عنه وإذا قدر على ~~الإخبار عن الغيوب كان أقدر على تعبير الرؤيا بطريق الأولى. وقيل: إنما عدل ~~عن تعبير رؤياهما إلى إظهار المعجزة لأنه علم أن أحدهما سيصلب فأراد أن ~~يدخله في الإسلام ويخلصه من الكفر ودخول النار فأظهر له المعجزة لهذا ~~السبب. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 37 الى 38] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قيل: أراد به في النوم ~~يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في اليقظة، ~~وقيل: أراد به اليقظة يقول لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه يعني ~~تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله يعني أخبرتكما بقدره ولونه والوقت ~~الذي يصل إليكما فيه قبل أن يأتيكما يعني قبل أن يصل إليكما وأي طعام أكلتم ~~وكم أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام حيث قال ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فقالا ليوسف عليه الصلاة والسلام ~~هذا من علم العرافين والكهنة فمن أين لك هذا العلم؟ فقال ما أنا بكاهن ولا ~~عراف وإنما ذلك إشارة إلى المعجزة والعلم الذي أخبرهما به ذلكما مما علمني ~~ربي يعني أن هذا الذي أخبرتكما به وحي من الله أوحاه إلي وعلم علمنيه إني ~~تركت ms1939 ملة قوم لا يؤمنون بالله فإن قلت ظاهر قوله اني تركت ملة قوم لا ~~يؤمنون بالله أنه عليه الصلاة والسلام كان داخلا في هذه الملة ثم تركها ~~وليس الأمر كذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من حين ولدوا وظهروا ~~إلى الوجود هم على التوحيد فما معنى هذا الترك في قوله تركت. # قلت الجواب من وجهين: الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء ~~والالتفات إليه بالمرة وليس من شرطه أن يكون قد كان داخلا فيه ثم تركه ورجع ~~عنه. # والوجه الثاني: وهو الأقرب أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما كان عند ~~العزيز وهو كافر وجميع من عنده كذلك وقد كان بينهم وكان يوسف على التوحيد ~~والإيمان الصحيح صح قوله إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم ~~كافرون فترك ملتهم وأعرض عنهم ولم يوافقهم على ما كانوا عليه وتكرير لفظة ~~هم في قوله وهم بالآخرة هم كافرون للتوكيد لشدة إنكارهم للمعاد وقوله ~~واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب لما ادعى يوسف عليه السلام النبوة ~~وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوة وأن آباءه كلهم كانوا أنبياء ~~وقيل لما كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب مشهورين بالنبوة والرسالة ولهم الدرجة ~~العليا في الدنيا عند الخلق والمنزلة الرفيعة في الآخرة أظهر يوسف عليه ~~الصلاة والسلام أنه من أولادهم وأنه من أهل بيت النبوة ليسمعوا قوله # PageV02P528 # ويطيعوا أمره فيما يدعوهم إليه من التوحيد ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء معناه أن الله سبحانه وتعالى لما اختارنا لنبوته واصطفانا لرسالته ~~وعصمنا من الشرك فما كان ينبغي لنا أن نشرك به مع جميع هذه الاختصاصات التي ~~اختصنا بها. قال الواحدي: لفظة من في قوله من شيء زائدة مؤكدة كقولك ما ~~جاءني من أحد، وقال صاحب الكشاف: ما كان لنا ما صح لنا معشر الأنبياء أن ~~نشرك بالله من شيء أي شيء كان من ملك أو جني أو أنسي فضلا أن نشرك به صنما ~~لا يسمع ولا يبصر ذلك من فضل الله يعني ms1940 ذلك التوحيد وعدم الإشراك والعلم ~~الذي رزقنا من فضل الله علينا وعلى الناس يعني بما نصب لهم من الأدلة ~~الدالة على وحدانيته وبين لهم طريق الهداية إليه فكل ذلك من فضل الله على ~~عباده ولكن أكثر الناس لا يشكرون يعني أن أكثرهم لا يشكرون الله على هذه ~~النعم التي أنعم بها عليهم لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهما إلى ~~الإسلام فقال: ### || [سورة يوسف (12): الآيات 39 الى 42] # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ~~ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ~~(42) # يا صاحبي السجن يريد يا صاحبي في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول يا ~~سارق الليلة لأن الليلة مسروق فيها غير مسروقة ويجوز أن يريد يا ساكني ~~السجن كقوله أصحاب النار وأصحاب الجنة أأرباب متفرقون يعني أآلهة شتى من ~~ذهب وفضة وصفر وحديد وخشب وحجارة وغير ذلك وصغير وكبير ومتوسط متباينون في ~~الصفة وهي مع ذلك لا تضر ولا تنفع خير أم الله الواحد القهار يعني أن هذه ~~الأصنام أعظم صفة في المدح واستحقاق اسم الإلهية والعبادة أم الله الواحد ~~القهار، قال الخطابي: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده وقيل هو المنقطع عن ~~القرين والمعدوم الشريك والنظير وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة ~~لأن ذلك قد يكثر بانضمام بعضها إلى بعض والواحد ليس كذلك فهو الله الواحد ~~الذي لا مثل له ولا يشبهه شيء من خلقه القهار، قال الخطابي: القهار هو الذي ~~قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة وقهر الخلق كلهم بالموت، وقال غيره: القهار ~~هو الذي قهر كل شيء وذلله فاستسلم ms1941 وانقاد وذل له، والمعنى أن هذه الأصنام ~~التي تعبدونها ذليلة مقهورة إذ أراد الإنسان كسرها وإهانتها قدر عليه والله ~~هو الواحد في ملكه القهار لعباده الذي لا يغلبه شيء وهو الغالب لكل شيء ~~سبحانه وتعالى ثم بين عجز الأصنام وأنها لا شيء البتة فقال ما تعبدون من ~~دونه يعني من دون الله وإنما قال تعبدون بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في ~~المخاطبة لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين إلا أسماء سميتموها يعني ~~سميتموها آلهة وأربابا وهي حجارة جمادات خالية عن المعنى لا حقيقة لها أنتم ~~وآباؤكم يعني من قبلكم سموها آلة ما أنزل الله بها من سلطان يعني أن تسمية ~~الأصنام آلهة لا حجة لكم بها ولا برهان ولا أمر الله بها وذلك أنهم كانوا ~~يقولون إن الله أمرنا بهذه التسمية فرد الله عليهم بقوله: ما أنزل الله بها ~~من سلطان إن الحكم إلا لله يعني أن الحكم والقضاء والأمر والنهي لله تعالى ~~لا شريك له في ذلك أمر ألا تعبدوا إلا إياه لأنه هو المستحق للعبادة لا هذه ~~الأصنام التي سميتموها آلهة ذلك الدين القيم يعني عبادة الله هي الدين ~~المستقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. # ولما فرغ يوسف عليه الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله وعبادته رجع إلى ~~تعبير رؤياهما فقال يا صاحبي # PageV02P529 # السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا يعني أن صاحب شراب الملك يرجع إلى ~~منزلته ويسقي الملك خمرا كما كان يسقيه أولا والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة ~~أيام يبقي في السجن ثم يدعو به الملك ويرده إلى منزلته التي كان عليها وأما ~~الآخر فيصلب يعني صاحب طعام الملك والسلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يعدو به ~~الملك فيصلبه فتأكل الطير من رأسه قال ابن مسعود رضي الله عنه فلما سمعا ~~قول يوسف عليه الصلاة والسلام قالا ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب قال يوسف ~~قضي الأمر الذي فيه تستفتيان يعني فرغ من الأمر الذي سألتما عنه ووجب حكم ~~الله عليكما بالذي أخبرتكما به رأيتما شيئا ms1942 أم لم تريا وقال يعني يوسف للذي ~~ظن يعني علم وتحقق فالظن بمعنى العلم أنه ناج منهما يعني ساقي الملك اذكرني ~~عند ربك يعني سيدك وهو الملك الأكبر فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ~~مظلوما طال حبسه فأنساه الشيطان ذكر ربه في هاء الكناية في فأنساه إلى من ~~تعود قولان: # أحدهما: إنها ترجع إلى الساقي وهو قول عامة المفسرين والمعنى فأنسى ~~الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ~~ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. # والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن هاء الكناية ترجع إلى يوسف، ~~والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه عز وجل حتى ابتغى الفرج من غيره ~~واستعان بمخلوق مثله في دفع الضرر وتلك غفلة عرضت ليوسف عليه السلام فإن ~~الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف أعلى ~~المقامات ورتبته أشرف المراتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف ~~مؤاخذا بهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. # فإن قلت كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه. # قلت بشغل الخاطر وإلقاء الوسوسة فإن قد صح في الحديث «إن الشيطان يجري ن ~~ابن آدم مجرى الدم» فأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن ~~القلب بالكلية فلا يقدر عليه. # وقوله سبحانه وتعالى: فلبث في السجن بضع سنين. # اختلفوا في قدر البضع فقال مجاهد هو ما بين الثلاث إلى السبع وقال قتادة: ~~هو ما بين الثلاث إلى التسع، وقال ابن عباس هو ما دون العشرة وأكثر ~~المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين وكان يوسف قد لبث قبلها في ~~السجن خمس سنين فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع ~~سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين. # وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال له يا يوسف ~~اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال يا ms1943 رب أنسى قلبي ذكرك كثرة ~~البلوى فقلت كلمة قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم «رحم الله يوسف ~~لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث» يعني قوله اذكرني عند ربك ~~ثم بكى الحسن وقال نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس ذكره الثعلبي مرسلا ~~وبغير سند وقيل إن جبريل دخل على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه فقال له ~~يوسف يا أخا المنذرين ما لي أراك بين الخاطئين فقال له جبريل يا طاهر بن ~~الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول لك ما استحييت مني أن استغثت ~~بالآدميين فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين قال يوسف وهو في ذلك ~~عني راض قال نعم قال إذن لا أبالي وقال كعب قال جبريل ليوسف يقول الله عز ~~وجل لك من خلقك قال الله قال فمن رزقك قال الله قال فمن حببك إلى أبيك قال ~~الله # PageV02P530 # قال فمن نجاك من كرب البئر قال الله قال فمن علمك تأويل الرؤيا قال الله ~~قال فمن صرفك عنك السوء والفحشاء قال الله قال فكيف استغثت بآدمي مثلك ~~قالوا فلما انقضت سبع سنين. قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمس سنين التي ~~كانت قبل ذلك ودنا فرج يوسف وأراد الله عز وجل إخراجه من السجن رأى ملك مصر ~~الأكبر رؤيا عجيبة هالته وذلك أن رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من ~~البحر ثم خرج عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال فابتلع العجاف السمان ~~ودخلن في بطونهن ولم ير منهن شيء ولم يتبين على العجاف منها شيء ورأى سبع ~~سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبع سنبلات أخر يابسات قد استحصدت فالتوت ~~اليابسات على الخضر حتى علون عليهن ولم يبق من خضرتها شيء فجمع السحرة ~~والكهنة والمعبرين وقص عليهم رؤياه التي رآها فذلك قوله تعالى: ### || [سورة يوسف (12): آية 43] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن ms1944 كنتم للرءيا تعبرون (43) # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي يعني يا أيها الأشراف أخبروني بتأويل ~~رؤياي إن كنتم للرءيا تعبرون يعني: إن كنتم تحسنون علم العبارة وتفسيرها ~~وعلم التعبير مختص بتفسير الرؤيا وسمي هذا العلم تعبيرا لأن المفسر للرؤيا ~~عابر من ظاهرها إلى باطنها ليستخرج معناها وهذا أخص من التأويل لأن التأويل ~~يقال فيه وفي غيره. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 44 الى 48] # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا ~~منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق ~~أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي ~~أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم ~~فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ~~يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) # قالوا يعني قال جماعة الملأ وهم السحرة والكهنة والمعبرون مجيبين للملك ~~أضغاث أحلام يعني أخلاط مشتبهة واحدها ضغث وأصله الحزمة المختلطة من أنواع ~~الحشيش والأحلام جمع حلم وهو الرؤيا التي يراها الإنسان في منامه وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين لما جعل الله هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه ~~الصلاة والسلام من السجن وذلك أن الملك لما رآها قلق واضطرب وذلك لأنه قد ~~شاهد الناقص الضعيف قد استولى على القوي الكامل حتى قهره وغلبه فأراد أن ~~يعرف تأويل ذلك فجمع سحرته وكهنته ومعبريه وأخبرهم بما رأى في منامه وسألهم ~~عن تأويلها فأعجز الله بقدرته جماعة الكهنة والمعبرين عن تأويل هذه الرؤيا ~~ومنعهم عن الجواب ليكون ذلك سببا لخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من السجن ~~فذلك قوله تعالى: وقال الذي نجا منهما يعني وقال الساقي الذي نجا من السجن ~~والقتل بعد هلاك صاحبه الخباز وادكر بعد أمة يعني أنه تذكر قول يوسف اذكرني ~~عند ربك بعد أمة يعني بعد حين وهو سبع سنين وسمي الحين ms1945 من الزمان أمة لأنه ~~جماعة الأيام والأمة الجماعة أنا أنبئكم يعني أخبركم بتأويله وقوله أنا ~~أنبئكم بلفظ الجمع إما أنه أراد به الملك مع جماعة السحرة والكهنة ~~والمعبرين أو أراد به الملك وحده وخاطبه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم وذلك ~~أن الفتى الساقي جثا بين يدي الملك وقال إن في السجن رجلا عالما يعبر ~~الرؤيا فأرسلون فيه اختصار # PageV02P531 # تقديره فأرسلني أيها الملك فأرسله فأتى السجن قال ابن عباس ولم يكن السجن ~~في المدينة يوسف أي يا يوسف أيها الصديق إنما سماه صديقا لأنه لم يجرب عليه ~~كذبا قط والصديق الكثير الصدق والذي ل يكذب قط وقيل سماه صديقا لأنه صدق في ~~تعبيره رؤياه التي رآها في السجن أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات # فإن الملك رأى هذه الرؤيا لعلي أرجع إلى الناس يعني أرجع بتأويل هذه ~~الرؤيا إلى الملك وجماعته لعلهم يعلمون يعني بتأويل هذه الرؤيا وقيل لعلهم ~~يعلمون منزلتك في العلم قال يعني يوسف معبرا لتلك الرؤيا أما البقرات ~~السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبة وأما البقرات العجاف والسنبلات ~~اليابسات فسبع سنين مجدبة فذلك قوله تعالى: تزرعون وهذا خبر بمعنى الأمر أي ~~ازرعوا سبع سنين دأبا يعني عادتكم في الزراعة والدأب العادة وقيل ازرعوا ~~بجد واجتهاد فما حصدتم فذروه في سنبله إنما أمرهم بترك ما حصدوه من الحنطة ~~في سنبله لئلا يفسد ويقع في السوس وذلك أبقى له على طول الزمان إلا قليلا ~~مما تأكلون يعني ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل بقدر الحاجة وأمرهم بحفظ ~~الأكثر لوقت الحاجة أيضا وهو وقت السنين المجدبة وهو قوله ثم يأتي من بعد ~~ذلك يعني من بعد السنين المخصبة سبع شداد يعني سبع سنين مجدبة ممحلة شديدة ~~على الناس يأكلن يعني يفنين ما قدمتم لهن يعني يؤكل فيهن كل ما أعددتم ~~وادخرتم لهن من الطعام وإنما أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع في ~~الكلام إلا قليلا مما تحصنون يعني تحرزون وتدخرون للبذر، والإحصان الإحراز ~~وهو ms1946 إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 49 الى 52] # ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) وقال الملك ~~ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ~~قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين (52) # ثم يأتي من بعد ذلك يعني من بعد هذه السنين المجدبة عام فيه يغاث الناس ~~أي يمطرون من الغيث الذي هو المطر، وقيل: هو من قولهم استغثت بفلان فأغاثني ~~من الغوث وفيه يعصرون يعني يعصرون العنب خمرا والزيتون زيتا والسمسم دهنا ~~أراد به كثرة الخير والنعم على الناس وكثرة الخصب في الزرع والثمار، وقيل ~~يعصرون معناه ينجون من الكرب والشدة والجدب. # قوله عز وجل: وقال الملك ائتوني به وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك ~~وأخبره بفتيا يوسف وما عبر برؤياه استحسنه الملك وعرف أن الذي قاله كائن لا ~~محالة فقال ائتوني به حتى أبصر هذا الرجل الذي قد عبر رؤياي بهذه العبارة ~~فرجع الساقي إلى يوسف وقال له أجب الملك فذلك قوله تعالى: فلما جاءه الرسول ~~فأبى أن يخرج معه حتى تظهر براءته للملك ولا يراه بعين النقص قال يعني قال ~~يوسف للرسول ارجع إلى ربك يعني إلى سيدك وهو الملك فسئله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما لها (ق) عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو ~~لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي» أخرجه الترمذي، وزاد فيه «ثم قرأ ~~فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن» هذا الحديث فيه بيان فضل يوسف عليه الصلاة والسلام وبيان ms1947 قوة صبره ~~وثباته والمراد بالداعي رسول الملك الذي جاءه من عنده فلم يخرج معه مبادرا ~~إلى الراحة ومفارقة ما هو فيه من الضيق والسجن الطويل فلبث في السجن وراسل ~~الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه لتظهر براءته عند الملك وغيره # PageV02P532 # فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوسف عليه الصلاة والسلام وبين ~~فضيلته وحسن صبره على المحنة والبلاء وقوله: إن ربي بكيدهن عليم يعني أن ~~الله تعالى عالم بصنيعهن وما احتلن في هذه الواقعة من الحيل العظيمة فرجع ~~الرسول من عند يوسف إلى الملك بهذه الرسالة فجمع الملك النسوة وامرأة ~~العزيز معهن وقال لهن ما خطبكن أي شأنكن وأمركن إذ راودتن يوسف عن نفسه ~~إنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا الخطاب، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ~~ليكون أستر لها وقيل إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وحدها وسائر النسوة ~~أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن بهذا الخطاب قلن يعني النسوة جميعا مجيبات ~~للملك حاش لله يعني معاذ الله ما علمنا عليه من سوء يعني من خيانة في شيء ~~من الأشياء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق يعني ظهر وتبين وقيل إن ~~النسوة أقبلن على امرأة العزيز فعزرنها وقيل خافت أن يشهد عليها فأقرت ~~فقالت أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين يعني في قوله هي راودتني عن ~~نفسي. # واختلفوا في قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب على قولين: # أحدهما: أنه من قول المرأة ووجه هذا القول أن هذا كلام متصل بما قبله وهو ~~قول المرأة الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ثم قالت: ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب والمعنى ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه في حال ~~غيبته وهو في السجن ولم أكذب عليه بل قلت أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين وإن كنت قد قلت فيه ما قلت في حضرته، ثم بالغت في تأكيد هذا القول ~~فقالت وأن الله لا يهدي كيد الخائنين يعني أني لما أقدمت على هذا الكيد ~~والمكر لا ms1948 جرم أني افتضحت لأن الله لا يرشد ولا يوفق كيد الخائنين. # والقول الثاني: أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وهذا قول الأكثرين ~~من المفسرين والعلماء ووجه هذا القول أنه لا يبعد وصل كلام إنسان بكلام ~~إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه فعلى هذا يكون معنى الآية أنه لما بلغ يوسف ~~قول المرأة أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين قال يوسف ذلك أي الذي ~~فعلت من ردي رسول الملك إليه ليعلم يعني العزيز أني لم أخنه في زوجته ~~بالغيب يعني في حال غيبته، فيكون هذا من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز ~~أنا راودته عن نفسه من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة السامعين لذلك مع ~~غموض فيه لأنه ذكر كلام إنسان ثم أتبعه بكلام إنسان آخر من غير فصل بين ~~الكلامين ونظير هذا قوله تعالى: يريد أن يخرجكم من أرضكم # هذا من قول الملأ، فماذا تأمرون من قول فرعون ومثله قوله تعالى: وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة هذا من قول بلقيس وكذلك يفعلون من قوله عز وجل تصديقا لها ~~وعلى هذا القول اختلفوا أين كان يوسف حين قال هذه المقالة على قولين أحدهما ~~أنه كان في السجن وذلك أنه لما رجع إليه رسول الملك وهو في السجن وأخبره ~~بجواب امرأة العزيز للملك قال حينئذ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وهذه ~~رواية أبي صالح عن ابن عباس وبه قال ابن جريج. # والقول الثاني: إنه قال هذه المقالة عند حضوره عند الملك وهذه رواية عطاء ~~عن ابن عباس فإن قلت فعلى هذا القول كيف خاطبهم بلفظة ذلك وهي إشارة للغائب ~~مع حضوره عندهم. # قلت قال ابن الأنباري قال اللغويون هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع لقرب ~~الخبر من أصحابه فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا وقيل ذلك إشارة إلى ما ~~فعله يقول ذلك الذي فعلته من ردي الرسول ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي لم ~~أخن العزيز في حال غيبته ثم ختم هذا الكلام بقوله وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين ms1949 يعني أني لو كنت خائنا لما خلصني الله من هذه الورطة التي وقعت ~~فيها لأن الله لا يهدي أي لا يرشد ولا يوفق كيد الخائنين واختلفوا في قوله. # PageV02P533 ### || [سورة يوسف (12): الآيات 53 الى 54] # وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين (54) # وما أبرئ نفسي من قول من؟ على قولين أيضا: # أحدهما: أنه من قول المرأة وهذا التفسير على قول من قال إن قوله ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب من قول المرأة فعلى هذا يكون المعنى وما أبرئ ~~نفسي من مراودتي يوسف عن نفسه وكذبي عليه. # والقول الثاني: وهو الأصح وعليه أكثر المفسرين أنه من قول يوسف عليه ~~الصلاة والسلام وذلك أنه لما قال ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له ~~جبريل ولا حين هممت بها فقال يوسف عند ذلك وما أبرئ نفسي وهذه رواية عن ابن ~~عباس أيضا وهو قول الأكثرين وقال الحسن إن يوسف لما قال ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال وما أبرئ نفسي لأن الله تعالى ~~قال فلا تزكوا أنفسكم، ففي قوله وما أبرئ نفسي هضم للنفس وانكسار وتواضع ~~لله عز وجل فإن رؤية النفس في مقام العصمة والتزكية ذنب عظيم فأراد إزالة ~~ذلك عن نفسه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين إن النفس لأمارة بالسوء ~~والسوء لفظ جامع لكل ما يهم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية والسيئة ~~الفعلة القبيحة. # واختلفوا في النفس الأمارة بالسوء ما هي فالذي عليه أكثر المحققين من ~~المتكلمين وغيرهم أن النفس الإنسانية واحدة ولها صفات: منها الأمارة ~~بالسوء، ومنها اللوامة، ومنها المطمئنة فهذه الثلاث المراتب هي صفات لنفس ~~واحدة فإذا دعت النفس إلى شهواها مالت إليها فهي النفس الأمارة بالسوء فإذا ~~فعلتها أتت النفس اللوامة فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات ~~ويحصل عند ذلك الندامة على ذلك الفعل القبيح وهذا من ms1950 صفات النفس المطمئنة، ~~وقيل: إن النفس أمارة بالسوء بطبعها فإذا تزكت وصفت من أخلاقها الذميمة ~~صارت مطمئنة. # وقوله إلا ما رحم ربي قال ابن عباس: معناه إلا من عصم ربي فتكون ما بمعنى ~~من فهو كقوله ما طاب لكم من النساء يعني من طاب لكم وقيل هذا استثناء منقطع ~~معناه لكن من رحم ربي فعصمه من متابعة النفس الأمارة بالسوء إن ربي غفور ~~يعني غفور لذنوب عباده رحيم بهم. # قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي وذلك أنه لما تبين للملك ~~عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه طلب حضوره إليه فقال ائتوني به يعني بيوسف ~~أستخلصه لنفسي أي أجعله خالصا لنفسي والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع ~~شوائب الاشتراك وإنما طلب الملك أن يستخلص يوسف لنفسه، لأن عادة الملوك أن ~~ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة ولا يشاركهم فيها أحد من الناس وإنما قال ~~الملك ذلك لما عظم اعتقاده في يوسف لما علم من غزارة علم يوسف وحسن صبره ~~وإحسانه إلى أهل السجن وحسن أدبه وثباته على المحن كلها فلهذا حسن اعتقاد ~~الملك فيه وإذا أراد الله تعالى أمرا هيأ أسبابه فألهم الملك ذلك فقال ~~ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه فيه اختصار تقديره فلما جاء الرسول إلى ~~يوسف فقال له أجب الملك الآن بلا معاودة فأجابه. # روي أن يوسف لما قام ليخرج من السجن دعا لأهله فقال اللهم عطف عليهم قلوب ~~الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما ~~خرج من السجن كتب على بابه هذا بيت البلواء وقبر الأحياء وشماتة الأعداء ~~وتجربة الأصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسنة ثم قصد باب ~~الملك. # PageV02P534 # قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه ~~عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم دخل الدار فلما أبصر الملك قال: اللهم ~~إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره فلما نظر إليه الملك سلم ~~يوسف عليه بالعربية ms1951 فقال له الملك ما هذا اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل ثم ~~دعا له بالعبرانية فقال له وما هذا اللسان أيضا قال يوسف هذا لسان آبائي ~~قال وهب وكان الملك يتكلم بسبعين لغة فلم يعرف هذين اللسانين وكان الملك ~~كلما كلمه بلسان أجاباه يوسف وزاد عليه بالعربية والعبرانية فلما رأى الملك ~~منه ذلك أعجبه ما رأى مع حداثة سن يوسف عليه السلام وكان له من العمر يومئذ ~~ثلاثون سنة فأجلسه إلى جنبه فذلك قوله تعالى فلما كلمه يعني فلما كلم الملك ~~يوسف لأن مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبدأ بالكلام فيها وإنما يبدأ فيها ~~بالكلام وقيل معناه فلما كلم يوسف الملك قال الساقي أيها الملك هذا الذي ~~علم تأويل الملك رؤياك مع عجز السحرة والكهنة عنها فأقبل عليه الملك وقال ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين يقال: اتخذ فلان عند فلان مكانة أي منزلة وهي ~~الحالة التي يتمكن بها صاحبها مما يريد، وقيل: المكانة المنزلة والجاه ~~والمعنى قد عرفت أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسبت إليه وقوله مكين ~~أمين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين ~~والدنيا. # روي أن الملك قال ليوسف عليه الصلاة والسلام أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك ~~شفاها فقال: نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان غير عجاف كشف ~~لك عنهن النيل فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا فبينما أنت تنظر إليهن وقد ~~أعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه فخرج من حمأته سبع بقرات ~~عجاف شعث غبر ملصقات البطون ليس لهما ضروع ولا أخلاف ولهن أنياب وأضراس ~~وأكف كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع فاختلطن بالسمان فاترسن السمان ~~فافترس السبع فأكلن لحومهن ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن ومشمشن مخهن فبينما ~~أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة بعد ~~أكلهن إذ سبع سنبلات خضر طريات ناعمات ممتلئات حبا وماء وإلى جانبهن سبع ~~أخر سود يابسات في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء ms1952 فبينا أنت تقول في ~~نفسك أي شيء هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد وأصولهن في ~~الثرى والماء. # إذ هبت الريح فذرت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن ~~النار فأحرقتهن فصرن سودا فهذا ما رأيت أيها الملك ثم انتبهت مذعورا فقال ~~الملك والله ما أخطأت منها شيئا فما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجبا فما هو ~~بأعجب مما سمعت منك وما ترى في تأويل رؤياي أيها الصديق؟ قال يوسف عليه ~~الصلاة والسلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين ~~المخصبة وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله فإنه أبقى ~~له فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب وتأمر الناس فليرفعوا الخمس من ~~زروعهم أيضا فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها وتأتيك الخلق ~~من سائر النواحي للميرة ويجتمع عندك من الكنوز والأموال ما لا يجتمع لأحد ~~قبلك فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه فعند ~~ذلك. ### || [سورة يوسف (12): آية 55] # قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # قال يعني يوسف اجعلني على خزائن الأرض يعني على خزائن الطعام والأموال، ~~وأراد بالأرض أرض مصر أي اجعلني على خزائن أرضك التي تحت يدك، وقال الربيع ~~بن أنس اجعلني على خزائن خراج مصر ودخلها إني حفيظ عليم أي حفيظ الخزائن ~~عليم بوجوه مصالحها وقيل معناه إني حاسب كاتب وقيل حفيظ لما استودعتني عليم ~~بما وليتني وقيل حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني، وقال الكلبي: حفيظ ~~بتقديره في # PageV02P535 # السنين المخصبة للسنين المجدبة عليم بوقت الجوع حين يقع فقال الملك عند ~~ذلك ومن أحق بذلك منك وولاه ذلك، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يرحم الله أخي يوسف ~~لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة». # فإن قلت كيف طلب يوسف علي الصلاة والسلام الإمارة والولاية مع ما ورد من ~~النهي ms1953 عنها مع كراهية طلبها لما صح من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها ~~عن مسألة وكلت إليها وإن أتيتها من غير مسألة أعنت عليها» أخرجاه في ~~الصحيحين. # قلت إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها فإذا تعين عليه طلبها ~~وجب ذلك عليه ولا كراهية فيه فأما يوسف عليه الصلاة والسلام فكان عليه طلب ~~الإمارة لأنه مرسل من الله تعالى والرسول أعلم بمصالح الأمة من غيره وإذا ~~كان مكلفا برعاية المصالح ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة وجب عليه طلبها، ~~وقيل إنه علم أنه سيحصل قحط وشدة إما بطريق الوحي من الله أو بغيره وربما ~~أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق، وكان في طلب الإمارة إيصال الخير والراحة ~~إلى المستحقين وجب عليه طلب الأمارة لهذا السبب. # فإن قلت كيف مدح يوسف نفسه بقوله إني حفيظ عليم والله تعالى يقول فلا ~~تزكوا أنفسكم. # قلت إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر والتوسل به ~~إلى غير ما يحل فهذا القدر المذموم في تزكية النفس. # أما إذا قصد بتزكية النفس ومدحها إيصال الخير والنفع إلى الغير فلا يكره ~~ذلك ولا يحرم بل يجب عليه ذلك مثاله أن يكون بعض الناس عنده علم نافع ولا ~~يعرف به فإنه يجب عليه أن يقول أنا عالم، ولما كان المالك قد علم من يوسف ~~أنه عالم بمصالح الدين ولم يعلم أنه عالم بمصالح الدنيا نبهه يوسف بقوله ~~إني حفيظ عليم على أنه عالم بما يحتاج إليه في مصالح الدنيا أيضا مع كمال ~~علمه بمصالح الدين. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 56 الى 57] # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # قوله عز وجل: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وكذلك إشارة إلى ما تقدم، يعني ~~وكما أنعمنا على يوسف بأن أنجيناه من الجب وخلصناه ms1954 من السجن وزيناه في عين ~~الملك حتى قربه وأدنى منزلته كذلك مكنا له في الأرض يعني أرض مصر ومعنى ~~التمكين هو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره وإليه الإشارة بقوله ~~يتبوأ منها حيث يشاء لأنه تفسير للتمكين. # قال ابن عباس وغيره لما انقضت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة دعاه الملك ~~فتوجه وقلده بسيفه وحلاه بخاتمه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ~~طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع ووضع له عليه ثلاثون فراشا وستون ماريا ~~وضرب له عليه كلة من إستبرق وأمره أن يخرج فخرج متوجا لونه كالثلج ووجهه ~~كالقمر يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ~~ودانت ليوسف الملوك وفوض الملك الأكبر إليه ملكه وعزل قطفير عما كان عليه ~~وجعل يوسف مكانه. # قال ابن إسحاق قال ابن زيد وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلمها إلى يوسف ~~وسلم له سلطانه كله وجعل أمره وقضاءه نافذا في مملكته قالوا ثم هلك قطفير ~~عزيز مصر في تلك الليالي فزوج الملك يوسف امرأة العزيز بعد هلاكه فلما دخل ~~يوسف عليها قال لها أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قالت له أيها الصديق لا ~~تلمني فإني # PageV02P536 # كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء ~~وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي وعصمك الله قالوا فوجدها ~~يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين ذكرين إفراثيم وميشا وهما ابنا يوسف ~~منها واستوثق ليوسف ملك مصر وأقام فيه العدل وأحبه الرجال والنساء فلما ~~اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام أحسن التدبير فبنى الحصون والبيوت ~~الكثيرة وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة وأنفق المال بالمعروف حتى خلت ~~السنين المخصبة ودخلت السنين المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثله، وقيل: ~~إنه دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار فلما دخلت سنين ~~القحط كان أول من أصابه الجوع الملك فجاع نصف النهار فنادى يا يوسف الجوع ~~الجوع فقال يوسف ms1955 هذا أول أوان القحط فهلك في السنة الأولى من أول سنين ~~القحط كل ما أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف ~~فباعهم في السنة الأولى بالنقود حتى لم يبق بمصر درهم ولا دينار إلا أخذه ~~منهم وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر في أيدي ~~الناس منها شيء وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي والأنعام حتى لم ~~تبق دابة ولا ماشية إلا احتوى عليها كلها وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد ~~والجواري حتى لم يبق بأيدي الناس عبد ولا أمة وباعهم في السنة الخامسة ~~بالضياع والعقار حتى أتى عليها كلها وباعهم في السنة السادسة بأولادهم، حتى ~~استرقهم وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا ~~ملكه فصاروا جميعهم عبيدا ليوسف عليه الصلاة والسلام فقال أهل مصر ما رأينا ~~كاليوم ملكا أجمل ولا أعظم من يوسف فقال يوسف للملك كيف رأيت صنع الله بي ~~فيما خولني فما ترى في هؤلاء قال الملك الرأي رأيك ونحن لك تبع قال فإني ~~أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم وقيل ~~إن يوسف كان لا يشبع من الطعام في تلك الأيام فقيل له أتجوع وبيدك خزائن ~~الأرض فقال أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع وأمر يوسف طباخي الملك أن يجعلوا ~~غداءه نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائع فمن ~~ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار. # قال مجاهد: ولم يزل يوسف يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم ~~الملك وكثير من الناس فذلك قوله سبحانه وتعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء يعني نختص بنعمتنا وهي النبوة من ~~نشاء يعني من عبادنا ولا نضيع أجر المحسنين قال ابن عباس يعني الصابرين ~~ولأجر الآخرة يعني ولثواب الآخرة خير يعني أفضل من أجر الدنيا للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون يعني يتقون ما نهى الله عنه وفيه دليل على أن ms1956 الذي أعد الله ~~عز وجل ليوسف عليه الصلاة والسلام في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل أفضل ~~مما أعطاه الله في الدنيا من الملك قوله تعالى: ### || [سورة يوسف (12): آية 58] # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون قال العلماء: لما اشتد ~~القحط وعظم البلاء وعم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام قصد الناس ~~مصر من كل مكان للميرة وكان يوسف لا يعطي أحدا أكثر من حمل بعير وإن كان ~~عظيما تقسيطا ومساواة بين الناس ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدة ~~فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه وأرسل ~~عشرة فذلك قوله تعالى وجاء إخوة يوسف وكانوا عشرة وكان مسكنهم بالعربات من ~~أرض فلسطين والعربات ثغور الشام وكانوا أهل بادية وإبل وشياه فدعاهم يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام وقال بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا له ~~واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام فخرجوا حتى قدموا مصر ~~فدخلوا على يوسف فعرفهم. # PageV02P537 # قال ابن عباس ومجاهد: بأول نظرة نظر إليهم عرفهم، وقال الحسن: لم يعرفهم ~~حتى تعرفوا إليه وهم له منكرون يعني لم يعرفوه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين أن قذفوه في الجب وبين دخولهم عليه ~~مدة أربعين سنة فلذلك أنكروه وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير ~~الملك وكان على رأسه تاج الملك وقيل لأنه كان قد لبس زي ملوك مصر عليه ثياب ~~حرير وفي عنقه طوق من ذهب وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة ~~فكيف وقد اجتمعت فيه، وقيل إن العرفان إنما يقع في القلب بخلق الله تعالى ~~له فيه وإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق ذلك العرفان في تلك الساعة في ~~قلوبهم تحقيقا لما أخبر أنه سينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون فكان ذلك ~~معجزة ليوسف عليه الصلاة والسلام فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية ~~كلمهم بلسانهم فقال لهم أخبروني من ms1957 أنتم وما أمركم فإني قد أنكرت حالكم ~~قالوا: نحن قوم من أرض الشام رعاة قد أصابنا من الجهد ما أصاب الناس فجئنا ~~نمتار؟ قال يوسف لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي قالوا: لا والله ما نحن ~~بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق يقال له يعقوب نبي من ~~أنبياء الله تعالى قال وكم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى ~~البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم الآن، قالوا: عشرة ~~قال: # وأين الآخر قالوا هو عند أبينا لأنه أخو الذي هلك لأمه فأبونا يتسلى به ~~قال فمن يعلم أن الذي تقولون حق قالوا أيها الملك إننا ببلاد غربة لا ~~يعرفنا فيها أحد قال فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا راض ~~بذلك منكم قالوا إن أبانا يحزن لفراقه وسنراوده عنه قال فدعوا بعضكم عندي ~~رهينة حتى تأتوني به فاقترعوا فيما بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم ~~رأيا في يوسف فخلفوه عنده فذلك قوله تعالى: # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 59 الى 62] # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) ~~قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) # ولما جهزهم بجهازهم يقال: جهزت القوم تجهيزا إذا تكلفت لهم جهاز سفرهم ~~وهو ما يحتاجون إليه في وجوههم والجهاز بفتح الجيم هي اللغة الفصيحة الجيدة ~~وعليها الأكثرون من أهل اللغة وكسر الجيم لغة ليست بجيدة. قال ابن عباس: ~~حمل لكل واحد منهم بعيرا من الطعام وأكرمهم في النزول وأحسن ضيافتهم ~~وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم يعني الذي ~~خلفتموه عنده وهو بنيامين ألا ترون أني أوفي الكيل يعني أني أتمه ولا أبخس ~~منه شيئا وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم أكرمكم بذلك وأنا خير المنزلين ~~يعني ms1958 خير المضيفين لأنه كان قد أحسن ضيافتهم مدة إقامتهم عنده قال الإمام ~~فخر الدين الرازي: هذا الكلام يضعف قول من يقول من المفسرين إنه اتهمهم ~~ونسبهم إلى أنهم جواسيس ومن يشافههم بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم ~~ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين، وأيضا يبعد من يوسف عليه ~~الصلاة والسلام مع كونه صديقا أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون مع أنه يعرف ~~براءتهم من هذه التهمة لأن البهتان لا يليق بالصديق ثم قال يوسف فإن لم ~~تأتوني به يعني بأخيكم الذي من أبيكم فلا كيل لكم عندي يعني لست أكيل لكم ~~طعاما ولا تقربون يعني ولا ترجعوا ولا تقربوا بلادي وهذا هو نهاية التخويف ~~والترهيب لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكنهم تحصيله إلا من ~~عنده فإذا منعهم من العود كان قد ضيق عليهم فعند ذلك قالوا يعني إخوة يوسف ~~سنراود عنه أباه يعني سنجتهد ونحتال حتى ننزعه من عنده وإنا لفاعلون يعني ~~ما أمرتنا به. # PageV02P538 # قوله عز وجل: وقال لفتيانه يعني: وقال يوسف لفتيانه وهم غلمانه وأتباعه ~~اجعلوا بضاعتهم في رحالهم أراد بالبضاعة ثمن الطعام الذي أعطوه ليوسف وكانت ~~دراهم وحكى الضحاك عن ابن عباس أنها كانت النعال والأدم والرحال جمع رحل ~~وهي الأوعية التي يحمل فيها الطعام وغيره لعلهم يعرفونها يعني يعرفون ~~بضاعتهم إذا انقلبوا إلى أهلهم يعني إذا رجعوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ~~إلينا واختلفوا في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم ~~بضاعتهم فقيل إنهم إذا فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم علموا أن ~~ذلك من كرم يوسف وسخائه فيبعثهم ذلك على الرجوع إليه سريعا وقيل إنه خاف أن ~~لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال لأن الزمان كان زمان قحط وشدة، وقيل: ~~إنه رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم لشدة حاجتهم إليه وقيل أراد ~~أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه لوم ولا عيب، وقيل أراد أن يريهم بره ~~وكرمه وإحسانه ms1959 إليهم في رد بضاعتهم ليكون ذلك أدعى إلى العود إليه، وقيل: ~~إنما فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على رد البضاعة إليه إذا ~~وجدوها في رحالهم لأنهم أنبياء وأولاد أنبياء وقيل أراد برد البضاعة إليهم ~~أن يكون ذلك عونا لأبيه ولإخوته على شدة الزمان. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 63 الى 65] # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من ~~قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم وجدوا ~~بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير ~~أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا ~~وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته فقال لهم ~~يعقوب إذا رجعتم إلى ملك مصر فاقرؤوا عليه مني السلام وقولوا له إن أبانا ~~يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا ثم قال لهم أين شمعون قالوا ارتهنه ملك مصر ~~عنده وأخبروه بالقصة ثم قالوا يا أبانا منع منا الكيل وفيه قولان: # أحدهما: أنهم لما أخبروا يوسف بأخيهم من أبيهم طلبوا منه الطعام لأبيهم ~~وأخيهم المتخلف عند أبيهم فمنعهم من ذلك حتى يحضر فقولهم منع منا الكيل ~~إشارة إليه وأراد بالكيل الطعام لأنه يكال. # والقول الثاني: إنه سيمنع منا الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف ~~فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون وقال الحسن يمنع منا الكيل ~~إن لم نحمل معنا أخانا وهو قوله تعالى إخبارا عنهم فأرسل معنا أخانا يعني ~~بنيامين نكتل قرئ بالياء يعني يكتل لنفسه وقرئ بالنون يعني نكتل نحن جميعا ~~وإياه معنا وإنا له لحافظون يعني نرده إليك فلما قالوا ليعقوب هذه المقالة ~~(قال) يعني يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل يعني كيف ~~آمنكم على ولدي بنيامين وقد ms1960 فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم وإنكم ذكرتم مثل هذا ~~الكلام بعينه في يوسف وضمنتم لي حفظه وقلتم وإنا له لحافظون فما فعلتم فلما ~~لم يحصل الأمان والحفظ هنالك فكيف يحصل هاهنا ثم قال فالله خير حافظا يعني ~~أن حفظ الله خير من حفظكم له ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه ~~في جميع الأمور وهو أرحم الراحمين وظاهر هذا الكلام يدل على أنه أرسله ~~معهم، وإنما أرسله معهم وقد شاهد ما فعلوا بيوسف لأنه لم يشاهد فيما بينهم ~~وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما كان بينهم وبين يوسف أو أن يعقوب شاهد ~~منهم الخير والصلاح لما كبروا فأرسله معهم أو أن شدة القحط وضيق الوقت ~~أحوجه إلى ذلك. # قوله تعالى: ولما فتحوا متاعهم يعني الذي حملوه من مصر فيحتمل أن يكون ~~المراد به الطعام أو أوعية # PageV02P539 # الطعام وجدوا بضاعتهم ردت إليهم يعني أنهم وجدوا في متاعهم ثمن الطعام ~~الذي كانوا قد أعطوه ليوسف قد رد عليهم ودس في متاعهم قالوا يا أبانا ما ~~نبغي يعني ماذا نبغي وأي شيء نطلب وذلك أنهم كانوا قد ذكروا ليعقوب إحسان ~~ملك مصر إليهم وحثوا يعقوب على إرسال بنيامين معهم فلما فتحوا متاعهم ~~ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم قالوا أي شيء نطلب من الكلام بعد هذا العيان ~~من الإحسان والإكرام أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن، وأرادوا بهذا الكلام ~~تطييب قلب أبيهم هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا يقال مار أهله يميرهم ~~ميرا إذا حمل لهم الطعام وجلبه من بلد آخر إليهم والمعنى إنا نشتري لأهلنا ~~الطعام ونحمله إليهم ونحفظ أخانا يعني بنيامين مما تخاف عليه حتى نرده إليك ~~ونزداد كيل بعير يعني ونزداد لأجل أخينا على أحمالنا حمل بعير من الطعام ~~ذلك كيل يسير يعني إن ذلك الحمل الذي نزداد من الطعام هين على الملك لأنه ~~قد أحسن إلينا وأكرمنا بأكثر من ذلك وقيل معناه أن الذي حملناه معنا كيل ~~يسير قليل لا يكفينا وأهلنا. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 66 الى 68] # قال لن ms1961 أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا تدخلوا من ~~باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم ~~إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من حيث أمرهم ~~أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه ~~لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) # قال يعني قال لهم يعقوب لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله يعني لن ~~أرسل معكم بنيامين حتى تؤتون عهد الله وميثاقه والموثق العهد المؤكد ~~باليمين، وقيل هو المؤكد بإشهاد الله عليه لتأتنني به دخلت اللام هنا لأجل ~~اليمين وتقديره حتى تحلفوا بالله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم قال مجاهد: ~~إلا أن تهلكوا جميعا فيكون عذرا لكم عندي، لأن العرب تقول أحيط بفلان إن ~~هلك أو قارب هلاكه. # وقال قتادة: إلا أن تغلبوا جميع فلا تقدروا على الرجوع فلما آتوه موثقهم ~~يعني فلما أعطوه عهدهم وحلفوا له قال الله على ما نقول وكيل يعني قال يعقوب ~~الله شاهد على ما نقول كأن الشاهد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد، ~~وقيل وكيل بمعنى حافظ. # قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب «فالله خير حافظا» قال الله تعالى: ~~«وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما بعد ما توكلت علي وفوضت أمرك إلي» وذلك ~~أنه لما اشتد بهم الأمر وضاق عليهم الوقت وجهدوا أشد الجهد لم يجد يعقوب ~~بدا من إرسال بنيامين معهم فأرسله معهم متوكلا على الله ومفوضا أمره إليه. # قوله عز وجل إخبارا عن يعقوب وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا ~~من أبواب متفرقة وذلك أنهم لما خرجوا من عند يعقوب قاصدين مصر قال لهم يا ~~بني لا تدخلوا يعني مدينة مصر من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وكان ~~لمدينة مصر يومئذ أربعة أبواب، وقال السدي: أراد ms1962 الطرق لا الأبواب يعني من ~~طرق متفرقة وإنما أمرهم بذلك لأنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا قد أعطوا ~~جمالا وقوة وامتداد قامة وكانوا أولاد رجل واحد فأمرهم أن يتفرقوا في ~~دخولهم المدينة لئلا يصابوا بالعين فإن العين حق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وجمهور المفسرين (ق). # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ~~العين حق» زاد البخاري «ونهى عن الوشم» (م) عن # PageV02P540 # ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «العين حق ولو كان شيء ~~سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغتسلوا» عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها قالت «كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين» أخرجه أبو داود. # قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: قال المازري: أخذ جماهير ~~العلماء بظاهر هذا الحديث وقال العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل ~~على فساد عقولهم أن كل معنى يكون مخالفا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ~~ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات العقول وإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ~~ولا يجوز تكذيبه وإنكاره وقيل لا بد من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم بما ~~يخبر به من أمور الآخرة قال وقد زعم بعض الطبائعيين مثبتين للعين تأثيرا أن ~~العين تنبعث من عينيه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد قالوا ولا يمتنع ~~هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل بالملدوغ فيهلك ~~وإن كان غير محسوس لنا فكذا العين، قال المازري: وهذا غير مسلم لأنا بينا ~~في كتب علم الكلام أنه لا فاعل إلا الله تعالى وبينا فساد القول بالطبائع ~~وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئا، فإذا تقرر هذا بطل ما قالوه ثم تقول ~~هذا المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض فباطل أن يكون عرضا لأنه لا يقبل ~~الانتقال وباطل أن يكون جوهرا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون ~~مفسدا لبعض بأولى من عكسه فبطل ما قالوه وأقرب طريقة قالها ms1963 من ينتحل ~~الإسلام منهم إن قالوا لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من عين ~~العائن لتتصل بالمعين فتتخلل مسام جسمه فيخلق الله عز وجل الهلاك عندها كما ~~يخلق الهلاك عند شرب السموم عادة أجراها الله عز وجل وليست ضرورة ولا ~~طبيعية ألجأ الفعل إليها قال ومذهب أهل السنة أن المعين إنما يفسد ويهلك ~~عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله تعالى العادة بأن يخلق الضرر عند ~~مقابلة هذا الشخص شخصا آخر، وهل ثم جواهر أم لا فهذا من مجوزات العقول لا ~~يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله ~~تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه وإنما هو ~~من الجائزات هذا ما يتعلق بعلم الأصول وأما ما يتعلق بعلم الفقه فإن الشرع ~~قد ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيف لما أصيب بالعين عند ~~اغتساله رواه مالك في الموطأ. # وأما صفة وضوء العائن فمذكور في كتب شرح الحديث ومعروف عند العلماء فيطلب ~~من هناك فليس هذا موضعه والله أعلم. # وقال وهب بن منبه: في قوله لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة حكاه ابن ~~الجوزي عنه وقيل إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان قد علم أن ملك مصر هو ~~ولده يوسف عليه الصلاة والسلام إلا أن الله تعالى لم يأذن له في إظهاره ذلك ~~فلما بعث أبناءه إليه قال لهم: لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى أخيه يوسف في وقت الخلوة قبل إخوته ~~والقول الأول أصح أنه خاف عليهم من العين ثم رجع إلى علمه وفوض أمره إلى ~~الله تعالى بقوله: وما أغني عنكم من الله من شيء يعني إن كان الله قد قضى ~~عليكم بقضاء فهو يصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين فإن المقدور كائن ولا ينفع ~~حذر من قدر إن الحكم ms1964 إلا لله يعني وما الحكم إلا لله وحده لا شريك له فيه ~~وهذا تفويض من يعقوب في أموره كلها إلى الله تعالى: عليه توكلت يعني عليه ~~اعتمدت في أموري كلها لا على غيره وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من ~~حيث أمرهم أبوهم يعني من الأبواب المتفرقة وكان لمدينة مصر وقيل مدينة ~~الفرماء أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها كلها ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء وهذا تصديق من الله سبحانه وتعالى ليعقوب فيما قال وما أغني عنكم من ~~الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها هذا استثناء منقطع ليس من الأول ~~في شيء ومعناه لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها وهو # PageV02P541 # أنه أشفق عليهم إشفاق الآباء على الأبناء وذلك أنه خاف عليهم من العين أو ~~خاف عليهم حسد أهل مصر أو خاف أن لا يردوا عليه فأشفق من هذا كله أو بعضه ~~وإنه يعني يعقوب لذو علم يعني صاحب علم لما علمناه يعني لتعليمنا إياه ذلك ~~العلم، وقيل: معناه وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه والمعنى أنا لما علمناه ~~هذه الأشياء حصل له العلم بتلك الأشياء، وقيل: إنه لذو حفظ لما علمناه وقيل ~~إنه كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، وقيل: إنه لعامل بما علمناه قال ~~سفيان من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني ~~لا يعلمون ما كان يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم وقال ابن ~~عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه. ### || [سورة يوسف (12): آية 69] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) # قوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال المفسرون: لما دخل ~~إخوة يوسف على يوسف قالوا أيها الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد ~~جئناك به فقال لهم أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي ثم أنزلهم وأكرم نزلهم ~~ثم إنه أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحيدا ms1965 فبكى وقال لو ~~كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال لهم يوسف لقد بقي هذا وحده فقالوا كان ~~له أخ فهلك قال لهم فأنا أجلسه معي فأخذه فأجلسه معه على مائدته وجعل ~~يؤاكله فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك وقال كل اثنين منكم ينامان على فراش ~~واحد فبقي بنيامين وحده فقال يوسف هذا ينام عندي على فراشي فنام بنيامين مع ~~يوسف على فراشه فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح فلما أصبح قال لهم ~~إني أرى هذا الرجل وحيدا ليس معه ثان وسأضمه إلي فيكون معي في منزلي ثم إنه ~~أنزلهم وأجرى عليهم الطعام فقال روبيل ما رأينا مثل هذا فذلك قوله آوى إليه ~~أخاه يعني ضمه وأنزله معه في منزله فلما خلا به قال له يوسف ما اسمك قال ~~بنيامين قال وما بنيامين قال ابن المشكل وذلك أنه لما ولدته أمه هلكت قال ~~وما اسم أمك قال راحيل قال فهل لك من ولد قال عشر بنين قال فهل لك من أخ ~~لأمك قال كان لي أخ فهلك قال يوسف أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال ~~بنيامين ومن يجد أخا مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى ~~يوسف عليه الصلاة والسلام وقام إليه وعانقه وقال له إني أنا أخوك يعني يوسف ~~فلا تبتئس يعني لا تحزن وقال أهل اللغة تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر ~~والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس بما كانوا يعملون يعني فلا تحزن بشيء ~~فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا ونجانا من الهلاك وجمع بيننا، ~~وقيل: إن يوسف صفح عن إخوته وصفا لهم فأراد أن يجعل قلب أخيه بنيامين مثل ~~قلبه صافيا عليهم ثم قال يوسف لأخيه بنيامين لا تعلم إخوتك بشيء مما أعلمتك ~~به ثم إنه أوفى لإخوته الكيل وزاد لكل واحد حمل بعير ولبنيامين حمل بعير ~~باسمه ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل أخيه بنيامين، قال السدي: وهو لا ~~يشعر وقال كعب: لما قال له ms1966 يوسف إني أنا أخوك قال بنيامين أنا لا أفارقك ~~فقال يوسف قد علمت اغتمام والدي علي فإذا حبستك عندي ازداد غمه ولا يمكنني ~~هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد قال لا أبالي فافعل ~~ما بدا لك فإني لا أفارقك قال فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليكم ~~بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك قال فافعل ما شئت فذلك قوله عز وجل: # PageV02P542 # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 70 الى 74] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ~~(74) # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه وهي المشربة التي كان الملك ~~يشرب فيها، قال ابن عباس: كانت من زبرجد، وقال ابن إسحاق كانت من فضة وقيل ~~من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر جعلها يوسف مكيالا ~~لئلا يكال بغيرها وكان يشرب فيها والسقاية والصواع اسم لإناء واحد وجعلت في ~~وعاء طعام أخيه بنيامين ثم ارتحلوا راجعين إلى بلادهم فأمهلهم يوسف حتى ~~انطلقوا وذهبوا منزلا وقيل حتى خرجوا من العمارة ثم أرسل خلفهم من استوقفهم ~~وحبسهم ثم أذن مؤذن يعني نادى مناد وأعلم معلم. # والأذان في اللغة الإعلام أيتها العير وهي القافلة التي في الأحمال، وقال ~~مجاهد: العير الحمير والبغال، وقال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل ~~والحمير والبغال فهي عير وقول من قال إنها الإبل خاصة باطل وقيل العير ~~الإبل التي تحمل عليها الأحمال سميت بذلك لأنها تعير أي تذهب وتجيء وقيل هي ~~قافلة الحمير ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وقوله أيتها ~~العير أراد أصحاب العير إنكم لسارقون فقفوا والسرقة أخذ ما ليس له أخذه في ~~خفاء. # فإن قلت هل كان هذا النداء بأمر ms1967 يوسف أم لا فإن كان بأمره فكيف يليق ~~بيوسف مع علو منصبه وشريف رتبته من النبوة والرسالة أن يتهم أقواما وينسبهم ~~إلى السرقة كذبا مع علمه ببراءتهم من ذلك وإن كان ذلك النداء بغير أمره ~~فهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة التي نسبوا إليها. # قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة: # أحدها: أن يوسف لما أظهر لأخيه أنه أخوه قال لست أفارقك قال لا سبيل إلى ~~ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما يليق قال رضيت بذلك فعلى هذا ~~التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام بل قد رضي به فلا يكون ذنبا. # الثاني: أن يكون المعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا ~~هذا الكلام فهو من المعاريض وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. # الثالث: يحتمل أن يكون المنادي ربما قال ذلك النداء على سبيل الاستفهام ~~وعلى هذا التقدير لا يكون كذبا. # الرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف وهو الأقرب ~~إلى ظاهر الحال لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم ~~وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم قالوا ~~وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قال أصحاب الأخبار لما وصل الرسل إلى إخوة يوسف ~~قالوا لهم ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم ونوف إليكم الكيل ونفعل بكم ما لم نفعل ~~بغيركم قالوا بلى وما ذاك قالوا فقدنا سقاية الملك ولا نتهم عليها غيركم ~~فذلك قوله تعالى قالوا وأقبلوا عليهم أي عطفوا على المؤذن وأصحابه ماذا أي ~~ما الذي تفقدون والفقدان ضد الوجود قالوا يعني المؤذن وأصحابه نفقد صواع ~~الملك الصاع الإناء الذي يكال به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان ~~ولمن جاء به يعني بالصواع حمل بعير يعني من الطعام وأنا به زعيم أي كفيل ~~قال الكلبي الزعيم هو الكفيل بلسان أهل اليمن وهذه الآية تدل على أن ~~الكفالة كانت صحيحة في شرعهم وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في ~~قوله «الحميل غارم» ms1968 والحميل الكفيل. # PageV02P543 # فإن قلت كيف تصح هذه الكفالة مع أن السارق لا يستحق شيئا. # قلت لم يكونوا سراقا في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد الضائع فيكون جعالة ~~أو لعل مثل هذه الكفالة كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان فيحمل عليه قالوا ~~يعني إخوة يوسف تالله التاء بدل من الواو ولا تدخل إلا على اسم الله في ~~اليمين خاصة تقديره والله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ~~قال المفسرون: إن أخوة يوسف حلفوا على أمرين: # أحدهما: أنهم ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض والثاني أنهم ما جاءوا ~~سارقين وإنما قالوا هذه المقالة لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل على ~~صدقهم وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة والبر حتى بلغ من ~~أمرهم أنهم شدوا أفواه دوابهم لئلا تؤذي زرع الناس ومن كانت هذه صفته ~~فالفساد في حقه ممتنع. # وأما الثاني: وهو أنهم ما كانوا سارقين فلأنهم قد كانوا ردوا البضاعة ~~التي وجدوها في رحالهم ولم يستحلوا أخذها ومن كانت هذه صفته فليس بسارق ~~فلأجل ذلك قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فلما ~~تبينت براءتهم من هذه التهمة قالوا يعني أصحاب يوسف وهو المنادي وأصحابه ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين يعني فما جزاء السارق إن كنتم كاذبين في قولكم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 75 الى 76] # قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي ~~علم عليم (76) # قالوا يعني إخوة يوسف جزاؤه من وجد في رحله يعني جزاء السارق الذي وجد في ~~رحله أن يسلم برقبته إلى المسروق منه فيسترقه سنة وكان ذلك سنة آل يعقوب في ~~حكم السارق وكان في حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي ms1969 قيمة المسروق ~~وكان هذا في شرعهم في ذلك الزمان يجري مجرى القطع في شرعنا فأراد يوسف أن ~~يأخذ بحكم أبيه في السارق فلذلك رد الحكم إليهم، والمعنى أن جزاء السارق أن ~~يستعبد سنة جزاء له على جرمه وسرقته فهو جزاؤه يعني هذا الجزاء جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين يعني مثل هذا الجزاء وهو أن يسترق السارق سنة نجزي الظالمين ~~ثم قيل إن هذا الكلام من بقية كلام إخوة يوسف وقيل هو من كلام أصحاب يوسف ~~فعلى هذا إن إخوة يوسف لما قالوا جزاء السارق أن يسترق سنة قال أصحاب يوسف ~~كذلك نجزي الظالمين يعني السارقين. # قوله عز وجل: فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه قال أهل التفسير إن إخوة يوسف ~~لما أقروا أن جزاء السارق أن يسترق سنة قال أصحاب يوسف لا بد من تفتيش ~~رحالكم فردوهم إلى يوسف فأمر بتفتيشها بين يديه فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل ~~وعاء أخيه لإزالة التهمة فجعل يفتش أوعيتهم واحدا واحدا. # قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر وعاء إلا استغفر ~~تأثما مما قذفهم به حتى لم يبق إلا رحل بنيامين قال ما أظن هذا أخذ شيئا ~~قال إخوته والله لا نتركك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا فلما ~~فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه فذلك قوله تعالى: ثم استخرجها من وعاء أخيه ~~إنما أنث الكناية لأنه ردها إلى السقاية، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث فلما ~~أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوة يوسف رؤوسهم من الحياء وأقبلوا على ~~بنيامين يلومونه ويقولون له ما صنعت بنا فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ~~ما زال لنا منكم بلاء حتى أخذت هذا الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما ~~زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه # PageV02P544 # في البرية إن الذي وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم ~~قالوا فأخذ بنيامين رقيقا، وقيل: # إن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين استخرجوا ~~الصواع من رحل بنيامين فأخذه برقبته وردوه إلى ms1970 يوسف كذلك كدنا ليوسف يعني ~~ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف وهو إشارة إلى الحكم الذي ذكره إخوة يوسف ~~باسترقاق السارق أي مثل ذلك الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف ولفظ ~~الكيد مستعار للحيلة والخديعة وهذا في حق الله عز وجل محال فيجب تأويل هذه ~~اللفظة بما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى فنقول الكيد هنا جزاء الكيد يعني ~~كما فعلوا بيوسف بأن حكموا أن جزاء السارق أن يسترق كذلك ألهمنا يوسف حتى ~~دس الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته، وقال ابن الأعرابي: ~~الكيد التدبير بالباطل وبحق فعلى هذا يكون المعنى كذلك دبرنا ليوسف وقيل: ~~صنعنا ليوسف، وقال ابن الأنباري: كدنا وقع خبرا من الله عز وجل علي خلاف ~~معناه في أوصاف المخلوقين فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته احتيال وهو ~~في موضع فعل الله معرى من المعاني المذمومة ويخلص بأنه وقع بمن يكيده تدبير ~~ما يريده به من حيث لا يشعر ولا يقدر على دفعه فهو من الله مشيئة بالذي ~~يكون من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق في ستر عنه ما ينويه ويضمره له من ~~الذي يقع به من الكيد فهو من الله تعالى أستر إذ هو ما ختم به عاقبته والذي ~~وقع بإخوة يوسف من كيد الله هو ما انتهى إليه شأن يوسف من ارتفاع المنزلة ~~وتمام النعمة وحيث جرى الأمر على غير ما قدر من إهلاكه وخلوص أبيهم له بعده ~~وكل ذا جرى بتدبير الله تعالى وخفي لطفه سماه كيدا لأنه أشبه كيد المخلوقين ~~فعلى هذا يكون كيد الله عز وجل ليوسف عليه الصلاة والسلام عائدا إلى جميع ~~ما أعطاه الله وأنعم به عليه على خلاف تدبيره وإخوته من غير أن يشعروا بذلك ~~وقوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك يعني في حكم الملك وقضائه ~~لأنه كان في حكم الملك أن السارق يضرب ويغرم ضعفي قيمة المسروق يعني في حكم ~~الملك وقضائه فلم يتمكن يوسف من حبس أخيه ms1971 عنده في حكم الملك فالله تعالى ~~ألهم يوسف ما دبره حتى وجد السبيل إلى ذلك إلا أن يشاء الله يعني أن ذلك ~~الأمر كان بمشيئة الله وتدبيره لأن ذلك كله كان إلهاما من الله ليوسف ~~وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد نرفع درجات من نشاء يعني بالعلم كما ~~رفعنا درجة يوسف على إخوته وفي هذه الآية دلالة على أن العلم الشريف أشرف ~~المقامات وأعلى الدرجات لأن الله تعالى مدح يوسف ورفع درجته على إخوته ~~بالعلم وبما ألهمه على وجه الهداية والصواب في الأمور كلها وفوق كل ذي علم ~~عليم قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى ~~فوق كل عالم لأنه هو الغني بعلمه عن التعليم وفي الآية دليل على أن إخوة ~~يوسف كانوا علماء وكان يوسف أعلم منهم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم ~~العالم نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه تعالى ولا يطمع نفسه في الغلبة ~~لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 77 الى 78] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) # قوله تعالى: قالوا يعني إخوة يوسف إن يسرق يعني بنيامين الصواع فقد سرق ~~أخ له من قبل يعني يوسف ظاهر الآية يقتضي أن إخوة يوسف قالوا للملك إن هذا ~~الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان سارقا أيضا وكان غرضهم من هذا ~~الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته بل هذا وأخوه كان على هذه ~~الطريقة وهذه السيرة لأنهما من أم أخرى غير أمنا. # PageV02P545 # واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقال سعيد ~~بن جبير وقتادة: وكان لجده أبي أمه صنم وكان يعبده فأخذه يوسف وكسره وألقاه ~~في الطريق لئلا يعبده، وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل ms1972 يوما فأخذ بيضة من ~~البيت فناولها له، وقال سفيان بن عيينة أخذ دجاجة من الطير الذي كان في بيت ~~يعقوب فأعطاها سائلا، وقال وهب: كان يخبئ الطعام من المائدة للفقراء. # وذكر محمد بن إسحاق: إن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت أمه راحيل ~~فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا فلما ترعرع وكبر وقعت محبة يعقوب عليه فأحبه ~~فقال لأخته يا أختاه سلمي إلي يوسف فو الله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة ~~واحدة فقالت لا أعطيكه فقال لها والله ما أنا بتاركه عندك فقالت دعه عندي ~~أياما أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه ففعل ذلك فعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق ~~وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق فكانت عندها فشدت المنطقة ~~على وسط يوسف تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق ~~ففتشوا أهل البيت فوجودها مع يوسف فقالت إنه لسلم لي يعني يوسف فقال يعقوب ~~إن كان قد فعل فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت فلذلك قال إخوة يوسف إن ~~يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون هذه السرقة قال ابن الأنباري: وليس في هذه ~~الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها تشبه السرقة فعيروه بها عند الغضب ~~فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الضمير يرجع إلى الكلمة التي بعدها وهي قوله تعالى قال يعني يوسف أنتم شر ~~مكانا روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس والثاني أن الضمير يرجع إلى ~~الكلمة التي قالوها في حقه وهي قولهم فقد سرق أخ له من قبل وهذا معنى قول ~~أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا القول يكون المعنى فأسر يوسف جواب الكلمة ~~التي قالوها في حقه ولم يجبهم عليها والثالث أن الضمير يرجع إلى الحجة ~~فيكون المعنى على هذا القول فأسر يوسف الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه ~~السرقة ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا يعني منزلة عند الله ممن رميتموه ~~بالسرقة لأنه لم يكن ms1973 من يوسف سرقة في الحقيقة وخيانتكم حقيقة والله أعلم ~~بما تصفون يعني بحقيقة ما تقولون. # قوله عز وجل: قالوا يعني إخوة يوسف يا أيها العزيز يخاطبون بذلك الملك إن ~~له أبا شيخا كبيرا قال أصحاب الأخبار والسير إن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~لما استخرج الصواع من رحل أخيه بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال إن ~~صواعي هذا يخبرني أنكم اثنا عشر رجلا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من ~~أبيكم فبعتموه قال بنيامين أيها الملك سل صواعك هذا من جعله في رحلي فنقره ~~ثم قال إن صواعي غضبان وهو يقول كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت ~~قالوا فغضب روبيل لذلك وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا وكان روبيل إذا ~~غضب لم يقم لغضبه شيء وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته وكان ~~من هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب يسكن غضبه وكان أقوى الإخوة وأشدهم، وقيل: ~~كانت هذه صفة شمعون بن يعقوب، وقيل: إنه قال لإخوته كم عدد الأسواق بمصر ~~قالوا عشرة قال اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم ~~الملك وأنا أكفيكم الأسواق فدخلوا على يوسف فقال روبيل أيها الملك لتردن ~~علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا وضعت ولدها وقامت ~~كل شعرة في جسد روبيل حتى خرجت من ثيابه فقال يوسف لابن له صغير قم إلى جنب ~~هذا فمسه أو خذ بيده فأتى له فلما مسه سكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم ~~قالوا لم يصبك منا أحد فقال روبيل إن هذا بذر من بذر يعقوب وقيل إنه غضب ~~ثانيا فقام إليه يوسف فوكزه برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض وقال أنتم ~~يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم فلما رأوا ما نزل بهم ورأوا ~~أن لا سبيل إلى تخليصه خضفوا وذلوا وقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا يعني في السن ويحتمل أن يكون كبيرا في القدر لأنه ms1974 نبي من أولاد ~~الأنبياء فخذ أحدنا مكانه يعني # PageV02P546 # بدلا عنه لأنه يحبه ويتسلى به عن أخيه الهالك إنا نراك من المحسنين يعني ~~في أفعالك كلها وقيل من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد ~~البضاعة إلينا وقيل إن رددت بنيامين إلينا وأخذت أحدنا مكانه كنت من ~~المحسنين. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 79 الى 80] # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) ~~فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو ~~يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) # قال معاذ الله يعني: قال يوسف أعوذ بالله معاذا أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده لم يقل سرق تحرزا عن الكذب لأنه يعلم أخاه ليس بسارق إنا إذا ~~لظالمون يعني إن أخذنا بريئا بذنب غيره فإن قلت كيف استجاز يوسف أن يعمل ~~مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه وحبس أخاه أيضا عنده مع علمه بشدة ~~وجد أبيه عليه ففيه ما فيه من العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة وكيف يجوز ~~ليوسف مع علو منصبه من النبوة والرسالة أن يزور على إخوته ويروج عليهم مثل ~~هذا مع ما فيه من الإيذاء لهم فكيف يليق به هذا كله قلت قد ذكر العلماء عن ~~هذا السؤال أجوبة كثيرة وأحسنها وأصحها أنه إنما فعل ذلك بأمر الله تعالى ~~له لا عن أمره وإنما أمره الله بذلك ليزيد بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر على ~~البلاء ويلحقه بدرجة آبائه الماضين ولله تعالى أسرار لا يعلمها أحد من خلقه ~~فهو المتصرف في خلقه بما يشاء وهو الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب في طول هذه ~~المدة مع قرب المسافة لما يريد أن يدبره فيهم والله أعلم بأحوال عباده. # قوله عز وجل: فلما استيأسوا منه يعني أيسوا من يوسف أن يجيبهم لما سألوه، ~~وقيل: أيسوا من أخيهم أن يرد عليهم، وقال أبو عبيدة: ms1975 استيأسوا أي استيقنوا ~~أن الأخ لا يرد إليهم خلصوا نجيا يعني خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون ~~ليس فيهم غيرهم قال كبيرهم يعني في العقل والعلم لا في السن، قال ابن عباس: # الكبير يهوذا وكان أعقلهم وقال مجاهد هو شمعون وكانت له الرئاسة على ~~إخوته، وقال قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا ~~في يوسف لأنه نهاهم عن قتله ألم تعلموا أن أباكم يعني يعقوب قد أخذ عليكم ~~موثقا يعني عهدا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف يعني قصرتم في أمر يوسف ~~حتى ضيعتموه فلن أبرح الأرض يعني الأرض التي أنا فيها وهي أرض مصر والمعنى ~~فلن أخرج من أرض مصر ولا أفارقها على هذه الصورة حتى يأذن لي أبي يعني في ~~الخروج من أرض مصر فيدعوني إليه أو يحكم الله لي برد أخي علي أو بخروجي ~~معكم وترك أخي أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم حتى أسترد أخي وهو خير ~~الحاكمين لأنه يحكم بالحق والعدل والإنصاف، والمراد من هذا الكلام الالتجاء ~~إلى الله تعالى في إقامة عذره عند والده يعقوب عليه الصلاة والسلام. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 81 الى 83] # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين (81) وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا ~~فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) # ارجعوا إلى أبيكم يعني يقول الأخ الكبير الذي عز على الإقامة بمصر لإخوته ~~الباقين ارجعوا إلى أبيكم يعقوب فقولوا له يا أبانا إن ابنك سرق إنما قالوا ~~هذه المقالة ونسبوه إلى السرقة لأنهم شاهدوا الصواع وقد أخرج من متاع ~~بنيامين فغلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في ~~حقيقة # PageV02P547 # الحال ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم وما شهدنا إلا بما ~~علمنا يعني ولم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا إخراج الصواع وقد ms1976 أخرج من متاعه ~~وقيل معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمناه وهذه ليست ~~بشهادة إنما هو خبر عن صنيع ابنك أنه سرق بزعمهم فيكون المعنى أن ابنك سرق ~~في زعم الملك وأصحابه لا أنا نشهد عليه بالسرقة: وقرأ ابن عباس والضحاك: ~~سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها أي نسب إلى السرقة واتهم بها وهذه ~~القراءة لا تحتاج إلى تأويل ومعناها أن القوم نسبوه إلى السرقة إلا أن هذه ~~القراءة ليست مشهورة فلا تقوم بها حجة والقراءة الصحيحة المشهورة هي الأولى ~~وقوله وما شهدنا إلا بما علمنا يعني وما قلنا هذا إلا بما علمنا فيما رأينا ~~إخراج الصواع من متاعه، وقيل: معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء ~~إلا بما عملناه وليست هذه شهادة وإنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم. وقيل: ~~قال لهم يعقوب هب أنه سرق فما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا ~~بقولكم قالوا ما شهدنا عنده أن السارق يسترق إلا بما علمنا من الحكم وكان ~~الحكم كذلك عند الأنبياء قبله ويعقوب وبنيه. # وأورد على هذا القول كيف جاز ليعقوب إخفاء هذا الحكم حتى ينكر على بنيه ~~ذلك. # وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك الحكم كان مخصوصا بما إذا كان المسروق ~~منه مسلما فلهذا أنكر عليهم إعلام الملك بهذا الحكم لظنه أنه كافر وما كنا ~~للغيب حافظين قال مجاهد وقتادة: يعني ما كنا نعلم أن ابنك سرق ويصير أمرنا ~~إلى هذا ولو عملنا ذلك ما ذهبنا به معنا وإنما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا ~~إلى حفظه منه سبيل، وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه ~~حافظين وقيل معناه إن حقيقة الحال غير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا ~~الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم بذلك وسئل القرية التي كنا فيها ~~يعني واسأل أهل القرية إلا أن حذف المضاف للإيجاز ومثل هذا النوع من المجاز ~~مشهور في كلام العرب والمراد بالقرية مصر، وقال ms1977 ابن عباس: هي قرية من قرى ~~مصر كان قد جرى فيها حديث السرقة والتفتيش والعير التي أقبلنا فيها يعني ~~واسأل القافلة التي كنا فيها وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب وإنا ~~لصادقون يعني فيما قلناه وإنما أمرهم أخوهم الذي أقام بمصر بهذه المقالة ~~مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب ~~واقعة يوسف قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فيه اختصار تقديره فرجعوا إلى ~~أبيهم فأخبروه بما جرى لهم في سفرهم ذلك وبما قال لهم كبيرهم وأمرهم أن ~~يقولوه لأبيهم فعند ذلك قال لهم يعقوب بل سولت يعني بل زينت لكم أنفسكم ~~أمرا وهو حمل أخيكم معكم إلى مصر لطلب نفع عاجل فآل أمركم إلى ما آل، وقيل: ~~معناه بل خيلت لكم أنفسكم أنه سرق ما سرق فصبر جميل تقدم تفسيره في أول ~~السورة. # وقوله عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يعني بيوسف وبنيامين والأخ الثالث ~~الذي أقام بمصر وإنما قال يعقوب هذه المقالة لأنه لما طال حزنه واشتد بلاؤه ~~ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب فقال ذلك على سبيل حسن ~~الظن بالله عز وجل لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج، وقيل: إن ~~يعقوب علم بما يجري عليه وعلى بنيه من أول الأمر وهو رؤيا يوسف وقوله «يا ~~بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا» فلما تناهى الأمر قال عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم يعني بحزني ووجدي عليهم الحكيم ~~فيما يدبره ويقضيه. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 84 الى 86] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) ~~قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) # PageV02P548 # قوله تعالى: وتولى عنهم يعني وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين ~~فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف ms1978 فعند ذلك أعرض ~~عنهم وقال يا أسفى على يوسف الأسف أشد الحزن وإنما جدد حزنه على يوسف عند ~~وجود هذه الواقعة لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب ~~وأعظم لهيجان الحزن الأول كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبرا جيدا جدد ~~حزنه على أخيه مالك: # يقول أتبكي كل قبر رأيته ... لقد ثوى بين اللوى والدكادك # فقلت له إن الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذا كله قبر مالك # فأجاب بأن الحزن يجدد الحزن، وقيل: إن يوسف وبنيامين لما كانا من أم ~~واحدة كان يعقوب يتسلى عن يوسف ببنيامين فلما حصل فراق بنيامين زاد حزنه ~~عليه ووجده وجدد حزنه على يوسف لأن يوسف كان أصل المصيبة، وقد اعترض بعض ~~الجهال على يعقوب عليه السلام في قوله يا أسفا على يوسف فقال هذه شكاية ~~وإظهار جزع فلا يليق بعلو منصبه ذلك وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض ~~لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام شكا إلى الله لا منه فقوله يا أسفا على يوسف ~~معناه يا رب ارحم أسفي على يوسف وقد ذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه ~~قال: نداء يعقوب بالأسف في اللفظ من المجاز يعني به غير المظهر في اللفظ ~~وتلخيصه يا إلهي ارحم أسفي أو أنت رائي أسفي أو هذا أسفي فنادى الأسف في ~~اللفظ والمنادى سواه في المعنى ولا مأثم إذ لم ينطلق اللسان بكلام مؤثم ~~لأنه لم يشك إلا إلى ربه عز وجل فلما كان قوله يا أسفا على يوسف شكوى إلى ~~ربه كان غير ملوم في شكواه وقيل إن يعقوب لما عظمت مصيبته واشتد بلاؤه ~~وقويت محنته قال يا أسفا على يوسف أي أشكو إلى الله شدة أسفي على يوسف ولم ~~يشكه إلى أحد من الخلق بدليل قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وابيضت ~~عيناه من الحزن أي عمي من شدة الحزن على يوسف قال مقاتل لم يبصر شيئا ست ~~سنين، وقيل: # إنه ضعف بصره من كثرة البكاء وذلك أن الدمع يكثر ms1979 عند غلبة البكاء فتصير ~~العين كأنها بيضاء من ذلك الماء الخارج من العين فهو كظيم أي مكظوم وهو ~~الممتلئ من الحزن الممسك عليه لا يبثه، قال قتادة: وهو الذي يردد حزنه في ~~جوفه ولم يقل إلا خيرا، وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم ~~التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على ~~الله منه. وقال ثابت البناني ووهب بن منبه والسدي: إن جبريل عليه الصلاة ~~والسلام دخل على يوسف وهو في السجن فقال هل تعرفني أيها الصديق قال يوسف ~~أرى صورة طاهرة قال إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين فقال يوسف فما ~~أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين ~~قال ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر الأرض بطهر النبيين وأن الأرض التي ~~يدخلونها هي أطهر الأرضين وأن الله قد طهر بك الأرض والسجن وما حوله يا ~~أطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين قال يوسف كيف لي باسم الصديقين ~~وتعدني من الصالحين المخلصين الطاهرين وقد أدخلت مدخل المذنبين قال له إنه ~~لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك فلذلك سماك الله من الصديقين ~~وعدك من المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين قال يوسف فهل لك علم من يعقوب ~~أيها الروح الأمين قال نعم قد ذهب بصره وابتلاه الله بالحزن عليك فهو كظيم ~~ووهب له الصبر الجميل قال فما قدر حزنه قال حزن سبعين ثكلاء قال فما له من ~~الأجر يا جبريل قال أجر مائة شهيد قال أفتراني لاقيه قال نعم فطابت نفس ~~يوسف وقال ما أبالي مما لقيت إن رأيته. # قوله عز وجل: قالوا يعني إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لأبيهم تالله ~~تفتؤا تذكر يوسف يعني لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر عن حبه يقال ما فتئ يفعل ~~كذا أي ما زال ولا محذوفة في جواب القسم لأن موضعها معلوم فحذفت للتخفيف ~~كقول امرئ القيس: # PageV02P549 # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي ms1980 لا أبرح قاعدا وقوله حتى تكون حرضا قال ابن عباس يعني دنفا وقال مجاهد ~~الحرض ما دون الموت يعني قريبا من الموت، وقال ابن إسحاق: يعني فاسدا لا ~~عقل له والحرض الذي فسد جسمه وعقله وقيل ذائبا من الهم وأصل الحرض الفساد ~~في الجسم والعقل من الحزن أو الهم ومعنى الآية حتى تكون دنف الجسم مخبول ~~العقل يعني لا تنتفع بنفسك من شدة الحزن والهم والأسف أو تكون من الهالكين ~~يعني من الأموات. # فإن قلت كيف حلفوا على شيء لم يعلموا حقيقته قطعا؟. # قلت: إنهم بنوا الأمر على الأغلب الظاهر أي نقوله ظنا منا أن الأمر يصير ~~إلى ذلك ال # يعني يعقوب عند ما رأى قولهم له وغلظتهم عليه نما أشكوا بثي وحزني إلى ~~الله # أصل البث إثارة الشيء وتفريقه وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، ~~قال ابن قتيبة: البث أشد الحزن وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان ~~هما فإذا ذكره لغيره كان بثا فالبث أشد الحزن والحزن الهم فعلى هذا يكون ~~المعنى إنما أشكو حزني العظيم وحزني القليل إلى الله لا إليكم. # قال ابن الجوزي: روى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث أنس بن مالك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات ~~يوم يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وما الذي قوس ظهرك قال أما الذي أذهب بصري ~~فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل فقال ~~يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكو إلى غيري فقال ~~إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل الله أعلم بما تشكو» وقيل: إنه ~~دخل على يعقوب جار له فقال له يا يعقوب مالي أراك قد تهشمت بالضعف وفنيت ~~ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فقال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم ~~يوسف فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي فقال يا رب خطيئة ms1981 أخطأتها ~~فاغفرها لي قال قد غفرتها لك فكان بعد ذلك إذا سئل يقول إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله تعالى وقيل إن الله أوحى إليه وعزتي وجلالي لا أكشف ما بك ~~حتى تدعوني فعند ذلك قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله تعالى ثم قال أي رب ~~أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وقوست ظهري فاردد على ريحانتي أشممها شمة ~~قبل أن أموت ثم اصنع ما شئت فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك ~~السلام ويقول لك أبشر فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك أتدري لم وجدت عليك ~~لأنكم ذبحتم شاة فقام على بابكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها ~~شيئا وإن أحب عبادي إلي الأنبياء ثم المساكين اصنع طعاما وادع إليه ~~المساكين فصنع طعاما ثم قال من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب وكان ~~بعد ذلك إذا تغدى أمر مناديا ينادي من أراد أن يتغدى فليأت آل يعقوب وإذا ~~أفطر أمر أن ينادي من أراد أن يفطر فليأت آل يعقوب فكان يتغدى ويتعشى مع ~~المساكين، وقال وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك ~~وحبست عنك يوسف ثمانين سنة قال يا رب لا قال لأنك شويت عناقا وقترت على ~~جارك وأكلت ولم تطعمه وقيل إن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه ~~وهي تخور فلم يرحمها. # فإن قلت هل في هذه الروايات ما يقدح في عصمة الأنبياء؟ # قلت: لا وإنما عوقب يعقوب بهذا لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وإنما ~~يطلب من الأنبياء من الأعمال على قدر منصبهم وشريف رتبتهم ويعقوب عليه ~~الصلاة والسلام من أهل بيت النبوة والرسالة ومع ذلك فقد ابتلى الله كل واحد ~~من أنبيائه بمحنة فصبر وفوض أمره إلى الله فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ألقي في النار فصبر ولم يشك إلى أحد وإسماعيل ابتلي بالذبح فصبر وفوض أمره ~~إلى الله وإسحاق ابتلي بالعمى فصبر ولم يشك إلى أحد ويعقوب ابتلي بفقده ~~ولده يوسف وبعده بنيامين ثم عمي بعد ms1982 ذلك أو ضعف بصره من كثرة البكاء # PageV02P550 # على فقدهما وهو مع ذلك صابر لم يشك إلى أحد شيئا مما نزل به وإنما كانت ~~شكايته إلى الله عز وجل بدليل قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فاستوجب ~~بذلك المدح العظيم والثناء الجميل في الدنيا والدرجات العلى في الآخرة مع ~~من سلف من أبويه إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسلام. # وأما دمع العين وحزن القلب فلا يستوجب به ذما ولا عقوبة لأن ذلك ليس إلى ~~اختيار الإنسان فلا يدخل تحت التكليف بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكى على ولده إبراهيم عند موته وقال «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما ~~نقول إلا ما يرضي ربنا» فهذا القدر لا يقدر الإنسان على دفعه عن نفسه فصار ~~مباحا لا حرج فيه على أحد من الناس وقوله أعلم من الله ما لا تعلمون # يعني أنه تعالى من رحمته وإحسانه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب وفيه إشارة ~~إلى أنه كان يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه إليه وروى أن ملك الموت زار يعقوب ~~فقال له يعقوب أيها الملك الطيب ريحه الحسن صورته الكريم على ربه هل قبضت ~~روح ابني يوسف في الأرواح فقال لا فطابت نفس يعقوب وطمع في رؤيته فلذلك قال ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون وقيل معناه وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق وإني ~~وأنتم سنسجد له وقال السدي لما أخبره بنوه بسيرة ملك مصر وكمال حاله في ~~جميع أقواله وأفعاله أحسست نفس يعقوب وطمع أن يكون هو يوسف فعند ذلك قال ~~يعني يعقوب. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 87 الى 89] # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ~~مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله ~~يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ~~(89) # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه التحسس ms1983 طلب الخبر بالحاسة وهو قريب ~~من التجسس بالجيم وقيل إن التحسس بالحاء يكون في الخير وبالجيم يكون في ~~الشر ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس قال ابن عباس ~~التمسوا قال ابن الأنباري يقال تحسست عن فلان ولا يقال من فلان وقال هنا من ~~يوسف وأخيه لأنه أقيم من مقام عن قال ويجوز أن يقال من للتبعيض ويكون ~~المعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف وأخيه، روي عن عبد الله بن يزيد عن أبي ~~فروة أن يعقوب كتب كتابا إلى يوسف عليهما الصلاة والسلام حين حبس عنده ~~بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ~~إلى ملك مصر أما بعد فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء أما جدي إبراهيم فشدت ~~يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما وأما أبي فشدت يداه ~~ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب ~~أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا ~~قد أكله الذئب فذهبت عيناي ثم كان لي ابن آخر وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى ~~به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته ~~إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك فلما قرأ يوسف كتاب أبيه اشتد ~~بكاؤه وعيل صبره وأظهر نفسه لإخوته على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فذلك ~~قوله تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا أي ولا تقنطوا ~~من روح الله يعني من رحمة الله وقيل من فضل الله وقيل من فرج الله إنه لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون يعني أن المؤمن على خير يرجوه من الله ~~فيصبر عند البلاء فينال به خيرا ويحمد عند الرخاء فينال به خيرا والكافر ~~بضد ذلك. # قوله تعالى: فلما دخلوا عليه فيه حذف واختصار تقديره فخرجوا من عند أبيهم ~~قاصدين مصر فلما # PageV02P551 # دخلوا عليه يعني على يوسف قالوا ms1984 يا أيها العزيز يعنون يا أيها الملك ~~والعزيز القادر الممتنع وكان العزيز لقب ملك مصر يومئذ مسنا وأهلنا الضر أي ~~الشدة والفقر والجوع وأرادوا بأهلهم من خلفهم ومن وراءهم من العيال وجئنا ~~ببضاعة مزجاة أي ببضاعة رديئة كاسدة لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من ~~البائع. # وأصل الإزجاء في اللغة: الدفع قليلا قليلا والتزجية دفع الشيء لينساق ~~كتزجية الريح السحاب ومنه قول الشاعر: # (وحاجة غير مزجاة من الحاج) يعني هي قليلة يسيرة يمكن دفعها وسوقها لقلة ~~الاعتناء بها وإنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو ~~لرداءتها أو لمجموعهما فلذلك اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه البضاعة ~~المزجاة، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا وقيل كانت خلق الغرائر ~~والحبال، وقيل: كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط، وقال الكلبي ومقاتل: ~~كانت حبة الخضراء وقيل كانت سويق المقل وقيل كانت الأدم والنعال، وقال ~~الزجاج: سميت هذه البضاعة القليلة الرديئة مزجاة من قولهم: فلان يزجي العيش ~~أي يدفع الزمان بالقليل من العيش والمعنى جئنا ببضاعة مزجاة لندافع بها ~~الزمان وليست مما يتسع بها، وقيل: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها ~~مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن يدفعها فأوف لنا الكيل يعني أعطنا ما كنت ~~تعطينا من قبل بالثمن الجيد الوافي والمعنى إنا نريد أن تقيم لنا الزائد ~~مقام الناقص والجيد مقام الرديء وتصدق علينا يعني وتفضل علينا بما بين ~~الثمين الجيد والرديء ولا تنقصنا، هذا قول أكثر المفسرين قال ابن الأنباري: ~~وكان الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة وليس به واختلف العلماء هل كانت ~~الصدقة حلالا للأنبياء قبل نبينا أم لا فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة ~~كانت حلالا للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم واستدل بهذه الآية وأنكر ~~جمهور العلماء ذلك وقالوا إن حال الأنبياء كلهم واحد في تحريم الصدقة عليهم ~~لأنهم ممنوعون من الخضوع للمخلوقين والأخذ منهم، والصدقة أوساخ الناس فلا ~~تحل لهم لأنهم مستغنون بالله عمن سواه. # وأجيب عن قوله وتصدق علينا أنهم طلبوا منه أن ms1985 يجريهم على عادتهم من ~~المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك مما كان يفعل بهم من الكرامة وحسن الضيافة ~~لا نفس الصدقة وكره الحسن ومجاهد أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علينا ~~لأن الصدقة لا تكون إلا ممن يبتغي الثواب وروي أن الحسن سمع رجلا يقول ~~اللهم تصدق علي فقال إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل اللهم ~~أعطني وتفضل علي، وقال ابن جريج والضحاك وتصدق علينا يعني برد أخينا علينا ~~إن الله يجزي المتصدقين يعني بالثواب الجزيل وقال الضحاك لم يقولوا إن الله ~~يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن قال يعني قال يوسف لإخوته هل علمتم ما ~~فعلتم بيوسف وأخيه وقد اختلفوا في السبب الذي من أجله حمل يوسف وهيجه على ~~هذا القول، فقال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته رقة ~~على إخوته فباح بالذي كان يكتم، وقيل: إنه أخرج لهم نسخة الكتاب الذي كتبوه ~~ببيعه من مالك وفي آخره وكتبه يهوذا فلما قرءوا الكتاب اعترفوا بصحته ~~وقالوا يا أيها الملك إنه كان لنا عبد فبعناه منه فغاظ ذلك يوسف وقال: إنكم ~~تستحقون العقوبة وأمر بقتلهم فلما ذهبوا بهم ليقتلوهم قال يهوذا كان يعقوب ~~يبكي ويحزن لفقد واحد منا فكيف إذا أتاه الخبر بقتل بنيه كلهم ثم قالوا إن ~~كنت فاعلا ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا فذلك حين ~~أدركته الرقة عليهم والرحمة فبكى وقال هذا القول، وقيل: إن يوسف لما قرأ ~~كتاب أبيه لم يتمالك أن بكى وقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه وهذا ~~استفهام يفيد تعظيم أمر هذه الواقعة ومعناه ما أعظم ما ارتكبتم من أمر يوسف ~~وما أقبح ما أقدمتم عليه من قطيعة الرحم وتفريقه من أبيه وهذا كما يقال ~~للمذنب هل تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت ولم يرد بهذا نفس الاستفهام ~~ولكنه أراد # PageV02P552 # تفظيع الأمر وتعظيمه ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه من تسليم الله إياهما من المكروه. ms1986 # واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون فإن قلت الذي فعلوه بيوسف معلوم ظاهر فما الذي فعلوه بأخيه ~~من المكروه حتى يقول لهم هذه المقالة فإنهم لم يسعوا في حبسه ولا أرادوا ~~ذلك. # قلت: إنهم لما فرقوا بينه وبين أخيه يوسف نغصوا عليه عيشه وكانوا يؤذونه ~~كلما ذكر يوسف، وقيل: إنهم قالوا له لما اتهم بأخذ الصواع ما رأينا منكم يا ~~بني راحيل خيرا إذ أنتم جاهلون هذا يجري مجرى العذر لهم يعني أنكم أقدمتم ~~على هذا الفعل القبيح المنكر حال كونكم جاهلين وهو وقت الصبا وحالة الجهل ~~وقيل جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 90 الى 92] # قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين (92) # قوله عز وجل: قالوا أإنك لأنت يوسف قرئ على سبيل الاستفهام وحجة هذه ~~القراءة قال ابن عباس لما قال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه تبسم ~~فرأوا ثناياه كاللؤلؤ تشبه ثنايا يوسف فشبهوه بيوسف فقالوا استفهاما أإنك ~~لأنت يوسف؟، وقرئ على الخبر وحجته ما قال ابن عباس أيضا في رواية أخرى عنه: ~~إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج على رأسه وكان له في قرنه علامة تشبه ~~الشامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها فعرفوه بها وقالوا ~~أنت يوسف، وقيل: قالوه على سبيل التوهم ولم يعرفوه حتى قال أنا يوسف قال ~~بعض العلماء إنما أظهر الاسم في قوله أنا يوسف ولم يقل أنا هو تعظيما لما ~~نزل به من ظلم إخوته له وما عوضه الله من النصر والظفر والملك فكأنه قال ~~أنا يوسف المظلوم الذي ظلمتموني وقصدتم قتلي بأن ألقيتموني في الجب ثم ~~بعتموني بأبخس الأثمان ثم صرت إلى ما ترون فكانت تحت ظهور الاسم ms1987 هذه ~~المعاني كلها ولهذا قال وهذا أخي وهم يعرفونه لأنه قصد به أيضا وهذا أخي ~~المظلوم كما ظلمتموني ثم صرت أنا وهو إلى ما ترون وهو قوله: قد من الله ~~علينا بأن جمع بيننا وقيل من علينا بكل عز وخير في الدنيا والآخرة، وقيل: ~~من علينا بالسلامة في ديننا ودنيانا إنه من يتق ويصبر يعني يتقي الزنا ~~ويصبر على العزوبة قاله ابن عباس، وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على ~~السجن، وقيل: يتقي الله بأداء فرائضه ويصبر عما حرم الله فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين يعني أجر من كان هذا حاله قالوا يعني قال إخوة يوسف معتذرين ~~إليه مما صدر منهم في حقه تالله لقد آثرك الله علينا أي اختارك وفضلك علينا ~~يقال آثرك الله إيثارا أي اختارك ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضيل ~~والمعنى لقد فضلك الله علينا بالعلم والعقل وقال الضحاك عن ابن عباس بالملك ~~وقال أبو صالح عنه بالصبر وقيل بالحلم والصفح علينا وقيل بالحسن وسائر ~~الفضائل التي أعطاها الله عز وجل له دون إخوته وقيل فضله عليهم بالنبوة ~~وأورد على هذا القول بأن إخوته كانوا أنبياء أيضا فليس له عليهم فضل في ذلك ~~وأجيب عنه بأن يوسف فضل عليهم بالرسالة مع النبوة فكان أفضل منهم بهذا ~~الاعتبار لأن من جمعت له النوبة والرسالة كان أفضل ممن خص بالنبوة فقط وإن ~~كنا لخاطئين يعني وما كنا في صنعنا بك إلا خاطئين ولهذا اختير لفظ الخاطئ ~~على المخطئ والفرق بينهما أن يقال خطئ خطأ إذا تعمد وأخطأ إذا كان غير ~~متعمد وقيل يجوز أن يكون آثر لفظ خاطئين على مخطئين لموافقة رؤوس الآي لأن ~~خاطئين أشبه بما قبلها قال يعني # PageV02P553 # يوسف لا تثريب عليكم يعني لا تعيير ولا توبيخ عليكم ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يوبخها ولا يثرب» أي لا ~~يعيرها بالزنا بعد إقامة الحد عليها وفي محل قوله اليوم قولان أحدهما أنه ~~يرجع إلى ما قبله فيكون التقدير لا تثريب ms1988 عليكم اليوم والمعنى أن هذا اليوم ~~التثريب والتقريع والتوبيخ وأنا لا أقرعكم اليوم ولا أوبخكم ولا أثرب ~~عليكم، فعلى هذا يحسن الوقف على قوله لا تثريب عليكم اليوم ويبتدئ بقوله ~~يغفر الله لكم. # والقول الثاني: أن اليوم متعلق بقوله يغفر الله لكم فعلى هذا يحسن الوقف ~~على قوله لا تثريب عليكم ويبتدئ باليوم يغفر الله لكم كأنه لما نفى عنهم ~~التوبيخ والتقريع بقوله لا تثريب عليكم بشرهم بقوله اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن حال أبيه فقال ما حال أبي ~~بعدي؟ قالوا ذهب بصره من كثرة البكاء عليك فأعطاهم قميصه وقال. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 93 الى 95] # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) ~~قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) # اذهبوا بقميصي هذا قال الضحاك كان هذا القميص من نسج الجنة، وقال مجاهد: ~~أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه وكان ذلك القميص قميص إبراهيم وذلك أنه لما ~~جرد من ثيابه وألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه ~~إياه فكان ذلك القميص عند إبراهيم، فلما مات ورثه إسحاق فلما مات ورثه ~~يعقوب فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة من فضة وسد رأسها وجعلها ~~في عنق يوسف كالتعاويذ لما كان يخاف عليه من العين وكانت لا تفارقه فلما ~~ألقي يوسف في البئر عريانا أتاه جبريل وأخرج ذلك القميص وألبسه إياه فلما ~~كان هذا الوقت جاءه جبريل فأمره أن يرسل هذا القميص إلى أبيه لأن فيه ريح ~~الجنة فلا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي في الوقت فدفع ذلك القميص يوسف ~~إلى إخوته وقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا قال ~~المحققون: إن علم يوسف أن إلقاء ذلك القميص على وجه يعقوب يوجب رد البصر ~~كان بوحي الله إليه ذلك ويمكن أن يقال إن يوسف لما علم أن ms1989 أباه قد عمي من ~~كثرة البكاء عليه وضيق الصدر بعث إليه قميصه ليجد ريحه فيزول بكاؤه وينشرح ~~صدره ويفرح قلبه فعند ذلك يزول الضعف ويقوى البصر فهذا القدر تمكن معرفته ~~من جهة العقل وقوله وأتوني بأهلكم أجمعين قال الكلبي: كانوا نحوا من سبعين ~~إنسانا، وقال مسروق: كانوا ثلاثة وسبعين ما بين رجل وامرأة ولما فصلت العير ~~يعني خرجت من مصر وقيل من عريش مصر متوجهين إلى أرض كنعان قال أبوهم يعني: ~~قال يعقوب لولد ولده إني لأجد ريح يوسف قيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في ~~أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، وقال مجاهد: أصابت يعقوب ريح ~~يوسف من مسيرة ثلاثة أيام، وقال ابن عباس: من مسيرة ثمان ليال وقال الحسن ~~كان بينهما ثمانون فرسخا، وقيل: هبت ريح فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب فوجد ~~يعقوب ريح الجنة فعلم أنه ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك ~~القميص فعلم بذلك أنه من ريح يوسف فلذلك قال: إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون أصل التفنيد من الفند وهو ضعيف الرأي وقال ابن الأنباري أفند الرجل ~~إذا خرف وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه وقال الأصمعي: إذا كثر كلام الرجل من ~~خرف فهو الفنيد والفند فيكون المعنى لولا أن تفندوني أي تنسبوني إلى الخرف ~~وقيل تسفهوني وقيل: تلوموني وقيل تجهلوني وهو قول ابن عباس، وقال الضحاك ~~تهرموني فتقولون شيخ كبير قد خرف وذهب عقله قالوا يعني أولاد أولاد يعقوب ~~وأهله # PageV02P554 # الذين عنده لأن أولاده لصلبه كانوا غائبين عنه تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم يعني من ذكر يوسف ولا تنساه لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات وهلك ~~ويرون أن يعقوب قد لهج بذكره فلذلك قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم من ~~ذكره والضلال الذهاب عن طريق الصواب. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 96 الى 98] # فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا ms1990 أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # فلما أن جاء البشير وهو المبشر بخبر يوسف، قال ابن مسعود: جاء البشير بين ~~يدي العير قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما هو يهوذا، قال السدي: قال ~~يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب وأخبرته أن يوسف أكله الذئب ~~فأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته. قال ابن عباس: # حمله يهوذا وخرج به حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة فلم يستوف أكلها ~~حتى أتى أباه وكانت المسافة ثمانين فرسخا ألقاه على وجهه يعني فألقى البشير ~~قميص يوسف على وجه يعقوب فارتد بصيرا يعني فرجع بصيرا بعد ما كان قد عمي ~~وعادت إليه قوته بعد الضعف وسروره بعد الحزن قال ألم أقل لكم إني أعلم من ~~الله ما لا تعلمون يعني من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا، وروي أن يعقوب ~~قال للبشير كيف تركت يوسف قال تركته ملك مصر قال يعقوب ما أصنع بالملك على ~~أي دين تركته؟ قال على دين الإسلام قال الآن تمت النعمة. # قوله تعالى: قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا يعني قال أولاد يعقوب حين ~~وصلوا إليه وأخذوا يعتذرون إليه مما صنعوا به وبيوسف استغفر لنا أي اطلب ~~لنا غفر ذنوبنا من الله إنا كنا خاطئين يعني في صنيعنا قال سوف أستغفر لكم ~~ربي قال أكثر المفسرين: إن يعقوب أخر الدعاء والاستغفار لهم إلى وقت السحر ~~لأنه أشرف الأوقات وهو الوقت الذي يقول الله فيه هل من داع فأستجيب له فلما ~~انتهى يعقوب إلى وقت السحر قام إلى الصلاة متوجها إلى الله تعالى فلما فرغ ~~رفع يديه إلى الله تعالى وقال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه ~~واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك ولهم ~~أجمعين قال عكرمة عن ابن عباس: إنه أخر الاستغفار لهم إلى ليلة الجمعة ~~لأنها أشرف الأوقات قال وهب كان يستغفر ms1991 لهم كل ليلة جمعة نيفا وعشرين سنة ~~وقال طاوس أخر الاستغفار إلى وقت السحر من ليلة الجمعة فوافق ذلك ليلة ~~عاشوراء وقال الشعبي سوف أستغفر لكم ربي قال حتى أسأل يوسف فإن كان قد عفا ~~عنكم أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور يعني لذنوب عباده الرحيم بجميع خلقه قال ~~عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ ألا ترى إلى ~~قول يوسف لإخوته لا تثريب عليكم الآية وقول يعقوب سوف أستغفر لكم ربي، قال ~~أصحاب الأخبار إن يوسف عليه الصلاة والسلام بعث مع إخوته إلى أبيه مائتي ~~راحلة وجهازا كثيرا ليأتوه بيعقوب وجميع أهله إلى مصر فلما أتوه تجهز يعقوب ~~للخروج إلى مصر فجمع أهله وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وقال ~~مسروق كانوا ثلاثة وسبعين فلما دنا يعقوب من مصر كلم يوسف الملك الأكبر ~~يعني ملك مصر وعرفه بمجيء أبيه وأهله فخرج يوسف ومعه الملك في أربعة آلاف ~~من الجند وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب عليه الصلاة والسلام وكان يعقوب ~~يمشي وهو يتوكأ على يد ابنه يهوذا فلما نظر إلى الخيل والناس قال يا يهوذا ~~هذا فرعون مصر قال لا بل هذا ابنك يوسف فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد ~~يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام فقال له جبريل لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال ~~يعقوب السلام عليك يا مذهب الأحزان، وقيل: إنهما نزلا وتعانقا وفعلا كما ~~يفعل الوالد بولده والولد بوالده وبكيا، وقيل: إن يوسف قال لأبيه يا أبت ~~بكيت حتى # PageV02P555 # ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا قال بلى ولكن خشيت أن يسلب دينك ~~فيحال بيني وبينك فذلك قوله تعالى: ### || [سورة يوسف (12): الآيات 99 الى 100] # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من ~~قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد أن ms1992 نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه يعني ضم إليه أبويه قال أكثر المفسرين: هو ~~أبوه يعقوب وخالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين وقال الحسن هما ~~أبوه وأمه وكانت حية بعد، وقيل: إن الله أحياها ونشرها من قبرها حتى تسجد ~~ليوسف تحقيقا لرؤياه والأول أصح وقال ادخلوا مصر قيل المراد بالدخول الأول ~~في قوله فلما دخلوا على يوسف أرض مصر وذلك حين استقبلهم ثم قال ادخلوا مصر ~~يعني البلد وقيل إنه أراد بالدخول الأول دخولهم مصر وأراد بالدخول الثاني ~~الاستيطان بها أي أدخلوا مصر مستوطنين فيهما إن شاء الله آمنين قيل إن هذا ~~الاستثناء عائد إلى الأمن لا إلى الدخول والمعنى ادخلوا مصر آمنين إن شاء ~~الله وقيل إنه عائد إلى الدخول فعلى هذا يكون قد قال ذلك لهم قبل أن يدخلوا ~~مصر، وقيل: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الاستغفار فعلى هذا يكون في الكلام ~~تقديم وتأخير تقديره سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله وقيل إن الناس كانوا ~~يخافون من ملوك مصر فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم فقال لهم يوسف ادخلوا مصر ~~آمنين على أنفسكم وأهليكم إن شاء الله فعلى هذا يكون قوله إن شاء الله ~~للتبرك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» مع ~~علمه أنه لا حق بهم ورفع أبويه على العرش يعني على السرير الذي كان يجلس ~~عليه يوسف والرفع النقل إلى لعلو وخروا له سجدا يعني يعقوب وخالته ليا ~~وإخوته وكانت تحية الناس يومئذ السجود وهو الانحناء والتواضع ولم يرد به ~~حقيقة السجود من وضع الجبهة على الأرض على سبيل العبادة. # فإن قلت كيف استجاز يوسف عليه السلام أن يسجد له أبوه وهو أكبر منه وأعلى ~~منصبا في النبوة والشيخوخة؟ قلت: يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك لتحقيق ~~رؤياه، ثم في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أنه كان انحناء على سبيل ~~التحية كما تقدم ms1993 فلا إشكال فيه، والقول الثاني أنه كان حقيقة السجود وهو ~~وضع الجبهة على الأرض وهو مشكل لأن السجود على هذه الصورة لا ينبغي أن يكون ~~إلا لله تعالى، وأجيب عن هذا الإشكال بأن السجود كان في الحقيقة لله تعالى ~~على سبيل الشكر له وإنما كان يوسف كالقبلة كما سجد الملائكة لآدم ويدل على ~~صحة هذا التأويل قوله ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وظاهر هذا يدل ~~على أنهم لما صعدوا على السرير خروا سجدا لله تعالى ولو كان ليوسف لكان قبل ~~الصعود لأن ذلك أبلغ في التواضع. # فإن قلت يدفع صحة هذا التأويل قوله «رأيتهم لي ساجدين» وقوله «خروا له ~~سجدا» فإن الضمير يرجع إلى أقرب المذكورات وهو يوسف عليه الصلاة والسلام. # قلت: يحتمل أن يكون المعنى وخروا لله سجدا لأجل يوسف واجتماعهم به وقيل ~~يحتمل أن الله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية وهي أن إخوة يوسف ربما ~~احتملتهم الأنفة والتكبر عن السجود ليوسف فلما رأوا أن أباهم قد سجد له ~~سجدوا له أيضا فتكون هذه السجدة على سبيل التحية والتواضع لا على سبيل ~~العبادة وكان ذلك جائزا في ذلك الزمان فلما جاء الإسلام نسخت هذه الفعلة ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وقال # PageV02P556 # يعني وقال يوسف عند ما رأى ذلك يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل يعني هذا ~~تصديق الرؤيا التي رأيت في حال الصغر قد جعلها ربي حقا يعني في اليقظة ~~واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها فقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد ~~أربعون سنة، وقال أبو صالح عن ابن عباس: اثنتان وعشرون سنة، وقال سعيد بن ~~جبير وعكرمة والسدي: ست وثلاثون سنة، وقال قتادة: خمس وثلاثون سنة، وقال ~~عبد الله بن سودون: سبعون سنة، وقال الفضيل بن عياض: ثمانون سنة، حكى هذه ~~الأقوال كلها ابن الجوزي وزاد غيره عن الحسن: أن يوسف كان عمره حين ألقي في ~~الجب سبع عشرة سنة وأقام في العبودية والسجن والملك مدة ثمانين سنة وأقام ~~مع أبيه وإخوته وأقاربه مدة ms1994 ثلاث وعشرين سنة وتوفاه الله وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة وقوله وقد أحسن بي يعني أنعم علي يقال أحسن بي وإلي بمعنى واحد ~~إذ أخرجني من السجن إنما ذكر إنعام الله عليه في إخراجه من السجن وإن كان ~~الجب أصعب منه استعمالا للأدب والكرم لئلا يخجل إخوته بعد أن قال لهم لا ~~تثريب عليكم اليوم ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن كانت أعظم من ~~إخراجه من الجب وسبب ذلك أن خروجه من الجب كان سببا لحصوله في العبودية ~~والرق وخروجه من السجن كان سببا لوصوله إلى الملك وقيل إن دخوله الجب كان ~~لحسد إخوته ودخوله السجن كان لزوال التهمة عنه وكان ذلك من أعظم نعمه عليه ~~وجاء بكم من البدو يعني من البادية وأصل البدو هو البسيط من الأرض يبدو ~~الشخص فيه من بعد يعني يظهر والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة وكان ~~يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي يعني أفسد ما بيننا بسبب الحسد وأصل النزغ دخول في أمر لافساده ~~واستدل بهذه الآية من يرى بطلان الجبر من المبتدعة قالوا لأن يوسف أضاف ~~الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ولو كان من فعل الله لوجب أن ~~ينسب إليه كما في الإحسان والنعم، والجواب عن هذا الاستدلال أن إسناد الفعل ~~إلى الشيطان وإضافته إليه على سبيل المجاز وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي إضافة ~~الفعل إلى الشيطان لا على الحقيقة لأن الفاعل المطلق المختار هو الله تعالى ~~في الحقيقة «قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» فثبت بذلك أن الكل من ~~عند الله وبقضائه وقدره ليس للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش ~~لإفساد ذات البين وذلك بإقدار الله إياه على ذلك إن ربي لطيف لما يشاء يعني ~~أنه تعالى ذو لطف عالم بدقائق الأمور وخفياتها. # قال صاحب المفردات: وقد يعبر باللطف عما تدركه الحاسة ويصح أن يكون وصف ~~الله تعالى به على هذا الوجه وأن يكون لمعرفة بدقائق ms1995 الأمور وأن يكون لرفقه ~~بالعباد في هدايتهم، وقوله: إن ربي لطيف لما يشاء، أي حسن الاستخراج تنبيها ~~على ما أوصل إلى يوسف حين ألقاه إخوته في الجب. # وقيل إن اجتماع يوسف بأبيه وإخوته بعد طول الفرقة وحسد إخوته له وإزالة ~~ذلك مع طيب الأنفس وشدة المحبة كان من لطف الله بهم حيث جعل ذلك كله لأن ~~الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه إنه هو العليم يعني بمصالح عباده ~~الحكيم في جميع أفعاله. # قال أصحاب الأخبار والتواريخ: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام عند ~~يوسف بمصر أربعا وعشرين سنة في أهنأ عيش وأنعم بال وأحسن حال فلما حضرته ~~الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند قبر أبيه إسحاق في ~~الأرض المقدسة بالشام فلما مات يعقوب عليه السلام بمصر فعل يوسف ما أمره به ~~أبوه فحمل جسده في تابوت من ساج حتى قدم به الشام فوافق ذلك موت العيص أخي ~~يعقوب وكانا قد ولدا في بطن واحد فدفنا في قبر واحد وكان عمرهما مائة وسبعا ~~وأربعين سنة فلما دفن يوسف أباه وعمه رجع إلى مصر. # قالوا لما جمع الله شمل يوسف عليه الصلاة والسلام بأبيه وإخوته علم أن ~~نعيم الدنيا زائل سريع الفناء لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة والخاتمة ~~الصالحة فقال: # PageV02P557 ### || [سورة يوسف (12): آية 101] # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # رب أي يا رب قد آتيتني من الملك يعني من ملك مصر ومن هنا للتبعيض لأنه لم ~~يؤت ملك مصر كله بل كان فوقه ملك آخر والملك عبارة عن الاتساع في المقدور ~~لمن له السياسة والتدبير وعلمتني من تأويل الأحاديث يعني تعبير الرؤيا فاطر ~~السماوات والأرض يعني خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. # وأصل الفطر الشق يقال فطر ناب البعير إذا شق وظهر وفطر الله الخلق أوجده ~~وأبدعه أنت وليي يعني معيني ومتولي أمري في الدنيا والآخرة توفني مسلما أي ~~اقبضني ms1996 إليك مسلما. # واختلفوا هل هو طلب للوفاة في الحال أم لا على قولين: # أحدهما: أنه سأل الله الوفاة في الحال، قال قتادة: لم يسأل نبي من ~~الأنبياء الموت إلا يوسف قال أصحاب هذا القول وإنه لم يأت عليه أسبوع حتى ~~توفي. # والقول الثاني: أنه سأل الوفاة على الإسلام ولم يتمن الموت في الحال قال ~~الحسن إنه عاش بعد هذه سنين كثيرة فعلى هذا القول يكون معنى الآية توفني ~~إذا توفيتني على الإسلام فهو طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس في ~~اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال، قال بعض العلماء وكلا القولين ~~محتمل لأن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى ~~الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب وأن نعيم الآخرة ~~باق دائم لا نفاذ له ولا زوال ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~يتمن أحدكم الموت لضر نزل به» فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلاء ~~مكروه والصبر عليه أولى وقوله: وألحقني بالصالحين أراد به بدرجة آبائه وهم ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قال علماء التاريخ عاش يوسف ~~مائة وعشرين سنة وفي التوراة مائة وعشر سنين وولد ليوسف من امرأة العزيز ~~ثلاثة أولاد أفراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوب وقيل عاش بعد أبيه ستين سنة ~~وقيل أكثر. # ولما مات يوسف عليه الصلاة والسلام دفنوه في النيل في صندوق من رخام وقيل ~~من حجارة المرمر وذلك أنه لما مات يوسف تشاحن الناس فيه فطلب كل أهل محلة ~~أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا ثم رأوا أن يدفنوه في ~~النيل بحيث يجري الماء عليه ويتفرق عنه وتصل بركته إلى جميعهم وقال عكرمة ~~إنه دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ~~فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب وأجدب الجانب الأيمن فدفنوه في وسط النيل ~~وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي إلى أن أخرجه موسى عليه الصلاة والسلام ~~وحمله معه حتى ms1997 دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 102 الى 106] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو ~~إلا ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # قوله عز وجل: ذلك يعني الذي ذكرت لك يا محمد من قصة يوسف وما جرى له مع ~~إخوته، ثم إنه صار إلى الملك بعد الرق من أنباء الغيب يعني أخبار الغيب ~~نوحيه إليك يعني الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه إليك يا محمد ~~وفي هذه الآية دليل قاطع على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~رجلا أميا لم # PageV02P558 # يقرأ الكتب ولم يلق العلماء ولم يسافر إلى بلد آخر غير بلده الذي أنشأ ~~فيه صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ بين أمة أمية مثله، ثم إنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن ترتيب وأبين معان وأفصح عبارة فعلم ~~بذلك أن الذي أتى به هو وحي إلهي ونور قدسي سماوي فهو معجزة له قائمة إلى ~~آخر الدهر. # وقوله تعالى: وما كنت لديهم يعني وما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب إذ ~~أجمعوا أمرهم يعني حين عزموا على إلقاء يوسف صلى الله عليه وسلم في الجب ~~وهم يمكرون يعني بيوسف وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمعنى وما أكثر الناس يا محمد لو حرصت على إيمانهم ~~بمؤمنين وذلك أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ~~يوسف فلما أخبرهم بها على وفق ما عندهم في التوراة لم يسلموا فحزن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لذلك فقيل له إنهم لا يؤمنون ولو حرصت على إيمانهم ~~ففيه تسلية له وما تسئلهم عليه من أجر يعني على تبليغ الرسالة والدعاء إلى ~~الله من أجر يعني ms1998 أجرا وجعلا على ذلك إن هو أي ما هو يعني القرآن إلا ذكر ~~يعني عظة وتذكيرا للعالمين وكأين من آية يعني وكم من آية دالة على التوحيد ~~في السماوات والأرض يمرون عليها يعني لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها وهم ~~عنها معرضون أي لا يلتفتون إليها والمعنى ليس إعراضهم عن هذه الآيات ~~الظاهرة الدالة على وحدانية الله تعالى بأعجب من إعراضهم عنك يا محمد وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون يعني أن من إيمانهم أنهم إذا سئلوا من ~~خلق السموات والأرض قالوا الله وإذا قيل لهم من ينزل المطر قالوا الله وهم ~~مع ذلك يعبدون الأصنام. # وفي رواية عن ابن عباس: إنهم يقرون أن الله خالقهم فذلك إيمانهم وهم ~~يعبدون غيره فذلك شركهم، وفي رواية أخرى عنه أيضا أنها نزلت في تلبية مشركي ~~العرب وذلك أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو ~~لك تملكه وما ملك، وقال عطاء هذا في الدعاء وذلك أن الكفار نسوا ربهم في ~~الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء. # ### || [سورة يوسف (12): الآيات 107 الى 109] # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله يعني عقوبة مجللة تعمهم وقال مجاهد ~~عذاب يغشاهم، وقال قتادة: وقيعة وقال الضحاك يعني الصواعق والقوارع أو ~~تأتيهم الساعة بغتة يعني فجأة وهم لا يشعرون يعني بقيامها قال ابن عباس: ~~تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم قل أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين هذه ~~سبيلي يعني طريقي التي أدعوا إليها وهي توحيد الله عز وجل ودين الإسلام ~~وسمي الدين سبيلا لأنه الطريق المؤدي إلى الله عز ms1999 وجل وإلى الثواب والجنة ~~إلى الله يعني إلى توحيد الله والإيمان به على بصيرة يعني على يقين ومعرفة ~~والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل أنا ومن اتبعني يعني ~~من آمن بي وصدق بما جئت به أيضا يدعو إلى الله، وهذا قول الكلبي وابن زيد ~~قال: حق على من اتبعه وآمن به أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكر بالقرآن وقيل ~~تم الكلام عند قوله أدعو إلى الله ثم استأنف على بصيرة أنا ومن اتبعني بعدي ~~أنا على بصيرة ومن اتبعني أيضا على بصيرة قال ابن عباس إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه كانوا على أحسن طريقة وأفضل هداية وهم معدن العلم وكنز ~~الإيمان وجند الرحمن. # PageV02P559 # وقال ابن مسعود: ومن كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها ~~تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونقل دينه ~~فتشبهوا بأخلاقهم وطريقهم فهؤلاء كانوا على الصراط المستقيم. # وقوله سبحان الله أي وقل سبحان الله يعني تنزيها له عما لا يليق بجلاله ~~من جميع العيوب والنقائص والشركاء الأضداد والأنداد وما أنا من المشركين ~~يعني وقل يا محمد وما أنا من المشركين الذين أشركوا بالله غيره. # قوله عز وجل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يعني وما أرسلنا قبلك يا محمد ~~إلا رجالا مثلك ولم يكونوا ملائكة نوحي إليهم هذا جواب لأهل مكة حيث قالوا ~~هلا بعث الله ملكا والمعنى كيف تعجبوا من إرسالنا إياك يا محمد وسائر الرسل ~~الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك من أهل القرى يعني من أهل ~~الأمصار والمدن لا من أهل البوادي لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل عقلا ~~من أهل البوادي، قال الحسن: لم يبعث نبي من بدو ولا من الجن ولا من النساء، ~~وقيل: إنما لم يبعث الله نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم أفلم يسيروا في ~~الأرض يعني هؤلاء المشركين المكذبين فينظروا كيف كان ms2000 عاقبة الذين من قبلهم ~~يعني كانت عاقبتهم الهلاك لما كذبوا رسلنا فليعتبر هؤلاء بهم وما حل بهم من ~~عذابنا ولدار الآخرة خير للذين اتقوا يعني فعلنا هذا بأوليائنا وأهل طاعتنا ~~إذ أنجيناهم عند نزول العذاب بالأمم المكذبة وما في الدار الآخرة خير لهم ~~يعني الجنة لأنها خير من الدنيا وإنما أضاف الدار إلى الآخرة وإن كانت في ~~الآخرة لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه كقولهم حق اليقين والحق هو اليقين ~~نفسه أفلا تعقلون يعني يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 110 الى 111] # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما ~~كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون (111) # قوله عز وجل: حتى إذا استيأس الرسل قال صاحب الكشاف: حتى متعلقة بمحذوف ~~دل عليه الكلام كأنه قيل وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فتراخى ~~نصرهم حتى إذا استيأس الرسل عن النصر، وقال الواحدي: حتى هنا حرف من حروف ~~الابتداء يستأنف بعدها والمعنى حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا ~~أنهم قد كذبوا قرأ أهل الكوفة وهم عاصم وحمزة والكسائي كذبوا بالتخفيف ووجه ~~هذه القراءة على ما قاله الواحدي أن معناه ظن الأمم أن الرسل قد كذبوهم ~~فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس ~~وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد، وقال أهل المعاني كذبوا من قولهم كذبتك ~~الحديث أي لم أصدقك ومنه قوله تعالى وقعد الذين كذبوا الله ورسوله قال أبو ~~علي والضمير في قوله وظنوا على هذه القراءة للمرسل إليهم والتقدير وظن ~~المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك ~~أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس إنهم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب وإنما ~~ظنوا ذلك لما شاهدوا من امهال الله إياهم ولا يمتنع حمل الضمير في ظنوا ms2001 على ~~المرسل إليهم وإن لم يتقدم لهم ذكر لأن ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم ~~وإن شئت قلت إن ذكرهم جرى في قوله أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم أي مكذبي الرسل والظن هنا على معنى التوهم والحسبان ~~وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم ~~الإجابة وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم ~~وقيل معناه وتيقن الرسل أنهم قد كذبوا في وعد قومهم إياهم الإيمان أي وعدوا ~~أن يؤمنوا ثم لم يؤمنوا # PageV02P560 # وقال صاحب الكشاف وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حتى حدثتهم بأنهم ~~لا ينصرون أو رجاؤهم كقولهم رجاء صادق ورجاء كاذب والمعنى أن مدة التكذيب ~~والعداوة وانتظار النصر من الله تعالى وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت حتى ~~استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا فجاءهم نصرنا فجأة من غير ~~احتساب، وعن ابن عباس: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم ~~الله به من النصر قال وكانوا بشرا وتلا قوله وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله. قال صاحب الكشاف: فإن صح هذا عن ابن عباس ~~فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس ~~على ما عليه الطبيعة البشرية وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على ~~الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس ~~بربهم وأنه متعال عن خلف الميعاد وحكى الواحدي عن ابن الأنباري أنه قال هذا ~~غير معول عليه من جهتين إحداهما أن التفسير ليس عن ابن عباس لكنه من متأول ~~تأول عليه والأخرى أن قوله جاءهم نصرنا دال على أن أهل الكفر ظنوا ما لا ~~يجوز مثله واستضعفوا رسل الله ونصر الله للرسل ولو كان الظن للرسل كان ذلك ~~منهم خطأ عظيما ولا يستحقون ظفرا ولا نصرا وتبرئة الأنبياء وتطهيرهم واجب ~~علينا إذا وجدنا ms2002 إلى ذلك سبيلا وقرأ الباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر وظنوا أنهم قد كذبوا بالتشديد ووجه ظاهر وهو أن معناه حتى إذا ~~استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا يعني وأيقنوا يعني الرسل أن الأمم قد ~~كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم فالظن بمعنى اليقين وهذا معنى قول ~~قتادة وقال بعضهم معناه حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن ~~يصدقوهم وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم قد فارقوهم وارتدوا عن دينهم لشدة ~~المحنة والبلاء واستبطئوا النصر أتاهم النصر وعلى هذا القول الظن بمعنى ~~الحسبان والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم يعني وظنوا بالرسل ظن حسبان أن ~~ربهم قد كذبهم في وعد الظفر والنصر لإبطائه وتأخره عنهم ولطول البلاء بهم ~~لا أنهم كذبوهم في كونهم رسلا وقيل إن هذا التكذيب لم يحصل من أتباعهم ~~المؤمنين لأنه لو حصل لكان نوع كفر # ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر وعلى هذا القول الظن بمعنى اليقين ~~والتكذيب المتيقن هو من جهة الكفار وعلى القولين جميعا فالكناية في وظنوا ~~للرسل (خ) عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة عن قوله تعالى حتى إذا استيأس ~~الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أو كذبوا، قالت: بل كذبهم قومهم فقلت والله لقد ~~استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت يا عروة أجل لقد استيقنوا ~~بذلك فقلت لعلها قد كذبوا فقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك من ربهم ~~قلت فما هذه الآية قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال ~~عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ~~وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. وفي رواية عبد الله بن ~~عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم ~~قد كذبوا خفيفة قال ذهب لها هنالك وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب قال فلقيت عروة بن ms2003 الزبير وذكرت ذلك له ~~فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله ورسوله من شيء قط إلا علم أنه ~~كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من ~~قومهم من يكذبوهم فكانت تقرؤها وظنوا أنهم قد كذبوا مثقلة. # وقوله تعالى: جاءهم نصرنا يعني جاء نصر الله النبيين فنجي من نشاء من ~~عبادنا يعني عند نزول العذاب بالكافرين فننجي المؤمنين المطيعين ولا يرد ~~بأسنا يعني عذابنا عن القوم المجرمين يعني المشركين قوله تعالى: لقد كان في ~~قصصهم يعني في خبر يوسف وإخوته عبرة أي موعظة لأولي الألباب يعني يتعظ بها ~~أولو الألباب والعقول الصحيحة ومعناه الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل ~~بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد والمراد من التأمل والتفكر ~~ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه ~~فيه وإخراجه من السجن وتمليكه مصر بعد العبودية وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد # PageV02P561 # المدة الطويلة واليأس من الاجتماع لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإعلاء كلمته وإظهار دينه وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى ~~الإخبار عن الغيوب فكانت معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الله ~~تعالى قال في أول هذه السورة نحن نقص عليك أحسن القصص وقال في آخرها لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب فدل على هذه القصة من أحسن القصص وإن فيها ~~عبرة لمن اعتبرها ما كان حديثا يفترى يعني ما كان هذا القرآن حديثا يفتري ~~ويختلق لأن الذي جاء به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح ~~منه أن يفتريه أو يختلقه لأنه لم يقرأ الكتب ولم يخلط العلماء ثم إنه جاء ~~بهذا القرآن المعجز فدل ذلك على صدقه وأنه ليس بمفتر ولكن تصديق الذي بين ~~يديه يعني ولكن كان تصديق الذي بين يديه من الكتب الإلهية المنزلة من ~~السماء من التوراة والإنجيل وفيه إشارة إلى أن هذه القصة وردت على وجه ~~الموافق لما ms2004 في التوراة من ذكر قصة يوسف وتفصيل كل شيء يعني أن هذا القرآن ~~المنزل عليك يا محمد تفصيل كل شيء تحتاج إليه من الحلال والحرام والحدود ~~والأحكام والقصص والمواعظ والأمثال وغير ذلك مما يحتاج إليه العباد في أمر ~~دينهم ودنياهم وهدى يعني إلى كل خير ورحمة يعني أنزلناه رحمة لقوم يؤمنون ~~لأنهم هم الذين ينتفعون به والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء الثالث من تفسير الخازن ويليه الجزء الرابع وأوله: تفسير سورة ~~الرعد # PageV02P562 ### |EDITOR| # فهرس المحتويات # تفسير سورة المائدة الآية: 1 3 الآية: 2 4 الآية: 3 7 الآية: 3 9 الآية: ~~4 11 الآية: 5 13 الآية: 6 15 الآيات: 7 - 9 20 الآيتان: 10، 11 21 الآية: ~~12 22 الآيتان: 13، 14 23 الآيات: 15 - 17 24 الآيات: 18 - 20 25 الآيتان: ~~21، 22 27 الآيات: 23 - 26 28 الآية: 27 32 الآيات: 28 - 30 33 الآية: 31 ~~34 الآية: 32 36 الآية: 33 37 الآيات: 34 - 38 39 الآيات: 39 - 41 42 ~~الآية: 42 45 الآية: 43 46 الآية: 44 47 الآية: 45 48 الآيات: 46 - 48 50 ~~الآيتان: 49، 50 51 الآيتان: 51، 52 52 الآيتان: 53، 54 54 الآيتان: 55، 56 ~~56 الآيات: 57 - 59 57 الآيات: 60 - 63 58 الآية: 64 59 الآيات: 65 - 67 62 ~~الآيات: 68 - 71 64 الآيات: 72 - 75 65 الآيات: 76 - 70 67 الآيات: 80 - 82 ~~68 الآيات: 83 - 87 70 الآيتان: 88، 89 72 الآيتان: 90، 91 75 الآيات: 92 - ~~94 76 الآية: 95 77 الآية: 96 80 الآيتان: 97، 98 81 الآيات: 99 - 101 82 ~~الآيتان: 102، 103 83 الآية: 104 84 الآية: 105 85 الآية: 106 86 الآيتان: ~~107، 108 88 الآيتان: 109، 110 89 الآيتان: 111، 112 91 الآيات: 113 - 115 ~~92 # PageV02P563 # الآية: 116 94 الآيات: 117 - 120 95 تفسير سورة الأنعام الآية: 1 97 ~~الآيتان: 2، 3 98 الآيات: 4 - 7 99 الآيات: 8 - 11 100 الآيتان: 12، 13 101 ~~الآيات: 14 - 17 102 الآيات: 18 - 20 103 الآيات: ms2005 21 - 26 105 الآيات: 27 - ~~33 107 الآيتان: 34، 35 109 الآيات: 36 - 38 110 الآيات: 39 - 43 111 ~~الآيات: 44 - 46 112 الآيات: 47 - 51 113 الآية: 52 114 الآيتان: 53، 54 ~~116 الآيات: 55 - 57 117 الآيات: 58 - 60 118 الآيات: 61 - 63 120 الآيتان: ~~64، 65 121 الآيات: 66 - 69 122 الآيتان: 70، 71 123 الآيتان: 72، 73 124 ~~الآيات: 74 - 76 125 الآيات: 77 - 80 128 الآيات: 81 - 84 130 الآيات: 85 - ~~88 131 الآيات: 89 - 91 132 الآيتان: 92، 93 135 الآية: 94 136 الآيات: 95 ~~- 98 137 الآية: 99 140 الآيات: 100 - 102 141 الآيات: 103 - 105 142 ~~الآيات: 106 - 108 144 الآية: 109 146 الآيتان: 110، 111 147 الآيتان: 112، ~~113 148 الآيات: 114 - 117 149 الآيات: 118 - 120 150 الآيتان: 121، 122 ~~152 الآيتان: 123، 124 153 الآية: 125 154 الآيات: 126 - 128 156 الآيتان: ~~129، 130 157 الآيات: 131 - 134 159 الآيات: 135 - 137 160 الآيتان: 138، ~~139 162 الآيتان: 140، 141 163 الآيتان: 142، 143 165 الآيتان: 144، 145 ~~166 الآية: 146 168 الآيتان: 147، 148 169 الآيات: 149 - 151 170 الآية: ~~152 172 الآيتان: 153، 154 173 الآيات: 155 - 158 174 الآية: 159 176 ~~الآيات: 160 - 163 177 الآيتان: 164، 165 179 تفسير سورة الأعراف الآيات: 1 ~~- 6 180 الآيات: 7 - 9 182 الآيات: 10 - 12 183 الآيات: 13 - 17 185 ~~الآيات: 18 - 20 187 الآيتان: 21، 22 188 # PageV02P564 # الآيات: 23 - 26 189 الآيتان: 27، 28 191 الآيتان: 29، 30 193 الآيات: 31 ~~- 33 194 الآيات: 34 - 37 196 الآيتان: 38، 39 198 الآيات: 40 - 43 199 ~~الآيات: 44 - 46 202 الآيات: 47 - 49 204 الآيات: 50 - 53 205 الآية: 54 ~~206 الآيتان: 55، 56 210 الآيتان: 57، 58 212 الآيات: 59 - 62 214 الآيات: ~~63 - 67 215 الآيات: 68 - 72 216 الآية: 73 220 الآيات: 74 - 79 221 ~~الآيتان: 80، 81 225 الآيات: 82 - 85 226 الآيات: 86 - 89 227 الآيات: 90 - ~~97 229 الآيات: 98 - 101 231 الآيات: 102 - 107 232 الآيات: ms2006 108 - 112 233 ~~الآيات: 113 - 117 234 الآيات: 118 - 125 236 الآيات: 126 - 128 237 ~~الآيات: 129 - 131 238 الآيتان: 132، 133 239 الآيات: 134 - 136 241 ~~الآيات: 137 - 140 242 الآيات: 141 - 143 244 الآية: 144 247 الآية: 145 ~~248 الآيات: 146 - 150 250 الآيات: 151 - 153 252 الآيتان: 154، 155 254 ~~الآيتان: 156، 157 256 الآيتان: 158، 159 258 الآيات: 160 - 162 260 ~~الآيتان: 163، 164 261 الآيات: 165 - 168 263 الآية: 169 264 الآيات: 170 - ~~172 265 الآيات: 173 - 175 269 الآية: 176 272 الآيات: 177 - 180 273 ~~الآيات: 181 - 183 276 الآيات: 184 - 187 277 الآيتان: 188، 189 279 الآية: ~~190 281 الآيات: 191 - 194 282 الآيات: 195 - 199 283 الآيتان: 200، 201 ~~284 الآيات: 202 - 204 285 الآية: 205 287 الآية: 206 288 تفسير سورة ~~الأنفال الآية: 1 289 الآيات: 2 - 4 290 الآيات: 5 - 7 293 الآيتان: 8، 9 ~~296 الآيات: 10 - 12 297 الآيات: 13 - 16 299 الآية: 17 300 الآيتان: 18، ~~19 301 الآيات: 20 - 24 303 الآية: 25 304 الآيتان: 26، 27 305 # PageV02P565 # الآيات: 28 - 30 306 الآيات: 28 - 30 307 الآيات: 31 - 33 308 الآيات: 34 ~~- 36 310 الآيات: 37 - 40 311 الآية: 41 312 الآيات: 42 - 44 315 الآيتان: ~~45، 46 316 الآيتان: 47، 48 317 الآيات: 49 - 54 319 الآيات: 55 - 58 321 ~~الآيتان: 59، 60 322 الآيات: 61 - 65 324 الآيتان: 66، 67 325 الآيات: 68 - ~~71 328 الآيات: 72 - 74 329 الآية: 75 330 تفسير سورة التوبة الآيتان: 1، 2 ~~333 الآية: 3 335 الآيتان: 4، 5 336 الآيات: 6 - 8 337 الآيات: 9 - 11 338 ~~الآيتان: 12، 13 339 الآيات: 14 - 17 340 الآية: 18 341 الآية: 19 342 ~~الآيات: 20 - 23 343 الآيتان: 24، 25 344 الآيات: 26 - 28 348 الآية: 29 ~~349 الآية: 30 351 الآيات: 31 - 33 353 الآية: 34 354 الآيتان: 35، 36 356 ~~الآية: 37 358 الآيات: 38 - 40 360 الآية: 41 365 الآيات: 42 - 45 366 ~~الآيات: 46 ms2007 - 48 368 الآيات: 49 - 52 369 الآيات: 53 - 55 370 الآيات: 56 - ~~58 371 الآيتان: 59، 60 372 الآيتان: 61، 62 377 الآيتان: 63، 64 378 ~~الآيات: 65 - 67 379 الآيتان: 68، 69 381 الآيات: 70 - 72 382 الآيتان: 73، ~~74 384 الآية: 75 386 الآيات: 76 - 79 387 الآيات: 80 - 82 389 الآيات: 83 ~~- 85 390 الآيات: 86 - 90 394 الآيات: 91 - 93 395 الآيات: 94 - 98 397 ~~الآيتان: 99، 100 398 الآية: 101 400 الآية: 102 401 الآية: 103 402 ~~الآيات: 104 - 106 404 الآية: 107 405 الآية: 108 407 الآية: 109 408 ~~الآيات: 110 - 113 409 الآية: 114 412 الآية: 115 413 الآيتان: 116، 117 ~~414 الآيات: 118 - 120 415 # PageV02P566 # الآية: 121 420 الآية: 122 421 الآيات: 123 - 125 423 الآيات: 126 - 128 ~~424 الآية: 129 425 تفسير سورة يونس الآية: 1 426 الآيات: 2 - 4 427 ~~الآيات: 5 - 7 428 الآيات: 8 - 11 429 الآيات: 12 - 14 431 الآيات: 15 - 17 ~~432 الآيات: 18 - 21 434 الآيتان: 22، 23 436 الآيتان: 24، 25 437 الآيات: ~~26 - 28 439 الآيات: 29 - 32 441 الآيات: 33 - 35 442 الآيات: 36 - 40 443 ~~الآيات: 41 - 45 445 الآيات: 46 - 50 446 الآيات: 51 - 56 447 الآيات: 57 - ~~60 448 الآيات: 61 - 63 449 الآيتان: 64، 65 451 الآيات: 66 - 70 453 ~~الآيات: 71 - 73 454 الآيات: 74 - 80 455 الآيات: 81 - 83 456 الآيات: 84 - ~~88 457 الآيتان: 89، 90 459 الآيات: 91 - 93 460 الآيات: 94 - 98 464 ~~الآيات: 99 - 101 466 الآيات: 102 - 106 467 الآيات: 107 - 109 468 تفسير ~~سورة هود الآية: 1 470 الآيات: 2 - 5 471 الآيتان: 6، 7 472 الآيات: 8 - 12 ~~474 الآيات: 13 - 15 475 الآيتان: 16، 17 477 الآيات: 18 - 20 478 الآيات: ~~21 - 26 479 الآيات: 27 - 30 480 الآيات: 31 - 36 481 الآيتان: 37، 38 483 ~~الآيتان: 39، 40 484 الآيات: 41 - 43 485 الآيات: 44 - 46 486 الآيات: 47 - ~~50 488 الآيات: ms2008 51 - 56 489 الآيات: 57 - 59 490 الآيات: 60 - 63 491 ~~الآيات: 64 - 71 492 الآيات: 72 - 77 494 الآيات: 78 - 80 495 الآيات: 81 - ~~85 497 الآيات: 86 - 89 499 الآيات: 90 - 93 500 الآيات: 94 - 101 501 ~~الآيات: 102 - 106 502 الآيتان: 107، 108 503 الآيات: 109 - 115 505 ~~الآيات: 116 - 119 507 الآيات: 120 - 123 508 تفسير سورة يوسف الآيات: 1 - ~~3 510 الآيتان: 4، 5 511 # PageV02P567 # الآيتان: 6، 7 513 الآيات: 8 - 11 514 الآيات: 12 - 15 515 الآيات: 16 - ~~18 517 الآية: 19 518 الآيتان: 20، 21 519 الآيات: 22 - 24 520 الآيتان: ~~25، 26 523 الآيات: 27 - 30 524 الآية: 31 525 الآيات: 32 - 35 526 الآية: ~~36 527 الآيتان: 37، 38 528 الآيات: 39 - 42 529 الآيات: 43 - 48 531 ~~الآيات: 49 - 52 532 الآيتان: 53، 54 534 الآية: 55 535 الآيتان: 56، 57 ~~536 الآية: 58 537 الآيات: 59 - 62 538 الآيات: 63 - 65 539 الآيات: 66 - ~~68 540 الآية: 69 542 الآيات: 70 - 74 543 الآيتان: 75، 76 544 الآيتان: ~~77، 78 545 الآيات: 79 - 83 547 الآيات: 84 - 86 549 الآيات: 87 - 89 551 ~~الآيات: 90 - 92 553 الآيات: 93 - 95 554 الآيات: 96 - 98 555 الآيتان: 99، ~~100 556 الآيات: 101 - 106 558 الآيات: 107 - 109 559 الآيتان: 110، 111 ~~560 # PageV02P568 # الجزء الثالث ### | سورة الرعد # قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما أنها مكية، رواه ~~أبو طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة. وروى أبو ~~صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين إحداهما قوله ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة والأخرى قوله ويقول الذين كفروا لست مرسلا. والقول ~~الثاني أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد ~~وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، وهما قوله ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال إلى آخر الآيتين وقال بعضهم: المدني منها قوله هو الذي ~~يريكم ms2009 البرق إلى قوله دعوة الحق وهي ثلاث وقيل خمس وأربعون آية وثمانمائة ~~وخمس وخمسون كلمة وثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) # قوله عز وجل المر قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه أنا الله أعلم ~~وأرى. وروى عطاء عنه أنه قال: # إن معناه أنا الله الملك الرحمن تلك آيات الكتاب الإشارة بتلك إلى آيات ~~السورة المسماة بالمر، والمراد بالكتاب السورة أي آيات السورة الكاملة ~~العجيبة في بابها ثم قال تعالى: والذي أنزل إليك من ربك الحق يعني من ~~القرآن كله هو الحق الذي لا مزيد عليه، وقيل المراد بالإشارة في قوله: تلك ~~الأخبار والقصص أي الأخبار والقصص التي قصصتها عليك يا محمد هي آيات ~~التوراة والإنجيل والكتب الإلهية القديمة المنزلة، والذي أنزل إليك يعني ~~وهذا القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربك الحق أي هو الحق فاعتصم به وقال ~~ابن عباس وقتادة: أراد بآيات الكتاب القرآن، والمعنى: هذه آيات الكتاب الذي ~~هو القرآن ثم قال: والذي أنزل إليك من ربك الحق، يعني: وهذا القرآن الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق لا شك فيه ولا تناقض ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~يعني مشركي مكة نزلت هذه الآية في الرد عليهم حين قالوا إن محمدا يقوله من ~~تلقاء نفسه، ثم ذكر من دلائل ربوبيته وعجائب قدرته ما يدل على وحدانيته ~~فقال تعالى: الله الذي رفع السماوات بغير عمد جمع عمود وهي الأساطين ~~والدعائم التي تكون تحت السقف وفي قوله: ترونها قولان أحدهما أن الرؤية ~~ترجع إلى السماء يعني: وأنتم ترون السموات مرفوعة بغير عمد من تحتها يعني ~~ليس من دونهما دعامة تدعمها ولا من فوقها علاقة ms2010 تمسكها، والمراد نفي العمد ~~بالكلية. قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول ~~الحسن وقتادة وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. والقول ~~الثاني: إن الرؤية ترجع # PageV03P003 # إلى العمد، والمعنى أن لها عمدا ولكن لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول ~~يقول: إن عمدها على جبل قاف، وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا، والسماء عليه ~~مثل القبة، وهذا قول مجاهد وعكرمة والرواية الأخرى عن ابن عباس، والقول ~~الأول أصح، وقوله تعالى ثم استوى على العرش تقدم تفسيره والكلام عليه في ~~سورة الأعراف بما فيه كفاية وسخر الشمس والقمر يعني ذللهما لمنافع خلقه ~~فهما مقهوران، يجريان على ما يريد كل يجري لأجل مسمى يعني إلى وقت معلوم، ~~وهو وقت فناء الدنيا وزوالها. وقال ابن عباس: أراد بالأجل المسمى درجاتهما ~~ومنازلهما يعني أنهما يجريان في منازلهما ودرجاتهما إلى غاية ينتهيان إليها ~~ولا يجاوزانها، وتحقيقه أن الله تعالى جعل لكل واحد من الشمس والقمر سيرا ~~خاصا إلى جهة بمقدار خاص من السرعة والبطء في الحركة، يدبر الأمر يعني أنه ~~تعالى يدبر أمر العالم العلوي والسفلي، ويصرفه ويقضيه بمشيئته، وحكمته، على ~~أكمل الأحوال لا يشغله شأن عن شأن، وقيل: يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام ~~والإحياء والإماتة، ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة، لأن جميع العالم ~~محتاجون إلى تدبيره ورحمته، داخلون تحت قهره وقضائه وقدرته يفصل الآيات ~~يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته. وقيل: إن ~~الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: الأول: الموجودات المشاهدة، وهي خلق ~~السموات والأرض وما فيهما من العجائب وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم ~~وهذا قد تقدم ذكره. والقسم الثاني: الموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت ~~بعد الحياة والفقر بعد الغنى والضعف بعد القوة إلى غير ذلك من أحوال هذا ~~العالم، وكل ذلك مما يدل على وجود الصانع وكمال قدرته لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته لكي ~~توقنوا، وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت لأن من قدر ms2011 على إيجاد ~~الإنسان بعد عدمه قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات ~~العلم، وهو فوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك، ~~يقال منه استيقن وأيقن بمعنى علم. قوله تعالى: # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 3 الى 7] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) وفي الأرض ~~قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) وإن تعجب ~~فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) # وهو الذي مد الأرض لما ذكر الدلالة على وحدانيته وكمال قدرته وهي رفع ~~السموات بغير عمد، وذكر أحوال الشمس والقمر أردفها بذكر الدلائل الأرضية، ~~فقال: وهو الذي مد الأرض أي بسطها على وجه الماء، وقيل: كانت الأرض مجتمعة ~~فمدها من تحت البيت الحرام، وهذا القول إنما يصح إذا قيل إن الأرض منسطحة ~~كالأكف، وعند أصحاب الهيئة: الأرض كرة، ويمكن أن يقال: إن الكرة إذا كانت ~~كبيرة عظيمة فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح الكبير العظيم، فحصل الجمع ~~ومع ذلك فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها وكل ذلك يدل ~~على التسطيح والله تعالى أصدق قيلا وأبين دليلا من أصحاب الهيئة وجعل فيها. # يعني في الأرض رواسي يعني جبالا ثابتة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت ~~وأرساه غير أثبته قال ابن عباس: # PageV03P004 # كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض وأنهارا، يعني وجعل في الأرض أنهارا ~~جارية لمنافع الخلق ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ms2012 اثنين يعني صنفين اثنين ~~أحمر وأصفر وحلوا وحامضا يغشي الليل النهار، يعني يلبس النهار ظلمة الليل ~~ويلبس الليل ضوء النهار إن في ذلك يعني الذي تقدم ذكره من عجائب صنعته ~~وغرائب قدرته الدالة على وحدانيته لآيات أي دلالات لقوم يتفكرون يعني ~~فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب، والفكر هو تصرف القلب في ~~طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، ~~والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا ~~يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ولهذا روي «تفكروا في آلاء ~~الله ولا تفكروا في الله» إذ كان الله منزلها أن يوصف بصورة. وقال بعض ~~الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لأنه يستعمل في طلب المعاني، وهو فرك الأمور ~~وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها. قوله عز وجل وفي الأرض قطع متجاورات يعني ~~متقاربات بعضها من بعض، وهي مختلفة في الطبائع فهذه طيبة تنبت وهذه سبخة لا ~~تنبت، وهذه قليلة الريع وهذه كثيرة الريع وجنات يعني بساتين والجنة كل ~~بستان ذي شجر من نخيل وأعناب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض ~~وإليه الإشارة بقوله من أعناب وزرع ونخيل صنوان جمع صنو وهي النخلات يجتمعن ~~من أصل واحد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس «عم الرجل صنو ~~أبيه» يعني أنهما من أصل واحد وغير صنوان هي النخلة المنفردة بأصلها ~~فالصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق يسقى بماء واحد يعني أشجار الجنات ~~وزروعها، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل: في حده جوهر سيال به ~~قوام الأرواح ونفضل بعضها على بعض في الأكل يعني في الطعم ما بين الحلو ~~والحامض والعفص وغير ذلك من الطعام. # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله تعالى: ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل قال: الدقل والنرسيان والحلو والحامض» أخرجه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال مجاهد: هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم ~~وأبوهم واحد، وقال ms2013 الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة ~~واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعا متجاورات، وأنزل على وجهها ماء ~~السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها وتخرج هذه سبخها ~~وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء قليلا. قيل: إنما هذا من ~~قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب ~~قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا تسمع. وقال الحسن: والله ما ~~جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله تعالى وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقوله تعالى ~~إن في ذلك يعني الذي ذكر لآيات لقوم يعقلون يعني فيتدبرون ويتفكرون في ~~الآيات الدالة على وحدانيته. قوله تعالى وإن تعجب فعجب قولهم العجب تبعيد ~~النفس رؤية المستبعد في العادة، وقيل: العجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل ~~بسبب ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل: العجب في حق ~~الله محال لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، والخطاب في الآية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه وإنك يا محمد إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ~~أن كنت عندهم تعرف بالصادق الأمين فعجب أمرهم، وقيل: معناه وإن تعجب من ~~اتخاذ المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن الله ~~تعالى خالق السموات والأرض، وهو يضر وينفع وقد رأوا من قدرة الله وما ضرب ~~لهم به الأمثال ما رأوا فعجب قولهم. وقيل وإنك إن تعجب من إنكارهم النشأة ~~الآخرة والبعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله فعجب قولهم، ~~وذلك أن المشركين كانوا ينكرون البعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء ~~الخلق من الله، وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الابتداء فهذا موضع ~~التعجب وهو قولهم أإذا كنا ترابا يعني بعد الموت أإنا لفي خلق جديد يعني ~~نعاد خلقا جديدا بعد الموت كما كنا قبله ثم ms2014 إن الله تعالى قال في حقهم ~~أولئك الذين كفروا بربهم وفيه دليل على # PageV03P005 # أن كل من أنكر البعث بعد الموت فهو كافر بالله تعالى، لأن من أنكر البعث ~~بعد الموت فقد أنكر القدرة، وأن الله على كل شيء قدير، ومن أنكر ذلك فهو ~~كافر وأولئك الأغلال في أعناقهم يعني يوم القيامة، والأغلال جمع غل وهو طوق ~~من حديد يجعل في العنق. وقيل أراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم القيامة كما ~~يقاد الأسير ذليلا بالغل وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يعني أنهم ~~مقيمون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون. # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة الاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، ~~والمراد بالسيئة هنا هي العقوبة وبالحسنة العافية، وذلك أن مشركي مكة كانوا ~~يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم، وهو قولهم «اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» وقد خلت ~~من قبلهم المثلات يعني وقد مضت في الأمم المكذبة العقوبات بسبب تكذيبهم ~~رسلهم، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء المثلثة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل ~~مثلا ليرتدع غيره به، وذلك كالنكال وجمعه مثلات بفتح الميم وضمها مع ضم ~~الثاء فيهما لغتان وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم قال ابن عباس: معناه ~~إنه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وإن ربك لشديد العقاب يعني للمصرين ~~على الشرك الذي ماتوا عليه. وقال مجاهد: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير ~~العذاب عنهم، وإنه لشديد العقاب إذا عاقب. قوله تعالى ويقول الذين كفروا ~~يعني من أهل مكة لولا أي هلا أنزل عليه يعني على محمد صلى الله عليه وسلم ~~آية من ربه يعني مثل عصى موسى وناقة صالح ذلك لأنهم لم يقنعوا بما رأوا من ~~الآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنت منذر أي ليس عليك ~~يا محمد غير الإنذار والتخويف، وليس لك من الآيات شيء ولكل قوم هاد قال ابن ~~عباس: الهادي هو الله، وهذا قول سعيد ابن جبير وعكرمة ms2015 ومجاهد والضحاك ~~والنخعي، والمعنى إنما عليك الإنذار يا محمد والهادي هو الله يهدي من يشاء. ~~وقال عكرمة في رواية أخرى عنه وأبو الضحى: الهادي هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المعنى: إنما أنت منذر وأنت هاد، وقال الحسن وقتادة وابن زيد: ~~يعني ولكل قوم نبي يهديهم وقال أبو العالية: الهادي هو العمل الصالح. وقال ~~أبو صالح: الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر. قوله عز وجل: # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 8 الى 11] # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ~~ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11) # الله يعلم ما تحمل كل أنثى لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الآيات أخبرهم الله عز وجل عن عظيم قدرته، وكمال علمه وأنه عالم بما تحمل ~~كل أنثى يعني من ذكر أو أنثى سوي الخلق أو ناقص الخلق واحدا أو اثنين أو ~~أكثر وما تغيض يعني وما تنقص الأرحام وما تزداد قال أهل التفسير: غيض ~~الأرحام الحيض على الحمل فإذا حاضت الحامل كان ذلك نقصانا في الولد لأن دم ~~الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء فينقص الولد، وإذا ~~لم تحض يزداد الولد ويتم فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة ~~تمام خلقه باستمساك الدم، وقيل: إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء ~~وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرة فإن رأت خمسة أيام دما، وضعت ~~لتسعة أشهر وخمسة أيام فالنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل. وقيل: ~~النقصان السقط والزيادة تمام الخلق. وقال الحسن: غيضها نقصانها من تسعة ~~أشهر والزيادة زيادتها على تسعة أشهر فأقل مدة الحمل ستة ms2016 أشهر وقد يولد ~~لهذه المدة ويعيش. واختلفوا في أكثره فقال قوم: # أكثر مدة الحمل سنتان، وهو قول عائشة، وبه قال أبو حنيفة وقيل: إن الضحاك ~~ولد لسنتين. وقال جماعة: # PageV03P006 # أكثرها أربع سنين وإليه ذهب الشافعي. وقال حماد بن أبي سلمة: إنما سمي ~~هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وعند مالك أن أكثر مدة ~~الحمل خمس سنين وكل شيء عنده بمقدار يعني بتقدير واحد لا يجاوزه، ولا ينقص ~~منه. وقيل: إنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على أكمل الوجوه. وقيل: ~~معناه إنه تعالى خصص كل حادثة من الحوادث بوقت معين وحالة معينة وذلك ~~بمشيئته الأزلية وإرادته وتقديره الذي لا يقدر عليه غيره عالم الغيب ~~والشهادة يعني أنه تعالى يعلم ما غاب عن خلقه، وما يشاهدونه. وقيل: الغيب ~~هو المعدوم والشاهد هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس والشاهد ما حضر ~~في الحس الكبير أي العظيم الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته وكبريائه ~~فهو يعود إلى معنى كبر قدرته، وأنه تعالى المستحق لصفات الكمال المتعال ~~يعني المنزه عن صفات النقص المتعالي عن الخلق، وفيه دليل على أنه تعالى ~~موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامة وتنزيهه عن جميع النقائص. قوله تعالى ~~سواء منكم من أسر القول ومن جهر به أي مستو منكم من أخفى القول وكتمه ومن ~~أظهره وأعلنه، والمعنى أنه قد استوى في علم الله تعالى المسر بالقول ~~والجاهر به ومن هو مستخف بالليل أي مستتر بظلمته وسارب بالنهار أي ذاهب ~~بالنهار في سربه ظاهر. والسرب بفتح السين وسكون الراء الطريق. وقال ~~القتيبي: السارب المتصرف في حوائجه. قال ابن عباس في هذه الآية: هو صاحب ~~ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. وقيل: ~~مستخف بالليل ظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا كتمته ~~وسارب بالنهار أي متوار دخل في السرب مستخفيا، ومعنى الآية: سواء ما أضمرت ~~به القلوب أو نطقت به الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستترا ms2017 في ظلمات ~~الليل أو أتى بها ظاهرا في النهار فان علمه تعالى محيط بالكل له معقبات ~~يعني: لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ~~ملائكة النهار والتعقيب العود بعد البدء وإنما ذكر معقبات بلفظ التأنيث، ~~وإن كان الملائكة ذكورا لأن واحدها معقب، وجمعها معقبة ثم جمع المعقبة ~~معقبات. كما قيل أبناوات سعد ورجالات بكر (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم ~~فيسألهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، ~~وأتيناهم وهم يصلون. وقيل: إن مع كل واحد من بني آدم ملكين ملك عن يمينه، ~~وهو صاحب الحسنات وملك عن شمال وهو كاتب السيئات وكاتب الحسنات أمين على ~~كاتب السيئات فإذا عمل العبد حسنة كتبها له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة ~~قال صاحب الشمال لصاحب اليمين أكتبها عليه فيقول: انظره لعله يتوب أو ~~يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات، فإن هو تاب منها وإلا قال: اكتبها عليه سيئة ~~واحدة وملك موكل بناصية العبد فإذا تواضع العبد لله عز وجل رفعه بها، وإن ~~تجبر على الله عز وجل وضعه بها وملك موكل بعينيه يحفظهما من الأذى وملك ~~موكل بفيه لا يدعه يدخل فيه شيء من الهوام يؤذيه فهؤلاء خمسة أملاك موكلون ~~بالعبد في ليله وخمسة غيرهم في نهاره، فانظر إلى عظمة الله تعالى وقدرته ~~وكمال شفقته عليك أيها العبد المسكين. وهو قوله تعالى من بين يديه ومن خلفه ~~يحفظونه من أمر الله يعني: يحفظون العبد من بين يديه ومن وراء ظهره، ومعنى ~~من أمر الله بأمر الله وإذنه ما لم يجيء القدر فإذا جاء خلوا عنه. وقيل: # معناه إنهم يحفظونه، بما أمر الله به من الحفظ له. قال مجاهد: ما من عبد ~~إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء ~~يأتيه يؤذيه إلا قال له الملك ms2018 وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. # وقال كعب الأحبار: لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في ~~مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن. وقال ابن جريج: معنى يحفظونه أي ~~يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على قول من يقول: إن الآية في الملكين ~~القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، وقال عكرمة: الآية ~~في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم، ومن خلفهم والضمير في قوله له ~~راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس في # PageV03P007 # معنى هذه الآية: لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من شر الجن وطوارق الليل والنهار. وقال عبد الرحمن بن ~~زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما من بني عامر ~~بن زيد وكانت قصتهما على ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قال: ~~«أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وهما من بني عامر بن زيد على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه فدخل المسجد ~~فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان من أجمل الناس وكان أعور فقال: يا رسول ~~الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه فان يرد الله به خيرا ~~يهده فأقبل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد ما لي ~~إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين. قال: تجعل الأمر لي ~~بعدك؟ قال ليس ذلك لي إنما ذلك إلى الله تعالى يجعله حيث يشاء. قال: ~~فتجعلني على الوبر وأنت على المدر؟ قال: لا قال: فما تجعل لي؟ # قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أو ليس ذلك لي اليوم قم معي ~~أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر قد أوصى إلى أربد ~~بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل عامر يخاصم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه ms2019 ودار أربد من خلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليضربه، فاخترط شبرا من سيفه ثم حبسه الله تعالى عليه فلم يقدر ~~على سله، وجعل عامر يومئ إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ~~أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد ~~صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته فولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك ~~فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردا وشبابا مردا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يمنعني الله من ذلك وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج، فنزل ~~عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم إليه سلاحه، فخرج له خراج في أصل أذنه ~~أخذه منه مثل النار فاشتد عليه فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ~~ثم ركب فرسه وجعل يركض في الصحراء، ويقول: ادن يا ملك الموت وجعل يقول ~~الشعر، ويقول لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل ~~الله إليه ملكا فلطمه، فأرداه في التراب ثم عاد فركب جواده حتى مات على ~~ظهره، وأجاب الله عز وجل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عامر بن ~~الطفيل فمات بالطعن، وأربد بن ربيعة مات بالصاعقة وأنزل الله عز وجل في شأن ~~هذه القصة سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به إلى قوله له معقبات من بين ~~يديه، ومن خلفه يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين ~~يديه، ومن خلفه من أمر الله أي بأمر الله وقيل: إن تلك المعقبات من أمر ~~الله، وفيه تقديم وتأخير تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ~~ومن خلفه، وقوله إن الله لا يغير ما بقوم خطاب لهذين عامر بن الطفيل وأربد ~~بن ربيعة، يعني لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة التي أنعم بها عليهم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم يعني: من الحالة الجميلة فيعصون ربهم، ويجحدون نعمه ~~عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو قوله تعالى وإذا أراد الله بقوم سوءا ms2020 ~~يعني هلاكا وعذابا فلا مرد له يعني لا يقدر أحد أن يرد ما أنزل الله بهم من ~~قضائه وقدره وما لهم من دونه من وال يعني وليس لهم من دون الله من وال يلي ~~أمرهم ونصرهم ويمنع العذاب عنهم قوله عز وجل: # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 12 الى 13] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد ~~بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال (13) # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا لما خوف الله عز وجل عباده بقوله: وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا ذكر في هذه الآية من عظيم قدرته ما يشبه النعم من وجه ~~يشبه العذاب من وجه، فقال تعالى: هو الذي يعني هو الذي يريكم البرق والبرق ~~معروف، وهو لمعان يظهر من خلال السحاب وفي كونه خوفا وطمعا وجوه: الأول إن ~~عند # PageV03P008 # لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من ~~البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر ومن في جرينه يعني بيدره التمر والزبيب ~~والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزارع ونحوه. ~~الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه وزمانه، ويطمع فيه إذا كان ~~في مكانه وزمانه فان من البلاد ما إذا أمطرت قحطت وإذا لم تمطر أخصبت وينشئ ~~السحاب الثقال يعني المطر. يقال: أنشأ الله السحابة فنشأت أي أبداها فبدت ~~والسحاب جمع سحابة، والسحاب غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. وقيل: السحاب الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء. ولهذا قيل: سحاب جهام ~~وهو الخالي من الماء وأصل السحب الجر وسمي السحاب سحابا إما لجر الريح له ~~أو لجره الماء أو لانجراره في سيره ويسبح الرعد بحمده أكثر المفسرين على أن ~~الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه. وأورد على ~~هذا القول ما عطف عليه. وهو قوله والملائكة من خيفته وإذا كان المعطوف ~~مغايرا للمعطوف عليه وجب ms2021 أن يكون غيره. وأجيب عنه أنه لا يبعد أن يكون ~~الرعد اسما لملك من الملائكة وإنما أفرده بالذكر تشريفا له على غيره من ~~الملائكة، فهو كقوله: وملائكته وجبريل وميكال. قال ابن عباس: أقبلت يهود ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أخبرنا عن الرعد ما هو قال: «ملك ~~من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث يشاء الله» ~~قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره السحاب حتى تنتهي حيث أمرت» ~~قالوا صدقت. # أخرجه الترمذي مع زيادة فيه. المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ~~ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، وأراد به هنا آلة تزجر بها الملائكة السحاب. ~~وقد جاء تفسيره في حديث آخر وهو صوت «1» من نور تزجر الملائكة به السحاب، ~~قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، ~~والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير. فإن أصابه صاعقة فعلي ديته، وكان ~~عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد ~~بحمده، والملائكة من خيفته وكان يقول إن الوعيد لأهل الأرض شديد. وفي بعض ~~الأخبار أن الله تعالى يقول: «لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل ~~وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد» وروى جويبر عن الضحاك ~~عن ابن عباس أنه قال: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وإن بحور ~~الماء في نقرة إبهامه، وإنه يسبح الله فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا ~~رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر، وقيل: إن الرعد اسم لصوت الملك ~~الموكل بالسحاب، ومع ذلك فإن صوت الرعد يسبح الله عز وجل لأن التسبيح ~~والتقديس عبارة عن تنزيه لله عز وجل عن جميع النقائص، ووجود هذا الصوت ~~المسموع من الرعد وحدوثه دليل على وجود موجود خالق قادر متعال عن جميع ~~النقائص، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة تسبيحا ومنه قوله: وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده وقيل المراد من تسبيح الرعد أن من سمعه ms2022 سبح الله فلهذا المعنى أضيف ~~التسبيح إليه، وقوله والملائكة من خيفته يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله ~~عز وجل وهيبته وخشيته، وقيل: المراد بهذه الملائكة أعوان السحاب جعل الله ~~عز وجل مع الملك الموكل بالسحاب أعوانا من الملائكة، وهم خائفون خاضعون ~~طائعون. وقيل: المراد بهم جميع الملائكة وحمله على العموم أولى ويرسل ~~الصواعق جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق فيحترق من تصيبه وقيل: هي ~~الصوت الشديد النازل من الجو ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت وهي في ذاتها ~~شيء واحد، وهذه الأشياء الثلاثة تنشأ منها فيصيب بها يعني بالصواعق من يشاء ~~يعني فيهلك بها كما أصاب أربد بن ربيعة. قال محمد الباقر: الصاعقة تصيب ~~المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر وهم يجادلون في الله يعني يخاصمون في ~~الله. وقيل: المجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت ~~الحبل إذا أحكمت فتله PageV03P009 # نزلت في شأن أربد بن ربيعة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مم ربك أمن ~~در أم من ياقوت أم من ذهب فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته. وسئل الحسن عن ~~قوله: ويرسل الصواعق الآية فقال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه يدعونه إلى الله، وإلى رسوله فقال لهم: ~~أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه، هل هو من ذهب أو فضة أو حديد أو ~~نحاس؟ فاستعظم القوم كلامه فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه. فقال: ارجعوا ~~إليه فرجعوا فلم يزدهم على مقالته الأولى شيئا بل قال: أأجيب محمدا إلى رب ~~لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى شيئا بل أخبث. فقال: ارجعوا إليه ~~فرجعوا إليه فبينما هم عنده يدعونه وينازعونه، وهو لا يزيدهم على مقالته ~~شيئا إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ورمت ms2023 بصاعقة فأحرقت ~~الكافر، وهم جلوس عنده فرجعوا ليخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا ~~استقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم: احترق صاحبكم ~~قالوا: من أين علمتم ذلك؟ قالوا قد أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله. واختلفوا في هذه ~~الواو، فقيل: واو الحال فيكون المعنى فيصيب بها من يشاء في حال جداله في ~~الله وذلك إن أريد لما جادل في الله، أهلكه الله بالصاعقة، وقيل: إنها واو ~~الاستئناف فيكون المعنى أنه تعالى لما تمم ذكر الدلائل قال: بعد ذلك وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال أي شديد الأخذ بالعقوبة، من قولهم يمحل به ~~محلا إذا أراد به سوءا، وقيل: هو من قولهم يمحل به إذا سعى به إلى السلطان ~~وعرضه للهلاك وتمحل إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فيه فيكون المعنى أنه ~~سبحانه وتعالى شديد المحال بأعدائه حتى يهلكهم بطريق لا يعرفونه ولا ~~يتوقعونه. وقيل: المحل من المحول وهو الحيلة، والميم زائدة ثم اختلفت ~~عبارات المفسرين في معنى قوله شديد المحال فقال الحسن: معناه شديد النقمة. ~~وقال مجاهد وقتادة: شديد القوة. # وقال ابن عباس: شديد الحول. وقيل شديد العقوبة وقيل معناه شديد الجدال. ~~وذلك أنه لما أخبر عنهم أنهم يجادلون في الله أخبر أنه أشد جدالا منهم. ~~قوله تعالى: ### || [سورة الرعد (13): الآيات 14 الى 17] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) ~~ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) ~~قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية ms2024 بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) # له دعوة الحق يعني لله دعوة الصدق، قال على دعوة الحق التوحيد، وقال ابن ~~عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. قال صاحب الكشاف دعوة الحق فيها وجهان ~~أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إليه ~~في قولك كلمة الحق. للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها ~~بمعزل من الباطل والمعنى أن الله تعالى يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي ~~سؤله إن كان مصلحة له فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقا بأن يوجه إليه ~~الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا نفع فيه ولا جدوى فيرد ~~دعاءه. الثاني أن تضاف إلى الحق الذي هو الله على معنى دعوة المدعو الحق ~~الذي يسمع فيجيب، وعن # PageV03P010 # الحسن: الله هو الحق وكل دعاء إليه دعوة الحق. فإن قلت: ما وجه اتصال ~~هذين الوصفين بما قبلهما. قلت: # أما على قصة أربد فظاهر لأن إصابته بالصاعقة كانت بدعوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإنه دعا عليه وعلى صاحبه عامر بن الطفيل فأجيب فيهما فكانت ~~الدعوة دعوة حق، وأما على قوله وهم يجادلون في الله فوعيد للكفار على ~~مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجابة دعائه إن دعا عليهم. وقيل ~~في معنى الآية: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله تعالى ~~والذين يدعون من دونه يعني والذين يدعونهم آلهة من دون الله، وهي الأصنام ~~التي يعبدونها لا يستجيبون لهم بشيء # يعني لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه يعني إلا استجابة كاستجابة الماء ~~لمن بسط كفيه إليه، يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ~~ولا بعطشه ولا يقدر أن ms2025 يجيب دعاءه أو يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا ~~يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبههم في قلة ~~جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ناشرا ~~أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته من شربه وقيل إن القابض على ~~الماء ناشرا أصابعه لا يكون في يده منه شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء كذلك ~~الذي يدعو الأصنام لأنها لا تضر ولا تنفع ولا يفيده منها شيء. وقيل شبه: ~~بالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد بعينيه، فهو يشير بكفيه إلى الماء ~~ويدعوه بلسانه فلا يأتيه أبدا هذا معنى قول مجاهد، وعن عطاء كالعطشان ~~الجالس على شفير البئر وهو يمد يديه إلى البئر فلا هو يبلغ إلى قعر البئر ~~ليخرج الماء، ولا الماء يرتفع إليه فلا ينفعه بسطه الكف إلى الماء ودعاؤه ~~له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذي يدعون الأصنام لا ينفعهم ذلك. وقال ابن ~~عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما من ~~الماء ولا يبلغ الماء فاه مادام باسط كفيه، وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~للكفار ودعائهم الأصنام حين لا ينفعهم البتة ثم ختم هذا بقوله وما دعاء ~~الكافرين يعني أصنامهم إلا في ضلال يعني يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، قال ~~ابن عباس في هذه الآية أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. قوله عز وجل ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها في معنى هذا السجود قولان: أحدهما ~~أن المراد منه السجود على الحقيقة وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا ~~القول ففي معنى الآية وجهان أحدهما أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد ~~منه الخصوص، فقوله: ولله يسجد من في السموات يعني الملائكة ومن في الأرض من ~~الإنس يعني المؤمنين طوعا وكرها، يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعا وهم ~~المؤمنون المخلصون لله العبادة، وكرها يعني المنافقين الداخلين في المؤمنين ~~وليسوا منهم فان سجودهم لله على كره ms2026 منهم، لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا ~~ولا يخافون على تركه عقابا بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين. الوجه ~~الثاني: هو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال، وهو أن جميع ~~الملائكة والمؤمنين من الجن والإنس يسجدون لله طوعا، ومنهم من يسجد كرها ~~كما تقدم وأما الكفار من الجن والإنس، فلا يسجدون لله البتة فهذا وجه ~~الإشكال. والجواب عنه أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض ~~أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول. وجواب آخر وهو أن يكون ~~المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في السموات من ~~ملك ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية والتعظيم ويدل ~~عليه قوله تعالى «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله». والقول ~~الثاني: في معنى هذا السجود هو الانقياد والخضوع وترك الامتناع فكل من في ~~السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا الاعتبار لأن قدرته ومشيئته ~~نافذة في الكل فهم خاضعون مناقدون له. وقوله تعالى وظلالهم بالغدو والآصال ~~الغدوة والغداة أول النهار، وقيل: إلى نصف النهار والغدو بالضم من طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس والآصال جمع أصل، وهو العشية والآصال العشايا # جمع عشية وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. قال المفسرون: # إن ظل كل شخص يسجد لله ظل المؤمن والكافر. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد ~~لله طوعا وهو طائع وظل # PageV03P011 # الكافر يسجد لله كرها، وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر ~~يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله ~~تعالى للظلال عقولا وأفهاما تسجد بها وتخشع كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت ~~لله مع داود، وقيل: المراد بسجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب آخر، ~~وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر ~~لأن الظلال تعظم، وتكثر في هذين الوقتين، وقيل: # لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما. # (فصل) # وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، ms2027 فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند ~~قراءته واستماعه لهذه السجدة والله أعلم. قوله تعالى قل من رب السماوات ~~والأرض أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله من رب السموات ~~والأرض، يعني من مالك السموات والأرض، ومن مدبرهما وخالقهما فسيقولون: الله ~~لأنهم مقرون بأن الله خالق السموات وما فيها، والأرض، وما فيها فإن أجابوك ~~بذلك فقل: أنت يا محمد الله رب السموات والأرض. وقيل: لما قال هذه المقالة ~~للمشركين عطفوا عليه وقالوا أجب أنت فأمره الله أن يجيبهم بقوله قل الله أي ~~قل يا محمد الله وقيل: إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين ~~لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله الله فكأنهم قالوا ذلك أيضا ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم ~~الأصنام بقوله قل أي قل يا محمد للمشركين أفاتخذتم من دونه يعني من دون ~~الله أولياء يعني الأصنام والولي الناصر، والمعنى توليتم غير رب السموات ~~والأرض واتخذتموهم أنصارا يعني الأصنام لا يملكون يعني وهم لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم. ثم ضرب الله مثلا للمشركين الذين يعبدون ~~الأصنام وللمؤمنين الذين يعبدون الله. فقال تعالى قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن أم هل تستوي الظلمات والنور ~~يعني الشرك والإيمان والمعنى كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي ~~الكافر والمؤمن وكما لا تستوي الظلمات والنور كذلك لا يستوي الكفر ~~والإيمان، وإنما شبه الكافر بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي سبيلا، كذلك ~~الكافر لا يهتدي سبيلا أم جعلوا لله شركاء هذا استفهام إنكار يعني جعلوا ~~لله شركاء خلقوا كخلقه يعني خلقوا سموات وأرضين وشمسا وقمرا وجبالا وبحارا ~~وجنا وإنسا فتشابه الخلق عليهم من هذا الوجه، والمعنى هل رأوا غير الله خلق ~~شيئا فاشتبه عليهم خلق الله بخلق غيره، وقيل: إنه تعالى وبخهم بقوله أم ~~جعلوا لله شركاء خلقوا خلقا مثل خلقه فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، ~~وهذا استفهام إنكاري ms2028 أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه عليهم الأمر، بل إذا ~~تفكروا بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء والشركاء ~~مخلوقون له أيضا لا يخلقون شيئا حتى يشتبه خلق الله بخلق الشركاء، وإذا كان ~~الأمر كذلك فقد لزمتهم الحجة، وهو قوله تعالى قل الله خالق كل شيء أي قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين الله خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقا، وقوله الله ~~خالق كل شيء من العموم الذي يراد به الخصوص لأن الله تعالى خلق كل شيء وهو ~~غير مخلوق وهو الواحد يعني والله تعالى هو الواحد المنفرد بخلق الأشياء ~~كلها القهار لعباده حتى يدخلهم تحت قضائه وقدره وإرادته. وقوله عز وجل: # أنزل من السماء ماء لما شبه الله عز وجل الكافر بالأعمى والمؤمن بالبصير ~~وشبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلا فقال تعالى: أنزل من ~~السماء ماء يعني المطر فسالت أودية بقدرها أودية جمع واد وهو المفرج بين ~~الجبلين يسيل فيها الماء وقوله: فسالت أودية فيه اتساع، وحذف تقديره فسال ~~في الوادي فهو كما يقال جري النهر والمراد جرى الماء في النهر فحذف في ~~لدلالة الكلام عليه بقدرها. قال مجاهد بمثلها وقال ابن جريج: الصغير بقدره ~~والكبير بقدره، وقيل: بمقدار مائها وإنما نكر أودية لأن المطر إذا نزل لا ~~يعم جميع # PageV03P012 # الأرض، ولا يسيل في كل الأودية بل ينزل في أرض دون أرض ويسيل في واد دون ~~واد. فلهذا السبب جاء هذا بالتنكير. وقال ابن عباس: أنزل من السماء ماء ~~يعني قرآنا وهذا مثل ضربه الله تعالى فسالت أودية بقدرها يريد بالأودية ~~القلوب شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور، والبيان بنزول المطر لأن ~~المطر إذا نزل عم نفعه وكذلك نزول القرآن وشبه القلوب بالأودية، لأن ~~الأودية يستكن فيها الماء وكذلك القلوب يستكن فيها الإيمان والعرفان ببركة ~~نزول القرآن فيها، وهذا خاص بالمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بنزول القرآن ~~(ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن مثل ms2029 ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت ~~منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب ~~أمسكت الماء نفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة ~~منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين ~~الله ونفعه ما بعثني الله به فتعلم، وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم ~~يقبل هدى الله الذي أرسلت به» قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله، ~~وغيره في معنى هذا الحديث وشرحه أما الكلأ فباغمز يقع على الرطب واليابس من ~~الحشيش، وأما قوله وكان منها أجادب فالجيم والدال المهملة والباء الموحدة ~~كذا في الصحيحين، وهي الأرض التي لا تنبت الكلأ جمع جدب على غير قياس ~~وقياسه أجدب، والجدب ضد الخصب. وقال الخطابي: هي التي تمسك الماء ولم يسرع ~~فيه النضوب وفي رواية الهروي أخاذات بالخاء المعجمة والذال المعجمة جمع ~~أخاذة وهي الغدير الذي يمسك الماء، وقوله: ورعوا كذا هو في صحيح مسلم من ~~الرعي، ووقع في صحيح البخاري وزرعوا بزيادة زاي من الزرع والقيعان بكسر ~~القاف جمع قاع وهو المستوي من الأرض، وقوله: فذلك مثل من فقه في دين الله ~~يروى بضم القاف وهو المشهور وروي بكسرها ومعناه فهم الأحكام وأما معنى ~~الحديث ومقصوده فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا لما جاء به من ~~الهدى، والعلم بالأرض التي أصابها المطر. قال العلماء: والأرض ثلاثة أنواع ~~وكذلك الناس لأنهم منها خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض الطيبة التي ~~تنتفع بالمطر فتنبت به العشب فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ~~ذلك وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى من غير ذلك من العلم فيحيا ~~به قلبه ويحفظه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع به وينفع غيره. قال مسروق: ~~صحبت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالأخاذات لأن قلوبهم ~~كانت واعية فصارت أوعية للعلوم بما رزقت من صفاء الفهوم. النوع الثاني من ms2030 ~~أنواع الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة لغيرها، وهي ~~إمساك الماء لغيرها لينتفع به الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس ~~لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء ~~المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به هو وغيره، ~~النوع الثالث: من أنواع الأرض أرض سبخة لا تنبت مرعى ولا تمسك ماء كذلك ~~النوع الثالث من الناس ليس لهم قلوب حافظة، ولا أفهام ثاقبة فإذا بلغهم شيء ~~من العلم لا ينتفعون به في أنفسهم ولا ينفعون غيرهم والله أعلم. وقوله ~~تعالى فاحتمل السيل زبدا الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة، كالحبب ~~وكذلك ما يعلو على القدر عند غليانها والمعنى فاحتمل السيل الذي حدث # من ذلك الماء زبدا رابيا يعني عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه، وها ~~هنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال تعالى ومما يوقدون عليه في النار ~~الإيقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء ليذوب ابتغاء حلية ~~يعني لطلب زينة، والضمير في قوله عليه يعود على الذهب والفضة، وإن لم يكونا ~~مذكورين لأن الحلية لا تطلب إلا منهما أو متاع يعني أو لطلب متاع آخر مما ~~ينتفع به كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب وتتخذ منه الأواني وغيرها ~~مما ينتفع له، والمتاع كل ما ويتمتع به. ويقال لكل ما ينتفع به في البيت ~~كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع زبد مثله يعني أن ذلك الذي يوقد ~~عليه في النار إذا أذيب، فله أيضا زبد مثل زبد الماء فالصافي من الماء ومن ~~هذه الجواهر هو الذي ينتفع به وهو مثل الحق. والزبد من الماء ومن هذه ~~الجواهر هو # PageV03P013 # الذي لا ينتفع به، وهو مثل الباطل وهو قوله تعالى كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فالحق هو الجوهر الصافي الثابت، والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ~~ينتفع به وهو قوله فأما الزبد فيذهب جفاء يعني ضائعا باطلا والجفاء ما رمى ms2031 ~~به الوادي من الزبد إلى جوانبه. وقيل: الجفاء المتفرق يقال جفأت الريح ~~الغيم إذا فرقته والمعنى أن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب وأما ~~ما ينفع الناس يعني الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب ~~فيمكث في الأرض يعني يثبت ويبقى ولا يذهب كذلك يضرب الله الأمثال قال أهل ~~التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. فالباطل وإن علا على ~~الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق ~~وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء فيذهب الزبد ويبقى الماء الصافي الذي ~~ينتفع به، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ويذهب العلو الذي هو الكدر، وهو ~~ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. فالباطل وإن ~~علا في وقت فإنه يذهب هو وأهله، والحق يظهر هو وأهله. وقيل: هذا مثل للمؤمن ~~واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس ومثل ~~الكافر وخبث اعتقاده كالزبد الذي لا ينتفع به البتة. وقيل: هذا مثل ضربه ~~الله للنور الذي يحصل في قلوب العباد على ما قسم لها في الأزل لأن الوادي ~~إذا سال كنس كل شيء فيه من النجاسات والمستقذرات، كذلك إذا سال وادي قلب ~~العبد بالنور الذي قسم له على قدر إيمانه ومعرفته كنس كل ظلمة وغفلة فيه، ~~فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض يعني يذهب ~~البواطل وهي الأخلاق المذمومة، وتبقى الحقائق وهي الأخلاق الحميدة كذلك ~~يضرب الله الأمثال. وقوله تعالى: # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 18 الى 21] # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين ~~يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) # للذين استجابوا لربهم الحسنى قيل: اللام ms2032 في للذين متعلقة بيضرب والمعنى ~~كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذي استجابوا لربهم يعني أجابوه إلى ما ~~دعاهم إليه من توحيده والإيمان به وبرسوله وللكافرين الذين لم يستجيبوا، ~~فعلى هذا يكون قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم للفريقين من المؤمنين ~~والكافرين وقيل تم الكلام عند قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم استأنف بقوله ~~للذين استجابوا لربهم الحسنى. قال ابن عباس وجمهور المفسرين: يعني الجنة. ~~وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن وهي المنفعة الخالصة الخالية عن ~~شوائب المضرة والانقطاع والذين لم يستجيبوا له يعني الكبار الذين استمروا ~~على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به يعني لبذلوا ذلك كله فداء لأنفسهم من عذاب النار يوم القيامة ~~أولئك يعني الذين لم يستجيبوا لربهم لهم سوء الحساب قال إبراهيم النخعي: ~~سوء الحساب أن يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء ومأواهم يعني في ~~الآخرة جهنم وبئس المهاد يعني وبئس ما مهد لهم في الآخرة، وقيل: المهاد ~~الفراش يعني وبئس الفراش يفرش لهم في جهنم. قوله تعالى أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق يعني فيؤمن به ويعمل بما فيه كمن هو أعمى يعني أعمى ~~البصيرة، لا أعمى البصر وهو الكافر فلا يؤمن بالقرآن ولا يعمل بما فيه قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي جهل بن هشام. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل فالأول ~~هو حمزة أو عمار والثاني هو أبو جهل وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان ~~السبب مخصوصا، والمعنى: لا يستوي من # PageV03P014 # يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه وإنما شبه الكافر والجاهل ~~بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي لرشد، وربما وقع في مهلكة وكذلك الكافر ~~والجاهل لا يهتديان للرشد وهما واقعان في المهلكة إنما يتذكر أولوا الألباب ~~يعني إنما يتعظ ذوو العقول السليمة الصحيحة، وهم الذين ينتفعون بالمواعظ ~~والأذكار. قوله عز ms2033 وجل الذين يوفون بعهد الله يعني الذي عاهدهم عليه وهو ~~القيام بما أمرهم به، وفرضه عليهم وأصل العهد حفظ الشيء، ومراعاته حالا بعد ~~حال وقيل أراد بالعهد ما أخذه على أولاد آدم حين أخرجهم من صلبه، وأخذ ~~عليهم العهد والميثاق ولا ينقضون الميثاق بل يوفون به فهو توكيد لقوله ~~الذين يوفون بعهد الله والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل قال ابن عباس: ~~يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصل بينهم بالإيمان ولا يفرق بين أحد ~~منهم والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم عن عبد الرحمن بن عوف. قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «قال الله تبارك وتعالى: أنا الله ~~وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها ~~قطعته أو قال بتته» أخرجه أبو داود والترمذي (ق). عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني ~~وصله الله ومن قطعني قطعه الله» (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره ~~فليصل رحمه» صلة الرحم مبرة الأهل والأقارب والإحسان إليهم وضده القطع، ~~قوله: وان ينسأ له في أثره الأثر هنا الأجل سمي الأجل أثرا لأنه تابع ~~للحياة وسابقها. ومعنى ينسأ: يؤخر والمراد به تأخير الأجل. وهو على وجهين: ~~أحدهما أن يبارك الله في عمره فكأنما قد زاد فيه. والثاني أن يزيده في عمره ~~زيادة حقيقية والله يفعل ما يشاء (ق) عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة قاطع» في رواية سفيان يعني «قاطع رحم» ~~(خ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ليس الواصل بالمكافئ الواصل من ~~إذا قطعت رحمه وصلها» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ms2034 «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فان صلة الرحم محبة ~~في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأثر» أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: ~~ويخشون ربهم يعني أنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله ~~به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن ~~علم بما يخشى منه ويخافون سوء الحساب تقدم معناه. # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 22 الى 28] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب (28) # والذين صبروا يعني على طاعة الله وقال ابن عباس: على أمر الله. وقال ~~عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل: ~~حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من سائر ~~العبادات والطاعات، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ترك ~~جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة، وغير ذلك من المنهيات، ويدخل فيه ~~الصبر عن المباحات مثل # PageV03P015 # جميع الشهوات والصبر على ما نزل به من الأمراض والمصائب، وأصل الصبر حبس ~~النفس عما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام ~~يدخل تحته جميع ما ذكر، وإنما قيد الصبر بقوله ابتغاء وجه ربهم لأن الصبر ~~ينقسم إلى نوعين: الأول الصبر المذموم وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما ~~أكمل صبره وأشد قوته على ما ms2035 تحمل من النوازل وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، ~~وقد يصبر لئلا تشمت به الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر فليس ~~ذلك داخلا تحت قوله: ابتغاء وجه ربهم لأنها لغير الله تعالى. النوع الثاني: ~~الصبر المحمود وهو أن يكون الإنسان صابرا لله تعالى راضيا بما نزل به من ~~الله طالبا في ذلك الصبر ثواب الله محتسبا أجره على الله فهذا هو الصبر ~~الداخل تحت قوله ابتغاء وجه ربهم يعني صبروا على ما نزل بهم تعظيما لله ~~وطلب رضوانه وأقاموا الصلاة يعني الصلاة المفروضة. وقيل: حمله على العموم ~~أولى فيدخل صلاة الفرض والنفل والمراد بإقامتها إتمام أركانها وهيئاتها ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية قال الحسن: المراد به الزكاة المفروضة فإن ~~لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها سرا، وإن كان متهما بترك أداء ~~الزكاة فالأولى أن يؤديها علانية. وقيل: إن المراد بالسر ما يخرج من الزكاة ~~بنفسه والمراد بالعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: # المراد بالسر صدقة التطوع والمراد بالعلانية الزكاة الواجبة وحمله على ~~العموم أولى ويدرؤن بالحسنة السيئة قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح ~~العمل السيء، وهو معنى قوله: «إن الحسنات يذهبن السيئات» ويدل على صحة هذا ~~التأويل ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا عملت سيئة ~~فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» وروى البغوي ~~بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ~~الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل ~~حسنة فانفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى خرج إلى الأرض» وقال ابن ~~كيسان: يدفعون الذنب بالتوبة وقيل: لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر ~~بالخير وقال القتيبي معناه إذا سفه عليهم حلموا والسفه السيئة والحلم ~~الحسنة، وقال قتادة: # ردوا عليهم ردا معروفا. وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا ~~وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ms2036 أبواب ~~الجنة الثمانية قلت إنما هي تسع خلال فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة ولما ذكر ~~الله عز وجل هذه الخلال من أعمال البر، ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من ~~الثواب فقال تعالى أولئك يعني من أتى بهذه الأعمال لهم عقبى الدار يعني ~~الجنة والمعنى إن عاقبتهم دار الثواب جنات عدن بدل من عقبى الدار يعني ~~بساتين إقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به يدخلونها يعني الدار التي تقدم ~~وصفها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم يعني ومن صدق من آبائهم بما ~~صدقوا به، وإن لم يعمل بأعمالهم قاله ابن عباس. وقال الزجاج: إن الإنسان لا ~~ينتفع بغير أعماله الصالحة فعلى قول ابن عباس: معنى صلح صدق وآمن ووحد، ~~وعلى قول الزجاج معناه أصلح في عمله قال الواحدي والصحيح: ما قاله ابن عباس ~~لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله حيث بشره بدخوله ~~الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال ~~الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن في ذلك كرامة ~~للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان صالحا في عمله، فهو يدخل الجنة. ~~قال الإمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى وأزواجهم ليس فيه ما يدل على ~~التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه وروي أنه لما ~~كبرت سودة أراد النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها فسألته أن لا يفعل، ووهبت ~~يومها لعائشة فأمسكها رجاء أن تحشر في جملة أزواجه فهو كالدليل على ما ~~ذكرناه. وقوله تعالى والملائكة يدخلون عليهم من كل باب يعني من أبواب ~~الجنة. وقيل من أبواب القصور، قال ابن عباس: يريد به التحية من الله والتحف ~~والهدايا سلام عليكم يعني يقولون: سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لدلالة ~~الكلام عليه بما صبرتم يعني يقولون لهم: سلمكم الله من الآفات التي كنتم ~~تخافونها في الدنيا وأدخلكم بما صبرتم في دار الدنيا على الطاعات، وترك # PageV03P016 # المحرمات الجنة وقيل: إن السلام قول ms2037 والصبر فعل ولا يكون القول ثوابا ~~للفعل، فعلى هذا يكون قوله: سلام عليكم دعاء من الملائكة لهم يعني سلمكم ~~الله بما صبرتم. قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون عليهم في مقدار كل يوم من ~~أيام الدنيا ثلاث مرات معهم الهدايا والتحف من الله تعالى. يقولون: سلام ~~عليكم بما صبرتم، وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة موقوفا عليه قال: «إن ~~المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف ~~السماطين باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله يستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى ~~الباب فإذا بالملك يستأذن فيقول: للذي يليه ملك يستأذن. ويقول الآخر: كذلك ~~حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له ويقول ~~الذي يليه ائذنوا له وكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل ~~فيسلم ثم ينصرف» فنعم عقبى الدار يعني فنعم العقبى عقبى الدار. وقيل: معناه ~~فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه لما ذكر ~~الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات والخيرات ذكر بعده أحوال ~~الأشقياء، وما لهم من العقوبات فقال تعالى والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ونقض العهد ضد الوفاء به، وهذا من صفة الكفار لأنهم هم الذين نقضوا ~~عهد الله يعني خالفوا أمره، ومعنى من بعد ميثاقه من بعد ما أوثقوه على ~~أنفسهم بالاعتراف والقبول ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل يعني ما بينهم ~~وبين المؤمنين من الرحم والقرابة ويفسدون في الأرض يعني بالكفر والمعاصي ~~أولئك يعني من هذه صفته لهم اللعنة يعني الطرد عن رحمة الله يوم القيامة ~~ولهم سوء الدار يعني النار لأن منقلب الناس في العرف إلى دورهم، ومنازلهم، ~~فالمؤمنون لهم عقبى الدار وهي الجنة، والكفار لهم سوء الدار وهي النار. ~~قوله تعالى الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يعني يوسع على من يشاء من عباده ~~فيغنيه من فضله، ويضيق على من يشاء من عباده فيفقره ويقتر عليه، وهذا أمر ~~اقتضته حكمة الله ms2038 وفرحوا بالحياة الدنيا يعني مشركي مكة لما بسط # الله عليهم الرزق أشروا وبطروا، والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المشتهى. ~~وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة يعني بالنسبة إلى الآخرة إلا متاع أي قليل ذاهب. قال الكلبي: المتاع ~~مثل السكرجة والقصعة والقدر ينتفع بها في الدنيا ثم تذهب كذلك الحياة لأنها ~~ذاهبة لا بقاء لها ويقول الذين كفروا يعني من أهل مكة لولا أنزل عليه آية ~~من ربه يعني هلا أنزل على محمد آية ومعجزة مثل معجزة موسى وعيسى قل أي قل ~~لهم يا محمد: إن الله يضل من يشاء فلا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن ~~لم يهده الله عز وجل وهو قوله ويهدي إليه من أناب يعني ويرشد إلى دينه ~~والإيمان به من أناب بقلبه ورجع إليه بكليته الذين آمنوا بدل من قوله من ~~أناب وتطمئن قلوبهم يعني وتسكن قلوبهم بذكر الله قال مقاتل: بالقرآن لأنه ~~طمأنينة لقلوب المؤمنين والطمأنينة والسكون إنما تكون بقوة اليقين، ~~والاضطراب إنما يكون بالشك ألا بذكر الله تطمئن القلوب يعني بذكره تسكن ~~قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها. وقال ابن عباس: هذا في الحلف وذلك أن ~~المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد ~~قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة ~~فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت: ~~إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد ~~والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ذكرت ~~فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه. # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 29 الى 31] # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) كذلك أرسلناك في أمة ~~قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ms2039 وإليه متاب (30) ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس ~~الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف ~~الميعاد (31) # PageV03P017 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم اختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ~~ابن عباس: فرح لهم وقرة أعين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسن لهم ~~وفي رواية أخرى، عنه إن هذه الكلمة عربية يقول الرجل للرجل: طوبى لك أي ~~أصبت خيرا. وقال إبراهيم النخعي خير لهم وكرامة. وقال الزجاج: طوبى من ~~الطيب وقيل تأويلها الحال المستطابة لهم وهو كل ما استطابه هؤلاء في الجنة ~~من بقاء بلا فناء وعز بلا ذل وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم. قال الأزهري: تقول ~~طوبى لك وطوباك لحن لا تقوله العرب وهو قول أكثر النحويين. # وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية وروي عن أبي أمامة وأبي ~~هريرة وأبي الدرداء أن طوبى اسم شجرة في الجنة تظلل الجنان كلها. وقال عبيد ~~ابن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~كل دار وغرفة في الجنة منها غصن لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منه ~~إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها ~~عينان: الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك ~~يسبح الله بأنواع التسبيح وروي عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن طوبى فقال: «هي شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب ~~أهل الجنة تخرج من أكمامها» وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه. قال: «طوبى ~~شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها ~~لترى من وراء سور الجنة» هكذا ذكر البغوي هذين الحديثين بغير سند، وروي ~~بسنده ms2040 موقوفا عن أبي هريرة قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة سنة اقرءوا إن شئتم وظل ممدود» فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: صدق والذي ~~أنزل التوراة على موسى والقرآن على محمد لو أن رجلا ركب فرسا أو حقة أو ~~جذعة، ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما إن الله غرسها بيده، ~~ونفخ فيها من روحه وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا ~~وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. فقال البغوي وبهذا الإسناد عن عبد الله بن ~~المبارك عن الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: «إن في ~~الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله لها تفتقي لعبدي عما يشاء فتفتق له عن ~~فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها ~~وهيئتها كما يشاء وعن الثياب» (ق) عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» ~~(ق) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ~~ما يقطعها» (ق) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة» زاد البخاري في روايته ~~«واقرءوا إن شئتم وظل ممدود». # وقوله تعالى وحسن مآب يعني ولهم حسن منقلب ومرجع ينقلبون ويرجعون إليه في ~~الآخرة وهي الجنة. قوله عز وجل: كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ~~يعني كما أرسلناك يا محمد إلى هذه الأمة كذلك أرسلنا أنبياء قبلك إلى أمم ~~قد خلت ومضت لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك يعني لتقرأ على أمتك الذي ~~أوحينا إليك من القرآن وشرائع الدين وهم يكفرون بالرحمن قال قتادة ومقاتل ~~وابن جريج: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية ms2041 وذلك أن سهيل بن عمرو لما ~~جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعلي بن أبي طالب: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا: لا نعرف ~~الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب اكتب كما نكتب باسمك اللهم ~~فهذا معنى قوله وهم يكفرون بالرحمن يعني أنهم ينكرونه ويجحدونه والمعروف أن ~~الآية مكية. وسبب نزولها أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الحجر يدعو ويقول في دعائه: «يا # PageV03P018 # الله يا رحمن» فرجع أبو جهل إلى المشركين وقال: إن محمدا يدعو إلهين يدعو ~~الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت ~~هذه الآية ونزل قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم «اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن» فقال الله ~~تعالى قل أي قل يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت يعني عليه اعتمدت في أموري كلها وإليه متاب يعني وإليه توبتي ~~ورجوعي. قوله تعالى ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الآية نزلت في نفر من ~~مشركي قريش منهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، جلسوا خلف الكعبة ~~وأرسلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم وقيل: إنه مر بهم وهم جلوس ~~فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له عبد الله بن أبي أمية إن سرك أن نتبعك فسير ~~جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تتفتح فإنها أرض ضيقة لمزارعنا واجعل لنا ~~فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار، ونزرع ونتخذ البساتين فلست كما زعمت ~~بأهون على ربك من داود، حيث سخر له الجبال تسير معه أو سخر لنا الريح ~~لنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا، ونرجع في يومنا كما سخرت لسليمان كما ~~زعمت فلست بأهون على ربك من سليمان أو أحي لنا جدك قصيا ms2042 أو من شئت من ~~موتانا لنسأله عن أمرك أحق أو باطل فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون ~~على الله من عيسى فأنزل الله هذه الآية ولو أن قرآنا سيرت به الجبال فأذهبت ~~عن وجه الأرض أو قطعت به الأرض يعني شققت فجعلت أنهارا وعيونا أو كلم به ~~الموتى فأحياها واختلفوا في جواب لو فقال قوم جواب لو محذوف، وإنما حذف ~~اكتفاء بمعرفة السامع مراده وتقديره ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا لكان هذا ~~القرآن فهو كقول الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # أراد: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وهذا معنى قول قتادة فإنه قال ~~معناه لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم وقال آخرون: جواب لو تقدم ~~تقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به لما سبق في علمنا ~~فيهم كما قال: # «ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا» ثم قال تعالى بل لله الأمر جميعا يعني في هذه الأشياء، ~~وفي غيرها إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل أفلم ييأس الذين آمنوا قال أكثر ~~المفسرين: معناه أفلم يعلم؟ قال الكلبي: هذه لغة النخع وقيل هي لغة هوازن ~~واختلف أهل اللغة في هذه اللفظة فقال الليث وأبو عبيد ألم ييأس ألم يعلم ~~واستدلوا لهذه اللغة بقول الشاعر: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # يعني ألم تعلموا. واستدلوا عليه أيضا بقول شاعر آخر: # ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # يعني ألم يعلم الأقوام. قال قطرب: يئس بمعنى علم لغة للعرب. قالوا: ووجه ~~هذه اللغة أنه إنما وقع اليأس في مكان العلم لأن علمك بالشيء ويقينك به ~~ييئسك من غيره. وقيل: لم يرد أن اليأس في موضع كلام العرب للعلم وإنما قصد ~~أن يأس الذين آمنوا من ms2043 ذلك يقتضي أن يحصل العلم بانتفائه فإذن معنى يأسهم ~~يقتضي حصول العلم. وقال الكسائي ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت قال ~~وهذا الحرف في القرآن من اليأس المعروف لا من العلم وذلك أن المشركين لما ~~طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات اشرأب المسلمون لذلك ~~وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: أفلم ييأس ~~الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ويعلموا علما # PageV03P019 # يقينا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا يعني من غير ظهور آية. وقال ~~الزجاج: القول عندي أن معناه أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن ~~الله لو يشاء لهدى الناس جميعا. وحاصله أن في معنى الآية قولين: # أحدهما أن يئس بمعنى علم. والقول الثاني: أنه من اليأس المعروف وتقدير ~~القولين ما تقدم وتمسك أهل السنة بقوله أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~على أن الله لم يشأ هداية جميع الخلائق ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا يعني من الكفر والأعمال الخبيثة قارعة أي نازلة وداهية تقرعهم بأنواع ~~البلايا أحيانا مرة بالجدب، ومرة بالسلب ومرة بالقتل والأسر. وقال ابن ~~عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها ~~إليهم أو تحل يعني السرايا أو البلية قريبا من دارهم وقيل معناه أو تحل أنت ~~يا محمد قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله يعني النصر والفتح وظهور رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ودينه وقيل أراد بوعد الله يوم القيامة لأن الله ~~يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم إن الله لا يخلف الميعاد والغرض منه تشجيع ~~قلب النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه لعلمه بأن الله لا يخلف ~~الميعاد. قوله عز وجل: # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 32 الى 36] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ~~(32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم ~~تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل ms2044 زين للذين كفروا مكرهم ~~وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة التي وعد ~~المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا ~~وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا ~~وإليه مآب (36) # ولقد استهزئ برسل من قبلك وذلك أن كفار مكة إنما سألوا هذه الأشياء على ~~سبيل الاستهزاء، فأنزل الله هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى أنهم إنما طلبوا منك هذه الآيات على سبيل الاستهزاء، وكذلك قد ~~استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا يعني فأمهلتهم وأطلت لهم المدة ثم ~~أخذتهم يعني بالعذاب بعد الإمهال فعذبتهم في الدنيا بالقحط والقتل والأسر ~~وفي الآخرة بالنار فكيف كان عقاب يعني فكيف كان عقابي لهم أفمن هو قائم على ~~كل نفس بما كسبت يعني أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير ~~وشر ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت وجوابه محذوف، ~~وتقديره كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه ومن كان عاجزا عن نفسه فهو عن ~~غيره أعجز وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع وجعلوا لله شركاء يعني وهو ~~المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي جعلوها لله شركاء قل سموهم يعني له. ~~وقيل: # صفوهم بما يستحقون ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد أم تنبئونه يعني أم ~~تخبرون الله بما لا يعلم في الأرض يعني أنه لا يعلم أن لنفسه شريكا من خلقه ~~وكيف يكون المخلوق شريكا للخالق وهو العالم بما في السموات والأرض ولو كان ~~لعلمه والمراد من ذلك نفي العلم بأن يكون له شريك أم بظاهر من القول يعني ~~أنهم يتعلقون بظاهر من القول مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له وقيل: ~~معناه بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته ms2045 بل زين للذين كفروا مكرهم قال ابن ~~عباس: زين لهم الشيطان الكفر وإنما فسر المكر بالكفر لأن مكرهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كفر منهم والمزين في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو ~~الفاعل المختار على الإطلاق # PageV03P020 # لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة ~~فقط، ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا الله تعالى ويدل على هذا سياق ~~الآية وهو قوله: ومن يضلل الله فما له من هاد، وقوله وصدوا عن السبيل قرئ ~~بضم الصاد ومعناه صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية ومنعوا من ذلك ~~والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرئ وصدوا بفتح الصاد ومعناه أنهم صدوا ~~عن سبيل الله غيرهم أي عن الإيمان ومن يضلل الله فما له من هاد الوقف عليه ~~بسكون الدال وحذف الياء في قراءة أكثر القراء لهم عذاب في الحياة الدنيا # يعني بالقتل والأسر ونحو ذلك مما فيه غيظهم ولعذاب الآخرة أشق # يعني أشد وأغلظ لأن المشقة غلظ الأمر على النفس وشدته مما يكاد يصدع ~~القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع وما لهم من الله # يعني من عذاب الله من واق # يعني من مانع يمنعهم من عذابه قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون أي ~~صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم لا ينقطع ~~أبدا وظلها يعني أنه دائم لا ينقطع أبدا وليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ~~ظلمة بل ظل ممدود لا ينقطع، ولا يزول وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم ~~يقولون: إن نعيم الجنة يفنى وينقطع وفي الآية دليل على أن حركات أهل الجنة ~~لا تنتهي إلى سكون دائم. كما يقول أبو الهذيل واستدل القاضي عبد الجبار ~~المعتزلي بهذه الآية على أن الجنة لم تخلق بعد. قال: ووجه الدليل أنها لو ~~كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه ~~فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة لقوله: أكلها دائم يعني لا ms2046 ينقطع قال ولا ~~ينكر أن تكون في السموات جنات كثيرة تتمتع بها الملائكة، ومن يعد حيا من ~~الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد ~~لم تخلق بعد. والجواب عن هذا أن حاصل دليلهم مركب من آيتين: إحداهما: قوله ~~تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه، والأخرى قوله: أكلها دائم وظلها، فإذا أدخلنا ~~التخصيص على هذين العمومين سقط دليلهم فنخص هذين الدليلين بالدلائل الدالة ~~على أن الجنة مخلوقة. منها قوله تعالى: وجنة عرضها السموات والأرض أعدت ~~للمتقين. وقوله تعالى تلك عقبى الذين اتقوا يعني أن عاقبة أهل التقوى هي ~~الجنة وعقبى الكافرين النار يعني في الآخرة. قوله عز وجل والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك في المراد بالكتاب هنا قولان: # أحدهما أنه القرآن والذين أتوه المسلمون وهم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمراد أنهم يفرحون بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة ~~والحشر بعد الموت بتجدد نزول القرآن ومن الأحزاب يعني الجماعات الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار واليهود والنصارى من ~~ينكر بعضه وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قلت: إن الأحزاب من المشركين وغيرهم ~~من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله فكيف قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه. # قلت: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته لأنه قد ورد فيه آيات دالات على ~~توحيد الله وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم لا ينكرون ذلك أبدا والقول ~~الثاني أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل والمراد بأهله الذين أسلموا من ~~اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ومن أسلم من النصارى، وهم ~~ثمانون رجلا أربعون من نجران وثلاثون من الحبشة وعشرة ممن سواهم فرحوا ~~بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، ومن الأحزاب يعني بقية أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى وسائر المشركين من ينكر بعضه. وقيل: كان ذكر الرحمن قليلا ~~في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع ms2047 كثرة ذكره في ~~التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن في القرآن فرحوا بذلك فأنزل ~~الله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب يعني ~~مشركي مكة من ينكر بعضه وذلك لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ~~الصلح يوم الحديبية كتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف الرحمن ~~إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله وهم يكفرون بالرحمن قل هو ~~ربي وإنما قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون الله ~~وينكرون الرحمن قل أي قل يا محمد إنما أمرت أن أعبد الله يعني وحده # PageV03P021 # ولا أشرك به شيئا إليه أدعوا أي إلى الله وإلى الإيمان به أدعو الناس ~~وإليه مآب يعني مرجعي يوم القيامة. # ### || [سورة الرعد (13): الآيات 37 الى 39] # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # وكذلك أنزلناه حكما عربيا أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم، ~~أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب وهو القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك. وإنما ~~سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام والحلال والحرام والنقض ~~والإبرام، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، ~~وقيل إن الله لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن والعمل بمقتضاه سماه ~~حكما لذلك المعنى ولئن اتبعت أهواءهم قال جمهور المفسرين: إن المشركين دعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائهم فتوعده الله على اتباع ~~أهوائهم في ذلك. وقال ابن السائب: المراد به متابعة آبائهم في الصلاة لبيت ~~المقدس بعد ما جاءك من العلم يعني بأنك على الحق، وأن قبلتك الكعبة هي ~~الحق. وقيل: ظاهر الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ~~وقيل: هو حث للنبي ms2048 صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة والقيام بما أمر ~~به ويتضمن ذلك تحذير غيره من المكلفين لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا ~~وأعلى مرتبة إذا حذر كان غيره ممن هو دونه بطريق الأولى ما لك من الله من ~~ولي ولا واق يعني من ناصر ولا حافظ قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~روي أن اليهود، وقيل المشركين، قالوا: إن هذا الرجل يعنون النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ليس له همة إلا في النساء فعابوا عليه ذلك وقالوا لو كان كما ~~يزعم أنه رسول الله لكان مشتغلا بالزهد وترك الدنيا فأجاب الله عز وجل عن ~~هذه الشبهة، وعما عابوه به بقوله عز وجل ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يا محمد ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية فإنه قد كان لسليمان عليه الصلاة والسلام ثلاثمائة ~~امرأة حرة وسبعمائة امرأة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود عليه ~~الصلاة والسلام مائة امرأة فلم يقدح ذلك أيضا في نبوته فكيف يعيبون عليك ~~ذلك، ويجعلونه قادحا في نبوتك والمعنى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يأكلون ~~ويشربون وينكحون، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله هذا جواب لعبد الله بن أبي أمية، ~~وغيره من المشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآيات ~~واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، وتقدير هذا الجواب أن المعجزة الواحدة ~~كافية في إثبات النبوة وقد أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزات ~~كثيرة يعجز عن مثلها البشر، فما لهم أن يقترحوا عليه شيئا، وإتيان الرسول ~~بمعجزات ليس إليه بل هو مفوض إلى مشيئة الله عز وجل فإن شاء أظهرها وإن شاء ~~لم يظهرها لكل أجل كتاب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم ~~بنزول العذاب عليهم فلما استبطئوا ذلك، وقد كانوا يستعجلون نزوله أخبر الله ~~عز وجل أن لكل قضاء قضاه كتابا قد كتبه فيه ووقتا يقع فيه لا يتقدم ولا ~~يتأخر. والمعنى: ms2049 أن لكل أجل أجله الله كتابا قد أثبته فيه، وقيل: في الآية ~~تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أجل ومدة والمعنى أن الكتب المنزلة لكل كتاب ~~منها وقت ينزل فيه يمحوا الله ما يشاء ويثبت وذلك أنهم لما اعترضوا على ~~رسول الله فقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غدا، ~~وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، أجاب الله عن هذا الاعتراض بقوله ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت. قال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما شاء من ~~الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله، ~~وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة ~~والشقاوة، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # PageV03P022 # «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورهما وخلق سمعها ~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما ~~يشاء فيكتب الملك، ثم يقول يا رب أجله فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم ~~يقول: الملك يا رب رزقه فيقول: ربك ما يشاء # ويكتب الملك ثم يخرج الملك الصحيفة، فلا يزيد على أمر ولا ينقص» أخرجه ~~مسلم (ق) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: وهو الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين ~~يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا بأربع ~~كلمات يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فو الذي لا إله ~~غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها». فإن قلت: هذا الحديث والذي قبله ms2050 صريح بأن الآجال والأرزاق ~~مقدرة، وكذا السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره الله وعلمه في الأزل ~~فيستحيل زيادتها ونقصانها، وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي ~~سعيدا، وقد صح في فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف الجمع بين ~~هذه الأحاديث، وبين قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت؟. قلت: قد تكرر ~~بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها. وحقيقة العلم معرفة ~~المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيدا يموت في وقت معين استحال أن ~~يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص. وأجاب العلماء عما ورد ~~في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها: أن ~~هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ~~ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. والجواب الثاني: منها أنها ~~بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلا ستون سنة، ~~إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد علم الله في الأزل ما ~~سيقع من ذلك، وهو معنى قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت أي بالنسبة لما ~~يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة. وأما انقلاب الشقي سعيدا أو السعيد شقيا ~~فيتصور في الظاهر أيضا لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة، ~~وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد ~~المسلم، والعياذ بالله تعالى، فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى ~~الشقاوة، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة عند الموت وما يختم الله به له ~~وهو المراد من علم الله الأزلي الذي لا يتغير ولا يتبدل. والله أعلم. وأصل ~~المحو: إذهاب أثر الكتابة وضده الإثبات فمن العلماء من حمل الآية على ~~ظاهرها فجعلها عامة في كل شيء يقتضيه ظاهر اللفظ، فيزيد الله ما يشاء في ~~الرزق والأجل. وكذا القول في ms2051 السعادة والشقاوة والإيمان بالله والكفر. ونقل ~~نحو هذا عن عمر وابن مسعود فإنهما قالا: يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق ~~والأجل ويثبت ما يشاء. وروي عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: ~~اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة والمغفرة فأثبتني فيها وإن كنت كتبتني ~~من أهل الشقاوة فامحني منها وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما ~~تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب وروي مثله عن ابن مسعود وقد ورد في بعض الآثار ~~«أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة» ~~هكذا ذكر البغوي بغير سند. وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «ينزل الله تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ~~فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ~~ما يشاء ويثبت» ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء ~~دون بعض فقال: المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر ~~عوضا عن الحكم المتقدم، وقيل: # إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله ما يشاء من ~~ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب، ولا عقاب مثل قول القائل أكلت، شربت، دخلت، ~~خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق فيه ويثبت ما فيه # PageV03P023 # ثواب وعقاب. وهذا قول الضحاك. وقال الكلبي: يكتب القول كله حتى إذا كان ~~يوم الخميس طرح منه شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقال ابن عباس: هو الرجل ~~يعمل بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو والذي ~~يثبت هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يموت، وهو في طاعته فهو الذي يثبت، وقال ~~الحسن: يمحو الله ما يشاء يعني من جاء أجله فيذهبه ويثبت من لم يجيء أجله ~~وقال سعيد بن جبير يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء ~~منها فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت ms2052 ~~بدل الذنوب حسنات. وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت الشمس. ~~وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد موته محاه ~~وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، وقيل: إن الله يثبت في أول ~~كل سنة حكمها فإذا مضت السنة محاه وأثبت حكما آخر للسنة المستقبلة وقيل: ~~يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: هو في المحن والمصائب فهي مثبتة في ~~الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة. وقيل: إن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما ~~يشاء لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فان قلت مذهب أهل ~~السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فكيف ~~يستقيم مع هذا المحو والإثبات. قلت: # المحو والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئا ولا يثبت ~~شيئا إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر. # مسألة: استدلت الرافضة على مذهبهم في البداء بهذه الآية: قالوا: إن ~~البداء جائز على الله وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له خلاف ما اعتقده وتمسكوا ~~بقوله يمحوا الله ما يشاء ويثبت والجواب عن هذه المسألة أن هذا مذهب باطل ~~ظاهر الفساد لأن علم الله قديم أزلي، وهو من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان ~~كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالا كذا ذكره الإمام فخر الدين ~~الرازي في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى وعنده أم الكتاب يعني أصل الكتاب، ~~وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وسمي اللوح المحفوظ أم الكتاب ~~لأن جميع الأشياء مثبتة فيه ومنه تنسخ الكتب المنزلة، وقيل: إن العلوم كلها ~~تنسب إليه وتتولد منه، قال ابن عباس: هما كتابان كتاب يمحو الله منه ما ~~يشاء ويثبت ما يشاء وأم الكتاب الذي لا يغير شيء منها وروى عطية عن ابن ~~عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ~~ياقوتة، لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو الله ما ms2053 يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب، وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما ~~خلقه وما هم عاملون. ### || [سورة الرعد (13): الآيات 40 الى 43] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) # وإن ما نرينك يعني يا محمد بعض الذي نعدهم يعني من العذاب أو نتوفينك ~~يعني قبل أن نريك ذلك فإنما عليك البلاغ يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة ~~إليهم والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ وعلينا الحساب يعني وعلينا أن نحاسبهم ~~يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها يعني أو لم ير كفار مكة الذين سألوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم الآيات أنا نأتي الأرض يعني أرض الشرك ننقصها من أطرافها. قال أكثر ~~المفسرين: المراد منه فتح دار الشرك فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في ~~دار الشرك والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنفتحها لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم أرضا بعد أرض حوالى أراضيهم أفلا يعتبرون، # PageV03P024 # فيتعظون وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين: وذلك أن المسلمين ~~إذا استولوا على بلاد الكفار قهرا وتخريبا كان ذلك نقصانا في ديارهم، ~~وزيادة في ديار المسلمين، وقوتهم وكان ذلك من أقوى الدلائل على أن الله ~~تعالى ينصر عبده ويعز جنده ويظهر دينه، وينجز له ما وعده. وقيل: هو خراب ~~الأرض والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ونهلك أهلها أفلا يخافون ~~أن نفعل بهم مثل ذلك، وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة ~~والشعبي نحوه وهذا القول قريب من الأول وقال عطاء وجماعة من المفسرين ~~نقصانها موت العلماء ms2054 وذهب الفقهاء (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من الناس، وفي رواية من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى ~~إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا» قال الحسن قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا ~~يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار، وقال عبد الله أيضا: عليكم بالعلم قبل ~~أن يقبض وقبضه ذهاب أهله، وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول ~~حتى يتعلم الآخر فإذا هلك الأول ولم يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن ~~جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك العلماء. فعلى هذا القول فالمراد ~~بالأطراف العلماء، والأشراف من الناس: حكى الجوهري عن ثعلب قال: الأطراف ~~الأشراف. واستدل الواحدي لهذه اللغة بقول الفرزدق: # واسأل بنا وبكم إذا وردت مني ... أطراف كل قبيلة من يتبع # قال: يريد أشراف كل قبيلة. قال الواحدي: والتفسير على القول الأول أولى ~~لأن هذا وإن صح فلا يليق بهذا الموضع. قال الإمام فخر الدين الرازي: ويمكن ~~أن يقال أيضا إن هذا الوجه لا يليق بهذا الموضع وتقديره أن يقال: أو لم ~~يروا أن كل ما يحدث في الدنيا من الاختلاف خراب بعد عمارة وموت بعد حياة ~~وذل بعد عز ونقص بعد كمال وإذا كانت هذه التغييرات مشاهدة محسوسة فما الذي ~~يؤمنهم أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة، فيجعلهم ذليلين بعد ما كانوا ~~عزيزين ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه أيضا يجوز إيصال ~~الكلام بما قبله. وقوله تعالى والله يحكم لا معقب لحكمه يعني لا راد لحكمه ~~ولا ناقض لقضائه، والمعقب هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل ~~لصاحب الحق: معقب، لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى: والله يحكم ~~نافذا حكمه خاليا من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد غيره ~~بتغيير، ولا نقض وهو سريع الحساب قال ابن عباس: ms2055 يريد سريع الانتقام ممن ~~حاسبه للمجازاة بالخير والشر فمجازاة الكفار بالانتقام منهم، ومجازاة ~~المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدم بسط الكلام في معنى سريع الحساب ~~قبل هذا وقد مكر الذين من قبلهم يعني من قبل مشركي مكة من الأمم الماضية، ~~الذين مكروا بأنبيائهم والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر ~~مثل ما مكر نمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى، فلله المكر جميعا ~~يعني عند الله جزاء مكرهم. وقال الواحدي: يعني جميع مكر الماكرين له ومنه ~~أي هو من خلقه وإرادته فالمكر جميعا مخلوق له بيده الخير والشر وإليه النفع ~~والضر. والمعنى أن المكر لا يضر إلا بإذنه وإرادته، وفي هذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم كأنه قيل: قد فعل من كان قبلهم من ~~الكفار مثل فعلهم وصنعوا مثل صنيعهم، فلم يضروا إلا من أراد الله ضره، وإذا ~~كان الأمر كذلك وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله لا من أحد من المخلوقين ~~يعلم ما تكسب كل نفس يعني أن جميع اكتساب العباد وتأثيراتها معلومة لله هو ~~خالقها أو خلاف المعلوم ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فكل ما علم وقوعه فهو ~~واجب الوقوع وكل ما علم عدمه كان ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فلا قدرة ~~للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله ولا يحصل ضررا إلا بإذنه ~~وإرادته، وفيه وعيد للكفار الماكرين وسيعلم الكفار على التوحيد وقرئ وسيعلم ~~الكفار على الجمع. # قال ابن عباس: يعني أبا جهل. وقيل: أراد المستهزئين وهم خمسة نفر من كفار ~~مكة لمن عقبى الدار # PageV03P025 # والمعنى أنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون أن العاقبة الحميدة ~~للمؤمنين، ولهم العاقبة المذمومة في الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل ~~المؤمنون الجنة قوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا لما أنكر الكفار ~~كون محمد رسولا من عند الله أمره الله بقوله قل أي قل: يا محمد لهؤلاء ~~الكفار الذين أنكروا نبوتك كفى بالله شهيدا بيني وبينكم المراد بشهادة الله ~~على نبوة محمد صلى ms2056 الله عليه وسلم ما أظهر على يديه من المعجزات الباهرات ~~والآيات القاهرات الدالة على صدقه، وكونه نبيا مرسلا من عند الله ومن عنده ~~علم الكتاب يعني ومن عنده علم الكتاب أيضا يشهد على نبوتك يا محمد وصحتها. ~~واختلفوا في الذي عنده علم الكتاب من هو فروى العوفي عن ابن عباس أنهم ~~علماء اليهود والنصارى، والمعنى أن كل من كان عالما من اليهود بالتوراة ومن ~~النصارى بالإنجيل علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من الله لما يجد من ~~الدلائل الدالة على نبوته فيهما شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم، ~~وقيل: إنهم مؤمنوا أهل الكتاب يشهدون أيضا على نبوته. قال قتادة: هو عبد ~~الله بن سلام، وأنكر الشعبي هذا وقال: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام ~~أسلم بالمدينة المنورة وقال يونس لسعيد بن جبير ومن عنده علم الكتاب أهو ~~عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية؟ # وقال الحسن ومجاهد ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى. وعلى هذا القول ~~يكون المعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح ~~المحفوظ إلا هو شهيدا بيني وبينكم. قال الزجاج: الأشبه أن الله لا يشهد على ~~صحة حكمه لغيره. وهذا قول مشكل لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزا ~~إلا أنه خلاف الأصل. فلا يقال شهد بهذا زيد والفقيه. بل يقال: شهد بهذا زيد ~~الفقيه لكن يشهد لصحة هذا القول قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب بكسر ~~الميم والدال، وهي قراءة ابن عباس وغيره على البناء للمفعول والمعنى ومن ~~عند الله علم الكتاب ودليل هذه القراءة قوله وعلمناه من لدنا علما وقيل: ~~معناه إن من علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من ~~الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب، وعن الأمم الماضية فمن علم بهذه ~~الصفة كان شهيدا بيني وبينكم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P026 ### | سورة ابراهيم # هي مكية سوى آيتين، وهما قوله ms2057 سبحانه وتعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا إلى آخر الآيتين وهي إحدى وقيل: اثنتان وخمسون آية وثمانمائة ~~وإحدى وستون كلمة وثلاثة ألاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد (2) # قوله عز وجل: كتاب أنزلناه إليك يعني هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد ~~والكتاب هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور يعني بهذا القرآن والمراد من الظلمات الكفر والضلالة ~~والجهل، والمراد بالنور: الإيمان. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: ~~وفيه دليل على أن طرق الكفر والبدع كثيرة وطريق الحق ليس إلا واحدا لأنه ~~تعالى قال: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور فعبر عن الجهل والكفر والضلال ~~بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهدى بالنور وهو لفظ مفرد وذلك ~~يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا ~~واحد بإذن ربهم يعني بأمر ربهم وقيل: بعلم ربهم إلى صراط العزيز الحميد ~~يعني إلى دين الإسلام وهو دينه الذي أمر به عباده، والعزيز هو الغالب الذي ~~لا يغلب والحميد المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد الله قرئ بالرفع ~~على الاستئناف وخبره ما بعده وقرئ بالجر نعتا للعزيز الحميد فقال أبو عمرو ~~قراءة الخفض على التقديم والتأخير تقديره إلى صراط الله العزيز الحميد الذي ~~له ما في السماوات وما في الأرض يعني ملكا وما فيهما عبيده وويل للكافرين ~~يعني الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في ~~الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئا البتة بل هو مملوك لله لأنه من جملة خلق ~~الله، ومن جملة ما في السموات وما في الأرض من عذاب شديد يعني معد لهم في ~~الآخرة ثم ms2058 وصفهم فقال تعالى: ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 3 الى 14] # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد (7) # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ألم ~~يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم ~~إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا ~~بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا ~~بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ~~من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد (14) # PageV03P027 # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة يعني يختارون الحياة الدنيا ~~ويؤثرونها على الآخرة ويصدون عن سبيل الله أي ويمنعون الناس عن قبول دين ~~الله ويبغونها عوجا يعني ويطلبون لها زيغا وميلا، فحذف الجار وأوصل الفعل. ~~وقيل: معناه يطلبون سبيل الله حائدين عن القصد وقيل ms2059 الهاء في ويبغونها ~~راجعة إلى الدنيا ومعناه يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق والميل إلى ~~الحرام أولئك يعني من هذه صفته في ضلال بعيد يعني عن الحق وقيل يجوز أن ~~يراد في ضلال بعيد ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال يبعد عن الطريق. قوله تعالى ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه يعني بلغة قومه ليفهموا عنه ما يدعوهم ~~إليه وهو قوله تعالى ليبين لهم يعني ما يأتون وما يذرون. فإن قلت: لم يبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا ~~بدليل قوله تعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا بل هو مبعوث ~~إلى الثقلين الجن والإنس، وهم على ألسنة مختلفة ولغات شتى وقوله بلسان قومه ~~وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه مبعوث إلى العرب خاصة فكيف يمكن ~~الجمع؟ قلت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وبلسانهم والناس ~~تبع للعرب فكان مبعوثا إلى جميع الخلق، لأنهم تبع للعرب ثم إنه يبعث الرسل ~~إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم. ~~وقيل: يحتمل أنه أراد بقومه أهل بلده، وفيهم العرب وغير العرب فيدخل معهم ~~من غير جنسهم في عموم الدعوى وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه وكانت ~~دعوته خاصة وكان كتابه بلسان قومه كان أقرب لفهمهم عنه وقيام الحجة عليهم ~~في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه وقامت التراجم ببيانه ~~وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب بلغة واحدة ~~مع اختلاف الأمم وتباين اللغات كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم ~~معانيه، وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه وجميع حدوده وأحكامه وقوله ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء يعني أن الرسول ليس # PageV03P028 # عليه إلا التبليغ والتبيين والله هو الهادي المضل يفعل ما يشاء وهو ~~العزيز يعني الذي يغلب ولا يغلب الحكيم في جميع أفعاله. قوله عز وجل ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا المراد بالآيات ms2060 المعجزات التي جاء بها موسى عليه ~~الصلاة والسلام، مثل العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات العظيمة ~~الباهرة أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور # أي أن أخرج قومك بالدعوة من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وذكرهم بأيام ~~الله قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: يعني بنعم الله. وقال مقاتل: ~~بوقائع الله في الأمم السالفة. # يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم بما أراد بما كان في أيام الله ~~من النعمة والنقمة، فأخبر بذكر الأيام عن ذلك لأن ذلك كان معلوما عندهم ~~وعلى هذا يكون المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. والترغيب ~~والوعد أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم به من النعمة، وعلى من قبلهم ممن آمن ~~بالرسل فيما مضى من الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله، وشدة ~~انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر ~~قومه بأيام المحنة والشدة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء ~~العذاب فخلصهم الله من ذلك، وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا مملوكين إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور الصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وإنما ~~خص الشكور والصبور بالاعتبار بالآيات وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم هم ~~المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله ~~«وهدى للمتقين» ولأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا ~~شاكرا أما من لم يكن كذلك فلا ينتفع بها البتة وإذ قال موسى لقومه اذكروا ~~نعمة الله عليكم لما أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام أن يذكر ~~قومه بأيام الله امتثل ذلك الأمر، وذكرهم بأيام الله فقال «اذكروا نعمة ~~الله عليكم» إذ أنجاكم من آل فرعون أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك ~~الوقت الذي أنجاكم فيه من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم. ~~فإن قلت قال في سورة البقرة: يذبحون بغير واو وقال هنا ويذبحون بزيادة واو ~~فما الفرق؟ قلت: إنما حذفت الواو في سورة البقرة لأن ms2061 قوله يذبحون تفسير ~~لقوله يسومونكم سوء العذاب، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو كما تقول جاءني ~~القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم وأما دخول الواو هنا في هذه السورة ~~فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح أيضا ~~فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب لأنه تفسير العذاب ويستحيون نساءكم يعني ~~يتركونهن أحياء وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. فان قلت كيف كان فعل آل فرعون ~~بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا ما فعلوا بلاء من الله ووجه ~~آخر وهو أذن لكم إشارة إلى الإنجاء، وهو بلاء عظيم لأن البلاء يكون ابتلاء ~~بالنعمة والمحنة جميعا ومنه قوله: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة» وهذا الوجه ~~أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله اذكروا نعمة الله عليكم. فإن قلت: هب ~~أن تذبيح الأبناء فيه بلاء فكيف يكون استحياء النساء فيه بلاء. قلت: كانوا ~~يستحيونهن ويتركونهن تحت أيديهم كالإماء فكان ذلك بلاء وإذ تأذن ربكم هذا ~~من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين ~~تأذن ربكم، ومعنى تأذن: آذن، أي أعلم ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في ~~أفعل كأنه قيل وأذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه ~~والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال: لئن شكرتم يعني يا بني إسرائيل ما خولتكم من ~~نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لأزيدنكم يعني ~~نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما أتيتكم قيل شكر الموجود صيد المفقود. وقيل: ~~لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب وأصل الشكر تصور النعمة، وإظهارها ~~وحقيقته الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة ~~وهاهنا دقيقة وهي أن العبد إذا اشتغل بمطالعة أقسام نعم الله عز وجل عليه، ~~وأنواع فضله وكرمه وإحسانه إليه اشتغل بشكر تلك النعمة، وذلك يوجب المزيد ~~وبذلك تتأكد محبة العبد لله عز وجل وهو مقام شريف ومقام أعلى منه وهو أن ~~يشغله حب المنعم عن الالتفات إلى النعم، وهذا مقام الصديقين ms2062 نسأل الله ~~القيام بواجب شكر # PageV03P029 # النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه وإنعامه. وقوله ولئن كفرتم ~~المراد بالكفر هاهنا كفران النعمة، وهو جحودها لأنه مذكور في مقابلة الشكر ~~إن عذابي لشديد يعني لمن كفر نعمتي ولا يشكرها وقال موسى إن تكفروا يعني يا ~~بني إسرائيل أنتم ومن في الأرض جميعا يعني والناس كلهم جميعا فإنما ضرر ذلك ~~يعود على أنفسكم بحرمانها الخير كله فإن الله لغني يعني عن جميع خلقه حميد ~~أي # محمود في جميع أفعاله لأنه متفضل وعادل ألم يأتكم نبؤا يعني خبر الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود قال بعض المفسرين: # يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، والمقصود منه أنه عليه الصلاة ~~والسلام يذكرهم بأمر القرون الماضية والأمم الخالية والمقصود منه حصول ~~العبرة بأحوال من تقدم وهلاكهم والذين من بعدهم يعني من بعد هؤلاء الأمم ~~الثلاثة لا يعلمهم إلا الله يعني لا يعلم كنه مقاديرهم وعددهم إلا الله لأن ~~علمه محيط بكل شيء «ألا يعلم من خلق» وقيل: المراد بقوله والذين من بعدهم ~~لا يعلمهم إلا الله أقوام وأمم ما بلغنا خبرهم أصلا ومنه قوله: «وقرونا بين ~~ذلك كثيرا» وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول: كذب النسابون. يعني ~~أنهم يدعون علم النسب إلى آدم، وقد نفى الله علم ذلك عن العباد. وعن عبد ~~الله بن عباس أنه قال: بين إبراهيم وعدنان ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا الله ~~وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا إلى آدم، لأنه لا يعلم ~~أولئك إلا الله. وقوله تعالى جاءتهم رسلهم بالبينات يعني بالدلالات ~~الواضحات والمعجزات الباهرات فردوا أيديهم في أفواههم. وفي معنى الأيدي ~~والأفواه قولان: أحدهما أن المراد بهما هاتان الجارحتان المعلومتان ثم في ~~معنى ذلك وجوه. قال ابن مسعود: عضوا أيديهم غيظا. وقال ابن عباس: لما سمعوا ~~كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال مجاهد وقتادة: كذبوا ~~الرسل وردوا ما جاءوا به. يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته. وقال ms2063 ~~الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم إلى أفواه أنفسهم، يعني أنهم وضعوا ~~الأيدي على الأفواه إشارة منهم إلى الرسل أن اسكتوا. وقال مقاتل: ردوا ~~أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك وقيل: إن الأمم لما سمعوا كلام الرسل ~~عجبوا منه. وضحكوا على سبيل السخرية فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما ~~يفعل الذي غلبه الضحك. القول الثاني: أن المراد بالأيدي والأفواه غير ~~الجارحتين فقيل المراد بالأيدي النعم ومعناه ردوا ما لو قبلوه لكان نعمة ~~عليهم يقال لفلان عندي يد أي نعمة، والمراد بالأفواه وتكذيبهم الرسل ~~والمعنى كذبوهم بأفواههم وردوا قولهم وقيل إنهم كفوا عن قبول ما أمروا ~~بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال فلان رد يده إلى فيه إذا أمسك عن الجواب ~~فلم يجب وهذا القول فيه بعد لأنهم قد أجابوا بالتكذيب وهو أن الأمم ردوا ~~على رسلهم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به # يعني إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به لأنهم لم يقروا بأنهم أرسلوا ~~إليهم لأنهم لو أقروا بأن الرسل أرسلوا إليهم لكانوا مؤمنين وإنا لفي شك ~~مما تدعوننا إليه مريب يعني يوجب الريبة أو يوقع في الريبة والتهمة، ~~والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه. فإن قلت: إنهم ~~قالوا أولا إنا كفرنا بما أرسلتم به فكيف يقولون ثانيا وإنا لفي شك والشك ~~دون الكفر أو داخل فيه. قلت: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل فكأنهم حصل لهم ~~شبهة توجب لهم الشك فقالوا: إن لم تدع الجزم في كفرنا فلا أقل من أن نكون ~~شاكين مرتابين في ذلك قالت رسلهم يعني مجيبين لأممهم أفي الله شك يعني وهل ~~تشكون في الله وهو استفهام إنكار ونفي لما اعتقدوه فاطر السماوات والأرض ~~يعني وهل تشكون في كونه خالق السموات والأرض وخالق جميع ما فيهما يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم يعني ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف (من) صلة ~~وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر ~~والمعاصي ms2064 دون مظالم العباد ويؤخركم إلى أجل مسمى يعني إلى حين انقضاء ~~آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب قالوا يعني الأمم مجيبين للرسل إن أنتم يعني ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا يعني في الصورة الظاهرة لستم ملائكة تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آباؤنا يعني ما تريدون بقولكم: هذا إلا صدنا عن آلهتنا # PageV03P030 # التي كان آباؤنا يعبدونها فأتونا بسلطان مبين يعني حجة بينة واضحة على ~~صحة دعواكم قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم يعني أن الكفار لما قالوا ~~لرسلهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا قالت لهم رسلهم مجيبين لهم: هب أن الأمر كما ~~قلتم ووصفتم فنحن بشر مثلكم لا ننكر ذلك ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده يعني بالنبوة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم ~~الشريف وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله يعني # وليس لنا مع ما خصنا الله به من النبوة وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم ~~بآية، وبرهان ومعجزة تدل على صدقنا إلا بإذن الله لنا في ذلك وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون يعني في دفع شرور أعدائهم عنهم وما لنا ألا نتوكل على ~~الله يعني أن الأنبياء قالوا أيضا قد عرفنا أنه لا يصيبنا شيء إلا بقضاء ~~الله وقدره فنحن نثق به ونتوكل عليه في دفع شروركم عنا وقد هدانا سبلنا ~~يعني وقد عرفنا طريق النجاة، وبين لنا الرشد ولنصبرن اللام لام القسم ~~تقديره والله لنصبرن على ما آذيتمونا يعني به من قول أو فعل وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون. فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل؟ وهل من فرق بين ~~التوكلين؟ قلت: نعم التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل والتوكل ~~الثاني فيه إشارة إلى السعي في التثبيت على ما استحدثوا من توكلهم وإبقائه ~~وإدامته فحصل الفرق بين التوكلين. قوله تعالى: وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا يعني ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم ~~أيها الرسل من بلادنا وأرضنا وإما عودكم في ملتنا. فإن قلت: هذا يوهم ~~بظاهره ms2065 أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعود فيها قلت: معاذ الله ~~ولكن العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب، وفيه وجه آخر، وهو ~~أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما ~~أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم ودعوا إلى الله فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ~~ظنا منهم أنهم كانوا على ملتهم ثم خالفوهم وإجماع الأمة على أن الرسل من ~~أول الأمر إنما نشئوا على التوحيد لا يعرفون غيره فأوحى إليهم ربهم يعني أن ~~الله تعالى أوحى إلى رسله وأنبيائه بعد هذه المخاطبات والمحاورات لنهلكن ~~الظالمين يعني أن عاقبة أمرهم إلى الهلاك فلا تخافوهم ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم يعني من بعد هلاكهم ذلك يعني ذلك الإسكان لمن خاف مقامي يعني خاف ~~مقامه بين يدي يوم القيامة فأضاف قيام العبد إلى نفسه، لأن العرب قد تضيف ~~أفعالها إلى أنفسها كقولهم: ندمت على ضربي إياك وندمت على ضربك مثله وخاف ~~وعيد أي وخاف عذابي. قوله عز وجل: # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 15 الى 22] # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق ~~السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) # وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا ~~لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) ~~وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين ms2066 لهم عذاب أليم (22) # PageV03P031 # واستفتحوا يعني واستنصروا. قال ابن عباس: يعني الأمم وذلك أنهم قالوا: ~~اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا وقال مجاهد وقتادة: واستفتح الرسل ~~على أممهم وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على ~~قومهم بالعذاب وخاب يعني وخسر وقيل: هلك كل جبار عنيد والجبار في صفة ~~الإنسان يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها وهو صفة ذم في ~~حق الإنسان، وقيل: الجبار الذي لا يرى فوقه أحدا، وقيل: الجبار المتعظم في ~~نفسه المتكبر على أقرانه والعنيد المعاند للحق ومجانبه قال مجاهد. وقال ابن ~~عباس: هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي ~~يأبى أن يقول لا إله إلا الله. # وقيل: العنيد هو المعجب بما عنده. وقيل العنيد الذي يعاند ويخالف من ~~ورائه جهنم يعني هي أمامه وهو صائر إليها قال أبو عبيدة: هو من الأضداد ~~يعني أنه يقال: وراء بمعنى خلف وبمعنى أمام وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا ~~الأمر من ورائك يعني أنه سيأتيك ويسقى يعني في جهنم من ماء صديد وهو ما سال ~~من الجلد واللحم من القيح جعل ذلك شراب أهل النار. وقال محمد بن كعب ~~القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر وهو قوله يتجرعه أي يتحساه ~~ويشربه لا بمرة واحدة بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته وكراهته ونتنه ولا ~~يكاد يسيغه أي لا يقدر على ابتلاعه. يقال: ساغ الشراب في الحلق إذا سهل ~~انحداره فيه. قال بعض المفسرين: إن يكاد صلة والمعنى يتجرعه ولا يسيغه وقال ~~صاحب الكشاف: دخلت يكاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون ~~الإساغة وقال بعضهم ولا يكاد يسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول ما كدت أقوم ~~أي قمت بعد إبطاء فعلى هذا كاد على أصلها وليست بصلة، وقال ابن عباس: معناه ~~لا يجيزه. وقيل: معناه يكاد لا يسيغه ويسيغه فيغلي في جوفه. عن أبي إمامة ~~رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله ms2067 عليه وسلم في قوله تعالى ~~«ويسقى من ماء صديد يتجرعه» قال: «يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى ~~وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره قال وسقوا ماء ~~حميما فقطع أمعاءهم وقال وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا» أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. قوله: وقعت فروة ~~رأسه أي جلدة رأسه وإنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها. وقوله تعالى ~~ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت يعني أن الكافر يجد ألم الموت وشدته ~~من كل مكان من أعضائه. وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده ~~وقيل يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن ~~شماله وما هو بميت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج ~~من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة ومن ورائه يعني ~~أمامه عذاب غليظ أي شديد قيل: هو الخلود في النار. قوله تعالى مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف هذا كلام مستأنف ~~منقطع عما قبله وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره فيما نقص، أو فيما ~~يتلى عليكم مثل الذين كفروا والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة، وقوله: ~~أعمالهم كرماد جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقال ~~أعمالهم كرماد. وقال المفسرون والفراء: مثل أعمال الذين كفروا بربهم فحذف ~~المضاف اعتمادا على ما ذكره بعد المضاف إليه. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ~~صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد كقولك في صفة زيد عرضه مصون وماله ~~مبذول والرماد معروف وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه بالنار، اشتدت ~~به الريح يعني فنسفته وطيرته ولم تبق منه شيئا في يوم عاصف، وصف اليوم ~~بالعصوف والعصوف من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه كقولك: يوم بارد وحار ~~وليلة ماطرة لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما وقيل: معناه في يوم عاصف ~~الريح فحذف الريح لأنه ms2068 قد تقدم ذكرها وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال ~~الكفار التي لم ينتفوا بها، ووجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ~~هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتذهب به وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى منها ~~شيء وكذلك أعمال الكفار تبطل، وتذهب بسبب كفرهم وشركهم حتى لا يبقى منها ~~شيء ثم اختلفوا # PageV03P032 # في هذه الأعمال ما هي فقيل: هي ما عملوه من أعمال الخير في حال الكفر ~~كالصدقة وصلة الأرحام، وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين، ونحو ذلك من ~~أعمال البر والصلاح فهذه الأعمال، وإن كانت أعمال بر لكنها لا تنفع صاحبها ~~يوم القيامة بسبب كفره لأن كفره أحبطها وأبطلها كلها وقيل: المراد بالأعمال ~~عبادتهم الأصنام التي ظنوا أنها تنفعهم فبطلت وحبطت ولم تنفعهم البتة، ووجه ~~خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم في الدهر الطويل # لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم. وقيل: أراد بالأعمال الأعمال التي ~~عملوها في الدنيا وأشركوا فيها غير الله فإنها لا تنفعهم لأنها صارت ~~كالرماد الذي ذرته الريح وصار هباء لا ينتفع به وهو قوله تعالى: لا يقدرون ~~مما كسبوا يعني في الدنيا على شيء يعني من تلك الأعمال والمعنى أنهم لا ~~يجدون ثواب أعمالهم في الآخرة ذلك هو الضلال البعيد يعني ذلك: الخسران ~~الكبير لأن أعمالهم ضلت وهلكت، فلا يرجى عودها والبعيد هنا الذي لا يرجى ~~عوده ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق يعني لم يخلقهما باطلا ولا ~~عبثا وإنما خلقها لأمر عظيم وغرض صحيح إن يشأ يذهبكم يعني أيها الناس ويأت ~~بخلق جديد يعني: سواكم أطوع لله منكم. والمعنى: أن الذي قدر على خلق ~~السموات والأرض، قادر على إفناء قوم وإماتتهم وإيجاد خلق آخر سواهم لأن ~~القادر لا يصعب عليه شيء. وقيل هذا خطاب لكفار مكة يريد يمتكم يا معشر ~~الكفار، ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع وما ذلك على الله بعزيز يعني ~~بممتنع لأن الأشياء كلها سهلة على الله، وإن جلت وعظمت. قوله عز وجل وبرزوا ~~لله جميعا يعني وخرجوا من قبورهم إلى ms2069 الله ليحاسبهم ويجازيهم على قدر ~~أعمالهم والبراز الفضاء، وبرز حصل في البراز وذلك أن يظهر بذاته كلها ~~والمعنى، وخرجوا من قبورهم وظهروا إلى الفضاء وأورد بلفظ الماضي وإن كان ~~معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله عنه، فهو حق وصدق. # وكائن لا محالة فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود فقال الضعفاء يعني ~~الأتباع للذين استكبروا وهم القادة والرؤساء إنا كنا لكم تبعا يعني في ~~الدين والاعتقاد فهل أنتم يعني في هذا اليوم مغنون عنا يعني دافعون عنا من ~~عذاب الله من شيء من هنا للتبعيض والمعنى هل تقدرون على أن تدفعوا عنا بعض ~~عذاب الله الذي حل بنا قالوا يعني الرؤساء والقادة، والمتبوعين للتابعين لو ~~هدانا الله لهديناكم يعني لو أرشدنا الله لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ~~ولكن لما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يعني ~~مستويان علينا الجزع والصبر. والجزع، أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما ~~هو بصدده، ويقطعه عنه ما لنا من محيص يعني من مهرب، ولا منجاة مما نحن فيه ~~من العذاب. قال مقاتل: يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام ~~فلا ينفعهم الجزع فيقولون: تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم ~~الصبر فعند ذلك يقولون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. وقال ~~محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار يستغيثون بالخزنة كما قال الله ~~وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فردت ~~الخزنة عليهم وقالوا ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فردت الخزنة ~~وقالوا ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلما يئسوا مما عند الخزنة، ~~نادوا يا مالك ليقض علينا ربك سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ~~ثلاثمائة وستون يوما واليوم كألف سنة مما تعدون ثم يجيبهم بقوله: إنكم ~~ماكثون فلما يئسوا مما عنده قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنصبر كما صبر أهل ~~الطاعة لعل ذلك ينفعنا فصبروا وطال صبرهم فلم ينفعهم وجزعوا، فلم ينفعهم ~~عند ذلك قالوا: سواء ms2070 علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. قوله تعالى ~~وقال الشيطان يعني إبليس لما قضي الأمر يعني لما فرغ منه وأدخل أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار. يأخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه، وتوبيخه، ~~فيقوم فيها خطيبا قال مقاتل: يوضع له منبر في النار فيجتمع عليه أهل النار ~~يلومونه فيقول لهم: ما أخبر الله عنه بقوله إن الله وعدكم وعد الحق فيه ~~إضمار تقديره فصدق في وعده ووعدتكم فأخلفتكم يعني الوعد. وقيل يقول: لهم ~~إني قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار وما كان لي عليكم من # PageV03P033 # سلطان # يعني من ولاية وقهر، وقيل: لم آتيكم بحجة فيما وعدتكم به إلا أن دعوتكم ~~هذا استثناء منقطع معناه لكن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ~~يعني ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة، وقد سمعتم دلائل الله وجاءتكم ~~الرسل فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفوا إلي ولا تسمعوا قولي فلما رجحتم ~~قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي، ومتابعتي من غير حجة ~~ولا دليل ما أنا بمصرخكم يعني بمغيثكم ولا منقذكم وما أنتم بمصرخي يعني ~~بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه إني كفرت بما أشركتمون من قبل يعني كفرت ~~بجعلكم إياي شريكا له في عبادته وتبرأت من ذلك والمعنى أن إبليس جحد ما ~~يعتقده الكفار فيه، من كونه شريكا لله وتبرأ من ذلك إن الظالمين لهم عذاب ~~أليم روى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة، وذكر الحديث إلى قوله «فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور ~~من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورا من رأسي ~~إلى ظهر قدمي. ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ~~فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه، فيقولون: قد وجد المؤمنون ~~من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ~~ريح شمها ms2071 أحد ثم تعظم جهنم، ويقول عند ذلك: إن الله وعدكم وعد الحق الآية. ~~وقوله تعالى: # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 23 الى 27] # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ~~(27) # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار لما شرح ~~الله عز وجل حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات الكثيرة، شرح أحوال ~~المؤمنين السعداء، وما أعد لهم في الآخرة من الثواب العظيم الجزيل، وذلك أن ~~الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم والمنفعة الخالصة إليها الإشارة ~~دائمة بقوله: # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وكونها ~~دائمة أشير إليه بقوله خالدين فيها والتعظيم حصل من وجهين أحدهما قوله: ~~بإذن ربهم لأن تلك المنافع إنما كانت تفضلا من الله بإنعامه الثاني قوله ~~تحيتهم فيها سلام فيحتمل أن بعضهم يحيي بعضا بهذا الكلمة أو الملائكة ~~تحييهم بها أو الرب سبحانه وتعالى يحييهم، ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما ~~دخلوا الجنة سلموا من جميع الآفات لأن السلام مشتق من السلامة. قوله عز ~~وجل: ألم تر كيف ضرب الله مثلا لما شرح الله عز وجل أحوال الأشقياء وأحوال ~~السعداء، ضرب مثلا فيه حكم هذين القسمين فقال تعالى: ألم تر أي بعين قلبك ~~فتعلم علم يقين بإعلامي إياك فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدخل معه غيره فيه ويحتمل أن يكون الخطاب فيه لكل فرد من ~~الناس، فيكون المعنى ألم تر أيها الإنسان كيف ضرب الله مثلا يعني بين شبها، ~~والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا ms2072 في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين ~~أحدهما من الآخر ويتصور. وقيل: هو قول سائر لتشبيه شيء بشيء آخر كلمة طيبة ~~هي قول لا إله إلا الله في قول ابن عباس وجمهور المفسرين: كشجرة طيبة يعني ~~كشجرة طيبة الثمرة وقال ابن عباس: هي النخلة. وبه قال ابن مسعود وأنس ~~ومجاهد وعكرمة والضحاك (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني عن شجرة شبه الرجل أو قال كالرجل ~~المسلم لا يتحات ورقها تؤتي أكلها كل حين» قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها ~~النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا # PageV03P034 # يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «هي النخلة» قال: فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في ~~نفسي أنها النخلة فقال ما منعك أن تتكلم؟ فقلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن ~~أتكلم أو أقول شيئا فقال عمر لأن تكون قلته أحب إلي من كذا وكذا وفي رواية: ~~«إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟» فوقع ~~الناس في شجر البوادي قال عبد الله ابن عمر ووقع في نفسي أنها النخلة ~~فاستحييت أن أتكلم ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال «هي النخلة» وفي ~~رواية عن ابن عباس، أنها شجرة في الجنة وفي رواية أخرى عنه أنها المؤمن. ~~وقوله أصلها ثابت يعني في الأرض وفرعها يعني أعلاها في السماء يعني ذاهبة ~~في السماء تؤتي أكلها يعني ثمرها كل حين بإذن ربها يعني بأمر ربها والحين ~~في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير واختلفوا في مقداره هذا وقال مجاهد ~~وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة واحدة. وقال ~~سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها، ~~وروي ذلك عن ابن عباس أيضا. وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر يعني أن مدة ~~حملها باطنا وظاهرا ms2073 ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى ~~إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. ~~وقال الربيع بن أنس: كل حين يعني غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل أبدا ليلا ~~ونهارا وصيفا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والبسر والمنصف ~~والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب فأكلها دائم في كل ~~وقت. قال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل هذه الكلمة التي هي كلمة الإخلاص ~~وأصل الإيمان بالنخلة حاصل من أوجه: أحدها: أن كلمة الإخلاص شديدة الثبوت ~~في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض. الوجه الثاني: أن هذه الكلمة ~~ترفع عمل المؤمن إلى السماء. كما قال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه وكذلك فرع النخلة الذي هو عال في السماء. الوجه الثالث: أن ~~ثمر النخلة يأتي في كل حين ووقت وكذلك ما يكسبه المؤمن من الأعمال الصالحة ~~في كل وقت وحين ببركة هذه الكلمة، فالمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله صعدت ~~إلى السماء وجاءته بركتها وثوابها وخيرها ومنفعتها. الوجه الرابع: أن ~~النخلة شبيهة بالإنسان في غالب الأمر لأنها خلقت من # فضلة طينة آدم وأنها إذا قطع رأسها تموت كالآدمي بخلاف سائر الشجر فإنه ~~إذا قطع نبت، وأنها لا تحمل حتى تلقح بطلع الذكر. الوجه الخامس: في وجه ~~الحكمة في تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق لأن الشجرة لا تسمى شجرة إلا ~~بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل ثابت، وفرع قائم، وكذلك الإيمان لا يتم إلا ~~بثلاثة أشياء: # تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، وقوله سبحانه وتعالى: ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون يعني أن في ضرب الأمثال زيادة في الأفهام ~~وتصويرا للمعاني وتذكيرا ومواعظ لمن تذكر واتعظ. قوله تعالى ومثل كلمة ~~خبيثة وهو الشرك كشجرة خبيثة يعني الحنظل قاله أنس بن مالك ومجاهد: وفي ~~رواية عن ابن عباس إنها الكشوت وعنه أيضا أنها الثوم وعنه أيضا أنها الكافر ~~لأنه لا يقبل عمله فليس له أصل ثابت ولا ms2074 يصعد إلى السماء اجتثت يعني ~~استؤصلت وقطعت من فوق الأرض ما لها من قرار يعني ما لهذه الشجرة من ثبات في ~~الأرض، لأنها ليس لها أصل ثابت في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء كذلك ~~الكافر لا خير فيه ولا يصعد له. قول طيب ولا عمل صالح ولا لاعتقاده أصل ~~ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر بهذه الشجرة الخبيثة. # عن أنس قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب فقال: «مثل ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ~~ربها قال: هي النخلة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار قال هي الحنظلة» أخرجه الترمذي. مرفوعا وموقوفا، وقال الموقوف ~~أصح. قوله سبحانه وتعالى: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت والقول الثابت: هي الكلمة الطيبة ~~وهي شهادة أن لا إله إلا الله، في قول جمهور المفسرين. ولما وصف الكلمة ~~الخبيثة في الآية المتقدمة بكلمة الشرك قال: في هذه الآية ويضل الله # PageV03P035 # الظالمين يعني بالكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك في قول جميع المفسرين ~~وقوله: في الحياة الدنيا يعني في القبر عند السؤال وفي الآخرة يعني يوم ~~القيامة عند البعث والحساب وهذا القول واضح ويدل عليه ما روي عن البراء بن ~~عازب. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المسلم إذا سئل في ~~القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة قال: نزلت في عذاب ~~القبر زاد في رواية يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد صلى الله ~~عليه وسلم» أخرجه البخاري ومسلم (ق). عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع ~~نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا ~~الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ms2075 ورسوله، فيقال له: انظر ~~إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «فيراهما جميعا» قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى ~~حديث أنس وأما المنافق وفي رواية وأما الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما ~~يقول الناس فيه. فيقال: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين ~~أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» لفظ البخاري ولمسلم بمعناه ~~زاد في رواية «أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم ~~يبعثون» وأخرجه أبو داود عن أنس قال: وهذا لفظه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن المؤمن إذا وضع قبره آتاه ملك فيقول: ما كنت تعبد؟ فإن هداه ~~الله، قال: كنت أعبد الله فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو ~~عبد الله ورسوله فلا يسأل عن شيء بعدها فينطلق به إلى بيت كان له في النار، ~~فيقال له: هذا كان مقعدك ولكن عصمك الله فأبدلك به بيتا في الجنة فيراه، ~~فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وإن الكافر والمنافق ~~إذا وضع في قبره، آتاه ملك فينهضه فيقول ما كنت تعبد؟ # فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت ولا تليت فيقال له ما كنت تقول في هذا ~~الرجل فيقول كنت أقول ما يقول الناس فيه فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه ~~فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين» وأخرجه النسائي. أيضا عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قبر الميت أو قال إذا قبر أحدكم ~~آتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان: ما ~~كنت تقول في هذا الرجل فيقول: كنت أقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح ~~له في قبره سبعون ذراعا، ثم ينور له فيه ثم يقال له: ms2076 ثم فيقول أرجع إلى ~~أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، ~~حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه، ذلك وإن كان منافقا فيقول سمعت الناس ~~يقولون قولا فقلت مثلهم لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك كنت تقول ذلك. ~~فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا ~~حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» أخرجه الترمذي. عن البراء بن عازب قال: خرجنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهت إلى ~~القبر، ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما ~~على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه صلى الله عليه ~~وسلم فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا زاد في رواية قال: ~~إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك وما ~~دينك ومن نبيك وفي رواية يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ~~ربي الله فيقولان له وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له ما هذا ~~الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت ~~كتاب الله وآمنت به وصدقت، زاد في رواية فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم لقناه قال فينادي مناد من ~~السماء أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه ~~من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره وإن كان الكافر فذكر موته قال: # فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول: هاه ~~هاه لا أدري. فيقولان ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل ~~الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن # PageV03P036 # قد كذب عبدي فافرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا في ~~النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره، ms2077 حتى تختلف فيه أضلاعه في ~~رواية ثم يقيض له أعمى أبكم أصم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبلا لصار ~~ترابا فيضربه بها ضربة، يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ~~ترابا ثم تعاد فيه الروح» أخرجه أبو داود. عن عثمان بن عفان قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: # «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» أخرجه أبو داود. عن ~~عبد الرحمن بن ثمامة المهري قال: # حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت فبكى بكاء طويلا، وحول وجهه إلى ~~الجدر وجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكذا وكذا فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، وذكر الحديث بطوله وفيه فإذا أنا مت فلا تصحبني ~~نائحة، ولا نار فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري ~~قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ~~ربي». أخرجه مسلم بزيادة طويلة فيه قيل المراد من التثبيت بالقول الثابت هو ~~أن الله تعالى إنما يثبتهم في القبر بسبب كثرة مواظبتهم على شهادة الحق في ~~الحياة الدنيا وحبهم لها، فمن كانت مواظبته على شهادة الإخلاص أكثر كان ~~رسوخها في قلبه أعظم فينبغي للعبد المسلم أن يكثر من قول لا إله إلا لله ~~محمد رسول الله في جميع حالاته، من قيامه وقعوده ونومه ويقظته وجميع حركاته ~~وسكناته، فلعل الله عز وجل أن يرزقه ببركة مواظبته على شهادة الإخلاص ~~التثبيت في القبر، ويسهل عليه جواب الملكين بما فيه خلاصه من عذاب الآخرة، ~~نسأل الله التثبيت في القبر، وحسن الجواب وتسهيله بفضله ومنه وكرمه ~~وإحسانه، إنه على كل شيء قدير وقوله تعالى: # ويضل الله الظالمين يعني أن الله تعالى لا يهدي المشركين إلى الجواب ~~الصواب في القبر ويفعل الله ما يشاء يعني من التوفيق، والخذلان والهداية ~~والإضلال ms2078 والتثبيت، وتركة لا اعتراض عليه في جميع أفعاله لا يسئل عما يفعل ~~وهم يسألون. قوله عز وجل: # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 28 الى 31] # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ~~(31) # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا (خ) عن ابن عباس في قوله: ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا؟ قال: هم كفار مكة وفي رواية هم والله كفار ~~قريش. قال عمر: هم قريش ونعمة الله هو محمد صلى الله عليه وسلم وأحلوا ~~قومهم دار البوار قال البوار: يوم بدر وعن علي رضي الله عنه قال هم كفار ~~قريش فجروا يوم بدر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الأفجران من قريش ~~بنو المغيرة وبنو أمية أما بنو المغيرة فقد كفيتموهم يوم بدر، وأما بنو ~~أمية فقد متعوا إلى حين فقوله بدلوا نعمة الله كفرا معناه أن الله تعالى ~~لما أنعم على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم فأرسله إليهم وأنزل عليه كتابه ~~ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان اختاروا الكفر على الإيمان، وغيروا ~~نعمة الله عليهم. وقيل: يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله عليهم كفرا لأنهم ~~لما وجب عليهم الشكر بسبب هذه النعمة أتوا بالكفر فكأنهم غيروا الشكر، ~~وبدلوه بالكفر وأحلوا قومهم، يعني ومن تبعهم على دينهم وكفرهم دار البوار ~~يعني دار الهلاك ثم فسرها بقوله جهنم يصلونها وبئس القرار يعني المستقر ~~وجعلوا لله أندادا يعني أمثالا وأشباها من الأصنام، وليس لله تعالى ند ولا ~~شبيه، ولا مثيل تعالى الله عن الند والتشبيه والمثيل علوا كبيرا ليضلوا عن ~~سبيله يعني ليضلوا الناس عن طريق الهدى ودين الحق قل تمتعوا أي قل: يا محمد ~~لهؤلاء الكفار تمتعوا في الدنيا أياما قلائل فإن مصيركم إلى ms2079 النار يعني في ~~الآخرة. قوله تعالى قل لعبادي الذين # PageV03P037 # آمنوا يقيموا الصلاة # يعني يقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها وينفقوا مما رزقناهم ~~قيل أراد بهذا الإنفاق إخراج الزكاة الواجبة، وقيل: أراد به جميع الإنفاق ~~في جميع وجوه الخير والبر وحمله على العموم أولى ليدخل فيه إخراج الزكاة، ~~والإنفاق في جميع وجوه البر سرا وعلانية يعني ينفقون أموالهم في حال السر ~~وحال العلانية، وقيل: أراد بالسر صدقة التطوع وبالعلانية إخراج الزكاة ~~الواجبة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه قال أبو عبيدة: البيع هنا الفداء ~~يعني لا فداء في ذلك اليوم ولا خلال يعني ولا خلة، وهي المودة والصداقة ~~التي تكون مخاللة بين اثنين. وقال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ~~ولا مخاللة ولا قرابة، إنما هي الأعمال إما أن يثاب بها أو يعاقب عليها. ~~فإن قلت: كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي الآية التي في سورة البقرة ~~وأثبتها في قوله «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين»؟ قلت: الآية ~~الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة الحاصلة، بسبب ميل الطبيعة، ~~ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثباتها محمولة على الخلة ~~الحاصلة بسبب محبة الله ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. ~~وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليله عن خليله ~~وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض. إذا كانت تلك المخالة لله في ~~محبته. قوله عز وجل: # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 32 الى 37] # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ms2080 غفور رحيم (36) # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم اعلم أنه تقدم تفسير هذه الآية في مواضع كثيرة، ونذكر هاهنا بعض ~~فوائد هذه الآية الدالة على وجود الصانع المختار القادر الذي لا يعجزه شيء ~~أراده، فقوله تعالى: الله خلق السموات والأرض، إنما بدأ بذكر خلق السموات ~~والأرض، لأنها أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق ~~القادر المختار وأنزل من السماء ماء يعني من السحاب سمي السحاب سماء ~~لارتفاعه مشتق من السمو، وهو الارتفاع وقيل إن المطر ينزل من السماء إلى ~~السحاب ومن السحاب إلى الأرض فأخرج به أي بذلك الماء من الثمرات رزقا لكم، ~~والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر. وقد يقع على الزرع أيضا بدليل قوله: ~~كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده وقوله: # من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقا هو الثمرات وسخر لكم الفلك لتجري ~~في البحر بأمره لما ذكر الله سبحانه وتعالى إنعامه بإنزال المطر، وإخراج ~~الثمر لأجل الرزق والانتفاع به ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية ~~على الماء، لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات، وغيرها من ~~بلد إلى بلد آخر. فهي من تمام نعمة الله على عباده وسخر لكم الأنهار يعني ~~ذللها لكم تجرونها حيث شئتم، ولما كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع ~~والثمرات ولا في الشراب أيضا ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار، وتفجير ~~العيون لأجل هذه الحاجة، فهو من أعظم نعم الله على عباده وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين الدأب العادة # PageV03P038 # المستمرة دائما على حالة واحدة ودأب في السير داوم عليه، والمعنى أن الله ~~سخر الشمس والقمر، يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى ~~آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها. ms2081 قال ابن عباس: دؤبها في طاعة ~~الله عز وجل. وقال بعضهم: معناه يدأبان في طاعة الله أي في مسيرهما ~~وتأثيرهما في إزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان لأن الشمس سلطان النهار ~~وبها تعرف فصول السنة والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور وكل ذلك ~~بتسخير الله عز وجل، وإنعامه على عباده وتسخيره لهم وسخر لكم الليل والنهار ~~يعني يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان، والزيادة وذلك من إنعام الله ~~على عباده وتسخيره لهم وآتاكم من كل ما سألتموه لما ذكر الله سبحانه وتعالى ~~النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده وسخرها لهم بين بعد ذلك، أنه ~~تعالى لم يقتصر على تلك النعم بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا ~~يأتي على بعضها العد والحصر. # والمعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه شيئا فحذف شيئا اكتفاء بدلالة الكلام ~~على التبعيض، وقيل: هو على التكثير يعني وآتاكم من كل شيء سألتموه، وما لم ~~تسألوه لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها يعني ~~أن نعم الله كثيرة على عباده، فلا يقدر أحد على حصرها ولا عدها لكثرتها إن ~~الإنسان قال ابن عباس: يريد أبا جهل، وقال الزجاج: هو اسم جنس ولكن يقصد به ~~الكافر لظلوم كفار يعني ظلوم لنفسه كفار بنعمة ربه، وقيل: الظلوم الشاكر ~~لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه كفار جحود لنعم الله عليه. # وقيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها، وقيل ظلوم في ~~الشدة يشكو ويجزع بالنعمة يجمع ويمنع. قوله سبحانه وتعالى وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل هذا البلد آمنا يعني ذا آمن يؤمن فيه وأراد بالبلد مكة. # فإن قلت: أي فرق بين قوله اجعل هذا بلدا آمنا وبين قوله اجعل هذا البلد ~~آمنا؟ قلت: الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي ~~يأمن أهلها فيها ولا يخافون وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان ~~عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه ms2082 قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام يعني أبعدني وبني أن نعبد الأصنام. فإن قلت ~~قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه: الأول أن إبراهيم دعا ربه أن ~~يجعل مكة آمنة ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم، قد أغاروا عليها وأخافوا ~~أهلها. الوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ~~معصومون عن عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن ~~عبادتها. الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه ~~عن عبادة الأصنام، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش، وغيرهم ~~ممن ينسب إلى إبراهيم عليه السلام. # قلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه: فالجواب على الوجه الأول: من ~~وجهين أحدهما أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا ~~الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم ~~يقدر أحد على خراب مكة، وأورد على هذا ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» ~~أخرجاه في الصحيحين. وأجيب عنه بأن قوله: اجعل هذا البلد آمنا يعني إلى قرب ~~القيامة وخراب الدنيا وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذو السويقتين فلا تعارض بين ~~النصين. # الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه ~~أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن ~~في بلدهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: ويتخطف الناس من حولهم، وأهل ~~مكة آمنون من ذلك حتى إن من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وما له من ذلك، ~~وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت فإذا دخلت الحرم أمنت ~~واستأنست لعلمها أنها لا يهيجها أحد في الحرم وهذا القدر من الأمن حاصل ~~بحمد الله بمكة وحرمها وأما الجواب عن الوجه الثاني: فمن وجوه أيضا: # الوجه الأول: أن دعاء إبراهيم عليه السلام ms2083 لنفسه لزيادة العصمة والتثبيت، ~~فهو كقوله واجعلنا مسلمين لك. # الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام، وإن كان يعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا # PageV03P039 # بهذا الدعاء، هضما للنفس وإظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل الله ~~تعالى ورحمته، وأن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه الله به فلهذا ~~السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء وأما دعاؤه لبنيه، وهو الوجه الثالث من ~~الإشكالات فالجواب عنه من وجوه: الأول أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه، ولم ~~يعبد أحد منهم صنما قط. الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده ~~الموجودين حالة الدعاء ولا شك أن إبراهيم عليه السلام قد أجيب فيهم. # الوجه الثالث قال الواحدي: دعا لمن أذن الله أن يدعو له فكأنه قال: وبني ~~الذين أذنت لي في الدعاء لهم لأن دعاء الأنبياء مستجاب وقد كان من بنيه من ~~عبد الصنم فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. # الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في ~~آخر الآية: فمن تبعني فإنه مني، وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس ~~منه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى رب إنهن يعني الأصنام ~~أضللن كثيرا من الناس وهذا مجاز لأن الأصنام جمادات، وحجارة لا تعقل شيئا ~~حتى تضل من عبدها إلا أنه لما حصل الإضلال بعبادتها أضيف إليها كما تقول: ~~فتنتهم الدنيا وغرتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها فمن تبعني فإنه مني ~~يعني فمن تبعني على ديني واعتقادي، فإنه مني يعني المتدينين بديني ~~المتمسكين بحبلي كما قال الشاعر: # إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني # أراد ولست من المتمسكين بحبلي، وقيل: معناه أنه مني حكمه حكمي جار مجراي ~~في القرب والاختصاص ومن عصاني يعني في غير الدين فإنك غفور رحيم قال السدي: ~~ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم. وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك ~~فإنك غفور رحيم. وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا فقال: ms2084 ومن عصاني فخالفني في ~~بعض الشرائع وعقائد التوحيد فإنك غفور رحيم إن شئت أن تغفر له غفرت إذا كان ~~مسلما وذكر وجهين آخرين أحدهما أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر ~~الشرك كما استغفر لأبويه، وهو يقول أن ذلك غير محظور، فلما عرف أنهما غير ~~مغفور لهما تبرأ منهما، والوجه الآخر ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك ~~غفور رحيم يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى ~~الإيمان، والإسلام وتهديه إلى الصواب. قوله عز وجل إخبارا عن إبراهيم ربنا ~~إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم (خ) عن ابن عباس قال: ~~أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على ~~سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت ~~عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، ~~فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم ~~منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا بهذا ~~الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها ~~فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم ~~فدعا بهذه الدعوات فرفع يديه فقال: رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى ~~إذا نفذ ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: ~~يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفاء أقرب جبل في الأرض يليها، ~~فقامت عليها ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت منه حتى ~~إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت ~~الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك ~~سبع مرات قال ابن ms2085 عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس ~~بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت ~~فسمعت صوتا أيضا فقالت: قد أسمعت أن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع ~~زمزم، فبحث بقعبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه، وتقول: بيدها ~~هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف # PageV03P040 # وفي رواية قدر ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم ~~الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا ~~معينا» قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ~~هاهنا بيتا لله تعالى، يبنيه هذا الغلام وأبوه وأن الله لا يضيع أهله وكان ~~البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، ~~فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق ~~كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا. فقالوا: إن هذا الطائر ليدور ~~على ماء لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم ~~بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: # أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: قال ~~ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب ~~الأنس فنزلوا وأرسلوا أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات ~~منهم وشب الغلام، وتعلم العربية منهم وآنسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك ~~زوجوه بامرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل ~~يطالع تركته أخرجه البخاري بأطول من هذا، وقد تقدم الحديث بطوله في تفسير ~~سورة البقرة، وأما تفسير الآية فقوله ربنا إني أسكنت من ذريتي من للتبعيض ~~أي بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام بواد غير ذي زرع يعني ليس فيه زرع، ~~لأنه واد بين جبلين جبل أبي قبيس وجبل أجياد وهو ms2086 واد بمكة عند بيتك المحرم ~~سماه محرما لأنه يحترم عنده ما لا يحترم عند غيره، وقيل: لأن الله حرمه على ~~الجبابرة فلم ينالوه بسوء وحرم التعرض له والتهاون به، وبحرمته وجعل ما ~~حوله محرما لمكانه، وشرفه وقيل: لأنه حرم على الطوفان بمعنى امتنع منه ~~وقيل: سمي محرما لأن الزائرين له يحرمون على أنفسهم أشياء كانت مباحة لهم ~~من قبل وسمي عتيقا أيضا لأنه أعتق من الجبابرة أو من الطوفان. فإن قلت: كيف ~~قال عند بيتك المحرم ولم يكن هناك بيت حينئذ، وإنما بناه إبراهم بعد ذلك. ~~قلت: يحتمل أن الله عز وجل أوحى إليه وأعلمه أن له هناك بيتا قد كان في ~~سالف الزمان، وأنه سيعمر فلذلك قال عند بيتك المحرم، وقيل: يحتمل أن يكون ~~المعنى عند بينك الذي كان ثم رفع عند الطوفان وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ~~عند بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان ربنا ليقيموا ~~الصلاة اللام في ليقيموا متعلقة بأسكنت يعني أسكنت قوما من ذريتي، وهم ~~إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا أي لأجل أن يقيموا أو ~~لكي يقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس قال البغوي جمع الموفد تهوي إليهم ~~تحن وتشتاق إليهم. قال السدي رحمه الله: أمل قلوبهم إلى هذا الموضع وقال ~~ابن الجوزي أفئدة من الناس أي قلوب جماعة من الناس فلهذا جعله جمع فؤاد قال ~~ابن الأنباري: # وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة لقرب القلب من الفؤاد فجعل القلب والفؤاد ~~جارحتين. وقال الجوهري: الفؤاد القلب والجمع أفئدة فجعلهما جارحة واحدة ~~ولفظة من في قوله من الناس للتبعيض، قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس ~~لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود ~~والنصارى والمجوس ولكنه قال أفئدة من الناس فهم المسلمون تهوي إليهم قال ~~الأصمعي: يقال هوى يهوي هويا إذا سقط من علو إلى أسفل وقال الفراء تهوي ~~إليهم تريدهم كما تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك معناه يريدك وقال أيضا تهوي ~~تسرع إليهم، وقال ms2087 ابن الأنباري: معناه تنحط إليهم وتنحدر وتنزل هذا قول أهل ~~اللغة في هذا الحرف وأما أقوال المفسرين فقال ابن عباس: يريد تحن إليهم ~~لزيارة بيتك وقال قتادة تسرع إليهم. وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم، ~~إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج ~~البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس ~~لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم عليه السلام في هذا الدعاء من أمر الدين، ~~والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركاته وارزقهم من الثمرات يعني كما رزقت سكان ~~القرى ذوات الماء والزرع فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك ~~الثمار، وقيل يحتمل أن يكون المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل ~~والتجارة فهو كقوله تعالى يجبى إليه ثمرات كل شيء. وقوله تعالى لعلهم ~~يشكرون يعني لعلهم # PageV03P041 # يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم، وقيل: معناه لعلهم يوحدونك ~~ويعظمونك وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا، إنما هو ليستعان بها على ~~أداء العبادات وإقامة الطاعات. ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 38 الى 43] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ~~ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن الله غافلا ~~عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) # مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن يعني إنك تعلم السر كما تعلم العلن عما ~~لا تفاوت فيه والمعنى أنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا وما يفسدنا وأنت أرحم ~~بنا منا فلا حاجة بنا إلى الدعاء، والطلب إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، ~~وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك وافتقارا إلى ما عندك، وقيل: معناه تعلم ما ~~نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع وما نعلن ~~يعني من البكاء، ms2088 وقيل: ما نخفي يعني من الحزن المتمكن في القلب، وما نعلن ~~يعني ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حين قالت لإبراهيم عليه السلام إلى ~~من تكلنا قال: إلى الله قالت إذا لا يضيعنا وما يخفى على الله من شيء في ~~الأرض ولا في السماء فقيل: هذا من تتمة قول إبراهيم يعني وما يخفى على الله ~~الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان وقال الأكثرون: إنه من قول الله ~~تعالى تصديقا لإبراهيم فيما قال: فهو كقوله وكذلك يفعلون الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ~~ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة وقال سعيد ~~بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، ومعنى قوله: # على الكبر مع الكبر لأن هبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن ~~اليأس من الولد فلهذا شكر الله على هذه المنة. فقال: الحمد لله الذي وهب لي ~~على الكبر إسماعيل وإسحاق. فإن قلت: كيف جمع بين إسماعيل وإسحاق في الدعاء ~~في وقت واحد وإنما بشر بإسحاق بعد إسماعيل بزمان طويل؟ قلت: يحتمل أن ~~إبراهيم عليه السلام إنما أتى بهذا الدعاء عند ما بشر بإسحاق وذلك أنه لما ~~عظمت المنة على قلبه بهبة ولدين عظيمين عند كبره قال عند ذلك الحمد لله ~~الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث ~~أنه دعا بما تقدم عند مفارقة إسماعيل وأمه لأن الذي صح في الحديث أنه دعا ~~بقوله ربنا إني أسكنت ذريتي إلى قوله لعلهم يشكرون إذا ثبت هذا فيكون قوله ~~الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق في وقت آخر والله أعلم ~~بحقيقة الحال إن ربي لسميع الدعاء كان إبراهيم عليه السلام قد دعا ربه ~~وسأله الولد بقوله «رب هب لي من الصالحين» فلما استجاب الله دعاءه ووهبه ما ~~سأل شكر الله على ما أكرمه به ms2089 من إجابة دعائه فعند ذلك قال الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء وهو من قولك سمع ~~الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله رب اجعلني مقيم الصلاة يعني ممن يقيم ~~الصلاة بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها ومن ذريتي أي واجعل من ذريتي من ~~يقيم الصلاة وإنما أدخل لفظة من التي هي للتبعيض في قوله ومن ذريتي لأنه ~~أعلم بإعلام الله إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون ~~الصلاة فلهذا قال ومن ذريتي وأراد بهم المؤمنين من ذريته ربنا وتقبل دعاء ~~سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يتقبل دعاءه فاستجاب الله لإبراهيم وقيل ~~دعاءه بفضله ومنه وكرمه ربنا اغفر لي فان قلت طلب المغفرة من الله إنما ~~يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة من ذلك الذنب وقد ثبت عصمة ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب فما وجه طلب المغفرة # PageV03P042 # له؟ قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وقطع الطمع من كل ~~شيء إلا من فضله وكرمه والاعتراف بالعبودية لله تعالى والاتكال على رحمته ~~ولوالدي. فإن قلت: كيف استغفر إبراهيم لأبويه وكانا كافرين؟ # قلت: أراد أنهما إن أسلما وتابا وقيل إنما قال ذلك قبل أن يتبين له أنهما ~~من أصحاب الجحيم وقيل إن أمه أسلمت فدعا لها وقيل أراد بوالديه آدم وحواء ~~وللمؤمنين يعني واغفر للمؤمنين كلهم يوم يقوم الحساب يعني يوم يبدو ويظهر ~~الحساب وقيل أراد يوم الناس للحساب فاكتفى بذلك أي بذكر الحساب لكونه ~~مفهوما عند السامع وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة والله سبحانه وتعالى لا يرد ~~دعاء خليله إبراهيم عليه السلام ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. ~~قوله سبحانه وتعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون الغفلة معنى ~~يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور وقيل حقيقة الغفلة سهو يعتري ~~الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ وهذا في حق الله محال فلا بد من تأويل الآية ~~فالمقصود منها أنه سبحانه وتعالى ينتقم من الظالم للمظلوم ففيه ms2090 وعيد وتهديد ~~للظالم وإعلام له بأن لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه ~~مغفلا قال سفيان بن عيينة: فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. فإن قلت: ~~تعالى الله عن السهو والغفلة فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غافلا وهو أعلم الناس به أنه لم غافلا حتى قيل له ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون. قلت: إذا كان المخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه ~~وجهان: أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلا فهو ~~كقوله «ولا تكونن من المشركين- ولا تدع مع الله إلها آخر» وكقوله سبحانه ~~وتعالى «يا أيها الذين آمنوا آمنوا» أي اثبتوا على ما أنتم عليه من ~~الإيمان. الوجه الثاني أن المراد بالنهي عن حسابه غافلا الإعلام بأنه ~~سبحانه وتعالى عالم بما يفعل الظالمون ولا يخفى عليه شيء وأنه ينتقم منهم ~~فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم والمعنى: ولا تحسبنه معاملهم معاملة ~~الغافل عنهم ولكن يعاملهم معاملة الرقيب الحفيظ عليهم المحاسب لهم على ~~الصغير والكبير وإن كان المخاطب غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا إشكال ~~فيه ولا سؤال لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات الله فمن جوز أن يحسبه غافلا ~~فلجهله بصفاته إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار يقال: شخص بصر الرجل إذا ~~بقيت عيناه مفتوحتين لا يطرفهما، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة من ~~هول ما ترى في ذلك اليوم مهطعين قال قتادة مسرعين وهذا قول أبي عبيدة فعلى ~~هذا المعنى أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا ~~باهتا فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن أحوال أهل الوقف يوم ~~القيامة بخلاف الحال المعتادة فأخبر سبحانه وتعالى أنهم مع شخوص الأبصار ~~يكونون مهطعين يعني مسرعين نحو الدعي وقيل المهطع الخاضع الذليل الساكت ~~مقنعي رؤسهم الاقناع رفع الرأس إلى فوق فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعو ~~رؤوسهم إلى السماء وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره ms2091 ~~إلى الأرض قال الحسن وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى ~~أحد وهو قوله تعالى لا يرتد إليهم طرفهم أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة ~~الخوف فهي شاخصة لا ترتد إليهم قد شغلهم ما بين أيديهم وأفئدتهم هواء أي ~~خالية. قال قتادة خرجت قلوبهم من صدورهم فصارت في حناجرهم فلا تخرج من ~~أفواههم ولا تعود إلى أماكنها ومعنى الآية أن أفئدتهم خالية فارغة لا تعي ~~شيئا ولا تعقل من شدة الخوف. وقال سعيد بن جبير: وأفئدتهم هواء مترددة تهوي ~~في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، ومعنى الآية أن القلوب يومئذ زائلة عن ~~أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 44] # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # وأنذر الناس يعني وخوف الناس يا محمد بيوم القيامة وهو قوله سبحانه ~~وتعالى يوم يأتيهم العذاب # PageV03P043 # فيقول الذين ظلموا # يعني ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ربنا أخرنا إلى أجل قريب يعني أمهلنا ~~مدة يسيرة قال بعضهم: طلبوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا فينفعهم ذلك وهو ~~قوله تعالى نجب دعوتك ونتبع الرسل فأجيبوا بقوله أولم تكونوا أقسمتم من قبل ~~يعني في دار الدنيا ما لكم من زوال يعني ما لكم عنها انتقال ولا بعث ولا ~~نشور. # ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 45 الى 48] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم يعني بالكفر والمعاصي ممن كان قبلكم ~~من كفار الأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~يعني وقد عرفتم كيف كان عقوبتنا إياهم وضربنا لكم ms2092 الأمثال يعني الأمثال ~~التي ضربها الله عز وجل في القرآن ليتدبروها، ويعتبروا بها فيجب على كل من ~~شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، والقرون الماضية، وعلم ما جرى لهم ~~وكيف أهلكوا أن يعتبر بهم، ويعمل في خلاص نفسه من العقاب والهلاك. قوله ~~سبحانه وتعالى وقد مكروا مكرهم اختلفوا في الضمير إلى من يعود في قوله، وقد ~~مكروا فقيل يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وهذا القول ~~صحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب مذكور وقيل: إن المراد بقوله وقد مكروا ~~كفار قريش الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ومكرهم ما ذكره الله ~~تعالى بقوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية والمعنى وأنذر الناس يا ~~محمد، يوم يأتيهم العذاب يعني بسبب مكرهم بك. وقوله تعالى وعند الله مكرهم ~~يعني جزاء مكرهم وقيل إن مكرهم مثبت عند الله ليجازيهم به يوم القيامة وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال يعني وإن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه ~~الجبال وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ~~ثابت كثبوت الجبال وقد حكي عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في ~~الآية قولا آخر: وهو أنها نزلت في نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه ~~فقال نمرود: إن كان ما يقول إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء ~~فأعلم ما فيها فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور فرباهن حتى كبرت وشبت، واتخذ ~~تابوتا من خشب وجعل له بابا من أعلى وبابا من أسفل ثم جوع النسور ونصب ~~خشبات أربعا في أطراف التابوت وجعل على رؤوس تلك الخشبات لحما أحمر وقعد هو ~~في التابوت، وأقعد معه رجلا آخر، وأمر بالنسور فربطت في أطراف التابوت من ~~أسفل فجعلت النسور كلما رأت اللحم رغبت فيه، وطارت إليه فطارت النسور يوما ~~أجمع حتى بعدت في الهواء فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى ~~السماء هل قربنا منها ففتح ونظر فقال له إن ms2093 السماء كهيئتها فقال له: افتح ~~الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة ~~والجبال مثل الدخان. قال: فطارت النسور يوما آخر وارتفعت حتى حالت الريح ~~بينها وبين الطيران فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى ففعل فإذا السماء ~~كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة فنودي أيها الطاغي أين ~~تريد؟ قال عكرمة: وكان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب وأخذ معه ~~الترس، ورمى بسهم فعاد إليهم السهم ملطخا بدم سمكة قذفت بنفسها من بحر في ~~الهواء وقيل إن طائرا أصابه السهم فلما رجع إليهم السهم ملطخا بالدم قال ~~كفيت إله السماء ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات إلى أسفل، وينكس اللحم ~~ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال خفيق التابوت والنسور ففزعت، وظنت ~~أنه قد حدث حدث من السماء إن الساعة قد قامت فكادت تزول عن أماكنها، # PageV03P044 # فذلك قوله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال واستبعد العلماء هذه ~~الحكاية وقال: إن الخطر فيه عظيم ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر ~~العظيم وليس فيه خير صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه الحكاية بتأويل ~~الآية البتة فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله يعني فلا تحسبن الله يا محمد ~~مخلف ما وعد به رسله من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين فإنه ناصر رسله ~~وأوليائه ومهلك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير تقديره ولا تحسبن الله مخلف رسله ~~وعده إن الله عزيز أي غالب ذو انتقام يعني من أعدائه قوله عز وجل يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات ذكر المفسرون في معنى هذا التبديل قولين أحدهما ~~أنه تبديل صفة الأرض والسماء لا ذاتهما فأما تبديل الأرض فبتغيير صفتها ~~وهيئتها مع بقاء ذاتها وهو أن تدك جبالها وتسوى وهادها وأوديتها، وتذهب ~~أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب، ~~وتمد مد الأديم # وأما تبديل السماء فهو أن تنتثر كواكبها وتطمس شمسها، وقمرها ويكوران ~~كونها تارة كالدهان، وتارة كالمهل وبهذا القول ms2094 قال جماعة من العلماء: ويدل ~~على صحة هذا القول ما روي عن سهل بن سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس بها علم ~~لأحد» أخرجاه في الصحيحين العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى الحمرة ~~ولهذا شبهها بقرصة النقي، وهو الخبز الجيد البياض الفائق المائل إلى حمرة ~~كأن النار ميلت بياض وجهها إلى الحمرة وقوله: ليس بها علم لأحد يعني ليس ~~فيها علامة لأحد بتبديل هيئتها، وزوال جبالها وجميع بنائها فلا يبقى فيها ~~أثر يستدل به والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء وهذا قول جماعة ~~من العلماء، ثم اختلفوا في معنى هذا التبديل فقال ابن مسعود في معنى هذه ~~الآية قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك بها دم، ولم يعمل ~~عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: الأرض من فضة ~~والسماء من ذهب. وقال أبي بن كعب في معنى التبديل: بأن تصير الأرض نيرانا ~~والسماء جنانا وقال أبو هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي تبدل ~~الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه عن أبي سعيد الخدري قال. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها ~~الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة» أخرجاه في ~~الصحيحين بزيادة فيه. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح هذا الحديث: أما ~~النزل فبضم النون والزاي ويجوز إسكان الزاي وهو ما يعد للضيف عند نزوله ~~وأما الخبزة فبضم الخاء. وقال أهل اللغة: هي الظلمة التي توضع في الملة ~~يتكفؤها بالهمزة بيده أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتسوى لأنها ليست ~~منبسطة كالرقاقة، وقد حققنا الكلام في اليد في حق الله سبحانه وتعالى ~~وتأويلها مع القطع باستحالة الجارحة عليه ليس كمثله شيء، ومعنى الحديث أن ~~الله سبحانه وتعالى، يجعل الأرض كالظلمة أي الرغيف العظيم وتكون طعاما نزلا ~~لأهل الجنة والله على ms2095 كل شيء قدير. فإن قلت: إذا فسرت التبديل بما ذكرت ~~فكيف يمكن الجمع بينه وبين قوله تعالى يومئذ تحدث أخبارها وهو أن تحدث ~~أخبارها، وهو أن تحدث بكل ما عمل عليها، قلت: وجه الجمع بين الآيتين أن ~~الأرض تبدل أولا صفتها مع بقاء ذاتها كما تقدم فيومئذ تحدث أخبارها ثم بعد ~~ذلك تبدل تبديلا ثانيا، وهو أن تبدل ذاتها بغيرها كما تقدم أيضا ويدل على ~~صحة هذا التأويل ما روي عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فأين يكون الناس يومئذ ~~يا رسول الله فقال: «على الصراط» أخرجه مسلم وروى ثوبان أن حبرا من اليهود ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~قال: «هم في الظلمة دون الجسر» ذكره البغوي بغير سند، ففي هذين الحديثين ~~دليل على أن تبديل الأرض ثاني مرة يكون بعد الحساب والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. وقوله تعالى وبرزوا يعني وخرجوا من قبورهم لله يعني لحكم ~~الله، والوقوف بين يديه للحساب الواحد القهار صفتان لله تعالى فالواحد الذي ~~لا ثاني له، ولا شريك معه المنزه عن الشبه والضد والند والقهار الذي يقهر ~~عباده على ما يريد، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قوله تعالى: # PageV03P045 ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 49 الى 52] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا ~~بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ~~(52) # وترى المجرمين يومئذ مقرنين يعني مشدودين بعضهم إلى بعض يقال: قرنت الشيء ~~بالشيء إذا شددته معه في رباط واحد في الأصفاد يعني في القيود والأغلال. ~~قال ابن عباس: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة. وقال أبو زيد: تقرن أيديهم ~~وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي القيود. وقال ابن قتيبة: يقرن بعضهم إلى ~~بعض سرابيلهم يعني قمصهم واحدها سربال وقيل السربال كل ما ms2096 لبس من قطران ~~القطران دهن يتحلب من شجر الأبهل والعرعر والتوت كالزفت تدهن به الإبل إذا ~~جربت، وهو الهناء يقال هنأت البعير أهنؤه بالهناء وهو القطران قال الزجاج: ~~وإنما جعل لهم القطران سرابيل لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود ولو ~~أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم مما يعرفون وقرأ ~~عكرمة، ويعقوب من قطران على كلمتين منونتين فالقطر النحاس المذاب والآن ~~الذي انتهى حره وتغشى وجوههم النار يعني تعلوها وتجللها ليجزي الله كل نفس ~~ما كسبت يعني من خير أو شر إن الله سريع الحساب يعني إذا حاسب عباده يوم ~~القيامة هذا بلاغ للناس يعني هذا القرآن فيه تبليغ وموعظة للناس ولينذروا ~~يعني وليخوفوا بالقرآن ومواعظه وزواجره وليعلموا أنما هو إله واحد يعني ~~وليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى وليذكر أولوا الألباب يعني ~~وليتعظ بهذا القرآن وما فيه من المواعظ، أولو العقول والأفهام الصحيحة، ~~فإنه موعظة لمن اتعظ والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P046 ### | سورة الحجر # مكية بإجماعهم وهي تسع وتسعون آية وستمائة، وأربع وخمسون كلمة وألفان ~~وسبعمائة وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # قوله سبحانه وتعالى: الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين تلك إشارة إلى ما ~~تضمنته السورة من الآيات والمراد بالكتاب وبالقرآن المبين: الكتاب الذي وعد ~~به الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وتنكير القرآن للتفخيم، والتعظيم ~~والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا وأي قرآن ~~كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان وقيل: أراد بالكتاب ~~التوراة والإنجيل، لأن عطف القرآن على الكتاب والمعطوف غير المعطوف عليه ~~وهذا القول ليس بالقوي، لأنه لم يجر للتوراة والإنجيل ذكر حتى يشار إليهما. ~~وقيل: المراد بالكتاب القرآن وإنما جمعهما بوصفين، وإن كان الموصوف واحدا ~~لما في ذلك من الفائدة وهي التفخيم والتعظيم، ms2097 والمبين الذي يبين الحلال من ~~الحرام، والحق من الباطل ربما قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان ورب ~~للتقليل وكم للتكثير، وإنما زيدت ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني ~~وربما جاءني زيد وإن شئت جعلت ما بمنزلة شيء كأنك قلت رب شيء فتكون المعنى ~~رب شيء يود الذين كفروا وقيل: ما في ربما بمعنى حين أي رب حين يود يعني ~~يتمنى الذين كفروا لأن التمني هو: تشهي حصول ما يوده، واختلف المفسرون في ~~الوقت الذي يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين على قولين أحدهما: أن ذلك ~~يكون عند معاينة العذاب وقت الموت فحينئذ يعلم الكافر أنه كان على الضلال، ~~فيتمنى لو كان مسلما، وذلك حين لا ينفعه ذلك التمني. قال الضحاك: هو عند ~~حالة المعاينة والقول الثاني: إن هذا التمني يكون في الآخرة، وذلك حين ~~يعاينون أهوال يوم القيامة وشدائده وما يصيرون عليه من العذاب، فحينئذ ~~يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين. # وقال الزجاج: أن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من ~~أحوال المسلم ولو كان مسلما وقيل إذا رأى الكافر أن الله تعالى يرحم ~~المسلمين، ويشفع بعضهم في بعض حين يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة ~~فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين والقول المشهور أن ذلك التمني حين ~~يخرج الله المؤمنين من النار عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «قال إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ~~قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى ~~عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ~~فيغفرها الله لهم بفضل رحمته فيأمر الله بكل من كان من أهل القبلة في ~~النار، فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» ذكره البغوي ~~بغير سند، وكذا ذكره ابن الجوزي وقال: وإليه ذهب ابن عباس في رواية عنه عن ~~أنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم يعني النخعي. ms2098 # PageV03P047 # فإن قلت: رب إنما وضعت للتقليل، وتمني الذين كفروا لو كانوا مسلمين يكثر ~~يوم القيامة فكيف قال: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قلت: قال ~~صاحب الكشاف هو وارد على مذهب العرب في قولهم لعلك ستندم على فعلك، وربما ~~ندم الإنسان على فعله، ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله، ولكنهم ~~أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا ~~الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من المتيقن ~~ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وقال غيره إن هذا القليل أبلغ في ~~التهديد ومعناه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا لك عن هذا الفعل. فكيف ~~بكثيره؟ وقيل: إن شغلهم بالعذاب لا يقرعهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم. ~~فإن قلت: رب لا تدخل إلا على الماضي فكيف قال: ربما يود وهو في المستقبل ~~قلت لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه ~~كأنه قال: ربما ود. قوله سبحانه وتعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا يعني دع يا ~~محمد هؤلاء الكفار يأكلوا في دنياهم ويتمتعوا بلذاتها ويلههم الأمل يعني ~~ويشغلهم طول الأمل عن الإيمان والأخذ بطاعة الله تعالى فسوف يعلمون يعني ~~إذا وردوا القيامة، وذاقوا وبال ما صنعوا وهذا فيه تهديد ووعيد لمن أخذ ~~بحظه من الدنيا، ولذاتها ولم يأخذ بحظه من طاعة الله عز وجل، وقال بعض أهل ~~العلم: ذرهم تهديد وفسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين ~~وهذه الآية منسوخة بآية القتال، وفي الآية دليل على أن إيثار التلذذ، ~~والتنعم في الدنيا يؤدي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. قال علي ~~بن أبي طالب: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن طول ~~الأمل، ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 4 الى 17] # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ms2099 ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما ~~كانوا إذا منظرين (8) # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) كذلك نسلكه في ~~قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) # وما أهلكنا من قرية يعني من أهل قرية وأراد إهلاك الاستئصال إلا ولها ~~كتاب معلوم أي أجل مضروب، ووقت معين لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه ~~ولا يأتيهم إلا في الوقت الذي حدد لهم في اللوح المحفوظ ما تسبق من أمة ~~أجلها من زائدة، في قوله: من أمة كقولك ما جاءني من أحد. وقيل: هي على ~~أصلها لأنها تفيد التبعيض إلى هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة عموم النفي ~~آكد، ومعنى الآية أن الأجل المضروب لهم وهو وقت الموت، أو نزول العذاب لا ~~يتقدم ولا يتأخر وهو قوله سبحانه وتعالى: وما يستأخرون وإنما أدخل الهاء في ~~أجلها لإرادة الأمة، وإخراجها من قوله وما يستأخرون لإرادة الرجال. قوله عز ~~وجل وقالوا يعني مشركي مكة يا أيها الذي نزل عليه الذكر يعني القرآن ~~وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم إنك لمجنون إنما نسبوه إلى الجنون ~~لأنه صلى الله عليه وسلم، كان يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، ~~فظنوا أن ذلك جنون فلهذا السبب نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع ~~كلاما مستغربا من غيره فربما نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه ~~رسولا من عند الله، وأتى بهذا القرآن العظيم أنكروه ونسبوه إلى الجنون، ~~وإنما قالوا: يا # PageV03P048 # أيها الذي نزل عليه الذكر على طريق الاستهزاء وقيل: معناه يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر في زعمه، واعتقاده واعتقاد أصحابه وأتباعه إنك لمجنون في ~~ادعائك الرسالة لو ما قال الزجاج ms2100 والفراء: لو ما ولولا لغتان ومعناهما هلا ~~يعني هلا تأتينا بالملائكة يعني يشهدون لك بأنك رسول من عند الله حقا إن ~~كنت من الصادقين يعني في قولك وادعائك الرسالة ما ننزل الملائكة إلا بالحق ~~يعني بالعذاب أو وقت الموت، وهو قوله تعالى وما كانوا إذا منظرين يعني لو ~~نزلت الملائكة إليهم لم يمهلوا ولم يؤخروا ساعة واحدة وذلك أن كفار مكة ~~كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة عيانا ~~فأجابهم الله عز وجل بهذا، والمعنى لو نزلوا عيانا لزال عن الكفار الإمهال ~~وعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدقوا إنا نحن نزلنا الذكر يعني القرآن ~~أنزلناه عليك يا محمد، وإنما قال سبحانه وتعالى: إنا نحن نزلنا الذكر جوابا ~~لقولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر فأخبر الله عز وجل أنه هو الذي نزل ~~الذكر على محمد صلى الله عليه وسلم وإنا له لحافظون الضمير في له يرجع إلى ~~الذكر يعني، وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون يعني من الزيادة ~~فيه، والنقص منه والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوط من هذه ~~الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ~~ينقص منه حرفا واحدا أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر ~~الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل والزيادة والنقصان ~~ولما تولى الله عز وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصونا على الأبد محروسا من ~~الزيادة والنقصان، وقال ابن السائب ومقاتل: الكناية في له راجعة إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم يعني وإنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء فهو كقوله ~~تعالى «والله يعصمك من الناس» ووجه هذا القول أن الله سبحانه وتعالى لما ~~ذكر الإنزال، والمنزل دل ذلك على المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~فحسن صرف الكناية إليه لكونه أمرا معلوما إلا أن القول الأول أصح، وأشهر، ~~وهو قول الأكثرين لأنه أشبه بظاهر التنزيل ورد الكناية إلى أقرب مذكور ~~أولى، وهو الذكر وإذا قلنا: ms2101 إن الكناية عائدة إلى القرآن، وهو الأصح ~~فاختلفوا في كيفية حفظ الله عز وجل للقرآن فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزا ~~باقيا مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه، والنقصان منه لأنهم ~~لو أرادوا الزيادة فيه والنقصان منه لتغيير نظمه، وظهر ذلك لكل عالم عاقل ~~وعلموا ضرورة أن ذلك ليس بقرآن، وقال آخرون: إن الله حفظه وصانه من ~~المعارضة فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارضه. وقال آخرون: بل أعجز الله الخلق ~~عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه فقيض الله له العلماء الراسخين يحفظونه، ~~ويذبون عنه إلى آخر الدهر لأن دواعي # جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده فلم يقدروا على ذلك ~~بحمد الله تعالى قوله سبحانه وتعالى: ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ~~لما تجرأ كفار مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاطبوه بالسفاهة وهو ~~قولهم: إنك لمجنون وأساؤوا الأدب عليه أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم، كذلك فلك ~~يا محمد أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء ففيه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفي الآية محذوف تقديره ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يا محمد، ~~فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه، وقوله تعالى في شيع الأولين: الشيعة ~~هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة ~~الرجل أتباعه. وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. وقوله في شيع الأولين من ~~باب إضافة الصفة إلى الموصوف وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين السلوك النفاذ في الطريق، والدخول فيه والسلك إدخال ~~الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط، ومعنى الآية كما سلكنا الكفر ~~والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه أي ندخله في قلوب ~~المجرمين يعني مشركي مكة، وفيه رد على القدرية والمعتزلة وهي أبين آية في ~~ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند قال الواحدي قال أصحابنا: أضاف الله ~~سبحانه وتعالى إلى ms2102 نفسه إدخال الكفر في قلوب الكفار، وحسن ذلك منه فمن آمن ~~بالقرآن فليستحسنه، وقال الإمام فخر الدين الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية ~~على أنه تعالى يخلق الباطل، والضلال في # PageV03P049 # قلوب الكفار فقالوا قوله: كذلك نسلكه أي كذلك نسلك الباطل، والضلال في ~~قلوب المجرمين وقالت المعتزلة لم يجر للضلال، والكفر ذكر فيما قيل هذا ~~اللفظ فلا يمكن أن يكون الضمير عائد إليه، وأجيب عنه بأنه سبحانه وتعالى ~~قال: ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فالضمير في قوله كذلك نسلكه ~~عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال فثبت صحة قولنا: إن المراد من ~~قوله كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، أنه الكفر والضلال. قوله تعالى لا ~~يؤمنون به بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل بالقرآن وقد خلت سنة الأولين فيه ~~وعيد وتهديد لكفار مكة، يخوفهم أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية ~~المكذبة للرسل، والمعنى وقد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من الأمم ~~الماضية فاحذروا يا أهل مكة أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب ولو فتحنا ~~عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون يعني ولو فتحنا على هؤلاء الذين ~~قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة بابا من السماء فظلوا. يقال: ظل فلان يفعل ~~كذا إذا فعله بالنهار، كما يقل بات يفعل كذا إذا فعله بالليل فيه يعني في ~~ذلك الباب يعرجون يعني يصعدون، والمعارج المصاعد وفي المشار إليه بقوله: ~~فظلوا به يعرجون قولان: # أحدهما أنهم الملائكة وهو قول ابن عباس والضحاك، والمعنى: لو كشف عن ~~أبصار هؤلاء الكفار فرأوا بابا من السماء مفتوحا والملائكة تصعد فيه لما ~~آمنوا. والقول الثاني: أنهم المشركون وهو قول الحسن وقتادة والمعنى: # فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات، وما فيها من ~~الملائكة لما آمنوا لعنادهم وكفرهم، ولقالوا إنا سحرنا وهو قوله تعالى: ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا قال ابن عباس: سدت أبصارنا مأخوذ من سكر النهر ~~إذا حبس، ومنع من الجري وقيل: هو من سكر الشراب والمعنى أن أبصارهم حارت، ~~ووقع ms2103 بها من فساد النظر مثل ما يقع للرجل السكران من تغيير العقل، وفساد ~~النظر وقيل سكرت يعني غشيت أبصارنا وسكنت عن النظر، وأصله من السكور يقال ~~سكرت عينه إذا تحيرت، وسكنت عن النظر بل نحن قوم مسحورون يعني سحرنا محمد، ~~وعمل فينا سحره. وحاصل الآية أن الكفار لما طلبوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أن ينزل عليهم الملائكة فيروهم عيانا، ويشهدوا بصدقه أخبر الله ~~سبحانه وتعالى أنه لو حصل لهم هذا وشاهدوه عيانا لما أمنوا ولقالوا سحرنا ~~لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. قوله سبحانه وتعالى ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا يعني البروج التي تنزلها الشمس في مسيرها واحدها برج، وهي بروج الفلك ~~الاثنا عشر برجا وهي: # الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس ~~والجدي والدلو والحوت. وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا لكل برج ~~منزلان وثلث منزل، وقد تقدم ذكر منازل القمر في تفسير سورة يونس، وهذه ~~البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها ~~الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين ~~يوما، قال ابن عباس في هذه الآية يريد بروج الشمس والقمر، يعني منازلهما ~~وقال ابن عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: ~~هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على ما ~~صورت به. وسميت وأصل هذا كله من الظهور وزيناها يعني السماء بالشمس والقمر ~~والنجوم للناظرين يعني المعتبرين المستدلين بها على وحيد خالقها، وصانعها ~~وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره وحفظناها يعني السماء من كل شيطان ~~رجيم أي مرجوم فعيل بمعنى مفعول، وقيل: ملعون مطرود من رحمة الله. قال ابن ~~عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون ~~بأخبارها إلى الكهنة فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ~~ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم، منعوا من السموات أجمع فما ~~منهم من أحد ms2104 يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب فلما منعوا من تلك المقاعد ~~ذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا: هذا والله حدث. # PageV03P050 # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 18 الى 22] # إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددناها وألقينا فيها ~~رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم ~~له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ~~(21) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) # إلا من استرق السمع هذا استثناء منقطع، معناه لكن من استرق السمع فأتبعه ~~أي لحقه شهاب مبين والشهاب شعلة من نار ساطع سمي الكوكب شهابا لأجل ما فيه ~~من البريق شبه بشهاب النار، قال ابن عباس في قوله إلا من استرق السمع: يريد ~~الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء يسترقون ~~السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب، فلا تخطئ أبدا فمنهم من تقتله، ومنهم ~~من تحرق وجهه أو جنبه أو يده، أو حيث يشاء الله ومنهم من تخبله فيصير غولا ~~يضل الناس في البوادي (خ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه ~~سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال ~~الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق ~~بعض، ووصف سفيان بكفه فحذفها، وبدد أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من ~~تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ~~فربما أدركه الشهاب، قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها ~~مائة كذبة، فيقال له: أليس قال لنا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت ~~من السماء». # اختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم لا على قولين: ms2105 أحدهما أنها لم تكن ترمى بالنجوم، قبل ~~مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر ذلك في بدء أمره فكان ذلك ~~أساسا لنبوته صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن ~~عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب. ~~أخرجاه في الصحيحين. فظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الرمي بالشهب لم يكن ~~قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم فلما بعث حدث هذا الرمي. ويعضده ما روي أن ~~يعقوب بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أول من فزع للرمي بالنجوم هذا ~~الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني ~~علاج وكان أهدى العرب فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء من القذف ~~بالنجوم؟ فقال: بلى. ولكن انظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في ~~البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس من ~~معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك الخلق الذين فيها وإن ~~كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله من الخلق قال ~~الزجاج: ويدل على أنها كانت بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أن شعراء ~~العرب الذين ذكروا البرق، والأشياء المسرعة لم يوجد في شعرهم ذكر الكواكب ~~المنقضة فما حدثت بعد مولده صلى الله عليه وسلم، استعملت الشعراء ذكرها قال ~~ذو الرمة: # كأنه كوكب في أثر عفرية ... مسوم في سواد الليل منقضب # والقول الثاني: إن ذلك كان موجودا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولكن لما بعث شدد وغلظ عليهم. قال معمر: # قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن عباس ms2106 قال أخبرني رجل ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رمى بنجم واستنار فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا، قالوا كنا ~~نقول ولد الليلة رجل عظيم أو مات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فإنها لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا ~~قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح ~~إلى أهل هذه السماء، ثم قال: الذين # PageV03P051 # يلون حملة العرش لحملة العرش، ماذا قال ربكم فيخبرونهم بما قال، فيستخبر ~~بعض أهل السماء بعضا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع ~~فيقذفونه إلى أوليائهم، ويرمون فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقذفون ~~فيه ويزيدون» أخرجه مسلم وقال ابن قتيبة: أن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم ~~يكن في شدة الحراسة مثل بعد مبعثه، قال وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قال ~~بشر بن أبي حازم وهو جاهلي: # فالعير يرهقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # وقال أوس بن حجر وهو جاهلي: # فانقض كالدر يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا # والجمع بين هذين القولين: أن الرمي بالنجوم كان موجودا قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صونا ~~لأخبار الغيوب والله أعلم. قوله سبحانه وتعالى: والأرض مددناها يعني ~~بسطناها على وجه الماء كما يقال: إنها دحيت من تحت الكعبة ثم بسطت هذا قول ~~أهل التفسير، وزعم أرباب الهيئة أنها كرة عظيمة بعضها في الماء، وبعضها ~~خارج عن الماء، وهو الجزء المغمور منها واعتذروا عن قوله تعالى: والأرض ~~مددناها بأن الكرة إذا كانت عظيمة كان كل جزء منها، كالسطح العظيم فثبت ~~بهذا الأمر أن الأرض ممدودة مبسوطة وأنها كرة، ورد هذا أصحاب التفسير بأن ~~الله أخبر في كتابه بأنها ممدودة، وأنها مبسوطة ولو ms2107 كانت كرة لأخبر بذلك ~~والله أعلم بمراده، وكيف مد الأرض وألقينا فيها رواسي يعني جبالا ثوابت ~~وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الأرض على الماء مادت ورجفت فأثبتها ~~بالجبال وأنبتنا فيها أي في الأرض، لأن أنواع النبات المنتفع به تكون في ~~الأرض، وقيل: الضمير يرجع إلى الجبال لأنها أقرب مذكور لقوله تعالى من كل ~~شيء موزون وإنما يوزن ما تولد في الجبال من المعادن، وقال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير: موزون أي معلوم، وقال مجاهد وعكرمة أي مقدور فعلى هذا يكون المعنى ~~معلوم القدر عند الله تعالى لأن الله سبحانه وتعالى يعلم القدر الذي يحتاج ~~إليه الناس في معايشهم وأرزاقهم فيكون إطلاق الوزن عليه مجازا، لأن الناس ~~لا يعرفون مقادير الأشياء إلا بالوزن، وقال الحسن وعكرمة وابن زيد: أنه عنى ~~به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد والكحل ونحو ذلك مما ~~يستخرج من المعادن، لأن هذه الأشياء كلها توزن وقيل: معنى موزون متناسب في ~~الحسن والهيئة والشكل، تقول العرب فلان موزون الحركات إذا كانت حركاته ~~متناسبة حسنة، وكلام موزون إذا كان متناسبا حسنا بعيدا من الخطأ والسخف ~~وقيل إن جميع ما ينبت في الأرض والجبال نوعان: أحدهما ما يستخرج من المعادن ~~وجميع ذلك موزون. والثاني النبات وبعضه موزون أيضا: وبعضه مكيل وهو يرجع ~~إلى الوزن لأن الصاع والمد مقدران بالوزن وجعلنا لكم فيها معايش جمع معيشة. ~~وهو ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من المطاعم والمشارب والملابس ~~ونحو ذلك ومن لستم له برازقين يعني الدواب والوحش والطير أنتم منتفعون بها، ~~ولستم لها برازقين لأن رزق جميع الخلق على الله ومنه قوله تعالى: وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها وتكون من في قوله تعالى: ومن لستم بمعنى ~~ما لأن من لمن يعقل وما لمن لا يعقل، وقيل: يجوز إطلاق لفظة من على من لا ~~يعقل كقوله تعالى: فمنهم من يمشي على بطنه وقيل أراد بهم العبيد والخدم ~~فتكون من على أصلها، ويدخل معهم ما لا ms2108 يعقل من الدواب والوحش وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه الخزائن جمع خزانة هي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء ~~للحفظ يقال: خزن الشيء إذا أحرزه. # فقيل أراد مفاتيح الخزائن وقيل: أراد بالخزائن المطر لأنه سبب الأرزاق ~~والمعايش لبني آدم والدواب والوحش والطير ومعنى عندنا أنه في حكمه وتصرفه ~~وأمره وتدبيره قوله تعالى: وما ننزله إلا بقدر معلوم يعني بقدر الكفاية. ~~وقيل: إن لكل أرض حدا ومقدار من المطر. يقال: لا تنزل من السماء قطرة مطر ~~إلا ومعها ملك # PageV03P052 # يسوقها إلى حيث يشاء الله تعالى. وقيل: إن المطر ينزل من السماء كل عام ~~بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص ولكن الله يمطر قوما، ويحرم آخرين وقيل: إذا ~~أراد الله بقوم خيرا أنزل عليهم المطر والرحمة وإذا أراد بقوم شرا صرف ~~المطر عنهم إلى حيث لا ينتفع به، كالبراري والقفار والرمال والبحار ونحو ~~ذلك. وحكى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده أنه قال في العرش تمثال جميع ~~ما خلق الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ~~وأرسلنا الرياح لواقح قال ابن عباس يعني للشجر، وهو قول الحسن وقتادة وأصل ~~هذا من قولهم: لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى إليها الماء، فحملته ~~فكذلك الرياح كالفحل للسحاب وقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يرسل الله ~~الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر ~~اللقحة، وقال عبيد بن عمير: يرسل الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم ~~يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض ~~فتجعله ركاما، ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر والأظهر في هذه الآية إلقاحها ~~السحاب لقوله بعده فأنزلنا من السماء ماء قال أبو بكر بن عياش: لا تقطر ~~قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب، ~~والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه. وقال أبو عبيد: لواقح هنا بمعنى ~~ملاقح جمع ملقحة حذفت الميم وردت إلى الأصل. وقال ms2109 الزجاج: يجوز أن يقال لها ~~لواقح وإن ألقحت غيرها، لأن معناها النسبة كما يقال: درهم وازن أي ذو وزن ~~واعترض الواحدي على هذا. # فقال هذا ليس بمغن لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات لقح حتى يوافق ~~قول المفسرين، وأجاب الرازي عنه بأن قال: هذا ليس بشيء. لأن اللاقح هو ~~المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غير اللقحة فله نسبة إلى اللقحة وقال صاحب ~~المفردات لواقح أي ذات لقاح وقيل إن الريح في نفسها لاقح لأنها حاملة ~~للسحاب والدليل عليه قوله تعالى حتى إذا أقلت سحابا ثقالا، أي حملت فعلى ~~هذا تكون الريح لاقحة بمعنى حاملة تحمل السحاب. وقال الزجاج: ويجوز أن يقال ~~للريح لقحت إذا أتت بالخير كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير، وورد في بعض ~~الأخبار أن الملقح الرياح الجنوب، وفي بعض الآثار ما هبت رياح الجنوب إلا ~~واتبعت عينا غدقة (ق) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت ~~الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ ~~بك من شرها، وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» وروى البغوي بسنده إلى الشافعي ~~إلى ابن عباس قال: # ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: ~~«اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» ~~قال ابن عباس في كتاب الله عز وجل إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم وقال: وأرسلنا الرياح لواقح وقال يرسل الرياح مبشرات ~~وقوله سبحانه وتعالى فأنزلنا من السماء ماء يعني المطر فأسقيناكموه يعني ~~جعلنا لكم المطر سقيا يقال أسقى فلان فلانا إذا جعل له سقيا، وسقاه إذا ~~أعطاه ما يشرب، وتقول العرب: سقيت الرجل ماء، ولبنا إذا كان لسقيه فإذا ~~جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته يقال: أسقيناه وما أنتم له يعني للمطر ~~بخازنين يعني: إن المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقيل: وما أنتم له ~~بمانعين. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات ms2110 23 الى 30] # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد ~~خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من نار ~~السموم (27) # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~(30) # وإنا لنحن نحيي ونميت يعني بيدنا إحياء الخلق وإماتتهم لا يقدر على ذلك ~~أحد إلا الله سبحانه # PageV03P053 # وتعالى، لأن قوله تعالى: وإنا لنحن يفيد الحصر يعني لا يقدر على ذلك ~~سوانا ونحن الوارثون وذلك بأن نميت جميع الخلق، فلا يبقى أحد سوانا فيزول ~~ملك كل مالك ويبقى جميع ملك المالكين لنا والوارث هو الباقي بعد ذهاب غيره ~~والله سبحانه وتعالى هو الباقي بعد ذهاب غيره والله سبحانه وتعالى هو ~~الباقي بعد فناء خلقه الذين أمتعهم بما آتاهم في الحياة الدنيا لأن وجود ~~الخلق. وما آتاهم كان ابتداؤه منه تعالى فإذا فني جميع الخلائق رجع الذي ~~كانوا يملكونه في الدنيا على المجاز إلى مالكه على الحقيقة، وهو الله ~~تعالى. وقيل مصير الخلق إليه. # قوله عز وجل ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين عن ابن ~~عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس ~~فكان بعض الناس يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها. ويتأخر بعضهم حتى ~~يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله عز وجل ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين أخرجه النسائي وأخرجه ~~الترمذي وقال فيه وقد روي عن ابن الجوزي نحوه. ولم يذكر فيه عن ابن عباس ~~وهذا أشبه أن يكون أصح قال البغوي وذلك أن النساء كن يخرجن إلى الجماعة ~~فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صف ~~الرجال، ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صف النساء لتقرب من ~~الرجال فنزلت ms2111 هذه الآية فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف ~~الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها. وشرها أولها» أخرجه ~~مسلم عن أبي هريرة. وقال ابن عباس: # أراد بالمستقدمين من خلق الله وبالمستأخرين من لم يخلق الله تعالى بعد. ~~وقال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الحسن: المستقدمون يعني في الطاعة والخير والمستأخرون يعني ~~فيهما. وقال الأوزاعي: أراد بالمستقدمين المصلين في أول الوقت وبالمستأخرين ~~المؤخرين لها إلى آخره. وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين وبالمستأخرين في صف ~~القتال. وقال ابن عيينة: أراد من يسلم أولا ومن يسلم آخرا. # وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على ~~الصف الأول فازدحموا عليه، وقال قوم كانت بيوتهم قاصة عن المسجد: لنبيعن ~~دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم. فنزلت هذه الآية، ~~ومعناها إنما تجزون على النيات فاطمأنوا وسكنوا فيكون معنى الآية على القول ~~الأول المستقدم للتقوى والمستأخر للنظر، وعلى القول الأخير المستقدم لطلب ~~الفضيلة والمستأخر للعذر، ومعنى الآية أن علمه سبحانه وتعالى محيط بجميع ~~خلقه مقدمهم ومتأخرهم طائعهم وعاصيهم، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه وإن ~~ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم يعني على ما علم منهم، وقيل: إن الله سبحانه ~~وتعالى يميت الكل ثم يحشرهم الأولين والآخرين على ما ماتوا عليه (م) عن ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يبعث كل عبد على ما مات عليه» ~~قوله سبحانه وتعالى ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم عليه السلام في قول جميع ~~المفسرين سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل من النسيان لأنه عهد ~~إليه فنسي من صلصال يعني من اليابس، إذا نقرته سمعت له صلصلة يعني صوتا، ~~وقال ابن عباس: هو الطين الحر الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك ~~تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي وقال: هو من صل اللحم ~~إذا أنتن من حمإ يعني من الطين الأسود ms2112 مسنون أي متغير قال مجاهد وقتادة: هو ~~المنتن المتغير. وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. # تقول العرب: سننت الماء إذا أصببته قال ابن عباس: هو التراب المبتل ~~المنتن جعل صلصالا كالفخار، والجمع بين هذه الأقاويل على ما ذكره بعضهم أن ~~الله سبحانه وتعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام، قبض قبضة من تراب الأرض ~~فبلها بالماء حتى اسودت وأنتن ريحها، وتغيرت وإليه الإشارة بقوله: إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم إن ذلك التراب بله بالماء وخمره ~~حتى اسودت، وأنتن ريحه وتغير وإليه الإشارة بقوله: من حمأ مسنون ثم ذلك ~~الطين الأسود المتغير صوره صورة إنسان أجوف، فلما جف ويبس كانت تدخل فيه ~~الريح فتسمع له صلصلة يعني صوتا، وإليه الإشارة بقوله من صلصال كالفخار وهو ~~الطين اليابس، إذا تفخر في الشمس # PageV03P054 # ثم نفخ فيه الروح فكان بشرا سويا قوله تعالى والجان خلقناه من قبل يعني ~~من قبل آدم عليه السلام. قال ابن عباس: الجان أبو الجن كما أن آدم أبو ~~البشر. وقال قتادة: هو إبليس. وقيل: الجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين، ~~وفي الجن مسلمون وكافرون يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم. وأما ~~الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات إبليس. وقال وهب: إن من ~~الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة ~~الريح لا يتوالدون، ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين والأصح أن الشياطين ~~نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سموا جنا لتواريهم واستتارهم عن الأعين ~~من قولهم: جن الليل إذا ستر والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم ~~المؤمن ومنهم الكافر من نار السموم يعني من ريح حارة تدخل مسام الإنسان من ~~لطفها، وقوة حرارتها فتقتله. ويقال للريح الحارة التي تكون بالنهار: ~~السموم. # وللريح الحارة التي تكون بالليل: الحرور، وقال أبو صالح: السموم نار لا ~~دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء والحجاب، فإذا حدث أمر ~~خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به فالهدة التي ms2113 تسمعون من خرق ذلك الحجاب ~~وهذا على قول أصحاب الهيئة أن الكرة الرابعة تسمى كرة النار، وقيل: من نار ~~السموم يعني من نار جهنم. وقال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزء من ~~السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية. وقال ابن عباس: كان إبليس من ~~حي من الملائكة يسمون الجان خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا ~~في القرآن من مارج من نار، وخلقت الملائكة من النور. قوله عز وجل وإذ قال ~~ربك للملائكة أي واذكر يا محمد: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا سمي ~~الآدمي بشرا، لأنه جسم كثيف ظاهر البشرة ظاهر الجلد من صلصال من حمإ مسنون ~~تقدم تفسيره فإذا سويته يعني عدلت صورته، وأتممت خلقه ونفخت فيه من روحي ~~النفخ عبارة عن إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، ومنه نفخ الروح في النشأة ~~الأولى، وهو المراد من قوله: ونفخت فيه من روحي وأضاف الله عز وجل روح آدم ~~إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم لها كما يقال بيت الله وناقة الله وعبد ~~الله وسيأتي الكلام على الروح في تفسير سورة الإسراء عند قوله: «ويسألونك ~~عن الروح» إن شاء الله تعالى فقعوا له ساجدين الخطاب للملائكة، الذين قال ~~الله لهم: # إني خالق بشرا أمرهم بالسجود لآدم بقوله فقعوا له ساجدين. وكان هذا ~~السجود تحية لا سجود عبادة فسجد الملائكة كلهم يعني الذين أمروا بالسجود ~~لآدم أجمعون قال سيبويه: هذا توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية ~~فقال: لو قال فسجد الملائكة لاحتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال كلهم لزم ~~إزالة ذلك الاحتمال فظهر بهذا أنهم سجدوا بأسرهم ثم عند هذا بقي احتمال ~~آخر، وهو أنهم سجدوا في أوقات متفرقة، أو في دعة واحدة فلما قال: أجمعون ~~ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: ~~قول الخليل وسيبويه أجود لأن أجمعين معرفة فلا تكون حالا. روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن الله سبحانه وتعالى ms2114 أمر جماعة من الملائكة، بالسجود لآدم ~~فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم قال لجماعة أخرى: اسجدوا ~~لآدم فسجدوا. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 31 الى 41] # إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع ~~الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) # قال هذا صراط علي مستقيم (41) # PageV03P055 # إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين يعني مع الملائكة الذين أمروا بالسجود ~~لآدم فسجدوا قال يعني قال الله يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قال ~~يعني إبليس لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون أراد إبليس أنه ~~أفضل من آدم لأن آدم طيني الأصل وإبليس ناري الأصل. والنار أفضل من الطين ~~فيكون إبليس في قياسه أفضل من آدم، ولم يدر الخبيث أن الفضل فيما فضله الله ~~تعالى قال فاخرج منها يعني من الجنة وقيل من السماء فإنك رجيم أي طريد وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل ~~الأرض، فهو ملعون في السموات والأرض فإن قلت: إن حرف إلى لانتهاء الغاية ~~فهل ينقطع اللعن عنه يوم الدين الذي هو يوم القيامة؟ قلت: لا بل يزداد ~~عذابا إلى اللعنة التي عليه كأنه قال تعالى، وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم ~~الدين. ثم تزداد معها بعد ذلك عذابا دائما مستمرا لا انقطاع له قال رب ~~فأنظرني يعني أخرني إلى يوم يبعثون يعني يوم القيامة وأراد بهذا السؤال أنه ~~لا يموت أبدا لأنه إذا أمهل إلى يوم القيامة، ويوم القيامة لا يموت فيه أحد ~~لزم من ذلك أنه لا يموت أبدا، فلهذا السبب سأل الإنظار إلى يوم يبعثون، ~~فأجابه الله سبحانه وتعالى بقوله: ms2115 قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم يعني الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق وهو النفخة الأولى فيقال: ~~إن مدة موت إبليس أربعون سنة، وهو ما بين النفختين، ولم تكن إجابة الله ~~تعالى إياه في الإمهال إكراما له بل كان ذلك الإمهال زيادة له في بلائه ~~وشقائه وعذابه. وإنما سمي يوم القيامة بيوم الوقت المعلوم، لأن ذلك اليوم ~~لا يعلمه أحد إلا الله تعالى فهو معلوم عنده وقيل: إن جميع الخلائق يموتون ~~فيه فهو معلوم بهذا الاعتبار وقيل لما سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، ~~أجابه الله بقوله: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يعني اليوم الذي ~~عينت وسألت الإنظار إليه قال رب بما أغويتني الباء للقسم في قوله بما وما ~~ومصدرية، وجواب القسم لأزينن والمعنى فبإغوائك إياي لأزينن لهم في الأرض، ~~وقيل هي باء السبب. يعني بسبب كوني غاويا لأزينن لهم في الأرض يعني لأزينن ~~لهم حب الدنيا ومعاصيك ولأغوينهم أجمعين يعني بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، ~~وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على الكفر غير مغفور له حرص على إضلال ~~الخلق بالكفر، وإغوائهم ثم استثنى فقال إلا عبادك منهم المخلصين يعني ~~المؤمنين الذين أخلصوا لك التوحيد والطاعة والعبادة، ومن فتح اللام من ~~المخلصين يكون المعنى إلا من أخلصته واصطفيته لتوحيدك وعبادتك. وإنما ~~استثنى إبليس المخلصين، لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم، ولا يقبلون ~~منه وحقيقة الإخلاص فعل الشيء خالصا لله عن شائبة الغير فكل من أتى بعمل من ~~أعمال الطاعات فلا يخلو، إما أن مراده بتلك الطاعات وجه الله فقط، أو غير ~~الله أو مجموع الأمرين. أما ما كان لله تعالى فهو الخالص المقبول، وأما ما ~~كان لغير الله فهو الباطل المردود، وأما من كان مراده مجموع الأمرين فإن ~~ترجح جانب الله تعالى كان من المخلصين الناجحين، وإن ترجح الجانب الآخر كان ~~من الهالكين لأن المثل يقابله المثل فيبقى القدر الزائد، وإلى أي الجانبين ~~رجح أخذ به قال يعني قال الله تبارك وتعالى هذا ms2116 صراط علي مستقيم قال الحسن ~~معناه هذا صراط إلي مستقيم. وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا ~~يعرج إلى شيء. وقال الأخفش: معناه على الدلالة على الصراط المستقيم. وقال ~~الكسائي: هذا على طريق التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك ~~علي، أي لا تنفلت مني. وقيل: معناه علي استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق ~~والهداية. وقيل: هذا عائد إلى الإخلاص والمعنى أن الإخلاص طريق علي وإلي ~~يؤدي إلى كرامتي ورضواني. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 42 الى 45] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) إن ~~المتقين في جنات وعيون (45) # PageV03P056 # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان أي قوة وقدرة وذلك أن إبليس لما قال: لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، أوهم بهذا الكلام ~~أن له سلطانا على غير المخلصين فبين الله سبحانه وتعالى، أنه ليس له سلطان ~~على أحد من عبيده سواء كان من المخلصين، أو لم يكن من المخلصين. # قال أهل المعاني: ليس لك عليهم سلطان على قلوبهم، وسئل سفيان بن عيينة عن ~~هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، ~~وهؤلاء خاصته أي الذين هداهم، واجتباهم من عباده إلا من اتبعك من الغاوين ~~يعني إلا من اتبع إبليس من الغاوين، فإن له عليهم سلطانا بسبب كونهم ~~منقادين له فيما يأمرهم به وإن جهنم لموعدهم أجمعين يعني موعد إبليس ~~وأتباعه وأشياعه لها يعني لجهنم سبعة أبواب يعني سبع طبقات. قال علي بن أبي ~~طالب: تدرون كيف أبواب جهنم هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب ~~بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم ~~الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية لكل باب منهم جزء مقسوم ~~يعني لكل دركة قوم يسكنونها والجزء بعض الشيء، وجزأته جعلته أجزاء، والمعنى ~~أن الله سبحانه وتعالى يجزئ أتباع ms2117 إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل قسم منهم في ~~النار دركة من النار والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة فلذلك اختلفت ~~مراتبهم في النار. قال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا ~~النار يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وفي الثانية النصارى، وفي ~~الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة ~~أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون فذلك، قوله سبحانه وتعالى «إن المنافقين ~~في الدرك الأسفل من النار» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم» أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب قوله سبحانه وتعالى إن ~~المتقين في جنات وعيون المراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك في قول جمهور ~~المفسرين وقيل: هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والجنات والبساتين والعيون ~~والأنهار الجارية في الجنات، وقيل: يحتمل أن تكون هذه العيون غير الأنهار ~~الكبار التي في الجنة، وعلى هذا فهل يختص كل واحد من أهل الجنة بعيون أو ~~تجري هذه العيون من بعضهم إلى بعض؟ وكلا الأمرين محتمل فيحتمل أن كل واحد ~~من أهل الجنة يختص بعيون تجري في جناته، وقصوره ودوره فينتفع بها هو ومن ~~يختص به من حوره وولدانه، ويحتمل أنها تجري من جنات بعضهم إلى جنات بعض ~~لأنهم قد طهروا من الحسد والحقد. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 46 الى 60] # ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) نبئ عبادي أني ~~أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) # ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن ~~مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط ms2118 إنا لمنجوهم أجمعين ~~(59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) # ادخلوها أي يقال لهم: ادخلوها والقائل هو الله تعالى أو بعض ملائكته ~~بسلام آمنين يعني ادخلوا الجنة مع السلامة والأمن من الموت ومن جميع الآفات ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل الغل الحقد الكامن في القلب. ويطلق على الشحناء ~~والعداوة والبغضاء والحقد والحسد، وكل هذه الخصال المذمومة داخلة في # PageV03P057 # الغل لأنها كامنة في القلب يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص ~~بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة، وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد ~~والحسد إخوانا يعني في المحبة والمودة والمخالطة، وليس المراد منه إخوة ~~النسب على سرر جمع سرير. قال بعض أهل المعاني: السرير مجلس رفيع عال مهيأ ~~للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة ~~بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل صنعاء إلى الجابية متقابلين يعني ~~يقابل بعضهم بعضا لا ينظر أحد منهم في قفا صاحبه، وفي بعض الأخبار أن ~~المؤمن في الجنة إذا أراد أن يلقى أخاه المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى ~~صاحبه فيلتقيان ويتحدثان لا يمسهم فيها يعني في الجنة نصب أي تعب ولا إعياء ~~وما هم منها يعني من الجنة بمخرجين هذا نص من الله في كتابه على خلود أهل ~~الجنة في الجنة، والمراد منه خلود بلا زوال وبقاء بلا فناء، وكمال بلا ~~نقصان وفوز بلا حرمان. قوله سبحانه وتعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ~~قال ابن عباس: يعني لمن تاب منهم وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على ~~أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون وبين أيديكم النار فنزل جبريل بهذه الآية ~~وقال: يقول لك ربك يا محمد مم تقنط عبادي» ذكره البغوي بغير سند وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم قال قتادة بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لو ~~يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم العبد قدر عذابه لبخع ~~نفسه» يعني لقتل نفسه (خ) عن أبي ms2119 هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن الله سبحانه وتعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك ~~عنده تسعا وتسعين رحمة، وأدخل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر ~~بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي ~~عند الله من العذاب لم يأمن من النار» وفي الآية لطائف منها أنه سبحانه ~~وتعالى أضاف العباد إلى نفسه بقوله نبىء عبادي وهذا تشريف وتعظيم لهم، ألا ~~ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد ~~على قوله «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا» فكل من اعترف على نفسه بالعبودية ~~لله تعالى فهو داخل في هذا التشريف العظيم، ومنها أنه سبحانه وتعالى لما ~~ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة أولها قوله: أني وثانيها ~~أنا وثالثها إدخال الألف واللام في الغفور الرحيم، وهذا يدل على تغليب جانب ~~الرحمة والمغفرة. ولما ذكر العذاب لم يقل إني أنا المعذب، وما وصف نفسه ~~بذلك. بل قال: وأن عذابي هو العذاب الأليم على سبيل الإخبار، ومنها أنه ~~سبحانه وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ عباده هذا المعنى ~~فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. قوله سبحانه وتعالى: ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم هذا معطوف على ما قبله أي وأخبر يا محمد عبادي عن ~~ضيف إبراهيم. وأصل الضيف الميل يقال ضفت إلى كذا إذا ملت إليه والضيف من ~~مال إليك نزولا بك وصارت الضيافة متعارفة في القرى وأصل الضيف مصدر، ولذلك ~~استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم، وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف ~~وضيفان وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى، ليبشروا ~~إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط إذ دخلوا عليه يعني إذ دخل الأضياف على ~~إبراهيم عليه السلام فقالوا سلاما أي نسلم سلاما قال يعني إبراهيم إنا منكم ~~وجلون أي خائفون وإنما خاف إبراهيم منهم لأنهم لم يأكلوا طعامه قالوا لا ~~توجل يعني لا ms2120 تخف إنا نبشرك بغلام عليم يعني أنهم بشروه بولد ذكر غلام في ~~صغره عليم في كبره، وقيل عليم بالأحكام والشرائع والمراد به إسحاق عليه ~~السلام # فلما بشروه بالولد عجب إبراهيم من كبره وكبر امرأته قال أبشرتموني يعني ~~بالولد على أن مسني الكبر يعني على حالة الكبر، قاله على طريق التعجب فبم ~~تبشرون يعني فبأي شيء تبشرون، وهو استفهام بمعنى التعجب كأنه عجب من حصول ~~الولد على الكبر قالوا بشرناك بالحق يعني بالصدق الذي قضاه الله بأن يخرج ~~منك ولدا ذكرا، تكثر ذريته وهو إسحاق فلا تكن من القانطين يعني فلا تكن من ~~الآيسين من الخير. والقنوط: هو الإياس من الخير قال يعني إبراهيم ومن يقنط ~~من رحمة ربه إلا الضالون # يعني من ييأس من رحمة ربه إلا المكذبون، وفيه # PageV03P058 # دليل على أن إبراهيم عليه السلام لم يكن من القانطين، ولكنه استبعد حصول ~~الولد على الكبر فظنت الملائكة أن به قنوطا فنفى ذلك عن نفسه، وأخبر أن ~~القانط من رحمة الله تعالى من الضالين لأن القنوط من رحمة الله كبيرة، ~~كالأمن من مكر الله ولا يحصل إلا عند من يجهل كون الله تعالى قادرا على ما ~~يريد، ومن يجهل كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع المعلومات فكل هذه الأمور ~~سبب للضلالة قال يعني إبراهيم فما خطبكم يعني فما شأنكم وما الأمر الذي ~~جئتم فيه أيها المرسلون والمعنى ما الأمر الذي جئتم به سوى ما بشرتموني به ~~من الولد قالوا يعني الملائكة إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين يعني لهلاك قوم ~~مجرمين إلا آل لوط يعني أشياعه وأتباعه من أهل دينه إنا لمنجوهم أجمعين إلا ~~امرأته يعني امرأة لوط قدرنا يعني قضينا وإنما أسند الملائكة القدر إلى ~~أنفسهم وإن كان ذلك لله عز وجل، لاختصاصهم بالله وقربهم منه كما تقول خاصة ~~الملك نحن أمرنا، ونحن فعلنا وإن كان قد فعلوه بأمر الملك إنها لمن ~~الغابرين يعني لمن الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات، ومن ~~الإثبات نفي فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين. ms2121 # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 61 الى 70] # فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) # وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة ~~يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون ~~(69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) # فلما جاء آل لوط المرسلون وذلك أن الملائكة عليهم السلام لما بشروا ~~إبراهيم بالولد، وعرفوه بما أرسلوا به ساروا إلى لوط وقومه فلما دخلوا على ~~لوط قال إنكم قوم منكرون وإنما قال هذه المقالة لوط لأنهم دخلوا عليه وهم ~~في زي شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه فلهذا السبب قال ~~هذه المقالة. # وقيل: إن النكرة ضد المعرفة فقوله: إنكم قوم منكرون يعني لا أعرفكم ولا ~~أعرف من أي الأقوام أنتم، ولا لأي غرض دخلتم فعند ذلك قالوا يعني الملائكة ~~بل جئناك بما كانوا فيه يمترون يعني جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه ~~وأتيناك بالحق يعني باليقين الذي لا شك فيه وإنا لصادقون يعني فيما أخبرناك ~~به من إهلاكهم فأسر بأهلك بقطع من الليل يعني آخر الليل، والقطع القطعة من ~~الشيء وبعضه واتبع أدبارهم يعني واتبع آثار أهلك وسر خلفهم ولا يلتفت منكم ~~أحد يعني حتى لا يرى ما نزل بقومه من العذاب فيرتاع بذلك، وقيل: المراد ~~الإسراع في السير وترك الالتفات إلى ورائه، والاهتمام بما خلفه كما تقول ~~امض لشأنك ولا تعرج على شيء وقيل جعل ترك الالتفات علامة لمن ينجو من آل ~~لوط، ولئلا يتخلف أحد منهم فيناله العذاب وامضوا حيث تؤمرون قال ابن عباس: ~~يعني إلى الشام وقيل: الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل وذلك أن جبريل ~~أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة، ما عمل أهلها عمل قوم لوط وقضينا إليه ذلك ~~الأمر يعني وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وفرغنا منه ~~ثم ms2122 إنه سبحانه وتعالى فسر ذلك الأمر الذي قضاه بقوله أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين يعني أن هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم بالعذاب وقت الصبح وإنما ~~أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولا، وفسر ثانيا تفخيما له وتعظيما لشأنه وجاء ~~أهل المدينة يعني مدينة سدوم وهي مدينة قوم لوط يستبشرون يعني يبشر بعضهم ~~بعضا بأضياف لوط والاستبشار: إظهار الفرح والسرور، وذلك أن الملائكة لما ~~نزلوا على لوط ظهر أمرهم في المدينة، وقيل إن امرأته أخبرتهم بذلك، وكانوا ~~شبانا مردا في غاية الحسن ونهاية الجمال فجاء قوم لوط إلى داره طمعا منهم ~~في ركوب الفاحشة قال يعني # PageV03P059 # قال لوط لقومه إن هؤلاء ضيفي وحق على الرجل إكرام ضيفه فلا تفضحون يعني ~~فيهم يقال فضحه يفضحه إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه واتقوا الله ~~يعني خافوا الله في أمرهم ولا تخزون يعني ولا تخجلون قالوا يعني: قوم لوط ~~الذين جاءوا إليه أولم ننهك عن العالمين يعني أولم ننهك عن أن تضيف أحدا من ~~العالمين. وقيل: معناه أو لم ننهك أن تدخل الغرباء إلى بيتك، فانا نريد أن ~~نركب منهم الفاحشة: # وقيل: معناه ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من العالمين إذا قصدناه ~~بالفاحشة. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 71 الى 80] # قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) وإن كان أصحاب ~~الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين (80) # قال يعني قال لوط لقومه الذين قصدوا أضيافه هؤلاء بناتي أزوجكم إياهن إن ~~أسلمتم فأتوا الحلال ودعوا الحرام وقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي ~~كالوالد لأمته إن كنتم فاعلين يعني ما آمركم به لعمرك الخطاب فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ابن عباس: معناه وحياتك يا محمد وقال ما خلق الله نفسا ~~أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ms2123 وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته ~~والعمر واحد وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح وبقائه مدة ~~حياته. قال النحويون: ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف والمعنى لعمرك ~~قسمي فحذف الخبر لأن في الكلام دلالة عليه. إنهم لفي سكرتهم يعني في حيرتهم ~~وضلالتهم وقيل غفلتهم يعمهون يعني يترددون متحيرين وقال قتادة: يلعبون ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين يعني حين أضاءت الشمس فكان ابتداء العذاب الذي نزل ~~بهم وقت الصبح وتمامه وانتهاؤه حين أشرقت الشمس فجعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل تقدم تفسيره في سورة هود إن في ذلك يعني الذي ~~نزل بهم من العذاب لآيات للمتوسمين قال ابن عباس: للناظرين. وقال قتادة: ~~للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. وقال مجاهد: للمتفرسين ويعضد هذا ~~التأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. الفراسة بالكسر اسم من قولك ~~تفرست في فلان الخير. وهي على نوعين: أحدهما ما دل عليه ظاهر الحديث، وهو ~~ما يوقعه الله في قلوب أوليائه فيعلمون بذلك أحوال الناس بنوع من الكرامات، ~~وإصابة الحدس والنظر والظن والتثبت، والنوع الثاني ما يحصل بدلائل التجارب ~~والخلق والأخلاق تعرف بذلك أحوال الناس أيضا وللناس في علم الفراسة تصانيف ~~قديمة وحديثة. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في نظرهم ~~حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته فالمتوسم الناظر في سمة الدلائل، تقول ~~توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته وإنها يعني قرى قوم لوط لبسبيل ~~مقيم يعني بطريق واضح. قال مجاهد: بطريق معلم ليس بخفي ولا زائل والمعنى: ~~أن آثار ما أنزل الله بهذه القرى من عذابه وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يدثر ~~ولم يخف، والذين يمرون عليها من الحجاز إلى الشام يشاهدون ذلك ويرون أثره ~~إن في ذلك يعني الذي ذكر من عذاب قوم لوط، وما أنزل بهم لآية للمؤمنين يعني ~~المصدقين لما أنزله على رسوله ms2124 صلى الله عليه وسلم وإن كان أصحاب الأيكة ~~لظالمين يعني كان أصحاب الأيكة وهي الغيضة، واللام في قوله لظالمين للتأكيد ~~وهم قوم شعيب عليه السلام كانوا أصحاب غياض، وشجر ملتف وكان عامة شجرهم ~~المقل وكانوا قوما كافرين فبعث الله عز وجل إليهم شعيبا رسولا فكذبوه ~~فأهلكهم الله فهو قوله تعالى فانتقمنا منهم يعني بالعذاب، وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ # PageV03P060 # بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث الله سبحانه وتعالى سحابة كالظلة ~~فالتجؤوا إليها، واجتمعوا تحتها يلتمسون الروح فبعث الله عليهم نارا ~~فأحرقتهم جميعا وإنهما يعني مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة لبإمام مبين ~~يعني طريق واضح مستبين لمن مر بهما، وقيل: الضمير راجع إلى الأيكة ومدين ~~لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما وإنما سمي الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع، ولأن ~~المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. قوله عز وجل ولقد كذب ~~أصحاب الحجر المرسلين قال المفسرون: الحجر اسم واد كان يسكنه ثمود وهو ~~معروف بين المدينة النبوية والشام وآثاره موجودة باقية يمر عليها ركب الشام ~~إلى الحجاز، وأهل الحجاز إلى الشام وأراد بالمرسلين صالحا وحده، وإنما ذكره ~~بلفظ الجمع للتعظيم أو لأنهم كذبوه، وكذبوا من قبله من الرسل. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 81 الى 88] # وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) # إن ربك هو الخلاق العليم (86) ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ~~واخفض جناحك للمؤمنين (88) # وآتيناهم آياتنا يعني الناقة وولدها والآيات التي كانت في الناقة خروجها ~~من الصخرة، وعظم جثتها وقرب ولادها وغزارة لبنها، وإنما أضاف الآيات إليهم ~~وإن كانت لصالح، لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات فكانوا عنها يعني عن الآيات ~~معرضين يعني تاركين لها غير ملتفتين إليها وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ms2125 ~~آمنين خوفا من الخراب أو أن يقع عليهم الجبل أو السقف فأخذتهم الصيحة يعني ~~العذاب مصبحين يعني وقت الصبح فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون يعني من الشرك ~~والأعمال الخبيثة (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ~~ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي» ~~قوله سبحانه وتعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق يعني ~~لإظهار الحق والعذاب، وهو أن يثاب المؤمن المصدق ويعاقب الجاحد الكافر ~~الكاذب وإن الساعة لآتية يعني: وإن القيامة لتأتي ليجازى المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته فاصفح الصفح الجميل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ~~فأعرض عنهم يا محمد واعف عنهم عفوا حسنا. واحتمل ما تلقى من أذى قومك وهذا ~~الصفح والإعراض منسوخ بآية القتال، وقيل فيه بعد لأن الله سبحانه وتعالى ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يظهر الخلق الحسن وأن يعاملهم بالعفو ~~والصفح الخالي من الجزع والخوف إن ربك هو الخلاق العليم يعني أنه سبحانه ~~وتعالى خلق خلقه، وعلم ما هم فاعلوه وما يصلحهم. قوله عز وجل ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم قال ابن الجوزي: سبب نزولها أن سبع قوافل ~~وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من البز ~~والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ~~وأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله هذه الآية. وقال: قد أعطيتكم سبع آيات ~~هي خير من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله لا تمدن عينيك الآية ~~قال الحسن بن الفضل قلت وهذا القول ضعيف، أو لا يصح لأن هذه السورة مكية، ~~بإجماع أهل التفسير وليس فيها من المدني شيء. ويهود قريظة والنضير، كانوا ~~بالمدينة وكيف يصح أن يقال إن سبع قوافل جاءت في يوم واحد، فيها أموال ~~عظيمة حتى تمناها المسلمون فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أن ms2126 هذه السبع ~~آيات هي خير من هذه السبع القوافل والله أعلم، وفي المراد بالسبع المثاني ~~أقوال أحدها # PageV03P061 # أنها فاتحة الكتاب، وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وفي رواية عنه وابن ~~عباس، وفي رواية الأكثرين عنه وأبي هريرة والحسن، وسعيد بن جبير وفي رواية ~~عنه ومجاهد وعطاء وقتادة في آخرين. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين أم ~~القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني» أخرجه أبو داود والترمذي (ق) عن أبي ~~سعيد ابن المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب ~~العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» أخرجه البخاري. ~~وفيه زيادة أما السبب في تسمية فاتحة الكتاب بالسبع المثاني، فلأنها سبع ~~آيات بإجماع أهل العلم واختلفوا في سبب تسميتها بالمثاني. فقال ابن عباس ~~والحسن وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة تقرأ في كل ركعة. وقيل: لأنها مقسومة ~~بين العبد وبين الله نصفين: # فنصفها الأول ثناء على الله. ونصفها الثاني: دعاء ويدل على صحة هذا ~~التأويل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«يقول الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» الحديث مذكور ~~في فضل الفاتحة. وقيل سميت مثاني لأن كلماتها مثناة مثل قوله: «الرحمن ~~الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين» فكل هذه ~~ألفاظ مثناة. وقال الحسن بن الفضل: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة ~~بالمدينة ومعها سبعون ألف ملك. وقال مجاهد: لأن الله سبحانه وتعالى ~~استثناها وادخرها لهذه الأمة فلم يعطها لغيرهم. وقال أبو زيد البلخي: لأنها ~~تثني أهل الشرك عن الشر من قول العرب ثنيت عناني. وقال ابن الزجاج: # سميت فاتحة الكتاب مثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد ~~الله وتوحيده، وملكه وإذا ثبت كون الفاتحة هي السبع المثاني دل ذلك على ~~فضلها وشرفها وأنها من أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذكر في قوله تعالى ms2127 ~~ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم مع أنها جزء من أجزاء القرآن ~~وإحدى سوره لا بد. وأن يكون لاختصاصها بالشرف، والفضيلة. القول الثاني في ~~تفسير قوله سبعا من المثاني أنها السبع الطوال، وهذا قول ابن عمر وابن ~~مسعود في رواية عنه وابن عباس وفي رواية عنه وسعيد بن جبير وفي رواية عنه ~~السبع الطوال هي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ~~والأعراف. واختلفوا في السابعة فقيل الأنفال مع براءة لأنهما كالسورة ~~الواحدة، ولهذا لم يكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل السابعة ~~هي سورة يونس ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ثوبان أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن الله سبحانه وتعالى أعطاني السبع الطوال مكان ~~التوراة وأعطاني المائتين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، ~~وفضلني ربي بالمفصل» أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي قال ابن عباس: إنما سميت ~~السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود، والأمثال والخبر والعبر ثنيت ~~فيها، وأورد على هذا القول أن هذه السور الطوال غالبها مدنيات فكيف يمكن ~~تفسير هذه الآية بها، وهي مكية وأجيب عن هذا الإيراد بأن الله سبحانه ~~وتعالى، حكم في سابق علمه بإنزال هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإذا كان الأمر كذلك صح أن تفسر هذه الآية بهذه السورة، القول الثالث: أن ~~السبع المثاني هي السور التي هي دون الطوال، وفوق المفصل وهي المئين، وحجة ~~هذا القول الحديث المتقدم وأعطاني مكان الزبور المثاني، والقول الرابع: أن ~~السبع المثاني هي القرآن كله وهذا قول طاوس وحجة هذا القول أن الله سبحانه ~~وتعالى قال «الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني» وسمي القرآن كله ~~مثاني لأن الأخبار والقصص والأمثال ثنيت فيه فإن قلت: كيف يصح عطف القرآن ~~في قوله «والقرآن العظيم» على قوله «سبعا من المثاني» وهل هو إلا عطف الشيء ~~على نفسه؟ قلت: إذا عني بالسبع المثاني فاتحة الكتاب أو السبع الطوال فما ~~وراءهن ينطلق عليه القرآن لأن القرآن اسم يقع على البعض كما يقع ms2128 على الكل ~~ألا ترى إلى قوله بما أوحينا إليك هذا القرآن يعني سورة يوسف عليه السلام. ~~وإذا عنى بالسبع المثاني القرآن كله كان المعنى ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني، وهي القرآن العظيم وإنما سمي القرآن عظيما، لأنه كلام الله ووحيه ~~أنزله على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم. قوله لا تمدن عينيك الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تمدن عينيك يا محمد إلى ما متعنا به أزواجا ~~يعني أصنافا منهم يعني من # PageV03P062 # الكفار متمنيا لها نهى الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة ~~في الدنيا، ومزاحمة أهله عليها والمعنى أنك قد أوتيت القرآن العظيم الذي ~~فيه غنى عن كل شيء، فلا تشغل قلبك وسرك بالالتفات إلى الدنيا والرغبة فيها. ~~روي أن سفيان بن عيينة تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم «ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن» يعني من لم يستغن بالقرآن فتأول هذه الآية. # قيل: إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء، إذا أدام النظر إليه مستحسنا له ~~فيحصل من ذلك تمني ذلك الشيء المستحسن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينظر إلى شيء من متاع الدنيا ولا يلتفت إليه ولا يستحسنه ولا تحزن عليهم ~~يعني ولا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا وقيل ولا تحزن على ~~إيمانهم إذا لم يؤمنوا ففيه النهي عن الالتفات إلى أموال الكفار، والالتفات ~~إليهم أيضا وروى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لا تغبطن فاجرا بنعمته فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته إن له ~~عند الله قاتلا لا يموت قيل: وما هو؟ قال: # النار» (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا نظر ~~أحدكم إلى من فضل عليه في المال، والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه» لفظ ~~البخاري ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا إلى من هو ~~أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، ms2129 فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله ~~عليكم» قال عوف بن عبد الله بن عتبة: كنت أصحب الأغنياء فما كان أحد أكثر ~~هما مني كنت أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي، فلما سمعت هذا ~~الحديث صحبت الفقراء فاسترحت. وقوله سبحانه وتعالى واخفض جناحك يعني لين ~~جانبك للمؤمنين وارفق بهم لما نهاه الله سبحانه وتعالى عن الالتفات إلى ~~الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع واللين والرفق بفقراء المسلمين وغيرهم ~~من المؤمنين. # ### || [سورة الحجر (15): الآيات 89 الى 95] # وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين ~~جعلوا القرآن عضين (91) فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) # وقل أي وقل لهم يا محمد إني أنا النذير المبين لما أمر الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا، والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما ~~أرسل به إليهم، والنذارة تبليغ مع تخويف والمعنى: إني أنا النذير بالعقاب ~~لمن عصاني المبين النذارة كما أنزلنا على المقتسمين يعني أنذركم عذابا ~~كعذاب أنزلناه بالمقتسمين، قال ابن عباس: أراد بالمقتسمين اليهود والنصارى. ~~وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة: سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ~~ببعضه، فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به، وقال عكرمة: إنهم ~~اقتسموا سور القرآن فقال واحد منهم هذه السورة لي وقال: آخر هذه السورة لي، ~~وإنما فعلوا ذلك استهزاء به، وقال مجاهد: # إنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وكفر آخرون منهم بما ~~آمن به غيرهم. وقال قتادة وابن السائب: أراد بالمقتسمين كفار قريش سموا ~~بذلك لأن أقوالهم تقسمت في القرآن. فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم أنه ~~كهانة وزعم بعضهم إنه أساطير الأولين وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين ~~لأنهم اقتسموا عقاب مكة وطرقها، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث رهطا من أهل ~~مكة. قيل ستة عشر. وقيل: أربعين. فقال لهم: انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة ~~وطرقها حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم ms2130 إنه كاهن ~~وليقل بعضكم إنه شاعر، وليقل بعضكم إنه ساحر فإذا جاءوا إلي صدقتكم فذهبوا ~~وقعدوا على عقاب مكة وطرقها يقولون لمن مر بهم من حجاج العرب: لا تغتروا ~~بهذا الخارج الذي يدعي النبوة منا فإنه مجنون كاهن، وشاعر. وقعد الوليد بن ~~المغيرة على باب المسجد الحرام فإذا جاءوا وسألوه عما قال: أولئك ~~المقتسمون. قال: # صدقوا. وقوله سبحانه وتعالى: الذين جعلوا القرآن عضين (خ) عن ابن عباس في ~~قوله تعالى الذين جعلوا # PageV03P063 # القرآن عضين. قال: هم اليهود والنصارى جزءوه أجزاء آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض، قيل: هو جمع عضة من قولهم عضيت الشيء إذا فرقته، وجعلته أجزاء وذلك ~~لأنهم جعلوا القرآن أجزاء مفرقة. فقال بعضهم: هو سحر. # وقال بعضهم: هو كهانة. وقال بعضهم: هو أساطير الأولين. وقيل: هو جمع عضة. ~~وهو الكذب والبهتان وقيل: المراد به العضة وهو السحر يعني أنهم جعلوا ~~القرآن عضين عما كانوا يعملون يعني عما كانوا يقولونه في القرآن. وقيل: عما ~~كانوا يعملون من الكفر والمعاصي. وقيل: يرجع الضمير في لنسألنهم إلى جميع ~~الخلق المؤمن والكافر لأن اللفظ عام فحمله على العموم أولى قال جماعة من ~~أهل العلم عن لا إله إلا الله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال: «عن قول لا إله إلا الله» أخرجه ~~الترمذي. وقال: # حديث غريب وقال أبو العالية: يسأل العباد عن خلتين عما كانوا يعبدون، ~~وماذا أجابوا المرسلين. فإن قلت: # كيف الجمع بين قوله لنسألنهم أجمعين وبين قوله فيومئذ لا يسئل عن ذنبه ~~إنس ولا جان؟ قلت: قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم لأنه أعلم به منهم، ~~ولكن يقول لم عملتم كذا واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان سؤال استعلام ~~وسؤال توبيخ فقال تعالى فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان يعني سؤال ~~استعلام وقوله لنسئلنهم أجمعين سؤال توبيخ وتقريع وجواب آخر، وهو يروى عن ~~ابن عباس أيضا أنه قال في الآيتين: أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ~~فيسألون في ms2131 بعض المواقف ولا يسألون في بعضها نظيره قوله سبحانه وتعالى هذا ~~يوم لا ينطقون وقال تعالى في آية أخرى ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون قوله سبحانه وتعالى فاصدع بما تؤمر قال ابن عباس: أظهر. ويروى عنه ~~أمضه. وقال الضحاك: أعلم وأصل الصدع الشق والفرق أي أفرق بالقرآن بين الحق ~~والباطل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة وتبليغ ~~الرسالة إلى من أرسل إليهم قال عبد الله بن عبيدة. ما زال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه وأعرض عن المشركين ~~أي اكفف عنهم ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار دينك، وتبليغ رسالة ربك وقيل ~~أعرض عن الاهتمام باستهزائهم، وهو قوله سبحانه وتعالى إنا كفيناك ~~المستهزئين أكثر المفسرين على أن هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. وقال ~~بعضهم: ما للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ترك المبالاة بهم، والالتفات إليهم، ~~فلا يكون منسوخا، وقوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين يقول الله تعالى عز ~~وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فاصدع بما أمرتك به ولا تخف أحدا غيري ~~فإني أنا كافيك، وحافظك ممن عاداك فإنا كفيناك المستهزئين وكانوا خمسة نفر ~~من رؤساء كفار قريش، كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ~~وهم: الوليد بن المغيرة المخزومي وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، ~~والأسود بن المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: اللهم أعم بصره وأثكله بولده. ~~والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس ابن ~~الطلاطلة كذا ذكره البغوي. وقال ابن الجوزي: الحارث بن قيس ابن عيطلة وقال ~~الزهري: عيطلة أمة وقيس أبوه فهو منسوب إلى أبيه وأمة قال المفسرون: أتى ~~جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستهزئون يطوفون ~~بالبيت فقام جبريل، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به ~~الوليد بن المغيرة فقال ms2132 جبريل: يا محمد كيف تجد هذا قال بئس عبد الله فقال: ~~قد كفيته وأومأ إلى ساق الوليد فمر الوليد برجل من خزاعة نبال بريش نبلا ~~له، وعليه برد يماني وهو يجر إزاره فتعلقت شظية من النبل بإزار الوليد، ~~فمنعه الكبر أن يطأطئ رأسه فينزعها وجعلت تضربه في ساقه، فخذشته فمرض فمات، ~~ومر بهما العاص بن وائل السهمي فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ # فقال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص قدمه وقال: قد كفيته. فخرج ~~العاص على راحلة يتنزه، ومعه ابناه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ شبرقة ~~فدخل منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت فطلبوا فلم يجدوا شيئا ~~وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومر بهما الأسود بن ~~المطلب فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأشار جبريل بيده ~~إلى عينيه. وقال: قد كفيته فعمي. قال ابن # PageV03P064 # عباس: رماه جبريل بورقة خضراء فألهب بصره ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه ~~الجدار، حتى هلك وفي رواية الكلبي قال: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ~~ومعه غلام له وفي رواية فجعل ينطح رأسه في الشجرة ويضرب وجهه بالشوك ~~فاستغاث بغلامه، فقال له غلامه: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غيرك فمات، وهو ~~يقول قتلني محمد ومر بهما الأسود ابن عبد يغوث فقال جبريل: كيف تجد هذا يا ~~محمد؟ فقال: بئس عبد الله على أنه خالي. فقال جبريل: قد كفيته وأشار إلى ~~بطنه فاستسقى بطنه فمات. وفي رواية الكلبي أنه خرج من أهله. # فأصابه سموم فاسود وجهه حتى صار حبشيا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا ~~دونه الباب فمات، وهو يقول: # قتلني رب محمد. ومر بهما الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ ~~فقال: عبد سوء فأومأ جبريل إلى رأسه. وقال قد كفيته فامتخط قيحا فقتله. ~~وقال ابن عباس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى ~~أنقد بطنه فمات. فذلك قوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين يعني ms2133 بك وبالقرآن. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 96 الى 99] # الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين (99) # الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون يعني إذا نزل بهم العذاب ففيه ~~وعيد وتهديد. قوله سبحانه وتعالى ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون يعني ~~بسبب ما يقولون، وهو ما كانوا يسمعونه من الاستهزاء به، والقول الفاحش ~~والجبلة البشرية تأبى ذلك فيحصل عند سماع ذلك ضيق الصدر، فعند ذلك أمره ~~بالتسبيح والعبادة وهو قوله فسبح بحمد ربك قال ابن عباس: فصل بأمر ربك وكن ~~من الساجدين يعني من المتواضعين لله، وقال الضحاك فسبح بحمد ربك قل سبحان ~~الله وبحمده وكن من الساجدين يعني من المصلين روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، قال بعض العارفين من المحققين: أن ~~السبب في زوال الحزن عن القلب، إذا أتى العبد بهذه العبادات أنه يتنور ~~باطنه ويشرق قلبه، وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها ~~فلا يلتفت إليها، ولا يتأسف على فواتها فيزول الهم والغم والحزن عن قلبه. # وقال بعض العلماء: إذا نزل بالعبد مكروه ففزع إلى الصلاة فكأنه يقول: يا ~~رب إنما يجب علي عبادتك سواء أعطيتني ما أحب أو كفيتني ما أكره، فأنا عبدك ~~وبين يديك فافعل بي ما تشاء. قوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين يعني ~~الموت الموقن به الذي لا يشك فيه أحد، والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك، ~~ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك، وهذا مثل قوله تعالى في ~~سورة مريم وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا روى البغوي بسنده عن جبير بن ~~نفير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أوحى الله إلي أن أجمع ~~المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» وعن عمر قال: نظر ms2134 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # «انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب ~~الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو قال: شريت له بمائتي درهم ~~فدعاه حب الله، وحب رسوله إلى ما ترون» ذكره البغوي بغير سند والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P065 ### | سورة النحل # مكية إلا قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به. إلى آخر ~~السورة فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة قاله ابن عباس وفي رواية أخرى عنه ~~أنها مكية غير ثلاث آيات. نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى ولا تشتروا بعهد ~~الله ثمنا قليلا إلى قوله تعلمون وقال قتادة هي مكية إلا خمس آيات وهي قوله ~~والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا وقوله ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا وقوله تعالى وإن عاقبتم إلى آخر السورة زاد مقاتل وقوله: من ~~كفر بالله من بعد إيمانه الآية وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة الآية ~~وقيل كان يقال لسورة النحل سورة النعم لكثرة تعداد النعم فيها، وهي مائة ~~وثمان وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة وسبعة آلاف وسبعمائة وسبعة ~~أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة النحل (16): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~(2) # قوله سبحانه وتعالى: أتى أمر الله يعني جاء ودنا وقرب أمر الله تقول ~~العرب: أتاك الأمر وهو متوقع المجيء، بعد ما أتى، ومعنى الآية أتى أمر الله ~~وعدا فلا تستعجلوه يعني وقوعا بالمراد به مجيء القيامة. قال ابن عباس: لما ~~نزل قوله سبحانه وتعالى اقتربت الساعة وانشق القمر قال الكفار: بعضهم لبعض ~~إن هذا الرجل يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ms2135 ~~ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله ~~تعالى اقترب للناس حسابهم فأشفقوا فلما امتدت الأيام، قالوا: يا محمد ما ~~نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل أتى أمر الله فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورفع الناس رؤوسهم، وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل فلا تستعجلوه فاطمأنوا، ~~والاستعجال طلب مجيء الشيء قبل وقته ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # «بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بإصبعيه يمدهما» أخرجاه في الصحيحين من ~~حديث سهل بن سعد (ق) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت ~~أنا والساعة كهاتين كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السبابة إلى الوسطى» وفي ~~رواية «بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى» قال ابن عباس: كان ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر جبريل بأهل السموات ~~مبعوثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة قال ~~قوم: المراد بالأمر هنا عقوبة المكذبين وهو العذاب بالقتل بالسيف وذلك أن ~~النضر بن الحرث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية، وقتل ~~النضر يوم بدر صبرا سبحانه وتعالى عما يشركون يعني تنزه الله وتعاظم ~~بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون. قوله سبحانه وتعالى: ينزل الملائكة ~~بالروح يعني بالوحي من أمره وإنما سمي الأمر روحا لأنه تحيا القلوب من موت ~~الجهالات وقال عطاء: بالنبوة. وقال قتادة: بالرحمة. وقيل: الروح هو جبريل ~~والباء # PageV03P066 # بمعنى مع يعني ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل على من يشاء من عباده ~~يعني على من يصطفيه من عباده للنبوة، والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق أن ~~أنذروا يعني بأن اعلموا أنه لا إله إلا أنا فاتقون أي فخافون. # وقيل: معناه مروا بقول لا إله إلا الله منذرين يعني مخوفين بالقرآن. ### || [سورة النحل (16): الآيات 3 الى 12] # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى ms2136 عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~(5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي أنزل من السماء ~~ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر ~~لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (12) # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون تقدم تفسيره خلق الإنسان من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين يعني أنه جدل بالباطل بين الخصومة نزلت في أبي بن ~~خلف الجمحي، وكان ينكر البعث فجاء بعظم رميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: تزعم أن الله يحيي هذا بعد ما رم فنزلت فيه هذه الآية، ونزل فيه أيضا ~~قوله تعالى «قال من يحيي العظام وهي رميم» والصحيح أن الآية عامة في كل ما ~~يقع من الخصومة في الدنيا ويوم القيامة، وحملها على العموم أولى، وفيها ~~بيان القدرة وأن الله خلق الإنسان من نطفة قذرة فصار جبارا كثيرا لخصومة، ~~وفيه كشف قبيح ما فعله الكفار من جحدهم نعم الله تعالى مع ظهورها عليهم. ~~قوله عز وجل والأنعام خلقها لما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق السموات ~~والأرض، ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان، ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته. ~~ولما كان أعظم ضرورات الإنسان إلى الأكل واللباس اللذين يقوم بهما بدن ~~الإنسان بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام. فقال تعالى ~~والأنعام خلقها وهي الإبل والبقر والغنم. قال الواحدي: تم الكلام عند قوله ~~والأنعام خلقها. ثم ابتدأ فقال تعالى لكم فيها دفء قال: ويجوز أيضا أن يكون ~~تمام الكلام عند قوله لكم ثم ابتدأ فقال تعالى: فيها ms2137 دفء. قال صاحب النظم ~~أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خلقها ثم يبتدأ بقوله لكم فيها دفء، ~~والدليل عليه أنه عطف عليه قوله، ولكم فيها جمال والتقدير لكم فيها دفء ~~ولكم فيها جمال. ولما كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية، ومنها غير ~~ضرورية، بدأ الله سبحانه وتعالى بذكر المنافع الضرورية، فقال تعالى: لكم ~~فيها دفء وهو ما يستدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها، المتخذة من الأصواف ~~والأوبار والأشعار الحاصلة من النعم ومنافع يعني النسل والدر والركوب، ~~والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام ومنها تأكلون يعني من لحومها. ~~فإن قلت: قوله تعالى ومنها تأكلون يفيد الحصر لأن تقديم الظرف مؤذن ~~بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل من هذه الأنعام هو الذي يعتمده ~~الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط والإوز وصيد البر ~~والبحر، فغير معتد به في الأغلب: وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ومنها ~~تأكلون مخرج الأغلب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قلت: منفعة الأكل مقدمة ~~على منفعة اللباس فلم أخر منفعة الأكل وقدم منفعة اللباس؟ قلت: منفعة ~~اللباس أكثر وأعظم من منفعة # PageV03P067 # الأكل فلهذا قدم على الأكل. وقوله سبحانه وتعالى ولكم فيها أي في الأنعام ~~جمال أي زينة حين تريحون وحين تسرحون الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحها ~~حيث تأوي إليه بالليل. وقال: سرح القوم إبلهم تسريحا إذا أخرجوها بالغداة ~~إلى المرعى. قال أهل اللغة: وأكثر ما تكون هذه الراحة أيام الربيع إذا سقط ~~الغيث، ونبت العشب والكلأ وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما تكون النعم في ذلك ~~الوقت فمن الله سبحانه وتعالى بالتجمل بها فيه كما من بالانتفاع بها لأنه ~~من أغراض أصحاب المواشي بل هو من معظمها لأن الرعاة إذا سرحوا النعم ~~بالغداة إلى المرعى، وروحوها بالعشي إلى الأفنية والبيوت يسمع للإبل رغاء ~~وللشاء ثغاء يجاوب بعضها بعضا، فعند ذلك يفرح أربابها بها وتتجمل بها ~~الأفنية والبيوت، ويعظم وقعها عند الناس. فإن قلت: لم قدمت الإراحة على ~~التسريح؟ قلت: لأن الجمال ms2138 في الإراحة وهو رجوعها إلى البيوت أكثر منها وقت ~~التسريح لأن النعم تقبل من المرعى ملأى البطون حافلة الضروع، فيفرح أهلها ~~بها بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع من ~~اللبن، ثم تأخذ في التفرق والانتشار للرعي في البرية فثبت بهذا البيان أن ~~التجمل في الإراحة، أكثر منه في التسريح فوجب تقديمه. وقوله سبحانه وتعالى ~~وتحمل أثقالكم الأثقال جمع ثقل وهو متاع السفر وما يحتاج إليه من آلات ~~السفر إلى بلد يعني غير بلدكم قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى ~~الشام وإنما قال ابن عباس: هذا القول لأنه خطاب لأهل مكة وأكثر تجاراتهم ~~وأسفارهم إلى الشام واليمن وحمله على العموم أولى لأنه خطاب عام فدخول ~~الكافة فيه أولى من تخصيصه ببعض المخاطبين لم تكونوا بالغيه يعني # بالغي ذلك البلد الذي تقصدونه إلا بشق الأنفس يعني بالمشقة والجهد ~~والعناء والتعب والشق نصف الشيء، والمعنى على هذا لم تكونوا بالغيه إلا ~~بنقصان قوة، النفس وذهاب نصفها إن ربكم لرؤف رحيم يعني بخلقه حيث خلق لهم ~~هذه المنافع. قوله سبحانه وتعالى: والخيل والبغال والحمير لتركبوها هذه ~~الآية عطف على ما قبلها، والمعنى وخلق هذه الحيوانات لأجل أن تركبوها، ~~والخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والرهط والنساء وزينة يعني ~~وجعلها زينة مع المنافع التي فيها. # فصل # احتج بهذه الآية من يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس وتلا هذه ~~الآية وقال: هذه للركوب وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله، ~~واستدلوا أيضا بأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلما لم يذكره الله ~~تعالى، علمنا تحريم أكله فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا لكان هذا المعنى ~~أولى بالذكر، لأن الله سبحانه وتعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال ومنها ~~تأكلون وخص هذه بالركوب. فقال: لتركبوها فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا ~~للأكل وذهب مجموعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح ~~وعطاء وسعيد بن جبير: وإليه ذهب الإمام الشافعي رضي الله ms2139 تعالى عنه وأحمد ~~وإسحاق واحتجوا على إباحة لحوم الخيل لما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ~~أنها قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ونحن ~~بالمدينة فأكلناه» أخرجه البخاري ومسلم (ق). عن جابر «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل وحمر الوحش ونهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الحمار الأهلي» هذه رواية البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود قال: ~~«ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابتنا مخمصة فنهانا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل» وأجاب من ~~أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة، لا يدل على أن ~~منفعتها مختصة بذلك، وإنما خص هاتان المنفعتان بالذكر لأنهما معظم المقصود، ~~قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله في الأنعام وتحمل ~~أثقالكم، ولم يلزم من هذا التحريم حمل الأثقال على الخيل، وقال البغوي: ليس ~~المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده ~~نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، # PageV03P068 # والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب ~~ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة، ~~وكان الأكل مسكوتا عنه دار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت بإباحة ~~لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير، فأخذنا بها جمعا بين النصين والله ~~أعلم وقوله تعالى ويخلق ما لا تعلمون لما ذكر الله سبحانه وتعالى الحيوانات ~~التي ينتفع بها الإنسان في جميع حالاته، وضرورياته على سبيل التفضيل، ذكر ~~بعدها ما لا ينتفع به الإنسان في الغالب على سبيل الإجمال لأن مخلوقات الله ~~عز وجل في البر والبحر والسموات أكثر من أن تحصى أو يحيط بها عقل أحد أو ~~فهمه، فلهذا ذكرها على الإجمال، وقال بعضهم: ويخلق ما لا تعلمون يعني مما ~~أعد الله لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار مما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على ms2140 قلب بشر وقال قتادة في قوله: ويخلق ما لا تعلمون ~~يعني السوس في النبات والدود في الفواكه. قوله سبحانه وتعالى وعلى الله قصد ~~السبيل القصد استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك ~~وفي الآية حذف تقديره وعلى الله بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من ~~الضلالة وقيل: معناه وعلى الله بيان طريق الحق بالآيات والبراهين ومنها ~~جائر يعني ومن السبل سبيل جائر عن الاستقامة بل هو معوج فالقصد من السبيل ~~هو دين الإسلام، والجائر منها دين اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر، ~~وقال جابر بن عبد الله: قصد السبيل بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله ~~بن المبارك وسهل بن عبد الله: # قصد السبيل السنة ومنها جائر الأهواء والبدع ولو شاء لهداكم أجمعين فيه ~~دليل على أن الله تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان لأن ~~كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله ولو شاء هدايتكم لهداكم ~~أجمعين وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم. قوله عز وجل ~~هو الذي أنزل من السماء ماء لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمته على عباده ~~بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة: عقبه بذكر إنزال المطر من السماء، ~~وهو من أعظم النعم على العباد فقال: هو الذي أنزل من السماء. يعني، والله ~~الذي خلق جميع الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر لكم منه يعني ~~من ذلك الماء شراب يعني تشربونه ومنه يعني ومن ذلك الماء شجر الشجر في ~~اللغة ما له ساق من نبات الأرض، ونقل الواحدي عن أهل اللغة أنهم قالوا: # الشجر أصناف ما جل وعظم، وهو الذي يبقى على الشتاء وما دق وهو صنفان ~~أحدهما تبقى له أدوحة في الشتاء، وينبت في الربيع ومنها ما لا يبقى له ساق ~~في الشتاء كالبقول، وقال أبو إسحاق: كل ما ينبت على وجه الأرض فهو شجر ~~وأنشد: # نطعمها اللحم إذا عز الشجر # أراد أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة: في ms2141 هذه ~~الآية يعني الكلأ ومعنى الآية أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما ترعى ~~الراعية من ورق الشجر لأن الإبل ترعى كل الشجر فيه يعني في الشجر تسيمون ~~يعني ترعون مواشيكم. يقال: أسمت السائمة إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت ~~حيث شاءت ينبت لكم # أي ينبت الله لكم وقرئ ينبت على التعظيم لكم به أي بذلك الماء الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات لما ذكر الله في الحيوان تفصيلا ~~وإجمالا ذكر في الثمار تفصيلا وإجمالا فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي يقتات ~~به كالحنطة والشعير وما أشبههما لأن به قوام بدن الإنسان، وثنى بذكر ~~الزيتون لما فيه من الأدم والدهن والبركة، وثلث بذكر النخيل لأن ثمرتها ~~غذاء وفاكهة، وختم بذكر الأعناب لأنها شبه النخلة في المنفعة من التفكه، ~~والتغذية، ثم ذكر سائر الثمرات إجمالا لينبه بذلك على عظيم قدرته، وجزيل ~~نعمته على عباده ثم قال تعالى إن في ذلك يعني الذي ذكر من أنواع الثمار ~~لآية يعني علامة دالة على قدرتنا ووحدانيتنا لقوم يتفكرون يعني فيما ذكر من ~~دلائل قدرته ووحدانيته وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم تقدم ~~تفسيره في سورة الأعراف مسخرات يعني مذللات مقهورات تحت قهره وإرادته، وفيه ~~رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي الفعالة ~~المتصرفة في العالم السفلي فأخبر الله تعالى أن هذه النجوم مسخرات في نفسها ~~مذللات # PageV03P069 # بأمره يعني بأمر ربها مقهورات تحت قهره يصرفها كيف يشاء، ويختار وأنها ~~ليس لها تصرف في نفسها فضلا عن غيرها، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق ~~هذه النجوم وجعلها مسخرات لمنافع عباده ختم هذه الآية بقوله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون يعني أن كل من كان له عقل صحيح سليم علم أن الله سبحانه ~~وتعالى، هو الفعال المختار وأن جميع الخلق تحت قدرته، وقهره وتسخيره لما ~~أراده منهم. # ### || [سورة النحل (16): الآيات 13 الى 23] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو ~~الذي ms2142 سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى ~~الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات وبالنجم هم يهتدون ~~(16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~(20) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين ~~لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) # لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) # وما ذرأ لكم في الأرض يعني وما خلق لكم في الأرض، وسخر لأجلكم من الدواب ~~والأنعام والأشجار والثمار مختلفا ألوانه يعني في الخلقة والهيئة والكيفية ~~واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها، حتى لا يشبه بعضها بعضا من كل الوجوه، ~~فيه دليل قاطع على كمال قدرة الله ولذلك ختم هذه الآية بقوله تعالى وهو ~~الذي سخر البحر لما ذكر الله سبحانه وتعالى الدلائل الدالة على قدرته، ~~ووحدانيته من خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان من نطفة وخلق سائر الحيوان ~~والنبات وتسخير الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، من آثار قدرته، وعجائب ~~صنعته وذكر إنعامه في ذلك على عباده، ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير ~~البحر لهم نعمة من الله عليهم، ومعنى تسخير الله البحر لعباده جعله بحيث ~~يتمكن الناس من الانتفاع به. فقال تعالى: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا فبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود، لأن به قوام البدن وفي ذكر ~~الطري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك أن السمك لون كان ~~كله مالحا لما عرف به من قدرة الله تعالى، ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من ~~البحر الملح الزعاق، الحيوان الطري الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما ~~حدث بقدرة الله، وخلقه لا بحسب الطبع وعلم بذلك أن الله قادر على إخراج ~~الضد من الضد. المنفعة ms2143 الثانية قوله تعالى وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~يعني اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان والمراد ~~بلبسهم لبس نسائهم لأن زينة النساء بالحلي، وإنما هو لأجل الرجال فكان ذلك ~~زينة لهم. المنفعة الثالثة قوله تعالى وترى الفلك يعني السفن مواخر فيه ~~يعني جواري فيه قال قتادة: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل ~~والأخرى تدبر تجريان بريح واحدة، وأصل المخر في اللغة الشق يقال: مخرت ~~السفينة مخرا إذا شقت الماء بجؤجؤها. وقال مجاهد: تمخر الرياح السفن يعني ~~أنها إذا جرت يسمع لها صوت قال أبو عبيدة: يعني من صوائح والمخر صوت هبوب ~~الريح عند شدتها وقال الحسن: مواخر يعني مواقر أي مملوءة متاعا ولتبتغوا من ~~فضله يعني الأرباح بالتجارة في البحر ولعلكم تشكرون يعني إنعام الله عليكم ~~إذا رأيتم نعم الله فيما سخر لكم وألقى في الأرض رواسي يعني جبالا ثقالا أن ~~تميد بكم يعني لئلا تميل وتضطرب # PageV03P070 # بكم، والميد هو اضطراب الشيء العظيم كالأرض، وقال وهب: لما خلق الله ~~سبحانه وتعالى الأرض جعلت تمور وتتحرك فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة ~~أحدا على ظهرها فأصبحوا، وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت ~~الجبال وأنهارا يعني وجعل فيها أنهارا لأن في ألقى معنى الجعل، فقوله ~~سبحانه وتعالى: # وأنهارا معطوف على وألقى، ولما ذكر الله الجبال ذكر بعدها الأنهار لأن ~~معظم عيون الأنهار، وأصولها تكون من الجبال وسبلا يعني وجعل فيها طرقا ~~مختلفة تسلكونها في أسفاركم، والتردد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان ~~إلى مكان لعلكم تهتدون يعني بتلك السبل إلى ما تريدون فلا تضلون وعلامات ~~يعني وجعل فيها علامات تهتدون بها في أسفاركم قال بعضهم: تم الكلام عند ~~قوله: وعلامات ثم ابتدأ وبالنجم هم يهتدون قال محمد بن كعب والكلبي: أراد ~~بالعلامات الجبال والنجوم، فالجبال علامات النهار، والنجوم علامات الليل. ~~وقال مجاهد: أراد بالكل النجوم فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدي به. ~~وقال السدي: أراد بالنجم الثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي، فهذه يهتدى ms2144 ~~بها إلى الطريق والقبلة. وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء ~~لتكون زينة السماء ومعالم الطريق ورجوما للشياطين فمن قال غير هذا فقد تكلف ~~ما لا علم له به. قوله سبحانه وتعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق لما ذكر الله ~~عز وجل من عجائب قدرته وغرائب صنعته، وبديع خلقه ما ذكر على الوجه الأحسن ~~والترتيب الأكمل، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة ~~كلها دالة على كمال قدرة الله تعالى، ووحدانيته وأنه تعالى هو المنفرد ~~بخلقها جميعا قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه ~~الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيء أفمن يخلق يعني هذه ~~الأشياء الموجودة المرئية بالعيان، وهو الله تعالى الخالق لها كمن لا يخلق ~~يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئا البتة، لأنها جمادات لا تقدر ~~على شيء، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادتها ويترك عبادة من يستحق ~~العبادة وهو الله خالق هذه الأشياء كلها، ولهذا المعنى ختم هذه الآية بقوله ~~أفلا تذكرون يعني أن هذا القدر ظاهر غير خاف على أحد فلا يحتاج فيه إلى ~~دقيق الفكر والنظر بل مجرد التذكر فيه، كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ~~ذكره. بقي في الآية سؤالان: الأول: قوله: كمن لا يخلق المراد به الأصنام ~~وهي جمادات لا تعقل فكيف يعبر عنها بلفظة من وهي لمن يعقل، والجواب عنه أن ~~الكفار لما سموا هذه الأصنام آلة وعبدوها أجريت مجرى من يعقل في زعمهم ألا ~~ترى إلى قوله: بعد هذا والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا فخاطبهم ~~على قدر زعمهم، وعقولهم. السؤال الثاني: قوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~المقصود منه إلزام الحجة على من عبد الأصنام حيث جعل غير الخالق مثل ~~الخالق، فكيف قال على سبيل الاستفهام أفمن يخلق كمن لا يخلق والجواب عنه ~~أنه ليس المراد منه الاستفهام بل المراد منه أن من خلق الأشياء العظيمة ~~وأعطى هذه النعم الجزيلة، كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة ms2145 في ~~التسمية والعبادة، وكيف يليق بالعاقل أن يترك عبادة من يستحق العبادة لأنه ~~خالق هذه الأشياء الظاهرة كلها، ويشتغل بعبادة جمادات لا يخلق شيئا البتة ~~والله أعلم. وقوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها يعني أن نعم الله ~~على العبد فيما خلق الله فيه من صحة البدن وعافية الجسم، وإعطاء النظر ~~الصحيح والعقل السليم، والسمع الذي يفهم به الأشياء وبطش اليدين وسعي ~~الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليه في نفسه، وفيما أنعم به عليه مما خلق ~~له من جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا لا تحصى حتى لو رام أحد ~~معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عن معرفتها وحصرها فكيف بنعمة العظام ~~التي لا يمكن الوصول إلى حصرها لجميع الخلق فذلك قوله تعالى وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها يعني ولو اجتهدتم في ذلك وأتعبتم نفوسكم لا تقدرون عليه إن ~~الله لغفور يعني لتقصيركم في القيام بشكر نعمته كما يجب عليكم رحيم يعني ~~بكم حيث وسع عليكم النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير، والمعاصي والله ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون يعني أن الكفار مع كفرهم كانوا يسرون أشياء. وهو ~~ما كانوا # PageV03P071 # يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما يعلنون يعني، وما يظهرون من ~~إيذائه فأخبرهم الله عز وجل أنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا تخفى ~~عليه خافية وإن # دقت وخفيت، وقيل: إن الله سبحانه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في ~~الآية المتقدمة ذكر في هذه الآية أن الإله الذي يستحق العبادة، يجب أن يكون ~~عالما بكل المعلومات سرها وعلانيتها، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق ~~العبادة ثم وصف الله هذه الأصنام بصفات فقال تعالى والذين يدعون من دون ~~الله يعني الأصنام التي تدعونها آلهة من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون فإن قلت: قوله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق، يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئا فقوله سبحانه وتعالى: لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون هذا ms2146 هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية فما فائدة ~~التكرار؟ قلت: فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون ~~شيئا فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وإنهم مخلوقون كغيرهم، ~~فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار أموات أي جمادات ميتة لا حياة ~~فيها غير أحياء يعني كغيرها، والمعنى لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون ~~لكانت أحياء غير جائز عليها الموت لأن الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي ~~الذي لا يموت وهذه أموات غير أحياء، فلا تستحق العبادة فمن عبدها فقد وضع ~~العبادة في غير موضعها. وقوله وما يشعرون يعني هذه الأصنام أيان يبعثون ~~يعني متى يبعثون وفيه دليل على أن الأصنام تجعل فيها الحياة، وتبعث يوم ~~القيامة حتى تتبرأ من عابديها. وقيل: معناه ما يدري الكفار الذين عبدوا ~~الأصنام متى يبعثون. قوله سبحانه وتعالى إلهكم إله واحد يعني أن الذي يستحق ~~العبادة هو إله واحد، وهذه أصنام متعددة فكيف تستحق العبادة فالذين لا ~~يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة يعني جاحدة لهذا المعنى وهم مستكبرون يعني عن ~~اتباع الحق لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا لا جرم يعني حقا أن الله يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين يعني عن اتباع الحق (م) عن ابن ~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا ~~قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق، وغمط الناس» قوله بطر الحق ~~هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده، وعبادته باطلا وهذا على قول من جعل ~~أصل البطر من الباطل، ومن جعله من الحيرة فمعناه يتحير عند سماء الحق فلا ~~يقبله، ولا يجعله حقا، وقيل: البطر التكبر يعني أنه يتكبر عند سماع الحق ~~فلا يقبله، وقوله: وغمط الناس يقال: غمطت حق فلان إذا احتقرته ولم تره شيئا ~~وكذا معنى غمصته أي انتقصت ms2147 به وازدريته. قوله عز وجل: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 24 الى 32] # وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) ~~قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول ~~أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا ~~السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) # فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين ~~اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين (31) الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) # PageV03P072 # وإذا قيل لهم يعني لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم كفار مكة الذين ~~اقتسموا عقابها، وطرقها إذا سألهم الحاج الذين يقدمون عليهم ماذا أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين يعني أحاديثهم وأباطيلهم ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة اللام في ليحملوا لام العاقبة وذلك أنهم لما وصفوا القرآن بكونه ~~أساطير الأولين، كانت عاقبتهم بذلك أن يحملوا أوزارهم يعني ذنوب أنفسهم ~~وإنما قال سبحانه وتعالى: كاملة لأن البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال ~~البر التي عملوها في الدنيا، لا تكفر عنهم شيئا يوم القيام بل يعاقبون بكل ~~أوزارهم قال الإمام فخر الدين: وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد يسقط بعض ~~العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل، لم يكن لتخصيص ~~هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. وقوله سبحانه وتعالى ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم يعني ويحصل للرؤساء الذين أضلوا غيرهم وصدوهم عن الإيمان، ~~مثل أوزار الأتباع والسبب فيه ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ms2148 صلى الله ~~عليه وسلم قال «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ~~ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ~~لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» أخرجه مسلم ومعنى الآية، والحديث أن الرئيس أو ~~الكبير إذا سن سنة حسنة أو سنة قبيحة، فتبعه عليها جماعة، فعملوا بها فإن ~~الله سبحانه وتعالى يعظم ثوابه أو عقابه حتى يكون ذلك الثواب أو العقاب ~~مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، الذين عملوا بسنته الحسنة أو ~~القبيحة، وليس المراد أن الله تعالى يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي ~~يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، لأن ذلك ليس بعدل ويدل عليه قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى، وقوله تعالى: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى». قال ~~الواحدي: ولفظة من في قوله ومن أوزار الذين يضلونهم، بغير علم ليست للتبعيض ~~لأنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الأتباع بعض الأوزار، وذلك غير جائز لقوله ~~عليه الصلاة والسلام «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»، ولكنها للجنس أي ~~ليحملوا من جنس أوزار الأتباع وقوله: بغير علم يعني أن الرؤساء إنما يقدمون ~~على إضلال غيرهم، بغير علم، بما يستحقونه من العقاب، على ذلك الإضلال بل ~~يقدمون على ذلك جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد. ألا ساء ما يزرون ~~يعني ألا بئس ما يحملون ففيه وعيد وتهديد. قوله سبحانه وتعالى قد مكر الذين ~~من قبلهم يعني من قبل كفار قريش وهو نمروذ بن كنعان الجبار، وكان أكبر ملوك ~~الأرض في زمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكان من مكره أنه بنى صرحا ببابل ~~ليصعد إلى السماء، ويقاتل أهلها في زعمه. قال ابن عباس: وكان طول الصرح في ~~السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبت ريح فقصفته ~~وألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي فأهلكهم وهم تحته ولما سقط تبلبلت ~~ألسنة الناس من الفزع فتكلموا يومئذ بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت ms2149 بابل ~~وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية قلت هكذا ذكره البغوي وفي هذا نظر لأن ~~صالحا عليه السلام كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عربا ~~منهم جرهم الذي نشأ إسماعيل بينهم، وتعلم منهم العربية وكانت قبائل من ~~العرب قديمة قبل إبراهيم عليه السلام، مثل طسم وجديس وكل هؤلاء عرب تكلموا ~~في قدم الزمان بالعربية، ويدل على صحة هذا قوله: ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى والله أعلم. وقيل: حمل قوله قد مكر الذين من قبلهم على العموم أولى ~~فتكون الآية عامة في جميع الماكرين المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر ~~والمكر بالغير، وقوله سبحانه وتعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد يعني قصد ~~تخريب بنيانهم من أصوله، وذلك بأن أتاهم بريح قصفت بنيانهم من أعلى، وأتاهم ~~بزلازل قلعت بنيانهم من قواعده وأساسه، هذا إذا حملنا تفسير الآية على ~~القول الأول، وهو ظاهر اللفظ وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني: وهو ~~حملها على العموم كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها على ~~أنبياء الله وأهل الحق من عباده أهلكهم الله تعالى، وجعل هلاكهم مثل هلاك ~~بنوا بنيانا وثيقا شديدا ودعموه بالأساطين فانهدم ذلك البنيان، وسقط عليهم ~~فأهلكهم فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره، ~~ومنه المثل السائر على ألسنة # PageV03P073 # الناس: من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه. وقوله تعالى فخر عليهم السقف ~~من فوقهم يعني سقط عليهم السقف فأهلكهم وقوله: من فوقهم للتأكيد لأن السقف ~~لا يخر إلا من فوقهم. وقيل: يحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، ~~فلما قال من فوقهم علم أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكوا وماتوا ~~تحته وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون يعني في مأمنهم، وذلك أنهم لما ~~اعتمدوا على قوة بنيانهم، وشدته كان ذلك البنيان سبب هلاكهم ثم يوم القيامة ~~يخزيهم يعني يهينهم بالعذاب، وفيه إشارة بأن العذاب يحصل لهم في الدنيا ~~والآخرة لأن الخزي هو العذاب مع الهوان ويقول يعني ويقول: الله لهم يوم ~~القيامة ms2150 أين شركائي يعني في زعمكم واعتقادكم الذين كنتم تشاقون فيهم يعني ~~كنتم تعادون وتخالفون المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم لأن المشاقة عبارة عن ~~كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه، والمعنى: ما لهم لا يحضرون ~~معكم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب والهوان قال الذين أوتوا العلم ~~يعني المؤمنين وقيل الملائكة إن الخزي يعني الهوان اليوم يعني في هذا اليوم ~~وهو يوم القيامة والسوء يعني العذاب على الكافرين وإنما يقول المؤمنون: هذا ~~يوم القيامة لأن الكفار كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا، وينكرون عليهم ~~أحوالهم فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، وأكرموا بأنواع الكرامات وأهين ~~أهل الباطل وعذبوا بأنواع العذاب فعند ذلك يقول المؤمنون: إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين وفائدة هذا القول إظهار الشماتة بهم فيكون أعظم في ~~الهوان، والخزي قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة تقبض أرواحهم الملائكة، # وهم ملك الموت وأعوانه ظالمي أنفسهم يعني بالكفر فألقوا السلم يعني أنهم ~~استسلموا وانقادوا لأمر الله الذي نزل بهم وقالوا ما كنا نعمل من سوء يعني ~~شركا وإنما قالوا: ذلك من شدة الخوف بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون يعني ~~فلا فائدة لكم في إنكاركم. قال عكرمة: عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر ~~فادخلوا أي فيقال لهم ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها يعني مقيمين فيها لا ~~يخرجون منها. وإنما قال ذلك لهم ليكون أعظم في الغم والحزن، وفيه دليل على ~~أن الكفار بعضهم أشد عذابا من بعض فلبئس مثوى المتكبرين يعني عن الإيمان ~~قوله عز وجل وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا وذلك أن أحياء ~~العرب كانوا يبعثون إلى مكة أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا جاء الوافد سأل الذين كانوا يقعدون على طرقات مكة من ~~الكفار، فيقولون: هو ساحر كاهن شاعر كذاب مجنون وإذا لم تلقه خير لك. فيقول ~~الوافد: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي من دون أن أدخل مكة فألقاه فيدخل ~~مكة، فيرى أصحاب ms2151 رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألهم عنه فيخبرونه بصدقه، ~~وأمانته وأنه نبي مبعوث من الله عز وجل، فذلك قوله سبحانه وتعالى: وقيل ~~الذين اتقوا يعني اتقوا الشرك، وقول الزور والكذب ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: ~~خيرا يعني أنزل خيرا فان قلت لم رفع الأول وهو قوله: أساطير الأولين ونصب ~~الثاني، وهو قوله قالوا خيرا قلت ليحصل الفرق بين الجوابين جواب المنكر ~~الجاحد، وجواب المقر المؤمن وذلك أنهم لما سألوا الكفار عن المنزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير ~~الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا كونه منزلا، ولما ~~سألوا المؤمنين على المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يتلعثموا، ~~وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا معقولا للإنزال فقالوا: خيرا أي ~~أنزل خيرا، وتم الكلام عند قوله خيرا فهو، وقف تام ثم ابتدأ بقوله تعالى ~~للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يعني للذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ~~ثوابها حسنة مضاعفة من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ~~وقال الضحاك: هي النصر والفتح. وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. فعلى هذا يكون ~~معنى الآية للذين أحسنوا ثواب إحسانهم في هذه الدنيا حسنة، وهي النصر ~~والفتح والرزق الحسن، وغير ذلك مما أنعم الله به على عباده في الدنيا، ويدل ~~على صحة هذا التأويل قوله تعالى ولدار الآخرة خير يعني ما لهم في الآخرة ~~مما أعد الله لهم في الجنة خير مما يحصل لهم في الدنيا ولنعم دار المتقين ~~يعني الجنة وقال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى # PageV03P074 # يتزودون منها إلى الآخرة والقول الأول أولى وهو قول جمهور المفسرين لأن ~~الله فسر هذه الدار بقوله جنات عدن يعني بساتين إقامة من قولهم: عدن ~~بالمكان، أي أقام به يدخلونها يعني تلك الجنات لا يرحلون عنها ولا يخرجون ~~منها تجري من تحتها الأنهار يعني تجري الأنهار في هذه الجنات من تحت دور ~~أهلها وقصورهم ومساكنهم لهم فيها يعني في الجنات ما يشاؤن يعني ما ms2152 تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين مع زيادات غير ذلك، وهذه الحالة لا تحصل لأحد إلا في ~~الجنة لأن قوله فيها ما يشاءون لا يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا ~~يجد كل ما يريد في الدنيا كذلك يجزي الله المتقين أي هكذا يكون جزاء ~~المتقين، ثم عاد إلى وصف المتقين فقال تعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ~~يعني مؤمنين طاهرين من الشرك. قال مجاهد: زاكية أقوالهم وأفعالهم وقيل: إن ~~قوله طيبين كلمة جامعة لكل معنى حسن فيدخل فيه أنهم، أتوا بكل ما أمروا به ~~من فعل الخيرات والطاعات، واجتنبوا كل ما نهوا عنه من المكروهات، والمحرمات ~~مع الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، والمباعدة من الأخلاق المذمومة والخصال ~~المكروهة القبيحة وقيل معناه إن أوقاتهم تكون طيبة سهلة لأنهم يبشرون عند ~~قبض أرواحهم بالرضوان والجنة والكرامة، فيحصل لهم عند ذلك الفرح والسرور ~~والابتهاج، فيسهل عليهم قبض أرواحهم ويطيب لهم الموت على هذه الحالة يقولون ~~يعني الملائكة لهم سلام عليكم يعني تسلم عليهم الملائكة أو تبلغهم السلام ~~من الله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون يعني في الدنيا من الأعمال الصالحة. ~~فإن قلت # : كيف الجمع بين قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وبين قوله: صلى ~~الله عليه وسلم «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته» أخرجاه في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة؟ قلت: قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في شرح مسلم. ~~اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا غيرها إلا ~~بالشرع ومذهب أهل السنة أيضا أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل ~~العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء فلو عذب ~~المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان ذلك عدلا منه، وإذا أكرمهم ~~ورحمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه ولو نعم الكافرون، وأدخلهم الجنة كان ذلك ~~له ومنه فضلا، ولكنه سبحانه وتعالى أخبر وخبره صادق أنه لا يفعل ms2153 هذا بل ~~يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلا ~~منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال ويوجبون ~~الأصلح في خبط طويل لهم، تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص ~~الشرع. وفي ظاهر هذا الحديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب ~~والجنة بطاعته. وأما قوله سبحانه وتعالى: «ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون- ~~وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون» ونحوها من الآيات التي تدل على ~~أن الأعمال الصالحة يدخل بها الجنة، فلا تعارض بينها، وبين هذا الحديث بل ~~معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال والتوفيق للإخلاص فيها وقبولها ~~برحمة الله تعالى وفضله فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل وهو مراد ~~الحديث ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والفضل والمنة ~~والله أعلم بمراده قوله تعالى: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 33 الى 38] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) # PageV03P075 # ينظرون # يعني هؤلاء الذين أشركوا بالله وجحدوا نبوتك يا محمدلا أن تأتيهم ~~الملائكة # يعني لقبض أرواحهم و يأتي أمر ربك # يعني بالعذاب في الدنيا وهو عذاب الاستئصال. وقيل: المراد به يوم ~~القيامةذلك فعل الذين من قبلهم # يعني من الكفر والتكذيب ما ظلمهم الله # يعني بتعذيبه إياهم ms2154 لكن كانوا أنفسهم يظلمون # يعني باكتسابهم المعاصي، والكفر والأعمال القبيحة الخبيثة، فأصابهم سيئات ~~ما عملوا يعني فأصابهم عقوبات ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن والمعنى ونزل بهم جزاء استهزائهم وقال الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا يعني أن مشركي مكة قالوا ~~هذا على طريق الاستهزاء. والحاصل أنهم تمسكوا بهذا القول في إنكار النبوة، ~~فقالوا: لو شاء الله منا الإيمان لحصل جئت أو لم تجيء ولو شاء الله منا ~~الكفر لحصل جئت أو لم تجيء. وإذا كان كذلك فالكل من الله، فلا فائدة في ~~بعثة رسل إلى الأمم والجواب عن هذا أنهم لما قالوا: إن الكل من الله فكانت ~~بعثة الرسل عبثا كان هذا اعتراضا على الله تعالى، وهو جار مجرى طلب العلة ~~في أحكام الله، وفي أفعاله وهو باطل لأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد فلا اعتراض لأحد عليه في أحكامه وأفعاله، ولا يجوز لأحد أن ~~يقول له لم فعلت هذا، ولم لم تفعل هذا وكان في حكم الله وسنته في عباده ~~إرسال الرسل إليهم ليأمروهم بعبادة الله تعالى، وينهوهم عن عبادة غيره وأن ~~الهداية والإضلال إليه فمن هداه فهو المهتدي، ومن أضله فهو الضال وهذه سنة ~~الله في عباده أنه يأمر الكل بالإيمان به وينهاهم عن الكفر. ثم إنه سبحانه ~~وتعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان، ويضل من يشاء فلا اعتراض لأحد عليه. ولما ~~كانت سنة الله قديمة ببعثة الرسل إلى الأمم الكافرة المكذبة كان قول هؤلاء ~~لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا جهلا منهم، لأنهم ~~اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهذا الاعتقاد باطل فلا ~~جرم استحقوا عليه الذم والوعيد. وأما قوله تعالى ولا حرمنا من دونه من شيء ~~يعني الوصيلة والسائبة والحام. والمعنى: فلولا أن الله رضيها لنا لغير ذلك ~~ولهدانا إلى غيره كذلك فعل الذين من قبلهم يعني أن ms2155 من تقدم هؤلاء من كفار ~~مكة ومن الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار ~~بعثة الرسل كان قديما في الأمم الخالية فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ~~يعني ليس إليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا ~~إليه ولقد بعثنا في كل أمة رسولا يعني كما بعثنا فيكم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت يعني أن الرسل كانوا يأمرونهم بأن ~~يعيدوا الله وأن يجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو اسم كل معبود من دون الله ~~فمنهم يعني فمن الأمم الذين جاءتهم الرسل من هدى الله يعني هداه الله إلى ~~الإيمان به وتصديق رسله ومنهم من حقت عليه الضلالة يعني، ومن الأمم من وجبت ~~عليه الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال، وفي هذه ~~الآية أبين دليل على أن الهادي، والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في ~~عباده فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في سابق ~~علمه فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين يعني فسيروا في الأرض ~~معتبرين متفكرين لتعرفوا مآل من كذب الرسل، وهو خراب منازلهم بالعذاب ~~والهلاك، ولتعرفوا أن العذاب نازل بكم إن أصررتم على الكفر والتكذيب كما ~~نزل بهم. قوله سبحانه وتعالى إن تحرص على هداهم الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء، وإيمانهم وتجتهد كل الاجتهاد فإن ~~الله لا يهدي من يضل قرئ بفتح الياء وكسر الدال يعني لا يهدي الله من أضله، ~~وقيل: معناه لا يهتدي من # PageV03P076 # أضله الله وقرئ بضم الياء، وفتح الدال ومعناه من أضله الله فلا هادي له ~~وما لهم من ناصرين أي مانعين يمنعونهم من العذاب وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~قال ابن الجوزي: سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له # على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به المسلم: والذي ~~أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: # إنك لتزعم أنك تبعث بعد ms2156 الموت، وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فنزلت ~~هذه الآية قاله أبو العالية. وتقرير الشبهة التي حصلت للمشركين في إنكار ~~البعث بعد الموت أن الإنسان ليس هو، إلا هذه البنية المخصوصة، فإذا مات ~~وتفرقت أجزاؤه وبلى امتنع عوده بعينه لأن الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق ~~له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فهذا هو أصل شبهتهم ومعتقدهم في إنكار ~~البعث بعد الموت، فذلك قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت فرد الله عليهم ذلك، وكذبهم في قولهم فقال تعالى بلى يعني بلى ~~يبعثهم بعد الموت لأن لفظة بلى إثبات لما بعد النفي. والجواب عن شبهتهم أن ~~الله سبحانه وتعالى، خلق الإنسان وأوجده من العدم ولم يك شيئا فالذي أوجده ~~بقدرته ثم أعدمه قادر على إيجاده بعد إعدامه لأن النشأة الثانية أهون من ~~الأولى وعدا عليه حقا يعني أن الذي وعد به من البعث بعد الموت وعد حق لا ~~خلف فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني لا يفهمون كيف يكون ذلك العود ~~والله سبحانه وتعالى، قادر على كل شيء. ### || [سورة النحل (16): الآيات 39 الى 50] # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) والذين هاجروا في ~~الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) # بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو ~~يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء ~~يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ms2157 والملائكة وهم لا ~~يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) # ليبين لهم الذي يختلفون فيه يعني من أمر البعث ويظهر لهم الحق الذي لا ~~خلق فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين يعني في قولهم لا بعث بعد ~~الموت إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون # يعني أن الله سبحانه وتعالى قادر إذا أراد أن يحيي الموتى، ويبعثهم ~~للحساب والجزاء فلا تعب عليه في إحيائهم وبعثهم إنما يقول لشيء أراده كن ~~فيكون على ما أراد لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء أراده (خ) عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تبارك وتعالى يشتمني ~~ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني، وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه ~~إياي فيقول إن لي ولدا، وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني» وفي ~~رواية «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ذلك أما تكذيبه ~~إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون من إعادته وأما شتمه ~~إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم ~~يكن له كفوا أحد» وقوله تعالى والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا يعني ~~أوذوا وعذبوا نزلت في بلال وصهيب وخباب وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، ~~أخذهم المشركون بمكة فجعلوا يعذبونهم ليرجعوا عن الإسلام إلى # PageV03P077 # الكفر، وهم المستضعفون. فأما بلال فكان أصحابه يخرجونه إلى بطحاء مكة في ~~شدة الحر ويشدونه، ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول أحد أحد فاشتراه منهم ~~أبو بكر الصديق وأعتقه واشترى معه ستة نفر آخرين، وأما صهيب فقال لهم إني ~~رجل كبير إن كنت معكم فلن أنفعكم وإن كنت عليكم فلا أضركم فاشترى نفسه ~~بماله فباعوه منه فمر به أبو بكر الصديق. فقال: يا صهيب ربح البيع. وأما ~~باقيهم فأعطوهم بعض ما يريدون، فخلوا عنهم. وقال قتادة: هم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم ms2158 من ديارهم حتى لحق طائفة ~~بالحبشة ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، فهاجروا إليها ~~وجعل لهم أنصارا من المؤمنين فآووهم ونصروهم وواسوهم، وهذه الآية تدل على ~~فضل المهاجرين، وفضل الهجرة وفيه دليل على أن الهجرة إذا لم تكن لله خالصة ~~لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى آخر ومنه حديث «الأعمال ~~بالنيات» وفيه «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ~~الحديث أخرجاه في الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب وقوله تعالى لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة يعني لنبوأنهم تبوئة حسنة وهو أنه تعالى أنزلهم المدينة، ~~وجعلها لهم دار هجرة والمعنى لنبوأنهم في الدنيا دارا حسنة أو بلدة حسنة، ~~وهي المدينة روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الرجل ~~من المهاجرين عطاء يقول له: خذ هذا بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في ~~الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم يقول هذه الآية. وقيل: معناه ليحسنن ~~إليهم في الدنيا بأن يفتح لهم مكة، ويمكنهم من أهلها الذين ظلموهم وأخرجوهم ~~منها ثم ينصرهم على العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب وقيل المراد ~~بالحسنة في الدنيا التوفيق والهداية في الدين ولأجر الآخرة أكبر يعني أعظم ~~وأفضل وأشرف مما أعطاهم في الدنيا لو كانوا يعلمون قيل: الضمير يرجع إلى ~~الكفار لأن المؤمنين يعلمون ما لهم في الآخرة، والمعنى لو كان هؤلاء الكفار ~~يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا لرغبوا فيه، وقيل: ~~إنه راجع إلى المهاجرين والمعنى لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في ~~الآخرة، لزادوا في الجد والاجتهاد والصبر على ما أصابهم من أذى الماكرين ~~الذين صبروا يعني في الله على ما نالهم، وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله ~~وعلى ربهم يتوكلون يعني في أمورهم كلها قال بعضهم ذكر الله الصبر والتوكل ~~في هذه الآية، وهما مبدأ ms2159 السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه أما الصبر فهو قهر ~~النفس وحبسها على أعمال البر وسائر الطاعات، واحتمال الأذى من الخلق والصبر ~~عن الشهوات المباحات والمحرمات والصبر # على المصائب، وأما التوكل فالانقطاع عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق ~~تعالى بالكلية فالأول هو مبدأ السلوك إلى الله تعالى، والثاني هو آخر ~~الطريق ومنتهاه وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم نزلت هذه الآية ~~جوابا لمشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله ~~أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث ملكا إلينا فأجابهم الله عز وجل ~~بقوله: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا يعني مثلك نوحي إليهم والمعنى ~~أن عادة الله عز وجل جارية من أول مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولا من ~~البشر فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة فسئلوا أهل الذكر يعني أهل ~~الكتاب وهم اليهود والنصارى، وإنما أمرهم الله بسؤال أهل الكتاب لأن كفار ~~مكة كانوا يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم ~~مثل موسى وعيسى وغيرهم من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم فإذا سألوهم فلا بد، ~~وأن يخبروهم بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا، فإذا أخبروهم بذلك ~~زالت الشبهة عن قلوبهم إن كنتم لا تعلمون الخطاب لأهل مكة يعني إن كنتم يا ~~هؤلاء لا تعلمون ذلك بالبينات والزبر اختلفوا في المعنى الجالب لهذه الباء ~~فقيل المعنى، وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم ~~أرسلناهم بالبينات والزبر، وقيل الذكر بمعنى العلم في قوله فاسألوا أهل ~~الذكر يعني أهل العلم والمعنى فاسئلوا أهل الذكر الذي هو العلم بالبينات ~~والزبر إن كنتم لا تعلمون أنتم ذلك. والبينات والزبر اسم جامع لكل ما ~~يتكامل به أمر الرسالة، # PageV03P078 # لأن مدار أمر الرسول على المعجزات الدالة على صدقه، وهي بالبينات وعلى ~~بيان الشرائع والتكاليف، وهي المراد بالزبر يعني الكتب المنزلة على الرسل ~~من الله عز وجل وأنزلنا إليك الذكر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: # وأنزلنا ms2160 عليك يا محمد الذكر الذي هو القرآن وإنما سماه ذكرا لأن فيه ~~مواعظ، وتنبيها للغافلين لتبين للناس ما نزل إليهم يعني ما أجمل إليك من ~~أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة والمبين لذلك المجمل هو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا قال بعضهم: متى وقع تعارض بين القرآن والحديث وجب ~~تقديم الحديث لأن القرآن مجمل، والحديث مبين بدلالة هذه الآية والمبين مقدم ~~على المجمل وقال بعضهم القرآن منه محكم، ومنه متشابه فالمحكم يجب أن يكون ~~مبينا والمتشابه هو المجمل ويطلب بيانه من السنة فقوله تعالى: لتبين للناس ~~ما نزل إليهم محمول على ما أجمل فيه دون المحكم البين المفسر ولعلهم ~~يتفكرون يعني فيما أنزل إليهم فيعملوا به أفأمن الذين مكروا السيئات فيه ~~حذف تقديره المنكرات السيئات وهم كفار قريش مكروا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبأصحابه، وبالغوا في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل ~~الإخفاء، وقيل: المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله فيكون مكرهم ~~على أنفسهم والصحيح أن المراد بهذا المكر السعي في أذى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين. وقيل: المراد بالذين مكروا السيئات نمروذ، ومن هو ~~مثله والصحيح أن المراد بهم كفار مكة أن يخسف الله بهم الأرض يعني كما خسف ~~بقرون من قبلهم أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون يعني أن العذاب يأتيهم ~~بغتة فيهلكهم فجأة كما أهلك قوم لوط وغيرهم أو يأخذهم في تقلبهم يعني في ~~تصرفهم في الأسفار فإنه سبحانه وتعالى، قادر على إهلاكهم في السفر كما هو ~~قادر على إهلاكهم في الحضر، وقال ابن عباس يأخذهم في اختلافهم. وقال ابن ~~جريج: في إقبالهم وإدبارهم يعني أنه تعالى قادر على أن يأخذهم في ليلهم ~~ونهارهم، وفي جميع أحوالهم فما هم بمعجزين يعني بسابقين الله أو يفوتونه بل ~~هو قادر عليهم أو يأخذهم على تخوف قال ابن عباس ومجاهد: يعني على تنقص. قال ~~ابن قتيبة: التخوف التنقص ومثله التخون. يقال تخوفه الدهر وتخونه إذا ~~انتقصه وأخذ ماله وحشمه، ويقال: ms2161 هذه لغة هذيل فعلى هذا القول يكون المراد ~~به أنه ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم وقيل هو ~~على أصله من الخوف فيحتمل أنه سبحانه وتعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا، بل ~~يخوفهم ثم يعذبهم بعد ذلك وقال الضحكاك والكلبي: # هو من الخوف يعني يهلك طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم، ~~فيحتمل أنه سبحانه وتعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من ~~السماء، أو بآفات تحدث دفعة أو بآفات، تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك ~~على آخرهم ثم إنه سبحانه وتعالى، ختم الآية بقوله فإن ربكم لرؤف رحيم يعني ~~أنه سبحانه وتعالى، لا يعجل بالعقوبة والعذاب. قوله سبحانه وتعالى أولم ~~يروا قرئ بالتاء على خطاب الحاضرين وبالياء على الغيبة إلى ما خلق الله من ~~شيء يعني من جسم قائم له ظل، وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى ~~لأن المراد منها الاعتبار، والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية، التي يكون ~~معها نظر إلى الشيء ليتأمل أحواله، ويتفكر فيه فيعتبر به يتفيؤا ظلاله يعني ~~تميل وتدور من جانب إلى جانب فهي من أول النهار على حال ثم تقلص ثم تعود في ~~آخر النهار إلى حالة أخرى ويقال للظل بالعشي فيء، لأنه من فاء يفيء إذا رجع ~~من المغرب إلى المشرق، والفيء الرجوع قال الأزهري تفيؤ الظلال رجوعها بعد ~~انتصاف النهار فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس، والظل ~~يكون بالغداة، وهو ما لم تنله الشمس وقوله ظلاله جمع ظل وإنما أضاف الظلال، ~~وهو جمع مفرد وهو قوله: من شيء لأنه يراد به الكثرة ومعناه الإضافة إلى ذوي ~~الظلال عن اليمين والشمائل قال العلماء: إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت ~~متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا ارتفعت الشمس واستوت في وسط السماء ~~كان ظلك خلفك فإذا مالت الشمس إلى الغروب كان ظلك عن يسارك. وقال الضحاك ~~أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار وإنما وحد اليمين وإن كان ms2162 # PageV03P079 # المراد به الجمع للإيجاز والاختصار في اللفظ وقيل اليمين راجع إلى لفظ ~~الشيء وهو واحد والشمائل راجع إلى المعنى لأن لفظ الشيء يراد به الجمع سجدا ~~لله في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد به الاستسلام والانقياد ~~والخضوع. يقال سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت ~~لكثرة الحمل والمعنى أن جميع الأشياء التي لها ظلال فهي منقادة لله تعالى ~~مستسلمة لأمره غير ممتنعة عليه، فيما سخرها له من التفيؤ وغيره وقال مجاهد: ~~إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله، والقول الثاني في معنى هذا السجود أن ~~الظلال واقعة على الأرض، ملتصقة بها كالساجد على الأرض فلما كانت الظلال ~~يشبه شكلها الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ وقيل ظل كل شيء ساجد لله ~~سواء كان ذلك الشيء يسجد لله أو لا ويقال إن ظل الكافر ساجد لله وهو غير ~~ساجد لله، وهم داخرون أي صاغرون أذلاء والداخر الصاغر الذي يفعل ما تأمره ~~به شاء أم أبى وذلك أن جميع الأشياء منقادة لأمر الله تعالى. فإن قلت ~~الظلال ليست من العقلاء فكيف عبر عنا بلفظ من يعقل وجمعها بالواو والنون. ~~قلت: لما وصفها الله سبحانه وتعالى بالطاعة والانقياد لأمره، وذلك صفة من ~~يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو والنون، وهو جمع العقلاء ~~قوله عز وجل ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة قال العلماء: ~~السجود على نوعين سجود طاعة، وعبادة كسجود المسلم لله عز وجل، وسجود انقياد ~~وخضوع كسجود الظلال فقوله: ولله يسجد ما في السموات، وما في الأرض من دابة ~~يحتمل النوعين لأن سجود كل شيء بحسبه فسجود المسلمين، والملائكة لله سجود ~~عبادة وطاعة وسجود غيرهم سجود انقياد، وخضوع وأتى بلفظ ما في قوله ما في ~~السموات وما في الأرض للتغليب لأن ما لا يعقل أكثر ممن يعقل في العدد، ~~والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث، ولأنه لو أتى بمن التي هي للعقلاء ~~لم يكن فيها دلالة على التغليب بل كانت ms2163 متناولة للعقلاء خاصة فأتى بلفظة ما ~~ليشمل الكل، ولفظة الدابة مشتقة من الدبيب وهو عبارة عن الحركة الجسمانية، ~~فالدابة اسم يقع على كل حيوان جسماني يتحرك ويدب فيدخل فيه الإنسان، لأنه ~~مما يدب على الأرض، ولهذا أفرد الملائكة في قوله والملائكة لأنهم أولو ~~أجنحة يطيرون بها أو أفردهم بالذكر، وإن كانوا من جملة من في السموات ~~لشرفهم. وقيل: أراد ولله يسجد ما في السموات # من الملائكة، وما في الأرض من دابة فسجود الملائكة والمسلمين للطاعة، ~~وسجود غيرهم تذليلها وتسخيرها لما خلقت له وسجود ما لا يعقل، وسجود ~~الجمادات يدل على قدرة الصانع سبحانه وتعالى، فيدعو الغافلين إلى السجود ~~لله عند التأمل والتدبر وهم لا يستكبرون يعني الملائكة يخافون ربهم من ~~فوقهم وكقوله «وهو القاهر فوق عباده» وقد تقدم تفسيره ويفعلون ما يؤمرون عن ~~أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا ~~تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا، وملك واضع ~~جبهته ساجدا والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما ~~تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» قال ~~أبو ذر: لوددت أني كنت شجرة تعضد أخرجه الترمذي وقال عن أبي ذر موقوفا. # فصل # وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند ~~قراءتها وسماعها. قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 51 الى 60] # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) ~~وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم ~~من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ~~(55) # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من ms2164 سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) # PageV03P080 # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين لما أخبر الله عز وجل في الآية المتقدمة ~~أن كل ما في السموات والأرض خاضعون لله، منقادون لأمره عابدون له، وأنهم في ~~ملكه وتحت قدرته، وقبضته نهى في هذه الآية عن الشرك، وعن اتخاذ إلهين اثنين ~~فقال «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين» قال الزجاج: ذكر الاثنين توكيدا ~~لقوله إلهين وقال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير تقديره، لا تتخذوا اثنين ~~إلهين يعني أن الاثنين لا يكون كل واحد منهما إلها، ولكن اتخذوا إلها ~~واحدا، وهو قوله تبارك وتعالى إنما هو إله واحد لأن الإلهين لا يكونان إلا ~~متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال والقدرة والإرادة، فصارت الاثنينية ~~منافية للإلهية، وذلك قوله تعالى إنما هو إله واحد يعني لا يجوز أن يكون في ~~الوجود إلهان اثنان إنما هو إله واحد فإياي فارهبون يعني فخافون والرهب ~~مخافة مع حزن، واضطراب وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، وهو من طريق ~~الالتفات لأنه أبلغ في الترهيب من قوله، فإياه فارهبوا فهو من بديع الكلام ~~وبليغه وقوله فإياي فارهبون يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ولا ~~يرغبون إلا إليه وإلى كرمه وفضله وإحسانه وله ما في السماوات والأرض لما ~~ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أن إله العالم لا شريك له في الإلهية، ~~وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيدا له وفي ملكه وتصرفه، وتحت قدرته فذلك ~~قوله تعالى وله ما في السموات والأرض يعني، عبيدا وملكا وله الدين واصبا ~~يعني وله العبادة والطاعة وإخلاص العمل دائما ثابتا والواصب: الدائم. قال ~~ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة أو ~~بالموت، إلا الحق سبحانه وتعالى فإن طاعته واجبة أبدا، ولأنه المنعم على ~~عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائما أبدا أفغير الله تتقون ms2165 يعني أنكم ~~عرفتم أن الله واحد لا شريك له في ملكه، وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه ~~فبعد هذه المعرفة كيف تخافون غيره، وتتقون سواه فهو استفهام بمعنى التعجب ~~وقيل هو استفهام على طريق الإنكار قوله عز وجل وما بكم من نعمة فمن الله ~~يعني من نعمة الإسلام، وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، وكل ما أعطاكم من مال أو ~~ولد فكل ذلك من الله تعالى، إنما هو المتفضل به على عباده فيجب عليكم شكره ~~على جميع إنعامه. ولما بين في الآية المتقدمة أنه يجب على جميع العباد أن ~~لا يخافوا إلا الله تعالى بين في هذه الآية أن جميع النعم منه لا يشكر ~~عليها إلا إياه، لأنه هو المتفضل بها على عباده فيجب عليهم شكره عليها ثم ~~إذا مسكم الضر أي الشدة والأمراض والأسقام فإليه تجئرون يعني إليه ~~تستغيثون، وتصيحون وتضجون بالدعاء ليكشف عنكم ما نزل بكم من الضرر والشدة ~~وأصل الجؤار هو رفع الصوت الشديد، ومنه جؤار البقر. والمعنى أن النعم لما ~~كانت كلها ابتداء منه فإن حصل شدة، وضر في بعض الأوقات فلا يلجأ إلا إليه ~~ولا يدعي إلا إياه ليكشفها، فإنه هو القادر على كشفها وهو قوله تعالى ثم ~~إذا كشف الضر عنكم يعني ثم إذا أزال الشدة، والبلاء عنكم إذا فريق منكم ~~يعني طائفة وجماعة منكم بربهم يشركون يعني أنهم يضيفون كشف الضر إلى ~~العوائد، والأسباب ولا يضيفونه إلى الله عز وجل فهذا من جملة شركهم الذي ~~كانوا عليه، وإنما قسمهم فريقين لأن فريق المؤمنين لا يرون كشف الضر إلا من ~~الله تعالى ثم قال تعالى ليكفروا بما آتيناهم قيل: إن هذه اللام لام كي ~~ويكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا نعمه عليهم في كشف ~~الضر عنهم وقيل: إنها لام العاقبة والمعنى عاقبة أمرهم، هو كفرهم بما # PageV03P081 # آتيناهم من النعماء وكشفنا عنهم الضر والبلاء فتمتعوا لفظه أمر والمراد ~~منه التهديد والوعيد. يعني: فعيشوا في اللذة التي أنتم فيها إلى المدة التي ~~ضربها الله ms2166 لكم فسوف تعلمون يعني عاقبة أمركم إلى ماذا تصير، وهو نزول ~~العذاب بكم. قوله سبحانه وتعالى ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا قيل الضمير في ~~قوله: لما لا يعلمون عائد إلى المشركين يعني أن المشركين لا يعلمون. وقيل: ~~إنه عائد إلى الأصنام يعني أن الأصنام # لا تعلم شيئا البتة لأنها جماد والجماد لا علم له، ومنهم من رجح القول ~~الأول لأن نفي العلم عن الحي حقيقة، وعن الجماد مجاز فكان عود الضمير إلى ~~المشركين أولى، ولأنه قال لما لا يعلمون فجمعهم بالواو والنون، وهو جمع لمن ~~يعقل ومنهم من رجح القول الثاني. قال: لأنا إذا قلنا أنه عائد إلى المشركين ~~احتجنا فيه إلى إضمار فيكون المعنى: ويجعلون يعني المشركين لما لا يعلمون ~~أنه إله ولا إله حتى نصيبا وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام لم نحتج إلى هذا ~~الإضمار لأنها لا علم لها، ولا فيهم وقوله مما رزقناهم يعني أن المشركين ~~جعلوا للأصنام نصيبا من حروثهم وأنعامهم وأموالهم التي رزقهم الله، وقد ~~تقدم تفسيره في سورة الأنعام تالله أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم ~~القيامة، وهو قوله تعالى لتسئلن عما كنتم تفترون يعني عما كنتم تكذبون في ~~الدنيا في قولكم، إن هذه الأصنام آلهة وإن لها نصيبا من أموالكم، وهذا ~~التفات من الغيبة إلى الحضور، وهو من بديع الكلام وبليغه ويجعلون لله ~~البنات هم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله وإنما أطلقوا لفظ البنات ~~على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في ~~تسميتهم سبحانه نزه الله نفسه عن الولد والبنات ولهم ما يشتهون يعني: ~~ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني البنين وإذا بشر أحدهم بالأنثى البشارة ~~عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك ~~الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثره على ~~الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه، عند حصول الحزن والغم فثبت بهذا أن ~~البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن، فصح قوله: وإذا ms2167 بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا يعني متغيرا من الغم والحزن والغيظ والكراهة ~~التي حصلت له عند هذه البشارة، والمعنى أن هؤلاء المشركين لا يرضى بالبنت ~~الأنثى أن تنسب إليه فكيف يرضي أن ينسبها إلى الله تعالى ففيه تبكيت لهم ~~وتوبيخ. وقوله سبحانه وتعالى وهو كظيم يعني أنه ظل ممتلئا غما وحزنا يتوارى ~~من القوم من سوء ما بشر به يعني أنه يختفي من ذلك القول الذي بشر به، وذلك ~~أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم، توارى من القوم إلى ~~أن يعلم ما ولد له فإن كان ولدا ابتهج بذلك وظهر وإن كانت أنثى حزن ولم ~~يظهر أياما حتى يفكر ما يصنع بها وهو قوله تعالى أيمسكه على هون يعني على ~~هوان، وإنما ذكر الضمير في أيمسكه لأنه عائد إلى ما بشر به في قوله، وإذا ~~بشر أحدهم أم يدسه في التراب يعني أم يخفي الذي بشر به في التراب والدس ~~إخفاء الشيء في الشيء قال أهل التفسير: إن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون ~~البنات أحياء، والسبب في ذلك إما خوف الفقر وكثر العيال ولزوم النفقة أو ~~الحمية فيخافون عليهن من الأسر ونحوه، أو طمع غير الأكفاء فيهن فكان الرجل ~~من العرب في الجاهلية، إذا ولدت له بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا ~~كبرت ألبسها جبة من صوف أو شعر، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا ~~أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زينيها حتى أذهب بها ~~إلى أحمائها ويكون قد حفر لها حفرة في الصحراء فإذا بلغ بها تلك الحفرة قال ~~لها: انظري إلى هذه البئر فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم ~~يهيل التراب على رأسها وكان صعصعة عم «1» الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه ~~بإبل إلى والد البنت حتى يحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك: PageV03P082 # وعمي الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأد # عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2168 «الوائدة والموءودة ~~في النار» أخرجه أبو داود. وقوله تعالى ألا ساء ما يحكمون يعني بئس ما ~~يصنعون ويقضون حيث يجعلون لله الذي خلقهم البنات، وهم يستنكفون منهن ~~ويجعلون لأنفسهم البنين نظيره قوله سبحانه وتعالى «ألكم الذكر وله الأنثى ~~تلك إذا قسمه ضيزي» وقيل: # معناه ألا ساء ما يحكمون في وأد البنات للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء يعني صفة السوء من احتياجاتهم إلى الولد الذكر، وكراهتهم الإناث ~~وقتلهن خوف الفقر ولله المثل الأعلى أي الصفة العليا المقدسة، وهي أن له ~~التوحيد وأنه المنزه عن الولد، وأنه لا إله إلا هو وأن له جميع صفات الجلال ~~والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي، وغير ذلك من الصفات التي وصف ~~الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله وهو العزيز أي الممتنع في كبريائه وجلاله الحكيم يعني في جميع ~~أفعاله قوله: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 61 الى 67] # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما ~~يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ~~(62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم يعني بسبب ظلمهم فيعاجلهم بالعقوبة على ~~ظلمهم وكفرهم وعصيانهم. # فإن قلت الناس اسم جنس يشمل الكل وقد قال تعالى في آية أخرى «فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات»، فقسمهم في تلك ms2169 الآية ثلاثة أقسام ~~فجعل الظالمين قسما واحدا من ثلاثة. قلت: قوله ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~عام مخصوص بتلك الآية الأخرى، لأن في جنس الناس الأنبياء والصالحين ومن لا ~~يطلق عليه اسم الظلم، وقيل: أراد بالناس الكفار فقط بدليل قوله إن الشرك ~~لظلم عظيم وقوله ما ترك عليها يعني على الأرض كناية عن غير مذكور لأن ~~الدابة لا تدب إلا على الأرض من دابة يعني أن الله سبحانه وتعالى، لو يؤاخذ ~~الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. قال قتادة: وقد فعل ~~الله ذلك في زمن نوح عليه السلام وروي أن أبا هريرة سمع رجلا يقول: إن ~~الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ما قلت إن الحبارى تموت هزالا بظلم ~~الظالم. وقال ابن مسعود: إن الجعل تعذب في جحرها بذنب ابن آدم وقيل أراد ~~بالدابة الكافر بدليل قوله: «إن شر الدواب عند الله الذين كفروا» وقيل في ~~معنى الآية ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لا نقطع النسل، ولم ~~توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد ولكن يؤخرهم يعني يمهلهم بفضله، وكرمه ~~وحلمه إلى أجل مسمى يعني إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون يعني لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله ~~الله لهم ولا ينقصون عنه. وقيل: # أراد بالأجل المسمى يوم القيامة، والمعنى ولكن يؤخرهم إلى يوم القيامة ~~فيعذبهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون يعني ~~لأنفسهم وهي البنات وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى # PageV03P083 # يعني ويقولون: إن لهم البنين وذلك أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، ~~وهذا القول كذب منهم وافتراء على الله. # وقيل: أراد بالحسنى الجنة، والمعنى أنهم مع كفرهم، وقولهم الكذب يزعمون ~~أنهم على الحق وأن لهم الجنة وذلك أنهم قالوا: إن كان محمد صادقا في البعث ~~بعد الموت، فإن لنا الجنة لأنا على الحق فأكذبهم الله فقول لا جرم أن لهم ~~النار يعني في الآخرة لا الجنة وأنهم مفرطون قرئ بكسر ms2170 الراء مع التخفيف، ~~يعني مسرفون وقرئ بكسر الراء مع التشديد يعني مضيعون لأمر الله وقراءة ~~الجمهور بفتح الراء مع تخفيفها أي منسيون في النار قاله ابن عباس وقال سعيد ~~بن جبير ومقاتل: متروكون. وقال قتادة: معجلون إلى النار. وقال الفراء: # مقدمون إلى النار والفرط ما تقدم إلى الماء قبل القوم. ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم «أنا فرطكم على الحوض» أي متقدمكم تالله لقد أرسلنا إلى أمم ~~من قبلك يعني كما أرسلناك إلى هذه الأمة لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فكان ~~شأنهم مع رسلهم التكذيب ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم يعني أعمالهم الخبيثة من الكفر والتكذيب، والمزين في ~~الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء ~~الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أحدا أو يهدي أحدا، وإنما له ~~الوسوسة فقط فمن أراد شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته فهو وليهم أي ~~ناصرهم اليوم ومن كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور، وإنما ~~سماه وليا لهم لطاعتهم إياه ولهم عذاب أليم يعني في الآخرة وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه يعني في أمر الدين والأحكام فتبين ~~لهم الهدى من الضلال، والحق من الباطل والحلال من الحرام وهدى ورحمة يعني ~~وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة لقوم يؤمنون لأنهم هم ~~المنتفعون به قوله سبحانه وتعالى والله أنزل من السماء ماء يعني المطر ~~فأحيا به يعني بالماء الأرض يعني بالنبات والزروع بعد موتها يعني يبسها ~~وجدوبتها إن في ذلك لآية يعني دلالة واضحة على كمال قدرتنا لقوم يسمعون ~~يعني سماع إنصاف وتدبر وتفكر، لأن سماع القلوب هو النافع لا سماع الآذان ~~فمن سمع آيات الله، أي القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها انتفع، ومن لم يسمع ~~بقلبه لم ينتفع بالآيات وإن لكم في الأنعام لعبرة يعني إذا تفكرتم فيها ~~عرفتم كمال قدرتنا على ذلك نسقيكم مما في بطونه الضمير عائد إلى الأنعام، ~~وكان ms2171 حقه أن يقال مما في بطونها، واختلف النحويون في الجواب، فقيل: إن لفظ ~~الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع فهو بحسب اللفظ مفرد فيكون ضميره ضمير ~~الواحد، وهو مذكر وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو مؤنث فلهذا ~~المعنى. قال هنا مما في بطونه وقال في سورة المؤمنين: مما في بطونها. وهذا ~~قول أبي عبيدة والأخفش وقال الكسائي: إنه رده إلى ما ذكر يعني مما في بطون ~~ما ذكرنا، وقال غيره الكناية مردودة إلى البعض وفيه إضمار كأنه قال: نسقيكم ~~مما في بطونه اللبن فأضمر اللبن إذ ليس لكلها لبن من بين فرث وهو ما في ~~الكرش من الثفل، فإذا خرج منها لا يسمى فرثا ودم لبنا خالصا يعني من الدم ~~والفرث ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث. قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة ~~العلف، واستقر في كرشها، وطبخته كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ~~فالكبد مسلطة عليه تقسمه بتقدير الله سبحانه وتعالى فيجري الدم في العروق ~~واللبن في الضروع ويبقى الثفل كما هو سائغا للشاربين يعني هنيئا سهلا يجري ~~في الحلق بسهولة. قيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. هذا قول المفسرين في معنى ~~هذه الآية. وحكى الإمام فخر الدين الرازي قول الحكماء في ذلك، فقال: ولقائل ~~أن يقول الدم واللبن لا يتولدان في الكرش البتة، والدليل على الحس فان هذه ~~الحيوانات تذبح ذبحا متواليا، وما رأى أحد في كرشها دما ولا لبنا بل الحق ~~أن الحيوان إذا تناول الغذاء، وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا وإلى ~~كرشه إن كان من الأنعام، وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه ~~صافيا انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي حصل في ~~الكبد ينطبخ فيها ويصير دما وهو الهضم الثاني، ويكون ذلك مخلوطا بالصفراء ~~والسوداء وزيادة المائية فأما الصفراء فتذهب إلى المرارة وأما # PageV03P084 # السوداء فتذهب إلى الطحال، وأما المائية فتذهب إلى الكلية ومنها إلى ~~المثانة، وأما الدم فيذهب في الأوردة ms2172 وهي العروق النابتة من الكبد وهناك ~~يحصل الهضم الثالث. وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك ~~العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو أبيض، فيقلب الله عز وجل ذلك الدم ~~عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض، فيصير الدم لبنا فهذا صورة ~~تكون اللبن في الضرع فاللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما ~~يتولد # من بعض الأجزاء اللطيفة من الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش فاللبن ~~تولد أولا من الفرث ثم من الدم ثانيا ثم صفاه الله سبحانه وتعالى بقدرته ~~فجعله لبنا خالصا من بين فرث، ودم عند تولد اللبن في الضرع يخلق الله عز ~~وجل بلطيف حكمته في حلمة الثدي ثقبا صغيرا ومسام ضيقة فيجعلها كالمصفاة ~~للبن فكل ما كان لطيفا من اللبن خرج بالمص أو الحلب وما كان كثيفا احتبس في ~~البدن، وهو المراد بقوله خالصا هنيئا مريئا. قوله عز وجل ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب يعني ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه الضمير في منه يرجع إلى ما تقديره ولكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا قال ابن مسعود وابن عمر ~~والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم وابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة: ~~السكر الخمر سميت بالمصدر من قولهم سكر سكرا، وسكرا والرزق الحسن سائر ما ~~يتخذ من ثمرات النخيل، والأعناب مثل الدبس والتمر والزبيب والخل وغير ذلك. ~~فإن قلت: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله عز وجل في معرض الإنعام والامتنان؟ ~~قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر إنما ~~نزل في سورة المائدة وهي مدنية فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت ~~الخمر فيه غير محرمة، وقيل: إن الله عز وجل نبه في هذه الآية على تحريم ~~الخمر أيضا، لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر فوجب أن يقال الرجوع ~~عن كونه حسنا يدل على التحريم، وروى العوفي عن ابن عباس أن السكر هو الخل ms2173 ~~بلغة الحبشة وقال بعضهم: السكر هو النبيذ وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، ~~والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والنخعي ومن يبيح شرب النبيذ ومن يحرمه ~~يقول المراد من الآية الإخبار لا الإحلال، وأولى الأقاويل أن قوله تتخذون ~~منه سكرا منسوخ. سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال السكر: ما حرم من ثمراتها ~~والرزق الحسن ما حل قلت: القول بالنسخ فيه نظر لأن قوله، ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ومن ~~زعم أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن الله ~~تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة وقال أبو ~~عبيدة في معنى الآية: السكر الطعم يقال هذا سكر لك أي طعم لك وقال غيره: ~~السكر ما سد الجوع من قولهم سكرت النهر أي سددته والتمر والزبيب مما يسد ~~الجوع، وهذا شرح قول أبي عبيدة أن السكر الطعم إن في ذلك يعني الذي ذكر من ~~إنعامه على عباده لآية يعني دلالة وحجة واضحة لقوم يعقلون يعني أن من كان ~~عاقلا استدل بهذه الآية على كمال قدرة الله تعالى ووحدانيته وعلم بالضرورة ~~أن لهذه الأشياء خالقا، ومدبرا قادرا على ما يريد. قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 68 الى 71] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم ~~يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله ~~عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) # PageV03P085 # وأوحى ربك إلى النحل لما ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل قدرته، وعجائب ~~صنعته الدالة على وحدانيته من إخراج اللبن من بين فرث، ودم وإخراج السكر ms2174 ~~والرزق الحسن من ثمرات النخيل، والأعناب ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي ~~جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، وهي النحلة فقال سبحانه وتعالى وأوحى ربك ~~إلى النحل الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به كل فرد من الناس ~~ممن له عقل، وتفكر يستدل به على كمال قدرة الله ووحدانيته وأنه الخالق ~~لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته، وقدرته وأصل الوحي الإشارة السريعة ~~وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز، والتعريض وقد يكون بصوت مجرد ويقال ~~للكلمة الإلهية التي يلقيها الله إلى أنبيائه وحي وإلى أوليائه إلهام ~~وتسخير الطير لما خلق له ومنه قوله تعالى «وأوحى ربك إلى النحل» يعني أنه ~~سخرها لما خلقها له، وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة ~~التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مسدس ~~من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ولو كانت البيوت ~~مدورة أو مثلثة أو مربعة، أو غير ذلك من الأشكال لكان فيما بينها خلل ولما ~~حصل المقصود فألهمها الله سبحانه وتعالى، أن تبنيها على هذا الشكل المسدس ~~الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة وألهمها الله تعالى أيضا أن تجعل ~~عليها أميرا كبيرا نافذ الحكم فيها وهي تطيعه، وتمتثل أمره ويكون هذا ~~الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة ويسمى يعسوب النحل يعني ملكها كذا حكاه ~~الجوهري وألهمها الله سبحانه وتعالى أيضا أنها تخرج من بيوتها، فتدور وترعى ~~ثم ترجع إلى بيوتها، ولا تضل عنها. ولما امتار هذا الحيوان الضعيف بهذه ~~الخواص العجيبة، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل ذلك على الإلهام الإلهي ~~فكان ذلك شبيها بالوحي، فلذلك قال تبارك وتعالى: وأوحى ربك إلى النحل، ~~والنحل زنبور العسل ويسمى الدبر أيضا، قال الزجاج: # يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا لأن الله سبحانه وتعالى، نحل الناس ~~العسل الذي يخرج من بطونها بمعنى أعطاهم. وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي ~~مؤنثة في لغة الحجاز، وكذا أنثها الله تعالى فقال أن اتخذي ms2175 من الجبال بيوتا ~~ومن الشجر ومما يعرشون يعني يبنون ويثقفون وذلك أن النحل منه وحشي، وهو ~~الذي يسكن الجبال والشجر ويأوي إلى الكهوف ومنه أهلي وهو الذي يأوي إلى ~~البيوت، ويربيه الناس وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل الأماكن حتى ~~تأوي إليها، وقال ابن زيد: أراد بالذي يعرشون الكروم ثم كلي من كل الثمرات ~~يعني من بعض الثمرات لأنها لا تأكل من جميع الثمار فلفظة كل هاهنا ليست ~~للعموم فاسلكي سبل ربك يعني الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها ~~لأجل طلب الثمرات ذللا قيل إنها نعت للسبل يعني أنها مذللة لك الطرق مسهلة ~~لك مسالكها. قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان تسلكه. وقيل: الذلل نعت للنحل ~~يعني أنها مذللة مسخرة لأربابها مطيعة منقادة لهم حتى أنهم ينقلونها من ~~مكانها إلى مكان آخر حيث شاؤوا! وأرادوا لا تستعصي عليهم يخرج من بطونها ~~شراب يعني العسل مختلف ألوانه يعني ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ~~ألوان العسل. وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار، ويستحيل في بطونها ~~عسلا بقدرة الله تعالى ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب، وزعم الإمام فخر ~~الدين الرازي أنه رأى في بعض كتب الطب، أن العسل طل من السماء ينزل ~~كالترنجبين فيقع على الأزهار، وأوراق الشجر فتجمعه النحل فتأكل بعضه، وتدخر ~~بعضه في بيوتها لأنفسها للتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء ~~الطلية شيء كثير، فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى العقل لأن طبيعة ~~الترنجبين تقرب من طبيعة العسل، وأيضا فإنا نشاهد أن النحل تتغذى بالعسل ~~وأجاب عن قوله تعالى: يخرج من بطونها بأن كل تجويف في داخل البدن يسمى ~~بطنا، فقوله: يخرج من بطونها يعني من أفواهها، وقول أهل الظاهر أولى وأصح ~~لأنا نشاهد أنه يوجد في طعم العسل طعم تلك الأزهار التي تأكلها النحل، ~~وكذلك يوجد لونها وريحها وطعمها فيه أيضا، ويعضد هذا قول بعض أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم له: أكلت مغافير؟ قال: لا. ms2176 قالت: فما هذه الريح التي ~~أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة # PageV03P086 # عسل. قالت: جرست نحلة العرفط. العرفط شجر الطلح، وله صمغ يقال له ~~المغافير كريه الرائحة فمعنى جرست نحلة العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له ~~الرائحة الكريهة، فثبت بهذا الدليل صحة قول أهل الظاهر من المفسرين، وأنه ~~يوجد في طعم العسل، ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله ~~الأطباء من أنه طل لأنه لو كان طلا لكان على لون واحد وطبيعة واحدة. وقوله: ~~إنه طبيعة العسل تقرب من طبيعة الترنجبين فيه نظر، لأن مزاج الترنجبين ~~معتدل إلى الحرارة، وهو ألطف من السكر ومزاج العسل حار يابس في الدرجة ~~الثانية فبينهما فرق كبير. وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطنا فيه ~~نظر، لأن لفظ البطن إذا أطلق لم يرد إلا العضو المعروف مثل بطن الإنسان، ~~وغيره والله أعلم. وقوله تعالى فيه يعني في الشراب الذي يخرج من بطون النحل ~~شفاء للناس وهذا قول ابن عباس وابن مسعود إذ الضمير في قوله فيه شفاء ~~للناس، يرجع إلى العسل، وقد اختلفوا في هذا الشفاء هل هو على العموم لكل ~~مرض، أو على الخصوص لمرض دون مرض، على قولين: أحدهما أن العسل فيه شفاء من ~~كل داء وكل مرض. قال ابن مسعود: «العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في ~~الصدور» وفي رواية أخرى عنه «عليك بالشفاءين القرآن والعسل» وروى نافع أن ~~ابن عمر ما كانت تخرج به قرحة، ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل ويقرأ «يخرج ~~من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس» (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: ~~«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اسقه عسلا فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته عسلا فلم ~~يزده إلا استطلاقا فقال له: ثلاث مرات ثم جاء الرابعة. فقال: اسقه عسلا، ~~فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله # صلى الله عليه ms2177 وسلم صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ» وقد اعترض بعض ~~الملحدين، ومن في قلبه مرض على هذا الحديث. فقال: إن الأطباء مجمعون على أن ~~العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال فنقول في الرد على هذا المعترض الملحد ~~الجاهل بعلم الطب أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها التخم، والهيضات، ~~وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن ~~احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية فأما حبسها فمضر ~~عندهم، واستعجال مرض فيحتمل أن يكون إسهال الشخص المذكور في الحديث أصابه ~~من امتلاء أو هيضة، فدواؤه بترك إسهاله على ما هو عليه أو تقويته فأمره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العسل فزاده إسهالا، فزاده عسلا إلى أن فنيت ~~المادة فوقف الإسهال ويكون الخلط الذي كان به يوافقه شرب العسل، فثبت بما ~~ذكرناه أن أمره صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل بشرب العسل جار على صناعة ~~الطب، وأن المعترض عليه جاهل لها ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول ~~الأطباء: بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم بذلك وإنما ذكرنا هذا الجواب ~~الجاري على صناعة الطب، دفعا لهذا المعترض بأنه لا يحسن صناعة الطب التي ~~اعترض بها والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم: «صدق الله وكذب بطن أخيك» ~~يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم بالوحي الإلهي أن العسل، الذي أمره ~~بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك فلما لم يظهر نفعه في الحال عندهم قال: صدق الله ~~يعني فيما وعد به من أن فيه شفاء وكذب بطن أخيك يعني باستعجالك للشفاء في ~~أول مرة والله أعلم بمراده، وأسرار رسوله صلى الله عليه وسلم فإن قالوا: ~~كيف يكون شفاء للناس، وهو يضر بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة ويضر بالشباب ~~المحرورين ويعطش، قلنا: في الجواب عن هذا الاعتراض أيضا: إن قوله فيه شفاء ~~للناس مع أنه يضر بأصحاب الصفراء، ويهيج الحرارة أنه خرج مخرج الأغلب، وأنه ~~في الأغلب فيه شفاء، ولم يقل: إنه شفاء لكل الناس لكل ms2178 داء ولكنه في الجملة ~~دواء، وإن نفعه أكثر من مضرته، وقل معجون من المعاجين إلا وتمامه به. ~~والأشربة المتخذة من العسل نافعة لأصحاب البلغم والشيوخ المبرودين، ومنافعه ~~كثيرة جدا. والقول الثاني: أنه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه وهذا قول ~~السدي وقال مجاهد: في قوله فيه شفاء للناس يعني القرآن لأنه شفاء من أمراض ~~الشرك، والجهالة والضلالة وهو هدى ورحمة للناس، والقول الأول أصح لأن ~~الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، وأقربها قوله تعالى يخرج # PageV03P087 # من بطونها شراب وهو العسل فهو أولى أن يرجع الضمير إليه لأنه أقرب مذكور. ~~وقوله سبحانه وتعالى إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون يعني فيعتبرون ويستدلون ~~بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا. قوله عز وجل والله خلقكم يعني أوجدكم من ~~العدم وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم يعني عند انقضاء ~~آجالكم إما صبيانا وإما شبانا وإما كهولا ومنكم من يرد إلى أرذل العمر يعني ~~أردأه وأضعفه وهو الهرم قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب أولها ~~من النشوء والنماء، وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وهو غاية ~~سن الشباب وبلوغ الأشد ثم المرتبة الثانية: سن الوقوف، وهو من ثلاث وثلاثين ~~سنة إلى أربعين سنة، وهو غاية القوة وكمال العقل ثم المرتبة الثالثة: سن ~~الكهولة، وهو من الأربعين إلى الستين، وهذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص ~~لكنه يكون نقصا خفيا لا يظهر ثم المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط من ~~الستين إلى آخر العمر، وفيها يتبين النقص، ويكون الهرم والخرف. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقيل: ثمانون سنة وقال ~~قتادة تسعون سنة (ق) عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب ~~القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات». وفي رواية أخرى عنه قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذه الدعوات: «اللهم إني أعوذ بك ms2179 من البخل ~~والكسل وأرذل العمر # وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات» وقوله تعالى: لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا يعني الإنسان يرجع إلى حالة الطفولية بنسيان ما كان علم بسبب الكبر، ~~وقال ابن عباس: لكي يصير كالصبي لا عقل له. وقال ابن قتيبة: معناه حتى لا ~~يعلم بعد علمه بالأمور شيئا لشدة هرمه. وقال الزجاج: المعنى وإن منكم من ~~يكبر حتى يذهب عقله خرفا فيصير بعد أن كان عالما جاهلا، ليريكم الله من ~~قدرته أنه كما قدر على إماتته وإحيائه، أنه قادر على نقله من العلم إلى ~~الجهل هكذا، وجدته منقولا عنه ولو قال: ليريكم من قدرته أنه كما قدر على ~~نقله من العلم إلى الجهل، أنه قادر على إحيائه بعد إماتته ليكون ذلك دليلا ~~على صحة هذا البعث، بعد الموت لكان أجود. قال ابن عباس: ليس هذا في ~~المسلمين لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله ~~وعقلا ومعرفة. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر حتى لا ~~يعلم بعد علم شيئا. وقال في قوله: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هم ~~الذين قرءوا القرآن وقال ابن عباس في قوله تعالى: ثم رددناه أسفل سافلين ~~يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. وقوله تعالى إن الله عليم يعني بما صنع بأوليائه وأعدائه قدير ~~يعني على ما يريد قوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق يعني أن ~~الله سبحانه وتعالى بسط على واحد، وضيق وقتر على واحد وكثر لواحد وقلل على ~~آخر، وكما فضل بعضكم على بعض في الرزق، كذلك فضل بعضكم على بعض في الخلق ~~والخلق والعقل والصحة والسقم والحسن والقبح والعلم والجهل وغير ذلك. فهم ~~متفاوتون ومتباينون في ذلك كله، وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية والقدرة ~~الربانية فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم يعني من العبيد ~~حتى يستووا فيه هم وعبيدهم يقول الله سبحانه وتعالى هم لا يرضون أن يكونوا ~~هم ومماليكهم فيما ms2180 رزقتهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني ~~يلزم بهذه الحجة المشركين حيث جعلوا الأصنام شركاء لله قال قتادة: # هذا مثل ضربه الله عز وجل. يقول: هل منكم أحد يرضى أن يشركه مملوكه في ~~جميع ماله فكيف تعدلون بالله خلقه وعباده، وقيل: في معنى الآية أن الموالي ~~والمماليك الله رازقهم جميعا فهم فيه يعني في رزقه سواء فلا تحسبن أن ~~الموالي يردون رزقهم على مماليكهم من عند أنفسهم، بل ذلك رزق الله أجراه ~~على أيدي الموالي للمماليك، والمقصود منه بيان أن الرازق هو الله سبحانه ~~وتعالى لجميع خلقه وأن الموالي والمماليك في الرزق سواء وأن المالك لا يرزق ~~المملوك، بل الرازق للمماليك والمالك هو الله سبحانه وتعالى. وقوله أفبنعمة ~~الله يجحدون فيه إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره. قوله عز ~~وجل: # PageV03P088 # ### || [سورة النحل (16): الآيات 72 الى 73] # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يعني النساء فخلق من آدم حواء زوجته، ~~وقيل: جعل لكم من جنسكم أزواجا لأنه خطاب عام يعم الكل فتخصيصه بآدم وحواء ~~خلاف الدليل وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة الحفدة جمع حافد، وهو المسرع ~~في الخدمة المسارع إلى الطاعة ومنه قوله في الدعاء «وإليك نسعى ونحفد» أي ~~نسرع إلى طاعتك، فهذا أصله في اللغة ثم اختلفت أقوال المفسرين فيهم فقال ~~ابن مسعود والنخعي: # الحفدة أختان الرجل على بناته وعن ابن مسعود أيضا، أنهم أصهاره فهو بمعنى ~~الأول فعلى هذا القول، يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، ~~فزوجوهم فيجعل لكم بسببهم الأختان والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم ~~الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك قد حفدك، وقال عطاء: هم ولد ~~الرجل الذين يعينونه ويخدمونه وقيل: هم أهل المهنة الذين يمتهنون ويخدمون ~~من الأولاد وقال ms2181 مقاتل والكلبي: # البنين هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون الرجل على عمله، ~~وقال ابن عباس: هم ولد الولد. وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو امرأة الرجل ~~الذين ليسوا منه وكل هذه الأقوال متقاربة لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى ~~المشترك، وبالجملة فإن الحفدة هم غير البنين، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ~~بنين وحفدة فجعل بينهما مغايرة ورزقكم من الطيبات يعني النعم التي أنعم ~~عليكم من أنواع الثمار والحبوب والحيوان، والأشربة المستطابة الحلال من ذلك ~~كله أفبالباطل يؤمنون يعني بالأصنام وقيل: بالشيطان يؤمنون وقيل: معناه ~~يصدقون أن لي شريكا وصاحبة وولدا وهذا استفهام إنكار أي ليس لهم ذلك وبنعمت ~~الله هم يكفرون يعني أنهم يضيفون ما أنعم الله به عليهم إلى غيره، وقيل ~~معناه إنهم يجحدون ما أحل الله لهم ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا من السماوات والأرض يعني الأصنام التي لا تقدر على إنزال المطر الذي ~~في السموات خزائنه، ولا يقدرون على إخراج النبات الذي في الأرض معدنه شيئا ~~يعني لا يملك من الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا، وقيل معناه يعبدون ما لا يرزق ~~شيئا ولا يستطيعون يعني ولا يقدرون على شيء يذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع ~~أو دفع ضر. ### || [سورة النحل (16): الآيات 74 الى 77] # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) ولله غيب السماوات ~~والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ~~(77) # فلا تضربوا لله الأمثال يعني لا تشبهوا الله بخلقه فإنه لا مثل له، ولا ~~شبيه ولا شريك من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده، وفي ms2182 ملكه فكيف يشبه الخالق ~~بالمخلوق، أو الرازق بالمرزوق، أو القادر بالعاجز إن الله يعلم يعني ما ~~أنتم عليه من ضرب الأمثال له وأنتم لا تعلمون خطأ ما تضربون له من الأمثال. ~~قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا لما نهاهم الله سبحانه وتعالى عن # PageV03P089 # ضرب الأمثال، لقلة علمهم ضرب هو سبحانه وتعالى لنفسه مثلا، فقال تعالى: ~~مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، كمثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف ~~وبين حر كريم مالك قادر، قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف ~~يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال، ~~فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة البشرية، فكيف ~~يجوز للعقل أن يسوي بين الله عز وجل الخالق القادر على الرزق والإفضال وبين ~~الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء البتة؟ وقيل: هذا مثل ضربه الله ~~للمؤمن والكافر والمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، ~~لأنه لما كان محروما من عبادة الله وطاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ~~الذي لا يقدر على شيء، وقيل: إن الكافر لما رزقه الله مالا فلم يقدم فيه ~~خيرا صار كالعبد الذي لا يملك شيئا، والمراد بقوله ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا، المؤمن لأنه لما اشتغل بطاعة الله، وعبوديته والإنفاق في وجوه البر ~~والخير صار كالحر المالك الذي ينفق سرا وجهرا في طاعة الله، وابتغاء مرضاته ~~وهو قوله سبحانه وتعالى فهو ينفق منه سرا وجهرا فأثابه الله الجنة على ذلك. ~~فإن قلت: لم قال عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وكل عبد هو مملوك وهو غير ~~قادر على التصرف؟ قلت: إنما ذكر المملوك ليتميز من الحر لأن اسم العبد يقع ~~عليهما جميعا لأنهما من عباد الله، وقوله: لا يقدر على شيء احترز به عن ~~المملوك المكاتب والمأذون له في التصرف، لأنهما يقدران على التصرف واحتج ~~الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا ms2183 يملك شيئا هل يستوون ولم يقل هل ~~يستويان يعني هل يستوي الأحرار والعبيد، والمعنى كما لا يستوي هذا الفقير ~~البخيل، والغني السخي كذلك لا يستوي الكافر العاصي، والمؤمن الطائع، وقال ~~عطاء في قوله: عبدا مملوكا هو أبو جهل بن هشام ومن رزقناه منا رزقا حسنا، ~~هو أبو بكر الصديق ثم قال تعالى الحمد لله حمد الله نفسه لأنه المستحق ~~لجميع المحامد لأنه المنعم المتفضل على عباده، وهو الخالق الرازق لا هذه ~~الأصنام التي عبدها هؤلاء، فإنها لا تستحق الحمد لأنها جماد عاجز، لا يد ~~لها على أحد ولا معروف، فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله لا لغيره فيجب ~~على جميع العباد، حمد الله لأنه أهل الحمد والثناء الحسن بل أكثرهم يعني ~~الكفار لا يعلمون يعني أن الحمد لله لا لهذه الأصنام وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم هو الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم، والأبكم ~~الذي لا يفهم ولا يفهم لا يقدر على شيء هو إشارة إلى العجز التام والنقصان ~~الكامل، وهو كل على مولاه أي ثقيل على من يلي أمره ويعوله وقيل أصله من ~~الغلظ وهو نقيض الحدة، يقال كل السكين إذا غلظت شفرته وكل اللسان إذا غلظ ~~فلم يقدر على النطق، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فقوله ~~وهو كل على مولاه أي غليظ ثقيل على مولاه أينما يوجهه أي حيثما يرسله ~~ويصرفه في طلب حاجة أو كفاية مهم لا يأت بخير يعني لا يأت بجنح لأنه أخرس ~~عاجز لا يحسن ولا يفهم هل يستوي يعني من هذه صفته هو يعني صاحب هذه الصفات ~~المذمومة ومن يأمر بالعدل يعني ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات ذو رشد ~~وديانة يأمر الناس بالعدل والخير وهو في نفسه على صراط مستقيم يعني على ~~سيرة صالحة ودين قويم، فيجب أن يكون الآمر بالعدل، عالما قادرا مستقيما في ~~نفسه حتى يتمكن من الأمر بالعدل، وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض ~~على عباده ms2184 من إنعامه ويشملهم به من آثار رحمته # وألطافه وللأصنام التي هي أموات جماد، لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تنطق ~~ولا تعقل، وهي كل على عابديها، لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل والنقل والخدمة. ~~وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن: هو الذي يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم. والكافر: هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخير فعلى هذا القول ~~تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر. وقيل: هي على الخصوص فالذي يأمر ~~بالعدل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على صراط مستقيم، والذي يأمر ~~بالظلم وهو أبكم أبو جهل. وقيل: الذي يأمر بالعدل عثمان بن عفان، وكان له ~~مولى يأمره بالإسلام وذلك المولى يأمر عثمان بالإمساك عن الإنفاق في سبيل ~~الله تعالى، فهو الذي لا يأت بخير. # PageV03P090 # وقيل: المراد بالأبكم الذي لا يأت بخير أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل ~~حمزة وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون ولله غيب السماوات والأرض أخبر الله ~~عز وجل في الآية عن كمال علمه، وأنه عالم بجميع الغيوب، فلا تخفى عليه ~~خافية ولا يخفى عليه شيء منها، وقيل الغيب هنا هو علم قيام الساعة وهو قوله ~~وما أمر الساعة يعني في قيامها، والساعة هي الوقت الذي يقوم الناس فيه ~~لموقف الحساب إلا كلمح البصر يعني في السرعة، ولمح البصر هو انطبقا جفن ~~العين وفتحه وهو طرف العين أيضا أو هو أقرب يعني أن لمح البصر يحتاج إلى ~~زمان وحركة، والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون في أسرع ~~من لمح البصر وهو قوله إن الله على كل شيء قدير فيه دليل على كمال قدرة ~~الله تعالى وأنه سبحانه وتعالى مهما أراد شيئا كان أسرع ما يكون. قال ~~الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه سبحانه ~~وتعالى وصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء، لا يعجزه شيء. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 78 الى 80] # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ms2185 شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما ~~يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا تم الكلام هنا لأن الإنسان ~~خلق في أول الفطرة، ومبدئها خاليا عن العلم والمعرفة لا يهتدي سبيلا ثم ~~ابتدأ فقال تعالى وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة يعني أن الله سبحانه ~~وتعالى إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا بها من الجهل إلى العلم، فجعل لكم ~~السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب، والسنة وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها ~~على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، ~~وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا بها على وحدانيته. وجعل لكم الأفئدة لتعقلوا ~~بها، وتفهموا معاني الأشياء التي جعلها دلائل وحدانيته، وقال ابن عباس: في ~~هذه الآية يريد لتسمعوا مواعظ الله وتبصروا ما أنعم الله به عليكم من ~~إخراجكم من بطون أمهاتكم، إلى أن صرتم رجالا وتعقلوا عظمة الله، وقيل في ~~معنى الآية: والله خلقكم في بطون أمهاتكم وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من ~~الضيق إلى السعة، وجعل لكم الحواس آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه ~~واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه والترقي ~~إلى ما يسعدكم به في الآخرة. فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن جعل الحواس ~~الثلاث بعد الإخراج من البطون، وإنما خلقت هذه الحواس للإنسان من جملة ~~خلقه، وهو في بطن أمه. قلت: ذكر العلماء أن تقديم الإخراج، وتأخير ذكر هذه ~~الحواس لا يدل على أن خلقها كان بعد الإخراج لأن الواو لا توجب الترتيب ~~ولأن العرب تقدم وتؤخر في بعض كلامها. وأقول لما كان الانتفاع بهذه الحواس ~~بعد الخروج من البطن، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه وإن ~~كانت قد خلقت قبل ذلك. وقوله تعالى لعلكم تشكرون ms2186 يعني إنما أنعم عليكم بهذه ~~الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم ألم يروا إلى الطير مسخرات ~~يعني مذللات في جو السماء الجو الفضاء الواسع بين السماء والأرض وهو ~~الهواء. قال كعب الأحبار: إن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلا ولا ترتفع ~~فوق ذلك ما يمسكهن إلا الله يعني في حال قبض أجنحتها، وبسطها واصطفاقها في ~~الهواء، وفي هذا حث على الاستدلال بها على أن لها مسخرا سخرها، ومذللا ~~ذللها، وممسكا أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء، وهو الله تعالى إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون إنما خص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين يعتبرون ~~بالآيات ويتفكرون فيها وينتفعون بها دون غيرهم. قوله # PageV03P091 # سبحانه وتعالى والله جعل لكم من بيوتكم يعني التي هي من الحجر والمدر ~~سكنا يعني مسكنا تسكنونه، والسكن ما سكنت إليه وفيه من ألف أو بيت وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا يعني الخيام والقباب والأخبية، والفساطيط المتخذة من ~~الأدم والأنطاع. واعلم أن المساكن على قسمين: أحدهما: ما لم يمكن نقله من ~~مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما، والقسم ~~الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر وهي الخيام والفساطيط المتخذة ~~من جلود الأنعام، وإليها الإشارة بقوله تعالى تستخفونها يعني يخف عليكم ~~حملها يوم ظعنكم يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم وظعن البادية هو ~~لطلب ماء أو مرعى، ونحو ذلك ويوم إقامتكم يعني وتخف عليكم أيضا في إقامتكم ~~وحضركم، والمعنى: لا تثقل عليكم في الحالتين ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~الكناية عائدة إلى الأنعام، يعني ومن أصواف الضأن، وأوبار الإبل وأشعار ~~المعز أثاثا يعني تتخذون أثاثا. الأثاث. متاع البيت الكبير، وأصله من أث ~~إذا كثر وتكاثف، وقيل للمال أثاث إذا كثر. قال ابن عباس: أثاثا يعني مالا: ~~وقال مجاهد: متاعا. وقال القتيبي: الأثاث المال أجمع من الإبل والغنم ~~والعبيد والمتاع. وقال غيره الأثاث هو متاع البيت من الفرش والأكسية ونحو ~~ذلك ومتاعا يعني وبلاغا وهو ما يتمتعون به إلى ms2187 حين يعني إلى حين يبلى ذلك ~~الأثاث، وقيل: إلى حين الموت. فإن قلت: أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره ~~بواو العطف، والعطف يوجب المغايرة فهل من فرق؟. قلت: الأثاث ما كثر من آلات ~~البيت وحوائجه وغير ذلك فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به ~~في البيت خاصة فظهر الفرق بين # اللفظتين والله أعلم. # ### || [سورة النحل (16): الآيات 81 الى 88] # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) ~~فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ~~ولا هم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون (85) # وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) # والله جعل لكم مما خلق ظلالا يعني جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر ~~والبرد، وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار وجعل لكم من الجبال أكنانا جمع ~~كن وهو ما يستكن فيه من شدة الحر والبرد، كالأسراب والغيران ونحوها وذلك ~~لأن الإنسان إما أن يكون غنيا أو فقيرا، فإذا سافر احتاج في سفره ما يقيه ~~من شدة الحر والبرد فأما الغني فيستصحب معه الخيام في سفره، ليستكن فيها ~~وإليه الإشارة بقوله وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا وأما الفقير فيستكن في ~~ظلال الأشجار والحيطان والكهوف ونحوها، وإليه الإشارة بقوله والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ولأن بلاد العرب شديدة الحر، ~~وحاجتهم إلى الظلال وما يدفع شدته وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر الله هذه ~~المعاني في معرض الامتنان عليهم بها، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم ms2188 الحر يعني وجعل لكم قمصا وثيابا من القطن والكتان والصوف وغير ~~ذلك، تمنعكم من شدة الحر قال أهل المعاني والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة ~~الكلام عليه وسرابيل تقيكم # PageV03P092 # بأسكم يعني الدروع والجواشن وسائر ما يلبس في الحرب من السلاح، والبأس ~~الحرب يعني تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم. قال عطاء الخراساني: إنما نزل ~~القرآن على قدر معرفتهم فقال تعالى وجعل لكم من الجبال أكنانا، وما جعل لهم ~~من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها وما جعل لهم من القطن والكتان أكثر، ولكن كانوا أصحاب ~~صوف ووبر وشعر، وكما قال تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد وما ~~أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج وقال تقيكم الحر وما جعل ~~لهم مما يقي من البرد أكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر. وقوله سبحانه وتعالى ~~كذلك يعني كما أنعم عليكم بهذه النعم يتم نعمته عليكم يعني نعم الدنيا ~~والدين لعلكم تسلمون يعني لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الوحدانية والربوبية ~~والعبادة والطاعة وتعلمون، أنه لا يقدر على هذه الإنعامات إلا الله تعالى ~~فإن تولوا يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك وتصديقك يا محمد وآثروا ما هم فيه ~~من الكفر واللذات الدنيوية، فإنما وبال ذلك عليهم لا عليك فإنما عليك ~~البلاغ المبين يعني ليس عليك في ذلك عتب، ولا سمة تقصير إنما عليك البلاغ، ~~وقد فعلت ذلك ثم ذمهم الله تعالى بقوله يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها قال ~~السدي: نعمة الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروه وكذبوه. وقيل: نعمة ~~الله هي الإسلام لأنه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، ثم إن ~~كفار مكة أنكروه وجحدوه، وقال مجاهد وقتادة: نعمة الله ما عدد عليهم في هذه ~~السورة من النعم يقرون بأنها من الله، ثم إذا قيل لهم: صدقوا وامتثلوا أمر ~~الله فيها ينكرونها ويقولون ورثناها عن آبائنا. وقال الكلبي: إنه لما ذكر ~~هذه النعم قالوا: هذه نعم كلها من ms2189 الله تعالى لكنها بشفاعة آلهتنا وقيل هو ~~قول الرجل لولا فلان لكان كذا ولولا فلان لما كان كذا وقيل إنهم يعترفون ~~بأن الله أنعم بهذه النعم، ولكنهم لا يستعملونها في طلب رضوانه ولا يشكرونه ~~عليها وأكثرهم الكافرون إنما قال الله سبحانه وتعالى أكثرهم الكافرون مع ~~أنهم كانوا كلهم كافرين، لأنه كان فيهم من لم يبلغ بعد حد التكليف فعبر ~~بالأكثر عن البالغين، وقيل: أراد بالأكثر الكافرين الحاضرين المعاندين، وقد ~~كان فيهم من ليس بمعاند وإن كان كافرا وقيل إنه عبر بالأكثر عن الكل لأنه ~~قد يذكر الأكثر، ويراد به الجمع قوله سبحانه وتعالى ويوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا # لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمه على الكافرين وإنكارهم لها، وذكر أن ~~أكثرهم كافرون، أتبعه بذكر الوعيد لهم في الآخرة فقال تعالى: ويوم نبعث من ~~كل أمة شهيدا يعني رسولا وذلك اليوم، هو يوم القيامة والمراد بالشهداء: ~~الأنبياء يشهدون على أممهم بإنكار نعم الله عليهم وبالكفر ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا يعني في الاعتذار وقيل لا يؤذن لهم في الكلام أصلا. وقيل: لا يؤذن ~~لهم بالرجوع إلى # دار الدنيا فيعتذروا ويتوبوا وقيل: لا يؤذن لهم في معارضة الشهود بل ~~يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك ولا هم يستعتبون الاستعتاب: طلب العتاب، ~~والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل ~~إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع ~~إلى الرضا عنه وإذا لم يطلب العتاب منه دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، ~~ومعنى الآية: أنهم لا يكلفون أن يرضوا ربهم في ذلك اليوم، لأن الآخرة ليست ~~دار غضبه عليه، ومعنى الآية أنهم لا يكلفون أن يرضوا ربهم في ذلك اليوم لأن ~~الآخرة ليست دار تكليف ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبوا ويرجعوا يرضوا ربهم ~~فالاستعتاب: التعرض لطلب الرضا، وهذا باب مسند على الكفار في الآخرة وإذا ~~رأى الذين ظلموا يعني ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي العذاب يعني عذاب جهنم ~~فلا يخفف عنهم يعني ms2190 العذاب ولا هم ينظرون يعني لا يؤخرون ولا يمهلون وإذا ~~رأى الذين أشركوا يعني يوم القيامة شركاءهم يعني أصنامهم التي كانوا ~~يعبدونها في الدنيا قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك يعني ~~أربابا وكنا نعبدهم ونتخذهم آلهة فألقوا يعني الأصنام إليهم يعني إلى ~~عابديها القول إنكم لكاذبون يعني أن الأصنام قالت للكفار: إنكم لكاذبون ~~يعني في تسميتنا آلهة وما دعوناكم إلى عبادتنا. فإن # PageV03P093 # قلت: الأصنام جماد لا تتكلم فكيف يصح منها الكلام؟. قلت: لا يبعد أن الله ~~سبحانه وتعالى لما بعثها، وأعادها في الآخرة، خلق فيها الحياة والنطق ~~والعقل حتى قالت ذلك. والمقصود من إعادتها وبعثها، أن تكذب الكفار ويراها ~~الكفار وهي في غاية الذلة والحقارة، فيزدادون بذلك غما وحسرة وألقوا يعني ~~المشركين إلى الله يومئذ السلم يعني أنهم استسلموا له، وانقادوا لحكمه فيهم ~~ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا وضل عنهم يعني وزال عن المشركين ما كانوا يفترون ~~يعني ما كانوا يكذبون في الدنيا في قولهم، إن الأصنام تشفع لهم الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله يعني ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في ~~الإيمان بالله ورسوله زدناهم عذابا فوق العذاب يعني زدناهم هذه الزيادة ~~بسبب صدهم عن سبيل الله مع ما يستحقونه من العذاب على كفرهم الأصلي، ~~واختلفوا في هذه الزيادة ما هي فقال عبد الله بن مسعود: عقارب لها أنياب، ~~كأمثال النخل الطوال. وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال، ~~تلسع إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا. وقال ابن عباس ~~ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل يعذبون بها ثلاثة على ~~مقدار الليل واثنان على مقدار النهار، وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى ~~برد الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها وقيل: يضاعف ~~لهم العذاب ضعفا بسبب كفرهم وضعفا بسبب صدهم الناس عن سبيل الله بما كانوا ~~يفسدون يعني أن الزيادة إنما حصلت لهم بسبب صدهم عن سبيل الله، وبسبب ما ~~كانوا يفسدون مع ما يستحقونه ms2191 من العذاب على الكفر. # ### || [سورة النحل (16): الآيات 89 الى 97] # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما ~~كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ~~إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم قال ابن عباس: يريد الأنبياء. قال ~~المفسرون: كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها من أنفسهم يعني منهم ~~لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم وبما فعلوا من ~~كفر وإيمان وطاعة وعصيان وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء يعني على قومك ~~وأمتك وتم الكلام هنا ثم قال تبارك وتعالى ونزلنا عليك الكتاب يعني القرآن ~~تبيانا لكل شيء اسم من البيان قال مجاهد: يعني لما أمر به وما نهى عنه. ~~وقال أهل المعاني: تبيانا لكل شيء يعني من أمور الدين إما # PageV03P094 # بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم به من بيان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن النبي صلى ms2192 الله عليه وسلم بين ما في القرآن من الأحكام ~~والحدود والحلال والحرام، وجميع المأمورات والمنهيات، وإجماع الأمة فهو ~~أيضا أصل ومفتاح لعلوم الدين وهدى يعني من الضلالة ورحمة يعني لمن آمن به ~~وصدقه وبشرى للمسلمين يعني وفيه بشرى للمسلمين من الله عز وجل. وقوله ~~سبحانه وتعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان قال ابن عباس: العدل شهادة أن ~~لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض. وفي رواية عنه قال: العدل خلع ~~الأنداد، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إن ~~كان مؤمنا تحب أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا تحب أن يكون أخاك في ~~الإسلام. وقال في رواية أخرى عنه: العدل التوحيد والإحسان الإخلاص، وأصل ~~العدل في اللغة المساواة في كل شيء من غير زيادة في شيء ولا غلو ولا نقصان ~~فيه، ولا تقصير فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ~~والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشر بأن تعفو عنه: وقيل: العدل ~~الإنصاف ولا إنصاف أعظم من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى ~~من أساء إليك، وقيل يأمر بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل ~~إلا ما هو عدل، ولا يقول إلا ما هو حسن وإيتاء ذي القربى يعني ويأمر بصلة ~~الرحم وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك ~~الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودد وينهى عن الفحشاء قال ابن عباس: ~~يعني الزنا. وقال غيره الفحشاء، ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا ~~وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة والمنكر قال ابن عباس: يعني الشرك ~~والكفر. وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي يعني الكبر ~~والظلم. وقيل: البغي هو التطاول على الغير على سبيل الظلم والعدوان. قال ~~بعضهم: إن أعجل المعاصي البغي ولو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك ~~الباغي. وقال ابن عيينة في هذه الآية: العدل استواء السر والعلانية، ~~والإحسان أن تكون سريرته أحسن ms2193 من علانيته والفحشاء والمنكر والبغي، أن تكون ~~علانيته أحسن من سريرته، وقال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى ذكر من ~~المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر: العدل وهو ~~الإنصاف، والمساواة في الأقوال والأفعال وذكر في مقابلته الفحشاء، وهي ما ~~قبح من الأقوال والأفعال وذكر الإحسان، وهو أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من ~~أساء إليك وذكر في مقابلته المنكر، وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك، وذكر ~~إيتاء ذي القربى، والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم، والشفقة عليهم ~~وذكر في مقابلته البغي، وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم ثم قال تعالى ~~يعظكم لعلكم تذكرون يعني إنما أمركم بما أمركم به ونهاكم عما نهاكم عنه، ~~لكي تتعظوا وتتذكروا فتعملوا، بما فيه رضا الله تعالى. قال ابن مسعود: إن ~~أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية. وقال أهل المعاني: لما قال الله ~~تعالى في الآية الأولى، ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء بين في هذه ~~الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل الإجمال، فما من شيء يحتاج إليه ~~الناس في أمر دينهم، مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه ~~الآية وروى عكرمة أن النبي صلى الله عليه # وسلم، قرأ على الوليد بن المغيرة أن الله يأمر بالعدل إلى آخر الآية، ~~فقال له: «يا ابن أخي أعد علي» فأعادها عليه فقال له الوليد: والله إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما هو بقول ~~البشر. قوله عز وجل وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى في الآية المتقدمة المأمورات والمنهيات على سبيل الإجمال، ذكر في ~~هذه الآية بعض ذلك الإجمال على التفصيل فبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه ~~آكد الحقوق فقال تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم نزلت في الذين بايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمرهم بالوفاء بهذه البيعة، ~~وقيل: المراد منه كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد أيضا لأن ~~الوعد من العهد، ms2194 وقيل: العهد هاهنا اليمين. قال القتيبي: العهد يمين ~~وكفارته كفارة يمين فعلى هذا يجب الوفاء به إذا كان فيه صلاح أما إذا لم ~~يكن فيه صلاح، فلا يجب الوفاء به لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف يمينا ~~ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، # PageV03P095 # وليكفر عن يمينه» فيكون قوله وأوفوا بعهد الله من العام الذي خصصته ~~السنة. وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، ويشهد لهذا التأويل ~~قوله صلى الله عليه وسلم «كل حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا ~~شدة» ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها يعني تشديدها فتحنثوا فيها وفيه دليل ~~على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ~~يعني شهيدا بالوفاء بالعهد إن الله يعلم ما تفعلون يعني من وفاء العهد ~~ونقضه ثم ضرب الله سبحانه وتعالى مثلا لنقض العهد فقال تعالى ولا تكونوا ~~يعني في نقض العهد كالتي نقضت غزلها من بعد قوة يعني من بعد إبرامه ~~وإحكامه. قال الكلبي ومقاتل: هذه امرأة من قريش يقال لها ريطة بنت عمرو بن ~~سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم وكانت خرقاء حمقاء بها وسوسة، وكانت قد ~~اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل ~~الغزل من الصوف، أو الشعر أو الوبر وتأمر جواريها بالغزل فكن يغزلن من ~~الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان ~~هذا دأبها. والمعنى: أن هذه المرأة، لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن ~~النقض فكذلك من نقض العهد لا تركه ولا حين عاهد وفي به أنكاثا جمع نكث وهو ~~ما ينقض من الغزل أو الحبل بعد الفتل تتخذون أيمانكم دخلا بينكم يعني دغلا ~~وخيانة وخديعة، والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل ~~والدغل أن يظهر الرجل الوفاء بالعهد ويبطن نقضه أن تكون يعني لأن تكون أمة ~~هي أربى من أمة يعني أكثر وأعلى من أمة. قال ms2195 مجاهد: وذلك أنهم كانوا ~~يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر من أولئك وأعز نقضوا حلف هؤلاء، ~~وحالفوا الأكثر. والمعنى: أنكم طلبتم العز بنقض العهد لأن كانت أمة أي ~~جماعة أكثر من جماعة فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم بالوفاء بالعهد لمن عاهدوا ~~وحالفوا، إنما يبلوكم الله به يعني يختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهد ~~وهو أعلم بكم وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون يعني في الدنيا ~~فيثيب الطائع المحق، ويعاقب المسيء الخالف قوله سبحانه وتعالى ولو شاء الله ~~لجعلكم أمة واحدة يعني على ملة واحدة ودين واحد، وهو دين الإسلام ولكن يضل ~~من يشاء يعني بخذلانه إياه عدلا منه ويهدي من يشاء بتوفيقه إياه فضلا منه ~~وذلك مما اقتضته الحكمة الإلهية لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو قوله ~~تعالى ولتسئلن عما كنتم تعملون يعني في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه، ~~ويعاقب المسيء بإساءته أو يغفر له. قوله عز وجل ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم يعني خديعة وفسادا بينكم فتغروا بها الناس فيسكنوا إلى أيمانكم، ~~ويأمنوا إليكم ثم تنقضونها. وإنما كرر هذا المعنى تأكيدا عليهم وإظهارا ~~لعظم أمر نقض العهد. قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الإسلام نهاهم عن نقض عهده، لأن الوعيد الذي بعده وهو ~~قوله سبحانه وتعالى: فنزل قدم بعد ثبوتها لا # يليق بنقض عهد غيره، إنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الإيمان به وبشريعته وقوله فتزل قدم بعد ثبوتها مثل يذكر لكل من وقع في ~~بلاء ومحنة بعد عافية ونعمة أو سقط في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع ~~في بلاء بعد عافية: زلت قدمه، والمعنى: # فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام، بعد ثبوتها عليها وتذوقوا السوء يعني ~~العذاب بما صددتم عن سبيل الله يعني بسبب صدكم غيركم عن دين الله وذلك لأن ~~من نقض العهد، فقد علم غيره نقض العهد فيكون هو أقدمه على ذلك ولكم عذاب ~~عظيم يعني بنقضكم العهد ولا ms2196 تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا يعني ولا تنقضوا ~~عهودكم وتطلبوا بنقضها عوضا من الدنيا قليلا، ولكن أوفوا بها إنما عند الله ~~يعني فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بالعهد هو خير لكم يعني من ~~عاجل الدنيا إن كنتم تعلمون يعني فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك فقال تبارك ~~وتعالى ما عندكم ينفد يعني من متاع الدنيا، ولذاتها يفنى ويذهب وما عند ~~الله باق يعني من ثواب الآخرة ونعيم الجنة ولنجزين الذين صبروا يعني على ~~الوفاء بالعهد على السراء والضراء أجرهم يعني ثواب صبرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب ~~دنياه أضر # PageV03P096 # بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى» وقوله ~~سبحانه وتعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فإن قلت: من عمل صالحا ~~يفيد العموم فما فائدة الذكر والأنثى؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق ~~للنوعين إلا أنه إذا ذكر وأطلق، كان الظاهر تناوله للذكر دون الأنثى فقيل ~~من ذكر أو أنثى على التبيين، ليعلم الوعد للنوعين جميعا وجواب آخر وهو أن ~~الآية واردة بالوعد بالثواب والمبالغة في تقرير الوعد، من أعظم دلائل الكرم ~~والرحمة إثباتا للتأكد، وإزالة لوهم التخصيص، وقوله: وهو مؤمن، جعل الإيمان ~~شرطا في كون العمل الصالح موجبا للثواب فلنحيينه حياة طيبة قال سعيد بن ~~جبير وعطاء: هي الرزق الحلال، وقال مقاتل: # هي العيش في الطاعة، وقيل: هي حلاوة الطاعة. وقال الحسن هي القناعة وقيل ~~رزق يوم بيوم، واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا، وإن كان فقيرا أطيب من عيش ~~الكافر وإن كان غنيا لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند الله، وذلك بتقديره ~~وتدبيره وعرف أن الله محسن كريم متفضل لا يفعل إلا الصواب، فكان المؤمن ~~راضيا عن الله وراضيا بما قدره الله له ورزقه إياه، وعرف أنه له مصلحة في ~~ذلك القدر الذي رزقه إياه فاستراحت نفسه من الكد والحرص فطاب ms2197 عيشه بذلك ~~وأما الكافر أو الجاهل بهذه الأصول الحريص على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن ~~وتعب وعناء وحرص وكد ولا ينال من الرزق إلا ما قدر له فظهر بهذا أن عيش ~~المؤمن القنوع أطيب من غيره. # وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت ~~من نكد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: في قوله فلنحيينه حياة طيبة هي ~~الجنة. وروى العوفي عن الحسن، قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة لأنها ~~حياة بلا موت، وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاة، ~~فثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق الآية ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 98 الى 102] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم الخطاب فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره أولى بذلك، ولما كان ~~الشيطان ساعيا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم وكانت الاستعاذة بالله ~~مانعة من ذلك، فلهذا السبب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من وسواس الشيطان عن جبير بن مطعم ~~أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة، قال عمر: ولا أدري أي ~~صلاة هي. قال: الله أكبر كبيرا ثلاثا والحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا ثلاثا وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخته ms2198 ونفثته وهمزته. ~~قال: نفخته الكبر ونفثته السحر وهمزته المونة أخرجه أبو داود. المونة ~~الجنون والفاء في قوله فاستعذ بالله للتعقيب. فظاهر لفظ الآية يدل على أن ~~الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي ~~هريرة وإليه ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري. قالوا: لأن قارئ القرآن يستحق ~~ثوابا عظيما وربما حصلت الوساوس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أم لا؟ ~~فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصا فأما مذهب ~~الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار، فقد ~~اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا: ومعنى الآية إذا أردت ~~أن تقرأ القرآن، فاستعذ بالله ومثله قوله سبحانه وتعالى «إذا قمتم إلى # PageV03P097 # الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم» إلخ ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل ~~فقل: بسم الله وإذا أردت أن تسافر فتأهب، وأيضا فإن الوسوسة إنما تحصل في ~~أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة، لتذهب الوسوسة عنه أولى من ~~تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ومذهب عطاء أنه تجب الاستعاذة عند قراءة ~~القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن ~~الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر ~~الفقهاء على أن الاستعاذة سنة في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة ~~والخلاف فيها في أول سورة الفاتحة، والاستعاذة: الاعتصام بالله والالتجاء ~~إليه من شر الشيطان ووسوسته. والمراد من الشيطان إبليس. وقيل: هو اسم جنس ~~يطلق على المردة من الشياطين، لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني ~~آدم بإقدار الله إياهم على ذلك إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان فكأن ~~ذلك أوهم أن له سلطان يعني ليس له قدرة، ولا ولاية على الذين آمنوا، وعلى ~~ربهم يتوكلون. قال سفيان ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر ويظهر ~~من هذا «1» أن الاستعاذة، إنما تفيد ms2199 إذا حضر بقلب الإنسان كونه ضعيفا، وأنه ~~لا يمكنه التحفظ من وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله ولهذا قال المحققون: لا ~~حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ~~ثم قال تعالى إنما سلطانه على الذين يتولونه يعني يطيعونه ويدخلون في ~~ولايته، يقال: توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت عنه والذين هم به ~~مشركون يعني بالله، وقيل: الضمير في به راجع إلى الشيطان، والمعنى هم من ~~أهله مشركون بالله قوله سبحانه وتعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم ~~اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه فأنزل ~~الله هذه الآية. والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر والله ~~أعلم بما ينزل اعتراض دخل في الكلام، والمعنى والله أعلم بما ينزل من ~~الناسخ وبما هو أصلح لخلقه، وبما يغير ويبدل من أحكامه أي هو أعلم بجميع ~~ذلك مما هو من مصالح عباده، وهذا نوع من توبيخ وتقريع للكفار على قولهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى قالوا إنما أنت مفتر أي تختلقه من ~~عندك، والمعنى: إذا كان الله تعالى أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون محمدا ~~إلى الافتراء والكذب لأجل التبديل والنسخ؟ # وإنما فائدة ذلك ترجع إلى مصالح العباد، كما يقال: إن الطبيب يأمر المريض ~~بشرب دواء ثم بعد ذلك ينهاه عنه ويأمره بغيره لما يرى فيه من المصلحة بل ~~أكثرهم لا يعلمون يعني لا يعلمون فائدة الناسخ وتبديل النسوخ قل أي قل لهم ~~يا محمد نزله يعني القرآن روح القدس يعني جبريل صلى الله عليه وسلم أضيف ~~إلى القدس وهو الطهر كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير، والمعنى الروح ~~المقدس المطهر من ربك يعني أن جبريل نزل بالقرآن من ربك يا محمد بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا يعني ليثبت بالقرآن قلوب المؤمنين فيزدادوا إيمانا ~~ويقينا وهدى وبشرى يعني وهو هدى ms2200 وبشرى للمسلمين قوله عز وجل: # ### || [سورة النحل (16): الآيات 103 الى 105] # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم ~~عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون (105) PageV03P098 # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر وذلك أن كفار مكة قالوا: إنما ~~يتعلم هذه القصص وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله، وليس هو من عند ~~الله كما يزعم فأجابهم الله بقوله ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر ~~واختلفوا في ذلك البشر من هو فقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعلم قينا بمكة اسمه بلعام وكان نصرانيا أعجمي اللسان فكان المشركون ~~يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فكانوا يقولون ~~إنما يعلمه بلعام. وقال عكرمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئ ~~غلاما لبني المغيرة يقال له يعيش فكان يقرأ الكتب؟ فقالت قريش: إنما يعلمه ~~يعيش، وقال محمد بن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني ~~كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني عبد لبعض بني الحضرمي يقال ~~له: جبر وكان يقرأ الكتب. وقال عبيد الله بن مسلمة: كان لنا عبدان من أهل ~~عين التمر يقال لأحدهما: يسار ويكنى أبا فكيهة، ويقال للآخر: جبر وكانا ~~يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل بمكة فربما مر بهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن فيقف ويستمع قال الضحاك: وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما فيتروح بكلامهما، ~~فقال المشركون إنما يتعلم محمد منهما. وقال الفراء: قال المشركون إنما ~~يتعلم محمد من عائش المملوك كان لحويطب بن عبد العزى كان نصرانيا، وقد أسلم ~~وحسن إسلامه وكان أعجميا، وقيل: هو عداس غلام عتبة بن ربيعة. والحاصل أن ~~الكفار اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنما يتعلم هذه الكلمات ms2201 ~~من غيره ثم إنه يضيفها لنفسه، ويزعم أنه وحي من الله عز وجل وهو كاذب في ~~ذلك فأجاب الله عنه، وأنزل هذه الآية تكذيبا لهم فيما رموا به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الكذب فقال تعالى لسان الذي يلحدون إليه يعني ~~يميلون، ويشيرون إليه أعجمي يعني هو أعجمي والأعجمي هو الذي لا يفصح في ~~كلامه، وإن كان يسكن البادية ومنه سمي زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة ~~مع أنه كان من العرب، والعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا بالعربية ~~والأعرابي الذي يسكن البادية، والعربي الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب وهو ~~منسوب إلى العرب وهذا لسان عربي مبين يعني بين الفصاحة والبلاغة ووجه ~~الجواب، هو أن الذي يشيرون إليه رجل أعجمي في لسانه عجمة تمنعه من الإتيان ~~بفصيح الكلام ومحمد صلى الله عليه وسلم جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي ~~عجزتم أنتم عنه، وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة، فكيف يقدر من هو أعجمي على ~~مثله وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي يشيرون إليه، فثبت بهذا ~~البرهان، أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحي أوحاه الله إليه وليس ~~هو من تعليم الذي يشيرون إليه ولا هو أتى به من تلقاء نفسه بل هو وحي من ~~الله عز وجل إليه وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه ~~إن الذين لا يؤمنون بآيات الله يعني لا يصدقون أنها من عند الله لا يهديهم ~~الله يعني لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله # يعني إنما يقدم على فرية الكذب من لا يؤمن بآيات الله فهو رد لقول كفار ~~قريش إنما أنت مفتر وأولئك هم الكاذبون يعني في قولهم، إنما يعلمه بشر لا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: قد قال تبارك وتعالى إنما يفتري الكذب ~~فما معنى قوله تعالى وأولئك هم الكاذبون والثاني هو الأول؟ قلت: قوله ~~سبحانه وتعالى إنما يفتري الكذب إخبار عن حال قولهم، وقوله: ms2202 وأولئك ~~الكاذبون نعت لازم لهم كقول الرجل لغيره كذبت وأنت كاذب، أي كذبت في هذا ~~القول ومن عادتك الكذب، وفي الآية دليل على أن الكذب من أفحش الذنوب الكبار ~~لأن الكذاب المفتري، هو الذي لا يؤمن بآيات الله. روى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن عبد الله بن جراد قال: «قلت يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد ~~يكون ذلك. قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك قلت: المؤمن يكذب قال: لا ~~قال الله تعالى إنما يفتري # الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله». قوله تعالى: ### || [سورة النحل (16): الآيات 106 الى 117] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ~~(111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) # PageV03P099 # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان نزلت في ~~عمار بن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية، وصهيبا وبلالا ~~وخبابا وسالما ms2203 فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام، فأما سمية أم عمار فإنها ربطت ~~بين بعيرين ووجئ قلبها بحربة، فقتلت، وقتل زوجها ياسر فهما أول قتيلين قتلا ~~في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها. قال قتادة ~~أخذ بنو المغيرة عمار وغطوه في بئر ميمون وقالوا له: اكفر بمحمد فبايعهم ~~على ذلك وقلبه كاره، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمارا كفر. ~~فقال «كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ~~ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما وراءك قال: شر يا رسول الله نلت منك وذكرت. فقال: ~~كيف وجدت قلبك قال: مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح ~~عينيه. وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: # نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا، فخرجوا يريدون ~~المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم عن دينهم فكفروا كارهين، وهذا ~~القول ضعيف لأن الآية مكية وكان هذا في أول الإسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة، ~~وقال مقاتل: نزلت في جبر مولى عامر ابن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، فكفر ~~مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ثم أسلم عامر بن الحضرمي مولى جبر، وحسن إسلامه ~~وهاجر إلى المدينة والأولى أن يقال إن الآية عامة في كل من أكره على الكفر، ~~وقلبه مطمئن بالإيمان، وإن كان السبب خاصا. فإن قلت: المكره على الكفر ليس ~~بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، فما معنى هذا الاستثناء فيه إلا من ~~أكره. قلت: المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما شابه ما يظهر من الكافر طوعا ~~صح هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة والله أعلم. # فصل في حكم الآية # قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر ~~أن يعذب بعذاب لا طاقة له ms2204 به، مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد والإيلامات ~~القوية، مثل التحريق بالنار ونحوه. قال العلماء: أول من # PageV03P100 # أظهر الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة: أبو بكر وخباب وصهيب ~~وبلال وعمار وأبوه ياسر وأمه سمية فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه ~~الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب وأما أبو بكر، فمنعه قومه وعشيرته وأخذ ~~الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد وأجلسوا في حر الشمس بمكة، فأما بلال فكانوا ~~يعذبونه وهو يقول أحد أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه وقتل ياسر وسمية كما ~~تقدم. وقال خباب: لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري. # وأجمعوا على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحا بل ~~يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط ~~طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقد، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى ~~قتل كان أفضل لأن ياسرا وسمية قتلا ولم يتلفظا بكلمة الكفر، ولأن بلالا صبر ~~على العذاب ولم يلم على ذلك. قال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه ~~عليها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، والميتة ونحوها فمن أكره بالسيف أو ~~القتل على أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة أو لحم الخنزير أو نحوها، جاز له ~~ذلك لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقيل: لا يجوز له ذلك ولو ~~صبر كان أفضل، ومن الأفعال ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا لأن الإكراه ~~يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة فلا يتصور فيه الإكراه واختلف ~~العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه وأكثر العلماء: ~~لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة: يقع. حجة الشافعي ومن وافقه قوله ~~سبحانه وتعالى: لا إكراه في الدين ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته، لأن ~~ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره والمعنى أنه لا أثر له ولا عبرة به، ~~وقوله تعالى وقلبه مطمئن بالإيمان فيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب ~~ولكن ms2205 من شرح بالكفر صدرا يعني فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم يعني في الآخرة ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة يعني يكون ذلك الإقدام على الارتداد إلى الكفر، ~~لأجل أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين يعني لا يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل به أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم تقدم تفسيره وأولئك هم الغافلون يعني عما ~~يراد بهم من العذاب في الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الخاسرون يعني أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا، ليربح في الآخرة ~~فإذا دخل النار بان خسرانه وظهر غبنه لأنه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان ومن ~~ضيع رأس ماله فهو خاسر. قوله عز وجل ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا يعني عذبوا ومنعوا من الدخول في الإسلام فتنهم المشركون ثم جاهدوا ~~وصبروا على الإيمان والهجرة والجهاد إن ربك من بعدها يعني من بعد الفتنة ~~التي فتنوها لغفور رحيم نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة، وكان أخا أبي جهل ~~من الرضاعة، وقيل كان أخاه لأمه وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن ~~الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله ابن أسد الثقفي فتنهم ~~المشركون، وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك ~~هاجروا وجاهدوا. وقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرح ~~كان قد أسلم، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزله الشيطان، فارتد ~~ولحق بدار الحرب فلما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ~~فاستجاره عثمان، وكان أخاه لأمه فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ~~وحسن إسلامه وهذا القول إنما يصح إذا قلنا: إن هذه الآية مدنية نزلت ~~بالمدينة فتكون من الآيات المدنيات في السور المكيات، والله أعلم بحقيقة ~~ذلك قوله سبحانه وتعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن ms2206 نفسها يعني تخاصم وتحتج ~~عن نفسها أي بما أسلفت من خير وشر، واشتغلت بالمجادلة لا تتفرغ إلى غيرها. ~~فإن قلت: النفس هي نفس واحدة، وليس لها نفس أخرى فما معنى قوله كل نفس ~~تجادل عن نفسها؟ قلت: إن النفس قد يراد بها بدن الإنسان، وقد يراد بها ~~مجموع ذاته وحقيقته فالنفس الأولى هي مجموع ذات الإنسان وحقيقته والنفس ~~الثانية، هي بدنه فهي عينها وذاتها أيضا، والمعنى: يوم يأتي كل إنسان يجادل ~~عن ذاته، ولا يهمه غيره ومعنى هذه المجادلة الاعتذار بما لا يقبل منه ~~كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين، # PageV03P101 # ونحو ذلك من الاعتذارات وتوفى كل نفس ما عملت يعني جزاء ما عملت في ~~الدنيا من خير أو شر وهم لا يظلمون يعني لا ينقصون # من جزاء أعمالهم شيئا، بل يوفون ذلك كاملا من غير زيادة ولا نقصان. # روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: خوفنا فقال يا أمير ~~المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت القيامة بمثل عمل سبعين نبيا، لأتت عليك ~~ساعات وأنت لا يهمك إلا نفسك وإن جهنم لتزفر زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول: يا رب لا أسألك إلا ~~نفسي، وإن تصديق ذلك فيما أنزل الله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. ~~وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم ~~القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا رب لم تكن لي أيد أبطش ~~بها، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد: يا رب خلقتني ~~كالخشبة، ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها فجاء هذا ~~الروح كشعاع النور فيه نطق لساني، وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي فضرب الله ~~لهما مثلا أعمى ومقعد دخلا حائطا، يعني بستانا فيه ثمار فالأعمى لا يبصر ~~الثمار والمقعد لا يناله فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما ~~العذاب. ms2207 قوله عز وجل وضرب الله مثلا قرية المثل عبارة عن قول في شيء يشبه ~~قولا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، وقيل: هو عبارة ~~عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعم الألفاظ ~~الموضوعة للمشابهة، قال الإمام فخر الدين الرازي: المثل قد يضرب بشيء موصوف ~~بصفة معينة سواء، كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن وقد يضرب بشيء موجود ~~معين، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا، ~~ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون ~~مكة أو غيرها والأكثر من المفسرين على أنها مكة، والأقرب أنها غير مكة ~~لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة، وقال الزمخشري في كتابه ~~الكشاف: وضرب الله مثلا قرية أي جعل القرية التي هذه حالها، مثلا لكل قوم ~~أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ~~فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية ~~كانت هذه حالها، فضرب الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها وقال الواحدي: ~~ضرب المثل ببيان المشبه والمشبه به، وهاهنا ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه ~~لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما ~~امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن، والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فتقدير الآية ضرب الله مثلا لقريتكم أي بين الله لها شبها ثم ~~قال: قرية فيجوز أن تكون القرية بدلا من مثلا لأنها هي الممثل بها، ويجوز ~~أن يكون المعنى ضرب الله مثلا، مثل قرية فحذف المضاف هذا قول الزجاج ~~والمفسرون كلهم قالوا: أراد بالقرية مكة يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها ~~بقرية صفتها ما ذكر. وقال ابن الجوزي: في هذه القرية قولان: أحدهما أنها ~~مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهو الصحيح، والثاني أنها قرية ~~أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث الله عليهم الجوع، قاله ~~الحسن. ms2208 وأقول: هذه الآية نزلت بالمدينة في قول مقاتل وبعض المفسرين، وهو ~~الصحيح لأن الله سبحانه وتعالى وصف هذه القرية بصفات ستة كانت هذه الصفات ~~موجودة في أهل مكة، فضربها الله مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل ~~صنيعهم، فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف، ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف ~~المذكور في هذه الآية في قوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف هو البعوث ~~والسرايا التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثها في قول جميع المفسرين ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالقتال، وهو بمكة وإنما أمر بالقتال ~~لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوفهم بذلك، ~~وهو بالمدينة والله أعلم بمراده، وأما تفسير قوله تعالى: وضرب الله مثلا ~~قرية يعني مكة كانت آمنة يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم مطمئنة ~~يعني قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما كان يحتاج ~~إليه سائر العرب يأتيها رزقها رغدا يعني واسعا من كل مكان يعني يحمل إليها ~~الرزق # PageV03P102 # والميرة من البر والبحر # . نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم وهو قوله «وارزق أهله من الثمرات» فكفرت يعني هذه ~~القرية والمراد أهلها بأنعم الله جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي ~~أنعم الله بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم الله التي أنعم بها عليهم ~~بالجحود والكفر، لا جرم أن الله تعالى انتقم منهم فقال تعالى فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف وذلك أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، ~~فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب والميتة والعهن، وهو ~~الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى ~~شبه الدخان من الجوع ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك، وقالوا: ما هذا هبك عاديت الرجال فما بال ms2209 النساء والصبيان، فأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حمل الطعام إليهم، وهم بعد مشركون. والخوف ~~يعني خوف بعوث النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة ~~فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم. فإن ~~قلت: الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما، والإذاقة المستعارة موقعة ~~على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه، وهو أن اللباس لا يذاق بل ~~يلبس، فيقال كساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع قلت: ~~قال صاحب الكشاف: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في ~~البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه ~~العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر، والألم بما يدرك من طعم المر البشع وأما ~~اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان، والتلبس به من بعض ~~الحوادث وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة ~~عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، ثم ذكر ~~بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال. وقال الإمام فخر الدين ~~الرازي: جوابه من وجوه، الأول، أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: ~~أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. ~~والثاني، أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ~~فأشبه اللباس، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة ~~تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف، الوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها أثر لباس الجوع والخوف، ~~إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار ~~فوضع موضع التعرف، وهو الاختبار تقول ناظر فلانا وذاق ما عنده: # ومن يذق الدنيا فاني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها # ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون ونهكة البدن ~~وتغيير الحال وكسوف البال، كما ms2210 تقول: تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على فلان، ~~كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. الوجه الثالث: أن يحمل ~~لفظ الذوق واللبس على المماسة، فصار التقدير فأذاقها الله مساس الجوع ~~والخوف ثم قال تعالى بما كانوا يصنعون ولم يقل بما صنعت لأنه أراد أهل ~~القرية، والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصنعون، وهذا مثل أهل ~~مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عز وجل عليهم ~~بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وهو منهم فكفروا به ~~وكذبوه وبالغوا في إيذائه، وأرادوا قتله فأخرجه الله من بينهم وأمره ~~بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع والخوف كل ~~ذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه من بين أظهرهم. قوله ~~سبحانه وتعالى ولقد جاءهم يعني أهل مكة رسول منهم يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة وبعدها فكذبوه فأخذهم العذاب يعني ~~الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر، والقول الأول أولى لما تقدم في الآية وهم ~~ظالمون يعني كافرون فكلوا مما رزقكم الله في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما، ~~أنهم المسلمون، وهو قول جمهور المفسرين، والثاني، أنهم هم المشركون من أهل ~~مكة. قال الكلبي: لما اشتد الجوع بأهل مكة كلم رؤساؤهم # PageV03P103 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنك إنما عاديت الرجال فما بال ~~النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملوا الطعام ~~إليهم حكاه الواحدي وغيره والقول الأول هو الصحيح. قال ابن عباس فكلوا يا ~~معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد الغنائم حلالا طيبا يعني أن الله سبحانه ~~وتعالى أحل الغنائم لهذه الأمة وطيبها لهم ولم تحل لأحد قبلهم واشكروا نعمت ~~الله يعني التي أنعم بها عليكم إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ~~الله غفور رحيم تقدم تفسير هذه الآية وأحكامها في سورة البقرة ms2211 فلم نعده ~~هنا، وقوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب يعني ولا تقولوا لأجل ~~وصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام يعني أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا ~~لغيره فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ذلك. ~~قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة. وقال ابن عباس: يعني قولهم ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا وذلك أن العرب في الجاهلية ~~كانوا يحلون أشياء ويحرمون أشياء من عند أنفسهم، وينسبون ذلك إلى الله ~~تعالى وهو قوله تعالى لتفتروا على الله الكذب يعني لا تقولوا إن الله أمرنا ~~بذلك فتكذبوا على الله لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله ثم توعد ~~المفترين للكذب فقال سبحانه وتعالى إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون يعني: لا ينجون من العذاب، وقيل: # لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح ثم بين أن ما هم فيه ~~من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب فقال تعالى متاع قليل يعني متاعهم في ~~الدنيا متاع قليل فإنه لا بقاء له ولهم عذاب أليم يعني في الآخرة. # ### || [سورة النحل (16): الآيات 118 الى 123] # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط ~~مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) # وعلى الذين هادوا يعني اليهود حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يعني ما سبق ~~ذكره وبيانه في سورة الأنعام وهو قوله تعالى «وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر» الآية وما ظلمناهم يعني بتحريم ذلك عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~يعني إنما حرمنا عليهم ما حرمنا بسبب بغيهم وظلمهم أنفسهم ونظيره قوله ~~تعالى فبظلم من الذين ms2212 هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. وقوله تعالى ثم إن ~~ربك للذين عملوا السوء بجهالة المقصود من هذه الآية بيان فضل الله وكرمه ~~وسعة مغفرته ورحمته، لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح فيدخل تحته الكفر ~~وسائر المعاصي وكل ما لا ينبغي وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة، لأن ~~العاقل لا يرضى بفعل القبيح فمن صدر عنه فعل قبيح من كفر أو معصية، فإنما ~~يصدر عنه بسبب جهله إما لجهله بقدر ما يترتب عليه من العقاب أو لجهله بقدر ~~من يعصيه، فثبت بهذا أن فعل السوء إنما يفعل بجهالة ثم إن الله تعالى وعد ~~من عمل سوءا بجهالة ثم تاب، وأصلح العمل في المستقبل أن يتوب عليه ويرحمه ~~وهو قوله تعالى ثم تابوا من بعد ذلك، يعني من بعد عمل ذلك السوء وأصلحوا ~~يعني أصلحوا العمل في المستقبل، وقيل معنى الإصلاح الاستقامة على التوبة إن ~~ربك من بعدها يعني من بعد عمل السوء بالجهالة والتوبة منه لغفور يعني لمن ~~تاب وآمن رحيم يعني بجميع المؤمنين والتائبين. قوله سبحانه وتعالى إن ~~إبراهيم كان أمة حكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: هذا مثل قول ~~العرب: فلان رحمة وفلان علامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في ~~المعنى الذي يصفونه به. والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى ~~الواحد كقوله تبارك # PageV03P104 # وتعالى «فنادته الملائكة» وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال وصفات الخير والأخلاق ~~الحميدة ما اجتمع في أمة. ومنه قول الشاعر: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # ثم للمفسرين في معنى هذه اللفظة أقوال أحدها: قول ابن مسعود: الأمة معلم ~~الخير يعني أنه كان معلما للخير يأتم به أهل الدنيا. الثاني قال مجاهد: إنه ~~كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار فلهذا المعنى كان أمة واحدة ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل «يبعثه الله أمة وحده» وإنما قال ~~فيه هذه ms2213 المقالة لأنه كان قد فارق الجاهلية وما كانوا عليه من عبادة ~~الأصنام. الثالث قال قتادة: ليس من أهل دين إلا وهم يتلونه ويرضونه، وقيل: ~~الأمة فعلة بمعنى مفعولة، وهو الذي يؤتم به وكان إبراهيم عليه السلام إماما ~~يقتدى به دليله قوله سبحانه وتعالى إني جاعلك للناس إماما وقيل إنه عليه ~~السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ومن تبعه ممتازين عمن سواهم بالتوحيد ~~لله والدين الحق وهو من باب إطلاق المسبب على السبب، وقيل: إنما سمي ~~إبراهيم عليه السلام أمة لأنه قام مقام أمة في عبادة الله قانتا لله يعني ~~مطيعا لله وقيل هو القائم بأوامر الله حنيفا مسلما يعني مقيما على دين ~~الإسلام لا يميل عنه ولا يزول. وهو أول من اختتن وضحى، وأقام مناسك الحج ~~ولم يك من المشركين يعني أنه عليه السلام كان من الموحدين المخلصين من صغره ~~إلى كبره شاكرا لأنعمه يعني أنه كان شاكرا لله على أنعمه التي أنعم بها ~~عليه اجتباه أي اختاره لنبوته واصطفاه لخلته وهداه إلى صراط مستقيم يعني ~~هداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم والدين القويم وآتيناه في ~~الدنيا حسنة يعني الرسالة والخلة. وقيل: هي لسان الصدق والثناء الحسن ~~والقبول العام في جميع الأمم فإن الله حببه إلى جميع خلقه فكل أهل الأديان ~~يتلونه المسلمون واليهود والنصارى، ومشركو العرب وغيرهم، وقيل: هو قول ~~المصلي في التشهد: # اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. ~~وقيل إنه آتاه أولادا أبرارا على الكبر وإنه في الآخرة لمن الصالحين يعني ~~في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. وقيل: معناه وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين يعني الأنبياء في الجنة فتكون من بمعنى مع ولما وصف الله عز وجل ~~إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات الشريفة العالية، أمر الله سبحانه وتعالى ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباعه فقال تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم يعني دينه وما كان عليه من الشريعة والتوحيد. قال أهل الأصول: ~~كان النبي صلى ms2214 الله عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ منها وما ~~لم ينسخ صار شرعا له، وقال أبو جعفر الطبري أمره باتباعه في التبري من ~~الأوثان والتدين بدين الإسلام وهو قوله حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~تقدم تفسيره وقوله تعالى: ### || [سورة النحل (16): الآيات 124 الى 128] # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~(126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~(127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه يعني إنما فرض تعظيم السبت على ~~الذين اختلفوا فيه وهم اليهود. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ~~أمرهم موسى بتعظيم يوم الجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما ~~فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئا من صنعتكم وستة أيام لصنعتكم، ~~فأبوا عليه وقالوا # PageV03P105 # لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق، وهو يوم السبت فجعل ذلك ~~اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضا بيوم الجمعة. ~~فقالت النصارى لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون اليهود فاتخذوا الأحد ~~فأعطى الله عز وجل الجمعة لهذه الأمة فقبلوها، فبورك لهم فيها (ق) عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحن الآخرون السابقون يوم ~~القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا فاختلفوا فيه، وأوتيناه من بعدهم ~~فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع ~~فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى» وفي رواية لمسلم «نحن الآخرون الأولون يوم ~~القيامة ونحن أول من يدخل الجنة» وفي رواية أخرى له قال «أضل الله عن ~~الجمعة من كان قبلنا فكان ms2215 لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء الله ~~بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم ~~القيامة نحن الآخرون في الدنيا، الأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل ~~الخلائق» قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: قال العلماء في معنى ~~الحديث: نحن الآخرون في الزمان والوجود السابقون في الفضل ودخول الجنة ~~فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم. وقوله بيد أنهم يعني غير أنهم أو ~~إلا أنهم. وقوله فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له ~~قال: القاضي عياض الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل ~~إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله ~~له وفرضه على هذه الأمة مبينا، ولم يكلهم إلى اجتهادهم ففازوا بفضيلته قال: ~~يعني القاضي عياضا- وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة، ~~وأعلمهم بفضله فناظروه أن السبت أفضل. فقيل له دعهم. قال القاضي: ولو كان ~~منصوصا عليه لم يصح اختلافهم فيه بل كان يقول: خالفوا فيه. قال الشيخ محيي ~~الدين النووي: ويمكن أن يكونوا أمروا به صريحا ونص على عينه فاختلفوا فيه ~~هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه، وغلطوا في إبداله. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي في قوله تعالى «على الذين اختلفوا فيه» يعني على نبيهم موسى، ~~حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت فاختلافهم في السبت كان اختلافا على ~~نبيهم في ذلك اليوم، أي لأجله وليس معنى قوله اختلفوا فيه أن اليهود ~~اختلفوا، فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ~~ذلك. وزاد الواحدي على هذا فقال: وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى ~~قال بعضهم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال: هو أعظم الأيام حرمة لأن ~~الله فرغ من خلق الأشياء، وقال الآخرون بل الأحد أفضل لأن الله سبحانه ~~وتعالى، ابتدأ فيه بخلق الأشياء، وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فريقين في ~~السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل. فان قلت ms2216 إن اليهود ~~إنما اختاروا السبت، لأن أهل الملل اتفقوا على أن الله خلق الخلق في ستة ~~أيام وبدأ بالخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم الخلق يوم الجمعة وكان يوم ~~السبت يوم فراغ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك العمل في هذا اليوم، ~~فاختاروا السبت لهذا المعنى وقالت النصارى: إنما بدأ بخلق الأشياء في يوم ~~الأحد فنحن نجعل هذا اليوم عيدا لنا، وهذان الوجهان معقولان فما وجه فضل ~~يوم الجمعة حتى جعله أهل الإسلام عيدا؟ قلت: يوم الجمعة أفضل الأيام لأن ~~كمال الخلق وتمامه كان فيه وحصول التمام والكمال يوجب الفرح والسرور فجعل ~~يوم الجمعة عيدا بهذا الوجه وهو أولى. ووجه آخر وهو أن الله عز وجل خلق فيه ~~أشرف خلقه، وهو آدم عليه السلام وهو أبو البشر وفيه تاب عليه فكان يوم ~~الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن الله سبحانه وتعالى اختار يوم الجمعة ~~لهذه الأمة وادخره لهم، ولم يختاروا لأنفسهم شيئا، وكان ما اختاره الله لهم ~~أفضل مما اختاره غيرهم لأنفسهم، وقال بعض العلماء # : بعث الله موسى بتعظيم يوم السبت ثم نسخ بيوم الأحد في شريعة عيسى عليه ~~السلام ثم نسخ يوم السبت، ويوم الأحد بيوم الجمعة في شريعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكان أفضل الأيام يوم الجمعة كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أفضل الأنبياء. وفي معنى الآية قول آخر قال قتادة: الذين اختلفوا فيه ~~اليهود استحله بعضهم، وحرمه بعضهم فعلى هذا القول يكون معنى قوله إنما جعل ~~السبت أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه، وهم # PageV03P106 # اليهود فأحله بعضهم فاصطادوا فيه فلعنوا ومسخوا قردة وخنازير في زمن داود ~~عليه السلام، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة الأعراف وبعضهم ثبت على ~~تحريمه، فلم يصطد فيه شيئا وهم الناهون والقول الأول أقرب إلى الصحة. وقوله ~~تعالى وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون يعني في أمر ~~السبت فيحكم الله بينهم يوم القيامة فيجازي المحققين بالثواب والمبطلين ~~بالعقاب. قوله عز وجل ادع إلى ms2217 سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة يعني ادع ~~إلى دين ربك يا محمد، وهو دين الإسلام بالحكمة يعني بالمقالة المحكمة ~~الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة والموعظة الحسنة، يعني ~~وادعهم إلى الله بالترغيب والترهيب وهو أنه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم ~~وتقصد ما ينفعهم وجادلهم بالتي هي أحسن يعني بالطريقة التي هي أحسن طرق ~~المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وقيل: إن الناس اختلفوا ~~وجعلوا ثلاثة أقسام: القسم الأول هم العلماء الكاملون أصحاب العقول الصحيحة ~~والبصائر الثاقبة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها، فهؤلاء المشار ~~إليهم بقوله «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة» يعني ادعهم بالدلائل القطعية ~~اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها حتى ينتفعوا وينفعوا الناس وهم خواص ~~العلماء من الصحابة وغيرهم. # القسم الثاني: هم أصحاب الفطرة السليمة، والخلقة الأصيلة وهم غالب الناس ~~الذين لم يبلغوا حد الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوساط ~~الأقسام، وهم المشار إليهم بقوله: والموعظة الحسنة أي ادع هؤلاء بالموعظة ~~الحسنة. القسم الثالث: هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء المشار إليهم ~~بقوله: وجادلهم بالتي هي أحسن حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. وقيل: ~~المراد بالحكمة القرآن يعني ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل: ~~المراد بالحكمة النبوة أي ادعهم بالنبوة والرسالة والمراد بالموعظة الحسنة ~~الرفق واللين في الدعوة، وجادلهم بالتي هي أحسن أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر ~~في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق فعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير: ~~هذا منسوخ بآية السيف إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~يعني إنما عليك يا محمد تبليغ ما أرسلت به إليهم ودعاؤهم بهذه الطرق ~~الثلاثة وهو أعلم بالفريقين الضال والمهتدي فيجازي كل عامل بعمله قوله ~~سبحانه وتعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به نزلت هذه الآية ~~بالمدينة في سبب شهداء أحد وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون ~~بقتلى المسلمين يوم أحد من تبقير البطون، والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من ~~قتلى المسلمين ms2218 إلا مثل به غير حنظلة بن أبي عامر الراهب، وذلك أن أباه أبا ~~عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال المسلمون حين رأوا ~~ذلك: # لئن أظهرنا الله عليهم، لنربين على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها ~~أحد من العرب بأحد. ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد ~~المطلب وقد جدعوا أنفه وآذانه وقطعوا مذاكيره، وبقروا بطنه وأخذت هند بنت ~~عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تنزل في بطنها حتى رمت ~~بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أما إنها لو أكلتها لم تدخل ~~النار أبدا حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار» فلما نظر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط ~~كان أوجع لقلبه منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «رحمة الله عليك فإنك ما علمنا ما كنت إلا فعالا للخيرات، وصولا للرحم ~~ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى أما والله لئن ~~أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك». فأنزل الله عز وجل: # «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به» الآية فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بل نصبر وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه» عن أبي بن كعب قال: لما ~~كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ~~فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم. قال: ~~فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله عز وجل «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين» فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «كفوا عن القوم إلا أربعة» أخرجه الترمذي. وقال ~~حديث حسن غريب وأما تفسير الآية # PageV03P107 # فقوله تعالى «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به» سمي الفعل الأول ~~باسم الثاني للمزاوجة في الكلام، ms2219 والمعنى إن صنع بكم سوء من قتل أو مثلة ~~ونحوها، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه فهو كقوله «وجزاء سيئة سيئة مثلها» ~~أمر الله برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية في باب استيفاء الحقوق. يعني: ~~إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقتصوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه فإن استيفاء ~~الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله وشرعه ورحمته، وفي الآية دليل ~~على أن الأولى ترك استيفاء القصاص وذلك بطريق الإشارة والرمز والتعريض، بأن ~~الترك أولى فإن كان لا بد من استيفاء القصاص فيكون من غير زيادة عليه بل ~~يجب مراعاة المماثلة ثم انتقل من طريق الإشارة إلى طريق التصريح فقال تعالى ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين يعني ولئن عفوتم، وتركتم استيفاء القصاص ~~وصبرتم كان ذلك العفو، والصبر خيرا من استيفاء القصاص وفيه أجر للصابرين ~~والعافين. # فصل # اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا، على قولين: أحدهما أنها نزلت ~~قبل براءة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ ~~بالقتال ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد وهذا قول ابن عباس والضحاك، فعلى هذا يكون ~~معنى قوله ولئن صبرتم عن القتال، فلما أعز الله الإسلام وكثر أهله أمر الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، ونسخ هذا بقوله: اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم الآية، القول الثاني: أنها أحكمت، وأنها نزلت فيمن ظلم ظلامة فلا ~~يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال منها الظالم وهذا قول مجاهد والشعبي ~~والنخعي وابن سيرين والثوري. قال بعضهم: # الأصح أنها محكمة لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في كيفية استيفاء ~~الحقوق وفي القصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون ~~منسوخة فلا تعلق لها بالنسخ والله أعلم. قوله عز وجل واصبر وما صبرك إلا ~~بالله الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالصبر، وأعلمه أن صبره بتوفيقه ومعونته ولا تحزن عليهم ~~يعني على الكافرين، وإعراضهم عنك وقيل: معنى الآية ولا تحزن على ms2220 قتلى أحد ~~وما فعل بهم فإنهم أفضلوا إلى رحمة الله ورضوانه ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~يعني: ولا يضيقن صدرك يا محمد بسبب مكرهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. ~~قرئ في ضيق بفتح الضاد وكسرها، فقيل لغتان. وقال أبو عمر: والضيق بالفتح ~~الغم وبالكسر الشدة، وقال أبو عبيد الضيق بالكسر في قلة المعاش وفي المسكن ~~وإما ما كان في القلب والصدر فإنه بالفتح، وقال القتيبي: الضيق تخفيف ضيق ~~مثل هين وهين ولين ولين فعلى هذا يكون صفة كأنه قال سبحانه وتعالى: ولا تك ~~في أمر ضيق من مكرهم. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام من المقلوب، ~~لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلا في ~~الصفة فكان المعنى فلا يكن الضيق حاصلا فيك إلا أن الفائدة في قوله: ولا تك ~~في ضيق، هي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل جانب، ~~كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ بهذا المعنى إن الله مع ~~الذين اتقوا أي اتقوا المثلة والزيادة في القصاص وسائر المناهي والذين هم ~~محسنون يعني بالعفو عن الجاني، وهذه المعية بالعون والفضل والرحمة يعني إن ~~أردت أيها الإنسان أن أكون معك بالعون والفضل والرحمة، فكن من المتقين ~~المحسنين، وفي هذا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. قال ~~بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق، وخلق مع الخلق وكمال الإنسان أن ~~يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، وقيل لهرم ابن حيان عند الموت: ~~أوص. فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي، ولكني أوصيك بخواتيم سورة ~~النحل. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P108 ### | سورة الإسراء # # فصل # في نزولها # قال ابن الجوزي: هي مكية في قول الجماعة إلا أن بعضهم يقول فيها مدني ~~فروي عن ابن عباس أنه قال هي مكية إلا ثمان آيات من قوله سبحانه وتعالى وإن ~~كادوا ليفتنونك إلى قوله نصيرا وهذا قول قتادة وقال مقاتل فيها من المدني ~~وقل رب ms2221 أدخلني مدخل صدق- الآية وقوله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله- ~~وقوله إن ربك أحاط بالناس- وقوله تعالى وإن كادوا ليفتنونك- وقوله تعالى ~~ولولا أن ثبتناك والتي تليها- وهي مائة وعشر آيات وقيل وإحدى عشرة آية ~~وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة وثلاثة آلاف وأربعمائة وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الإسراء (17): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # قوله عز وجل سبحان الذي أسرى بعبده ليلا روى ابن الجوزي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير سبحان الله فقال: تنزيه الله عن كل شيء. ~~هكذا ذكره بغير سند وقال النحويون: سبحان اسم علم على التسبيح يقال سبحت ~~الله تسبيحا فالتسبيح هو المصدر وسبحان الله علم للتسبيح وتفسير سبحان ~~الله، تنزيه الله عن كل سوء ونقيصة وأصله في اللغة التباعد فمعنى سبحان ~~الله بعده ونزاهته عن كل ما لا ينبغي «الذي أسرى» يقال سري به وأسري به ~~لغتان «بعبده» أجمع المفسرون والعلماء والمتكلمون، أن المراد به محمد صلى ~~الله عليه وسلم لم يختلف أحد من الأمة في ذلك، وقوله بعبده إضافة تشريف ~~وتعظيم وتبجيل وتفخيم وتكريم ومنه قول بعضهم. # لا تدعني إلا بياعبدها ... فإنه أشرف أسمائي # قيل: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والرتب ~~الرفيعة ليلة المعراج، أوحى الله عز وجل إليه يا محمد بم شرفتك؟ قال: رب ~~حيث نسبتني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل الله سبحانه وتعالى: سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل. قلت: ~~أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض ليلة ~~من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر، فدل تنكير الليل على البعضية من ~~المسجد الحرام قيل كان الإسراء من نفس مسجد مكة وفي حديث مالك بن صعصعة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «بينا أنا في المسجد ms2222 الحرام في الحجر» ~~وذكر حديث المعراج، وسيأتي بكماله فيما بعد وقيل عرج به من دار أم هانئ بنت ~~أبي طالب وهي بنت عمه أخت علي رضي الله تعالى عنه، فعلى هذا أراد بالمسجد ~~الحرام الحرم إلى المسجد الأقصى يعني إلى بيت المقدس سمي أقصى لبعده عن ~~المسجد الحرام أو لأنه # PageV03P109 # لم يكن حينئذ وراءه مسجد الذي باركنا حوله يعني بالأنهار والأشجار ~~والثمار، وقيل سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة ~~الأنبياء قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإليه تحشر الخلق يوم القيامة. ~~فإن قلت: # ظاهر الآية يدل على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والأحاديث الصحيحة تدل ~~على أنه عرج به إلى السماء فكيف الجمع بين الدليلين، وما فائدة ذكر المسجد ~~الأقصى فقط؟ قلت: قد كان الإسراء على ظهر البراق إلى المسجد الأقصى، ومنه ~~كان عروجه إلى السماء على المعراج وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه صلى ~~الله عليه وسلم لو أخبر بصعوده إلى السماء أولا لاشتد إنكارهم لذلك فلما ~~أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات ~~التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى ~~المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء. وقوله تعالى لنريه من آياتنا ~~يعني من عجائب قدرتنا فقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ~~الأنبياء وصلى بهم ورأى الآيات العظام. فإن قلت لفظة من في قوله من آياتنا ~~تقتضي التبعيض وقال في حق إبراهيم عليه السلام وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض، وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه السلام على محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولا قائل به فما وجهه. قلت: ملكوت السموات والأرض من بعض ~~آيات الله أيضا ولآيات الله أفضل من ذلك وأكثر والذي أراه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السموات والأرض، ~~فظهر بهذا البيان فضل محمد صلى الله عليه وسلم على إبراهيم صلى الله عليه ms2223 ~~وسلم إنه هو السميع لأقواله ودعائه البصير لأفعاله الحافظة له في ظلمة ~~الليل وقت إسرائه وقيل إنه هو السميع لما قالته له قريش حين أخبرهم بمسراه ~~إلى بيت المقدس البصير بما ردوا عليه من التكذيب. وقيل: إنه هو السميع ~~لأقوال جميع خلقه البصير بأفعالهم فيجازي كل عامل بعمله. وحمله على العموم ~~أولى. # # فصل # # في ذكر حديث المعراج وما يتعلق به من الأحكام، وما قال العلماء فيه (ق) ~~حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر ~~مضطجعا، ومنهم من قال بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فقد قال وسمعته ~~يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ~~ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصته إلى شعرته، فاستخرج قلبي ثم أتيت ~~بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون ~~البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود: أهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: ~~نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى ~~أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد ~~قيل: وقد أرسل إليه قال: نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت ~~فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: ~~مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح. ~~قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه قال نعم ~~قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا ~~خالة قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ ~~الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا ~~قال جبريل ms2224 قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال: نعم قيل مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه فسلمت ~~عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى ~~السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك؟ # قال: محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح ~~فلما خلصت، فإذا إدريس قال: # هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل ~~قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل # PageV03P110 # مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلم ~~عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: # مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة ~~فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال ~~نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال: # هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له: # ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما ~~يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال ~~جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه فسلمت ~~عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى ~~سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال: ~~هذه سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: # ما هذان يا جبريل قال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران ~~فالنيل والفرات، ms2225 ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من ~~لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي ~~الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت، فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت: أمرت ~~بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله ~~قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع ~~عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى ~~فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر ~~صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ~~فرجعت إلى موسى، قال: بم أمرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا ~~تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد ~~المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت: ربي حتى استحييت ~~ولكن أرضى وأسلم قال: فلما جاوزت نادى منادي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» ~~زاد في رواية أخرى «وأجزي بالحسنة عشرا» وفي رواية أخرى «بينا أنا عند ~~البيت بين النائم واليقظان وفيه ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا ~~وحكمة، وفيه فرفع إلى البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور ~~يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا مرة أخرى» (ق) «عن أنس ~~بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج ~~سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست ~~من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي ~~إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح ~~قال من هذا قال هذا جبريل قيل هل معك ms2226 أحد قال: نعم معي محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال: فأرسل إليه قال نعم فافتح ففتح قال: فلما علونا السماء الدنيا ~~فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا ~~نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت يا ~~جبريل من هذا قال هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل ~~اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ~~ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية ~~فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. ~~قال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وعيسى وموسى ~~وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء ~~الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال: فلما مر جبريل ورسول الله بإدريس ~~قال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر فقلت من هذا قال هذا ~~إدريس قال: ثم مررت بموسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قال: فقلت ~~من هذا قال: هذا موسى. قال ثم مررت بعيسى فقال مرحبا # PageV03P111 # بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا قال: هذا عيسى ابن مريم قال ثم ~~مررت بإبراهيم فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال فقلت من هذا قال ~~هذا إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري ~~كانا يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى ~~أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة قال: فرجعت بذلك حتى مررت بموسى ~~فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي ~~موسى: فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فوضع شطرها. قال ~~فرجعت إلى موسى فأخبرته قال: ms2227 راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال: فراجعت ~~ربي فقال: هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي قال فرجعت إلى موسى فقال: ~~راجع ربك فقلت قد استحييت من ربي قال: ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة # المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها ~~جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» (ق) عن شريك بن أبي نمر «أنه سمع أنس بن ~~مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه ~~جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام. فقال أولهم: ~~أيهم هو؟ فقال أوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة، ~~فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك ~~الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند ~~بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من ~~صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه ~~نور من ذهب محشوا إيمانا، وحكمة فحشا به صدره ولغاد يده يعني عروق حلقه ثم ~~أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل ~~السماء من هذا فقال جبريل قالوا: ومن معك قال معي محمد قالوا: وقد بعث إليه ~~قال نعم قالوا: مرحبا به وأهلا يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء ما ~~يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم عليه السلام ~~فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه ورد عليه السلام وقال: # مرحبا وأهلا يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا، بنهرين ~~يطردان فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ # قال: هذان النيل والفرات عنصر هما ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر ~~عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر قال ما هذا يا ms2228 جبريل ~~قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة ~~له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال جبريل قالوا: ومن معك قال محمد ~~قالوا: وقد بعث إليه قال: نعم قالوا: مرحبا به وأهلا ثم عرج به إلى السماء ~~الثالثة. وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. # ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة. ~~فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة. فقالوا له مثل ذلك. ثم ~~عرج به إلى السماء السابعة. فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد ~~سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم ~~أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال ~~موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ~~حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان منه قاب قوسين أو ~~أدنى فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط ~~حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: # يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال: إن ~~أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا ~~به إلى الجبار تعالى، فقال: وهو مكانه يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع ~~هذا فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ~~ربه حتى صارت خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد ~~راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا ~~وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه # PageV03P112 # السلام ليشير عليه، ms2229 فلا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب إن ~~أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا. فقال الجبار: يا ~~محمد. قال: لبيك وسعديك قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم ~~الكتاب قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك ~~فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ قال: خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. ~~قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك ~~فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد والله ~~استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط بسم الله فاستيقظ وهو في ~~المسجد الحرام» هذا لفظ حديث البخاري وأدرج مسلم حديث شريك عن أنس الموقوف ~~عليه في حديث ثابت البناني المسند، فذكر من أول حديث شريك طرفا ثم قال: ~~وساق الحديث نحو حديث ثابت قال مسلم، وقدم وأخر وزاد ونقص وليس في حديث ~~ثابت من هذه الألفاظ إلا ما نورده على نصه، أخرجه مسلم وحده وهو حدثنا حماد ~~بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال ~~أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند ~~منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط ~~بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر ~~وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة قال ثم عرج ~~بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك قال ~~محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ~~ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت ~~قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه، قال قد بعث إليه ففتح ~~لنا، فإذا أنا با بني الخالة عيسى ابن ms2230 مريم ويحيى بن زكريا فرحبا بي ودعوا ~~لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال ~~جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل: وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا ~~فإذا أنا بيوسف عليه السلام فإذا هو قد أعطى شطر الحسن، قال: فرحب بي ودعا ~~لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال ~~جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا ~~فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير. قال الله تعالى ورفعناه مكانا عليا ثم ~~عرج بنا إلى السماء الخامسة. فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ~~ومن معك قال محمد قيل: وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا ~~بهارون فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، ~~فقيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث ~~إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء ~~السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال محمد ~~قيل: وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه ~~السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ~~لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى # وإذا ورقها كأذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما ~~غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما ~~أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ~~ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا ~~يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا ~~رب خفف على أمتي فحط عني خمسا ms2231 فرجعت إلى موسى فقلت: قد حط عني خمسا قال: إن ~~أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال: فلم أزل أرجع بين ربي ~~تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل ~~صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن ~~عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت ~~واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته قال ارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت قد رجعت إلى ربي حتى ~~استحييت منه» # PageV03P113 # هذه رواية مسلم وأخرجه الترمذي مختصرا وفيه «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتي بالبراق ليلة أسرى به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه فقال له جبريل ~~أبمحمد تفعل هكذا ما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا» وأخرجه ~~النسائي مختصرا، والمعنى واحد وفي آخره قال: فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف ~~فقال إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فخمس ~~بخمسين فقم بها أنت وأمتك، فعرفت أن أمر الله جرى بقول حتم فلم أرجع. # # # فصل # # قال البغوي: قال بعض أهل الحديث ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا ~~لا يحتمل مخرجا إلا حديث شريك بن أبي نمر عن أنس، وأحال الأمر فيه على شريك ~~وذلك أنه ذكر فيه إن ذلك كان قبل الوحي، واتفق أهل العلم على أن المعراج ~~كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة وفيه أن الجبار تبارك وتعالى دنا ~~فتدلى وذكرت عائشة أن الذي تدلى هو جبريل عليه السلام. قال البغوي: وهذا ~~الاعتراض عندي لا يصح لأن هذا كان رؤيا في النوم أراه الله ذلك قبل أن يوحى ~~إليه بدليل آخر الحديث، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة ~~بعد الوحي، وقبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه التي رآها من قبل كما أنه رأى ~~فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ms2232 ست من الهجرة، ثم كان تحقيقها سنة ~~ثمان، ونزل قوله سبحانه وتعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. وقال ~~الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في كتابه شرح مسلم: قد جاء من ~~رواية شريك في هذا الحديث أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك ~~بقوله قدم وأخر وزاد ونقص منها قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم ~~يوافق عليه فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه صلى الله عليه ~~وسلم بخمسة عشر شهرا. # وقال الحربي: كانت ليلة الإسراء ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل ~~الهجرة بسنة. وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس ~~سنين. وقال ابن إسحاق: أسري به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة ~~والقبائل. قال الشيخ محيي الدين: وأشبه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق وأما ~~قوله في رواية شريك وهو نائم وفي الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين ~~النائم واليقظان، فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه إذ قد يكون ~~ذلك حالة أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في ~~القصة كلها هذا كلام القاضي عياض، وهذا الذي قاله في رواية شريك وأن أهل ~~العلم قد أنكروها قد قاله غيره، وقد ذكر البخاري في رواية شريك هذه عن أنس ~~في كتاب التوحيد من صحيحه، وأتى بالحديث مطولا. قال الحافظ من رواية شريك ~~بن أبي نمر عن أنس قد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة ~~وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين كابن ~~شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى شريك، ~~وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي ~~المعول عليها. # فصل # في شرح بعض ألفاظ حديث المعراج وما يتعلق به، كانت ليلة الإسراء قبل ~~الهجرة بسنة يقال كانت في رجب ويقال في رمضان وقد تقدم زيادة ms2233 على هذا القدر ~~في الفصل الذي قبل هذا واختلف الناس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقيل: إنما كان ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس، ومعظم ~~السلف وعامة الخلف من المتأخرين والفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري ~~بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ولفظ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ~~والأحاديث الصحيحة التي تقدمت تدل على صحة هذا القول لمن طالعها، وبحث عنها ~~وحكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كل ذلك كان رؤيا ~~وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أسري بروحه. وحكي هذا ~~القول عن عائشة # PageV03P114 # أيضا وعن معاوية ونحوه والصحيح ما عليه جمهور العلماء من السلف والخلف ~~والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم أتيت بالبراق هو اسم للدابة التي ركبها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به واشتقاقه من البرق لسرعته، أو ~~لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤه ونوره والحلقة بإسكان اللام، ويجوز ~~فتحها والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي ~~الأسباب، وإن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى وقوله ~~جاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فيه اختصار والتقدير، ~~قال لي اختر فاخترت اللبن وهو قول جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة الإسلام، ~~وجعل اللبن علامة للفطرة الصحيحة السليمة لكونه سهلا طيبا سائغا للشاربين ~~وأنه سليم العاقبة، بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر. ~~قوله: ثم عرج بي حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال: ~~جبريل فيه بيان الأدب لمن استأذن وأن يقول: أنا فلان ولا يقول: أنا فإنه ~~مكروه وفيه أن للسماء أبوابا وبوابين وأن عليها حرسا وقول بواب السماء وقد ~~أرسل إليه، وفي الرواية الأخرى وقد بعث إليه معناه للإسراء وصعوده السماء ~~وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى ~~هذه المدة هذا ms2234 هو الصحيح في معناه، وقيل غيره وقوله فإذا أنا بآدم وذكر ~~جماعة من الأنبياء فيه استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب ~~والكلام اللين الحسن، وإن كان الزائر أفضل من المزور وفيه جواز مدح الإنسان ~~في وجهه إذا أمن عليه من الإعجاب، وغيره من أسباب الفتنة وقوله فإذا أنا ~~بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور فيه دليل على جواز الاستناد إلى ~~القبلة، وتحويل ظهره إليها. وقوله ثم ذهب بي إلى السدرة هكذا، وقع في هذه ~~الرواية السدرة بالألف واللام وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى قال ابن ~~عباس وغيره من المفسرين: سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم ~~يجاوزها أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود: سميت بذلك ~~لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها من أمر الله عز ~~وجل وقوله وإذا ثمرها كالقلال، هو بكسر القاف جمع قلة بضمها، وهي الجرة ~~الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر قوله فرجعت إلى ربي. قال الشيخ محيي الدين ~~النووي: معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته فيه أولا فناجيته فيه ثانيا ~~وقوله: فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه وبين موضع مناجاة ربي عز وجل. ~~قلت: وأما الكلام على معنى الرؤية وما يتعلق بها فإنه سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في تفسير سورة والنجم، عند قوله تعالى ثم دنا فتدلى قوله ففرض الله ~~سبحانه وتعالى على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع شطرها وفي الرواية الأخرى ~~فوضع عني عشرا وفي الأخرى خمسا ليس بين هذه الرواية منافاة، لأن المراد ~~بالشطر الجزء وهو الخمس، وليس المراد منه التنصيف، وأما رواية العشر فهي ~~رواية شريك ورواية الخمس رواية ثابت البناني وقتادة، وهما أثبت من شريك ~~فالمراد حط عني خمسا إلى آخره ثم قال: هي خمس وهن خمسون يعني خمسين في ~~الأجر والثواب لأن الحسنة بعشر أمثالها، واحتج العلماء بهذا الحديث على ~~جواز نسخ الشيء قبل فعله وفي أول الحديث أنه شق صدره صلى الله عليه ms2235 وسلم ~~ليلة المعراج، وقد شق أيضا في صغره وهو عند حليمة التي كانت ترضعه، فالمراد ~~بالشق الثاني زيادة التطهير لمن يراد به من الكرامة ليلة المعراج. وقوله: ~~أتيت بطست من ذهب، قد يتوهم متوهم أنه يجوز استعمال إناء الذهب لنا وليس ~~الأمر كذلك لأن هذا الفعل من فعل الملائكة، وهو مباح لهم استعمال الذهب أو ~~يكون هذا # قد كان قبل تحريمه وقوله ممتلئ إيمانا وحكمة فأفرغها في صدري. فان قلت ~~الحكمة والإيمان معان والإفراغ صفة الأجسام، فما معنى ذلك؟ قلت: يحتمل أنه ~~جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمي إيمانا ~~وحكمة لكونه سببا لهما وهذا من أحسن المجاز. وقوله في صفة آدم عليه السلام: ~~فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة هو جمع سواد، وقد فسره في الحديث ~~بأنه نسم بنيه يعني أرواح بنيه وقد اعترض على هذا، بأن أرواح المؤمنين في ~~السماء وأرواح الكفار تحت الأرض السفلى فكيف تكون في السماء والجواب عنه ~~أنه يحتمل أن أرواح الكفار، تعرض على آدم عليه السلام، وهو في السماء فوافق ~~وقت عرضها # PageV03P115 # على آدم مرور النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. وقوله: فإذا نظر ~~عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى فيه شفقة الوالد على أولاده وسروره ~~وفرحه بحسن حال المؤمن منهم، وحزنه على سوء حال الكفار منهم. وقوله في ~~إدريس مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قد اتفق المؤرخون على أن إدريس، هو ~~أخنوخ وهو جد نوح عليهما السلام فيكون جد النبي صلى الله عليه وسلم كما أن ~~إبراهيم جده، فكان ينبغي أن يقول بالنبي الصالح والابن الصالح كما قال آدم ~~وإبراهيم عليهما السلام: فالجواب عن هذا أنه قيل: إن إدريس المذكور هنا هو ~~إلياس، وهو من ذرية إبراهيم فليس هو جد نوح هذا جواب القاضي عياض. قال ~~الشيخ محيي الدين: ليس في الحديث ما يمنع كون إدريس أبا لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإن قوله: الأخ الصالح يحتمل أن يكون قاله تلطفا ms2236 وتأدبا، ~~وهو أخ وإن كان أبا لأن الأنبياء إخوة والمؤمنين إخوة والله أعلم. # فصل # في ذكر الآيات التي ظهرت بعد المعراج الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم ~~وسياق أحاديث تتعلق بالإسراء قال البغوي روي أنه لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة أسرى به وكان بذي طوى قال: يا جبريل إن قومي لا ~~يصدقون. قال: # يصدقك أبو بكر وهو الصديق. قال ابن عباس وعائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لما كانت ليلة أسري بي إلى السماء أصبحت بمكة فضقت بأمري ~~وعرفت أن الناس يكذبوني فروي أنه صلى الله عليه وسلم قعد معتزلا حزينا، فمر ~~به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزئ هل استفدت من شيء؟ قال: نعم أسري بي ~~الليلة قال إلى أين قال إلى بيت المقدس قال: أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ ~~قال: نعم. فلم ير أبو جهل أن ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، ولكن قال: ~~أتحدث قومك بما حدثتني به. قال: نعم قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي ~~هلموا، فانقضت المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: حدث قومك بما حدثتني ~~قال: نعم أسري بي الله قالوا إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت ~~بين أظهرنا؟ قال: نعم قال فبقي الناس بين مصفق وبين واضع يده على رأسه ~~متعجبا وارتد أناس ممن كان قد آمن به وصدقه، وسعى رجل من المشركين إلى أبي ~~بكر فقال له هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال: ~~أو قد قال ذلك قال نعم قال لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدقه أنه ~~ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني أصدقه بما هو ~~أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق. ~~قال: وكان في القوم من أتى المسجد الأقصى. قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا ~~المسجد قال: نعم قال فذهبت ms2237 أنعت حتى التبس علي قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر ~~إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أما ~~النعت فو الله لقد أصاب فيه ثم قالوا يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم ~~إلينا هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد ~~أضلوا بعيرا وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته، ثم ~~وضعته كما كان فسلوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا قالوا: هذه آية قال ~~ومررت بعير بني فلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني ~~فرمى بفلان، فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك قالوا وهذه آية أخرى قالوا: ~~فأخبرنا عن عيرنا قال مررت بها بالتنعيم قالوا فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ ~~فقال: كنت في شغل عن ذلك ثم مثلت له بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها ~~وكانوا بالحزورة قال: نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل ~~أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا: وهذه آية. ثم ~~خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا ~~كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: ~~هذه الشمس قد طلعت. وقال آخر: وهذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق فيه ~~فلان وفلان كما قال: فلم يؤمنوا وقالوا: هذا سحر مبين (م) عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه قال: # PageV03P116 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن ~~مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها ~~قط. قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد ~~رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعدا كأنه ~~من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن ~~مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني ms2238 به نفسه ~~صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: ~~يا محمد يا محمد هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني ~~بالسلام» (ق) عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما ~~كذبتني قريش قمت إلى الحجر فجلى الله إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته ~~وأنا أنظر إليه زاد البخاري في رواية: لما كذبني قريش حين أسري بي إلى بيت ~~المقدس» وذكر الحديث (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، فإذا هو قائم يصلي في ~~قبره. عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما انتهينا إلى ~~بيت المقدس قال جبريل كذا بإصبعه فخرق به الحجر وشد به البراق» أخرجه ~~الترمذي. فإن قلت: كيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى يصلي في قبره ~~وكيف صلى بالأنبياء في بيت المقدس ثم وجدهم على مراتبهم في السموات، وسلموا ~~عليه وترحبوا به وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، وهم في الدار ~~الآخرة؟ قلت أما صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس يحتمل ~~أن الله سبحانه وتعالى، جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله وتقدمه عليهم ثم ~~إن الله سبحانه وتعالى، أراه إياهم في السموات على مراتبهم ليعرف هو ~~مراتبهم وأما مروره بموسى، وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، ~~فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما صلاة الأنبياء وهم في الدار ~~الآخرة فهم في حكم الشهداء بل أفضل منهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء فالأنبياء أحياء بعد ~~الموت، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها الذكر والدعاء وذلك من أعمال الآخرة ~~فإن الله تعالى قال دعواهم فيها سبحانك اللهم وورد في الحديث أنهم يلهمون ~~التسبيح كما يلهمون النفس، ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى خصهم بخصائص في ~~الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص ms2239 لم يخص بها غيرهم. منها أنه صلى الله ~~عليه وسلم أخبر أنه رآهم يلبون، ويحجون، فكذلك الصلاة والله أعلم بالحقائق. ~~قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 2 الى 4] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) # وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا يعني وقلنا ~~لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا يعني ربا كفيلا ذرية يعني يا ذرية من حملنا ~~مع نوح إنه كان عبدا شكورا يعني أن نوحا كان كثير الشكر، وذلك أنه كان إذا ~~أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال: الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا ~~لذلك. قوله عز وجل وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب: يعني أعلمناهم ~~وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب أنهم سيفسدون وهو قوله تعالى لتفسدن في ~~الأرض مرتين وقال ابن عباس: وقصينا عليهم في الكتاب فإلى بمعنى على، ~~والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ واللام في لتفسدن لام القسم تقديره والله ~~لتفسدن في الأرض يعني بالمعاصي والمراد بالأرض أرض الشام، وبيت المقدس ~~ولتعلن يعني ولتستكبرن ولتظلمن الناس علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما يعني ~~أولى المرتين قيل: إفسادهم في المرة الأولى هو ما خالفوا من أحكام التوراة، ~~وركبوا من المحارم وقيل: إفسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء في الشجرة ~~وارتكابهم المعاصي # PageV03P117 # بعثنا عليكم عبادا لنا يعني جالوت وجنوده، وهو الذي قتله داود وقيل: هو ~~سنحاريب وهو من أهل نينوى وقيل هو بختنصر البابلي وهو الأصح أولي بأس شديد ~~يعني ذوي بطش وقوة في الحرب فجاسوا خلال الديار يعني طافوا بين الديار ~~وسطها يطلبونكم ليقتلوكم وكان وعدا مفعولا يعني قضاء كائنا لازما لا خلف ~~فيه ثم رددنا لكم الكرة عليهم يعني رددنا لكم الدولة والغلبة على الذين ~~بعثوا عليكم، حين تبتم من ذنوبكم ورجعتم عن الفساد وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا يعني أكثر عددا ms2240 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم يعني لها ~~ثوابها وجزاء إحسانها وإن أسأتم فلها يعني فعليها إساءتها فإذا جاء وعد ~~الآخرة يعني المرة الآخرة من إفسادكم وهو قصدكم قتل عيسى فخلصه الله منهم، ~~ورفعه إليه، وقتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام، فسلط عليهم الفرس والروم ~~فسبوهم وقتلوهم وهو قوله تعالى ليسوؤا وجوهكم يعني ليحزنوكم وقرئ بالنون أي ~~ليسوء الله وجوهكم وليدخلوا المسجد يعني بيت المقدس ونواحيه كما دخلوه أول ~~مرة يعني وقت إفسادهم الأول وليتبروا ما علوا تتبيرا يعني وليهلكوا ما ~~غلبوا عليه من بلاد بني إسرائيل إهلاكا. # ذكر القصة في هذه الآية # قال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ~~ذلك متجاوزا عنهم ومحسنا إليهم وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أن ملكا ~~منهم كان يدعى صديقة وكان الله إذا ملك عليهم الملك بعث معه نبيا ليسدده ~~ويرشده، ولا ينزل عليهم كتابا إنما يؤمرون اتباع التوراة والأحكام التي ~~فيها، فلما ملك صديقة بعث الله معه شعياء وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وشعياء ~~هو الذي بشر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال: # أبشري أورشليم الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير. فملك ذلك ~~الملك يعني صديقة بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه عظمت ~~الأحداث فيهم وكان معه شعياء فبعث الله سنجاريب ملك بابل ومعه ستمائة ألف ~~راية، فلم يزل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس، والملك مريض من قرحة كانت في ~~ساقه، فجاء شعياء النبي إليه، وقال: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك ~~بابل، قد نزل بك هو وجنوده؟ بستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم ~~فكبر ذلك على الملك وقال: يا نبي الله هل أتاك من الله وحي فيما حدث ~~فتخبرنا به وكيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده فقال شعياء: لم يأتني وحي ~~في ذلك فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي، أن ائت ملك بني ~~إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل ms2241 بيته فأتى ~~شعياء ملك بني إسرائيل وقال: إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك ~~وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت، فلما قال ذلك شعياء لصديقة ~~الملك أقبل على القبلة فصلى ودعا فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله تعالى بقلب ~~مخلص: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس يا متقدس يا رحمن يا رحيم يا ~~رؤوف، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني ~~إسرائيل، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك. فاستجاب الله ~~له وكان عبدا صالحا فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة أن ربه قد استجاب ~~له ورحمه، وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنجاريب فأتاه شعياء ~~فأخبره، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجدا لله ~~وقال: # إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت ~~الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي ~~أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك ~~صديقة فيأمر عبدا من عبيده، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ~~فيصبح وقد برأ ففعل ذلك فشفي فقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علما ~~بما هو صانع بعدونا هذا. قال الله لشعياء: قل له إني قد كفيتك # PageV03P118 # عدوك وأنجيتك منهم، وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب، وخمسة نفر من ~~كتابه أحدهم بختنصر. فلما أصبحوا جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بني ~~إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك، فاخرج فإن سنحاريب ومن معه هلكوا فخرج ~~الملك، والتمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب ~~في مفازة ومعه خمس نفر من كتابه، أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا ~~بهم الملك فلما رآهم خر ساجدا لله تعالى، ms2242 من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم ~~قال لسنحاريب: كيف رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم ~~غافلون؟ فقال سنجاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم ~~بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ~~ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي ~~كفاناكم بما شاء، وإن ربنا لم يمتعك ومن معك لكرامتك عليه، ولكنه إنما ~~أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من ~~وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم، فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلك ومن ~~معك ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت. ثم إن ملك بني ~~إسرائيل أمر أمير حرسه أن يقذف في رقابهم الجوامع، ففعل وطاف بهم سبعين ~~يوما حول بيت المقدس وإيلياء، وكان يرزقهم في كل يوم خبزين من شعير لكل رجل ~~منهم فقال سنحاريب للملك صديقة: القتل خير مما نحن فيه وما تفعل بنا فأمر ~~بهم إلى السجن فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل ~~سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم. ~~فبلغ ذلك شعياء للملك ففعل وخرج سنحاريب ومن معه، حتى قدموا بابل فلما قدم ~~جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته: يا ملك ~~بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا ~~وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنحاريب تخويفا لبني إسرائيل، ثم ~~كفاهم الله تعالى ذلك تذكرة وعبرة ثم إن سنحاريب لبث بعد ذلك سبع سنين، ثم ~~مات، واستخلف على ملكه بختنصر ابن ابنه فعمل بعمله وقضى بقضائه فلبث سبع ~~عشرة سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا ~~الملك حتى قتل بعضهم بعضا، وشعياء نبيهم معهم لا يقبلون منه فلما فعلوا ~~ذلك، قال الله ms2243 لشعياء: - قم في قومك حتى أوحي على لسانك. فلما قام أطلق ~~الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن ~~يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته، ~~وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها وجمع ~~ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها، وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك ~~بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه ~~آخر، فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون أنى جاءهم الحين. إن البعير ~~مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأرى الذي يشبع عليه فيراجعه ~~وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وإن هؤلاء القوم لا يذكرون ~~من حيث جاءهم الخير، وهم أولوا الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير وإني ~~ضارب لهم مثلا فليسمعوه، قل كيف ترون في أرض كانت خرابا زمانا لا عمران ~~فيها، وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تخرب أرضه # وهو قوي أو يقال: ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصرا وأنبط ~~فيها نهرا وصف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان ~~الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيما ذا رأي وهمة حفيظا قويا فلما أطلعت ~~جاء طلعها خروبا. فقالوا: بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن ~~نهرها، ويقبض قيمها ويحرق غراسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا، ~~لا عمران فيها قال الله تعالى: قل لهم الجدار ديني والقصر شريعتي وإن النهر ~~كتابي وأن القيم نبيي وأن الغراس هم، وأن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم ~~الخبيثة وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وأنه مثل ضربته لهم يتقربون ~~إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله ويدعون أن يتقربوا إلي ~~بالتقوى والكف عن ذبح # PageV03P119 # الأنفس التي حرمتها، وأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملات بدمائها يشيدون ~~لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم، ويدنسونها ~~ويزوقون لي المساجد ويزينونها، ويخربون ms2244 عقولهم وأخلاقهم ويفسدونها فأي حاجة ~~لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها ~~إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا ~~فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك صدقتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا ~~بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا يستجاب لنا، قال الله: فاسألهم ما الذي ~~يمنعني أن أستجيب لهم ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين ~~وأرحم الراحمين فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه ~~بطعمة الحرام أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني ~~وينتهك محارمي، أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم إنما ~~آجر عليها أهلها المغصوبين أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإنما هو قولهم ~~بألسنتهم، والفعل من ذلك بعيد وإنما أستجيب للداعي اللين، وإنما استمع قول ~~المستضعف المستكين، وان من علامة رضاي رضى المساكين يقولون لما سمعوا كلامي ~~وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة، وأحاديث متواترة وتآليف مما تؤلف ~~السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاؤوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، ولو ~~شاؤوا أن يطلعوا على علم الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وإني قد ~~قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلا ~~مؤجلا لا بد أنه واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب، فليخبروك متى ~~أنفذه أو في أي زمان يكون وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون ~~فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون فيؤلفوا مثل هذه ~~الحكمة التي أدبر بها ذلك القضاء، إن كانوا صادقين وإني قد قضيت يوم خلقت ~~السماء والأرض، أن أجعل النبوة في الأجراء، وأن أجعل الملك في الرعاء والعز ~~في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء، والعلم في الجهلة والحكمة ~~في الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم بهذا، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن ~~كانوا يعلمون وإني باعث لذلك نبيا أميا ms2245 ليس أعمى من عميان، ولا ضالا من ~~ضالين وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا مترين بالفحش، ولا قوال ~~للخنا أسدده بكل جميل وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره ~~والتقوى ضميره والحكمة معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه، ~~والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به ~~بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد ~~النكرة، وأكثر به القلة وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به ~~بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت ~~للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر توحيدا لي وإيمانا بي وإخلاصا لي ~~يصلون قياما وقعودا، وركعا وسجودا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ~~ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألهمهم التكبير، والتوحيد # والتسبيح والتحميد والتهليل والمدحة والتمجيد لي في مسيرهم ومجالسهم، ~~ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف يطهرون ~~لي، الوجوه والأطراف ويعقدون لي الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم، ~~وأناجيلهم في صدورهم رهبان بالليل ليوث بالنهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء أنا ~~ذو الفضل العظيم. فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم ~~فلقيته شجرة، فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان، فأخذ بهدبة من ثوبه ~~فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها ~~واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال: ناشة بن أموص وبعث ~~لهم أرمياء بن حلقيا نبيا، وكان من سبط هارون بن عمران، وذكر ابن إسحاق أنه ~~الخضر واسمه أرمياء الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فقام عنه وهي تهتز ~~خضراء فبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده، ثم عظمت الأحداث في ~~بني إسرائيل، وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم فأوحى # PageV03P120 # الله إلى أرمياء، أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به ~~وذكرهم نعمي وعرفهم بأحداثهم. فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني ~~عاجز إن لم تبلغني مخذول ms2246 إن لم تنصرني قال الله تعالى: أو لم تعلم أن ~~الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب والألسنة بيدي، أقلبها كيف شئت إني ~~معك، ولن يصل إليك شيء معي فقام أرمياء فيهم، ولم يدر ما يقول فألهمه الله ~~عز وجل في الوقت خطبة بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية وقال ~~في آخرها: عن الله عز وجل حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ~~ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد ~~مثل سواد الليل المظلم، ثم أوحى الله إلى أرمياء أني مهلك بني إسرائيل ~~بيافث ويافث من أهل بابل فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية ~~ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت ~~المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا، يقذفه في بيت المقدس ~~ففعلوا ذلك حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من بلدان بيت المقدس كلهم، ~~فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما ~~خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: ~~أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من ~~بني إسرائيل، فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة ~~غلمان، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ثلثا أقرهم بالشام وثلثا سباهم ~~وثلثا قتلهم وذهب باناث بيت المقدس، وبالصبيان السبعين ألفا حتى أقدمهم ~~بابل فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله عز وجل ببني إسرائيل بظلمهم ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 5 الى 7] # فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ~~فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) # فإذا جاء وعد أولاهما ms2247 بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد يعني بختنصر ~~وأصحابه، ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا عجيبة إذ ~~رأى شيئا أصابه فأنساه الذي رأى، فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا ومشائيل ~~وكانا من ذراري الأنبياء، وسألهم عنها فقالوا: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها ~~فقال: ما أذكرها ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من ~~عنده، فدعوا الله وتضرعوا إليه فأعلمهم الله بالذي سألهم عنه فجاؤوه ~~فقالوا: رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من ~~فضة وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد قال: صدقتم قالوا: فبينما أنت تنظر ~~إليه وقد أعجبك أرسل الله صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال: ~~صدقتم فما تأويلها قالوا: تأويلها أنك رأيت الملوك بعضهم كان ألين ملكا، ~~وبعضهم، كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشد ملكا، والفخار أضعفه ثم فوقه النحاس ~~أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة، ~~وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما قبله، والصخرة التي رأيت أرسل الله ~~من السماء، فدقته فنبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر ~~إليه، ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل ~~الذين سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا، لقد ~~رأينا نساءنا انصرفت وجوههن عنا إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم ~~فقال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده، فليفعل فلما قربوهم ~~للقتل بكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وقالوا: يا ربنا أصابنا البلاء بذنوب ~~غيرنا فوعدهم الله أن يحييهم فقتلوا إلا من كان منهم مع بختنصر # PageV03P121 # منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، ثم لما أراد الله تعالى هلاك ~~بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربت ~~والناس الذي قتلت منكم، وما هذا البيت؟ قالوا هو بيت الله وهؤلاء أهله ~~كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم ms2248 وكان ربهم رب ~~السموات والأرض ورب الخلائق كلهم يكرمهم ويعزهم، فلما فعلوا ما فعلوا ~~أهلكهم وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وتجبر، وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني ~~إسرائيل، قال فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا، فأقتل من فيها ~~وأتخذها لي ملكا فإني قد فرغت من أهل الأرض، قالوا: ما يقدر عليها أحد من ~~الخلائق قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى ~~فبعث الله عز وجل عليه بقدرته بعوضة، فدخلت منخره حتى عضت أم دماغه فما كان ~~يقر ولا يسكن، حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا ~~البعوضة عاضة على أم دماغه، ليري الله العباد قدرته ونجى الله من بقي من ~~بني إسرائيل في يده، وردهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ~~ما كانوا عليه، ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى أحيا أولئك الذين قتلوا ~~فلحقوا بهم ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها، وليس معهم من الله عهد. كانت ~~التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل، فلما رجع إلى ~~الشام جعل يبكي ليله ونهاره، وخرج عن الناس فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل ~~فقال له: يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين ~~أظهرنا الذي لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره. قال: # أفتحب أن يرد إليك قال: نعم قال: ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا ~~المكان غدا فرجع عزيز فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده، ~~فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ~~ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة، ~~فأحبوه حبا لم يحبوا حبه شيئا قط، ثم قبضه الله تعالى وجعلت بنو إسرائيل ~~بعد ذلك يحدثون الأحداث، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون ~~وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث إليهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى ~~عليهم السلام، وكانوا من ms2249 بيت آل داود فزكريا مات، وقيل قتل وقصدوا عيسى ~~ليقتلوه فرفعه الله من بين أظهرهم وقتلوا يحيى، فلما فعلوا ذلك بعث الله ~~عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليه ~~الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤساء جنوده يقال له بيورزاذان صاحب ~~القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس ~~لأقتلنهم حتى يسيل الدم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحدا أقتله فأمره أن ~~يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، ثم إن بيورزاذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة ~~التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي فسألهم عنه فقال: يا ~~بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ # أخبروني خبره. فقالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ~~ولقد قربنا القربان من ثمانمائة سنة، فتقبل منا إلا هذا فقال: ما صدقتموني ~~فقالوا لو كان كأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة ~~والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح بيورزاذان منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين ~~روحا، من رؤوسهم فلم يهدأ الدم فأمر سبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحهم على ~~الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم ~~يهدأ، فلما رأى بيورزاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل ويلكم ~~اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم قبل ~~أن لا أترك منكم نافخ نار من ذكر ولا أنثى إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة ~~القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط ~~الله تعالى فلو كنا أطعناه كنا أرشدنا. وكان يخبرنا عن أمركم فلم نصدقه ~~فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان ما كان اسمه قالوا: يحيى بن زكريا ~~قال: الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما علم بيورزاذان أنهم ~~صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من ms2250 كان هاهنا ~~من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي ~~وربك ما أصاب قومك من أجلك، ومن قتل منهم فاهدأ باذن # PageV03P122 # ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحدا إلا قتلته فهدأ الدم باذن الله تعالى، ~~ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وأيقنت أنه ~~لا رب غيره. وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل ~~دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به، ~~فأمرهم فحفروا خندقا، وأمرهم بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل ~~والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا ~~قبل ذلك فطرحوه على ما قتل من المواشي، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق ~~من دماء بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره، أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم ~~القتل ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد يفنيهم، ونهى الوقعة ~~الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل في قوله لتفسدن في الأرض مرتين فكانت ~~الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، والأخرى خردوش وجنوده وكانت أعظم الوقعتين، ~~فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم ~~واليونانيين، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت ~~المقدس ونواحيها على غير وجه الملك، وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا ~~الأحداث فسلط الله عليهم ططوس ابن أسبيانيوس الرومي، فخرب بلادهم وطردهم ~~عنها، ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فما ~~لبثوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى خلافة ~~عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره، وقيل في سبب قتل يحيى عليه السلام: أن ~~ملك بني إسرائيل كان يكرمه ويدني مجلسه، وأن الملك هوى بنت امرأته، وقال ~~ابن عباس ابنة أخيه فسأل يحيى تزويجها فنهاه عن نكاحها، فبلغ ذلك أمها ~~فحقدت على يحيى وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا ~~وطيبتها وألبستها ms2251 الحلي، وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه فإن هو ~~راودها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ما سألت سألت ~~رأس يحيى بن زكريا، وأن يؤتى به في طست ففعلت فلما راودها قالت: لا أفعل ~~حتى تعطيني ما أسألك قال فما تسأليني قالت: رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست ~~فقال ويحك سليني غير هذا. قالت: # ما أريد غير هذا فلما أبت عليه، بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس ~~يتكلم يقول: لا يحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه فرقى ~~الدم يغلي فلا زال يغلي، ويلقى عليه التراب، وهو يغلي حتى بلغ سور المدينة ~~وهو في ذلك يرقى ويغلي وسلط الله عليهم ملك بابل فخرب بيت المقدس، وقتل ~~سبعين ألفا حتى سكن دمه قوله عز وجل: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 8 الى 19] # عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ~~ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ~~وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) # PageV03P123 # عسى ربكم أن يرحمكم ms2252 يعني يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فيرد الدولة ~~إليكم وإن عدتم أي إلى المعصية عدنا أي إلى العقوبة. قال قتادة فعادوا فبعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم: فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا أي سجنا ومحبسا من الحصر الذي هو مجلس الحبس، وقيل: # فراشا من الحصير الذي يبسط ويفترش. قوله تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم أي إلى الطريقة التي هي أصوب وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدل وهي ~~شهادة أن لا إله إلا الله ويبشر يعني القرآن المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا يعني الجنة وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا ~~لهم عذابا أليما يعني النار في الآخرة ويدع الإنسان أي على نفسه وولده ~~وماله بالشر يعني قوله عند الغضب: اللهم أهلكه اللهم العنه ونحو ذلك دعاءه ~~بالخير أي كدعائه ربه أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على ~~نفسه لهلك، ولكن الله لا يستجيب بفضله وكرمه وكان الإنسان عجولا أي بالدعاء ~~على ما يكره أن يستجاب له فيه، وقال ابن عباس: ضجرا لا صبر له على سراء ولا ~~ضراء. قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين دالتين على ~~وحدانيتنا وقدرتنا وفي معنى الآية قولان: أحدهما: أن يكون المراد من ~~الآيتين نفس الليل والنهار، وهو أنه جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدنيا ~~والدين، أما في الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير مع كونهما ~~متعاقبين على الدوام ففيه أقوى دليل على أن لهما مدبرا يدبرهما، ويقدرهما ~~بالمقادير المخصوصة وأما في الدنيا، فلأن مصالح العباد لا تتم إلا بهما ففي ~~الليل يحصل السكون، والراحة وفي النهار يحصل التصرف في المعاش والكسب. ~~والقول الثاني: أن يكون المراد وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين يريد الشمس ~~والقمر فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسا مظلما لا يستبان ~~فيه شيء وجعلنا آية النهار مبصرة أي تبصر فيه الأشياء رؤية بينة. قال ابن ~~عباس: جعل الله نور الشمس ms2253 سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر ~~تسعة وستين جزءا، فجعلها مع نور الشمس وحكي أن الله أمر جبريل فأمر جناحه ~~على وجه القمر ثلاث مرات، فطمس عليه الضوء وبقي فيه النور وسأل ابن الكواء ~~عليا عن السواد الذي في القمر، فقال هو أثر المحو لتبتغوا فضلا من ربكم أي ~~لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم، والتصرف في معايشكم ولتعلموا ~~أي باختلاف الليل والنهار عدد السنين والحساب أي ما يحتاجون إليه ولولا ~~ذلك، لما علم أحد حساب الأوقات ولتعطلت الأمور، ولو ترك الله الشمس والقمر، ~~كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يعرف وقت ~~الحج ولا وقت حلول الديون المؤجلة. واعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب: ~~الساعات والأيام والشهور والسنين، فالعدد للسنين والحساب لما دونها من ~~الشهور والأيام والساعات، وليس بعد هذه المراتب الأربعة إلا التكرار وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا يعني وكل شيء تفتقرون إليه من أمر دينكم ودنياكم قد ~~بيناه بيانا شافيا واضحا غير ملتبس قيل: إنه سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال ~~آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر ~~نعمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، وكل ذلك تفضل منه فلا جرم قال، وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا قوله عز وجل وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قال ابن ~~عباس: # عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان. وقيل: خيره وشره معه لا يفارقه ~~حتى يحاسب به. وقيل: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو ~~سعيد، وقيل: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة ~~أو شقاوة، وقيل: هو من قولك طار له سهم إذا خرج يعني ألزمناه ما طار له من ~~عمله لزوم القلادة أو الغل، لا ينفك عنه والعنق في قوله في عنقه كناية عن ~~اللزوم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ ~~به وإنما خص العنق من بين ms2254 سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق والغل ~~مما # PageV03P124 # يزين أو يشين فإن كان عمله خيرا كان له كالقلادة أو الحلي في العنق وهو ~~ما يزينه، وإن كان عمله شرا كان له كالغل في عنقه وهو ما يشينه ويخرج له ~~بقول تبارك وتعالى ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا قيل: # بسطت للإنسان صحيفتان ووكل به ملكان يحفظان عليه حسناته وسيئاته. فإذا ~~مات طويت الصحيفتان، وجعلتا معه في عنقه فلا ينشران إلا يوم القيامة اقرأ ~~كتابك أي يقال له: اقرأ كتابك قيل يقرأ يوم القيامة من لم يكن قارئا كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا أي محاسبا قال الحسن: لقد عدل عليك «1» من جعلك ~~حسيب نفسك، وقيل: يقول الكافر إنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي. ~~فيقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. قوله سبحانه وتعالى من ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها يعني أن ثواب العمل الصالح ~~مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص بفاعله أيضا، ولا يتعدى منه إلى غيره وهو ~~قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى من الآثام، ~~ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد بل كل أحد مختص بذنبه وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا لإقامة الحجة وقطعا للعذر وفيه دليل على أن ما وجب إنما وجب بالسمع ~~لا بالعقل. قوله سبحانه وتعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها # في معنى الآية قولان: أحدهما: أن المراد منه الأمر بالفعل، ثم إن لفظ ~~الآية يدل على أنه تعالى بماذا أمرهم فقال أكثر المفسرين: معناه أنه تعالى ~~أمرهم بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة وفعل الخير والقوم خالفوا ذلك ~~الأمر وفسقوا. والقول الثاني: # أمرنا مترفيها أي كثرنا فساقها. يقال أمر القوم إذا كثروا وأمرهم الله ~~إذا كثرهم، ومنه الحديث «خير المال مهرة مأمورة» أي كثيرة النتاج والنسل ~~فعلى هذا قوله تعالى أمرنا ليس من الأمر بالفعل. والمترف هو الذي أبطرته ~~النعمة وسعة العيش ففسقوا فيها # أي خرجوا عما أمرهم الله به من ms2255 الطاعة فحق عليها القول # أي وجب عليها العقاب فدمرناها تدميرا # أي أهلكناها إهلاك استئصال والدمار الهلاك والخراب (ق)، عن أم المؤمنين ~~زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول: «لا إله ~~إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، ~~وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها». قالت زينب: قلت يا رسول الله أنهلك ~~وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث» قوله: ويل للعرب. ويل كلمة تقال: ~~لمن وقع في هلكة، أو أشرف أن يقع فيها وقوله إذا كثر الخبث أي الشر قوله ~~تعالى وكم أهلكنا من القرون أي المكذبة من بعد نوح وهم عاد وثمود وغيرهم من ~~الأمم الخالية يخوف الله بذلك كفار قريش. قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن ~~عشرون ومائة سنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن ويزيد بن ~~معاوية في آخره. وقيل: القرن مائة سنة وروي عن محمد بن القاسم بن عبد الله ~~بن بشر المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: «سيعيش ~~هذا الغلام قرنا» قال محمد ابن القاسم: ما زلنا نعد له حتى تمت له مائة سنة ~~ثم مات. وقيل: القرن ثمانون سنة. وقيل: أربعون وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا يعني أنه عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات، لا يخفى عليه شيء ~~من أحوال الخلق. قوله عز وجل من كان يريد العاجلة أي الدار العاجلة يعني ~~الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء أي من البسط أو التقتير لمن نريد أن نفعل به ~~ذلك أو إهلاكه، وقيل في معنى الآية. عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد أي ~~القدر الذي نشاء نعجله له في الدنيا، الذي يشاء هو ولمن نريد أن نعجل له ~~شيئا، قدرناه له وهذا ذم لمن أراد بعمله ظاهر الدنيا ومنفعتها وبيان أن من ~~أرادها لا يدرك منها إلا ما قدر له، ثم جعلنا له أي في الآخرة جهنم يصلاها ~~أي ms2256 يدخلها مذموما مدحورا أي مطرودا مباعدا. قوله سبحانه وتعالى ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها أي عمل لها عملها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ~~أي مقبولا قيل: في الآية ثلاث PageV03P125 # شرائط في كون السعي مشكورا إرادة الآخرة بعمله بأن يعقد بها همه ويتجافى ~~عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان الصحيح الثابت، ~~وعن بعض السلف الصالح. من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله، إيمان ثابت، ونية ~~صادقة، وعمل مصيب. وتلا هذه الآية. قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 20 الى 25] # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ~~ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) # ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء أي نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا، ومن يريد ~~الآخرة من عطاء ربك يعني يرزقهما جميعا ثم يختلف الحال بهما في المآل وما ~~كان عطاء ربك محظورا # أي ممنوعا عن عباده والمراد بالعطاء العطاء في الدنيا إذ لا حظ للكافر في ~~الآخرة انظر يا محمد كيف فضلنا بعضهم على بعض أي في الرزق والعمل يعني طالب ~~العاجلة وطالب الآخرة وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا يعني أن تفاضل الخلق ~~في درجات منافع الدنيا محسوس فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم ~~فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا، كنسبة ~~الآخرة إلى الدنيا فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب الدنيا فلأن تقوى ~~وتشتد رغبته في طلب الآخرة أولى، لأنها دار المقامة. قوله تعالى لا تجعل مع ~~الله إلها آخر الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد ms2257 غيره وقيل معناه ~~لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر وهذا أولى فتقعد مذموما أي من غير ~~حمد مخذولا أي بغير ناصر. قوله سبحانه وتعالى: وقضى ربك أي وأمر ربك. قاله ~~ابن عباس: # وقيل معناه وأوجب ربك. وقيل: معناه الحكم والجزم. وقيل: ووصى ربك. وحكي ~~عن الضحاك أنه قرأها ووصى ربك وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصار قافا ~~وهي قراءة علي وابن مسعود. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير ~~هذا القول بعيد جدا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن ~~ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان على القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك ~~أنه طعن عظيم في الدين ألا تعبدوا إلا إياه فيه وجوب عبادة الله، والمنع من ~~عبادة غيره وهذا هو الحق لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية ~~التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ~~ولا منعم إلا الله، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره وبالوالدين إحسانا أي ~~وأمر بالوالدين إحسانا أي برا بهما وعطفا عليهما وإحسانا إليهما إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما معناه أنهما يبلغان إلى حالة الضعف، والعجز ~~فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر واعلم أن الله ~~سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الجملة، كلف الإنسان في حق الوالدين خمسة أشياء: ~~الأول قوله تعالى فلا تقل لهما أف وهي كلمة تضجر وكراهية، وقيل: إن أصل هذه ~~الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد، ونفخت فيه تزيله تقول: أف ثم إنهم ~~توسعوا بذكر هذه الكلمة إلى كل مكروه يصل إليهم. والثاني: قوله ولا تنهرهما ~~أي تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال: نهره وانتهره بمعنى. فإن قلت: ~~المنع من التأفيف أبلغ من المنع من الانتهار فما وجه الجمع قلت: المراد من ~~قوله ولا تقل لهما أف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير، والمراد من ~~قوله ولا تنهرهما، المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليها. ms2258 ~~الثالث: قوله وقل لهما قولا كريما أي حسنا جميلا لينا كما # PageV03P126 # يقتضيه حسن الأدب معهما، وقيل: هو يا أماه يا أبتاه وقيل: لا يكنيهما ~~وقيل: هو أن يقول لهم كقول العبد الذليل المذنب للسيد الفظ الغليظ. الرابع: ~~قوله عز وجل واخفض لهما جناح الذل أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا ~~تمتنع عن شيء أحباه من الرحمة أي من الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما ~~اليوم إليك، كما كنت في حال الصغر مفتقرا إليهما. الخامس: قوله سبحانه ~~وتعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي وادع الله لهما أن يرحمهما ~~برحمته الباقية، وأراد به إذا كانا مسلمين فأما إذا كانا كافرين فإن الدعاء ~~منسوخ في حقهما بقوله سبحانه وتعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى وقيل: # يجوز الدعاء لهما بأن يهديهما الله إلى الإسلام فإذا هداهما فقد رحمهما. ~~وقيل في معنى هذه الآية: إن الله سبحانه وتعالى بالغ في الوصية بهما حيث ~~افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعه بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في ~~مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تسوؤهما وأن يذل، ويخضع لهما ثم ختمها ~~بالأمر بالدعاء لهما والترحم عليهما. # فصل # في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين، (ق) عن أبي هريرة قال: «جاء ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن ~~صحبتي؟ قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك» (م) عنه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: رغم أنفه، رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول ~~الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» (م) عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده ~~مملوكا فيشتريه فيعتقه» (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال «جاء رجل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك قال: ~~نعم قال ms2259 ففيهما فجاهد» وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «رضا الرب ~~في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين» أخرجه الترمذي مرفوعا وموقوفا ~~قال: وهو أصح عن أبي الدرداء قال «فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه» أخرجه ~~الترمذي. وقال حديث صحيح (م) «عن عبد الله بن مسعود قال: # سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى قال ~~الصلاة لوقتها قلت، ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل ~~الله تعالى». قوله سبحانه وتعالى ربكم أعلم بما في نفوسكم أي من بر ~~الوالدين، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير، عدم عقوقهما إن تكونوا صالحين ~~أي أبرارا مطيعين قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير كان منكم في القيام بما ~~لزمكم من حق الوالدين، أو غيرهما أو قيل فرط منكم في حال الغضب، وعند حرج ~~الصدر وما لا يخلو منه البشر مما يؤدي إلى أذاهما ثم أنبتم إلى الله، ~~واستغفرتم مما فرط منكم فإنه كان للأوابين للتوابين غفورا قال سعيد بن جبير ~~في هذه الآية: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير ~~فإنه لا يؤاخذ بهما. وقال سعيد بن المسيب: الأواب الذي يذنب ثم يتوب وعنه ~~أنه الرجاع إلى الخير. وقال ابن عباس: الأواب الرجاع إلى الله فيما يحزنه، ~~وينوبه وعنه أنهم المسبحون. وقيل: هم المصلون وقيل هم الذين يصلون صلاة ~~الضحى يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم. قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» ~~أخرجه مسلم قوله: إذا رمضت الفصال يريد ارتفاع الضحى وأن تحمى الرمضاء وهو ~~الرمل بحر الشمس فتبرك الفصال من الحر وشدة إحراقه أخفافها. # والفصال جمع فصيل وهي أولاد الإبل الصغار وقيل: الأواب الذي يصلي بين ~~المغرب والعشاء يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: إن الملائكة لتحف بالذين ~~يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوابين. قوله ms2260 سبحانه وتعالى: # PageV03P127 # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 26 الى 38] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف ~~في القتل إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا (36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ~~(37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره الله سبحانه وتعالى أن يؤتي أقاربه حقوقهم وقيل: إنه خطاب للكل ~~وهو أنه سبحانه وتعالى، وصى بعد بر الوالدين بالقرابة أن يؤتوا حقهم من صلة ~~الرحم والمودة، والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء ~~والمعاضدة ونحو ذلك وقيل إن كانوا محاويج، وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم وهو ~~مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا تلزم النفقة إلا لوالد على ~~ولده أو ولد على والديه فحسب وقيل: أراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتقدم الكلام على المسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا أي لا ~~تنفق مالك في المعصية. وقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن ~~مبذرا ولو أنفق درهما أو مدا في باطل كان مبذرا. وسئل ابن ms2261 مسعود عن التبذير ~~فقال: إنفاق المال في غير حقه. وقيل: هو إنفاق المال في العمارة على وجه ~~السرف وقيل: إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في ~~السرف فقال لا سرف في الخير إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين يعني ~~أولياءهم وأصدقاءهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، وقيل: ~~أمثالهم في الشر وهذا غاية المذمة لأنه أشر من الشياطين، والعرب تقول لكل ~~من هو ملازم سنة قوم: هو أخوهم وكان الشيطان لربه كفورا أي جحودا للنعمة ~~فما ينبغي أن يطاع لأنه يدعو إلى مثل عمله. قوله عز وجل وإما تعرضن عنهم ~~نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن ~~القول فنزلت هذه الآية. والمعنى: وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرت أن تؤتيهم ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها أي انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فقل لهم ~~قولا ميسورا أي لينا جميلا أي عدهم وعدا طيبا، تطيب به قلوبهم. وقيل: هو أن ~~يقول رزقنا الله وإياكم من فضله. قوله سبحانه وتعالى ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك قال جابر: أتى صبي فقال يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا ولم يكن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة إلى ساعة ~~يظهر كذا فعد إلينا وقتا آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك ~~الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه ~~وأعطاه وقعد عريانا فأذن بلال بالصلاة، وانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه ~~فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك أي لا تمسك يدك عن النفقة في الحق والخير كالمغلولة ~~يده لا يقدر على مدها ولا تبسطها أي بالعطاء كل البسط أي فتعطي جميع ما ~~عندك. وقيل: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء # PageV03P128 # المسرف أمر ms2262 بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير فتقعد ملوما أي عند ~~الله لأن المسرف غير مرضي عنده، وقيل ملوما عند نفسك وأصحابك أيضا يلومونك ~~على تضييع المال بالكلية وقيل: يلومك سائلوك على الإمساك إذا لم تعطهم ~~محسورا أي منقطعا لا شيء عندك تنفقه وقيل: محسورا أي نادما على ما فرط منك. ~~ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأن ذلك ليس ~~لهوان بك عليه ولا لبخل منه عليك فقال تعالى إن ربك يبسط أي يوسع الرزق لمن ~~يشاء ويقدر أي يقتر ويضيق، وذلك لمصلحة العباد إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأحوال جميع عباده، وما يصلحهم فالتفاوت في ~~أرزاق العباد ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية مصالح العباد. قوله عز وجل ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق أي فاقة وفقر نحن نرزقهم وإياكم وذلك أن أهل ~~الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة أو يخافون عليهم من النهب ~~والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم ~~فنهاهم الله عن قتلهن وقال نحن نرزقهم وإياكم، يعني أن الأرزاق بيد الله ~~فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال فكذلك يفتحه على النساء إن قتلهم كان ~~خطأ كبيرا أي إثما # كبيرا ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة أي قبيحة زائدة على حد القبح وساء ~~سبيلا أي بئس طريقا طريقه، وهو أن تغصب امرأة غيرك أو أخته أو بنته من غير ~~سبب والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله تعالى قيل: إن الزنا يشتمل على ~~أنواع من المفاسد منها المعصية وإيجاب الحد على نفسه، ومنها اختلاط الأنساب ~~فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد، ~~وانقطاع النسل وذلك يوجب خراب العالم. قوله عز وجل ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة، وحل القتل إنما ثبت ~~بسبب عارض، فلما كان كذلك نهى الله عن القتل على حكم الأصل ثم استثنى ~~الحالة ms2263 التي يحصل فيها حل القتل، وهي الأسباب العرضية فقال إلا بالحق أي ~~إلا بإحدى ثلاث كما روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ~~ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». ~~أخرجاه في الصحيحين ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # أي قوة وولاية على القاتل بالقتل وقيل: سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء ~~استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا فلا يسرف في القتل أي الولي قال ~~ابن عباس: لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم ~~قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه. وقيل معناه إذا كان القتيل ~~واحدا فلا يقتل به جماعة بل بواحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا ~~فلا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه، وقيل معناه ~~أن لا يمثل بالقاتل إنه كان منصورا قيل الضمير راجع للمقتول ظلما يعني أنه ~~منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب ~~النار لقاتله، وقيل: # الضمير راجع إلى ولي المقتول معناه: إنه كان منصورا على القاتل باستيفاء ~~القصاص منه أو الدية وقيل في قوله: # فلا يسرف في القتل أراد به القاتل المتعدي بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ~~ذلك فولي القتيل منصور عليه باستيفاء القصاص منه. قوله سبحانه وتعالى ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن أي الطريقة التي هي أحسن، وهي تنميته ~~وحفظه عليه حتى يبلغ أشده وهو بلوغ النكاح والمراد ببلوغ الأشد كمال عقله ~~ورشده بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله، وإلا لم ينفك عنه الحجر وأوفوا ~~بالعهد أي الإتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهي عنه وقيل: أراد ~~بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه إن العهد كان مسؤلا أي عنه وقيل مطلوبا ~~وقيل: العهد يسأل فيقال فيم نقضت كالموءودة تسأل فيم قتلت. قوله عز وجل ms2264 ~~وأوفوا الكيل إذا كلتم المراد منه إتمام الكيل وزنوا بالقسطاس المستقيم قيل ~~هو الميزان صغيرا كان أو كبيرا، من ميزان الدراهم إلى ما هو أكبر منه وقيل: # هو القبان قيل هو رومي وقيل: سرياني والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط وهو ~~العدل، أي وزنوا بالعدل المستقيم، واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان ~~الكيل والوزن قليل والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، # PageV03P129 # فوجب على العاقل الاحتراز عنه وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس ~~محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف ~~والنقصان، سعيا في إبقاء الأموال على أربابها ذلك خير وأحسن تأويلا أي أحسن ~~عاقبة من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه أمره. قوله سبحانه وتعالى ولا تقف ~~أي ولا تتبع ما ليس لك به علم أي لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ~~ولم تعلم. وقيل: معناه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وقيل لا يتبعه بالحدس ~~والظن وقيل: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور، ويتتبعها ويتعرفها ~~والمراد أنه لا يتكلم في أحد بالظن إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤلا معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده، وقيل يسأل السمع والبصر ~~والفؤاد، عما فعله المرء فعلى هذا ترجع الإشارة في أولئك إلى الأعضاء، وعلى ~~القول الأول ترجع إلى أربابها. عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به قال: فأخذ بيدي ثم قال: ~~«قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر فؤادي وشر لساني وشر قلبي وشر منيي ~~قال فحفظتها» أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن غريب. # قوله: وشر منيي يعني ماءه وذكره. قوله عز وجل ولا تمش في الأرض مرحا أي ~~بطرا وكبرا وخيلاء إنك لن تخرق الأرض أي لن تقطها بكبرك حتى تبلغ آخرها ولن ~~تبلغ الجبال طولا أي لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك والمعنى أن ~~الإنسان لا ينال بكبره وبطره ms2265 شيئا كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال، لا ~~يحصل على شيء. وقيل: إن الذي يمشي مختالا يمشي مرة على عقبيه، ومرة على ~~صدور قدميه فقيل له: # إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على ~~صدور قدميك. عن علي قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب. ~~أخرجه الترمذي في الشمائل. قوله تكفؤا: التكفؤ التمايل في المشي إلى قدام، ~~وقوله كأنما ينحط من صبب هو قريب من التكفؤ أي كأنه ينحدر من موضع عال، عن ~~أبي هريرة قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن ~~الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا. وإنه لغير مكترث. أخرجه ~~الترمذي. قوله: # لغير مكترث أي شاق والاكتراث الأمر الذي يشق على الإنسان كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها أي ما ذكر من الأمور التي نهى الله عنها فيما تقدم. فإن ~~قلت: كيف قيل: سيئة مع قوله مكروها؟ قلت: قيل فيه تقديم وتأخير تقديره كل ~~ذلك كان مكروها سيئة عند ربك وقوله: مكروها على التكرير لا على الصفة أي كل ~~ذلك كان سيئة وكان مكروها وقيل إنه يرجع إلى المعنى دون اللفظ، لأن السيئة ~~الذنب وهو مذكر. قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 39 الى 46] # ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ~~إنكم لتقولون قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم ~~إلا نفورا (41) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) وإذا قرأت القرآن ms2266 جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا (46) # ذلك إشارة إلى ما تقدم من الأوامر والنواهي في هذه الآيات مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة أي إن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية ~~في جميع الأديان والملل لا تقبل النسخ والإبطال # PageV03P130 # فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار. وقيل: إن حاصل هذه الآيات يرجع إلى ~~الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال على ~~الآخرة وذلك من الحكمة. قيل: إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام ~~أولها: ولا تجعل مع الله إلها آخر. قال الله سبحانه وتعالى وكتبنا له في ~~الألواح من كل شيء موعظة، واعلم أن الله سبحانه وتعالى: افتتح هذه الآيات ~~بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك وختمها به، والمقصود منه التنبيه على أن ~~كل قول وعمل يجب أن يكرر فيه التوحيد لأنه رأس كل حكمة، وملاكها ومن عدمه ~~لم ينفعه شيء ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يجب أن ~~يكون صاحبه مذموما مخذولا وقال في هذه الآية ولا تجعل مع الله إلها آخر ~~فتلقى في جهنم ملوما مدحورا والفرق بين المذموم والملوم أما كونه مذموما ~~فمعناه، أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا معنى كونه ~~مذموما ثم يقال له: لم فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه، وهذا هو ~~اللوم والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، ~~والمدحور هو المبعد المطرود عن كل خير. قوله سبحانه وتعالى أفأصفاكم ربكم ~~يعني أفخصكم واختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة بالبنين يعني ~~اختصكم بأفضل الأولاد وهم البنون واتخذ من الملائكة إناثا لأنهم كانوا ~~يقولون: الملائكة بنات الله مع علمهم بأن الله سبحانه وتعالى هو الموصوف ~~بالكمال الذي لا نهاية له وهذا يدل على نهاية جعل القائلين بهذا القول إنكم ~~لتقولون قولا عظيما ms2267 يخاطب مشركي مكة يعني بإضافتهم إليه الأولاد وهي خاصة ~~بالأجسام، ثم إنهم يفضلون عليه أنفسهم حيث يجعلون له ما يكرهون لأنفسهم ~~يعني البنات. قوله سبحانه وتعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن يعني العبر ~~والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد في صرفنا للتكثير ~~والتكرير ليذكروا أي ليتعظوا ويعتبروا وما يزيدهم أي تصريفنا وتذكيرنا إلا ~~نفورا أي تباعدا عن الحق قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين لو كان معه آلهة ~~كما يقولون إذا لابتغوا أي لطلبوا يعني هؤلاء الآلهة إلى ذي العرش سبيلا أي ~~بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقيل: معناه ~~لتقربوا إليه. وقيل: معناه لتعرفوا إليه فضله فابتغوا ما يقربهم إليه ~~والأول أصح، ثم نزه نفسه فقال عز وجل سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~معنى وصفه بذلك المبالغة في البراءة والبعد عما يصفونه. قوله عز وجل تسبح ~~له السماوات السبع والأرض ومن فيهن يعني الملائكة والإنس والجن وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده قال ابن عباس: وإن من شيء حي إلا يسبح. وقيل: جميع ~~الحيوانات والنباتات. قيل: إن الشجرة تسبح والاسطوانة لا تسبح. وقيل: إن ~~التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم ~~ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح. وإن الورقة تسبح ما دامت على ~~الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك ~~التسبيح وإن الثوب يسبح مادام جديدا فإذا اتسخ ترك التسبيح وإن الوحش ~~والطير لتسبح إذا صاحت، فإذا سكتت تركت التسبيح وإن من شيء جماد أو حي إلا ~~يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف وقيل: # كل الأشياء تسبح الله حيوانا كان أو جمادا وتسبيحها: سبحان الله وبحمده، ~~ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها ~~تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: ~~«اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه قليل، فأدخل يده صلى الله عليه ms2268 وسلم ~~في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله». فقد رأيت ~~الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح ~~الطعام وهو يؤكل. أخرجه البخاري (م) عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت وإني لأعرفه الآن» ~~(خ) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما ~~اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه» وفي رواية «فنزل ~~فاحتضنه وساره بشيء» ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح، ~~وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض، والجمادات والحيوانات سوى ~~العقلاء بلسان # PageV03P131 # الحال، بحيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك، ويصير ~~لها بمنزلة التسبيح والقول الأول أصح كما دلت عليه الأحاديث، وأنه منقول عن ~~السلف. واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن ~~نكل علمه إليه. وقوله تعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي لا تعلمون ولا ~~تفهمون تسبيحهم، ما عدا من يسبح بلغتكم ولسانكم إنه كان حليما غفورا أي حيث ~~لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وجهلكم بالتسبيح. قوله عز وجل وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا أي يحجب ~~قلوبهم عن فهمه والانتفاع به، وقيل: معناه مستورا عن أعين الناس فلا يرونه ~~كما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: «لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة ~~أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت ~~لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني فقال لها أبو بكر والله ما ينطق ~~بالشعر، ولا يقوله فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال ~~أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله. قال: لا لم يزل ملك بيني وبينها» وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أي أغطية أن يفقهوه أي لئلا يفهموه ms2269 وفي آذانهم وقرا أي ~~ثقلا لئلا يسمعوه وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني إذا قلت لا إله إلا ~~الله وأنت تتلو القرآن ولوا على أدبارهم نفورا جمع نافر. # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 47 الى 57] # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى ~~هو قل عسى أن يكون قريبا (51) # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) # نحن أعلم بما يستمعون به أي من الهزء بك وبالقرآن وقيل: معناه نحن أعلم ~~بالوجه الذي يستمعون به وهو التكذيب إذ يستمعون إليك أي وأنت تقرأ القرآن ~~وإذ هم نجوى أي وبما يتناجون به في أمرك، وقيل: معناه ذوو نجوى بعضهم يقول: ~~هو مجنون وبعضهم يقول هو كاهن وبعضهم يقول ساحر أو شاعر إذ يقول الظالمون ~~يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أي مطبوبا وقيل ~~مخدوعا وقيل: معناه أنه سحر فجن. وقيل: هو من السحر وهو الرئة، ومعناه أنه ~~بشر مثلكم يأكل ويشرب قال الشاعر: # أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسخر بالطعام وبالشراب # أي يغذى بهما انظر كيف ضربوا لك الأمثال أي الأشباه فقالوا: ساحر شاعر ~~كاهن مجنون فضلوا أي ms2270 في جميع ذلك وحاروا فلا يستطيعون سبيلا أي إلى طريق ~~الحق وقالوا أإذا كنا عظاما أي بعد الموت ورفاتا أي ترابا وقيل: الرفات هي ~~الأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر أإنا لمبعوثون خلقا جديدا فيه أنهم ~~استبعدوا الإعادة بعد الموت والبلى. فقال سبحانه وتعالى ردا عليهم قل أي قل ~~يا محمد كونوا حجارة # PageV03P132 # أي في الشدة أو حديدا أي في القوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيزي ~~أي استشعروا في قلوبكم، أنكم حجارة أو حديد في القوة أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم قيل: يعني السماء والأرض والجبال لأنها أعظم المخلوقات. وقيل: يعني ~~به الموت لأنه لا شيء في نفس ابن آدم أكبر من الموت، ومعناه لو كنتم الموت ~~بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم فسيقولون من يعيدنا أي من يبعثنا بعد الموت قل ~~الذي فطركم أي خلقكم أول مرة فمن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة فسينغضون ~~إليك رؤسهم أي يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بما تقول ويقولون متى هو ~~يعني البعث والقيامة قل عسى أن يكون قريبا أي هو قريب يوم يدعوكم أي من ~~قبوركم إلى موقف القيامة فتستجيبون بحمده قال ابن عباس: بأمره وقيل بطاعته ~~وقيل مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، وقيل: هذا ~~خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين وتظنون إن لبثتم أي في الدنيا وقيل ~~في القبور إلا قليلا وذلك لأن الإنسان لو مكث في الدنيا وفي القبر ألوفا من ~~السنين، عد ذلك قليلا بنسبة مدة القيامة والخلود في الآخرة، وقيل: إنهم ~~يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. قوله سبحانه وتعالى وقل لعبادي يقولوا ~~التي هي أحسن وذلك أن المشركين كانوا يؤذون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل. وقل لعبادي يقولوا يعني للكفار ~~التي هي أحسن، أي لا يكافئوهم على سفههم بل يقولون لهم يهديكم الله وكان ~~هذا قبل الإذن في القتال والجهاد. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أنه ~~شتمه بعض الكفار، ms2271 فأمره الله بالعفو. وقيل: أمر الله المؤمنين أن يقولوا ~~ويفعلوا الخلة التي هي أحسن وقيل الأحسن كلمة الإخلاص لا إله إلا الله إن ~~الشيطان ينزغ بينهم أي يفسد ويلقي العداوة بينهم إن الشيطان كان للإنسان ~~عدوا مبينا أي ظاهر العداوة. قوله عز وجل: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أي ~~يوفقكم للإيمان فتؤمنوا أو إن يشأ يعذبكم أي يميتكم على الشرك فتعذبوا، ~~وقيل معناه إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم أي يسلطهم ~~عليكم وما أرسلناك عليهم وكيلا أي حفيظا وكفيلا قيل: نسختها آية القتال ~~وربك أعلم بمن في السماوات والأرض يعني أن علمه غير مقصور عليكم بل علمه ~~متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، ~~ويعلم حال كل أحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد وقيل: معناه أنه ~~عالم بأحوالهم واختلاف صورهم وأخلاقهم ومللهم وأديانهم ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض وذلك أنه اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما، وقال ~~لعيسى: كن فكان وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وآتى داود زبورا ~~وذلك قوله تعالى وآتينا داود زبورا وهو كتاب أنزله الله على داود يشتمل على ~~مائة وخمسين سورة، كلها دعاء وثناء على الله تعالى وتحميد وتمجيد ليس فيه ~~حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام. فإن قلت: لم خص داود في هذه ~~الآية بالذكر دون غيره من الأنبياء؟ قلت: فيه وجوه: أحدها أن الله ذكر أنه ~~فضل بعض النبيين على بعض ثم قال تعالى: وآتينا داود زبورا وذلك أن داود ~~أعطي مع النبوة الملك، فلم يذكره بالملك وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيها على ~~أن الفضل المذكور في هذه الآية المراد به العلم لا الملك والمال. الوجه ~~الثاني: أن الله سبحانه وتعالى كتب له في الزبور أن محمدا خاتم الأنبياء، ~~وأن أمته خير الأمم فلهذا خصه بالذكر. الوجه الثالث: أن اليهود زعمت أن لا ~~نبي بعد موسى، ولا كتاب # بعد التوراة فكذبهم الله بقوله: وآتينا داود زبورا ومعنى ms2272 الآية أنكم لن ~~تنكروا تفضيل النبيين، فكيف تنكرون تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءه ~~القرآن وأن الله آتى موسى التوراة، وداود الزبور وعيسى الإنجيل فلم يبعد أن ~~يفضل محمدا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قوله عز ~~وجل قل ادعوا الذين زعمتم من دونه وذلك أن الكفار أصابهم قحط شديد حتى ~~أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم فقال ~~الله عز وجل: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم أي الجوع والقحط ولا تحويلا أي إلى # PageV03P133 # غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومقصود الآية الرد على ~~المشركين، حيث قالوا ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله فنحن نعبد ~~المقربين إليه، وهم الملائكة. ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا ~~وصورة وقد اشتغلوا بعبادته فاحتج على بطلان قولهم بهذه الآية وبين عجز ~~آلهتهم ثم قال تعالى أولئك الذين يدعون أي الذين يدعون المشركون آلهة ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أي القربة والدرجة العليا. قال ابن عباس: # هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم. وقال عبد الله بن ~~مسعود: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم ~~أولئك الجن، ولم يعلم الإنس بذلك فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه ~~الآية. قوله تعالى أيهم أقرب معناه، ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون ~~به، وقيل: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله، ويتقرب إليه بالعمل الصالح ~~وازدياد الخير والطاعة ويرجون رحمته أي جنته ويخافون عذابه وقيل: معناه ~~يرجون ويخافون كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة إن عذاب ربك كان ~~محذورا أي حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب، ونبي مرسل فضلا عن غيرهم من ~~الخلائق. قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 58 الى 64] # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا ms2273 شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ~~(59) وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا (60) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ~~وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أي بالموت والخراب أو ~~معذبوها عذابا شديدا أي بالقتل وأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا، وقيل: ~~الإهلاك في حق المؤمنين الإماته وفي حق الكفار العذاب قال عبد الله بن ~~مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها كان ذلك في الكتاب ~~أي في اللوح المحفوظ مسطورا أي مكتوبا مثبتا. عن عبادة بن الصامت قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: ~~اكتب فقال: ما أكتب قال: القدر وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد» ~~أخرجه الترمذي. # قوله سبحانه وتعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ~~قال ابن عباس «سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا وفضة وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت، فإن ~~لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا بل تستأني بهم» فأنزل الله عز وجل وما منعنا أن نرسل بالآيات أي التي ~~سألها الكفار قومك إلا أن كذب ms2274 بها الأولون أي فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك ~~بعد إرسال الآيات أهلكناهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم ~~يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة إلى ~~يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما ~~أرسلت فأهلكوا فقال تعالى وآتينا # PageV03P134 # ثمود الناقة مبصرة # أي بينة، وذلك لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها ~~صادرهم وواردهم فظلموا بها أي جحدوا أنها من عند الله. وقيل: فظلموا أنفسهم ~~بتكذيبها فعاجلناهم بالعقوبة وما نرسل بالآيات المقترحة إلا تخويفا أي وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا من العذاب، فإن لم يخافوا وقع عليهم. وقيل: معناه ~~وما نرسل بالآيات يعني العبر والدلالات، إلا تخويفا أي إنذارا بعذاب الآخرة ~~إن لم يؤمنوا فإن الله سبحانه وتعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم ~~يرجعون. قوله عز وجل وإذ قلنا لك أي واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط ~~بالناس أي إن قدرته محيطة بهم فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على الخروج من ~~مشيئته وإذا كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه ~~وقدره وهو حافظك ومانعك منهم، فلا تهبهم وامض لما أمرك من التبليغ للرسالة، ~~فهو ينصرك ويقويك على ذلك وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ~~الأكثرون من المفسرين على أن المراد منها ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة المعراج من العجائب والآيات. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وهي ليلة أسري به إلى بيت المقدس ~~أخرجه البخاري. وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة ~~وابن جريج وغيرهم. والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكانت فتنة للناس، ~~وازداد المخلصون إيمانا. وقال قوم: أسري بروحه دون جسده وهو ضعيف. وقال قوم ~~كان له معراجان: معراج ms2275 رؤية عين في اليقظة ومعراج رؤيا منام. وقيل: أراد ~~بهذه الرؤيا ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، أنه دخل ~~مكة هو وأصحابه فعجل المسير إلى مكة قبل الأجل، فصده المشركون فرجع إلى ~~المدينة فكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم ~~دخل مكة في العام المقبل وأنزل الله عز وجل لقد صدق الله رسوله الرؤيا ~~بالحق، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ولد الحكم بن ~~أمية يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة فساءه ذلك. فإن اعترض معترض ~~على هذا التفسير وقال السورة مكية وهاتان الواقعتان كانتا بالمدينة أجيب ~~بأنه لا إشكال فيه فإنه لا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ذلك بمكة، ~~ثم كان ذلك حقيقة بالمدينة والشجرة الملعونة في القرآن يعني شجرة الزقوم ~~التي وصفها الله تعالى في سورة الصافات والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ~~ملعون، والفتنة فيها أن أبا جهل قال: إن ابن أبي كبشة يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنه تنبت فيها شجرة وتعلمون ~~أن النار تحرق الشجر. وقيل: إن عبد الله بن الزبعري قال: إن محمدا يخوفنا ~~بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا جارية تعالي ~~فزقمينا فأتت بزبد وتمر فقال يا قوم فإن هذا ما يخوفكم به محمد، فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر إنا جعلناها فتنة للظالمين ~~الآيات. فإن قلت: أين لعنت شجرة # الزقوم في القرآن؟ قلت: لعنت حيث لعن الكفار الذين يأكلونها لأن الشجرة ~~لا ذنب لها حتى تلعن، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل وصفها الله ~~تعالى باللعن لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل جهنم في أبعد مكان ~~من الرحمة، وقال ابن عباس: في رواية عنه إن الشجرة الملعونة هي الكشوث الذي ~~يلتوي على الشجر والشوك فيجففه ونخوفهم فما يزيدهم أي التخويف إلا طغيانا ~~كبيرا أي ms2276 تمردا وعتوا عظيما قوله سبحانه وتعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا أي من طين وذلك أن آدم خلق ~~من تراب الأرض من عذبها وملحها، فمن خلق من العذب فهو سعيد ومن خلق من ~~الملح فهو شقي قال يعني إبليس أرأيتك الكاف للمخاطب والمعنى أخبرني هذا ~~الذي كرمت علي أي فضلته لئن أخرتن أي أمهلتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته أي لأستأصلنهم بالإضلال. وقيل: معناه لأقودنهم كيف شئت. وقيل: # لأستولين عليهم بالإغواء إلا قليلا يعني المعصومين الذي استثناهم الله ~~تعالى في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الله تعالى اذهب أي امض ~~لشأنك وليس هو من الذهاب الذي هو ضد المجيء فمن # PageV03P135 # تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم # أي جزاؤك وجزاء أتباعك جزاء موفورا أي مكملا. قوله سبحانه وتعالى واستفزز ~~أي استخف واستزل واستعجل وأزعج من استطعت منهم أي من ذرية آدم بصوتك قال ~~ابن عباس: معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية الله فهو من جند ~~إبليس. وقيل: أراد بصوتك الغناء والمزامير واللهو واللعب وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك أي أجمع عليهم مكايدك وحبائلك، واحثثهم على الإغواء. وقيل: معناه ~~استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. يقال: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس ~~فكل من قاتل أو مشى في معصية الله، فهو من جند إبليس. وقيل: المراد منه ضرب ~~المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد أما المشاركة في الأموال فكل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، ~~وقيل هو الربا، وقيل: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم ويحرمونه كالبحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. وأما المشاركة في الأولاد فروي عن ابن عباس أنها ~~الموءودة، وقيل: أولاد الزنا. وعن ابن عباس أيضا هي تسميتهم أولادهم بعبد ~~العزى، وعبد الحارث وعبد شمس ونحوه، وقيل: هو أن يرغبوا أولادهم في الأديان ~~الباطلة الكاذبة، كاليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها. وقيل: إن الشيطان ~~يقعد على ذكر الرجل وقت الجماع فإذا لم ms2277 يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل ~~في فرجها كما ينزل الرجل. وروي في بعض الأخبار أن فيكم مغربين قال: وما ~~المغربون قال: الذين شارك فيهم الجن. وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إن ~~امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال: ذلك من وطء الجن وعدهم أي منهم ~~الجميل في طاعتك، وقيل: قل لهم لا جنة ولا نار ولا بعث، وذلك أن الشيطان ~~إذا دعا إلى المعصية فلا بد أن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعلها البتة، وذلك ~~لا يمكن إلا إذا قال له لا معاد ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد هذه الحياة، ~~فيقرر عند المدعو أنه لا مضرة في هذه المعاصي وإذا فرغ من هذا النوع قرر ~~عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في ~~الدنيا إلا به، فهذا طريق الدعوة إلى المعصية ثم ينفره عن فعل الطاعات وهو ~~أنه يقرر عنده أن لا جنة ولا نار ولا عقاب فلا فائدة فيها. وقيل معنى عدهم ~~أي شفاعة الأصنام عند الله وإيثار العاجل على الأجل. فإن قلت: كيف ذكر الله ~~هذه الأشياء بصيغة الأمر، والله سبحانه وتعالى يقول: إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء؟ قلت: هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: اعملوا ما شئتم. وكقول ~~القائل اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك. وقوله سبحانه وتعالى وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا أي يزين الباطل بما يظن أنه حق واعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى لما قال: # وعدهم، أردفه بما هو زاجر عن قبول وعده بقوله: وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ~~ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو ~~إليها خيالية لا حقيقة لها ولا تحصل إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت ~~كانت سريعة الذهاب والانقضاء وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه ~~الأشياء بهذه الصفة كانت الرغبة فيها غرورا. # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 65 الى 69] ms2278 # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ~~(67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان يعني بعبادة الأنبياء وأهل الفضل والصلاح ~~لأنه لا يقدر على إغوائهم # PageV03P136 # وكفى بربك وكيلا أي حافظا. والمعنى: أنه سبحانه وتعالى لما أمكن إبليس أن ~~يأتي بما يقدر عليه من الوسوسة كان ذلك سببا لحصول الخوف في قلب الإنسان، ~~قال تعالى وكفى بربك وكيلا أي فالله سبحانه وتعالى أقدر منه وأرحم بعباده ~~فهو يدفع عنهم كيد الشيطان ووساوسه، ويعصمهم من إغوائه وإضلاله. وفي بعض ~~الآثار أن إبليس لما خرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم ~~فسلطني عليه وعلى ذريته قال: أنت مسلط. قال: لا أستطيعه إلا بك فزدني. قال: ~~استفزز من استطعت منهم الآية. فقال آدم: يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي ~~وإني لا أستطيعه إلا بك قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه قال رب ~~زدني قال الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال رب زدني قال: التوبة ~~معروضة ما دام الروح في الجسد قال رب زدني فقال يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية. وفي الخبر قال إبليس: يا رب بعثت ~~أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟ قال: الشعر. قال: فما كتابتي؟ قال: الوشم، ~~قال: ومن رسلي؟ قال الكهنة. # قال: أي شيء مطعمي؟ قال ما لم يذكر عليه اسمي قال فما شرابي قال كل مسكر ~~قال: وأين مسكني؟ قال الحمامات- قال- وأين مجلسي؟ قال في الأسواق قال: وما ~~حبائلي قال: النساء قال: وما أذاني؟ قال المزمار. ms2279 # قوله ربكم الذي يزجي أي يسوق ويجري لكم الفلك أي السفن في البحر لتبتغوا ~~من فضله أي لتطلبوا من رزقه بالأرباح في التجارة وغيرها إنه كان بكم رحيما ~~أي حيث يسر لكم هذه المنافع، والمصالح وسهلها عليكم وإذا مسكم الضر في ~~البحر أي الشدة وخوف الغرق في البحر ضل من تدعون أي ذهب عن أوهامكم ~~وخواطركم كل من تدعون في حوادثكم من الأصنام وغيرها إلا إياه أي إلا الله ~~وحده فإنكم لا تذكرون سواه ولا يخطر ببالكم غيره لأنه القادر على إعانتكم ~~ونجاتكم فلما نجاكم أي أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وشدته وأخرجكم إلى ~~البر أعرضتم أي عن الإيمان والإخلاص والطاعة، وكفرتم النعمة وهو قوله تعالى ~~وكان الإنسان كفورا أي جحودا أفأمنتم أي بعد إنجائكم أن يخسف بكم جانب البر ~~أي تغوره. والمعنى: أن الجهات كلها له، وفي قدرته برا كان أو بحرا بل إن ~~كان الغرق في البحر ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف لأنه يغيب تحت ~~الثرى كما أن الغرق يغيب تحت الماء أو يرسل عليكم حاصبا أي نمطر عليكم ~~حجارة من السماء، كما أمطرناها على قوم لوط ثم لا تجدوا لكم وكيلا أي مانعا ~~وناصرا أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي في البحر تارة أي مرة أخرى فيرسل عليكم ~~قاصفا من الريح قال ابن عباس: أي عاصفا وهي الريح الشديدة. وقيل: الريح ~~التي تقصف كل شيء من شجر وغيره فيغرقكم بما كفرتم أي بكفرانكم النعمة ~~وإعراضكم حين أنجيناكم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا التبيع المطالب. # والمعنى: أنا نفعل ما نفعل بكم ثم لا تجدون لكم أحدا يطالبنا بما فعلنا ~~انتصارا لكم ودركا للثأر من جهتنا. # وقيل: معناه من يتبعنا بالإنكار علينا. قوله تعالى: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 70 الى 71] # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن ~~أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) # ولقد ms2280 كرمنا بني آدم قال ابن عباس: هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي ~~يأكل بفيه من الأرض وقال أيضا بالعقل وقيل بالنطق والتمييز والخط والفهم، ~~وقيل باعتدال القامة وامتدادها وقيل بحسن الصورة وقيل: # الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقيل: بتسليطهم على جميع ما في الأرض ~~وتسخيره لهم وقيل: بحسن تدبيرهم أمر المعاش والمعاد. وقيل بأن منهم خير أمة ~~أخرجت للناس وحملناهم في البر أي على الإبل # PageV03P137 # والخيل والحمير والبحر أي وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات ~~التكريم لأن الله تعالى سخر لهم هذه الأشياء لينتفعوا بها، ويستعينوا بها ~~على مصالحهم ورزقناهم من الطيبات يعني لذيذ المطاعم والمشارب وقيل الزبد ~~والتمر والحلواء، وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى، وقيل: إن جميع الأغذية إما ~~نباتية وإما حيوانية ولا يتغذى الإنسان إلا بأطيب القسمين بعد الطبخ الكامل ~~والنضج التام ولا يحصل هذا لغير الإنسان وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا واعلم أن الله تعالى قال في أول الآية: ولقد كرمنا بني آدم وفي ~~آخرها وفضلناهم، ولا بد من الفرق بين التكريم والتفضيل والإلزام التكرار ~~والأقرب أن يقال: إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ~~ذاتية طبيعية، مثل العقل والنطق والخط وحسن الصورة، ثم إنه سبحانه وتعالى ~~عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، ~~فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل. ثم قال سبحانه وتعالى: على كثير ممن ~~خلقنا تفضيلا. ظاهر الآية يدل على أنه فضل بني آدم على كثير ممن خلق لا على ~~الكل فقال: قوم فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة وهذا مذهب المعتزلة. ~~وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة مثل جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأشباههم. وقيل: فضلوا على جميع الخلائق وعلى ~~الملائكة كلهم. فإن قلت: كيف تصنع بكثير؟ قلت: يوضع الأكثر موضع الكل كقوله ~~تعالى يلقون السمع وأكثرهم كاذبون أراد كلهم وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: # «لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون ~~وينكحون ms2281 فاجعل لهم الدنيا، ولنا الآخرة فقال: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت ~~فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» وقيل بالتفضيل وهو الأولى والراجح أن خواص ~~بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام ~~البشر من بني آدم، وهذا التفضيل إنما هو بين الملائكة والمؤمنين من بني آدم ~~لأن الكفار لا حرمة لهم قال الله سبحانه وتعالى إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: # المؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة الذين عنده. قوله عز وجل يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم أي بنبيهم وقيل بكتابهم الذي أنزل عليهم، وقيل بكتاب ~~أعمالهم وعن ابن عباس: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إما إلى هدى وإما ~~إلى ضلالة وذلك أن كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر. وقيل: ~~بمعبودهم وقيل بإمامهم جمع أم يعني بأمهاتهم والحكمة فيه رعاية حق عيسى ~~عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، وأن لا يفتضح ~~أولاد الزنا فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم فإن قلت: لم خص ~~أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أن أصحاب الشمال يقرءونه أيضا. قلت: الفرق ~~أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم، وجدوه مشتملا على مشكلات عظيمة فيستولي ~~عليهم الخجل والدهشة فلا يقدرون على إقامة حروفه فتكون قراءتهم كلا قراءة، ~~وأصحاب اليمين إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على الحسنات والطاعات ~~فيقرؤونه أحسن قراءة وأبينها ولا يظلمون فتيلا أي ولا ينقصون من ثواب ~~أعمالهم أدنى شيء. # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 72 الى 76] # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ~~ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك من ~~الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) # ومن كان في هذه ms2282 أعمى المراد عمى القلب والبصيرة لا عمى البصر. والمعنى: ~~ومن كان في هذه الدنيا أعمى، أي عن هذه النعم التي قد عدها في هذه الآيات ~~المتقدمة فهو في الآخرة أي التي لم تعاين ولم تر # PageV03P138 # أعمى وأضل سبيلا قاله ابن عباس: وقيل معناه ومن كان في هذه الدنيا أعمى ~~القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي أشد عمى ~~وأضل سبيلا، أي أخطأ طريقا. وقيل: معناه ومن كان في الدنيا كافرا ضالا، فهو ~~في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل توبته. قوله ~~سبحانه وتعالى وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك قيل في سبب نزولها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش وقالوا: ~~لا ندعك حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه ما علي أن أفعل ذلك، والله يعلم ~~إني لها كاره بعد أن يدعوني أستلم الحجر. وقيل طلبوا منه أن يذكر آلهتهم ~~حتى يسلموا، ويتبعوه فحدث نفسه فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: قد ~~وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث ~~خصال. قال: وما هن؟ قالوا: لا نحبي في الصلاة أي لا ننحني ولا نكسر أصنامنا ~~بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم ~~بأيديكم، فذاك لكم وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها ~~قالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرها ~~فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فأنزل الله ~~تعالى وإن كادوا- أي هموا- ليفتنونك- أي ليصرفونك- عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري أي لتختلق وتبتعث علينا غيره ما لم تقله وإذا أي لو فعلت ما دعوك ~~إليه لاتخذوك خليلا أي ms2283 والوك ووافوك وصافوك ولولا أن ثبتناك أي على الحق ~~بعصمتنا إياك لقد كدت تركن أي تميل إليهم شيئا قليلا أي قربت من الفعل. فإن ~~قلت كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه. # قلت: كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزما وقد عفا الله تعالى عن حديث النفس ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة ~~عين» والجواب الصحيح هو أن الله سبحانه وتعالى قال ولولا أن ثبتناك وقد ~~ثبته الله فلم يركن إليهم إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي لو فعلت ~~لأذقناك عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعفنا لك العذاب في الدنيا ~~والآخرة ثم لا تجد لك علينا نصيرا أي ناصرا يمنعك من عذابنا. قوله سبحانه ~~وتعالى وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها قيل: هذه الآية مدنية ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كره اليهود مقامه ~~بالمدينة، وذلك حسدا فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض ~~أنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة وكان بها إبراهيم ~~والأنبياء عليهم السلام، فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام، وإنما يمنعك من ~~الخروج إليها مخافة الروم، وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله فعسكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وفي رواية إلى ذي ~~الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه، فيخرج فأنزل الله هذه الآية فالأرض هنا أرض ~~المدينة، وقيل الأرض أرض مكة والآية مكية والمعنى: هم المشركون أن يخرجوه ~~منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالخروج للهجرة فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية ~~لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية. وقيل: هم المشركون كلهم وأرادوا ~~أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله ولم ~~ينالوا منه ما أملوه والاستفزاز الإزعاج وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا أي ~~لا يبقون بعد إخراجك إلا زمانا قليلا حتى يهلكوا. قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الإسراء ms2284 (17): الآيات 77 الى 79] # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (78) ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ~~أظهرهم فسنة الله أن # PageV03P139 # يهلكهم وأن لا يعذبهم مادام نبيهم بينهم فإذا خرج من بين أظهرهم عذبهم ~~ولا تجد لسنتنا تحويلا أي تبديلا. # قوله سبحانه وتعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس روي عن ابن مسعود أنه قال ~~الدلوك الغروب وهو قول النخعي ومقاتل والضحاك والسدي. قال ابن عباس وابن ~~عمر وجابر: هو زوال الشمس. وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر ~~التابعين. ومعنى اللفظ: يجمعهما، لأن أصل الدلوك الميل والشمس: تميل إذا ~~زالت وإذا غربت والحمل على الزوال أولى القولين: لكثرة القائلين به وإذا ~~حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها فدلوك الشمس يتناول صلاة ~~الظهر والعصر إلى غسق الليل أي ظهور ظلمته وقال ابن عباس: بدو الليل وهذا ~~يتناول المغرب والعشاء وقرآن الفجر يعني صلاة الفجر سمى الصلاة قرآنا لأنها ~~لا تجوز إلا بالقرآن إن قرآن الفجر كان مشهودا أي يشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار (خ). عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة ~~الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: هذا دليل ~~قاطع قوي على أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان، إذا شرع فيها من أول ~~الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثم إذا امتدت ~~الصلاة بسبب ترتيل القرآن وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء، وحضرت ملائكة ~~النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت الإسفار فهناك لم يبق أحد من ~~ملائكة الليل، فلا يحصل المعنى ms2285 المذكور في الآية فثبت أن قوله تعالى إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا دليل على أن الصلاة في أول وقتها أفضل. قوله سبحانه ~~وتعالى ومن الليل فتهجد به أي قم بعد نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد القيام ~~من النوم. والمراد من الآية قيام الليل للصلاة، وكانت صلاة الليل فريضة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأمة في الابتداء لقوله تعالى يا أيها ~~المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق ~~الأمة بالصلوات الخمس، وبقي قيام الليل على الاستحباب بدليل قوله تعالى ~~فاقرؤا ما تيسر منه وبقي الوجوب ثابتا في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدليل قوله تعالى نافلة لك أي زيادة لك يريد فريضة زائدة على سائر الفرائض ~~التي فرضها الله عليك روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث ~~هن علي فريضة وهن سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل» وقيل: إن الوجوب صار ~~منسوخا في حقه كما في حق الأمة: فصار قيام الليل نافلة لأن الله سبحانه ~~وتعالى قال: نافلة لك ولم يقل عليك. فإن قلت: ما معنى التخصيص إذا كان ~~زيادة في حق المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم؟ قلت: فائدة التخصيص ~~أن النوافل كفارات لذنوب العباد والنبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت له نافلة وزيادة في رفع الدرجات. # فصل # في الأحاديث الواردة في قيام الليل (ق) عن المغيرة بن شعبة قال: «قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له أتتكلف هذا وقد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا» (م) عن زيد ~~بن خالد الجهني: قال لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوسدت ~~عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين ~~طويلتين ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ~~ثم صلى ركعتين دون ms2286 اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم أوتر ~~فذلك ثلاث عشرة ركعة لفظ أبي داود (ق)، «عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه سأل ~~عائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان ~~يزيد في رمضان ولا في غيره على أكثر من إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا، فلا ~~تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ~~ثلاثا، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة: إن ~~عيني تنامان ولا ينام قلبي» (ق) عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من # PageV03P140 # صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، ~~ويسجد سجدتين قدر ما يسجد، ويقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا ~~سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم ~~اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة» (خ) عنها قالت: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» عن ~~عوف بن مالك الأشجعي قال: «قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام ~~فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل ولا يمر بآية عذاب، إلا ~~وقف وتعوذ ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه. سبحان ذي الجبروت والملكوت ~~والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ ~~بآل عمران ثم قرأ سورة النساء» أخرجه أبو داود النسائي. «عن عائشة قالت: ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة» أخرجه الترمذي (ق) ~~عن الأسود قال: «سألت عائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الليل قالت كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن ~~المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج» عن أنس قال: «ما ms2287 كنا ~~نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليا إلا رأيناه ولا ~~نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه» أخرجه النسائي. زاد في رواية غيره قال: ~~«وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه ~~شيئا». وقوله عز وجل: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا أجمع المفسرون على أن ~~عسى من الله واجب وذلك لأن لفظة عسى تفيد الإطماع ومن أطمع إنسانا في شيء ~~ثم أحرمه كان ذلك عارا عليه والله أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ما ~~أطمعه فيه. والمقام المحمود هو مقام الشفاعة لأنه يحمده فيه الأولون ~~والآخرون (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل ~~نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء ~~الله من مات لا يشرك بالله شيئا» (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا علي فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي ~~الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تبتغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (م) عن جابر بن عبد الله ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب ~~هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما ~~محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (ق) عن أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وفي رواية ~~فيلهمون لذلك فيقولون لو استشفعنا إلى # ربنا، فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك الله ~~بيده، وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك ~~حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول: لست هناكم فيذكر ms2288 خطيئته التي أصاب فيستحي ~~ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا ~~فيقول لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها ولكن ائتوا ~~إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم ويذكر ~~خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله، وأعطاه ~~التوراة قال فيأتون موسى فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ~~ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيأتون عيسى روح الله وكلمته ~~فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيأتوني ~~فأستأذن على ربي تعالى فيؤذن لي فإذا أنا رأيته، وقعت ساجدا فيدعني ما شاء ~~فيقال: يا محمد ارفع رأسك قل تسمع سل تعطه اشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي ~~بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة ~~ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد ~~رأسك قل تسمع، سل تعطه اشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ~~ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة قال فلا أدري في ~~الثالثة أو في الرابعة فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي ~~من وجب عليه الخلود» وفي رواية للبخاري ثم تلا هذه الآية عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا، قال وهذا المقام المحمود # PageV03P141 # الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم زاد في رواية «فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما ~~يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من ~~الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ~~من الخير ما يزن ذرة» ms2289 قال يزيد بن زريع في حديث شعبة ذرة وفي رواية من ~~إيمان مكان خير، وفي حديث معبد بن هلال العنزي عن أنس في حديث الشفاعة، ~~وذكر نحوه وفيه فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه أدنى ~~أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فانطلق فافعل قال ~~فلما خرجنا من عند أنس، مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا ~~الموضع فقال: هيا، فقلنا: لم يزدنا على هذا فقال لقد حدثني، وهو يومئذ جميع ~~منذ عشرين سنة كما حدثكم، ثم قال: # ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا ~~محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن ~~قال لا إله إلا الله قال: ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك ولكن وعزتي ~~وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. قوله: وهو ~~يومئذ جميع أي مجتمع الذهن والرأي. عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد، ولا فخر ~~وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ~~ولا فخر قال فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون أنت أبونا اشفع لنا ~~إلى ربك فيقول: إني أذنبت ذنبا عظيما فأهبطت به إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا ~~فيأتون نوحا فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ولكن اذهبوا إلى ~~إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله ولكن ائتوا موسى ~~فيأتون موسى فيقول قد قتلت نفسا ولكن ائتوا عيسى فيأتون عيسى فيقول: إني ~~عبدت من دون الله ولكن ائتوا محمدا فيأتوني فأنطلق معهم» قال: ابن جدعان: ~~قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ms2290 وسلم قال فآخذ بحلقة باب ~~فأقعقعها، فيقال من هذا؟ فيقال: محمد فيفتحون لي ويقولون مرحبا فأخرج ساجدا ~~فيلهمني الله من الثناء والحمد فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع ~~وقل يسمع لقولك وهو المقام المحمود الذي قال الله سبحانه وتعالى: عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا. قال سفيان: ليس عن أنس غير هذه الكلمة فآخذ بحلقة ~~باب الجنة فاقعقعها فيقال: من هذا فيقال محمد فيفتحون لي ويرحبون فيقولون: ~~مرحبا فأخر ساجدا فيلهمني الله من الثناء والحمد» أخرجه الترمذي. قوله: ما ~~حل المماحلة: المخاصمة والمجادلة. والمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام خاصم ~~وجادل عن دين الله بتلك الألفاظ التي صدرت منه. قوله: فاقعقعها أي أحركها ~~حركة شديدة والقعقعة حكاية أصوات الترس وغيره مما له صوت. عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم ~~إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد ~~آدم على ربي ولا فخر» أخرجه الترمذي زاد في رواية غير الترمذي: وأنا ~~مستشفعهم إذا حبسوا الكرامة، والمفاتيح يومئذ بيدي يطوف علي خدم كأنهم بيض ~~مكنون أو لؤلؤ منثور» (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ~~وأول مشفع» زاد الترمذي، قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل ~~الجنة ثم أقوم عن يمين العرش فليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري. ~~عنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن الشمس تدنو يوم القيامة ~~حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، فيشفع ليقضي بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة ~~الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده فيه أهل الجمع كلهم (م) عن ~~يزيد بن صهيب قال: # كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن ms2291 نحج ثم ~~نخرج على الناس قال: # فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد ذكر الجهنميين فقلت يا صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي تحدثونه والله يقول إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته وكلما أرادوا أن # PageV03P142 # يخرجوا منها أعيدوا فيها، فما هذا الذي تقولون قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: ~~نعم. قال: فاقرأ ما قبله إنه في الكفار ثم قال فهل سمعت بمقام محمد الذي ~~يبعثه الله فيه قلت: نعم قال فإن مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود ~~الذي يخرج الله به من يخرج من النار قال ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، ~~قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال غيره أنه قد زعم أن قوما يخرجون من ~~النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم قال ~~فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون منه كأنهم القراطيس ~~فرجعنا فقلنا ويحكم أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فرجعنا فلا والله ما خرج غير رجل واحد أو كما قال، والأحاديث في ~~الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو ابن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة. ~~وروى أبو وائل عن ابن مسعود أنه قال: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وإن ~~صاحبكم خليل الله وأكرم الخلق عليه. ثم قرأ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~قال يقعده على العرش. وعن مجاهد مثله وعن عبد الله بن سلام قال يقعد على ~~الكرسي. قوله عز وجل: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 80 الى 81] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق المراد منهما الإدخال والإخراج ~~قال ابن عباس: # معناه أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق من مكة نزلت حين أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2292 بالهجرة. # وقيل: معناه أخرجني من مكة آمنا من المشركين، وأدخلني مكة ظاهرا عليها ~~بالفتح، وقيل: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني ~~من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة مخرج صدق وقيل: معناه أدخلني ~~في طاعتك مدخل صدق وأخرجني من المناهي مخرج صدق وقيل: معناه أدخلني حيثما ~~أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق ولا تجعلني ممن يخرج بوجه ويدخل بوجه فإن ~~ذا الوجهين لا يكون آمنا عند الله واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا أي حجة ~~بينة وقيل: ملكا قويا تنصرني به على من عاداني وعزا ظاهرا أقيم به دينك ~~فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما ويجعله له، وأجاب دعاءه فقال له ~~والله يعصمك من الناس، وقال يظهره على الدين كله وقال: وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية. قوله تعالى وقل جاء ~~الحق يعني الإسلام والقرآن وزهق الباطل أي الشرك والشيطان إن الباطل كان ~~زهوقا أي مضمحلا غير ثابت، وذلك أن الباطل وإن كان له دولة وصولة في وقت من ~~الأوقات فهو سريع الذهاب والزوال (ق). عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل ~~يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- جاء ~~الحق، وما يبدئ الباطل وما يعيد- قوله تعالى: ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 82 الى 84] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا ~~(83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # وننزل من القرآن ما هو شفاء من في قوله تعالى من القرآن لبيان الجنس. ~~والمعنى: ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن ما هو شفاء أي بيان من الضلالة ~~والجهالة، يتبين به المختلف فيه ويتضح به المشكل، ويستشفى به من الشبهة ~~ويهتدى به من الحيرة وهو شفاء القلوب بزوال الجهل ms2293 عنها. وقيل: هو شفاء ~~للأمراض # PageV03P143 # الباطنة والظاهرة، وذلك لأنها تنقسم إلى نوعين «1» أحدهما الاعتقادات ~~الباطلة، والثاني الأخلاق المذمومة أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا ~~والاعتقادات الفاسدة في الذات والصفات والنبوات والقضاء والقدر والبعث بعد ~~الموت، فالقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه الأشياء وابطال ~~المذاهب الفاسدة، لا جرم، كان القرآن شفاء لما في القلوب من هذا النوع. ~~وأما النوع الثاني: وهو الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على التنفير منها، ~~والإرشاد إلى الأخلاق المحمودة والأعمال الفاضلة، فثبت أن القرآن شفاء من ~~جميع الأمراض الباطنة وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك ~~بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض. يدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في فاتحة الكتاب، «وما يدريك أنها رقية»: ورحمة للمؤمنين لما كان ~~القرآن شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة، فهو جدير بأن يكون رحمة للمؤمنين ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لأن الظالم لا ينتفع به، والمؤمن ينتفع به ~~فكان رحمة للمؤمنين وخسارا للظالمين، وقيل: لأن كل آية تنزل يتجدد لهم ~~تكذيب بها فيزداد خسارهم قال قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه ~~بزيادة أو نقصان قضاه الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا. قوله سبحانه وتعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان أي بالصحة والسعة ~~أعرض أي عن ذكرنا ودعائنا ونأى بجانبه أي تباعد منا بنفسه وترك التقرب ~~إلينا بالدعاء وقيل: معناه تكبر وتعظم وإذا مسه الشر أي الشدة والضر كان أي ~~يائسا قنوطا، وقيل: معناه إنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة، فإذا تأخرت ~~الإجابة يئس فلا ينبغي للمؤمن أن يدع الدعاء ولو تأخرت الإجابة. قوله عز ~~وجل قل كل أي كل أحد يعمل على شاكلته قال ابن عباس: على ناحيته. وقيل: ~~الشاكلة الطريقة أي على طريقته التي جبل عليها، وفيه وجه آخر وهو أن كل ~~إنسان يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة، صدرت عنه أفعال ~~جميلة وأخلاق زكية طاهرة وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة ~~فاسدة ms2294 رديئة فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا أي أوضح طريقا وأحسن مذهبا ~~واتباعا للحق قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 85 الى 88] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) ~~إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ~~(88) # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي (ق) عن عبد الله بن مسعود قال: ~~بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب معه فمر ~~بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: # لا تسألوه يسمعكم ما تكرهون فقاموا إليه، وفي رواية، فقام إليه رجل منهم ~~فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ # فسكت وفي رواية، فقالوا حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر الوحي، وعرفت ~~أنه يوحى إليه فتأخرت حتى صعد الوحي قال: ويسئلونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا ~~تسألوه. وفي رواية، وما أوتوا من العلم إلا قليلا. قال الأعمش هكذا في ~~قراءتنا. العسيب: جريد النخل وسعفه. وقال ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا ~~وقالوا إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ~~ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب، ~~فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها، أو ~~لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن PageV03P144 # اثنتين ولم يجب عن واحد فهو نبي فسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما ~~كان شأنهم، فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما ~~خبره وعن الروح قال فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبركم بما ~~سألتم غدا، ولم يقل إن شاء ms2295 الله فلبث الوحي. قال مجاهد: اثني عشر يوما ~~وقيل: خمسة عشر يوما وقيل أربعين يوما وأهل مكة يقولون: قد وعدنا محمد غدا ~~وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكث ~~الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ونزل في الفتية أم حسبت ~~أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ونزل فيمن بلغ المشرق ~~والمغرب، قوله ويسئلونك عن ذي القرنين ونزل في الروح ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي واختلفوا في الذي وقع السؤال عنه، فروي عن ابن عباس أنه ~~جبريل وعن علي أنه ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان ~~سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد: خلق على صورة بني آدم، ~~لهم أيد وأرجل ورؤوس ليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال سعيد بن ~~جبير: لم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات ~~والأرض ومن فيها بلقمة واحدة لفعل ذلك صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة ~~وجهه على صورة وجه الآدميين، يقوم يوم القيامة على يمين العرش، وهو أقرب ~~الخلق إلى الله تعالى اليوم عند الحجب السبعين وأقرب الخلق إلى الله يوم ~~القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من ~~نور لاحترق أهل السموات من نوره. وقيل: الروح هو القرآن لأن الله سماه روحا ~~ولأن به حياة القلوب. وقيل: هو الروح المركب في الخلق الذي به يحيى الإنسان ~~وهو أصح الأقوال. وتكلم قوم في ماهية الروح فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن ~~الإنسان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل ~~أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم: هو عرض. وقال قوم: هو جسم لطيف يحيا به ~~الإنسان. وقيل: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم ms2296 والعلو والبقاء، ~~ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات إذا خرج ~~منه ذهب الكل. وأقاويل الحكماء والصوفية في ماهية الروح كثيرة، وليس هذا ~~موضع استقصائها وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل ~~السنة قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا ~~نبيا مرسلا بدليل قوله: قل الروح من أمر ربي أي من علم ربي الذي استؤثر به ~~وما أوتيتم من العلم من علم ربي إلا قليلا أي في جنب علم الله عز وجل ~~الخطاب عام. وقيل: هو خطاب لليهود فإنهم كانوا يقولون: أوتينا التوراة ~~وفيها العلم الكثير، فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. وقيل ~~إن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة فوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، ~~وبالكثرة مضافا إلى ما تحته وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم معنى ~~الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك الإخبار به كان علما لنبوته. والقول الأصح ~~هو أن الله عز وجل استأثر بعلم الروح. قوله عز وجل ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك ومعناه أنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك، إن شئنا ذهبنا ~~بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت ما ~~تدري ما الكتاب ثم لا تجد لك به علينا وكيلا معناه لا تجد بعد الذهاب به من ~~يتوكل علينا باسترداده عليك، وإعادته محفوظا مستورا إلا رحمة من ربك معناه ~~إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، وقيل هو على الاستثناء المنقطع. معناه لكن ~~رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن ~~محفوظا، فإن قلت كيف يذهب بالقرآن وهو كلام الله عز وجل؟ قلت: المراد منه ~~محو ما في المصاحف # وإذهاب ما في الصدور وقال عبد الله بن مسعود: «اقرءوا القرآن قبل أن يرفع ~~فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع» قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور ~~الناس ms2297 قال: # يسرى عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا، ولا يجدون ~~مما في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ~~«لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل. له # PageV03P145 # دوي حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب: ما لك؟ فيقول: يا رب أتلى ولا ~~يعمل بي» إن فضله كان عليك كبيرا أي بسبب بقاء العلم والقرآن عليك وجعلك ~~سيد ولد آدم، وختم النبيين بك وإعطائك المقام المحمود. # قوله سبحانه وتعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله أي لا يقدرون على ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا أي ~~عونا. نزلت حين قال المشركون: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله عز وجل، ~~فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى ~~طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه كلام الخالق وهو غير مخلوق ولو كان ~~مخلوقا لأتوا بمثله قوله عز وجل: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 89 الى 93] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ~~ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا (93) # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل أي رددنا وكررنا من كل معنى هو ~~كالمثل في غرابته وحسنه. وقيل: معناه من كل وجه من العبر والأحكام والوعد ~~والوعيد والقصص وغيرها فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي جحودا. قوله سبحانه ~~وتعالى وقالوا لن نؤمن لك أي لن نصدقك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا لما ~~تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه معجزات أخر وبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا ~~أخذوا يتغالون باقتراح ms2298 الآيات، فقالوا: لن نؤمن لك. روى عكرمة عن ابن عباس ~~أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري ~~بن هشام والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا ~~جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل، ونبيها ~~ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم ~~لبعض: ابعثوا إلي محمدا فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن ~~أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصا يحب رشدهم حتى جلس ~~إليهم فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا ~~من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، ~~وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته ~~فيما بيننا وبينك فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من ~~أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا وإن كنت ~~تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئي تراه قد غلب عليك لا ~~تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه ونعذر فيك وكانوا ~~يسمون التابع من الجن الرئي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما ~~تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم، ولا للشرف عليكم ولا للملك ~~عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم ~~بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم ~~فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد ~~أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال ~~التي قد ms2299 ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويفجر لنا فيها الأنهار كأنهار الشام ~~والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان ~~شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك صدقناك. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه ~~فهو حظكم وإن تردوه أصبر لأمر الله تعالى. قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل لنا ~~ربك أن يبعث ملكا يصدقك، وسله أن يجعل لك # PageV03P146 # جنات وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يعينك بها على ما تريد، فإنك تقوم ~~بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني ~~بشيرا ونذيرا. قالوا: فأسقط السماء كما زعمت إن ربك إن شاء فعل. # فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم. وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى ~~تأتينا بالله والملائكة قبيلا فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقام معه عبد الله بن أبي أمية، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ~~فقال يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم ~~أمورا يعرفون بها منزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به ~~من العذاب، فلم تفعل فو الله ما أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء مرقى ~~ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها فتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة ~~يشهدون لك بما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك. فانصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا من مباعدتهم فأنزل الله تعالى: ~~وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض يعني أرض مكة ينبوعا أي عيونا أو ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب أي بستان فيه نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا أي تشقيقا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا أو تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا قال ابن عباس: كفيلا أي يكفلون بما تقول. ms2300 وقيل هو ~~جمع القبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، يشهدون لك بصحة ما تقول. ~~وقيل: معناه تراهم مقابلة عيانا أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب وأصله ~~الزينة أو ترقى أي تصعد في السماء ولن نؤمن لرقيك أي لأجل رقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه أمرنا فيه باتباعك وهذا قول عبد الله بن أبي أمية قل أي ~~قل يا محمد سبحان ربي أمره بتنزيهه وتمجيده وفيه معنى التعجب هل كنت إلا ~~بشرا رسولا أي كسائر الرسل لأممهم وكان الرسل لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره ~~الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليهم إنما هو إلى الله تعالى، ولو ~~أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما اقترحه البشر وما ~~أنا إلا بشر، وليس ما سألتم في طوق البشر واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد ~~أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله، ~~مثل القرآن وانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وما أشبهها من الآيات، ~~وليست بدون ما اقترحوه بل هي أعظم مما اقترحوه والقوم عامتهم كانوا ~~متعنتين، ولم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فرد الله تعالى عليهم سؤالهم ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 94 الى 97] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا (97) # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى أي الوحي. والمعنى: وما منعهم ~~الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم ~~هي إنكارهم أن يرسل الله البشر وهو قوله تعالى إلا أن قالوا أي جهلا منهم ~~أبعث ms2301 الله بشرا رسولا وذلك أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر ~~وهلا بعث الله إلينا ملكا فأجابهم الله بقوله: قل لو كان في الأرض ملائكة ~~يمشون مطمئنين أي مستوطنين مقيمين فيها لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ~~أي من جنسهم لأن الجنس إلى الجنس أميل قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم أي ~~على أني رسوله إليكم وأني قد بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم ~~إنه كان بعباده يعني المنذرين والمنذرين خبيرا بصيرا أي عالما بأحوالهم، ~~فهو مجازيهم وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار ومن يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي يهدونهم وفيه أيضا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو # PageV03P147 # أن الذين حكم لهم بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم ~~حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم (ق) «عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله قال الله الذين يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم أيحشر الكافر على وجهه قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم ~~أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم ~~القيامة؟ قال قتادة حين بلغه بلى وعزة ربنا» وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة، ~~وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم. قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم ~~قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم ~~يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» أخرجه الترمذي الحدب كل ما ارتفع من الأرض عميا ~~وبكما وصما أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون. فإن قلت: كيف وصفهم بأنهم ~~عمي وبكم وصم وقد قال الله تعالى ورأى المجرمون النار وقال دعوا هنالك ~~ثبورا وقال سمعوا لها تغيظا وزفيرا فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع. قلت ~~فيه أوجه: أحدها قال ابن عباس معناه عميا لا يبصرون ms2302 ما يسرهم بكما لا ~~ينطقون بحجة صما لا يسمعون ما يسرهم. الوجه الثاني: قيل: معناه يحشرون على ~~ما وصفهم الله وتعالى: ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل معناه ~~هذا حين يقال لهم اخسئوا فيها، ولا تكلمون فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما ~~لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون مأواهم جهنم كلما خبت أي سكن لهيبها. وقيل: ~~ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلام الكفار، لأن الله سبحانه وتعالى ~~قال: لا يفتر عنهم وقيل معناه أرادت أن تخبو زدناهم سعيرا أي وقودا وقيل ~~معناه خبت أي نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه، وزيد في سعير ~~النار لتحرقهم. # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 98 الى 101] # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) ~~قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا لما ذكر الوعيد المتقدم قال: ذلك جزاؤهم ~~بما كفروا يعني ذلك العذاب جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا وقالوا أإذا كنا ~~عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا أجابهم الله ورد عليهم بقوله أولم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض أي في عظمها وشدتها قادر على أن ~~يخلق مثلهم أي في صغرهم وضعفهم وجعل لهم أجلا أي وقتا لعذابهم لا ريب فيه ~~أي لا شك فيه أنه يأتيهم قبل الموت، وقيل يوم القيامة فأبى الظالمون إلا ~~كفورا أي جحودا وعنادا قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي أي خزائن نعمه ~~ورزقه وقيل: إن خزائن الله غير متناهية. والمعنى: لو أنكم ملكتم من النعم ~~خزائن لا نهاية لها إذا لأمسكتم أي لبخلتم وحبستم خشية الإنفاق والفقر ~~والنفاد وهذا مبالغة عظيمة في ms2303 وصفهم بهذا الشيء وكان الإنسان قتورا أي ~~ممسكا بخيلا. فان قلت: قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم، فكيف وصفه ~~بالبخل؟ قلت: الأصل في الإنسان البخل، لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن ~~يحب ما يدفع به عنه ضرر الحاجة، ويمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود لأسباب خارجة ~~مثل أن يحب المدحة أو رجاء ثواب، فثبت بها أن الأصل في الإنسان البخل. قوله ~~تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات أي دلالات واضحات. قال ابن عباس: هي ~~العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه، فحلها وفلق البحر والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم وقيل عوض فلق البحر، واليد والسنون ونقص من ~~الثمرات وقيل: الطمس والبحر بدل السنين # PageV03P148 # والنقص. قيل كان الرجل منهم مع أهله في الفراش وقد صارا حجرين والمرأة ~~قائمة تخبز، وقد صارت حجرا وقد روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب ~~القرظي عن الآيات فذكر منها الطمس فقال عمر: هذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال ~~يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه. فإذا فيه بيض مكسر نصفين، وجوز مكسر نصفين ~~وثوم وحمص وعدس كلها حجارة. وقيل: التسع آيات هي آيات الكتاب وهي الأحكام ~~يدل عليه ما روي عن صفوان بن غسان أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا ~~النبي فقال الآخر: لا تقل نبي. فإنه لو سمع صارت له أربعة أعين، فأتياه ~~فسألاه عن هذه الآية. ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال: لا تشركوا ~~بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا ~~الربا، ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا ~~تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في ~~السبت فقبلا يده وقالا: نشهد إنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني قالا إن ~~داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إنا اتبعناك أن تقتلنا ~~اليهود فسئل يا محمد بني إسرائيل يجوز الخطاب معه والمراد ms2304 غيره ويجوز أن ~~يكون خاطبه وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم إذ جاءهم يعني جاء موسى ~~إلى فرعون بالرسالة من عند الله عز وجل فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى ~~مسحورا قال ابن عباس: مخدوعا وقيل: مطبوبا أي سحروك وقيل معناه ساحرا معطى ~~علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك. # ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 102 الى 104] # قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ~~(103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا ~~بكم لفيفا (104) # قال موسى لقد علمت خطابا لفرعون. قال ابن عباس: علمه فرعون ولكنه عانده ~~ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض يعني الآيات التسع بصائر أي بينات ~~يبصر بها وإني لأظنك يا فرعون مثبورا قال ابن عباس: ملعونا. وقيل: هالكا. ~~وقيل: مصروفا عن الخير فأراد أن يستفزهم من الأرض معناه أراد فرعون أن يخرج ~~موسى وبني إسرائيل من أرض مصر فأغرقناه ومن معه جميعا أي أغرقنا فرعون ~~وجنوده ونجينا موسى وقومه وقلنا من بعده أي من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض يعني أرض مصر والشام فإذا جاء وعد الآخرة يعني القيامة جئنا ~~بكم لفيفا أي جميعا إلى موقف القيامة، واللفيف: الجمع الكثير إذا كانوا ~~مختلفين من كل نوع فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر وقيل: أراد بوعد ~~الآخرة نزول عيسى من السماء قوله سبحانه وتعالى: ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 105 الى 109] # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~(107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل يعني أنا ما أردنا بإنزال القرآن إلا تقريره ~~للحق فلما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع وحصل. وقيل: معناه وما أنزلنا ms2305 القرآن ~~إلا بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بالحق لاشتماله على الهداية ~~إلى كل خير وما أرسلناك إلا مبشرا يعني بالجنة للمطيعين ونذيرا أي مخوفا ~~بالنار للعاصين. قوله عز وجل وقرآنا فرقناه أي فصلناه وبيناه وقيل فرقنا به ~~بين الحق والباطل، وقيل: معناه أنزلنا نجوما لم ينزل مرة واحدة بدليل قوله ~~تعالى لتقرأه على الناس على مكث أي على تؤدة وترسل في ثلاث # PageV03P149 # وعشرين سنة ونزلناه تنزيلا أي على حسب الحوادث قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ~~فيه وعيد وتهديد إن الذين أوتوا العلم من قبله قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب ~~الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا ~~بعد مبعثه مثل زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم إذا يتلى ~~عليهم يعني القرآن يخرون للأذقان قال ابن عباس: أراد بها الوجوه سجدا أي ~~يقعون على الوجوه سجدا ويقولون سبحان ربنا أي تعظيما لربنا لإنجازه ما وعد ~~في الكتب المنزلة، من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا أي كائنا واقعا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا أي خضوعا لربهم ~~وقيل يزيدهم القرآن لين قلب، ورطوبة عين فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن. ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النار رجل ~~بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا اجتمع على عبدي غبار في ~~سبيل الله ودخان جهنم» أخرجه الترمذي والنسائي. # وزاد النسائي «في منخري مسلم أبدا» الولوج الدخول والمنخر الأنف عن ابن ~~عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «عينان لا تمسهما النار ~~عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله» أخرجه الترمذي قوله عز ~~وجل: ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 110 الى 111] # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن ms2306 له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ~~(111) # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: # يا الله يا رحمن فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين ~~فأنزل الله هذه الآية ومعناه أنهما اسمان لله تعالى فسموه بهذا الاسم أو ~~بهذا الاسم أيا ما تدعوا ما صلة ومعناه أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم، أو ~~من جميع أسمائه فله الأسماء الحسنى يعني إذا حسنت أسماؤه كلها فهذان ~~الاسمان منها ومعنى كونها حسنى أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم ~~والتمجيد ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها (ق) عن ابن عباس في قوله: ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة ~~وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن ~~أنزله ومن جاء به فقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا ~~تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن ~~أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلا زاد في رواية وابتغ بين ذلك سبيلا ~~أسمعهم، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن وقيل نزلت الآية في الدعاء وهو قول ~~عائشة والنخعي ومجاهد ومكحول. (ق) عن عائشة «ولا تجهور بصلاتك ولا تخافت ~~بها» قالت: نزل ذلك في الدعاء. وقيل: كان أعراب من بني تميم إذا سلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولدا يجهرون بذلك فأنزل ~~الله عز وجل «ولا تجهر بصلاتك أي لا ترفع صوتك بقراءتك ودعائك ولا تخافت ~~بها» المخافتة خفض الصوت، والسكوت وابتغ أي اطلب بين ذلك سبيلا أي طريقا ~~وسطا بين الجهر والإخفاء. عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي بكر: «مررت بك وأنت تقرأ القرآن وأنت تخفض من صوتك فقال إني أسمعت من ~~ناجيت فقال ارفع قليلا وقال لعمر مررت بك، وأنت ms2307 تقرأ وأنت ترفع من صوتك ~~فقال إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال: اخفض قليلا» أخرجه الترمذي وقل ~~الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده ~~على وحدانيته. وقيل: معناه الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا وقيل إن ~~كل من له ولد فهو يمسك جميع النعم لولده وإذا لم يكن له ولد أفاض نعمه على ~~عبيده. وقيل: إن الولد يقوم مقام والده بعد انقضائه والله عز وجل يتعالى عن ~~جميع النقائص فهو المستحق لجميع المحامد ولم يكن له شريك في الملك # PageV03P150 # والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك، لم يكن مستحقا للحمد ~~والشكر وكذا قوله ولم يكن له ولي من الذل ومعناه أنه لم يذل فيحتاج إلى ~~ناصر يتعزز به وكبره تكبيرا أي وعظمه عن أن يكون له ولد أو شريك أو ولي. ~~وقيل: إذا كان منزها عن الولد والشريك والولي كان مستوجبا لجميع أنواع ~~المحامد. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يدعى ~~إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء والضراء» عن عبد الله ~~بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رأس الشكر ما شكر ~~الله عبد لا يحمده» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله» أخرجه الترمذي. ~~وقال حديث حسن غريب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أحب الكلام إلى الله أربع لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد ~~لله لا يضرك بأيهن بدأت» أخرجه مسلم. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P151 ### | سورة الكهف # وهي مكية وآياتها مائة وإحدى عشرة آية، وكلماتها ألف وخمسمائة وسبع ~~وسبعون كلمة وحروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الكهف (18): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ms2308 ولم يجعل له عوجا (1) # قوله عز وجل: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب أثنى الله سبحانه ~~وتعالى على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه على ~~أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على ~~العموم ولم يجعل له عوجا أي لم يجعل له شيئا من العوج قط والعوج في ~~المعاني، كالعوج في الأعيان والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وقيل ~~معناه لم يجعله مخلوقا روي عن ابن عباس في قوله تعالى: «قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج» قال غير مخلوق. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 2 الى 10] # قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~(4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) # قيما أي مستقيما وقال ابن عباس: عدلا، وقيل قيما على الكتب كلها مصدقا ~~لها وناسخا لشرائعها لينذر بأسا شديدا معناه لينذر الذين كفروا بأسا شديدا ~~وهو قوله سبحانه وتعالى بعذاب بئيس من لدنه أي من عنده ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا يعني الجنة ماكثين فيه أي مقيمين ~~فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم أي بالولد ~~وباتخاذه يعني أن قولهم لم يصدر عن علم بل عن جهل مفرط. فإن قلت اتخاذ الله ~~ولدا في نفسه ms2309 محال فكيف قيل ما لهم به من علم. قلت انتفاء العلم يكون للجهل ~~بالطريق الموصل إليه وقد يكون في نفسه محالا لا يستقيم تعلق العلم به ولا ~~لآبائهم أي ولا لأسلافهم من قبل كبرت أي عظمت كلمة تخرج من أفواههم أي هذا ~~الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم # PageV03P152 # وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان فكأنه يجري على لسانهم على ~~سبيل التقليد إن يقولون إلا كذبا أي ما يقولون إلا كذبا قيل حقيقة الكذب ~~أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر قولهم عنه وزاد بعضهم مع علم قائله أنه غير ~~مطابق وهذا القيل باطل لأن الله سبحانه وتعالى وصف قولهم بإثبات الولد ~~بكونه كذبا مع أن الكثير منهم يقولون ذلك ولا يعلمون كونه باطلا فعلمنا أن ~~كل خبر لا تطابق الخبر عنه فهو كذب والكذب خلاف الصدق، وقيل: هو الانصراف ~~عن الحق إلى الباطل ورجل كذاب وكذوب إذا كان كثير الكذب. قوله عز وجل فلعلك ~~باخع نفسك أي قاتل نفسك على آثارهم أي من بعدهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~يعني القرآن أسفا أي حزنا وقيل غيظا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها أي ~~مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، وقيل ~~يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل أراد به الرجال خاصة فهم زينة الأرض، ~~وقيل أراد به العلماء والصلحاء وقيل جميع ما في الأرض هو زينة لها. فإن قلت ~~أي زينة في الحيات والعقارب والشياطين. قلت زينتها كونها تدل على وحدانية ~~الله تعالى وكمال قدرته، وقيل إن جميع ما في الأرض ثلاثة معدن ونبات وحيوان ~~وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل الأولى أن لا يدخل في هذه الزينة المكلف، ~~بدليل قوله تعالى: لنبلوهم فمن يبلو يجب أن لا يدخل في ذلك ومعنى لنبلوهم ~~نختبرهم أيهم أحسن عملا أي أصلح عملا وقيل أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها. ~~وإنا لجاعلون ما عليها أي من الزينة، صعيدا جرزا يعني مثل أرض لا نبات فيها ~~بعد أن كانت خضراء ms2310 معشبة والصعيد وجه الأرض وقيل هو التراب والجرز الأملس ~~اليابس الذي لا ينبت فيه شيء، قوله سبحانه وتعالى أم حسبت أي أظننت يا محمد ~~أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي هم عجب من آياتنا وقيل ~~معناه أنهم ليسوا بأعجب آياتنا، فإن خلقنا من السموات والأرض وما فيهم من ~~العجائب أعجب منهم والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم هو لوح كتب فيه ~~أسماء أصحاب الكهف وقصتهم ثم وضع على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من ~~حجارة، وعن ابن عباس أن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقال كعب ~~الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف وقيل اسم للجبل الذي فيه ~~أصحاب الكهف ثم ذكر الله عز وجل قصة أصحاب الكهف فقال عز وجل من قائل إذ ~~أوى الفتية إلى الكهف أي صاروا إليه، وجعلوه مأواهم، والفتية جمع فتى وهو ~~الطري من الشباب فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة أي رحمة من خزائن رحمتك ~~وجلائل فضلك وإحسانك وهب لنا الهداية والنصر والأمن من الأعداء وهيئ لنا أي ~~أصلح لنا من أمرنا رشدا أي حتى نكون بسببه راشدين مهديين وقيل معناه واجعل ~~أمرنا رشدا كله. # ذكر قصة الكهف وسبب خروجهم إليه: # قال محمد بن إسحاق ومحمد بن يسار مرج أمر أهل الإنجيل، وعظمت فيهم ~~الخطايا وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على ~~دين المسيح متمسكون بعبادة الله وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من ~~الروم يقال له دقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل ~~قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام ~~أو يقتله. فلما نزل مدينة أصحاب الكهف واسمها أفسوس استخفى منه أهل الإيمان ~~وهربوا في كل وجه فاتخذ شرطا من الكفار وأمرهم أن يتبعوهم بين القتل وبين ~~عبادة الأصنام، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله ~~فيقتل، فلما رأى ذلك أهل الشدة في ms2311 الإيمان جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب ~~والقتل فيقتلون ويقطعون ويجعل ما قطع من أجسادهم على أسوار المدينة ~~وأبوابها فلما عظمت الفتنة وكثرت ورأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا ~~واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من أشراف الروم ~~وهم ثمانية نفر وبكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل وجعلوا يقولون: «ربنا رب ~~السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا» اكشف عن عبادك # PageV03P153 # المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على ~~ذلك وقد دخلوا مصلاهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجودا يبكون ويتضرعون إلى الله ~~عز وجل فقال لهم الشرط ما خلفكم عن أمر الملك، ثم انطلقوا إلى الملك ~~فأخبروه خبر الفتية فبعث إليهم فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة، ~~وجوههم بالتراب فقال لهم ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في ~~الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة أهل مدينتكم اختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما ~~أن أقتلكم، فقال مكسلينا وهو أكبرهم: إن لنا إلها ملء السموات والأرض عظمته ~~لن ندعوا من دونه إلها أبدا له الحمد والتكبير من أنفسنا خالصا أبدا، إياه ~~نعبد وإياه نسأل النجاة والخير فأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا اصنع بنا ما ~~بدا لك. وقال أصحابه مثل ذلك فلما سمع الملك كلامهم أمر بنزع ثيابهم وحلية ~~كانت عليهم من الذهب والفضة وقال سأفرغ لكم وأنجز لكم ما أوعدتكم من ~~العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبانا حديثة أسنانكم فلا ~~أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه فترجعون إلى عقولكم. ثم أمر ~~بهم فأخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس إلى مدينة أخرى قريبة منه لبعض أموره ~~فلما رأى الفتية خروجه بادروا وخافوا إذا قدم أن يذكرهم، فأتمروا بينهم ~~واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا ~~بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ينجلوس «1»، ~~فيمكثوا فيه ويعبدوا الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فيصنع بهم ما ms2312 يشاء فلما ~~اتفقوا على ذلك عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها ~~وانطلقوا بما بقي معهم، وأتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف فمكثوا ~~فيه. # وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارا فقال ~~لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا مني أنا أحب أحباب الله عز وجل فناموا ~~حتى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براع معه ~~كلب فتبعهم على دينهم وتبعهم الكلب فخرجوا من البلد إلى الكهف. قال ابن ~~عباس: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد ابتغاء ~~لوجه الله عز وجل وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم اسمه تمليخا فكان يبتاع لهم ~~أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أجملهم وأجلدهم وكان إذا دخل المدينة لبس ~~ثيابا رثة كثياب المسلمين ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم ~~طعاما وشرابا، ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه ~~فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا. ثم قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء ~~أهلها أن يذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا بالمدينة ~~يشتري لأصحابه طعامهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل فأخبرهم أن ~~الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ~~ووقعوا سجودا يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة فقال لهم ~~تمليخا: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم وأطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رؤوسهم ~~وأعينهم تفيض من الدمع وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويذكر بعضهم ~~بعضا فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم في الكهف، وكلبهم ~~باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند ~~رؤوسهم فلما كان من الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض ~~عظماء المدينة لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد ظنوا أن بي غضبا ~~عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا ms2313 ~~آلهتي فقال عظماء المدينة ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، قد ~~كنت أجلت لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا، فلما ~~قالوا ذلك غضب غضبا شديدا ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فقال: أخبروني عن ~~أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا: أما نحن لم نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة ~~إنهم ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا إلى جبل يدعى ~~ينجلوس فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يصنع PageV03P154 # بالفتية فألقى الله سبحانه وتعالى في نفسه أن يأمر بسد باب الكهف عليهم ~~وأراد الله عز وجل أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم، وأن ~~يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. # فأمر دقيانوس بالكهف فسد عليهم وقال دعوهم كما هم في كهفهم يموتون جوعا ~~وعطشا ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما ~~يصنع بهم وقد توفى الله عز وجل أرواحهم وفاة نوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب ~~الكهف قد غشيه ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين ~~مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما، اسم أحدهما بيدروس واسم ~~الآخر روناس اهتما أن يكتبا شأن هؤلاء الفتية، وأسماءهم وأنسابهم وأخبارهم ~~في لوحين من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان، ~~وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة ~~فيعلم من فتح عليهم خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه وبقي ~~دقيانوس ما بقي ثم مات هو وقومه، وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك ~~وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب فخرجوا ~~في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها وكان ~~معهم كلب صيد لهم، وكان أحدهم وزير الملك فقذف الله سبحانه وتعالى الإيمان ~~في قلوبهم فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه وقال في نفسه أخرج من ms2314 بين أظهر ~~هؤلاء القوم لئلا يصيبني عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة ~~فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره وجلس إليه ~~من غير أن يظهره على أمره ثم خرج آخر فخرجوا جميعا فاجتمعوا فقال بعضهم ~~لبعض ما جمعكم وكل واحد يكتم إيمانه من صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا ~~ليخرج كل فتيين فيخلوا ويفشي كل واحد سره إلى صاحبه ففعلوا ذلك فإذا هم ~~جميعا على الإيمان وإذا الكهف في جبل عظيم قريب منهم فقال بعضهم لبعض فأووا ~~إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته. فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيد فناموا ~~ثلاثمائة سنين وازداد تسعا، وفقدهم قومهم وطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم ~~وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا ~~فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان ابن فلان الملك ووضعوا اللوح ~~في خزانة الملك وقالوا ليكون لهؤلاء شأن ومات ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن. ~~قال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له بيدروس فلما ~~ملك بقي ملكه ثماني وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزابا منهم من ~~يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك ~~الصالح وتضرع إلى الله وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون ~~على أهل الحق ويقولون لا حياة إلا الحياة الدنيا وإنما تبعث الأرواح دون ~~الأجساد. وجعل بيدروس الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيرا وأنهم أئمة في الخلق ~~فلم يقبلوا منه وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة ~~الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلق بابه عليه، ولبس مسحا ~~وجعل تحته رمادا فجلس عليه فدأب ليله ونهاره يتضرع إلى الله تعالى ويبكي ~~ويقول رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم بطلان ما هم عليه. ثم ~~إن الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة عباده ms2315 أراد أن يظهر ~~على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا ~~أن الساعة آتية فيها، ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه وأن ~~يجمع من كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله سبحانه وتعالى في نفس رجل من أهل ~~ذلك البلد الذي فيه ذلك الكهف وكان اسمه أولياس أن يهدم ذلك البنيان الذي ~~على فم الكهف ويبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر غلامين فجعلا ينزعان تلك ~~الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما كان على باب الكهف، وفتحا باب ~~الكهف وحجبهم الله تعالى عن الناس بالرعب فلما فتح باب الكهف أذن الله ~~سبحانه وتعالى ذو القدرة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني ~~الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض كأنما ~~استيقظوا من ساعتهم التي كانوا # PageV03P155 # يستيقظون منها إذا أصبحوا من ليلتهم. ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كما ~~كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم # ولا ألوانهم شيء ينكرونه وأنهم كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن دقيانوس في ~~طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: أنبئنا بما قال الناس ~~في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار، وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ما كانوا ~~يرقدون وقد خيل إليهم أنهم كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض ~~كم لبثتم نياما قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ~~وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم تمليخا: قد التمستم في المدينة وهو يريد ~~أن يؤتى بكم اليوم فتذبحوا للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل ~~فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد ~~إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما ~~يقال لنا بها وما الذي يذكر فينا عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحدا، ~~وابتع لنا طعاما فأتنا به وزدنا على الطعام الذي جئتنا به فقد أصبحنا ~~جياعا، ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي ms2316 كان يتنكر ~~فيها وأخذ ورقا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس وكانت ~~كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجا فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة ~~عن باب الكهف فعجب منها ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا ~~يصد عن الطريق تخوفا أن يراه أحد من أهلها فيعرفه، ولا يشعر أن دقيانوس ~~وأهله هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما أتى تمليخا باب المدينة رفع بصره ~~فرأى فوق ظهر الباب علامة كانت لأهل الإيمان. إذ كان أمر الإيمان ظاهرا ~~فيهما فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها يمينا وشمالا ثم ترك ذلك الباب ومضى ~~إلى باب آخر فرأى مثل ذلك فخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى ~~أشخاصا كثيرة محدثين لم يكن رآهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه ~~حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول يا ~~ليت شعري ما هذا أما عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة في هذه ~~المدينة ويستخفون بها واليوم ظاهرة لعلي نائم حالم ثم يرى أنه ليس بنائم ~~فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي في أسواقها فسمع ناسا ~~يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده ذلك تعجبا ورأى أنه حيران فقام مسندا ~~ظهره إلى جدار من جدران المدينة وهو يقول في نفسه والله ما أدري ما هذا أما ~~عشية أمس فليس كان على الأرض من يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل وأما اليوم ~~فأسمع كل إنسان يذكر عيسى ابن مريم لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست ~~بالمدينة التي أعرف والله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي ~~فتى فقال له ما اسم هذه المدينة يا فتى فقال اسمها أفسوس، فقال في نفسه لعل ~~بي مسا أو أمرا أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج قبل أن يصيبني فيها ~~شر فأهلك. فمضى إلى الذين يبتاعون الطعام فأخرج لهم الورق التي كانت معه ~~وأعطاها ms2317 رجلا منهم وقال له بعني بهذه الورق طعاما، فأخذها الرجل ونظر إلى ~~ضرب الورق ونقشها فعجب منها فناولها رجلا آخر من أصحابه فنظر ثم جعلوا ~~يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها ويتشاورون بينهم، ويقول ~~بعضهم لبعض: إن هذا أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان طويل فلما رآهم ~~تمليخا يتحدثون فيه فرق فرقا شديدا وخاف وجعل يرعد ويظن أنهم قد فطنوا به ~~وعرفوه وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس ~~يأتونه ويتعرفونه فلا يعرفونه فقال لهم وهو شديد الخوف منهم: أفضلوا علي قد ~~أخذتم ورقي فأمسكوها وأما طعامك فلا حاجة لي به، فقالوا له يا فتى من أنت ~~وما شأنك والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا ~~انطلق معنا وأرناه وشاركنا فيه نخفف عليك ما وجدت، وإنك إن لم تفعل نحملك ~~إلى السلطان فنسلمك إليه فيقتلك فلما سمع قولهم قال والله قد وقعت في كل ~~شيء كنت أحذر منه، فقالوا له يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت ~~وجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وخاف حتى لم يجر على لسانه إليهم شيء، ~~فلما رأوه لا يتكلم # أخذوا كساءه فطرحوه في عنقه وجعلوا يسحبونه في سكك المدينة حتى سمع به من ~~فيها، وقيل قد أخذ رجل معه كنز فاجتمع عليه أهل المدينة وجعلوا # PageV03P156 # ينظرون إليه ويقولون والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه ~~فيها قط وما نعرفه، وجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم، وكان متيقنا أن أباه ~~وإخوته بالمدينة وأنه من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به فبينما هو ~~قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه ~~وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها، اللذين يدبران أمرها وهما رجلان ~~صالحان اسم أحدهما أريوس واسم الآخر طنطيوس، فلما انطلقوا به إليهما ظن ~~تمليخا أنه إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وهو ~~يبكي والناس يسخرون منه ms2318 كما يسخرون من المجنون ثم رفع رأسه إلى السماء ~~وقال: اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ علي اليوم صبرا وأولج معي روحا منك ~~تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل يقول في نفسه فرقوا بيني وبين إخوتي يا ~~ليتهم يعلمون ما لقيت ويا ليتهم يأتونني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار ~~فإنا قد كنا تواثقنا على الإيمان بالله وأن لا نشرك به أحدا أبدا ولا نفترق ~~في حياة ولا موت فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وطنطيوس ورأى أنه ~~لم يذهب إلى دقيانوس، أفاق وذهب عنه البكاء وأخذ أريوس وطنطيوس الورقة ~~ونظرا إليها وعجبا منها وقال أين الكنز الذي وجدت يا فتى فقال تمليخا: ما ~~وجدت كنزا ولكن هذا ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ~~ما شأني وما أقول لكم فقال له أحدهما: ممن أنت فقال تمليخا أما أنا فكنت ~~أرى أني من أهل هذه المدينة فقيل له: ومن أبوك ومن يعرفك بها فأخبرهم باسم ~~أبيه، فلم يوجد من يعرفه ولا أباه فقال له أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحق ~~فلم يدر تمليخا ما يقول غير أنه نكث بصره إلى الأرض فقال بعض من حوله هذا ~~رجل مجنون، وقال بعضهم ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم، ~~فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا أتظن إنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال ~~أبيك ونقش هذه المدينة وضربها ولهذه الورقة أكثر من ثلاث مائة سنة وأنت ~~غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ شمط وحولك سراة هذه المدينة ~~وولاة أمرها وخزائن هذه المدينة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا ~~دينار، وإنني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا ~~الكنز الذي وجدته. فقال لهم تمليخا: أخبروني عما أسألكم عنه فإن أنتم فعلتم ~~صدقتكم عما عندي، فقالوا له سل لا نكتمك شيئا، قال: فما فعل الملك دقيانوس ~~فقال: ما نعرف على وجه الأرض من اسمه دقيانوس ولم يكن إلا ملك هلك ms2319 في ~~الزمان الأول وله دهر طويل وهلك بعده قرون كثيرة، فقال تمليخا: إني إذا ~~لحيران وما يصدقني أحد من الناس فيما أقول لقد كنا فتية على دين الواحد وأن ~~الملك أكرهنا على عبادة الأصنام والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس، ~~فأتينا إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس فنمنا فيه فلما انتهينا خرجت لأشتري ~~لأصحابي طعاما وأتجسس الأخبار فإذا أنا معكم كما ترون فانطلقوا معي إلى ~~الكهف أريكم أصحابي، فلما سمع أريوس قول تمليخا قال يا قوم لعل هذه آية من ~~آيات الله جعلها الله عز وجل لكم على يد هذا الفتى فانطلقوا بنا معه حتى ~~يرينا أصحابه. فانطلق أريوس وطنطيوس ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم ~~وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم فلما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا ~~قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي فيه ظنوا أنه أخذ ~~وذهب به إلى ملكهم دقيانوس فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات ~~وجلبة الخيل مصعدة فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث بهم إليهم ليؤتى بهم ~~فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا وقالوا انطلقوا بنا ~~نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ينتظرنا حتى نأتيه. فبينما ~~هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذ هم بأريوس وأصحابه وقوفا على # باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه ثم سألوه ~~عن خبره فقص عليهم الخبر كله، فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمن ~~الطويل وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث وليعلموا أن الساعة ~~لا ريب فيها. ثم دخل على أثر تمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما ~~بخاتم فضة فوقف على الباب ودعا جماعة من عظماء أهل المدينة وأمر بفتح ~~التابوت بحضرتهم # PageV03P157 # فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ~~ومرطونس وكشطونس وبيرونس وديموس وبطيوس وقالوس والكلب اسمه قطمير. كانوا ~~فتية هربوا من ملكهم دقيانوس مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف ~~فلما أخبر ms2320 بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ~~ليعلمه من بعدهم إن عثر بهم فلما قرءوه عجبوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى ~~الذي أراهم آية تدلهم على البعث ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم ~~دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر ~~أريوس وأصحابه سجدا لله وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية من آياته ~~ثم كلم بعضهم بعضا وأخبرهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس ثم أريوس ~~وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من ~~آيات الله جعلها الله على ملكك للناس آية لتكون لهم نورا وضياء وتصديقا ~~للبعث، وذلك أن فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ ثلاث مائة سنة وأكثر، ~~فلما أتى الملك الخبر رجع عقله إليه وذهب همه وقال: أحمدك اللهم رب السموات ~~والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني ولم تطفئ النور الذي جعلته ~~لآبائي وللعبد الصالح بيدروس الملك ثم أخبر بذلك أهل مدينته فركب وركبوا ~~معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهلها وساروا معه نحو الكهف فلما صعد ~~الجبل ورأى الفتية بيدروس فرح بهم وخر ساجدا على وجهه وقام بيدروس الملك ~~قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه. ~~ثم قال الفتية لبيدروس الملك نستودعك الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ~~حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن. فبينما الملك قائم ~~إذا هم رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أنفسهم، فقام الملك إليهم وجعل ~~ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام ~~أتوه في منامه فقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكنا خلقنا من تراب ~~وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله ~~تعالى منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين ~~خرجوا من عندهم بالرعب، ولم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر ms2321 الملك أن يتخذوا ~~على باب الكهف مسجدا يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة. ~~وقيل إن تمليخا حمل إلى الملك الصالح فقال له الملك من أنت قال أنا رجل من ~~أهل هذه المدينة، وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواما لم ~~يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وإن ~~أسماءهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا باللوح ونظر في أسمائهم فإذا اسمه ~~مكتوب وذكر أسماء الآخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع الملك ركب ومن ~~معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي ~~فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل تمليخا فبشرهم فقبض الله روحه ~~وأرواحهم وأعمى على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فذلك قوله عز وجل ~~إذ أوى الفتية إلى الكهف أي صاروا إلى الكهف واسمه خيرم فقالوا ربنا آتنا ~~من لدنك رحمة أي هداية في الدين وهيئ لنا أي يسر لنا من أمرنا رشدا أي ما ~~نلتمس منه رضاك وما فيه رشدنا، وقال ابن عباس: أي مخرجا من الغار في سلامة. ~~قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 11 الى 17] # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا (12) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا ~~من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا (15) # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ~~ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله ~~من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) # PageV03P158 # فضربنا ms2322 على آذانهم أي ألقينا عليهم النوم، وقيل منعنا نفوذ الأصوات إلى ~~مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه في الكهف سنين عددا أي أنمناهم ~~سنين كثيرة فإن العدد يدل على الكثرة ثم بعثناهم أي من نومهم لنعلم أي علم ~~مشاهدة وذلك أن الله عز وجل لم يزل عالما، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ~~ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا أي الحزبين أي الطائفتين أحصى لما ~~لبثوا أمدا أي أحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما وذلك أن أهل المدينة تنازعوا ~~في مدة لبثهم في الكهف. قوله تعالى نحن نقص عليك نبأهم بالحق أي نقرأ عليك ~~خبر أصحاب الكهف بالحق أي بالصدق إنهم فتية أي شبان آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى أي إيمانا وبصيرة وربطنا على قلوبهم أي شددنا على قلوبهم بالصبر ~~والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم، ومفارقة ما ~~كانوا عليه من خفض العيش وفروا بدينهم إلى الكهف إذ قاموا يعني بين يدي ~~دقيانوس الجبار حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام فقالوا أي الفتية ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها إنما قالوا ذلك لأن قومهم كانوا ~~يعبدون الأصنام لقد قلنا إذا شططا قال ابن عباس: يعني جورا وقيل كذبا يعني ~~إن دعونا غير الله هؤلاء قومنا يعني أهل بلدهم اتخذوا من دونه أي من دون ~~الله آلهة يعني أصناما يعبدونها لولا أي هلا يأتون عليهم أي على عبادة ~~الأصنام بسلطان بين أي بحجة واضحة وفيه تبكيت لأن الإتيان بحجة على عبادة ~~الأصنام محال فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي وزعم أنه له شريكا أو ~~ولدا ثم قال بعضهم لبعض وإذ اعتزلتموهم يعني قومكم وما يعبدون إلا الله ~~وذلك أنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه الأصنام والمعنى وإذا اعتزلتموهم ~~وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادته فأووا إلى الكهف أي ~~الجؤوا إليه ينشر لكم أي يبسط لكم ربكم من رحمته ويهيئ أي يسهل لكم من ~~أمركم مرفقا أي ما يعود ms2323 إليه يسركم ورفقكم. قوله سبحانه وتعالى وترى الشمس ~~إذا طلعت تتزاور أي تميل وتعدل عن كهفهم ذات اليمين أي جانب اليمين وإذا ~~غربت تقرضهم أي تتركهم وتعدل عنهم ذات الشمال وهم في فجوة منه أي متسع من ~~الكهف ذلك من آيات الله أي من عجائب صنعه ودلالات قدرته وذلك أن ما كان في ~~ذلك السمت تصيبهم الشمس ولا تصيبهم اختصاصا لهم بالكرامة، وقيل إن باب ~~الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش فهم في مقنأة أبدا لا تقع الشمس عليهم عند ~~الطلوع ولا عند الغروب ولا عند الاستواء فتؤذيهم بحرها، ولكن اختار الله ~~لهم مضجعا في متسع ينالهم فيه برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار ~~وغمه، وعلى هذا القول يكون معنى قوله ذلك من آيات الله أي إن شأنهم وحديثهم ~~من آيات الله من يهد الله فهو المهتد يعني مثل أصحاب الكهف وفيه ثناء عليهم ~~ومن يضلل أي ومن يضلله الله ولم يرشده فلن تجد له وليا أي معينا مرشدا أي ~~يرشده. قوله سبحانه وتعالى: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 18 الى 20] # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) ~~وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) ~~إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) # PageV03P159 # وتحسبهم خطاب لكل أحد أيقاظا أي منتبهين لأن أعينهم مفتحة وهم رقود أي ~~نيام ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة ~~مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم، قيل كانوا يقلبون في يوم ~~عاشوراء وقيل كانوا لهم في السنة تقلبتان وكلبهم باسط ذراعيه قال ابن عباس: ~~كان كلبا أغر وعنه أنه كان فوق القلطي ودون الكرزي. والقلطي كلب صيني وقيل ms2324 ~~كان أصفر وقيل كان شديد الصفرة يضرب إلى حمرة، وقال ابن عباس: كان اسمه ~~قطمير وقيل ريان وقيل صهبان قيل ليس في الجنة دواب سوى كلب أصحاب الكهف ~~وحمار بلعام بالوصيد أي فناء الكهف، وقيل عتبة الباب وكان الكلب قد بسط ~~ذراعيه وجعل وجهه عليهم، قيل كان ينقلب مع أصحابه فإذا انقلبوا ذات اليمين ~~كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها، وإذا انقلبوا ذات الشمال كسر أذنه ~~اليسرى ورقد عليها لو اطلعت عليهم يا محمد لوليت منهم فرارا وذلك لما ~~ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم ~~الله من رقدتهم ولملئت منهم رعبا أي خوفا من وحشة المكان. وقيل لأن أعينهم ~~مفتحة كالمتيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام وقيل لكثرة شعورهم، وطول ~~أظفارهم ولتقلبهم من غير حس ولا إشعار وقيل إن الله سبحانه وتعالى منعهم ~~بالرعب لئلا يراهم أحد. قال ابن عباس: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا ~~بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف الله عن هؤلاء لنظرنا ~~إليهم، فقال ابن عباس قد منع ذلك من هو خير منك فقيل له لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا. فبعث معاوية ناسا فقال اذهبوا فانظروا، فلما دخلوا الكهف ~~بعث الله عليهم ريحا فأحرقهم. قوله سبحانه وتعالى وكذلك بعثناهم يعني كما ~~أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان بعثناهم من ~~النومة التي تشبه الموت ليتسائلوا بينهم أي ليسأل بعضهم بعضا قال قائل منهم ~~وهو رئيسهم وكبيرهم مكسلمينا كم لبثتم أي في نومكم وذلك، أنهم استنكروا طول ~~نومهم وقيل إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك قالوا لبثنا يوما ثم ~~نظروا فوجدوا الشمس قد بقي منها بقية فقالوا أو بعض يوم فلما نظروا إلى طول ~~شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ~~وقيل إن مكسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما ~~لبثتم فابعثوا أحدكم يعني تمليخا بورقكم هي الفضة مضروبة ms2325 كانت أو غير ~~مضروبة هذه إلى المدينة قيل هي ترسوس وكان اسمها في الزمن الأول قبل ~~الإسلام أفسوس فلينظر أيها أزكى طعاما أي أحل طعاما وقيل أمروه أن يطلب ~~ذبيحة مؤمن، ولا تكون من ذبح من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون ~~إيمانهم، وقيل أطيب طعاما وأجود وقيل أكثر طعاما وأرخصه فليأتكم برزق منه ~~أي قوت وطعام تأكلونه وليتلطف أي وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ~~ستر وكتمان ولا يشعرن أي ولا يعلمن بكم أحدا أي من الناس إنهم إن يظهروا ~~عليكم أي يعلموا بمكانكم يرجموكم قيل معناه يشتموكم ويؤذوكم بالقول وقيل ~~يقتلوكم، وكان من عادتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل يعذبوكم أو ~~يعيدوكم في ملتهم أي الكفر ولن تفلحوا إذا أبدا أي إن عدتم إليه. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 21 الى 25] # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) ~~ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) # PageV03P160 # وكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا الناس عليهم ليعلموا أن وعد الله حق يعني ~~قوم بيدروس الذين أنكروا البعث وأن الساعة لا ريب فيها أي لا شك فيها أنها ~~آتية إذ يتنازعون بينهم أمرهم. قال ابن عباس: # في البنيان فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ~~ديننا وقال المشركون نبني بنيانا لأنهم على ملتنا وقيل كان تنازعهم في ~~البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال قوم تبعث الأرواح فأراهم ~~الله آية وأن البعث ms2326 للأرواح والأجساد وقيل تنازعوا في مدة لبثهم وقيل في ~~عددهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم ~~يعني بيدروس وأصحابه لنتخذن عليهم مسجدا قوله تعالى سيقولون ثلاثة رابعهم ~~روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران كانوا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف عندهم فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة ~~رابعهم كلبهم ويقولون أي وقال العاقب وكان نسطوريا خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون وقال المسلمون سبعة وثامنهم كلبهم فحقق الله قول المسلمين ~~وإنما عرفوا ذلك بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل صلى ~~الله عليه وسلم بعد ما حكى قول النصارى أولا، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى ~~رجما بالغيب أي ظنا وحدسا من غير يقين ولم يقل ذلك في السبعة وتخصيص الشيء ~~بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن هو ~~قول النصارى وأن يكون قول المسلمين مخالفا لقول النصارى في كونه رجما ~~بالغيب وظنا، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم ~~إلا قليل هذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل العوالم والكائنات فيه في الماضي ~~والمستقبل لا يكون إلا لله تعالى أو من أخبره الله سبحانه وتعالى بذلك. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة وهم مكسلمينا «1» ~~وتمليخا ومرطونس وبينونس وسارينوس ودنوانس وكشفيططنونس وهو الراعي واسم ~~كلبهم قطمير فلا تمار فيهم. # أي لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم إلا مراء ظاهرا أي إلا بظاهر ما ~~قصصنا عليك فقف عنده ولا تزد عليه ولا تستفت فيهم أي في أصحاب الكهف منهم ~~أي من أهل الكتاب أحدا أي لا ترجع إلى قول أحد منهم بعد أن أخبرناك قصتهم. ~~قوله سبحانه وتعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله يعني ~~إذا عزمت على فعل شيء غدا فقل إن شاء الله ولا تقله بغير استثناء، وذلك أن ~~أهل مكة سألوا رسول الله ms2327 صلى الله عليه وسلم عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ~~ذي القرنين فقال أخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نزلت ~~هذه الآية وقد تقدمت القصة في سورة بني إسرائيل واذكر ربك إذا نسيت قال ابن ~~عباس: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن وجوز ابن عباس الاستثناء ~~المنقطع، وإن كان بعد سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا ~~قرب الزمان، فإن بعد لم يصح ولم يجوزه جماعة حتى يكون الكلام متصلا ~~بالاستثناء وقيل في معنى الآية واذكر ربك إذا غضبت قال وهب مكتوب في ~~التوراة والإنجيل ابن آدم «اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب»، وقيل الآية في ~~الصلاة يدل عليه ما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~نسي صلاة فليصلها إذ ذكرها» قال تعالى أقم الصلاة لذكري متفق عليه زاد مسلم ~~أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من ~~هذا رشدا أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد، وقيل إن الله سبحانه ~~وتعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يذكره أو يهديه لما هو خير له ~~من أن يذكر ما نسي وقيل إن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه ~~العناد أمره الله سبحانه PageV03P161 # وتعالى أن يخبرهم أن الله سبحانه وتعالى سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ~~ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث آتاه من علم غيب المرسلين ~~وقصصهم مما هو أوضح وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقيل هذا شيء أمره ~~الله أن يقوله مع قوله إن شاء الله إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي ~~الإنسان قوله إن شاء الله فتوبته من ذلك أن يقول مع قوله إن شاء الله عسى ~~أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا. قوله عز وجل ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~سنين وازدادوا تسعا قيل هذا خبر عن قول أهل الكتاب ms2328 ولو كان خبرا من الله عن ~~قدر لبثهم لم يكن لقوله قل الله أعلم بما لبثوا وجه ولكن الله رد قولهم ~~بقوله: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 26 الى 29] # قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا ~~مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ~~ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق ~~من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت ~~مرتفقا (29) # قل الله أعلم بما لبثوا والأصح أنه إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في ~~الكهف ويكون معنى قوله قل الله أعلم بما لبثوا، يعني إن نازعوك في مدة ~~لبثهم في الكهف فقل أنت الله أعلم بما لبثوا أي هو أعلم منكم وقد أخبر بمدة ~~لبثهم وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ~~وهو اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم ~~بذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا ~~يعلمه إلا الله. فإن قلت لم قال سنين ولم يقل سنة، قلت قيل لما نزل قوله ~~سبحانه وتعالى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة فقالوا أياما أو شهورا أو سنين ~~فنزلت سنين على وفق قولهم وقيل هو تفسير لما أجمل في قوله فضربنا على ~~آذانهم في الكهف سنين عددا وازدادوا تسعا وقيل قالت نصارى نجران أما ~~ثلاثمائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها. فنزلت قل الله أعلم بما ~~لبثوا. وقيل إن عند أهل الكتاب لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية والله سبحانه ~~وتعالى ذكر ثلاثمائة سنة وتسع سنين قمرية ms2329 والتفاوت بين القمرية والشمسية في ~~كل مائة سنة ثلاث سنين فتكون الثلاثمائة الشمسية ثلاث مائة وتسع سنين قمرية ~~له غيب السماوات والأرض يعني أنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال ~~أهلها فإنه العالم وحده به فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف أبصر به وأسمع ~~معناه ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه بكل مسموع لا يغيب عن سمعه وبصره شيء ~~يدرك البواطن كما يدرك الظواهر والقريب والبعيد والمحجوب وغيره لا تخفى ~~عليه خافية ما لهم أي ما لأهل السموات والأرض من دونه أي من دون الله من ~~ولي أي ناصر ولا يشرك في حكمه أحدا قيل معناه لا يشرك الله في علم غيبه ~~أحدا وقيل في قضائه. قوله تعالى واتل أي واقرأ يا محمد ما أوحي إليك من ~~كتاب ربك يعني القرآن واتبع ما فيه واعمل به لا مبدل لكلماته أي لا مغير ~~للقرآن ولا يقدر أحد على التطرق إليه بتغيير أو تبديل. فإن قلت موجب هذا أن ~~لا يتطرق النسخ إليه. قلت النسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في ~~وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلا. وقيل معناه ~~لا مغير لما أوعد الله بكلماته أهل معاصيه ولن تجد من دونه أي من دون الله ~~إن لم تتبع القرآن ملتحدا أي ملجأ وحرزا تعدل إليه. قوله عز وجل واصبر نفسك ~~الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يسلم وعنده جماعة من # PageV03P162 # الفقراء ومنهم سلمان وعليه صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه فقال ~~عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر ~~وأشرافها إن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم حتى ~~نتبعك أو اجعل لنا مجلسا فأنزل الله عز وجل واصبر نفسك أي احبس يا محمد ~~نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يعني طرفي النهار يريدون وجهه أي ~~يريدون وجه الله لا يريدون عرض الدنيا، وقيل ms2330 نزلت في أصحاب الصفة وكانوا ~~سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى ~~تجارة ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر ~~نفسي معهم» ولا تعد أي لا تصرف ولا تجاوز عيناك عنهم إلى غيرهم تريد زينة ~~الحياة الدنيا أي تطلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني عيينة بن حصن ~~وقيل أمية بن خلف واتبع هواه أي في طلب الشهوات وكان أمره فرطا ضياعا ضيع ~~أمره وعطل أيامه، وقيل ندما وقيل سرفا وباطلا وقيل مخالفا للحق وقل الحق من ~~ربكم أي قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا من ربكم الحق ~~وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ليس إلي من # ذلك شيء فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر هذا على طريق التهديد والوعيد ~~كقوله «اعملوا ما شئتم» وقيل معنى الآية وقل الحق من ربكم أي لست بطارد ~~المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإن كفرتم فقد أعد لكم ~~ربكم نارا وإن آمنتم فلكم ما وصف الله لأهل طاعته، وعن ابن عباس في معنى ~~الآية: من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر إنا أعتدنا أي ~~هيأنا من العتاد وهو العدة للظالمين أي الكافرين نارا أحاط بهم سرادقها ~~السرادق الحجزة التي تطيف بالفساطيط عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «قال سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار أربعون سنة» أخرجه ~~الترمذي قال ابن عباس: هو حائط نار وقيل هو عنق يخرج من النار فيحيط ~~بالكفار كالحظيرة وقيل هو دخان يحيط بالكفار وإن يستغيثوا أي من شدة العطش ~~يغاثوا بماء كالمهل قال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت، عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ms2331 عليه وسلم قال في قوله سبحانه ~~وتعالى بماء كالمهل قال: «كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه منه» ~~أخرجه الترمذي. وقال رشدين أحد رواة الحديث قد تكلم بفيه من قبل حفظة ~~الفروة جلدة الوجه وقيل المهل الدم والقيح وقيل هو الرصاص والصفر المذاب ~~يشوي الوجوه أي ينضج الوجوه من حره بئس الشراب أي ذلك الذي يغاثون به وساءت ~~أي النار مرتفقا قال ابن عباس رضي الله عنهما: منزلا وقيل مجتمعا وأصل ~~المرتفق المتكأ وإنما جاء كذلك لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق ~~لأهل النار ولا متكأ. قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 30 الى 33] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ~~وفجرنا خلالهما نهرا (33) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أي لا نترك ~~أعمالهم الصالحة وقيل إن قوله إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا كلام معترض ~~وتقديره إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم جنات عدن أي دار إقامة ~~سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها تجري من تحتهم الأنهار وذلك لأن أفضل ~~المساكن ما كان يجري فيه الماء يحلون فيها من أساور من ذهب قيل يحلى كل ~~إنسان منهم ثلاثة أساور سوار # PageV03P163 # من ذهب لهذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى «وحلوا أساور من فضة» وسوار ~~من لؤلؤ لقوله «ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير» ويلبسون ثيابا خضرا من سندس هو ~~الديباج الرقيق وإستبرق هو الديباج الصفيق الغليظ وقيل السندس المنسوج ~~بالذهب متكئين خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك فيها أي في الجنة ~~على الأرائك جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولما وصف الله سبحانه وتعالى ~~هذه الأشياء ms2332 قال نعم الثواب أي نعم الجزاء وحسنت أي الجنات مرتفقا أي مقرا ~~ومجلسا، والمراد بقوله وحسنت مرتفقا مقابلة ما تقدم ذكره من قوله سبحانه ~~وتعالى وساءت مرتفقا. قوله عز وجل واضرب لهم مثلا رجلين قيل نزلت في أخوين ~~من أهل مكة من بني مخزوم وهما أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل ~~وكان مؤمنا وأخوه الأسود بن عبد الأسود وكان كافرا وقيل هذا مثل لعيينة بن ~~حصن وأصحابه وسلمان وأصحابه وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما ~~مؤمن واسمه قطروس وهما اللذان وصفهما الله سبحانه وتعالى في سورة والصافات ~~وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان لهما ~~ثمانية آلاف دينار، وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار ~~فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار فقال صاحبه اللهم إن فلانا قد ~~اشترى أرضا بألف وإني قد اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ~~ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار ~~وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة ~~فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة ~~بألف دينار فتصدق بها، ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا اللهم إني ~~أشتري منك خدما ومتاعا بألف دينار في الجنة فتصدق بها، ثم أصابته حاجة ~~شديدة فقال لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به ~~في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه فقال فلان، قال نعم قال ما ~~شأنك قال أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال فما فعلت بمالك وقد ~~قاسمتك مالا وأخذت شطره، فنص عليه قصته فقال وإنك لمن المصدقين بهذا اذهب ~~فلا أعطيك شيئا فطرده، فقضي لهما فتوفيا فنزل فيهما قوله فأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين وروي أنه لما أتاه أخذ بيده ~~وجعل يطوف به ويريه ms2333 أمواله فنزل فيهما «واضرب لهم مثلا رجلين» جعلنا ~~لأحدهما جنتين أي وجعلنا بساتين من أعناب وحففناهما أي أطفناهما من ~~جوانبهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا أي بين النخل والأعناب الزرع وقيل بينهما ~~أي بين الجنتين، يعني لم يكن بين الجنتين خراب بغير زرع كلتا الجنتين آتت ~~أي أعطت كل واحدة من الجنتين أكلها أي ثمرها تماما ولم تظلم منه شيئا أي ~~ولم تنقص منه شيئا وفجرنا خلالهما شققنا وسطهما نهرا. # ### | [سورة الكهف (18): الآيات 34 الى 44] # وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ~~ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو ~~الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك ~~مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من ~~السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) ~~وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ~~يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما ~~كان منتصرا (43) # هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # PageV03P164 # وكان له أي لصاحب البستان ثمر قرئ بالفتح جمع ثمرة وقرئ بالضم وهو ~~الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب والفضة وغيرهما فقال يعني صاحب ~~البستان لصاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره أي يخاطبه أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا أي عشيرة ورهطا وقيل خدما وحشما ودخل جنته يعني الكافر آخذا بيد أخيه ~~المؤمن يطوف به فيها ويريه إياها وهو ظالم لنفسه أي بكفره فتوهم أنها لا ~~تفنى أبدا وأنكر البعث فقال وما أظن الساعة قائمة أي كائنة ولئن رددت إلى ~~ربي ms2334 فإن قلت كيف قال ولئن رددت إلى ربي وهو منكر للبعث قلت معناه ولئن رددت ~~إلى ربي على ما نزعم من أن الساعة آتية لأجدن خيرا منها منقلبا أي يعطيني ~~هناك خيرا منها لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل ~~منها قال له صاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب أي خلق ~~أصلك من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقا له ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا أي عداك بشرا سويا وكملك إنسانا ذكرا بالغ مبلغ الرجال لكنا هو الله ~~ربي مجازه لكن أنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا أي هلا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله ~~منها ما شاء الله اعترافا بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله تعالى ~~وفضله وأن أمرها بيده وأنه إن شاء تركها عامرة وإن شاء تركها خرابا لا قوة ~~إلا بالله أي وقلت لا قوة إلا بالله إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها ~~وتدبير أمرها بمعونة الله وتأييده ولا أقدر على حفظ مالي ودفع شيء عنه إلا ~~بالله. روي عن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل ~~حائطا من حيطانه قال ما شاء لا قوة إلا بالله الحائط البستان إن ترن أنا ~~أقل منك مالا وولدا أي لأجل ذلك تكبرت علي وتعظمت فعسى ربي أي فلعل ربي أن ~~يؤتين أي يعطيني خيرا من جنتك يعني في الآخرة ويرسل عليها أي على جنتك ~~حسبانا قال ابن عباس: نارا، وقيل مرامي من السماء وهي الصواعق فتهلكها ~~فتصبح صعيدا زلقا أي أرضا جرداء ملساء لا نبات فيها وقيل تزلق فيها الأقدام ~~وقيل رملا هائلا أو يصبح ماؤها غورا غائرا ذاهبا لا تناله الأيدي ولا ~~الدلاء فلن تستطيع له طلبا يعني إن طلبته لم تجده وأحيط بثمره يعني أحاط ~~العذاب بثمر جنته وذلك أن الله تعالى ms2335 أرسل عليها من السماء نارا فأهلكها ~~وغار ماؤها فأصبح يعني صاحبها الكافر يقلب كفيه يصفق بكف على كف ويقلب كفيه ~~ظهرا لبطن تأسفا وتلهفا على ما أنفق فيها المعنى فأصبح يندم على ما أنفق في ~~عمارتها وهي خاوية على عروشها أي ساقطة سقوفها وقيل إن كرومها المعرشة سقطت ~~عروشها في الأرض ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا يعني أنه تذكر موعظة ~~أخيه المؤمن فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركا ولم ~~تكن له فئة أي جماعة ينصرونه من دون الله أي يمنعونه من عذاب الله وما كان ~~منتصرا أي ممتنعا لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل معناه لا يقدر على رد ما ~~ذهب منه. قوله سبحانه وتعالى هنالك الولاية قرئ بكسر الواو يعني السلطان في ~~القيامة لله الحق وقرئ بفتحها من الموالاة والنصرة، يعني أنهم يتولونه ~~يومئذ ويتبرؤون مما كانوا يعبدون من دونه في الدنيا هو خير ثوابا أي أفضل ~~جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب وخير عقبا يعني عاقبة طاعته خير من عاقبة ~~طاعة غيره فهو خير إثابة وعاقبة قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 45 الى 48] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا (46) ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ~~(47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن ~~نجعل لكم موعدا (48) # PageV03P165 # واضرب لهم أي اضرب يا محمد لقومك مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء يعني المطر فاختلط به نبات الأرض أي خرج منه كل لون وزهرة فأصبح أي ~~عن قريب هشيما قال ابن عباس: # يابسا تذروه الرياح قال ابن عباس: تذريه تفرقه وتنسفه وكان الله على كل ~~شيء مقتدرا أي قادرا قوله سبحانه وتعالى المال والبنون يعني التي يفتخر بها ~~عيينة ms2336 وأصحابه الأغنياء زينة الحياة الدنيا يعني ليست من زاد الآخرة، قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: المال والبنون حرث الدنيا والأعمال ~~الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعهما لأقوام والباقيات الصالحات قال ابن عباس: ~~هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (م) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أقول سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه ~~الشمس». عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال «استكثروا من قول الباقيات الصالحات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ ~~قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله». عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتفعوا. قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. ~~قلت: وما الرتع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» أخرجه الترمذي. وقال ~~حديث غريب عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات هي قول العبد الله أكبر ~~وسبحان الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه مالك في ~~الموطأ موقوفا عليه وعن ابن عباس أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وعنه ~~أنها الأعمال الصالحة خير عند ربك ثوابا أي جزاء وخير أملا أي ما يؤمله ~~الإنسان. قوله سبحانه وتعالى ويوم نسير الجبال أي نذهب بها وذلك أن تجعل ~~هباء منثورا كما يسير السحاب وترى الأرض بارزة أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا ~~جبل ولا بناء وقيل هو بروز ما في بطنها من الموتى وغيرهم فيصير باطن الأرض ~~ظاهرها وحشرناهم يعني جميعا إلى موقف الحساب فلم نغادر منهم أحدا أي لم ~~نترك منهم أحدا عرضوا على ربك صفا # أي صفا صفا وفوجا فوجا لأنهم صف واحد وقيل قياما كل أمة وزمرة ms2337 صف ثم يقال ~~لهم قد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة # يعني أحياء وقيل حفاة عراة غرلال زعمتم ألن نجعل لكم موعدا # يعني القيامة يقول ذلك لمنكر البعث (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: أيها الناس إنكم ~~تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا ~~وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول ~~إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم قال: فيقال لي إنهم لن يزالوا مرتدين ~~على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في رواية فأقول سحقا سحقا» قوله غرلا أي قلفا ~~والغرلة القلفة التي تقع من جلد الذكر وهو موضع الختان، وقوله سحقا أي ~~بعدا، قال بعض العلماء: إن المراد بهؤلاء أصحاب الردة الذين ارتدوا من ~~العرب ومنعوا الزكاة بعده (ق) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلا». قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء ~~جميعا ينظر بعضهم إلى بعض قال: «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك». زاد النسائي ~~في رواية «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». # قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 49 الى 51] # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا (51) # PageV03P166 # ووضع الكتاب يعني صحائف أعمال العباد توضع في أيدي الناس في أيمانهم ~~وشمائلهم، وقيل توضع بين يدي الله تعالى فترى ms2338 المجرمين مشفقين أي خائفين ~~مما فيه يعني من الأعمال السيئة ويقولون يعني إذا رأوها يا ويلتنا أي يا ~~هلاكنا وكل من وقع في هلكة دعا بالويل مال هذا الكتاب لا يغادر أي لا يترك ~~صغيرة ولا كبيرة أي من ذنوبنا الصغيرة إلا أحصاها أي عدها وكتبها وأثبتها ~~فيه وحفظها، قال ابن عباس: # الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة. وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللمم ~~واللمس والقبلة والكبيرة الزنا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا ~~في بطن واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فانضجوا خبزهم وإن ~~محقرات الذنوب لموبقات» الحقير الشيء الصغير التافه وقوله لموبقات أي ~~مهلكات. ووجدوا ما عملوا حاضرا أي مكتوبا أي مثبتا في كتابهم ولا يظلم ربك ~~أحدا أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا ولا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم ~~القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعند ~~ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» أخرجه الترمذي. وقال لا ~~يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن ~~الحسن عن أبي موسى. قوله سبحانه وتعالى وإذ قلنا أي واذكر يا محمد إذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن قال ابن عباس: كان من ~~حي من الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم وقال الحسن: كان من ~~الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وكونه من ~~الملائكة لا ينافي كونه من الجن بدليل قوله سبحانه وتعالى وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا، وذلك أن قريشا قالت الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أن الملك ~~يسمى جنا ويعضده اللغة لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا ~~تدخل الملائكة فيه فكل ms2339 الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه ~~من الملائكة أن الله سبحانه وتعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد ~~إخراج ما لولاه لدخل ويصح دخوله وذلك يوجب كونه من الملائكة ووجه من قال ~~إنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة قوله كان من الجن والجن جنس مخالف ~~للملائكة قوله أفتتخذونه وذريته فأثبت له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، ~~وأجيب عن الاستثناء أنه استثناء منقطع وهو مشهور في كلام العرب قال الله ~~سبحانه وتعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي ~~فطرني وقال تعالى: لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما قيل إنه كان من الملائكة ~~فلما خالف الأمر مسخ وغير وطرد ولعن. وقوله تعالى ففسق عن أمر ربه أي خرج ~~عن طاعة ربه أفتتخذونه يعني يا بني آدم أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من ~~دوني وهم لكم عدو يعني أعداء روى مجاهد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ ~~أقبل رجل فقال أخبرني هل لإبليس زوجة قلت إن ذلك العرس ما شهدته ثم ذكرت ~~قول الله عز وجل أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني فعلمت أنه لا تكون ذرية ~~إلا من زوجة فقلت نعم، قيل يتوالدون كما يتوالد ابن آدم. وقيل إنه يدخل ~~ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. قال مجاهد: من ~~ذرية إبليس لاقيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف ومره وبه يكنى، ~~وزلنبور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع وبتر وهو ~~صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب ~~الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة، ومطموس وهو صاحب الأخبار الكاذبة ~~يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل ~~بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحسن موضعه وإذا ~~أكل ولم يسم أكل معه، قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم ~~أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه # PageV03P167 # وخاصمتهم ثم ms2340 أذكر فأقول داسم داسم أعوذ بالله منه، روى أبي بن كعب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا ~~وسواس الماء» أخرجه الترمذي. (م) عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول ~~الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذاك # شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا ~~قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (م) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة ~~أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجيء ~~أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم ~~أنت» قال الأعمش أراه قال فيلتزمه. وقوله بئس للظالمين بدلا يعني بئس ما ~~استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم وطاعته. قوله سبحانه وتعالى ما ~~أشهدتهم أي ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته وقيل الكفار وقيل الملائكة خلق ~~السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم والمعنى ما أشهدتهم خلقها فأستعين بهم على ~~خلقها وأشاورهم فيها وما كنت متخذ المضلين يعني الشياطين الذين يضلون الناس ~~عضدا يعني أنصارا وأعوانا. قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 52 الى 60] # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ~~وما أنذروا هزوا (56) # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم ms2341 إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا (60) # ويوم يقول نادوا يعني يقول الله تعالى يوم القيامة نادوا شركائي يعني ~~الأصنام الذين زعمتم يعني أنهم شركائي فدعوهم أي فاستغاثوا بهم فلم ~~يستجيبوا لهم أي فلم يجيبوهم ولم ينصروهم وجعلنا بينهم يعني بين الأصنام ~~وعبدتها وقيل بين أهل الهدى وبين أهل الضلال موبقا يعني مهلكا قال ابن ~~عباس: # هو واد في النار وقيل نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال ~~الدهم وقيل كل حاجز بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك ورأى المجرمون أي ~~المشركون النار فظنوا أي أيقنوا أنهم مواقعوها أي داخلوها وواقعون فيها ولم ~~يجدوا عنها مصرفا أي معدلا لأنها أحاطت بهم من كل جانب وقيل لأن الملائكة ~~تسوقهم إليها. قوله سبحانه وتعالى ولقد صرفنا أي بينا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل أي ليتذكروا ويتعظوا وكان الإنسان أكثر شيء جدلا أي خصومة في ~~الباطل قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن وقيل أراد به ~~أبي بن خلف وقيل أراد به جميع الكفار وقيل الآية على العموم وهو الأصح (ق) ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا تصليان». فقلت يا رسول الله أنفسنا بيد الله ~~تعالى فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئا ثم سمعته # PageV03P168 # يقول وهو مول يضرب فخذه بيده «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» قوله عز وجل ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى يعني القرآن وأحكام الإسلام ~~والبيان من الله تعالى وقيل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستغفروا ~~ربهم والمعنى أنه لا مانع لهم ms2342 من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة ~~والتخلية حاصلة والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان والاستغفار إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين يعني سنتنا بإهلاك الأولين إن لم يؤمنوا وهو عذاب ~~الاستئصال أو يأتيهم العذاب قبلا قال ابن عباس: أي عيانا من المقابلة وقيل ~~فجأة. قوله سبحانه وتعالى وما نرسل المرسلين إلا مبشرين أي بالثواب على ~~الطاعة ومنذرين بالعقاب لمن عصى ويجادل الذين كفروا بالباطل هو قولهم «أبعث ~~الله بشرا رسولا» وقولهم للرسل «ما أنتم إلا بشر مثلنا» وشبه ذلك ليدحضوا ~~أي ليبطلوا به الحق ويزيلوه واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا فيه إضمار يعني ~~اتخذوا ما أنذروا به وهو القرآن استهزاء. قوله عز وجل ومن أظلم ممن ذكر أي ~~وعظ بآيات ربه فأعرض عنها أي تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها ونسي ما قدمت ~~يداه أي ما عمل من المعاصي من قبل إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أي أغطية أن ~~يفقهوه يريد لئلا يفهموه وفي آذانهم وقرا أي ثقلا وصما وإن تدعهم يا محمد ~~إلى الهدى أي الدين فلن يهتدوا إذا أبدا وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم ~~لا يؤمنون وربك الغفور أي البليغ المغفرة ذو الرحمة أي الموصوف بالرحمة لو ~~يؤاخذهم أي يعاقب الكفار بما كسبوا من الذنوب لعجل لهم العذاب أي في الدنيا ~~بل لهم موعد يعني البعث والحساب لن يجدوا من دونه موئلا أي ملجأ وتلك القرى ~~قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم أهلكناهم لما ظلموا أي كفروا ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا أي أجلا لإهلاكهم. قوله سبحانه وتعالى وإذ قال موسى ~~لفتاه الآيات أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن ~~عمران من سبط لاوي بن يعقوب صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة. وعن كعب ~~الأحبار أنه موسى بن ميشا من أولاد يوسف بن يعقوب وكان قد تنبأ قبل موسى بن ~~عمران. والقول الأول أصح بدليل أن الله سبحانه وتعالى في كتابه لم يذكر ~~العزيز موسى إلا أراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا ms2343 الاسم يوجب الانصراف إليه ~~ولو أراد شخصا آخر لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز بينهما وتزيل الشبهة ~~فلما لم يميزه بصفة علمنا أنه موسى بن عمران صاحب التوراة وأما فتاه فالأصح ~~أنه يوشع ابن نون بن أفرا ثم ابن يوسف وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته، ~~وقيل إنه أخو يوشع وقيل فتاة يعني بده بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~يقل أحدكم عبده وأمتي وليقل فتاي وفتاتي». (ق) عن سعيد بن جبير قال قلت ~~لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني ~~إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى # عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسأل أي الناس أعلم فقال أنا، فعتب ~~الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه إن لي عبدا ~~بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: فخذ معك حوتا ~~فاجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق ~~وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، ~~فاضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا ~~وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي ~~صاحبه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد ~~قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى ~~النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به. فقال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في ~~البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا ~~نبغ فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا فقصا آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ~~فإذا رجل مسجى بثوب أبيض فسلم ms2344 عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام فقال ~~أنا موسى قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني ما علمت رشدا، قال: ~~إنك لن تستطيع # PageV03P169 # معي صبرا، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه وأنت على علم ~~من علم الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. ~~فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا ~~الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع ~~لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت ~~إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها «لقد جئت شيئا إمرا قال: ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معي صبرا: قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا» قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «كانت الأولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور ~~فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك ~~من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة ~~فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ ~~الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى: # «أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا» قال وهذه أشد من الأولى قال «إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني قد بلغت من ولدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض» أي مائلا فقال ~~الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا «لو ~~شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى، لوددت ms2345 أنه ~~صبر يقص علينا من أخبارهما» قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ: وكان ~~أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا ~~وكان أبواه مؤمنين. وفي رواية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قام موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا ما فاضت العيون ~~ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟؟ ~~قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى. فقال بلى قال أي ~~رب وأين هو قال بمجمع البحرين قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح. وفي ~~رواية تزود حوتا مالحا فإنه حيث يفقد الحوت زاد في رواية وفي أصل الصخرة ~~عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حي فأصاب الحوت من ماء تلك ~~العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ورجعنا إلى التفسير. قوله سبحانه ~~وتعالى لا أبرح أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين قيل أراد بحر فارس ~~والروم ما يلي المشرق وقيل طنجة وقيل إفريقية أو أمضي حقبا يعني أو أسير ~~دهرا طويلا. والحقب ثمانون سنة فحمل خبزا وسمكة مالحة في المكتل وهو ~~الزنبيل الذي يسع خمسة عشر صاعا ومضيا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع ~~البحرين وعندها عين تسمى عين الحياة لا تصيب شيئا إلا حيي فلما أصاب السمكة ~~روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وهاجت ودخلت في البحر. # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 61 الى 62] # فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما ~~جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) # فلما بلغا يعني موسى وفتاه مجمع بينهما أي بين البحرين نسيا أي تركا ~~حوتهما. # وإنما كان الحوت مع يوشع بن نون، وهو الذي نسيه وإنما أضاف النسيان ~~إليهما تزواده لسفرهما وقيل المراد من قوله نسيا حوتهما أي نسيا كيفية ~~الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول للمطلوب. # فاتخذ ms2346 أي الحوت سبيله في البحر سربا أي مسلكا. وروى أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم ~~يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر». قال ابن عباس: جعل ~~الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة، وقد روينا أنهما لما ~~انتهيا إلى الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر ~~فاتخذ سبيله في البحر سربا فأمسك الله # PageV03P170 # عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن ~~يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الضد وهو قوله سبحانه وتعالى فلما جاوزا يعني ~~ذلك الموضع وهو مجمع البحرين قال يعني موسى لفتاه آتنا غداءنا أي طعامنا ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا أي تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع ~~بعد ما جاوز الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع في طلبه. # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 63 الى 71] # قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ~~آثارهما قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من ~~لدنا علما (65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا (67) # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا ~~أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ~~(70) فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد ~~جئت شيئا إمرا (71) # قال يعني يوشع أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة وهي صخرة كانت بالموضع الموعود ~~فإني نسيت الحوت أي تركته وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى من الحوت ذلك قام ~~ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد ثم ~~قال وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ms2347 أي وما أنساني أن أذكر لك أمر الحوت ~~إلا الشيطان، قيل المراد من النسيان شغل قلب الإنسان بوساوس الشيطان التي ~~هي فعله دون النسيان الذي يضاد الفكر لأن ذلك لا يصح إلا من قبل الله تعالى ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا قيل هذا من قول يوشع بن نون يعني وقع الحوت في ~~البحر فاتخذ سبيله فيه مسلكا. وروي في الخبر كان للحوت سربا ولموسى ولفتاه ~~عجبا وقيل أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا ثم صار حيا بعد ما أكل بعضه. ~~قوله عز وجل قال يعني موسى ذلك ما كنا نبغ نطلب فارتدا على آثارهما قصصا أي ~~رجعا يقصان الذي جاءا منه ويتبعانه فوجدا عبدا من عبادنا قيل كان ملكا من ~~الملائكة والصحيح الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في ~~التواريخ أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل كان من بني ~~إسرائيل وقيل كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا والخضر لقب ~~له، سمي به لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت. (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي ~~تهتز تحته خضراء»، الفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة وقيل سمي خضرا لأنه كان ~~إذا صلى اخضر ما حوله. وروينا أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه، فقال ~~الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. ~~ومعنى مسجى بثوب أي مغطى بثوب وقوله وأنى بأرضك السلام معناه من أين بأرضك ~~التي أنت فيها الآن السلام. وروي أنه لقيه على طنفسة خضراء على جانب البحر ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة أي نعمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما أي علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند ~~أكثر أهل العلم. فإن قلت ظاهر الآيات يدل على أن الخضر كان أعلى شأنا من ~~موسى وكان موسى يظهر التواضع له والتأدب معه. ms2348 قلت لا يخلو إما أن يكون ~~الخضر من بني إسرائيل أو من غيرهم فإن كان من بني إسرائيل فهو من أمة موسى، ~~ولا جائز أن يكون أحد الأمة أفضل من نبيها أو أعلى شأنا منه، وإن كان من ~~غير بني إسرائيل فقد قال الله تعالى لبني إسرائيل وأني فضلتكم على العالمين ~~أي على عالمي زمانكم قال له موسى هل أتبعك معناه جئت لأصحبك وأتبعك على أن ~~تعلمن مما علمت رشدا أي صوابا وقيل علما ترشدني به. وفي بعض # PageV03P171 # الأخبار قال الخضر لموسى: كفى بالتوراة علما وبني إسرائيل شغلا، فقال له ~~موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ قال الخضر لموسى إنك لن تستطيع معي صبرا ~~وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء الصبر مع ~~المنكرات ثم بين عذره في ترك الصبر فقال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ~~أي علما قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا إنما استثنى لأنه لم يثق من ~~نفسه بالصبر ولا أعصي لك أمرا أي أخالفك فيما تأمرني به قال فإن اتبعتني أي ~~فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه شرط عليه ثم شرطا فقال ~~فلا تسئلني عن شيء أي مما أعمله مما تنكره ولا تعترض عليه حتى أحدث لك منه ~~ذكرا معناه حتى أبتدئ بذكره فأبين لك شأنه. قوله سبحانه وتعالى فانطلقا أي ~~يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة فركباها فقال أهل ~~السفينة هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة ما هم بلصوص ولكن ~~أرى وجوه الأنبياء. وروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «مرت ~~بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، أي بغير عوض ~~ولا عطاء، فلما لججوا في البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من ألواح السفينة ~~فذلك» قوله تعالى حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال يعني موسى له أخرقتها ~~لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا أي أتيت شيئا عظيما # منكرا. روي أن الخضر ms2349 لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وروي أن موسى لما ~~رأى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق. # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 72 الى 77] # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ~~(76) # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) # قال العالم وهو الخضر ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال يعني موسى لا ~~تؤاخذني بما نسيت. قال ابن عباس: لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي ~~شيئا آخر. وقيل معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك وقال أبي بن كعب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «كانت الأولى من موسى نسيانا والثانية شرطا ~~والثالثة عمدا» ولا ترهقني أي لا تغشني من أمري عسرا والمعنى لا تعسر علي ~~متابعتك وسيرها بالاغضاء وترك المناقشة وقيل لا تكلفني مشقة ولا تضيق علي ~~أمري. فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله في القصة أنهما خرجا من البحر ~~يمشيان فمرا بغلمان، يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه كان وجهه ~~يتوقد حسنا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه. وروى ~~عبد الرزاق هذا الخبر وفيه أشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى ~~وقلع رأسه. وروي أنه رضخ رأسه بحجر وقيل ضرب رأسه بالجدار فقتله. قال ابن ~~عباس: # كان غلاما لم يبلغ الحنث ولم يكن نبي الله موسى يقول أقتلت نفسا زاكية، ~~إلا وهو صبي لم يبلغ الحنث، وقيل كان رجلا وقيل كان اسمه حيسور وقيل كان ~~فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه. وقيل كان غلاما يعمل ~~بالفساد ويتأذى منه أبواه. (ق) عن أبي بن كعب قال: قال ms2350 رسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا» لفظ مسلم قال يعني موسى أقتلت نفسا زكية أي لم تذنب قط وقرئ ~~زكية وهي التي أذنبت ثم تابت بغير نفس أي لم تقتل نفسا حتى يجب عليها القتل ~~لقد جئت شيئا نكرا أي منكرا عظيما، وقيل النكر أعظم من الأمر لأنه حقيقة ~~الهلاك، وفي خرق السفينة خوف الهلاك، وقيل الأمر أعظم لأن فيه تغريق جمع ~~كثير، وقيل معناه لقد جئت شيئا أنكر من الأول لأن ذاك كان خرقا # PageV03P172 # يمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه قال يعني الخضر ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا قيل زاد في هذه الآية قوله لك لأنه نقض العهد ~~مرتين، وقيل إن هذه اللفظة توكيد للتوبيخ فعند هذا قال موسى إن سألتك عن ~~شيء بعدها فلا تصاحبني قيل إن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد ~~الذي أنت عليه، قال موسى إن سألتك عن شيء بعد هذه المرة فلا تصاحبني، أي ~~فارقني لا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا قال ابن عباس: أي قد أعذرت فيما ~~بيني وبينك، وقيل معناه اتضح لك العذر في مفارقتي والمعنى أنه مدحه بهذه ~~الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين أولا وثانيا مع قرب المدة (ق) عن أبي بن ~~كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمة الله علينا وعلى موسى ~~وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه ~~أخذته من صاحبه ذمامة فقال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من ~~لدني عذرا فلو صبر لرأى العجب» قوله ذمامة هو بذال معجمة أي حياء وإشفاق من ~~الذم واللوم، يقال ذممته ذمامة يعني لمته ملامة ويشهد له قول الخضر هذا ~~فراق بيني وبينك. # قوله سبحانه وتعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية قال ابن عباس: يعني ~~أنطاكية وقيل الأيلة وهي أبعد الأرض من السماء ms2351 وقيل هي بلدة بالأندلس ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجلس فاستطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما». وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم ~~فلم يضيفوهما. وعن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا ~~من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم. وعن قتادة قال: شر القرى ~~التي لا تضيف الضيف فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي يسقط وهذا من مجاز ~~الكلام لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما تقول ~~داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر كما أستعير ~~للجدار الإرادة. فأقامه أي سواه، وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال الخضر بيده هكذا فأقامه وقال ابن عباس: هدمه وقعد يبنيه. ~~قال يعني موسى لو شئت لاتخذت عليه أجرا يعني على إصلاح الجدار جعلا والمعنى ~~أنك قد علمت أنا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو اتخذت على عملك أجرا. # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 78 الى 82] # قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ~~يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) ~~وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما ~~فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # قال يعني الخضر هذا فراق بيني وبينك يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل ~~إن هذا الإنكار على ترك أخذ الأجر هو المفرق بيننا سأنبئك أي سوف أخبرك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا وقيل إن موسى أخذ بثوب الخضر وقال أخبرني ~~بمعنى ما عملت قبل ms2352 أن تفارقني فقال الخضر أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر قيل كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر، أي ~~يؤجرونها ويكتسبون بها، وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا لا ~~يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه بكفايته، وإن حال الفقير في الضر ~~والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا ~~يملكون تلك السفينة فأردت أن أعيبها أي أجعلها ذات عيب وكان وراءهم ملك أي ~~أمامهم وقيل خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح. يأخذ كل سفينة ~~غصبا أي كل سفينة صالحة فخرقتها وعبتها حتى لا يأخذها # PageV03P173 # الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي والأزدي وكان كافرا وقيل اسمه هدد بن ~~بدد، روي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا ~~يعلمون بخبره وقال أردت إذا هي تمر به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها ~~وانتفعوا بها. قوله عز وجل وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أي خفنا ~~والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه، وقيل معناه ~~فعلمنا أن يرهقهما أي يغشيهما وقيل يكلفهما طغيانا وكفرا قيل معناه فخشينا ~~أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه فأردنا أن يبدلهما ربهما الإبدال ~~رفع الشيء ووضع آخر مكانه خيرا منه زكاة أي صلاحا وتقوى، وقيل هو في مقابلة ~~قوله تعالى «أقتلت نفسا زاكية» فقال الخضر أردنا أن يرزقهما الله خيرا منه ~~زكاة وأقرب رحما أي ويكون المبدل منه أقرب عطفا ورحمة لأبويه، بأن يبرهما ~~ويشفق عليهما قيل أبدلهما جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا ~~فهدى الله على يديه أمة من الأمم وقيل ولدت سبعين نبيا، وقيل أبدلهما بغلام ~~مسلم وقيل إن الغلام الذي قتل فرح به أبواه حين ولد وحزن عليه حين قتل ولو ~~بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله سبحانه ~~وتعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. # قوله سبحانه ms2353 وتعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة قيل كان ~~اسمهما أصرم وصريم وكان تحته كنز لهما روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «كان الكنز ذهبا وفضة» أخرجه الترمذي. وقيل كان الكنز صحفا ~~فيها علم. وقال ابن عباس: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت ~~كيف يفرح عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يغضب، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب ~~عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها ~~كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي الجانب الآخر مكتوب ~~أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن ~~خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. ~~وقيل الكنز إذا أطلق يراد به المال ومع التقييد يراد به غيره، يقال عند ~~فلان كنز علم وكان هذا اللوح جامعا لهما وكان أبوهما صالحا قيل إن اسمه ~~كاشح وكان من الأتقياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، وقيل كان بينهما ~~وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله سبحانه وتعالى ~~يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في ~~حفظ الله ما دام فيهم وقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في ~~صلاتي. فأراد ربك أن يبلغا أشدهما أي يدركا ويعقلا قوتهما، وهو البلوغ وقيل ~~ثمان عشرة سنة. فإن قلت كيف قال في الأولى فأردت وفي الثانية فأردنا وفي ~~الثالثة فأراد ربك وما وجه كل واحدة في هذه الألفاظ. قلت إنه لما ذكر العيب ~~أضافه إلى نفسه على سبيل الأدب مع الله تعالى، فقال فأردت أن أعيبها ولما ~~ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيها على أنه من العلماء العظماء في ~~علم الباطن وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، ~~ولما ذكر رعاية المصالح في مال اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله ~~سبحانه ms2354 وتعالى لأن حفظ الأبناء وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا لله ~~سبحانه وتعالى، فلأجل ذلك أضافه إلى الله تعالى ويستخرجا كنزهما يعني إذا ~~بلغا وعقلا وقويا رحمة من ربك أي نعمة من ربك وما فعلته عن أمري أي ~~باختياري ورأيي بل فعلته بأمر الله وإلهامه إياي لأن تنقيص أموال الناس ~~وإراقة دمائهم وتغيير أصولهم، لا يكون إلا بالنص وأمر الله تعالى. # واستدل بعضهم بقوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري على أنه الخضر كان ~~نبيا لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي لله وليس بنبي. ~~وأجيب عن قوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري إنه إلهام من الله سبحانه ~~وتعالى له بذلك، وهذه درجة الأولياء. وقيل معناه إنما فعلت هذه الأفعال ~~لغرض أن تظهر رحمة الله لأنها بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر ~~الأدنى لدفع الضرر الأعلى. # ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا أي لم تطق أن تصبر عليه. روي أن موسى ~~عليه السلام لما أراد أن # PageV03P174 # يفارق الخضر قال: أوصني قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلب العلم لتعمل ~~به. واختلف العلماء في أن الخضر حي أم ميت فقيل إنه حي وهو قول الأكثرين من ~~العلماء وهو متفق عليه عند مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة والحكايات ~~في رؤيته والاجتماع به، ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن ~~تحصر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاواه: هو حي عند جماهير العلماء ~~والصالحين والعامة. هذا آخر كلامه، وقيل إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل ~~سنة بالموسم وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي أنه شرب من عين الحياة وذلك ~~أن ذو القرنين دخل الظلمة لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدمته فوقع ~~الخضر على العين فاغتسل وشرب منها وصلى شكرا لله تعالى وأخطأ ذو القرنين ~~الطريق، فرجع وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله سبحانه وتعالى وما جعلنا لبشر ~~من قبلك الخلد وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما صلى العشاء ms2355 ليلة ~~«أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر ~~الأرض أحد ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده». # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 83 الى 91] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في ~~الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا (87) # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم ~~أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # وقوله عز وجل ويسئلونك عن ذي القرنين قيل اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني ~~من ولد يونان بن يافث بن نوح وقيل اسمه الإسكندر بن فيلفوس كذا صح الرومي، ~~وكان ولد عجوز ليس لها ولد غيره ونقل الإمام فخر الدين في تفسيره عن أبي ~~الريحان السروري المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية ~~أنه من حمير واسمه أبو كرب سمي ابن عير بن أبي أفريقيس الحميري وهو الذي ~~افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول: # قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا علا في الأرض غير مفند # بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب ملك من كريم مرشد # فرآى مآب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأطة حرمد # قوله فرأى مآب الشمس، أي ذهاب الشمس وقوله في عين ذي خلب أي حمأة، ~~والثأطة الحمأة أيضا والجمع ثأط والحرمد الطين الأسود. وقيل سمي ذا القرنين ~~لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقيل لأنه ملك فارس والروم وقيل لأنه ~~دخل النور والظلمة، وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس وقيل ~~لأنه كان له ذؤابتان حسنتان، وقيل كان له قرنان تواريهما العمامة، وروي ms2356 عن ~~علي أنه أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم ~~بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله. واختلفوا ~~في نبوته فقيل كان نبيا ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى قلنا يا ذا القرنين ~~وخطاب الله لا يكون إلا مع الأنبياء وقيل لم يكن نبيا. قال أبو الطفيل: سئل ~~علي عن ذي القرنين أكان نبيا فقال: لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب ~~الله فأحبه الله وناصح الله، فناصحه الله. وروي أن عمر سمع رجلا يقول لآخر ~~يا ذا القرنين فقال تسميتم بأسماء الأنبياء، فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء ~~الملائكة والأصح الذي عليه الأكثرون أنه كان ملكا صالحا عادلا وأنه بلغ ~~أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب وهذا هو القدر المعمور من الأرض، وذلك ~~أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن دان له طوائف ثم مضى إلى ملوك العرب ~~وقهرهم، ومضى حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم رجع إلى مصر وبنى الإسكندرية، ~~وسماها باسمه ثم دخل الشام وقصد بيت المقدس وقرب فيه # PageV03P175 # القربان، ثم انعطف إلى أرمينية وبوب الأبواب وبنى السد ودانت له ملوك ~~العراق والنبط والبربر. واستولى على ممالك الفرس ثم مضى إلى الهند والصين ~~وغزا الأمم البعيدة ثم رجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها وحمل إلى حيث ~~هو مدفون وقيل إن عمره كان ألفا وثلاثين سنة ومثل هذا الملك البسيط الذي هو ~~على خلاف العادات وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الأرض فذلك قوله سبحانه ~~وتعالى ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا أي خبرا يتضمن ~~حاله. قوله سبحانه وتعالى إنا مكنا له في الأرض أي وطأنا له والتمكين تمهيد ~~الأسباب، قال علي سخر الله له السحاب فحمل عليه ومد له في الأسباب، وبسط له ~~النور فكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض وذلل له ~~طريقها. وآتيناه من كل شيء ما يحتاج إليه الخلق وكل ما يستعين به الملوك ~~على فتح ms2357 المدن ومحاربة الأعداء سببا أي علما يتسبب به إلى كل ما يريده ~~ويسير به في أقطار الأرض وقيل بلاغا إلى حيث أراد، وقيل قربنا له أقطار ~~الأرض فأتبع سببا أي سلك طريقا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة أي ذات حماة وهي الطينة السوداء، وقرئ حامية أي حارة، وسأل معاوية ~~كعبا: كيف تجد في التوراة تغرب الشمس وأين تغرب؟ قال: نجد في التوراة أنها ~~تغرب في ماء وطين. وقيل يجوز أن يكون معنى في عين حمئة أي عندها عين حمئة، ~~أو في رأي العين، وذلك أنه بلغ موضعا من المغرب لم يبق بعده شيء من العمران ~~فوجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة. كما أن راكب البحر يرى أن الشمس ~~كأنها تغيب في البحر ووجد عندها قوما أي عند العين أمة، قال ابن جريج: ~~مدينة لها اثنا عشر ألف باب يقال إنها الجاسوس واسمها بالسريانية حريحسا ~~سكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح لولا ضجيج أهلها، لسمع الناس وجبة ~~الشمس حين تجب أي تغيب قلنا يا ذا القرنين يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبيا ~~فإن الله خاطبه ومن قال إنه لم يكن نبيا قال المراد منه الإلهام وقيل يحتمل ~~أن يكون الخطاب على لسان غيره إما أن تعذب يعني تقتل من لم يدخل في ~~الإسلام. # وإما أن تتخذ فيهم حسنا يعني تعفو وتصفح وقيل تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيره ~~الله سبحانه وتعالى بين الأمرين قال أما من ظلم أي كفر فسوف نعذبه أي نقتله ~~ثم يرد إلى ربه أي في الآخرة فيعذبه عذابا نكرا أي منكرا يعني بالنار لأنها ~~أنكر من القتل وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى أي جزاء أعماله ~~الصالحة وسنقول له من أمرنا يسرا أي نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا ~~ثم أتبع سببا أي سلك طريقا ومنازل حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قيل إنهم كانوا في مكان ليس ms2358 بينهم وبين ~~الشمس ستر من جبل ولا شجر ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت الشمس دخلوا في ~~أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. ~~وقيل إنهم كانوا إذا طلعت الشمس نزلوا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا ~~فرعوا كالبهائم، وقيل هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، ~~وقيل إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم جابلق واسمها بالسريانية ~~مرقيسيا وهم مجاورون يأجوج ومأجوج. قوله سبحانه وتعالى كذلك أي كما بلغ ~~مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، وقيل معناه أنه حكم في القوم الذين هم عند ~~مطلع الشمس كما حكم في القوم الذين عند مغربها وهو الأصح. # وقد أحطنا بما لديه خبرا أي علما بما عنده ومن معه من الجند والعدة وآلات ~~الحرب، وقيل معناه وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية بذلك الملك ~~والاستقلال به والقيام بأمره. قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 92 الى 94] # ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل ~~نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) # PageV03P176 # ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين هما هنا جبلان في ناحية الشمال في ~~منقطع أرض الترك حكي أن الواثق بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه ليعاينوه، ~~فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن ~~حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل وجد من دونهما قوما أي أمام ~~السدين قيل هم الترك لا يكادون يفقهون قولا قال ابن عباس: لا يفهمون كلام ~~أحد ولا يفهم الناس كلامهم قالوا يا ذا القرنين فإن قلت كيف أثبت لهم القول ~~وهم لا يفهمون. قلت تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم كلامهم، وقيل ~~معناه لا يكادون يفقهون قولا إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم ~~الخرس إن يأجوج ومأجوج أصلهما من أجيج ms2359 النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به ~~لكثرتهم وشدتهم، وهم من أولاد يافث بن نوح والترك منهم قيل إن طائفة منهم ~~خرجت تغير فضرب ذو القرنين السد فبقوا خارجه فسموا الترك لذلك لأنهم تركوا ~~خارجين. قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب ~~والعجم والروم وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ويافث أبو الترك والخزر ~~والصقالبة ويأجوج ومأجوج قال ابن عباس «هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء» ~~وروى حذيفة مرفوعا «أن يأجوج ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت ~~الرجل منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه قد حمل السلاح، وهم من ولد آدم يسيرون ~~إلى خراب الدنيا، وقال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام ~~طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ~~ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف ~~بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه، ~~مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. # وعن علي: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول. وقال كعب: هم ~~نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم «1» ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، ~~فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم، ~~وذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز. فلما بلغ كان ~~عبدا صالحا قال الله سبحانه وتعالى إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم ~~أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس. يقال له ناسك، والأخرى عند ~~مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن ~~يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأمم في وسط ~~الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فقال ذو القرنين بأي قوة أكابدهم ~~وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم؟ # فقال الله تعالى إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد ms2360 عضدك فلا يهولنك شيء، ~~وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، ~~فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك. فانطلق حتى أتى مغرب الشمس، ~~فوجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلا الله تعالى فكاثرهم بالظلمة حتى جمعهم في ~~مكان واحد، فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته فمنهم من آمن به ومنهم من صد ~~عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم ~~فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب جندا عظيما وانطلق يقودهم والظلمة ~~تسوقهم، حتى أتى هاويل ففعل فيهم كفعله في ناسك ثم مضى حتى أتى منسك ففعل ~~فيهم كفعله في الأمتين، وجند منهم جندا عظيما ثم أخذ ناحية اليسرى فأتى ~~تأويل ففعل بهم كفعله فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض. فلما ~~كان فيما يلي منقطع الترك مما يلي المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ~~ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش ~~والسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض، وليس يزداد خلق ~~كزيادتهم فلا شك أنهم يتملكون الأرض ويظهرون عليها PageV03P177 # ويفسدون فيها فهل نجعل لك خرجا، على أن تجعل بيننا وبينهم سدا؟ قال: «ما ~~مكني فيه ربي خير» وقال أعدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم. # فانطلق حتى توسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل ~~نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب وأضراس كالسباع، ولهم هدب شعر يواري ~~أجسادهم، ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش ~~إحداهما ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة ويشتي في واحدة، يتسافدون تسافد ~~البهائم حيث التقوا فلما عاين ذو القرنين ذلك انصرف إلى ما بين الصدفين ~~فقاس ما بينهما وحفر له الأساس حتى بلغ الماء فذلك قوله تعالى قالوا يا ذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض قيل فسادهم أنهم كانوا يخرجون ~~أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا ms2361 ~~حملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا منهم أذى شديدا وقيل فسادهم أنهم كانوا يأكلون ~~الناس، وقيل معناه أنهم سيفسدون عند خروجهم فهل نجعل لك خرجا أي جعلا وأجرا ~~من الأموال على أن تجعل بيننا وبينهم سدا أي حاجزا فلا يصلون إلينا. # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 95 الى 98] # قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) ~~آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ~~(97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ~~(98) # قال لهم ذو القرنين ما مكني فيه ربي خير أي ما قواني به ربي خير من جعلكم ~~فأعينوني يعني لا أريد منكم المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم أجعل بينكم ~~وبينهم ردما أي سدا قالوا وما تلك القوة؟ قال فعلة وصناع يحسنون البناء ~~والآلة. قالوا وما تلك الآلة؟ قال: آتوني أي أعطوني وقيل جيئوني «1» زبر ~~الحديد أي قطع الحديد فأتوه بها، وبالحطب فجعل الحطب على الحديد والحديد ~~على الحطب حتى إذا ساوى بين الصدفين أي بين طرفي الجبلين قال انفخوا يعني ~~في النار حتى إذا جعله نارا أي صار نارا قال آتوني أفرغ عليه أي أصيب عليه ~~قطرا أي نحاسا مذابا فجعلت النار تأكل الحطب وجعل النحاس يسيل مكانه حتى ~~لزم الحديد النحاس قيل إن السد كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، ~~وقيل إن عرضه خمسون ذراعا وارتفاعه مائة ذراع وطوله فرسخ، واعلم أن هذا ~~السد معجزة عظيمة ظاهرة لأن الزبرة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار ~~لم يقدر أحد على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا بالقرب منها. فكأنه ~~تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين حتى تمكنوا ~~من العمل فيه فما اسطاعوا أن يظهروه أي يعلو عليه لعلوه وملاسته وما ~~استطاعوا له نقبا أي من أسفله لشدته وصلابته قال يعني ذو القرنين هذا أي ~~السد ms2362 رحمة من ربي أي نعمة من ربي فإذا جاء وعد ربي قيل يعني القيامة وقيل ~~وقت خروجهم جعله دكاء أي أرضا ملساء وقيل مدكوكا مستويا مع الأرض وكان وعد ~~ربي حقا. (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده تسعين» قوله وعقد ~~بيده تسعين هو من موضوعات الحساب، وهو أن تجعل رأس إصبعك السبابة في وسط ~~الإبهام من باطنها شبه الحلقة، لكن لا يتبين لها إلا خلل يسير وعنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا ~~يخرقونه قال بعضهم ارجعوا فستحفرونه غدا قال فيعيده الله كأشد ما كان حتى ~~إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم ~~ارجعوا فستحفرونه غدا، إن شاء الله تعالى، واستثنى قال فيرجعون فيجدونه ~~PageV03P178 # على هيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس فيستقون المياه وتفر ~~منهم الناس» وفي رواية «تتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون بسهام إلى ~~السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء ~~فيزدادون قسوة وعتوا، فيبعث الله عليهم نغفا في رقابهم فيهلكون، فو الذي ~~نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا» أخرج الترمذي. ~~وقوله قسوة وعتوا أي غلظة وفظاظة وتكبرا، والنغف دود يكون في أنوف الإبل ~~والغنم وقوله وتشكر يقال شكرت الشاة تشكر شكرا، إذا امتلأ ضرعها لبنا، ~~والمعنى أنها تمتلي أجسامها لحما وتسمن. (خ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ~~ومأجوج». قوله عز وجل: # ### || [سورة الكهف (18): الآيات 99 الى 105] # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا ~~جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ~~إنا أعتدنا ms2363 جهنم للكافرين نزلا (102) قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) ~~أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا (105) # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض قيل هذا عند فتح السد، يقول تركنا يأجوج ~~ومأجوج يموج أي يدخل بعضهم في بعض كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعض ~~لكثرتهم، وقيل هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم في بعض لكثرتهم ويختلط ~~إنسهم بجنهم حيارى ونفخ في الصور فيه دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج من ~~علامات قرب الساعة فجمعناهم جمعا أي في صعيد واحد وعرضنا أي أبرزنا جهنم ~~يومئذ للكافرين عرضا ليشاهدوها عيانا الذين كانت أعينهم في غطاء أي غشاء ~~وستر عن ذكري أي عن الإيمان والقرآن والهدى والبيان وقيل عن رؤية الدلائل ~~وتبصرها وكانوا لا يستطيعون سمعا أي سمع قبول للإيمان والقرآن لغلبة الشقاء ~~عليهم، وقيل معناه لا يستطيعون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لشدة عداوتهم له. # قوله تعالى أفحسب أي أفظن الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ~~يعني أربابا يريد عيسى والملائكة، بل هم لهم أعداء يتبرؤون منهم. وقال ابن ~~عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله، والمعنى أفظن الذين كفروا أن ~~يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي فلا أعاقبهم وقيل معناه أفظنوا أنه ~~ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا أي هيأنا جهنم للكافرين ~~نزلا أي منزلا. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي مثواهم وقيل معدة لهم عندنا كالنزل ~~للضيف. قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا يعني الذين أتعبوا أنفسهم ~~في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا، قال ابن عباس: هم اليهود ~~والنصارى، وقيل هم الرهبان الذي حبسوا أنفسهم في الصوامع، وقال علي بن أبي ~~طالب: # هم أهل حوراء يعني الخوارج الذين ضل سعيهم أي بطل عملهم واجتهادهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أي يظنون أنهم يحسنون صنعا أي عملا ثم وصفهم ms2364 فقال ~~تعالى أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه يعني أنهم جحدوا دلائل توحيده ~~وقدرته، وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك لأنهم كفروا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وبالقرآن فصاروا كافرين بهذه الأشياء فحبطت أعمالهم أي بطلت فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا. قيل لا تقيم لهم ميزانا، لأن الميزان إنما توضع ~~لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميزوا مقدار الطاعات ومقدار السيئات. ~~قال أبو سعيد الخدري «يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم من العظم ~~كجبال # PageV03P179 # تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى «فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا» وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا شيئا فذلك قوله تعالى ~~«فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا حظ ~~ولا قدر ولا وزن (ق) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ~~وقال اقرءوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا». ### || [سورة الكهف (18): الآيات 106 الى 110] # ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين فيها لا ~~يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا (110) # ذلك إشارة إلى ما ذكر من حبوط أعمالهم وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال تعالى ~~جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا يعني سخرية واستهزاء. قوله ~~تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ~~فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة». ~~قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها ms2365 الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها ~~وأرفعها. وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة ~~الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات. وقيل: الفردوس البستان ~~بالرومية. وقيل: بلسان الحبش منقولا إلى العربية نزولا هو ما يهيأ للنازل ~~على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا. وقيل في معنى كانت لهم ~~أي في علم الله تعالى قبل أن يخلقوا خالدين فيها لا يبغون أي لا يطلبون ~~عنها حولا أي تحولا إلى غيرها، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، ~~كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. # قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي قال ابن عباس: قالت اليهود ~~يا محمد تزعم أننا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا» ثم تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وقيل لما نزل «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» قالت اليهود أوتينا ~~علم التوراة وفيها علم كل شيء. # فأنزل الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ما يستمده الكاتب ~~ويكتب به، وأصله من الزيادة قال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم ~~يكتب قيل والخلائق يكتبون لنفد البحر أي لنفد ماؤه قبل أن تنفد كلمات ربي ~~أي علمه وحكمه ولو جئنا بمثله مددا والمعنى ولو كان الخلائق يكتبون والبحر ~~يمدهم لفني ماء البحر ولم تفن كلمات ربي، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته ~~مددا وزيادة. قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم قال ابن عباس: علم الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقر ~~فيقول آنا آدمي مثلكم إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به وهو قوله تعالى ~~يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له في ملكه فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~أي يخاف المصير إليه وقيل يؤمل رؤية ربه فليعمل عملا صالحا أي من حصل ms2366 له ~~رجاء لقاء الله تعالى والمصير إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا أي لا يرائي بعمله ولما كان العمل الصالح قد يراد به وجه ~~الله سبحانه وتعالى وقد يراد به الرياء والسمعة اعتبر فيه قيدان، أحدهما: ~~يراد به سبحانه وتعالى والثاني: أن يكون مبرأ من جهات الشرك جميعها (ق) # PageV03P180 # عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به» قوله من سمع سمع الله به أي من ~~عمل عملا مراءاة للناس يشتهر بذلك شهرة الله يوم القيامة، وقيل سمع الله به ~~أي أسمعه المكروه (م) عن أبي هريرة قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن الله تبارك وتعالى يقول «أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا ~~أشرك فيه غيري تركته وشركه ولغير مسلم فأنا منه بريء هو والذي عمله». عن ~~سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «إذا جمع الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله ~~لله أحدا فليطلب ثوابه منه فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» أخرجه الترمذي. ~~وقال حديث غريب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أخوف ما أخاف عليكم ~~الشرك الأصغر؟ قالوا وما الشرك الأصغر قال الرياء». (م) عن أبي الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من ~~فتنة الدجال» وفي رواية من آخرها والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P181 ### | سورة مريم # مكية وهي ثمان وتسعون آية وثمانون وسبعمائة كلمة وثلاثة آلاف وسبعمائة ~~حرف بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة مريم (19): الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب ~~إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت ms2367 امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي ~~عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا (9) # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) # كهيعص قال ابن عباس رضي الله عنهما هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل اسم ~~للقرآن، وقيل للسورة وقيل هو قسم أقسم الله تعالى به. وعن ابن عباس قال ~~الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، ~~والصاد من صادق، وقيل معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ~~ببريته صادق في وعده. # ذكر أي هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمت ربك عبده زكريا قيل معناه ذكر ربك ~~عبده زكريا برحمته إذ نادى أي دعا ربه في المحراب نداء خفيا أي دعاء سرا من ~~قيامه في جوف الليل، وقيل راعى سنة الله في إخفاء دعائه لأن الجهر والإسرار ~~عند الله تعالى سيان، ولكن الإخفاء أولى، وقيل خفت صوته لضعفه وهرمه يدل ~~عليه قوله تعالى قال رب إني وهن أي رق وضعف العظم مني أي من الكبر وقيل ~~اشتكى سقوط الأضراس واشتعل الرأس أي ابيض الشعر شيبا أي شمطا ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا أي عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني، وقيل معناه لما ~~دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان وإني خفت الموالي من ورائي ~~أي من بعد موتي والموالي هم بنو العم وقيل العصبة وقيل الكلالة وقيل جميع ~~الورثة وكانت امرأتي عاقرا أي لا تلد فهب لي من لدنك وليا أي أعطني من عندك ~~ولدا مرضيا يرثني ويرث من آل يعقوب أي وليا ذا رشاد، وقيل أراد به يرث مالي ~~ويرث من آل يعقوب النبوة والعلم، وقيل أراد به الحبورة، لأن زكريا كان ms2368 رأس ~~الأحبار، والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأن الأنبياء لم يورثوا ~~المال وإنما يورثون العلم، ويبعد عن زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يشفق على ~~ماله أن يرثه بنو عمه، وإنما خاف أن يضيع بنو عمه # PageV03P182 # دين الله ويغيروا أحكامه، وذلك لما أن شاهد من بني إسرائيل تبديل الدين ~~وقتل الأنبياء. فسأل ربه ولدا صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا ~~يضيع وهذا قول ابن عباس واجعله رب رضيا أي برا تقيا مرضيا. # قوله تعالى يا زكريا المعنى فاستجاب الله له دعائه فقال يا زكريا إنا ~~نبشرك بغلام أي بولد ذكر اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا أي لم يسم أحد ~~قبله يحيى وقيل معناه لم نجعل له شبها ومثلا، وذلك لأنه لم يعص الله ولم ~~يهم بمعصية قط وقال ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، قيل لم يرد الله ~~تعالى بذلك اجتماع الفضائل كلها ليحيى، وإنما أراد بعضها لأن الخليل ~~والكليم كانا قبله وهما أفضل منه قال رب أنى يكون لي أي من أين يكون لي ~~غلام وكانت امرأتي عاقرا أي وامرأتي عاقر وقد بلغت من الكبر عتيا أي يأسا ~~يريد بذلك نحول الجسم ودقة العظم ونحول الجلد قال كذلك قال ربك هو علي هين ~~أي يسير وقد خلقتك من قبل أي من قبل يحيى ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية ~~أي دلالة على حمل امرأتي قال آيتك أي علامتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ~~أي صحيحا سليما من غير بأس ولا خرس، وقيل ثلاث ليال متتابعات والأول أصح ~~قيل إنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله انطلق لسانه. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة مريم (19): الآيات 11 الى 22] # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى ~~خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ~~(13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ms2369 ~~ويوم يبعث حيا (15) # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) # فخرج على قومه من المحراب أي من الموضع الذي كان يصلي فيه وكان الناس من ~~وراء المحراب ينتظرونه حتى يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج إليهم ~~زكريا متغيرا لونه فأنكروا ذلك عليه، وقالوا له ما لك فأوحى أي فأومأ وأشار ~~إليهم وقيل كتب لهم في الأرض أن سبحوا أي صلوا لله بكرة وعشيا المعنى أنه ~~كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ~~ومنع من الكلام خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل يا يحيى فيه ~~إضمار ومعناه وهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب أي التوراة بقوة أي ~~بجد واجتهاد وآتيناه الحكم قال ابن عباس: يعني النبوة صبيا وهو ابن ثلاث ~~سنين وذلك أن الله تعالى أحكم عقله وأوحى إليه، فإن قلت كيف يصح حصول العقل ~~والفطنة والنبوة حال الصبا. قلت لأن أصل النبوة مبني على خرق العادات، إذا ~~ثبت هذا فلا تمنع صيرورة الصبي نبيا، وقيل أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ ~~التوراة وهو صغير وعن بعض السلف قال من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو من أوتي ~~الحكم صبيا وحنانا من لدنا أي رحمة من عندنا قال الحطيئة يخاطب عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه: # تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا # أي ترحم علي وزكاة قال ابن عباس: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل هي ~~العمل الصالح، ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ~~ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاصه وكان ms2370 تقيا أي # PageV03P183 # مسلما مخلصا مطيعا، وكان من تقواه إنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها قط وبرا ~~بوالديه # أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى ~~أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا الآية ولم يكن جبارا # الجبار المتكبر وقيل الذي يقتل ويضرب على الغضب، وقيل الجبار الذي لا يرى ~~لأحد على نفسه حقا وهو التعظيم بنفسه يرى أن لا يلزمه قضاء لأحد عصيا # قيل هو أبلغ من المعاصي والمراد وصف يحيى بالتواضع ولين الجانب وهو من ~~صفات المؤمنين وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا # معناه وأمان له من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني ~~آدم وأمان له يوم يموت من عذاب القبر ويوم يبعث حيا من عذاب يوم القيامة، ~~وقيل أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد لأنه يرى نفسه خارجا من ~~مكان قد كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوما ما شاهدهم قط، ويوم يبعث لأنه ~~يرى مشهدا عظيما فأكرم الله تعالى يحيى في هذه المواطن كلها فخصه بالسلامة ~~فيها. # قوله عز وجل واذكر في الكتاب # أي في القرآن مريم إذ انتبذت # أي تنحت واعتزلت من أهلها # أي من قومها مكانا شرقيا # أي مكانا في الدار ما يلي المشرق، وكان ذلك اليوم شاتيا شديد البرد فجلست ~~في مشرقه تفلي رأسها وقيل إن مريم كانت قد طهرت من الحيض فذهبت تغتسل، قيل ~~ولهذا المعنى اتخذت النصارى المشرق قبلة فاتخذت # أي فضربت من دونهم حجابا # قال ابن عباس أي سترا وقيل جلست وراء جدار، وقيل إن مريم كانت تكون في ~~المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، ~~فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد ~~وضيء الوجه سوي الخلق فذلك. # قوله تعالى فأرسلنا إليها روحنا # يعني جبريل فتمثل لها بشرا سويا # أي سوي ms2371 الخلق لم ينقص من الصورة الآدمية شيئا، وإنما مثل لها في صورة ~~الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ~~عنه ولم تقدر على استماع كلامه، وقيل المراد من الروح روح عيسى جاءت في ~~صورة بشر فحملت به والقول الأول أصح، فلما رأت مريم جبريل عليه السلام يقصد ~~نحوها بادرته من بعيد قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # أي مؤمنا مطيعا لله تعالى، دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها ~~وورعها. فإن قلت إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إن كنت تقيا. قلت هذا ~~كقول القائل إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من ~~الظلم، كذلك ها هنا معناه ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور قال # لها جبريل عليه السلام إنما أنا رسول ربك لأهب # أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله تعالى لأنه أرسل به لك غلاما ~~زكيا # قال ابن عباس ولدا صالحا طاهرا من الذنوب قالت مريم أنى يكون لي أي من ~~أين يكون لي غلام ولم يمسسني بشر أي ولم يقربني زوج ولم أك بغيا أي فاجرة ~~تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح ولم يكن ها هنا واحد منهما قال ~~جبريل كذلك قال ربك أي هكذا قال ربك هو علي هين أي خلق ولدك بلا أب ولنجعله ~~آية للناس أي علامة لهم ودلالة على قدرتنا ورحمة منا أي ونعمة لمن تبعه على ~~دينه إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وكان أمرا مقضيا أي محكوما مفروغا ~~من لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل فحملته قيل إن جبريل رفع درعها فنفخ في ~~جيبه فحملت حين لبست الدرع، وقيل مد جيب درعها بإصبعه ثم نفخ في الجيب، ~~وقيل نفخ في كمها وقيل في ذيلها، وقيل في فيها، وقيل نفخ من بعيد فوصل ~~النفخ إليها فحملت بعيسى عليه السلام في الحال فانتبذت به أي فلما حملته ~~تنحت بالحمل وانفردت مكانا قصيا ms2372 أي بعيدا من أهلها. # قال ابن عباس: أقصى الوادي، وهو بيت لحم فرارا من أهلها وقومها أن ~~يعيروها بولادتها من غير زوج. # PageV03P184 # قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة وقيل حملته في ساعة وصور ~~في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وقيل كانت مدته تسعة أشهر ~~كحمل سائر الحوامل من النساء، وقيل كانت مدة حملها ثمانية أشهر، وذلك آية ~~أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش، وقيل ~~ولد لستة أشهر وهي بنت عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل ست عشرة سنة وقد ~~كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى، وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى كان ~~معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي يمنة ~~جبل صهيون، وكانا يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم من أهل زمانها أحد أشد عبادة ~~واجتهادا منها وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيرا في أمرها كلما أراد ~~أن يتهمها ذكر عبادتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ~~ما ظهر منها من الحمل فأول ما تكلم به أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ~~وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل ~~قولا جميلا، قال أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل ينبت شجر بغير ~~غيث وهل يكون ولد من غير ذكر؟ # قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تر أن ~~الله أنبت الشجرة بالقدرة من غير غيث أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ~~ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها قال يوسف: # لا أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على كل شيء يقول له كن فيكون، ~~قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ~~ذلك زال ما ms2373 عنده من التهمة وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف ~~عليها بسبب الحمل. فلما دنت ولادتها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك ~~فذلك قوله تعالى فانتبذت به مكانا قصيا قوله عز وجل: # ### || [سورة مريم (19): الآيات 23 الى 28] # فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ~~(23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع ~~النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من ~~البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به ~~قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) # يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # فأجاءها المخاض أي ألجأها وجاء بها والمخاض وجع الولادة إلى جذع النخلة ~~وكانت نخلة يبست في الصحراء في شدة البرد ولم يكن لها سعف، وقيل التجأت ~~إليها تستند إليها وتستمسك بها من شدة الطلق، ووجع الولادة قالت يا ليتني ~~مت قبل هذا تمنت الموت استحياء من الناس وخوفا من الفضيحة وكنت نسيا منسيا ~~يعني شيئا حقيرا متروكا لم يذكر، ولم يعرف لحقارته وقيل جيفة ملقاة، وقيل ~~معناه أنها تمنت أنها لم تخلق فناداها من تحتها قيل إن مريم كانت على أكمة ~~وجبريل وراء الأكمة تحتها، وقيل ناداها من سفح الجبل وقيل هو عيسى وذلك أنه ~~لما خرج من بطن أمه ناداها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا أي نهرا. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب جبريل عليه السلام، وقيل عيسى عليه ~~السلام برجله في الأرض فظهرت عين ماء عذبة، وجرت وقيل كان هناك نهر يابس ~~فجرى فيه الماء بقدرة الله سبحانه وتعالى وجنت النخلة اليابسة، فأورقت ~~وأثمرت وأرطبت وقيل معنى تحتك تحت أمرك إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته ~~بالإمساك أمسك وقيل معنى سريا أي عيسى وكان عبدا سريا رفيعا وهزي إليك أي ~~حركي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا قيل الجنى ms2374 الذي بلغ الغاية ~~وجاء أوان اجتنائه. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا ~~للمريض خير من العسل فكلي واشربي أي مريم كلي من الرطب واشربي من النهر ~~وقري عينا # PageV03P185 # أي طيبي نفسا، وقيل قري عينا بولدك عيسى، يقال أقر الله عينك أي صادف ~~فؤادك ما يرضيك فتقر عينيك عن النظر إلى غيره فإما ترين من البشر أحدا ~~معناه يسألك عن ولدك فقولي إني نذرت للرحمن صوما أي صمتا، قيل كان في بني ~~إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم حتى ~~يمسي، وقيل إن الله أمرها أن تقول هذا إشارة وقيل أمرها أن تقول هذا القول ~~نطقا ثم تمسك عن الكلام بعده وإنما منعت من الكلام لأمرين أحدهما: أن يكون ~~عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها ~~وفيه دلالة على أن تفويض الكلام إلى الأفضل أولى. الثاني: كراهة مجادلة ~~السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه واجب فلن أكلم اليوم إنسيا يقال إنها ~~كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس. # قوله تعالى فأتت به قومها تحمله قيل إنها لما ولدت عيسى عليه السلام ~~حملته في الحال إلى قومها وقيل إن يوسف النجار احتمل مريم وابنها عيسى إلى ~~غار فمكث فيه أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم حملته إلى قومها فكلمها ~~عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على ~~أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين قالوا يا مريم لقد ~~جئت شيئا فريا أي عظيما منكرا وقيل معناه جئت بأمر عجيب بديع يا أخت هارون ~~أي شبيهة هارون قيل كان رجلا صالحا في بني إسرائيل شبهت به في عفتها ~~وصلاحها وليس المراد الأخوة في النسب، قيل إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ~~ألفا من بني إسرائيل كلهم يسمى هارون سوى سائر الناس (م) عن المغيرة بن ~~شعبة قال: لما قدمت خراسان سألوني فقالوا إنكم تقرؤون يا أخت هارون ms2375 وموسى ~~قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ~~ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم». # وقيل كان هارون أخا مريم لأبيها، وقيل كان من أمثل رجل في بني إسرائيل ~~وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي يا أخا ~~تميم، وقيل كان هارون في بني إسرائيل فاسقا أعظم الفسق فشبهوها به ما كان ~~أبوك يعني عمران امرأ سوء قال ابن عباس: زانيا وما كانت أمك يعني حنة بغيا ~~أي زانية فمن أين لك هذا الولد. # ### || [سورة مريم (19): الآيات 29 الى 37] # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم (37) # فأشارت إليه أي أشارت مريم إلى عيسى أن كلمهم، قال ابن مسعود: لما لم يكن ~~لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها، وقيل لما أشارت إليه غضب القوم ~~وقالوا مع ما فعلت أتسخرين بنا قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قيل ~~أراد بالمهد الحجر وهو حجرها، وقيل هو المهد بعينه قيل لما سمع عيسى كلامهم ~~ترك الرضاع وأقبل عليهم، وقيل لما أشارت إليه ترك الرضاع واتكأ على يساره ~~وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه قال إني عبد الله قال وهب: أتاها زكرياء عند ~~مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك ~~عيسى وهو ابن أربعين يوما، وقيل: بل يوم ولد إني عبد الله أقر على نفسه ~~بالعبودية لله تعالى ms2376 أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها. فإن قلت إن الذي اشتدت ~~إليه الحاجة في ذلك الوقت نفي التهمة عن أمه وأن عيسى لم # PageV03P186 # ينص على ذلك، وإنما نص على إثبات عبوديته لله تعالى. # قلت كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن أمه، ~~فلهذا أول ما تكلم باعترافه على نفسه بالعبودية لتحصل إزالة التهمة عن ~~الأم، لأن الله تعالى لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في زنا، والتكلم ~~بإزالة التهمة عن أمه لا يفيد إزالة التهمة عن الله سبحانه وتعالى فكان ~~الاشتغال بذلك أو آتاني الكتاب وجعلني نبيا قيل معناه سيجعلني نبيا ويؤتيني ~~الكتاب وهو الإنجيل وهذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ كما قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا قال: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» ~~وقال الأكثرون إنه أوتي الإنجيل، وهو صغير وكان يعقل عقل الرجال الكمل وعن ~~الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه وجعلني مباركا أين ما كنت معناه أني ~~نفاع أينما توجهت، وقيل معلما للخير أدعوا إلى الله وإلى توحيده وعبادته ~~وقيل مباركا على من يتبعني وأوصاني بالصلاة والزكاة أي أمرني بهما وكلفني ~~فعلهما. فإن قلت كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، في حال طفوليته وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ» الحديث ... قلت إن قوله ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل ~~المراد أوصاه بأدائهما في الوقت المعين لهما وهو البلوغ، وقيل إن الله ~~تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغا عاقلا وهذا القول أظهر في سياق قوله ما ~~دمت حيا فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان ~~في الأرض، وحين رفع إلى السماء وحين ينزل الأرض بعد رفعه وبرا بوالدتي أي ~~جعلني برا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا أي عاصيا لربي متكبرا على الحق ~~بل، وأنا خاضع متواضع وروي أنه قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي، ms2377 قال بعض ~~العلماء لا تجد العاق إلا جبارا شقيا وتلا هذه الآية، وقيل الشقي الذي يذنب ~~ولا يتوب. # والسلام علي يوم ولدت أي السلامة عند الولادة من طعن الشيطان ويوم أموت ~~أي عند الموت من الشرك ويوم أبعث حيا أي من أهوال يوم القيامة فلما كلمهم ~~عيسى بذلك علموا براءة مريم ثم سكت عيسى فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي ~~يتكلم فيها الأطفال ذلك عيسى ابن مريم أي ذلك الذي قال إني عبد الله هو ~~عيسى بن مريم قول الحق أي هذا الكلام هو القول الحق أضاف القول إلى الحق، ~~وقيل هو نعت لعيسى يعني بذلك عيسى بن مريم كلمة الله الحق والحق هو الله ~~الذي فيه يمترون أي يشكون ويختلفون فقائل يقول هو ابن الله وقائل يقول ثالث ~~ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ثم نزه نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه ~~عنه فقال تعالى ما كان لله أن يتخذ من ولد أي ما كان من صفاته اتخاذ الولد ~~ولا ينبغي له ذلك سبحانه إذا قضى أمرا أي إذا أراد أن يحدث أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون أي لا يتعذر عليه اتخاذه على الوجه الذي أراده وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك يعني لأن الله ربي وربكم لا ~~رب للمخلوقات سواه هذا صراط مستقيم أي هذا الذي أخبرتكم به أن الله أمرني ~~به هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة فاختلف الأحزاب من بينهم يعني ~~النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى النسطورية ~~والملكانية واليعقوبية فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم يعني يوم القيامة ~~حين. # ### || [سورة مريم (19): الآيات 38 الى 46] # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن ~~نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما ms2378 لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا (42) # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) ~~يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف ~~أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) # PageV03P187 # أسمع بهم وأبصر أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع ~~والبصر أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ويبصروا في ~~الدنيا، وقيل معناه التهديد بما يسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع ويصدع ~~قلوبهم يوم يأتوننا أي يوم القيامة لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين قيل ~~أراد باليوم الدنيا، يعني أنهم في الدنيا في خطأ بين وفي الآخرة يعرفون ~~الحق، وقيل: معناه لكن الظالمون في الآخرة في ضلال عن طريق الجنة بخلاف ~~المؤمنين. # قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة يعني خوف يا محمد كفار مكة يوم الحسرة، ~~سمي بذلك لأن المسيء يتحسر هلا أحسن العمل والمحسن هلا زاد في الإحسان، يدل ~~عليه ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«ما من أحد يموت إلا ندم قالوا ما ندمه يا رسول الله قال: إن كان محسنا ندم ~~أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع» أخرجه الترمذي. قوله ~~أن لا يكون نزع النزع عن الشيء: الكف عنه، وقال أكثر المفسرين يعني بيوم ~~الحسرة حين يذبح الموت. (ق) عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة ~~فيشرفون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ~~ثم ينادي مناد آخر يا أهل النار فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا ~~فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول يا ~~أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت ms2379 ثم قرأ. # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون وأشار بيده ~~إلى الدنيا وزاد الترمذي فيه «فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن ~~أحدا مات حزنا لمات أهل النار» قوله كهيئة كبش أملح الأملح: المختلط ~~بالبياض والسواد، قوله فيشرفون يقال أشرف إلى الشيء إذا تطلع ينظر إليه ~~ومالت نحوه نفسه. # قوله فيذبح بين الجنة والنار اعلم أن الموت عرض ليس بجسم في صورة كبش أو ~~غيره فعلى هذا يتأول الحديث، على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم وهو حيوان ~~فيذبح فيموت فلا يبقى يرجى له حياة ولا وجود، وكذلك حال أهل الجنة والنار ~~بعد الاستقرار فيهما لا زوال لهما ولا انتقال (ق) عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة ~~وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح ثم ~~ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة ~~فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم». عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة أحد إلا رأى مقعده من النار ~~لو أساء ليزداد شكرا ولا يدخل النار أحد إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ~~ليكون عليه حسرة» أخرجه البخاري. # وقوله تعالى إذ قضي الأمر أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار وذبح الموت وهم في غفلة أي عما يراد بهم في الآخرة وهم لا ~~يؤمنون أي لا يصدقون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها أي نميت سكان الأرض جميعا ~~ويبقى الله سبحانه وتعالى وحده فيرثهم وإلينا يرجعون فنجزيهم بأعمالهم. ~~قوله عز وجل ويبقى واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا أي كثير ~~الصدق وهو مبالغة في كونه صديقا، وقيل الصديق الكثير التصديق قيل من صدق ~~الله في وحدانيته وصدق أنبياءه ورسله وصدق بالبعث بعد الموت وقام بالأوامر ms2380 ~~فعمل بها فهو صديق، ولما قربت رتبة الصديق من رتبة النبي انتقل من ذكر كونه ~~صديقا إلى ذكر كونه نبيا، والنبي العالي في الرتبة بإرسال الله إياه وأي ~~رتبة أعلى من رتبة من جعله الله تعالى واسطة بينه # PageV03P188 # وبين عباده إذ قال لأبيه # يعني آزر وهو يعبد الأصنام يا أبت لم تعبد ما لا يسمع # يعني صوتا ولا يبصر # لا ينظر شيئا ولا يغني عنك # أي يكفيك شيئا # وصف الأصنام بثلاثة أشياء كل واحد منها قادح في الإلهية، وذلك أن العبادة ~~هي غاية التعظيم للمعبود فلا يستحقها إلا من له ولاية الإنعام وله أوصاف ~~الكمال وهو الله تعالى فلا يستحق العبادة إلا هو يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم يعني بالله والمعرفة ما لم يأتك فاتبعني أي على ديني أهدك صراطا سويا ~~أي مستقيما يا أبت لا تعبد الشيطان أي لا تطعه فيما يزين لك من الكفر ~~والشرك. # إن الشيطان كان للرحمن عصيا أي عاصيا يا أبت إني أخاف أي أعلم، وقيل هو ~~على ظاهره لأنه يمكن أن يؤمن فيكون من أهل الجنة، أو يصر على الكفر فيكون ~~من أهل النار فحمل الخوف على ظاهره أولى. # واعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن ~~مقرونا بالتلطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كلامه يا أبت دليل على شدة الحب ~~والرغبة في صرفه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، لأنه نبه أولا على ما يدل ~~على المنع من عبادة الأصنام ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه على أن ~~طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام ~~على ما لا ينبغي بقوله إني أخاف أن يمسك أي يصيبك عذاب من الرحمن أي إن ~~أقمت على الكفر فتكون للشيطان وليا أي قرينا في النار، وقيل صديقا له في ~~النار، وإنما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذا مع أبيه لأمور أحدها: ~~لشدة تعلق قلبه بصلاحية أبيه وأداء حق الأبوة والرفق به، وثانيها: أن النبي ~~الهادي ms2381 إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه، وثالثها: # النصح لكل أحد فالأب أولى قال يعني أباه مجيبا له أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم أي أتاركها أنت وتارك عبادتها لئن لم تنته أي ترجع وتسكت عن عيبك ~~آلهتنا وشتمك إياها لأرجمنك قال ابن عباس: # معناه لأضربنك، وقيل لأقتلنك بالحجارة، وقيل لأشتمنك، وقيل لأبعدنك عني ~~بالقول القبيح والقول الأول هو الصحيح واهجرني أي اجتنبني قال ابن عباس: ~~اعتزلني سالما لا يصيبنك مني معرة مليا أي دهرا طويلا. # ### || [سورة مريم (19): الآيات 47 الى 57] # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون ~~من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم ~~من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) واذكر في الكتاب موسى إنه كان ~~مخلصا وكان رسولا نبيا (51) # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا ~~أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان ~~رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) ~~واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) # ورفعناه مكانا عليا (57) # قال يعني إبراهيم سلام عليك أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه وذلك لأنه لم ~~يؤمن بقتاله على كفره، وقيل هذا سلام هجران ومفارقة، وقيل هو سلام بر ولطف ~~وهو جواب الحليم للسفيه سأستغفر لك ربي، قيل إنه لما أعياه أمره وعده أن ~~يراجع الله فيه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له، وقيل معناه سأسأل لك ربي ~~توبة تنال بها المغفرة إنه كان بي حفيا أي برا لطيفا والمراد أنه يستجيب لي ~~إذا دعوته لأنه عودني الإجابة لدعائي وأعتزلكم وما تدعون من دون الله أي ~~أفارقكم وأفارق ما تعبدون من دون الله وذلك أنه فارقهم وهاجر إلى الأرض ~~المقدسة وأدعوا ربي أي أعبد ربي الذي خلقني وأنعم علي عسى ألا أكون بدعاء ms2382 ~~ربي شقيا أي أرجو أن لا أشقى بدعاء ربي وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة ~~الأصنام، ففيه التواضع له مع التعريض بشقاوتهم. قوله عز وجل فلما اعتزلهم ~~وما يعبدون من دون الله أي ذهب مهاجرا وهبنا له أي بعد الهجرة # PageV03P189 # إسحاق ويعقوب أي آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد أكرم على الله من أبيه ~~وكلا جعلنا نبيا أي أنعمنا عليهما بالنبوة ووهبنا لهم من رحمتنا أي مع ما ~~وهبنا لهم من النبوة وهبنا لهم المال والولد وذلك أنه بسط لهم في الدنيا من ~~سعة الرزق وكثرة الأولاد وجعلنا لهم لسان صدق عليا يعني ثناء حسنا رفيعا في ~~أهل كل دين حتى دعا لهم أهل الأديان كلهم فهم يتولونهم ويثنون عليهم. # قوله عز وجل واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا قرئ بكسر اللام أي أخلص ~~العبادة، والطاعة لله تعالى ولم يراء وقرئ بالفتح أي مختارا اختاره الله ~~تعالى ثم استخلصه واصطفاه وكان رسولا نبيا فهذان وصفان مختلفان فكل رسول ~~نبي ولا عكس وناديناه من جانب الطور الأيمن أي من ناحية يمين موسى، والطور ~~جبل معروف بين مصر ومدين ويقال إن اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى ~~النار فنودي يا موسى إني أنا رب العالمين وقربناه قال ابن عباس: قربه وكلمه ~~ومعنى التقريب إسماعه كلامه وقيل رفعه على الحجب حتى سمع صرير الأقلام، ~~وقيل معناه رفع قدره ومنزلته أي وشرفناه بالمناجاة وهو قوله تعالى نجيا أي ~~مناجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا وذلك أن موسى دعا ربه فقال ~~واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي فأجاب الله دعوته، وأرسل إلى هارون ولذلك ~~سماه هبة له وكان هارون أكبر من موسى. # قوله عز وجل واذكر في الكتاب إسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم وهو جد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه كان صادق الوعد قيل إنه لم يعد شيئا إلا وفي به ~~وقيل إنه وعد رجلا أن يقوم مكانه حتى يرجع الرجل فوقف إسماعيل مكانه ثلاثة ~~أيام للميعاد، حتى رجع إليه ms2383 الرجل وقيل إنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى ~~به، فوصفه الله بهذا الخلق الحسن الشريف، سئل الشعبي عن الرجل يعد ميعادا ~~إلى أي وقت ينتظر فقال إن وعده نهارا فكل النهار وإن وعده ليلا فكل الليل، ~~وسئل بعضهم عن مثل ذلك فقال إن وعده في وقت صلاة ينتظر إلى وقت صلاة أخرى ~~وكان رسولا إلى جرهم، وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم إسماعيل ~~بوادي مكة حين خلفهم إبراهيم، وجرهم هو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ ~~وقحطان أبو قبائل اليمن نبيا أي مخبرا عن الله تعالى وكان يأمر أهله أي ~~قومه وجميع أمته بالصلاة والزكاة قال ابن عباس: يريد الصلاة المفروضة عليهم ~~وهي الحنيفية التي افترضت علينا، وقيل كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاة ~~والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم وكان عند ربه مرضيا أي قائما لله بطاعته ~~وقيل رضيه لنبوته ورسالته وهذا نهاية في المدح لأن المرضي عند الله هو ~~الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. قوله عز وجل واذكر في الكتاب إدريس هو جد ~~أبي نوح واسمه أخنوخ، سمي إدريس لكثرة دراسة الكتب وكان خياطا وهو أول من ~~خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط وكانوا من قبل يلبسون الجلود ~~وهو أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم الحساب. # إنه كان صديقا نبيا وذلك أن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين ~~صحيفة ورفعناه مكانا عليا قيل هي الرفعة بعلو المرتبة في الدنيا، وقيل إنه ~~رفع إلى السماء. وهو الأصح يدل عليه ما روى أنس بن مالك بن صعصعة «عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج» متفق ~~عليه وكان سبب رفع إدريس إلى السماء الرابعة على ما قاله كعب الأحبار ~~وغيره: أنه سار يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب إني مشيت يوما ~~فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها ~~وحرها، فلما أصبح ms2384 الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال يا رب ~~خلقتني لحر الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك ~~حملها وحرها، فأجبته قال يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن ~~له حتى أتى إدريس، فكان إدريس يسأله فكان ما سأله أن قال إني أخبرت أنك ~~أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي لعلي ازداد ~~شكرا وعبادة فقال الملك لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها # PageV03P190 # وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت ~~فقال له إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، فقال ملك ~~الموت ليس لي ذلك ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال نعم فنظر في ~~ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا. # قال وكيف ذلك فقال لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال إني أتيتك ~~وتركته هناك قال انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فو الله ما بقي من عمر ~~إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا وقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من ~~العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة واشتاق ~~إليه ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان ~~إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى الطعام فأبى أن يأكل معه ~~ففعل ذلك ثلاث ليال، فأنكره إدريس وقال له في الليلة الثالثة: إني أريد أن ~~أعلم من أنت قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أصحبك فقال لي إليك حاجة ~~قال وما هي قال تقبض روحي. فأوحى الله إليه أن اقبض روحه وردها الله إليه ~~بعد ساعة فقال له ملك الموت ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال لأذوق كرب ~~الموت وغمه فأكون أشد استعدادا له. ثم قال له إدريس لي إليك حاجة أخرى. قال ~~وما هي قال ترفعني إلى السماء ms2385 لأنظر إليها وإلى الجنة والنار فأذن الله له ~~فرفعه فلما قرب من النار قال لي إليك حاجة قال وما هي قال أريد أن أسأل ~~مالكا أن يرفع أبوابها فأراها. # ففعل قال فكما أريتني النار فأرني الجنة. فذهب به إلى الجنة فاستفتح ~~ففتحت أبوابها فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت اخرج لتعود إلى مقرك فتعلق ~~بشجرة، وقال ما أخرج منها فبعث الله إليه ملكا حكما بينهما قال له الملك ما ~~لك لا تخرج؟ قال لأن الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت وقد ذقته ثم قال ~~وإن منكم إلا واردها فأنا وردتها وقال وما هم منها بمخرجين فلست أخرج فأوحى ~~الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج فهو حي هناك فذلك ~~قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت. فقال ~~قوم هو ميت واستدل بالأول. وقال قوم هو حي واستدل بهذا. وقالوا أربعة من ~~الأنبياء أحياء اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس. واثنان في السماء وهما ~~إدريس وعيسى. قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19): الآيات 58 الى 62] # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده ~~مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين أولئك إشارة إلى المذكورين في ~~هذه السورة أنعم الله عليهم بالنبوة وغيرها ما تقدم وصفه من ذرية آدم يعني ~~إدريس ونوحا وممن حملنا مع نوح أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ~~يريد إبراهيم لأنه ولد سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم يعني إسحاق وإسماعيل ~~ويعقوب وإسرائيل أي ومن ذرية إسرائيل وهو ms2386 يعقوب وهم موسى ويحيى وهارون ~~وزكريا وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء ~~الذين ذكرهم على هذا الترتيب منها بذلك على أنهم كما شرفوا بالنسب ثم قال ~~تعالى وممن هدينا واجتبينا أي هؤلاء من أرشدنا واصطفينا وقيل من هدينا إلى ~~الإسلام واجتبينا على الأنام إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا جمع ~~ساجد وبكيا جمع باك، أخبر الله تعالى أن # PageV03P191 # الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا ~~خضوعا وخشوعا وخوفا وحذرا. والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة ~~عليهم، وقيل المراد من الآيات ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد ففيه ~~استحباب البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن. ### | (فصل) # وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند ~~تلاوة هذه السجدة، وقيل يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعوا بما يناسب ~~تلك السجدة، فإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك ~~والخاشعين لك. وإن قرأ سجدة مريم قال اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ~~الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. وإن سجد سجدة ألم السجدة قال اللهم ~~اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين ~~عن أمرك. # قوله تعالى فخلف من بعدهم أي من بعد النبيين المذكورين خلف أي قوم سواء ~~أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وتابعهم وقيل هم في هذه الأمة أضاعوا الصلاة ~~أي تركوا الصلاة المفروضة. وقيل أخروها عن وقتها وهو أن لا يصلي الظهر حتى ~~يأتي العصر ولا العصر حتى تأتي المغرب واتبعوا الشهوات أي آثروا شهوات ~~أنفسهم على طاعة الله وقيل اتبعوا المعاصي وشرب الخمور، وقيل هؤلاء قوم ~~يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بضع في الأسواق والأزقة فسوف يلقون ~~غيا قال ابن عباس: الغي واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد ~~للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ~~ولأهل العقوق، ولشاهد الزور وقيل هو واد في ms2387 جهنم بعيد قعره خبيث طعمه يسيل ~~قيحا ودما، وقيل: واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر تسمى الهيم ~~كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتستعر بها جهنم وقيل معنى غيا خسرانا ~~وقيل هلاكا وعذابا، وليس معنى يلقون يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة ~~مع الرؤية. # قوله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل صالحا يعني إلا من تاب من التقصير في ~~الصلوات والمعاصي وآمن من الكفر وعمل صالحا بطاعة الله تعالى فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون شيئا أي لا ينقصون شيئا ثم وصف الجنة فقال تعالى جنات عدن ~~أي بساتين إقامة وصفها بالدوام بخلاف جنات الدنيا فإنها لا تدوم التي وعد ~~الرحمن عباده بالغيب أي إنهم لا يرونها فهي غائبة عنهم وهم غائبون عنها إنه ~~كان وعده مأتيا أي آتيا وقيل معنى وعده موعود وهو الجنة مأتيا أي يأتيه ~~أولياء الله وأهل طاعته لا يسمعون فيها لغوا أي باطلا وفحشا وهو فضول ~~الكلام إلا سلاما يعني بل يسمعون فيها سلاما والسلام اسم جامع للخير لأنه ~~يتضمن معنى السلامة، وذلك أن أهل الجنة لا يسمعون فيها ما يؤلمهم، إنما ~~يسمعون تسليمهم، وقيل هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم، وقيل ~~هو تسليم الله عليهم ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال أهل التفسير: # يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار كعادتهم في الدنيا، وقيل إنهم ~~يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وقيل المراد منه ~~رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق ولا تقتير، وقيل: كانت العرب لا تعرف ~~أفضل من الرزق الذي يؤتى به البكرة والعشي، فوصف الله تعالى الجنة بذلك. ~~وقوله تعالى: ### || [سورة مريم (19): الآيات 63 الى 71] # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك ~~له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات ~~والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) ويقول ~~الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر ms2388 الإنسان أنا خلقناه من ~~قبل ولم يك شيئا (67) # فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من ~~كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) # PageV03P192 # تلك الجنة التي نورث من عبادنا أي نعطي وننزل وقيل يورث عباده المؤمنين ~~المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا من كان تقيا أي المتقين من عباده عز ~~وجل وما نتنزل إلا بأمر ربك (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا فنزلت ~~وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا» الآية قال فكان هذا ~~جواب جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم «وقيل احتبس جبريل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين سأله اليهود عن أمر الروح وأصحاب الكهف، ثم نزل بعد أيام ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، ~~فقال له جبريل وإني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا ~~أحبست احتبست» فأنزل الله تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وأنزل الله تعالى ~~والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وقوله له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا أي له علم ما بين أيدينا وما خلفنا، وقيل أكد ذلك بقوله ما بين ~~أيدينا وما خلفنا أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل، وقيل ~~معناه له ما بين أيدينا من أمر الآخرة والثواب والعقاب وما خلفنا أي ما مضى ~~من الدنيا وما بين ذلك أي من هذا الوقت إلى أن تقوم الساعة، وقيل ما بين ~~ذلك أي ما بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة، وقيل ما بين أيدينا ما بقي ~~من الدنيا وما خلفنا ما بقي منها وما بين ذلك أي مدة حياتنا وما كان ربك ~~نسيا أي ناسيا أي ما نسيك ربك وما ms2389 تركك رب السماوات والأرض وما بينهما أي ~~من يكون كذلك لا يجوز عليه النسيان لأنه لا بد أن يدبر أحوالها كلها، وفيه ~~دليل على أن فعل العبد خلق لله لأنه حاصل بين السموات والأرض فكان لله ~~تعالى فاعبده واصطبر لعبادته أي اصبر على أمره ونهيه هل تعلم له سميا قال ~~ابن عباس: مثلا وقيل هل تعلم أحدا يسمى الله غير الله. # قوله تعالى ويقول الإنسان أي جنس الإنسان والمراد به الكفار الذين أنكروا ~~البعث، وقيل هو أبي بن خلف الجمحي وكان منكرا للبعث أإذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا قاله استهزاء وتكذيبا للبعث قال الله تعالى أولا يذكر الإنسان أي يتذكر ~~ويتفكر يعني منكر البعث أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا والمعنى أولا يتفكر ~~هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة. قال بعض العلماء: لو اجتمع ~~كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا ~~شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا ثم أقسم بنفسه فقال تعالى فو ربك ~~وفيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم لنحشرنهم أي لنجمعنهم في المعاد يعني ~~المشركين المنكرين للبعث والشياطين أي مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر ~~مع شيطان في سلسلة ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا قال ابن عباس: جماعات وقيل ~~جاثين على الركب لضيق المكان، وقيل إن البارك على ركبتيه صورته كصورة ~~الذليل. فإن قلت هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى وترى كل أمة جاثية. # قلت وصفوا بالجثو على العادة المعهودة في مواقف المقالات والمناقلات، ~~وذلك لما فيه من القلق مما يدهمهم من شدة الأمور التي لا يطيقون معها ~~القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا ثم لننزعن أي لنخرجن من كل شيعة ~~أي من كل أمة وأهل دين من الكفار أيهم أشد على الرحمن عتيا قال ابن عباس: # يعني جرأة وقيل فجورا وتمردا، وقيل قائدهم رئيسهم في الشرك، والمعنى أنه ~~يقدم في إدخال النار الأعتى ممن هو أكبر جرما وأشد ms2390 كفرا. وفي بعض الأخبار ~~أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم الأكفر فالأكفر فمن ~~كان أشد منهم تمردا في كفره خص بعذاب أعظم وأشد لأن عذاب الضال المضل واجب ~~أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال. وفائدة هذا التمييز ~~التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل # PageV03P193 # العذاب فلذلك قال في جميعهم ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ولا ~~يقال أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب وقيل معنى الآية أنهم أحق بدخول ~~النار. # قوله عز وجل وإن منكم إلا واردها أي وما منكم إلا واردها وقيل القسم فيه ~~مضمر أي والله ما منكم من أحد إلا واردها والورود هو موافاة المكان، ~~واختلفوا في معنى الورود ها هنا وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله واردها ~~فقال ابن عباس والأكثرون: معنى الورود هنا الدخول، والكناية راجعة إلى ~~النار، فيدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله الذين اتقوا منها، يدل عليه ما ~~روي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول ~~فقال نافع: ليس الورود الدخول فقرأ ابن عباس إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون أدخلها هؤلاء أم لا ثم قال يا نافع والله أنا ~~وأنت سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله أن يخرجك منها ~~بتكذيبك فمن قال بدخول المؤمنين النار يقول من غير خوف ولا ضرر ولا عذاب ~~البتة بل مع الغبطة والسرور لأن الله تعالى أخبر عنهم لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر. فإن قلت كيف يدفع عن المؤمنين حر النار وعذابها، قلت يحتمل أن الله ~~تعالى يخمد النار فتعبرها المؤمنون، ويحتمل أن الله تعالى يجعل الأجزاء ~~الملاصقة لأبدان الكفار من النار محرقة والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين ~~تكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت في حق إبراهيم عليه السلام، وكما ~~أن الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها فإن قلت إذا لم يكن على المؤمنين ~~عذاب فما فائدة دخولهم النار. # قلت فيه وجوه، أحدها: أن ms2391 ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه، ~~وثانيها: أن فيه مزيد غم على أهل النار، حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها ~~وهم باقون فيها، وثالثها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب الذي على الكفار صار ~~ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. وقال قوم ليس المراد من الورود ~~الدخول، وقالوا لا يدخل النار مؤمن أبدا لقوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها فعلى هذا يكون المراد من الورود ~~الحضور والرؤية، لا الدخول كما قال تعالى ولما ورد ماء مدين أراد به ~~الحضور، وقال عكرمة الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها وروي ~~عن ابن مسعود أنه قال وإن منكم إلا واردها، يعني القيامة والكناية راجعة ~~إليها، والقول الأول أصح وعليه أهل السنة فإنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج ~~الله منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا أي الشرك وهم ~~المؤمنون والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه، يدل ما روي عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يموت لأحد من المؤمنين ثلاثة من ~~الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» وفي رواية «فيلج النار إلا تحلة القسم» ~~أخرجاه في الصحيحين، أراد بالقسم قوله تعالى وإن منكم إلا واردها (م) عن أم ~~مبشر الأنصارية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة «لا ~~يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها ~~قالت بلى يا رسول الله فانتهزها فقالت حفصة وإن منكم إلا واردها فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد قال الله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا. # وقال خالد بن معدان يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال ~~بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة وفي الحديث «تقول النار للمؤمنين جز يا ~~مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي». وروي عن مجاهد في قوله تعالى وإن منكم إلا ~~واردها قال من حم من المسلمين فقد وردها» ms2392 وفي الخبر «الحمى كير من جهنم وهي ~~حظ المؤمن من النار» (ق) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الحمى ~~من فيح جهنم فأبردوها بالماء» قوله فيح جهنم وهجها وحرها. # وقوله تعالى كان على ربك حتما مقضيا أي كان ورود جهنم قضاء لازما قضاه ~~الله تعالى عليكم وأوجبه. ### || [سورة مريم (19): آية 72] # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) # PageV03P194 # ثم ننجي الذين اتقوا أي الشرك ونذر الظالمين فيها جثيا أي جميعا، وقيل ~~جاثين على الركب قالت المعتزلة في الآية دليل على صحة مذهبهم، في أن صاحب ~~الكبيرة والفاسق يخلد في النار بدليل أن الله بين أن الكل يردونها ثم بين ~~صفة من ينجو منها، وهم المتقون والفاسق لا يكون متقيا فبقي في النار أبدا. ~~وأجيب عنه بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك بقول لا إله إلا الله ويشهد لصحة ~~ذلك أن من آمن بالله ورسوله، صح أن يقول إنه متق من الشرك ومن صدق عليه أنه ~~متق من الشرك صح أنه متق، لأن المتقي جزء من المتقي من الشرك ومن صدق عليه ~~المركب صدق عليه المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة متق وإذا ثبت ذلك وجب أن ~~يخرج من النار بعموم قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا # فصارت الآية التي توهموها دليلا لهم من أقوى الدلائل على فساد قولهم، ~~وهذا من حيث البحث وأما من حيث النص فقد وردت أحاديث تدل على إخراج المؤمن ~~الموحد من النار (خ) عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يخرج ~~من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من ~~النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من ~~قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير وفي رواية من إيمان». (ق) عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة؟ قال: «هل تمارون ms2393 في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا لا. يا ~~رسول الله. قال هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا. يا رسول ~~الله. # قال فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة، فيقول الله من كان يعبد ~~شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع ~~الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم ~~فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله ~~فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ~~فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام الرسل ~~يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك ~~السعدان؟ قالوا نعم. # قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى ~~تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من ينجدل ثم ينجو، حتى إذا ~~أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان ~~يعبد الله فيخرجوهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل ~~أعضاء السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة ~~فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ من القضاء بين العباد ويبقى ~~رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار ~~فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيقول هل ~~عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي الله ما شاء من ~~عهد وميثاق. # فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى نكهتها وبهجتها ~~سكت ما شاء الله تعالى أن يسكت، ثم يقول يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول ~~الله أليس قد أعطيت المواثيق والعهود أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول ~~يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت أن أعطيت ذلك أن لا ms2394 تسأل غيره ~~فيقول وعزتك لا أسأل غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى ~~باب الجنة فإذا بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما ~~شاء الله أن يسكت، فيقول يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله تبارك وتعالى ويحك ~~يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي ~~أعطيت؟ فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله عز وجل منه ثم يؤذن له ~~في دخول الجنة فيقول له تمن فيتمنى. حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله تمن ~~كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله لك ذلك ومثله ~~معه». قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة «وعشرة أمثاله» قال أبو هريرة لم ~~أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله لك ذلك ومثله معه. قال أبو ~~سعيد رضي الله عنه: سمعته يقول «لك ذلك وعشرة أمثاله». وفي رواية للبخاري ~~قال فيأتيهم الله في غير الصورة التي # PageV03P195 # يعرفونها فيقول أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ~~ربنا فإذا أتانا عرفناه. فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فيقول أنا ~~ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه». قلت أما ما يتعلق بمعاني الحديث والكلام ~~على الرؤية فسيأتي في تفسير سورة ن والقيامة ونتكلم ها هنا على شرح غريب ~~ألفاظه، قوله مثل شوك السعدان هو نبت ذو شوك معقف وهو من أجود مراعي الإبل. # وقوله فمنهم من يوبق بعمله يقال أوبقته الذنوب أي أهلكته. والمنجدل ~~المرمى المصورع وقيل هو المقطع. والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يقع ~~في النار. قوله وقد امتحشوا أي احترقوا، وقيل هو أن تذهب النار الجلد وتبدي ~~العظم. قوله كما تنبت الحبة في حميل السيل، الحبة بكسر الحاء وهي البذورات ~~جميعا وحميل السيل هو الزبد وما يلقيه الماء على شاطئه، قوله قشبني ريحها ~~أي آذاني والقشب السم فكأنه قال قد سمني ريحها. قوله وأحرقني ذكاؤها أي ~~اشتعالها ولهبها قوله رأى زهرتها ms2395 الزهرة الحسن والنضارة والبهجة. (ق) عن ~~ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لأعلم آخر أهل النار ~~خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا، فيقول ~~الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول يا رب ~~وجدتها ملأى. فيقول الله تعالى له اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا ~~وعشرة أمثالها، أو أن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول أتسخر بي وأنت الملك ~~فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» فكان يقال ذلك ~~أدنى أهل الجنة منزلة قوله حتى بدت نواجذه أي أضراسه وأنيابه، وقيل هي آخر ~~الأسنان. # عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة، قال فيخرجون فيطرحون على أبواب ~~الجنة، قال فيرش عليهم أهل الجنة من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حمالة ~~السيل» أخرجه الترمذي الحمم الفحم والحمالة كل ما جاء به السيل، فدلت الآية ~~الأولى على أن الكل دخلوا النار ودلت الآية الثانية والأحاديث أن الله ~~تعالى أخرج منها المتقين وجميع الموحدين وترك فيها الظالمين وهم المشركون. ~~قوله تعالى: # ### || [سورة مريم (19): الآيات 73 الى 77] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ~~(74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ~~(76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات أي دلائل واضحات قال الذين كفروا يعني ~~النضر بن الحارث ومن دونه من كفار قريش للذين آمنوا يعني فقراء أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ms2396 ثيابهم ~~رثاثة، وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون أفخر ثيابهم أي ~~الفريقين خير مقاما # أي منزلا ومسكنا وهو موضع الإقامة وأحسن نديا أي مجلسا فأجابهم الله ~~تعالى بقوله وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا أي متاعا وأموالا وقيل ~~أحسن ثيابا ولباسا ورءيا أي منظرا من الرؤية قل من كان في الضلالة فليمدد ~~له الرحمن مدا هذا أمر بمعنى الخبر معناه يدعه في طغيانه ويمهله في كفره ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب أي الأسر والقتل في الدنيا وإما الساعة ~~يعني القيامة فيدخلون النار فسيعلمون أي عند ذلك من هو شر مكانا أي منزلا ~~وأضعف جندا أي أقل ناصرا والمعنى فسيعلمون أهم خير وهم # PageV03P196 # في النار أم المؤمنون وهم في الجنة وهذا رد عليهم في قولهم أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا، قوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى أي إيمانا ~~وإيقانا على يقينهم والباقيات الصالحات أي الأذكار والأعمال الصالحة التي ~~تبقى لصاحبها خير عند ربك ثوابا وخير مردا أي عاقبة ومرجعا. قوله تعالى ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا الآية، (ق) عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا في ~~الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين فأتيته أتقاضاه، وفي رواية ~~فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا فجئته أتقاضاه، فقال لا أعطيك حتى تكفر ~~بمحمد. فقلت لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال وإني لميت ثم مبعوث. قلت ~~بلى قال دعني حتى أموت وأبعث فسأوتي مالا وولدا فأقضيك. فنزلت أفرأيت الذي ~~كفر بآياتنا. # ### || [سورة مريم (19): الآيات 78 الى 91] # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم ~~إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا ms2397 من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا (87) # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) # أم اتخذ عند الرحمن عهدا يعني قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل ~~يعني عمل عملا صالحا قدمه، وقيل عهد إليه أنه يدخله الجنة كلا رد عليه يعني ~~لم يفعل ذلك سنكتب سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه به في الآخرة، وقيل يأمر ~~الملائكة حتى يكتبوا ما يقول ونمد له من العذاب مدا أي نزيده عذابا فوق ~~العذاب، وقيل نطيل مدة عذابه ونرثه ما يقول معناه أي ما عنده من المال ~~والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه، وقيل يزول عنه ما عنده من مال وولد ~~فيعود الإرث إلى من خلفه وإذا سلب ذلك بقي فردا فذلك قوله ويأتينا يعني يوم ~~القيامة فردا بلا مال ولا ولد فلا يصح أن يبعث في الآخرة بمال وولد. قوله ~~تعالى واتخذوا من دون الله آلهة يعني مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة ~~يعبدونها ليكونوا لهم عزا أي منعة يعني يكونوا شفعاء يمنعوهم من العذاب كلا ~~أي ليس الأمر كما زعموا سيكفرون بعبادتهم يعني تجحد الأصنام والآلهة التي ~~كانوا يعبدونها عبادة المشركين ويتبرؤون منهم ويكونون عليهم ضدا أي أعوانا ~~عليهم يكذبونهم ويلعنونهم وقيل أعداء لهم وكانوا أولياءهم في الدنيا. قوله ~~عز وجل ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين أي سلطناهم عليهم تؤزهم ~~أزا أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية والمعنى تحثهم وتحرضهم على ~~المعاصي تحريضا شديدا وفي الآية دليل على أن الله تعالى مدبر لجميع ~~الكائنات فلا تعجل عليهم أي لا تعجل بطلب عقوبتهم إنما نعد لهم عدا يعني ~~الليالي والأيام والشهور والأعوام، وقيل الأنفاس التي يتنفسونها في الدنيا ~~إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. قوله تعالى يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~أي اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته ~~إلى جنته وفدا أي جماعات. قال ابن عباس: ركبانا قال أبو ms2398 هريرة: على الإبل. ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن ~~على نوق رحالها من الذهب ونجائب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا ~~بها طارت. ونسوق المجرمين أي الكافرين إلى جهنم وردا أي مشاة عطاشا قد ~~تقطعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد إلا بعد ~~العطش وقيل يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى ~~الماء (ق) عن أبي هريرة # PageV03P197 # رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يحشر الناس ~~يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على ~~بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر معهم النار تقيل معهم حيث قالوا ~~وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمضي معهم حيث أمسوا». قول ~~تقيل معهم حيث قالوا من القيلولة وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا ~~على وجوههم. # قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم ~~قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» أخرجه ~~الترمذي. # قوله عز وجل لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا يعني لا إله ~~إلا الله وقيل لا يشفع الشافعون إلا للمؤمنين، وقيل لا يشفع إلا لمن قال لا ~~إله إلا الله، أي لا يشفع إلا للمؤمنين وقالوا اتخذ الرحمن ولدا يعني ~~اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله من العرب لقد جئتم شيئا ~~إدا قال ابن عباس منكرا، وقيل معناه لقد قلتم قولا عظيما تكاد السماوات ~~يتفطرن منه من الانفطار وهو الشق وتنشق الأرض أي تخسف بهم وتخر الجبال هدا ~~أي تسقط وتنطبق عليهم أن دعوا أي من أجل أن جعلوا للرحمن ولدا فإن قلت ما ~~معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ومن أين تؤثر هذه الكلمة ~~في هذه الجمادات. قلت ms2399 فيه وجهان أحدهما: أن الله تعالى يقول كدت أن أفعل ~~هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها ~~لولا حلمي وإني لا أعجل بالعقوبة. الثاني: أن يكون استعظاما للكلمة وتهويلا ~~من فظاعتها وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده. قال ابن عباس ~~فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول ~~وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا اتخذ الله ولدا ثم نزه الله نفسه عن ~~اتخاذ الولد ونفاه عنه فقال تعالى: ### || [سورة مريم (19): الآيات 92 الى 98] # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~(95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به ~~لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه لله تعالى ولأن اتخاذ ~~الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله تعالى من سرور به واستعانة وذكر ~~جميل بعده وكل ذلك لا يليق بالله تعالى إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا أي آتية يوم القيامة عبدا ذليلا خاضعا، والمعنى أن الخلائق ~~كلهم عبيده لقد أحصاهم وعدهم عدا أي عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى ~~عليه شيء من أمورهم وكلهم تحت تدبيره وقهره وقدرته وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا أي وحيدا ليس معه من أحوال الدنيا شيء. # قوله عز وجل إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي ~~محبة قيل يحبهم الله تعالى ويحببهم إلى عباده المؤمنين (ق) عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا أحب الله ~~سبحانه وتعالى عبدا دعا جبريل عليه السلام إن الله تعالى يحب ms2400 فلانا فأحبه ~~فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه ~~أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وفي رواية لمسلم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل ~~فقال إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله ~~يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض ~~الله # PageV03P198 # عبدا دعا جبريل عليه السلام فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ~~ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في ~~الأرض» قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله ~~بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم. وقال: كعب مكتوب في التوراة لا محبة ~~لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله عز وجل ينزلها على أهل السماء ثم ~~على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن «سيجعل لهم الرحمن ودا». # قوله تعالى فإنما يسرناه أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد لتبشر به ~~المتقين يعني المؤمنين وتنذر به أي القرآن قوما لدا أي شدادا في الخصومة. ~~وقيل صما عن الحق، وقيل الألد الظالم الذي لا يستقيم ولا يقبل الحق ويدعي ~~الباطل وكم أهلكنا قبلهم من قرن ختم الله تعالى هذه السورة بموعظة بليغة ~~لأنهم إذا علموا وأيقنوا أنه لا بد من زوال الدنيا بالموت خافوا ذلك وخافوا ~~سوء العاقبة في الآية فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب. ثم أكد ذلك فقال ~~تعالى هل تحس منهم أي هل ترى، تجد منهم أي من القرون من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا أي صوتا خفيا قال الحسن: بادوا جميعا لم يبق منهم عين ولا أثر والله ~~أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P199 ### | سورة طه # وهي مكية وهي مائة وأربعة، وقيل خمس وثلاثون آية وألف وستمائة وإحدى ~~وأربعون كلمة وخمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا. عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله ms2401 عليه وسلم قال «أعطيت السورة التي فيها البقرة من الذكر ~~الأول وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة ~~البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة» النافلة: الزيادة وفقنا الله ~~لفهم ذلك. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة طه (20): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى (6) # قوله عز وجل طه قيل هو قسم أقسم الله بطوله وهدايته، وقيل هو من أسماء ~~الله فالطاء افتتاح اسمه طاهر والهاء افتتاح اسمه هاد. وقيل معناه يا رجل ~~والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك يا إنسان، وقيل هو بالسريانية، ~~وقيل بالقبطية، فعلى هذا يكون قد وافقت لغة العرب هذه اللغات في هذه ~~الكلمة، وقيل هو يا إنسان بلغة عك وعك قبيلة من قبائل العرب، وقيل معناه طا ~~الأرض بقدميك يريد به في التهجد وذلك لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول ~~قيامه، وكان يصلي الليل كله فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره أن يخفف على ~~نفسه فقال تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. # وقيل لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا ~~محمد إلا لشقائك فنزلت ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى أي لتتعنى وتتعب إلا ~~تذكرة لمن يخشى أي لكن أنزلنا عظة لمن يخشى وإنما خص من يخشى بالتذكرة ~~لأنهم هم المنتفعون بها تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى أي من الله ~~الذي خلق الأرض والسموات العلية الرفيعة التي لا يقدر على خلقها في عظمتها ~~وعلوها إلا الله تعالى الرحمن على العرش استوى تقدم الكلام عليه في سورة ~~الأعراف مستوفى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما يعني الهواء وما ~~تحت الثرى أي إنه مالك ms2402 لجميع ما في الأربعة الأقسام، والثرى هو التراب ~~الندي وقيل معناه ما وراء الثرى من شيء. وقال ابن عباس: إن الأرضين على ~~ظهور النون والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة ~~خضراء خضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في قصة لقمان، ~~والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى ولا يعلم ما تحت ذلك الثرى إلا الله ~~تعالى، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله البحار بحرا واحدا سالت في جوف ~~ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. قوله تعالى: ### || [سورة طه (20): الآيات 7 الى 14] # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى (8) وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست ~~نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا ~~موسى (11) # إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع ~~لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ~~(14) # PageV03P200 # وإن تجهر بالقول أي تعلن به فإنه يعلم السر وأخفى قال ابن عباس: السر ما ~~تسر في نفسك وأخفى من السر ما يلقيه الله في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ~~ستحدث به نفسك لأنك لا تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا والله يعلم ~~ما أسررت به اليوم وما تسر به غدا، وعنه أن السر ما أسر به ابن آدم في نفسه ~~وأخفى ما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقيل السر ما أسره الرجل إلى غيره وأخفى ~~من ذلك ما أسره في نفسه، وقيل السر هو العمل الذي يسر من الناس وأخفى هو ~~الوسوسة، وقيل السر أن يعلم الله تعالى أسرار العباد وأخفى هو سره من عباده ~~فلا يعلم أحد سره، وقيل: مقصود الآية زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو ~~باطنة والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن ~~يحمل السر والإخفاء على ما ms2403 فيه ثواب أو عقاب، فالسر هو الذي يسره المرء في ~~نفسه من الأمور التي عزم عليها والإخفاء هو الذي لم يبلغ حد العزيمة ثم وحد ~~نفسه فقال تعالى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى تأنيث الأحسن والذي ~~فضلت به أسماؤه في الحسن دون سائر الأسماء، دلالتها على معنى التقديس ~~والتحميد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن. # قوله عز وجل: وهل أتاك حديث موسى أي وقد أتاك لما قدم ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قفاه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام ليتأسى به في تحمل ~~أعباء النبوة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند ~~الله الفوز والمقام المحمود إذ رأى نارا وذلك أن موسى استأذن شعيبا في ~~الرجوع من مدين إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له، فخرج بأهله وماله ~~وكانت أيام الشتاء فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل في ~~شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه ~~المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شاتية ~~شديدة البرد لما أراد الله من كرامته فأخذ امرأته الطلق فأخذ زنده فجعل ~~يقدح فلا يورى فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور فقال لأهله ~~امكثوا أي أقيموا إني آنست نارا أي أبصرت نارا لعلي آتيكم منها بقبس أي ~~شعلة من نار في طرف عود أو أجد على النار هدى أي أجد عند النار من يدلني ~~على الطريق فلما أتاها أي أتى النار ورأى شجرة خضراء من أعلاها إلى أسفلها ~~أطافت بها نارا بيضاء تتقد كأضوء ما يكون، فلا ضوء النار يغير خضرة الشجرة ~~ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار، قيل كانت الشجرة ثمرة خضراء وقيل كانت من ~~العوسج، وقيل كانت من العليق وقيل كانت شجرة من العناب، روي ذلك عن ابن ~~عباس وقال أهل التفسير لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا ذكر بلفظ ~~النار لأن موسى عليه الصلاة ms2404 والسلام حسبه نارا. # قال ابن عباس: هو من نور الرب سبحانه وتعالى، وقيل هي النار بعينها وهي ~~إحدى حجب الرب تبارك وتعالى، يدل عليه ما روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «حجابه النار لو كشفها لأهلكت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه» أخرجه مسلم قيل إن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد ~~الشجرة فكان كلما دنا نأت عنه، وإذا نأى دنت منه، فوقف متحيرا وسمع تسبيح ~~الملائكة وألقيت عليه السكينة فعند ذلك نودي يا موسى إني أنا ربك قال وهب: ~~نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعا وما يدري من دعاه فقال إني أسمع ~~صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك ~~منك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به، وقيل إنه سمعه بكل ~~أجزائه حتى إن كل جارحة منه كانت أذنا وقوله # PageV03P201 # فاخلع نعليك كان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود مرفوعا في قوله فاخلع ~~نعليك قال كانتا من جلد حمار ميت. # ويروى غير مدبوغ وإنما أمر بخلعها صيانة للوادي المقدس، وقيل أمر بخلعهما ~~ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة لتناله بركتها فإنها قدست مرتين فخلعها ~~موسى فألقاهما من وراء الوادي إنك بالواد المقدس أي المطهر طوى اسم للوادي ~~الذي حصل فيه وقيل طوى واد مستدير عميق مثل المطوي في استدارته وأنا اخترتك ~~اصطفيتك برسالاتي وبكلامي فاستمع لما يوحى فيه نهاية الهيبة والجلال له ~~فكأنه قال له لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني ولا تعبد غيري وأقم الصلاة لذكري أي لتذكرني فيها وقيل لذكري خاصة ~~لا تشوبه بذكر غيري، وقيل لإخلاص ذكري وطلب وجهي ولا ترائي فيها ولا تقصد ~~بها غرضا آخر، وقيل معناه إذا تركت صلاة ثم ذكرتها فأقمها، (ق) عن أنس رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من نسي صلاة فليصل إذا ~~ذكرها لا كفارة ms2405 لها إلا ذلك» وتلا قتادة وأقم الصلاة لذكري وفي رواية: «إذا ~~رقد أحدكم في الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول ~~وأقم الصلاة لذكري. # ### || [سورة طه (20): الآيات 15 الى 23] # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها ~~من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي ~~عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا ~~موسى (19) # فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ~~(21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) # إن الساعة آتية أكاد أخفيها قال أكثر المفسرين: معناه أكاد أخفيها من ~~نفسي فكيف يعلمها مخلوق وكيف أظهرها لكم، ذكر ذلك على عادة العرب إذا ~~بالغوا في الكتمان للشيء يقولون كتمت سرك في نفسي، أي أخفيته غاية الإخفاء، ~~والله تعالى لا يخفى عليه شيء. والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف لأنهم ~~إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت وكذلك المعنى في ~~إخفاء وقت الموت على الإنسان لأنه إذا عرف وقت موته وانقضاء أجله اشتغل ~~بالمعاصي إلى أن يقرب من ذلك الوقت فيتوب ويصلح العمل فيتخلص من عقاب ~~المعاصي بتعريف وقت الموت، وأنه إذا لم يعرف وقت موته لا يزال على قدم ~~الخوف والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت مخافة معاجلة الأجل. # قوله تعالى لتجزى كل نفس بما تسعى أي بما تعمل من خير وشر فلا يصدنك عنها ~~من لا يؤمن بها أي فلا يصرفك عن الإيمان بالساعة ومجيئها من لا يؤمن بها ~~واتبع هواه أي مراده وخالف أمر الله فتردى أي فتهلك. قوله عز وجل وما تلك ~~بيمينك يا موسى سؤال تقرير والحكمة فيه تنبيهه على أنها عصا حتى إذا قلبها ~~حية علم أنها معجزة عظيمة قال هي عصاي قيل كان لها شعبتان وفي أسفلها سنان ~~ولها محجن واسمها ms2406 نبعة أتوكؤا عليها أي أعتمد عليها إذا مشيت وإذا عييت ~~وعند الوثبة وأهش بها على غنمي أي أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها ~~فترعاه الغنم ولي فيها مآرب أخرى أي حاجة ومنافع أخرى، وأراد بالمآرب ما ~~كان يستعمل فيه العصا في السفر فكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل ويستقي ~~بها الماء من البئر ويقتل بها الحيات ويحارب بها السباع ويستظل بها إذا ~~قعد، وروي عن ابن عباس أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ~~وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج له ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء ~~فإذا رفعها ذهب الماء وكان إذا اشتهى ثمرة ركزها فتصير غصن تلك الشجرة ~~وتورق وتثمر، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر ~~وصارت شعبتاها كدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل كالسراج وإذا ظهر له # PageV03P202 # عدو كانت تحارب وتناضل عنه قال الله تعالى ألقها يا موسى أي انبذها ~~واطرحها. # قال وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها فألقاها أي فطرحها على وجه الرفض ثم ~~حانت منه نظرة فإذا هي حية صفراء من أعظم ما يكون من الحيات تسعى أي تمشي ~~بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر كأنها جان، وهي الحية الصغيرة الجسم ~~الخفيفة وقال في موضع آخر ثعبان وهو أكبر ما يكون من الحيات ووجه الجمع أن ~~الحية اسم جامع للكبير والصغير والذكر والأنثى فالجان عبارة عن ابتداء ~~حالها فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعبانا ~~وهو انتهاء حالها، وقيل إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان، قال محمد بن ~~إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات، وصارت شعبتاها ~~شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا يهتز كالنيازك، وعيناها تتقدان كالنار تمر ~~بالصخرة العظيمة مثل الخفة من الإبل، فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة ~~بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفا عظيما، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا وهرب، ~~ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أقبل وارجع حيث كنت، فرجع ms2407 وهو ~~شديد الخوف قال خذها يعني بيمينك ولا تخف قيل كان خوفه لما عرف ما لقي آدم ~~من الحية، وقيل لما قال له ربه لا تخف بلغ من طمأنينة نفسه وذهاب الخوف عنه ~~أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها سنعيدها سيرتها الأولى أي إلى هيئتها ~~فنردها عصا كما كانت، وقيل كان على موسى مدرعة صوف قد خللها بعود فلما قال ~~الله تعالى خذها لف طرف المدرعة على يده فأمره الله تعالى أن يكشف يده ~~فكشفها. وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك أرأيت لو أمر ~~الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟؟ قال: لا ولكني ضعيف من ضعف ~~خلقت. قال فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ويده في ~~شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ. قال المفسرون: # أراد الله تعالى أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق ~~ولئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون قوله تعالى واضمم يدك إلى جناحك يعني ~~إلى إبطك وقيل تحت عضدك تخرج بيضاء يعني نيرة مشرقة من غير سوء يعني من غير ~~عيب والسوء ها هنا بمعنى البرص قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء ~~بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر آية أخرى أي دلالة أخر على صدقك سوى ~~العصا لنريك من آياتنا الكبرى قال ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته. قوله ~~عز وجل: # ### || [سورة طه (20): الآيات 24 الى 40] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) ~~واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) # واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في ~~أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) # ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ~~(36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي ~~وعدو له وألقيت ms2408 عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل ~~أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا ~~موسى (40) # اذهب إلى فرعون إنه طغى يعني جاوز الحد في العصيان والتمرد وإنما خص ~~فرعون بالذكر مع أن موسى كان مبعوثا إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر ~~متبوعا فكان ذكره الأولى قال وهب: قال الله تعالى لموسى اسمع كلامي واحفظ ~~وصيتي وانطلق برسالتي وإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبسك حلة ~~من # PageV03P203 # سلطاني تستكمل بها القوة في أمري بعثتك بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني ~~وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه رسالتي ~~وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي فقولا له قولا لينا لا يغتر بلباس الدنيا فإن ~~ناصيته بيدي ولا يتنفس إلا بعلمي قال فسكت موسى فجاء ملك وقال له أجب ربك ~~قال. # يعني موسى رب اشرح لي صدري يعني وسعه للحق، قال ابن عباس: يريد حتى لا ~~أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة ~~جنوده، فكان يضيق بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع ~~قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذا ~~علم ذلك لم يخف من فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده ويسر لي أمري أي سهل علي ~~ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون واحلل عقدة من لساني وذلك أن موسى ~~كان في حجرة فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال ~~فرعون لامرأته آسية إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت له آسية إنه صبي لا ~~يعقل، وقيل إن أم موسى لما فطمته ردته إلى فرعون فنشأ في حجره وحجر امرأته ~~يربيانه واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب إذ رفعه ~~فضرب به رأس فرعون ms2409 فغضب فرعون وتطير منه حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها ~~الملك إنه صبي لا يعقل جربه إن شئت، فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر ~~جوهر فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى ~~فوضعها على الجمر فأخذ جمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت فيه عقدة ~~يفقهوا قولي يعني احلل العقدة كي يفهموا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي يعني ~~معينا وظهيرا، والوزير من يوازرك ويحتمل عنك بعض ثقل عملك ثم بين من هو ~~فقال هارون أخي وكان هارون أكبر من موسى وأفصح لسانا وأجمل وأوسم وكان أبيض ~~اللون وكان موسى آدم أقنى جعدا اشدد به أزري يعني قو به ظهري وأشركه في ~~أمري يعني في أمر النبوة وتبليغ الرسالة كي نسبحك كثيرا يعني نصلي كثيرا ~~ونذكرك كثيرا يعني نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من جميل نعمك إنك كنت بنا ~~بصيرا يعني خبيرا عليما قال الله تعالى قد أوتيت سؤلك يا موسى أي أعطيت ~~جميع ما سألته ولقد مننا عليك مرة أخرى يعني قيل هذه المرة ثم بين تلك ~~المنة بقوله تعالى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى يعني ما يلهم ثم فسر ذلك ~~الإلهام وعدد نعمه عليه فقال أن اقذفيه في التابوت يعني ألهمناها أن اجعليه ~~في التابوت فاقذفيه في اليم يعني نهر النيل فليلقه اليم بالساحل يعني شاطئ ~~البحر يأخذه عدو لي وعدو له يعني فرعون. # فأخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وشقوقه ثم ألقته ~~في النيل. وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون. فبينما فرعون جالس على ~~البركة مع امرأته آسية، إذ هو بتابوت يجيء به الماء فأمر الغلمان والجواري ~~بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا بصبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه ~~فرعون أحبه بحيث لم يتمالك نفسه وعقله فذلك قوله تعالى وألقيت عليك محبة ~~مني قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، قيل ما رآه أحد إلا أحبه لملاحة ~~كانت في عيني موسى ولتصنع على عيني ms2410 لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك ~~كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ونظر إليه إذ تمشي أختك واسمها ~~مريم متعرفة خبره فتقول هل أدلكم على من يكفله أي على امرأة ترضعه وتضمه ~~إليها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فلما قالت لهم أخته ذلك قالوا نعم. ~~فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله تعالى فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها أي ~~بلقائك ورؤيتك ولا تحزن أي وليذهب عنها الحزن وقتلت نفسا. # قال ابن عباس: كان قتل قبطيا كافرا قيل كان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة ~~فنجيناك من الغم أي من غم القتل وكربه وفتناك فتونا قال ابن عباس: اختبرناك ~~اختبارا وقيل ابتليناك ابتلاء، قال ابن عباس: الفتون وقوعه في محنة بعد ~~محنة وخلصه الله تعالى، منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون ~~يذبح فيها الأطفال، ثم # PageV03P204 # إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه ~~بلحية فرعون حتى هم قتله، ثم ناوله الجمرة بدل الجوهرة، ثم قتله القبطي ~~وخروجه إلى مدين خائفا فلبثت أي مكثت سنين في أهل مدين هي بلدة شعيب على ~~ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى قال وهب: لبث موسى عند شعيب. ثمانيا ~~وعشرين سنة عشر سنين منها يرعى الغنم مهر زوجته صفوراء ابنة شعيب وثمان ~~عشرة سنة أقام عنده بعد ذلك حتى ولد له وخرج من مصر ابن اثنتي عشرة سنة ~~هاربا ثم جئت على قدر يا موسى أي جئت على القدر الذي قدرت أن تجيء فيه. قيل ~~على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى إلى الأنبياء فيه. # ### || [سورة طه (20): الآيات 41 الى 48] # واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ~~ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) # قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ~~فأرسل معنا بني ms2411 إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من ~~اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) # واصطنعتك لنفسي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ومحبتي. ~~وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته. وقيل معناه ~~اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني الذي أقمت ~~عليهم الحجة وخاطبتهم اذهب أنت وأخوك بآياتي أي بدلائلي. قال ابن عباس: # يعني الآيات التسع الذي بعث بها موسى عليه السلام ولا تنيا أي لا تضعفا ~~وقيل لا تفترا ولا تقصرا في ذكري أي لا تقصرا في ذكري بالإحسان إليكما ~~والإنعام عليكما ومن ذكر النعمة شكرها اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له ~~قولا لينا أي دارياه وارفقا به. قال ابن عباس: لا تعنفا في قولكما، وقيل ~~كنياه فقولا له يا أبا العباس وقيل يا أبا الوليد وقيل أراد بالقول اللين ~~قوله هل لك إلى أن تزكى وقيل الآية إنما أمرهما باللطافة لماله من حق تربية ~~موسى، وقيل عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه إلا ~~بالموت وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل ~~الجنة فلما أتاه موسى ووعده بذلك أعجبه وكان لا يقطع أمرا دون هامان وكان ~~غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى وقال أردت أن أقبل منه فقال له ~~هامان كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب تريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد ~~تريد أن تعبد، فقال فرعون صواب ما قلت فغلبه على رأيه. # وكان هارون بمصر فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى الله إلى هارون وهو ~~بمصر أن يتلقى موسى فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه. وقوله تعالى ~~لعله يتذكر أو يخشى أي يتعظ ويخاف ويسلم فإن قلت كيف قال لعله يتذكر وقد ~~سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم. قلت معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع ~~وقضاء الله وراء أمركما، وقيل هو إلزام الحجة ms2412 وقطع المعذرة كقوله تعالى ولو ~~أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك، وقيل هو ينصرف إلى غير فرعون مجازه لعله يتذكر متذكرا ويخشى خاش إذا ~~رأى بري وإلطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية، وقيل لعل من الله ~~واجب ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية وذلك حين ألجمه ~~الغرق وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ الرازي فقولا له قولا لينا الآية فبكى ~~يحيى وقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله ~~قالا يعني موسى وهارون ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا. # قال ابن عباس: يعجل علينا بالقتل والعقوبة أو أن يطغى أي يجاوز الحد في ~~الإساءة إلينا قال الله تعالى لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى قال ابن عباس: ~~أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع لست # PageV03P205 # بغافل عنكما فلا تهتما فأتياه فقولا إنا رسولا ربك أي أرسلنا إليك ربك ~~فأرسل معنا بني إسرائيل أي خل عنهم وأطلقهم من أعمالك ولا تعذبهم أي لا ~~تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء وقطع ~~الصخور مع قتل الولدان وغير ذلك قد جئناك بآية من ربك قال فرعون وما هي ~~فأخرج موسى يده لها شعاع كشعاع الشمس، وقيل معناه قد جئناك بمعجزة وبرهان ~~يدل على صدقنا على ما ادعيناه من الرسالة والسلام على من اتبع الهدى ليس ~~المراد منه سلام التحية بل إنما معناه سلم من العذاب من أسلم إنا قد أوحي ~~إلينا أن العذاب على من كذب وتولى أي إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به ~~وأعرض عنه. # ### || [سورة طه (20): الآيات 49 الى 61] # قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) ~~قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به أزواجا من ms2413 نبات شتى (53) # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب ~~وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر ~~مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم ~~أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد ~~خاب من افترى (61) # قال يعني فرعون فمن ربكما يا موسى أي فمن إلهكما الذي أرسلكما قال ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، وقيل ~~أعطى كل شيء صلاحه وهداه، وقيل أعطى كل شيء صورته فخلق اليد للبطش والرجل ~~للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع ثم هداه إلى منافعه من ~~المطعم والمشرب والمنكح، وقيل يعني جعل زوجة الرجل المرأة والبعير الناقة ~~والفرس الرمكة وهي الحجرة والحمار الأتان ثم هدى ألهمه كيف يأتي الذكر ~~الأنثى قال يعني فرعون فما بال القرون الأولى أي فما حال القرون الماضية ~~والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر ~~البعث، وإنما قال فرعون ذلك لموسى حين خوفهم مصارع الأمم الخالية فحينئذ ~~قال فرعون فما بال القرون الأولى قال يعني موسى علمها عند ربي أي أعمالهم ~~محفوظة عند الله يجازي بها، وقيل إنما رد موسى علم ذلك إلى الله تعالى لأنه ~~لم يعلم ذلك لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وقومه في كتاب يعني ~~اللوح المحفوظ لا يضل ربي أي لا يخطئ وقيل لا يغيب عنه شيء ولا ينسى أي ~~فيتذكر وقيل لا ينسى ما كان من أعمالهم حتى يجازيهم بها الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا أي فراشا وقيل مهدها لكم وسلك لكم فيها سبلا أي أدخل في الأرض لأجلكم ~~طرقا وسهلها لكم لتسلكوها وأنزل من السماء ماء يعني المطر ثم الأخبار عن ~~موسى ثم قال الله تعالى فأخرجنا به ms2414 أي بذلك الماء أزواجا أي أصنافا من نبات ~~شتى أي مختلف الألوان والطعوم والمنافع فمنها ما هو للناس ومنها ما هو ~~للدواب كلوا وارعوا أنعامكم أي أخرجنا أصناف النبات للانتفاع بالأكل والرعي ~~إن في ذلك أي الذي ذكر لآيات لأولي النهى أي لذوي العقول، قيل هم الذين ~~ينتهون عما حرم الله عليهم منها خلقناكم أي من الأرض خلقنا آدم، وقيل إن ~~الملك ينطلق فيأخذ من التراب الذي يدفن فيه فيذره في النطفة فيخلق من ~~التراب ومن النطفة وفيها نعيدكم أي عند الموت والدفن ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى أي يوم القيامة للبعث والحساب. # قوله تعالى ولقد أريناه يعني فرعون آياتنا كلها يعني الآيات التسع التي ~~أعطاها الله موسى فكذب # PageV03P206 # وأبى # يعني فرعون وزعم أنها سحر وأبى أن يسلم قال يعني فرعون أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا يعني مصر بسحرك يا موسى يريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك ~~وتخرجنا منها فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا أي اضرب أجلا ~~وميقاتا لا نخلفه لا نجاوزه نحن ولا أنت مكانا سوى أي مكانا عدلا وقال ابن ~~عباس: نصفا تستوي مسافة الفريقين إليه وقيل معناه سوى هذا المكان قال يعني ~~موسى موعدكم يوم الزينة قيل كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل ~~سنة وقيل هو يوم النيروز وقال ابن عباس يوم عاشوراء وأن يحشر الناس ضحى أي ~~وقت الضحوة نهارا جهارا ليكون أبعد من الريبة فتولى فرعون فجمع يعني فرعون ~~كيده يعني مكره وسحره وحيله ثم أتى يوم المعاد قال لهم موسى يعني للسحرة ~~الذين جمعهم فرعون وكانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل ساحر حبل وعصا وقيل ~~كانوا أربعمائة وقيل كانوا اثني عشر ألفا ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب أي فيهلكنكم ويستأصلكم وقد خاب من افترى أي خسر من ادعى مع ~~الله إلها آخر وقيل معناه خسر من كذب على الله تعالى. قوله تعالى: # ### || [سورة طه (20): الآيات 62 الى 64] # فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان ms2415 لساحران يريدان ~~أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ~~ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) # فتنازعوا أمرهم بينهم أي تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في أمر موسى سرا ~~من فرعون وقالوا إن غلبنا موسى اتبعناه، معناه لما قال لهم موسى ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا. قال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر وأسروا النجوى أي ~~المناجاة قالوا قال بعضهم لبعض سرا إن هذان لساحران يعني موسى وهارون ~~يريدان أن يخرجاكم من أرضكم يعني من مصر بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ~~قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، وقيل معناه يصرفان وجوه الناس ~~عنكم، وقيل أراد أهل طريقتكم المثلى وهم بنو إسرائيل يعني يريد أن يذهبا ~~بهم لأنفسهما، وقيل معناه يذهبا بسنتكم وبدينكم الذي أنتم عليه فأجمعوا ~~كيدكم أي لا تدعو شيئا من كيدكم إلا جئتم به، وقيل معناه اعزموا كلكم على ~~كيده مجتمعين له ولا تختلفوا فيختل أمركم ثم ائتوا صفا أي جمعا مصطفين ~~ليكون أشد لهيبتكم وقيل معناه ثم ائتوا المكان الموعود به وقد أفلح اليوم ~~من استعلى أي فاز من غلب. ### || [سورة طه (20): الآيات 65 الى 75] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك ~~على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ~~والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت ms2416 فيها ولا ~~يحيى (74) # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) # قالوا يعني السحرة يا موسى إما أن تلقي أي عصاك وإما أن نكون أول من ألقى ~~أي عصينا # PageV03P207 # قال يعني موسى بل ألقوا يعني أنتم أولا فإذا حبالهم فيه إضمار أي فألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى قيل إنهم لما ألقوا ~~الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى كأن الأرض امتلأت حيات وكانت قد ~~أخذت ميلا في ميل من كل جانب ورآها كأنها تسعى فأوجس أي أضمر وقيل وجد في ~~نفسه خيفة موسى قيل هو طبع البشرية وذلك أنه ظن أنها تقصده، وقيل خاف على ~~القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه قلنا لا تخف أي قال ~~الله تعالى لموسى لا تخف إنك أنت الأعلى أي الغالب عليهم ولك الغلبة عليهم ~~والظفر وألق ما في يمينك أي عصاك والمعنى لا يخيفنك كثرة حبالهم وعصيهم فإن ~~في يمينك شيئا أعظم منها كلها تلقف أي تلقم وتبتلع ما صنعوا إنما صنعوا كيد ~~ساحر أي حيلة ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى أي من الأرض. # وقال ابن عباس لا يسعد حيث كان فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى قال صاحب الكشاف سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم ~~للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود فما أعظم الفرق بين ~~الإلقائين. وقيل إنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وقيل إنهم ~~لما سجدوا أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة ~~قال يعني فرعون آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم أي لرئيسكم وعظيمكم ~~يعني أنه أسحركم وأعلاكم في صناعة السحر ومعلمكم الذي علمكم السحر فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف يعني أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل # يعني على جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا يعني على إيمانكم به أنا أو ~~رب موسى على ترك الإيمان به وأبقى يعني أدوم ms2417 قالوا يعني السحرة لن نؤثرك ~~يعني لن نختارك على ما جاءنا من البينات يعني الدلالات الواضحات، قيل هي ~~اليد البيضاء والعصا وقيل كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحر فأين ~~حبالنا وعصينا. وقيل إنهم لما سجدوا رأوا الجنة والنار ورأوا منازلهم في ~~الجنة فعند ذلك قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا قيل هو ~~قسم، وقيل معناه لن نؤثرك على الله الذي فطرنا فاقض ما أنت قاض يعني فاصنع ~~ما أنت صانع إنما تقضي هذه الحياة الدنيا يعني إنما أمرك وسلطانك في الدنيا ~~سيزول عن قريب إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ~~فإن قلت كيف قالوا هذا وقد جاءوا مختارين غير مكرهين. قلت كان فرعون أكرههم ~~في الابتداء على تعلمهم السحر لكي لا يذهب أصله. وقيل كانت السحرة اثنين ~~وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره الذين هم من ~~بني إسرائيل على تعلم السحر. وقيل قال السحرة لفرعون أرنا موسى إذا هو نام ~~فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون هذا ليس بساحر إن الساحر إذا ~~نام بطل سحره. فأبى عليهم فأكرههم على أن يعملوا فذلك قولهم وما أكرهتنا ~~عليه من السحر والله خير وأبقى يعني خير منك ثوابا وأبقى عقابا وقيل خير ~~منك إن أطيع وأبقى عذابا إن عصي وهذا جواب لقوله ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى إنه من يأت ربه مجرما قيل هذا ابتداء كلام من الله تعالى وقيل هو من ~~تمام قول السحرة معناه من مات على الشرك فإن له جهنم لا يموت فيها فيستريح ~~ولا يحيى حياة ينتفع بها من يأته مؤمنا يعني من مات على الإيمان قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى يعني الرفيعة العلية ثم فسر الدرجات ~~بقوله # ### || [سورة طه (20): الآيات 76 الى 86] # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد ~~أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ms2418 تخاف دركا ~~ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل ~~فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم ~~جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) # كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه ~~غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما ~~أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ~~(84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # PageV03P208 # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى يعني تطهر ~~من الذنوب، وقيل أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أهل الدرجات العلى ~~ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر ~~منهم وأنعما» أخرجه الترمذي. # قوله وأنعما يقال أحسن فلان إلى فلان وأنعم يعني أفضل وزاد في الإحسان، ~~والمعنى أنهما منهم وزادوا تناهيا إلى غايته. # قوله تعالى ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي يعني أسر بهم ليلا من أرض ~~مصر فاضرب لهم طريقا يعني اجعل لهم طريقا في البحر بالضرب بالعصا يبسا يعني ~~يابسا ليس فيه ماء ولا طين وذلك أن الله تعالى أيبس لهم الطريق في البحر لا ~~تخاف دركا ولا تخشى يعني لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن ~~يغرقك البحر أمامك فأتبعهم يعني فلحقهم فرعون بجنوده فغشيهم يعني أصابهم من ~~اليم ما غشيهم وهو الغرق وقيل علاهم وسترهم من اليم ما لم يعلم كنهه إلا ~~الله تعالى فغرق فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه وأضل فرعون قومه وما هدى ~~يعني وما أرشدهم وهو تكذيب لفرعون في قوله وما ms2419 أهديكم إلا سبيل الرشاد. # قوله عز وجل يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور ~~الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى ذكرهم الله النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم ~~وفيما وعد موسى من المناجاة بجانب الطور وكتب التوراة في الألواح. وإنما ~~قال وواعدناكم لأنها اتصلت بهم حيث كانت لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم وبها ~~قوام دينهم وشريعتهم وفيها أفاض الله عليهم من سائر نعمه وأرزاقه كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه قال ابن عباس لا تظلموا، وقيل لا تكفروا ~~النعمة فتكونوا طاغين، وقيل لا تتقووا بنعمتي على المعاصي، وقيل لا تدخروا ~~فيحل عليكم غضبي يعني يجب عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى يعني هلك ~~وسقط في النار وإني لغفار لمن تاب قال ابن عباس تاب عن الشرك وآمن يعني وحد ~~الله وصدق رسوله وعمل صالحا يعني أدى الفرائض ثم اهتدى قال ابن عباس علم أن ~~ذلك توفيق من الله تعالى، وقيل لزم الإسلام حتى مات عليه، وقيل علم أن لذلك ~~ثوابا، وقيل أقام على السنة. قوله عز وجل وما أعجلك يعني وما حملك على ~~العجلة عن قومك يا موسى وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلا يذهبون معه ~~إلى الطور ليأخذوا التوراة. فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه، ~~وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال الله له وما أعجلك عن قومك ~~يا موسى؟ فأجاب ربه ف قال هم أولاء على أثري أي هم بالقرب مني يأتون على ~~أثري من بعدي. # فإن قلت لم يطابق السؤال الجواب فإنه سأله عن سبب العجلة فعدل عن الجواب، ~~فقال هم أولاء بأنه لم يوجد منه إلا تقدم سيره ثم أعقبه بجواب السؤال فقال ~~وعجلت إليك رب لترضى أي لتزداد رضا قال فإنا قد # PageV03P209 # فتنا قومك أي فإنا ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ~~فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا من بعدك أي من بعد انطلاقك إلى الجبل ~~وأضلهم السامري أي دعاهم وصرفهم إلى ms2420 الضلال وهو عبادة العجل، وإنما أضاف ~~الضلال إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه وقيل إن جميع المنشآت تضاف إلى منشئها ~~في الظاهر، وإن كان الموجد لها في الأصل هو الله تعالى فذلك قوله هنا ~~وأضلهم السامري، قيل كان السامري من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها ~~السامرة، وقيل كان من القبط وكان جارا لموسى وآمن به، وقيل كان علجا من ~~علوج كرمان رفع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر فرجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا أي حزينا جزعا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أي صدقا يعطيكم ~~التوراة أفطال عليكم العهد أي مدة مفارقتي إياكم أم أردتم أن يحل عليكم غضب ~~من ربكم أي أردتم أن تفعلوا فعلا يجب عليكم الغضب من ربكم بسببه فأخلفتم ~~موعدي يعني ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع. # ### || [سورة طه (20): الآيات 87 الى 96] # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) # قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم ~~يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن ~~المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم أي ~~حملنا مع أنفسنا ما كنا قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت ~~أوزارا لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي ms2421 حملنا آثاما وذلك أن بني ~~إسرائيل استعاروا حليا من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من ~~مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت ~~غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم فقذفناها أي ألقيناها قيل إن السامري قال ~~لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن ~~هارون أمرهم بذلك ففعلوا فكذلك ألقى السامري أي ما كان معه من الحلي فيها، ~~قال ابن عباس: أوقد هارون نارا وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر ~~على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع ~~لي. فقال هارون اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان ~~معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلا يخور فكان كذلك. ~~بدعوة هارون فذلك قوله تعالى فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار اختلفوا هل كان ~~الجسد حيا أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ~~ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا ~~دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حيا وخار كما يخور العجل ~~فقالوا هذا إلهكم وإله موسى يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. ~~وقيل عكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط مثله فنسي قيل هو إخبار عن ~~قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن ~~موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل ~~هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي # PageV03P210 # الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم ~~بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال أفلا يرون ألا يرجع ~~إليهم قولا أي إن العجل لا يرد لهم جوابا إذا دعوه ولا ms2422 يكلمهم ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع ~~من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. # قوله عز وجل ولقد قال لهم هارون من قبل أي من قبل رجوع موسى يا قوم إنما ~~فتنتم به أي ابتليتم بالعجل وإن ربكم الرحمن فاتبعوني على ديني في عبادة ~~الله وأطيعوا أمري يعني في ترك عبادة العجل. # اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولا ~~عن الباطل بقوله إنما فتنتم به ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله إن ربكم ~~الرحمن ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله فاتبعوني ثم دعاهم إلى الشرائع ~~بقوله وأطيعوا أمري فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن ~~الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم ~~الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم ~~على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا ~~القول بالإصرار والجحود قالوا لن نبرح يعني لن نزال عليه يعني على عبادة ~~العجل عاكفين يعني مقيمين حتى يرجع إلينا موسى كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ~~ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا ~~العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال ~~للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ~~ولحيته بشماله وقال له يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أي أشركوا ألا ~~تتبعن أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم ~~على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون ~~مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه أفعصيت أمري يعني خالفت أمري ال يا بن أم ~~لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه ني خشيت أن ms2423 تقول # يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول رقت بين بني ~~إسرائيل # يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزابا فيتقاتلون، فتقول فرقت ~~بني إسرائيل لم ترقب قولي # يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل ~~موسى على السامري قال فما خطبك يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما ~~صنعت يا سامري قال يعني السامري بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول يعني من تراب حافر فرس جبريل فنبذتها يعني فقذفتها في فم العجل ~~فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا ~~فيه وجهين. # أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف ~~حذرا عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من ~~الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه ~~السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأنا فقبض القبضة من أصل ~~تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء ~~للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد ~~الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله وكذلك سولت يعني زينت لي نفسي ~~وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي. # ### || [سورة طه (20): الآيات 97 الى 108] # قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما ~~إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من ~~أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين ms2424 يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم ~~إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا ~~صفصفا (106) # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) # PageV03P211 # قال يعني موسى للسامري فاذهب فإن لك في الحياة يعني ما دمت حيا أن تقول ~~لا مساس يعني لا تخالط أحدا ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء ~~أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ~~وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع ~~لا يمس أحد وقيل كان إذا مس أحدا. أو مسه أحد حما جميعا فتحامى الناس ~~وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإن لك يا سامري ~~موعدا يعني بعذابك في الآخرة لن تخلفه قرئ بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ~~ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرئ بالفتح أي لن تكذبه ولم ~~يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك وانظر إلى إلهك يعني الذي تزعم الذي ظلت ~~عليه عاكفا يعني دمت عليه مقيما تعبده لنحرقنه بالنار ثم لننسفنه أي ~~لنذرينه في اليم يعني في البحر نسفا روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه ~~دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى ~~هذا التأويل لم ينقلب لحما ودما فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن ~~يقال صار لحما ودما ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في ~~البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان ~~الدين الحق فقال مخاطبا لبني إسرائيل إنما إلهكم الله يعني المستحق للعبادة ~~والتعظيم هو الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما يعني وسع ms2425 علمه كل شيء ~~وقيل يعلم من يعبده. # قوله عز وجل: كذلك نقص عليك من أنباء يعني من أخبار ما قد سبق يعني الأمم ~~الخالية وقيل ما سبق من الأمور وقد آتيناك من لدنا ذكرا وهو القرآن من أعرض ~~عنه يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا يعني حملا ثقيلا من الإثم خالدين فيه يعني مقيمين في عذاب الوزر وساء ~~لهم يوم القيامة حملا يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم يوم ينفخ في الصور ~~قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة ~~الثانية لأنه أتبعه بقوله ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يعني نحشر المجرمين ~~زرق العيون سود الوجوه وقيل عميا وقيل عطاشا يتخافتون يعني يتشاورون بينهم ~~ويتكلمون خفية إن لبثتم يعني مكثتم في الدنيا إلا عشرا يعني عشر ليال وقيل ~~في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم ~~بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى نحن أعلم ~~بما يقولون يعني يتشاورون فيما بينهم إذ يقول أمثلهم طريقة أي أوفاهم ~~وأعدلهم قولا إن لبثتم إلا يوما قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من ~~أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل ~~ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا. # قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف ~~تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي ~~يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثورا فيذرها أي يدع أماكن الجبال من الأرض ~~قاعا صفصفا أي أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~يعني لا انخفاضا ولا # PageV03P212 # ارتفاعا يعني لا ترى واديا ولا رابية يومئذ يتبعون الداعي أي صوت الداعي ~~ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة ~~واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن لا عوج له أي ms2426 لا عوج لهم عن دعائه ~~ولا يزيعون عنه يمينا ولا شمالا بل يتبعونه سراعا وخشعت الأصوات للرحمن ~~يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من ~~شدة الفزع فلا تسمع إلا همسا وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك ~~الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف ~~الإبل. # ### || [سورة طه (20): الآيات 109 الى 119] # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم ~~وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) # فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن ~~هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى (118) # وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # يومئذ لا تنفع الشفاعة لأحد من الناس إلا من أذن له الرحمن يعني إلا من ~~أذن له أن يشفع ورضي له قولا قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه ~~دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا ~~تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضيا يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما ~~قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له ~~الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ~~ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم ولا يحيطون ms2427 به علما ~~قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وهم لا ~~يعلمونه، والمعنى أن العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علما وقيل ~~الكناية راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علما وعنت الوجوه يعني ~~ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه ~~وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص ~~الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى للحي القيوم ~~تقدم تفسيره وقد خاب من حمل ظلما. # قال ابن عباس خسر من أشرك بالله ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من ~~حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى ~~وكذلك أنزلناه أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد ~~أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله قرآنا عربيا أي بلسان العرب ليفهمون ويقفوا ~~على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر وصرفنا فيه من الوعيد أي كررنا ~~وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن ~~الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى ~~لعلهم يتقون أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات أو يحدث لهم ذكرا أي ~~إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ~~ذكرا يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة ~~وعظة # PageV03P213 # فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى فتعالى الله الملك ~~الحق أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون ~~وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه ~~بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا ~~غيره وأولى به منه ولا تعجل بالقرآن أراد النبي صلى الله عليه وسلم ms2428 كان إذا ~~نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من ~~التلاوة مخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى ولا ~~تعجل بالقرآن أي ولا تعجل بقراءته من قبل أن يقضى إليك وحيه أي من قبل أن ~~يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى ~~يتبين لك معناه وقل رب زدني علما فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علما ~~إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علما وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. # وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علما وإيمانا ويقينا ~~قوله عز وجل ولقد عهدنا إلى آدم يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من ~~الشجرة من قبل أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ~~ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى لعلهم يتقون فنسي أي فترك ما عهدنا إليه من ~~الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر ~~ولم نجد له عزما أي صبرا عما نهي عنه وحفظا لما أمر به، وقيل معناه لم نجد ~~له رأيا معزوما حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه ~~لم نجد له عزما على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى أن يسجد فقلنا يا آدم ~~إن هذا أي إبليس عدو لك ولزوجك أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة ~~الله على آدم فحسده فصار عدوا له فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى أسند الخروج ~~إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما ~~يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك ~~بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ms2429 ثور ~~أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند ~~الشقاء إلى آدم دون حواء. # قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته ~~سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت ~~وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته إن لك ألا تجوع ~~فيها يعني الجنة ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها أي تعطش ولا تضحى أي تبرز ~~للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن ~~الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر ~~الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ~~ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إليه أهل الدنيا. ### || [سورة طه (20): الآيات 120 الى 129] # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ~~(120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~(123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى (129) # PageV03P214 # فوسوس إليه الشيطان أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ~~ما هي فقال قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد أي على الشجرة التي إن أكلت ~~منها بقيت مخلدا وملك لا يبلى أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة، ~~فكان الشيء الذي رغب ms2430 الله فيه آدم رغبه إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ~~ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع ~~كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه ~~أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع ~~لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى فأكلا منها يعني أكل آدم وحواء من ~~الشجرة فبدت لهما سوآتهما أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت ~~فروجهما وظهرت عوراتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة أي يلزقان ~~بسوءاتهما من ورق التين وعصى آدم ربه أي بأكل الشجرة فغوى أي فعل ما لم يكن ~~له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ~~ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: ~~يجوز أن يقال عصى آدم ولا يجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد ~~فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ~~ذلك مرارا ويعتاده. # (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم ~~أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره ~~الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما فحج آدم موسى». # وفي رواية لمسلم «قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال ~~موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل ~~تلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى». # (الكلام على معنى الحديث وشرحه) # قوله احتج آدم وموسى: المحاجة المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلانا ~~فحججته أي جادلته فغلبته. # قال ms2431 أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من ~~الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن ~~قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك. وإنما معناه الإخبار عن تقدم ~~علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها ~~خيرها شرها. # والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا ~~كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ~~ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختيار. # فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما ~~أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة ~~البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة ~~لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل ~~منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله ~~الشجرة سببا لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا ~~المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر قدره الله علي ~~من قبل أن يخلقني. # (فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك) # قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول ~~فيها يرجع إلى أقسام أربعة، # PageV03P215 # أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير ~~جائز عليهم. الثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين ~~عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء ~~واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا ولا سهوا ومن الناس من جوز ذلك ~~سهوا قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا ~~على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. ~~الرابع: ما يقع في أفعالهم ms2432 فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: ~~قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على ~~جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: # لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة البتة بل على جهة التأويل وهو قول ~~الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: ~~أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ~~ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: ~~قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ~~ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل ~~وأبي علي من المعتزلة. # قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين ~~جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة ~~من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. ~~الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالا من عدول ~~الأمة وذلك غير جائز أيضا لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله ~~أنه شرع هذا الحكم، وأيضا فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر ~~من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه ~~لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده ~~وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحا لغرضه. ~~واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم ~~يطيعوه لدخلوا تحت قوله أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون ~~الكتاب أفلا تعقلون وقال وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. الخامس: ~~قال الله تعالى إنهم كانوا ms2433 يسارعون في الخيرات ولفظه للعموم فيتناول الكل ~~ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا ~~فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال ~~الله تعالى: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير. # وقال تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~وقال تعالى في حق موسى: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وقال تعالى: واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار وغير ذلك من الآيات التي تدل على ~~كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ~~ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه، والجواب ~~عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال ~~النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ~~ما كان نبيا وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته ~~وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم وعصى آدم ربه فغوى ~~أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله: # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما أي نسي عداوة إبليس له ~~وما عهد الله إليه. وقبل لم يقصد المخالفة استحلالا لها ولكنه اغتر بحلف ~~إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وقيل ~~نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزما أي قصدا للمخالفة، وقيل بل ~~أكل من الشجرة متأولا # PageV03P216 # وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة ~~مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من ~~المخالفة وقيل تأول أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم. # فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما ms2434 معنى قوله: وعصى آدم ربه فغوى ~~وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم ~~وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن ~~درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه ~~وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا ~~يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها ~~على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أو خذوا عليها ~~وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب ~~بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب ~~كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما ~~قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم ~~كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. ~~قوله عز وجل: ثم اجتباه ربه أي اختاره واصطفاه فتاب عليه أي عاد بالعفو ~~والمغفرة وهدى أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار قال اهبطا منها ~~جميعا قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا ~~لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ~~ولإبليس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، ~~وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ ~~الجمع بعضكم لبعض عدو وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس ~~والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدوا فإما ~~يأتينكم مني هدى أي كتاب ورسول فمن اتبع هداي أي الكتاب والرسول فلا يضل ~~ولا يشقى قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ~~ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا ~~يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة ومن ms2435 أعرض عن ذكري يعني القرآن فلم ~~يؤمن به ولم يتبعه فإن له معيشة ضنكا روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال أبو سعيد يضغط في القبر حتى ~~تختلف أضلاعه. # وفي بعض المسانيد مرفوعا يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال ~~يعذب حتى يبعث وقيل هو الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام ~~والكسب الخبيث. وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر ~~فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا ~~أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس ~~بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب ~~القناعة حتى لا يشبع ونحشره يوم القيامة أعمى قال ابن عباس أعمى البصر وقيل ~~أعمى عن الحجة قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا يعني بصيرا العين أو ~~بصير بالحجة قال كذلك يعني كما أتتك آياتنا فنسيتها يعني فطردتها وأعرضت ~~عنها وكذلك اليوم تنسى يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ~~ينسوا من العذاب وكذلك نجزي من أسرف يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك ~~نجزي من أسرف أي أشرك ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد يعني مما ~~يعذبهم الله به في الدنيا والقبر وأبقى يعني وأدوم قوله تعالى: أفلم يهد ~~لهم يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم يعني في ديارهم ومنازلهم إذا سافروا وذلك أن قريشا كانوا يسافرون ~~إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط إن ~~في ذلك لآيات لأولي النهى أي لذوي العقول ولولا كلمة سبقت من ربك أي ولولا ~~حكم سبق بتأخير العذاب عنهم لكان لزاما وأجل مسمى تقديره ولولا كلمة سبقت ~~من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازما لهم في الدنيا كما لزم ~~القرون الماضية الكافرة. ms2436 # PageV03P217 ### || [سورة طه (20): الآيات 130 الى 135] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) ~~وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ~~ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) # قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # فاصبر على ما يقولون نسختها آية السيف وسبح بحمد ربك أي صل بأمر ربك قبل ~~طلوع الشمس يعني صلاة الفجر وقبل غروبها أي صلاة العصر ومن آناء الليل أي ~~ومن ساعاته فسبح يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل ~~وأطراف النهار يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند ~~الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء لعلك ترضى أي ~~ترضى ثوابه في المعاد، وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرئ ترضى بضم التاء ~~أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك (ق) عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم ~~عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، ~~وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعا لا يظلم بعضكم بعضا في رؤيته وروي ~~بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض ~~في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي ~~وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ~~ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: ms2437 ولا تمدن عينيك قال أبو ~~رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني ~~إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو ~~أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه» ~~فنزلت هذه الآية: ولا تمدن عينيك أي لا تنظر نظرا تكاد تردده استحسانا ~~للمنظور إليه وإعجابا به وتمنيا له إلى ما متعنا به أي أعطينا أزواجا أي ~~أصنافا منهم زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وبهجتها لنفتنهم فيه أي لنجعل ~~ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا ورزق ربك أي في المعاد في ~~الجنة خير وأبقى أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه ~~حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه ~~في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: وأمر أهلك ~~أي قومك وقيل من كان على دينك بالصلاة يعني بالمحافظة عليها واصطبر عليها ~~يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن ~~الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول لا نسئلك رزقا أي لا نكلفك أن ترزق ~~أحدا من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملا نحن نرزقك أي بل نحن نرزقك ~~ونرزق أهلك والعاقبة للتقوى أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس ~~الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى وقالوا ~~يعني المشركين لولا يأتينا بآية من ربه أي الآية المقترحة فإنه كان قد ~~أتاهم بآيات كثيرة أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى أي بيان ما فيها وهو ~~القرآن لأنه ms2438 أقوى # PageV03P218 # دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما ~~من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم ~~العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل ~~بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ~~وبعثته ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله أي من قبل إرسال الرسل وإنزال ~~القرآن لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا أي لقالوا يوم القيامة أولا ~~أرسلت إلينا رسولا يدعونا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى بالعذاب والهوان ~~والافتضاح قل كل متربص أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص ~~بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخلصنا قال الله تعالى: # فتربصوا أي فانتظروا فستعلمون أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة من ~~أصحاب الصراط السوي يعني المستقيم ومن اهتدى يعني من الضلالة نحن أم أنتم ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P219 ### | سورة الأنبياء # وهي مكية وعدد آياتها مائة واثنتا عشرة آية وألف ومائة وثمان وستون كلمة ~~وأربعة آلاف وثمانمائة وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا ~~هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول ~~في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # قوله عز وجل: اقترب للناس حسابهم أي وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم ~~يوم القيامة. نزلت في منكري ms2439 البعث وإنما ذكر الله هذا الاقتراب لما فيه من ~~المصلحة للمكلفين، فيكونون أقرب إلى التأهب له، والمراد بالناس المحاسبون ~~وهم المكلفون دون غيرهم، وقيل هم المشركون وهذا من باب إطلاق اسم الجنس على ~~بعضه وهم في غفلة معرضون أي عن التأهب له وقيل معناه أنهم غافلون عن حسابهم ~~ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن ~~والمسيء ثم إذا نبهوا من سنة الغفلة بما يتلى من الآيات والنذر أعرضوا عنه ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن ~~يذكرهم ويعظهم به وقيل معناه إن الله يحدث الأمر بعد الأمر فينزل الآية بعد ~~الآية والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور ~~والوقائع وقيل الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من ~~السنن والمواعظ سوى ما في القرآن وأضافه إليه لأن الله تعالى قال وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إلا استمعوه وهم يلعبون أي لاعبين لا يعتبرون ~~ولا يتعظون لاهية قلوبهم أي ساهية معرضة غافلة عن ذكر الله وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا أي بالغوا في إخفاء التناجي وهم الذين أشركوا ثم بين سرهم الذي ~~تناجوا به، فقال تعالى مخبرا عنهم هل هذا إلا بشر مثلكم يعني أنهم أنكروا ~~إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة والأولى إرسال البشر إلى البشر لأن ~~الإنسان إلى القبول من أشكاله أقرب أفتأتون السحر يعني أتحضرون السحر ~~وتقبلونه وأنتم تبصرون يعني تعلمون أنه سحر قال لهم محمد ربي يعلم القول في ~~السماء والأرض # PageV03P220 # يعني لا يخفى عليه شيء وهو السميع لأقوالهم العليم بأفعالهم. قوله عز ~~وجل: # بل قالوا أضغاث أحلام يعني أباطيل وأهاويل رآها في النوم بل افتراه يعني ~~اختلقه بل هو شاعر وذلك أن المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفيما يقوله، فقال بعضهم أضغاث أحلام وقال بعضهم بل هو فرية وقال ~~بعضهم هو شاعر وما جاءكم به شعر فليأتنا ms2440 يعني النبي صلى الله عليه وسلم ~~بآية يعني بحجة إن كان صادقا كما أرسل الأولون أي من الرسل بالآيات قال ~~الله تعالى مجيبا لهم ما آمنت قبلهم أي قبل مشركي مكة من قرية أي من أهل ~~قرية أتتهم الآيات أهلكناها يعني بالتكذيب أفهم يؤمنون يعني إن جاءتهم آية ~~والمعنى أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما جاءتهم أفيؤمن هؤلاء. قوله تعالى: ~~وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم هذا جواب لقولهم هل هذا إلا بشر ~~مثلكم، والمعنى إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا يوحى ~~إليهم مثلك فسئلوا أهل الذكر يعني أهل التوراة والإنجيل يريد علماء أهل ~~الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أمر الله المشركين بسؤال أهل الكتاب لأن المشركين أقرب إلى ~~تصديقهم من تصديق من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل أراد بالذكر ~~القرآن يعني فاسئلوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن إن كنتم لا تعلمون ~~قوله عز وجل: وما جعلناهم أي الرسل جسدا لا يأكلون الطعام هذا رد لقولهم ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام، والمعنى لم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون ~~الطعام وما كانوا خالدين يعني في الدنيا بل يموتون كغيرهم ثم صدقناهم الوعد ~~يعني الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم فأنجيناهم ومن نشاء يعني من المؤمنين ~~الذين صدقوهم وأهلكنا المسرفين يعني المشركين لأن المشرك مسرف على نفسه. # قوله عز وجل: لقد أنزلنا إليكم يعني يا معشر قريش كتابا فيه ذكركم يعني ~~شرفكم وفخركم وهو شرف لمن آمن به، وقيل معناه فيه حديثكم، وقيل فيه ذكر ما ~~تحتاجون إليه من أمر دينكم وقيل فيه تذكرة لكم لتحذروا فيكون الذكر بمعنى ~~الوعد والوعيد أفلا تعقلون فيه بعث على التدبر لأن الخوف من لوازم العقل. ~~قوله تعالى: # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 11 الى 23] # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا ~~بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم ms2441 تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت ~~تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(23) # وكم قصمنا يعني أهلكنا من قرية كانت ظالمة يعني كافرة والمراد أهل القرية ~~وأنشأنا بعدها أي أحدثنا بعد هلاك أهلها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا أي ~~عذابنا بحاسة البصر إذا هم منها يركضون يعني يسرعون هاربين من قريتهم لما ~~رأوا مقدمة العذاب لا تركضوا يعني قيل لهم لا تهربوا وارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه يعني تنعمتم فيه من العيش ومساكنكم لعلكم تسئلون قال ابن عباس عن قتل ~~نبيكم، قيل نزلت هذه الآية في أهل حضر موت قرية باليمن، وكان أهلها عربا ~~فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم ~~بختنصر فقتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل هربوا فقالت الملائكة لهم ~~استهزاء لا تركضوا، أي لا تهربوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم ~~تسألون شيئا من دنياكم فتعطون من شئتم وتمنعون من # PageV03P221 # شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة فأتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد ~~من جو السماء يا لثارات الأنبياء فلما رأوا ذلك، أقروا بالذنوب حين لم ~~ينفعهم قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين يعني لأنفسنا حين كذبنا الرسل وذلك ~~أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ~~ينفعهم الندم فما زالت تلك دعواهم يعني تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا حتى ~~جعلناهم حصيدا يعني بالسيوف كما يحصد الزرع خامدين يعني ميتين. # قوله عز وجل: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين معناه ما سوينا ms2442 ~~هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، ~~سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من العجائب والمنافع التي ~~لا تعد ولا تحصى لو أردنا أن نتخذ لهوا قال ابن عباس: اللهو المرأة وعنه ~~أنه الولد لاتخذناه من لدنا يعني من عندنا من الحور العين لا من عندكم من ~~أهل الأرض، وقيل معناه لو كان ذلك جائزا في حقنا لم نتخذه بحيث يظهر لكم بل ~~نستر، ذلك حتى لا تتطلعوا عليه، وذلك أن النصارى لما قالوا، في المسيح وأمه ~~ما قالوا رد الله عليهم بقوله لاتخذناه من لدنا لأنكم تعلمون أن ولد الرجل ~~وزوجته يكونان عنده لا عند غيره إن كنا فاعلين يعني ما كنا فاعلين، وقيل ما ~~كنا ممن يفعل ذلك لأنه لا يليق بالربوبية بل يعني دع ذلك الذي قالوه فإنه ~~كذب وباطل نقذف يعني نرمي ونسلط بالحق يعني بالإيمان على الباطل يعني على ~~الكفر، وقيل الحق قول الله أنه لا ولد له والباطل قولهم اتخذ الله ولدا ~~فيدمغه فيهلكه فإذا هو زاهق يعني ذاهب والمعنى أنا نبطل كذبهم بما نبين من ~~الحق حتى يذهب ويضمحل، ثم أوعدهم على كذبهم فقال تعالى (ولكم الويل) يا ~~معشر الكفار (مما تصفون) الله بما لا يليق من الصاحبة والولد وله من في ~~السماوات والأرض يعني عبيدا وملكا وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف ~~النعم ومن عنده يعني الملائكة وإنما خص الملائكة وإن كانوا داخلين في جملة ~~من في السموات لكرامتهم ومزيد الاعتناء بهم لا يستكبرون عن عبادته يعني لا ~~يتكبرون ولا يتعظمون عنها ولا يستحسرون يعني لا يعيون ولا يتعبون، وقيل لا ~~ينقطعون عن العبادة ثم وصفهم الله تعالى يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~يعني لا يضعفون ولا يسأمون، وذلك أن تسبيحهم متصل دائم لا يفتر في جميع ~~أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو شغل أخر قال كعب الأحبار التسبيح لهم ~~كالنفس لبني آدم أم اتخذوا آلهة من الأرض يعني الأصنام من الحجارة والخشب ~~وغيرهما من ms2443 المعادن وهي من الأرض هم ينشرون يعني يحيون الأموات، إذ لا ~~يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ ~~وجوه النعم، وهو الله عز وجل لو كان فيهما يعني في السماء والأرض آلهة إلا ~~الله يعني غير الله (لفسدتا) يعني لخربتا وهلك من فيهما الوجود والتمانع من ~~الآلهة لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام وقال الإمام فخر ~~الدين الرازي قال المتكلمون القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال، فوجب أن ~~يكون القول بوجود إلهين محالا، وإنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو ~~فرضنا وجود إلهين، فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادرا على كل المقدورات، ~~ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه. # لو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه وأراد تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو ~~محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع ~~من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود ~~مراد ذلك وبالعكس فلو امتنعن معا لوجدا معا وذلك محال أو يقع مراد أحدهما: ~~دون الثاني وذلك أيضا محال لوجهين أحدهما أنه لو كان كل واحد منهما قادرا ~~على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل لا بد وأن يستويا ~~في القدرة وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع ~~من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح. وثانيهما: أنه إذا وقع ~~مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادرا والذي لم يقع مراده يكون ~~عاجزا والعجز نقص، وهو على الإله محال. ولو فرضنا إلهين، لكان كل واحد ~~منهما قادرا على جميع المقدورات فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من ~~وجه واحد، # PageV03P222 # وهو محال لأن إسناد الفعل إلى الفاعل إنما كان لإمكانه، فإذا كان كل واحد ~~منهما مستقلا بالإيجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل ~~إسناده إلى هذا ms2444 لكونه حاصلا منهما جميعا، فيلزم استغناؤه عنهما معا ~~واحتياجه إليهما معا، وذلك محال وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد فنقول ~~القول بوجود إلهين يفضي إلى امتناع وقوع المقدور بواحد منهما، وإذا كان ~~كذلك وجب أن لا يقع البتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعا، أو نقول لو قدرنا ~~إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد ~~مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما، وهو محال وإن اختلفا فإما أن يقع ~~المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الثاني والكل محال فثبت ~~أن الفساد لازم على كل التقديرات. واعلم أنك إذا وقفت على حقيقة هذه ~~الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات ~~فهو دليل على وحدانية الله تعالى. # وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن، واعلم أن كل من ~~طعن في دلالة التمانع ففسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة ~~يقول بإلهيتها عبدة الأصنام، لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على ~~تدبير العالم فلزم إفساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم في ~~قوله: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب ~~أن يختص الدليل به وأما قوله فسبحان الله رب العرش عما يصفون ففيه تنزيه ~~الله سبحانه وتعالى عما يصفه به المشركون من الشريك والولد لا يسئل عما ~~يفعل يعني لا يسأل عما يفعله ويقضيه في خلقه وهم يسئلون يعني والناس عن ~~أعمالهم، والمعنى أنه لا يسأل عما يحكم في عباده من إعزاز وإذلال وهدى ~~وإضلال وإسعاد وإشقاء، لأنه الرب مالك الأعيان والخلق يسألون سؤال توبيخ. # يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر ~~مولاهم. والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته قوله عز وجل: # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 24 الى 33] # أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل ms2445 ~~أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ~~وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم ~~عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون (33) # أم اتخذوا من دونه آلهة لما أبطل الله تعالى أن تكون آلهة سواه، بقوله لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أنكر عليهم اتخاذهم الآلهة فقال أم اتخذوا ~~من دونه آلهة وهو استفهام إنكار وتوبيخ قل هاتوا برهانكم أي حجتكم على ذلك ~~ثم قال مستأنفا هذا يعني القرآن ذكر من معي يعني فيه خبر من معي على ديني ~~ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على ~~المعصية وذكر يعني خبر من قبلي أي من الأمم السالفة وما فعل بهم في الدنيا ~~وما يفعل بهم في الآخرة. # وقال ابن عباس ذكر من معي القرآن وذكر من قبلي التوراة والإنجيل، والمعنى ~~راجعوا القرآن والتوراة # PageV03P223 # والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا أو كان معه آلهة ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون قوله عز وجل: وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون أي فوحدوني، وقيل لما توجهت ~~الحجة عليهم، ذمهم على جهلهم بمواضع الحق، فقال بل أكثرهم لا يعلمون الحق ~~فهم معرضون، أي عن التأمل والتفكر وما يجب عليهم من الإيمان بأنه لا إله ~~إلا هو. قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا نزلت ms2446 في خزاعة حيث قالوا ~~الملائكة بنات الله سبحانه نزه نفسه عما قالوا. بل عباد أي هم عباد يعني ~~الملائكة مكرمون أي أكرمهم الله واصطفاهم لا يسبقونه أي لا يتقدمونه بالقول ~~أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به وهم بأمره يعملون المعنى أنهم لا يخالفونه ~~قولا ولا عملا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم أي ما عملوا وما هم عاملون ~~وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى قال ~~ابن عباس إلا لمن قال لا إله إلا الله وقيل إلا لمن رضى الله تعالى عنه وهم ~~من خشيته مشفقون أي خائفون وجلون لا يأمنون مكره ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه قيل عنى به إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه فإن أحدا من الملائكة لم يقل ~~إني إله من دون الله فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين أي الواضعين ~~الإلهية والعبادة في غير موضعها. # قوله عز وجل أولم ير الذين كفروا أي ألم يعلم الذين كفروا أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا قال ابن عباس كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففتقناهما أي ~~فصلنا بينهما بالهواء. قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم ~~خلق ريحا بوسطهما ففتحهما بها، وقيل كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة، ~~ففتقها وجعلها سبع سموات وكذلك الأرض، وقيل كانت السماء رتقا لا تمطر، ~~والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات وجعلنا من الماء ~~كل شيء حي أي وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء، من الحيوان ويدخل ~~فيه النبات والشجر، وذلك لأنه سبب لحياة كل شيء، وقال المفسرون: معناه أن ~~كل شيء حي فهو مخلوق من الماء وقيل يعني النطفة. فإن قلت قد خلق الله بعض ~~ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة والجان. قلت خرج هذا الأمر ~~مخرج الأغلب والأكثر يعني أن أكثر ما على وجه الأرض مخلوق من الماء أو ~~بقاؤه بالماء أفلا يؤمنون أي أفلا يصدقون وجعلنا في الأرض رواسي أي جبالا ~~ثوابت ms2447 أن تميد بهم أي لئلا تميد بهم، قيل إن الأرض بسطت على الماء فكانت ~~تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء فأرساها الله فأثبتها بالجبال وجعلنا ~~فيها أي في الرواسي فجاجا أي طرقا ومسالك والفج الطريق الواسع بين الجبلين ~~سبلا هو تفسير الفجاج لعلهم يهتدون أي إلى مقاصدهم وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا أي من أن يسقط ويقع وقيل محفوظا من الشياطين بالشهب وهم يعني الكفار ~~عن آياتها معرضون أي عما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم، وكيفية ~~حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة ~~البالغة والقدرة القاهرة، لا يتفكرون ولا يعتبرون بها وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في ~~الماء. # وإنما قال يسبحون ولم يقل تسبح، على ما يقال لما لا يعقل لأنه ذكر عنها ~~فعل العقلاء، وهو السباحة والجري. والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في ~~كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك وقيل الفلك طاحونة كهيئة فلك ~~المغزل، يريد أن الذي تجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الرحى، وقيل الفلك ~~السماء الذي فيه ذلك الكوكب فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، وقيل ~~الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس ~~والقمر والنجوم، وقال أصحاب الهيئة الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة ~~غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة ~~صفة السموات إلا بأخبار الصادق فسبحان الخالق المدبر لخلقه بالحكمة والقدرة ~~الباهرة غير المتناهية. قوله عز وجل: # PageV03P224 # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 34 الى 43] # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) ~~خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين (38) # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا ms2448 عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) ~~قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم ~~لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد يعني الدوام والبقاء في الدنيا أفإن مت فهم ~~الخالدون نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون نشمت بموته، ~~فنفى الله الشماتة عنه بهذا والمعنى أن الله تعالى قضى أن لا يخلد في ~~الدنيا بشرا لا أنت ولا هم فإن مت أنت أفيبقى هؤلاء وفي معناه قول القائل: # فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا # كل نفس ذائقة الموت هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك فإن الله تعالى حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت. والذوق ها ~~هنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله ونبلوكم أي نختبركم ~~بالشر والخير أي بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر، وقيل مما ~~تحبون وما تكرهون فتنة أي ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبون وصبركم فيما ~~تكرهون وإلينا ترجعون أي للحساب والجزاء. قوله عز وجل وإذا رآك الذين كفروا ~~إن أي ما يتخذونك إلا هزوا أي سخريا قيل نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فضحك وقال هذا نبي بني عبد مناف أهذا الذي يذكر آلهتكم أي ~~يقول بعضهم لبعض أهذا الذي يعيب ألهتكم والذكر يطلق على المدح والذم مع ~~القرينة وهم بذكر الرحمن هم كافرون وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن ~~إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب قوله تعالى خلق الإنسان من عجل، قيل ~~معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، وقيل لما دخل الروح في رأس ~~آدم وعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن ~~تبلغ الروح إلى ms2449 رجليه عجلا إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل خلق الإنسان من عجل ~~وأورث بنيه العجلة وقيل معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه، لأن ~~خلقه كان بعد كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب ~~الشمس فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، وقيل ~~خلق بسرعة وتعجيل على غير قياس خلق بنيه لأنهم خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم ~~من مضغة أطوارا أطوارا طورا بعد طور وقيل خلق الإنسان من عجل أي من طين قال ~~الشاعر: # والنخل ينبت بين الماء والعجل # أي بين الماء والطين. وقيل أراد بالإنسان النوع الإنساني يدل عليه قوله ~~سأريكم آياتي فلا تستعجلون وذلك أن المشركين كانوا يستعجلون العذاب، وقيل ~~نزلت في النضر بن الحرث، ومعنى سأريكم آياتي أي مواعيدي فلا تطلبوا العذاب ~~قبل وقته فأراهم يوم بدر، وقيل كانوا يستعجلون القيامة فلذلك قال تعالى ~~ويقولون يعني المشركين متى هذا الوعد إن كنتم صادقين وهذا هو الاستعجال ~~المذموم المذكور على # PageV03P225 # سبيل الاستهزاء فبين تعالى أنهم إنما يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم، ثم بين ~~ما لهؤلاء المستهزئين فقال تعالى: # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون يعني لا يدفعون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم قيل السياط ولا هم ينصرون أي لا يمنعون من العذاب والمعنى لو علموا ~~لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا بالعذاب ولما قالوا متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين بل تأتيهم يعني الساعة بغتة أي فجأة فتبهتهم أي تحيرهم فلا ~~يستطيعون ردها أي صرفها ودفعها عنهم ولا هم ينظرون أي لا يمهلون للتوبة ~~والمعذرة ولقد استهزئ برسل من قبلك أي يا محمد كما استهزأ بك قومك فحاق أي ~~نزل وأحاط بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن أي عقوبة استهزائهم وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم. # قوله تعالى قل من يكلؤكم أي يحفظكم بالليل إذا نمتم والنهار إذا انصرفتم ~~في معايشكم من الرحمن قال ابن عباس ms2450 معناه من يمنعكم من عذاب الرحمن بل هم ~~عن ذكر ربهم أي عن القرآن ومواعظه معرضون أي لا يتأملون في شيء منها أم لهم ~~آلهة تمنعهم من دوننا معناه ألهم آلهة من دوننا تمنعهم ثم وصف آلهتهم ~~بالضعف فقال لا يستطيعون نصر أنفسهم أي لا يقدرون على نصر أنفسهم فكيف ~~ينصرون من عبدهم ولا هم منا يصحبون قال ابن عباس يمنعون وقيل يجارون وقيل ~~ينصرون وقيل معناه لا يصبحون من الله بخير. # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 44 الى 57] # بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم ~~الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا ~~إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى ~~وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) # الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) ~~قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) # قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت ~~من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم ~~من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) # بل متعنا هؤلاء يعني الكفار وآباءهم أي في الدنيا بأن أنعمنا عليهم ~~وأمهلناهم حتى طال عليهم العمر أي امتد بهم الزمان فاغتروا أفلا يرون يعني ~~هؤلاء المشركين أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها يعني ننقص من أطراف ~~المشركين، ونزيد من أطراف المؤمنين يريد بذلك ظهور النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفتحه ديار الشرك أرضا فأرضا وقرية فقرية، والمعنى أفلا يرى هؤلاء ~~المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها ~~بأخذ الواحد، بعد الواحد وفتح البلاد ms2451 والقرى مما حول مكة وإدخالها في ملك ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وموت رؤوس المشركين المتنعمين بالدنيا، أما كان ~~لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون ~~على الامتناع منا ومن إرادتنا فيهم ثم قال أفهم الغالبون استفهام بمعنى ~~التقريع معناه بل نحن الغالبون وهم المغلوبون قل يا محمد إنما أنذركم ~~بالوحي أي أخوفكم بالقرآن ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما # PageV03P226 # ينذرون # أي يخوفون ولئن مستهم أي أصابتهم نفحة من عذاب ربك قال ابن عباس طرف وقيل ~~شيء قليل ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما ~~أقروا على أنفسهم بالظلم والشرك. قوله عز وجل ونضع الموازين القسط أي ذوات ~~العدل وصفها بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون بخلافه فبين أن تلك ~~الموازين تجري على حد العدل ومعنى وضعها إحضارها ليوم القيامة أي لأهل يوم ~~القيامة قيل المراد بالميزان العدل والقسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت ~~حسناته بسيئاته فاز ونجا وبالعكس ذل وخسر، والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن ~~الله سبحانه وتعالى يضع الموازين الحقيقية ويزن بها أعمال العباد، وقال ~~الحسن هو ميزان له كفتان ولسان وأكثر الأقوال أنه ميزان واحد وإنما جمع ~~لاعتبار تعدد الأعمال الموزونة به. وروي أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ~~ربه عز وجل أن يريه الميزان فأراه كل كفته ما بين المشرق والمغرب فلما رآه ~~غشي عليه، ثم فاق فقال إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال يا داود ~~إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. فعلى هذا ففي كيفية وزن الأعمال مع ~~أنها أعراض طريقان: أحدهما: أن توضع صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في ~~كفة، وصحائف السيئات في كفة. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض ~~مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. فإن قلت كيف تصنع بقوله ونضع ~~الموازين القسط مع قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. # قلت هذه في حق الكفار لأنهم ليس لهم أعمال توزن ms2452 مع الكفر. وقوله تعالى ~~فلا تظلم نفس شيئا يعني لا تبخس مما لها وما عليها من خير وشر شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها معناه أنه لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في ~~إساءه مسيء، وأراد بالحبة الجزء اليسير من الخردل، ومعنى أتينا بها يعني ~~أحضرناها لنجازي بها. عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ~~فينشر له تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول أتنكر من هذا شيئا، ~~أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول لا يا رب، فيقول أفلك عذر، فيقول لا يا رب. ~~فيقول الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له ~~بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول ~~أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم ~~فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا ~~يثقل مع اسم الله شيء» أخرجه الترمذي. السجل الكتاب الكبير، وأصله من ~~التسجيل لأنه يجمع أحكاما، والبطاقة ورقة صغيرة تجعل في طي الثوب يكتب فيها ~~ثمنه، والطيش الخفة، قلت في الحديث دليل على أن صحائف الأعمال هي التي ~~توزن، لا أن الأعمال تتجسد جواهر فتوزن والله أعلم. قوله تعالى: وكفى بنا ~~حاسبين قال ابن عباس معناه كفى بنا عالمين حافظين لأن من حسب شيئا فقد علمه ~~وحفظه، والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن ~~يشتبه عليه شيء وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون بأشد ~~الخوف منه ويروى عن الشبلي أنه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال: # حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا # هكذا سيمة الملوك ... بالمماليك يرفقوا # قوله عز وجل ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان يعني الكتاب المفرق بين الحق ~~والباطل وهو التوراة، ms2453 وقيل الفرقان النصر على الأعداء فعلى هذا يكون وضياء ~~يعني التوراة ومن قال الفرقان هو التوراة جعل الواو زائدة في وضياء والمعنى ~~آتينا موسى التوراة ضياء وذكرا للمتقين يعني يتذكرون بمواعظها ويعملون بما ~~فيها الذين يخشون ربهم بالغيب أي يخافونه ولم يروه، وقيل يخافونه في ~~الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس وهم من الساعة مشفقون أي خائفون وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه أي كما آتينا موسى التوراة، فكذلك أنزلنا # PageV03P227 # القرآن ذكرا مباركا، أي هو ذكر لمن آمن به مبارك يتبرك به ويطلب منه ~~الخير أفأنتم يا أهل مكة له منكرون أي جاحدون. قوله تعالى ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده أي صلاحه وهداه من قبل أي من قبل موسى وهارون، وقيل من قبل ~~البلوغ وهو حين خرج من السرب وهو صغير وكنا به عالمين أي إنه من أهل ~~الهداية والنبوة إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل يعني الصور والأصنام ~~التي أنتم لها عاكفون أي مقيمون على عبادتها قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~أي فاقتدينا بهم قال يعني إبراهيم لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين # أي في خطأ بين بعبادتكم إياها قالوا أجئتنا بالحق أي بالصدق أم أنت من ~~اللاعبين يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن أي خلقهن وأنا على ذلكم من الشاهدين أي على أنه الإله ~~الذي يستحق العبادة، وقيل شاهد على أنه خالق السموات والأرض وتالله لأكيدن ~~أصنامكم أي لأمكرن بها بعد أن تولوا مدبرين أي منطلقين إلى عيدكم، قيل إنما ~~قال إبراهيم هذا القول سرا في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه ~~فأفشاه عليه، وهو القائل إنا سمعنا فتى يذكرهم، وقيل كان لهم في كل سنة ~~مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم ~~رجعوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم يا إبراهيم لو خرجت ~~معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى ms2454 ~~نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، فنادى في آخرهم وقد ~~بقي ضعفاء الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت ~~الآلهة وهن في بهو عظيم، ومستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه ~~والأصنام جنبها إلى جنب بعض كل صنم الذي يليه أصغر منه وهكذا إلى باب ~~البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وقد بركت ~~الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من ~~الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء «ألا تأكلون» فلما لم يجيبوه قال «ما ~~لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين» وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا ~~لم يبق إلا الصنم العظيم، علق الفأس في عنقه، وقيل في يده ثم خرج فذلك قوله ~~تعالى. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 58 الى 68] # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم (62) # قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم ~~فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف ~~لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) # فجعلهم جذاذا أي كسرا وقطعا إلا كبيرا لهم أي تركه ولم يكسره ووضع الفأس ~~في عنقه، ثم خرج وقيل ربطه على يده وكانت اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب ~~وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من نحاس ورصاص وحجر وخشب وكان الصنم ~~الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان وقوله لعلهم إليه ~~يرجعون قيل معناه يرجعون إلى إبراهيم وإلى دينه وما يدعوهم إليه، إذا علموا ~~ضعف الآلهة وعجزها، وقيل معناه لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه ms2455 ما لهؤلاء ~~تكسروا وأنت صحيح والفأس في عنقك، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ~~ورأوا أصنامهم مكسرة قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين # PageV03P228 # أي في تكسيرها واجترائه عليها قالوا سمعنا فتى يذكرهم أي يسبهم ويعيبهم ~~يقال له إبراهيم أي هو الذي نظن أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف ~~قومه قالوا فأتوا به على أعين الناس أي جيئوا به ظاهرا بمرأى الناس وإنما ~~قاله نمرود لعلهم يشهدون أي عليه بأنه الذي فعل ذلك كرهوا أن يأخذوه بغير ~~بينة وقيل معناه لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به فلما أتوا به قالوا له ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال يعني إبراهيم بل فعله كبيرهم هذا غضب ~~أن تعبدون معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن وأراد إبراهيم بذلك إقامة ~~الحجة عليهم فذلك قوله فسئلوهم إن كانوا ينطقون أي حتى يخبروا بمن فعل ذلك ~~بهم، وقيل: معناه إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم عن ~~النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله ~~إني سقيم وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: هذه أختي» لفظ الترمذي قيل ~~في قوله إني سقيم أي: سأسقم وقيل: سقيم القلب مغتم بضلالتكم. # وأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ~~ينطق فهو على طريق التبكيت لقومه وقوله لسارة: هذه أختي، أي في الدين ~~والإيمان قال الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فكل هذه الألفاظ صدق في نفسها ~~ليس فيها كذب. فإن قلت: قد سماها النبي صلى الله عليه وسلم كذبات بقوله: لم ~~يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر كذباته. قلت: ~~معناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه ~~الكلمات ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام منها ms2456 بمؤاخذته بها قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب عن ~~إبراهيم والأولى هو الأول للحديث، ويجوز أن يكون الله أذن له في ذلك لقصد ~~الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال: # أيتها العير إنكم لسارقون ولم يكونوا سرقوا قال الإمام فخر الدين الرازي: ~~وهذا القول مرغوب عنه، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذب لمصلحة ~~ويأذن الله فيه فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبر الأنبياء عنه، وذلك يبطل ~~الوثوق بالشرائع ويطرق التهمة إلى كلها، والحديث محمول على المعاريض، فإنه ~~فيها مندوحة عن الكذب. # وقوله: فرجعوا إلى أنفسهم يعني تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقالوا ~~ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون يعني بعبادتكم ما لا يتكلم وقيل ~~معناه أنتم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه، وهذه آلهتكم حاضرة ~~فاسألوها ثم نكسوا على رؤسهم قال أهل التفسيسر أجرى الله الحق على ألسنتهم ~~في القول الأول وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم ثم أدركتهم الشقاوة فرجعوا ~~إلى حالهم الأولى وهو قوله: ثم نكسوا على رؤوسهم أي ردوا إلى الكفر وقالوا ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون يعني فكيف نسألهم، فلما اتجهت الحجة لإبراهيم ~~عليهم قال لهم أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا يعني إن عبدتموه ولا ~~يضركم يعني إن تركتم عبادته أف لكم يعني تبا لكم ولما تعبدون من دون الله ~~والمعنى أنه حقرهم وحقر معبودهم أفلا تعقلون يعني أليس لكم عقل تعقلون به ~~أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب ~~قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم يعني أنكم لا تنصرونها إلا بتحريق إبراهيم لأنه ~~يعيبها ويطعن فيها إن كنتم فاعلين يعني ناصرين آلهتكم. قال ابن عمر: الذي ~~قال هذا رجل من الأكراد قيل اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها ~~إلى يوم القيامة. وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن ~~حام بن نوح. # ذكر القصة في ذلك # فلما اجتمع نمرود وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في ms2457 بيت وبنوا بنيانا ~~كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ثم # PageV03P229 # جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر حتى كان الرجل يمرض فيقول: لئن ~~عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته ~~لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتسابا في ~~دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما جمعوا ما ~~أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا فاشتعلت النار واشتدت حتى إن ~~الطير ليمر بها فتحرق من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما ~~أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل إن إبليس جاء وعلمهم ~~عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ~~ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من ~~الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة: أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى ~~في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فأذن لنا في نصرته فقال الله تعالى: ~~إنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بأحد ~~منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به ~~وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه ~~وقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء وقال: إن شئت طيرت النار في ~~الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله حسبي الله ونعم الوكيل. # وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه في النار: لا إله إلا أنت ~~سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، ~~فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة فقال: أما إليك فلا قال جبريل ~~فاسأل ربك فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي (خ) عن ابن عباس في قوله ~~تعالى وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قال: قالها إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه ms2458 وسلم حين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفئ عنه النار ~~إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار (ق) عن أم شريك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أمر بقتل الأوزاغ- زاد البخاري- وقال كان ينفخ على إبراهيم» ~~(قلنا) يعني قال عز وجل. # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 69 الى 71] # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) # يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم قال ابن عباس: لو لم يقل سلاما لمات ~~إبراهيم من بردها، وفي بعض الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ~~فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل على إبراهيم بقيت ذات ~~برد أبدا، وقيل: أخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عين ~~ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه ~~قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام، قاله المنهال بن عمرو وقال ~~إبراهيم: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت في النار. قيل: # وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه. ~~قالوا: وبعث الله عز وجل جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص ~~وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: ~~أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح ~~له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، ~~فناداه يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار يا ~~إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم. قال: هل تخشى إن قمت أن تضرك قال ~~لا. # قال: فقم فاخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما وصل إليه ~~قال له يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك ms2459 قاعدا إلى جنبك؟ ~~قال: ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها فقال نمرود # PageV03P230 # يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع ~~بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة. # قال إبراهيم: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ~~ديني فقال: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها، فذبحها نمرود، وكف عن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومنعه الله عز وجل منه قوله عز وجل وأرادوا به ~~كيدا يعني أرادوا أن يكيدوه فجعلناهم الأخسرين قيل: معناه أنهم خسروا السعي ~~والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. وقيل: إن الله تعالى أرسل على نمرود وقومه ~~البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة فأهلكته. قوله ~~تعالى: ونجيناه ولوطا يعني من نمرود وقومه إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين يعني إلى أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار ~~والأنهار. وقال أبي بن كعب: بارك الله فيها وسماها مباركة لأنه ما من ماء ~~عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. وقيل: لأن أكثر ~~الأنبياء منها (ق) عن أبي قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ~~لكعب: # ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره ~~فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز ~~الله من أرضه وبها كنز من عباده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ~~ألزمهم مهاجر إبراهيم» أخرجه أبو داود، أراد بالهجرة الثانية الهجرة إلى ~~الشام يرغب في المقام بها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «طوبى لأهل الشام فقلت وما ذاك يا رسول الله قال لأن الملائكة باسطة ~~أجنحتها عليها» أخرجه الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت يا ~~رسول الله أين ms2460 تأمرني؟ قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام» أخرجه الترمذي. # قال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله ~~تعالى به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمرود وملئهم وآمنت به ~~سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، وتبعه لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن ~~هاران وهو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور فثلاثتهم أولاد تارخ ~~وهو آزر، فخرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق مهاجرا إلى ربه ومعه لوط ~~وسارة فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث ~~بها ما شاء الله، ثم خرج مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج ورجع إلى الشام فنزل ~~السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع ~~فبعثه الله نبيا إلى أهلها وما قرب منها فذلك قوله تعالى ونجيناه ولوطا إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين قوله تعالى: # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 72 الى 79] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا ~~لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) # ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم ~~أجمعين (77) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة يعني عطية من عطاء الله. قال ابن عباس: ~~النافلة هو يعقوب لأن الله # PageV03P231 # تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه حيث قال: رب هب لي من الصالحين وزاده ~~يعقوب نافلة وهو ولد الولد وكلا جعلنا صالحين يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~وجعلناهم أئمة يعني قدوة يهتدى بهم في الخير يهدون بأمرنا ms2461 يعني يدعون الناس ~~إلى ديننا بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات يعنى العمل بالشرائع وإقام ~~الصلاة يعني المحافظة عليها وإيتاء الزكاة يعني الواجبة وخصهما لأن الصلاة ~~أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر الله والزكاة أفضل العبادات المالية ~~ومجموعهما التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وكانوا لنا عابدين يعني ~~موحدين قوله عز وجل ولوطا آتيناه حكما أي الفصل بين الخصوم بالحق وقيل أراد ~~الحكمة والنبوة وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث يعني قرية ~~سدوم وأراد أهلها وأراد بالخبائث إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون ~~في مجالسهم مع أشياء أخرى كانوا يعلمونها من المنكرات إنهم كانوا قوم سوء ~~فاسقين وأدخلناه في رحمتنا قيل: أراد بالرحمة النبوة وقيل أراد بها الثواب ~~إنه من الصالحين أي الأنبياء. # قوله تعالى: ونوحا إذ نادى من قبل أي من قبل إبراهيم ولوط فاستجبنا له أي ~~أجبنا دعاءه فنجيناه وأهله من الكرب العظيم قال ابن عباس من الغرق وتكذيب ~~قومه له، وقيل: إنه كان أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء. والكرب أشد الغم ~~ونصرناه أي منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا من أن يصلوا إليه بسوء ~~وقيل من بمعنى على إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين. قوله عز وجل وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما ~~قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا وهو أشبه بالعرف إذ نفشت فيه غنم القوم أي ~~رعته ليلا فأفسدته وكان بلا راع وكنا لحكمهم شاهدين أي كان ذلك بعلمنا ~~ومرأى منا لا يخفى علينا علمه. وفيه دليل لمن يقول بأن أقل الجمع اثنان ~~لقوله وكنا لحكمهم والمراد به داود وسليمان قال ابن عباس وغيره. إن رجلين ~~دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن غنم هذا ~~دخلت زرعي ليلا فوقعت فيه فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه رقاب الغنم ~~بالزرع، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه فقال سليمان: ~~لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي أنه قال غير ms2462 هذا أرفق بالفريقين، فأخبر ~~بذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضي ويروى أنه قال له بحق النبوة والأبوة إلا ~~ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع ~~بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، ~~فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال ~~داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك، فقيل: كان لسليمان يوم حكم بذلك من العمر ~~إحدى عشر سنة. # وحكم الإسلام في هذه المسألة أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير ~~بالنهار فلا ضمان على ربها وما أفسدته بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس ~~أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى ~~المراح. ويدل على هذه المسألة ما روى حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء ~~بن عازب دخلت حائطا لرجل من الأنصار فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها ~~بالليل وزاد في رواية: وإن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل، أخرجه ~~أبو داود مرسلا. وذهب أصحاب الرأي أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته فلا ضمان ~~عليه فيما أتلفت ليلا كان أو نهارا، فذلك قوله تعالى: ففهمناها سليمان أي ~~علمناه وألهمناه حكم القضية وكلا أي داود وسليمان آتينا حكما وعلما أي ~~بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد ~~هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده. # واختلف العلماء في أن حكم داود كان باجتهاده أم بنص، وكذلك حكم سليمان ~~فقال بعضهم: حكما # PageV03P232 # بالاجتهاد. قال: ويجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين ~~والعلماء لهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة وإذا ~~أخطئوا فلا إثم عليهم (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم ~~فاجتهد فأخطأ فله أجر» وقال قوم ms2463 إن داود وسليمان حكما بالوحي فكان حكم ~~سليمان ناسخا لحكم داود ومن قال بهذا يقول لا يجوز للأنبياء الحكم ~~بالاجتهاد لأنهم مستغنون عنه بالوحي، واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب ~~بظاهر هذه الآية وبالحديث حيث وعد الثواب للمجتهد على الخطأ، وهو قول أصحاب ~~الرأي وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبا بل إذا اختلف اجتهاد ~~المجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد مصيبا لم ~~يكن للتقسيم معنى، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد فأخطأ فله أجر» لم ~~يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده ~~عبادة والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهدا، ووجه الاجتهاد في هذا ~~الحكم أن داود قوم قدر الضرر في الحرث فكان مساويا لقيمة الغنم، وكان عنده ~~أن الواجب في ذلك الضرر في الحرث قيمة المثل، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني ~~عليه. # وأما سليمان فإن اجتهاده أدى إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد ~~بالزوائد، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائزة، ولعل منافع الغنم في ~~تلك السنة كانت موازية لمنافع الحرث فحكم به. ومن أحكام داود وسليمان ~~عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن ~~إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك ~~فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه ~~فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ~~ابنها فقضى به للصغرى» أخرجاه في الصحيحين قوله تعالى وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن والطير أي يسبحن مع داود إذا سبح قال ابن عباس كان يفهم تسبيح ~~الحجر والشجر، قيل: # كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير وقيل معنى يسبحن يصلين معه إذا ~~صلى وقيل كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في ~~التسبيح ويشتاق ms2464 إليه وكنا فاعلين يعني ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم ~~والتسخير. # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 80 الى 81] # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان ~~الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ~~(81) # وعلمناه صنعة لبوس لكم أي صنعة الدروع التي تلبس في الحرب قيل أول من صنع ~~الدروع وسردها واتخذها حلقا داود وكانت من قبل صفائح قالوا إن الله ألان ~~الحديد لداود بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين والدرع يجمع بين الخفة ~~والحصانة وهو قوله تعالى: لتحصنكم أي تمنعكم من بأسكم أي حرب عدوكم وقيل من ~~وقع السلاح فيكم وقيل ليحصنكم الله به فهل أنتم شاكرون أي يقول ذلك لداود ~~وأهل بيته. قوله عز وجل ولسليمان الريح أي وسخرنا لسليمان الريح وهو جسم ~~متحرك لطيف ممتنع بلطفه من القبض عليه يظهر للحسن بحركته ويخفى عن البصر ~~بلطفه عاصفة أي شديدة الهبوب. فإن قلت: قد وصفها الله بالرخاء وهي الريح ~~اللينة قلت: كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت وإن أراد أن تلين ~~لانت تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها يعني الشام وذلك لأنها كانت ~~تجري بسليمان وأصحابه حيث يشاء سليمان ثم يعود إلى منزله بالشام وكنا بكل ~~شيء عالمين أي بصحة التدبير فيه وعلمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح ~~وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه. قال وهب: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى ~~مجلسه حلقت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره، وكان امرأ ~~غزاء، قلما كان يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من # PageV03P233 # الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر ~~بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة ~~الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب ~~فاحتملته، حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في ~~غدوته ms2465 إلى حيث أراد. # وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها ولا تثير ترابا ولا ~~تؤذي طائرا. قال وهب: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتبه بعض ~~صحابة سليمان إما من الإنس أو من الجن نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه ~~غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فنازلون بالشام وقال ~~مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم وكان ~~يوضع له منبر من ذهب وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب ~~وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم ~~الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه ~~شمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، وقال الحسن: ~~لما شغلت نبي الله سليمان الخيل حتى فاتته، صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل ~~فأبدله الله مكانها خيرا منها وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء فكان يغدو من ~~إيلياء فيقيل بإصطخر ثم يروح منها فيكون رواحه ببابل. وروي أن سليمان سار ~~من أرض العراق فقال بمدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ثم جاوزهم إلى أرض الصين ~~يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل ~~البحر حتى أتى أرض السند وجاوزها وخرج منها إلى مكران وكرمان، ثم جاوزها ~~حتى أتى أرض فارس فنزلها أياما، وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى الشام. ~~وكان مستقره بمدينة تدمر وكان أمر الشياطين قبل شخوصه إلى العراق فبنوها له ~~بالصفاح والعمد والرخام الأصفر والأبيض، وفي ذلك يقول النابغة: # إلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحددها عن الفند # وجيش الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 82 الى 83] # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) ~~وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) # قوله عز وجل ومن الشياطين أي وسخرنا له من الشياطين من يغوصون ms2466 له أي ~~يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر ويعملون عملا دون ذلك أي ~~دون الغوص وهو اختراع الصنائع العجيبة كما قال يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل الآية، ويتجاوزون في ذلك إلى أعمال المدن والقصور والصناعات كاتخاذ ~~النورة والقوارير والصابون وغير ذلك وكنا لهم حافظين يعني حتى لا يخرجوا عن ~~أمره، وقيل: حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا وذلك أنهم كانوا إذا عملوا عملا ~~في النهار وفرغ قبل الليل أفسدوه وخربوه. قيل: إن سليمان كان إذا بعث ~~شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله ~~بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه. قوله تعالى: وأيوب إذ نادى ربه يعني دعا ~~ربه. # ذكر قصة أيوب عليه السلام # قال وهب بن منبه: كان أيوب رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن ~~روم ابن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان ~~الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط له الدنيا، وكانت له البثنية من أرض ~~البلقاء من أعمال خوارزم مع أرض الشام كلها سهلها وجبلها وكان له فيها من ~~أصناف المال كله # PageV03P234 # من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في ~~العدد والكثرة، وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة ~~وولد ومال ويحمل له آلة كل فدان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاثة أو ~~أربع أو خمس وفوق ذلك، وكان الله تعالى قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ~~وكان برا تقيا رحيما بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ~~ويبلغ ابن السبيل وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله قد امتنع عن عدو ~~الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن ~~أمر الله بما هو فيه من أمر الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به ~~وصدقوه: رجل من أهل اليمن يقال له النغر وقيل نغير، ورجلان ms2467 من أهل بلده ~~يقال لأحدهما تلدد والآخر صافر وكان لهؤلاء مال، وكان إبليس لا يحجب عن شيء ~~من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع. ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب عن السموات كلها إلا من استرق السمع، ~~فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى ~~عليه، فأدرك إبليس الحسد والبغي، فصعد سريعا حتى وقف من السماء حيث كان يقف ~~وقال: إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته ~~فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج ~~عن طاعتك، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله. فانقض عدو الله إبليس ~~حتى وقع على الأرض فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين وقال لهم: ماذا عندكم ~~من القوة فقد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا تصبر ~~عليها الرجال. # فقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار ~~فأحرق كل شيء آتي عليه قال إبليس: اذهب فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل حين ~~وضعت رؤوسها ورعت فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار فأحرق ~~الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قيم ممن ~~كانوا عليها على قعود إلى أيوب فوجده قائما يصلي فقال يا أيوب أقبلت نار ~~حتى غشيت إبلك وأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب بعد أن فرغ من الصلاة: ~~الحمد لله هو أعطانيها وهو أخذها، وإنها مال الله أعارنيها وهو أولى بها، ~~إذا شاء نزعها. قال فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول: ما ~~كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إله أيوب ~~يقدر أن يمنع شيئا لمنع وليه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت ~~به عدوه ويفجع صديقه، فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، ~~عريانا ms2468 خرجت من بطن أمي وعريانا أعود إلى التراب وعريانا أحشر إلى الله عز ~~وجل، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته، الله أولى بك ~~وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح ~~وصرت شهيدا ولكنه علم منك شرا فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا ~~فقال: ما عندكم من القوة فاني لم أكلم قلبه. قال عفريت من الجن عندي من ~~القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه. قال إبليس: فأت ~~الغنم ورعاتها فانطلق حتى توسطها ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتا من عند آخرها ~~ومات رعاتها، فجاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء إلى أيوب فوجده يصلي فقال ~~له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل الرد الأول، فرجع إبليس إلى أصحابه ~~فقال: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت: عندي من ~~القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفة تنسف كل شيء تأتي عليه. قال: فأت ~~الفدادين في الحرث والزرع فانطلق يؤمهم وذلك حين شرع الفدادون في الحرث ~~والزرع فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصفة فنسفت كل شيء من ذلك، حتى كأنه لم يكن ~~ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمانهم إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله ~~الأول، فرد عليه أيوب مثل رده الأول، وجعل إبليس يصف ماله مالا مالا حتى مر ~~على آخره كلما انتهى إلى هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ~~ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر والبلاء حتى لم يبق له مال. # PageV03P235 # فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا حتى وقف في ~~الموقف الذي يقف فيه وقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده فأنت معطيه ~~المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ~~قال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على ولده. فانقض عدو الله حتى أتى بني ~~أيوب وهم في قصرهم ms2469 فلم يزل يزلزل بهم القصر حتى تداعى من قواعده، وجعل جدره ~~يضرب بعضها بعضا يرميهم بالخشب والحجارة، فلما مثل بهم كل مثلة رفع القصر ~~وقلبه عليهم، وصاروا منكسين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان ~~يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه فأخبره وقال: لو رأيت بنيك ~~كيف عذبوا وكيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم وأدمغتهم، ولو رأيت ~~كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، فلم يزل يقول هذا ونحوه ~~حتى رق قلب أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال: يا ليت ~~أمي لم تلدني. فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا ~~به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته ~~فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئا ذليلا وقال: إلهي إنما ~~هون على أيوب المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال ~~والولد فهل أنت مسلطي على جسده فقال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على ~~جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، وكان الله أعلم به، ولم ~~يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب # ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في ~~الصبر ورجاء الثواب. فانقض عدو الله إبليس سريعا إليه فوجد أيوب ساجدا فعجل ~~قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قبل وجهه فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده ~~فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة فحك بأظفاره ~~حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار ~~والحجارة الخشنة. # فلم يزل يحك حتى قرح لحمه وتقطع وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه ~~على كناسة لهم وجعلوا له عريشة، ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته وهي رحمة ~~بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما ~~رأى الثلاثة من أصحابه ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير ms2470 أن يتركوا ~~دينه، فلما طال به البلاء انطلق إليه أصحابه فبكتوه ولا موه وقالوا: تب إلى ~~الله من الذنب الذي عوقبت به. قال: وحضر معهم فتى حديث السن قد آمن به ~~وصدقه فقال لهم الفتى: إنكم تكلمتم أيها الكهول وأنتم أحق بالكلام مني ~~لأسنانكم ولكن تركتم من القول ما هو أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من ~~الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق ~~والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم، وحرمة ~~من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ألم تعلموا أن أيوب نبي الله ~~وصفوته وخيرته من أهل الأرض إلى يومكم هذا ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله ~~على أنه سخط شيئا من أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه ~~نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه الله بها ولا أن أيوب قال على الله غير ~~الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا. فإن كان البلاء هو الذي أزرى به ~~عندكم، ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك دليلا على سخطه عليهم، ولا لهوانهم ~~عليه، ولكنها كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه إلا أنه أخ ~~أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا ~~يعيره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي ~~ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل ~~هذا فالله الله أيها الكهول، وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما ~~يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ألم تعلموا أن لله عبادا أسكنتهم الخشية من غير ~~عي ولا بكم وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ~~ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم وانكسرت قلوبهم ~~وطاشت عقولهم إعظاما لأمر الله # PageV03P236 # وإجلالا، فإذا اشتاقوا من ذلك استبقوا إلى ms2471 الله بالأعمال الزاكية يعدون ~~أنفسهم من الظالمين والخاطئين وإنهم لأبرار برآء ومع المقصرين المفرطين ~~وإنهم لأكياس أقوياء. # قال أيوب عليه السلام: إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير ~~والكبير، فإذا نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان وليست تكون الحكمة من ~~قبل السن ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم تسقط ~~منزلته عند الحكماء، وهم يرون من الله سبحانه وتعالى عليه نور الكرامة، ثم ~~أقبل أيوب على الثلاثة وقال: # أتيتموني غضابا رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف بي لو ~~قلت تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا عني قربانا لعل الله ~~أن يقبله ويرضى عني وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم، وظننتم أنكم قد عوفيتم ~~بإحسانكم، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها ~~الله تعالى بالعافية التي ألبسكم. وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع ~~كلامي معروف حقي منتصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، ~~فأنتم كنتم أشد علي من مصيبتي. ثم أعرض عنهم أيوب، وأقبل على ربه مستغيثا ~~به متضرعا إليه فقال: يا رب لأي شيء خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ~~ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني لو ~~كنت أمتني فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي. ألم أكن للغريب دارا ~~وللمسكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت ~~فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا، وللفتنة نصيبا، وقد ~~وقع علي من البلاء ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله فكيف يحمله ضعفي. وإن ~~قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي ~~نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء في فأدلي بعذري وأتكلم ~~ببراءتي وأخاصم عن نفسي لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني ~~وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه. # فلما قال ذلك أيوب ms2472 وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب، ثم ~~نودي يا أيوب إن الله يقول ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا قم فأدل ~~بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد أزرك وقم مقام جبار يخاصم جبارا ~~إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي. لقد منتك نفسك يا أيوب ~~أمرا، ما يبلغ لمثله مثلك. أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها؟ ~~هل كنت معي تمد بأطرافها؟ هل علمت أي مقدار قدرتها، أم على أي شيء وضعت ~~أكنافها. أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء؟ أين ~~كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها ~~دعم من تحتها؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف ~~بأمرك ليلها ونهارها؟ أين كنت مني يوم أنبعت الأنهار وسكبت البحار؟ ~~أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم بقدرتك فتحت الأرحام حين بلغت ~~ملتها؟ أين كنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل تدري ~~على أي شيء أرسيتها أم بأي مثقال وزنتها؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم ~~هل تدري من أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ أم هل تدري من أي شيء أنشأت ~~السحاب؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ أم أين جبال البرد؟ أم أين خزانة ~~الليل بالنهار وخزانة النهار بالليل؟ وأين خزانة الريح؟ وبأي لغة تتكلم ~~الأشجار ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ وشق الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت ~~الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير ~~يدل على آثار قدرته ذكرها لأيوب فقال أيوب: صغر شأني وكل لساني وعقلي ورأيي ~~وضعفت قوتي عن هذا الأمر الذي يعرض علي إلهي. قد علمت أن كل الذي قد ذكرت ~~صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت ولا يعجزك شيء ولا ~~تخفى عليك خافية إلهي أوثقني البلاء فتكلمت ولم أملك نفسي فكان البلاء ms2473 هو ~~الذي أنطقني. ليت الأرض انشقت بي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخطك. ربي ~~وليتني مت بغمي في أشد بلائي قبل ذلك. إنما تكلمت حين تكلمت بعذري، وسكت ~~حين سكت # PageV03P237 # لترحمني كلمة زلت مني فلن أعود، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني ~~وألصقت بالتراب خدي، أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء، فأجرني ~~وأستغيث بك من عقابك فأغثني، وأستعينك عن أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، ~~وأعتصم بك فاعصمني وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني. # قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي، فقد غفرت لك، ~~ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وتكون عبرة لأهل ~~البلاء وعزا للصابرين، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فمنه تناول وقرب ~~عن أصحابك قربانا واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. روي عن أنس يرفعه أن ~~أيوب لبث ببلائه ثماني عشرة سنة، وقال وهب: ثلاث سنين لم يزد يوما، وقال ~~كعب: سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع ~~سنين وأشهرا يختلف فيه الدود، لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق، وكانت ~~تأتيه بالطعام، وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله ~~تعالى والصبر على بلائه، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض، ~~فلما اجتمعوا إليه قالوا: # ما أحزنك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ولا ولدا ولم يزدد ~~إلا صبرا، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا تقربه إلا ~~امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له: فأين مكرك الذي أهلكت به من ~~مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي قالوا: من أين أتيت آدم حين ~~أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته. قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته ~~فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم فانطلق إبليس ~~حتى أتى رحمة امرأة أيوب وهي تصدق فتمثل لها في صورة ms2474 رجل وقال لها: أين ~~بعلك يا أمة الله؟ # قالت هو ذاك يحك قروحه ويتردد الديدان في جسده. فلما سمعها طمع أن تكون ~~كلمة جزع، فوسوس إليها وذكرها ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها جمال ~~أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر، وأن ذلك لا ينقطع عنه أبدا، فصرخت فعلم ~~أنها قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: ليذبح لي هذه أيوب ويبرأ فجاءت تصرخ يا ~~أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال أين الولد أين الصديق أين لونك الحسن أين ~~جسمك الحسن؟ اذبح هذه السخلة واسترح. قال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك؟ ~~ويلك أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه؟ # قالت الله قال كم متعنا به قالت ثمانين سنة. # قال فمنذ كم ابتلانا قالت منذ سبع سنين وأشهر قال ويلك ما أنصفت ربك ألا ~~صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني ~~الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله. طعامك وشرابك الذي ~~تأتيني به علي حرام أن أذوق منه شيئا اعزبي عني فلا أراك، فطردها، فذهبت. ~~فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله وقارب أني ~~مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فقيل له ارفع رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك، ~~فركض برجله فنبعت عين ماء، فاغتسل منها فلم يبق عليه من درنه ودائه شيء ~~ظاهر إلا سقط، وعاد شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى ~~فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة فجعل يلتفت ~~فلا يرى شيئا مما كان عليه وما كان له. من أهل ومال إلا وقد ضعفه الله له ~~وذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراد من ذهب فجعل يضمه ~~بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال بلى ولكنها بركتك فمن يشبع ~~منها؟ قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن ms2475 كان ~~طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا؟ ويضيع فتأكله السباع؟ لأرجعن إليه. ~~فرجعت إليه فلا الكناسة رأت، ولا تلك الحالة التي كانت تعرف، وإذا الأمور ~~قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعيني أيوب، وهابت صاحب ~~الحلة أن تأتيه فتسأله عن أيوب، فدعاها وقال: ما تريدين يا أمة الله فبكت ~~وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري # PageV03P238 # أضاع أم ما فعل به؟ فقال أيوب: ما كان منك فبكت وقالت بعلي. فقال هل ~~تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت وهل يخفى على أحد رآه ثم جعلت تنظر إليه وهي ~~تهابه ثم قالت: أما إنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا. قال: فإني أنا أيوب ~~الذي أمرتني أن أذبح سخلة لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله ~~فرد علي ما ترين. # وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع ~~منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال ~~على مركب ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء. فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا ~~الرجل المبتلى قالت نعم. قال: هل تعرفيني؟ قالت لا. قال: أنا إله الأرض ~~وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد ~~لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد فإنه عندي ثم ~~أراها إياه ببطن الوادي الذي لقيها فيه. وفي بعض الكتب أن إبليس قال لها ~~اسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى ~~أيوب فأخبرته بما قال لها وما أراها. قال: لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن ~~دينك، ثم أقسم إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة وقال عند ذلك: مسني الضر ~~من طمع إبليس في سجود حرمتي له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. ثم إن الله ~~تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء وخفف عليها، وأراد أن يبر ~~يمين أيوب، فأمره أن ms2476 يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغير فيضربها به ضربة ~~واحدة. وقيل: لم يدع الله بالكشف عنه حتى ظهرت له ثلاثة أشياء: # أحدها: ما قيل في حقه: لو كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا، والثاني: ~~أن امرأته طلبت طعاما فلم تجد ما تطعمه فباعت ذؤابتها فأتته بطعام، ~~والثالث: قول إبليس: إني أداويه على أن يقول أنت شفيتني. وقيل مسني الضر أي ~~من شماتة الأعداء حتى روي أنه قيل له بعد ما عوفي ما كان أشد عليك في ~~بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. فإن قلت كيف سماه الله صابرا وقد أظهر الشكوى ~~والجزع بقوله مسني الضر وقوله مسني الشيطان بنصب وعذاب؟ قلت: ليس هذا شكاية ~~وإنما هو دعاء بدليل. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 84] # فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) # قوله تعالى: فاستجبنا له والشكوى إنما تكون إلى الخلق لا إلى الخالق ~~بدليل قول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقال سفيان بن عيينة: من ~~أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله تعالى لا يكون ذلك جزعا كما «روي ~~أن جبريل عليه السلام دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال كيف ~~تجدك؟ قال: أجدني مغموما وأجدني مكروبا. وقال لعائشة حين قالت: وا رأساه بل ~~أنا وا رأساه» قوله تعالى فاستجبنا له أي أجبنا دعاءه فكشفنا ما به من ضر ~~وذلك أنه قال له اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين ماء فأمره أن يغتسل منها ~~ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض ~~مرة أخرى ففعل، فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب، فذهب كل داء ~~كان بباطنه فصار كأصح ما كان وآتيناه أهله ومثلهم معهم قال ابن مسعود وابن ~~عباس وأكثر المفسرين: رد الله إليه أهله وأولاده بأعيانهم وأحياهم الله ~~وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن، وعن ابن عباس رواية أخرى أن الله رد ~~إلى المرأة شبابها فولدت ms2477 له ستة وعشرين ذكرا. وقيل كان له سبع بنين وسبع ~~بنات. # وعن أنس يرفعه أن كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله ~~سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر ~~الشعير الورق حتى فاضا. وروى أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال له: إن ربك ~~يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه جرادا من ~~ذهب فذهبت واحدة # PageV03P239 # فاتبعها وردها إلى أندره فقال له الملك ما يكفيك ما في أندرك؟ فقال هذه ~~بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركاته (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل ~~أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا ~~رب ولكني لا غنى لي عن بركتك». # وقيل: آتى الله أيوب مثل أهله الذين هلكوا. قال عكرمة: قيل لأيوب إن أهلك ~~في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة ~~وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال: بل يكونون لي في الآخرة وأوتى مثلهم في ~~الدنيا. فعلى هذا يكون معنى الآية وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في ~~الدنيا وأراد بالأهل الأولاد رحمة من عندنا أي نعمة وذكرى للعابدين يعني ~~عظة وعبرة لهم. قوله عز وجل: # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 85 الى 87] # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم ~~من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) # وإسماعيل هو ابن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإدريس هو أخنوخ وذا الكفل ~~كل من الصابرين لما ذكر الله أمر أيوب وصبره على البلاء أتبعه بذكر هؤلاء ~~الأنبياء لأنهم صبروا على المحن والشدائد والعبادة أيضا. أما إسماعيل صلى ~~الله عليه وسلم فإنه صبر على الانقياد إلى الذبح. وأما إدريس فقد تقدمت ~~قصته. وأما ms2478 ذو الكفل فاختلفوا فيه فقيل نبيا من بني إسرائيل وكان ملكا أوحى ~~الله إليه إني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل أنه يصلي ~~الليل ولا يفتر ويصوم النهار ولا يفطر ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك ~~إليه ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى فشكر الله له ~~ونبأه فسمي ذا الكفل. وقيل: لما كبر اليسع قال إني أستخلف رجلا على الناس ~~يعمل عليهم في حياتي أنظر كيف يعمل قال: فجمع الناس وقال: من يتقبل مني ~~ثلاثا أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ويقضي ولا يغضب، فقام رجل تزدريه ~~العين فقال: أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه ~~للقائلة، وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة: فدق الباب فقال: ~~من هذا، فقال: شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال إن بيني وبين قومي ~~خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى ذهبت القائلة فقال: ~~إذا رحت فائتني حتى آخذ حقك، فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ ~~فلم يره فقام يبتغيه فلم يجده، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره ~~فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وقال وأخذ مضجعه دق الباب فقال: من هذا ~~فقال: الشيخ المظلوم ففتح له وقال له: ألم أقل إذا قعدت فائتني؟ قال: إنهم ~~أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك إذا قمت جحدوني قال: ~~فانطلق فإذا جلست فائتني وفاتته القائلة، فلما جلس جعل ينظر فلا يراه وشق ~~عليه النعاس فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا ~~الباب حتى أنام فإنه قد شق علي النعاس فلما كانت تلك الساعة نام فجاء فلم ~~يأذن له الرجل فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في ~~البيت فدق الباب من داخل فاستيقظ فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي ~~فلم تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب ms2479 فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا ~~الرجل معه في البيت فقال: أتنام والخصوم ببابك، فنظر إليه فعرفه فقال: # أعدو الله؟ قال نعم أعييتني وفعلت ما فعلت لأغضبك فعصمك الله فسمي ذا ~~الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به، واختلف في نبوته فقيل كان نبيا، وهو إلياس ~~وقيل هو زكريا، وقيل إنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا وأدخلناهم في رحمتنا ~~يعني ما أنعم به عليهم من النبوة وصبرهم إليه في الجنة من الثواب إنهم من ~~الصالحين. # PageV03P240 # قوله عز وجل: وذا النون أي واذكر صاحب الحوت أضيف إلى الحوت لابتلاعه ~~إياه وهو يونس بن متى إذ ذهب مغاضبا قال ابن عباس في رواية عنه: كان يونس ~~وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منها تسعة أسباط ونصفا وبقي منهم ~~سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك وقل له يوجه ~~نبيا قويا فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل فقال له ~~الملك: فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء. قال: يونس إنه قوي أمين ~~فدعا الملك يونس: وأمره أن يخرج فقال يونس هل الله أمرك بإخراجي؟ قال لا. ~~قال فهل سماني الله لك؟ قال لا. قال ها هنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا ~~عليه فخرج مغاضبا للنبي وللملك وقومه وأتى بحر الروم فركب وقيل ذهب عن قومه ~~مغاضبا لربه لما كشف عنهم العذاب بعد ما أوعدهم وكره أن يكون بين أظهر قوم ~~جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي رفع ~~العذاب عنهم به فكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده وأنه يسمى كذابا لا كراهية ~~لحكم الله. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أنهم يقتلون من جربوا ~~عليه الكذب فخشي أن يقتلوه ما لم يأتهم العذاب للميعاد فذهب مغاضبا. قال ~~ابن عباس: أتى جبريل يونس فقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم فقال: ألتمس ~~دابة قال: الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة. # وقال وهب: إن يونس كان عبدا صالحا ms2480 وكان في خلقه ضيق فلما حمل أثقال ~~النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وخرج هاربا ~~منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وقال ولا تكن كصاحب الحوت ~~وقوله فظن أن لن نقدر عليه أي لن نقضي عليه العقوبة. قاله ابن عباس في ~~رواية عنه وقيل معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس وقيل معناه فظن أنه يعجر ~~ربه فلا يقدر عليه، قيل لما انطلق يونس مغاضبا لربه واستزله الشيطان حتى ظن ~~أن لن يقدر عليه وكان له سلف وعبادة أبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن ~~الحوت فمكث فيه أربعين ما بين يوم وليلة. وقيل سبعة أيام وقيام ثلاثة. ~~وقيل: إن الحوت ذهب به حتى بلغ تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه وراجع نفسه ~~في بطن الحوت فنادى في الظلمات أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي حيث عصيتك وما صنعت من ~~شيء فلم أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته وروى أبو هريرة مرفوعا ~~قال أوحى الله تعال إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما ~~فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع ~~يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر قال ~~فسبح هو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتا ~~ضعيفا بأرض غريبة وفي رواية صوتا معروفا من مكان مجهول فقال: ذلك عبدي يونس ~~عصاني فحبسته في بطن الحوت فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في ~~كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في ~~الساحل فذلك. # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 88 الى 92] # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ ms2481 نادى ~~ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين (90) والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) # PageV03P241 # قوله تعالى فاستجبنا له ونجيناه من الغم أي تلك الظلمات وكذلك ننجي ~~المؤمنين أي من الكروب إذا دعونا واستغاثوا بنا. فإن قلت قد تمسك بمواضع من ~~هذه القصة من أجاز وقوع الذنب من الأنبياء منها قوله إذ ذهب مغاضبا ومنها ~~فظن أن لن نقدر عليه ومنها قوله إني كنت من الظالمين قلت أما الجواب الكلي ~~فقد اختلفوا في هذه الواقعة هل كانت قبل الرسالة أم لا؟ فقال ابن عباس: ~~كانت رسالته بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت بدليل قوله تعالى في الصافات ~~بعد ذكر خروجه وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فثبت بهذا أن هذه الواقعة ~~كانت قبل النبوة وقد أجاز بعضهم عليه الصغائر قبل النبوة ومنعها بعد النبوة ~~وهو الصحيح. وأما الجواب التفصيلي لقوله إذ ذهب مغاضبا فحمله على أنه لقومه ~~أو للملك أولى بحال الأنبياء وأما قوله فظن أن لن نقدر عليه فقد تقدم معناه ~~أي لن نضيق عليه وذلك أن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج. وإن ~~الله تعالى لا يضيق عليه في اختياره وقيل هو من القدر لا من القدرة وأما ~~قوله إني كنت من الظالمين فالظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا اعتراف عند ~~بعضهم بذنبه فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله، ~~أو لدعائه بالعذاب على قومه وفي هذه الأشياء ترك الأفضل مع قدرته على ~~تحصيله فكان ذلك ظلما. وقيل كانت رسالته قبل هذه الواقعة بدليل قوله وإن ~~يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون # فعلى هذا يكون الجواب عن هذه الواقعة ما تقدم من التفصيل والله أعلم. # قوله عز وجل وزكريا إذ نادى ربه ms2482 أي دعا ربه فقال رب لا تذرني فردا أي ~~وحيدا لا ولد لي يساعدني وارزقني وارثا وأنت خير الوارثين هو ثناء على الله ~~بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه الوارث لهم وهذا على سبيل التمثيل والمجاز ~~فهو كقوله وأنت خير الرازقين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى أي ولدا وأصلحنا ~~له زوجه أي جعلناها ولودا بعد ما كانت عقيما وقيل كانت سيئة الخلق فأصلحها ~~الله تعالى له بأن رزقها حسن الخلق إنهم كانوا يسارعون في الخيرات يعني ~~الأنبياء المذكورين في هذه السورة. وقيل زكريا وأهل بيته، والمسارعة في ~~الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله عز ~~وجل ويدعوننا رغبا ورهبا يعني أنهم ضموا إلى فعل الطاعات أمرين: أحدهما: ~~الفزغ إلى الله لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه. # والثاني: الخشوع وهو قوله تعالى وكانوا لنا خاشعين الخشوع هو الخوف ~~اللازم للقلب فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من ~~الوقوع في الإثم. قوله تعالى والتي أحصنت فرجها أي إحصانا كليا من الحلال ~~والحرام جميعا كما قالت لم يمسسني بشر ولم أك بغيا وهي مريم بنت عمران ~~فنفخنا فيها من روحنا أمرنا جبريل حتى نفخ في جيب درعها فخلقنا بذلك النفخ ~~المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفا لعيسى كبيت الله وناقة الله ~~وجعلناها وابنها آية أي دلالة للعالمين على كمال قدرتنا على خلق ولد من غير ~~أب، فان قلت هما آيتان فكيف قال آية؟. قلت معنى الكلام وجعلنا شأنهما ~~وأمرهما آية واحدة أي ولادتها إياه من غير أب آية. قوله تعالى إن هذه أمتكم ~~أي ملتكم ودينكم أمة واحدة أي دينا واحدا وهو الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام ~~من الأديان والأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، وجعلت الشريعة أمة ~~لاجتماع أهلها على مقصد واحد وأنا ربكم فاعبدون أي لا دين سوى ديني ولا رب ~~لكم غيري فاعبدوني أي وحدوني. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 93 الى 100] # وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا ms2483 راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب ~~الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من ~~هذا بل كنا ظالمين (97) # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء ~~آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ~~(100) # PageV03P242 # وتقطعوا أمرهم بينهم أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا حتى لعن ~~بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم من بعض كل إلينا راجعون فنجزيهم بأعمالهم فمن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه أي لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ~~ويثاب عليه وإنا له كاتبون أي لعمله وحافظون له. وقيل: الشكر من الله ~~المجازاة، والكفران ترك المجازاة. قوله عز وجل وحرام على قرية أهلكناها ~~أنهم لا يرجعون قال ابن عباس: # ومعناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أن يرجعوا بعد الهلاك، وقيل: معناه ~~وحرام على أهل قرية حكمنا بهلاكهم أن نقبل أعمالهم لأنهم لا يتوبون. # قوله عز وجل حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج يريد فتح السد وذلك أن الله يفتحه ~~أخبر عن يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم وهم من ~~كل حدب ينسلون أي يسرعون النزول من كل الآكام والتلال. وفي هذه الكناية ~~وجهان: أحدهما أن المراد بهم يأجوج ومأجوج وهو الأصح بدليل ما روي عن ~~النواس بن سمعان قال «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة ~~فخفض فيه ورفع حتى ظننا أنه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا ~~فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت ~~حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم ~~فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على ~~كل مسلم إنه شاب ms2484 قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه ~~منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث ~~يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في ~~الأرض؟ قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم ~~قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا ~~اقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث ~~استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر لهم ~~السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأصبغه ~~ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه». قوله فينصرف عنهم ~~فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم «ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي ~~كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه ~~بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما ~~هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء ~~شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا ~~رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ~~ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. # ثم يأتي عيسى عليه السلام إلى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ~~ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه ~~السلام إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد أن يقاتلهم فحرز عبادي إلى ~~الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على ~~بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول لقد كان بهذه مرة ماء ويحضر ~~نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار ~~لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله فيهم النغف ~~في رقابهم فيصبحون فرسي ms2485 كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى ~~الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله ~~عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم # PageV03P243 # فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر ~~فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك ودري بركتك ~~فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن ~~اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من ~~الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ~~ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس ~~يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة» أخرجه مسلم. # شرح غريب ألفاظ الحديث # قوله حتى ظنناه في طائفة النخل أي ناحية النخل وجانبه والطائفة القطعة من ~~الشيء، وقوله فخفض فيه ورفع خفض صوته ورفعه من شدة ما تكلم به في أمره. ~~وقيل إنه خفض من أمره تهوينا له ورفع من شدة فتنته والتخويف من أمره. قوله ~~إنه شاب قطط أي جعد الشعر وقوله طافئة أي خارجة عن حدها قوله إنه خارج خلة ~~أي إنه يخرج قصدا وطريقا بين جهتين والتخلل الدخول في الشيء. قوله فعاث أي ~~أفسد. قوله اقدروا له قدره أي قدروا قدر يوم من أيامكم المعهودة وصلوا فيه ~~بقدر أوقاته، وقوله فتروح عليهم سارحتهم أي مواشيهم، وقوله فيصبحون ممحلين ~~أي مقحطين قد أجدبت أرضهم وغلت أسعارهم. قوله كيعاسيب النحل جمع يعسوب وهو ~~فحل النحل ورئيسها. قوله فيقطعه جزلتين رمية الغرض أي قطعتين والغرض الهدف ~~الذي يرمى بالنشاب. قوله بين مهرودتين رويت بالدال المهملة وبالمعجمة أي ~~شقتين وقيل حلتين وقيل الهرد الصبغ الأصفر بالورس والزعفران. قوله لا يدان ~~لأحد بقتالهم أي لا قدرة ولا قوة لأحد بقتالهم والنغف دود يكون في أنوف ~~الإبل والغنم فرسي جمع فريس وهو القتيل. قوله زهمهم أي ريحهم النتنة. قوله ms2486 ~~كالزلفة أي كالمرآة وجمعها زلف ويروى بالقاف وأراد به استواءها ونظافتها. ~~قوله تأكل العصابة أي الجماعة قيل يبلغون أربعين وقحف الرمانة في الحديث ~~قشرها، والرسل بكسر الراء اللبن واللقحة الناقة ذات اللبن، والفئام الجماعة ~~من الناس، والفخذ دون القبيلة، وقوله يتهارجون أي يختلفون والتهارج ~~الاختلاف، وأصله القتل. # الوجه في تفسير قوله تعالى وهم من كل حدب ينسلون # قيل جميع الخلائق يخرجون من قبورهم إلى موقف الحساب (م) عن حذيفة بن أسيد ~~الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما ~~تذكرون قالوا؟ نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر ~~الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ~~ومأجوج وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك ~~نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». قوله عز وجل واقترب الوعد الحق ~~أي القيامة قال حذيفة لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم ~~يركبه حتى تقوم الساعة. الفلو المهر فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا قيل ~~معنى الآية أن القيامة إذا قامت شخص أبصار الذين كفروا من شدة الأهوال ولا ~~تكاد تطرف هول ذلك اليوم ويقولون يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا يعني في ~~الدنيا حيث كذبنا به وقلنا إنه غير كائن بل كنا ظالمين أي في وضعنا العبادة ~~في غير موضعها. قوله عز وجل إنكم الخطاب للمشركين وما تعبدون من دون الله ~~يعني الأصنام حصب جهنم أي حطبها ووقودها وقيل يرمي بهم في النار كما يرمي ~~بالحصباء وأصل الحصب الرمي أنتم لها واردون أي فيها داخلون لو كان هؤلاء ~~يعني الأصنام آلهة أي على الحقيقة ما وردوها أي ما دخل الأصنام النار ~~وعبدوها وكل فيها خالدون يعني العابدين والمعبودين لهم فيها زفير قيل ~~الزفير هو أن يملأ الرجل صدره غما ثم يتنفس وقيل هو شدة ما ينالهم من ~~العذاب وهم فيها لا يسمعون قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا ms2487 بقي في النار ~~من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر # PageV03P244 # ثم تلك التوابيت في توابيت أخر عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا ولا ~~يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره. # ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 101 الى 107] # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها ~~وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم ~~الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل ~~للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) # قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى قال العلماء: إن هنا بمعنى إلا ~~أي إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة ~~أولئك عنها أي عن النار مبعدون قيل: الآية عامة من كل من سبقت له من الله ~~السعادة، وقال أكثر المفسرين عنى بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ~~ولعبادة من يعبده كاره وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ~~وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فعرض له النضر بن ~~الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم الآيات الثلاث ثم قام فأقبل عبد الله بن ~~الزبعرى السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته فدعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعرى أنت قلت إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم؟ قال نعم قال أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح ~~وبني مليح تعبد الملائكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون ~~الشياطين فأنزل الله تعالى إن ms2488 الذين سبقت لهم منا الحسنى يعني عزيرا ~~والمسيح والملائكة أولئك عنها مبعدون وأنزل في ابن الزبعرى ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل هم قوم خصمون وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام لأن الله ~~تعالى قال إنكم وما تعبدون من دون الله، ولو أراد به الملائكة والناس لقال ~~إنكم ومن تعبدون لأن من لمن يعقل وما لمن لا يعقل لا يسمعون حسيسها يعني ~~صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة وهم في ما اشتهت أنفسهم أي ~~من النعيم والكرامة خالدون أي مقيمون. قوله تعالى: لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~قال ابن عباس: يعني النفخة الأخيرة، وقيل هو حين يذبح الموت وينادى يا أهل ~~النار خلود بلا موت وقيل هو حين يطبق على جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها ~~من يريد أن يخرجه وتتلقاهم الملائكة أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة ~~يهنئونهم ويقولون هذا يومكم الذي كنتم توعدون أي في الدنيا. قوله عز وجل ~~يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب قال ابن عباس: السجل الصحيفة والمعنى كطي ~~الصحيفة على مكتوبها والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر. وقيل: السجل اسم ملك ~~يكتب أعمال العباد إذا رفعت إليه والمعنى نطوي السماء كما يطوي السجل ~~الطومار الذي يكتب فيه والتقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم كما بدأنا ~~أول خلق نعيده أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم ~~القيامة (ق) عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا ~~أول خلق نعيده» قوله غرلا أي قلفا. # وقوله تعالى وعدا علينا إنا كنا فاعلين يعني الإعادة والبعث بعد الموت. ~~قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قيل: الزبور جميع الكتب ~~المنزلة على الأنبياء والذكر هو أم الكتاب الذي عنده ومن ذلك الكتاب تنسخ ~~جميع الكتب ومعنى من بعد الذكر أي بعد ما كتب في اللوح المحفوظ. وقال ابن ~~عباس: الزبور # PageV03P245 # والتوراة ms2489 والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقيل الزبور: كتاب داود ~~والذكر هو القرآن وبعد هنا بمعنى قبل أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يعني ~~أرض الجنة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أن الله تعالى كتب في ~~اللوح المحفوظ في كتب الأنبياء: أن الجنة يرثها من كان صالحا من عباده ~~عاملا بطاعته. وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا ~~حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين، وقيل أراد الأرض المقدسة ~~يرثها الصالحون بعد من كان فيها إن في هذا أي في القرآن لبلاغا أي وصولا ~~إلى البغية يعني من اتبع القرآن وعمل بما فيه وصل إلى ما يرجو من الثواب، ~~وقيل البلاغ الكفاية أي فيه كفاية لما فيه من الأخبار والوعد والوعيد ~~والمواعظ البالغة فهو زاد العباد إلى الجنة وهو قوله تعالى لقوم عابدين ~~يعني مؤمنين لا يعبدون أحدا من دون الله تعالى وقيل هم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان والحج. وقال ابن عباس: عالمين ~~وقيل: هم العالمون العاملون. قوله عز وجل وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~قيل: كان الناس أهل كفر وجاهلية وضلال وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر ~~دينهم لطول وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب فدعاهم إلى ~~الحق، وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام وبين الحلال من الحرام قال ~~الله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قيل يعني المؤمنين خاصة فهو رحمة ~~لهم. وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن، فمن آمن فهو رحمة له ~~في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنه ~~ورفع المسخ والخسف والاستئصال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا ~~رحمة مهداة». ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 108 الى 112] # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا ~~فقل ms2490 آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون يعني منقادون لما ~~يوحى إلي من إخلاص الإلهية والتوحيد لله والمراد بهذا الاستفهام الأمر أي ~~أسلموا فإن تولوا أي أعرضوا ولم يسلموا فقل آذنتكم أي أعلمتكم بالحرب وأن ~~لا صلح بيننا على سواء أي إنذارا بينا نستوي في علمه لا أستبد أنا به دونكم ~~لتتأهبوا لما يراد بكم والمعنى آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به ~~وقيل معناه لتستووا في الإيمان به وأعلمتكم بما هو الواجب عليكم من التوحيد ~~وغيره وإن أدري أي وما أعلم أقريب أم بعيد ما توعدون يعني يوم القيامة لا ~~يعلمه إلا الله إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون أي لا يغيب عن ~~علمه شيء منكم في علانيتكم وسركم وإن أدري لعله فتنة لكم أي لعل تأخير ~~العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم بكم ومتاع إلى حين أي ~~تتمتعون إلى انقضاء آجالكم قال رب احكم أي افصل بيني وبين من كذبني بالحق ~~أي بالعذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر. وقيل: معناه افصل ~~بيني وبينهم بما يظهر الحق من الجميع وهو أن تنصرني عليهم والله يحكم بالحق ~~طلب ولم يطلب ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب وربنا الرحمن المستعان على ~~ما تصفون أي من الشرك والكفر والكذب والأباطيل، كأنه سبحانه وتعالى قال قل ~~داعيا إلى رب احكم بالحق، وقل متوعدا للكفار وربنا الرحمن المستعان على ما ~~تصفون والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء الرابع من تفسير الخازن ويليه الجزء الخامس وأوله: تفسير # سورة الحج # PageV03P246 ### | سورة الحج # وهي مكية غير ست آيات من قوله عز وجل هذان خصمان إلى قوله وهدوا إلى صراط ~~الحميد وهي ثمان وسبعون آية وألف ومائتان وإحدى ms2491 وتسعون كلمة وخمسة آلاف ~~وخمسة وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحج (22): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل ~~كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد (2) # قوله عز وجل يا أيها الناس اتقوا ربكم يعني احذروا عقابه واعملوا بطاعته ~~إن زلزلة الساعة شيء عظيم الزلزلة شدة الحركة على الحال الهائلة ووصفها ~~بالعظم ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى. قيل: هي من أشراط الساعة قبل ~~قيامها. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها يوم ترونها # أي الساعة وقيل الزلزلة تذهل # قال ابن عباس تشغل وقيل تنسي كل مرضعة عما أرضعت # أي كل امرأة معها ولد ترضعه وتضع كل ذات حمل حملها # أي تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها قال الحسن: تذهل المرضعة عن ~~ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. فعلى هذا القول تكون ~~الزلزلة في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون الزلزلة في ~~القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر وتهويله على حقيقته كما تقول أصابنا ~~أمر يشيب فيه الوليد تريد به شدته وترى الناس سكارى # على التشبيه وما هم بسكارى # على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وأزال ~~تمييزهم وقيل سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب ولكن عذاب الله شديد # (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول ~~الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك». # زاد في رواية «والخير في يديك فينادى بصوت إن الله تعالى يأمرك أن تخرج ~~من ذريتك بعث النار قال رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون فحينئذ تضع الحوامل، ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد فشق ذلك على الناس ms2492 حتى تغيرت وجوههم» زاد في رواية ~~قالوا يا رسول الله أينا ذلك الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد ثم أنتم في الناس كالشعرة ~~السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود وفي ~~رواية كالرقمة في ذراع الحمار وأني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. فكبرنا ~~ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبرنا» لفظ البخاري. ~~وفي حديث عمران بن حصين وغيره أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ~~ليلا فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول ~~الله صلى الله # PageV03P247 # عليه وسلم فقرأ عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم ~~يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا والناس من بين باك ~~وجالس حزين متفكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي يوم ذلك قالوا: ~~الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول الله لآدم قم فابعث من ذريتك بعث ~~النار» وذكر نحو حديث أبي سعيد وزاد فيه ثم قال «يدخل من أمتي سبعون ألفا ~~الجنة بغير حساب فقال عمر: سبعون ألفا؟ قال: نعم قال ومع كل واحد سبعون ~~ألفا». قوله عز وجل: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 3 الى 5] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه ~~أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم ~~نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم نزلت ms2493 في النضر بن الحارث كان كثير ~~الجدل وكان يقول للملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين وكان ينكر ~~البعث وإحياء من صار ترابا ويتبع يعني في جداله في الله بغير علم كل شيطان ~~مريد يعني المتمرد المستمر في الشر وفيه وجهان أحدهما: أنهم شياطين الإنس ~~وهم رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني أنه إبليس وجنوده ~~كتب عليه يعني قضى على الشيطان أنه من تولاه يعني اتبعه فأنه يعني الشيطان ~~يضله يعني يضل من تولاه عن طريق الجنة ويهديه إلى عذاب السعير وفي الآية ~~زجر عن اتباعه والمعنى كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال ثم ألزم الحجة ~~منكري البعث فقال يا أيها الناس إن كنتم في ريب يعني شك من البعث يعني بعد ~~الموت فإنا خلقناكم من تراب يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ثم من نطفة ~~يعني ذريته من المني وأصلها الماء القليل ثم من علقة يعني من دم جامد غليظ ~~وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم من مضغة وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ~~مخلقة وغير مخلقة. # قال ابن عباس: أي تامة الخلق وغير تامة الخلق وقيل مصورة وغير مصورة وهو ~~السقط. وقيل: المخلقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته وغير المخلقة السقط ~~فكأنه سبحانه وتعالى قسم المضغة إلى قسمين أحدهما تام الصورة والحواس ~~والتخطيط، والقسم الثاني هو الناقص عن هذه الأحوال كلها. وروي عن علقمة عن ~~ابن مسعود موقوفا عليه قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه ~~وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة فإن قال غير مخلقة قذفها في الرحم دما ولم ~~تكن نسمة وإن قال مخلقة قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما ~~الأجل ما العمل ما الرزق بأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك ~~تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي ~~على آخر صفته والذي أخرجاه في الصحيحين عنه قال ms2494 حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا يكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فو الذي لا إله غيره إن ~~أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه بعمل # PageV03P248 # أهل الجنة فيدخلها» وقوله تعالى لنبين لكم أي كمال قدرتنا وحكمتنا في ~~تصريف خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: ~~لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة وقيل لنبين لكم ~~أن تغير المضغة إلى الخلقة هو اختيار الفاعل المختار فإن القادر على هذه ~~الأشياء كيف يكون عاجزا عن الإعادة ونقر في الأرحام ما نشاء أي لا تسقطه ~~ولا تمجه إلى أجل مسمى أي وقت خروجه من الرحم تام الخلق ثم نخرجكم أي وقت ~~الولادة من بطون أمهاتكم طفلا أي صغارا وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة ~~على الجنس ثم لتبلغوا أشدكم أي كمال القوة والعقل والتمييز ومنكم من يتوفى ~~أي قبل بلوغ الكبر ومنكم من يرد إلى أرذل العمر أي الهرم والخرف لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا أي يبلغ من السن ما يتغير به عقله فلا يعقل شيئا فيصير كما ~~كان في أول طفوليته ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم ثم ذكر دليلا آخر ~~على البعث فقال تعالى وترى الأرض هامدة أي يابسة لا نبات فيها فإذا أنزلنا ~~عليها الماء يعني المطر اهتزت أي تحركت بالنبات وربت أي ارتفعت وذلك أن ~~الأرض ترتفع بالنبات وأنبتت هو مجاز لأن الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى ~~الأرض توسعا من كل زوج بهيج أي من كل صنف حسن نضير والبهيج هو المبهج وهو ~~الشيء المشرق الجميل ثم إن ms2495 الله تعالى لما ذكر هذين الدليلين رتب عليهما ما ~~هو المطلوب فقال تعالى: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 6 الى 13] # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل ~~الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت ~~يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من ~~دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعوا لمن ضره ~~أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) # ذلك أي ذكرنا ذلك لتعلموا بأن الله هو الحق وإن هذه الأشياء دالة على ~~وجود الصانع وأنه يحي الموتى أي إنه إذا لم يستبعد منه إيجاد هذه الأشياء ~~فكيف يستبعد منه إعادة الأموات وأنه على كل شيء قدير أي من كان كذلك كان ~~قادرا على جميع الممكنات وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور أي ما ذكر من الدلائل لتعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها وأنها حق ~~وأن البعث بعد الموت حق قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ~~يعني النضر بن الحرث ولا هدى أي ليس معه من الله بيان ولا رشاد ولا كتاب ~~منير أي ولا كتاب من الله له نور ثاني عطفه أي لاوي جنبه وعنقه متبخترا ~~لتكبره معرضا عما يدعى إليه من الحق تكبرا ليضل عن سبيل الله أي عن دين ~~الله له في الدنيا خزي أي عذاب وهوان وهو أنه قتل يوم بدر صبرا هو وعقبة بن ~~أبي معيط ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك أي يقال له ذلك بما قدمت يداك ~~وأن الله ليس بظلام ms2496 للعبيد أي فيعذبهم بغير ذنب والله تعالى على أي وجه ~~أراد يتصرف في عبده فحكمه عدل وهو غير ظالم. # قوله عز وجل ومن الناس من يعبد الله على حرف الآية نزلت في قوم من ~~الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم ~~المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله، ~~قال هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن له وإن صابه مرض وولدت امرأته ~~جارية ولم تلد # PageV03P249 # فرسه وقل ماله قال ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه ~~وذلك هو الفتنة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على شك ~~وأصله من حرف الشيء وهو طرفه نحو حرف الجبل والحائط الذي غير مستقر فقيل ~~للشاك في الدين أنه يعبد الله على حرف لأنه لم يدخل فيه على الثبات ~~والتمكن. # وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم على سكينة وطمأنينة ولو عبدوا ~~الله بالشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف وقيل هو ~~المنافق يعبد الله بلسانه دون قبل فإن أصابه خير أي صحة في جسمه وسعة في ~~معيشته اطمأن به أي رضي به وسكن إليه وإن أصابته فتنة أي بلاء في جسمه وضيق ~~في معيشته انقلب على وجهه أي ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه ~~من الكفر خسر الدنيا والآخرة أي خسر في الدنيا العز والكرامة ولا يبقى دمه ~~وماله مصونا. # وقيل خسر في الدنيا ما كان يؤمل والآخرة بذهاب الدين والخلود في النار ~~ذلك هو الخسران المبين أي الظاهر يدعوا من دون الله ما لا يضره إن عصاه ولم ~~يعبده وما لا ينفعه أي إن أطاعه وعبده ذلك هو الضلال البعيد أي عن الحق ~~والرشد يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه فإن قلت قد قال الله تعالى في الآية ~~الأولى يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه وقال في هذه الآية يدعوا ms2497 ~~لمن ضره أقرب من نفعه وهذا تناقض فكيف الجمع بينهما. قلت إذا حصل المعنى ~~ذهب هذا الوهم وذلك أن الله تعالى قال في الآية الأولى: ما لا يضره أي لا ~~يضره ترك عبادته وقوله لمن ضره أي ضر عبادته وقيل: إنها لا تضر ولا تنفع ~~بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها وقيل: إن ~~الله تعالى سفه الكافر حيث عبد جمادا لا يضر ولا ينفع وهو يعتقد بجهله ~~وضلاله أنه ينتفع به حين يستشفع وقيل الآية في الرؤساء وهم الذين كانوا ~~يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا وينفعوا وحجة هذا القول أن الله تعالى ~~بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضر ولا تنفع وهذه الآية تقتضي كون ~~المذكور فيها ضارا نافعا، فلو كان المذكور في هذه الأوثان لزم التناقض فثبت ~~أنهم الرؤساء بدليل قوله لبئس المولى ولبئس العشير أي الناصر والمصاحب ~~المعاشر. قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22): الآيات 14 الى 18] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ي # فصل # بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله ~~يفعل ما يشاء (18) # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد أي بأوليائه وأهل طاعته من الكرامة وبأهل معصيته من ~~الهوان قوله تعالى من كان يظن أن لن ينصره الله يعني نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا أي ms2498 بإعلاء كلمته وإظهار دينه والآخرة أي وفي الآخرة ~~بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه فليمدد بسبب أي بحبل إلى السماء أي سقف ~~البيت على قول الأكثرين والمعنى ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى ~~يموت ثم ليقطع أي الحبل بعد الاختناق وقيل ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت ~~مختنقا فلينظر هل يذهبن كيده أي صنيعه وحيلته ما يغيظ أي فليختنق غيظا. ~~وليس هذا على سبيل # PageV03P250 # الحتم لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق ولكنه كما يقال للحاسد مت ~~غيظا وقيل المراد بالسماء السماء المعروفة والمعنى من كان يظن أن لن ينصر ~~الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله فإن أصله في السماء ~~فليطلب سببا يصل به إلى السماء، ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة وهل يقدر على ~~إذهاب غيظه بهذا الفعل فإذا كان ذلك ممتنعا كان غيظه عديم الفائدة. # وفي الآية زجر للكافر عن الغيظ فيما لا فائدة فيه. روي أن الآية نزلت في ~~قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم ~~وبين اليهود محالفة فقالوا: لا يمكننا أن نسلم لأننا نخاف أن لا ينصر محمد ~~ولا يظهر أمره فتنقطع المحالفة بيننا وبين اليهود فلا يميرونا ولا يؤوونا ~~وقيل النصر معناه الرزق. ومعنى الآية من كان يظن أن لن يرزقه الله في ~~الدنيا والآخرة فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يجعله مرزوقا ~~تقول العرب من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله وكذلك أنزلناه يعني ~~القرآن آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا يعني عبدة الأوثان وقيل الأديان ~~ستة واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشياطين وهو ما عدا الإسلام إن الله يفصل ~~بينهم أي يحكم بينهم يوم القيامة وقيل يفصل بينهم في الأحوال والأماكن ~~جميعا فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد ms2499 إن الله ~~على كل شيء شهيد أي إنه عالم بما يستحقه كل واحد منهم فلا يجزي في ذلك ~~الفصل ظلم ولا حيف وقد تقدم بسط الكلام على معنى هذه الآية في تفسير سورة ~~البقرة. قوله عز وجل ألم تر أي لم تعلم وقيل ألم تر بقلبك أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~قيل سجود هذه الأشياء تحول ظلالهما وقيل ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر ~~إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع ~~إلى مطلعه وقيل معنى سجودها الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى ~~خاشع ومسبح له كما وصفهم بالخشية والتسبيح: وهذا مذهب أهل السنة وهو أن هذه ~~الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها الله تعالى فيها من غير ~~امتناع البتة أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف وهو السجود الذي كل خضوع دونه. # فإن قلت هذا التأويل يبطله قوله وكثير من الناس فإن السجود بالمعنى الذي ~~ذكر عام في الناس كلهم فإسناده إلى كثير من الناس يكون تخصيصا من غير ~~فائدة. قلت المعنى الذي ذكرته وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد ~~وتكبر وترك السجود في الظاهر فهذا وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ~~وأما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره أيضا فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص ~~بالذكر وقيل معنى الآية الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ويسجد له ~~كثير من الناس فيكون السجود الأول: بمعنى الانقياد، والثاني: بمعنى الطاعة ~~والعبادة. فإن قلت قوله من في السموات ومن في الأرض لفظ عموم فيدخل فيه ~~الناس فلم قال وكثير من الناس. قلت لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس ~~يسجدون طوعا دون بعض وهم الذين قال فيهم وكثير حق عليه العذاب وهم الكفار ~~أي حق عليهم العذاب بكفرهم وتركهم السجود ومع كفرهم وامتناعهم من السجود ~~تسجد ظلالهم لله عز ms2500 وجل ومن يهن الله فما له من مكرم أي من يذله الله فلا ~~يكرمه أحد إن الله يفعل ما يشاء أي يكرم الله بالسعادة من يشاء ويهين ~~بالشقاوة من يشاء وقيل هو الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة ~~بالثواب والعقاب. # (فصل) # هذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند ~~تلاوتها أو سماع تلاوتها. # قوله عز وجل: # PageV03P251 # ### || [سورة الحج (22): الآيات 19 الى 24] # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من ~~حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) # وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) # هذان خصمان اختصموا في ربهم أي جادلوا في دينه وأمره واختلفوا في هذين ~~الخصمين فروي عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية ~~هذان خصمان اختصموا في ربهم نزلت في الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة ~~بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة أخرجاه في الصحيحين (خ) ~~عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم ~~القيامة. قال قيس بن عبادة فيهم نزلت «هذان خصمان اختصموا في ربهم» قال هم ~~الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ~~ربيعة وابنه الوليد بن عتبة. قال محمد بن إسحاق: خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة ~~بن أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة فخرج ~~إليهم فئة من الأنصار ثلاثة عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله ~~بن رواحة فقالوا رهط من الأنصار فقالوا حين انتسبوا أكفاء كرام ثم نادى ~~مناديهم يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله ms2501 صلى الله عليه ~~وسلم «قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب ~~فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم فذكروا أنفسهم قالوا نعم أكفاء كرام فبارز ~~عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد ابن عتبة فأما ~~حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة وعلي الوليد واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان ~~كلاهما أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا واحتملا عبيدة ~~إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخها يسيل. فلما أتوا به إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله قال: بلى فقال عبيدة: لو كان أبو ~~طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه حيث يقول: # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال ابن عباس: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب قال أهل الكتاب نحن ~~أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون نحن أحق بالله ~~آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم ~~تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم حسدا فهذه خصومتهم في ربهم وقيل هم المؤمنون ~~والكافرون من أي ملة كانوا فالمؤمنون خصم والكفار خصم وقيل الخصمان الجنة ~~والنار (ق) عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم «تحاجت الجنة ~~والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا ~~يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم» زاد في رواية «وغزاتهم فقال الله عز وجل ~~للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب ~~بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع ~~الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ولا ~~يظلم ربك من خلقه أحدا. # وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقا» وللبخاري «اختصمت الجنة ~~والنار» وهذا القول ضعيف والأقوال الأولى أولى بالصحة لأن حمل الكلام على ~~ظاهره أولى وقوله هذان كالإشارة إلى سبب ms2502 تقدم ذكره وهو أهل الأديان الستة ~~وأيضا فإنه ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته وذكر مآل الخصمين فقال تعالى: ~~فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب ~~وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وسمي باسم الثياب. لأنها تحيط بهم ~~كإحاطة الثياب وقيل يلبس أهل النار مقطعات من نار يصب من فوق # PageV03P252 # رؤسهم الحميم # أي الماء الحار الذي انتهت حرارته يصهر به أي يذاب بالحميم الذي يصب من ~~فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء والجلود عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ حتى يخلص ~~إلى جوف أحدهم، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما ~~كان» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح ولهم مقامع من حديد يعني سياط ~~من حديد وهي الجزر من الحديد. وفي الخبر «لو وقع مقمع من حديد في الأرض ثم ~~اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض» كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ~~يعني كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ ~~بأنفاسهم أعيدوا فيها يعني ردوا إليها بالمقامع. # قيل إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم ~~الزبانية بمقامع الحديد فيهوون فيها سبعين خريفا وذوقوا عذاب الحريق يعني ~~تقول لهم الملائكة ذلك والحريق بمعنى المحرق فهذا وصف حال أحد الخصمين وهم ~~الكفار وقال تعالى في وصف الخصم الآخر وهم المؤمنون إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهو الإبريسم الذي حرم لبسه على الرجال في ~~الدنيا. عن معاوية هو جد بهز بن حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار ~~بعد». أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح (ق) عن أبي موسى أن ms2503 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب ~~آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء ~~الكبرياء على وجهه في جنة عدن» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (ق) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». قوله تعالى وهدوا من ~~الهداية يعني أرشدوا إلى الطيب من القول قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله ~~إلا الله. وقيل هو لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله وقيل ~~إلى القرآن وقيل هو قول أهل الجنة «والحمد لله الذي صدقنا وعده» وهدوا إلى ~~صراط الحميد يعني إلى دين الله وهو الإسلام والحميد هو الله المحمود في ~~أفعاله. قوله عز وجل: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 25 الى 28] # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) ~~وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ~~(28) # إن الذين كفروا يعني بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويصدون عن سبيل ~~الله أي بالمنع من الهجرة والجهاد والإسلام والمسجد الحرام يعني ويصدون عن ~~المسجد الحرام الذي جعلناه للناس أي قبلة لصلاتهم ومنسكا ومتعبدا سواء ~~العاكف أي المقيم فيه قال بعضهم ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم ~~التعبد فيه والباد أي الطارئ المنتاب إليه من غيره واختلفوا في معنى الآية ~~فقيل سواء العاكف فيه والبادي في تعظيم ms2504 حرامته وقضاء النسك به. وإليه ذهب ~~مجاهد والحسن وجماعة قالوا: والمراد منه نفس المسجد الحرام ومعنى التسوية ~~هو التسوية في تعظيم الكعبة وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. وعن جبير بن ~~مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV03P253 # «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ~~ليل أو نهار» أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقيل: المراد منه جميع ~~الحرم ومعنى التسوية أن المقيم والبادي سواء في النزول به ليس أحدهما أحق ~~بالمنزل من الآخر غير أنه لا يزعج أحد أحدا إذا كان قد سبق إلى منزله وقول ~~ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد قالوا: هما سواء في البيوت ~~والمنازل قال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من ~~أهل مكة بأحق منهم وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في ~~الموسم فعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها قالوا: إن أرض مكة لا ~~تملك لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي فلما استويا ثبت أن سبيلها ~~سبيل المساجد وإليه ذهب أبو حنيفة. قالوا: والمراد بالمسجد الحرام جميع ~~الحرم وعلى القول الأول الأقرب إلى الصواب أنه يجوز بيع دور مكة وإجارتها ~~وهو قول طاوس وعمرو بن دينار. وإليه ذهب الشافعي احتج الشافعي في ذلك قوله ~~تعالى: «الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق». أضاف الديار إلى مالكيها وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار ~~أبي سفيان فهو آمن» فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشترى عمر بن الخطاب دار ~~السجن بأربعة آلاف درهم فدلت هذه النصوص على جواز بيعها وقوله تعالى ومن ~~يرد فيه أي في المسجد الحرام بإلحاد بظلم أي يميل إلى الظلم قيل الإلحاد ~~فيه هو الشرك وعبادة غير الله. وقيل: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو ~~فعل حتى شتم الخادم. وقيل هو دخول الحرم بغير إحرام أو ms2505 ارتكاب شيء من ~~محظورات الحرم من قتل صيد وقطع شجر. وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا ~~يقتلك أو تظلم فيه من لا يظلمك. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف ~~الحسنات وقيل: # احتكار الطعام بمكة بدليل ما روى يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه». # أخرجه أبو داود وقال عبد الله بن مسعود في قوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم قال لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ولو ~~أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب ~~أليم. قال السدي: إلا أن يتوب. وروي عن عبد الله بن عمرو أنه كان له ~~فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في ~~الحل فسئل عن ذلك فقال كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله ~~وبلى والله. قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت قال ابن عباس: جعلنا ~~وقيل وطأنا وقيل بينا وإنما ذكر مكان البيت لأن الكعبة رفعت إلى السماء زمن ~~الطوفان فلما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام ببناء البيت لم يدر أي ~~جهة يبني فبعث الله تعالى ريحا خجوجا «1» فكنست له ما حول البيت عن الأساس ~~وقيل بعث الله سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا ~~إبراهيم ابن على قدري فبنى عليه أن لا تشرك بي شيئا أي عهدنا إلى إبراهيم ~~وقلنا له: لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي أي من الشرك والأوثان والأقذار ~~للطائفين أي الذين يطوفون بالبيت والقائمين أي المقيمين فيه والركع السجود ~~أي المصلين. قوله عز وجل وأذن أي أعلم وناد، والأذان في اللغة الإعلام في ~~الناس قال ابن عباس: أراد بالناس أهل القبلة بالحج فقال إبراهيم عليه ~~السلام وما يبلغ صوتي فقال الله عليك الأذان وعلينا الإبلاغ فقام إبراهيم ~~على المقام حتى صار ms2506 كأطول الجبال وأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا ~~وشمالا وشرقا وغربا وقال يا أيها الناس ألا إن ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم ~~الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم فأجابه كل من يحج من أصلاب الآباء وأرحام ~~الأمهات: لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر ~~الناس حجا وروي أن إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى. وزعم الحسن أن المأمور ~~بالتأذين هو محمد صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع (م) عن ~~أبي هريرة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس ~~قد فرض الله عليكم الحج PageV03P254 # فحجوا» يأتوك رجالا أي مشاة على أرجلهم جمع راجل وعلى كل ضامر أي ركبانا ~~على الإبل المهزولة من كثرة السير وبدأ بذكر المشاة تشريفا لهم يأتين أي ~~جماعة الإبل من كل فج عميق أي من كل طريق بعيد فمن أتى مكة حاجا فكأنه قد ~~أتى إبراهيم لأنه مجيب نداءه. # قوله تعالى ليشهدوا منافع لهم قيل العفو والمغفرة وقيل: التجارة وقال ابن ~~عباس: الأسواق وقيل ما يرضى به الله من أمر الدنيا والآخرة ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين قيل لها ~~معلومات للحرص عليها من أجل وقت الحج في آخرها. وعن ابن عباس أنها أيام ~~عرفة والنحر وأيام التشريق وقيل: إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام يعني الهدايا والضحايا من النعم وهي الإبل والبقر ~~والغنم وفيه دليل على أن الأيام المعلومات يوم النحر وأيام التشريق لأنه ~~التسمية على بهيمة الأنعام عند نحرها ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام ~~فكلوا منها أمر إباحة ليس بواجب وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من ~~لحوم هداياهم شيئا فأمر الله بمخالفتهم. واتفق العلماء على أن الهدي إذا ~~كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر بن ~~عبد الله في قصة تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل ms2507 منه وكذلك أضحية التطوع لما روى ~~عن جابر بن عبد الله في قصة حجة الوداع قال «وقدم علي ببدن من اليمن وساق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثا وستين بدنة ونحر علي ما غبر وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ~~ببضعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها» أخرجه مسلم قوله ما ~~غبر أي ما بقي قوله ببضعة أي بقطعة. واختلف العلماء في الهدي الواجب بالشرع ~~مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته وجزاء الصيد هل يجوز ~~للمهدي أن يأكل منه شيئا قال الشافعي: لا يأكل منه شيئا وكذلك ما أوجبه على ~~نفسه بالنذر وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك ~~وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه ~~إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور وعند أصحاب الرأي أنه يأكل من دم ~~التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. وقوله تعالى وأطعموا البائس ~~الفقير يعني الزمن الذي لا شيء له وقوله تعالى: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 29 الى 30] # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) # ثم ليقضوا تفثهم أي ليزيلوا أدرانهم وأوساخهم والمراد منه الخروج عن ~~الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار والاستحداد ولبس الثياب ~~والحاج أشعث أغبر إذا لم يزل هذه الأوساخ. وقال ابن عمر وابن عباس: قضاء ~~التفث مناسك الحج كلها وليوفوا نذورهم أراد نذر الحج والهدي وما ينذر ~~الإنسان من شيء يكون في الحج أي ليتموها بقضائها. وقيل المراد منه الوفاء ~~بما نذر وهو على ظاهره وقيل: أراد به الخروج عما وجب عليه نذره أو لم ينذره ~~وليطوفوا بالبيت العتيق أراد به طواف الواجب وهو طواف الإفاضة ووقته ms2508 يوم ~~النحر بعد الرمي والحلق. والطواف ثلاثة طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف ~~بالبيت سبعا يرمل ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا ~~وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه (ق) عن عائشة: «إن أول شيء بدأ به حين ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو ~~بكر وعمر مثله» (ق) عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~طاف الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا». زاد في رواية «ثم يصلي ركعتين يعني ~~بعد الطواف بالبيت ثم يطوف بين الصفا والمروة». ولفظ أبي داود «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو # PageV03P255 # العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أشواط ويمشي أربعا ثم يصلي سجدتين». ~~والطواف الثاني هو طواف الإفاضة وذلك يوم النحر بعد الرمي والحلق (ق) عن ~~عائشة قالت: «حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم عقرى حلقى أطافت يوم النحر قيل نعم قال فانفري». قوله ~~عقرى وحلقى معناه عقرها الله أي أصابها بالعقر وبوجع في حلقها وقيل معناه ~~مشئومة مؤذية ولم يرد به الدعاء عليها وإنما هو شيء يجري على ألسنة العرب ~~كقولهم: لا أم لك وتربت يمينك وفيه دليل على أن من لم يطف يوم النحر طواف ~~الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. الثالث طواف الوداع لا رخصة لمن أراد مفارقة ~~مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف سبعا فمن تركه فعليه دم إلا ~~المرأة الحائض فإنه يجوز لها تركه للحديث المتقدم ولما روى ابن عباس قال ~~«أمر الناس أن يكون الطواف آخر عهدهم بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض» ~~متفق عليه. # الرمل سنة تختص بطواف القدوم ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع وقوله ~~«بالبيت العتيق» قال ابن عباس وغيره سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي ~~الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه فلم ms2509 يظهر عليه جبار قط، وقيل لأنه أول بيت ~~وضع للناس وقيل لأن الله أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام الطوفان وقيل لأنه ~~لم يملك. قوله عز وجل ذلك أي الأمر ذلك يعني ما ذكر من أعمال الحج ومن يعظم ~~حرمات الله أي ما نهى الله عنه من معاصيه وتعظيمها ترك ملابستها وقيل: ~~حرمات الله ما لا يحل انتهاكه وقيل الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط ~~فيه وقيل: الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وإتمامها وقيل الحرمات ~~هنا البيت الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام والشهر الحرام ومعنى ~~التعظيم العلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها فهو خير له عند ربه ~~أي ثواب تعظيم الحرمات خير له عند الله في الآخرة وأحلت لكم الأنعام أي أن ~~تأكلوها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم إلا ما يتلى عليكم أي تحريمه ~~وهو قوله في سورة المائدة حرمت عليكم الميتة والدم الآية فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان أي اتركوا عبادتها فإنها سبب الرجس وهو العذاب وقيل سمى الأوثان ~~رجسا لأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات واجتنبوا قول الزور يعني الكذب ~~والبهتان. # وقال ابن عباس: هي شهادة الزور وروي عن أيمن بن خريم قال: «إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام خطيبا فقال أيها الناس عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ~~ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا ~~قول الزور» أخرجه الترمذي وقال قد اختلفوا في روايته ولا نعرف لأيمن سماعا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود عن خريم بن فاتك بنحوه وقيل: ~~هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. ~~قوله تعالى: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 31 الى 34] # حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت ~~العتيق ms2510 (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) # حنفاء لله يعني مخلصين له غير مشركين به فدل ذلك على أن المكلف ينوي بما ~~يأتيه من العبادة الإخلاص لله بها لا غيره وقيل كانوا في الشرك يحجون ~~ويحرمون البنات والأمهات والأخوات وكانوا حنفاء فنزلت «حنفاء لله غير ~~مشركين به» أي حجوا لله مسلمين موحدين ومن أشرك لا يكون حنيفا ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر أي سقط من السماء إلى الأرض فتخطفه الطير يعني تسلبه وتذهب ~~به أو تهوي به الريح يعني تميل وتذهب به في مكان سحيق يعني بعيد. ومعنى ~~الآية أن من أشرك بالله بعيد من الحق والإيمان كبعد من سقط من السماء فذهبت ~~به الطير أو هوت به الريح فلا يصل إليه بحال وقيل شبه حال المشرك بحال ~~الهاوي # PageV03P256 # من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقط الريح فهو هالك لا ~~محالة. إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق. وقيل معنى ~~الآية من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله ~~بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير ففرقت أجزاءه في حواصلها أو عصفت ~~به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وقيل شبه الإيمان بالسماء في ~~علوه والذي ترك الإيمان بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره ~~بالطير المختطفة والشياطين التي تطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوي ~~بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. قوله عز وجل ذلك يعني الذي ذكر من ~~اجتناب الرجس وقول الزور ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب يعني ~~تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب قال ابن عباس: شعائر الله البدن والهدي ~~وأصلها من الإشعار، وهو العلامة التي يعرف بها أنها هدى وتعظيمها استسمانها ~~واستحسانها وقيل شعائر الله أعلام دينه وتعظيمها من تقوى القلوب لكم فيها ~~أي في البدن منافع قيل هي درها ونسلها وصوفها ووبرها وركوب ظهرها ms2511 إلى أجل ~~مسمى أي إلى أن يسميها ويوجبها هديا فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من ~~منافعها. وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك ورواية عن ابن عباس وقيل معناه لكم ~~في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها وتشربوا من ~~ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها وهو قول عطاء. واختلف ~~العلماء في ركوب الهدي فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يجوز ركوبها ~~والحمل عليها من غير ضرر بها لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: «اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة ~~فقال: اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة». أخرجاه في الصحيحين. وكذلك يجوز ~~له أن يشرب من لبنها بعد ما يفضل عن ري ولدها. وقال أصحاب الرأي: لا يركبها ~~إلا أن يضطر إليه وقيل أراد بالشعائر المناسك ومشاهدة مكة لكم فيها منافع ~~يعني بالتجارة والأسواق إلى أجل مسمى يعني إلى الخروج من مكة وقيل لكم فيها ~~منافع يعني بالأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء أيام الحج ثم محلها ~~إلى البيت العتيق يعني منحرها عند البيت العتيق يريد به جميع أرض الحرم. ~~وروي عن جابر في حديث حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم» ومن قال الشعائر المناسك ~~قال معنى ثم محلها يعني محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق يطوفون به ~~طواف الزيارة. قوله تعالى ولكل أمة يعني جماعة مؤمنة سلفت قبلكم جعلنا ~~منسكا قرئ بكسر السين يعني مذبحا وهو موضع القربان منسكا بفتح السين وهو ~~إراقة الدم وذبح القرابين ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~يعني عند ذبحها ونحرها سماها بهيمة لأنها لا تتكلم وقيد بالأنعام لأن ما ~~سواها لا يجوز ذبحه في القرابين وإن جاز أكله. قوله عز وجل فإلهكم إله واحد ~~يعني سموا على الذبح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد فله أسلموا يعني ~~أخلصوا ms2512 وانقادوا وأطيعوا وبشر المخبتين قال ابن عباس: المتواضعين وقيل ~~المطمئنين إلى الله وقيل الخاشعين الرقيقة قلوبهم وقيل هم الذين لا يظلمون ~~وإذا ظلموا لا ينتصرون ثم وصفهم فقال تعالى: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 35 الى 40] # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ~~وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان ~~كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) # PageV03P257 # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم يعني خافت من عقاب الله فيظهر عليها ~~الخشوع والتواضع لله تعالى والصابرين على ما أصابهم يعني من البلاء والمرض ~~والمصائب ونحو ذلك مما كان من الله تعالى وما كان من غير الله فله أن يصبر ~~عليه وله أن ينتصر لنفسه والمقيمي الصلاة يعني في أوقاتها محافظة عليها ~~ومما رزقناهم ينفقون يعني يتصدقون. قوله تعالى والبدن جمع بدنة سميت بدنة ~~لعظمها وضخامتها، يريد الإبل الصحاح الأجسام والبقر ولا تسمى الغنم بدنة ~~لصغرها جعلناها لكم من شعائر الله يعني من أعلام دينه قيل لأنها تشعر وهو ~~أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم بذلك أنها هدي لكم فيها خير يعني نفع في ~~الدنيا وثواب في العقبى فاذكروا اسم الله عليها يعني عند نحرها صواف يعني ~~قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ويدها اليمنى والأخرى معقولة فينحرها ~~كذلك (ق) عن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ ms2513 بدنة ~~ينحرها قال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم» فإذا وجبت ~~جنوبها يعني سقطت بعد النحر ووقع جنبها على الأرض فكلوا منها أمر إباحة ~~وأطعموا القانع والمعتر قيل القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ~~ولا يسأل. والمعتر هو الذي يسأل وعن ابن عباس القانع هو الذي لا يسأل ولا ~~يتعرض. وقيل: القانع هو الذي يسأل والمعتر هو الذي يريك نفسه ويتعرض ولا ~~يسأل وقيل القانع المسكين والمعتر الذي ليس بمسكين ولا تكون له ذبيحة يجيء ~~إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم كذلك يعني مثل ما وصفنا من نحرها قياما ~~سخرناها لكم يعني لتتمكنوا من نحرها لعلكم تشكرون يعني إنعام الله عليكم لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن ~~لطخوا الكعبة بدمائها يزعمون أن ذلك قربة إلى الله تعالى فأنزل الله لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها يعني لن ترفع إلى الله لحومها ولا دماؤها ولكن ~~يناله التقوى منكم يعني ولكن ترفع إليه الأعمال الصالحة والإخلاص وهو ما ~~أريد به وجه الله كذلك سخرها لكم يعني البدن لتكبروا الله على ما هداكم ~~وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه وهو أن يقول الله: أكبر على ما هدانا ~~والحمد لله على ما أولانا وبشر المحسنين قال ابن عباس الموحدين. # قوله تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا أي يدفع غائلة المشركين عن ~~المؤمنين ويمنعهم منهم وينصرهم عليهم إن الله لا يحب كل خوان كفور أي خوان ~~في أمانة الله كفور لنعمته. قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا منه شريكا ~~وكفروا نعمه. وقيل من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وسمى غير الله عليها فهو ~~خوان كفور. قوله عز وجل أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا أي أذن الله لهم ~~بالجهاد ليقاتلوا المشركين قال المفسرون كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج ~~ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: «اصبروا ms2514 فإني لم ~~أومر بقتال» حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال. وقيل نزلت هذه الآية في قوم ~~بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله ~~لهم في قتال الكفار الذين يمنعون من الهجرة بأنهم ظلموا أي بسبب ما ظلموا ~~واعتدوا عليهم بالإيذاء وإن الله على نصرهم لقدير فيه وعد من الله بنصر ~~المؤمنين ثم وصفهم. فقال تعالى الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله يعني أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن ~~يكون موجب الإقرار والتعظيم والتمكين لا موجب الإخراج ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض أي بالجهاد وإقامة الحدود لهدمت صوامع هي معابد الرهبان المتخذة ~~في الصحراء وبيع هي معابد النصارى في البلد وقيل الصوامع للصابئين والبيع ~~للنصارى وصلوات هي كنائس اليهود ويسمونها بالعبرانية صلوتا # PageV03P258 # ومساجد يعني مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا يعني في المساجد. ~~ومعنى الآية ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل نبي مكان ~~صلواتهم فهدم في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى البيع والصوامع وفي زمن ~~محمد صلى الله عليه وسلم المساجد ولينصرن الله من ينصره أي ينصر دينه ونبيه ~~إن الله لقوي أي على نصر من ينصر دينه عزيز أي لا يضام ولا يمنع مما يريده. ~~قوله عز وجل: # ### || [سورة الحج (22): الآيات 41 الى 47] # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ~~فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك ~~بالعذاب ولن يخلف ms2515 الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) # الذين إن مكناهم في الأرض أي نصرناهم على عدوهم تمكنوا من البلاد أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر هذا وصف أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقيل: هم جميع هذه الأمة وقيل هم المهاجرون وهو الأصح ~~لأنه قوله «الذين إن مكناهم» صفة لمن تقدم ذكرهم وهو قوله «الذين أخرجوا من ~~ديارهم» وهم المهاجرون ولله عاقبة الأمور أي آخر أمور الخلق مصيرها إليه ~~وذلك أنه يبطل فيها كل ملك سوى ملكه فتصير الأمور إليه بلا منازع. قوله ~~تعالى وإن يكذبوك فيه تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى وإن ~~كذبك قومك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب ~~مدين وكذب موسى فإن قلت لم قال وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى؟. قلت فيه ~~وجهان أحدهما: أن موسى لم يكذبه قومه وهم بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه ~~وهو القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكرت تكذيب كل قوم رسولهم قال وكذب موسى ~~أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره فأمليت للكافرين أي أمهلتهم ~~وأخرت العقوبة عنهم ثم أخذتهم أي عاقبتهم فكيف كان نكير أي إنكاري عليهم ما ~~فعلوا من التكذيب بالعذاب والهلاك يخوف به من خالف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكذبه. قوله عز وجل فكأين من قرية أهلكناها وقرئ أهلكناها على التعظيم ~~وهي ظالمة أي وأهلها ظالمون فهي خاوية أي ساقطة على عروشها أي على سقوفها ~~وبئر معطلة أي وكم من بئر معطلة أي متروكة مخلاة عن أهلها وقصر مشيد أي ~~رفيع طويل عال وقيل مجصص وقيل إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن. أما ~~القصر فعلى قمة جبل والبئر في سفحه ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة ~~فكفروا فأهلكهم الله وبقي البئر والقصر خاليين. وقيل إن هذه البئر كانت ~~بحضر موت في بلدة يقال لها: حاضوراء وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ~~عليه السلام لما ms2516 نجوا من العذاب أتوا إلى حضر موت ومعهم صالح فلما حضروه ~~مات صالح فسمي المكان حضر موت. لذلك ولما مات صالح بنو حاضوراء وقعدوا على ~~هذه البئر وأمروا عليهم رجلا منهم فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا وعبدوا ~~الأصنام وكفروا فأرسل الله تعالى إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان. وكان ~~حمالا فيهم فقتلوه في السوق فأهلكهم الله وعطلت بئرهم وخرب قصرهم. قوله ~~تعالى أفلم يسيروا في الأرض يعني كفار مكة فينظروا إلى مصارع المكذبين من ~~الأمم الخالية فتكون لهم قلوب يعقلون بها أي يعلمون بها أو آذان يسمعون بها ~~يعني ما يذكر لهم من أخبار # PageV03P259 # القرون الماضية فيعتبرون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور المعنى أن عمى القلب هو الضار في أمر الدين لا عمى البصر ~~لأن البصر الظاهر بلغة ومتعة وبصر القلوب النافع ويستعجلونك بالعذاب نزلت ~~في النضر بن الحارث ولن يخلف الله وعده أي إنه أنجز ذلك يوم بدر وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون قال ابن عباس: يعني يوما من الأيام الستة التي ~~خلق الله فيها السموات والأرض. وقيل يوما من أيام الآخرة يدل عليه ما روي ~~عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبشروا يا معشر ~~صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس ~~بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة» أخرجه أبو داود بزيادة فيه وأخرج الترمذي ~~نحوه ومعنى الآية أنهم يستعجلون بالعذاب وإن يوما من أيام عذابهم في الآخرة ~~كألف سنة. وقيل إن يوما من أيام العذاب في الثقل والاستطالة كألف سنة فكيف ~~يستعجلونه وقيل معناه أن يوما عنده وألف سنة في الإمهال سواء لأنه قادر متى ~~شاء أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلونه من ~~العذاب وتأخيره وهذا معنى قول ابن عباس. # ### || [سورة الحج (22): الآيات 48 الى 52] # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا ~~أيها الناس إنما أنا ms2517 لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ~~(51) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~(52) # وكأين من قرية أمليت لها يعني أمهلتها وهي ظالمة يعني مع استمرار أهلها ~~على الظلم ثم أخذتها يعني أنزلت بهم العذاب وإلي المصير يعني مصيرهم إلي في ~~الآخرة ففيه وعيد وتهديد. قوله عز وجل قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير ~~مبين أمر رسول الله أن يديم لهم التخويف والإنذار وأن يقول لهم إنما بعثت ~~لكم منذرا فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم لما أمر الله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول «إنما أنا نذير مبين» أردف ذلك بأن ~~أمره بوعد من آمن ووعيد من عصى فقال «فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة» يعني ستر لصغائر ذنوبهم وقيل للكبائر أيضا مع التوبة ورزق كريم يعني ~~لا ينقطع أبدا وقيل هو الجنة والذين سعوا في آياتنا يعني عملوا في إبطال ~~آياتنا معاجزين يعني مثبطين الناس عن الإيمان وقرئ معاجزين يعني معاندين ~~مشاقين وقيل معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا ويفوتوننا فلا نقدر عليهم ~~بزعمهم أن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار أولئك أصحاب الجحيم قوله تعالى ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~قال ابن عباس وغيره من المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تعالى ~~تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم ~~فكان يوما في مجلس لقريش فأنزل الله عز وجل سورة والنجم فقرأها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بلغ «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى» ~~ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ms2518 ويتمناه تلك الغرانيق العلى ~~وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها وسجد المسلمون بسجوده ~~وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا ~~سجد غير الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من ~~البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم ~~يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون قد ~~ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويرزق ~~ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإن جعل لها محمد نصيبا فنحن معه فلما أمسى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه # PageV03P260 # جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله ~~تعالى فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله تعالى ~~خوفا كبيرا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعزيه وكان به رحيما وسمع بذلك من ~~كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وبلغهم سجود قريش وقيل ~~قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا حتى ~~إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا ~~فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ~~ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك وكان الحرفان ~~اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم ~~كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم وقوله وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول الرسول هو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا ولا نبي النبي هو ~~الذي تكون نبوته إلهاما، أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا إلا إذا ~~تمنى يعني أحب شيئا واشتهاه ms2519 وحدث به نفسه مما لم يؤمر به ألقى الشيطان في ~~أمنيته يعني في مراده وقال ابن عباس: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد ~~إليه سبيلا. والمعنى ما من نبي «إلا تمنى» أن يؤمن قومه ولم يتمن ذلك نبي ~~إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى قومه فينسخ الله ما يلقي الشيطان. وقال أكثر ~~المفسرين معنى تمنى قرأ وتلا كتاب الله ألقى الشيطان في أمنيته يعني في ~~تلاوته قال # حسان في عثمان حين قتل: # تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر # فإن قلت: قد قامت الدلائل على صدقة وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ ~~أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا ~~سهوا ولا غلطا قال الله تعالى: وما ينطق عن الهوى وقال تعالى: لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فكيف يجوز الغلط على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في التلاوة وهو معصوم منه؟. قلت ذكر العلماء عن ~~هذا الإشكال أجوبة: أحدها: توهين أصل هذه القصة وذلك أنه لم يروها أحد من ~~أهل الصحة ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل وإنما رواها المفسرون ~~والمؤرخون المولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم والذي يدل ~~على ضعيف هذه القصة اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها فقائل ~~يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة وآخر يقول قرأها وهو في ~~نادي قومه وآخر يقول قرأها وقد أصابته سنة وآخر يقول بل حدث نفسه بها فجرى ~~ذلك على لسانه وآخر يقول إن الشيطان قالها على لسان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال ما هكذا أقرأتك ~~إلى غير ذلك من اختلاف ألفاظها والذي جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن ~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه ~~غير أن شيخا من قريش أخذ ms2520 كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته قال عبد الله ~~فلقد رأيته بعد قتل كافرا». أخرجه البخاري ومسلم وصح من حديث ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والإنس». رواه البخاري فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها والذي ذكره المفسرون عن ابن ~~عباس في هذه القصة. فقد رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جدا فهذا توهين هذه القصة ~~الجواب الثاني: وهو من حيث المعنى هو أن الحجة قد قامت بالدليل الصحيح ~~وإجماع الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه ~~الرذيلة وهو تمنيه أن ينزل عليه مدح إله غير الله أو أن يتسور عليه الشيطان ~~ويشبه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه حتى نبهه جبريل عن ذلك فهذا كله ~~ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل «ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين». الآية الجواب الثالث: ~~في تسليم وقوع هذه القصة وسبب سجود الكفار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قرأ يرتل القرآن ترتيلا ويفصل الآي تفصيلا كما صح عنه في قراءته فيحتمل ~~أن الشيطان ترصد لتلك السكنات فدس فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا ~~لصوت النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعه من دنا منه من الكفار فظنوها من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه لسجوده فأما المسلمون فلم يقدح ذلك ~~عندهم لتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم ذم الأوثان وعيبها وإنهم ~~كانوا يحفظون السورة كما # PageV03P261 # أولها الله عز وجل الجواب الرابع: في تحقيق تفسير الآية وقد تقدم أن ~~التمني يكون بمعنى حديث النفس وبمعنى التلاوة فعلى الأول: يكون معنى قوله ~~إلا إذا تمنى أي خطر بباله وتمنى بقلبه بعض الأمور ولا يبعد أنه إذا قوي ~~التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة وعلى الثاني: وهو ms2521 تفسير ~~التمني بالتلاوة فيكون معنى قوله «إلا إذا تمنى» أي تلا وهو ما يقع للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من السهو في إسقاط آية أو آيات أو كلمة أو نحو ذلك ~~ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه ويذكر به للوقت والحين كما صح في ~~الحديث «لقد أذكرني كذا كذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا» وحاصل هذا أن ~~الغرض من هذه الآية أن الأنبياء والرسل وإن عصمهم الله عن الخطأ في العلم ~~فلم يعصمهم من جواز السهو عليهم بل حالهم في ذلك كحال سائر البشر والله ~~تعالى أعلم. قوله عز وجل فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي # يبطله ويذهبه ثم يحكم الله آياته أي يثبتها والله عليم حكيم قوله عز وجل ~~ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة أي محنة وبلية والله تعالى يمتحن عباده بما ~~يشاء للذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق والقاسية قلوبهم أي الجافية قلوبهم ~~عن قبول الحق وهم المشركون وإن الظالمين لفي شقاق بعيد أي في خلاف شديد. # ### || [سورة الحج (22): الآيات 54 الى 58] # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ ~~لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ~~(58) # وليعلم الذين أوتوا العلم أي التوحيد والقرآن والتصديق ينسخ الله ما يشاء ~~أنه الحق من ربك أي الذي أحكم الله من آيات القرآن هو الحق من ربك فيؤمنوا ~~به أي يعتقدوا أنه من الله عز وجل فتخبت له قلوبهم أي تسكن إليه وإن الله ~~لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم أي إلى طريق قويم وهو الإسلام. قوله عز ~~وجل ولا يزال الذين كفروا في مرية ms2522 منه أي في شك من القرآن وقيل من الدين ~~الذي هو صراط مستقيم حتى تأتيهم الساعة بغتة أي فجأة وقيل أراد بالساعة ~~الموت أو يأتيهم عذاب يوم عقيم أي عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة ~~وقيل هو يوم بدر سمي عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير كالريح ~~العقيم لا تأتي بخير وقيل لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه ~~الملك يومئذ يعني يوم القيامة لله وحده من غير منازع ولا مشارك فيه يحكم أي ~~يفصل بينهم ثم بين ذلك الحكم فقال تعالى فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين. قوله تعالى ~~والذين هاجروا في سبيل الله أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب ~~رضاه ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا أي لا ينقطع أبدا وهو رزق ~~الجنة لأنه فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وإن الله لهو خير الرازقين ~~فإن قلت الرازق في الحقيقة هو الله عز وجل لا رازق للخلق غيره فكيف قال وإن ~~الله لهو خير الرازقين. قلت قد يسمى غير الله رازقا على المجاز كقوله رزق ~~السلطان الجند أي أعطاهم أرزاقهم وإن الرزاق في الحقيقة هو الله تعالى وقيل ~~لأنه الله تعالى يعطي الرزق ما لا يقدر عليه غيره. ### || [سورة الحج (22): الآيات 59 الى 71] # ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك ~~بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ~~(62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف ~~خبير (63) # له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ألم تر ~~أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في ms2523 البحر بأمره ويمسك السماء أن ~~تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) وهو الذي أحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ~~ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل ~~الله أعلم بما تعملون (68) # الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن ~~الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) ~~ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين ~~من نصير (71) # PageV03P262 # ليدخلنهم مدخلا يرضونه يعني الجنة يكرمون به ولا ينالهم فيه مكروه وإن ~~الله لعليم بنياتهم حليم بالعفو عنهم. قوله عز وجل ذلك أي الأمر ذلك الذي ~~قصصنا عليك ومن عاقب بمثل ما عوقب به # يعني جازى الظالم بمثل ظلمه وقيل يعني قاتل المشركين كما قاتلوه ثم بغي ~~عليه يعني ظلم بإخراجه من منزله يعني ما أتاه المشركون من البغي على ~~المسلمين حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم نزلت في قوم من المشركين أتوا ~~قوما من المسلمين لليلتين بقيتا في المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن ~~يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم ~~عليهم وثبت المسلمون فنصرهم الله عليهم فذلك قوله تعالى لينصرنه الله إن ~~الله لعفو يعني عن مساوي المؤمنين غفور يعني لذنوبهم ذلك يعني ذلك النصر ~~بأن الله القادر على ما يشاء فمن قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل في معنى هذا الإيلاج قولان، أحدهما: أنه يجعل ظلمة الليل ~~مكان ضياء النهار وذلك بغيبوبة الشمس ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل ~~بطلوع الشمس. القول الثاني: هو ما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر من ~~الساعات وذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله ~~هو الحق أي ذو الحق في قوله وفعله، ودينه حق وعبادته حق وأن ما يدعون يعني ~~المشركين من ms2524 دونه هو الباطل يعني الأصنام التي ليس عندها ضر ولا نفع وأن ~~الله هو العلي أي العالي على كل شيء الكبير أي العظيم في قدرته وسلطانه. ~~قوله عز وجل ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة يعني ~~بالنبات إن الله لطيف يعني باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد والحيوان ~~خبير يعني بما في قلوب العباد إذا تأخر المطر عنهم له ما في السماوات وما ~~في الأرض يعني عبيدا وملكا وإن الله لهو الغني الحميد يعني الغني عن عباده ~~الحميد في أفعاله ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض يعني الدواب التي ~~تركب في البر والفلك أي وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره يعني سخر لها ~~الماء والرياح ولولا ذلك ما جرت ويمسك السماء أن تقع أي لكيلا تسقط على ~~الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم يعني أنه أنعم بهذه النعم ~~الجامعة بمنافع الدنيا والدين وقد بلغ الغاية في الإنعام والإحسان فهو إذن ~~رؤوف رحيم بكم وهو الذي أحياكم أي أنشأكم ولم تكونوا شيئا ثم يميتكم أي عند ~~انقضاء آجالكم ثم يحييكم أي يوم البعث للثواب والعقاب إن الإنسان لكفور أي ~~لجحود # PageV03P263 # لنعم الله عز وجل. قوله تعالى لكل أمة جعلنا منسكا قال ابن عباس شريعة هم ~~ناسكوه هم عاملون بها وعنه أنه قال عيدا وقيل موضع قربان يذبحون فيه وقيل ~~موضع عبادة فلا ينازعنك في الأمر أي في أمر الذبائح نزلت في بديل بن ورقاء ~~وبشر بن سفيان ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله؟ وقيل معناه لا ~~تنازعهم أنت. قوله تعالى وادع إلى ربك أي إلى الإيمان به وإلى دينه إنك ~~لعلى هدى مستقيم أي على دين واضح قويم وإن جادلوك يعني خاصموك في أمر الذبح ~~وغيره فقل الله أعلم بما تعملون أي من التكذيب الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون يعني فتعلمون ms2525 حينئذ الحق من الباطل وقيل حكم يوم ~~القيامة يتردد بين جنة وثواب لمن قبل وبين نار وعقاب لمن رد وأبى. قوله عز ~~وجل ألم تعلم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه الأمة أن الله ~~يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب يعني في اللوح المحفوظ إن ذلك ~~يعني علمه بجميعه على الله يسير أي هين وقيل: إن كتب الحوادث مع أنها من ~~الغيب على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا يعني حجة ~~ظاهرة من دليل سمعي وما ليس لهم به علم يعني أنهم فعلوا ما فعلوه عن جهل لا ~~عن علم ولا دليل عقلي وما للظالمين يعني المشركين من نصير يعني مانع يمنعهم ~~من العذاب. ### || [سورة الحج (22): الآيات 72 الى 77] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله ~~لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ~~(75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون (77) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات يعني القرآن وصفه بذلك لأنه فيه بيان ~~الأحكام والفصل بين الحلال والحرام تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يعني ~~الإنكار والكراهية يتبين ذلك في وجوههم يكادون يسطون يعني يقعون ويبسطون ~~إليكم أيديهم بالسوء وقيل يبطشوه بالذين يتلون عليهم آياتنا أي بمحمد ~~وأصحابه من شدة الغيظ قل يعني قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من ذلكم يعني ~~بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تستمعون النار يعني هي النار وعدها ~~الله الذين كفروا وبئس المصير قوله ms2526 تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فإن قلت ~~الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا. قلت لما كان المثل في الأكثر نكتة ~~عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل كلام كان كذلك مثلا. وقال في الكشاف قد سميت ~~الصفة والقصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلا تشبيها لها ببعض ~~الأمثال المسيرة لكونها مسيرة عندهم مستحسنة مستغربة فاستمعوا له يعني ~~تدبروه حق تدبره فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع والمعنى جعل لي شبيه ~~وشبه به الأوثان أي جعل المشركون الأصنام شركائي يعبدونها ثم بين حالها ~~وصفتها فقال تعالى إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام لن يخلقوا ~~ذبابا يعني واحدا في صغره وضعفه وقلته لأنها لا تقدر على ذلك ولو اجتمعوا ~~له يعني لخلقه، والمعنى أن هذه الأصنام لو اجتمعت لم يقدروا على خلق ذبابة ~~على ضعفها وصغرها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا له وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه قال ابن عباس: كانوا يطلون # PageV03P264 # الأصنام بالزعفران فإذا جف جاء الذباب فاستلبه منه. وقيل: كانوا يضعون ~~الطعام بين أيدي الأصنام فيقع الذباب عليه ويأكل منه ضعف الطالب والمطلوب ~~قال ابن عباس الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على الصنم والمطلوب ~~هو الصنم وقيل الطالب الصنم والمطلوب الذباب أي لو طلب الصنم أو يخلق ~~الذباب لعجز عنه وقيل الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم ما قدروا الله ~~حق قدره يعني ما عظموه حق عظمته وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث ~~أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه إن الله لقوي عزيز يعني ~~غالب لا يقهر. قوله عز وجل الله يصطفي من الملائكة يعني يختار من الملائكة ~~رسلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم ومن الناس يعني يختار الله ~~من الناس رسلا مثل إبراهيم وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل صلى الله ~~عليهم أجمعين. نزلت حين قال المشركون أأنزل عليه الذكر من بيننا فأخبر الله ~~تعالى أن الاختيار إليه يختار من يشاء من عباده ms2527 لرسالته إن الله سميع يعني ~~بأقوالهم بصير يعني لأفعالهم لا تخفى عليه خافية. قوله تعالى يعلم ما بين ~~أيديهم قال ابن عباس: ما قدموا وما خلفهم يعني ما خلفوا وقيل يعلم ما عملوا ~~ما هم عاملون وقيل يعلم ما بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم ويعلم ما ~~هو كائن بعد فنائهم وإلى الله ترجع الأمور يعني في الآخرة. قوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا يعني صلوا لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع ~~والسجود واعبدوا ربكم يعني وحدوه وقيل أخلصوا له العبادة وافعلوا الخير قال ~~ابن عباس: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق وقيل فعل الخير ينقسم إلى خدمة ~~المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله تعالى وإلى الإحسان الذي هو ~~عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة وحسن القول ~~وغير ذلك من أعمال البر لعلكم تفلحون يعني لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. # فصل: في حكم سجود التلاوة هنا # لم يختلف العلماء في السجدة الأولى من هذه السورة واختلفوا في السجدة ~~الثانية فروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي ~~موسى أنهم قالوا في الحج سجدتان وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق، يدل عليه ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله في الحج ~~سجدتان قال: # «نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» أخرجه الترمذي وأبو داود. وعن عمر بن ~~الخطاب أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين وقال: إن هذه السورة فضلت ~~بسجدتين. أخرجه مالك في الموطأ وذهب قوم إلى أن في الحج سجدة واحدة وهي ~~الأولى وليس هذه بسجدة وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسفيان ~~الثوري وأبي حنيفة ومالك بدليل أنه قرن السجود بالركوع فدل ذلك أنها سجدة ~~صلاة لا سجدة تلاوة واختلف العلماء في عدة سجود التلاوة. فذهب الشافعي ~~وأحمد وأكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة لكن الشافعي قال في الحج ~~سجدتان وأسقط سجدة ص. وقال أبو حنيفة في ms2528 الحج سجدة وأثبت سجدة ص وبه قال ~~أحمد في إحدى الروايتين عنه فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة. وذهب قوم إلى ~~أن المفصل ليس فيه سجود يروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس وبه قال مالك ~~فعلى هذا يكون سجود القرآن إحدى عشرة سجدة يدل عليه ما روي عن أبي الدرداء ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في القرآن إحدى عشرة سجدة» أخرجه أبو ~~داود وقال إسناده واه. # ودليل من قال في القرآن خمس عشرة سجدة ما روي عن عمرو بن العاص قال: ~~أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن خمس عشرة سجدة منها ثلاث في ~~المفصل وفي سورة الحج سجدتان. أخرجه أبو داود وصح من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: «سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ وإذا السماء ~~انشقت». أخرجه مسلم وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع. وبه قال الشافعي ~~وقال أبو حنيفة هو واجب. قوله عز وجل: # PageV03P265 # [سورة الحج (22): آية 78] # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # وجاهدوا في الله حق جهاده أي جاهدوا في سبيل الله أعداء الله ومعنى حق ~~جهاده هو استفراغ الطاقة فيه قاله ابن عباس: وعنه قال لا تخافوا في الله ~~لومة لائم فهو حق الجهاد كما تجاهدون في سبيل الله ولا تخافون لومة لائم ~~وقيل معناه اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته قيل نسخها قوله تعالى: ~~فاتقوا الله ما استطعتم وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون بنية صادقة ~~خالصة لله ولتكون كلمة الله هي العليا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين من ~~حديث أبي موسى الأشعري وقيل مجاهدة النفس والهوى هو ms2529 حق الجهاد وهو الجهاد ~~الأكبر روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال: «رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ذكره البغوي بغير سند قيل أراد ~~بالأصغر جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس هو اجتباكم يعني اختاركم لدينه ~~والاشتغال بخدمته وعبادته وطاعته فأي رتبة أعلى من هذا وأي سعادة فوق هذا ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج أي ضيق وشدة وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من ~~الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم ~~والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك فليس في دين ~~الإسلام ما لا يجد العبد فيه سبيلا إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن ~~وفق. # وقيل: معناه رفع الضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت ~~الحج إذا التبس عليكم وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا. وقيل: معناه الرخص عند ~~الضرورات كقصر الصلاة والفطر في السفر والتيمم عند عدم الماء وأكل الميتة ~~عند الضرورة والصلاة قاعدا والفطر مع العجز بعذر المرض ونحو ذلك من الرخص ~~التي رخص الله لعباده، قيل أعطى الله هذه الأمة خصلتين لم يعطهما أحدا ~~غيرهم جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج. وقال ابن ~~عباس: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله ~~عن هذه الأمة ملة أبيكم إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فإن قلت لم يكن إبراهيم أبا للأمة كلها فكيف سماه أبا في قوله «ملة ~~أبيكم إبراهيم». قلت إن كان الخطاب للعرب فهو أبو العرب قاطبة وإن كان ~~الخطاب لكل المسلمين فهو أبو المسلمين. والمعنى وجوب احترامه وحفظ حقه يجب ~~كما يجب احترام الأب فهو كقوله «وأزواجه أمهاتهم» وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إنما أنا لكم كالوالد» وفي قوله هو سماكم المسلمين من قبل ~~قولان أحدهما: أن الكناية ترجع إلى الله تعالى يعني أن الله سماكم المسلمين ~~في الكتب القديمة ms2530 من قبل نزول القرآن القول الثاني: أن الكناية راجعة إلى ~~إبراهيم يعني أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو ~~قوله ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك فاستجاب الله دعاءه ~~فينا وفي هذا أي وفي القرآن سماكم المسلمين ليكون الرسول شهيدا عليكم يوم ~~القيامة أن قد بلغكم وتكونوا شهداء على الناس أي تشهدون يوم القيامة على ~~الأمم أن رسلهم قد بلغتهم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله يعني ~~ثقوا به وتوكلوا عليه وقيل تمسكوا بدين الله. وقال ابن عباس: سلوا ربكم أن ~~يعصمكم من كل ما يكره وقيل معناه ادعوا ربكم أن يثبتكم على دينه. وقيل: ~~الاعتصام هو التمسك بالكتاب والسنة هو مولاكم يعني وليكم وناصركم وحافظكم ~~فنعم المولى ونعم النصير أي الناصر لكم والله تعالى أعلم. # PageV03P266 ### | سورة المؤمنين # وهي مكية وهي مائة وثمان عشرة آية وألف وثمانمائة وأربعون كلمة وأربعة ~~آلاف وثمانمائة حرف وحرفان. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل فأنزل الله عليه يوما ~~فمكث ساعة ثم سري عنه فقرأ قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات من أولها. وقال: ~~من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم ~~زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ~~اللهم أرضنا وارض عنا» أخرجه الترمذي. قوله عز وجل قد أفلح المؤمنون قال ~~ابن عباس قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة وقيل الفلاح البقاء ~~والنجاة الذين هم في صلاتهم خاشعون قال ابن عباس: مخبتون أذلاء خاضعون. ~~وقيل خائفون وقيل: متواضعون وقيل الخشوع من أفعال القلب كالخوف والرهبة ~~وقيل هو من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات وغض البصر. وقيل لا بد من ~~الجمع بين أفعال القلب ms2531 والجوارح وهو الأولى فالخاشع في صلاته لا بد وأن ~~يحصل له الخشوع في جميع الجوارح، فأما ما يتعلق بالقلب من الأفعال فنهاية ~~الخضوع والتذلل للمعبود ولا يلتفت الخاطر إلى شيء سوى ذلك التعظيم. وأما ما ~~يتعلق بالجوارح فهو أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع سجوده. وقيل الخشوع ~~هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله (ق) عن عائشة قالت: «سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه ~~الشيطان من صلاة العبد» الاختلاس هو الاختطاف عن أبي ذر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ~~فإذا التفت انصرف عنه». وفي رواية «أعرض عنه» أخرجه أبو داود والنسائي. ~~وقيل الخشوع هو أن لا يرفع بصره إلى السماء (خ) عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال: # لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» وقال أبو هريرة كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون» رمقوا بأبصارهم إلى موضع السجود. وقيل الخشوع هو أن لا ~~يعبث بشيء من جسده في الصلاة لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر ~~رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه». ذكره ~~البغوي بغير سند. عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا قام ~~أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه» أخرجه أبو داود ~~والترمذي والنسائي. وقيل الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة والإعراض عما سوى ~~الله والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر. قوله تعالى: ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 3 الى 10] # والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ms2532 غير ملومين ~~(6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) ~~أولئك هم الوارثون (10) # PageV03P267 # والذين هم عن اللغو معرضون قال ابن عباس عن الشرك وقيل عن المعاصي وقيل ~~هو كل باطل ولهو وما لا يجمل من القول والفعل وقيل هو معارضة الكفار الشتم ~~والسب والذين هم للزكاة فاعلون أي الزكاة الواجبة مؤدون فعبر عن التأدية ~~بالفعل لأنها فعل وقيل الزكاة ها هنا هي العمل الصالح والأول أولى والذين ~~هم لفروجهم حافظون # الفرج اسم لسوأة الرجل والمرأة وحفظه التعفف عن الحرام إلا على أزواجهم ~~على بمعنى من أو ما ملكت أيمانهم يعني الإماء والجواري والآية في الرجال ~~خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها فإنهم غير ملومين يعني ~~بعدم حفظ فرجه من امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك وإنما لا يلام فيما ~~إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتي وفي حال الحيض ~~والنفاس فإنه محظور فلا يجوز ومن فعله فإنه ملوم فمن ابتغى وراء ذلك أي ~~التمس وطلب سوى الأزواج والولائد وهن الجواري المملوكة فأولئك هم العادون ~~أي الظالمون المجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام. وفيه دليل على أن ~~الاستمناء باليد حرام وهو قول أكثر العلماء. سئل عطاء عنه فقال: مكروه سمعت ~~أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء وقال سعيد بن جبير عذب الله ~~أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. قوله عز وجل والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~أي حافظون يحفظون ما ائتمنوا عليه والعقود التي عاقدوا الناس عليها يقومون ~~بالوفاء بها. والأمانات تختلف فمنها ما يكون بين العبد وبين الله تعالى ~~كالصلاة والصوم وغسل الجنابة وسائر العبادات التي أوجبها الله تعالى على ~~العباد فيجب الوفاء بجميعها. ومنها ما يكون بين العباد كالودائع والصنائع ~~والأسرار وغير ذلك فيجب الوفاء به أيضا والذين هم على صلواتهم يحافظون أي ~~يداومون ويراعون أوقاتها وإتمام أركانها وركوعها وسجودها وسائر شروطها. فإن ~~قلت كيف كرر ذكر الصلاة أولا وآخرا. ms2533 قلت هما ذكران مختلفان فليس تكرارا ~~وصفهم أولا بالخشوع في الصلاة وآخرا بالمحافظة عليها. قوله عز وجل أولئك ~~يعني أهل هذه الصفة هم الوارثون يعني يرثون منازل أهل النار من الجنة. عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما منكم من أحد إلا وله ~~منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فمن مات ودخل النار ورث أهل الجنة ~~منزله» وذلك قوله تعالى: أولئك هم الوارثون ذكره البغوي بغير سند وقيل معنى ~~الوراثة هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يئول أمر الميراث إلى ~~الوارث. # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 11 الى 18] # الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن ~~الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ~~ذهاب به لقادرون (18) # الذين يرثون الفردوس هو أعلى الجنة. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ودرجة كما بين ~~السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة # PageV03P268 # ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» أخرجه الترمذي هم ~~فيها خالدون أي لا يخرجون منها ولا يموتون. قوله عز وجل ولقد خلقنا الإنسان ~~يعني ولد آدم الإنسان اسم جنس من سلالة من طين قال ابن عباس السلالة صفوة ~~الماء وقيل هي المني لأن النطفة تسل من الظهر من طين يعني طين آدم لأن ~~السلالة تولدت من طين خلق منه آدم وقيل: المراد من الإنسان هو آدم، وقوله ~~من سلالة أي سل من كل تربة ثم جعلناه نطفة يعني الذي هو الإنسان جعلناه ~~نطفة في قرار مكين أي حريز وهو ms2534 الرحم وسمي مكينا لاستقرار النطفة فيه إلى ~~وقت الولادة ثم خلقنا النطفة علقة أي صيرنا النطفة قطعة دم جامد فخلقنا ~~العلقة مضغة أي جعلنا الدم الجامد قطعة لحم صغيرة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة له. قيل إن ~~بين كل خلق وخلق أربعين يوما ثم أنشأناه خلقا آخر أي مباينا للخلق الأول ~~قال ابن عباس: هو نفخ الروح فيه وقيل جعله حيوانا بعد ما كان جمادا وناطقا ~~بعد ما كان أبكم وسميعا وكان أصم وبصيرا وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره ~~عجائب صنعه وغرائب فطره وعن ابن عباس قال: إن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة ~~من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن ~~يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها فتبارك الله ~~أي استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال أحسن الخالقين أي المصورين ~~والمقدرين. فإن قلت كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى الله خالق كل ~~شيء وقوله هل من خالق غير الله؟. قلت الخلق له معان: منها الإيجاد والإبداع ~~ولا موجد ولا مبدع إلا الله تعالى. ومنها التقدير كما قال الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري # معناه أنت تقدر الأمور وتقطعها وغيرك لا يفعل ذلك فعلى هذا يكون معنى ~~الآية الله أحسن المقدرين. # وجواب آخر وهو أن عيسى عليه الصلاة والسلام خلق طيرا وسمى نفسه خالقا ~~بقوله أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فقال فتبارك الله أحسن الخالقين ~~ثم إنكم بعد ذلك أي بعد ما ذكر من تمام الخلق لميتون أي عند انقضاء آجالكم ~~ثم إنكم يوم القيامة تبعثون أي للحساب والجزاء. قوله عز وجل ولقد خلقنا ~~فوقكم سبع طرائق يعني سبع سموات طرائق لأن بعضها فوق بعض وقيل لأنها طرائق ~~الملائكة في الصعود والهبوط وما كنا عن الخلق غافلين يعني بل كنا لهم ~~حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. وقيل معناه بنينا ms2535 فوقهم سماء ~~أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. وقيل ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي ~~وقيل معناه إنما خلقنا السماء فوقهم لتنزل عليهم الأرزاق والبركات منها. ~~وقيل معناه وما كنا عن الخلق غافلين أي عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم لا ~~تخفى علينا خافية وأنزلنا من السماء ماء بقدر أي يعلمه الله من حاجتهم إليه ~~وقيل بقدر ما يكفيهم لمعايشهم في الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة ~~فأسكناه في الأرض يعني ما يبقى في الغدران والمستنقعات مما ينتفع به الناس ~~في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل أسكناه في الأرض ثم أخرجناه منها ينابيع ~~كالعيون والآبار فكل ماء في الأرض من السماء وإنا على ذهاب به لقادرون وصح ~~من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة» أخرجه مسلم. وعن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة ~~أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة ~~من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال ~~وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس فذلك قوله وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل ~~جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ومقام ~~إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء ~~فذلك قوله تعالى وإنا على ذهاب به لقادرون فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من ~~الأرض فقد أهلها خير # PageV03P269 # الدين والدنيا وروى هذا الحديث البغوي في تفسيره. وقال روى هذا الحديث ~~الإمام الحسن بن سفيان بن عثمان بن سعيد بالإجازة عن سعيد بن سابق ~~الإسكندراني عن مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس. ثم ~~ذكر ما أنبت بالماء فقال تعالى: # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 19 الى 29] # فأنشأنا لكم به جنات من ms2536 نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ~~(19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ~~(21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن ~~هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) ~~فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) # وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) # فأنشأنا لكم به أي بالماء جنات أي بساتين من نخيل وأعناب إنما أفردهما ~~بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والإدام والفواكه رطبا ~~ويابسا لكم فيها أي في الجنات فواكه كثيرة ومنها تأكلون أي شتاء وصيفا ~~وشجرة أي وأنشأنا لكم شجرة وهي الزيتون تخرج من طور سيناء أي من جبل مبارك ~~وقيل من جبل حسن قيل هو بالنبطية وقيل بالحبشية وقيل السريانية ومعناه ~~الجبل الملتف بالأشجار. وقيل كل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين ~~وقيل هو من السناء وهو الارتفاع وهو الجبل الذي منه نودي موسى بين مصر ~~وأيلة وقيل هو جبل فلسطين وقيل سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها ~~لوجودها عنده. # وقيل هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل تنبت بالدهن أي تنبت وفيها الدهن ~~وقيل تنبت بثمر الدهن وهو الزيت وصبغ للآكلين الصبغ الإدام الذي يكون مع ~~الخبز ويصبغ به جعل الله في هذه الشجرة المباركة أدما وهو الزيتون ودهنا ~~وهو الزيت وخص جبل الطور بالزيتون لأنه ms2537 منه نشأ وقيل إن أول شجرة نبتت بعد ~~الطوفان الزيتون وقيل إنها تبقى في الأرض نحو ثلاثة آلاف سنة. قوله عز وجل ~~وإن لكم في الأنعام لعبرة أي آية تعتبرون بها نسقيكم مما في بطونها أي ~~ألبانها ووجه الاعتبار فيه أن اللبن يخلص إلى الضرع من بين فرث ودم بإذن ~~الله تعالى ليس فيه منهما شيء فيستحيل إلى الطهارة وإلى طعم يوافق الشهوة ~~والطبع ويصير غذاء، وتقدم بسط الكلام بما فيه كفاية في سورة النحل ولكم ~~فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون يعني كما تنتفعون بها وهي حية فكذلك تنتفعون ~~بها بعد الذبح للأكل عليها # أي وعلى الإبل على الفلك تحملون # أي على الإبل في البر وعلى السفن في البحر. قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أي ما لكم معبودا ~~سواه أفلا تتقون أي أفلا تخافون عقابه إذا عبدتم غيره فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم أي آدمي مثلكم مشارك لكم في جميع ~~الأمور يريد أن يتفضل عليكم أي إنه يحب الشرف والرياسة متبوعا وأنتم له تبع ~~ولو شاء الله لأنزل ملائكة يعني بإبلاغ الوحي ما سمعنا بهذا يعني الذي ~~يدعونا إليه نوح في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة يعني جنون فتربصوا ~~به حتى حين يعني إلى # PageV03P270 # الموت فتستريحوا منه قال رب انصرني بما كذبون يعني أعني بإهلاكهم ~~بتكذيبهم إياي فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا يعني بمرأى منا قاله ابن ~~عباس. وقيل بعلمنا وحفظنا لئلا يتعرض له أحد ولا يفسد عليه عمله ووحينا ~~قيل: إن جبريل علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها فإذا جاء أمرنا يعني ~~عذابنا وفار التنور قيل هو التنور الذي يخبز فيه وكان من حجارة، وقيل ~~التنور هو وجه الأرض والمعنى أنك إذا رأيت الماء يفور من التنور فاسلك فيها ~~يعني فأدخل في السفينة من كل زوجين اثنين يعني من كل حيوان ذكر وأنثى وأهلك ~~يعني وسائر ms2538 من آمن بك إلا من سبق عليه القول يعني وجب عليه العذاب منهم ~~يعني الكفار وقيل أراد بأهله أهل بيته خاصة والذي سبق عليه القول منهم هو ~~ابنه كنعان ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون قوله عز وجل فإذا ~~استويت يعني اعتدلت أنت ومن معك على الفلك يعني في السفينة فقل الحمد لله ~~الذي نجانا من القوم الظالمين يعني الكافرين وقل رب أنزلني منزلا مباركا ~~قيل موضع النزول وهو السفينة عند الركوب. وقيل هو وجه الأرض بعد الخروج من ~~السفينة وأراد بالبركة النجاة من الغرق وكثرة النسل بعد الإنجاء وأنت خير ~~المنزلين معناه أنه قد يكون الإنزال من غير الله كما يكون من الله فحسن أن ~~يقول وأنت خير المنزلين لأنه يحفظ من أنزله ويكلؤه في سائر أحواله ويدفع ~~عنه المكره بخلاف منزل الضيف فإنه لا يقدر على ذلك. # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 30 الى 44] # إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ~~(31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم ~~في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما ~~تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات ~~لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) ~~إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني ~~بما كذبون (39) # قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء ~~فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من ~~أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها ~~كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # إن في ذلك يعني الذي ذكر من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله لآيات ~~يعني دلالات على قدرتنا وإن كنا ms2539 يعني وما كنا لمبتلين يعني إلا مختبرين ~~إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم. ~~قوله تعالى ثم أنشأنا من بعدهم يعني من بعد إهلاكهم قرنا آخرين يعني عادا ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم يعني هودا قاله أكثر المفسرين وقيل القرن ثمود ~~والرسول صالح والأول أصح أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~يعني هذه الطريقة التي أنتم عليها مخافة العذاب وقال الملأ من قومه الذين ~~كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة يعني بالمصير إليها وأترفناهم يعني نعمناهم ~~ووسعنا عليهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون يعني من مشربكم ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ~~يعني لمغبونون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون يعني من ~~قبوركم أحياء هيهات هيهات قال ابن عباس أي بعيد بعيد لما توعدون استبعد ~~القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم # PageV03P271 # للتفكر في بدء أمرهم وقدرة الله على إيجادهم وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه ~~لا يكون أبدا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا قيل معناه نحيا ونموت ~~لأنهم كانوا ينكرون البعث وقيل يموت الآباء ويحيا الأبناء وقيل معناه يموت ~~قوم ويحيا قوم وما نحن بمبعوثين يعني بعد الموت إن هو يعنون رسولهم إلا رجل ~~افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين يعني بمصدقين بالبعث بعد الموت قال ~~رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن يعني ليصيرن نادمين على كفرهم ~~وتكذيبهم فأخذتهم الصيحة بالحق يعني صيحة العذاب وقيل صاح بهم جبريل فتصدعت ~~قلوبهم وقيل أراد بالصيحة الهلاك فجعلناهم غثاء هو ما يحمله السيل من حشيش ~~وعيدان شجر، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض فبعدا ~~يعني ألزمنا بعدا من الرحمة للقوم الظالمين. قوله عز وجل ثم أنشأنا من ~~بعدهم قرونا آخرين يعني أقواما آخرين ما تسبق من أمة أجلها يعني وقت هلاكها ~~وما يستأخرون يعني عن وقت هلاكهم ثم أرسلنا رسلنا تترا يعني مترادفين يتبع ~~بعضهم ms2540 بعضا غير متواصلين لأن بين كل رسولين زمنا طويلا كل ما جاء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا يعني بالهلاك فأهلكنا بعضهم في أثر بعض ~~وجعلناهم أحاديث يعني سمرا وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم فبعدا لقوم ~~لا يؤمنون. قوله تعالى: # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 45 الى 60] # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملائه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~لعلهم يهتدون (49) # وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) وإن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل ~~حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) # والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين يعني بحجة بينة كالعصا ~~واليد وغيرهما إلى فرعون وملائه فاستكبروا يعني تعظموا عن الإيمان وكانوا ~~قوما عالين يعني متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم فقالوا يعني فرعون وقومه ~~أنؤمن لبشرين مثلنا يعنون موسى وهارون وقومهما لنا عابدون يعني مطيعون ~~متذللون فكذبوهما فكانوا من المهلكين يعني بالغرق ولقد آتينا موسى الكتاب ~~يعني التوراة لعلهم يهتدون يعني لكي يهتدي به قومه. قوله عز وجل وجعلنا ابن ~~مريم وأمه آية يعني دلالة على قدرتنا لأنه خلقه من غير ذكر وأنطقه في ~~المهد. فإن قلت لم قال آية ولم يقل آيتين. قلت معناه جعلنا شأنهما آية لأن ~~عيسى ولد من غير ذكر وكذلك مريم ولدته من غير ذكر فاشتركا في هذه الآية ~~فكانت آية واحدة وآويناهما إلى ربوة يعني مكان مرتفع قيل هي دمشق وقيل هي ~~الرملة وقيل أرض فلسطين وقال ابن عباس ms2541 هي بيت المقدس. قال كعب بيت المقدس ~~أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل هي مصر وسبب الإيواء أنها ~~فرت بابنها إليها. وقوله ذات قرار يعني منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها ~~ومعين هو الماء الجاري الذي تراه العيون. قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات قيل أراد بالرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وقيل أراد به عيسى ~~عليه السلام وقيل أراد جميع الرسل وأراد بالطيبات الحلال واعملوا صالحا أي ~~استقيموا على ما يوجبه الشرع إني بما تعملون عليم فيه # PageV03P272 # تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان الرسل مع علو شأنهم كذلك فلأن يكون ~~تحذيرا لغيرهم أولى لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وقال يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى ~~السماء يا رب يا رب ومطمعه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فإنى ~~يستجاب لذلك» أخرجه مسلم. قوله عز وجل وإن هذه أمتكم أي ملتكم وشريعتكم ~~التي أنتم عليها أمة واحدة أي ملة واحدة وهي الإسلام وأنا ربكم فاتقون أي ~~فاحذرون وقيل معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم فأمركم واحد وأنا ~~ربكم فاتقون فتقطعوا أي تفرقوا فصاروا فرقا يهودا ونصارى ومجوسا وغير ذلك ~~من الأديان المختلفة أمرهم أي دينهم بينهم زبرا أي فرقا وقطعا مختلفة وقيل ~~معنى زبرا أي كتبا، والمعنى تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه ~~من الكتب كل حزب بما لديهم فرحون أي مسرورون معجبون بما عندهم من الدين ~~فذرهم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في غمرتهم قال ابن عباس في كفرهم ~~وضلالتهم وقيل في عمايتهم وغفلتهم حتى حين أي إلى أن يموتوا أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين أي ما نعطيهم ونجعله لهم مددا ms2542 من المال والبنين في ~~الدنيا نسارع لهم في الخيرات أي نعجل لهم ذلك في الخيرات ونقدمه ثوابا ~~لأعمالهم لمرضاتنا عنهم بل لا يشعرون أي إن ذلك استدراج لهم ثم ذكر ~~المسارعين في الخيرات فقال تعالى إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون أي ~~خائفون، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه. ~~قال الحسن البصري المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا والذين ~~هم بآيات ربهم يؤمنون يعني يصدقون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ~~ما آتوا أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات. وقيل معناه يعملون ما عملوا ~~من أعمال البر وقلوبهم وجلة أي خائفة أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن ~~أعمالهم لا تقبل منهم أنهم إلى ربهم راجعون أي إنهم يوقنون أنهم إلى الله ~~صائرون. قال الحسن عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد ~~عليهم. عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكن هم الذين ~~يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات» أخرجه ~~الترمذي، وقوله: # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 61 الى 71] # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم ~~أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم ~~يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) # قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به ~~سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~(68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم ~~بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون (71) # أولئك يسارعون في الخيرات أي يبادرون إلى الأعمال الصالحة وهم لها سابقون ~~أي إليها ms2543 وقال ابن عباس سبقت لهم من الله السعادة وقيل سبقوا الأمم إلى ~~الخيرات. قوله عز وجل ولا نكلف نفسا إلا وسعها أي طاقتها من الأعمال، فمن ~~لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع الصوم فليفطر ولدينا # PageV03P273 # كتاب # هو اللوح المحفوظ ينطق بالحق أي يبين الصدق والمعنى قد أثبتنا عمل كل ~~عامل في اللوح المحفوظ فهو ينطق به ويبينه وقيل هو كتاب أعمال العباد التي ~~تكتبها الحفظة وهم لا يظلمون أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم ~~ثم ذكر الكفار فقال تعالى بل قلوبهم في غمرة أي غفلة وجهالة من هذا يعني ~~القرآن ولهم أعمال أي للكفار أعمال خبيثة من المعاصي والخطايا محكومة عليهم ~~من دون ذلك يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله في قوله إن الذين ~~هم من خشية ربهم مشفقون هم يعني الكفار لها أي لتلك الأعمال الخبيثة عاملون ~~أي لا بد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم في الأزل من ~~الشقاوة حتى إذا أخذنا مترفيهم أي رؤساءهم وأغنياءهم بالعذاب قال ابن عباس: ~~هو السيف يوم بدر وقيل هو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف فابتلاهم ~~الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف» إذا هم يجأرون أي يصيحون ويستغيثون ~~ويجزعون لا تجأروا اليوم يعني لا تجزعوا ولا تضجوا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون يعني لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم قد كانت آياتي تتلى عليكم ~~يعني القرآن فكنتم على أعقابكم تنكصون يعني ترجعون القهقرى وتتأخرون عن ~~الإيمان مستكبرين به قال ابن عباس: أي بالبيت الحرام كناية عن غير مذكور أي ~~مستعظمين بالبيت وذلك أنهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله وجيران بيته فلا ~~يظهر علينا أحد ولا نخاف أحدا فيأمنون فيه وسائر الناس في الخوف. وقيل ~~مستكبرين به أي بالقرآن فلم يؤمنوا به والقول الأول أظهر سامرا يعني أنهم ~~يسمرون بالليل حول البيت وكان عامة سمرهم ذكر ms2544 القرآن وتسميته سحرا أو شعرا ~~ونحو ذلك من القول فيه وفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله تهجرون من ~~الإهجار وهو الإفحاش في القول وقيل معنى تهجرون تعرضون عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن الإيمان به وبالقرآن وقيل هو من الهجر وهو القول القبيح أي ~~تهذون وتقولون ما لا تعلمون أفلم يدبروا القول يعني أفلم يتدبروا ما جاءهم ~~من القرآن فيعتبرون بما فيه من الدلالات الواضحة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين يعني فأنكروا يريد إنا قد ~~بعثنا من قبلهم رسلا إلى قومهم فكذلك بعثنا محمدا صلى الله عليه وسلم أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون # قال ابن عباس: أليس قد عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا ~~وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود وهذا على سبيل التوبيخ لهم على ~~الإعراض عنه بعد ما عرفوه بالصدق والأمانة أم يقولون به جنة أي جنون وليس ~~هو كذلك بل جاءهم بالحق بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل ~~وأكثرهم للحق كارهون. قوله عز وجل ولو اتبع الحق أهواءهم قيل الحق هو الله ~~تعالى والمعنى ولو اتبع الله مرادهم فيما يفعل. وقيل: لو سمى لنفسه شريكا ~~وولدا كما يقولون وقيل: الحق هو القرآن أي لو نزل القرآن بما يحبون وما ~~يعتقدون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن أي لفسد العالم بل أتيناهم بذكرهم ~~قال ابن عباس بما فيه شرفهم وفخرهم وهو القرآن فهم عن ذكرهم أي شرفهم ~~معرضون. # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 72 الى 88] # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم ~~بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم ms2545 في ~~الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار ~~أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات ~~السبع ورب العرش العظيم (86) # سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) # PageV03P274 # أم تسألهم أي على ما جئتهم به خرجا أي أجرا وجعلا فخراج ربك خير أي ما ~~يعطيك الله من رزقه وثوابه خير وهو خير الرازقين تقدم تفسيره وإنك لتدعوهم ~~إلى صراط مستقيم أي إلى دين الإسلام وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط ~~أي عن دين الحق لناكبون أي لعادلون عنه ومائلون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم ~~من ضر أي قحط وجدوبة للجوا أي لتمادوا في طغيانهم يعمهون أي لم ينزعوا عنه ~~ولقد أخذناهم بالعذاب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش أن ~~يجعل الله عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط. فجاء أبو سفيان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين فقال بلى فقال: إنهم قد أكلوا القد والعظام وشكا إليه الضر فادع ~~الله أن يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية فما ~~استكانوا لربهم ما خضعوا وما ذلوا لربهم وما يتضرعون أي لم يتضرعوا إلى ~~ربهم بل مضوا على تمردهم حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد قال ابن ~~عباس يعني القتل يوم بدر وقيل هو الموت وقيل هو قيام الساعة إذا هم فيه ~~مبلسون أي آيسون من كل خير. قوله عز وجل وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة أي لتسمعوا بها وتبصروا وتعقلوا قليلا ما تشكرون أي لم تشكروا هذه ~~النعم وهو الذي ذرأكم في الأرض أي خلقكم وإليه تحشرون ms2546 أي تبعثون وهو الذي ~~يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أي تدبير الليل والنهار في الزيادة ~~والنقصان وقيل جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض أفلا ~~تعقلون أي ما ترون من صنعه فتعتبروا بل قالوا مثل ما قال الأولون أي كذبوا ~~كما كذب الأولون، وقيل معناه أنكروا البعث مثل ما أنكر الأولون مع وضوح ~~الأدلة قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أي لمحشورون قالوا ~~ذلك على طريق الإنكار والتعجب لقد وعدنا نحن أي هذا الوعد وآباؤنا هذا من ~~قبل أي وعد آباؤنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة إن هذا إلا ~~أساطير الأولين أي أكاذيب الأولين. قوله تعالى قل أي يا محمد لأهل مكة لمن ~~الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون أي خالقها ومالكها سيقولون لله أي ~~لا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله قل أي قل لهم يا محمد إذا ~~أقروا بذلك أفلا تذكرون أي فتعلموا أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ~~ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون أي عبادة غيره وقيل معناه أفلا تحذرون ~~عقابه قل من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وهو يجير أي يؤمن من يشاء ولا ~~يجار عليه أي لا يؤمن من أخافه الله وقيل يمنع هو من يشاء من السوء ولا ~~يمتنع منه من أراده بسوء إن كنتم تعلمون أي فأجيبوا. # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 89 الى 101] # سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ~~(92) قل رب إما تريني ما يوعدون (93) # رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ~~(95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل ms2547 رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) # PageV03P275 # سيقولون لله قل فأنى تسحرون أي فإنى تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته ~~وكيف يخيل لكم الحق باطلا بل أتيناهم بالحق أي بالصدق وإنهم لكاذبون أي ~~فيما يدعون من الشريك والولد ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله أي من ~~شريك إذا لذهب كل إله بما خلق أي لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه ~~ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ومنع كل إله الآخر عن الاستيلاء على ~~ما خلقه هو ولعلا بعضهم على بعض أي طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا ~~فيما بينهم وإذا كان كذلك فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء ويقدر ~~على كل شيء ثم نزه نفسه تعالى فقال سبحان الله عما يصفون أي من إثبات الولد ~~والشريك عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون أي تعظم من أن يوصف بما لا ~~يليق به. # قوله عز وجل قل رب أي يا رب إما تريني ما يوعدون أي ما وعدتهم من العذاب ~~رب أي يا رب فلا تجعلني في القوم الظالمين أي تهلكني بهلاكهم وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم أي من العذاب لقادرون ادفع بالتي هي أحسن يعني بالخلة التي ~~هي أحسن وهي الصفح والإعراض والصبر السيئة يعني أذاهم أمر بالصبر على أذى ~~المشركين والكف عن المقاتلة ثم نسخها الله بآية السيف نحن أعلم بما يصفون ~~أي يكذبون ويقولون من الشرك. # قوله عز وجل وقل رب أعوذ بك أي أمتنع وأعتصم بك من همزات الشياطين قال ~~ابن عباس نزغاتهم وقيل وساوسهم وقيل نفخهم ونفثهم وقيل دفعهم بالإغواء إلى ~~المعاصي وأعوذ بك رب أن يحضرون أي في شيء من أموري وإنما ذكر الحضور لأن ~~الشيطان إذا ms2548 حضره يوسوس له عن جبير بن مطعم أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي صلاة قال عمر ولا أدري أي صلاة هي قال: «الله أكبر كبيرا والحمد ~~لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من ~~نفخه ونفثه وهمزه. قال نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة». # أخرجه أبو داود وقد جاء تفسير هذه الألفاظ في متن الحديث وتزيده إيضاحا ~~قوله نفثه الشعر أي لأن الشعر تخرج من القلب فيلفظ به اللسان وينفثه كما ~~ينفث الريق. قوله ونفخه الكبر وذلك أن المتكبر ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفسه ~~فيحتاج إلى أن ينفخ. وقوله وهمزه الموتة الموتة الجنون لأنه المجنون ينخسه ~~الشيطان ثم أخبر الله عز وجل أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون ~~الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت ~~قال رب ارجعون قيل المراد به الله وهو على عادة العرب فإنهم يخاطبون الواحد ~~بلفظ الجمع على وجه التعظيم. وقيل هذا خطاب مع الملائكة الذين يقبضون روحه ~~فعلى هذا يكون معناه أنه استغاث بالله أولا ثم رجع إلى مسألة الملائكة ~~الرجوع إلى الدنيا. وقيل ذكر الرب للقسم فكأنه قال عند المعاينة بحق الله ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت أي ضيعت وقيل تركت أي منعت وقيل خلفت من ~~التركة أو المعنى أقول لا إله إلا الله وأعمل بطاعته فيدخل فيه الأعمال ~~البدنية والمالية قال قتادة ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع ~~الدنيا ويقضي الشهوات ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرحم الله امرأ ~~عمل فيما تمناه الكافر إذ رأى العذاب كلا كلمة ردع وزجر أي لا يرجع إليها ~~إنها يعني مسألته الرجعة كلمة هو قائلها أي لا ينالها ومن ورائهم برزخ أي ~~من أمامهم ومن بين أيديهم حاجز إلى يوم يبعثون معناه أن بينهم وبين الرجعة ~~حجابا ومانعا عن الرجوع وهو الموت وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث وإنما ~~هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم ms2549 البعث إلا إلى الآخرة. قوله تعالى ~~فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم قال ابن عباس إنها النفخة الأولى نفخ في ~~الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون # PageV03P276 # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ~~ابن مسعود أنها النفخة الثانية. # قال: «يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين ~~والآخرين ثم ينادي مناد هذا فلان ابن فلان فمن كان له قبله حق فليأت إلى ~~حقه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ ~~منه ثم قرأ ابن مسعود فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وفي رواية عن ابن ~~عباس أنها النفخة الثانية فلا أنساب بينهم يعني لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ ~~كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون ~~في الدنيا من أنت ومن أي قبيلة أنت ولم يرد أن الأنساب تنقطع. فإن قلت قد ~~قال ها هنا ولا يتساءلون وقال في موضع آخر وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. ~~قلت قال ابن عباس إن للقيامة أحوالا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف ~~فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون وفي موطن يفيقون إفاقة ~~فيتساءلون. قوله عز وجل: # ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 102 الى 114] # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ~~(104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون ~~(108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) ~~إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل ~~العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو ms2550 أنكم كنتم تعلمون (114) # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أي غبنوا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح أي تسفح وقيل تحرق وجوههم النار وهم ~~فيها كالحون أي عابسون وقد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشوي على ~~النار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وهم ~~فيها كالحون قال تشويه النار فتنقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي ~~شفته السفلى حتى تضرب سرته». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. قوله ~~تعالى ألم تكن آياتي تتلى عليكم يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها ~~فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا أي التي كتبت علينا فلم ~~نهتد وكنا قوما ضالين # أي عن الهدى ربنا أخرجنا منها أي من النار فإن عدنا أي لما تكره فإنا ~~ظالمون قال اخسؤا فيها أي أبعدوا فيها كما يقال للكلب إذا طرد اخسأ ولا ~~تكلمون أي في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم فعند ذلك أيس المساكين من ~~الفرج. # قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعد ذلك ما هو ~~إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. وروي عن عبد ~~الله بن عمرو «إن أهل جهنم يدعون مالكا خازن جهنم أربعين عاما يا مالك ليقض ~~علينا ربك فلا يجيبهم ثم يقول إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون فيما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير ~~والشهيق». ذكره البغوي بغير سند وأخرجه الترمذي بمعناه عن أبي الدرداء قوله ~~فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة أي سكتوا ولم يتكلموا بكلمة وقيل إذا قال لهم ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت ~~عليهم جهنم إنه كان فريق من عبادي يعني المؤمنين يقولون ربنا # PageV03P277 # آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا أي ms2551 تسخرون ~~منهم وتستهزءون بهم حتى أنسوكم ذكري اشتغالكم بالاستهزاء بهم ذكري وكنتم ~~منهم تضحكون نزل في كفار قريش كانوا يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل بلال وعمار وصهيب وخباب ثم قال الله إني جزيتهم ~~اليوم بما صبروا أي على أذاكم واستتهزائكم في الدنيا أنهم هم الفائزون أي ~~جزيتهم بصبرهم الفوز بالجنة قال يعني أن الله قال للكفار يوم البعث كم ~~لبثتم في الأرض أي في الدنيا وفي القبور عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم معناه أنهم نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب فسئل ~~العادين يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم قال إن ~~لبثتم أي ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا سماه قليلا لأن المرء وإن طال لبثه ~~في الدنيا. فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة لو أنكم كنتم تعلمون ~~يعني قدر لبثكم في الدنيا قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 115 الى 118] # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله ~~الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها آخر ~~لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) وقل رب ~~اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا أي لعبا وباطلا لا لحكمة وقيل العبث معناه ~~لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب وإنما خلقتم ~~للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل وأنكم إلينا لا ترجعون أي في دار الآخرة ~~للجزاء. روى البغوي بسنده عن الحسن: «أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود ~~فرقاه في أذنه أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون حتى ختم ~~السورة فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا رقيت في أذنه فأخبره ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا ~~قرأها على الجبل لزال» ثم نزه الله تعالى عما يصفه به المشركون فقال ms2552 عز وجل ~~فتعالى الله الملك الحق أي هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم أي الحسن وقيل الرفيع المرتفع وإنما خص العرش ~~بالذكر لأنه أعظم المخلوقات ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به يعني ~~لا حجة ولا بينة له به إذ لا يمكن إقامة برهان ولا دليل على إلهية غير الله ~~ولا حجة في دعوى الشرك فإنما حسابه أي جزاؤه عند ربه أي هو مجازيه بعلمه ~~إنه لا يفلح الكافرون يعني لا يسعد من جحد وكذب وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الراحمين. # PageV03P278 ### | سورة النور # وهي مدنية وهي اثنتان وقيل أربع وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النور (24): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) # قوله عز وجل سورة أنزلناها وفرضناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام ~~وألزمناكم العمل بها وقيل معناه قدرنا ما فيها من الحدود وقيل أوجبناها ~~عليكم وعلى من بعدكم، إلى قيام الساعة وأنزلنا فيها آيات بينات أي واضحات ~~لعلكم تذكرون يعني تتعظون. قوله تعالى: # ### || [سورة النور (24): الآيات 2 الى 3] # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الزنا هو من الكبائر ~~وموجب للحد وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا. والشروط المعتبرة ~~في وجوب الحد العقل والبلوغ ويشترط الإحصان في الرجم ويجب على العبد والأمة ~~نصف الحد ولا رجم عليهما لأنه لا يتنصف وقوله فاجلدوا أي فاضربوا يقال جلده ~~إذا ضرب جلده ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم كل واحد منهما أي الزانية والزاني ~~مائة جلدة. وقد وردت السنة بجلد مائة وتغريب عام وبه قال الشافعي وقال أبو ~~حنيفة التغريب إلى رأي الإمام ms2553 وقال مالك يجلد الرجل مائة جلدة ويغرب وتجلد ~~المرأة ولا تغرب وإن كان الزاني محصنا فعليه الرحم ولا تأخذكم بهما رأفة أي ~~رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها. وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد ~~بن جبير والنخعي والشعبي وقيل معنى الرأفة أن تحفظوا الضرب بل أوجعوهما ~~ضربا وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. قال الزهري يجتهد في حد الزنا والفرية ~~أي القذف ويخفف في حد الشرب وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد ~~الفرية دون ذلك في حد الشرب في دين الله أي في حكم الله. وروي أن عبد الله ~~بن عمر جلد جارية له زنت فقال للجلاد اضرب ظهرها ورجليها فقال له ابنه ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال يا بني إن الله لم يأمرني بقتلها وقد ~~ضربت فأوجعت إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر معناه أن المؤمن لا تأخذه ~~الرأفة إذا جاء أمر الله وقيل هو من باب التهييج، والتهاب التغضب لله تعالى ~~ولدينه ومعناه إن كنتم تؤمنون فلا تتركوا إقامة الحدود وليشهد يعني وليحضر ~~عذابهما أي حدهما إذا أقيم عليهما طائفة يعني نفر من المؤمنين قيل أقله رجل ~~واحد فصاعدا وقيل رجلان وقيل ثلاثة وقيل أربعة بعدد شهود الزنا. قوله عز ~~وجل الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين اختلف العلماء في معنى # PageV03P279 # الآية وحكمها فقال قوم قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا ~~عشائر وفي المدينة نساء بغايا هن أخصب أهل المدينة فرغب ناس من فقراء ~~المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك فنزلت هذه الآية فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن ~~مشركات. وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي ورواية عن ابن عباس. ~~وقال عكرمة نزلت في نساء كن بمكة والمدينة لهن رايات يعرفن بها منهن أم ~~مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي. وكان في الجاهلية ms2554 ينكح الزانية ~~يتخذها مأكله فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان رجل ~~يقال له مرثد بن مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم ~~المدينة وكانت بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له في الجاهلية فلما أتى ~~مكة دعته عناق إلى نفسها. فقال مرثد إن الله حرم الزنا قالت فانكحني فقال ~~حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يرد شيئا فنزلت الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك فدعاني فقرأها علي وقال لا تنكحها». # أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود بألفاظ متقاربة المعنى فعلى قول هؤلاء ~~كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس. وقال قوم المراد من النكاح ~~هو الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا ~~تزني إلا بزان أو مشرك. وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك ورواية عن ابن عباس ~~قال يزيد بن هارون إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو ~~زان. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول إذا تزوج الزاني الزانية فهما ~~زانيان وقال سعيد بن المسيب وجماعة إن حكم الآية منسوخ وكان نكاح الزانية ~~حراما بهذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم فدخلت الزانية ~~في هذا العموم واحتج من جوز نكاح الزانية بما روي عن جابر: «أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس ~~فقال طلقها قال إني أحبها وهي جميلة قال استمتع بها» وفي رواية غيره ~~فأمسكها إذا وروى هذا الحديث أبو داود والنسائي عن ابن عباس ms2555 قال النسائي ~~رفعه أحد الرواة إلى ابن عباس ولم يرفعه بعضهم قال وهذا الحديث ليس بثابت. ~~وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنا وحرص على أن يجمع بينهما ~~فأبى الغلام «1» وقيل في معنى الآية إن الفاجر الخبيث لا يرغب في نكاح ~~الصالحة من النساء وإنما يرغب في نكاح فاجرة خبيثة مثله أو مشركة والفاسقة ~~الخبيثة لا ترغب في نكاح الصلحاء من الرجال وإنما ترغب في نكاح فاسق خبيث ~~مثلها أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين أي صرف الرغبة بالكلية إلى نكاح ~~الزواني وترك الرغبة في الصالحات العفائف محرم على المؤمنين ولا يلزم من ~~حرمة هذا حرمة التزوج بالزانية. قوله: ### || [سورة النور (24): الآيات 4 الى 7] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) # والذين يرمون أي يقذفون بالزنا المحصنات يعني المسلمات الحرائر العفائف ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء أي يشهدون على الزنا فاجلدوهم ثمانين جلدة # بيان حكم الآية # أن من قذف محصنا أو محصنة بالزنا فقال له: يا زاني أو يا زانية أو زنيت ~~فيجب عليه جلد ثمانين إن كان القاذف حرا وإن كان عبدا يجلد أربعين وإن ~~PageV03P280 # كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التعزير. وشرائط الإحصان خمسة الإسلام ~~والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا حتى لو زنى في عمره مرة واحدة ثم ~~تاب وحسنت توبته بعد ذلك ثم قذفه قاذف فلا حد عليه فإن أقر المقذوف على ~~نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة يشهدون عليه بالزنا سقط الحد عن القاذف ~~لأن الحد إنما وجب عليه لأجل الفرية. وقد ثبت صدقه وأما الكنايات مثل أن ~~يقول يا فاسق أو يا فاجر أو يا خبيث أو يا مؤاجر أو قال امرأتي ms2556 لا ترديد لا ~~مس فهذا ونحوه لا يكون قذفا إلا أن يريد ذلك. وأما التعريض مثل أن يقول أما ~~أنا فما زنيت أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال ~~مالك يجب فيه الحد وقال أحمد هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا. قوله ~~تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون فيه دليل على أن القذف ~~من الكبائر لأن اسم الفاسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف ~~بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس ~~القذف وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته بعد التوبة قبلت شهادته سواء ~~تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله لقول تعالى إلا الذين تابوا وقالوا هذا ~~الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة وإلى الفسق وإذا تاب تقبل شهادته ويزول عنه ~~اسم الفسق. يروى ذلك عن عمر وابن عباس وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء ~~وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز ~~والزهري وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا ~~تقبل أبدا وإن تاب وقالوا الاستثناء يرجع إلى قوله «وأولئك هم الفاسقون» ~~وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي قالوا بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم ~~يحد قال الشافعي هو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات فكيف ~~تردونها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه. وذهب الشافعي إلى أن حد ~~القذف يسقط بالتوبة. وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل وعامة العلماء على أنه ~~لا يسقط الحد بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو ~~ولا يسقط بالتوبة. فإن قلت إذا قبلت شهادته بعد التوبة فما معنى قوله أبدا. ~~قلت معنى أبدا ما دام مصرا على القذف لأنه أبد كل إنسان مدته على ما يليق ~~به كما يقال شهادة ms2557 الكافر لا تقبل أبدا يراد بذلك ما دام على كفره فإذا ~~أسلم قبلت شهادته. قوله عز وجل والذين يرمون أي يقذفون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء أي يشهدون على صحة ما قالوا إلا أنفسهم أي غير أنفسهم فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين سبب نزول هذه الآية ما روي عن سهل بن ~~الساعدي أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال لعاصم: أرأيت لو أن ~~رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال ~~يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر لم ~~تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألت عنها ~~فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فجاء عويمر ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت ~~عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال مالك قال # ابن شهاب فكانت تلك سنة المتلاعنين». أخرجاه في الصحيحين زاد في رواية ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا إن جاءت به أسحم أدعج العينين ~~عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرا إلا وقد صدق عليها. وإن جاءت ~~به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها فجاءت به ms2558 على النعت ~~الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى ~~أمه قوله أسحم أي أسود الأدعج الشديد سواد العين مع سعتها وقوله خدلج ~~الساقين أي ممتلئ الساقين غليظهما وقوله، كأنه وحرة بفتح الحاء دويبة ~~كالعظاءة # PageV03P281 # تلصق بالأرض وأراد بها في الحديث المبالغة في قصره (خ) عن ابن عباس «أن ~~هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى ~~أحد على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: البينة والحد في ظهرك فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق إني لصادق ~~ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه ~~والذين يرمون أزواجهم فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين فانصرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأرسل إليهما. فجاء فقام هلال بن أمية فشهدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول الله يعلم إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت ~~فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفها وقال: إنها موجبة قال ابن عباس: فتلكأت ~~ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج ~~الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن». وفي رواية غير البخاري عن ابن ~~عباس قال «لما نزلت والذين يرمون المحصنات» الآية قال سعد بن عبادة لو أتيت ~~لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء فو الله ما ~~كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ حاجته ويذهب وإن قلت ما رأيت إن في ظهري ~~لثمانين جلدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا ~~تسمعون ما يقول سيدكم ms2559 قالوا لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط إلا ~~بكرا ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. فقال سعد يا رسول الله ~~بأبي أنت وأمي والله إني لا أعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك ~~لما أخبر الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن الله يأبى إلا ذلك فقال ~~صدق الله ورسوله قال فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال ~~بن أمية من حديقة له فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح فلما ~~أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا ~~رسول الله إني جئت إلى أهلي عشاء فوجدت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت ~~بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال يا رسول ~~الله إني جئت إلى أهلي عشاء فوجدت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذني ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى عرف ذلك في ~~وجهه فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به ~~والله يعلم إني لصادق. وما قلت إلا حقا وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا ~~فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ~~ابتلينا بما قال سعد بجلد هلال وتبطل شهادته فبينما هم كذلك ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن ~~كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ فأنزل الله والذين يرمون أزوجهم ~~إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا هلال فإن الله ~~تعالى قد جعل لك فرجا. فقال: كنت أرجو ذلك من الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أرسلوا إليها فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله صلى # الله عليه وسلم قيل فكذبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms2560 إن الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب فقال يا رسول الله قد صدقت وما قلت إلا ~~حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما فقيل لهلال فشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله فإن ~~عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه ~~الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال والله لا يعذبني الله ~~عليها كما لم يحدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد والخامسة أن ~~لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قال للمرأة اشهدي فشهدت أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الكاذبين فقال لها عند الخامسة ووقفها اتقى الله إن الخامسة ~~موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم ~~قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. وقضى أن الولد لها ولا ~~يدعى لأب ولا يرمى ولدها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به ~~كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه فجاءت به غلاما ~~كأنه جمل أورق على الشبه المكروه، وكان أميرا بمصر لا يدرى من أبوه» الأورق ~~هو الأبيض وروى ابن عباس «أن عويمرا لما لاعن زوجته خولة أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى نودي # PageV03P282 # الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إن ~~خولة لزانية وإني لمن الصادقين ثم قال في الثانية أشهد بالله إني رأيت ~~شريكا على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها ~~لحبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما ~~قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين ثم قال في الخامسة لعنة الله على ~~عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال ثم أمره ms2561 بالقعود فقعد. ثم قال ~~لخولة قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا لمن الكاذبين ~~ثم قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن ~~الكاذبين. ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين ~~ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن ~~الكاذبين ثم قالت في الخامسة: عضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من ~~الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال لولا هذه الأيمان ~~لكان لي في أمرهما رأي ثم قال: تحينوا الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج ~~يضرب إلى السواد فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج ~~الساقين فهو لغير الذي رميت به» قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق بشريك. # بيان حكم الآية # إن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبية وجوب الحد عليه إن ~~كانت محصنة أو التعزير إن كانت غير محصنة غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا ~~قذف أجنبيا أو أجنبية يقام عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنا أو ~~يقر المقذوف بالزنا فيسقط عنه الحد. وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن ~~سقط عنه الحد فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة لأنه الرجل إذا رأى مع ~~امرأته رجلا بما لا يمكنه إقامة البينة ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل ~~الله اللعان حجة له على صدقه فقال تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الصادقين وإذا أقام الزوج بينة على زناها أو اعترفت هي بالزنا سقط ~~عنه الحد واللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه وإذا ~~أراد الإمام أن يلاعن بينهما بدأ بالرجل فيقيمه ويلقنه كلمات اللعان فيقول: ~~قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا وإن كان ~~قد رماها برجل بعينه سماه في اللعان ويقول كما يلقنه الإمام. وإن كان ولد ~~أو حمل يريد نفيه يقول وإن ms2562 هذا الولد أو هذا الحمل لمن الزنا ما هو مني. # ويقول في الخامسة علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة ~~وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين الإمام لا تحسب فإذا فرغ ~~الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين الزوجة وحرمت عليه على التأبيد ~~وانتفى عنه النسب وسقط عنه الحد ووجب على المرأة حد الزنا، فهذه خمسة أحكام ~~تتعلق بلعان الزوج. قوله عز وجل: # ### || [سورة النور (24): الآيات 8 الى 9] # ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) # ويدرؤا أي يدفع عنها العذاب أي الحد أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين حكم الآية أن ~~الزوج إذا لاعن وجب على المرأة حد الزنا فإن أرادت إسقاطه عن نفسها فإنها ~~تلاعن فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ~~فيما رماني به وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما ~~رماني به ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد وهو إسقاط الحد عنها. ولو ~~أقام الزوج بينة لم يسقط الحد عنها باللعان. وعند أصحاب الرأي لا حد على من ~~قذف زوجته بل موجبه اللعان فإن لم يلاعن حبس حتى يلاعن فإذا لاعن الزوج ~~وامتنعت المرأة من اللعان حبست حتى تلاعن. وعند الآخرين اللعان حجة صدقه ~~والقاذف إذا قعد عن إقامة البينة على صدقه لا يحبس بل # PageV03P283 # يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. وعن أبي حنيفة موجب اللعان ~~وقوع الفرقة ونفي النسب وهما لا يحصلان إلا بلعان الزوجين جميعا وقضاء ~~القاضي وفرقة اللعان فرقة فسخ عند الأكثرين وبه قال الشافعي وتلك الفرقة ~~متأبدة حتى لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه لا فيما له فيلزمه الحد ~~ويلحقه الولد لكن لا يرتفع تأبيد التحريم. وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة ~~طلاق فإذا أكذب نفسه جاز ms2563 له أن ينكحها وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق ~~به الحكم وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل وكل من ~~صح يمينه صح لعانه حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا. وهو قول سعيد بن ~~المسيب وسليمان بن يسار والحسن وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأكثر ~~أهل العلم. وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي لا يجري اللعان إلا بين ~~مسلمين حرين غير محدودين فإن كان أحد الزوجين رقيقا أو ذميا أو محدودا في ~~قذف فلا لعان بينهما وظاهر القرآن حجة لمن قال: يجري اللعان بينهما لأن ~~الله تعالى قال والذين يرمون أزواجهم ولم يفصل بين الحر والعبد والمحدود ~~وغيره ولا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو نائبه ويغلظ اللعان بأربعة أشياء ~~بتعدد الألفاظ وبالمكان والزمان وأن يكون بمحضر جماعة من الناس، أما تعدد ~~الألفاظ فيجب ولا يجوز الإخلال بشيء منها، وأما المكان فهو أن يلاعن في ~~أشرف الأماكن فإن كان بمكة فبين الركن والمقام وإن كان بالمدينة فعند منبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي سائر البلاد في الجامع عند المنبر، وأما ~~الزمان فهو أن يكون بعد العصر، وأما الجمع فأقله أربعة والتغليظ بالجمع ~~مستحب فلو لاعن الحاكم بينهما وحده جاز وفي التغليظ بالزمان والمكان قولان. ~~قوله تعالى: ### || [سورة النور (24): الآيات 10 الى 11] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) إن الذين جاؤ ~~بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب ~~من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) # ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي لعاجلكم بالعقوبة ولكنه ستر عليكم ودفع ~~عنكم الحد باللعان وأن الله تواب أي يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة ~~حكيم أي فيما فرضه من الحدود. قوله عز وجل إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم ~~الآيات سبب نزولها ما روي عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن ~~المسيب وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عبد ms2564 الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. وكلهم حدثني ~~طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت ~~عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا قالوا: # قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيها خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالت عائشة: أقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل ~~فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا ~~من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت ~~الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ~~ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: # وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي ~~كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن ~~اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ~~وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر ~~الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت ~~أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي. # فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ~~ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان ~~نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت ~~باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه # PageV03P284 # كلمة غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها فانطلق ~~يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش ms2565 بعد ما نزلوا معرسين». # وفي رواية «موغرين في نحر الظهيرة قالت فهلك من هلك في شأني وكان الذي ~~تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا ~~المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو ~~يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى ~~منه حين أشتكي إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم ثم ينصرف فذلك الذي ~~يريبني منه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو ~~متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من ~~بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند ~~بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ~~بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن ~~المطلب حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح ~~فقلت لها بئس ما قلت: أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه أو لم ~~تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي ~~فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف ~~تيكم قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من ~~قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت أبوي قالت فقلت لأمي يا ~~أمتاه ماذا يتحدث الناس به فقالت: يا بنية هوني على نفسك فو الله لقلما ~~كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: فقلت ~~سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ ~~لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد ms2566 حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق ~~أهله قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم براءة أهله وبالذي يعلم لهم في ~~نفسه من الود فقال أسامة هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرا ~~وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها ~~كثير وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ~~فقال: # أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت له بريرة: لا والذي بعثك ~~بالحق إن رأيت منها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن ~~تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو على المنبر: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ~~وفي رواية في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ~~ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي قالت: فقام سعد بن ~~معاذ أحد بني عبد الأشهل فقال: أنا أعذرتك منه يا رسول الله إن كان من ~~الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج. أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ~~فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وكان رجلا ~~صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا ~~تقدر على ذلك فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد يعني ابن معاذ فقال لسعد بن ~~عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور ~~الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ~~وسكت قالت: # وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ~~يرقأ ms2567 لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما حتى ~~أظن أن البكاء فالق كبدي قالت فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت ~~علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل ~~قبلها وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت فتشهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ~~فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ~~فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى # PageV03P285 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت ~~لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قال والله ما أدري ما ~~أقول لرسول الله فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~قال قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنا ~~جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ~~ما تحدث به الناس حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة ~~والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم ~~إني منه بريئة لتصدقني فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال ~~«فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا ~~والله حينئذ أعلم أني بريئة وإن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن ~~أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم والله ~~في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ~~رؤيا يبرئني الله بها قالت: فو الله ما ms2568 رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في ~~اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه قال فسري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله ~~وفي رواية قال أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي: قومي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا ~~الله هو الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله عز وجل إن الذين جاؤ بالإفك ~~عصبة منكم العشر الآيات فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في براءتي قالت فقال ~~أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه ~~شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله ولا يأتل أولوا الفضل منكم ~~والسعة- إلى قوله- غفور رحيم فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله ~~لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا قالت ~~عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا ~~زينب ما علمت أو ما رأيت؟ # فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرا قالت ~~عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها ~~الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. # قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط زاد في رواية قالت ~~عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فو الذي نفسي ~~بيده ما كشفت من كنف أنثى قط قالت: ثم قتل بعد في سبيل الله شهيدا». # هذا حديث متفق على صحته أخرجاه في الصحيحين زاد البخاري في ms2569 رواية عن ~~عروة: عن عائشة «والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وقال عروة ~~أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقرره ويشيعه ويستوشيه قال عروة لم يسم ~~لي من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس ~~آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى. قال عروة كانت ~~عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: # فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # أخرجاه من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان ينشدها شعرا ببيت ~~من أبياته فقال: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت عائشة: لكنك لست كذلك قال مسروق فقلت لها: تأذنين له أن يدخل عليك ~~وقد قال الله والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم قالت وأي عذاب أشد من ~~العمى. وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # حل غريب ألفاظ هذا الحديث # قوله: وكلهم حدثني طائفة أي قطعة من حديثها، قوله كان أوعى أي أحفظ له، ~~قولها آذن أي أعلم # PageV03P286 # بالرحيل، قولها فإذا عقد لي من جزع أظفار وهو نوع من الخرز وهو الحجر ~~اليماني المعروف، قولها لم يهبلن أي يكثر لحمهن فيثقلن، قولها إنما يأكلن ~~العلقة من الطعام هو بضم العين أي البلغة من الطعام وهو قدر ما يمسك الرمق، ~~قولها وليس بها منهم داع ولا مجيب أي ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد ~~جوابا، قولها فتيممت أي قصدت قولها قد عرس من وراء الجيش فأدلج، التعريس ~~نزول المسافر في آخر الليل للراحة والإدلاج بالتشديد سير آخر الليل ~~وبالتخفيف سير الليل كله، قولها باسترجاعه هو قوله «إنا لله وإنا إليه ~~راجعون» قولها فخمرت أي غطيت وجهي بجلبابي أي إزاري، قولها موغرين في نحر ~~الظهيرة الوغرة شدة الحر وكذا نحر الظهيرة أي أولها، قولها والناس يفيضون ~~أي يخوضون ويتحدثون، قولها وهو يريبني يقال رابني الشيء ms2570 يريبني أي شككت ~~فيه، قولها ولا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف أي الرفق بها واللطف ~~في الأفعال الرفق وفي الأقوال لين الكلام، قولها حتى نقهت أي أفقت من المرض ~~والمناصع المواضع الخالية تقضي فيها الحاجة من غائط وبول وأصله المكان ~~الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أو خز، قولها تعس مسطح أي عثر وهو من ~~الدعاء على الإنسان أي سقط لوجهه، قولها يا هنتاه أي بلهاء كأنها تنسبها ~~إلى البله وقلة المعرفة، قولها لا يرقأ لي دمع أي لا ينقطع وقول بريرة إن ~~رأيت بمعنى النفي أي ما رأيت منها أمرا أغمصه بالصاد المهملة أي أعيب ~~والداجن الشاة التي تألف البيت وتقيم به: قوله صلى الله عليه وسلم: من ~~يعذرني أي من يقوم بعذري إن أنا كافأته على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت ~~فلا تلوموني على ذلك قولها وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه أي من قبيلته ~~قولها ولكن احتملته الحمية أي حمله الغضب والأنفة والتعصب على الجهل ~~للقرابة، قولها فتثاور الحيان أي ثاروا ونهضوا للقتال والمخاصمة، قولها فلم ~~يزل يخفضهم أي يهون عليهم ويسكن، قوله صلى الله عليه وسلم إن كنت ألممت قيل ~~هو من اللمم وهو صغائر الذنوب وقيل معناه مقارفة الذنب من غير فعل، قولها ~~قلص دمعي أي انقطع جريانه، قولها ما رام أي ما برح من مكانه والبرحاء الشدة ~~والكرب والجمانة وجمعها جمان فسري عنه أي كشف عنه وقول زينب أحمي سمعي ~~وبصري أي أمنعهما أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر، قولها وهي التي كانت ~~تساميني من السمو وهو العلو والغلبة فعصها الله أي منعها من الوقوع في الشر ~~بالورع وقول الرجل ما كشفت من كنف أي من ستر أنثى قوله ويستوشيه أي يستخرجه ~~بالبحث عنه والاستقصاء فيه وقول حسان في عائشة حصان بفتح الحاء يقال امرأة ~~حصان أي متعففة رزان أي ثابتة ما تزن أي ترمي ولا تتهم بريبة أي بأمر يريب ~~الناس حيية وتصبح غرثى أي جائعة والغرث ms2571 الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة، ~~والمعنى أنها لا تغتاب أحدا مما هو غافل عن مثل هذا الفعل وقول عائشة في ~~حسان إنه كان ينافح أي يناضل ويخاصم عن الله ورسوله: وأما التفسير فقوله عز ~~وجل إن الذين جاؤ بالإفك أي بالكذب والإفك أسوأ الكذب لكونه مصروفا عن الحق ~~وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف ~~والعقل والعلم والديانة فمن رماها بالسوء فقد قلب الحق بالباطل وجاء ~~بالإفك، عصبة أي جماعة منكم أي عبد الله بن أبي ابن سلول ومسطح بن أثاثة ~~وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش زوجة طلحة ابن عبيد الله. فإن قلت عبد الله بن ~~أبي ابن سلول كان رأس المنافقين فكيف قال منكم. قلت كان ينسب إلى الإيمان ~~في الظاهر وقيل قوله منكم خرج مخرج الأغلب فإن حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة ~~وحمنة كانوا من المؤمنين المخلصين لا تحسبوه شرا لكم يعني الإفك الخطاب ~~لعائشة وصفوان وقيل لعائشة ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان بل ~~هو خير لكم يعني أن الله آجركم على ذلك وأظهر براءتكم وشهد بكذب العصبة # وأوجب لهم الذم وهذا غاية الشرف والفضل لكم لكل امرئ منهم أي من العصبة ~~الكاذبة ما اكتسب من الإثم أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه ~~والذي تولى كبره يعني تحمل معظمه وبدأ بالخوض فيه وأقام بإشاعته وهو عبد ~~الله بن أبي ابن سلول منهم من العصبة له عذاب عظيم يعني عذاب النار في ~~الآخرة روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا ~~جميعا ثمانين ثمانين». قوله عز وجل: # PageV03P287 # ### || [سورة النور (24): الآيات 12 الى 21] # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ~~(12) لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ms2572 ليس لكم ~~به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) # لولا إذ سمعتموه يعني الحديث الكذب وهو قول أهل الإفك ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم بإخوانهم وأهل دينهم خيرا والمعنى كان الواجب على ~~المؤمنين إذ سمعوا قول أهل الإفك أن يكذبوه ويحسنوا الظن ولا يسرعوا في ~~التهمة وقول الزور فيمن عرفوا عفته وطهارته وفيه معاتبة للمؤمنين وقالوا ~~هذا إفك مبين يعني كذب بين لا حقيقة له لولا يعني هلا جاؤ عليه يعني على ما ~~زعموا بأربعة شهداء يعني يشهدون بذلك فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله يعني في حكم الله هم الكاذبون وهذا من باب الزواجر. فإن قلت كيف ~~يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب ~~سواء أتى بالشهداء أو لم يأت. قلت قيل هذا في حق الذين رموا عائشة خاصة ~~ومعناه فأولئك هم الكاذبون في غيبي. # وعلمي وقيل معناه فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره ~~عن الكذب والقاذف إذا لم يأت بالشهود يجب زجره. قوله تعالى لولا فضل الله ~~عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم معناه لولا ~~أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال ~~للتوبة وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما ~~خضتم به من حديث الإفك والخطاب للقذفة ms2573 وهذا الفضل هو تأخير العذاب وقبول ~~التوبة ممن تاب إذ تلقونه بألسنتكم # أي يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا ~~وكذا فيتلقونه تلقيا يلقيه بعضهم إلى بعض وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به ~~علم أي من غير أن تعلموا أنه حق وتحسبونه هينا أي وتظنون أنه سهل لا إثم ~~فيه وهو عند الله عظيم أي في الوزر ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن ~~نتكلم بهذا سبحانك قيل هو للتعجب وقيل هو للتنزيه هذا بهتان عظيم أي كذب ~~عظيم يبهت ويحير من عظمه. روي أن أم أيوب الأنصاري قالت لأبي أيوب ~~الأنصاري: ما بلغك ما يقول الناس في عائشة فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم ~~فنزلت الآية على وفق قوله يعظكم الله قال ابن عباس يحرم الله عليكم وقيل ~~ينهاكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات أي ~~في الأمر والنهي والله عليم أي بأمر عائشة وصفوان حكيم أي حكم ببراءتهما. ~~قوله عز وجل إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي يظهر الزنا ويذيع في الذين ~~آمنوا قيل الآية مخصوصة بمن قذف عائشة والمراد بالذين آمنوا جميع المؤمنين ~~لهم عذاب أليم في الدنيا يعني الحد والذم على فعله والآخرة أي وفي الآخرة ~~لهم النار والله يعلم أي كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله ~~وأنتم # PageV03P288 # لا تعلمون # وقيل معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه على ذلك وأنتم ~~لا تعلمون ذلك ولولا فضل الله عليكم ورحمته يعني لولا إنعامه عليكم لعاجلكم ~~بالعقوبة قال ابن عباس يريد مسطحا وحسان بن ثابت وحمنة وأن الله رؤف رحيم. ~~قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان يعني آثاره ومسالكه ومن ~~يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر يعني بالقبائح من الأقوال ~~والأفعال وكل ما يكره الله عز وجل والآية عامة في حق كل أحد لأن كل مكلف ~~ممنوع من ذلك ولولا فضل الله عليكم ms2574 ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا يعني ما ~~طهر ولا صلح والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا أخبر الله تعالى أنه ~~لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد وقيل الخطاب للذين خاضوا في ~~الإفك ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل. وهذا قول ابن ~~عباس قال معناه ما قبل توبة أحد منكم أبدا ولكن الله يزكي يعني يطهر من ~~يشاء من الذنب بالرحمة والمغفرة والله سميع يعني لأقوالكم عليم يعني بما في ~~قلوبكم قوله: # ### || [سورة النور (24): الآيات 22 الى 26] # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين (25) الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # ولا يأتل يعني ولا يحلف من الألية وهي القسم أولوا الفضل منكم والسعة ~~يعني الغنى يعني أبا بكر الصديق أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين ~~في سبيل الله يعني مسطحا وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر الصديق ~~حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه فأنزل الله هذه الآية وليعفوا وليصفحوا يعني ~~عن خوض مسطح في أمر عائشة ألا تحبون يخاطب أبا بكر أن يغفر الله لكم والله ~~غفور رحيم فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال بل أنا ~~أحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه وقال والله ~~لا أنزعها عنه أبدا. وفي الآية أدلة على فضل أبي بكر الصديق لأن الفضل ~~المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح وذكره بلفظ الجمع في قوله أولوا ~~الفضل وقوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم وهذا ms2575 يدل على علو شأنه ومرتبته ~~منها أنه احتمل الأذى من ذوي القربى ورجع عليه بما كان ينفقه عليه وهذا من ~~أشد الجهاد لأنه جهاد النفس. ومنها أنه تعالى قال في حق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «فاعف عنهم واصفح» وقال في حق أبي بكر: «وليعفوا وليصفحوا» فدل ~~أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأخلاق. ~~وفي الآية دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير ويكفر عن يمينه ومنه الحديث الصحيح «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». قوله تعالى: # إن الذين يرمون المحصنات يعني العفائف الغافلات يعني عن الفواحش ~~والغافلة، عن الفاحشة هي التي لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكذلك كانت ~~عائشة رضي الله عنها المؤمنات وصفها بالمؤمنات لعلو شأنها لعنوا يعني عذبوا ~~في الدنيا بالحد والآخرة يعني وفي الآخرة بالنار ولهم عذاب عظيم وهذا في حق ~~عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، وروي عن حصيف قال قلت لسعيد بن جبير من ~~قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة قال ذاك لعائشة وأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات ليس في ذلك توبة ومن قذف امرأة ~~مؤمنة # PageV03P289 # فقد جعل الله له توبة ثم قرأ «والذين يرمون المحصنات» إلى قوله تابوا ~~فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة وقيل بل لهم توبة أيضا للآية يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم هذا قبل أن يختم على أفواههم وأيديهم وأرجلهم يروي أنه ~~يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا وهو قوله بما ~~كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق يعني جزاءهم الواجب وقيل حسابهم ~~العدل ويعلمون أن الله هو الحق المبين يعني الموجود الظاهر الذي بقدرته ~~وجود كل شيء وقيل معناه يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا وقال ابن ~~عباس وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان يشك في ms2576 الدين فيعلم يوم القيامة ~~أن الله هو الحق المبين. قوله عز وجل الخبيثات للخبيثين قال أكثر المفسرين ~~معنى الخبيثات الكلمات والقول للخبيثين من الناس ومثله والخبيثون أي من ~~الناس للخبيثات من القول والطيبات أي من القول ومعنى الآية أن الخبيث من ~~القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس. والطيب من القول لا يليق إلا بالطيب ~~من الناس وعائشة لا يليق بها. الخبيث من القول لأنها طيبة فيضاف إليها طيب ~~القول من الثناء والمدح وما يليق بها وقيل معناه لا يتكلم بالخبيث إلا ~~الخبيث من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة ولا يتكلم بالطيب من ~~القول إلا الطيب من الرجال والنساء. وهذا مدح للذين يرونها بالطاهر والمدح ~~لها وقيل معنى الآية الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبد الله بن أبي المنافق والشاكين في ~~الدين والطيبات من النساء للطيبين والطيبون للطيبات يريد عائشة طيبها الله ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم أولئك مبرؤن يعني عائشة وصفوان ذكرهما الله بلفظ ~~الجمع منزهون مما يقولون يعني أصحاب الإفك لهم مغفرة أي عفو لذنوبهم ورزق ~~كريم يعني الجنة روي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة ~~غيرها منها أن جبريل عليه السلام أتى بصورتها في سفرة حرير وقال هذه: ~~زوجتك. # وروي أنه أتى بصورتها في راحته. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يتزوج بكرا غيرها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرها وفي يومها ~~ودفن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهي معه في اللحاف ونزلت براءتها من ~~السماء وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقت طيبة ~~ووعدت مغفرة ورزقا كريما. وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول حدثتني الصديقة ~~بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء. قوله ~~تعالى: ### || [سورة النور (24): الآيات 27 الى 30] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم ms2577 تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا أي ~~تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا ويقول تستأنسوا خطأ من الكاتب ~~وفي هذه الرواية نظر لأن القرآن ثبت بالتواتر والاستئناس في اللغة ~~الاستئذان. وقيل الاستئناس طلب الإنس وهو أن ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنه ~~إني داخل وقيل هو من آنست أي أبصرت وقيل هو أن يتكلم بتسبيحة أو يتنحنح حتى ~~يعرف أهل البيت وتسلموا على أهلها بيان حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير ~~إلا بعد الاستئذان والسلام. واختلفوا في أيهما يقدم فقيل يقدم الاستئذان ~~فيقول أدخل سلام عليكم كما في الآية من تقديم الاستئذان قبل السلام. وقال ~~الأكثرون يقدم السلام فيقول سلام عليكم أأدخل # PageV03P290 # وتقدير الآية حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وكذا هو في مصحف ابن مسعود ~~وروي عن كند بن حنبل قال: # «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ولم أسلم ولم أستأذن فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ارجع فقل السلام عليكم أأدخل» أخرجه أبو داود والترمذي وعن ~~ربعي بن حراش قال «جاء رجل من بني عامر فاستأذن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في البيت فقال ألج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه ~~اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل فسمع الرجل ذلك ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم أأدخل فأذن له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم». أخرجه أبو داود (ق) عن أبي سعيد وأبي ابن كعب عن ~~أبي موسى قال أبو سعيد: «كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى ~~كأنه ms2578 مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت قال ما منعك قلت ~~استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع قال والله لتقيمن عليه بينة أمنكم ~~أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي بن كعب فو الله لا يقوم معك ~~إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك. # قال الحسن الأول إعلام والثاني مؤامرة والثالث استئذان بالرجوع عن عبد ~~الله بن بسر قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم ~~يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام ~~عليكم السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور أخرجه أبو داود ~~وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي أحدكم فجاء ~~مع الرسول فإن ذلك له إذن» أخرجه أبو داود وقيل إذا وقع بصره على إنسان قدم ~~السلام وإلا قدم الاستئذان ثم يسلم. وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة يستأذن ~~على ذوات المحارم يدل عليه ما روي «عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أمي؟ قال نعم فقال الرجل إني معها في ~~البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. استأذن عليها فقال الرجل إني ~~خادمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عليها أتحب أن تراها ~~عريانة قال لا قال فاستأذن عليها» أخرجه مالك في الموطأ مرسلا وقوله تعالى ~~ذلكم خير لكم أي فعل الاستئذان خير لكم وأولى بكم من التهجم بغير إذن لعلكم ~~تذكرون أي هذه الآداب فتعملوا بها. قوله عز وجل فإن لم تجدوا فيها أي ~~البيوت أحدا أي يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم أي في الدخول ~~وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا يعني إذا كان في البيت قوم وكرهوا ms2579 دخول الداخل ~~عليهم فقالوا ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازما هو أزكى لكم أي الرجوع ~~هو أطهر وأصلح لكم فإن للناس أحوالا وحاجات يكرهون الدخول عليهم في تلك ~~الأحوال وإذا حضر إلى الباب فلم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز. كان ابن ~~عباس يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج ~~إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول ~~هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف على الباب فلا ينظر من شقه إذا كان ~~الباب مردودا (ق) «عن سهل بن سعد قال «اطلع رجل من جحر في باب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل وفي رواية يحك ~~به رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظر لطعنت به في ~~عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر» (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» وفي ~~رواية النسائي قال «لو أن أمرأ أطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما ~~كان عليك حرج» وقال مرة أخرى جناح والله بما تعملون عليم يعني من الدخول ~~بالإذن ولما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة ~~والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى ليس عليكم جناح يعني ~~إثم أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة يعني بغير استئذان فيها متاع لكم يعني ~~منفعة لكم قيل إن هذه البيوت هي الخانات والمنازل المبنية للسابلة ليأووا ~~إليها ويؤووا أمتعتهم فيها فيجوز دخولها بغير استئذان ولمنفعة النزول بها ~~واتقاء الحر والبرد وإيواء الأمتعة بها. # PageV03P291 # وقيل بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو منفعتها ~~فليس فيها استئذان. وقيل هي جميع البيوت التي لا ساكن فيها لأن الاستئذان ~~إنما جعل لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان ms2580 ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~يعني عما لا يحل النظر إليه قيل معناه يغضوا أبصارهم. وقيل من هنا للتبعيض ~~لأنه لا يجب الغض عما يحل إليه النظر وإنما أمروا أن يغضوا عما لا يحل ~~النظر إليه (م) عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة ~~الفجأة قال: «اصرف بصرك» عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية» ~~أخرجه أبو داود والترمذي (م) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ~~ولا يفضي # الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» ~~وقوله تعالى ويحفظوا فروجهم يعني عما لا يحل. قال أبو العالية كل ما في ~~القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا في هذا الموضع فإن أراد به الاستتار ~~حتى لا يقع بصر الغير عليه. فإن قلت كيف أدخل من على غض البصر دون حفظ ~~الفرج. قلت فيه دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس ~~بالنظر إلى شعورهن وثديهن وأعضادهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات في ~~البيع والأجنبية يجوز النظر إلى وجهها وكفيها للحاجة إلى ذلك وأما أمر ~~الفروج فمضيق وكفاك أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما ~~استثنى منه. فإن قلت كيف قدم غض البصر على حفظ الفرج. قلت لأن النظر بريد ~~الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد ولا يكاد أحد يقدر على الاحتراس منه ~~ذلك أزكى لهم يعني غض البصر وحفظ الفرج إن الله خبير بما يصنعون يعني أنه ~~خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم وكيف يصنعون بسائر حواسهم ~~وجوارحهم قوله عز وجل: # ### || [سورة النور (24): آية 31] # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن ms2581 بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون (31) # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن يعني عما لا يحل لهن. روي ~~عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت ~~الحارث إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتجبا منه فقلنا: يا رسول الله أعمى لا ~~يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ~~ألستما تبصرانه» أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله تعالى ولا يبدين يعني لا ~~يظهرن زينتهن يعني لغير المحرم وأراد بالزينة الخفية مثل الخلخال والخضاب ~~في الرجل والسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلائد في العنق فلا يجوز ~~للمرأة إظهارها ولا يجوز للأجنبي النظر إليها والمراد من الزينة النظر إلى ~~مواضعها من البدن إلا ما ظهر منها يعني من الزينة قال سعيد بن جبير والضحاك ~~والأوزاعي الوجه والكفان. وقال ابن مسعود هي الثياب. وقال ابن عباس هي ~~الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل ~~الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من الضرورات إذا لم يخف ~~فتنة وشهوة فإن خاف شيئا من ذلك غض البصر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن ~~تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة ~~وليضربن بخمرهن يعني ليلقين بمقانعهن على جيوبهن يعني موضع الجيب # PageV03P292 # وهو النحر والصدر يعني ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وأقراطهن وصدورهن (خ) ~~عن عائشة قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله «وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها» ms2582 المرط كساء من صوف أو خز أو ~~كتان وقيل هو الإزار وقيل هو الدرع ولا يبدين زينتهن يعني الخفية التي لم ~~يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين إلا ~~لبعولتهن قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن أو آبائهن أو ~~آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو ~~بني أخواتهن فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنية ولا ينظرون إلى ما ~~بين السرة والركبة. ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته غير أنه يكره ~~له النظر إلى فرجها أو نسائهن يعني المؤمنات من أهل دينهن أراد به أن يجوز ~~للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ما بين السرة والركبة ولا يجوز للمرأة ~~المؤمنة أن تتجرد من ثيابها عند الذمية أو الكافرة لأن الله تعالى قال أو ~~نسائهن والذمية أو الكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين فكانت ~~أبعد من الرجل الأجنبي كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع ~~نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات. # وقيل يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء أو ما ~~ملكت أيمانهن قيل هو عبد المرأة فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا وأن ~~ينظر إلى مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم. وهو ظاهر القرآن يروى ~~ذلك عن عائشة وأم سلمة: وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم «أتى إلى ~~فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ~~وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» وقيل: هو كالأجنبي ~~معها وهو قول سعيد بن المسيب. # قال والمراد من الآية الإماء دون العبيد أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال قرئ غير بنصب الراء وقيل هو بمعنى الاستثناء ومعناه يبدين زينتهن ~~للتابعين إلا ذا الإربة منهم ms2583 فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة ~~وقرئ غير بالجر على نعت التابعين والإربة والأرب الحاجة والمراد بالتابعين ~~غير أولي الإربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم ~~إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء وقال ابن عباس هو الأحمق العنين وقيل هو ~~الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب والخصي وقيل هو ~~الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنث (م) عن عائشة رضي الله عنها: ~~«قالت كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من ~~غير أولي الإربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه ~~وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخل عليكن هذا ~~فاحجبوه زاد أبو داود في رواية وأخرجوه إلى البيداء يدخل كل جمعة فيستطعم» ~~قوله أقبلت بأربع أي أن لها في بطنها أربع عكن فهي تقبل إذا أقبلت بها ~~وأراد بالثمان أطراف العكن الأربع من الجانبين وذلك صفة لها بالسنون أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء أي لم يكشفوا عن عورات النساء ~~للجماع فيطلعوا عليها وقيل: # لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر وقيل لم يطيقوا أمر النساء وقيل لم ~~يبلغوا حد الشهوة وقيل الطفولية اسم للصبي ما لم يحتلم ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن قيل كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت ~~خلخالها أو يتبين خلخالها فنهين عن ذلك وقيل إن الرجل تغلب عليه شهوة ~~النساء إذا سمع صوت الخلخال ويصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن وقد علل ~~ذلك بقوله تعالى: ليعلم ما يخفين من زينتهن فنبه به على أن الذي لأجله نهى ~~عنه أن يعلم به ما عليهن من الحلي وغيره وتوبوا إلى الله جميعا أي من ~~التقصير الواقع في أمره ونهيه وراجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم ms2584 عنه من ~~الآداب المذكورة في هذه السورة قيل إن أوامر الله ونواهيه في كل باب لا ~~يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد فلا ينفك عن تقصير يقع ~~منه فلذلك وصى المؤمنين بالتوبة والاستغفار ووعد بالفلاح إذا تابوا ~~واستغفروا فذلك قوله تعالى # PageV03P293 # أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (م) عن الأغر أغر مزينة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «توبوا إلى ربكم فو الله إني لأتوب إلى ربي تبارك ~~وتعالى مائة مرة في اليوم» عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المجلس يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة ~~مرة» أخرجه عبد الرحمن بن حميد الكشي (ق) عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره ~~وقد أضله في أرض فلاة» (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه». قوله عز وجل: # ### || [سورة النور (24): آية 32] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) # وأنكحوا الأيامى منكم جمع الأيم يطلق على الذكر والأنثى وهو من لا زوج له ~~من رجالكم ونسائكم والصالحين من عبادكم أي من عبيدكم وإمائكم بيان حكم ~~الآية الأمر المذكور في الآية أمر ندب واستحباب لإجماع السلف عليه فيستحب ~~لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبته أن يتزوج وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته ~~بالصوم (ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر ~~الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». الباءة النكاح ويكنى به عن الجماع أيضا ~~والوجاء بكسر الواو رض الأنثيين وهو نوع من الخصاء شبه الصوم في قطعه شهوة ~~النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل عن معقل بن يسار ms2585 قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ~~أخرجه أبو داود والنسائي (م) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» أما من لا تتوق ~~نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة أفضل له من النكاح عند ~~الشافعي وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل. قال الشافعي: قد ذكر الله عبدا ~~أكرمه فقال وسيدا حصورا وهو الذي لا يأتي النساء وذكر القواعد من النساء ~~ولم يندبهن إلى النكاح وفي الآية دليل على أن تزويج الأيامى إلى الأولياء ~~لأن الله خاطبهم به كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات. وهو قول أكثر ~~أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم روي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود ~~وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعائشة. وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وشريح ~~وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وعبد الله ~~بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وجوز أصحاب الرأي للمرأة تزويج نفسها ~~وقال مالك إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها وإن كانت شريفة فلا ~~والدليل على أن الولي شرط في النكاح ما روي عن أبي موسى الأشعري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي» أخرجه أبو داود ~~والترمذي ولهما عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأة ~~نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثا فإن أصابها فلها المهر بما استحل ~~من فرجها فإن تشاحوا فالسلطان ولي من لا ولي له». وقوله تعالى إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله قيل الغنى هنا القناعة وقيل: # هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة وقال عمر بن الخطاب. عجبت لمن يبتغي ~~الغنى بغير النكاح والله تعالى يقول إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ~~وقال بعضهم إن الله وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى «إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله» وقال «وإن ms2586 يتفرقا يغني كلا من سعته» والله واسع ~~يعني أنه ذو الإفضال والجود عليم أي بما يصلح خلقه من الرزق قوله تعالى: # PageV03P294 ### || [سورة النور (24): آية 33] # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا يعني ليطلب العفة عن الزنا والحرام الذين ~~لا يجدون ما ينكحون به من الصدق والنفقة حتى يغنيهم الله من فضله يعني يوسع ~~عليهم من رزقه والذين يبتغون الكتاب يعني يطلبون المكاتبة مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم سبب نزول هذه الآية أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن ~~يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ~~ووهب له منها عشرين دينارا فأداها وقتل يوم حنين في الحرب، بيان حكم الآية ~~وكيفية المكاتبة وذلك أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال ~~ويسمى مالا معلوما تؤدي ذلك في نجمين أو في نجوم معلومة في كل نجم كذا فإذا ~~أديت ذلك فأنت حر ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد ذلك المال عتق ويصير ~~العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة وإذا عتق بأداء المال فما فضل في يده من ~~المال فهو له ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق وإذا عجز عن ~~أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق وما في يده من المال ~~فهو لسيده لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» أخرجه أبو داود وذهب بعض ~~أهل العلم إلى أن قوله تعالى فكاتبوهم أمر إيجاب يجب على السيد أن يكاتب ~~عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك على قيمته أو على أكثر من قيمته ~~وإن سأل ms2587 على أقل من قيمته لا يجب وهو قول عطاء وعمرو بن دينار لما روي أن ~~سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه وكان كثير المال فانطلق ~~سيرين إلى عمر فشكاه فدعاه عمر فقال له: كاتبه فأبى فضربه بالدرة وتلا ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا فكاتبه وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب ~~واستحباب ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي لأنه عقد جوز ~~إرفاقا بالعبد ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه ~~على مهل فيحصل المقصود. وجوز أبو حنيفة الكتابة إلى نجم وحالة واحدة ~~واختلفوا في معنى قوله إن علمتم فيهم خيرا فقال ابن عمر قوة على الكسب وهو ~~قول مالك والثوري وقيل مالا، روي أن عبدا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني ~~قال ألك مال قال لا قال تريد أن تطعمني من أوساخ الناس ولم يكاتبه قيل لو ~~أراد به المال لقال أن علمتم لهم خيرا وقيل صدقا وأمانة. وقال الشافعي: ~~أظهر معاني الخير في العبد الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمنع من ~~المكاتبة إذا كان هكذا وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد ~~العفاف والمجاهد في سبيل الله». أخرجه الترمذي والنسائي وقيل معنى الخير أن ~~يكون العبد عاقلا بالغا فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء ~~منهما لا يصح وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق وقوله تعالى وآتوهم من ~~مال الله الذي آتاكم قيل هو خطاب للموالي فيجب على السيد أن يحط عن مكاتبه ~~من مال الكتابة شيئا وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة. وبه قال الشافعي ~~ثم اختلفوا في قدر ما يحط فقيل يحط الربع وهو قول علي ورواه بعضهم مرفوعا. ~~وقال ابن عباس: يحط الثلث وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما ~~شاء وبه قال الشافعي قال نافع: كاتب عبد الله بن عمر ms2588 غلاما له على خمسة ~~وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم أخرجه مالك في الموطأ. ~~وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول ~~نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته ويضع عنه من آخر كتابته ما أحب وقال ~~بعضهم هو أمر استحباب والوجوب أظهر وقيل أراد بقوله وآتوهم من مال الله أي ~~سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات وهو قوله وفي الرقاب أراد ~~به المكاتب وهو قول الحسن وزيد بن أسلم. وقيل: هو حث لجميع الناس على ~~مؤنتهم واختلف العلماء فيما إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم فذهب كثير # منهم إلى أنه يموت رقيقا وترتفع الكتابة سواء ترك مالا أو لم يترك وهو ~~قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال عمر بن عبد العزيز # PageV03P295 # والزهري وقتادة وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال قوم: إن ترك وفاء ما بقي ~~عليه من مال الكتابة كان حرا وإن فضل له مال كان لأولاده الأحرار. وهو قول ~~عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي ولو كاتب ~~عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء وقد وجد وتتبعه ~~أولاده وأكسابه كما في الكتابة الصحيحة لأن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى ~~فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم. وقوله تعالى: # ولا تكرهوا فتياتكم أي إماءكم على البغاء أي الزنا إن أردن تحصنا الآية ~~(م) عن جابر قال كان عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لجاريته اذهبي فابغينا ~~شيئا قال فأنزل الله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا وفي ~~رواية أخرى أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة ~~كان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله غفور رحيم وقال المفسرون: ~~نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق كانت له جاريتان يقال لهما ms2589 مسيكة ~~ومعاذة وكان يكرههما على الزنا لضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في ~~الجاهلية يؤجرون إماءهم فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر ~~الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا ~~فقد آن لنا أن ندعه فأنزل الله هذه الآية وروي أن إحدى الجاريتين جاءت ~~ببرد، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل ~~قد جاء الإسلام، وحرم الزنا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه ~~فأنزل الله هذه الآية واختلف العلماء في معنى قوله إن أردن تحصنا على أقوال ~~أحدها: أن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي ~~على صفة السبب وإن لم يكن شرطا فيه الثاني: إنما شرط إرادة التحصن لأن ~~الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن ~~فإنها تبغي بالطبع طوعا الثالث: أن إن بمعنى إذا أي إذا أردن وليس معناه ~~الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا، كقوله وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين أي إذا كنتم القول الرابع: أن في هذه الآية تقديما ~~وتأخيرا تقديره وأنكحوا الأيامى منكم إن أردتم تحصنا، ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء لتبتغوا أي لتطلبوا عرض الحياة الدنيا أي من أموال الدنيا يريد ~~كسبهن، وبيع أولادهن ومن يكرههن يعني على الزنا فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم يعني للمكرهات والوزر على المكره، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية ~~قال لهن والله لهن والله. قوله تعالى: ### || [سورة النور (24): الآيات 34 الى 35] # ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ms2590 عليم (35) # ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات أي من الحلال والحرام ومثلا من الذين خلوا ~~من قبلكم أي شبها من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ~~ما لحق من كان قبلهم من المكذبين وموعظة للمتقين أي المؤمنين الذين يتقون ~~الشرك والكبائر. قوله عز وجل الله نور السماوات والأرض قال ابن عباس: معناه ~~الله هادي السموات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة ~~الضلالة ينجون وقيل معناه الله منور السموات والأرض، نور السماء بالملائكة ~~ونور الأرض بالأنبياء وقيل: معناه مزين السموات والأرض زين السماء بالشمس ~~والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال: زين ~~الأرض # PageV03P296 # بالنبات والأشجار، وقيل: معناه إن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ ~~على طريق المدح كما قال الشاعر: # إذا سار عبد الله عن مرو ليلة ... فقد سار عنها نورها وجمالها # مثل نوره أي مثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به ~~وقال ابن عباس مثل نوره الذي أعطى المؤمن، وقيل الكناية عائدة إلى المؤمن ~~أي مثل نور قلب المؤمن وقيل أراد بالنور القرآن وقيل هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقيل هو الطاعة سمي طاعة الله نورا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه ~~تشريفا وتفصيلا كمشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها قيل: هي بلغة الحبشة فيها ~~مصباح أي سراج وأصله من الضوء المصباح في زجاجة يعني القنديل وإنما ذأر ~~الزجاجة لأن النور، وضوء النار فيها أبين من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج ~~ثم وصف الزجاجة، فقال تعالى الزجاجة كأنها كوكب دري من درأ الكوكب إذا ~~اندفع منقضا، فيتضاعف نوره في تلك الحال، وفي ذلك الوقت وقيل هو من درأ ~~النجم إذا طلع، وارتفع وقيل دري أي شديد الإنارة نسب إلى الدر، في صفائه ~~وحسنه وإن كان الكوكب أضوأ من الدر لكنه يفضل الكوكب بصفائه كما يفضل الدر ~~على سائر اللؤلؤ وقيل الكوكب الدري أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي ~~زحل والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد، قيل: شبهه ms2591 بالكواكب ولم يشبهه بالشمس ~~والقمر، لأنهما يلحقهما الكسوف بخلاف الكواكب يوقد أي اتقد المصباح من شجرة ~~مباركة زيتونة أي من زيت شجرة مباركة كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة لأن ~~الزيت يسرج به ويدهن به وهو إدام وهو أصفى الأدهان وأضوأها، وقيل: إنها أول ~~شجرة نبتت بعد الطوفان وقيل: أراد به زيتون الشام لأنها هي الأرض المباركة، ~~وهي شجرة لا يسقط ورقها، عن أسيد بن ثابت أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» ~~أخرجه الترمذي. وقوله لا شرقية ولا غربية أي ليست شرقية وحدها فلا تصيبها ~~الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة، إذا طلعت بل ~~مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها، وعند غروبها فتكون شرقية ~~غربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا معنى قول ابن عباس وقيل ~~معناه أنها ليست في مقنأة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا يصيبها الظل ~~فهي لا تضرها شمس ولا ظل وقيل معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ~~ولا في غرب يضرها البرد وقيل معناه هي شامية لأن الشام وسط الأرض، لا شرقي ~~ولا غربي وقيل ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا ~~لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره يكاد زيتها يضيء أي من ~~صفائه ولو لم تمسسه نار أي قبل أن تمسه النار نور على نور أي نور المصباح ~~على نور الزجاجة. # فصل في بيان التمثيل المذكور في الآية # اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقيل: المراد به الهدى ومعناه أن ~~هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك ~~بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ ~~النهاية في الصفاء، والرقة والبياض فإذا كان كذلك كان كاملا في صفائه، وصلح ~~أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى وقيل وقع هذا التمثيل لنور محمد ms2592 صلى الله ~~عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى مثل نوره ~~كمشكاة قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره ~~والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة ~~يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم به أنه ~~نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار وروي عن ابن عمر في هذه ~~الآية قال المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح ~~النور الذي جعله الله فيه لا شرقية ولا غربية، لا يهودي ولا نصراني توقد من ~~شجرة مباركة إبراهيم نور على نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم: وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم، # PageV03P297 # والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين سمى ~~الله محمدا مصباحا، كما سماه سراجا منيرا والشجرة المباركة إبراهيم عليه ~~السلام لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية، يعني إبراهيم لم يكن ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي إلى الغرب، ~~والنصارى تصلي إلى الشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد ~~صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه نور على نور نبي من نسل ~~نبي نور محمد على نور إبراهيم، وقيل وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن قال ~~أبي بن كعب، هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه والمصباح ما جعله ~~الله فيه من الإيمان والقرآن توقد من شجرة مباركة هي شجرة الإخلاص لله وجده ~~فمثله مثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة نضرة، لا تصيبها الشمس إذا ~~طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين ~~أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم عدل وإن قال صدق يكاد زيتها ~~يضيء أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه، نور على ms2593 ~~نور قال أبي: فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور، وعمله نور ومدخله نور، ~~ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة وقال ابن عباس: هذا مثل نور الله ~~وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإذا ~~مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن ~~يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونور على نور، وقال ~~الكلبي: نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله. # وقيل نور الإيمان ونور القرآن وقيل هذا مثل القرآن فالمصباح هو القرآن ~~فكما يستضاء بالمصباح فكذلك يهتدى بالقرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة ~~فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة المعرفة في قلبه، يكاد زيتها يضيء أي نور ~~المعرفة يشرق في قلب المؤمن، ولو لم يمسسه النار وقيل تكاد حجة القرآن ~~تتضح، وإن لم يقرأ نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه مع ما أقام ~~لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورا على نور. قوله ~~تعالى يهدي الله لنوره من يشاء قال ابن عباس: لدين الإسلام وهو نور البصيرة ~~ويضرب الله الأمثال للناس أي يبين الله الأشياء للناس تقريبا إلى الأفهام، ~~وتسهيلا لسبيل الإدراك والله بكل شيء عليم قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24): آية 36] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) # في بيوت أي ذلك المصباح يوقد في بيوت والمراد بالبيوت جميع المساجد، قال ~~ابن عباس: المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم ~~لأهل الأرض وقيل: المراد بالبيوت أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي الكعبة ~~بناها إبراهيم وإسماعيل، فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ~~ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء أسس على ~~التقوى وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا أذن الله أن ترفع أي تبنى ~~وقيل: # تعظم فلا يذكر فيها الخنى من القول وتطهر عن الأنجاس والأقذار ويذكر فيها ~~اسمه قال ابن ms2594 عباس يتلى فيها كتابه يسبح له فيها أي يصلي له فيها بالغدو ~~والآصال بالغداة والعشي قال أهل التفسير: أراد به الصلاة المفروضة فالتي ~~تؤدى بالغداة صلاة الفجر والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، ~~لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت كله وقيل: أراد به الصبح والعصر. عن أبي ~~موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من صلى صلاة البردين دخل ~~الجنة أراد بالبردين صلاة الصبح، وصلاة العصر» وقال ابن عباس: التسبيح ~~بالغدو صلاة الضحى والآصال صلاة العصر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر ~~الحاج المحرم، ومن خرج إلى المسجد إلى تسبيح الضحى لا يعنيه إلا ذاك كان ~~أجره كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» أخرجه ~~أبو داوود. # PageV03P298 # ### || [سورة النور (24): الآيات 37 الى 40] # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) # رجال قيل خص الرجال بالذكر في هذه المساجد، لأن النساء ليس عليهن حضور ~~المساجد لجمعة ولا جماعة لا تلهيهم أي لا تشغلهم تجارة وقيل خص التجارة ~~بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل الإنسان به عن الصلوات، والطاعات وأراد ~~بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعا، لأنه ~~ذكر البيع بعده وقيل التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يده ولا ~~بيع أي ولا يشغلهم بيع عن ذكر الله أي حضور المساجد ms2595 لإقامة الصلوات وإقام ~~الصلاة يعني إقامة الصلاة في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من ~~مقيمي الصلاة، وروي عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس ~~وأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت هذه الآية «رجال ~~لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة» وإيتاء الزكاة يعني ~~المفروضة قال ابن عباس إذا حضر، وقت أداء الزكاة لا يحبسونها يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار يعني أن هؤلاء الرجال، وإن بالغوا في ذكر الله ~~والطاعات فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. ~~قيل: إن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار. وقيل: # تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وترفع عن ~~الأبصار الأغطية. وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء فتخشى الهلاك وتطمع ~~في النجاة، وتتقلب الأبصار من هول ذلك اليوم، من أي ناحية يؤخذ بهم أمن ذات ~~اليمين، أم من ذات الشمال ومن أي يؤتون كتبهم أمن اليمين أم من قبل الشمال؟ ~~وقيل: يتقلب القلب في الجوف، فيرتفع إلى الحنجرة فلا ينزل ولا يخرج ويتقلب ~~البصر فيشخص من هول الأمر وشدته ليجزيهم الله أحسن ما عملوا يعني أنهم ~~اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~والمراد بالأحسن الحسنات كلها وهي الطاعات فرضها ونفلها، وذكر الأحسن ~~تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم وقيل: إنه ~~سبحانه وتعالى يجزيهم جزاء أحسن من أعمالهم، على الواحد من عشرة إلى ~~سبعمائة ضعف ويزيدهم من فضله يعني أنه سبحانه وتعالى يجزيهم بأحسن أعمالهم ~~ولا يقتصر على ذلك بل يزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب فيه ~~تنبيه على كمال قدرته وكمال جوده وسعة إحسانه وفضله. قوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة لما ضرب مثلا لحال المؤمن وأنه في ~~الدنيا والآخرة في نور، وأنه فائز بالنعيم المقيم، أتبعه بضرب مثل لأعمال ~~الكفار، وشبهه بالسراب وهو شبه ms2596 ماء يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري ~~يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه لم ير شيئا. والقيعة القاع وهو المنبسط من ~~الأرض وفيه يكون السراب يحسبه أي يتوهمه الظمآن أي العطشان ماء حتى إذا ~~جاءه أي جاء ما قدر أنه ماء وقيل: جاء إلى موضع السراب لم يجده شيئا أي لم ~~يجده على ما قدره وظنه ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، ~~يعتقد أنه له ثوابا عند الله وليس كذلك فإذا وافى عرصات القيامة لم يجد ~~الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته، ~~وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد ~~السراب في البر تعلق قلبه به فإذا جاءه لم يجده شيئا فكذلك حال الكافر يحسب ~~أن عمله، نافعة فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا ولا نفعه ووجد ~~الله عنده أي وجد الله بالمرصاد وقيل: قدم # PageV03P299 # على الله فوفاه حسابه أي جزاء عمله والله سريع الحساب معناه أنه عالم ~~بجميع المعلومات فلا تشغله محاسبة واحد عن واحد. ثم ضرب للكفار مثلا آخر ~~فقال تعالى أو كظلمات أعلم الله سبحانه وتعالى أن أعمال الكفار إن كانت ~~حسنة، فهي كسراب بقيعة وإن كانت قبيحة فهي كظلمات، وقيل: معناه إن مثل ~~أعمالهم في فسادها، وجهالتهم فيها كظلمات في بحر لجي أي عميق كثير الماء ~~ولجة البحر معظمه يغشاه أي يعلوه موج من فوقه موج أي متراكم من فوقه سحاب ~~ظلمات بعضها فوق بعض معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غمورة ~~الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت ~~الظلمة النهاية القصوى إذا أخرج يده لم يكد يراها أي لم يقرب أن يراها لشدة ~~الظلمة وقيل: معناه لم يرها إلا بعد الجهد وقيل: لما كانت اليد من أقرب شيء ~~يراه الإنسان قال: لم يكد يراها، ووجه التشبيه أن الله ذكر ثلاثة أنواع من ~~الظلمات: ظلمة البحر وظلمة ms2597 الأمواج وظلمة السحاب، وكذلك الكافر له ثلاث ~~ظلمات ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، ~~وبالموج ما يتغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على ~~قلبه. قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه ظلمة وعمله ~~ظلمة، ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور قال ابن عباس من لم يجعل الله له ~~دينا وإيمانا، فلا دين له وقيل من لم يهده الله فلا هادي له قيل نزلت هذا ~~الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح ~~فلما جاء الإسلام كفر وعاند، والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار. قوله ~~عز وجل: # ### || [سورة النور (24): الآيات 41 الى 45] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة من ماء ~~فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات أي باسطات ~~أجنحتهن في الهواء قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين ~~السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه قيل: الصلاة لبني آدم والتسبيح لسائر الخلق وقيل إن ضرب أجنحة ~~الطير صلاته وتسبيحه، وقيل: معناه إن كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه ms2598 ~~وقيل معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه والله عليم بما ~~يفعلون ولله ملك السماوات والأرض أي إن جميع الموجودات ملكه وفي تصرفه وعنه ~~نشأت ومنه بدأت فهو واجد الوجود وقيل معناه أن خزائن المطر والرزق بيده ولا ~~يملكها أحد سواه وإلى الله المصير أي وإلى الله مرجع العباد بعد الموت. ~~قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي أي يسوق سحابا بأمره إلى حيث يشاء من أرضه ~~وبلاده ثم يؤلف بينه أي يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض ثم ~~يجعله ركاما أي متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق أي المطر يخرج من خلاله أي ~~من وسطه وهو مخارج القطر وينزل من السماء من جبال فيها من برد قيل معناه ~~وينزل من جبال من السماء وتلك الجبال من برد. قال ابن عباس: أخبر الله أن ~~في السماء جبالا من برد وقيل معناه وينزل من السماء مقدار جبال في الكثرة ~~من برد. فإن قلت: ما الفرق بين من الأولى والثانية والثالثة. قلت: من ~~الأولى لابتداء الغاية لأن # PageV03P300 # ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك ~~الجبال التي في السماء، والثالثة للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد ~~فيصيب به أي البرد من يشاء فيهلكه وأمواله ويصرفه عن من يشاء أي فلا يضره ~~يكاد سنا برقه أي ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار أي من شدة ضوئه وبريقه يقلب ~~الله الليل والنهار أي يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما فيأتي بالليل ويذهب ~~بالنهار ويأتي بالنهار ويذهب بالليل (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر ~~بيدي الأمن أقلب الليل والنهار». معنى هذا الحديث: أن العرب كانوا يقولون ~~عند النوازل والشدائد أصابنا الدهر ويذمونه في أشعارهم فقيل لهم: لا تسبوا ~~الدهر فإن فاعل ذلك هو الله عز وجل والدهر مصرف تقع فيه التأثيرات كما تقع ~~بكم، وقوله تعالى إن في ذلك أي الذي ذكر ms2599 من هذه الأشياء لعبرة لأولي ~~الأبصار أي دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله وتوحيده. # قوله عز وجل والله خلق كل دابة من ماء أي من نطفة وأراد به كل حيوان ~~يشاهد في الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة والجن، لأنا لا نشاهدهم وقيل: إن ~~أصل جميع الخلق من الماء وذلك أن الله خلق ماء فجعل بعضه ريحا ونورا فخلق ~~منه الملائكة وجعل بعضه نارا فخلق منه الجن، وجعل بعضه طينا فخلق منه آدم ~~فمنهم من يمشي على بطنه أي كالحيات والحيتان والديدان ونحو ذلك ومنهم من ~~يمشي على رجلين يعني مثل بني آدم والطير ومنهم من يمشي على أربع يعني ~~كالبهائم والسباع. فإن قلت كيف قال: خلق كل دابة من ماء مع أن كثيرا من ~~الحيوانات يتولد من غير نطفة. قلت ذلك المخلق من غير نطفة، لا بد أن يتكون ~~من شيء، وذلك الشيء أصله من الماء فكان من الماء. فإن قلت: فمنهم من يمشي ~~ضمير العقلاء، فلم يستعمل في غير العقلاء. # قلت ذكر الله تعالى ما لا يعقل مع من يعقل لأن جعل الشريف أصلا، والخسيس ~~تبعا أولى. فإن قلت: لم قدم ما يمشي على بطنه على غيره من المخلوقات. قلت ~~قدم الأعجب، والأعرف في القدرة وهو الماشي بغير آلة المشي، وهي الأرجل ~~والقوائم ثم ذكر ما يمشي على رجلين ثم ما يمشي على أربع. فإن قلت: لم اقتصر ~~على ذكر الأربع وفي الحيوانات ما يمشي على أكثر من أربع، كالعناكب والعقارب ~~والرتيلا وما له أربع وأربعون رجلا ونحو ذلك. قلت هذا القسم كالنادر فكان ~~ملحقا بالأغلب وقيل: إن هذه الحيوانات اعتمادها على أربع في المشي والباقي ~~تبع لها يخلق الله ما يشاء أي مما لا يعقل ولا يعلم إن الله على كل شيء ~~قدير أي هو القادر على الكل العالم بالكل المطلع على الكل، يخلق ما يشاء ~~كما يشاء لا يمنعه مانع ولا دافع. # ### || [سورة النور (24): الآيات 46 الى 55] # لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء ms2600 إلى صراط مستقيم (46) ويقولون ~~آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل ~~لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) # PageV03P301 # لقد أنزلنا آيات مبينات يعني القرآن هو المبين للهدى والأحكام والحلال ~~والحرام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يعني إلى دين الإسلام الذي هو ~~دين الله وطريقه إلى رضاه وجنته. قوله تعالى ويقولون يعني المنافقين آمنا ~~بالله وبالرسول وأطعنا أي يقولونه: بألسنتهم من غير اعتقاد ثم يتولى فريق ~~منهم أي يعرض عن طاعة الله ورسوله من بعد ذلك أي من بعد قولهم آمنا، ويدعو ~~إلى غير حكم الله قال الله تعالى وما أولئك بالمؤمنين نزلت هذا الآية في ~~بشر المنافق، كان بينه وبين يهودي خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن ~~محمدا يحيف فأنزل الله هذه الآية وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي ~~الرسول يحكم بحكم الله بينهم إذا فريق منهم معرضون يعني عن الحكم وقيل عن ~~الإجابة وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ms2601 أي مطيعين منقادين لحكمه أي ~~إذا كان الحكم لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم أنه، كما يحكم عليهم ~~بالحق يحكم لهم أيضا في قلوبهم مرض أي كفر ونفاق أم ارتابوا أي شكوا وهذا ~~استفهام ذم وتوبيخ، والمعنى هم كذلك أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ~~أي بظلم بل أولئك هم الظالمون أي لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. قوله عز وجل ~~إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله أي إلى كتاب الله ورسوله ليحكم ~~بينهم هذا تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا وهو ~~أن يقولوا سمعنا أي الدعاء وأطعنا أي بالإجابة وأولئك أي من هذه صفته هم ~~المفلحون ومن يطع الله ورسوله قال ابن عباس فيما ساءه وسره ويخش الله أي ~~على ما عمل من الذنوب ويتقه أي فيما بعد فأولئك هم الفائزون يعني الناجون. # قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم # قيل: جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئا لئن أمرتهم ليخرجن # وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت ~~نكن معك لئن خرجت خرجنا، ولئن أقمت أقمنا، ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا وقيل ~~لما نزل بيان كراهتهم لحكم الله ورسوله قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو ~~أمرتنا أن نخرج من ديارنا، وأموالنا ونسائنا لخرجنا، فكيف لا نرضى بحكمك ~~فقال الله تعالى قل # لهم لا تقسموا # يعني لا تحلفوا، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال طاعة معروفة # يعني هذه طاعة القول باللسان دون الاعتقاد بالقلب، وهي معروفة يعني أمر ~~عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ما لا تفعلون وقيل: معناه طاعة معروفة بنية ~~خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل إن الله خبير بما ~~تعملون # يعني من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~يعني بقلوبكم وصدق نياتكم فإن تولوا يعني أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فإنما ~~عليه أي على الرسول ما حمل أي ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة وعليكم ما ~~حملتم ms2602 أي ما كلفتم من الإجابة والطاعة وإن تطيعوه تهتدوا أي تصيبوا الحق ~~والرشد في طاعته وما على الرسول إلا البلاغ المبين أي التبليغ الواضح ~~البين. قوله عز وجل وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض قيل مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع ~~أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار فكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم ~~أمروا بالهجرة إلى المدينة وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد ~~منهم: سلاحه فقال رجل منهم أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فأنزل ~~الله هذه الآية، ومعنى ليستخلفنهم والله ليورثنهم أرض الكفار من العرب ~~والعجم، فجعلهم ملوكها وساستها وسكانها كما استخلف الذين من قبلهم أي كما ~~استخلف داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء، وكما استخلف بني إسرائيل وأهلك ~~الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~أي اختاره لهم قال # PageV03P302 # ابن عباس يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا فأنجز الله ~~وعده وأظهر دينه ونصر أولياءه وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض (خ) ~~عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل ~~فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال: «يا عدي هل رأيت ~~الحيرة قلت: لم أرها ولقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ~~ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني وبين ~~نفسي، فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز ~~كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل ~~يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم ~~القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن ألم أبعث إليك رسولا، ~~فيبلغك فيقول بلى يا رب، ألم أعطك مالا وأفضل ms2603 عليك فيقول بلى فينظر عن ~~يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم» قال عدي سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد ~~شق تمرة فبكلمة طيبة» قال عدي: # فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت ~~فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ~~صلى الله عليه وسلم: يخرج الرجل ملء كفه ذهبا إلخ. # وفي الآية دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق والخلفاء الراشدين بعده، ~~لأن في أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك، ~~وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» ثم قال: أمسك خلافة ~~أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وعلي ستا ~~قال علي: قلت لحماد القائل لسعيد أمسك سفينة قال نعم» أخرجه أبو داود ~~والترمذي بنحو هذا اللفظ. قلت: كذا ورد هذا الحديث بهذا التفصيل، وفيه ~~إجمال وتفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر كانت ~~عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة كما ذكر في الحديث، وخلافة ~~علي أربع سنين وتسعة أشهر ولهذا جاء في بعض روايات الحديث على كذا، ولم ~~يبين تعيين مدته فعلى هذا التفصيل تكون مدة خلافة الأئمة الأربعة تسعة ~~وعشرين سنة وستة أشهر، وكملت ثلاثين سنة بخلافة الحسن كانت ستة أشهر ثم نزل ~~عنها والله أعلم، وقوله تعالى ومن كفر بعد ذلك أراد به كفران النعمة ولم ~~يرد الكفران بالله فأولئك هم الفاسقون أي العاصون قال أهل التفسير: # أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان، فلما قتلوه غير ~~الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتلون بعد أن كانوا إخوانا. عن ~~ابن أخي عبد الله بن سلام قال: «لما أريد قتل عثمان جاء ms2604 عبد الله بن سلام ~~فقال عثمان: ما جاء بك قال: جئت في نصرك قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني ~~فإنك خارجا خير لي منك داخلا، فخرج عبد الله إلى الناس فقال: أيها الناس إن ~~لله سيفا مغمودا وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه فو الله إن ~~قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن الله سيفه المغمود عنكم فلا يغمد ~~إلى يوم القيامة قالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان» أخرجه الترمذي زاد ~~في رواية غير الترمذي «فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة ~~إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا». # قوله تعالى: # PageV03P303 # ### || [سورة النور (24): الآيات 56 الى 58] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم ~~على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون أي افعلوا هذه ~~الأشياء على رجاء الرحمة لا تحسبن الذين كفروا معجزين أي فائتين عنا في ~~الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال ابن عباس وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غلاما من الأنصار يقال له: # مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة ~~كره عمر رؤيته عند ذلك فأنزل الله هذه الآية وقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد ~~كان لها غلام كبير فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ms2605 ملكت أيمانكم واللام لام الأمر ~~وفيه قولان أحدهما: أنه على الندب والاستحباب والثاني: أنه على الوجوب وهو ~~الأولى الذين ملكت أيمانكم يعني العبيد والإماء والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم يعني الأحرار وليس المراد منهم الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل ~~المراد الذين عرفوا أمر النساء ولكنهم لم يبلغوا الحلم وهو سن التمييز ~~والعقل وغيرهما، واتفق العلماء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا فيما إذا بلغ ~~خمس عشرة سنة، ولم يحتمل فقال أبو حنيفة لا يكون بالغا حتى يبلغ ثمان عشرة ~~سنة ويستكملها والجارية سبع عشرة سنة وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد ~~في الغلام والجارية بخمسة عشرة سنة يصير مكلفا، وتجري عليه الأحكام وإن لم ~~يحتلم ثلاث مرات أي ليستأذنوا في ثلاثة أوقات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة أي وقت المقيل ومن بعد صلاة العشاء وإنما خص هذه الثلاثة ~~الأوقات، لأنها ساعات الخلوات ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا ~~يجوز أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات ~~وغير العبيد والصبيان يستأذن في جميع الأوقات ثلاث عورات لكم سميت هذه ~~الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته ليس عليكم ولا عليهم # يعني العبيد والخدم والصبيان جناح أي حرج في الدخول عليكم بغير استئذان ~~بعدهن أي بعد هذه الأوقات الثلاثة طوافون عليكم أي العبيد والخدم يترددون ~~ويدخلون ويخرجون في أشغالكم بغير إذن بعضكم على بعض أي يطوف بعضكم على بعض ~~كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم اختلف العلماء في حكم هذه الآية ~~فقيل: إنها منسوخة حكي ذلك عن سعيد بن المسيب، روى عكرمة أن نفرا من أهل ~~العراق قالوا يا ابن العباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بها، ولا يعمل ~~بها أحد قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~الآية فقال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ~~ليس لبيوتهم ستور ولا حجاب فربما دخل الخدم أو ms2606 الولد أو يتيم الرجل والرجل ~~على أهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور ~~والخير» فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد. أخرجه أبو داود في رواية عنه نحوه وزاد ~~فرأيي أن ذلك أغنى عن الاستئذان في تلك العورات، وذهب قوم إلى أنها غير ~~منسوخة روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: «سألت الشعبي عن هذه الآية ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم أمنسوخة هي؟ قال: لا والله قلت إن الناس لا ~~يعملون بها قال الله تعالى المستعان وقال سعيد بن جبير في هذه الآية أن ~~ناسا يقولون: نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون به الناس قيل ثلاث آيات ~~ترك الناس العمل بهن هذه الآية وقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم والناس ~~يقولون أعظمكم بيتا وإذا حضر القسمة أولوا القربى الآية. وقوله عز وجل: # PageV03P304 # ### || [سورة النور (24): الآيات 59 الى 61] # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا ~~يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن ~~خير لهن والله سميع عليم (60) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت ~~أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ~~أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ~~من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم أي الاحتلام يريد الأحرار الذين بلغوا ~~فليستأذنوا أي يستأذنوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم كما استأذن الذين ~~من قبلهم أي الأحرار الكبار كذلك يبين الله لكم آياته أي دلالته وقيل ~~أحكامه والله عليم أي بأمور خلقه حكيم بما دبر وشرع قال سعيد بن المسيب: ~~يستأذن ms2607 الرجل على أمه فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك، وسئل حذيفة أيستأذن ~~الرجل على والدته قال نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره قوله والقواعد من ~~النساء يعني اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر فلا يلدن ولا يحضن ~~اللاتي لا يرجون نكاحا أي لا يردن الأزواج لكبرهن، وقيل: هن العجائز ~~اللواتي إذا رآهن الرجال استقذروهن فأما من كانت فيها بقية جمال وهي محل ~~الشهوة فلا تدخل في حكم هذه الآية فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن أي عند ~~الرجال والمعنى بعض ثيابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب، والقناع ~~الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه غير متبرجات بزينة أي من غير أن ~~يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن. والتبرج هو أن تظهر المرأة من ~~محاسنها ما يجب عليها أن تستره وأن يستعففن أي فلا يلقين الجلباب ولا ~~الرداء خير لهن والله سميع عليم قوله عز وجل ليس على الأعمى حرج اختلف ~~العلماء في هذه الآية فقال ابن عباس: لما أنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى، والزمنى ~~والعمى والعرج وقالوا الطعام أفضل الأموال وقد نهانا الله عز وجل عن أكل ~~الأموال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب والأعرج لا يتمكن من ~~الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض يضعف عن التناول فلا ~~يستوفي من الطعام حقه فأنزل الله هذه الآية فعلى هذا التأويل يكون على ~~بمعنى في أي ليس في الأعمى، والمعنى ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والمريض ~~والأعرج حرج وقيل كان العميان والعرجان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ~~لأن الناس يقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان الأعمى يقول ربما آكل أكثر من ~~ذلك ويقول الأعرج والأعمى ربما أجلس مكان اثنين فنزلت هذه الآية، وقيل: # نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سماهم الله في باقي الآية، وذلك ~~أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب الطعام فإذا لم يكن عنده شيء، ذهب ~~بهم إلى بيت أبيه ms2608 أو بيت أمه أو بعض من سمى الله تعالى فكان أهل الزمانة ~~يتحرجون من ذلك، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته فأنزل الله هذا الآية وقيل: ~~كان المسلمون إذا غزوا دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى الزمنى ويقولون لهم قد ~~أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ~~ندخلها وأصحابها غيب فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم وقيل نزلت رخصة لهؤلاء ~~في التخلف عن الجهاد فعلى هذا تم الكلام عند قوله ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج وقوله تعالى ولا على أنفسكم كلام مستأنف قيل لما نزلت ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل من # PageV03P305 # أحد فأنزل الله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أي لا حرج ~~عليكم أن تأكلوا من بيوتكم، قيل أراد من أموال عيالكم وبيوت أزواجكم لأن ~~بيت المرأة كبيت الزوج، وقيل بيوت أولادكم ونسب بيوت الأولاد إلى الآباء ~~لما جاء في الحديث «أنت ومالك لأبيك» أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه قال ابن عباس: عني بذلك وكيل ~~الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب من ~~لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر، وقيل يعني بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن ~~السيد يملك منزل عبده، والمفاتح الخزائن ويجوز أن يكون المفتاح الذي يفتح ~~به، وإذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يأكل الشيء اليسير، وقيل: ~~ما ملكتم مفاتحه أي ما خزنتموه عندكم وما ملكتموه أو صديقكم الصديق هو الذي ~~صدقك في المودة قال ابن عباس نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازيا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا ~~فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، والمعنى ms2609 أنه ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها ~~وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا ~~أو أشتاتا نزلت في بني ليث بن عمرو، وهم حي من كنانة كان الرجل منهم لا ~~يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من ~~الصباح إلى الرواح، ربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى ~~يأتي من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل وقال ابن عباس: كان الغني يدخل ~~على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: والله إني لأجنح ~~أي أتحرج أن آكل معك، وأنا غني وأنت فقير فنزلت هذه الآية وقيل: نزلت في ~~قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا أنزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم ~~أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا، أي مجتمعين أو أشتاتا أي متفرقين فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم أي ليسلم بعضكم على بعض هذا في دخول الرجل بيت ~~نفسه يسلم على أهله، ومن في بيته قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك ~~فهم أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا، وعلى ~~عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته، حدثنا أن ~~الملائكة ترد عليه وقال ابن عباس إذا لم يكن في البيت أحد، فليقل السلام ~~علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ~~ورحمة الله وبركاته وعن ابن عباس في قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم قال: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~تحية من عند الله مباركة طيبة قال ابن عباس حسنة جميلة وقيل ذكر البركة ~~والطيب هاهنا لما فيه من الثواب والأجر كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون أي عن الله أمره ونهيه وآدابه. قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24): الآيات 62 الى 63] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ms2610 أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم (63) # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه أي مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أمر جامع أي يجمعهم من حرب أو صلاة حضرت، أو جمعة ~~أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل لم يذهبوا أي لم # PageV03P306 # يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له حتى يستأذنوه قال المفسرون «وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن ~~يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بحيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم» قال ~~مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم وكذلك كل أمر ~~اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بإذن وإذا ~~استأذن الإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن وهذا إذا لم يكن حدث سبب ~~يمنعه من المقام فإن حدث سبب يمنعه من المقام، بأن يكون في المسجد فتحيض ~~امرأة منهم أو يجنب رجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم أي ~~أمرهم فأذن لمن شئت منهم أي في الانصراف والمعنى إن شئت فأذن إن شئت فلا ~~تأذن واستغفر لهم الله أي إن رأيت لهم عذرا في الخروتج عن الجماعة إن الله ~~غفور رحيم قوله عز وجل لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول إذا أسخطتموه فإن دعاءه ~~موجب ليس كدعاء غيره وقيل معناه لا ms2611 تدعوه باسمه، كما يدعو بعضكم بعضا يا ~~محمد يا عبد الله، ولكن فخموه وعظموه وشرفوه وقولوا يا نبي الله يا رسول ~~الله في لين وتواضع قد يعلم الله الذين يتسللون أي يخرجون منكم لواذا أي ~~يستتر بعضهم ببعض ويروغ في خفية فيذهب قيل كانوا في حفر الخندق فكان ~~المنافقون ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين وقال ابن عباس ~~لواذا أي يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في ~~المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ~~ببعض أصحابه، فيخرجون من المسجد في استتار وقوله قد يعلم فيه التهديد ~~بالمجازاة فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي يعرضون عن أمره وينصرفون عنه ~~بغير إذنه أن تصيبهم فتنة أي لئلا تصيبهم فتنة أي بلاء في الدنيا أو يصيبهم ~~عذاب أليم أي وجيع في الآخرة، ثم عظم الله نفسه فقال تعالى: ### || [سورة النور (24): آية 64] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # ألا إن لله ما في السماوات والأرض أي ملكا وعبيدا قد يعلم ما أنتم عليه ~~أي من الإيمان والنفاق ويوم يرجعون إليه يعني يوم القيامة فينبئهم بما ~~عملوا أي من الخير والشر والله بكل شيء عليم عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا ~~تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور» أخرجه أبو عبد الله بن السبع ~~في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV03P307 ### | سورة الفرقان # مكية وهي سبع وسبعون آية وثمانمائة واثنتان وتسعون كلمة وثلاثة آلاف ~~وسبعمائة وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا (2) # قوله عز وجل تبارك تفاعل من البركة ms2612 قيل: معناه جاء بكل بركة وخير وقيل ~~معناه تعظم الذي نزل الفرقان أي القرآن سماه فرقانا لأنه فرق بين الحق، ~~والباطل والحلال والحرام وقيل لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة ولهذا قال نزل ~~بالتشديد لتكثير التفريق على عبده يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ليكون ~~للعالمين أي للإنس والجن نذيرا قيل هو القرآن وقيل النذير هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذي له ملك السماوات والأرض أي هو المتصرف فيهما كيف يشاء ولم ~~يتخذ ولدا أي هو الفرد في وحدانيته، وفيه رد على النصارى ولم يكن له شريك ~~في الملك يعني هو المنفرد بالإلهية، وفيه رد على الثنوية وعباد الأصنام ~~وخلق كل شيء مما تطلق عليه صفة المخلوق فقدره تقديرا أي سواه وهيأه لما ~~يصلح له لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر كل شيء تقديرا من الأجل والرزق ~~فجرت المقادير على ما خلق. قوله تعالى: ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 3 الى 8] # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) وقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا (4) وقالوا ~~أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم ~~السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) # أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا (8) # واتخذوا يعني عبدة الأوثان من دونه آلهة يعني الأصنام لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا يعني دفع ضر ولا جر نفع ولا يملكون ~~موتا أي إماتة ولا حياة أي إحياء ولا نشورا أي بعثا بعد الموت وقال الذين ~~كفروا يعني النضر بن الحارث وأصحابه إن هذا أي ما هذا القرآن إلا إفك أي ~~كذب افتراه أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم ms2613 وأعانه عليه قوم آخرون قيل: ~~هم اليهود وقيل عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن، وقيل جبر ويسار وعداس بن عبيد ~~كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن # PageV03P308 # محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم قال الله تعالى فقد جاؤ يعني قائلي ~~هذه المقالة ظلما وزورا أي بظلم وزور، وهو تسميتهم كلام الله بالإفك ~~والافتراء وقالوا أساطير الأولين اكتتبها يعني النضر بن الحارث كان يقول: ~~إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الأولون مثل حديث رستم ~~وإسفنديار ومعنى اكتتبها انتسخها محمد صلى الله عليه وسلم من جبر ويسار ~~وعداس وطلب أن تكتب له لأنه كان لا يكتب فهي تملى عليه أي تقرأ عليه ~~ليحفظها لأنه لا يكتب بكرة وأصيلا يعني غدوة وعشية قال الله تعالى ردا ~~عليهم قل يا محمد أنزله يعني القرآن الذي يعلم السر أي الغيب في السماوات ~~والأرض إنه كان غفورا رحيما أي لولا ذلك لعاجلهم بعذابه وقالوا مال هذا ~~الرسول يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام أي كما نأكل نحن ويمشي ~~في الأسواق أي يلتمس المعاش كما نمشي نحن وإذا كان كذلك فمن أين له الفضل ~~علينا، ولا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة وكانوا يقولون له لست بملك لأنك بشر ~~مثلنا، والملك لا يأكل ولا يملك لأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق وتبتذل وما ~~قالوه فاسد لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ولم يدع أنه ملك ومشيه في الأسواق ~~لتواضعه وكان ذلك صفته في التوراة ولم يكن سخابا في الأسواق وليس شيء من ~~ذلك ينافي النبوة ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك لولا أنزل إليه ملك أي ~~يصدقه ويشهد له فيكون معه نذيرا أي داعيا أو يلقى إليه كنز أي ينزل عليه ~~كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى التصرف في طلب المعاش أو تكون له جنة ~~يعني بستان يأكل منها أي هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن له كنز وقال الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا يعني مخدوعا وقيل ms2614 مصروفا عن الحق. # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 9 الى 17] # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن ~~شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) بل ~~كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ~~ثبورا (13) # لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاؤن ~~خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ~~فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) # انظر يا محمد كيف ضربوا لك الأمثال أي الأشباه التي لا فائدة لها فقالوا ~~مسحور محتاج فضلوا أي عن الحق فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى ومخرجا عن ~~الضلالة. قوله تعالى تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك أي من الذي ~~قالوا: وأفضل من البستان الذي ذكروا وقال ابن عباس يعني خيرا من المشي في ~~الأسواق والتماس المعاش ثم بين ذلك الخير فقال جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ويجعل لك قصورا أي بيوتا مشيدة عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن أشبع يوما ~~وأجوع يوما أو قال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت ~~حمدتك وشكرتك» عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئت ~~لسارت معي جبال مكة ذهبا جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال يا محمد إن ~~ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا فنظرت إلى ~~جبريل فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا قالت فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول: أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس ~~كما يجلس العبد» ذكر ms2615 هذين الحديثين البغوي بسنده. قوله تعالى: بل كذبوا ~~بالساعة أي القيامة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا أي نارا مسعرة إذا رأتهم ~~من مكان بعيد قيل: من مسيرة عام وقيل من # PageV03P309 # مسيرة مائة عام. فإن قلت: كيف تتصور الرؤية من النار وهو قوله إذا رأتهم. ~~قلت يجوز أن يخلق الله لها حياة وعقلا ورؤية وقيل: معناه رأتهم زبانيتها ~~سمعوا لها تغيظا أي غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب وزفيرا أي صوتا ~~فإن قلت كيف يسمع التغليظ. قلت: معناه رأوا وعلموا لها تغيظا وسمعوا لها ~~زفيرا كما قال الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا، وقيل: سمعوا لها صوت التغيظ من التلهب والتوقد، وقال ~~عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل ~~إلا خر لوجهه وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا قال ابن عباس تضيق عليه كما يضيق ~~الزج في الرمح مقرنين أي مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، ~~وقيل: # مقرنين مع الشياطين في السلاسل دعوا هنالك ثبورا قال ابن عباس: ويلا وقيل ~~هلاكا وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ~~ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم ~~حتى يقفوا على النار فينادي يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم فيقال لهم لا ~~تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا هكذا ذكره البغوي بغير سند، ~~وقيل معناه هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة. قوله عز ~~وجل قل أذلك خير أي الذي ذكرت من صفة النار وأهلها أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا أي ثوابا ومرجعا لهم قال تعالى لهم فيها ما ~~يشاؤن أي أن جميع المرادات لا تحصل إلا في الجنة، لا في غيرها. فإن قلت: قد ~~يشتهي الإنسان شيئا، وهو لا يحصل في الجنة كأن يشتهي الولد ونحوه وليس هو ~~في الجنة قلت إن الله يزيل ذلك الخاطر ms2616 عن أهل الجنة، بل كل واحد من أهل ~~الجنة مشتغل بما هو فيه من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيره خالدين أي ~~في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائما، إذ لو انقطع لكان مشوبا بضرب ~~من الغم وأنشد في المعنى: # أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # كان على ربك وعدا مسؤلا أي مطلوبا، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في ~~الدنيا حين قالوا «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة» وقالوا «ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك» يقول كان إعطاء الله المؤمنين جنة وعدا، وعدهم ~~على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك الوعد وقيل الطلبة من ~~الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم. قوله ~~تعالى ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله يعني من الملائكة والإنس والجن ~~مثل عيسى والعزير، وقيل يعني الأصنام ثم يخاطبهم فيقول أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء أم هم ضلوا السبيل أي أخطئوا الطريق. # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 18 الى 23] # قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم ~~وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا ~~أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ~~(21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) # PageV03P310 # قالوا يعني المعبودين سبحانك نزهوا الله سبحانه وتعالى من أن يكون معه ~~آلهة ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء يعني ما كان ينبغي لنا أن ~~نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم وقيل معناه، ما كان لنا أن نأمرهم ~~بعبادتنا ونحن نعبدك ونحن عبيدك ولكن متعتهم وآباءهم أي بطول العمر ms2617 والصحة ~~والنعمة في الدنيا حتى نسوا الذكر معناه تركوا المواعظ والإيمان بالقرآن ~~وقيل تركوا ذكرك وغفلوا عنه وكانوا قوما بورا معناه هلكى أي غلب عليهم ~~الشقاء والخذلان فقد كذبوكم هذا خطاب مع المشركين أي كذبكم المعبودون بما ~~تقولون يعني أنهم آلهة فما تستطيعون أي الآلهة صرفا أي صرف العذاب عن ~~أنفسهم ولا نصرا يعني ولا نصر أنفسهم وقيل لا ينصرونكم أيها العابدون بدفع ~~العذاب عنكم ومن يظلم منكم يعني يشرك نذقه عذابا كبيرا. # قوله عز وجل وما أرسلنا قبلك أي يا محمد من المرسلين إلا إنهم ليأكلون ~~الطعام ويمشون في الأسواق قال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق أنزل ~~الله تعالى على هذه الآية والمعنى أن هذه عادة مستمرة من الله تعالى على ~~رسله فلا وجه لهذا الطعن وما أنا إلا رسول ما كنت بدعا من الرسل وهم كانوا ~~بشرا مثلي، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أي ~~بلية قال ابن عباس أي جعلنا بعضكم بلاء بعض، لتصبروا على ما تسمعون منهم ~~وترون من خلافهم وتتبعوا أنتم الهدى، قيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع ~~وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم رأى الوضيع، قد أسلم قبله فأنف وقال: أسلم ~~بعده فيكون له السابقة والفضل علي فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام فذلك ~~افتتان بعضهم ببعض وقيل: نزلت في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل ~~السهمي والنضر بن الحارث وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر ~~وبلالا، وصهيبا وعامر بن فهيرة وذويهم، قد أسلموا قبلهم فقالوا: نسلم فنكون ~~مثل هؤلاء وقيل: نزلت في ابتلاء فقراء المسلمين بالمستهزئين من قريش كانوا ~~يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم من موالينا ~~وأراذلنا فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين أتصبرون أي على هذه الحالة من ~~الفقر والشدة والأذى وقيل إن الغني فتنة الفقير يقول ما لي لم أكن مثله ms2618 ~~والصحيح فتنة المريض والشريف فتنة الوضيع وكان ربك بصيرا أي بمن صبر وبمن ~~جزع (ق) عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نظر ~~أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال ~~والجسم» لفظ البخاري ولمسلم «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى ~~من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». # قوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي يخافون البعث والرجاء، بمعنى ~~الخوف لغة تهامة لولا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أن محمدا صادق أو نرى ~~ربنا فيخبرنا بذلك لقد استكبروا أي تعظموا في أنفسهم بهذه المقالة وعتوا ~~عتوا كبيرا أي طغوا وقيل عتوا في القول وهو أشد الكفر والفحش وعتوهم، طلبهم ~~رؤية الله حتى يؤمنوا به. قوله تعالى يوم يرون الملائكة أي عند الموت وقيل ~~يوم القيامة لا بشرى يومئذ للمجرمين وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين، يوم ~~القيامة ويقولون للكفار: لا بشرى لكم وقيل: لا بشارة لهم بالجنة كما بشر ~~المؤمن ويقولون حجرا محجورا قال ابن عباس تقول الملائكة حراما محرما أن ~~يدخل الجنة، إلا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل: إذا خرج ~~الكفار من قبورهم تقول لهم الملائكة حراما محرما عليكم أن تكون لكم البشرى ~~وقيل هذا قول: الكفار للملائكة وذلك أن العرب كانت إذا نزلت بهم شدة ورأوا ~~ما يكرهون قالوا حجرا محجورا فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قوله عز ~~وجل وقدمنا إلى ما عملوا من عمل يعني من أعمال البر التي عملوها في حال ~~الكفر فجعلناه هباء منثورا أي باطلا لا ثواب له # PageV03P311 # لأنهم لم يعملوه لله عز وجل ومنه الحديث الصحيح كل عمل ليس عليه أمرنا، ~~فهو رد والهباء هو ما يرى في الكوة كالغبار، إذا وقعت الشمس فيها فلا يمس ~~بالأيدي، ولا يرى في الظل والمنثور المفرق قال ابن عباس هو ما تسقيه ~~الرياح، وتذريه من التراب كحطام الشجر وقيل هو ما يسطع من ms2619 حوافر الدواب عند ~~السير من الغبار. قوله تعالى: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 24 الى 29] # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ~~ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين ~~عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ~~(27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) # لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) # أصحاب الجنة يومئذ أي يوم القيامة خير مستقرا أي من هؤلاء المشركين ~~المستكبرين وأحسن مقيلا أي موضع القائلة، وذلك أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم ~~القيامة إلا قدر من أول النهار إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في ~~الجنة قال ابن مسعود لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ~~ذلك نوم لأن الله تعالى قال وأحسن مقيلا والجنة لا نوم فيها قال ابن عباس ~~الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى ~~يكون، كما بين العصر إلى غروب الشمس. قوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ~~أي عن الغمام وهو غمام أبيض مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في ~~تيههم ونزل الملائكة تنزيلا قال ابن عباس تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، ~~وهم أكثر ممن في الأرض من الإنس والجن ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها ~~وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس ثم كذلك حتى تتشق السماء ~~السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها ثم تنزل الكروبيون ~~ثم حملة العرش الملك يومئذ الحق للرحمن أي الملك الذي هو الملك حقا ملك ~~الرحمن يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره ~~وكان يوما على الكافرين عسيرا أي شديد وفيه دليل على أنه لا يكون على ~~المؤمنين عسيرا وجاء في الحديث «أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون ~~عليه أخف من ms2620 صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا». # قوله تعالى ويوم يعض الظالم على يديه أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط، ~~وذلك أنه كان لا يقدم من سفر، إلا صنع طعاما ودعا إليه أشراف قومه وكان ~~يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من سفر، فصنع طعاما ~~ودعا الناس إليه ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرب الطعام، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأني رسول الله فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله. فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه. وكان عقبة صديقا لأبي ~~بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف، قال له: يا عقبة صبأت، قال لا والله ما صبأت ~~ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من ~~بيتي، ولم يطعم فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا إلا أن ~~تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة فقال عليه الصلاة والسلام، لا أراك ~~خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فقتل عقبة يوم بدر صبرا وأما أبي بن ~~خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد، وقيل: لما بزق عقبة في ~~وجه النبي صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه فكان أثر ذلك ~~في وجهه، حتى قتل وقيل كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف، فأسلم عقبة ~~فقال له أمية: # وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر وارتد، فأنزل الله فيه ويوم يعض ~~الظالم يعني عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، على يديه، ~~أي ندما وأسفا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه # PageV03P312 # بالمعصية والكفر لطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه، قال عطاء: يأكل يديه ~~حتى يبلغ مرفقيه ثم ينبتان، ثم يأكلهما هكذا كلما نبتت يده أكلها على ما ~~فعل، ms2621 تحسرا وندامة يقول يا ليتني اتخذت أي في الدنيا مع الرسول سبيلا أي ~~ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم واتخذت معه طريقا إلى الهداية يا ~~ويلتى دعا على نفسه بالويل ليتني لم أتخذ فلانا خليلا قيل يعني أبي بن خلف ~~لقد أضلني عن الذكر أي عن الإيمان والقرآن بعد إذ جاءني يعني الذكر مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الشيطان وهو كل متمرد عات صد عن سبيل الله ~~من الجن والإنس للإنسان خذولا أي كثير الخذلان يتركه ويتبرأ منه عند نزول ~~البلاء والعذاب به وحكم الآية عام في كل خليلين، ومتحابين اجتمعا على معصية ~~الله (ق) عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل الجليس ~~الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك، ~~وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبا ونافخ الكير إما أن يحرق ~~ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» أخرجه أبو ~~داود والترمذي. # ولهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تصاحب ~~إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي». قوله عز وجل: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 30 الى 40] # وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين كفروا ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ~~ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا (39) # ولقد ms2622 أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) # وقال الرسول يعني ويقول الرسول في ذلك اليوم يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا أي متروكا وأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه ~~وقيل جعلوه بمنزلة الهجر وهو السيئ من القول فزعموا أنه سحر وشعر، والمعنى ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم، يشكو قومه إلى الله عز وجل يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا، فعزاه الله تعالى فقال وكذلك جعلنا أي وكما جعلت ~~لك أعداء من مشركي مكة، وهم قومك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين أي ~~المشركين والمعنى لا يكبرن عليك ذلك فإن الأنبياء قبلك قد لقوا هذا من ~~قومهم، فصبروا فاصبر أنت كما صبروا فإني ناصرك، وهاديك وهو قوله تعالى وكفى ~~بربك هاديا ونصيرا قوله تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة أي كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود ~~صلوات الله عليهم أجمعين قال الله كذلك فعلنا ذلك لنثبت به فؤادك أي ~~أنزلناه مفرقا لنقوي به قلبك، فتعيه وتحفظه فإن الكتب المتقدمة نزلت على ~~أنبياء، يكتبون ويقرءون وأنزلنا القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ ولأن ~~من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور تحدث في أوقات ~~مختلفة ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيسر على ~~العامل به ورتلناه ترتيلا. # PageV03P313 # قال ابن عباس: وبيناه بيانا والترتيل التبيين في ترسل وتثبت وقيل فرقناه ~~تفريقا آية بعد آية ولا يأتونك يعني يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يعني ~~يضربونه لك في إبطال أمرك إلا جئناك بالحق أي بما ترد به ما جاءوا به من ما ~~يوردون المثل، وتبطله فسمي ما يوردون من الشبه مثلا، وسمي ما يدفع به الشبه ~~حقا وأحسن تفسيرا يعني أحسن بيانا وتفصيلا ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال ~~تعالى الذين يعني هم الذين يحشرون أي يساقون ويجرون على وجوههم ms2623 إلى جهنم ~~أولئك شر مكانا يعني منزلا ومصيرا وأضل سبيلا أي أخطأ طريقا. قوله تعالى ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا أي معينا وظهيرا فقلنا ~~اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا يعني القبط فدمرناهم فيه إضمار أي ~~فكذبوهما فدمرناهم تدميرا يعني أهلكناهم إهلاكا وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~يعني رسولهم ومن كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل فلذلك ذكره بلفظ الجمع ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية أي عبرة لمن بعدهم وأعتدنا للظالمين في الآخرة ~~عذابا أليما يعني سيرى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا وعادا وثمود أي ~~أهلكنا عادا وثمود وأصحاب الرس قال وهب بن منبه كان أهل بئر الرس نزولا ~~عليها، وكانوا أصحاب مواش يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبا، يدعوهم ~~إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وآذوا شعيبا فبينما هم حول البئر في ~~منازلهم، انهارت البئر وخسف بهم وبديارهم ورباعهم وقيل: الرس بئر بفلج ~~اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله. وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له ~~حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار هم الذين ذكرهم الله في سورة «يس» وقيل هم أصحاب الأخدود والرس ~~الأخدود وقرونا بين ذلك كثيرا أي وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد وثمود وأصحاب ~~الرس وكلا ضربنا له الأمثال أي الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم ~~إلا بعد الإنذار وكلا تبرنا تتبيرا أي أهلكناهم إهلاكا قوله تعالى ولقد ~~أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يعني الحجارة وهي قريات قوم لوط، وهي ~~خمس قرى أهلك الله منها أربعا ونجت واحدة. وهي أصغرها وكان أهلها لا يعملون ~~العمل الخبيث أفلم يكونوا يرونها يعني إذا مروا بها في أسفارهم فيعتبروا ~~ويتعظوا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم في ممرهم إلى الشأم بل كانوا لا ~~يرجون نشورا يعني لا يخافون بعثا. قوله تعالى: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 41 الى 48] # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا ms2624 عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا نزلت في أبي جهل كان إذا مر مع أصحابه قال ~~مستهزئا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا يعني قد قارب أن يضلنا عن ~~عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا عليها يعني على عبادتها والمعنى لو لم نصبر ~~عليها لصرفنا عنها وسوف يعلمون حين يرون العذاب أي في الآخرة عيانا من أضل ~~سبيلا أي أخطأ طريقا أرأيت من اتخذ إلهه هواه وذلك أن الرجل من المشركين ~~كان يعبد حجرا، فإذا رأى حجرا أحسن منه رماه وأخذ الأحسن منه وعبده وقال ~~ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله خالقه، ثم هوى # PageV03P314 # حجرا فعبده ما حاله عندي وقيل الهوى إله يعبد أفأنت تكون عليه وكيلا أي ~~حافظا تحفظه من اتباع الهوى وعبادة ما يهواه من دون الله والمعنى لست كذلك ~~وقال الكلبي نسختها آية القتال أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أي ما تقول سماع ~~طالب الإفهام أو يعقلون يعني ما يعاينون من الحجج والأعلام وهذه المذمة ~~أعظم من التي تقدمت، لأنهم لشدة عنادهم لا يسمعون القول وإذا سمعوه لا ~~يتفكرون فيه، فكأنهم لا سمع لهم ولا عقل البتة فعند ذلك شبههم بالأنعام ~~فقال تعالى إن هم أي ما هم إلا كالأنعام أي في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم ~~إقدامهم على التدبر والتفكير ثم قال تعالى بل هم أضل سبيلا لأن البهائم ~~تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعاهدونها، وهؤلاء الكفار ~~لا يعرفون طريق الحق ms2625 ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم لأن الأنعام تسجد ~~وتسبح والكفار لا يفعلون ذلك. # قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس جعله ممدودا، لأنه ظل لا شمس معه ولو شاء لجعله ساكنا يعني دائما ~~ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس ثم جعلنا الشمس عليه دليلا معنى دلالتها ~~عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، ~~والأشياء تعرف بضدها ثم قبضناه يعني الظل إلينا قبضا يسيرا يعني بالشمس ~~التي تأتي عليه والمعنى أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس فإذا طلعت ~~الشمس قبض الله الظل جزأ فجزأ قبضا خفيفا وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~يعني سترا تسترون به والمعنى أن الظلمة الليل تغشى كل شيء كاللباس، الذي ~~يشتمل على لابسه والنوم سباتا يعني راحة لأبدانكم وقطعا لأعمالكم وجعل ~~النهار نشورا يعني يقظة وزمانا تنتشرون فيه لابتغاء رزقكم وطلب الاشتغال ~~وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته يعني المطر وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره فهو اسم لما يتطهر به بدليل ~~ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وأراد به المطهر والماء المطر ~~لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة فثبت أن التطهير مختص بالماء وذهب ~~أصحاب الرأي إلى أن الطهور وهو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات ~~الطاهرة مثل الخل والريق ونحوها، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة ~~الحدث بها وذهب بعضهم إلى أن الطهور ما تكرر منه التطهير، وهو قول مالك حتى ~~جوز الوضوء بالماء إذا توضئ به مرة، وإن وقع في الماء شيء غير طعمه أو لونه ~~أو ريحه هل تزول طهوريته نظر إن كان الواقع شيئا لا يمكن صون الماء عنه، ~~كالطين والتراب وأوراق الأشجار فتجوز الطهارة به كما لو تغير بطول المكث في ~~قراره، وكذلك لو وقع فيه ms2626 ما لا يختلط كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته ~~تجوز الطهارة به لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة، وإن كان شيئا يمكن صون ~~الماء عنه، ومخالطته كالخل والزعفران ونحوهما تزول طهوريته فلا يجوز الوضوء ~~به وإن لم يتغير أحد أوصافه نظر إن كان الواقع شيئا طاهرا لا يزيل طهوريته ~~يجوز الوضوء به سواء كان الماء قليلا أو كثيرا، وإن كان الواقع شيئا نجسا ~~نظر فيه فإن كان الماء، أقل من قلتين نجس الماء وإن كان قدر قلتين فأكثر ~~فهو طاهر يجوز الوضوء به والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي يدل عليه ما روي ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة، ~~ترده السباع والذئاب فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» أخرجه أبو ~~داود والترمذي. وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث، أن ~~الماء إذا بلغ هذا الحد لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه، ~~وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه، وهذا قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري واحتجوا بما ~~روي عن أبي سعيد الخدري قال: «قيل يا رسول الله إنه يستقى لك من بئر بضاعة ~~ويلقى فيها لحوم الكلاب وخرق الحيض وعذر النساء، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الماء طهور لا ينجسه شيء» وفي رواية قال «قلت يا رسول الله ~~أيتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها خرق الحيض ولحوم الكلاب والنتن # PageV03P315 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الماء طهور لا ينجسه شيء» وقوله ~~تعالى: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 49 الى 57] # لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد ~~صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) ولو شئنا لبعثنا في ~~كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي ~~مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ~~(53) # وهو الذي ms2627 خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) ~~ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~(55) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من ~~شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) # لنحيي به أي بالمطر بلدة ميتا قيل: أراد به موضع البلدة ونسقيه مما خلقنا ~~أي نسقي من ذلك الماء أنعاما وأناسي كثيرا أي بشرا كثيرا والأناسي جمع إنسي ~~وقيل جمع إنسان قوله عز وجل ولقد صرفناه بينهم يعني المطر مرة ببلدة ومرة ~~ببلدة أخرى وقال ابن عباس ما عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض ~~وقرأ هذه الآية، وهذا كما روي مرفوعا «ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا ~~والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء» وروي عن ابن مسعود يرفعه، قال: ليس ~~من سنة بأمطر من سنة أخرى ولكن الله عز وجل قسم هذه الأرزاق فجعلها في هذه ~~السماء الدنيا في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم وإذا ~~عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم وإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك ~~المطر إلى الفيافي والبحار، وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطشا ~~ورذاذا ونحوها وقيل التصريف راجع إلى الريح ليذكروا أي ليتذكروا ويتفكروا ~~في قدرة الله تعالى فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي جحودا في كفرهم هو أنهم ~~إذا مطروا قالوا أمطرنا بنوء كذا (ق) عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى ~~بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء من ~~الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال «هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال أصبح عن عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك ~~كافر بي مؤمن بالكواكب» قوله تعالى: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا أي ~~رسولا ينذرهم ولكن ms2628 بعثناك إلى القرى كلها وحملناك ثقل النذارة لتستوجب ~~بصبرك ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة فلا تطع الكافرين فيما ~~يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم وجاهدهم به أي بالقرآن جهادا كبيرا أي ~~شديدا. قوله تعالى: وهو الذي مرج البحرين أي خلطهما وأفاض أحدهما على الآخر ~~وقيل أرسلهما في مجاريهما هذا عذب فرات أي شديد العذوبة يميل إلى الحلاوة ~~وهذا ملح أجاج أي شديد الملوحة وقيل مر وجعل بينهما برزخا أي حاجزا بقدرته ~~فلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب وحجرا محجورا أي سترا ممنوعا فلا ~~يبغي أحدهما على الآخر ولا يفسد الملح العذب. قوله تعالى: وهو الذي خلق من ~~الماء أي من النطفة بشرا فجعله نسبا وصهرا أي جعله ذا نسب وصهر وقيل النسب ~~ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه والنسب ما يوجب الحرمة والصهر ما لا ~~يوجبها وقيل النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب ~~المحرم للنكاح وقد حرم الله بالنسب سبعا وبالسبب سبعا ويجمعها قوله حرمت ~~عليكم أمهاتكم الآية وقد تقدم تفسير ذلك وبيانه في تفسير سورة النساء وكان ~~ربك قديرا على ما أراد حيث خلق من النطفة الواحدة نوعين من البشر الذكر ~~والأنثى ويعبدون من دون الله يعني هؤلاء المشركين ما لا ينفعهم أي إن عبدوه ~~ولا يضرهم أي # PageV03P316 # إن تركوه وكان الكافر على ربه ظهيرا أي معينا أعان الشيطان على ربه ~~بالمعاصي لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان وقيل معنى ظهيرا هينا ذليلا ~~من قولك ظهرت بفلان إذا جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه وقيل أراد بالكافر ~~أبا جهل والأصح أنه عام في كل كافر. وقوله تعالى: وما أرسلناك إلا مبشرا أي ~~بالثواب على الإيمان والطاعة ونذيرا منذرا بالعقاب على الكفر والمعصية قل ~~يا محمد ما أسئلكم عليه أي على تبليغ الوحي من أجر فتقولون إنما يطلب محمد ~~أموالنا بما يدعوننا إليه فلا نتبعه إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ~~معناه لكن من شاء أن يتخذ بإنفاق ماله سبيلا إلى ms2629 ربه فعلى هذا يكون المعنى ~~لا أسألكم لنفسي أجرا، ولكن أمنع من إنفاق المال إلا في طلب مرضاة الله، ~~واتخاذ السبيل إلى جنته. قوله عز وجل: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 58 الى 64] # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل ~~فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن ~~يذكر أو أراد شكورا (62) # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) # وتوكل على الحي الذي لا يموت معناه أنه سبحانه وتعالى لما أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن لا يطلب منهم أجرا البتة أمره أن يتوكل عليه في جميع ~~أموره، وإنما قال على الحي الذي لا يموت لأن من توكل على حي يموت انقطع ~~توكله عليه بموته، وأما الله سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا ينقطع توكل ~~من توكل عليه، ولا يضيع البتة وسبح بحمده أي صل له شكرا على نعمه وقيل: ~~معناه قل سبحان الله والحمد لله وكفى به بذنوب عباده خبيرا يعني أنه تعالى ~~عالم بجميع ذنوب عباده فيجازيهم بها. وقيل: معناه أنه لا يحتاج معه إلى ~~غيره لأنه خبير عالم قادر على مكافأتهم وفيه وعيد شديد، كأنه إذا قدمتم على ~~مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة. قوله عز وجل ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا أي فاسأل الخبير بذلك، يعني بما ذكر من خلق السموات ~~والأرض والاستواء على العرش. وقيل: معناه أيها الإنسان لا ترجع في طلب ~~العلم، بهذا إلى غيري وقيل معناه فاسأل عنه خبيرا وهو الله تعالى وقيل: هو ~~جبريل عليه السلام وإذا ms2630 قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أي ما نعرف ~~الرحمن إلا رحمان اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب كانوا يسمونه رحمان اليمامة ~~أنسجد لما تأمرنا أنت يا محمد وزادهم يعني قول القائل اسجدوا للرحمن نفورا ~~يعني عن الإيمان والسجود. # فصل # وهذه السجدة من عزائم السجدات فيسن للقارئ، والمستمع أن يسجدا عند سماعها ~~وقراءتها. قوله تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا قيل: البروج هي ~~النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها، وقيل: البروج قصور فيها الحرس. وقال ابن ~~عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي ~~الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس ~~والجدي والدلو والحوت سميت بالبروج، التي هي القصور العالية لأنها للكواكب ~~كالمنازل لسكانها وجعل فيها سراجا يعني الشمس وقمرا منيرا وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة قال ابن عباس معناه خلفا، وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه ~~فمن # PageV03P317 # فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن ~~الخطاب. قال فاتتني الصلاة الليلة قال أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن ~~الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر. وقيل جعل كل واحد منهما ~~مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض وقيل يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب هذا ~~جاء هذا فهما يتعقبان في الضياء، والظلمة والزيادة والنقصان لمن أراد أن ~~يذكر أي يتذكر ويتعظ أو أراد شكورا يعني شكر نعمة ربه عليه فيهما. قوله عز ~~وجل وعباد الرحمن قيل هذه الإضافة للتخصيص، والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد ~~الله الذين يمشون على الأرض هونا يعني بالسكينة والوقار متواضعين غير ~~أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة وإذا خاطبهم ~~الجاهلون يعني السفهاء بما يكرهونه قالوا سلاما يعني سدادا من القول يسلمون ~~فيه لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ولم يجهلوا وليس المراد منه السلام ~~المعروف وقيل هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال ويروى عن ~~الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا ms2631 وصف نهارهم ثم إذا قرأ ~~والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما قال هذا وصف ليلهم، والمعنى يبيتون لربهم ~~في الليل بالصلاة سجدا على وجوههم وقياما على أقدامهم. قال ابن عباس، من ~~صلى بعد العشاء الأخيرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما (م) عن ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ~~ليلة» قوله عز وجل: # ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 65 الى 77] # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما (67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) ~~والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما أي ملحا ~~دائما لازما غير مفارق من عذب من الكفار. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله ~~الكفار ثمن نعمته فلم يؤدوه فأغرمهم فبقوا في النار، وقال كل غريم مفارق ~~غريمه إلا جهنم: وقيل: الغرام الشر اللازم والهلاك الدائم إنها يعني جهنم ~~ساءت بئست مستقرا ومقاما أي موضع قرار وإقامة والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا قيل الإسراف النفقة في معصية الله، وإن قلت والإقتار ms2632 منع حقوق ~~الله تعالى وهو قول ابن عباس. وقيل: الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى ~~يدخل في حد التبذير والإقتار التقصير عما لا بد منه وهو أن لا يجيع عياله ~~ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف وكان بين ذلك قواما أي قصدا ~~وسطا بين الإسراف والإقتار وحسنة بين السيئتين قيل: هذه الآية في صفة أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون الطعام للتنعم واللذة لا يلبسون ~~ثوبا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على ~~عبادة ربهم ومن الثياب ما يسترون به العورة، ويقيهم من الحر والبرد. قال ~~عمر بن الخطاب كفى سرفا أن لا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر (ق) عن ابن عباس «أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا ~~فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي ~~تقول وتدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ونزل ~~قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (ق) عن عبد ~~الله بن مسعود قال: قال رجل «يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله قال: # تدعو لله ندا وهو خلقك، قال: ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ~~قال: ثم أي قال أن تزاني حليلة # PageV03P318 # جارك، فأنزل الله تعالى تصديقه، والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون» ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~أي ومن يفعل شيئا من ذلك يلق أثاما قال ابن عباس إنما يريد جزاء الإثم، ~~وقيل عقوبة وقيل: الأثام واد في جهنم ويروى في الحديث «أن الغي والأثام ~~بئران في جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار» يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~وسبب تضعيف العذاب، أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك ms2633 يضاعف له العذاب ~~على شركه ومعصيته ويخلد فيه مهانا أي ذليلا. # قوله تعالى إلا من تاب أي عن ذنبه وآمن يعني بربه وعمل عملا صالحا أي ~~فيما بينه وبين ربه روي عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما قال: قرأناها على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~الآية ثم نزلت إلا من تاب فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط ~~مثل ما فرح بها وفرحه بإنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر». وقوله تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله ~~غفورا رحيما قال ابن عباس: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن ~~الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، ~~وبالزنا عفة وإحصانا وقيل يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات ~~يوم القيامة (م) عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني ~~لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به ~~يوم القيامة فيقال أعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه ~~صغارها فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ~~فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال ~~له إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا قال ~~فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه وقيل إن الله ~~تعالى يمحو بالندم جميع السيئات ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 71 الى 77] # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا ويلقون ms2634 فيها تحية وسلاما (75) # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم ~~فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) # ومن تاب وعمل صالحا قيل هذا في التوبة من غير ما سبق ذكره في الآية ~~الأولى من القتل والزنا ومعناه، ومن تاب من الشرك وعمل صالحا يعني أدى ~~الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن فإنه يتوب إلى الله أي يعود إليه بعد الموت ~~متابا أي حسنا يفضل على غيره ممن قتل وزنا فالآية الأولى وهي قوله: ومن تاب ~~رجوع عن الشرك والثانية رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. وقيل: هذه الآية ~~أيضا في التوبة عن جميع السيئات ومعناه ومن أراد التوبة، وعزم عليها فليتب ~~إلى الله فقوله يتوب إلى الله خبر بمعنى الأمر أي تب إلى الله وقيل معناه ~~فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله تعالى. قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور ~~يعني الشرك وقيل هي شهادة الزور (ق) عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول الله قال: # الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور ~~وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» وكان عمر بن الخطاب يجلد ~~شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه ويطوف به في الأسواق وقيل: # لا يشهدون الزور يعني أعياد المشركين وقيل: الكذب وقيل: النوح وقيل لا ~~يساعد أهل الباطل على باطلهم وقيل الزور اللهو واللعب والغناء. قال ابن ~~مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. وأصل الزور # PageV03P319 # حقيقة تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ~~وإذا مروا باللغو هو كل ما يجب أن يلغى ويترك مروا كراما يعني إذا سمعوا من ~~الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا فعلى هذا التفسير، تكون الآية منسوخة ~~بآية القتال. وقيل: اللغو المعاصي كلها، والمعنى إذا مروا بمجالس اللهو ~~والباطل مروا كراما أي مسرعين معرضين، وهو أن ينزه المرء نفسه ويكرمها عن ~~هذه المجالس السيئة والذين إذا ms2635 ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا قيل: معناه أنه ليس فيه نفي الخرور إنما هو إثبات له ونفي الصمم ~~والعمى والمعنى إذا ذكروا بها أكبوا على استماعها بأذان واعية وأقبلوا على ~~المذكر بها بعيون مبصرة راعية. # وقيل: معناه لم يخروا أي لم يسقطوا ولم يقعوا عليها صما وعميانا، كأنهم ~~بآذانهم صمم وبأعينهم عمى بل يسمعون ما يذكرون به، فيفهمونه ويرون الحق فيه ~~فيتبعونه. # قوله عز وجل والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~يعني أبرارا أتقياء فيقرون أعيننا بذلك قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن ~~يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله عز وجل فيطمع أن يحلوا معه في الجنة فيتم ~~سروره، وتقر عينه بذلك وقيل: إن العرب تذكر قرة العين عند السرور والفرح ~~وسخنة العين عند الغم والحزن. ويقال: دمع العين عند السرور والفرح بارد ~~وعند الحزن حار وقيل معنى قرة العين أن يصادف قلبه من يرضاه، فتقر عينه به ~~عن النظر إلى غيره واجعلنا للمتقين إماما يعني يقتدون في الخير بنا. وقيل: ~~معناه نقتدي بالمتقين وتقتدي بنا المتقون وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هدى ~~وقيل: معناه أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعات المبلغ الذي يشار إليهم ~~فيه ويقتدي بهم. قال بعضهم: فيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة مرغوب ~~فيها وقيل هذا من المقلوب معناه، واجعل المتقين لنا إماما واجعلنا مقتدين ~~مؤتمين بهم أولئك يجزون أي يثابون الغرفة الدرجة العالية الرفيعة في الجنة ~~وقيل: يريد غرف الدر والزبرجد واللؤلؤ والياقوت في الجنة بما صبروا يعني ~~على طاعة الله تعالى وأوامره وعلى أذى المشركين وقيل: بما صبروا عن الشهوات ~~ويلقون فيها تحية أي ملكا وقيل بقاء دائما وسلاما أي يسلم بعضهم على بعض أو ~~يرسل الرب عز وجل إليهم السلام وقيل سلاما أي سلامة من الآفات. قوله تعالى ~~خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما أي موضع قرار وإقامة. قوله تعالى قل ما ~~يعبؤا بكم ربي أي ما يصنع ما يفعل بكم فوجودكم وعدمكم ms2636 سواء، وقيل: # معناه أي وزن ومقدار لكم عنده لولا دعاؤكم إياه. قيل معناه لولا عبادتكم ~~إياه وقيل: لولا إيمانكم وقيل لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان فإذا آمنتم ظهر ~~لكم عنده قدر. وقيل: معناه ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاقتكم، ~~والمعنى أنه خلقكم لطاعته وعبادته وهذا قول ابن عباس وقيل: معنى ما يعبأ أي ~~ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة. وقيل معناه ما خلقتكم ولي ~~إليكم حاجة إلا أن تسألوني، فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم فقد كذبتم أيها ~~الكافرون يخاطب أهل مكة يعني أن الله دعاكم إلى توحيده وعبادته على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبتم الرسول ولم تجيبوه إلى الإيمان فسوف ~~يكون لزاما هذا تهديد لهم أي يكون تكذيبهم لزاما قال ابن عباس: موتا وقيل ~~هلاكا وقيل: قتالا والمعنى يكون التكذيب لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى ~~يجازى بعمله. وقيل: معناه عذابا دائما وهلاكا لازما لمن كذب مفنيا يلحق ~~بعضكم بعضا وقيل: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون وهو قول عبد الله ~~بن مسعود وأبي بن كعب، يعني أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة ~~لازما لهم (ق) عن عبد الله بن مسعود قال «خمس قد مضين الدخان واللزام ~~والروم والبطشة والقمر وفي رواية الدخان والقمر والروم واللزام والبطشة» ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV03P320 ### | سورة الشعراء # وهي مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله تعالى والشعراء يتبعهم ~~الغاوون وهي مائتان وسبع وعشرون آية وألف ومائتان وتسع وسبعون كلمة وخمسة ~~آلاف وخمسمائة وأربعون حرفا، روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أعطيت طه والطواسين من ألواح موسى عليه الصلاة والسلام». # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) # قوله عز وجل طسم قال ابن عباس: عجزت العلماء عن علم تفسيرها وفي رواية ~~أخرى عنه أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى وقيل اسم من أسماء القرآن، وقيل ms2637 ~~اسم السورة وقيل أقسم بطوله وسنائه وملكه تلك آيات أي هذه الآيات آيات ~~الكتاب المبين قيل لما كان القرآن فيه دلائل التوحيد، والإعجاز الدالة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل الأحكام أجمع ثبت بذلك أن آيات القرآن ~~كافية مبينة لجميع الأحكام. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 3 الى 8] # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين (5) فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) أولم ~~يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) # لعلك باخع نفسك أي قاتل نفسك ألا يكونوا مؤمنين أي إن لم يؤمنوا وذلك حين ~~كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين أي لو شاء ~~الله لأنزل عليهم آية يذلون منها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله ~~سبحانه وتعالى. وقيل: معناه لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد ~~منهم بعده معصية. فإن قلت: كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق. قلت أصل ~~الكلام فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان الخضوع وترك الكلام على ~~أصله أو لما، وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل خاضعين. وقيل: أعناق الناس ~~رؤساؤهم ومقدموهم أي فظلت كبراؤهم لها خاضعين وقيل أراد بالأعناق الجماعات، ~~يقال جاء عنق من الناس أي جماعة قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن أي ~~وعظ وتذكير محدث أي محدث إنزاله فهو محدث التنزيل وكلما نزل شيء من القرآن ~~بعد شيء فهو أحدث من الأول إلا كانوا عنه معرضين أي عن الإيمان به فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أي فسوف يأتيهم أنبؤا أي أخبار وعواقب ما كانوا به يستهزؤن ~~أولم يروا إلى الأرض يعني المشركين كم أنبتنا فيها أي بعد أن لم يكن فيها ~~نبات من ms2638 كل زوج كريم أي جنس ونوع وصنف حسن من النبات مما يأكل الناس ~~والأنعام، قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن # PageV03P321 # دخل النار فهو لئيم إن في ذلك أي الذي ذكر لآية تدل على أنه واحد أي ~~دلالة على كمال قدرتنا وتوحيدنا كما قيل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وو ما كان أكثرهم مؤمنين أي سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون ولا ~~يصدقون. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 9 الى 22] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ~~(10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ~~ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا ~~بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) # وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ~~(21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) # وإن ربك لهو العزيز أي المنتقم من أعدائه الرحيم ذو الرحمة لأوليائه. ~~قوله تعالى وإذ نادى أي واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى أي حين رأى الشجرة ~~والنار أن ائت القوم الظالمين يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ~~وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب قوم فرعون يعني القبط ألا ~~يتقون أي يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته والإيمان به قال يعني موسى رب ~~أي يا رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري أي بتكذيبهم إياي ولا ينطلق لساني ~~أي للعقدة التي كانت على لسانه فأرسل إلى هارون ليوازرني ويعينني على تبليغ ~~الرسالة ولهم علي ذنب أي دعوى ذنب وهو قتله القبطي فأخاف أن يقتلون أي به ~~قال الله تعالى كلا أي لن يقتلوك فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون أي ~~سامعون ما ms2639 تقولون وما يقال لكم. فإن قلت: كيف ذكرهم بلفظ الجمع في قوله ~~معكم وهما اثنان. قلت: # أجراهما مجرى الجماعة، وهو جائز في لغة العرب أتيا فرعون فقولا إنا رسول ~~رب العالمين # فإن قلت هلا ثنى الرسول كما في قوله: فائتياه فقولا إنا رسولا ربك. قلت: ~~الرسول قد يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعله ثم بمعنى المرسل فلم يكن ~~بد من تثنيته، وجعله هنا بمعنى الرسالة فجازت التسوية فيه، إذا وصف به ~~الواحد والتثنية والجمع والمعنى أنا ذو رسالة كما قال كثير: # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بشيء ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة وقيل إنهما لاتفاقهما في الرسالة، والشريعة والإخوة فصارا ~~كأنهما رسول واحد وقيل كل واحد منا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل أي خلهم وأطلقهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم وكان فرعون قد ~~استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، ~~فانطلق موسى برسالة ربه إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك، وفي القصة أن موسى ~~رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصاه والمكتل معلق في رأس العصا، وفيه ~~زاده فدخل دار نفسه وأخبر هارون أن الله قد أرسلني إلى فرعون وأرسل إليك ~~ندعو فرعون إلى الله تعالى فخرجت أمهما فصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك ~~فإذا ذهبت إليه، قتلك فلم يمتنع لقولها وذهبا إلى باب فرعون وذلك بالليل ~~فدقا الباب ففزع البوابون، وقالوا: من بالباب فقال أنا موسى رسول رب ~~العالمين فذهب البوابون إلى فرعون وقالوا إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول ~~رب العالمين # PageV03P322 # فترك حتى أصبح ثم دعاهما وقيل إنهما انطلقا جميعا إلى فرعون فلم يؤذن ~~لهما سنة في الدخول، ثم دخل البواب فقال لفرعون ها هنا إنسان يزعم أنه رسول ~~رب العالمين فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه فدخلا على فرعون وأديا ~~رسالة الله تعالى فعرف فرعون موسى لأنه نشأ في بيته ف قال له ألم نربك فينا ~~وليدا يعني صبيا ولبثت فينا من عمرك سنين أي ms2640 ثلاثين سنة وفعلت فعلتك التي ~~فعلت يعني قتلت القبطي وأنت من الكافرين قال أكثر المفسرين من الجاحدين ~~لنعمتي وحق تربيتي يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا، وكفرت ~~نعمتنا وهي رواية عن ابن عباس قال إن فرعون لم يكن يعلم الكفر بالربوبية ~~ولأن الكفر غير جائز على الأنبياء لا قبل النبوة، ولا بعدها وقيل معناه ~~وأنت من الكافرين بفرعون وإلهيته قال يعني موسى فعلتها إذا وأنا من الضالين ~~أي من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله لأن فعل الوكزة على وجه التأديب لا ~~على وجه القتل وقيل من الضالين عن طريق الصواب وقيل من المخطئين ففررت منكم ~~أي إلى مدين لما خفتكم فوهب لي ربي حكما يعني النبوة وقيل العلم والفهم ~~وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل أي اتخذتهم ~~عبيدا قيل: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه لم يقتله كما قتل ولدان بني ~~إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل فيكون معنى الآية، وتلك نعمة ~~تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني فلم تستعبدني، وقيل هو على طريق ~~الإنكار ومعنى الآية أو تلك نعمة على طريق الاستفهام، فحذف الألف كما قال ~~عمر بن عبد الله بن ربيعة: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها ... وطرفها من دموعها غرق # وقولها والركاب واقفة ... تتركني هكذا وتنطلق # أي أتتركني، والمعنى أتمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل ~~بالاستعباد والمعاملات القبيحة أو يريد كيف تمن علي بالتربية، وقد استعبدت ~~قومي ومن أهين قومه فقد ذل فتعبد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي، ولو لم ~~تستعبدهم ولم تقتل أولادهم لم أرفع إليك حتى تربيني وتكلفني، ولكان لي من ~~أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 23 الى 41] # قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) # قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ms2641 إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت ~~به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ~~(34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه ~~وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) # فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) ~~لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ~~أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) # قال فرعون وما رب العالمين يقول أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله ~~أي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه ~~عن الجنسية والماهية فلهذا عدل موسى عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله وآثار ~~قدرته التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها قال رب السماوات والأرض وما # PageV03P323 # بينهما إن كنتم موقنين # أنه خالقهما فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفة إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم ~~بذلك لزمكم أن تقطعوا أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من ~~الجواب، وقال أهل المعاني أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها، ~~فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى الذي خلقها وأوجدها فلما قال ذلك موسى ~~تحير فرعون في جواب موسى قال لمن حوله أي من أشراف قومه قال ابن عباس: ~~كانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة ألا تستمعون وإنما قال فرعون: ذلك على ~~سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أني إنما أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة ~~وهو يجيبني بأفعاله وآثاره وقيل: إنهم كانوا يعتقدون إن آلهتهم ملوكهم ثم ~~زادهم موسى في البيان قال ربكم ورب آبائكم الأولين يعني أن موسى ذكر ما هو ~~أقرب فقال ربكم يعني أنه خالقكم وخالق آبائكم الأولين قال يعني فرعون إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون يعني المقصود من السؤال طلب الماهية، وهو ~~يجيب بالآثار الخارجة وهذا لا يفيد البتة فهذا الذي ms2642 يدعي الرسالة مجنون لا ~~يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه، ويتكلم بكلام لا نقبله ولا نعرف صحته، ~~وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل فزاد في البيان قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون فعدل إلى طريق ثالث أوضح من ~~الثاني، ومعنى إن كنتم تعقلون قد عرفتم أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت ~~قال فرعون حين لزمته الحجة، وانقطع عنه الجواب تكبرا عن الحق لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قيل كان سجن فرعون أشد من القتل، لأنه كان ~~يأخذ الرجل فيطرحه في مكان يهوي فيه إلى الأرض وحده فردا لا يسمع ولا يبصر ~~فيه قال له موسى حين توعده بالسجن أولو جئتك بشيء مبين أي بآية بينة ~~والمعنى أتفعل ذلك، ولو جئتك بحجة بينة وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق ~~الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بالبيان قال يعني فرعون فأت به ~~أي إنا لن نسجنك حينئذن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين # قيل إنها لما صارت حية ارتفعت في السماء، قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى ~~فرعون فقال: بالذي أرسلك ألا أخذتها فأخذها موسى، فعادت عصا كما كانت فقال ~~وهل غيرها قال نعم وأراه يده ثم أدخلها في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي بيضاء ~~من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس وهو قوله ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ~~فعند ذلك قال فرعون للملإ حوله إن هذا يعني موسى لساحر عليم وكان زمان ~~السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قومه ثم قال يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~بسحره قال هذا القول على سبيل التنفير لئلا يقبلوا قول موسى فماذا تأمرون ~~يعني ما رأيكم فيه وما الذي أعمله فعند ذلك قالوا أرجه وأخاه أي أخره وأخاه ~~وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم قيل إن فرعون أراد قتل موسى ~~فقالوا لا تفعل فإنك إن قتلته دخلت الناس شبهة في أمره ولكن أخره واجمع ms2643 له ~~سحرة ليقاوموه ولا تثبت له عليك حجة. قوله تعالى فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم يعني يوم الزينة قال ابن عباس وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من ~~السنة، وهو يوم النيروز وقيل للناس هل أنتم مجتمعون أي لتنظروا ما يفعل ~~الفريقان، ولمن تكون الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين لموسى ~~قيل أراد بالسحرة موسى وهارون وقالوا: ذلك على طريقة الاستهزاء فلما جاء ~~السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين طلبوا من فرعون ~~الجزاء، وهو بذل المال والجاه فبذل لهم ذلك كله، وأكده بقوله: # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 42 الى 61] # قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~(43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) # قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا ~~نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا ~~لجميع حاذرون (56) # فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون (61) # PageV03P324 # قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا ~~حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون أي بعظمة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون أي ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ~~قيل: إن عصى موسى صارت حية وابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم ثم أخذها ~~موسى فإذا هي كما كانت أول مرة فألقي السحرة ساجدين قيل إنهم لما رأوا ما ~~جاوز حد السحر علموا أنه ليس بسحر، ثم لم يتمالكوا أن ms2644 خروا ساجدين ثم إنهم ~~قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وإنما قالوا رب موسى وهارون، لأن ~~فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون فيه وعيد مطلق وتهديد شديد ثم بين ~~ذلك الوعيد فقال لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ~~ضير إنا إلى ربنا منقلبون أي لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا، لأنا ~~ننقلب ونصير إلى ربنا في الآخرة مؤمنين مؤملين غفرانه وهو قولهم إنا نطمع ~~أن يغفر لنا ربنا خطايانا أي الكفر والسحر أن أي لأن كنا أول المؤمنين أي ~~من أهل زماننا وقيل أول المؤمنين أي من الجماعة الذين حضروا ذلك الجمع. ~~قوله تعالى وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون أي يتبعكم فرعون ~~وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج، قيل: أوحى الله إلى موسى أن اجمع بني ~~إسرائيل، كل أهل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها ~~على أبوابكم فإني سآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وآمرهم أن ~~لا يدخلوا بيتا على بابه دم، ثم اخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي ~~حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري ففعل ذلك موسى، ثم إن قوم موسى قالوا ~~لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا فاستعاروا منهم حليهم، ثم خرجوا بتلك ~~الأموال في الليل إلى جهة البحر فلما سمع فرعون ذلك، قال: هذا عمل موسى ~~وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأخذوا أموالنا فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين يعني الشرط يحشرون الجيش قيل: كانت المدائن ألف مدينة واثني عشر ألف ~~قرية، فأرسل فرعون في أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف، وخرج فرعون في ~~الكرسي العظيم في مائتي ألف ملك مسورين مع كل ملك ألف فلذلك قال إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون قال أهل التفسير كانت الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف ~~مقاتل، لم يعدوا دون العشرين وفوق الستين سنة وقال ابن مسعود كانت ستمائة ~~ألف وسبعين ms2645 ألفا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. # وإنهم لنا لغائظون الغيظ الغضب يعني أنهم أغضبونا بمخالفتهم فينا وقتلهم ~~أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا ~~وإنا لجميع حاذرون أي خائفون من شرهم وقرئ حذرون، أي ذوو قوة وأداة شاكو ~~السلاح وقيل الحاذر الذي يحذرك الآن بالتحقيق من المتلبس بحمل السلاح، ~~والحذر الذي لا تلقاه إلا خائفا فأخرجناهم من جنات وعيون قيل: كانت ~~البساتين ممتدة في حافتي النيل فيها عيون وأنهار جارية وكنوز يعني الأموال ~~الظاهرة من الذهب والفضة، وسماها كنوزا لأنه لم يؤد حق الله منها وكل مال ~~لم يعط، ولم يؤد حق الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرا قيل كان لفرعون ~~ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب قال ~~الله تعالى ومقام كريم أي مجلس حسن قيل: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي ~~كانت لهم وقيل إنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ~~ذهب يجلس # PageV03P325 # عليها الأشراف من قومه والأمراء وعليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب ~~والمعنى أنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها العيون وأموالهم ومجالسهم ~~الحسنة كذلك أي كما وصفنا وأورثناها بني إسرائيل وذلك أن الله عز وجل رد ~~بني إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون، وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون، ~~وقومه من الأموال والأماكن الحسنة فأتبعوهم مشرقين أي لحق فرعون وقومه ~~موسى، وأصحابه وقت شروق الشمس وهو إضاءتها فلما تراءا الجمعان يعني تقابلا ~~بحيث يرى كل فريق صاحبه قال أصحاب موسى إنا لمدركون أي سيدركنا فرعون وقومه ~~ولا طاقة لنا بهم. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 62 الى 81] # قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(68) واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ms2646 ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) # قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون (76) # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو ~~يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) # قال أي موسى لثقته وعد الله تعالى إياه كلا أي لن يدركونا إن معي ربي ~~سيهدين يعني يدلني على طريق النجاة فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق أي فضربه فانشق فكان كل فرق أي قطعة من الماء كالطود أي الجبل ~~العظيم قيل لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر هاجت الرياح فصار البحر يرمي ~~بموج كالجبال، قال يوشع: يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون من خلفنا، ~~والبحر أمامنا قال موسى، ها هنا فخاض يوشع الماء لا يواري حافر دابته، ~~وقال: الذي يكتم إيمانه يا كليم الله أين أمرت قال: # ها هنا فكبح فرسه فصكه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه البحر ~~فارتسب في الماء وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى لا يدري ~~كيف يصنع فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، فإذا الرجل ~~واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده وأزلفنا ثم الآخرين يعني قربنا فرعون ~~وجنوده إلى البحر وقدمناهم إلى الهلاك وقيل إن جبريل كان بين بني إسرائيل، ~~وبين قوم فرعون يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط رويدا ~~ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون ما رأينا أحسن سياقة من هذا ~~الرجل، وكان قوم فرعون يقولون ما رأينا أحسن دعة من هذا الرجل وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين يعني أنه تعالى جعل البحر يبسا حتى خرج ~~موسى وقومه، منه وأغرق فرعون وقومه، وذلك أنهم لما تكاملوا في البحر انطبق ~~عليهم فأغرقهم إن في ذلك لآية يعني ما حدث في البحر من انفلاقه آية من ~~الآيات العظام الدالة على قدرته ومعجزة لموسى عليه ms2647 السلام وما كان أكثرهم ~~مؤمنين يعني أهل مصر قيل: لم يؤمن منهم إلا آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن ~~آل فرعون، ومريم ابنة مامويا التي دلت على قبر يوسف حين أخرجه موسى من ~~البحر وإن ربك لهو العزيز الرحيم قوله تعالى واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال ~~لأبيه وقومه ما تعبدون يعني أي شيء تعبدون وإنما قال إبراهيم ذلك مع علمه ~~بأنهم عبدة لأصنام، ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين يعني نقيم على عبادتها وإنما قالوا: نظل ~~لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل قال هل يسمعونكم يعني يسمعون ~~دعاءكم إذ تدعون أو ينفعونكم # PageV03P326 # يعني بالرزق أو يضرون يعني إن تركتم عبادتهم وإذا كان كذلك، فكيف يستحقون ~~العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة القاطعة قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ~~المعنى أنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ولكن اقتدينا بآبائنا ~~في ذلك، وفي الآية دليل على إبطال التقليد في الدين وذمه ومدح الأخذ ~~بالاستدلال قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون أي الأولون ~~فإنهم عدو لي أي أعداء لي وإنما وحده على إرادة الجنس. # فإن قلت: كيف وصف الأصنام بالعداوة؟ وهي جمادات لا تعقل. قلت: معناه ~~فإنهم عدو لي يوم القيامة لو عبدتهم في الدنيا وقيل: إن الكفار لما عبدوها ~~ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها وقيل: هو من ~~المقلوب أراد فإني عدو لهم لأن من عاديته فقد عاداك إلا رب العالمين أي ~~ولكن رب العالمين، فإنه ربي وولي وقيل إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله ~~تعالى فقال إبراهيم كل ما تعبدون أعداء لي إلا رب العالمين ثم وصف معبوده ~~الذي يستحق العبادة فقال الذي خلقني فهو يهدين إلى طريق النجاة والذي هو ~~يطعمني ويسقين أي يرزقني ويغذيني بالطعام والشراب وإذا مرضت أصابني مرض ~~أضاف المرض إلى نفسه استعمالا للأدب وإن كان المرض والشفاء من الله فهو ~~يشفين أي يبرئني ويعافيني من المرض والذي يميتني ثم ms2648 يحيين أي يميتني في ~~الدنيا ثم يحييني في الآخرة. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 82 الى 102] # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة ~~النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) # ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى ~~الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) # وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون ~~(93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم ~~فيها يختصمون (96) # تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا ~~إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) # فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) # والذي أطمع أي أرجو أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين أي يوم الجزاء والحساب ~~قيل: خطيئته كذباته الثلاث وتقدم الكلام عليها (م) عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم ~~المسكين أكان ذلك نافعا له؟ قال «لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين» وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، أنه لا يصلح ~~للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال رب هب لي حكما قال ابن عباس: معرفة حدود ~~الله وأحكامه وقيل: العلم والفهم وألحقني بالصالحين أي بمن سلف قبلي من ~~الأنبياء في المنزلة والدرجة العالية واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ثناء ~~حسنا وذكرا جميلا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك ~~وجعل كل الأديان يتولونه، ويثنون عليه واجعلني من ورثة جنة النعيم أي ممن ~~تعطيه جنة النعيم لأنها السعادة الكبرى واغفر لأبي إنه كان من الضالين قيل ~~دعا لأبيه على رجاء أن يسلم فيغفر له فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ~~ولا تخزني أي ولا تفضحني يوم يبعثون وهو يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون إلا ms2649 من أتى الله بقلب سليم أي خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فلا ~~يسلم منها أحد قال سعيد بن المسيب القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن ~~لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقيل: القلب السليم هو الخالي من البدعة ~~المطمئن إلى السنة وأزلفت الجنة أي قربت للمتقين وبرزت الجحيم أي أظهرت ~~للغاوين أي للكافرين وقيل لهم يعني يوم القيامة أين ما كنتم # PageV03P327 # تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أي يمنعونكم من عذاب الله أو ينتصرون ~~لأنفسهم فكبكبوا قال ابن عباس جمعوا وقيل قذفوا وطرحوا بعضهم على بعض وقيل: ~~ألقوا على رؤوسهم فيها أي في جهنم هم والغاوون يعني الآلهة والعابدين وقيل: ~~الجن والكافرين وجنود إبليس أجمعون يعني أتباعه ومن أطاعه من الإنس والجن ~~وقيل ذريته قالوا وهم فيها يختصمون يعني العابدين والمعبودين تالله إن كنا ~~لفي ضلال مبين إذ نسويكم أي نعدلكم برب العالمين فنعبدكم وما أضلنا يعني ~~دعانا إلى الضلال إلا المجرمون يعني من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن ~~والإنس، وقيل: الأولون الذين اقتدينا بهم وقيل يعني إبليس وابن آدم الأول ~~وهو قابيل، وهو أول من سن القتل وأنواع المعاصي فما لنا من شافعين يعني من ~~يشفع لنا يعني كما أن للمؤمنين شافعين من الملائكة والأنبياء ولا صديق حميم ~~أي قريب يشفع لنا، يقول ذلك الكفار حين يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، ~~والصديق هو الصادق في المودة مع موافقة الدين عن جابر بن عبد الله قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل يقول في الجنة ما فعل بصديقي ~~فلان وصديقه في الجحيم، فيقول الله عز وجل أخرجوا له صديقه إلى الجنة، ~~فيقول من بقي فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» رواه البغوي بإسناد ~~الثعلبي. # وقال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة ~~فلو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين أي أنهم تمنوا الرجعة ~~حين لا رجعة لهم. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 103 الى 129] # إن في ذلك لآية ms2650 وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(104) كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) ~~إني لكم رسول أمين (107) # فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~(111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) # إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ~~(116) قال رب إن قومي كذبون (117) # فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن ~~معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (127) # أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع هذه الدلائل والآيات وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم أي المنتقم الذي لا يغالب وهو في وصف عزته رحيم. قوله ~~وعز وجل كذبت قوم نوح المرسلين أي كذبت جماعة قوم نوح، قيل: القوم مؤنثة ~~وتصغيرها قويمة. فإن قلت: كيف قال المرسلين وإنما هو رسول واحد وكذلك باقي ~~القصص. قلت: لأن دين الرسل واحد وإن الآخر منهم جاء بما جاء به الأول فمن ~~كذب واحد من الأنبياء فقد كذب جميعهم إذ قال لهم أخوهم نوح أي أخوهم في ~~النسب لا في الدين ألا تتقون أي ألا تخافون فتتركوا الكفر والمعاصي إني لكم ~~رسول أمين أي على الوحي، وكان معروفا عندهم بالأمانة فاتقوا الله أي بطاعته ~~وعبادته وأطيعون أي فيما أمرتكم به من الإيمان والتوحيد وما أسئلكم عليه من ~~أجر أي من جعل وجزاء إن أجري أي ثوابي إلا على رب العالمين فاتقوا الله ~~وأطيعون قيل: كرره ليؤكده عليهم ويقرره في نفوسهم ms2651 وقيل ليس فيه تكرار ومعنى ~~الأول ألا تتقون الله في مخالفتي وأنا رسول الله ومعنى الثاني ألا # PageV03P328 # تتقون الله في مخالفتي وإني لست آخذ منكم أجرا قالوا أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون أي السفلة قال ابن عباس: # يعني القافة وقيل هم الحاكة والأساكفة قال يعني نوحا وما علمي بما كانوا ~~يعملون أي وما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم ~~شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله تعالى، وما لي إلا ظواهر أمرهم وقال ~~الزجاج الصناعات لا تضر في الديانات وقيل: معناه إني لم أعلم أن الله ~~يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون أي لو ~~تعلمون ذلك ما عيرتموهم بصنائعهم وما أنا بطارد المؤمنين أي عني وقد آمنوا ~~إن أنا إلا نذير مبين معناه أخوف من كذبني فمن آمن فهو القريب مني، ومن لم ~~يؤمن فهو البعيد عني قالوا لئن لم تنته يا نوح أي عما تقول لتكونن من ~~المرجومين أي من المقتولين بالحجارة وهو أسوأ القتل وقيل من المشتومين قال ~~رب إن قومي كذبون فافتح أي احكم بيني وبينهم فتحا أي حكما ونجني ومن معي من ~~المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون أي الموقر المملوء من الناس ~~والطير والحيوان ثم أغرقنا بعد الباقين أي بعد إنجاء نوح ومن معه إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم قوله تعالى كذبت عاد ~~المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين أي أمين على ~~الرسالة فكيف تتهمونني اليوم فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر ~~إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع قال ابن عباس: أي بكل شرف وفي ~~رواية عنه بكل طريق، وقيل: هو الفج بين الجبلين وقيل: المكان المرتفع آية ~~أي علامة وهي العلم تعبثون يعني بمن مر بالطريق والمعنى، أنهم كانوا: يبنون ~~بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم، ~~وقيل إنهم بنوا بروج الحمام فأنكر عليهم ms2652 هود باتخاذها، ومعنى تعبثون تلعبون ~~بالحمام وتتخذون مصانع قال ابن عباس أبنية وقيل قصورا مشيدة وحصونا مانعة، ~~وقيل مآخذ الماء يعني الحياض لعلكم تخلدون أي كأنكم تبقون فيها خالدين لا ~~تموتون. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 130 الى 155] # وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من ~~الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه ~~فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم ~~أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون ~~(144) # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما ~~هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) ~~وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) # فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون ~~في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا ~~بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) # قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) # وإذا بطشتم أي وإذا أخذتم وسطوتم بطشتم جبارين أي قتلا بالسيف وضربا ~~بالسوط والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب، وهو مذموم في وصف البشر فاتقوا ~~الله وأطيعون فيه زيادة زجر عن حب الدنيا والشرف والتفاخر واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون أي أعطاكم من الخير ما تعلمون ثم ذكر ما أعطاهم فقال ~~أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون # فيه التنبيه على نعمة الله تعالى عليهم إني أخاف عليكم قال ابن عباس # PageV03P329 # إن عصيتموني عذاب يوم عظيم فكان جوابهم أن قالوا سواء علينا أوعظت أم لم ~~تكن من الواعظين أي أنهم أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده ~~من المواعظ والوعظ كلام يلين القلب يذكر الوعد والوعيد إن هذا إلا خلق ~~الأولين قرئ بفتح الخاء أي اختلاق الأولين وكذبهم وقرئ خلق بضم الخاء، ~~واللام أي عادة الأولين من ms2653 قبلنا أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ~~ولا حساب وقولهم وما نحن بمعذبين أي أنهم أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما ~~تمسكوا به من إنكارهم المعاد فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم قوله تعالى كذبت ثمود المرسلين إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما ~~أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما هاهنا آمنين ~~أي في الدنيا من العذاب في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها أي ثمرها الذي يطلع ~~منها هضيم قال ابن عباس: لطيف وعنه يانع نضيج وقيل: هو اللين الرخو. وقيل: ~~متهشم يتفتت إذا مس. وقيل: الهضيم هو الذي دخل بعضه في بعض من النضج أو ~~النعومة وقيل هو المدرك وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين وقرئ فرهين قيل: ~~الفاره الحاذق بنحتها والفره قال ابن عباس: الأشر والبطر وقيل: معناه ~~متجبرين فرحين معجبين بصنعكم فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين ~~قال ابن عباس: أي المشركين وقيل يعني التسعة الذين عقروا الناقة الذين ~~يفسدون في الأرض أي بالمعاصي ولا يصلحون أي لا يطيعون الله فيما أمرهم ~~قالوا إنما أنت من المسحرين أي من المسحورين المخدوعين وقال ابن عباس: من ~~المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ما أنت إلا بشر مثلنا والمعنى أنت بشر ~~مثلنا ولست بملك فأت بآية يعني على صحة ما تقول إن كنت من الصادقين يعني ~~أنك رسول إلينا قال هذه ناقة لها شرب أي حظ من الماء ولكم شرب يوم معلوم. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 156 الى 188] # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين ~~(157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) # إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا ~~الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~(164) أتأتون الذكران من العالمين ms2654 (165) # وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم ~~تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب ~~نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) # إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم (175) # كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني ~~لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (180) # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي ~~خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) # وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) # ولا تمسوها بسوء أي بعقر فيأخذكم عذاب يوم عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين ~~أي على عقرها لما # PageV03P330 # رأوا العذاب فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم قوله عز وجل كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ~~ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر ~~إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون الذكران من العالمين يعني نكاح الرجال ~~من بني آدم وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم يعني أتتركون العضو المباح ~~من النساء وتميلون إلى أدبار الرجال بل أنتم قوم عادون أي معتدون مجاوزون ~~الحلال إلى الحرام قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين أي من ~~قريتنا قال إني لعملكم من القالين أي من التاركين المبغضين رب نجني وأهلي ~~مما يعملون أي من العمل الخبيث قال الله تعالى فنجيناه وأهله أجمعين إلا ~~عجوزا أي امرأته في الغابرين أي بقيت في المهلكين ثم دمرنا الآخرين أي ~~أهلكناهم وأمطرنا عليهم مطرا يعني الكبريت والنار فساء مطر المنذرين ms2655 إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم قوله عز وجل كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين أي الغيضة الملتفة من الشجر وقيل هو اسم البلد إذ ~~قال لهم شعيب لم يقل لهم أخوهم لأنه لم يكن منهم وإنما كان من مدين وأرسل ~~إليهم ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين إنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء فيما حكي ~~عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على تقوى الله وطاعته، والإخلاص في العبادة ~~والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة، أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين أي الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن وزنوا بالقسطاس أي ~~بالميزان العدل المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين يعني الخليقة والأمم المتقدمة ~~قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين ~~فأسقط علينا كسفا يعني قطعا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما ~~تعملون يعني من نقصان الكيل والوزن وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إلي ~~وما علي إلا الدعوة والتبليغ. # ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 189 الى 214] # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه ~~لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) # على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر ~~الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين (198) # فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ~~(200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) # أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما ~~كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية ~~إلا لها منذرون (208) # ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي ms2656 لهم ~~وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين (213) # وأنذر عشيرتك الأقربين (214) # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم وذلك أنهم أصابهم حر ~~شديد فكانوا يدخلون الأسراب، فيجدونها أحر من ذلك فيخرجون فأظلتهم سحابة ~~فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقد تقدم الكلام على هذه القصص في ~~سورة الأعراف وهود فأغنى عن الإعادة هنا والله أعلم بمراده قوله عز وجل ~~وإنه يعني القرآن لتنزيل رب # PageV03P331 # العالمين # يعني أن فيه من أخبار الأمم الماضية ما يدل على أنه من رب العالمين نزل ~~به الروح الأمين يعني جبريل عليه السلام سماه زوجا لأنه خلق من الروح وسماه ~~أمينا، لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه على قلبك يعني على قلبك حتى تعيه ~~وتفهمه ولا تنساه وإنما خص القلب لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وأنه موضع ~~التمييز والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له ويدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب» أخرجاه في الصحيحين. ومن المعقول أن موضع الفرح ~~والسرور، والغم والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب أو حزن يتغير حال سائر ~~الأعضاء فكأن القلب كالرئيس لها، ومنه أن موضع العقل هو القلب على الصحيح ~~من القولين فإذا ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق، وهو المكلف والتكليف ~~مشروط بالعقل والفهم. قوله تعالى لتكون من المنذرين أي المخوفين بلسان عربي ~~مبين قال ابن عباس بلسان قريش ليفهموا ما فيه وإنه يعني القرآن وقيل ذكر ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته لفي زبر الأولين أي كتب الأولين أولم ~~يكن لهم آية يعني أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علامة ودلالة على صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن يعلمه يعني يعلم محمدا صلى الله عليه وسلم علماء بني ~~إسرائيل. # قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى ms2657 اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعته وصفته فكان ~~ذلك آية على صدقه صلى الله عليه وسلم قيل كانوا خمسة عبد الله بن سلام وابن ~~يامين وثعلبة وأسد وأسيد. قوله تعالى ولو نزلناه يعني القرآن على بعض ~~الأعجمين جمع أعجمي وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية، وإن كان عربيا في ~~النسب ومعنى الآية، وأنزلنا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان فقرأه عليهم ~~يعني القرآن ما كانوا به مؤمنين أي لقالوا لا نفقه قولك وقيل معناه لما ~~آمنوا به أنفة من اتباع من ليس من العرب كذلك سلكناه قال ابن عباس: يعني ~~أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين لا يؤمنون به أي القرآن حتى يروا ~~العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أي لنؤمن ~~ونصدق وتمنوا الرجعة ولا رجعة لهم أفبعذابنا يستعجلون قيل لما وعدهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب، ~~فأنزل الله أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين أي كفار مكة في ~~الدنيا ولم نهلكهم ثم جاءهم ما كانوا يوعدون يعني العذاب ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون أي في تلك السنين الكثيرة والمعنى أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم ~~الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكونوا كأنهم لم ~~يكونوا في نعيم قط وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون أي رسل ينذرونهم ذكرى ~~أي تذكره وما كنا ظالمين أي في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وما تنزلت به ~~الشياطين يعني أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون القرآن على قلب ~~محمد صلى الله عليه وسلم ذلك وما ينبغي لهم أن ينزلوا بالقرآن وما يستطيعون ~~أي ذلك، ثم إنه تعالى ذكر سبب ذلك فقال إنهم عن السمع لمعزولون أي محجوبون ~~بالرمي بالشهب فلا يصلون إلى استراق السمع فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون ~~من المعذبين الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ms2658 والمراد به غيره لأنه معصوم ~~من ذلك. # قال ابن عباس: يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلها ~~غيري لعذبتك. قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين روى محمد بن إسحاق بسنده عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت ~~بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليها ~~حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد أن لا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لنا ~~طعاما واجعل لنا عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد ~~المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وكانوا ~~يومئذ نحو أربعين رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة ~~والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت فجئت به، فتناول # PageV03P332 # رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في ~~نواحي الصحفة ثم قال: خذوا باسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة ~~وايم الله أن كان الرجل الواحد ليأكل، مثل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق ~~القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا، وايم الله أن كان الرجل ~~الواحد ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره ~~أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال الغد يا: علي فإن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ~~فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فاعدد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم أجمعهم ~~ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا ~~وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بني عبد المطلب إني ~~قد جئتكم بخبري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم ms2659 إليه ~~فأيكم يوازرني على أمري هذا، ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم ~~عنها جميعا، وأنا أحدثهم سنا فقلت أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه فأخذ ~~برقبتي، ثم قال هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا فقام القوم ~~يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه» (ق) عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش، حتى ~~اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب ~~وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم ~~مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. # فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا أبي لهب وتب ~~ما أغنى عنه ماله وما كسب وفي رواية قد تب وفي رواية للبخاري، لما نزلت ~~وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه، فقالوا من هذا واجتمعوا إليه وذكر ~~نحوه (ق) عن أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله ~~تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين وقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا ~~أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله ~~شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول ~~الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من ~~مالي لا أغني عنك من الله شيئا» (م) عن قبيصة بنت مخارق وزهير بن عمرو قالا ~~لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~رضمة جبل فعلا أعلاها حجرا ثم نادى «يا بني عبد مناف إني نذير لكم إنما ~~مثلي ms2660 ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه، فجعل ~~يهتف يا صباحاه» ومعنى الآية أن الإنسان إذا بدأ بنفسه أولا وبالأقرب ~~فالأقرب من أهله ثانيا لم يكن لأحد عليه طعن البتة وكان قوله أنفع وكلامه ~~أنجع. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 215 الى 227] # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) ~~وتقلبك في الساجدين (219) # إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل ~~على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم ~~الغاوون (224) # ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # واخفض أي ألن جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن قلت ما معنى التبعيض في ~~قوله «من المؤمنين» وقلت: معناه لمن اتبعك من المؤمنين المصدقين بقلوبهم ~~وألسنتهم دون المؤمنين بألسنتهم وهم # PageV03P333 # المنافقون فإن عصوك يعني فيما تأمرهم به فقل إني بريء مما تعملون يعني من ~~الكفر والمخالفة وتوكل على العزيز الرحيم التوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره ~~إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره وهو الله تعالى العزيز الذي يقهر ~~أعداءك، بعزته الرحيم الذي ينصرك عليهم برحمته الذي يراك حين تقوم # إلى صلاتك وقيل يراك أينما كنت وقيل يراك حين تقوم لدعائك وتقلبك في ~~الساجدين قال ابن عباس: ويرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك ~~وقعودك وقيل مع المصلين في الجماعة يقول يراك إذا صليت وحدك ومع الجماعة، ~~وقيل: معناه يرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان صلى الله عليه وسلم يبصر من ~~خلفه كما يبصر من قدامه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل ~~ترون قبلتي ها هنا فو الله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من ~~وراء ظهري» وقيل: معناه يرى تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقيل: ~~تصرفك ms2661 في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك وقال ابن عباس أراد وتقلبك في ~~أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة إنه هو السميع يعني ~~لقولك ودعائك العليم يعني بنيتك وعملك قل يا محمد هل أنبئكم يعني أخبركم ~~على من تنزل الشياطين هذا جواب لقولهم ينزل عليه شيطان ثم بين على من تنزل ~~الشياطين فقال تعالى تنزل على كل أفاك يعني كذاب أثيم يعني فاجر وهم الكهنة ~~وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يلقون ذلك إلى أوليائهم من الإنس ~~وهو قوله تعالى يلقون السمع يعني ما يسمعون من الملائكة فيلقونه إلى الكهنة ~~وأكثرهم كاذبون لأنهم يخلطون به كذبا كثيرا والشعراء يتبعهم الغاوون قال ~~أهل التفسير أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم عبد الله بن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ومسافع بن ~~عبد مناف وأبو عمرو بن عبد الله الجمحي وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا ~~بالكذب، والباطل وقالوا نحن نقول مثل ما يقول محمد وقالوا الشعر، واجتمع ~~إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه وكانوا يروون عنهم قولهم فذلك قوله يتبعهم الغاوون فهم الرواة ~~الذين يروون هجاء المسلمين، وقيل الغاوون هم الشياطين وقيل هم السفهاء ~~الضالون وفي رواية أن الرجلين أحدهما من الأنصار تهاجيا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومع كل واحد غواة من قومه، وهم السفهاء فنزلت هذه الآية ~~ألم تر أنهم في كل واد من أودية الكلام يهيمون يعني حائرين وعن طريق الحق ~~حائدين، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وقال ابن عباس في كل لغو ~~يخوضون، وقيل يمدحون بالباطل ويهجون بالباطل وقيل أنهم يمدحون الشيء ثم ~~يذمونه لا يطلبون الحق والصدق، فالوادي مثل لفنون الكلام والغوص في المعاني ~~والقوافي وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي أنهم يكذبون في شعرهم وقيل إنهم ~~يمدحون الجود والكرم ويحثون عليه وهم لا يفعلونه ويذمون البخل ويصرون عليه ~~ويهجون الناس ms2662 بأدنى شيء صدر منهم (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ ~~شعرا» ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجتنبون شعر الكفار، ويهجون ~~وينافحون عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه منهم حسان بن ثابت وعبد الله ~~بن رواحة وكعب بن مالك فقال تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات روي أن ~~كعب بن مالك قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل في الشعر ما أنزل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي ~~نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل» عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ~~وهو يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # فقال عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم ~~الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خل عنه يا عمر فلهي ~~أسرع فيهم من نضح النبل» أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: وقد روي في ~~غير هذا الحديث أن # PageV03P334 # النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، ~~وهذا أصح عند بعض أهل الحديث لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وكانت ~~عمرة القضاء بعد ذلك قلت الصحيح، هو الأول لأن عمرة القضاء كانت سنة سبع ~~ويوم مؤتة سنة ثمان والله أعلم (ق) عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال يوم قريظة لحسان: «أهج المشركين فإن جبريل معك» (خ) عن عائشة قالت ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه ~~قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينافح ويقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن الله ms2663 يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول ~~الله» (م) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اهجوا قريشا فإنه ~~أشد عليها من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال: # اهجهم فهجاهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت ~~فلما دخل عليه حسان: قال: # قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل ~~يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا ~~حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك ~~والذي بعثك بالحق نبيا لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين قالت عائشة: ~~فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال ~~يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله قالت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول هجاهم حسان فشفى واشتفى» فقال حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # هجوت محمدا برا تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء # فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # ثكلت بنيتي إن لمم تروها ... تثير النقع موعدها كداء # يبارين الأعنة مصعدات ... على أكنافها الأسل الظماء # تظل جيادها متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء # فإن أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء # وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء # وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء # وقال الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء # لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء # فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء # وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء # فصل في مدح الشعر # (خ) عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن من الشعر ~~لحكمة» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء ms2664 أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل يتكلم بكلام فقال «إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما» أخرجه ~~أبو داود (م) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: «ردفت وراء النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوما فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء، قلت نعم قال: ~~هيه: فأنشدته بيتا فقال: هيه ثم أنشدته بيتا قال: هيه حتى أنشدته مائة بيت ~~زاد في رواية لقد كاد يسلم في شعره» عن جابر بن سمرة قال: «جالست النبي صلى ~~الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون ~~أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت وربما تبسم معهم» أخرجه الترمذي. وقال ~~حديث حسن صحيح. # وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ منه الحسن ودع منه ~~القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان علي ~~أشعر منهما وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ويستنشده في # PageV03P335 # المسجد، فيروى أنه دعا عمر بن ربيعة المخزومي، فاستنشده القصيدة التي ~~قالها فقال: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر # فأنشده القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من تسعين بيتا ثم إن ابن عباس أعاد ~~القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. قوله تعالى وذكروا الله كثيرا أي ~~لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله وانتصروا من بعد ما ظلموا أي انتصروا من ~~المشركين لأنهم بدءوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال تعالى وسيعلم ~~الذين ظلموا أي أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الطاهر ~~المطهر من الهجاء أي منقلب ينقلبون أي أي مرجع يرجعون إليه بعد الموت قال ~~ابن عباس: إلى جهنم وبئس المصير والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P336 ### | سورة النمل # مكية وهي ثلاث وتسعون آية وألف وثلاثمائة وسبع عشرة كلمة وأربعة آلاف ~~وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة النمل (27): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى ms2665 للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) # قوله عز وجل طس تلك آيات القرآن أي هذه آيات القرآن وكتاب مبين أي وآيات ~~كتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين أي هو هدى من الضلالة، وبشرى لهم بالجنة ~~الذين يقيمون الصلاة أي الخمس بشرائطها ويؤتون الزكاة أي إذا وجبت عليهم ~~طيبة بها أنفسهم وهم بالآخرة هم يوقنون يعني أن هؤلاء الذين يعملون ~~الصالحات هم الموقنون بالآخرة. ### || [سورة النمل (27): الآيات 4 الى 10] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم أي القبيحة حتى رأوها حسنة ~~وقيل: إن التزين هو أن يخلق الله العلم في القلب بما فيه المنافع واللذات ~~ولا يخلق العلم بما فيه المضار والآفات فهم يعمهون أي يترددون فيها متحيرين ~~أولئك الذين لهم سوء العذاب أي أشده وهو القتل والأسر وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون أي أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وساروا إلى النار. قوله تعالى وإنك ~~لتلقى القرآن أي تؤتاه وتلقنه وحيا من لدن حكيم عليم أي حكيم عليم بما أنزل ~~إليك. فإن قلت: ما الفرق بين الحكمة والعلم. # قلت: الحكمة هي العلم بالأمور العلمية فقط والعلم أعم منه لأنه العلم قد ~~يكون علما، وقد يكون نظرا والعلوم النظرية أشرف إذ قال أي واذكر يا محمد إذ ~~قال موسى لأهله أي في مسيره بأهله من مدين إلى مصر إني آنست أي أبصرت نارا ~~سآتيكم منها بخبر أي امكثوا مكانكم سآتيكم بخبر عن الطريق، وقد كان ms2666 ضل عن ~~الطريق أو آتيكم بشهاب قبس الشهاب شعلة النار والقبس النار المقبوسة منها، ~~وقيل: القبس هو العود الذي في أحد طرفيه نار لعلكم تصطلون يعني تستدفئون من ~~البرد وكان في شدة الشتاء فلما جاءها نودي أن بورك # PageV03P337 # من في النار # يعني يورك على من في النار وقيل: البركة راجعة إلى موسى والملائكة ~~والمعنى من في طلب النار وهو موسى ومن حولها وهم الملائكة الذين حول النار ~~وهذه تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة، وقيل: # المراد من النار النور وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا ومن في النار ~~هم الملائكة وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتسبيح ~~والتقديس، ومن حولها موسى، لأنه كان بالقرب منها وقيل البركة راجعة إلى ~~النار، وقال ابن عباس: معناه بوركت النار والمعنى بورك من في النار ومن ~~حولها وهم الملائكة وموسى وروي عن ابن عباس في قوله بورك من في النار يعني ~~قدس من في النار وهو الله تعالى عنى به نفسه على معنى أنه نادى موسى وأسمعه ~~من جهتها كما روي أنه مكتوب في التوراة جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين ~~واستعلى من جبال فاران ومعنى مجيئه من سيناء بعثه موسى منه، ومن ساعين بعثة ~~المسيح ومن جبال فاران بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وفاران اسم مكة، وقيل ~~كانت النار بعينها وهي إحدى حجب الله عز وجل كما صح في الحديث «حجابه النار ~~لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ثم نزه الله ~~سبحانه وتعالى نفسه، وهو المنزه من كل سوء وعيب فقال تعالى وسبحان الله رب ~~العالمين ثم تعرف إلى موسى بصفاته فقال: الله يا موسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم قيل معناه أن موسى قال: من المنادي قال: إنه أنا الله وهذا تمهيد ~~لما أراد الله أن يظهره على يده من المعجزات، والمعنى أنا القوي القادر على ~~ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية وهو قوله وألق عصاك تقديره ms2667 فألقاها ~~فصارت حية فلما رآها تهتز أي تتحرك كأنها جان وهي الحية الصغيرة التي يكثر ~~اضطرابها ولى مدبرا يعني هرب من الخوف ولم يعقب يعني لم يرجع، ولم يلتفت ~~قال الله تعالى يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون يريد إذا أمنتهم ~~لا يخافون أما الخوف الذي هو شرط الإيمان، فلا يفارقهم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «أنا أخشاكم لله». # ### || [سورة النمل (27): الآيات 11 الى 16] # إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين ~~(12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) ولقد ~~آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين (15) # وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ~~إن هذا لهو الفضل المبين (16) # إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم قيل: هو ما يصدر من ~~الأنبياء من ترك الأفضل والصغيرة وقيل يحتمل أن يكون المراد منه التعريض ~~بما وجد من موسى من قتل القبطي وهو من التعريضات اللطيفة وسماه ظلما لقول ~~موسى إني ظلمت نفسي ثم إنه خاف من ذلك فتاب قال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له قال ابن جريح: قال الله تعالى لموسى إنما أخفتك لقتلك النفس، ومعنى ~~الآية لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن أصابه أخافه حتى ~~يتوب، فعلى هذا التأويل يكون صحيحا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله إلا من ~~ظلم ثم ابتدأ الخبر عن حالة من ظلم من الناس كافة وفي الآية متروك استغنى ~~عن ذكره لدلالة الكلام عليه تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم وقيل ليس هذا الاستثناء من المرسلين، لأنه لا يجوز عليهم الظلم بل هو ~~استثناء من المتروك ومعناه: ms2668 لا يخاف لدي المرسلون إنما الخوف عليهم من ~~الظالمين وهذا الاستثناء المنقطع معناه لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف ~~فإن تاب وبدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم أي أغفر له وأزيل خوفه وقيل: إلا ~~هنا بمعنى ولا معناه ولا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم، ثم بدل حسنا بعد ~~سوء يعني تاب من ظلمه فإني غفور رحيم ثم إن الله تعالى أراه آية أخرى فقال ~~تعالى # PageV03P338 # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء قيل كانت عليه مدرعة صوف لا كم لها، ولا ~~أزرار فأدخل يده في جيبها وأخرجها فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس أو البرق من ~~غير سوء يعني من غير برص في تسع آيات يعني آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن ~~فعلى هذا تكون الآيات إحدى عشرة العصا واليد البيضاء والفلق والطوفان ~~والجراد، والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم، والنقصان في ~~مزارعهم، وقيل: في بمعنى من أي من تسع آيات فتكون اليد البيضاء من التسع ~~إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين يعني خارجين عن الطاعة فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة يعني بينة واضحة يبصرونها قالوا هذا يعني الذي نراه سحر مبين ~~يعني ظاهر وجحدوا بها يعني أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله ~~واستيقنتها أنفسهم يعني علموا أنها من عند الله والمعنى أنهم جحدوا بها ~~بألسنتهم واستيقنوها بقلوبهم وضمائرهم ظلما وعلوا أي شركا وتكبرا عن أن ~~يؤمنوا بما جاء به موسى فانظر كيف كان عاقبة المفسدين يعني الغرق. # قوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما يعني علم القضاء والسياسة وعلم ~~داود تسبيح الطير، والجبال وعلم سليمان منطق الطير والدواب وقالا الحمد لله ~~الذي فضلنا يعني بالنبوة والكتاب والملك وتسخير الجن والإنس على كثير من ~~عباده المؤمنين أراد بالكثير الذين فضلا عليهم من لم يؤت علما أو لم يؤت ~~مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وقيل إنهما لم ~~يفضلا أنفسهما على الكل، وذلك يدل على حسن التواضع. قوله تعالى وورث ms2669 سليمان ~~داود يعني نبوته وعلمه، وملكه دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ابنا ~~وأعطي سليمان ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح، والجن والشياطين قال ~~مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود، وأقضى منه وكان داود أشد تعبدا من ~~سليمان وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى وقال يعني سليمان يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، وروي عن كعب ~~الأحبار قال: صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا ~~قال إنه يقول لدوا للموت وابنوا للخراب وصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ ~~قالوا لا قال إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا وصاح طاوس فقال أتدرون ما ~~يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال: أتدرون ما ~~يقول هذا؟ قالوا: # لا قال: إنه يقول من لا يرحم لا يرحم وصاح صرد فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ ~~قالوا: لا قال إنه يقول استغفروا ربكم يا مذنبين وصاحت طيطوى فقال أتدرون ~~ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول كل حي ميت وكل جديد بال وصاح خطاف ~~فقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا قال: إنه يقول قدموا خيرا تجدوه وهدرت ~~حمامة قال: أتدرون ما تقول قالوا: لا قال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء ~~سمائه وأرضه وصاح قمري قال أتدرون ما يقول؟ # قالوا: لا قال إنه يقول سبحان ربي الدائم قال والغراب يدعو على العشار ~~والحدأة تقول كل شيء هالك إلا وجهه، والقطاة تقول من سكت سلم والببغاء ~~تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه. والضفدع يقول سبحان ربي القدوس والبازي ~~يقول: سبحان ربي وبحمده والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. # وعن مكحول قال صاح دراج عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا قال ~~إنه يقول الرحمن على العرش استوى وقال فرقد مر سليمان على بلبل فوق شجرة ~~يحرك رأسه، ويميل ذنبه فقال: لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا ~~الله ونبيه أعلم قال إنه يقول أكلت نصف تمرة فعلى ms2670 الدنيا العفاء وروي أن ~~جماعة من اليهود قالوا لا بن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء إن أخبرتنا ~~آمنا وصدقنا قال: سلوا تفقها لا تعنتا قالوا أخبرنا ما تقول القنبرة في ~~صفيرها والديك في صعيقه، والضفدع في نقيقه والحمار في نهيقه، والفرس في ~~صهيله وماذا يقول الزرزور والدراج قال نعم أما القنبر فإنه يقول: اللهم ~~العن مبغض محمد وآل محمد والديك يقول اذكروا الله يا غافلين وأما الضفدع، ~~فإنه يقول سبحان الله المعبود في البحار وأما الحمار فإنه يقول اللهم العن ~~العشار وأما # PageV03P339 # الفرس، فإنه يقول إذا التقى الجمعان سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأما ~~الزرزور، فإنه يقول اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق وأما الدراج فإنه ~~يقول الرحمن على العرش استوى، فأسلم هؤلاء اليهود وحسن إسلامهم وروي عن ~~جعفر الصادق عن أبيه عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: ~~إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عشت ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال ~~البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال إلهي العن مبغضي محمد وآل محمد ~~وإذا صاح الخطاف قال الحمد لله رب العالمين ويمد العالمين كما يمد القارئ. ~~وقوله تعالى وأوتينا من كل شيء أي مما أوتي الأنبياء، والملوك قال ابن ~~عباس: من أمر الدنيا والآخرة وقيل النبوة والملك وتسخير الرياح والجن ~~والشياطين إن هذا لهو الفضل المبين يعني الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا ~~وروي أن سليمان أعطي مشارق الأرض ومغاربها فملك ذلك أربعين سنة فملك جميع ~~الدنيا من الجن والإنس والشياطين والطير، والدواب والسباع وأعطي مع هذا ~~منطق الطير ومنطق كل شيء وفي زمنه صنعت الصنائع العجيبة. # ### || [سورة النمل (27): الآيات 17 الى 20] # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا ~~على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك التي أنعمت علي وعلى ms2671 والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين (20) # وحشر أي جمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير من الأماكن المختلفة في ~~مسير له فهم يوزعون أي يحبسون حتى يرد أولهم على آخرهم، قيل: كان على جنوده ~~وزعة من النقباء ترد أولها على آخرها لئلا يتقدموا في المسير قال محمد بن ~~كعب القرظي كان معسكر سليمان مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة ~~وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير والفرسخ اثنا عشر ألف ~~خطوة فالبريد ثمانية وأربعون ألف خطوة لأنه أربع فراسخ فجملة ذلك خمسة ~~وعشرون بريدا وقيل نسجت الجن له بساطا من ذهب وحرير، فرسخا في فرسخ وكان ~~يوضع كرسيه في وسطه، فيقعد وحوله كراسي الذهب والفضة فيقعد الأنبياء على ~~كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله والجن والشياطين حول ~~الناس والوحوش حولهم وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه شمس وكان له ~~ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني حرة وسبعمائة سرية ~~فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به وأوحى الله إليه، وهو ~~يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق ~~بشيء إلا جاءت الريح وأخبرتك به. قوله عز وجل حتى إذا أتوا على واد النمل ~~أي أشرفوا على وادي النمل روي عن كعب الأحبار قال: كان سليمان إذا ركب حمل ~~أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور ~~العظام تسع كل قدر عشرة من الإبل، فيطبخ الطباخون ويخبز الخبازون وهو بين ~~السماء والأرض واتخذ ميادين للدواب فتجري بين يديه والريح تهوي به فسار من ~~إصطخر يريد اليمن فسلك على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان: ~~هذه دار هجرة نبي يكون في آخر الزمان طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه ~~ولما وصل مكة رأى حول البيت، أصناما تعبد فجاوزه سليمان فلما جاوزه بكى ~~البيت ms2672 فأوحى الله إليه ما يبكيك قال يا رب أبكاني هذا نبي من أنبيائك ومعه ~~قوم من أوليائك مروا علي، ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من ~~دونك فأوحى الله إليه لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا وأنزل فيك قرآنا ~~جديدا، وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من ~~خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يزفون إليك زفيف النسر إلى # PageV03P340 # وكرها ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من ~~الأوثان والأصنام والشيطان ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من ~~الطائف فأتى على وادي النمل كذا قال كعب الأحبار. وقيل: إنه بالشأم هو واد ~~يسكنه الجن وذلك النمل مراكبهم. وقيل: إن ذلك النمل أمثال الذباب. وقيل ~~كالبخاتي والمشهور أنه النمل الصغير قالت نملة قيل: كانت عرجاء وكانت ذات ~~جناحين وقيل اسمها طاخية وقيل جرمي يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ولم يقل ~~ادخلن لأنه جعل لهم عقولا كالآدميين فخوطبوا خطاب الآدميين وهذا ليس ~~بمستبعد أن يخلق الله فيها عقلا ونطقا فإنه قادر على ذلك لا يحطمنكم أي لا ~~يكسرنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون قال أهل التفسير. علمت النملة أن ~~سليمان نبي ليس فيه جبروتية ولا ظلم، ومعنى الآية أنكم لو لم تدخلوا ~~وطئوكم، ولم يشعروا فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال وكان لا يتكلم أحد ~~بشيء إلا حملته الريح حتى تلقيه إلى مسامع سليمان، فلما بلغ وادي النمل حبس ~~جنوده حتى دخلوا بيوتهم. فإن قلت: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وهو ~~فوق البساط على متن الريح، قلت كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي، ~~فلذلك قالت نملة: لا يحطمنكم سليمان وجنوده لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا ~~يخاف حطمهم فتبسم ضاحكا من قولها قيل أكثر ضحك الأنبياء تبسم وقيل معنى ~~ضاحكا متبسما، وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك (ق) عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى ~~منه لهواته إنما ms2673 كان يتبسم» عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال «ما رأيت ~~أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه الترمذي. فإن قلت: ~~ما كان سبب ضحك سليمان. قلت شيئان: أحدهما ما دل من قولها على # ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وذلك قولها وهم لا يشعرون يعني أنهم لو ~~شعروا ما يفعلون. الثاني سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من إدراك ~~سمعه، ما قالته النملة وقيل: إن الإنسان إذا رأى أو سمع ما لا عهد له به ~~تعجب وضحك، ثم إن سليمان حمد ربه على ما أنعم به عليه وقال رب أوزعني أي ~~ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين أي أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع ~~أسمائهم واحشرني في زمرتهم. # قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من ~~النبيين وقيل: أدخلني الجنة مع عبادك الصالحين. قوله عز وجل وتفقد الطير أي ~~طلبها وبحث عنها والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد ~~وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا ~~نزل منزلا تظله وجنده الطير من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد فنظر ~~فرآه خاليا. وروي عن ابن عباس أنه كان دليله على الماء وكان يعرف موضع ~~الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه من بعده فينقر ~~الأرض فتجيء الشياطين فيحفرونه ويستخرجون الماء منه قال سعيد بن جبير: لما ~~ذكر ابن عباس هذا، قال نافع بن الأزرق بأوصاف، انظر ما تقول إن الصبي منا ~~يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء بالهدهد، وهو لا يبصر الفخ حتى يقع في ~~عنقه، فقال له ابن عباس ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر وفي رواية إذا ~~نزل القضاء والقدر ذهب اللب، وعمي البصر فنزل سليمان منزلا واحتاج إلى ~~الماء، فطلبوه فلم يجدوه فتفقد الهدهد ليدله على الماء فقال ms2674 ما لي لا أرى ~~الهدهد على تقدير أنه مع جنوده، وهو لا يراه ثم إنه أدركه الشك فقال أم كان ~~من الغائبين أي أكان وقيل بل كان من أهل الغائبين، ثم أوعده على غيبته ~~فقال: # ### || [سورة النمل (27): الآيات 21 الى 22] # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير ~~بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) # PageV03P341 # لأعذبنه عذابا شديدا قيل هو أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا لا ~~يمتنع من النمل ولا من غيره وقيل لأودعنه القفص ولأحبسنه مع ضده، وقيل ~~لأفرقن بينه وبين إلفه أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة على ~~غيبته وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء ~~بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب جنوده من ~~الجن والإنس، والطير والوحش فحملتهم الريح فلما وافى الحرم أقام ما شاء ~~الله أن يقيم، وكان في كل يوم ينحر طول مقامه خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة ~~آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن يحضر من أشراف قومه إن هذا المكان يخرج ~~منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطى النصرة على جميع من ناوأه وتبلغ هيبته ~~مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم ~~قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن ~~به قالوا كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله قال مقدار ألف سنة فليبلغ الشاهد ~~الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل قال فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج ~~من مكة صباحا، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء زوالا أي وقت الزوال، وذلك مسيرة ~~شهر فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى فلما نزل ~~قال الهدهد: # اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء لينظر إلى الدنيا، وعرضها فبينما ~~هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر وكان ms2675 ~~اسم هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن يعفير، فقال يعفير ليعفور: من أين ~~أقبلت وأين تريد قال أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود قال ومن ~~سليمان بن داود؟ قال: # ملك الإنس والجن والشياطين، والطير والوحش والرياح فمن أين أنت يا يعفير ~~قال أنا من هذه البلاد قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن ~~لصاحبك ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها ~~أربعمائة ملك كل ملك على كورة مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة ~~وزير يديرون ملكها ولها اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، ~~فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها قال أخاف أن يفقدني سليمان في وقت ~~الصلاة إذا احتاج إلى الماء قال الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه ~~بخبر هذه الملكة. قال فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه ~~نزل على غيره ماء فسأل عن الماء الإنس والجن فلم يعلموا فتفقد الهدهد فلم ~~يره فدعا بعريف الطير، وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال أصلح الله الملك ما ~~أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان فغضب سليمان وقال لأعذبنه الآية ثم دعا ~~العقاب وهو أشد الطير، فقال له علي بالهدهد هذه الساعة فرفع العقاب في ~~الهواء حتى رأى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى ~~الهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب يريده، فعلم الهدهد أن العقاب ~~يقصده بسوء فقال له بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم ~~تتعرض لي بسوء فتركه العقاب وقال ويحك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن ~~يعذبك، أو أن يذبحك ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهيا إلى العسكر ~~تلقاه النسر والطير، فقالوا: ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله ~~وأخبروه بما قال سليمان. فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله قالوا بلى ~~ولكنه قال أو ليأتيني بسلطان مبين. قال نجوت إذا فانطلق به ms2676 العقاب: حتى ~~أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله ~~فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا ~~لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه. وقال له: أين كنت لأعذبنك ~~عذابا شديدا فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فلما سمع سليمان ذلك ~~ارتعد وعفا عنه، ثم قال ما الذي أبطأك عني فقال الهدهد ما أخبر الله عنه ~~بقوله تعالى فمكث غير بعيد معناه أي غير طويل فقال أحطت بما لم تحط به أي ~~عملت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك ألهم الله الهدهد هذا ~~الكلام فكافح سليمان تنبيها على أن أدنى خلق الله قد أحاط علما بما لم يحط ~~به ليكون لطفا له في ترك الإعجاب. والإحاطة بالشيء علما أن يعلمه من جميع ~~جهاته حتى لا يخفى عليه منه معلوم وجئتك من سبإ قيل: هو اسم للبلد وهي مأرب # PageV03P342 # والأصح أنه أسم رجل وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد جاء في الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: رحل له عشرة من البنين تيامن ~~منهم ستة وتشاءم أربعة بنبإ أي بخبر يقين فقال سليمان وما ذاك فقال: ### || [سورة النمل (27): الآيات 23 الى 28] # إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها ~~وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ~~فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ~~ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) ~~قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) # إني أي الهدهد وجدت امرأة تملكهم هي بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن ~~قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا هو آخرهم، وكان ~~يملك أرض اليمن كلها وكان يقول ms2677 لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤا لي وأبى أن ~~يتزوج منهم فخطب إلى الجن فزوجوه منهم امرأة يقال لها ريحانة بنت السكن. ~~قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب منهم، أنه كان كثير الصيد فربما اصطاد ~~الجن، وهم على صورة الظباء فيخلي عنهم فظهر له ملك الجن وشكره على ذلك ~~واتخذه صديقا، فخطب ابنته فزوجه إياها وقيل إنه خرج متصيدا فرأى حيتين ~~يقتتلان بيضاء وسوداء، وقد ظهرت السوداء على البيضاء، فقتل السوداء وحمل ~~البيضاء وصب عليها الماء فأفاقت، وأطلقها فلما رجع إلى داره وجلس وحده ~~منفردا، فإذا معه شاب جميل فخاف منه، قال: لا تخف أنا الحية البيضاء التي ~~أحييتني والأسود الذي قتلته هو عبد لنا تمرد علينا، وقتل عدة منا وعرض عليه ~~المال فقال: المال لا حاجة لي به. ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها فزوجه ~~ابنته، فولدت له بلقيس وجاء في الحديث «إن أحد أبوي بلقيس كان جنيا: فلما ~~مات أبو بلقيس طمعت في الملك وطلبت قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وأبى ~~آخرون، وملكوا عليهم رجلا آخر يقال: إنه ابن أخي الملك وكان خبيثا سيء ~~السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد يده إلى حريم رعيته، ويفجر بهن فأراد ~~قومه خلعه فلم يقدروا عليه فلما رأت بلقيس ذلك، أدركتها الغيرة فأرسلت إليه ~~فعرضت نفسها عليه فأجابها الملك وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا ~~اليأس منك فقالت لا أرغب عنك لأنك كفؤ كريم، فاجمع رجال أهلي واخطبني منهم، ~~وخطبها فقالوا لا نراها تفعل فقال: بلى إنها قد رغبت في فذكروا ذلك لها ~~فقالت: نعم فزوجوها منه فلما زفت إليه خرجت في ملأ كثير من خدمها وحشمها، ~~فلما دخلت به سقته الخمر حتى سكر ثم قتلته وحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها من ~~الليل، فلما أصبحت أرسلت إلى وزرائه وأحضرتهم وقرعتهم وقالت أما كان فيكم ~~من يأنف لكريمته أو كرائم عشيرته، ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت اختاروا رجلا ~~تملكونه عليكم فقالوا لا نرضى غيرك فملكوها وعلموا أن ذلك النكاح ms2678 كان مكرا ~~وخديعة منها (خ) عن أبي بكرة قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال «لن يفلح قوم ملكوا عليهم امرأة». ~~قوله تعالى وأوتيت من كل شيء يعني ما تحتاج إليه الملوك من المال والعدة ~~ولها عرش عظيم أي سرير ضخم عال. فإن قلت: كيف استعظم الهدهد عرشها على ما ~~رأى من عظمة ملك سليمان. قلت: يحتمل أنه استعظم ذلك بالنسبة إليها، ويحتمل ~~أنه لم يكن لسليمان مع عظم ملكه مثله وكان عرش بلقيس من الذهب مكللا بالدر، ~~والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة ~~أبيات على كل بيت باب مغلق قال ابن عباس: كان عرش # PageV03P343 # بلقيس ثلاثين ذراعا، في ثلاثين ذراعا وطوله في السماء ثلاثون ذراعا. وقيل ~~كان طوله ثمانين في ثمانين وعلوه ثمانون وقيل: كان طوله ثمانين وعرضه ~~أربعين وارتفاعه ثلاثون ذراعا. قوله عز وجل إخبارا عن الهدهد وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله وذلك أنهم كانوا يعبدون الشمس، وهم مجوس وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم المزين هو الله لأنه الفعال لما يريد، وإنما ذكر الشيطان ~~لأنه سبب الإغواء فصدهم عن السبيل أي عن طريق الحق الذي هو دين الإسلام فهم ~~لا يهتدون أي إلى الصواب ألا يسجدوا قرئ بالتخفيف ومعناه ألا يا أيها الناس ~~اسجدوا وهو أمر من الله مستأنف، وقرئ بالتشديد ومعناه وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء يعني الخفي المخبأ في السماوات ~~والأرض قيل خبء السموات المطر وخبء الأرض النبات ويعلم ما تخفون وما تعلنون ~~والمقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وغيرها، من دون الله لأنه ~~لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من في السموات والأرض، عالم بجميع ~~المعلومات الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم أي هو المستحق للعبادة ~~والسجود لا غيره. # فصل # وهذه السجدة من عزائم السجود، يستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند ~~قراءتها. فإن قلت: قد وصف عرش ms2679 بلقيس بالعظم وعرش الله بالعظم، فما الفرق ~~بينهما. قلت وصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك ~~الدنيا وأما عرش الله تعالى فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات ~~والأرض، فحصل الفرق بينهما فلما فرغ الهدهد من كلامه قال سليمان سننظر ~~أصدقت أي فيما أخبرت أم كنت من الكاذبين ثم إن الهدهد دلهم على الماء ~~فاحتفروا الركايا وروى الناس والدواب، ثم إن سليمان كتب كتابا: من عبد الله ~~سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ «بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من ~~اتبع الهدى، أما بعد أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين قيل لم يزد على ما نص ~~الله في كتابه، وكذلك الأنبياء كانوا يكتبون جملا، لا يطيلون ولا يكثرون ~~فلما كتب سليمان الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، وقال للهدهد اذهب بكتابي ~~هذا فألقه إليهم إنما قال: إليهم بلفظ الجمع لأنه جعله جوابا لقول الهدهد ~~وجدتها وقومها يسجدون للشمس فقال: فألقه إلى الذين هذا دينهم ثم تول عنهم ~~أي تنح عنهم فقف قريبا منهم فانظر ماذا يرجعون أي يردون من الجواب وقيل: ~~تقدير الآية فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنه، أي انصرف إلي فأخذ ~~الهدهد الكتاب وأتى به إلى بلقيس وكانت بأرض مأرب من اليمن على ثلاث مراحل ~~من صنعاء، فوجدها نائمة مستلقية على قفاها وقد غلقت الأبواب، ووضعت ~~المفاتيح تحت رأسها وكذلك كانت تفعل إذا رقدت فأتى الهدهد وألقى الكتاب على ~~نحرها وقيل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على المرأة وحولها القادة ~~والوزراء والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون فرفعت بلقيس رأسها فألقى ~~الكتاب في حجرها وقال وهب بن منبه: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع فيها ~~حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها فجاء الهدهد، وسد الكوة بجناحيه فارتفعت ~~الشمس، ولم تعلم فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت ~~بلقيس الكتاب، وكانت قارئة فلما رأت الخاتم ارتعدت، وخضعت لأن ملك سليمان ~~كان في خاتمه وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها ms2680 فقرأت الكتاب وتأخر ~~الهدهد غير بعيد وجاءت هي حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الملأ من قومها ~~وهم الأشراف وقال ابن عباس كان مع بلقيس مائة قيل مع كل قيل مائة ألف ~~والقيل ملك دون الملك الأعظم وقيل كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف فلما جاءوا وأخذوا مجالسهم. # ### || [سورة النمل (27): الآيات 29 الى 35] # قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها ~~الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا ~~قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) # قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # PageV03P344 # قالت لهم بلقيس يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم قيل سمته كريما ~~لأنه كان مختوما، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كرامة ~~الكتاب ختمه» وقال ابن عباس: كريم أي شريف لشرف صاحبه، ثم بينت ممن الكتاب ~~فقالت إنه من سليمان قرأت المكتوب فيه فقالت وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~~فإن قلت لم قدم إنه من سليمان على بسم الله. قلت: ليس هو كذلك بل ابتدأ ~~سليمان ببسم الله الرحمن الرحيم وإنما ذكرت بلقيس، أن هذا الكتاب من سليمان ~~ثم ذكرت ما في الكتاب فقالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي ~~قال ابن عباس: لا تتكبروا علي. والمعنى لا تمتنعوا من الإجابة فإن ترك ~~الإجابة، من العلو والتكبر وأتوني مسلمين أي طائعين مؤمنين وقيل من ~~الاستسلام وهو الانقياد قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري أي أشيروا علي ~~فيما عرض لي ما كنت قاطعة أمرا أي قاضية وفاصلة حتى تشهدون أي تحضرون قالوا ~~يعني الملأ مجيبين لها نحن أولوا قوة أي في الجسم على القتال وأولوا بأس ~~شديد أي عند الحرب وقيل أرادوا بالقوة ms2681 كثرة العدد والبأس والشجاعة وهذا ~~تعريض منهم بالقتال أي إن أمرتهم بذلك ثم قالوا والأمر إليك أيتها الملكة ~~أي في القتال وتركه فانظري ماذا تأمرين أي تجدين مطيعين لأمرك قالت بلقيس ~~مجيبة لهم عن التعريض للقتال وما يؤول إليه أمره إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أي عنوة أفسدوها أي خربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي أهانوا أشرافها ~~وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم بذلك مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم ~~ثم تناهى الخبر عنها هنا، وصدق الله قولها فقال تعالى وكذلك يفعلون أي كما ~~قالت هي يفعلون وقيل هو من قولها وهو للتأكيد لما قالت ثم قالت وإني مرسلة ~~إليهم بهدية يعني إلى سليمان وقومه أصانعه بها على ملكي، وأختبره بها أملك ~~هو أم نبي فإن كان ملكا قبل الهدية ورجع، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية، ولم ~~يرضه منا إلا أن نتبعه في دينه وهو قولها فناظرة بم يرجع المرسلون وذلك أن ~~بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة قد ساست الأمور، وجربتها فأهدت وصفاء ووصائف. # قال ابن عباس: مائة وصيف ومائه وصيفة قال وهب وغيره عمدت بلقيس إلى ~~خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الجواري لبس الغلمان الأقبية ~~والمناطق، وألبست الغلمان لبس الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي ~~أعناقهم أطواق الذهب وفي آذانهم أقرطة، وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر وحملت ~~الجواري على خمسمائة رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون على كل فرس سرج من ~~الذهب مرصع بالجواهر، وأغشية الديباج وبعثت إليه لبنات من الذهب ولبنات من ~~الفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود اليلنجوج ~~وعمدت إلى حق جعلت فيه درة بقيمة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزع معوجة الثقب ~~ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من ~~قومها أصحاب عقل ورأي وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية، وقالت: إن ~~كنت نبيا ميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحق قبل أن تفتحه ~~واثقب الدرة ثقبا مستويا وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا ms2682 جن، ~~وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث ~~يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام ~~الرجال، ثم قالت للرسول انظر إذا دخلت، فإن نظر إليك نظرا فيه غضب فاعلم ~~أنه ملك فلا يهولنك أمره ومنظره فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا ~~فافهم أنه نبي فتفهم قوله ورد الجواب # PageV03P345 # فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان، فأخبره فأمر ~~سليمان الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة، ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان ~~مقدار تسعة فراسخ وأن يفرشوا لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا مقدار تلك ~~اللبنات التي معهم وأن يعملوا حائطا شرفه من الذهب والفضة، ففعلوا ثم قال ~~أي دواب البر والبحر أحسن فقالوا يا نبي الله ما رأينا أحسن من دابة من ~~دواب البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص، قال: ~~علي بها الساعة فأتوا بها قال شدوها بين يمين الميدان وشماله ثم قال للجن ~~علي بأولادكم، فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان، وعلى شماله ~~وأمر الإنس والجن والشياطين، والوحوش والطير والسباع فاصطفوا فراسخ عن ~~يمينه وشماله، فلما دنا القوم إلى الميدان ونظروا إلى ملك سليمان رأوا أول ~~الأمر الدواب، التي لا يرى مثلها تروث في لبنات الذهب والفضة، فلما رأوا ~~ذلك تقاصرت أنفسهم وخبؤوا ما معهم من الهدايا وقيل إن سليمان فرش الميدان ~~بلبنات الذهب والفضة، وترك على طريقهم موضعا على قدر ما معهم من اللبن في ~~ذلك الموضع فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا خافوا أن يتهموا بذلك، ~~فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع، ولما رأوا الشياطين هالهم ما رأوا ~~وفزعوا فقالت لهم الشياطين جوزوا لا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردايس ~~الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجه طلق ~~وتلقاهم تلقيا حسنا، وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاءوا فيه ~~وأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال أين الحق؟ # فأتى به فحركه فجاءه جبريل فأخبره ms2683 بما فيه، فقال لهم: أن فيه درة ثمينة ~~غير مثقوبة وخرزة معوجة الثقب قال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في ~~الجزعة فقال سليمان: من لي بثقبها وسأل الإنس والجن، فلم يكن عندهم علم ثم ~~سأل الشياطين فقالوا: نرسل إلى الأرضة فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فيها ~~ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال سليمان ما حاجتك قالت: تصير رزقي ~~في الشجر. فقال: لك ذلك ثم قال من لي بهذه الخرزة فقالت دودة بيضاء أنا لها ~~يا نبي الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب ~~الآخر. فقال لها سليمان: ما حاجتك فقالت يكون رزقي في الفواكه قال: لك ذلك ~~ثم ميز بين الغلمان والجواري، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت ~~الجارية تأخذ الماء بيدها، تضرب بها الأخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء ~~بيديه ويغسل به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها والغلام على ~~ظاهره فميز بين الغلمان والجواري، ثم رد سليمان الهدية كما أخبر الله تعالى ~~فقال تعالى: # ### || [سورة النمل (27): الآيات 36 الى 39] # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ~~وإني عليه لقوي أمين (39) # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله أي ما أعطاني من الدين ~~والنبوة والحكمة والملك خير أي أفضل مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ~~معناه أنتم أهل مفاخرة ومكاثرة بالدنيا تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، وأما ~~أنا فلا أفرح بالدنيا وليست الدنيا من حاجتي لأن الله قد أعطاني منها ما لم ~~يعط أحدا ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد ~~ارجع إليهم أي بالهدية فلنأتينهم بجنود لا قبل أي لا طاقة لهم بها ms2684 ~~ولنخرجنهم منها أي من أرض سبأ أذلة وهم صاغرون أي إن لم يأتوني مسلمين قال ~~وهب وغيره من أهل الكتاب: لما رجعت رسل بلقيس إليها أي من عند سليمان، ~~وبلغوها ما قال سليمان قالت والله لقد عرفت ما هذا بملك وما لنا به من ~~طاقة. فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما ~~الذي تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها ~~داخل # PageV03P346 # بعض ثم أغلقت عليه سبعة أبواب، ووكلت به حراسا يحفظونه ثم قالت لمن خلفت ~~على ملكها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي لا يخلص إليه أحد، ثم أمرت مناديا ~~ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف ~~قيل من ملوك اليمن كل قيل تحت يده ألوف كثيرة، قال ابن عباس: وكان سليمان ~~رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فخرج يوما فجلس على ~~سريره فرأى رهجا قريبا منه قال ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت منا بهذا ~~المكان وكان على مسيرة فرسخ من سليمان فأقبل سليمان على جنوده قال يا أيها ~~الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال ابن عباس يعني طائعين ~~وقيل مؤمنين. قيل: # غرض سليمان في إحضار عرشها ليريها قدرة الله تعالى وإظهار معجزة دالة على ~~نبوته، وقيل أراد أن ينكره ويغيره قبل مجيئها ليختبر بذلك عقلها وقيل: إن ~~سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن ~~يحرم عليه أخذه لأنه أعجبه وصفه، لما وصفه له الهدهد وقيل أراد أن يعرف قدر ~~ملكها لأن السرير على قدر المملكة قال عفريت من الجن وهو المارد القوي، ~~وقال ابن عباس العفريت الداهية قال وهب: اسمه كوذي. # وقيل: ذكوان. وقيل: هو صخر المارد وكان مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى ~~طرفه أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك أي مجلس قضائك قال ابن عباس: وكان ~~له في الغداة مجلس يقضي فيه ms2685 إلى متسع النهار وقيل نصفه وإني عليه أي على ~~حمله لقوي أمين أي على ما فيه من الجواهر وغيرها قال سليمان: أريد أسرع من ~~ذلك. # ### || [سورة النمل (27): الآيات 40 الى 44] # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم ~~تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ~~وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله ~~إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ~~وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين (44) # قال الذي عنده علم من الكتاب قيل هو جبريل. وقيل: هو ملك أيد الله به ~~سليمان وقيل هو آصف بن برخيا وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي ~~به أجاب وإذا سئل به أعطى وقيل هو سليمان نفسه لأنه أعلم بني إسرائيل ~~بالكتاب وكان الله قد آتاه علما وفهما، فعلى هذا يكون المخاطب العفريت الذي ~~كلمه فأراد سليمان إظهار معجزة، فتحداهم أولا ثم بين للعفريت أنه يتأتى له ~~من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتأتى للعفريت قيل: كان الدعاء الذي دعا به: ~~يا ذا الجلال والإكرام وقيل: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة وروي عن ~~الزهري قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا ~~لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، وقال ابن عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلى ~~مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد سليمان عينيه ونظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث ~~الله الملائكة فحملوا السرير يجرون به تحت الأرض، حتى نبع من بين يدي ~~سليمان وقيل: خر سليمان ساجدا ودعا باسم الله الأعظم ms2686 فغاب العرش تحت الأرض ~~حتى ظهر عند كرسي سليمان فقال: # ما قال أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال سليمان: هات قال أنت النبي ~~ابن النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فإن دعوت الله كان عندك: قال صدقت ~~ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت فلما رآه يعني رأى سليمان العرش مستقرا عنده ~~أي محولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني يعني لتمكن من حصول المراد أأشكر أي نعمته علي أم أكفر فلا أشكرها ~~ومن شكر فإنما # PageV03P347 # يشكر لنفسه # أي يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة، ودوامها لأن الشكر ~~قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة ومن كفر فإن ربي غني أي عن شكره ~~لا يضره ذلك الكفران كريم يعني بالإفضال عليه لا يقطع نعمة عنه بسبب إعراضه ~~عن الشكر وكفران النعمة قال نكروا لها عرشها يعني غيروا سريرها إلى حال ~~تنكره إذا رأته قيل: هو أن يزاد فيه أو ينقص منه وقيل: إنما يجعل أسفله ~~أعلاه ويجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ننظر أتهتدي إلى ~~معرفة عرشها أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفته، وإنما حمل سليمان على ~~ذلك ما قال وهب ومحمد بن كعب، وغيرهما أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان ~~فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت جنية وإذا ولدت ولدا لا ينفكون من ~~تسخير سليمان وذريته من بعده فأساءوا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: ~~إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار، وإنها شعراء الساقين فأراد ~~سليمان، أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح فلما ~~جاءت قيل لها أهكذا عرشك قالت كأنه هو قيل: إنها عرفته ولكن شبهت عليهم كما ~~شبهوا عليها، وقيل: إنها كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من الكذب ولا قالت: لا ~~خوفا من التكذيب أيضا فقالت: كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها بحيث لم تقر ~~ولم تنكر اشتبه عليها أمر العرش، لأنها ms2687 تركته في بيت عليه سبعة أبواب مغلقة ~~والمفاتيح معها قيل فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب ثم قالت وأوتينا ~~العلم من قبلها يعني من قبل الآية في العرش وكنا مسلمين يعني منقادين ~~مطيعين خاضعين لأمر سليمان وقيل: قوله تعالى وأوتينا العلم أي بالله وبصحة ~~نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبلها أي من قبل ~~الآية في العرش، وكنا مسلمين أو معناه وأوتينا العلم بالله، وبقدرته على ما ~~يشاء من قبل هذه المرأة وكنا مسلمين ويكون الغرض من هذا شكر نعمة الله عليه ~~أن خصه بمزيد العلم، والتقدم في الإسلام وقيل معناه وأوتينا العلم بإسلامها ~~ومجيئها طائعة من قبل مجيئها طائعة وكنا مسلمين لله. # قوله تعالى وصدها ما كانت تعبد من دون الله يعني منعتها عبادة الشمس عن ~~التوحيد وعبادة الله وقيل معناه صدها سليمان، عما كانت تعبد من دون الله ~~وحال بينها وبينه إنها كانت من قوم كافرين أخبر الله أنها كانت من قوم ~~يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس يل لها ادخلي الصرح # وذلك أن سليمان لما اختبر عقلها بتنكير العرش وأراد أن ينظر إلى قدميها ~~وساقيها من غير أن يسألها كشفهما لما أخبرته الجن أن رجليها كحافر حمار، ~~وهي شعراء الساقين أمر الشياطين، فعملوا لها قصرا من الزجاج الأبيض كالماء ~~وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء، وألقى فيه السمك والضفادع وغيرهما ~~من دواب البحر ثم وضع سريره في صدر المجلس وجلس عليه وقيل إنما عمل الصرح ~~ليختبر به فهمها كما فعلت في الوصفاء والوصائف. # فلما جلس على السرير دعا بلقيس، ولما جاءت قيل لها ادخلي الصرح لما رأته ~~حسبته لجة # أي ماء عظيما كشفت عن ساقيها # لتخوض الماء إلى سليمان، فإذا هي أحسن النساء ساقا وقدما إلا أنها كانت ~~شعراء الساقين فلما نظر سليمان ذلك صرف بصره عنهاال إنه صرح ممرد # أي مملس ن قوارير # زجاج وليس بماء فحينئذ سترت ساقيها وعجبت من ذلك وعلمت أن ملك سليمان من ~~الله ms2688 تعالى واستدلت بذلك على التوحيد والنبوةالت رب إني ظلمت نفسي # بعبادة غيرك أسلمت مع سليمان لله رب العالمين # أي أخلصت له التوحيد والعبادة، وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة ~~قالت: في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا فلما تبين ~~لها خلاف ذلك قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن. واختلفوا في أمر بلقيس بعد ~~إسلامها، فقيل انتهى أمرها إلى قولها أسلمت لله رب العالمين ولا عمل لأحد ~~وراء ذلك، لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في خبر صحيح وقال بعضهم: تزوجها ~~سليمان وكره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس عما يذهب ذلك فقالوا ~~الموسى. فقالت المرأة إني لم يمسني حديد قط فكره سليمان الموسى وقال: إنها ~~تقطع ساقيها # PageV03P348 # فسأل الجن فقالوا لا ندري فسأل الشياطين. فقالوا: نحتال لك حتى تكون ~~كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة، والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذ. ~~فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا ~~لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سلحين ~~وبيسنون وغمدان ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة ~~أيام يبكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام وولدت له ولدا ذكرا. ~~وقال وهب: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلا من قومك ~~حتى أزوجك إياه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي من قومي ~~الملك والسلطان، قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ولا ينبغي لك أن ~~تحرمي ما أحل الله قالت: فإن كان ولا بد فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها ~~إياه وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة ملك ~~الجن وقال له اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل يعمل له ما أراد إلى أن ~~مات سليمان وحال الحول، وعلم الجن موت سليمان، فأقبل رجل منهم حتى بلغ جوف ~~اليمن وقال بأعلى صوته: يا معشر ms2689 الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا ~~أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك سلمان وملك ذي تبع وملك بلقيس، ~~وبقي الملك لله الواحد القهار قيل إن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ~~ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. قوله عز وجل: # ### || [سورة النمل (27): الآيات 45 الى 49] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) ~~قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون (49) # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله أي وحدوه لا تشركوا به ~~شيئا فإذا هم فريقان أي مؤمن وكافر يختصمون أي في الدين كل فريق يقول الحق ~~معنا قال يعني صالحا للفريق المكذب يا قوم لم تستعجلون بالسيئة أي بالبلاء ~~والعقوبة قبل الحسنة أي العافية والرحمة لولا أي هلا تستغفرون الله أي ~~بالتوبة إليه من الكفر لعلكم ترحمون أي لا تعذبون في الدنيا قالوا اطيرنا ~~أي تشاءمنا بك وبمن معك قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم وقيل: لإمساك ~~القطر عنهم قالوا إنما أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك قال ~~طائركم عند الله أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله مكتوب عليكم، سمي ~~طائرا لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم وقال ابن عباس الشؤم الذي ~~أتاكم من عند الله بكفركم وقيل طائركم أي عملكم، عند الله، سمي طائرا لسرعة ~~صعوده إلى السماء بل أنتم قوم تفتنون قال ابن عباس تختبرون بالخير والشر ~~وقيل معناه تعذبون. قوله تعالى وكان في المدينة يعني مدينة ثمود وهي الحجر ~~تسعة رهط يعني من أبناء أشرافهم يفسدون في الأرض أي بالمعاصي ولا يصلحون أي ~~لا يطيعون وهم غواة قوم صالح الذين اتفقوا على عقر الناقة ورأسهم قدار بن ms2690 ~~سالف قالوا تقاسموا بالله يعني يقول بعضهم لبعض احلفوا بالله أيها القوم ~~لنبيتنه أي لنقتلنه ليلا وأهله يعني قومه الذين آمنوا معه ثم لنقولن لوليه ~~أي لولي دمه ما شهدنا يعني ما حضرنا مهلك أهله أي ما ندري من قتله ولا هلاك ~~أهله وإنا لصادقون يعني في قولنا ما شهدنا ذلك. ### || [سورة النمل (27): الآيات 50 الى 63] # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال ~~لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) # أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (58) قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير ~~أما يشركون (59) # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم ~~في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله ~~تعالى الله عما يشركون (63) # PageV03P349 # ومكروا مكرا أي غدروا غدرا حين قصدوا تبيت صالح وأهله ومكرنا مكرا يعني ~~جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم يعني أهلكناهم أي التسعة قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك ~~الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتت التسعة دار صالح شاهرين سلاحهم، فرمتهم ~~الملائكة بالحجارة وهم يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم وأهلك الله ~~جميع القوم بالصيحة وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم ms2691 خاوية بما ظلموا أي بظلمهم ~~وكفرهم إن في ذلك لآية أي لعبرة لقوم يعلمون أي قدرتنا وأنجينا الذين ~~آمنوا، وكانوا يتقون يقال إن الناجين كانوا أربعة آلاف. قوله تعالى ولوطا ~~إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة أي الفعلة القبيحة وأنتم تبصرون أي تعلمون ~~أنها فاحشة وهو من بصر القلب وقيل: معناه يبصر بعضكم بعضا وكانوا لا ~~يستترون عتوا منهم أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~تجهلون فإن قلت إذا فسر تبصرون بالعلم وقد قال: بعده «قوم تجهلون» فيكون ~~العلم جهلا. قلت: معناه تفعلون فعل الجاهلين وتعلمون أنه فاحشة. وقيل: ~~تجهلون العاقبة وقيل أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون يعني من ~~أدبار الرجال فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين أي قضينا ~~عليها بأن جعلناها من الباقين في العذاب وأمطرنا عليهم مطرا أي الحجارة ~~فساء أي فبئس مطر المنذرين قوله عز وجل قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمد الله على هلاك كفار ~~الأمم الخالية، وقيل: يحمده على جميع نعمه وسلام على عباده الذين اصطفى ~~يعني الأنبياء والمرسلين وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: # هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين آلله خير أما يشركون فيه تبكيت ~~للمشركين وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار. والمعنى آلله خير لمن عبده ~~أم الأصنام لمن عبدها فإن الله خير لمن عبده وآمن به لإغنائه عنه من الهلاك ~~والأصنام، لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب، ولهذا السبب ذكر أنواعا ~~تدل على وحدانيته وكمال قدرته. # فالنوع الأول قوله تعالى: أمن خلق السماوات والأرض ذكر أعظم الأشياء ~~المشاهدة الدالة على عظيم # PageV03P350 # قدرته. والمعنى الأصنام خير أم الذي خلق السموات والأرض ثم ذكر نعمه فقال ~~وأنزل لكم من السماء ماء يعني المطر فأنبتنا به حدائق أي بساتين جمع حديقة، ~~وهو البستان المحيط عليه ms2692 فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة ذات بهجة أي ذات ~~منظر حسن والبهجة الحسن يبتهج به من يراه ما كان لكم أن تنبتوا شجرها يعني ~~ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون على ذلك لأن الإنسان قد يقول: أنا المنبت ~~للشجرة بأن أغرسها وأسقيها الماء فأزال هذه الشبهة بقوله ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، والطعوم والروائح ~~المختلفة والزروع تسقى بماء واحد، لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يتأتى ~~لأحد وإن تأتى ذلك لغيره محال أإله مع الله يعني هل معه معبود أعانه على ~~صنعه بل يعني ليس معه إله ولا شريك هم قوم يعني كفار مكة يعدلون يشركون ~~وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر إلى الباطل. النوع الثاني قوله عز وجل أمن ~~جعل الأرض قرارا أي دحاها وسواها للاستقرار عليها، وقيل لا تميد بأهلها ~~وجعل خلالها أنهارا أي وسطها بأنهار تطرد بالمياه وجعل لها رواسي أي جبالا ~~ثوابت وجعل بين البحرين يعني العذب والملح حاجزا أي مانعا لا يختلط أحدهما ~~بالآخر أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أي توحيد ربهم وقدرته وسلطانه. ~~النوع الثالث قوله تعالى أمن يجيب المضطر أي المكروب المجهود، وقيل: ~~المضرور بالحاجة المحوجة من مرض أو نازلة من نوازل الدهر يعني إذا نزلت ~~بأحد بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله تعالى وقيل: هو المذنب إذا استغفر ~~إذا دعاه يعني فيكشف ضره ويكشف السوء أي الضر لأنه لا يقدر على تغيير حال ~~من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة ومن ضيق إلى سعة إلا القادر، الذي لا يعجز ~~والقاهر الذي لا يغلب ولا ينازع ويجعلكم خلفاء الأرض أي سكانها، وذلك أنه ~~ورثهم سكانها والتصرف فيها قرنا بعد قرن وقيل يجعل أولادكم خلفاء لكم وقيل: ~~جعلكم خلفاء الجن في الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أي تتعظون. النوع ~~الرابع قوله عز وجل أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر أي يهديكم بالنجوم ~~والعلامات إذا جن عليكم الليل مسافرين في البر ms2693 والبحر ومن يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته أي قدام المطر أإله مع الله تعالى الله عما يشركون النوع ~~الخامس قوله تعالى: # ### || [سورة النمل (27): الآيات 64 الى 78] # أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ~~إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في ~~شك منها بل هم منها عمون (66) وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا ~~أإنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين (68) # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ~~ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) ~~قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) # وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء ~~والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم ~~بحكمه وهو العزيز العليم (78) # أمن يبدؤا الخلق أي نطفا في الأرحام ثم يعيده بعد الموت ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض أي من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم أي حجتكم على قولكم إن مع الله إلها # PageV03P351 # آخر إن كنتم صادقين قوله تعالى قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ~~إلا الله نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت ~~الساعة. والمعنى أن الله هو الذي يعلم الغيب وحده ويعلم متى تقوم الساعة ~~وما يشعرون أيان يبعثون يعني أن من في السموات وهم الملائكة ومن في الأرض ~~وهم بنو آدم لا يعلمون متى يبعثون والله تعالى تفرد بعلم ذلك بل ادارك ~~علمهم أي بلغ ولحق علمهم في الآخرة هو ما جهلوه في ms2694 الدنيا وسقط عنهم علمه. ~~وقيل بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا فيه وعلموا عنه في الدنيا وهو ~~قوله تعالى بل هم في شك منها أي هم اليوم في شك من الساعة بل هم منها عمون ~~جمع عم وهو أعمى القلب وقيل معنى الآية أن الله أخبر عنهم إذا بعثوا يوم ~~القيامة يستوي علمهم في الآخرة، وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب وإن كانت ~~علومهم مختلفة في الدنيا. # قوله تعالى وقال الذين كفروا أي مشركو مكة أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا ~~لمخرجون أي من قبورنا أحياء لقد وعدنا هذا أي هذا البعث نحن وآباؤنا من قبل ~~أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وليس ذلك بشيء إن هذا أي ما هذا إلا ~~أساطير الأولين أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم أي بتكذيبهم إياك وإعراضهم ~~عنك. ولا تكن في ضيق مما يمكرون نزلت في المستهزئين الذي اقتسموا عقاب مكة ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف أي دنا وقرب لكم ~~وقيل معناه ردفكم بعض الذي تستعجلون أي من العذاب فحل بهم ذلك يوم بدر. ~~قوله عز وجل وإن ربك لذو فضل على الناس # يعني على أهل مكة حيث لم يعجل لهم بالعذاب ولكن أكثرهم لا يشكرون أي ذلك ~~وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم أي تخفي وما يعلنون أي من عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما من غائبة أي من جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء ~~غائب في السماء والأرض إلا في كتاب مبين يعني في اللوح المحفوظ إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أي يبين لهم أكثر الذي هم فيه يختلفون أي من ~~أمر الدين، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن ~~بعضهم على بعض فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه وإنه يعني القرآن لهدى ~~ورحمة للمؤمنين إن ربك يقضي بينهم أي يفصل بينهم ms2695 ويحكم بين المختلفين في ~~الدين يوم القيامة بحكمه أي الحق هو العزيز الممتنع الذي لا يرد له أمر ~~العليم أي بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء منها. # ### || [سورة النمل (27): الآيات 79 الى 82] # فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) # فتوكل على الله أي فثق به إنك على الحق المبين أي البين إنك لا تسمع ~~الموتى يعني موتى القلوب وهم الكفار ولا تسمع الصم الدعاء، إذا ولوا مدبرين ~~أي معرضين. فإن قلت ما معنى مدبرين والأصم لا يسمع صوتا سواء أقبل أو ~~أدبر؟. قلت: هو تأكيد ومبالغة وقيل: إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع برفع ~~الصوت، أو يفهم بالإشارة فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. ومعنى الآية إنه لفرط ~~إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى سماعه، وكالأصم الذي لا ~~يسمع ولا يفهم وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم معناه ما أنت بمرشد من أعماه ~~الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا إلا من ~~يصدق بالقرآن أنه من الله فهم مسلمون أي مخلصون. قوله تعالى: وإذا وقع ~~القول عليهم يعني إذا وجب عليهم العذاب وقيل: إذا غضب الله عليهم وقيل إذا ~~وجبت الحجة عليهم، وذلك أنهم لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا # PageV03P352 # عن المنكر وقيل إذا لم يرج صلاحهم وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة ~~أخرجنا لهم دابة من الأرض. # (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «بادروا بالأعمال ~~قبل ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة وخويصة أحدكم وأمر ~~العامة» (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ms2696 مغربها وخروج الدابة ~~على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا» عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تخرج الدابة ومعها خاتم ~~سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر بالخاتم: حتى إن أهل ~~الحق ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر» أخرجه الترمذي. وقال ~~حديث حسن، وروى البغوي بإسناده عن الثعلبي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها ~~بالبادية لا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة ثم تمكث زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة ~~أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية، ويدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم ~~بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة، وأكرمها على الله يعني ~~المسجد الحرام لم يرعهم، إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو، كذا قال عمر ~~وما بين الركب الأسود إلى باب بني مخزوم، عن يمين الخارج في وسط من ذلك ~~فارفض الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم ~~تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب ~~الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب حتى أن الرجل، ~~ليقوم فيعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فيقبل ~~عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ~~ويشتركون في الأموال يعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر ~~يا كافر» وبإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الدابة قلت: يا رسول الله من أين تخرج قال «من أعظم المساجد حرمة على ~~الله فبينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض، وينشق الصفا ~~مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا أول ما يخرج منها رأسها ملمعة ذات ~~وبر وريش لن يدركها الطالب، ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمنا وكافرا فأما ~~المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري ms2697 وتكتب بين عينيه مؤمن وأما الكافر فتنكت ~~بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه كافر» وروي عن ابن عباس أنه قرع ~~الصفا بعصاه وهو محرم وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه وعن ابن عمر قال ~~تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى، وعن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «بئس الشعب شعب أجياد مرتين أو ثلاثا قيل: ولم ذاك يا ~~رسول الله؟ قال: تخرج منه الدابة تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين» ~~وروي عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير، ~~وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها ~~خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ~~ذراعا. وعن عبد الله بن عمرو قال: تخرج الدابة من شعب أجياد فتمس رأسها ~~السحاب ورجلاها في الأرض وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب ولكن لها ~~لحية وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من رآها أن أهل ~~مكة، كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون تكلمهم أي بكلام فصيح قيل تقول هذا ~~مؤمن وهذا كافر. وقيل: تقول ما أخبر الله تعالى أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون تخبر الناس عن أهل مكة أنهم لم يؤمنوا بالقرآن والبعث. وقرئ تكلمهم ~~بتخفيف اللام من الكلم، وهو الجرح وقال ابن الجوزي: سئل ابن عباس عن هذه ~~الآية تكلمهم وتكلمهم فقال: كل ذلك تفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر. قوله ~~تعالى: # ### || [سورة النمل (27): الآيات 83 الى 87] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤ ~~قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) ووقع القول ~~عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ms2698 (87) # PageV03P353 # ويوم نحشر من كل أمة فوجا أي نحشر من كل قرن جماعة ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعون ثم يساقوا إلى النار حتى إذا ~~جاؤ يعني يوم القيامة قال الله تعالى لهم أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها ~~علما أي ولم تعرفوها حق معرفتها أما ذا كنتم تعملون أي حين لم تتفكروا فيها ~~وقيل: معنى الآية أكذبتم بآياتي غير عالمين بها ولم تتفكروا في صحتها بل ~~كنتم بها جاهلين ووقع القول أي وجب العذاب عليهم بما ظلموا أي بما أشركوا ~~فهم لا ينطقون أي بحجة وقيل إن أفواههم مختومة ألم يروا أنا جعلنا أي أنا ~~خلقنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا أي مضيئا يبصر فيه. # وفي الآية دليل على البعث بعد الموت لأن القادر على قلب الضياء ظلمة، ~~والظلمة ضياء قادر على الإعادة بعد الموت إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون أي ~~يصدقون فيعتبرون. قوله تعالى ويوم ينفخ في الصور هو قرن ينفخ فيه إسرافيل ~~قال الحسن: الصور هو القرن ومعنى كلامه إن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ ~~فيه فتذهب في الأجساد فتحيا بها الأجساد ففزع أي فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض أي ماتوا. والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. وقيل ينفخ ~~إسرافيل في الصور ثلاث نفخات، نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب ~~العالمين إلا من شاء الله روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن قوله تعالى «إلا من شاء الله» قال هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ~~وقال ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل إليهم الفزع. # وقيل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل فلا يبقى بعد النفخة إلا ~~هؤلاء الأربعة ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل فيأخذ ~~نفسه ثم يقول: من بقي يا ملك الموت فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا ~~الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم بقي جبريل وميكائيل، وملك الموت ~~فيقول: خذ نفس ميكائيل. فيأخذ ms2699 نفس ميكائيل فيقع، كالطود العظيم فيقول من ~~بقي من خلقي فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل، وملك الموت فيقول ~~مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا ~~الجلال والإكرام بقي وجهك الدائم الباقي وجبريل، الميت الفاني فيقول الله: ~~يا جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه. فيروى أن فضل خلقه على ~~ميكائيل كفضل الطود العظيم على ظرب من الظراب. ويروى أنه يبقى مع هؤلاء ~~الأربعة حملة العرش ثم روح ملك الموت، فإذا لم يبق أحد إلا الله تبارك ~~وتعالى طوى السماء كطي السجل للكتاب ثم يقول الله «أنا الجبار لمن الملك ~~اليوم فلا يجيبه أحد فيقول الله تعالى: لله الواحد القهار (ق) عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من رفع رأسه ~~فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان ممن استثنى الله عز وجل ~~أم رفع رأسه قبلي، ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» وقيل الذين ~~استثنى الله هم رضوان والحور ومالك والزبانية. وقوله تعالى وكل أي وكل ~~الذين أحيوا بعد الموت أتوه أي جاءوه داخرين أي صاغرين. ### || [سورة النمل (27): الآيات 88 الى 93] # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ~~آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ~~أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) # وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) # PageV03P354 # قوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة أي قائمة واقفة وهي تمر ms2700 مر السحاب ~~أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل ~~جسم كبير وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه وبعد ما بين أطرافه فهو ~~في حساب الناظر واقف وهو سائر كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها ~~كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه صنع الله الذي أتقن كل شيء يعني أنه تعالى، ~~لما قدم هذه الأشياء كلها التي لا يقدر عليها غيره جعل ذلك الصنع من ~~الأشياء التي أتقنها وأحكمها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب إنه خبير بما ~~تفعلون. قوله تعالى من جاء بالحسنة أي بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله ~~إلا الله وقيل الإخلاص في العمل، وقيل الحسنة كل طاعة عملها لله عز وجل فله ~~خير منها قال ابن عباس فيها يصل إلى الخير بمعنى أن له من تلك الحسنة خير ~~يوم القيامة وهو الثواب والأمن من العذاب أما من يكون له شيء خير من ~~الإيمان فلا، لأنه لا شيء خير من لا إله إلا الله، وقيل: هو جزاء الأعمال ~~والطاعات الثواب والجنة وجزاء الإيمان والإخلاص رضوان الله والنظر إليه ~~لقوله «ورضوان من الله» وقيل: معنى خير منها الأضعاف أعطاه الله بالواحدة ~~عشر أضعافها، لأن الحسنة استحقاق العبد والتضعيف تفضيل الرب تبارك وتعالى ~~وهم من فزع يومئذ آمنون فإن قلت كيف نفى الفزع هنا وقد قال قبله ففزع من في ~~السموات ومن في الأرض. # قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع وهول ~~يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه فأما الفزع ~~الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه. وأما ما يلحق الإنسان من الرعب ~~عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد ومن جاء بالسيئة يعني بالشرك فكبت ~~وجوههم في النار عبر بالوجه عن جميع البدن كأنه قال كبوا وطرحوا جميعهم في ~~النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون أي تقول لهم خزنة جهنم ms2701 «هل تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون» في الدنيا من الشرك. # وقوله تعالى إنما أمرت يعني يقول الله تعالى لرسوله قل إنما أمرت أن أعبد ~~رب هذه البلدة يعني أمرت أن أخص بعبادتي وتوحيدي الله الذي هو رب هذه ~~البلدة يعني مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بالذكر لأنها مضافة إليه ~~وأحب البلاد وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لأنها موطن نبيه ومهبط ~~وحيه الذي حرمها أي جعلها الله حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها ~~أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر أنه هو ~~الذي حرمها لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله لا من ~~الأصنام وله كل شيء أي خلقا وملكا وأمرت أن أكون من المسلمين لله المطيعين ~~له وأن أتلوا القرآن أي أمرت أن أتلو القرآن ولقد قام صلى الله عليه وسلم ~~بكل ما أمر به أتم قيام على ما أمر به فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي نفع ~~اهتدائه يرجع إليه ومن ضل أي عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى فقل إنما أنا من ~~المنذرين أي من المخوفين، وما علي إلا البلاغ نسختها آية القتال وقل الحمد ~~لله أي على جميع نعمه، وقيل: على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة ~~والإنذار سيريكم آياته الباهرة ودلائله القاهرة قيل: هو يوم بدر وهو ما ~~أراهم من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وقيل: آياته في ~~السموات والأرض وفي أنفسكم فتعرفونها أي فتعرفون الآيات والدلالات وما ربك ~~بغافل عما تعملون فيه وعيد بالجزاء على أعمالهم والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV03P355 ### | سورة القصص # وهي مكية إلا قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله لا نبتغي ~~الجاهلين وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة وهي قوله إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد وهي ثمان وثمانون آية وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة ~~وخمسة آلاف وثمانمائة حرف. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القصص (28): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب ms2702 المبين (2) # قوله عز وجل طسم تلك إشارة إلى آيات السورة آيات الكتاب المبين قيل هو ~~اللوح المحفوظ وقيل هو الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام. ### || [سورة القصص (28): الآيات 3 الى 7] # نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ~~كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون (6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه ~~فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~(7) # نتلوا عليك من نبإ أي خبر موسى وفرعون بالحق أي بصدق لقوم يؤمنون أي ~~يصدقون بالقرآن إن فرعون علا أي تجبر وتكبر في الأرض أي أرض مصر وجعل أهلها ~~شيعا أي فرقا في أنواع الخدمة والتسخير يستضعف طائفة منهم يعني بني إسرائيل ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه ~~عن أنفسهم إنه كان من المفسدين أي بالقتل والتجبر في الأرض ونريد أن نمن أي ~~ننعم على الذين استضعفوا في الأرض يعني بني إسرائيل ونجعلهم أئمة أي قادة ~~في الخير يقتدى بهم وقيل ولاة ملوكا ونجعلهم الوارثين يعني أملاك فرعون، ~~وقومه بأن نجعلهم في مساكنهم ونمكن لهم في الأرض أي نوطن لهم أرض مصر ~~والشام، ونجعلها لهم سكنا ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~أي يخافون وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل وكانوا ~~على حذر منه فأراهم الله ما كانوا يحذرون. قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى ~~هو وحي إلهام، وذلك بأن قذف في قلبها واسمها يوحانذ من نسل لاوي بن يعقوب ~~أن أرضعيه قيل أرضعته ثمانية أشهر وقيل أربعة وقيل ثلاثة وكانت ترضعه، وهو ~~لا يبكي ولا يتحرك في حجرها فإذا ms2703 خفت عليه أي الذبح فألقيه في اليم أي في ~~البحر وأراد نيل مصر ولا # PageV03P356 # تخافي # أي عليه من الغرق وقيل الضيعة ولا تحزني أي على فراقه إنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين قال ابن عباس إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا ~~على الناس، وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر فسلط ~~الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله على يد نبيه موسى عليه ~~الصلاة والسلام. # ذكر القصة في ذلك # قال ابن عباس: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، كانت قابلة من القوابل ~~التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق ~~أرسلت إليها، وقالت لها: قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم، فعالجت ~~قبالها فلما وقع موسى بالأرض هالها نور عيني موسى فارتعش كل مفصل فيها، ~~ودخل حب موسى قلبها ثم قالت لها يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلا مرادي ~~قتل ولدك، ولكن وجدت لولدك حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك، فإني ~~أراه عدونا فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ~~ليدخلوا إلى أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب فلفته بخرقة ~~وألقته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع قال فدخلوا فإذا ~~التنور مسجور ورأوا أم موسى ولم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن فقالوا ما ~~أدخل القابلة قالت هي مصافية لي فدخلت علي زائرة، فخرجوا من عندها فرجع ~~إليها عقلها فقالت لأخته فأين الصبي؟ فقالت: لا أدري فسمعت بكاء الصبي في ~~التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما فاحتملته، قال: ~~ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف ~~الله في قلبها أن تتخذ تابوتا له ثم تقذف التابوت في النيل فانطلقت إلى رجل ~~نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا فقال النجار ما تصنعين بهذا ~~التابوت؟ فقالت: ابن لي أخبئه في التابوت، وكرهت ms2704 الكذب قال ولم تقل أخشى ~~عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته، وانطلقت به انطلق النجار إلى ~~الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه، فلم يطلق ~~الكلام وجعل يشير بيديه فلم تدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال ~~كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه ~~لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ لسانه وبصره فلم ~~يطق الكلام، ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه، وبقي حيران فجعل لله عليه إن رد ~~عليه لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه فيحفظه، حيثما كان فعرف الله ~~صدقه فرد عليه لسانه وبصره فخر لله ساجدا فقال يا رب: دلني على هذا العبد ~~الصالح فدله عليه فآمن به وصدقه وقال وهب لما حملت أم موسى بموسى، كتمت ~~أمرها عن جميع الناس فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله تعالى، وذلك شيء ~~ستره الله تعالى لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل فلما كانت السنة التي ~~ولد فيها، بعث فرعون القوابل وتقدم الأمين ففتش النساء تفتيشا لم يفتش قبل ~~ذلك مثله، وحملت بموسى ولم يتغير لونها ولم ينب بطنها فكانت القوابل لا ~~تتعرض لها فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة ~~ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم وأوحى الله إليها أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم فكتمته ثلاثة أشهر فلما خافت عليه عملت تابوتا، مطبقا، ~~ثم ألقته في اليم وهو البحر ليلا. # قال ابن عباس وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها وكانت من ~~أكرم الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه وكان بها برص شديد ~~وكان فرعون قد جمع لها الأطباء والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا: أيها الملك ~~لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به ~~برصها فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في ساعة كذا حين تشرق ms2705 الشمس فلما كان ~~ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت ~~مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ البحر # PageV03P357 # مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه ~~الأمواج فقال فرعون: إن هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجر ائتوني به ~~فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم ~~يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. فدنت آسية فرأت في جوف التابوت ~~نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في التابوت وإذا ~~نور بين عينيه وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمص منه لبنا فألقى الله محبته ~~في قلب آسية وأحبه فرعون وعطف عليه. وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من ~~التابوت عمدت إلى ما يسيل من أشداقه من ريقه فلطخت به برصها فبرأت ثم قبلته ~~وضمته إلى صدرها فقالت: الغواة من قوم فرعون أيها الملك إنا نظن أن ذلك ~~المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا رمي به في البحر فزعا منك فهم ~~فرعون بقتله فقالت آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أي فنصيب ~~منه خيرا أو نتخذه ولدا وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها. ~~وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها الله» فقيل لآسية ~~سميه فقالت سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر لأن موسى هو الماء وهو ~~الشجر فذلك قوله تعالى: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 8 الى 12] # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ms2706 (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به ~~عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على ~~أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) # فالتقطه آل فرعون الالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب ليكون لهم عدوا ~~وحزنا أي عاقبة أمرهم إلى ذلك لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين أي آثمين وقيل: هو من الخطأ ومعناه ~~أنهم لم يشعروا أنه الذي يذهب بملكهم وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون قال وهب لما نظر إليه ~~فرعون قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك وقال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح ~~وكانت آسية امرأة فرعون من خيار النساء ومن بنات الأنبياء. # وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه ~~هذا الوليد أكبر من ابن سنة وأنت أمرت أن تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون ~~عندي. وقيل: إنها قالت إنه أتانا من أرض أخرى وليس هو من بني إسرائيل ~~فاستحياه فرعون وألقى الله محبته عليه قال ابن عباس لو أن عدو الله قال في ~~موسى كما قالت آسية عسى أن ينفعنا لنفعه الله ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه ~~الله عليه قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي خاليا من كل شيء إلا من ~~ذكر موسى وهمه وقيل معناه ناسيا للوحي الذي أوحى الله عز وجل إليها حين ~~أمرها أن تلقيه في اليم ولا تخاف ولا تحزن والعهد الذي عهد إليها أن يرده ~~إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان وقال كرهت أن يقتل فرعون ولدك ~~فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله وألقيته في البحر وأغرقته. ولما ~~أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت إنه قد وقع في يد عدوه الذي ~~فررت منه فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها إن كادت لتبدي به أي ~~لتصرح بأنه ابنها من شدة وجلها. # قال ابن عباس كادت تقول وا ms2707 ابناه وقيل لما رأت التابوت ترفعه موجة وتحطه ~~أخرى خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شدة شفقتها عليه. وقيل كادت تظهر أنه ~~ابنها حين سمعت الناس يقولون موسى ابن فرعون # PageV03P358 # فشق عليها ذلك وكادت تقول هو ابني وقيل كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله ~~إليها لولا أن ربطنا على قلبها أي بالعصمة والصبر والتثبت لتكون من ~~المؤمنين أي من المصدقين بوعد الله إياها وقالت لأخته أي لمريم أخت موسى ~~قصيه أي اتبعي أثره حتى تعطي خبره فبصرت به عن جنب أي عن بعد قيل كانت تمشي ~~جانبا وتنظره اختلاسا ترى أنها لا تنظره وهم لا يشعرون أنها أخته وأنها ~~ترقبه وحرمنا عليه المراضع المراد به المنع قيل مكث موسى ثمان ليال لا يقبل ~~ثديا قال ابن عباس إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد من ترضعه كلما ~~أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها وهم في طلب من يرضعه لهم من قبل أي قبل مجيء أم ~~موسى وذلك لما رأته أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلب ذلك فقالت يعني أخت ~~موسى هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم أي يضمونه ويرضعونه وهي امرأة قتل ~~ولدها فأحب ما تدعى إليه أن تجد صغيرا ترضعه وهم له ناصحون أي لا يمنعونه ~~ما ينفعه من تربيته وغذائه والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد. قيل لما ~~قالت: # وهم له ناصحون قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله قالت ما ~~أعرفه ولكن قلت وهم للملك ناصحون وقيل: إنها قالت إنما قلت ذلك رغبة في ~~سرور الملك واتصالنا به. وقيل قالوا من هم قالت أمي قالوا ولأمك ولد قالت ~~نعم هارون وكان هارون ولد في السنة التي لا يقتل فيها قالوا صدقت فأتينا ~~بها فانطلقت إليها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح ~~أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا قيل كانوا يعطونها كل يوم ~~دينارا فذلك قوله تعالى: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 13 الى 18] # فرددناه إلى أمه ms2708 كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت ~~علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) # فرددناه إلى أمه كي تقر عينها أي برد موسى إليها ولا تحزن أي لئلا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق أي برده إليها ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله وعدها ~~أن يرده إليها ولما بلغ أشده قيل الأشد ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين سنة ~~وقيل الأشد ثلاث وثلاثون سنة واستوى أي بلغ أربعين سنة قاله ابن عباس: وقيل ~~انتهى شبابه وتكامل آتيناه حكما وعلما أي عقلا وفهما في الدين فعلم وحكم ~~موسى قبل أن يبعث نبيا وكذلك نجزي المحسنين قوله تعالى ودخل المدينة يعني ~~موسى والمدينة قيل هي منف من أعمال مصر وقيل هي قرية يقال لها حابين على ~~رأس فرسخين من مصر وقيل هي مدينة شمس على حين غفلة من أهلها قيل هي نصف ~~النهار واشتغال الناس بالقيلولة وقيل دخلها ما بين المغرب والعشاء وقيل سبب ~~دخول المدينة في ذلك الوقت أن موسى كان يسمى ابن فرعون وكان يركب في مراكب ~~فرعون ويلبس لباسه فركب فرعون يوما وكان موسى غائبا فلما جاء قيل له إن ~~فرعون قد ركب فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض منف فدخلها وليس في ~~أطرافها أحد. وقيل كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به ~~فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه فخالفهم في دينه حتى ~~أنكروا ms2709 ذلك منه وخافوه وخافهم فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخفيا على حين ~~غفلة من أهلها. # PageV03P359 # وقيل لما ضرب موسى فرعون بالعصا في صغره فأراد فرعون قتله قالت امرأته هو ~~صغير فتركه وأمر بإخراجه من مدينته فأخرج منها فلم يدخل عليهم حتى كبر وبلغ ~~أشده فدخل على حين غفلة من أهلها يعني عن ذكر موسى ونسيانهم خبره لبعد ~~عهدهم به. وعن علي أنه كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم فوجد فيها ~~رجلين يقتتلان أي يتخاصمان ويتنازعان هذا من شيعته أي من بني إسرائيل وهذا ~~من عدوه يعني من القبط وقيل هذا مؤمن وهذا كافر وقيل الذي كان من الشيعة هو ~~السامري والذي من عدوه هو طباخ فرعون واسمه فاتون وكان القبطي يريد أن يأخذ ~~الإسرائيلي يحمله الحطب. وقال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من ~~آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع وكان ~~بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم فوجد موسى ~~رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط فاستغاثه الذي من ~~شيعته يعني الإسرائيلي على الذي من عدوه يعني الفرعوني والاستغاثة طلب ~~الغوث والمعنى أنه سأله أن يخلصه منه وأن ينصره عليه فغضب موسى واشتد غضبه ~~لأنه أخذه وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس ~~إلا أنه من قبل الرضاعة فقال موسى للفرعوني: خل سبيله فقال: إنما أخذته ~~ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك فنازعه فقال الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك ~~وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة فوكزه موسى يعني ضربه بجميع ~~كفه وقيل الوكز الضرب في الصدر وقيل الوكز الدفع بأطراف الأصابع فقضى عليه ~~يعني قتله وفرغ من أمره فندم موسى عليه ولم يكن قصد القتل فدفنه في الرمل ~~قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين يعني بين الضلالة وقيل في قوله ~~هذا إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل ms2710 نفسه، والمعنى أن عمل هذا المقتول من ~~عمل الشيطان والمراد منه بيان كونه مخالفا لله سبحانه وتعالى مستحقا للقتل ~~وقيل هذا إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان وحزبه قال رب إني ظلمت ~~نفسي يعني بقتل القبطي من غير أمر وقيل هو على سبيل الاتضاع لله تعالى ~~والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب. وقوله فاغفر لي ~~يعني ترك هذا المندوب وقيل يحتمل أن يكون المراد «رب إني ظلمت نفسي» حيث ~~فعل هذا فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به فقال أي فاستره علي ولا توصل خبره ~~إلى فرعون فغفر له أي فستره عن الوصول إلى فرعون إنه هو الغفور الرحيم قال ~~رب بما أي بالمغفرة والستر الذي أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين معناه ~~فأنا لا أكون معاونا لأحد من المجرمين قال # ابن عباس الكافرين وفيه دليل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان ~~كافرا. # قال ابن عباس لم يستثن فابتلي في اليوم الثاني أي لم يقل فلم أكن إن شاء ~~الله ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة أي التي قتل فيها القبطي خائفا يترقب ~~أي ينتظر سوءا والترقب انتظار المكروه وقيل ينتظر متى يؤخذ به فإذا الذي ~~استنصره بالأمس يستصرخه أي يستغيث به من بعد. قال ابن عباس: أتي فرعون فقيل ~~له إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا فقال اطلبوا قاتله ومن ~~يشهد عليه فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك ~~الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني وكان موسى قد ندم على ما ~~كان منه بالأمس من قتل القبطي قال له موسى للإسرائيلي إنك لغوي مبين أي ~~ظاهر الغواية قاتلت رجلا بالأمس فقتلته بسببك وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني ~~عليه. # ### || [سورة القصص (28): الآيات 19 الى 24] # فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون ms2711 من ~~المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون ~~بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب ~~نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني ~~سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من ~~دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا ~~شيخ كبير (23) # فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) # PageV03P360 # فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما وذلك أن موسى أخذته الغيرة ~~والرقة للإسرائيلي فمد يده ليبطش بالقبطي فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش ~~به لما رأى من غضب موسى وسمع قوله إنك لغوي مبين قال يا موسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس معناه أنه لم يكن علم أحد من قوم فرعون أن ~~موسى هو الذي قتل القبطي حتى أفشى عليه الإسرائيلي ذلك فسمعه القبطي فأتى ~~فرعون فأخبره بذلك إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض أي بالقتل ظلما وقيل ~~الجبار هو الذي يقتل ويضرب ولا ينظر في العواقب وقيل هو الذي يتعاظم ولا ~~يتواضع لأمر الله تعالى وما تريد أن تكون من المصلحين ولما فشا أن موسى قتل ~~القبطي أمر فرعون بقتله فخرجوا في طلبه وسمع بذلك رجل من شيعة موسى يقال ~~إنه مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل وقيل شمعون وقيل سمعان وهو قوله تعالى وجاء ~~رجل من أقصى المدينة يسعى أي يسرع في مشيه وأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى ~~موسى وأخبره وأنذره بما سمع قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك يعني يتشاورون ~~فيك ليقتلوك وقيل يأمر بعضهم بعضا بقتلك فاخرج يعني من المدينة إني لك من ~~الناصحين يعني في الأمر بالخروج فخرج منها يعني موسى خائفا على نفسه من آل ~~فرعون يترقب يعني ينتظر الطلب هل يلحقه فيأخذه ثم لجأ إلى الله تعالى لعلمه ~~أنه لا ملجأ ms2712 إلا إليه قال رب نجني من القوم الظالمين يعني الكافرين. # قوله تعالى ولما توجه تلقاء مدين يعني قصد نحوها ماضيا قيل إنه وقع في ~~نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأن أهل مدين من ولد إبراهيم وموسى من ولد ~~إبراهيم ومدين هو مدين بن إبراهيم سميت البلد باسمه وبين مدين ومصر مسيرة ~~ثمانية أيام، قيل خرج موسى خائفا بلا ظهر ولا زاد ولا أحد ولم يكن له طعام ~~إلا ورق الشجر ونبات الأرض حتى رأى خضرته في بطنه وما وصل إلى مدين حتى وقع ~~خف قدميه قال ابن عباس وهو أول ابتلاء من الله لموسى قال يعني موسى عسى ربي ~~أن يهديني سواء السبيل يعني قصد الطريق إلى مدين وذلك أنه لم يكن يعرف ~~الطريق إليها قيل لما دعا موسى جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. ~~قوله عز وجل ولما ورد ماء مدين هو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم وجد عليه ~~يعني على الماء أمة يعني جماعة من الناس يسقون يعني مواشيهم ووجد من دونهم ~~يعني سوى الجماعة وقيل بعيدا من الجماعة امرأتين تذودان أي تحبسان وتمنعان ~~أغنامهما عن أن تند وتذهب والقول الأول أولى لما بعده وهو قوله قال يعني ~~موسى للمرأتين ما خطبكما أي ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس قالتا ~~لا نسقي يعني أغنامنا حتى يصدر الرعاء أي حتى يرجع الرعاء من الماء والمعنى ~~أنا امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا نحن مواشينا من ~~فضل ما بقي منهم في الحوض وأبونا شيخ كبير أي لا يقدر أن يسقي مواشيه فلذلك ~~احتجنا نحن إلى سقي الغنم، قيل أبوهما هو شعيب عليه الصلاة والسلام. وقيل ~~هو بيرون ابن أخي شعيب وكان شعيب قد مات بعد ما كف بصره وقيل هو رجل ممن ~~آمن بشعيب فلما سمع موسى كلامهما رق لهما ورحمهما فاقتلع صخرة من على رأس ~~بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس. وقيل زاحم القوم ~~ونحاهم كلهم عن البئر ms2713 وسقى لهما الغنم وقيل لما فرغ الرعاء من السقي غطوا ~~رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر فجاء موسى فرفع الحجر ونزع دلوا ~~واحدا فيه بالبركة وسقى الغنم فرويت فذلك قوله تعالى فسقى لهما ثم تولى إلى ~~الظل يعني # PageV03P361 # عدل إلي رأس الشجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع فقال رب إني لما ~~أنزلت إلي من خير فقير معناه أنه طلب الطعام لجوعه واحتياجه إليه. # قال ابن عباس: إن موسى سأل الله فلقة خبز يقيم بها صلبة وعن ابن عباس ~~قال: لقد قال موسى: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» وهو أكرم خلقه عليه ~~ولقد افتقر إلى شق تمرة وقيل ما سأل إلا الخبز فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا ~~قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما أعجلكما؟ قالتا وجدنا رجلا صالحا ~~رحمنا فسقى لنا أغنامنا فقال لإحداهما اذهبي فادعيه إلي قال الله تعالى: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 25 الى 28] # فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك ~~بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) # فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قيل هي الكبرى واسمها صفوراء وقيل صفراء ~~وقيل بل هي الصغرى واسمها ليا وقيل صفيراء وقال عمر بن الخطاب ليست بسلفع ~~من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها ~~استحياء وقيل استحيت منه لأنها دعته لتكافئه وقيل لأنها رسول أبيها قالت إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا قيل لما سمع موسى ذلك كره أن يذهب معها ~~ولكن كان جائعا فلم يجد بدا ms2714 من الذهاب فمشت المرأة ومشى موسى خلفها فكانت ~~الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها فكره موسى أن يرى ذلك منها فقال لها امشي خلفي ~~ودليني على الطريق إذا أخطأت ففعلت ذلك فلما دخل موسى على شعيب إذا هو ~~بالعشاء مهيئا فقال: اجلس يا فتى فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ~~ذاك ألست بجائع؟ # قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا من الدنيا فقال له شعيب: لا والله ~~يا فتى ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس وأكل فذلك ~~قوله عز وجل فلما جاءه أي موسى وقص عليه القصص أي أخبره بأمره أجمع من خبر ~~ولادته وقتله القبطي وقصد فرعون قتله قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ~~يعني من فرعون وقومه وإنما قال ذلك لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره أي اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين يعني إن خير من استعملت من قوي على العمل وأدى الأمانة فقال ~~لها أبوها ما أعلمك بقوته وأمانته؟ قالت أما قوته فإنه رفع الحجر من على ~~رأس البئر ولا يرفعه إلا عشرة. # وقيل أربعون رجلا وأما أمانته فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح ~~بدنك قال شعيب عند ذلك إني أريد أن أنكحك أي أزوجك إحدى ابنتي هاتين قيل ~~زوجه الكبرى وقال الأكثرون إنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفوراء وهي التي ~~ذهبت في طلب موسى على أن تأجرني ثماني حجج أي تكون لي أجيرا ثمان سنين فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك أي فإن أتممت العشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع ليس ~~بواجب عليك وما أريد أن أشق عليك أي ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع ستجدني ~~إن شاء الله من الصالحين أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت وقيل يريد ~~بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب وإنما قال إن شاء الله للاتكال على ~~توفيقه ومعونته قال يعني موسى ذلك بيني وبينك يعني ما شرطت علي فلك وما ~~شرطت ms2715 من تزوج # PageV03P362 # إحداهما فلي والأمر بيننا على ذلك أيما الأجلين قضيت أي أي الأجلين أتممت ~~وفرغت منه الثمانية أو العشرة فلا عدوان علي أي لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر ~~منه والله على ما نقول وكيل قال ابن عباس شهيد بيني وبينك (خ) عن سعيد بن ~~جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت لا أدري حتى ~~أقدم على خير العرب فاسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضي أكثرهما ~~وأطيبهما لأن رسول الله إذا قال فعل وروي عن أبي ذر مرفوعا: «إذا سئلت أي ~~الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأبرهما وإذا سئلت أي المرأتين تزوج فقل ~~الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره فتزوج صغراهما وقضى ~~أوفاهما». وقال وهب أنكحه الكبرى وروى شداد بن أوس مرفوعا بكى شعيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى عمي فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله ~~عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره فقال الله له: ما هذا البكاء ~~أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار فقال: لا يا رب ولكن شوقا إلى لقائك ~~فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئا لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك كليمي ~~موسى ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصاه يدفع ~~بها السباع عن غنمة قيل كانت من آس الجنة حملها آدم معه فتوارثها الأنبياء ~~وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتى ~~وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. # ثم إن موسى لما قضى الأجل سلم شعيب إليه ابنته فقال لها موسى اطلبي من ~~أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم فطلبت من أبيها ذلك فقال لكما كل ما ولدت هذا ~~العام على غير شيتها وقيل إن شعيبا أراد أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما ~~وصلة لابنته فقال له: إني قد وهبت لك ولد أغنامي كل أبلق وبلقاء في هذه ~~السنة فأوحى الله تعالى ms2716 إلى موسى في النوم أن اضرب بعصاك الماء، ثم اسق ~~الأغنام منه ففعل ذلك فما أخطأت واحدة إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء ~~فعلم شعيب أن هذا رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه وأعطاه ~~الأغنام. # قوله عز وجل: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 29 الى 35] # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا ~~موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ~~ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ~~ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم ~~نفسا فأخاف أن يقتلون (33) # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ~~(34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) # فلما قضى موسى الأجل أي أتمه وفرغ منه وسار بأهله قيل مكث موسى بعد الأجل ~~عند شعيب عشر سنين أخرى ثم استأذنه في العود إلى مصر فأذن له فسار بأهله أي ~~بزوجته قاصدا إلى مصر آنس أي أبصر من جانب الطور نارا وذلك أنه كان في ~~البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق قال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أي عن الطريق لأنه كان قد أخطأ الطريق أو ~~جذوة من النار أي قطعة وشعلة من النار وقيل: الجذوة العود الذي اشتعل بعضه ~~لعلكم تصطلون أي تستدفئون فلما أتاها نودي # PageV03P363 # من شاطئ الواد الأيمن يعني من جانب الوادي الذي عن يمين موسى في البقعة ~~المباركة جعلها الله مباركة لأن الله تعالى كلم موسى هناك وبعثه نبيا وقيل ms2717 ~~يريد البقعة المقدسة من الشجرة يعني من ناحية الشجرة قال ابن مسعود: كانت ~~سمرة خضراء تبرق وقيل كانت عوسجة وقيل كانت من العليق وعن ابن عباس إنها ~~العناب أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين قيل إن موسى لما رأى النار في ~~الشجرة الخضراء علم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وخضرة الشجرة إلا الله ~~تعالى فعلم بذلك أن المتكلم هو الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى خلق في نفس ~~موسى علما ضروريا بأن المتكلم هو الله تعالى وأن ذلك الكلام كلام الله ~~تعالى. وقيل: إنه قيل لموسى كيف عرفت أنه نداء الله قال إني سمعته بجميع ~~أجزائي فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم بذلك أنه لا يقدر عليه أحد ~~إلا الله تعالى وأن ألق عصاك يعني فألقاها فلما رآها تهتز يعني تتحرك كأنها ~~جان هي الحية الصغيرة والمعنى أنها في سرعة حركتها كالحية السريعة الحركة ~~ولى مدبرا يعني هاربا منها ولم يعقب يعني ولم يرجع قال وهب إنها لم تدع ~~شجرة، ولا صخرة إلا بلعتها حتى إن موسى سمع صرير أسنانها وقعقعة الشجر ~~والصخر في جوفها فحينئذ ولى مدبرا ولم يعقب فنودي عند ذلك يا موسى أقبل ولا ~~تخف إنك من الآمنين. # قوله عز وجل اسلك يدك يعني أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء يعني ~~برص والمعنى أنه أدخل يده فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس واضمم إليك جناحك من ~~الرهب يعني من الخوف والمعنى إذا هالك أمر يدك وما تراه من شعاعها فأدخلها ~~في جيبك تعد إلى حالتها الأولى وقال ابن عباس: أمر الله موسى أن يضم يده ~~إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية وما من خائف بعد ~~موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقيل المراد من ضم الجناح السكون ~~أي سكن روعك واخفض عليك جناحك لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد ~~بدنه. وقيل الرهب الكم بلغة حمير ومعناه اضمم إليك يدك ms2718 وأخرجها من كمك لأنه ~~تناول العصا ويده في كمه فذانك يعني العصا واليد البيضاء برهانان يعني ~~آيتان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين يعني خارجين عن الحق ~~قال رب إني قتلت منهم نفسا يعني القبطي فأخاف أن يقتلون يعني به وأخي هارون ~~هو أفصح مني لسانا يعني بيانا وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من ~~وضع الجمرة في فيه فأرسله معي ردءا يعني عونا يصدقني يعني فرعون وقيل تصديق ~~هارون هو أن يلخص الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل الكفار فهذا هو التصديق ~~المفيد إني أخاف أن يكذبون يعني فرعون وقومه قال سنشد عضدك بأخيك يعني ~~سنقويك به وكان هارون بمصر ونجعل لكما سلطانا يعني حجة وبرهانا فلا يصلون ~~إليكما أي بقتل ولا سوء بآياتنا قيل معناه نعطيكما من المعجزات فلا يصلون ~~إليكما أنتما ومن اتبعكما الغالبون يعني لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون ~~وقومه. # ### || [سورة القصص (28): الآيات 36 الى 45] # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا ~~لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في ~~الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم ~~في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) ~~وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ~~ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) # PageV03P364 # فلما جاءهم موسى بآياتنا ms2719 بينات يعني واضحات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ~~يعني مختلق وما سمعنا بهذا يعني بالذي تدعونا إليه في آبائنا الأولين وقال ~~موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده يعني أنه يعلم المحق من المبطل ومن ~~تكون له عاقبة الدار يعني العقبى المحمودة في الدار الآخرة إنه لا يفلح ~~الظالمون يعني الكافرون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ~~فيه إنكار لما جاء به موسى من توحيد الله وعبادته فأوقد لي يا هامان على ~~الطين يعني اطبخ لي الآجر قيل إنه أول من اتخذ آجرا وبنى به فاجعل لي صرحا ~~أي قصرا عاليا وقيل منارة. قال أهل السير لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء ~~الصرح جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء سوى الأتباع ~~والأجراء وطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، وأمر بالبناء فبنوه ~~ورفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وأراد الله ~~أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشابة فرمى بها نحو ~~السماء فردت إليه وهي ملطخة دما فقال: قد قتلت إله موسى وكان فرعون يصعده ~~راكبا على البراذين فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ~~ثلاث قطع فوقعت قطعة منه على عسكره فقتلت منهم ألف رجل ووقعت قطعة منه في ~~البحر وقطعة في المغرب فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك فذلك قوله لعلي ~~أطلع إلى إله موسى يعني أنظر إليه وأقف على حاله وإني لأظنه # يعني موسى من الكاذبين يعني في زعمه أن للأرض والخلق إلها غيري وأنه ~~أرسله واستكبر هو وجنوده في الأرض يعني تعظموا عن الإيمان ولم ينقادوا للحق ~~بالباطل والظلم بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون يعني للحساب والجزاء ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم يعني فألقيناهم في البحر وهو القلزم فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين يعني حين صاروا إلى الهلاك وجعلناهم أئمة يعني قادة ~~ورؤساء يدعون إلى النار أي الكفر والمعاصي التي يستحقون ms2720 بها النار لأن من ~~أطاعهم ضل ودخل النار ويوم القيامة لا ينصرون يعني لا يمنعون من العذاب ~~وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة يعني خزيا وبعدا وعذابا ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين يعني المبعدين وقيل المهلكين. # وقال ابن عباس من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقوله عز وجل ولقد ~~آتينا موسى الكتاب يعني التوراة من بعد ما أهلكنا القرون الأولى يعني قوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن كانوا قبل موسى بصائر للناس ليبصروا ذلك فيهتدوا ~~به وهدى يعني من الضلالة لمن عمل به ورحمة يعني لمن آمن به لعلهم يتذكرون ~~يعني بما فيه من المواعظ وما كنت الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي وما ~~كنت يا محمد بجانب الغربي يعني بجانب الجبل الغربي قال ابن عباس يريد حيث ~~ناجى موسى ربه إذ قضينا إلى موسى الأمر يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه ~~بالرسالة إلى فرعون وما كنت من الشاهدين يعني الحاضرين ذلك المقام الذي ~~أوحينا إلى موسى فيه فتذكره من ذات نفسك ولكنا أنشأنا قرونا يعني خلقنا بعد ~~موسى أمما فتطاول عليهم العمر يعني طالت عليهم المدة فنسوا عهد الله وتركوا ~~أمره وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد والإيمان به فلما طال ~~عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها ~~وما كنت ثاويا أي مقيما في أهل مدين أي كمقام موسى وشعيب فيهم تتلوا عليهم ~~آياتنا يعني تذكرهم بالوعد والوعيد وقيل معناه لم تشهد أهل مدين فتقرأ على ~~أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أي أرسلناك رسولا # PageV03P365 # وأنزلنا إليك كتابا فيه هذه الأخبار لتتلوها عليه ولولا ذلك لما علمتها ~~أنت ولم تخبرهم بها. # ### || [سورة القصص (28): الآيات 46 الى 53] # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) ~~فلما جاءهم الحق من عندنا ms2721 قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله ~~هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا ~~من قبله مسلمين (53) # وما كنت بجانب الطور أي بناحية الجبل الذي كلم الله موسى عليه إذ نادينا ~~أي موسى خذ الكتاب بقوة وقال وهب قال موسى: يا رب أرني محمدا وأمته قال إنك ~~لن تصل إلى ذلك ولكن إن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم قال بلى يا رب قال ~~الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم. وقال ابن عباس قال الله ~~تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام أي أرحام الأمهات ~~لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قال الله تعالى: ~~يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي قد أعطيتكم قبل أن تسألوني ~~وقد أجبتكم قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن تستغفروني ومن جاءني يوم ~~القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة وإن ~~كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر ولكن رحمة من ربك أي رحمناك رحمة بإرسالك ~~والوحي إليك واطلاعك على الأخبار الغائبة عنك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك يعني أهل مكة لعلهم يتذكرون اعلم أن الله تعالى لما بين قصة موسى ~~عليه الصلاة والسلام لرسوله صلى الله عليه وسلم فجمع بين هذه الأحوال ~~الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى فالمراد بقوله: «إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر» هو إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله ~~«وما كنت ثاويا في أهل مدين» أول أمر ms2722 موسى والمراد بقوله إذ نادينا ليلة ~~المناجاة فهذه أعظم أحوال موسى ولما بينها لرسوله ولم يكن في هذه الأحوال ~~حاضرا بين الله أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال الدالة على نبوته صلى الله عليه ~~وسلم ومعجزته كأنه قال في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ~~دلالة ظاهرة على نبوتك. # قوله تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة أي عقوبة ونقمة بما قدمت أيديهم يعني ~~من الكفر والمعاصي فيقولوا ربنا لولا أي هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~ونكون من المؤمنين ومعنى الآية لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم ~~لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم وقيل معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكنا ~~بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فلما جاءهم الحق من ~~عندنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا يعني كفار مكة لولا أي هلا أوتي ~~محمد مثل ما أوتي موسى يعني من الآيات كالعصا واليد البيضاء. وقيل: # أوتي كتابا جملة واحدة كما أوتي موسى التوراة قال الله تعالى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قيل إن اليهود أرسلوا إلى قريش أن يسألوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم مثل ما أوتي موسى فقال الله تعالى: أو لم يكفروا بما أوتي ~~موسى من قبل يعني اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال قالوا سحران تظاهرا ~~يعني التوراة والقرآن يقوي كل واحد # PageV03P366 # منهما الآخر وقيل ساحران يعني محمدا وموسى. وقيل إن مشركي مكة بعثوا إلى ~~رؤوس اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن ~~نعته في كتابهم التوراة فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود فقالوا ساحران تظاهرا ~~وقالوا إنا بكل كافرون يعني بالتوراة والقرآن وقيل بمحمد وموسى قل يا محمد ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما يعني من التوراة والقرآن أتبعه يعني ~~الكتاب الذي تأتون به من عند الله وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله ~~إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك أي فإن لم يأتوا بما طلبت فاعلم أنما ~~يتبعون أهواءهم يعني أن ما ركبوه من ms2723 الكفر لا حجة لهم فيه وإنما آثروا ~~أتباعهم ما هم عليه من الهوى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين قوله عز وجل ولقد وصلنا لهم القول قال ابن ~~عباس: بينا وقيل أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا، وقيل بينا لكفار مكة ~~بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم، وقيل وصلنا لهم ~~خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا لعلهم يتذكرون ~~أي يتعظون الذين آتيناهم الكتاب من قبله أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل من قبل القرآن هم به يؤمنون نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن ~~سلام وأصحابه وقيل بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب فلما رأوا ~~ما بالمسلمين من الحاجة والخصاصة قالوا: يا رسول الله إن لنا أموالا فإن ~~أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا ~~فأتوا فواسوا بها المسلمين. فنزلت هذه الآيات إلى قوله «ومما رزقناهم ~~ينفقون» وقال ابن عباس: # نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة ~~وثمانية من الشام ثم وصفهم الله تعالى فقال وإذا يتلى عليهم يعني القرآن ~~قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل إنا كنا من قبله مسلمين أي من قبل القرآن ~~مخلصين لله التوحيد ومؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم إنه نبي حق. # ### || [سورة القصص (28): الآيات 54 الى 61] # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ~~ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ~~أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ms2724 إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من ~~بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين (61) # أولئك يؤتون أجرهم مرتين يعني بإيمانهم بالكتاب الأول والكتاب الآخر بما ~~صبروا أي على دينهم وعلى أذى المشركين (ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لهم أجران رجل من أهل ~~الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق ~~الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها ~~فأحسن تعليمها ثم أعتقها ثم تزوجها فله أجران» ويدرؤن بالحسنة # PageV03P367 # السيئة # قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله وقيل يدفعون ما سمعوا من ~~أذى المشركين وشتمهم بالصفح والعفو ومما رزقناهم ينفقون أي في الطاعة وإذا ~~سمعوا اللغو أي القول القبيح أعرضوا عنه وذلك أن المشركين كانوا يسبون ~~مؤمني أهل مكة ويقولون تبا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي لنا ديننا ولكم دينكم سلام عليكم ليس ~~المراد منه سلام التحية ولكن سلام المتاركة والمعنى سلمتم منا لا نعارضكم ~~بالشتم لا نبتغي الجاهلين يعني لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد ~~أن نكون من أهل الجهل والسفه وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال ثم نسخ ذلك ~~بالقتال. # قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت أي هدايته وقيل أحببته لقرابته ولكن ~~الله يهدي من يشاء وذلك أن الله تعالى يقذف في القلب نور الهداية فينشرح ~~الصدر للإيمان وهو أعلم بالمهتدين أي بمن قدر له ms2725 الهدى (م) عن أبي هريرة ~~قال «إنك لا تهدي من أحببت، نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث راود ~~عمه أبا طالب على الإسلام وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب ~~عند الموت: «يا عم قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن ~~تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك» ثم أنشد: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # ولكن على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف ثم مات فأنزل الله هذه الآية ~~وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا يعني نزلت في الحارث بن عثمان بن ~~نوفل بن عبد مناف وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن ~~الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة ~~قال الله تعالى أولم نمكن لهم حرما آمنا وذلك أن العرب كانت في الجاهلية ~~يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة ~~الحرم. ومن المعروف أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة ~~يجبى إليه يعني يجلب ويجمع إليه ويحمل إلى الحرم من الشام ومصر والعراق ~~واليمن ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون يعني أن أكثر أهل ~~مكة لا يعلمون ذلك. قوله عز وجل وكم أهلكنا من قرية يعني من أهل قرية بطرت ~~معيشتها ي أشرت وطغت وقيل عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام ~~فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا قال ابن عباس: لم يسكنها إلا ~~المسافرون سكونا قليلا وقيل لم يعمروا منها إلا أقلها وأكثرها خراب وكنا ~~نحن الوارثين يعني لم يخلفهم فيها أحد بعد هلاكهم وصار أمرها إلى الله ~~تعالى لأنه الباقي بعد فناء الخلق وما كان ربك مهلك القرى يعني الكافرة ~~أهلها حتى يبعث في أمها رسولا ينذرهم ms2726 وخص الأم ببعثة الرسول لأنه يبعث إلى ~~الأشراف وهم سكان المدن وقيل حتى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولا يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء يتلوا عليهم آياتنا أي أنه ~~يؤدي إليهم ويبلغهم وقيل يخبرهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون أي مشركون. # قوله عز وجل وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها أي تتمتعون ~~بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء وما عند الله خير وأبقى لأن منافع ~~الآخرة خالصة عن الشوائب وهي دائما غير منقطعة ومنافع الدنيا كالذرة ~~بالقياس إلى البحر العظيم أفلا تعقلون أي أن الباقي خير من الفاني وقيل من ~~لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل. ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ~~ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله لأن أعقل الناس ~~من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى أفمن ~~وعدناه وعدا حسنا يعني الجنة فهو لاقيه أي مصيبه وصائر إليه كمن متعناه ~~متاع الحياة الدنيا أي وتزول عنه عن قريب ثم هو يوم القيامة من المحضرين أي ~~في النار، قيل هذا في المؤمن والكافر وقيل نزلت في # PageV03P368 # النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، وقيل في علي وحمزة وأبي جهل وقيل في ~~عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة. قوله عز وجل: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 62 الى 75] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~(65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) # فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك ~~يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو ms2727 الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ~~(71) # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا ~~هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون أي في الدنيا أنهم من ~~شركائي قال الذين حق عليهم القول أي وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة ~~ربنا هؤلاء الذين أغوينا أي دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع أغويناهم كما ~~غوينا أي أضللناهم كما ضللنا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون معناه تبرأ ~~بعضهم من بعض وصاروا أعداء وقيل يعني للكفار ادعوا شركاءكم أي الأصنام ~~لتخلصكم من العذاب فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي لم يجيبوهم ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون معناه لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في ~~الآخرة ويوم يناديهم أي يسأل الكفار فيقول ماذا أجبتم المرسلين أي ما كان ~~جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين فعميت عليهم أي خفيت واشتبهت عليهم ~~الأنباء يعني الأخبار والأعذار والحجج يومئذ فلم يكن لهم عذر ولا حجة فهم ~~لا يتساءلون أي لا يجيبون ولا يحتجون وقيل يسكتون فلا يسأل بعضهم بعضا فأما ~~من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين أي من السعداء الناجين ~~وعسى من الله واجب. # قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين ~~قالوا «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» يعني الوليد بن ~~المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل ~~باختيارهم لأنه المالك المطلق وله أن يخص ما يشاء ms2728 بما يشاء لا اعتراض البتة ~~ما كان لهم الخيرة أي ليس لهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله. ~~وقيل معناه ويختار الله ما كان هو الأصلح والخير لهم فيه، ثم نزه الله ~~تعالى نفسه فقال سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن أي تخفي ~~صدورهم وما يعلنون أي يظهرون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة أي يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة في الجنة وله الحكم ~~أي فصل القضاء بين الخلق وقال ابن عباس يحكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل ~~المعصية # PageV03P369 # بالشقاوة وإليه ترجعون قوله عز وجل قل أي قل يا محمد لأهل مكة أرأيتم ~~يعني أخبروني إن جعل الله عليكم الليل سرمدا أي دائما إلى يوم القيامة لا ~~نهار فيه من إله غير الله يأتيكم بضياء أي بنهار تطلبون فيه المعيشة أفلا ~~تسمعون أي سماع فهم وقبول قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيامة أي لا ليل فيه من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون أي ما أنتم عليه من الخطأ قيل إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن ~~جعل الليل والنهار يتعاقبان لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع ~~إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ولأجله يحصل ~~الاجتماع فتمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل ~~فلا بد منهما فأما في الجنة فلا تعب ولا نصب فلا حاجة بهم إلى الليل ولذلك ~~يدوم لهم الضياء أبدا فبين الله تعالى أنه القادر على ذلك ليس غيره فقال ~~ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار أي يتعاقبان بالظلمة والضياء لتسكنوا فيه ~~أي في الليل ولتبتغوا من فضله أي بالنهار ولعلكم تشكرون أي نعم الله فيهما ~~ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون كرر ذلك النداء للمشركين ~~لزيادة التقريع والتوبيخ ونزعنا يعني أخرجنا وقيل ميزنا من كل أمة شهيدا ~~يعني رسولهم يشهد ms2729 عليهم بأنه بلغهم رسالة ربهم ونصح لهم فقلنا يعني للأمم ~~المكذبة لرسلهم هاتوا برهانكم أي حجتكم بأن معي شريكا فعلموا أن الحق لله ~~أي التوحيد لله وضل عنهم ما كانوا يفترون أي يختلقون في الدنيا من الكذب ~~على الله. قوله عز وجل: # ### || [سورة القصص (28): الآيات 76 الى 79] # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال ~~إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه ~~في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم (79) # إن قارون كان من قوم موسى قيل كان ابن عم موسى لأنه قارون بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل كان عم موسى ولم يكن ~~في بني إسرائيل أقرأ منه للتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري فبغى عليهم ~~قيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل فظلمهم وبغى عليهم وقيل بغى عليهم ~~بكثرة ماله وقيل زاد في طول ثيابه شبرا (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثيابه خيلاء». ~~أخرجاه في الصحيحين وقيل بغى عليهم بالكبر والعلو وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب وقيل مفاتحه يعني خزائنه لتنوأ ~~بالعصبة أولي القوة معناه لثقلهم وتميل بهم إذا حملوها لتثقلها. قيل العصبة ~~ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وقال ابن عباس: ما بين الثلاثة إلى العشرة ~~وقيل إلى الأربعين. وقيل إلى السبعين قال ابن ms2730 عباس: كان يحمل مفاتيحه ~~أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال وقيل كان قارون أينما ذهب تحمل معه ~~مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما كثرت وثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت ~~فجعلها من جلود البقر كل مفتاح على قدر الأصبع وكانت تحمل معه إذا ركب على ~~أربعين بغلا إذ قال له قومه لا تفرح يعني لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح إن ~~الله لا يحب الفرحين يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما ~~أعطاهم قيل إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها فأما من يعلم ~~أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح ولقد أحسن من قال: # PageV03P370 # أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة يعني اطلب فيما أعطاك الله من الأموال ~~الجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا أي لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب ~~لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل فيها للآخرة بالصدقة وصلة الرحم ~~وقيل لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. عن عمرو بن ميمون ~~الأزدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسا ~~قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك ~~وحياتك قبل موتك» هذا حديث مرسل وعمرو بن ميمون لم يلق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأحسن كما أحسن الله إليك أي أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته ~~وقيل أحسن إلى الناس ولا تبغ أي ولا تطلب الفساد في الأرض وكل من عصى الله ~~فقد طلب الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال يعني قارون إنما ~~أوتيته على علم عندي أي على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك ~~ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. وقيل هو علم الكيمياء وكان موسى ~~يعلمه فعلم يوشع بن نون ms2731 ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ~~ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يصنع من الرصاص فضة ومن ~~النحاس ذهبا وكان ذلك سبب كثرة أمواله وقيل كان علمه حسن التصرف في ~~التجارات والزراعات وأنواع المكاسب قال الله عز وجل أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا أي للأموال ولا يسئل ~~عن ذنوبهم المجرمون قيل معناه أن الله تعالى إذا أراد عقاب المجرمين فلا ~~حاجة به إلى سؤالهم لأنه عالم بحالهم وقيل لا يسألون سؤال استعلام وإنما ~~يسألون سؤال توبيخ وتقريع وقيل لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم. قوله عز وجل فخرج على قومه في زينته قيل: خرج هو وقومه وهم سبعون ~~ألفا عليهم الثياب الحمر والصفر والمعصفرات وقيل خرج على براذين بيض عليها ~~سرج الأرجوان. # وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب وعليه الأرجوان ومعه أربعة ~~آلاف فارس وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلاثمائة جارية بيضاء عليهم ~~الحلي والثياب الحمر وهن على البغال الشهب قال الذين يريدون الحياة الدنيا ~~يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم أي من المال. # ### || [سورة القصص (28): الآيات 80 الى 82] # وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من ~~الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) # الذين أوتوا العلم أي بما وعد الله في الآخرة وقال ابن عباس: يعني ~~الأحبار من بني إسرائيل للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون ويلكم ثواب الله أي ~~ما عند الله من الثواب والخير خير لمن آمن أي صدق بتوحيد الله وعمل صالحا ~~أي ذلك خير مما أوتي قارون في الدنيا ولا يلقاها إلا ms2732 الصابرون أي لا يؤتى ~~الأعمال الصالحة إلا الصابرون وقيل لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله ويلكم ثواب ~~الله خير إلا الصابرون أي على طاعة الله وعن زينة الدنيا. قوله تعالى ~~فخسفنا به وبداره الأرض. # ذكر قصة قارون: # قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى ~~وهارون وأقرأهم للتوراة # PageV03P371 # وأجملهم وأغناهم. وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن ~~الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة ~~في كل طرف خيطا أخضر كلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون ~~أني منزل منها كلامي. فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها ~~خضرا فإن بني إسرائيل تستصغر هذه الخيوط فقال له ربه يا موسى إن الصغير من ~~أمري ليس بصغير فإذا لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر ~~الكبير فدعاهم موسى فقال إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا كلون ~~السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى ~~واستكبر قارون فلم يطعه وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا ~~عن غيرهم فكان هذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت ~~الحبورة لهارون، وهي رئاسة المذبح فكان بنو إسرائيل يأتون بقربانهم إلى ~~هارون فيضعها على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله فوجد قارون من ذلك في ~~نفسه فأتى إلى موسى فقال له يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في ~~شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة لا صبر لي على هذا فقال أما أنا ما جعلتها ~~لهارون بل الله جعلها له فقال له قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه ~~فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال هاتوا عصيكم فحزمها وألقاها في قبته التي ~~يتعبد فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ~~ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى يا قارون ترى هذا فقال له قارون ~~والله ما هذا بأعجب ms2733 مما تصنع من السحر واعتزل قارون موسى بأتباعه وجعل موسى ~~يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ~~ومعاداة لموسى حتى بنى دارا وجعل لها بابا من الذهب. وضرب على جدرانها ~~صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون ويروحون فيطعمهم الطعام ~~ويحدثونه ويضاحكونه. # قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه على كل ألف ~~دينار عنها دينار وعلى كل ألف درهم عنها درهم وكل ألف شاة عنها شاة وكذلك ~~سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده شيئا كثيرا فلم تسمح نفسه بذلك ~~فجمع بني إسرائيل وقال لهم إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو يريد أن ~~يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت قال آمركم أن تجيئوا فلانة ~~البغي وتجعلوا عليكم لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج ~~عليه بنو إسرائيل فرفضوه فدعوها فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم. وقيل ~~طستا من ذهب وقيل قال لها قارون أنزلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى ~~بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم ~~أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم ~~موسى وهم في مرج من الأرض فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ~~ومن افترى جلدناه ثمانين ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة ومن زنى ~~وله امرأة رجمناه إلى أن يموت فقال قارون وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا ~~قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي قال: ادعوها فلما جاءت ~~قال لها موسى: بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت ~~فتداركها الله بالتوفيق فقالت في نفسها أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول ~~الله فقالت لا والله ولكن قارون جعل لي جعلا على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ~~ساجدا يبكي. ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله إليه أني أمرت ms2734 ~~الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى ~~قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل ~~فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى يا أرض خذيهم فأخذتهم ~~بأقدامهم. وقيل كان على سريره وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت سريره ثم قال: ~~يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ~~ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وأصحابه في ذلك يتضرعون إلى موسى ~~ويناشده قارون الله والرحم، حتى قيل إنه ناشده أربعين مرة. # وقيل سبعين مرة وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال يا أرض ~~خذيهم فأطبقت عليهم الأرض # PageV03P372 # فأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك يستغيث بك قارون سبعين مرة فلم تغثه ~~أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض ~~بعدك طوعا لأحد. # قال قتادة خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ ~~قرارها إلى يوم القيامة وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم إنما دعا موسى ~~على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله موسى حتى خسف بداره ~~وكنوزه وأمواله الأرض فذلك قوله تعالى فما كان له من فئة يعني جماعة ~~ينصرونه من دون الله يعني يمنعونه من الله وما كان من المنتصرين من ~~الممتنعين مما نزل به من الخسف وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يعني صار ~~أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من الأموال والزينة يندمون على ذلك التمني ~~يقولون ويكأن الله ألم تعلم وقيل ألم تر. وقيل هي كلمة تقرير معناها أما ~~ترى صنع الله وإحسانه وقيل ويك، بمعنى ويلك اعلم أن الله. وروي أن وي ~~مفصولة من كأن والمعنى أن القوم ندموا فقالوا متندمين على ما سلف منهم وي ~~وكأن معناها أظن وأقدر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر قال ابن ~~عباس أي يوسع لمن يشاء ويضيق على ms2735 من يشاء لولا أن من الله علينا أي ~~بالإيمان لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28): الآيات 83 الى 88] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) ~~وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا ~~تكونن من المشركين (87) # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون (88) # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض أي استكبارا عن ~~الإيمان وقيل علوا واستطالة على الناس وتهاونا بهم وقيل يطلبون الشرف والعز ~~عند ذي سلطان وعن علي أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل المقدرة ولا ~~فسادا قيل الذين يدعون إلى غير عبادة الله تعالى وقيل أخذ أموال الناس بغير ~~حق وقيل العمل بالمعاصي والعاقبة للمتقين أي العاقبة المحمودة لمن اتقى ~~عقاب الله بأداء أوامره واجتناب نواهيه وقيل عاقبة المتقين الجنة من جاء ~~بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون تقدم تفسيره. قوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن أي أنزل ~~عليك القرآن وقيل معناه أوجب عليك العمل بالقرآن لرادك إلى معاد قال ابن ~~عباس إلى مكة. أخرجه البخاري عنه قال القتيبي: معاد الرجل بلده لأنه ينصرف ~~فيعود إلى بلده وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجرا ~~إلى المدينة سار على غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع في الطريق ونزل ~~الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها فأتاه جبريل ~~عليه السلام وقال له: أتشتاق ms2736 إلى بلدك؟ قال نعم قال: فإن الله تعالى يقول ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ~~ولا مدنية. وقال ابن عباس أيضا لرادك إلى الموت وقيل إلى القيامة، وقيل إلى ~~الجنة قل ربي أعلم من جاء بالهدى هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنك لفي ضلال مبين فقال الله تعالى لهم ربي أعلم من جاء ~~بالهدى يعني نفسه ومن هو في ضلال مبين يعني المشركين ومعناه هو أعلم ~~بالفريقين. قوله عز وجل وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب أي يوحى إليك # PageV03P373 # القرآن إلا رحمة من ربك فأعطاك القرآن فلا تكونن ظهيرا أي معينا للكافرين ~~على دينهم ذلك حين دعوه إلى دين آبائه فذكره نعمه عليه ونهاه عن مظاهرتهم ~~على ما هم عليه ولا يصدنك عن آيات الله يعني القرآن بعد إذ أنزلت إليك وادع ~~إلى ربك إلى معرفته وتوحيده ولا تكونن من المشركين قال ابن عباس: # الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه أي ولا ~~تظاهر الكفار ولا توافقهم ولا تدع مع الله إلها آخر معناه أنه واجب على ~~الكل إلا أنه خاطبه به مخصوصا لأجل التعظيم. فإن قلت النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان معصوما من أن يدعو مع الله إلها آخر فما فائدة هذا النهي. قلت ~~الخطاب معه والمراد به غيره وقيل معناه لا تتخذ غيره وكيلا على أمورك كلها ~~ولا تعتمد على غيره لا إله إلا هو كل شيء هالك أي فان إلا وجهه أي إلا هو ~~والوجه يعبر به عن الذات وقيل معناه إلا ما أريد به وجهه لأن عمل كل شيء ~~أريد به غير الله فهو هالك له الحكم أي فصل القضاء بين الخلق وإليه ترجعون ~~أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم والله أعلم بمراده. # PageV03P374 ### | سورة العنكبوت # وهي مكية وآياتها تسع وستون آية وكلماتها تسعمائة وثمانون كلمة وحروفها ~~أربعة آلاف ومائة وخمسة وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ms2737 # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) # قوله عز وجل الم أحسب الناس أي أظن الناس أن يتركوا أي بغير اختبار ~~وابتلاء أن أي بأن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون أي لا يبتلون في أموالهم ~~وأنفسهم كلا لنختبرنهم لنبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب. قيل: ~~نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا ~~فخرجوا عامدين إلى المدينة فأتبعهم المشركون فقاتلهم الكفار، فمنهم من قتل ~~ومنهم من نجا فنزل الله هاتين الآيتين. وقال ابن عباس: أراد بالناس الذين ~~آمنوا بمكة سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ~~ياسر وغيرهم. وقيل في عمار كان يعذب في الله تعالى وقيل في مهجع بن عبد ~~الله مولى عمر وكان أول من قتل من المسلمين يوم بدر فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» ~~فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله هذه الآية ثم عزاهم فقال تعالى ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم يعني الأنبياء فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل وابتلي ~~بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب فليعلمن الله الذين صدقوا أي في ~~قولهم وليعلمن الكاذبين والله تعالى عالم بهم قبل الاختبار ومعنى الآية ~~فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين ms2738 حتى يوجد معلومه. وقيل إن آثار أفعال ~~الحق صفة يظهر فيها كل ما يقع وما هو واقع. قوله تعالى أم حسب الذين يعملون ~~السيئات يعني الشرك أن يسبقونا أي يعجزونا فلا نقدر على الانتقام منهم ساء ~~ما يحكمون من كان يرجوا لقاء الله قال ابن عباس من كان يخشى البعث والحساب ~~وقيل من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله لآت يعني ما وعد الله من ~~الثواب والعقاب. وقيل يوم القيامة لكائن والمعنى أن من يخشى الله ويؤمله ~~فليستعد له وليعمل لذلك اليوم وهو السميع # PageV03P375 # العليم # أي يعلم ما يعمل العباد من الطاعة والمعصية فيثيبهم أو يعاقبهم أو يعفو. # قوله تعالى ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أي له ثوابه وهذا بحكم الوعد لا ~~بحكم الاستحقاق فإن الكريم إذا وعد وفي والجهاد هو الصبر على الأعداء ~~والشدة وقد يكون في الحرب وقد يكون على مخالفة النفس إن الله لغني عن ~~العالمين أي عن أعمالهم وعبادتهم وفيه بشارة وتخويف أما البشارة فلأنه إذا ~~كان غنيا عن الأشياء فلو أعطي جميع ما خلقه لعبد من عبيده لا شيء عليه ~~لاستغنائه عنه. وهذا يوجب الرجاء التام وأما التخويف فلأن الله إذا كان ~~غنيا عن العالمين فلو أهلكهم بعذابه فلا شيء عليه لاستغنائه عنهم والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم أي لنطلبنها حتى تصير بمنزلة ما ~~لم يعمل والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ~~أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة وقيل يعطيهم أكثر مما عملوا. # قوله عز وجل ووصينا الإنسان بوالديه حسنا معناه برا بهما وعطفا عليهم ~~والمعنى ووصينا الإنسان بوالديه أن يفعل بهما ما يحسن نزلت هذه الآية والتي ~~في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص. وقال ابن إسحاق: سعد بن مالك ~~الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم وكان من ~~السابقين الأولين وكان بارا بأبيه. قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت والله ~~ما آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما ms2739 كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر ~~ويقال يا قاتل أمه ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل ~~فأصبحت وقد جهدت ثم مكثت كذلك يوما آخر وليلة فجاءها فقال: يا أماه لو كانت ~~لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي إن شئت وإن شئت فلا تأكلي ~~فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر بوالديه ~~والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك فذلك قوله تعالى وإن جاهداك لتشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وفي الحديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الله» ~~ثم أوعد بالمصير إليه فقال تعالى إلي مرجعكم فأنبئكم أي فأخبركم بما كنتم ~~تعملون أي بصالح أعمالكم وسيئاتها أي فأجازيكم عليها. # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 9 الى 18] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر ~~من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) ~~وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم ~~لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون (13) # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ~~(15) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون ~~من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين (18) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين أي في زمرة الصالحين ~~وهم الأنبياء والأولياء وقيل في مدخل الصالحين وهو الجنة. قوله تعالى ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي ms2740 يعني أصابه بلاء # PageV03P376 # من الناس افتتن في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله أي جعل أذى الناس ~~وعذابهم كعذاب الله في الآخرة والمعنى أنه جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه ~~فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه وهو المنافق إذا أوذي في الله رجع ~~عن الدين وكفر ولئن جاء نصر من ربك أي فتح ودولة للمؤمنين ليقولن أي هؤلاء ~~المنافقون للمؤمنين إنا كنا معكم أي على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا ~~حتى قلنا ما قلنا فأكذبهم الله تعالى فقال أوليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين أي من الإيمان والنفاق وليعلمن الله الذين آمنوا أي صدقوا فثبتوا ~~على الإيمان والإسلام عند البلاء. وليعلمن المنافقين أي بترك الإسلام عند ~~البلاء قيل نزلت هذه الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء ~~من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال ابن عباس: نزلت في الذين أخرجهم ~~المشركون معهم إلى بدر وهم الذين نزلت فيهم الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم وقيل هذه الآيات العشر من أول السورة إلى ها هنا مدنية وباقي السورة ~~مكية وقال الذين كفروا يعني من أهل مكة قيل قاله أبو سفيان للذين آمنوا أي ~~من قريش اتبعوا سبيلنا يعني ديننا وملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من ~~الله تصيبكم فذلك قوله ولنحمل خطاياكم أي أوزاركم والمعنى إن اتبعتم سبيلنا ~~حملنا خطاياكم فأكذبهم الله عز وجل بقوله وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ~~إنهم لكاذبون في قولهم نحمل خطاياكم وليحملن أثقالهم أي أوزار أعمالهم التي ~~عملوها بأنفسهم وأثقالا مع أثقالهم أي أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله ~~مع أوزار أنفسهم. فإن قلت قد قال أولا وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ~~وقال ها هنا وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم فكيف الجمع بينهما. قلت: ~~معناه إنهم لا يرفعون عنهم خطيئة بل كل واحد يحمل خطيئة نفسه ورؤساء الضلال ~~يحملون أوزارهم ويحملون أوزارا بسبب إضلال غيرهم فهو كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «من سن في الإسلام ms2741 سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم وليسئلن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون أي سؤال توبيخ وتقريع لأنه تعالى عالم بأعمالهم ~~وافترائهم. قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث أي فأقام فيهم ~~يدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده ألف سنة إلا خمسين عاما فإن قلت فما فائدة ~~هذا الاستثناء وهلا قال تسعمائة وخمسين سنة قلت فيه فائدتان إحداهما: أن ~~الاستثناء يدل على التحقيق وتركه يظن به التقريب فهو كقول القائل عاش فلان ~~مائة سنة فقد يتوهم السائل أنه يقول مائة سنة تقريبا لا تحقيقا فإن قال ~~مائة سنة إلا شهرا أو إلا سنة زال ذلك التوهم وفهم منه التحقيق. الفائدة ~~الثانية: هي لبيان أن نوحا صبر على أذى قومه صبرا كثيرا وأعلى مراتب العدد ~~ألف سنة. وكان المراد التكثير فلذلك أتى بعقد الألف لأنه أعظم وأفخم هذه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله وأن ~~نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم فصبر في الدعاء ولم يؤمن ~~من قومه إلا قليل فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة من آمن بك. # قال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس فكان عمره ألفا وخمسين ~~عاما. وقيل في عمره غير ذلك. قوله تعالى فأخذهم الطوفان أي فأغرقهم وهم ~~ظالمون قال ابن عباس مشركون فأنجيناه وأصحاب السفينة يعني من الغرق ~~وجعلناها يعني السفينة آية أي عبرة للعالمين قيل إنها بقيت على الجودي مدة ~~مديدة وقيل جعلنا عقوبتهم بالغرق عبرة. قوله تعالى وإبراهيم أي وأرسلنا ~~إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه أي أطيعوا الله وخافوه ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون أي ما هو خير لكم مما هو شر لكم ولكنكم لا تعلمون إنما ~~تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا أي ms2742 تقولون كذبا وقيل تصنعون أصناما ~~بأيديكم وتسمونها آلهة إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا أي ~~لا يقدرون أن يرزقوكم فابتغوا أي فاطلبوا عند الله الرزق فإنه القادر على ~~ذلك واعبدوه أي وحدوه واشكروا له لأنه المنعم عليكم بالرزق إليه ترجعون # PageV03P377 # أي في الآخرة وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم أي مثل قوم نوح وعاد وثمود ~~وغيرهم فأهلكهم الله وما على الرسول إلا البلاغ المبين قوله تعالى: # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 19 الى 29] # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~(22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي ~~إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة ~~والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ ~~قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) # أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) # أولم يروا قيل هذه الآيات إلى قوله فما كان جواب قومه يحتمل أن تكون من ~~تمام قول إبراهيم لقومه وقيل إنها وقعت معترضة في قصة إبراهيم وهي في تذكير ~~أهل مكة وتحذيرهم ومعنى أو لم يروا أو لم يعلموا ms2743 كيف يبدئ الله الخلق أي ~~يخلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يعيده أي في الآخرة عند البعث إن ذلك على ~~الله يسير أي الخلق الأول والخلق الثاني قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ ~~الخلق أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة أي ثم إن الله الذي خلقهم ينشئهم نشأة ثانية بعد الموت والمعنى فكما ~~لم يتعذر عليه إحداثهم مبدئا كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيدا بعد الموت ~~ثانيا إن الله على كل شيء قدير أي من البداءة والإعادة يعذب من يشاء عدلا ~~منه ويرحم من يشاء تفضلا وإليه تقلبون أي تردون وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء قيل معناه ولا من في السماء بمعجزين والمعنى أنه لا بعجزه ~~أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء وقيل معنى قوله ولا في السماء ~~لو كنتم فيها وما لكم من دون الله من ولي أي يمنعكم مني ولا نصير أي ينصركم ~~من عذابي والذين كفروا بآيات الله يعني بالقرآن ولقائه أي البعث أولئك ~~يئسوا من رحمتي يعني الجنة وأولئك لهم عذاب أليم فهذا آخر الآيات في تذكير ~~أهل مكة ثم عاد إلى قصة إبراهيم عليه السلام فقال تعالى فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه قال ذلك بعضهم لبعض وقيل قال الرؤساء للأتباع ~~اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار أي بأن جعلها بردا وسلاما قيل إن ذلك ~~اليوم لم ينتفع أحد بنار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون يصدقون وقال يعني ~~إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ~~أي ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة وقيل معناه إنكم تتوادون على عبادتها ~~وتتواصلون عليها في الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض # PageV03P378 # ويلعن بعضكم بعضا # تتبرأ الأوثان من عابديها وتتبرأ القادة من الأتباع ويلعن الأتباع القادة ~~ومأواكم النار يعني العابدين والمعبودين جميعا وما لكم من ناصرين أي مانعين ~~من عذابه فآمن له ms2744 لوط أي صدقه برسالته لما رأى معجزاته وهو أول من صدق ~~إبراهيم وأما في أصل التوحيد فإنه كان مؤمنا لأن الأنبياء لا يتصور فيهم ~~الكفر وقال يعني إبراهيم إني مهاجر إلى ربي إلى حيث أمرني ربي فهاجر من ~~كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم هاجر إلى الشام ومعه لوط وامرأته سارة ~~وهو أول من هاجر إلى الله تعالى وترك بلده وسار إلى حيث أمره الله ~~بالمهاجرة إليه. قيل هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة إنه هو العزيز أي الذي لا ~~يغلب والذي يمنعني من أعدائي الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما يصلحني. # قوله تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب يقال ~~إن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله وآتيناه أجره في ~~الدنيا هو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه ويحبونه ويحبون الصلاة ~~عليه والذرية الطيبة والنبوة من نسله هذا له في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس مثل آدم ونوح. قوله عز وجل ~~ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة أي الفعلة القبيحة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين أي لم يفعلها أحد قبلكم ثم فسر الفاحشة فقال أإنكم لتأتون ~~الرجال يعني أنكم تقضون الشهوة من الرجال وتقطعون السبيل وذلك أنهم كانوا ~~يأتون الفاحشة بمن مر بهم من المسافرين فترك الناس الممر بهم لأجل ذلك وقيل ~~معناه تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء وتأتون في ناديكم المنكر ~~أي مجالسكم والنادي مجلس القوم ومتحدثهم عن أم هانئ بنت أبي طالب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله وتأتون في دنياكم المنكر قال «كانوا يحذفون أهل ~~الأرض ويسخرون منهم» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب الحذف هو رمي الحصى ~~بين الأصابع قيل إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها ~~حصى فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه قال: أنا أولى به وقيل: إنه ~~كان يأخذ ما معه وينكحه ms2745 ويغرمه ثلاثة دراهم وقيل إنهم كانوا يجامعون بعضهم ~~بعضا في مجالسهم وقيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم وعن عبد الله بن سلام ~~كان يبزق بعضهم على بعض. وقيل كان أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع ~~بالحناء وحل الإزار والصفير والحذف والرمي بالجلاهق واللوطية فما كان جواب ~~قومه أي لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح إلا أن قالوا أي استهزاء ~~ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين أي إن العذاب نازل بنا فعند ذلك # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 30 الى 40] # قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها ~~لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ~~(32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا ~~تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل ~~هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) # ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ~~يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) ~~فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين ~~لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ~~(38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض ~~وما كانوا سابقين (39) # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (40) # PageV03P379 # قال رب انصرني على القوم المفسدين أي بتحقيق قولي إن العذاب نازل بهم. ~~قوله عز وجل ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى أي من الله بإسحاق ويعقوب ~~قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية أي قوم لوط والقرية سدوم إن أهلها كانوا ~~ظالمين قال يعني إبراهيم إشفاقا على لوط وليعلم حاله إن فيها لوطا قالوا أي ~~قالت الملائكة نحن أعلم ms2746 بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين أي من الباقين في العذاب ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم أي ظنهم ~~من الإنس فخاف عليهم ومعناه أنه جاءه ما ساءه وضاق بهم ذرعا أي عجز عن ~~تدبير أمرهم فحزن لذلك وقالوا لا تخف أي من قومك ولا تحزن علينا إنا منجوك ~~وأهلك أي إنا مهلكوهم ومنجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا أي عذابا من السماء قيل هو الخسف والحصب بالحجارة ~~بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها أي من قريات لوط آية بينة أي عبرة ظاهرة ~~لقوم يعقلون يعني أفلا يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول قال ابن عباس الآية ~~البينة آثار منازلهم الخربة وقيل هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله ~~حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقيل هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض. ~~قوله تعالى وإلى مدين أي وأرسلنا إلى مدين ومدين اسم رجل وقيل اسم المدينة ~~فعلى القول الأول يكون المعنى وأرسلنا إلى ذرية مدين وأولاده وعلى القول ~~الثاني وأرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر أي افعلوا فعل من يرجوا اليوم الآخر وقيل معناه اخشوا اليوم ~~الآخر وخافوه ولا تعثوا في الأرض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة ~~وذلك أن جبريل صاح فرجفت الأرض رجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين أي باركين على ~~الركب ميتين وعادا وثمود أي وأهلكنا عادا وثمود وقد تبين لكم يا أهل مكة من ~~مساكنهم أي منازلهم بالحجر واليمن وزين لهم الشيطان أعمالهم أي عبادتهم ~~لغير الله فصدهم عن السبيل أي عن سبيل الحق وكانوا مستبصرين أي عقلاء ذوي ~~بصائر. وقيل كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى وهم على ~~باطل وضلالة والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ~~أي أهلكنا هؤلاء ولقد جاءهم موسى بالبينات أي بالدلالات الواضحات فاستكبروا ~~في الأرض وما كانوا سابقين أي فائتين من عذابنا فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ms2747 ~~أرسلنا عليه حاصبا وهم قوم لوط رموا بالحصباء وهي الحصى الصغار ومنهم من ~~أخذته الصيحة يعني ثمود ومنهم من خسفنا به الأرض يعني قارون وأصحابه ومنهم ~~من أغرقنا يعني قوم نوح وفرعون وقومه وما كان الله ليظلمهم أي بالهلاك ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون أي بالإشراك. قوله تعالى: # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 41 الى 45] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ~~(44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) # PageV03P380 # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا لنفسها تأوي إليه وإن بيتها في غاية الضعف والوهن ~~لا يدفع عنها حرا ولا بردا فكذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا. ~~وقيل معنى هذا المثل أن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي ~~يعبد الله مثل العنكبوت تتخذ بيتا من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر ~~وجص أو نحته من صخر فكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت ~~العنكبوت فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان لأنها ~~لا تضر ولا تنفع وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت أشار إلى ضعفه فإن الريح ~~إذا هبت عليه أو لمسه لامس فلا يبقى له عين ولا أثر فقد صح أن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت وقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون أي أن هذا ~~مثلهم وأن أمر دينهم بلغ هذه الغاية من الوهن إن الله يعلم ما يدعون من ~~دونه من شيء هذا توكيد للمثل وزيادة عليه يعني إن الذي يدعون من دونه ليس ~~بشيء وهو العزيز الحكيم معناه كيف يجوز للعاقل أن يترك عبادة ms2748 الله العزيز ~~الحكيم القادر على كل شيء ويشتغل بعبادة من ليس بشيء أصلا وتلك الأمثال أي ~~الأشباه يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار من هذه الأمة بأحوال ~~كفار الأمم السابقة نضربها أي نبينها للناس أي لكفار مكة وما يعقلها إلا ~~العالمون يعني ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله عز وجل. ~~روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلا هذه الآية. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~قال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» خلق الله السماوات ~~والأرض بالحق أي للحق وإظهار الحق إن في ذلك لآية أي دلالة للمؤمنين على ~~قدرته وتوحيده. # وقوله تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب يعني القرآن وأقم الصلاة فإن ~~قلت: لم أمر بهذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة فقط؟ قلت لأن ~~العبادة المختصة بالعبد ثلاثة: قلبية وهي الاعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر ~~الحسن وبدنية وهي العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن اعتقد شيئا لا ~~يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمرا فبقي الذكر والعبادة البدنية ~~وهما ممكنا التكرار فلذلك أمر بهما إن الصلاة تنهى عن الفحشاء أي ما قبح من ~~الأعمال والمنكر أي ما لا يعرف في الشرع. قال ابن مسعود وابن عباس في ~~الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه ~~عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعدا. وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه ~~صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه وقيل من داوم على الصلاة جره ~~ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي عن أنس قال: «كان فتى من الأنصار ~~يصلي الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يدع من الفواحش شيئا ~~إلا ركبه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن صلاته ستنهاه ~~يوما فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله» وقيل: معنى الآية أنه ما دام في صلاته ms2749 ~~فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر ومنه قوله: «إن في الصلاة لشغلا» وقيل أراد ~~بالصلاة القرآن وفيه ضعف لتقدم ذكر القرآن وعلى هذا يكون معناه أن القرآن ~~ينهاه عن الفحشاء والمنكر كما روي عن جابر قال: قال رجل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق قال ستنهاه ~~قراءته». وفي رواية «أنه قيل يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق ~~بالليل فقال إن صلاته لتردعه» وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن ~~يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها ولذكر الله أكبر أي أنه أفضل ~~الطاعات. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا ~~أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من ~~إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا ~~أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله». أخرجه الترمذي وله # PageV03P381 # عن أبي سعيد الخدري قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد ~~أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيرا قالوا يا رسول ~~الله والغازي في سبيل الله؟ فقال لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ~~ويختضب في سبيل الله دما لكان الذاكرون الله كثيرا أفضل منه درجة» (م) عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبق المفردون قالوا وما ~~المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» يروي المفردون ~~بتشديد الراء وتخفيفها والتشديد أتم يقال فرد الرجل بتشديد الراء إذا تفقه ~~واعتزل الناس وحده مراعيا للأمر والنهي وقيل هم المتخلفون عن الناس بذكر ~~الله لا يخلطون به غيره (خ) عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم ~~الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده». وروي ~~«أن أعرابيا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال أن تفارق ms2750 الدنيا ولسانك ~~رطب بذكر الله» وقال ابن عباس: معنى ولذكر الله أكبر ذكر الله إياكم أفضل ~~من ذكركم إياه ويروى ذلك مرفوعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال ابن عطاء ولذكر الله أكبر أي لن تبقى معه معصية والله يعلم ما تصنعون ~~يعني لا يخفى عليه شيء من أمركم. قوله عز وجل: # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 46 الى 53] # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) ~~وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه ~~آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) # أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى ~~لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات ~~والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ~~ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) # ولا تجادلوا أهل الكتاب أي ولا تخاصموهم إلا بالتي هي أحسن أي القرآن ~~والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد بهم من قبل الجزية منهم ~~إلا الذين ظلموا منهم يعني أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب فافجؤوهم ~~بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ومعنى الآية إلا الذين ظلموكم لأن ~~جميعهم ظالم بالكفر وقيل هم أهل الحرب ومن لا عهد له. وقيل الآية منسوخة ~~بآية السيف وقولوا أي للذين قبلوا الجزية إذا حدثوكم بشيء مما في كتبكم ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (خ) ~~عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها ~~بالعربية لأهل الإسلام فقال ms2751 النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا» الآية. # قوله عز وجل وكذلك أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب فالذين ~~آتيناهم الكتاب يؤمنون به يعني مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه ~~ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وذلك أن ~~اليهود عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي والقرآن حق فجحدوا ~~والجحود إنما يكون بعد المعرفة وما كنت تتلوا يا محمد من قبله من كتاب ~~معناه من كتب أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب ولا # PageV03P382 # تخطه بيمينك يعني ولا تكتبه والمعنى لم تكن تقرأ ولم تكتب قبل الوحي إذا ~~لارتاب المبطلون معناه لو كنت تكتب أو تقرأ قبل الوحي إليك لارتاب المشركون ~~من أهل مكة، وقالوا إنه يقرأه من كتب الأولين أو ينسخه منها وقيل المبطلون ~~هم اليهود ومعناه أنهم إذا لشكوا فيه واتهموك وقالوا إن الذي نجد نعته في ~~التوراة لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت بل هو آيات بينات يعني ~~القرآن في صدور الذين أوتوا العلم يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن وقال ~~ابن عباس يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون يعني اليهود وقالوا يعني كفار مكة لولا أنزل عليه آيات من ربه أي ~~كما أنزل على الأنبياء من قبل وقيل: أراد بالآيات معجزات الأنبياء مثل ناقة ~~صالح ومائدة عيسى ونحو ذلك قل إنما الآيات عند الله أي هو القادر على ~~إنزالها إن شاء أنزلها وإنما أنا نذير مبين أي إنما كلفت الإنذار وليس ~~إنزال الآيات بيدي أولم يكفهم أنا أنزلنا هذا جواب لقولهم لولا أنزل عليه ~~آية من ربه قال أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم معناه أن ~~القرآن معجزة أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء لأن معجزة ms2752 القرآن تدوم على ~~ممر الدهور والزمان ثابتة لا تضمحل كما تزول كل آية بعد كونها إن في ذلك ~~يعني القرآن لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون أي تذكيرا وعظة لمن آمن به وعمل صالحا ~~قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا قال ابن عباس معناه يشهد لي أني رسوله ~~والقرآن كتابه ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال ~~الكتاب عليه يعلم ما في السماوات والأرض أي هو المطلع على أمري وأمركم ~~ويعلم حقي وباطلكم لا تخفى عليه خافية والذين آمنوا بالباطل قال ابن عباس: ~~بغير الله وقيل بعبادة الشيطان وقيل بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل ~~وكفروا بالله. فإن قلت من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة ~~غير التأكيد. قلت نعم فائدته أن ذكر الثاني لبيان قبح الأول فهو كقول ~~القائل أتقول الباطل وتترك الحق لبيان أن الباطل قبيح أولئك هم الخاسرون أي ~~المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. قوله عز وجل ويستعجلونك ~~بالعذاب نزلت في النضر بن الحارث حيث قال «فأمطر علينا حجارة من السماء» ~~ولولا أجل مسمى قال ابن عباس ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا استأصلهم وأؤخر ~~عذابهم إلى يوم القيامة وقيل مدة أعمارهم لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب ~~وقيل يوم بدر لجاءهم العذاب وليأتينهم يعني العذاب، وقيل الأجل بغتة وهم لا ~~يشعرون بإتيانه. # ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 54 الى 60] # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) يا عبادي الذين ~~آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) # الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله ~~يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) # يستعجلونك بالعذاب أعاده تأكيدا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين أي جامعة لهم ~~لا يبقى منهم أحد إلا دخلها يوم يغشاهم العذاب أي ms2753 يصيبهم من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون أي جزاء ما كنتم تعملون. قوله تعالى يا ~~عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون # قيل نزلت في ضعفاء مسلمي أهل مكة يقول الله تعالى إن كنتم في ضيق بمكة من ~~إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة فإنها واسعة آمنة، وقيل نزلت ~~في قوم تخلفوا عن الهجرة وقالوا نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج وقيل المعنى فهاجروا ~~فيها أي فجاهدوا فيها. وقال سعيد بن جبير: إذا # PageV03P383 # عملوا في الأرض بالمعاصي فاهربوا منها فإن أرضي واسعة وقيل إذا أمرتم ~~بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيه ~~بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى بلد تتهيأ له فيها العبادة وقيل ~~معنى إن أرضي واسعة يعني رزقي لكم واسع فاخرجوا كل نفس ذائقة الموت يعني كل ~~أحد ميت خوفهم بالموت لتهون الهجرة عليهم فلا يقيموا بدار الشرك خوفا من ~~الموت ثم إلينا ترجعون فنجزيكم بأعمالكم. # قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا أي ~~علالي جمع غرفة وهي العلية تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين أي لله بطاعته الذين صبروا على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة ~~لحقتهم وقيل صبروا على الهجرة ومفارقة الأوطان وعلى أذى المشركين وعلى ~~المحن والمصائب وعلى الطاعات وعن المعاصي وعلى ربهم يتوكلون أي يعتمدون على ~~الله في جميع أمورهم. قوله عز وجل وكأين من دابة لا تحمل رزقها وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم ~~المشركون «هاجروا إلى المدينة فقالوا كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها ~~دار ولا مال فمن يطعمنا بها ويسقينا فأنزل الله: # وكأين من دابة لا تحمل رزقها أي لا ترفع رزقها معها لضعفها ولا تدخر شيئا ~~لغد مثل البهائم والطير الله يرزقها وإياكم حيث كنتم وهو السميع أي ~~لأقوالكم العليم ms2754 بما في قلوبكم عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقول «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق ~~الطير تغدو خماصا وتروح بطانا». # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ومعناه أنها تذهب أول النهار جياعا ضامرة ~~البطون وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون ولا تدخر شيئا ~~قال سفيان بن عيينة ليس شيء يقاربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد ~~أمرتكم به وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ~~ألا وإن الروح الأمين نفث في روعي» الروح: بضم الراء وبالعين المهملة هو ~~القلب والعقل وبفتح الراء هو الخوف قال الله تعالى «فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع» أي الخوف «أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله ~~وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل ~~فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته» قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 61 الى 69] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا ~~إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون (65) # ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~(69) # ولئن سألتهم يعني كفار مكة من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ذكر ~~أمرين أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات والثاني إشارة إلى ms2755 اتحاد الصفات وهي ~~الحركة في الشمس والقمر ليقولن الله # PageV03P384 # فأنى يؤفكون # قيل معناه أنهم يعتقدون هذا فكيف يصرفون عن عبادة الله مع إقرارهم أنه ~~خلق السموات والأرض الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده لما ذكر الخلق ذكر ~~الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الخلق بالرزق والله تعالى هو المتفضل ~~بالرزق على الخلق فله الفضل والإحسان والطول والامتنان ويقدر له أي يضيق ~~عليه إذا شاء إن الله بكل شيء عليم أي يعلم مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق ~~ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ~~ذكر سبب الرزق وموجد السبب موجد المسبب فالرزق من الله تعالى قل الحمد لله ~~أي على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله تعالى: وقيل قل الحمد لله على ~~إقرارهم ولزوم الحجة عليهم بأنه خالق لهم بل أكثرهم لا يعقلون أي أنهم ~~ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه خالق هذه الأشياء. قوله تعالى وما هذه ~~الحياة الدنيا إلا لهو ولعب اللهو هو الاستمتاع بلذة الدنيا وقيل هو ~~الاشتغال بما لا يعنيه وما لا يهمه واللعب هو العبث وفي هذا تصغير للدنيا ~~وازدراء بها ومعنى الآية أن سرعة زوال الدنيا عن أهلها وتقلبهم فيها وموتهم ~~عنها كما يلعب الصبيان ساعة ثم ينصرفون وإن الدار الآخرة لهي الحيوان أي ~~الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها لو كانوا يعلمون فناء الدنيا ~~وبقاء الآخرة لما آثروا الفاني على الباقي. قوله عز وجل فإذا ركبوا في ~~الفلك معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا في الفلك ~~وخافوا الغرق دعوا الله مخلصين له الدين أي تركوا الأصنام ولجئوا إلى الله ~~تعالى بالدعاء فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون أي عادوا إلى ما كانوا ~~عليه من الشرك والعناد. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا ~~الأصنام فإذا اشتد الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب ليكفروا بما ~~آتيناهم أي ليجحدوا نعمة الله في إجابته إياهم ومعناه التهديد والوعيد ~~وليتمتعوا ms2756 معناه لا فائدة لهم في الإشراك إلا التمتع بما يستمتعون به في ~~العاجلة ولا نصيب لهم في الآخرة فسوف يعلمون يعني عاقبة أمرهم ففيه تهديد ~~ووعيد. قوله عز وجل أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ~~يعني العرب يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون أفبالباطل يعني الشيطان ~~والأصنام يؤمنون وبنعمة الله يكفرون أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام ~~يكفرون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي فزعم أن له شريكا فإنه منزه عن ~~الشركاء أو كذب بالحق أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لما جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين معناه أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم. قوله عز ~~وجل والذين جاهدوا فينا معناه جاهدوا المشركين لنصر ديننا لنهدينهم سبلنا ~~لنثيبنهم ما قاتلوا عليه. وقيل لنزيدنهم هدى وقيل لنوفينهم لإصابة الطرق ~~المستقيمة وهي التي توصل إلى رضا الله تعالى. قال سفيان بن عيينة: إذا ~~اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور فإن الله تعالى يقول: والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقيل المجاهدة الصبر على الطاعات ومخالفة الهوى ~~وقال الفضيل بن عياض والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العلم والعمل ~~به وقال سهل بن عبد الله والذين جاهدوا فينا بإقامة السنة لنهدينهم سبل ~~الجنة. وقال ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وإن ~~الله لمع المحسنين أي بالنصرة والمعونة في دنياهم والمغفرة في عقباهم في ~~الآخرة وثوابهم الجنة والله أعلم. # PageV03P385 ### | سورة الروم # مكية وهي ستون آية وتسع عشرة كلمة وثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون ~~حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الروم (30): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) # قوله عز وجل الم غلبت الروم في أدنى الأرض سبب نزول هذه الآية على ما ~~ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودون أن تغلب ~~فارس الروم لأن فارسا كانوا مجوسا أميين والمسلمون يودون غلبة الروم على ~~فارس ms2757 لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يقال له ~~شهرمان وبعث قيصر رجالا وجيشا وأمر عليهم رجلا يدعى بخين فالتقيا بأذرعات ~~وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك ~~المسلمين بمكة فشق عليهم وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب ~~والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وفارس أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على ~~إخوانكم من الروم فإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله هذه الآيات ~~فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فو ~~الله ليظهرن الروم على فارس. أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال كذبت: فقال أنت أكذب يا عدو الله فقال: ~~اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه والمناحبة بالحاء المهملة القمار والمراهنة ~~أراهنك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإذا ظهرت فارس على الروم غرمت ~~وإذا ظهرت الروم على فارس غرمت ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قبل تحريم القمار. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع ~~فزايده في الخطر ومادده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال لعلك ندمت ~~فقال لا فتعال أزايدك في الخطر وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة ~~قلوص إلى تسع سنين فقال قد فعلت فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من ~~مكة أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي ضامنا كفيلا فكفله ~~ابنه عبد الله بن أبي بكر فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد ~~الله بن أبي بكر فلزمه وقال والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ~~ثم خرج إلى أحد قال: ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي ~~جرحه النبي صلى الله عليه وسلم حين بارزه وظهرت ms2758 الروم على فارس يوم ~~الحديبية وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم وقيل كان يوم بدر وربطت الروم ~~خيولهم بالمدائن وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ ~~مال الخطر من ورثته وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يحرم ~~القمار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تصدق به. وكان سبب غلبة الروم فارسا ~~على ما قال عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب الروم لم يزل يطؤهم ويخرب ~~مدائنهم حتى بلغ الخليج فبينا أخوه فرحان جالس ذات يوم يشرب قال لأصحابه: ~~لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى فبلغت كلمته كسرى فكتب إلى شهرمان إذا ~~أتاك كتابي فابعث إلي برأس أخيك فرحان فكتب إليه أيها الملك إنك لم تجد مثل ~~فرحان إن له # PageV03P386 # لنكاية وصولة في العدو، فلا تفعل فكتب إليه إن في رجال فارس خلفا عنه ~~فعجل إلي برأسه فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس إني قد ~~عزلت عنكم شهرمان واستعملت عليكم فرحان ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة وأمره ~~فيها بقتل شهرمان. وقال إذا ولي فرحان الملك وانقاد له أخوه فأعطه الصحيفة، ~~فلما وصل البريد إلى شهرمان عرض عليه كتاب كسرى فلما قرأه قال: سمعا وطاعة ~~ونزل عن سرير الملك وأجلس عليه أخاه فرحان فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان ~~فلما قرأها: استدعى بأخيه شهرمان وقدمه ليضرب عنقه فقال له لا تعجل حتى ~~أكتب وصيتي قال نعم فدعا بسفط ففتحه وأعطاه ثلاث صحائف منه وقال كل هذا ~~راجعت فيك كسرى وأنت تريد قتلي بكتاب واحد فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان ~~فكتب إلى قيصر ملك الروم أما بعد إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا ~~تبلغها الصحف فالقني في خمسين روميا حتى ألقاك في خمسين فارسيا فأقبل قيصر ~~في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق مخافة أن يريد أن ~~يمكر به حتى أتاه عيونه فأخبروا أنه ليس معه إلا # خمسون فارسيا، فلما التقيا ضربت لهما ms2759 فيها ديباج فدخلاها ومع كل واحد ~~سكين ودعوا بترجمان يترجم بينهما فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي ~~بكيدنا وشجاعتنا وإن كسرى حسدنا وأراد بأن يقتل أخي فأبيت عليه ثم أمر أخي ~~بقتلي فأبى عليه، وقد خلعناه جميعا ونحن نقاتله معك فقال: قد أصبتما وأشار ~~أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوزهما فشا. فقتلا الترجمان معا ~~بسكينيهما فأديلت الروم على فارس عند ذلك وغلبوهم وقتلوهم ومات كسرى وجاء ~~الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن كان معه من ~~المسلمين بذلك فذلك قوله عز وجل الم غلبت الروم في أدنى الأرض يعني أقرب ~~أرض الشام إلى فارس وقيل هي أذرعات وقيل الأردن وقيل الجزيرة وهم من بعد ~~غلبهم أي فارس لهم سيغلبون أي الروم لفارس. ### || [سورة الروم (30): الآيات 4 الى 7] # في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر ~~الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون (7) # في بضع سنين البضع ما بين الثلاث إلى السبع وقيل إلى التسع وقيل ما دون ~~العشر لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل دولة الروم على فارس ومن بعدها ~~فمن غلب فهو بأمر الله تعالى وقضائه وقدره ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ~~أي الروم على فارس وقيل فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم ~~على المشركين يوم بدر وفرحوا بظهور أهل الكتاب على أهل الشرك ينصر من يشاء ~~أي بيده النصر ينصر من يشاء وهو العزيز الغالب الرحيم أي بالمؤمنين قوله ~~تعالى وعد الله أي وعد الله وعدا بظهور الروم على فارس لا يخلف الله وعده ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي أن الله لا يخلف وعده ثم قال تعالى يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا يعني أمر معاشهم كيف يكسبون ويتجرون ومتى يغرسون ~~ويزرعون ويحصدون وقال الحسن إن أحدهم ms2760 لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه لا ~~يخطئ وهو لا يحسن يصلي. وقيل: لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ~~ظاهرها وهو ملاذها وملاعبها ولا يعلمون باطنها وهو مضارها ومتاعبها. وقيل ~~يعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها وهم عن الآخرة هم غافلون أي ساهون ~~عنها لا يتفكرون فيها ولا يعلمون بها. قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30): الآيات 8 الى 18] # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا ~~الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن ~~كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم ~~إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) # ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في ~~العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) # وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) # PageV03P387 # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق يعني لإقامة الحق وأجل مسمى أي لوقت معلوم إذا انتهت إليه فنيت وهو ~~يوم القيامة وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون أولم يسيروا في الأرض ~~أي يسافروا فيها فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أي ينظروا إلى مصارع ~~الأمم قبلهم فيعتبروا كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض أي حرثوها وقلبوها ~~للزراعة وعمروها يعني الأمم الخالية أكثر مما عمروها يعني أهل مكة وجاءتهم ~~رسلهم بالبينات أي فلم يؤمنوا فأهلكهم الله فما كان الله ليظلمهم أي بنقص ~~حقوقهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي ببخس حقوقهم ثم كان عاقبة الذين أساؤا ~~أي أساءوا العمل فاستحقوا السواى يعني الخلة التي تسوؤهم وهي النار ms2761 وقيل ~~السوء اسم لجهنم، ومعنى الآية أن عاقبة الذين عملوا السوء النار أن كذبوا ~~أي لأنهم كذبوا وقيل معنى الآية ثم كان عاقبة المسيئين أن حملتهم تلك ~~السيئات على أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن قوله تعالى الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده أي خلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء ثم إليه ترجعون ~~أي فيجزيهم بأعمالهم ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون قيل: معناه أنهم ~~ييأسون من كل خير وقيل: ينقطع كلامهم وحججهم وقيل يفتضحون ولم يكن لهم من ~~شركائهم يعني أصنامهم التي عبدوها شفعاء أي يشفون لهم وكانوا بشركائهم ~~كافرين أي جاحدين متبرئين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون أي يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقيل يتفرقون بعد الحساب أهل ~~الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار فلا يجتمعون أبدا فهو قوله تعالى ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة أي في جنة وقيل الروضة ~~البستان الذي هو في غاية النضارة يحبرون قال ابن عباس يكرمون وقيل يتنعمون ~~ويسرون والحبرة السرور. وقيل في معنى يحبرون: هو السماع في الجنة. قال ~~الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فإذا أخذ في السماع ~~قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم وقال: إذا أخذ في السماع فلا يبقى ~~في الجنة شجرة إلا وردته، وسأل أبا هريرة رجل: هل لأهل الجنة من سماع؟ ~~فقال: نعم شجرة أصلها من ذهب وأغصانها من فضة وثمارها اللؤلؤ والزبرجد ~~والياقوت يبعث الله ريحا فيجاوب بعضها بعضا فما يسمع أحد أحسن منه وأما ~~الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة أي البعث يوم القيامة فأولئك في ~~العذاب محضرون قوله تعالى فسبحان الله أي فسبحوا الله ومعناه صلوا لله حين ~~تمسون أي تدخلون في المساء وهي صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون أي تدخلون ~~في الصباح وهي صلاة الصبح وله الحمد في السماوات والأرض قال ابن عباس يحمده ~~أهل السموات والأرض ويصلون له وعشيا أي وصلوا لله عشيا يعني صلاة العصر ~~وحين تظهرون ms2762 أي تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر. قال نافع ابن الأزرق ~~لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم وقرأ هاتين الآيتين # PageV03P388 # وقال: جمعتا الصلوات الخمس ومواقيتها. واعلم أنه إنما خص هذه الأوقات ~~بالتسبيح لأن أفضل الأعمال أدومها والإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته ~~إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك فخفف الله ~~عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أول النهار وفي أول الليل وآخره ~~فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين وكذلك باقي الركعات وهي ~~سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها ~~فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل والنهار بقي عليه سبع ساعات في ~~جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف ~~جميع أوقاته في التسبيح والعبادة. # فصل في فضل التسبيح # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال سبحان الله ~~وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». وعنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله ~~وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ~~ما قال أو زاد عليه». أخرجهما الترمذي وقال فيهما حسن صحيح (ق) عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم». وهذا الحديث أخرجه في صحيح البخاري (م) عن جويرية بنت الحارث زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~ذات غداة من عندها وهي في مسجدها فرجع بعد ما تعالى النهار فقال ما زلت في ~~مجلسك هذا مذ خرجت بعد؟ قالت نعم فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرار ~~لو وزنت بكلماتك لوزنتهن سبحان الله ms2763 وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ~~ومداد كلماته» (م) عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال «أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من ~~جلسائه قال كيف يكتسب ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف ~~حسنة ويحط عنه ألف خطيئة». وفي رواية غير مسلم «يحط عنه أربعين ألفا» قوله ~~تعالى: # ### || [سورة الروم (30): الآيات 19 الى 27] # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) # ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض ~~بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي أي يخرج النطفة من الحيوان ويخرج ~~الحيوان من النطفة. وقيل: يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة. وقيل ~~يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن ويحي الأرض بعد موتها أي ~~بالمطر وإخراج النبات منها وكذلك تخرجون أي مثل إخراج النبات من الأرض ~~تخرجون من القبور للبعث والحساب ومن آياته أن خلقكم من تراب أي خلق أصلكم ~~وهو # PageV03P389 # آدم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون أي تنبسطون في الأرض ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا أي جنسكم من بني آدم وقيل خلق حواء ms2764 من ضلع آدم ~~لتسكنوا إليها أي لتميلوا للأزواج وتألفوهن وجعل بينكم مودة ورحمة أي جعل ~~بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان من غير سابقة معرفة ولا ~~قرابة ولا سبب يوجب التعاطف وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير تراحم ~~بينهما إلا الزوجان إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون أي في عظمة الله وقدرته ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم أي اختلاف اللغات العربية ~~والعجمية وغيرهما وقيل أراد أجناس النطق وأشكاله خالف بينهما حتى لا تكاد ~~تسمع منطقين حتى لو تكلم جماعة من وراء حائط يعرف كل منهم بنطقه ونغمته لا ~~يشبه صوت أحد صوت الآخر وألوانكم أي أسود وأبيض وأشقر وأسمر وغير ذلك من ~~اختلاف الألوان وأنتم بنو رجل واحد ومن أصل واحد وهو آدم عليه السلام. ~~والحكمة في اختلاف الأشكال والأصوات للتعارف أي ليعرف كل واحد بشكله وحليته ~~وصوته وصورته فلو اتفقت الأصوات والصور وتشاكلت وكانت ضربا واحدا لوقع ~~التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة وليعرف صاحب الخلق من غيره والعدو ~~من الصديق والقريب من البعيد فسبحان من خلق الخلق على ما أراد وكيف أراد. ~~وفي ذلك دليل على سعة القدرة وكمال العظمة إن في ذلك لآيات للعالمين أي ~~لعموم العلم فيهم ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله أي ~~منامكم الليل للراحة وابتغاؤكم من فضله وهو طلب أسباب المعيشة بالنهار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يسمعون أي سماع تدبر واعتبار ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~أي للمسافر ليستعد للمطر وطمعا أي للمقيم ليستعد المحتاج إليه من أجل الزرع ~~وتسوية طرق المصانع وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون أي قدرة الله وأنه القادر عليه ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره قال ابن عباس وابن مسعود قامتا على غير عمد وقيل يدوم ~~قيامهما بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض قال ابن عباس من القبور إذا أنتم ~~تخرجون أي منها وقيل معنى الآية ثم إذا دعاكم ms2765 دعوة من الأرض إذا أنتم ~~تخرجون من الأرض وله من في السماوات والأرض كل له قانتون مطيعون قال ابن ~~عباس كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة ~~وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده أي يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت للبعث ~~وهو أهون عليه أي هو هين عليه وما من شيء عليه بعزيز وقيل معناه وهو أيسر ~~عليه فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء وقيل: هو ~~أهون على الخلق وذلك لأنهم يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن ~~يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء. وهو رواية عن ابن ~~عباس وله المثل الأعلى أي الصفة العليا قال ابن عباس: ليس كمثله شيء وقيل ~~هو الذي لا إله إلا هو في السماوات والأرض وهو العزيز أي في ملكه الحكيم في ~~خلقه. قوله عز وجل: # ### || [سورة الروم (30): الآيات 28 الى 33] # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ~~وما لهم من ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) # PageV03P390 # ضرب لكم مثلا أي بين لكم شبها بحالكم ذلك المثل من أنفسكم ثم بين المثل ~~فقال تعالى هل لكم من ما ملكت أيمانكم أي عبيدكم وإمائكم من شركاء في ما ~~رزقناكم أي من المال فأنتم فيه سواء يعني هل يشارككم عبيدكم في أموالكم ~~التي أعطيناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي تخافون أن يشاركوكم ms2766 في أموالكم ~~ويقاسموكم كما يخاف الحر من شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه ~~بأمره دون شريكه ويخاف الرجل شريكه في الميراث وهو يحب أن ينفرد به. وقال ~~ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخافوا هذا من ~~مماليككم ولا ترضوه لأنفسكم فكيف ترضون أن تكون آلهتكم التي تعبدونها ~~شركائي وهم عبيدي كذلك نفصل الآيات أي الدلالات والبراهين والأمثال لقوم ~~يعقلون أي ينظرون في هذه الدلائل والأمثال بعقولهم بل اتبع الذين ظلموا ~~يعني أشركوا بالله أهواءهم أي في الشرك بغير علم جهلا بما يجب عليهم فمن ~~يهدي من أضل الله أي عن طريق الهدى وما لهم من ناصرين أي مانعين يمنعونهم ~~عن عذاب الله. قوله تعالى فأقم وجهك للدين يعني أخلص دينك لله وقيل سدد ~~عملك والوجه ما يتوجه إلى الله تعالى به الإنسان ودينه وعمله مما يتوجه ~~إليه ليسدده قوله تعالى حنيفا أي مائلا إليه مستقيما عليه فطرت الله أي دين ~~الله والمعنى الزموا فطرة الله التي فطر الناس عليها قال ابن عباس خلق ~~الناس عليها والمراد بالفطرة الدين وهو الإسلام (ق) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على ~~الفطرة ثم قال اقرءوا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم». زاد البخاري «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: ~~اقرءوا فطرة الله الآية ولهما في رواية «قالوا: يا رسول الله أفرأيت من ~~يموت صغيرا قال الله أعلم بما كانوا عاملين». قوله: «ما من مولود يولد إلا ~~على الفطرة» يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله: ألست بربكم قالوا ~~بلى فكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وضعت الخلقة ~~عليها وإن عبد غير الله قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله ولكن لا اعتبار ms2767 بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر ~~الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل ألا ترى إلى قوله: ~~«فأبواه يهودانه أو ينصرانه» فهو مع وجود الإيمان الفطري فإنه محكوم له ~~بحكم أبويه الكافرين وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر ~~«يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» ~~وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث أن كل مولود يولد على ~~فطرته أي خلقته التي خلقه الله عليها في علم الله تعالى من السعادة ~~والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل ~~المشاكل لها فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين ~~فيحملانه على اعتقاد دينهما. وقيل معناه أن كل مولود في مبدأ الخلقة على ~~الفطرة أي على الجبلة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها ~~لاستمرت على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة وإنما يعدل ~~عنه من عدل إلى غيره لأنه من آفات التقليد ونحوه فمن سلم من تلك الآفات لم ~~يعتقد غيره. ثم تمثل لأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى ~~أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والحجة المستقيمة بقوله «كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء». أي كما تلد البهيمة بهيمة مستوية لم يذهب من بدنها ~~شيء وقوله «هل تحسون فيها من جدعاء يعني هل تشعرون أو تعلمون فيها من جدعاء ~~وهي المقطوعة الأذن والأنف. قوله عز وجل لا تبديل لخلق الله أي لا تبدلوا ~~دين الله وقيل معنى الآية الزموا فطرة الله ولا تبدلوا التوحيد بالشرك. ~~وقيل معنى لا تبديل لخلق الله هو جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة فلا ~~يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا. وقيل الآية في تحريم إخصاء البهائم ذلك ~~الدين القيم أي # PageV03P391 # المستقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون قوله عز وجل منيبين إليه أي فأقم ~~وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن خطاب النبي صلى # الله عليه وسلم يدخل فيه الأمة والمعنى راجعين ms2768 إلى الله تعالى بالتوبة ~~مقبلين إليه بالطاعة واتقوه أي ومع ذلك خافوه وأقيموا الصلاة أي داوموا على ~~أدائها في أوقاتها ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا أي صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى وقيل هم أهل البدع من هذه ~~الأمة كل حزب بما لديهم فرحون أي راضون بما عندهم. قوله تعالى وإذا مس ~~الناس ضر أي قحط وشدة دعوا ربهم منيبين إليه أي مقبلين إليه بالدعاء ثم إذا ~~أذاقهم منه رحمة أي خصبا ونعمة إذا فريق منهم بربهم يشركون # ### || [سورة الروم (30): الآيات 34 الى 42] # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا ~~فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ~~(38) # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) # ليكفروا بما آتيناهم أي ليجحدوا نعمة الله عليهم فتمتعوا فيه تهديد ووعيد ~~خاطب به الكفار فسوف تعلمون أي حالكم هذه في الآخرة أم أنزلنا عليهم سلطانا ~~قال ابن عباس حجة وعذرا وقيل كتابا فهو يتكلم أي ينطق بما كانوا به يشركون ~~أي بشركهم ويأمرهم به وإذا أذقنا الناس رحمة أي الخصب وكثرة المطر فرحوا ~~بها أي فرحوا وبطروا وإن تصبهم سيئة أي جدب وقلة مطر وقيل خوف وبلاء بما ~~قدمت أيديهم من السيئات إذا هم يقنطون ms2769 أي ييأسون من رحمة الله وهذا خلاف ~~وصف المؤمن فإنه يشكر ربه عند النعمة ويرجوه عند الشدة أولم يروا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون تقدم تفسيره. قوله ~~عز وجل فآت ذا القربى حقه أي من البر والصلة والمسكين أي حقه وهو التصدق ~~عليه وابن السبيل أي المسافر وقيل الضيف ذلك خير للذين يريدون وجه الله أي ~~يطلبون ثواب الله بما كانوا يعملون وأولئك هم المفلحون قوله عز وجل وما ~~آتيتم أي أعطيتم من ربا ليربوا في أموال الناس أي في اجتلاب أموال الناس ~~واجتذابها قيل في معنى الآية هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيبه أكثر منها ~~فهو جائز حلال ولكن لا يثاب عليها في القيامة وهذا قوله فلا يربوا عند الله ~~وكان هذا حراما على النبي خاصة لقوله تعالى ولا تمنن تستكثر أي لا تعط ~~وتطلب أكثر مما أعطيت وقيل هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله لا ~~يريد به وجه الله. وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل ~~ربح ماله لالتماس عونه لا لوجه الله تعالى فلا يربو عند الله لأنه لم يرد ~~بعمله وجه الله وما آتيتم من زكاة أي أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله أي ~~بتلك الصدقة فأولئك هم المضعفون أي يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر ~~أمثالها فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات. # قوله تعالى الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون تقدم تفسيره. قوله تعالى ~~ظهر الفساد في البر والبحر أي بسبب الشرك # PageV03P392 # والمعاصي ظهر قحط المطر وقلة النبات في البراري والبوادي والمفاوز ~~والقفار والبحر. قيل المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية والعرب ~~تسمي المصر بحرا تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر وقيل البر ظهر الأرض ~~الأمصار وغيرها والبحر هو المعروف وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في ~~البحر بخلو أجواف الأصداف من اللؤلؤ وذلك لأن الصدف ms2770 إذا جاء المطر ترتفع ~~على وجه الماء وتفتح أفواهها فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا بما كسبت أيدي ~~الناس أي بسبب شؤم ذنوبهم وقال ابن عباس الفساد في البر قتل أحد ابني آدم ~~أخاه وفي البحر غصب الملك الجائر السفينة. قيل كانت الأرض خضرة مونقة لا ~~يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان البحر عذبا وكان لا يقصد البقر ~~الغنم فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ~~ملحا زعافا وقصد الحيوان بعضها بعضا. وقيل: إن الأرض امتلأت ظلما وضلالة ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث رجع راجعون من الناس وقيل أراد ~~بالناس كفار مكة ليذيقهم بعض الذي عملوا يعني عقوبة الذي عملوا من الذنوب ~~لعلهم يرجعون يعني عن الكفر وأعمالهم الخبيثة قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبل أي لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية كان أكثرهم ~~مشركين يعني فأهلكوا بكفرهم قوله عز وجل: # ### || [سورة الروم (30): الآيات 43 الى 54] # فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ ~~يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن آياته ~~أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم ~~بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ms2771 (52) # وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ~~(53) الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) # فأقم وجهك للدين القيم يعني لدين الإسلام من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله يعني يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الخلق يومئذ يصدعون يعني ~~يتفرقون ثم ذكر الفريقين فقال تعالى من كفر فعليه كفره يعني وبال كفره ومن ~~عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون أي يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله قال ابن عباس: ليثيبهم الله ثوابا ~~أكثر من أعمالهم إنه لا يحب الكافرين فيه تهديد ووعيد لهم. قوله تعالى ومن ~~آياته أن يرسل الرياح مبشرات أي تبشر بالمطر وليذيقكم من رحمته أي بالمطر ~~وهو الخصب ولتجري الفلك أي بهذه الرياح بأمره ولتبتغوا من فضله معناه ~~لتطلبوا رزقه بالتجارة في البحر ولعلكم تشكرون أي هذه النعم. قوله تعالى ~~لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات # أي بالدلالات الواضحات على صدقهم انتقمنا من الذين أجرموا # يعني # PageV03P393 # أنا عذبنا الذين كذبوهم كان حقا علينا نصر المؤمنين # أي مع إنجائهم من العذاب ففيه تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في ~~العاقبة والنصر على الأعداء عن أبي الدرداء قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا من كان حقا على الله أن يرد ~~عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا هذه الآية: وكان حقا علينا نصر المؤمنين». # أخرجه الترمذي ولفظه: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم ~~القيامة». وقال حديث حسن. قوله عز وجل الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ~~يعني تنشره فيبسطه في السماء كيف يشاء يعني مسيرة يوم أو يومين أو أكثر على ~~ما يشاء ويجعله كسفا أي قطعا متفرقة فترى الودق أي المطر يخرج من خلاله أي ~~من ms2772 وسطه فإذا أصاب به يعني بالودق من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون يعني ~~يفرحون بالمطر وإن كانوا أي وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين يعني آيسين فانظر إلى آثار رحمت الله يعني المطر والمعنى انظر حسن ~~تأثيره في الأرض وهو قوله تعالى كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي ~~الموتى يعني إن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وهو على ~~كل شيء قدير ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا أي الزرع بعد الخضرة لظلوا من ~~بعده أي من بعد اصفرار الزرع يكفرون أي يجحدون ما سلف من النعمة والمعنى ~~أنهم يفرحون عند الخصب ولو أرسلت عذابا على زرعهم لجحدوا سالف نعمتي فإنك ~~لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهاد العمي ~~عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون تقدم تفسيره. قوله ~~تعالى الله الذي خلقكم من ضعف أي بدأكم وأنشأكم على ضعف وقيل من ماء ذي ضعف ~~وقيل هو إشارة إلى أحوال الإنسان كان جنينا ثم طفلا مولودا ومفطوما فهذه ~~أحوال الضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة يعني من بعد ضعف الصغر شبابا وهو وقت ~~القوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا يعني هرما وشيبة وهو تمام النقصان يخلق ما ~~يشاء أي من الضعف والقوة والشباب والشيبة وليس ذلك من أفعال الطبيعة بل ~~بمشيئة الله وقدرته وهو العليم بتدبير خلقه القدير على ما يشاء. # قوله تعالى: ### || [سورة الروم (30): الآيات 55 الى 60] # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ~~(55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ~~ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) # فاصبر إن وعد الله ms2773 حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون أي يحلف المشركون ما لبثوا أي في الدنيا ~~غير ساعة معناه أنهم استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة وقيل معناه ما ~~لبثوا في قبورهم غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون يعني يصرفون عن الحق في الدنيا ~~وذلك أنهم كذبوا في قولهم ما لبثوا غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا ~~يبعثوا. # والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم ~~كاذبون فيه وكان ذلك بقضاء الله وقدره ثم ذكر إنكار المؤمن عليهم كذبتهم ~~فقال تعالى وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى ~~يوم البعث أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور وقيل معنى ~~الآية وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان يعني الذين يقيمون ~~كتاب الله قالوا للمنكرين قد لبثتم إلى يوم البعث أي في قبوركم فهذا يوم ~~البعث أي الذي كنتم تنكرونه في الدنيا ولكنكم كنتم لا تعلمون أي وقوعه في ~~الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى فيومئذ لا ينفع الذين ~~ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون أي لا تطلب منهم العتبى # PageV03P394 # والرجوع في الآخرة وقيل لا تطلب منهم التوبة التي تزيل الجريمة لأنها لا ~~تقبل منهم. قوله تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فيه إشارة ~~إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون يعني ما أنتم إلا على باطل وذلك على ~~سبيل العناد. فإن قلت ما معنى توحيد الخطاب في قوله: ولئن جئتهم والجمع في ~~قوله: إن أنتم إلا مبطلون. قلت فيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال ولئن جئتهم ~~بكل آية جاءت بها الرسل ويمكن أن يقال معناه أنكم كلكم أيها الرسل مبطلون ~~كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون أي توحيد الله فاصبر إن وعد الله ~~حق أي في نصرك وإظهارك على عدوك ms2774 ولا يستخفنك يعني لا يحملنك على الجهل وقيل ~~لا يستخفن رأيك الذين لا يوقنون يعني بالبعث والحساب والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بمراده. # PageV03P395 # سورة لقمان # مكية وهي أربع وثلاثون آية وخمسمائة وثمان وأربعون كلمة وألفان ومائة ~~وعشرة أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة لقمان (31): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) # قوله عز وجل الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين يعني الذين ~~يعملون الحسنات، ثم ذكرهم فقال الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون. قوله تعالى ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية قيل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة ~~وكان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا ويقول إن محمدا ~~يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ~~فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن. فأنزل الله هذه الآية وقيل هو شراء ~~القينات والمغنين، ومعنى الآية ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو ~~الحديث وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن ~~حرام» وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين أحدهما ~~على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى ~~يكون هو الذي يسكت أخرجه الترمذي وهذا لفظه عن أبي أسامة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في ~~تجارة فيهن وثمنهن حرام» وفي مثل هذا نزلت ومن ms2775 الناس من يشتري لهو الحديث ~~الآية وعن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب ~~المزمار» وقال مكحول من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما ~~عليه حتى يموت لم أصل عليه إن الله تعالى يقول: ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث الآية وعن ابن مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا ~~لهو الحديث هو الغناء والآية نزلت فيه ومعنى يشتري يستبدل ويختار الغناء ~~والمزامير والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه ~~الآية فقال هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وقال ~~إبراهيم النخعي الغناء ينبت النفاق وقيل: هو كل لهو ولعب وقيل: هو الشرك ~~ليضل عن سبيل الله يعني عن دين الإسلام وسماع القرآن بغير علم يعني يفعله ~~عن جهل وحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق ويتخذها ~~هزوا أي يتخذ آيات الله مزحا أولئك يعني الذين هذه صفتهم لهم عذاب مهين. # PageV03P396 # ### || [سورة لقمان (31): الآيات 7 الى 15] # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) ~~خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ~~ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من ~~السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق ~~الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) # ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ~~إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل ms2776 ~~من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا أي لا يعبأ بها ولا يرفع لها رأسا كأن ~~لم يسمعها أي يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع كأن في أذنيه ~~وقرا أي ثقلا ولا وقر فيهما فبشره بعذاب أليم إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا يعني وعدهم الله ذلك ~~وعدا حقا وهو لا يخلف الميعاد وهو العزيز الحكيم قوله تعالى خلق السماوات ~~بغير عمد قيل إن السماء خلقت مبسوطة كصحفة مستوية وهو قول المفسرين وهي في ~~الفضاء والفضاء لا نهاية له وكون السماء في بعضه دون بعض ليس ذلك إلا بقدرة ~~قادر مختار وإليه الإشارة بقوله بغير عمد ترونها أي ليس لها شيء يمنعها ~~الزوال من موضعها وهي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة الله تعالى. وفي ~~قوله ترونها وجهان: أحدهما أنه راجع إلى السموات أي ليست هي بعمد وأنتم ~~ترونها كذلك بغير عمد. الوجه الثاني أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد ~~مرئية وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم أي لئلا تتحرك بكم وبث فيها أي في ~~الأرض من كل دابة أي يسكنون فيها وأنزلنا من السماء ماء يعني المطر وهو من ~~إنعام الله على عبادة وفضله فأنبتنا فيها من كل زوج كريم أي من كل صنف حسن ~~هذا يعني الذي ذكرت مما تعاينون خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه أي ~~آلهتكم التي تعبدونها بل الظالمون في ضلال مبين قوله عز وجل ولقد آتينا ~~لقمان الحكمة قيل هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارخ وهو آزر. وقيل كان ~~ابن أخت أيوب. وقيل كان ابن خالته. وقيل إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود ~~وقيل إنه كان قاضيا في بني إسرائيل. واتفقت العلماء على أنه كان حكيما ولم ~~يكن نبيا إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيا وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار ~~الحكمة. وروي أنه كان نائما ms2777 نصف الليل فنودي يا لقمان هل لك أن نجعلك خليفة ~~في الأرض فتحكم بين الناس فأجاب الصوت فقال إن خيرني ربي قبلت العافية ولم ~~أقبل البلاء وإن عزم علي فسمعا وطاعة وإني أعلم أن الله إن فعل بي ذلك ~~أعانني وعصمني فقالت الملائكة بصوت لا يراهم لم يا لقمان؟ قال إن الحاكم ~~بأشد المنازل وأكدرها يغشاها الظلم من كل مكان إن عدل فبالحرى أن ينجو وإن ~~أخطأ الطريق أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون ~~شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولم يصب الآخرة فعجبت ~~الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها ثم ~~نودي داود بعده، فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة ~~كل ذلك يعفو الله عنه وكان لقمان يوازر داود لحكمته وقيل كان لقمان عبدا ~~حبشيا نجارا وقيل كان خياطا وقيل كان راعي غنم فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم ~~بالحكمة فقال ألست فلانا الراعي قال: بلى قال فبم بلغت ما بلغت؟ قال بصدق # PageV03P397 # الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وقيل كان عبدا أسود عظيم ~~الشفتين مشقق القدمين وقيل: خير السودان بلال بن رباح ومهجع مولى عمر ~~ولقمان والنجاشي رابعهم أوتي الحكمة والعقل والفهم وقيل العلم والعمل به ~~ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعها وقيل الحكمة المعرفة والإصابة في الأمور ~~وقيل: الحكمة شيء يجعله الله في القلب ينوره كما ينور البصر فيدرك المبصر. ~~وقوله أن اشكر لله وذلك لأن المراد من العلم العمل به والشكر عليه ومن يشكر ~~فإنما يشكر لنفسه أي عليه يعود نفع ذلك وكذلك كفرانه ومن كفر عليه يعود ~~وبال كفره فإن الله غني أي غير محتاج إلى شكر الشاكرين حميد أي هو حقيق بأن ~~يحمد وإن لم يحمده أحد. # وقوله تعالى وإذ قال لقمان لابنه قيل اسمه أنعم وقيل أشكم وهو يعظه وذلك ~~لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره فقوله ولقد ~~آتينا ms2778 لقمان الحكمة أن اشكر لله إشارة إلى الكمال وقوله وإذ قال لقمان ~~لابنه وهو يعظه إشارة إلى التكميل لغيره وبدأ بالأقرب إليه وهو ابنه وبدأ ~~في وعظه بالأهم وهو المنع من الشرك وهو قوله يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم لأن التسوية بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها ظلم عظيم ~~لأنه وضع العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل ووصينا الإنسان بوالديه حملته ~~أمه وهنا على وهن قال ابن عباس شدة بعد شدة وقيل إن المرأة إذا حملت توالى ~~عليها الضعف والتعب والمشقة وذلك لأن الحمل ضعف والطلق ضعف والوضع ضعف ~~والرضاعة ضعف وفصاله في عامين أي فطامه في سنتين أن اشكر لي ولوالديك إلي ~~المصير لما جعل الله بفضله للوالدين صورة التربية الظاهرة وهو الموجد ~~والمربي في الحقيقة جعل الشكر بينهما فقال اشكر لي ولوالديك ثم فرق فقال ~~إلي المصير يعني أن نعمتهما مختصة بالدنيا ونعمتي عليك في الدنيا والآخرة ~~وقيل لما أمر بشكره وشكر الوالدين قال الجزاء علي وقت المصير إلي، قال ~~سفيان بن عيينة في هذه الآية من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا ~~للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين وإن جاهداك على أن تشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما قال النخعي: يعني أن طاعتهما واجبة فان ~~أفضى ذلك إلى الإشراك بي فلا تطعهما في ذلك لأن لا طاعة للمخلوق في معصية ~~الخالق وصاحبهما في الدنيا معروفا أي بالمعروف وهو البر والصلة والعشرة ~~الجميلة واتبع سبيل من أناب إلي أي اتبع دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقيل من أناب إلي يعني أبا بكر الصديق قال ابن ~~عباس: # وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد ~~الرحمن بن عوف وقالوا له قد صدقت هذا الرجل وآمنت به قال نعم إنه صادق ~~فآمنوا به ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا فهؤلاء ms2779 لهم ~~سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون. # ### || [سورة لقمان (31): الآيات 16 الى 20] # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) ~~واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) ألم تروا أن ~~الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ~~ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20) # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه يا أبت ~~إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ قال يا بني إنها أي ~~الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل أي في الصغر فتكن أي مع صغرها في صخرة قال ~~ابن عباس: صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار وخضرة ~~السماء منها وقيل خلق الله الأرض على حوت وهو النون والحوت في الماء والماء ~~على ظهر صفاة # PageV03P398 # والصفاة على ظهر ملك وقيل على ظهر ثور وهو على صخرة وهي التي ذكر لقمان ~~ليست في الأرض ولا في السماء فلذلك قال أو في السماوات أو في الأرض والصخرة ~~على متن الريح والريح على القدرة يأت بها الله معناه الله عالم بها قادر ~~على استخراجها وهو قوله إن الله لطيف أي باستخراجها خبير أي بمكانها ومعنى ~~الآية الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها قيل إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها ~~لقمان فانشقت مرارته من هيبتها وعظمتها فمات يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك من الأذى إن ذلك من عزم الأمور ~~يعني إقامة الصلاة والأمر بالمعروف ms2780 والنهي عن المنكر واصبر على ما أصابك من ~~الأذى إن ذلك من عزم الأمور يعني إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والصبر على الأذى من الأمور الواجبة التي أمر الله بها ولا تصعر ~~وقرئ تصاعر خدك للناس قال ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك ~~إذا كلموك وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه محبة فيلقاك فتعرض عنه وقيل هو ~~الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرا وقيل معناه لا تحتقر الفقراء فليكن ~~الفقير والغني عندك سواء ولا تمش في الأرض مرحا أي خيلاء إن الله لا يحب كل ~~مختال في مشيه فخور أي على الناس واقصد في مشيك أي ليكن في مشيتك قصد بين ~~الإسراع والتأني أما الإسراع فهو من الخيلاء وأما التأني فهو أن يرى في ~~نفسه الضعف تزهدا وكلا الطرفين مذموم بل ليكن مشيك بين السكينة والوقار ~~واغضض أي اخفض وقيل وانقص من صوتك إن أنكر أي أقبح الأصوات لصوت الحمير لأن ~~أوله زفير وآخره شهيق وهما صوت أهل النار وعن الثوري في هذه الآية قال صياح ~~كل شيء تسبيح إلا الحمار وقيل معنى الآية هو العطسة القبيحة المنكرة قال ~~وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم ~~وقضاياهم ومن حكمته قيل: إنه كان عبدا حبشيا فدفع إليه مولاه شاة وقال له: ~~اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه أخرى ~~وقال له اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه ~~فقال ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقال لقمان ليس ~~مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وقيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن ~~يراه الناس مسيئا. قوله عز وجل ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض وأسبغ أي أتم وأكمل عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال ابن عباس ~~النعمة الظاهرة الإسلام والقرآن والباطنة ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل ~~عليكم بالنقمة ms2781 وقيل الظاهرة تسوية الأعضاء وحسن الصورة والباطنة الاعتقاد ~~بالقلب وقيل الظاهرة الرزق والباطنة حسن الخلق وقيل الظاهرة تخفيف الشرائع ~~والباطنة الشفاعة وقيل الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة ~~الإمداد بالملائكة وقيل الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأمية بن خلف ~~وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير. # ### || [سورة لقمان (31): الآيات 21 الى 32] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) ~~نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) # لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن ~~الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ~~(28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) # ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # PageV03P399 # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~قال الله تعالى أولو كان الشيطان يدعوهم معناه ms2782 أفيتبعونهم وإن كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير قوله عز وجل ومن يسلم وجهه إلى الله أي يخلص لله ~~دينه ويفوض إليه أمره وهو محسن أي في عمله فقد استمسك بالعروة الوثقى أي ~~اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخلف عهده ولا يخاف انقطاعه ويرتقي بسببه إلى ~~أعلى المراتب والغايات وإلى الله عاقبة الأمور أي مصير جميع الأشياء إليه ~~ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات ~~الصدور أي لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم. قوله تعالى نمتعهم قليلا أي نمهلهم ~~ليتمتعوا بنعيم الدنيا إلى انقضاء آجالهم ثم نضطرهم أي نلجئهم ونردهم إلى ~~عذاب غليظ إلي النار في الآخرة ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله ~~هو الغني الحميد تقدم تفسيره. قوله تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~قال المفسرون لما نزلت بمكة ويسئلونك عن الروح الآية وهاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود وقالوا يا محمد بلغنا أنك ~~تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أتعنينا أم قومك فقال عليه الصلاة ~~والسلام كلا قد عنيت قالوا ألست تتلو فيما جاءك أنا أوتينا التوراة فيها ~~علم كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي في علم الله قليل وقد ~~أتاكم الله بما إن علمتم به انتفعتم به قالوا كيف تزعم هذا وأنت تقول ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فكيف يجتمع علم قليل مع خير كثير فأنزل ~~الله هذه الآية فعلى هذا تكون هذه الآية مدنية وقيل إن اليهود أمروا وفد ~~قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بمكة وقيل ~~إن المشركين قالوا إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فأنزل ~~الله تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام أي بريت أقلاما وقيل بعدد كل ~~شجرة قلم والبحر يمده أي يزيده ms2783 وينصب إليه من بعده سبعة أبحر أي مدادا ~~والخلائق يكتبون به كلام الله ما نفدت كلمات الله لأنها لا نهاية لها إن ~~الله عزيز حكيم. # قوله تعالى ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أي إلا كخلق نفس واحدة ~~وبعثها لا يتعذر عليه شيء إن الله سميع أي لأقوالكم بصير بأعمالكم ألم تر ~~أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق يعني ذلك ~~الذي هو قادر على هذه الأشياء التي ذكرت هو الحق المستحق للعبادة وأن ما ~~يدعون من دونه الباطل يعني لا يستحق العبادة وأن الله هو العلي يعني في ~~صفاته له الصفات العليا والأسماء الحسنى الكبير في ذاته أنه أكبر من كل ~~كبير. قوله تعالى ألم تر أن الفلك يعني السفن والمراكب تجري في البحر بنعمت ~~الله يعني ذلك من نعمة الله عليكم ليريكم من آياته يعني من عجائب صنائعه إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار يعين على ما أمر الله شكور لإنعامه وإذا غشيهم موج ~~كالظلل يعني كالجبال وقيل كالسحاب شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها دعوا ~~الله مخلصين له الدين معناه أن الإنسان إذا وقع في شدة ابتهل إلى الله ~~بالدعاء وترك كل من عداه ونسي جميع ما سواه فإذا نجا من تلك الشدة فمنهم من ~~يبقى على تلك الحالة وهو المقتصد وهو قوله تعالى فلما نجاهم إلى البر فمنهم ~~مقتصد يعني عدل موف في البر بما عاهد عليه الله في البحر من التوحيد ~~والثبوت # PageV03P400 # على الإيمان وقيل نزلت في عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه هرب عام الفتح إلى ~~البحر فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولأضعن يده في يدي فسكت الريح ورجع عكرمة إلى مكة وأسلم ~~وحسن إسلامه ومنهم من لم يوف بما عاهد وهو المراد بقوله وما يجحد بآياتنا ~~إلا كل ختار ms2784 يعني غدار كفور يعني جحود لأنعمنا عليه. قوله تعالى: ### || [سورة لقمان (31): الآيات 33 الى 34] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) # يا أيها الناس اتقوا ربكم يعني خافوا ربكم واخشوا يعني وخافوا يوما لا ~~يجزي يعني لا يقضي ولا يغني والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ~~قيل معنى الآية إن الله ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد ~~والولد فنبه بالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى فالوالد يجزي عن ولده ~~لكمال شفقته عليه والولد يجزي عن والده لما له من حق التربية وغيرها فإذا ~~كان يوم القيامة فكل إنسان يقول نفسي ولا يهتم بقريب ولا بعيد كما قال ابن ~~عباس كل امرئ تهمه نفسه إن وعد الله حق # قيل إنه تحقيق اليوم معناه اخشوا يوما هذا شأنه وهو كائن بوعد الله به ~~ووعده حق وقيل الآية تحقيق بعدم الجزاء يعني لا يجزي والد عن ولده في ذلك ~~اليوم والقول الأول أحسن وأظهر فلا تغرنكم الحياة الدنيا يعني لأنها فانية ~~ولا يغرنكم بالله الغرور يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير يعمل بالمعاصي ~~ويتمنى المغفرة. قوله تعالى إن الله عنده علم الساعة الآية نزلت في الحارث ~~بن عمرو بن حارثة بن حفصة من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله عن الساعة ووقتها وقال إن أرضنا أجدبت فقل لي متى ينزل الغيث وتركت ~~امرأتي حبلى فمتى تلد ولقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت فأنزل الله هذه ~~الآية (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب ~~خمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ms2785 وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير» ومعنى الآية ~~إن الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ~~أو أي شهر أو أي يوم ليلا أو نهارا وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل ~~الغيث ليلا أو نهارا إلا الله ويعلم ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم ~~أسود تام الخلقة أم ناقص وما تدري نفس ماذا تكسب غدا من خير أو شر وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت يعني ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض في بر أو ~~بحر في سهل أو جبل إن الله عليم يعني بهذه الأشياء وبغيرها خبير أي ببواطن ~~الأشياء كلها ليس علمه محيطا بالظاهر فقط بل علمه محيط بالظاهر والباطن قال ~~ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى فمن ادعى أنه يعلم ~~شيئا من هذه فإنه كفر بالقرآن لأنه خالفه والله تعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. # PageV03P401 ### | سورة السجدة # وهي مكية قال عطاء إلا ثلاث آيات من قوله أفمن كان مؤمنا وهي تسع وعشرون ~~آية وقيل ثلاثون آية وثلاثمائة وثمانون كلمة وألف وخمسمائة وثمانية عشر ~~حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة السجده (32): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) # قوله عز وجل الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه يعني لا شك في أنه من رب ~~العالمين أم يقولون يعني بل يقولون يعني المشركين افتراه يعني اختلقه محمد ~~صلى الله عليه وسلم من ms2786 تلقاء نفسه بل هو الحق يعني القرآن من ربك لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك يعني العرب كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك في ~~الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. فإن قلت إذا لم يأتهم ~~رسول لم تقم عليهم حجة. قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها ~~إلا من جهة الرسل فلا وأما قيام الحجة بمعرفة الله وتوحيده فنعم لأن معهم ~~أدلة العقل الموصلة إلى ذلك في كل زمان لعلهم يهتدون يعني تنذرهم راجيا ~~اهتداءهم الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون تقدم تفسيره. قوله ~~تعالى يدبر الأمر يعني يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر وقيل ينزل الوحي مع ~~جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض ثم يعرج يعني يصعد إليه جبريل ~~بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون يعني مسافة ما بين السماء ~~والأرض خمسمائة سنة فيكون مقدار نزوله إلى الأرض ثم صعوده إلى السماء في ~~مقدار ألف سنة لو ساره أحد من بني آدم وجبريل ينزل ويصعد في مقدار يوم من ~~أيام الدنيا وأقل من ذلك وكذلك الملائكة كلهم أجمعون وقيل معنى الآية أنه ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج إليه أي يرجع ~~الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا وانقطاع أمر الآمر وحكم الحاكم في يوم ~~كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة. فإن قلت قد قال في موضع آخر: تعرج ~~الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فكيف الجمع بينهما. ~~قلت أراد بقوله خمسين ألف سنة مدة المسافة بين الأرض وسدرة المنتهى التي هي ~~مقام جبريل عليه السلام يقول يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه ~~مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وقيل كلها ms2787 في القيامة ~~فيكون على بعضهم مثل ألف سنة وعلى بعضهم خمسين ألف سنة وهذا في حال الكفار ~~وأما على المؤمنين فدون ذلك كما جاء في # PageV03P402 # الحديث: «إنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا». قال ~~إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمنين إلا كما يكون ما بين الظهر والعصر ~~وقيل يحتمل أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته وقال ابن أبي مليكة: ~~دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن ~~هذه الآية وعن مقدار خمسين ألف سنة. فقال ابن عباس: رضي الله عنهما أيام ~~سماها الله تعالى لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. # ### || [سورة السجده (32): الآيات 6 الى 14] # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا ~~أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا ~~موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم ~~وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) # ذلك عالم الغيب والشهادة يعني الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض هو ~~عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عن خلقه لا تخفى عليه خافية والشهادة بمعنى ~~ما حضر وظهر العزيز أي الممتنع المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه وأهل ~~طاعته. قوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه قال ابن عباس أتقنه وأحكمه وقيل ~~علم كيف يخلق كل شيء وقيل خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة ~~البعض فكل حيوان كامل في صورته ms2788 حسن في شكله وكل عضو من أعضائه مقدر على ما ~~يصلح به معاشه وقيل معناه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه وعلمهم إياه. وقيل ~~معناه أحسن إلى كل خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين يعني آدم ثم جعل نسله يعني ~~ذريته من سلالة أي من نطفة تنسل من الإنسان من ماء مهين أي ضعيف ثم سواه أي ~~سوى خلقه ونفخ فيه من روحه أضاف إليه الروح إضافة تشريف كبيت الله وناقة ~~الله ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد فقال وجعل لكم أي خلق بعد أن ~~كنتم نطفا مواتا السمع والأبصار والأفئدة قيل قدم السمع لأن الإنسان يسمع ~~أولا كلاما فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه في ذلك الكلام ليفهم ~~معناه ووحد السمع لأن الإنسان يسمع الكلام من أي جهة كان قليلا ما تشكرون ~~يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعمة فتوحدوه إلا قليلا. قوله تعالى وقالوا ~~يعني منكري البعث أإذا ضللنا هلكنا في الأرض والمعنى صرنا ترابا أإنا لفي ~~خلق جديد استفهام إنكاري قال الله تعالى: بل هم بلقاء ربهم كافرون أي ~~بالبعث بعد الموت قل يتوفاكم أي يقبض أرواحكم حتى لا يبقى أحد ممن كتب عليه ~~الموت ملك الموت وهو عزرائيل عليه السلام الذي وكل بكم أي أنه لا يغفل عنكم ~~وإذا جاء أجل أحدكم لا يؤخر ساعة ولا شغل له إلا ذلك. روي أن ملك الموت ~~جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو ~~يقبض أرواح الخلائق من مشارق الأرض ومغاربها وله أعوان من الملائكة ملائكة ~~الرحمة وملائكة العذاب. # وقال ابن عباس إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: ~~جعلت له الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، وقيل إن ملك الموت على ~~معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح الإنسان، فإذا بلغ ثغرة نحره ~~قبضه ملك الموت. عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين ~~المشرق والمغرب، # PageV03P403 # وهو يتصفح وجوه ms2789 الناس فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم ~~مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له الآن ~~تنزل بك سكرات الموت. وقوله ثم إلى ربكم ترجعون أي تصيرون إلى ربكم أحياء ~~فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل ولو ترى إذ المجرمون أي المشركون ناكسوا ~~رؤسهم عند ربهم أي يطأطئونها حياء من ربهم وندما على ما فعلوا عند ربهم ~~يقولون ربنا أبصرنا أي ما كنا به مكذبين وسمعنا يعني منك تصديق ما أتتنا به ~~رسلك وقيل أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فيها فارجعنا أي فارددنا إلى ~~الدنيا نعمل صالحا إنا موقنون أي في الحال آمنا ولكن لا ينفع ذلك الإيمان ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها أي رشدها وتوفيقها للإيمان ولكن حق القول مني ~~أي وجب القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من كفار الجن ~~والإنس فذوقوا يعني فإذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة ذوقوا بما نسيتم لقاء ~~يومكم أي تركتم الإيمان في الدنيا هذا إنا نسيناكم يعني تركناكم بالكلية ~~غير ملتفت إليكم كما يفعل بالناس قطعا لرجائكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون أي من الكفر والتكذيب. قوله تعالى: # ### || [سورة السجده (32): الآيات 15 الى 16] # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16) # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها أي وعظوا بها خروا سجدا يعني ~~سقطوا على وجوههم ساجدين وسبحوا بحمد ربهم يعني صلوا بأمر ربهم وقيل قالوا ~~سبحان الله وبحمده وهم لا يستكبرون يعني عن الإيمان به والسجود له (ق) عن ~~ابن عمر قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة التي فيها ~~السجدة فيسجد ويسجدون حتى ما يجد أحدنا مكانا لوضع جبهته في غير وقت ~~الصلاة». (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قرأ ~~ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان ms2790 يبكي ويقول يا ويلنا أمر ابن آدم ~~بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار». وهذه من عزائم ~~سجود القرآن فتسن للقارئ وللمستمع. قوله تعالى تتجافى جنوبهم يعني ترتفع ~~وتنبو عن المضاجع جمع مضجع وهو الموضع الذي يضطجع عليه يعني الفرش، وهم ~~المتهجدون بالليل الذي يقيمون الصلاة، وقال أنس نزلت فينا معاشر الأنصار ~~كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. عن أنس في قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع نزلت في انتظار ~~الصلاة التي تدعى العتمة أخرجه الترمذي وقال الحديث حسن غريب صحيح. وفي ~~رواية أبي داود عنه قال كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء أي يصلون، وهو ~~قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر وقيل هي صلاة الأوابين. # روي عن ابن عباس قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء ~~وهي صلاة الأوابين وقال عطاء: # هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الأخيرة والفجر في جماعة بدليل قوله ~~صلى الله عليه وسلم «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى ~~الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» أخرجه مسلم من حديث عثمان بن عفان. ~~(ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لو ~~يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا». وأشهر الأقاويل أن المراد ~~منه صلاة الليل وهو قول الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وجماعة. # فصل: في فضل قيام الليل والحث عليه # عن معاذ بن جبل قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت ~~يوما قريبا منه وهو يسير، فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ~~ويباعدني من النار. قال: «سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى ~~عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ~~وتحج البيت، ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ ~~الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ ms2791 تتجافى جنوبهم عن # PageV03P404 # المضاجع # حتى بلغ جزاء بما كانوا يعملون، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده ~~وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله. قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامة الجهاد، ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله ~~قال فأخذ بلسانه وقال اكفف عليك هذا. فقلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما ~~نتكلم فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال ~~على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» أخرجه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين ~~قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير السيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة الداء عن ~~الجسد» أخرجه الترمذي. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«عجب ربنا من رجلين رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين جنبيه وأهله إلى صلاته ~~فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين ~~جنبيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل ~~الله وانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع فرجع حتى ~~أهريق دمه. فيقول الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ~~وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه أخرجه الترمذي بمعناه (م) عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الصيام بعد شهر رمضان ~~شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». (ق) عن عائشة قالت ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تورمت قدماه فقلت لم ~~تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون ~~عبدا شكورا». عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة ~~غرفا يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها أعدها الله لمن ألان الكلام ~~وأطعم الطعام وتابع ms2792 الصيام وصلى بالليل والناس نيام». أخرجه الترمذي. (خ) ~~عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه في قصة يذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول «إن أخا لكم لا يقول الرفث يعني بذلك ابن رواحة ~~قال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات ما إذا قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع» # أخرجه البخاري وليس للهيثم بن سنان. عن أبي هريرة في الصحيحين غير هذا ~~الحديث. وقوله تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا قال ابن عباس خوفا من النار ~~وطمعا في الجنة ومما رزقناهم ينفقون قيل أراد به الصدقة المفروضة وقيل بل ~~هو عام في الواجب والتطوع. قوله عز وجل: # ### || [سورة السجده (32): الآيات 17 الى 26] # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ~~لعلهم يرجعون (21) # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ~~ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل ~~(23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) ~~إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد ~~لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون (26) # PageV03P405 # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين أي مما تقربه أعينهم فلا يلتفتون ~~إلى غيره قال ابن عباس هذا مما لا تفسير له وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى الله ~~ثوابهم جزاء بما كانوا يعملون أي من الطاعات في دار الدنيا (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله ms2793 عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يقول الله تبارك ~~وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر واقرءوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين». قوله تعالى ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون نزلت في علي بن أبي طالب والوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط، كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي ~~اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وإني أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا وأشجع منك ~~جنانا وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال له علي اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله ~~هذه الآية وقوله لا يستوون أراد جنس المؤمنين وجنس الفاسقين ولم يرد مؤمنا ~~واحدا ولا فاسقا واحدا أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ~~أي التي يأوي إليها المؤمنون نزلا هو ما يهيأ للضيف عند نزوله بما كانوا ~~يعملون يعني من الطاعات في دار الدنيا وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون. # قوله تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر أي سوى العذاب ~~الأكبر، قال ابن عباس العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها، وعنه أنه ~~الحدود وقيل هو الجوع بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب سبع سنين، وقال ~~ابن مسعود هو القتل بالسيف يوم بدر والأكبر هو عذاب جهنم لعلهم يرجعون أي ~~إلى الإيمان يعني من بقي منهم بعد القحط وبعد بدر ومن أظلم أي لا أحد أظلم ~~ممن ذكر بآيات ربه أي بدلائل وحدانيته وإنعامه عليه ثم أعرض عنها أي ترك ~~الإيمان بها إنا من المجرمين يعني المشركين منتقمون معناه أنهم لما لم ~~يرجعوا بالعذاب الأدنى فانا منهم منتقمون بالعذاب الأكبر. قوله تعالى ولقد ~~آتينا موسى الكتاب أي التوراة فلا تكن في مرية أي في شك من لقائه أي من ~~لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس (ق) عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه ms2794 وسلم قال «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال ~~شنوءة ورأيت عيسى رجلا موبوعا مربوع الخلق إلى الحمرة وإلى البياض سبط ~~الشعر، ورأيت مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه فلا تكن ~~في مرية من لقائه (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أتيت ~~على موسى ليلة المعراج ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في ~~قبره». فإن قلت قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة عند ~~مراجعته في الصلوات فكيف الجمع بين هذين الحديثين. قلت يحتمل أن تكون رؤيته ~~في قبره عند الكثيب الأحمر، كان قبل صعوده إلى السماء وذلك في طريقه إلى ~~بيت المقدس، ثم لما صعد إلى السماء السادسة وجده هناك قد سبقه لما يريد ~~الله عز وجل وهو على كل شيء قدير. فإن قلت كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ~~ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة وليست دار عمل، وكذلك رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم جماعة من الأنبياء وهم يحجون فما الجواب عن هذا؟ قلت ~~يجاب عنه بأجوبة أحدها: أن الأنبياء كالشهداء بل هم أفضل منهم والشهداء ~~أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث وأن ~~يتقربوا إلى الله بما استطاعوا وإن كانوا قد ماتوا لأنهم بمنزلة الأحياء في ~~هذه الدار التي هي دار العمل، إلى أن تفنى ثم يرحلون إلى دار الجزاء التي ~~هي الجنة. الجواب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم الذي كانوا ~~عليه في حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث: ~~أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع، ~~قال الله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وقال صلى الله ~~عليه وسلم «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» فالعبد يعبد ربه في الجنة ~~أكثر مما كان يعبده في الدنيا وكيف لا يكون ذلك وقد ms2795 صار حاله مثل حال ~~الملائكة الذين قال الله في حقهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، غاية ما ~~في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي على مقتضى الطبع والله أعلم، ~~وقيل في قوله فلا تكن في مرية # PageV03P406 # من لقائه # أي من تلقى موسى كتاب الله بالرضا والقبول وجعلناه أي الكتاب هدى لبني ~~إسرائيل وجعلنا منهم أي من بني إسرائيل أئمة أي قادة للخير يقتدى بهم وهم ~~الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل وقيل هم أتباع الأنبياء يهدون بأمرنا ~~يعني يدعون الناس إلى طاعتنا لما صبروا يعني على دينهم وعلى البلاء من ~~عدوهم بمصر وكانوا بآياتنا يوقنون يعني أنها من الله تعالى إن ربك هو يفصل ~~أي يقضي ويحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون قيل هم الأنبياء ~~وأممهم وقيل هم المؤمنون والمشركون قوله تعالى أولم يهد لهم أي نبين لهم كم ~~أهلكنا يعني كثرة من أهلكنا من قبلهم من القرون يعني الأمم الخالية يمشون ~~في مساكنهم يعني أهل مكة يسيرون في بلادهم ومنازلهم إذا سافروا إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون يعني آيات الله ومواعظه فيتعظون بها. قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32): الآيات 27 الى 30] # أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ~~(28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض ~~عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز أي الأرض اليابسة الغليظة التي ~~لا نبات فيها قال ابن عباس هي أرض باليمن وقيل هي أبين فنخرج به أي بذلك ~~الماء زرعا تأكل منه أنعامهم يعني العشب والتبن وأنفسهم أي من الحبوب ~~والأقوات أفلا يبصرون يعني فيعتبروا. قوله تعالى ويقولون متى هذا الفتح إن ~~كنتم صادقين قيل أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم والقضاء بين ~~العباد، وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للكفار إن لنا يوما ~~ننعم فيه ونستريح ms2796 ويحكم فيه بيننا وبينكم. فقال الكفار استهزاء متى هذا ~~الفتح أي القضاء والحكم، وقيل هو فتح مكة وقيل يوم بدر، وذلك أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار إن الله ناصرنا ومظهرنا ~~عليكم فيقولون متى هذا الفتح قل يوم الفتح يعني يوم القيامة لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم يعني لا يقبل منهم الإيمان ومن حمل يوم الفتح على فتح مكة أو ~~القتل يوم بدر، قال معناهم لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم العذاب ~~وقتلوا ولا هم ينظرون يعني يمهلون ليتوبوا ويعتذروا فأعرض عنهم قال ابن ~~عباس نسختها آية السيف وانتظر يعني موعدي لك بالنصر عليهم إنهم منتظرون أي ~~بك حوادث الزمان وقيل معناه انتظر عذابنا إياهم فهم منتظرون ذلك. (ق) عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الفجر يوم الجمعة الم تنزيل الكتاب وهل أتى على الإنسان». عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل الكتاب وتبارك الذي ~~بيده الملك» أخرجه الترمذي. وقال طاوس تفضلان عن كل سورة في القرآن بسبعين ~~حسنة أخرجه الترمذي. والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P407 ### | سورة الأحزاب # مدنية وهي ثلاث وسبعون آية وألف ومائتان وثمانون كلمة وخمسون آلاف ~~وسبعمائة وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) # قوله عز وجل يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين نزلت في ~~أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي، ~~وذلك ms2797 أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين ~~بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ~~فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، ~~وقل إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال عمر يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال إني أعطيتهم الأمان. ~~فقال عمر اخرجوا في لعنة الله وغضبه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن ~~يخرجهم من المدينة. فأنزل الله تعالى يا أيها النبي اتق الله أي دم على ~~التقوى وقيل معناه اتق الله ولا تنقض العهد بينك وبينهم وقيل الخطاب مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ولا تطع الكافرين يعني من أهل ~~مكة يعني أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين يعني من أهل المدينة عبد ~~الله بن أبي وعبد الله بن سعد وطعمة إن الله كان عليما أي بخلقه قبل أن ~~يخلقهم حكيما أي فيما دبره لهم واتبع ما يوحى إليك من ربك يعني من وفاء ~~العهد وترك طاعة الكافرين والمنافقين إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل ~~على الله أي ثق بالله وكل أمرك إليه وكفى بالله وكيلا يعني حافظا لك وقيل ~~كفيلا برزقك. قوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه نزلت في أبي ~~معمر جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع فقالت قريش ما ~~حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول إن لي قلبين أعقل بكل ~~واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو ~~معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له يا ~~أبا معمر ما حال الناس. فقال انهزموا فقال له فما بال إحدى نعليك في يدك ~~والأخرى في ms2798 رجلك. فقال أبو معمر ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعلموا يومئذ ~~أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وعن أبي ظبيان قال: قلنا لابن ~~عباس أرأيت قول الله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ما عنى بذلك؟ قال ~~«قام نبي الله صلى الله عليه وسلم يوما يصلي # PageV03P408 # فخطر خطرة. فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترون أن له قلبين قلبا ~~معكم وقلبا معهم فأنزل الله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه «أخرجه ~~الترمذي. وقال حديث حسن قوله خطر خطرة يريد الوسوسة التي تحصل للإنسان في ~~صلاة. قيل في معنى الآية أنه لما قال الله تعالى يا أيها النبي اتق الله ~~فكان ذلك أمرا بالتقوى. فكأنه قال ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير ~~الله، فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي الله بأحدهما وبالآخر غيره، وقيل إن ~~هذا مثل ضربه الله تعالى للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، فكما لا ~~يكون لرجل قلبان لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما ما يفعل بالآخر من أفعال ~~القلوب، فالآخر فضله عليه محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا ما لا يفعل بذاك، ~~فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها عالما جاهلا موقنا شاكا في ~~حالة واحدة، وهما حالتان متنافيتان فكذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى ~~يكون له أمان ولا يكون ولد واحد ابن رجلين. # قوله تعالى وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وصورة الظهار أن ~~يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، يقول الله وما جعل نساءكم التي ~~تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكم منكر وزور وفيه كفارة، ~~وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في سورة المجادلة. قوله تعالى وما جعل ~~أدعياءكم يعني الذين تتبنونهم أبناءكم وفيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل كان ~~في الجاهلية يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه الناس ويرث ~~ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ms2799 ~~وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون ~~تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية ونسخ بها ~~التبني ذلكم قولكم بأفواهكم أي لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد وادعاء ~~النسب لا حقيقة له والله يقول الحق يعني قوله الحق وهو يهدي السبيل يعني ~~يرشد إلى سبيل الحق. # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 5 الى 6] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # ادعوهم لآبائهم يعني الذين ولدوهم فقولوا زيد بن حارثة هو أقسط عند الله ~~يعني أعدل عند الله (ق) عن ابن عمر قال: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل ادعوهم لآبائهم ~~هو أقسط عند الله الآية فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين يعني فهم ~~إخوانكم ومواليكم أي كانوا محررين وليسوا ببنيكم أي فسموهم بأسماء إخوانكم ~~في الدين، وقيل معنى مواليكم أولياؤكم في الدين وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به أي قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه ولكن ما تعمدت قلوبكم أي من ~~دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي وقيل فيما أخطأتم به أن تدعوه إلى غير ~~أبيه وهو يظن أنه كذلك وكان الله غفورا رحيما. (ق) عن سعد بن أبي وقاص وأبي ~~بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ~~غير أبيه فالجنة عليه حرام» قوله عز وجل النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه، ms2800 عليهم ووجوب طاعته وقال ابن عباس إذا ~~دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح لأن أنفسهم تدعوهم إلى ~~ما فيه هلاكهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، ~~وقيل هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقيل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم نذهب فنستأذن من آبائنا ~~وأمهاتنا، فنزلت الآية. (ق) عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال «ما من # PageV03P409 # مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، واقرءوا إن شئتم النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا ومن ~~ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه». عصبة الميت من يرثه سوى من له فرض ~~مقدر وقوله أو ضياعا أي عيالا وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا، وإن كسرت الضاد ~~كان جمع ضائع. # قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم ~~نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما ~~في حق الأجانب ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن ~~هن أخوال المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعي تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر ~~وهي أخت عائشة أم المؤمنين ولم يقل هي خالة المؤمنين، وقيل إن أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم كن أمهات المؤمنين والمؤمنات الرجال والنساء وقيل كن ~~أمهات الرجال دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا ~~أمه. فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم. فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما ~~هو تحريم نكاحهن وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض يعني في الميراث قيل كان ~~المسلمون يتوارثون بالهجرة، وقيل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~الناس فكان يؤاخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى ~~نزلت وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ms2801 وقيل في معنى الآية لا توارث بين ~~المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر في كتاب الله أي في حكم الله ~~من المؤمنين الذين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم والمهاجرين يعني ~~أن ذوي القرابات أولى بعضهم ببعض فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة ~~والهجرة وصارت الموارثة بينهم بالقرابة إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ~~يعني الوصية للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله تعالى لما نسخ ~~التوارث بالخلف والإخاء والهجرة، أباح أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ~~ماله، وقيل أراد بالمعروف النصر وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة، وقيل ~~معناه إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة ~~كان ذلك أي الذي ذكر من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الكتاب أي في ~~اللوح المحفوظ وقيل في التوراة مسطورا أي مكتوبا مثبتا. قوله تعالى: ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 7 الى 9] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم ~~بعضا ويبشر بعضهم ببعض، وقيل على أن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته ~~وينصحوا لقومهم ومنك يعني يا محمد ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو ~~العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر تشريفا له ~~وتفضيلا. ولما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث». قال قتادة وذلك ~~قول الله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح فبدأ به صلى الله عليه ~~وسلم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي عهدا شديدا على ms2802 الوفاء بما حملوا من ~~تبليغ الرسالة ليسئل الصادقين عن صدقهم يعني أخذ ميثاقهم لكي يسأل الصادقين ~~يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه سبحانه وتعالى ~~صادقون تبكيت من أرسلوا إليهم وقيل ليسأل الصادقين عن صدقهم عن عملهم لله ~~عز وجل وقيل ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم وذلك ~~حين حوصر المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أيام الخندق إذ ~~جاءتكم جنود يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير فأرسلنا # PageV03P410 # عليهم ريحا # يعني الصبا قال عكرمة قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل. فكانت ~~الريح التي أرسلت عليهم الصبا (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور». وقيل الصبا ريح فيها ~~روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه. قوله تعالى وجنودا لم تروها يعني ~~الملائكة، ولم تقاتل ملائكة يومئذ فبعث الله عز وجل تلك الليلة ريحا باردة ~~فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت ~~الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل ~~حي يقول يا بني فلان النجاء النجاء هلموا إلي فإذا اجتمعوا عنده قال النجاء ~~النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث الله عليهم من الرعب وكان الله بما ~~تعملون بصيرا. # ذكر غزوة الخندق وهي الأحزاب # قال: البخاري قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع من الهجرة. وروى ~~محمد بن إسحاق عن مشايخه قال: دخل حديث بعضهم في بعض أن نفرا من اليهود ~~منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهو ~~ابن قيس وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم ~~الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2803 خرجوا حتى قدموا على ~~قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون ~~معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب ~~الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا ~~دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال الله تعالى فيهم ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت إلى قوله وكفى ~~بجهنم سعيرا. قال فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم ~~إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاجتمعوا على ذلك ثم خرج أولئك ~~النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان وقيسا وغيلان فاجتمعوا على ذلك وأخبروهم ~~أنهم سيكونون معهم عليه، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم وخرجت قريش ~~وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن ~~بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن ~~رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، ~~وكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي ~~وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر. ~~فقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا ضربنا خندقا علينا، فعمل فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه. وروي «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خط الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا ~~فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا فقال ~~المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~سلمان منا أهل البيت». # قال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من ~~الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا، حتى ms2804 إذا كنا تحت أخرج الله من بطن الخندق ~~صخرة مروة حتى كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل ~~قريب وإما أن يأمرنا فيها أمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال فرقي سلمان ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال يا رسول ~~الله خرجت لنا صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ~~ما يجيبنا منها شيء قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز ~~خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان إلى الخندق واستند على شق ~~الخندق وأخذ عليه الصلاة والسلام المعول من سلمان وضربها به ضربة صدعها ~~وبرق منها برق # PageV03P411 # أضاء ما بين لابتيها يعني المدينة، حتى كأنه مصباح في جوف بيت مظلم فكبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه، ثم ضربها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق حتى أضاء ما بين لابتيها ~~حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير ~~فتح وكبر المسلمون معه ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها وبرق ~~منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه وأخذ بيد سلمان ورقي ~~فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم وقال: أرأيتم ما يقول سلمان قالوا ~~نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق البرق الذي رأيتم فأضاء لي ~~منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ~~ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور ~~قيصر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب ms2805 فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ~~ثم ضربت الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب ~~الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون ~~وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون ألا ~~تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب قصور الحيرة ومدائن ~~كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن ~~تبرزوا قال: فنزل القرآن: # وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا. وأنزل الله: قل اللهم مالك الملك الآية (ق) عن أنس قال «خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في ~~غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب ~~والجوع قال «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة» فقالوا ~~مجيبين له: # نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا # عن البراء بن عازب قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب ~~وهو يقول: # والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا # والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا # ويرفع بها صوته. «وفي رواية قد وارى التراب بياض إبطيه» رجعنا إلى حديث ~~ابن إسحاق قال «فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت ~~قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من دومة من الجرف والغابة في عشرة آلاف من ~~أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من ~~أهل نجد حتى نزلوا بذنب نعمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون معه حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، ~~فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فرفعوا ~~إلى الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد ~~القرظي صاحب عقد بني قريظة وكان ms2806 قد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع صوت ابن أخطب أغلق دونه حصته فاستأذن عليه ~~فأبى أن يفتح له، فناداه حيي يا كعب افتح لنا فقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ ~~مشؤوم إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء ~~وصدقا فقال: ويحك افتح أكلمك قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني ~~إلا خوفا أن آكل معك فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ~~وبحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من ~~دومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نعمى إلى جانب أحد قد ~~عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. فقال: له كعب ~~جئتني والله بذل الدهر وبجام قد يهرق ماؤه ويرعد ويبرق ليس فيه شيء دعني ~~ومحمدا وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بن ~~أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه # PageV03P412 # من الله عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في ~~حصنك حتى يصيبني ما أصابك. # فنقض كعب بن أسد العهد وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فلما انتهى الخبر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ~~المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أحد بني عبد ~~الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة وهو يومئذ سيد ~~بني الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير ~~أخو بني عمرو بن عوف. فقال: انطلقوا حتى تنظروا ما بلغنا عن هؤلاء القوم ~~أحق أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس وإن ~~كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا للناس، فخرجوا حتى أتوهم ~~فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ms2807 ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: لا عقد بيننا وبينه ولا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان ~~رجلا عنده حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم ~~أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسلموا وقالوا: عضل والقارة لغدر، عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه. فقال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء ~~واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ~~ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: ~~كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. # وقال: أوس بن قيظي أحد بني حارثة يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو، ~~وذلك على ملأ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من ~~المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون عليها بضعا ~~وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى، ~~فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن ~~حصن وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن ~~يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينهما ~~الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه. فقالا: يا رسول الله أشيء ~~أمرك الله به لا بدلنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا. ~~قال بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن ~~قوس واحدة وكالبوكم من ms2808 كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم. فقال: له سعد بن ~~معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأصنام ~~لا نعبد الله ولا نعرفه ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة واحدة إلا قرى أو ~~بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من ~~حاجة والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من ~~الكتابة ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش عمرو ~~بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزوميان ونوفل بن عبد الله بن ضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن ~~فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم، فمروا على بني كنانة فقالوا تهيؤوا ~~للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى ~~وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم ~~تيمموا مكانا من الخندق ضيقا وضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في ~~السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى ~~أخذوا عليه الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو ~~بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم ~~الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله، قال علي يا عمرو إنك كنت ~~تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما. قال: أجل ~~قال له علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك. ~~قال: # إني أدعوك إلى النزال قال: ولم يا ابن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك. فقال ~~علي: لكني والله أحب أن أقتلك # PageV03P413 # فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم ms2809 عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل علي علي ~~فتناولا وتجاولا فقتله علي وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، ~~وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه ~~سهم فمات بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان اقتحم الخندق ~~فتورط فيه فرموه بالحجارة. فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه ~~علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا في جسدهم وثمنه ~~فشأنكم به فخلى بينهم وبينه قالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن ~~بني حارثة وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، ~~وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت ~~منها ذراعه كلها وفي يده حربة وهو يقول: # لا بأس بالموت إذا حان الأجل # فقالت: له أمه الحق يا بني فقد والله أجزت. قالت عائشة: يا أم سعد والله ~~لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. قالت: ~~فرمي سعد يومئذ بسهم فقطع منه الأكحل رماه خباب بن قيس بن العرقة أحد بني ~~عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة. قال سعد: عرق الله وجهك ~~في النار، ثم قال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها ~~فإنه لا قوم أحب لي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وإن كنت ~~وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني ~~قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قال محمد بن إسحاق: فيما بلغه ~~أن صفية بنت عبد المطلب كانت في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا ~~مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن ~~وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ms2810 ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والمسلمون في نحر عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت، ~~قالت: فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه ~~أن يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد ~~المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت فلما قال لي ذلك ولم أر ~~عنده شيئا اعتجرت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى ~~قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن. فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه ~~لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه حاجة يا بنت عبد المطلب ~~قالوا: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف ~~والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ثم إن نعيم بن مسعود ~~بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني ~~قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فأمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. ~~فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية. فقال ~~لهم: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا صدقت ~~لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم ~~عليه وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ~~ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان أموالهم ~~وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك ~~لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين هذا الرجل والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به، ~~إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ms2811 يكونون ~~بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه، قالوا لقد أشرت ~~برأي ونصح ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال ~~قريش: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا فقد بلغني أمر رأيت حقا على أن ~~أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علي. # قالوا نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين ~~محمد وقد أرسلوا إليه أن قد # PageV03P414 # ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من ~~أشرافهم فنعطيكهم فنضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم. فأرسل إليهم ~~أن نعم. فإن بعث إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم ~~رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي ~~وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت قال فاكتموا علي. قالوا ~~نفعل فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثلما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت ~~من شوال سنة خمس وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو ~~سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان. ~~فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى ~~نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم ~~لا نعمل فيه شيئا. وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم ~~ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكون بأيدينا ~~ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإننا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن ~~تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد، ~~فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان تعلمن والله ~~إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ~~ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا ms2812 فقاتلوا. ~~فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود ~~لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك ~~شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش ~~وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم. وخذل الله عز ~~وجل بينهم وبعث عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم ~~وتطرح آنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من ~~أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. وروى محمد ~~بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وروى غيره عن إبراهيم ~~التيمي عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد ~~الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي. ~~قال: كيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد. قال الفتى والله لو أدركناه ~~ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه وفعلنا معه وفعلنا ~~فقال حذيفة: يا ابن أخي لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال من يذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة ~~فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هونا من الليل ثم ~~التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هونا من الليل ثم التفت إلينا فقال: هل من رجل يقوم فينظر ~~لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من شدة الخوف ~~وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا حذيفة ولم يكن لي بد من القيام حين دعاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: لبيك يا رسول الله، وقمت حتى أتيته فأخذني بيدي ومسح ms2813 رأسي ووجهي ~~ثم قال ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي. ثم ~~قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن ~~تحته. فأخذت سهمي وشددت على أسلابي انطلقت أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام ~~فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله عليهم ريحا وجنودا وجنود الله تفعل بهم ~~ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قال وأبو سفيان قاعد يصطلي ~~فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي # فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا تحدثن حدثا حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل ~~الريح وجنود الله بهم لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال يا معشر ~~قريش ليأخذ كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو؟ # فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟؟ فقال سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن ~~فلان رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار ~~مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ~~ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو ~~معقول فجلس عليه ثم # PageV03P415 # ضربه فوثب على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. وسمعت غطفان بما فعلت ~~قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما سلم أخبرته فضحك حتى بدت ~~أنيابه في سواد الليل، فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفء فأدفأني ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنا مني عند رجليه وألقى علي طرف ثوبه وألصق ~~صدري ببطن قدميه، فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت، قال: قم يا نومان ~~فذلك قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33): آية 10] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) # إذ جاؤكم ms2814 من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المشرق وهم أسد وغطفان وعليهم ~~مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طليحة بن ~~خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود قريظة ومن أسفل منكم يعني من ~~بطن الوادي من قبل المغرب وهم قريش وكنانة عليهم أبو سفيان بن حرب من قريش ~~ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل الخندق وكان الذي جر ~~غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ~~ديارهم وإذ زاغت الأبصار أي مالت وشخصت من الرعب وقيل مالت عن كل شيء فلم ~~تنظر إلى عدوها وبلغت القلوب الحناجر أي زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق ~~من الفزع والحنجرة جوف الحلقوم، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف، ~~وقيل معناه أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته وإذا ~~انتفخت رئته رفعت القلب إلى الحنجرة فلهذا يقال: # للجبان انتفخ سحره وتظنون بالله الظنونا أي اختلفت الظنون بالله فظن ~~المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم. # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 11 الى 18] # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة ~~منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا ~~عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا (15) # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا ms2815 (18) # هنالك ابتلي المؤمنون أي عند ذلك اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ليتبين ~~المخلصون من المنافقين وزلزلوا زلزالا شديدا أي حركوا حركة شديدة وإذ يقول ~~المنافقون يعني معتب بن قشير وقيل عبد الله بن أبي وأصحابه والذين في ~~قلوبهم مرض أي شك وضعف اعتقاد ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا هو قول أهل ~~النفاق يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله ~~هذا هو الغرور. قوله تعالى وإذ قالت طائفة منهم أي من المنافقين وهم أوس بن ~~قيظي وأصحابه يا أهل يثرب يعني يا أهل المدينة وقيل يثرب اسم الأرض ومدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها سميت يثرب باسم رجل من العماليق ~~كان قد نزلها في قديم الزمان. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن تسمى المدينة يثرب وقال هي طيبة كأنه كره هذه اللفظة # PageV03P416 # لما فيها من التثريب وهو التقريع والتوبيخ لا مقام لكم أي لا مكان لكم ~~تنزلون وتقيمون فيه فارجعوا أي إلى منازلكم وقيل عن اتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل عن القتال ويستأذن فريق منهم النبي يعني بني حارثة وبني ~~سلمة يقولون إن بيوتنا عورة أي خالية ضائعة وهي مما يلي العدو ونخشى عليها ~~السراق فكذبهم الله تعالى بقوله وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا أي أنهم ~~لا يخافون ذلك إنما يريدون الفرار من القتال ولو دخلت عليهم من أقطارها ~~يعني لو دخل هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب من نواحي ~~المدينة وجوانبها ثم سئلوا الفتنة أي الشرك لآتوها أي لجاءوها وفعلوها ~~ورجعوا عن الإسلام وما تلبثوا بها أي ما احتبسوا عن الفتنة إلا يسيرا أي ~~لأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به نفوسهم، وقيل معناه وما أقاموا بالمدينة ~~بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا. قوله عز وجل ولقد كانوا عاهدوا الله ~~من قبل أي من قبل غزوة الخندق لا يولون الأدبار أي لا ينهزمون، قيل هم بنو ~~حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا ms2816 مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا ~~الله أن لا يعودوا لمثلها، وقيل هم أناس غابوا عن وقعة بدر فلما رأوا ما ~~أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا لئن أشهدنا الله قتالا ~~لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك وكان عهد الله مسؤلا أي عنده في الآخرة قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل أي الذي كتب عليكم لأن من حضر ~~أجله مات أو قتل لا بد من ذلك وإذا لا تمتعون أي بعد الفرار إلا قليلا أي ~~مدة آجالكم وهي قليل قل من ذا الذي يعصمكم أي يمنعكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أي هزيمة أو أراد بكم رحمة أي نصرا ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا أي ناصرا يمنعهم قد يعلم الله المعوقين منكم أي المثبطين الناس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا أي ارجعوا ~~إلينا ودعوا محمدا صلى الله عليه وسلم فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف ~~عليكم الهلاك، قيل هم أناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون لهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحما ~~لالتهمهم أي ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقيل نزلت في ~~المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إليهم ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد ~~أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم ~~أحدا وإنا نشفق عليكم فأنتم إخواننا وجيراننا هلموا إلينا فأقبل عبد الله ~~بن أبي ابن سلول وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن ~~معه، وقالوا لئن قدر اليوم عليكم لم يستبق منك أحدا أما ترجعون عن محمد ما ~~عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ها هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود، ~~فلم يزدد المؤمنين بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا وقوله تعالى ولا ~~يأتون البأس يعني الحرب إلا قليلا أي رياء وسمعة من غير احتساب ولو كان ذلك ms2817 ~~القليل لله لكان كثيرا. # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 19 الى 23] # أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم ~~يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ~~ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رأ ~~المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) # أشحة عليكم أي بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة وصفهم الله بالبخل ~~والجبن فإذا جاء الخوف # PageV03P417 # رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم أي في رؤوسهم من الخوف والجبن كالذي يغشى ~~عليه من الموت أي كدوران عين الذي قرب من الموت وغشيه أسبابه فإنه يذهب ~~عقله ويشخص بصره فلا يطرف فإذا ذهب الخوف أي زال سلقوكم أي آذوكم. ورموكم ~~في حالة الأمن بألسنة حداد أي ذربة تفعل كفعل الحديد قال ابن عباس معناه ~~عضوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة، وقيل بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة ~~يقولون أعطونا فإنا شهدنا معكم القتال فلستم بأحق بالغنيمة منا فهم عند ~~الغنيمة أشجع قوم وعند الحرب أجبن قوم أشحة على الخير أي يشاحون المؤمنين ~~عند الغنيمة فعلى هذا المعنى يكون المراد بالخير المال أولئك لم يؤمنوا أي ~~لم يؤمنوا حقيقة الإيمان وإن أظهروا الإيمان لفظا فأحبط الله أعمالهم أي ~~التي كانوا يأتون بها مع المسلمين قيل هي الجهاد وغيره وكان ذلك على الله ~~يسيرا أي إحباط أعمالهم مع أن كل شيء على الله يسير. # قوله تعالى يحسبون يعني هؤلاء المنافقين الأحزاب يعني قريشا وغطفان ~~واليهود لم يذهبوا أي لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا وفرقا وقد انصرفوا ms2818 عنهم ~~وإن يأت الأحزاب أي يرجعوا إليهم للقتال بعد الذهاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب أي يتمنون لو أنهم كانوا في بادية مع الأعراب من الجبن والخوف ~~يسئلون عن أنبائكم أي عن أخباركم وما آل إليه أمركم ولو كانوا فيكم يعني ~~هؤلاء المنافقين ما قاتلوا إلا قليلا يعني يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم ~~فيقولون قد قاتلنا معكم وقيل هو الرمي بالحجارة وقيل رياء من غير احتساب. # قوله عز وجل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أي اقتدوا ~~به اقتداء حسنا وهو أن تنصروا دين الله وتؤازروا رسوله ولا تتخلفوا عنه ~~وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ قد كسرت رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه ~~وأوذي بضروب الأذى فصبر وواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضا ~~واستنوا بسنته لمن كان يرجوا الله يعني أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمن كان يرجو الله قال ابن عباس يرجو ثواب الله واليوم الآخر يعني ~~ويخشى يوم البعث الذي فيه الجزاء وذكر الله كثيرا أي في جميع المواطن على ~~السراء والضراء ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال تعالى ولما رأ ~~المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله أي قالوا ذلك تسليما لأمر ~~الله وتصديقا بوعده وصدق الله ورسوله أي فيما وعدا وهو في مقابلة قول ~~المنافقين «ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا» وقولهم «وصدق الله ورسوله» ليس ~~إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو ~~إشارة إلى البشارة في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس، ~~وقيل إنهم وعدوا أن تلحقهم شدة وبلاء فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من ~~الشدة قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ~~إيمانا أي تصديقا لله وتسليما أي لأمره. قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه أي قاموا بما جاهدوا الله عليه ووفوا به فمنهم من قضى ~~نحبه ms2819 أي فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد، وقيل قضى نحبه ~~يعني أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل قضى نحبه أي بذل جهده ~~في الوفاء بالعهد وقيل قضى نحبه استشهد يوم بدر وأحد ومنهم من ينتظر يعني ~~من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة أو النصر ~~على الأعداء وما بدلوا يعني عهدهم تبديلا (ق) عن أنس قال غاب عمي أنس بن ~~النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن ~~أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف ~~المسلمون قال اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وابرأ إليك ~~مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال يا سعد ~~بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحا من دون أحد فقال سعد فما استطعت يا ~~رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح ~~أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ~~ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه # PageV03P418 # الآية نزلت فيه وفي أشباهه: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~إلى آخر الآية. (ق) عن خباب بن الأرت قال «هاجرنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نلتمس وجه الله. فوقع أجرنا على الله فمنا من مات ولم يأكل من ~~أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة وكنا إذا غطينا بها ~~رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدت رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو ~~يهدبها» النمرة كساء ملون من صوف، وقوله ومنا من أينعت أي أدركت ونضجت له ~~ثمرته، وهذه استعارة لما فتح الله لهم من الدنيا، وقوله يهدبها أي يجتنيها ~~ويقطعها. عن أبي موسى بن طلحة ms2820 قال «دخلت على معاوية فقال ألا أبشرك سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طلحة ممن قضى نحبه». أخرجه الترمذي. ~~وقال هذا حديث غريب (خ) عن قيس بن أبي حازم قال «رأيت يد طلحة شلاء وقى بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد». قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 24 الى 26] # ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ظاهروهم ~~من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ~~(26) # ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وصدقهم هو الوفاء بالعهد ويعذب ~~المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم أي فيهديهم إلى الإيمان ويشرح له صدورهم إن ~~الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا يعني من قريش وغطفان بغيظهم أي ~~لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيرا أي ظفرا وكفى الله المؤمنين ~~القتال أي بالملائكة والريح وكان الله قويا أي في ملكه عزيزا أي في ~~انتقامه. قوله تعالى وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب أي عاونوا الأحزاب ~~من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وهم بنو ~~قريظة من صياصيهم أي من حصونهم ومعاقلهم واحدها صيصية وقذف في قلوبهم الرعب ~~أي الخوف فريقا تقتلون يعني الرجال يقال كانوا ستمائة وتأسرون فريقا يعني ~~النساء والذراري يقال كانوا سبعمائة قيل وخمسين. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 27 الى 29] # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء ~~قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها يعني بعد قيل هي خيبر ~~ويقال إنها مكة وقيل فارس والروم وقيل هي كل أرض تفتح على المسلمين إلى ms2821 يوم ~~القيامة وكان الله على كل شيء قديرا. # قيل كانت في آخر ذي القعدة سنة خمس. وعلى قول البخاري المتقدم في غزوة ~~الخندق عن موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع. قال العلماء بالسير إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى ~~بلادهم انصرف صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا ~~السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متعمما بعمامة من إستبرق على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها من قطيفة ~~من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه ~~وقد غسلت شقه فقال جبريل يا رسول الله قد وضعت السلاح؟ قال: نعم قال: جبريل ~~عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة وما رجعت الآن إلا ~~من # PageV03P419 # طلب القوم. وروى أنه كان الغبار على وجه جبريل وفرسه فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه ووجه فرسه فقال إن الله تعالى يأمرك بالمسير ~~إلى بني قريظة وأنا عامد إلى بني قريظة فانهز إليهم فإني قد قطعت أوتارهم ~~وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~مناديا فأذن أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها ~~الناس، وسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق ~~فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: أظنك سمعت ~~لي منهم أذى قال: نعم يا رسول الله قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا ~~فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال «يا إخوان القردة قد ~~أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته». # قالوا: يا أبا القاسم ms2822 ما كنت جهولا ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال «هل مر بكم أحد؟» فقالوا: ~~يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها ~~قطيفة ديباج. # فقال صلى الله عليه وسلم «ذاك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل ~~بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم» فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية أموالهم وتلاحق به الناس فأتاه ~~رجال بعد صلاة العشاء الأخيرة ولم يصلوا العصر لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فصلوا العصر بها بعد العشاء ~~الأخيرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال العلماء: حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى ~~جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب وكان حيي بن أخطب دخل على بني ~~قريظة حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ووفى لكعب بن أسد بما كان عاهده، ~~فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ~~قال كعب بن أسد يا معشر يهود إنكم قد نزل من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم ~~خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هن؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه ~~فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتؤمنون على ~~دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا ~~نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج ~~إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولا نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى ~~يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه ~~وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما ~~في العيش بعدهم خير. # قال: فإن أبيتم هذه الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون ms2823 محمد وأصحابه قد ~~أمنوا فانزلوا فلعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ~~ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من قبلنا إلا ما قد علمت فأصابهم من المسخ ما ~~لم يخف عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة من الدهر ثم ~~إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث لنا أبا لبابة بن عبد ~~المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. # فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فلما رأوه قام إليه الرجال ~~والنساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم. فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ~~ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة ~~فو الله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة ~~على وجهه ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ربط في المسجد إلى عمود من ~~عمده وقال والله لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله لا ~~يطأ أرض بني قريظة أبدا ولا يراني الله في بلد قد خنت الله ورسوله فيه ~~أبدا. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال أما لو ~~قد جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب ~~الله عليه، ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة. ~~فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب ~~حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب ~~الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله ~~هو الذي ms2824 يطلقني بيده فلما مر عليه # PageV03P420 # خارجا إلى الصبح أطلقه. قال: ثم إن ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد وأسيد بن ~~عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم من فوق ذلك هم ~~بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن السعدي القرظي فمر ~~بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة الأنصاري تلك ~~الليلة، فلما رآه قال: من هذا قال: عمرو بن السعدي وكان عمرو قد أبى أن ~~يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم أبدا فقال محمد بن مسلمة اللهم لا تحرمني من ~~عثرات الكرام، فخلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله ~~فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه ~~وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت برمته ملقاة ولا يدري أين ذهب. ~~فقال: فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة فلما أصبحوا نزلوا على ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثب الأوس وقالوا يا رسول الله إنهم ~~موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع ~~وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه. فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول ~~فوهبهم له. فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا ~~معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ ~~وكان سعد جعله رسول الله صلى الله عليه ms2825 وسلم في مسجده في خيمة امرأة من ~~المسلمين يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من ~~كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه ~~حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب، فلما ~~حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار ~~قد وطئوا له وسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه. قال: قد آن ~~لسعد أن تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني ~~الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته ~~التي سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوموا ~~إلى سيدكم فأنزلوه فقاموا إليه وقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد ولاك مواليك فتحكم فيهم. فقال سعد عليكم بذلك عهد الله ~~وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت. قالوا: نعم قال وعلى من ها هنا في الناحية ~~التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال سعد: فاني ~~أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لسعد «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ثم ~~استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء ~~بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي ~~سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ~~يخرج بهم أرسالا وفيهم عدو ms2826 الله ورسوله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم ~~وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة إلى ~~التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا قال أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون ~~الداعي لا ينزع وأن من يذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك ~~الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بحيي بن أخطب عدو الله ~~وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة ~~لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم ~~أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة ~~كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه وروي عن عائشة قالت لم يقتل من نساء ~~بني قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا ~~وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم # PageV03P421 # بالسيف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قلت ويلك مالك قالت ~~أقتل قلت ولم قالت حدثا أحدثته قالت فانطلق بها فضرب عنقها وكانت عائشة ~~تقول ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل قال الواقدي ~~وكان اسم المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي وكانت قتلت خلاد بن سويد قال ~~وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالس هناك. # وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي ويكنى أبا عبد ~~الرحمن كان قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجلية يوم بعاث أخذه فجز ~~ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن ~~هل تعرفني قال وهل يجهل مثلي مثلك ms2827 قال إني أريد أن أجزيك بيدك عندي قال إن ~~الكريم يجزي الكريم قال ثم أتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله قد كان للزبير عندي يد وله علي منة وقد أحببت أن أجزيه بها ~~فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هولك» فأتاه فقال له إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ~~ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله أهله وأولاده فقال «هم لك» فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما ~~بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما له يا رسول ~~الله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني مالك ~~فهو لك فقال أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيه عذارى ~~الحي كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا ~~عزال بن شموال قال قتل قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني ~~عمرو بن قريظة قال قتلوا قال فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني ~~بالقوم فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر حتى ألقى ~~الأحبة فقدمه ثابت فضربت عنقه فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله حتى يلقى ~~الأحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا قال وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم ثم قسم أموال بني قريظة ~~ونساءهم على المسلمين وأغنم في ذلك اليوم سهمين للخيل وسهما للرجال فكان ~~للفارس ثلاثة أسهم سهمان للفرس ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم ~~وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا وكان أول يوم وقع فيه السهمان ms2828 ثم بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني الأشهل بسبايا من ~~سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى ~~نساء بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي ~~عنها وهي في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن ~~يتزوجها ويضرب عليها الحجاب. فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو ~~أخف علي وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية ~~فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها. فبينما ~~هو بين أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني ~~بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما ~~قضي شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني ~~قريظة ما حكم فقال اللهم إنك علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أجاهدهم من ~~قوم كذبوا رسولك اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني له ~~وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت: عائشة ~~فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فو الذي نفس محمد بيده ~~إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي. قالت: وكانوا كما قال ~~الله تعالى فيهم رحماء بينهم. # (خ) عن سلمان بن صرد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين ~~أجلى الأحزاب «الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم». (ق) عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول «لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له أعز جنده ms2829 ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده». # قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن أي متعة # PageV03P422 # الطلاق وأسرحكن سراحا جميلا أي من غير ضرر وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما سبب نزول هذه الآية ~~أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئا وطلبن منه ~~زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه ~~وكانوا يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. فقال عمر: لأعلمن ~~لكم شأنه قال فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ~~أطلقتهن قال: «لا» قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: ~~«نعم إن شئت» فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الآية ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فكنت أنا استنبطت هذا الأمر. وأنزل الله ~~آية التخيير وكان تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة خمسة من ~~قريش وهن: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم ~~سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة، وأربع من غير قرشيات وهن زينب بنت جحش ~~الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية ~~وجويرية بنت الحارث المصطلقية، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت ~~الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتابعتها على ذلك فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره ~~عليهن فقال تعالى لا يحل لك النساء ms2830 من بعد (م) عن جابر بن عبد الله قال ~~«دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ~~ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له ~~فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وحوله نساؤه واجما ساكتا. فقال: ~~لأقولن شيئا أضحك به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لقد رأيت ~~بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة فوجأ ~~عنقها وقام عمر إلى حفصة فوجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما ليس عنده قلن والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين حتى نزلت هذه الآية: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن حتى بلغ: للمحسنات منكن أجرا عظيما ~~قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا ~~تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتلا عليها الآية قالت أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله ~~والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت: قال: «لا ~~تسألني امرأة منهن طلا أخبرتها إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن ~~بعثني معلما مبشرا» قوله واجما أي مهتما، والواجم الذي أسكته الهم وعلته ~~الكآبة وقيل الوجوم الحزن. قولهم فوجأت عنقها أي دققته وقوله لم يبعثني ~~معنتا العنت المشقة والصعوبة (م) عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة قالت: ~~لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ ~~بي فقلت: يا رسول الله، أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت من تسع ms2831 ~~وعشرين أعدهن قال: إن الشهر تسع وعشرون. # فصل في حكم الآية # اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن، حتى يقع ~~بنفس الاختيار أم لا فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم، إلى أنه لم يكن ~~تفويض الطلاق وإنما خيرهن على أنهن إذ اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور، وأنه قال ~~لعائشة: «لا تعجلي حتى تستشيري أبويك» وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على ~~الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا. ~~التفريع على حكم الآية اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر # PageV03P423 # وابن مسعود، وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء ~~وإن اختارت نفسها يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى ~~وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن عند أصحاب الرأي يقع طلقة بائنة إذا ~~اختارت نفسها وعند الآخرين رجعية وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع ~~طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن وبه قال مالك. وروي عن ~~علي أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة ~~وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء (ق) عن مسروق قال: ما ~~أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني، ولقد سألت عائشة ~~رضي الله عنها، فقالت خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان طلاقا ~~وفي رواية فاخترناه فلم يعد ذلك شيئا. قوله تعالى: # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 30 الى 32] # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة أي بمعصية ظاهرة ms2832 قيل: هو كقوله ~~لئن أشركت ليحبطن عملك أي لأن منهن من أتت بفاحشة، فإن الله تعالى صان ~~أزواج الأنبياء عن الفاحشة وقال ابن عباس المراد بالفاحشة النشوز وسوء ~~الخلق يضاعف لها العذاب ضعفين أي مثلين وسبب تضعيف العقوبة، لهن لشرفهن ~~كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة وذلك لأن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~غيره من الرجال كنسبة الحرة إلى الأمة وكان ذلك على الله يسيرا أي عذابها ~~ومن يقنت منكن لله ورسوله أي تطع الله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين أي مثلي أجر غيرها قيل: الحسنة بعشرين حسنة وتضعيف ثوابهن لرفع ~~منزلتهن وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين وأعتدنا لها رزقا كريما أي ~~الجنة. قوله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء قال ابن عباس: يريد ~~ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن ~~أعظم لدي إن اتقيتن أي الله فأطعتنه فإن الأكرم عند الله هو الأتقى فلا ~~تخضعن بالقول أي لا تلن بالقول للرجال ولا ترققن الكلام فيطمع الذي في قلبه ~~مرض أي فجور وشهوة وقيل نفاق والمعنى لا تقلن قولا يجد المنافق والفاجر به ~~سبيلا إلى الطمع فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت ~~الأجانب لقطع الأطماع فيهن وقلن قولا معروفا أي يوجبه الدين والإسلام عند ~~الحاجة إليه، ببيان من غير خضوع وقيل القول المعروف ذكر الله تعالى. قوله ~~عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 33 الى 35] # وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن ~~الله كان لطيفا خبيرا (34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين ~~والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم ~~والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ~~(35) # وقرن في بيوتكن أي الزمن بيوتكن وقيل هو أمر من الوقار أي ms2833 كن أهل وقار ~~وسكون ولا تبرجن # PageV03P424 # تبرج # قيل: هو التكسر والتغنج والتبختر وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن ~~للرجال الجاهلية الأولى قيل الجاهلية الأولى هو ما بين عيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: هو زمن داود وسليمان عليهما السلام كانت المرأة تلبس قميصا ~~من الدر غير مخيط الجانبين، فيرى خلفها منه وقيل كان في زمن نمرود الجبار ~~كانت المرأة، تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي به وسط الطريق ليس عليها ~~شيء غيره وتعرض نفسها على الرجال وقال ابن عباس: # الجاهلية الأولى ما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة وقيل: إن بطنين من ولد ~~آدم عليه السلام كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكانت رجال ~~الجبال صباحا وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة وإن ~~إبليس أتى رجلا من أهل السهل وأجره نفسه وكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي ~~يزمر به الرعاة فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فأتوهم ~~يستمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال ~~وتتزين الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل، هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى ~~النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهم فنزلوا معهم ~~وظهرت الفاحشة فيهن فذلك قوله تعالى «ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى» وقيل ~~الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام والجاهلية الأخرى، قوم يفعلون مثل فعلهم في ~~آخر الزمان وقيل قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى وأقمن الصلاة أي ~~الواجبة وآتين الزكاة أي المفروضة وأطعن الله ورسوله أي فيما أمر وفيما نهى ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أي الإثم الذي نهى الله النساء عنه. # وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس الله فيه رضا، وقيل: الرجس الشك ~~وقيل السوء أهل البيت ويطهركم تطهيرا هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وتلا قوله تعالى واذكرن ~~ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وهو قول عكرمة ومقاتل ms2834 وذهب أبو ~~سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي ~~وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، يدل عليه ما روي من عائشة أم ~~المؤمنين قالت «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجل من ~~شعر أسود فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن ~~فأدخله فيه، ثم جاء الحسن فأدخله فيه ثم قال: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا أخرجه مسلم. ~~المرط الكساء والمرحل بالحاء المنقوش عليه صور الرجال، وبالجيم المنقوش ~~عليه صور الرجال، عن أم سلمة قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتها، إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قالت وأنا جالسة عند الباب ~~فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت فقال: إنك إلى خير أنت من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ~~وفاطمة وحسن وحسين فجللهم بكساء وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنه ~~الرجس وطهرهم تطهيرا» أخرجه الترمذي. وقال حديث صحيح غريب عن أنس بن مالك ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر، إذا خرج ~~إلى صلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت، ويطهركم تطهيرا» أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب وقال زيد بن ~~أرقم أهل البيت من حرم الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. # قوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله يعني القرآن والحكمة ~~قيل هي السنة وقيل هي أحكام القرآن ومواعظه إن الله كان لطيفا يعني ~~بأوليائه وأهل طاعته خبيرا أي بجميع خلقه. قوله عز وجل إن المسلمين ~~والمسلمات الآية وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن يا رسول الله ~~ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به إنا ~~نخاف أن لا تقبل منا طاعة ms2835 فأنزل الله هذه الآية. عن أم عمارة الأنصارية ~~قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت مالي أرى كل شيء إلى الرجال وما ~~أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت إن المسلمين والمسلمات أخرجه الترمذي. وقال ~~حديث غريب وقيل إن أم سلمة بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية # PageV03P425 # قالتا للنبي صلى الله عليه وسلم ما بال ربنا يذكر الرجال، ولا يذكر ~~النساء في شيء في كتابه ونخشى أن لا يكون فيهن خير فنزلت هذه الآية وروي أن ~~أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت هل نزل فينا شيء من القرآن قلن لا فأتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن النساء لفي خيبة وخسار ~~قال «ومم ذلك» قالت: لأنهن لم يذكرن بخير كما ذكر الرجال فأنزل الله إن ~~المسلمين والمسلمات فذكر لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحهن بها معهم الأولى ~~الإسلام وهو الانقياد لأمر الله تعالى وهو قوله: إن المسلمين والمسلمات، ~~الثانية الإيمان بما يراد به أمر الله تعالى وهو تصحيح الاعتقاد وموافقة ~~الظاهر للباطن، وهو قوله والمؤمنين والمؤمنات الثالثة الطاعة وهو قوله ~~والقانتين والقانتات الرابعة الصدق في الأقوال والأفعال وهو قوله والصادقين ~~والصادقات الخامسة الصبر على ما أمر الله وفيما ساء وسر وهو قوله والصابرين ~~والصابرات السادسة الخشوع في الصلاة وهو أن لا يلتفت وقيل: هو التواضع وهو ~~قوله والخاشعين والخاشعات السابعة الصدقة مما رزق الله وهو قوله والمتصدقين ~~والمتصدقات الثامنة المحافظة على الصوم وهو قوله والصائمين والصائمات ~~التاسعة العفة وهو قوله والحافظين فروجهم يعني عما لا يحل والحافظات ~~العاشرة كثرة الذكر وهو قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات وقيل لا يكون ~~العبد منهم حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «سبق المفردون قالوا: يا رسول الله وما المفردون قال ~~الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» وقال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى ~~الله، فهو داخل ms2836 في قوله إن المسلمين والمسلمات ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا ~~رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله والمؤمنين والمؤمنات ومن ~~أطاع الله في الفرض والرسول في السنة، فهو داخل في قوله والقانتين ~~والقانتات، ومن صان قوله عن الكذب، فهو داخل في قوله والصادقين والصادقات ~~ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية، فهو داخل في قوله والصابرين ~~والصابرات ومن صلى، فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله، فهو داخل في قوله ~~والخاشعين والخاشعات ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم، فهو داخل في قوله ~~والمتصدقين والمتصدقات ومن صام في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر ~~والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله والصائمين والصائمات، ومن حفظ ~~فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله والحافظين فروجهم والحافظات ومن صلى ~~الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~أعد الله لهم مغفرة أي بمحو ذنوبهم وأجرا عظيما يعني الجنة. قوله تعالى: ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 36 الى 37] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا (37) # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش، ~~وأمهما أمية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ وأعتقه، وتبناه فلما خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms2837 زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه ~~يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه ~~لنفسي، وكانت بيضاء جميلة وفيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك فأنزل الله تعالى ~~وما كان لمؤمن يعني عبد الله بن جحش ولا مؤمنة يعني أخته زينب إذا قضى الله ~~ورسوله # PageV03P426 # أمرا # يعني نكاح زيد لزينب أن يكون لهم الخيرة من أمرهم أي الاختيار على ما ~~قضى، والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا أي أخطأ خطأ ظاهرا فلما سمعت بذلك ~~زينب وأخوها رضيا وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنكحها زيدا ودخل بها وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما عشرة ~~دنانير وستين درهما وخمارا، ودرعا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا ~~من تمر. قوله عز وجل وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك ~~زوجك الآية نزلت في زينب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجها ~~من زيد مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدا ذات ~~يوم لحاجة فأبصر زينب في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة، ذات خلق من أتم نساء ~~قريش وقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال «سبحان الله مقلب القلوب» وانصرف فلما ~~جاء زيد ذكرت له ذلك ففطن زيد وألقى في نفسه كراهيتها في الوقت وأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي فقال له «ما لك ~~أرابك منها شيء» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا ولكنها ~~تتعظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسك ~~عليك زوجك واتق الله في أمرها» ثم إن زيدا طلقها فذلك قوله عز وجل وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه أي بالإسلام وأنعمت عليه أي بالإعتاق وهو زيد بن حارثة ~~مولاه أمسك ms2838 عليك زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله أي فيها ولا تفارقها ~~وتخفي في نفسك أي تسر وتضمر في نفسك ما الله مبديه أي مظهره قيل كان في ~~قلبه لو فارقها تزوجها قال ابن عباس: حبها وقيل ود أنه طلقها وتخشى الناس ~~قال ابن عباس تستحييهم وقيل تخاف لائمتهم أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ~~ثم نكحها والله أحق أن تخشاه قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد من هذه الآية، وعن عائشة قالت: لو كتم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه وأنعمت عليه أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب. # فصل # فإن قلت: ما ذكروه في تفسير هذه الآية، وسبب نزولها من وقوع محبتها في ~~قلب النبي صلى الله عليه وسلم عند ما رآها وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم ~~الحرج، وما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم من مد عينيه لما نهى عنه من ~~زهرة الحياة الدنيا. # قلت: هذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا ~~كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد، فلا يشك في ~~تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يأمر زيدا بإمساكها، وهو يحب تطليقه ~~إياها ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ما في هذا الباب ما روي عن سفيان بن ~~عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني زين العابدين بن علي بن الحسين ~~قال ما يقول الحسن في قوله تعالى وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه قلت: يقول لما جاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله إني أريد أن أطلق زينب أعجبه ذلك، وقال أمسك عليك ~~زوجك واتق الله فقال علي بن الحسين ms2839 ليس كذلك فإن الله عز وجل، قد أعلمه ~~أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد قال: إني أريد أن ~~أطلقها قال له: أمسك عليك زوجك فعاتبه الله تعالى وقال لم قلت أمسك عليك ~~زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال ~~الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ~~ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى «زوجناكها» فلو كان الذي أضمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا ~~يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه، ولا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على ~~إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر زيدا ~~أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي وهذا قول حسن مرضي، وكم من شيء يتحفظ ~~منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس # PageV03P427 # عليه وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق لا مقال فيه ولا عيب عند الله ~~وربما كان الدخول في ذلك المباح سلما إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ~~وهو إنما جعل الله طلاق زيد لها، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها ~~لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال الله تعالى ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم وقال لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم فإن قلت فما ~~الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيدا بإمساكها. قلت: هو أن الله ~~تعالى أعلم نبيه أنها زوجته فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، عن طلاقها ~~وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول الناس يتزوج امرأة ~~ابنه فأمره الله تعالى بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته، وقيل: كان في أمره ~~بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عن هواها وهذا إذا جوزنا القول المتقدم ~~الذي ذكره المفسرون وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها زيد، ومثل ذلك ~~لا يقدح في حال الأنبياء، مع أن العبد غير ms2840 ملوم على ما يقع في قلبه من مثل ~~هذه الأشياء، وأنه رآها فجأة فاستحسنها ومثل هذه لا نكرة فيه لما طبع عليه ~~البشر من استحسان الحسن، ونظرة الفجأة معفو عنها ما لم يقصد مأثما لأن الود ~~وميل النفس من طبع البشر والله أعلم. # وقوله أمسك عليك زوجك واتق الله أمر بالمعروف، وهو حسن لا إثم فيه وقوله ~~والله أحق أن تخشاه لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه ~~الصلاة والسلام، قد قال أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ولكنه لما ذكر الخشية من ~~الناس، ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال في جميع الأشياء. قوله عز ~~وجل فلما قضى زيد منها وطرا أي حاجته منها، ولم يبق له فيها أرب وتقاصرت ~~همته عنها وطابت عنها نفسه وطلقها، وانقضت عدتها وذكر قضاء الوطر ليعلم أن ~~زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها زوجناكها قال أنس: # كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن آباؤكن ~~وزوجني الله من فوق سبع سموات، وقال الشعبي: «كانت زينب تقول للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث ما من امرأة من نسائك تدل بهن جدي وجدك ~~واحد وإني أنكحنيك الله في السماء وإن السفير جبريل عليه السلام» (م) عن ~~أنس قال لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لزيد: اذهب ~~فاذكرها على قال فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها ~~عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله ذكرها فوليتها ~~ظهري ونكصت على عقبي فقلت يا زينب أرسل رسول الله يذكرك قالت ما أنا بصانعة ~~شيئا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن قال: فلقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار فخرج الناس، وبقي أناس ~~يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله صلى الله ms2841 عليه وسلم واتبعته ~~فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك قال: ~~فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أم غيري قال فانطلق حتى دخل البيت، ~~وذهبت لأدخل معه فألقى الستر بيني وبينهم ونزل الحجاب (ق) عن أنس قال ما ~~أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه، ما أولم على زينب أولم ~~بشاة وفي رواية أكثر وأفضل، ما أولم على زينب قال ثابت: بم أولم قال أطعمهم ~~خبزا ولحما حتى تركوه. قوله عز وجل لكي لا يكون على المؤمنين حرج أي إثم في ~~أزواج أدعيائهم جمع الدعي وهو المتبني إذا قضوا منهن وطرا يقول: يقول ~~زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي كنت تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنى حلال ~~للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبني بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل ~~للأب وكان أمر الله مفعولا أي قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى في زينب ~~أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 38 الى 44] # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # PageV03P428 # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له أي فيما أحل الله له من ~~النكاح، وغيره سنة الله في الذين خلوا من قبل معناه سن الله سنة في ~~الأنبياء، وهو أن لا حرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في ~~باب النكاح، وغيره فإنه كان لهم الحرائر والسراري فقد ms2842 كان لداود عليه ~~السلام مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية فكذلك سن لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم في التوسعة عليه كما سن لهم ووسع عليهم وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا يعني قضاء مقضيا أن لا حرج على أحد فيما أحل له ثم أثنى الله ~~على الأنبياء بقوله الذين يبلغون رسالات الله يعني فرائض الله وسننه ~~وأوامره ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم ويخشونه يعني يخافونه ولا يخشون أحدا ~~إلا الله يعني لا يخافون قالت: الناس ولائمتهم فيما أحل لهم وفرض عليهم ~~وكفى بالله حسيبا أي حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. قوله عز وجل ما كان محمد ~~أبا أحد من رجالكم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب ~~قال: الناس إن محمدا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم يعني زيد بن حارثة والمعنى أنه لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، ~~حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح. فإن ~~قلت: قد كان له أبناء القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وقال للحسن: إن ابني ~~هذا سيد. قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله من رجالكم وهؤلاء لم يبلغوا ~~مبلغ الرجال وقيل: أراد بالرجال الذي لم يلدهم ولكن رسول الله أي إن كل ~~رسول هو أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له ووجوب الشفقة ~~والنصيحة لهم عليه وخاتم النبيين ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده أي ولا ~~معه قال ابن عباس: # يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا ويكون بعده نبيا وعنه قال: إن ~~الله لما حكم أن لا نبي بعده، لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا وكان الله بكل ~~شيء عليما أي دخل في علمه أنه لا نبي بعده. فإن قلت: قد صح أن عيسى عليه ~~السلام ينزل في آخر الزمان بعده وهو نبي قلت إن عيسى عليه السلام ممن نبيء ~~قبله وحين ينزل في آخر الزمان ينزل عاملا بشريعة محمد صلى الله ms2843 عليه وسلم ~~ومصليا إلى قبلته كأنه بعض أمته (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل ~~بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس ~~يطوفون ويتعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم ~~النبيين» وعن جابر نحوه وفيه جئت فختمت الأنبياء (ق) عن جبير بن مطعم قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا ~~الماحي الذي يمحو الله الكفر بي وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، ~~وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» وقد سماه الله رؤوفا رحيما (م) عن أبي موسى ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي، لنا نفسه أسماء فقال «أنا محمد ~~وأنا أحمد وأنا المقفي وأنا الماحي ونبي التوبة ونبي الرحمة» المقفي هو ~~المولى الذاهب، يعني آخر الأنبياء المتبع لهم فإذا قفي فلا نبي بعده. # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا قال ابن عباس: لم ~~يفرض الله عز وجل على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ثم عذر أهلها في ~~حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في ~~تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها فقال تعالى فاذكروا ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم وقال تعالى اذكروا الله ذكرا كثيرا يعني ~~بالليل والنهار في البر والبحر وفي الصحة والسقم وفي السر والعلانية، وقيل ~~الذكر الكثير أن لا ينساه أبدا وسبحوه معناه إذا ذكرتموه ينبغي لكم أن يكون ~~ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء بكرة وأصيلا فيه إشارة إلى ~~المداومة لأن ذكر الطرفين يفهم منه # PageV03P429 # الوسط أيضا وقيل: معناه صلوا له بكرة صلاة الصبح وأصيلا يعني صلاة العصر ~~وقيل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقيل: معنى سبحوه قولوا سبحان ~~الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ms2844 ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~زاد في نسخة العلي العظيم فعبر بالتسبيح عن أخواته والمراد بقوله: كثيرا ~~هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والحائض والمحدث هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين وقيل ~~الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده والثناء عليه ~~قال أنس: لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر: ما خصك ~~الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله هذه الآية ليخرجكم ~~من الظلمات إلى النور يعني أنه برحمته وهدايته، ودعاء الملائكة لكم أخرجكم ~~من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وكان بالمؤمنين رحيما فيه بشارة لجميع ~~المؤمنين وإشارة إلى أن قوله يصلي عليكم غير مختص بالسامعين، وقت الوحي بل ~~هو عام لجميع المسلمين تحيتهم يعني تحية المؤمنين يوم يلقونه أي يرون الله ~~يوم القيامة سلام أي يسلم الرب تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات وروي عن ~~البراء بن عازب قال تحيتهم يوم يلقونه سلام يعني يلقون ملك الموت، لا يقبض ~~روح مؤمن إلا يسلم عليه عن ابن مسعود قال إذا جاء ملك الموت لقبض روح ~~المؤمن قال ربك يقرئك السلام وقيل: تسلم عليهم الملائكة حين يخرجون من ~~قبورهم تبشرهم وأعد لهم أجرا كريما يعني الجنة. قوله عز وجل: # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 45 الى 50] # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ms2845 ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا أي للرسل بالتبليغ وقيل شاهدا على الخلق ~~كلهم يوم القيامة ومبشرا أي لمن آمن بالجنة ونذيرا أي لمن كذب بالنار ~~وداعيا إلى الله أي إلى توحيده وطاعته بإذنه أي بأمره وسراجا منيرا سماه ~~سراجا منيرا لأنه جلا به ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام ~~الليل بالسراج المنير، وقيل معناه أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد ~~بنور السراج نور الأبصار ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء. فإن قلت ~~لم سماه سراجا، ولم يسمه شمسا والشمس أشد إضاءة من السرج وأنور. # قلت: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء بخلاف نور السراج فإنه يؤخذ منه ~~أنوار كثيرة وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا أي ما تفضل به عليهم ~~زيادة على الثواب وقيل: الفضل هو الثواب وقيل هو تفضيل هذه الأمة على سائر ~~الأمم ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم قال ابن عباس: اصبر على أذاهم ~~لا تجازهم عليه وهذا منسوخ بآية القتال وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا أي ~~حافظا. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن أي تجامعوهن، ففي الآية دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير ~~واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح حتى لو قال لامرأة أجنبية إذا ~~نكحتك فأنت طالق، أو قال: # PageV03P430 # كل امرأة أنكحها فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق، وهذا قول علي وابن عباس ~~وجابر ومعاذ وعائشة وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير ~~والقاسم وطاوس، الحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار، ومجاهد والشعبي وقتادة ~~وأكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي وروي عن ابن مسعود أنه يقع الطلاق، وهو ~~قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عين امرأة ~~وقع وإن عمم فلا يقع ms2846 وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، ~~وإن كان قالها فزلة من عالم الرجل يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق والله يقول ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، روى ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا طلاق ~~فيما لا تملك ولا عتق فيما لا تملك ولا بيع فيما لا تملك» أخرجه أبو داود ~~والترمذي بمعناه (خ) عن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح أخرجه ~~البخاري في ترجمة باب بغير إسناد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا طلاق قبل النكاح» فما لكم عليهن من عدة تعتدونها أي تحصونها ~~بالأقراء والأشهر، أجمع العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة، ~~فلا عدة وذهب أحمد إلى أن الخلوة توجب العدة والصداق فمتعوهن أي أعطوهن ما ~~يستمتعن به قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة وإن ~~كان قد فرض لها صداقا فلها نصف الصداق، ولا متعة لها وقال قتادة هذه الآية ~~منسوخة بقوله «فنصف ما فرضتم» وقيل: هذا أمر ندب فالمتعة مستحبة لها مع نصف ~~المهر وقيل: إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية وسرحوهن سراحا جميلا أي ~~خلوا سبيلهن بالمعروف من غير إضرار بهن. # قوله عز وجل يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أي ~~مهورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك أي من السبي فتملكها مثل صفية ~~وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم وبنات عمك وبنات ~~عماتك يعني نساء قريش وبنات خالك وبنات خالاتك يعني نساء بني زهرة اللاتي ~~هاجرن معك إلى المدينة فمن لم تهاجر، منهن لم يجز له نكاحها عن أم هانئ بنت ~~أبي طالب قالت: # خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله ~~إنا أحللنا لك أزواجك الآية قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر ms2847 كنت من ~~الطلقاء أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون ~~المؤمنين أي أحللنا لك امرأة مؤمنة، وهبت نفسها لك بغير صداق فأما غير ~~المؤمنة، فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه وهل تحل الكتابية بالمهر، فذهب ~~جماعة إلى أنها لا تحل له لقوله وامرأة مؤمنة فدل ذلك على أنه لا يحل له ~~نكاح غير المسلمة، وكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن النكاح ينعقد في ~~حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر لقوله خالصة لك من دون ~~المؤمنين والزيادة على أربع ووجوب تخيير النساء واختلفوا في انعقاد النكاح ~~بلفظ الهبة في حق الأمة فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو ~~التزويج، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء وبه قال ربيعة ومالك ~~والشافعي: وقال إبراهيم النخعي وأهل الكوفة، ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ~~ومن قال بالقول الأول اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم ~~إلى أنه كان ينعقد في حقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، لقوله تعالى ~~خالصة لك من دون المؤمنين وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو ~~التزويج، كما في حق سائر الأمة لقوله تعالى إن أراد النبي أن يستنكحها وكان ~~اختصاصه في ترك المهر لا في لفظ النكاح واختلفوا في التي وهبت نفسها للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهل كانت عنده امرأة منهن فقال ابن عباس ومجاهد: لم ~~يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة ~~إلا بعقد النكاح، أو بملك يمين وقوله إن وهبت نفسها على سبيل الفرض ~~والتقدير، وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها فقال الشعبي هي ~~زينب بنت خزيمة الأنصارية الهلالية أم المساكين، وقال قتادة هي ميمونة بنت ~~الحارث وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل هي # PageV03P431 # أم شريك بنت جابر: من بني ms2848 أسد وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من ~~بني سليم. وقوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم أي أوجبنا على المؤمنين في ~~أزواجهم أي من الأحكام وهو أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا ~~بولي وشهود ومهر وما ملكت أيمانهم أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين ~~لكيلا يكون عليك حرج وهذا يرجع إلى أول الآية معناه أحللنا لك أزواجك وما ~~ملكت يمينك والموهوبة لكي لا يكون عليك ضيق وكان الله غفورا أي للواقع في ~~الحرج رحيما أي بالتوسعة على عبادة. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 51 الى 52] # ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء ~~رقيبا (52) # قوله تعالى ترجي يعني تؤخر من تشاء منهن وتؤوي إليك أي تضم إليك من تشاء ~~قيل هذا للقسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه صلى ~~الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه الوجوب وصار الاختيار إليه ~~فيهن، وقيل نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهرا حتى نزلت آية التخيير فأمره ~~الله تعالى أن يخيرهن فمن اختارت الدنيا فارقها، ويمسك من اختارت الله ~~ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء ~~منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعضهن، دون بعض، ~~أو فضل بعضهن في النفقة والكسوة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء ~~وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط. واختلفوا في أنه هل ~~أخرج أحدا منهن من القسم فقال بعضهم: لم يخرج أحدا ms2849 بل كان صلى الله عليه ~~وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت ~~بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة وقيل: أخرج بعضهن. روي عن أبي ~~رزين، قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقن فقلن يا نبي الله اجعل لنا من ~~مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا فأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعضهن، وآوى إليه بعضهن فكان ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، ~~وكان يقسم بينهن سواء وأرجى منهن خمسا أم حبيبة وميمونة وسودة وجويرة ~~وصفية، فكان يقسم لهن ما يشاء وقال ابن عباس تطلق من تشاء منهن، وتمسك من ~~تشاء وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من النساء قال وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقيل تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن ~~فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها (ق) عن عروة قال: كانت خولة بنت ~~حكيم من اللاتي، وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة أما ~~تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت يا رسول ~~الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ومن ابتغيت ممن عزلت أي طلبت أن تؤوي ~~إليك امرأة ممن عزلتهن عن القسمة فلا جناح عليك أي لا إثم عليك فأباح الله ~~له ترك القسم، لهن، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها ويطأ من يشاء ~~منهن في غير نوبتها ويرد إلى فراشه من عزل منهن، تفضيلا له على سائر الرجال ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن أي ذلك التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب ~~إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله تعالى ~~ويرضين بما آتيتهن أي أعطيتهن كلهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء والله يعلم ~~ما في قلوبكم أي من أمر النساء والميل إلى بعضهن ms2850 وكان الله عليما أي مما في ~~ضمائركم حليما أي عنكم. # قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد أي من بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترنك ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما # PageV03P432 # خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن ذلك وحرم عليه النساء سواهن، ~~ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، قاله ابن عباس: واختلفوا هل أبيح له ~~النساء بعد ذلك فروي عن عائشة أنها قالت «ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أحل له النساء» أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وللنسائي عنها ~~«حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما يشاء» وقال أنس «مات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على التحريم» وقيل لأبي بن كعب لو مات نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم أكان يحل له أن يتزوج قال: وما يمنعه من ذلك قيل له قوله تعالى لا يحل ~~لك النساء من بعد قال: إنما أحل له ضربا من النساء فقال تعالى يا أيها ~~النبي إنا أحللنا لك أزواجك الآية ثم قال لا يحل لك النساء من بعد وقيل ~~معنى الآية لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج أي بالمسلمات غيرهن من الكتابيات، لأنه لا تكون أم المؤمنين ~~يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك أي من الكتابيات فتسري بهن وقيل في ~~قوله ولا أن تبدل بهن من أزواج كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، ~~يقول الرجل للرجل انزل لي عن امرأتك وأنزل عن امرأتي فأنزل الله تعالى ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج أي تبادل بهن من أزواج أي تبادل بأزواجك غيرك بأن ~~تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته فحرم ذلك إلا ما ملكت يمينك أي لا بأس أن تبادل ~~بجاريتك ما شئت، فأما الحرائر فلا ولو أعجبك حسنهن يعني ليس لك أن تطلق أحد ~~من نسائك، وتنكح بدلها أخرى، ولو أعجبك جمالها، قال ابن عباس: يعني أسماء ~~بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب لما استشهد جعفر ms2851 أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك إلا ما ملكت يمينك قال ابن عباس: # ملك بعد هؤلاء مارية وكان الله على كل شيء رقيبا أي حافظا وفي الآية دليل ~~على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، ويدل عليه ما روى عن جابر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع ~~أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» أخرجه أبو داود. (م) عن أبي هريرة ~~«أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا» قال الحميدي: يعني هو الصغر عن ~~المغيرة بن شعبة قال: «خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم هل ~~نظرت إليها قلت: لا قال فانظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكما» أخرجه ~~الترمذي: وقال حديث حسن. قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33): آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الآية قال ~~أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (ق) عن أنس بن مالك: أنه كان ابن عشر سنين مقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال فكانت أم هانئ تواظبني على خدمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين وتوفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان ~~أول ms2852 ما نزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش حين أصبح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم ~~خرجوا، وبقي رهط عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت ~~معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا فرجع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورجعت، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا فرجع # PageV03P433 # ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه ~~بالستر وأنزل الحجاب زاد في رواية قال دخل يعني النبي صلى الله عليه وسلم ~~البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة وهو يقول يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى قوله والله لا يستحيي من الحق (ق) ~~عن عائشة «أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل، إذا تبرزن ~~إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت ~~سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت ~~امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب ~~فأنزل الله الحجاب» المناصع المواضع الخالية، لقضاء الحاجة من البول أو ~~الغائط والصعيد وجه الأرض والأفيح الواسع (ق)، عن أنس وابن عمر أن عمر قال ~~«وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر ~~والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت الآية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن ms2853 أن يبدله أزواجا خيرا منكن ~~فنزلت كذلك. وقال ابن عباس: إنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون ~~طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام قبل أن يدرك ثم ~~يأكلون، ولا يخرجون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت ~~الآية يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم يعني إلا ~~أن تدعوا إلى طعام فيؤذن لكم فتأكلون غير ناظرين إناه يعنى منتظرين نضجه ~~ووقت إدراكه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم أي أكلتم الطعام فانتشروا ~~أي فاخرجوا من منزله وتفرقوا ولا مستأنسين لحديث أي لا تطيلوا الجلوس ~~ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك ~~إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم أي فيستحيي من إخراجكم والله لا ~~يستحيي من الحق أي لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء ولما كان الحياء مما ~~يمنع الحيي من بعض الأفعال، قال لا يستحيي من الحق بمعنى لا يمتنع منه ولا ~~يتركه ترك الحيي منكم وهذا أدب أدب الله به الثقلاء، وقيل: # بحسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم وإذا سألتموهن متاعا أي وإذا سألتم ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم حاجة فسئلوهن من وراء حجاب أي من وراء ستر ~~فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متنقبة كانت أو غير متنقبة ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن أي من ~~الريب وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله أي ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء ~~ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال إذا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنكحن عائشة. ~~قيل هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله أن ذلك محرم، وقال إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما أي ذنبا عظيما وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإيجاب حرمته حيا ms2854 وميتا وإعلامه بذلك مما طيب نفسه وسر قلبه ~~واستفرغ شكره فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمه حتى يتمنى لها الموت ~~قبله لئلا تنكح بعده. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 54 الى 56] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) لا جناح عليهن ~~في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ~~ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا ~~(55) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما (56) # إن تبدوا شيئا أي من أمر نكاحهن على ألسنتكم أو تخفوه أي في صدوركم فإن ~~الله كان بكل شيء عليما أي يعلم سركم وعلانيتكم، نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: قال رجل من الصحابة ما بالنا نمنع ~~من الدخول على بنات أعمامنا، فنزلت هذه الآية، ولما نزلت آية الحجاب قال ~~الآباء # PageV03P434 # والأبناء والأقارب لرسول الله، ونحن أيضا يا رسول الله نكلمهن من وراء ~~حجاب فأنزل الله عز وجل لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ~~ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن أي لا إثم عليهن في ترك الحجاب عن ~~هؤلاء الأصناف من الأقارب ولا نسائهن قيل أراد به النساء المسلمات، حتى لا ~~يجوز للكتابيات الدخول على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل هو عام ~~في المسلمات والكتابيات وإنما قال ولا نسائهن لأنهن من أجناسهن ولا ما ملكت ~~أيمانهن اختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرما لها أم لا فقال قوم بل ~~يكون محرما لقوله تعالى ولا ما ملكت أيمانهن، وقال قوم العبد كالأجانب ~~والمراد من الآية الإماء دون العبيد واتقين الله أي أن يراكن أحد غير هؤلاء ~~إن الله كان على كل شيء أي من أعمال العباد شهيدا قوله عز وجل إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي قال ابن عباس: أراد أن الله يرحم النبي، ~~والملائكة يدعون له وعنه أيضا يصلون يتبركون ms2855 وقيل الصلاة من الله الرحمة ~~ومن الملائكة الاستغفار فصلاة الله ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة ~~الدعاء يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه أي ادعوا له بالرحمة وسلموا تسليما ~~أي حيوه بتحية الإسلام. # فصل في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها # اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم اختلفوا ~~فقيل تجب في العمر مرة وهو الأكثر، وقيل: # تجب في كل صلاة في التشهد الأخير وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن ~~أحمد وقيل: تجب كلما ذكر واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية ~~والواجب اللهم صل على محمد وما زاد سنة (ق) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: ~~قولوا «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (ق) عن أبي حميد الساعدي قال: ~~قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال «قولوا اللهم صل على محمد وعلى ~~أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، ~~كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» (م) عن أبي مسعود البدري قال أتانا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن ~~سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك، فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قولوا «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنك حميد ~~مجيد والسلام كما قد علمتم» (م) عن أبي هريرة ms2856 قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا» عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ~~وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات» أخرجه الترمذي وله عن أبي طلحة ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر في وجهه فقلت إنا ~~لنرى البشر في وجهك قال: أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك ~~أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه ~~عشرا» وله عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ~~ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني عن أمتي السلام» عن ابن مسعود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي ~~صلاة» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وله عن علي بن أبي طالب قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي» أخرجه ~~الترمذي: وقال حديث حسن غريب صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت ~~فليقل اللهم صلي على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل ~~بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» أخرجه أبو داود. قوله عز وجل: # PageV03P435 # ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 57 الى 67] # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ~~رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا ms2857 تقتيلا (61) # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسئلك ~~الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ~~(63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا (66) # وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون فأما اليهود فقالوا: عزير ~~ابن الله ويد الله مغلولة وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وأما النصارى ~~فقالوا المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات ~~الله والأصنام شركاؤه (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يقول الله عز وجل كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ~~ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي ~~من إعادته وأما شتمه إياي، فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ~~يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: قال الله عز وجل «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي ~~أقلب الليل والنهار» معنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية ~~أن يذموا الدهر ويسبوه عند النوازل، لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال ~~الدهر فقال الله تعالى أنا الدهر أي أنا الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل ~~لذلك الذي تنسبونه إلى الدهر في زعمكم، وقيل معنى يؤذون الله يلحدون في ~~أسمائه وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير (ق) عن أبي هريرة قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم. يقول «قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ~~فليخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة» وقيل: يؤذون الله أي يؤذون أولياء ~~الله، كما روي عن النبي صلى الله ms2858 عليه وسلم قال «قال الله تعالى من آذى لي ~~وليا فقد آذنته بالحرب» وقال تعالى: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ~~ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكر ذلك على ما ~~يتعارفه الناس بينهم لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وأما ~~إيذاء الرسول فقال ابن عباس هو أنه شج وجهه وكسرت رباعيته وقيل ساحر شاعر ~~معلم مجنون والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا أي من غير أن ~~عملوا ما أوجب أذاهم وقيل يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا قيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه، ويشتمونه وقيل ~~نزلت في شأن عائشة وقيل نزلت في الزناة الذين يمشون في طرق المدينة يتبعون ~~النساء، إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيتبعون المرأة فإن سكتت تبعوها، ~~وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون ~~الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا تخرج الحرة والأمة في درع وخمار ~~فشكوا ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء، ~~فقال تعالى، يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين أي ~~يرخين ويغطين عليهن من # PageV03P436 # جلابيبهن # جمع جلباب وهو الملاءة التي تشمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل هو ~~الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، وغيره. # قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا ~~عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر وهو قوله تعالى ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ~~أي لا يتعرض لهن وكان الله غفورا رحيما أي لما سلف منهن قال أنس: مرت بعمر ~~بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة، وقال يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألق ~~القناع. لكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل العبد والأمة والخامل والقليل ~~العقل مثل قولك يا خسيس. قوله تعالى لئن لم ينته المنافقون أي عن نفاقهم ~~والذين في قلوبهم ms2859 مرض أي فجور وهم الزناة والمرجفون في المدينة أي بالكذب ~~وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوقعون في الناس أنهم قد قتلوا وهزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو هذا من ~~الأراجيف، وقيل: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتفشوا ~~الأخبار لنغرينك بهم يعني لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم ثم لا يجاورونك فيها ~~إلا قليلا أي لا يساكنونك في المدينة إلا قليلا أي حتى يخرجوا منها وقيل ~~لنسلطنك عليهم حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة ملعونين أي مطرودين أينما ~~ثقفوا أي وجدوا وأدركوا أخذوا وقتلوا تقتيلا أي الحكم فيهم هذا على الأمر ~~به سنة الله أي كسنة الله في الذين خلوا من قبل أي في المنافقين والذين ~~فعلوا مثل ما فعل هؤلاء أن يقتلوا حيثما ثقفوا ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~قوله عز وجل يسئلك الناس عن الساعة قيل إن المشركين كانوا يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، عن وقت قيام الساعة استعجالا على سبيل الهزء وكان ~~اليهود يسألونه عن الساعة امتحانا، لأن الله تعالى عمى عليهم علم وقتها في ~~التوراة فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله قل إنما ~~علمها عند الله يعني إن الله تعالى قد استأثر به ولم يطلع عليه نبيا ولا ~~ملكا وما يدريك أي أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها لعل الساعة ~~تكون قريبا أي إنها قريبة الوقوع وفيه تهديد للمستعجلين، وإسكات للممتحنين ~~إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار أي تتقلب ظهر البطن حين يسحبون عليها ~~يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا أي في الدنيا وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا يعني رؤوس الكفر الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم ~~فأضلونا السبيلا يعني عن سبيل الهدى. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 68 الى 72] # ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين آذوا ms2860 موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) # ربنا آتهم يعنون السادة والكبراء ضعفين من العذاب يعني ضعفي عذاب غيرهم ~~والعنهم لعنا كبيرا يعني لعنا متتابعا. # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا يعني فطهره الله مما قالوه فيه وكان عند الله وجيها يعني كريما ~~ذا جاه وقد قال ابن عباس كان حظيا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ~~وقيل كان مستجاب الدعوة وقيل كان محببا مقبولا واختلفوا فيما أوذي به موسى، ~~فروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كان بنو إسرائيل ~~يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل، # PageV03P437 # وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال فذهب مرة ~~يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمع موسى، بأثره يقول ثوبي ~~حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى ~~من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا» قال أبو ~~هريرة والله إن بالحجر ندبا ستة أو سبعة من ضرب موسى الحجر أخرجه البخاري ~~ومسلم وللبخاري، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن موسى كان رجلا ~~حييا ستيرا لا يرى شيء من جسده استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ~~فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة ~~وأن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على ~~الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ ~~موسى العصا وطلب الحجر وجعل يقول ms2861 ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من ~~بني إسرائيل، ورأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وبرأه مما يقولون وقام الحجر ~~فأخذ ثوبه ولبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ~~الضرب ثلاثا أو أربعا أو خمسا» فذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها الأدرة ~~عظم الخصية لنفخة فيها، وقوله فجمح أي أسرع وقوله ثوبي حجر أي دع ثوبي يا ~~حجر قوله وطفق أي جعل يضرب الحجر، وقوله ندبا هو بفتح النون والدال وهو ~~الأصح وأصله أثر الجرح، إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به الضرب، بالحجر، ~~والمحدثون يقولون ندبا بسكون الدال وقيل في معنى الآية أن أذاهم إياه، أنه ~~لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه قتله فأمر الله تعالى الملائكة ~~حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا: ~~وقيل إن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله، ~~وبرأ موسى من ذلك وأهلك قارون (ق) عن عبد الله بن مسعود قال «لما كان يوم ~~حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن ~~حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناسا من أشراف العرب ~~وآثرهم في القسمة فقال رجل والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها ~~وجه الله فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأتيته ~~فأخبرته بما قال: # فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم ~~قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» الصرف بكسر الصاد صبغ أحمر ~~يصبغ به الأديم. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا. # قال ابن عباس صوابا وقيل: عدلا وقيل صدقا وقيل قول هو لا إله إلا الله ~~يصلح لكم أعمالكم قال ابن عباس: ms2862 يتقبل حسناتكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ~~الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما أي ظفر بالخير العظيم. # قوله عز وجل إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية قال ~~ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده عرضها ~~على السموات والأرض والجبال على أنهم إذا أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم ~~وقال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت ~~وصدق الحديث، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان وأشد من هذا كله ~~الودائع وقيل: جميع ما أمروا به ونهوا عنه وقيل هي الصوم وغسل الجنابة وما ~~يخفى من الشرائع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص أول ما خلق الله من ~~الإنسان الفرج وقال: هذه الأمانة استودعكها فالفرج أمانة والأذن أمانة ~~والعين أمانة واليد أمانة والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له، وفي ~~رواية عن ابن عباس هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا ~~يغش مؤمنا، ولا معاهدا في شيء لا في قليل ولا كثير فعرض الله تعالى هذه ~~الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال وهذا قول جماعة من التابعين ~~وأكثر السلف فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن وما فيها قال: # إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن قلن يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ~~ثوابا ولا عقابا وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله تعالى: أن لا ~~يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة لأمره، وكان العرض عليهم تخييرا لا إلزاما، ~~ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل، مطيعة ~~لأمره ساجدة له قال # PageV03P438 # بعض أهل العلم ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، ~~حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقيل المراد من العرض على السموات والأرض، ~~هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها، والقول الأول أصح وهو قول ~~العلماء فأبين أن يحملنها وأشفقن منها أي خفن من الأمانة أن لا يؤدينها ~~فيلحقهن العقاب وحملها الإنسان يعني آدم قال الله ms2863 عز وجل لآدم إني عرضت ~~الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها قال ~~يا رب، وما فيها قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم فقال: بين ~~أذني وعاتقي قال الله أما إذا تحملت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت ~~أن لا تنظر إلى ما لا يحل فارخ عليه حجابه واجعل للسانك لحيين وغلاقا فإذا ~~خشيت فأغلقه، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد فما ~~كان بين أن تحملها، وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر ~~وقيل إن ما كلف الإنسان حمله بلغ من عظمه، وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما ~~خلق الله تعالى من الإجرام، وأقواه وأشده أن يحتمله ويستقل به فأبى حمله ~~وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه وضعف قوته إنه كان ظلوما جهولا. # قال ابن عباس: إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وما تحمل من الأمانة ~~وقيل ظلوما حين عصى ربه جهولا أي لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة وقيل ~~ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة، ثم لم يف بها وضمنها ولم يف بضمانها وقيل في ~~تفسير الآية أقوال أخر، وهو أن الله تعالى ائتمن السموات والأرض والجبال ~~على كل شيء، وائتمن آدم وأولاده على شيء فالأمانة في حق الأجرام العظام هي ~~الخضوع والطاعة لما خلقهن له، وقوله فأبين أن يحملنها أي أدين الأمانة ولم ~~يخن فيها وأما الأمانة في حق بني آدم، فهي ما ذكر من الطاعة والقيام ~~بالفرائض وقوله وحملها الإنسان أي خان فيها، وعلى هذا القول حكي عن الحسن ~~أنه قال الإنسان هو الكافر والمنافق حملا الأمانة وخانا فيها، والقول الأول ~~هو قول السلف وهو الأولى. # فصل # في الأمانة (ق) عن حذيفة بن اليمان قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر حدثنا «إن الأمانة نزلت في ~~جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» ثم ~~حدثنا ms2864 عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، ~~فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل ~~أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا، وليس فيه شيء ثم ~~أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة ~~حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال: للرجل ما أجلده ما أظرفه ما ~~أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى على زمان وما أبالي ~~أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ~~ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا» قوله: ~~نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال جذر الشيء أصله والوكت الأثر اليسير، ~~كالنقطة في الشيء من غير لونه، والمجل غلظ الجلد من أثر العمل وقيل إنما هو ~~النفطات في الجلد، وقد فسره الحديث والمنتبر المنتفخ وليس فيه شيء (خ) عن ~~أبي هريرة قال «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم ~~فجاء أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال ~~بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم لم يسمع حتى إذا قضى حديثه ~~قال: أين السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال إذا ضيعت الأمانة ~~فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها يا رسول الله قال: إذا وسد الأمر إلى غير ~~أهله فانتظر الساعة» وعنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم «أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن ~~غريب. قوله تعالى: # PageV03P439 # [سورة الأحزاب (33): آية 73] # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أي بما خانوا ~~الأمانة ونقضوا العهد ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات أي يهديهم ويرحمهم ~~بما أدوا من الأمانة. وقيل: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق ms2865 وشرك المشرك ~~فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب عليه أي يعود عليه بالرحمة ~~والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات وكان الله غفورا رحيما والله ~~أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV03P440 ### | سورة سبأ # مكية وهي أربع وخمسون آية وثمانمائة، وثلاثة وثلاثون كلمة وألف وخمسمائة ~~واثنا عشر حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل ~~بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) # قوله عز وجل الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض معناه أن كل ~~نعمة من الله، فهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجلها، ولما قال: الحمد ~~لله وصف ملكه فقال: الذي له ما في السموات وما في الأرض أي ملكا وخلقا وله ~~الحمد في الآخرة أي كما هو له في الدنيا لأن النعم في الدارين كلها منه، ~~فكما أنه المحمود على نعم الدنيا فهو المحمود على نعم الآخرة وقيل: الحمد ~~في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما ورد يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون ~~النفس وهو الحكيم أي الذي أحكم أمور الدارين الخبير أي بكل ما كان وما يكون ~~يعلم ما يلج في الأرض أي من المطر والكنوز والأموات وما يخرج منها أي من ~~النبات والشجر والعيون والمعادن والأموات إذا بعثوا وما ينزل من السماء أي ~~من المطر والثلج والبرد، وأنواع البركات والملائكة وما يعرج فيها أي في ~~السماء من الملائكة وأعمال العباد وهو الرحيم الغفور أي للمفرطين في أداء ~~ما وجب عليهم من شكر نعمه قوله تعالى وقال الذين ms2866 كفروا لا تأتينا الساعة ~~معناه أنهم أنكروا البعث وقيل: استبطئوا ما وعدوه من قيام الساعة على سبيل ~~اللهو والسخرية قل بلى وربي لتأتينكم يعني الساعة عالم الغيب أي لا يفوت ~~علمه شيء من الخفيات وإذا كان كذلك اندرج في علمه، وقت قيام الساعة وأنها ~~آتية لا يعزب عنه أي لا يغيب عنه مثقال ذرة يعني وزن ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض ولا أصغر من ذلك أي من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين يعني في ~~اللوح المحفوظ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة أي ~~لذنوبهم ورزق كريم يعني الجنة. ### || [سورة سبإ (34): الآيات 5 الى 12] # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) ~~ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) # PageV03P441 # والذين سعوا في آياتنا يعني في ابطال أدلتنا معجزين يعني يحسبون أنهم ~~يفوتوننا أولئك لهم عذاب من رجز أليم قيل الرجز سوء العذاب ويرى الذين ~~أوتوا العلم يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل هم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل إليك من ربك يعني القرآن هو الحق ~~يعني أنه من عند الله ويهدي أي القرآن إلى ms2867 صراط العزيز الحميد أي إلى دين ~~الإسلام وقال الذين كفروا أي المنكرين للبعث المتعجبين منه هل ندلكم أي قال ~~بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل ينبئكم يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم معناه ~~يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب وهي أنكم إذا مزقتم كل ممزق أي قطعتم كل تقطيع ~~وفرقتم كل تفريق، وصرتم ترابا إنكم لفي خلق جديد أي يقول إنكم تبعثون ~~وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا أفترى على الله كذبا أي أهو ~~مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ أم به جنة أي جنون يوهمه ذلك ~~ويلقيه على لسانه قال الله تعالى: ردا عليهم ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~من الافتراء والجنون شيء وهو مبرأ منهما بل الذين لا يؤمنون بالآخرة يعني ~~منكري البعث في العذاب والضلال البعيد أي عن الحق في الدنيا أفلم يروا إلى ~~ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض أي فيعلموا أنهم حيث كانوا في ~~أرضي وتحت سمائي، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا ~~قادر عليهم إن نشأ نخسف بهم الأرض أي كما خسفنا بقارون أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء أي كما فعلنا بأصحاب الأيكة إن في ذلك أي فيما ترون في السماء ~~والأرض لآية أي تدل على قدرتنا على البعث بعد الموت لكل عبد منيب أي تائب ~~راجع إلى الله تعالى بقلبه. قوله عز وجل ولقد آتينا داود منا فضلا يعني ~~النبوة والكتاب. وقيل الملك وقيل هو جميع ما أوتي من حسن الصوت، وغير ذلك ~~مما خص به يا جبال أوبي معه أي وقلنا يا جبال سبحي معه إذا سبح وقيل: رجعي ~~معه إذا رجع ونوحي معه إذا ناح والطير أي وأمرنا الطير أن تسبح معه فكان ~~داود إذا نادى بالتسبيح أو بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير ~~عليه من فوقه وقيل كان داود إذا لحقه ملل أو فتور أسمعه الله تعالى تسبيح ~~الجبال فينشط له وألنا له الحديد يعني كان الحديد في يده ms2868 كالشمع أو كالعجين ~~يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة قيل سبب ذلك أن داود عليه ~~السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج إلى الناس متنكرا فإذا ~~رأى إنسانا لا يعرفه تقدم إليه، وسأله عن داود فيقول له ما تقول في داود ~~وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا فقيض الله له ملكا في صورة ~~آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله فقال الملك: نعم الرجل هو ~~لولا خصلة فيه فراع داود عليه الصلاة والسلام، ذلك، وقال ما هي يا عبد الله ~~قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن ~~يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له ~~الحديد وعلمه صنعة الدروع وأنه أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح وقيل ~~إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف فيأكل منها، ويطعم عياله ويتصدق منها على ~~الفقراء والمساكين وقد صح في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال ~~كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده» أن اعمل سابغات أي دروعا ~~كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض قيل: كان يعمل كل يوم درعا وقدر في # PageV03P442 # السرد # أي ضيق في نسخ الدرع وقيل قدر المسامير في حلق الدرع ولا تجعل المسامير ~~دقاقا فتفلت ولا تثبت، ولا غلاظا فتكسر الحلق وقيل قدر في السرد أي اجعله ~~على القصد وقدر الحاجة واعملوا صالحا يريد داود وآله إني بما تعملون بصير. # قوله تعالى ولسليمان الريح أي وسخرنا لسليمان الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر معناه أن مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ومسير رواحها مسيرة ~~شهر فكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين، قيل كان يغدو من دمشق فيقيل ~~باصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من إصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر ~~للراكب المسرع وقيل إنه كان يتغذى بالري ويتعشى بسمرقندى وأسلنا له عين ~~القطر ms2869 أي أذبنا له عين النحاس قال أهل التفسير: أجريت له عين النحاس ثلاثة ~~أيام بلياليهن كجري الماء، وكان بأرض اليمن وقيل أذاب الله لسليمان النحاس ~~كما ألان لداود الحديد ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه أي بأمر ربه قال ~~ابن عباس سخر الله الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام، وأمرهم بطاعته فيما ~~يأمرهم به ومن يزغ أي يعدل منهم من الجن عن أمرنا أي الذي أمرناه به من ~~طاعة سليمان نذقه من عذاب السعير قيل هذا في الآخرة وقيل: في الدنيا وذلك ~~أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ~~ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته. # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 13 الى 14] # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم ~~على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # يعملون له ما يشاء من محاريب أي مساجد وقيل: هي الأبنية المرتفعة والقصور ~~والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، وكان مما عملوا له بيت المقدس وذلك ~~أن داود عليه الصلاة والسلام ابتدأه ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه لم ~~أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يديه ~~فلما توفي داود عليه السلام واستخلف سليمان عليه الصلاة والسلام أحب إتمام ~~بيت المقدس فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، وخص كل طائفة بعمل ~~فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والبلور من معادنهما وأمر ببناء ~~المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا وأنزل على كل ربض منها سبطا ~~من الأسباط، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين ~~فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنهما، ومنهم من يستخرج الجواهر ~~واليواقيت والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والعنبر والطيب ~~من أماكنها فأتى من ذلك بشيء كثير ms2870 لا يحصيه إلا الله تعالى ثم أحضر الصناع ~~وأمرهم بنحت تلك الأحجار وتصييرها ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت ~~واللئالئ فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين البلور ~~الصافي وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ ~~واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن على وجه تلك ~~الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد فكان يضيء في الظلمة، كالقمر ~~ليلة البدر فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، وأعلمهم أنه بناه لله ~~تعالى وأن كل شيء فيه خالص له واتخذ ذلك اليوم عيدا. روى عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن سليمان بن ~~داود لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل، حكما يوافق حكمه فأوتيه وسأل ~~الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ ~~من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا أخرجه من ~~خطيئته كيوم ولدته أمه» أخرجه النسائي ولغير النسائي، «سأل ربه ثلاثا # PageV03P443 # فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة» وذكر نحوه قوله لا ~~ينهزه أي لا ينهضه أي لا ينهضه إلا الصلاة قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ~~ما بناه سليمان عليه الصلاة والسلام حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة، وهدم ~~المسجد وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى دار ~~ملكه بالعراق وبنى الشياطين لسليمان باليمن قصورا وحصونا عجيبة من الصخر. # وقوله عز وجل وتماثيل أي ويعملون له تماثيل أي صورا من نحاس ورخام وزجاج ~~قيل كانوا يصورون السباع والطيور وغيرها، وقيل كانوا يصورون صور الملائكة ~~والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: يحتمل أن ~~اتخاذ الصور كان مباحا في شريعتهم وهذا مما يجوز أن يختلف فيه الشرائع، ~~لأنه ليس من الأمور القبيحة في العقل كالقتل والظلم والكذب، ونحوها مما ~~يقبح في كل الشرائع قيل: عملوا له أسدين تحت كرسيه ونسرين فوقه ms2871 فإذا أراد ~~أن يصعد بسط له الأسدان ذراعيهما، وإذا جلس أظله النسران بأجنحتهما وقيل: ~~عملوا له الطواويس والعقبان والنسور على درجات سريره وفوق كرسيه لكي يهابه ~~من أراد الدنو منه وجفان أي قصاع كالجواب أي كالحياض التي يجبى فيها الماء ~~أي يجتمع قيل كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها وقدور ~~راسيات أي ثابتات على أثافيها لا تحرك، ولا تنزل عن أماكنها لعظمهن وكان ~~يصعد إليها بالسلالم وكان باليمن اعملوا آل داود شكرا أي وقلنا يا آل داود ~~اعملوا بطاعة الله تعالى شكرا على نعمه قيل: المراد من آل داود نفسه وقيل ~~داود وسليمان وأهل بيته قال ثابت البناني كان داود نبي الله عليه الصلاة ~~والسلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ليل أو ~~نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي وقليل من عبادي الشكور أي قليل ~~العامل بطاعتي شكرا لنعمتي. قوله تعالى فلما قضينا عليه الموت أي على ~~سليمان قال: العلماء: كان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة ~~والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابهم ~~فدخله المرة التي مات فيها وكان سبب ذلك أنه كان لا يصبح يوما إلا وقد نبتت ~~في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا فيقول لأي ~~شيء خلقت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع. فإن كانت لغرس أمر بها فغرست ~~وإن كانت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال لها: ما أنت قالت أنا ~~الخروبة قال ولأي شيء نبت قالت لخراب مسجدك، قال سليمان: ما كان الله ~~ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، ثم نزعها وغرسها ~~في حائط له ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا ~~يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب شيئا، ويعلمون ~~ما في غد ثم دخل المحراب وقام يصلي على عادته متكئا على عصاه فمات قائما، ~~وكان للمحراب ms2872 كوى من بين يديه، ومن خلقه فكان الجن يعملون تلك الأعمال ~~الشاقة التي كانوا يعملون في حياة سليمان، وينظرون إليه ويحسبون أنه حي ولا ~~ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته، وانقطاعه قبل ذلك فمكثوا ~~يدأبون بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتا فعلموا ~~بموته قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف ~~الخشب فذلك قوله تعالى ما دلهم على موته إلا دابة الأرض يعني الأرضة تأكل ~~منسأته قال البخاري يعني عصاه فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ~~ما لبثوا في العذاب المهين معناه علمت الجن وأيقنت أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في التعب والشقاء مسخرين لسليمان، وهو ميت ويظنونه حيا أراد ~~الله تعالى بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يظنون ذلك ~~لجهلهم وقيل في معنى الآية أنه ظهر أمر الجن وانكشف للانس أنهم لا يعلمون ~~الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك ذكر أهل التاريخ أن سليمان ملك، ~~وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في الملك مدة أربعين سنة وشرع في بناء بيت ~~المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وتوفي وهو ابن ثلاث وخمسين. وقوله عز وجل: # PageV03P444 # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 15 الى 16] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية عن فروة بن مسيك المرادي قال: «لما أنزل في ~~سبأ ما أنزل قال رجل يا رسول الله: وما سبأ أرض أو امرأة قال: ليس بأرض ولا ~~امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما ~~الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد ~~والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ ~~قال الذين منهم ms2873 خثعم وبجيلة» أخرجه الترمذي مع زيادة. وقال حديث حسن غريب ~~وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان في مسكنهم أي بمأرب من أرض اليمن، آية ~~أي دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا ثم فسر الآية فقال تعالى جنتان أي بستانان ~~عن يمين وشمال يعني عن يمين الوادي وشماله وقيل عن يمين من أتاهما وشماله ~~وقيل كان لهم واد قد أحاطت به الجنتان كلوا أي قيل لهم كلوا من رزق ربكم أي ~~من ثمار الجنتين قيل كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين ~~فيمتلئ المكتل من أنواع الفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا واشكروا له أي ~~على ما رزقكم من النعمة واعملوا بطاعته بلدة طيبة أي أرض مأرب، وهي سبأ ~~بلدة طيبة فسيحة، ليست بسبخة وقيل: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ~~ولا برغوث ولا حية، ولا عقرب وكان الرجل يمر ببلدتهم، وفي ثيابه القمل ~~فيموت القمل من طيب الهواء ورب غفور قال وهب أي وربكم إن شكرتم على ما ~~رزقكم رب غفور لمن شكره. قوله عز وجل: فأعرضوا قال وهب: أرسل الله إليهم ~~ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه ~~فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا ~~إن استطاع فذلك إعراضهم فأرسلنا عليهم سيل العرم العرم الذي لا يطاق قيل: ~~كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء وقيل: العرم السكر الذي ~~يحبس الماء وقيل: العرم الوادي. # قال ابن عباس ووهب وغيرهما، كان لهم سد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا ~~يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالصخر والقار بين الجبلين ~~وجعلت لهم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وبنت دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني ~~عشر مخرجا على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا ~~عنه سدوها فإذا جاءهم المطر اجتمع إليهم ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من ~~وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من ms2874 ~~الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب ~~الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا بعدها مدة، فلما ~~طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء ~~جنانهم وأخرب أرضهم وقال وهب رأوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم أن الذي ~~يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء ~~زمان ما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فارة حمراء ~~كبيرة إلى هرة من تلك الهرار فساورتها، حتى استأخرت عنها الهرة فدخلت في ~~الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل وهم لا ~~يعلمون بذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء ~~حتى علا أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ومزقوا كل ممزق، حتى ~~صاروا مثلا عند العرب يقولون ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيادي سبا فذلك قوله ~~تعالى فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط قيل ~~هو شجر الأراك وثمرة البربر وقيل: كل نبت أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن ~~أكله، فهو خمط وقيل هو ثمر شجر يقال له فسوة الضبع على صور الخشخاش يتفرك ~~ولا ينتفع به وأثل قيل هو الطرفاء وقيل شجر يشبه الطرفاء إلا أنه # PageV03P445 # أعظم منه وشيء من سدر قليل هو شجر معروف ينتفع بورقة في الغسل وثمره ~~النبق ولم يكن السدر الذي بدلوه مما ينتفع به بل كان سدرا بريا لا يصلح ~~لشيء قيل: كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم وهو ~~قوله تعالى: # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 17 الى 22] # ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين ~~القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم ~~أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق ~~عليهم ms2875 إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من ~~سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ ~~(21) # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # ذلك جزيناهم بما كفروا أي ذلك فعلنا بهم جزاء كفرهم وهل نجازي إلا الكفور ~~أي هل يكافأ بعمله إلا الكفور لله في نعمه، قيل المؤمن يجزي ولا يجزى يجازى ~~بحسناته، ولا يكافأ بسيئاته وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها أي ~~بالماء والشجر، وهي قرى الشام قرى ظاهرة أي متواصلة تظهر الثانية من الأولى ~~لقربها منها قيل: كان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ~~ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام، وقيل: كانت ~~قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام وقدرنا فيها السير ~~أي قدرنا سيرهم بين هذه القرى فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف ~~يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى القرية ذات مياه وأشجار، فكان ما بين ~~اليمن والشام كذلك سيروا أي وقلنا لهم سيروا فيها ليالي وأياما أي في أي ~~وقت شئتم آمنين أي لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا فبطروا النعمة، وسئموا ~~الراحة وطغوا ولم يصبروا على العافية فقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي ~~كان أجدر أن نشتهيها وطلبوا الكد والتعب في الأسفار فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا وقرئ باعد بين أسفارنا أي اجعل بيننا وبين الشام مفاوز وفلوات ~~لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد فلما تمنوا ذلك عجل الله لهم الإجابة ~~وظلموا أنفسهم أي بالبطر والطغيان فجعلناهم أحاديث أي عبرة لمن بعدهم ~~يتحدثون بأمرهم وشأنهم ومزقناهم كل ممزق أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل ~~التفريق قيل: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد فأما غسان فلحقوا بالشام ومر ~~الأزد إلى عمان وخزاعة إلى تهامة ومر الأوس والخزرج ms2876 إلى يثرب، وكان الذي ~~قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد الأوس والخزرج ولحق آل خزيمة ~~بالعراق إن في ذلك لآيات أي لعبرا ودلالات لكل صبار أي عن المعاصي شكور أي ~~لله على نعمه قيل، المؤمن صابر على البلاء شاكر للنعماء وقيل: المؤمن إذا ~~أعطى شكر وإذا ابتلي صبر. قوله عز وجل ولقد صدق عليهم إبليس ظنه قيل على ~~أهل سبأ وقيل على الناس كلهم فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما يعني المؤمنين كلهم لأنهم لم يتبعوه في أصل الدين، وقيل هو ~~خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه، قال ابن قتيبة: إن إبليس لما ~~سأل النظرة فأنظره الله قال لأغوينهم ولأضلنهم ولم يكن مستيقنا وقت هذه ~~المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظنا فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ~~ما ظنه فيهم وقال الحسن إنه لم يسل عليهم سيفا، ولا ضربهم بسوط إنما وعدهم ~~ومناهم فاغتروا وما كان له عليهم من سلطان يعني ما كان تسليطنا إياه عليهم ~~إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك يعني لنرى ونميز المؤمن من ~~الكافر وأراد علم الوقوع، والظهور إذ كان معلوما # PageV03P446 # عنده لأنه عالم الغيب وربك على كل شيء حفيظ يعني رقيب وقيل حفيظ بمعنى ~~حافظ. قوله تعالى قل يعني قل يا محمد لكفار مكة ادعوا الذين زعمتم يعني ~~أنهم آلهة من دون الله والمعنى ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في ~~سني الجوع، ثم وصف عجز الآلهة فقال تعالى لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض يعني من خير وشر ونفع وضر وما لهم يعني للآلهة فيهما يعني في ~~السموات، الأرض من شرك يعني من شركة وما له يعني لله منهم يعني من الآلهة ~~من ظهير عون. # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 23 الى 31] # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم ms2877 من السماوات ~~والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسئلون ~~عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا ~~بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو ~~الله العزيز الحكيم (27) # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له يعني أذن الله له في الشفاعة قاله ~~تكذيبا للكفار حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقيل: يجوز أن يكون ~~المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له حتى إذا فزع عن قلوبهم معناه كشف ~~الفزع وأخرج عن قلوبهم قيل هم الملائكة وسبب ذلك من غشية تصيبهم عند سماع ~~كلام الله تعالى (خ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها» ~~فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الذي قال الحق وهو العلي ~~الكبير وللترمذي «إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعا ~~لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير» قال الترمذي حديث حسن صحيح قوله: خضعا جمع ~~خاضع وهو المنقاد المطمئن والصفوان الحجر الأملس عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة، ~~فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون ~~يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول الحق فيقولون الحق» أخرجه أبو داود. الصلصلة ~~صوت الأجراس الصلبة بعضها على ms2878 بعض، وقيل: إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة، ~~قيل كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة أو ~~ستمائة، لم تسمع الملائكة فيها صوت وحي فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كلم جبريل بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلما سمعت الملائكة ~~ظنوا أنها الساعة، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم، عند أهل السموات من أشراط ~~الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة فلما انحدر جبريل جعل يمر ~~بأهل كل سماء، فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم: ~~قالوا قال الحق يعني الوحي وهو العلي الكبير وقيل: الموصوفون بذلك هم ~~المشركون وقيل إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند نزول الموت قالت الملائكة لهم ~~ماذا قال ربكم في الدنيا لإقامة الحجة عليهم؟ قالوا: الحق فأقروا به حين لم ~~ينفعهم الإقرار وهو العلي الكبير أي ذو العلو والكبرياء. # PageV03P447 # قوله عز وجل قل من يرزقكم من السماوات والأرض يعني المطر والنبات قل الله ~~يعني إن لم يقولوا إن رزاقنا هو الله فقل: أنت إن رازقكم هو الله وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين معناه ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد ~~الفريقين مهتد والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك بل جهة الإلزام والإنصاف ~~في الحجاج، كما يقول القائل أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى ومن خالفه في ضلال فكذبهم ~~من غير أن يصرح بالتكذيب ومنه بيت حسان: # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # وقيل أو بمعنى الواو، ومعنى الآية إنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين قل ~~لا تسئلون عما أجرمنا أي لا تؤاخذون به ولا نسئل عما تعملون أي من الكفر ~~والتكذيب وقيل أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن ~~وبالعمل الكفر والمعاصي العظام قل يجمع بيننا ربنا أي يوم القيامة ثم يفتح ~~يعني يقضي ويحكم بيننا بالحق يعني بالعدل وهو الفتاح يعني القاضي ms2879 العليم ~~يعني بما يقضي قل أروني أعلموني الذين ألحقتم به يعني بالله شركاء يعني ~~الأصنام التي أشركوها معه في العبادة هل يخلقون أو يرزقون وأراد بذلك أن ~~يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله كلا كلمة ردع لهم عن مذهبهم ~~والمعنى ارتدعوا فإنهم لا يخلقون ولا يرزقون بل هو الله العزيز أي الغالب ~~على أمره الحكيم أي في تدبير خلقه فأنى يكون له شريك في ملكه. قوله عز وجل ~~وما أرسلناك إلا كافة للناس يعني للناس كلهم عامة أحمرهم وأسودهم عربيهم ~~وعجميهم وقيل الرسالة عامة لهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها ~~أحد (ق) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهور، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ~~وبعثت إلى الناس عامة». في الحديث بيان الفضائل التي خص الله بها نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء، وأن هذه الخمسة لم تكن لأحد ~~ممن كان قبله من الأنبياء، وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس ~~والجن وكان النبي قبله يبعث إلى قومه أو إلى أهل بلده فعمت رسالة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، جميع الخلق وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه ~~وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وقيل في معنى كافة أي كافا تكفهم عما هم عليه ~~من الكفر فتكون الهاء للمبالغة بشيرا أي لمن آمن بالجنة ونذيرا أي لمن كفر ~~بالنار ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~يعني يوم القيامة قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ~~معناه لا تتقدمون على يوم القيامة وقيل: عن يوم الموت ولا تتأخرون عنه بأن ~~يزاد في آجالهم أو ينقص منها وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه ms2880 يعني التوراة والإنجيل ولو ترى أي يا محمد إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول معناه ولو ترى في الآخرة موقفهم ~~وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب يقول الذين ~~استضعفوا وهم الأتباع للذين استكبروا وهو القادة والأشراف لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين يعني أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله. # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 32 الى 39] # قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون ~~في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) # PageV03P448 # قال الذين استكبروا أي أجاب المتبوعون في الكفر للذين استضعفوا أنحن ~~صددناكم أي منعناكم عن الهدى أي عن الإيمان بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين أي ~~بترك الإيمان وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار أي ~~مكركم بنا في الليل والنهار وقيل مكر الليل والنهار هو طول السلامة في ~~الدنيا وطول الأمل فيها إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا أي هو ~~قول القادة للأتباع إن ديننا الحق وإن محمد كذاب ساحر وهذا تنبيه للكفار أن ~~تصير طاعة بعضهم لبعض في الدنيا سبب عداوتهم في الآخرة وأسروا الندامة أي ~~أظهروها وقيل: أخفوها وهو من الأضداد لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في ~~أعناق ms2881 الذين كفروا أي في النار الأتباع والمتبوعين جميعا هل يجزون إلا ما ~~كانوا يعملون أي من الكفر والمعاصي في الدنيا. # قوله عز وجل وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها أي رؤساؤها ~~وأغنياؤها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا يعني المترفين والأغنياء ~~للفقراء الذين آمنوا نحن أكثر أموالا وأولادا يعني لو لم يكن الله راضيا ~~بما نحن عليه من الدين والعمل الصالح لم يخولنا أموالا ولا أولادا وما نحن ~~بمعذبين أي إن الله قد أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في ~~الآخرة قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يعني أنه تعالى يبسط الرزق ~~ابتلاء وامتحانا ولا يدل البسط على رضا الله تعالى ولا التضييق على سخطه ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي إنها كذلك وما أموالكم ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى أي بالتي تقربكم عندنا تقريبا إلا أي لكن من آمن وعمل ~~صالحا قال ابن عباس يريد إيمانه وعلمه يقربه مني فأولئك لهم جزاء الضعف بما ~~عملوا أي يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة وهم ~~في الغرفات آمنون والذين يسعون في آياتنا أي يعملون في إبطال حججنا معاجزين ~~أي معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتنا أولئك في العذاب محضرون. قوله عز ~~وجل قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء ~~فهو يخلفه أي يعطي خلفه إذا كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ويعوضه ~~لا معوض سواه إما عاجلا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما ~~بالثواب في الآخرة الذي كل خلف دونه، وقيل ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم من ~~خير فهو يخلفه على المنفق. قال مجاهد: من كان عنده من هذا المال ما يقيمه ~~فليقتصد، فإن الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه ~~فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقره، ولا يتأولن وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه فإن هذا ms2882 في الآخرة ومعنى الآية ما كان من خلف فهو منه (ق) عن ~~ابن هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى: ~~أنفق ينفق عليك» ولمسلم «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» (ق) عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان يقول ~~أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا» (م) عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله ~~عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» وهو خير الرازقين أي ~~خير من يعطي ويرزق لأن كل ما رزق غيره من سلطان يرزق جنده أو سيد يرزق ~~مملوكه أو رجل يرزق عياله فهو من رزق الله أجراه الله على أيدي هؤلاء وهو ~~الرزاق الحقيقي الذي لا رازق سواه. قوله تعالى: # PageV03P449 # ### || [سورة سبإ (34): الآيات 40 الى 49] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك ~~مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) # وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل إن ربي يقذف ~~بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما ms2883 يعيد (49) # ويوم يحشرهم جميعا يعني هؤلاء الكفار ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون أي في الدنيا وهذا استفهام تقريع وتقرير للكفار فتتبرأ ~~الملائكة منهم من ذلك وهو قوله تعالى قالوا سبحانك أي تنزيها لك أنت ولينا ~~من دونهم أي نحن نتولاك ولا نتولاهم فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة ~~الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم بل كانوا يعبدون الجن يعني الشياطين. ~~فان قلت قد عبدوا الملائكة فكيف وجه قوله بل كانوا يعبدون الجن. قلت أراد ~~أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة فأطاعوهم في ذلك فكانت طاعتهم ~~للشياطين عبادة لهم وقيل صوروا لهم صورا وقالوا لهم هذه صور الملائكة ~~فاعبدوها فعبدوها وقيل كانوا يدخلون في أجواف الأصنام فيعبدون بعبادتها ~~أكثرهم بهم مؤمنون يعني مصدقون للشياطين قال الله تعالى فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا أي شفاعة ولا ضرا أي بالعذاب يريد أنهم عاجزون ولا نفع ~~عندهم ولا ضر ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ~~يعنون القرآن وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين وما ~~آتيناهم يعني هؤلاء المشركين من كتب يدرسونها أي يقرءونها وما أرسلنا إليهم ~~قبلك من نذير أي لم يأت العرب قبلك نبي ولا أنزل إليهم كتاب وكذب الذين من ~~قبلهم أي من الأمم السالفة رسلنا وما بلغوا يعني هؤلاء المشركين معشار أي ~~عشر ما آتيناهم أي أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول الأعمار ~~فكذبوا رسلي فكيف كان نكير أي إنكاري عليهم يحذر بذلك كفار هذه الأمة عذاب ~~الأمم الماضية. قوله عز وجل قل إنما أعظكم أي آمركم وأوصيكم بواحدة أي ~~بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال تعالى أن تقوموا لله أي لأجل الله مثنى ~~أي اثنين وفرادى أي واحدا واحدا ثم تتفكروا أي تجتمعوا جميعا فتنظروا ~~وتتحاوروا وتتفكروا في ms2884 حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا أن ما بصاحبكم ~~من جنة ومعنى الآية إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي ~~أن تقوموا لله وليس المراد به القيام على القدمين ولكن هو الانتصاب في ~~الأمر والنهوض فيه بالهمة فتقوموا لوجه الله خالصا ثم تتفكروا في أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وما جاء به أما الاثنان فيتفكران، ويعرض كل منهما محصول ~~فكره على صاحبه لينظرا فيه نظر متصادقين متناصفين لا يميل بهما اتباع الهوى ~~وأما الفرد فيفكر في نفسه أيضا بعدل ونصفة هل رأينا في هذا الرجل جنونا قط ~~أو جربنا عليه كذبا قط وقد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما به من جنة ~~بل قد علمتم أنه من أرجح قريش عقلا وأوزنهم حلما وأحدهم ذهنا وأرصنهم رأيا ~~وأصدقهم قولا وأزكاهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحونه به وإذا ~~علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية وإذا جاء بها تبين أنه نبي نذير مبين صادق ~~فيما جاء # PageV03P450 # به وقيل: تم الكلام عند قوله: ثم تتفكروا أي في السموات والأرض فتعلموا ~~أنه خالقها واحد لا شريك له ثم ابتدأ فقال ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد قل ما سألتكم # أي على تبليغ الرسالة من أجر أي جعل فهو لكم أي لم أسألكم شيئا إن أجري ~~أي ثوابي إلا على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق أي يأتي ~~بالوحي من السماء فيقذفه إلى الأنبياء علام الغيوب أي خفيات الأمور قل جاء ~~الحق أي القرآن والإسلام وما يبدئ الباطل وما يعيد أي ذهب الباطل وزهق فلم ~~تبق منه بقية تبدئ شيئا أو تعيده وقيل الباطل هو إبليس والمعنى لا يخلق ~~إبليس أحدا ابتداء ولا يبعثه إذا مات وقيل الباطل الأصنام. ### || [سورة سبإ (34): الآيات 50 الى 54] # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع ~~قريب (50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ms2885 وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا ~~به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب ~~من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب (54) # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له إنك قد ~~ضللت حين تركت دين آبائك فقال الله تعالى قل إن ضللت فيما تزعمون أنتم ~~فإنما أضل على نفسي أي إثم ضلالتي على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~أي في القرآن والحكمة إنه سميع قريب قوله عز وجل ولو ترى أي يا محمد إذ ~~فزعوا أي عند البعث أي حين يخرجون من قبورهم وقيل عند الموت فلا فوت أي لا ~~يفوتوننا ولا نجاة لهم وأخذوا من مكان قريب قيل من تحت أقدامهم، وقيل أخذوا ~~من بطن الأرض إلى ظهرها وحيثما كانوا فإنهم من الله قريب لا يفوتونه، ولا ~~يعجزونه وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وقيل: هو ~~خسف بالبيداء ومعنى الآية ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به وقالوا ~~آمنا به أي حين عاينوا العذاب قيل هو عند اليأس وقيل هو عند البعث وأنى لهم ~~التناوش أي التناول والمعنى كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة ~~وقد كان قريبا منهم في الدنيا فضيعوه وقال ابن عباس يسألون الرد إلى الدنيا ~~فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي من الآخرة إلى الدنيا وقد ~~كفروا به من قبل أي القرآن وقيل بمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن ~~يعاينوا العذاب وأهوال القيامة ويقذفون بالغيب من مكان بعيد قيل هو الظن ~~لأن علمه غاب عنهم والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون، والمعنى يرمون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون وهو قولهم إنه ~~شاعر ساحر كاهن لا علم له بذلك وقيل يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ~~ولا نار ms2886 وحيل بينهم وبين ما يشتهون أي الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا ~~ونعيمها وزهرتها كما فعل بأشياعهم أي بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من ~~الكفار من قبل أي لم تقبل منهم التوبة في وقت اليأس إنهم كانوا في شك أي من ~~البعث ونزول العذاب بهم مريب أي موقع الريبة والتهمة، والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. # PageV03P451 ### | سورة فاطر # وتسمى سورة الملائكة مكية وهي خمس وأربعون آية وتسعمائة وسبعون كلمة ~~وثلاثة آلاف ومائة وثلاثون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة فاطر (35): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) # قوله عز وجل الحمد لله فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير ~~مثال سبق جاعل الملائكة رسلا أي إلى الأنبياء أولي أجنحة أي ذوي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع أي بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة أجنحة وبعضهم له أربعة ~~يزيد في الخلق ما يشاء أي يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء. قال عبد الله بن ~~مسعود في قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال رأى جبريل في صورته له ~~ستمائة جناح، وقيل في قوله يزيد في الخلق ما يشاء هو حسن الصوت وقيل حسن ~~الخلق وتمامه وقيل هو الملاحة في العينين وقيل هو العقل والتمييز إن الله ~~على كل شيء قدير أي مما يريد أن يخلقه. قوله تعالى ما يفتح الله للناس من ~~رحمة قيل المطر وقيل من خير ورزق فلا ممسك لها أي لا يستطيع أحد حبسها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده أي لا يقدر أحد على فتح ما أمسك وهو العزيز يعني ~~فيما أمسك الحكيم أي فيما أرسل (م) عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول في دبر ms2887 كل صلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي ~~لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» والجد الغنى والبخت أي لا ينفع ~~المبخوت والغني حظه وغناه لأنهما منك إنما ينفعه الإخلاص والعمل بطاعتك. ~~قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35): الآيات 3 الى 10] # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب ~~شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ~~(9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # PageV03P452 # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم قيل الخطاب لأهل مكة ونعمة الله ~~عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم هل من خالق غير الله أي لا خالق إلا ~~الله وهو استفهام تقرير وتوبيخ يرزقكم من السماء أي المطر والأرض أي النبات ~~لا إله إلا هو فأنى تؤفكون أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله ~~وإنكار البعث وأنتم مقرون بأن الله خالقكم ورازقكم وإن يكذبوك فقد كذبت رسل ~~من قبلك يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الله ترجع الأمور أي فيجزي ~~المكذب من الكفار بتكذيبه. قوله تعالى يا أيها الناس إن وعد الله حق أي وعد ~~القيامة فلا تغرنكم الحياة ms2888 الدنيا أي لاتخد عنكم بلذاتها وما فيها عن عمل ~~الآخرة وطلب ما عند الله ولا يغرنكم بالله الغرور أي لا يقل لكم اعملوا ما ~~شئتم فان الله يغفر كل ذنب وخطيئة ثم بين الغرور من هو فقال تعالى إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا أي عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه فيما يأمركم ~~به من الكفر والمعاصي إنما يدعوا حزبه أي أشياعه وأولياءه ليكونوا من أصحاب ~~السعير ثم بين حال موافقيه ومخالفته فقال تعالى الذين كفروا لهم عذاب شديد ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير. # قوله عز وجل أفمن زين له سوء عمله قال ابن عباس نزلت في أبي جهل ومشركي ~~مكة وقيل نزلت في أصحاب الأهواء والبدع ومنهم الخوارج الذين يستحلون دماء ~~المسلمين وأموالهم وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم لأنهم لا يستحلونها ~~ويعتقدون تحريمها مع ارتكابهم إياها ومعنى زين له شبه له وموه عليه قبيح ~~عمله فرآه حسنا وفي الآية حذف مجازه أفمن زين له سوء عمله فرأي الباطل حقا ~~كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء وقيل مجاز الآية أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء والحسرة شدة الحزن على ما فات ~~والمعنى لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا إن الله عليم بما يصنعون فيه ~~وعيد بالعقاب على سوء صنيعهم والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا أي تزعجه ~~من مكانه وقيل تجمعه وتجيء به فسقناه أي فنسوقه إلى بلد ميت فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها كذلك النشور أي مثل إحياء الموات نشور الأموات روى ابن ~~الجوزي في تفسيره عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله كيف يحيي الله ~~الموتى وما آية ذلك في خلقه فقال «هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز ~~خضرا قلت نعم قال كذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه» قوله تعالى من ~~كان يريد ms2889 العزة فلله العزة جميعا قيل معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة ~~فلله العزة جميعا وقيل معناه من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله وهو ~~دعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته، وذلك أن ~~الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز، فبين الله أن لا عزة إلا لله ~~ولرسوله ولأوليائه المؤمنين إليه يعني إلى الله يصعد الكلم الطيب قيل هو ~~قول لا إله إلا الله وقيل هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر روى البغوي باسناده عن ابن مسعود قال «إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم ~~بمصداقه من كتاب الله عز وجل ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات سبحانه الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، إلا أخذهن ملك تحت ~~جناحه ثم يصعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن ~~حتى يجيء بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله قوله: إليه يصعد الكلم ~~الطيب» هذا حديث موقوف على ابن مسعود وفي إسناده الحجاج بن نصير ضعيف، وقيل ~~الكلم الطيب ذكر الله تعالى وقيل معنى إليه يصعد أي يقبل الله الكلم # PageV03P453 # الطيب والعمل الصالح يرفعه قال ابن عباس أي يرفع العمل الصالح الكلم ~~الطيب، وقيل الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء الفرائض فمن ذكر ~~الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وليس الإيمان بالتمني وليس بالتحلي ~~ولكن ما وقرفي القلوب وصدقته الأعمال فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله ~~عليه قوله ومن قال حسنا وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وجاء في الحديث «لا يقبل الله قولا ~~إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية» وقيل الهاء في يرفعه راجعة إلى العمل ~~الصالح أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يقبل عملا إلا أن يكون صادرا ~~عن توحيد وقيل معناه العمل الصالح يرفعه الله وقيل العمل الصالح هو الخالص، ~~وذلك أن ms2890 الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال والذين يمكرون ~~السيئات أي يعملون السيئات أي الشرك وقيل يعني الذين مكروا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في دار الندوة وقيل هم أصحاب الرياء لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور أي يبطل ويهلك في الآخرة. قوله عز وجل: # ### || [سورة فاطر (35): الآيات 11 الى 19] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر ~~لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) ~~يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ~~إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) # والله خلقكم من تراب يعني آدم ثم من نطفة يعني ذريته ثم جعلكم أزواجا ~~يعني أصنافا ذكرانا وإناثا وقيل زوج بعضكم بعضا وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه وما يعمر من معمر يعني لا يطول عمر أحد ولا ينقص من عمره يعني ~~عمر آخر، وقيل ينصرف إلى الأول قال سعيد بن جبير، مكتوب في أم الكتاب عمر ~~فلان كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان، ذهب ثلاثة أيام ~~حتى ينقطع عمره، وقيل ms2891 معناه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب قال ~~كعب الأحبار حين حضرت عمر الوفاة والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر، ~~فقيل له إن الله تعالى يقول فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~قال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ذلك وقرأ هذه الآية إلا ~~في كتاب يعني اللوح المحفوظ إن ذلك على الله يسير أي كتابة الآجال والأعمال ~~على الله هين. قوله تعالى وما يستوي البحران يعني العذب والمالح ثم وصفهما ~~فقال هذا عذب فرات أي طيب يكسر العطش سائغ شرابه أي سهل في الحلق هنيء مريء ~~وهذا ملح أجاج أي شديد الملوحة يحرق الحلق بملوحته وقيل هو المر ومن كل ~~يعني من البحرين تأكلون لحما طريا يعني السمك وتستخرجون يعني من الملح دون ~~العذب حلية تلبسونها يعني اللؤلؤ والمرجان وقيل نسب اللؤلؤ إليهما لأنه ~~يكون في البحر المالح عيون عذبة فتمتزج بالملح فيكون # PageV03P454 # اللؤلؤ منهما وترى الفلك فيه مواخر يعني جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة ~~لتبتغوا من فضله يعني بالتجارة ولعلكم تشكرون يعني تشكرون الله على نعمه ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه يعني الأصنام ما ~~يملكون من قطمير هو لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة ~~إن تدعوهم يعني الأصنام لا يسمعوا دعاءكم يعني أنهم جماد ولو سمعوا أي على ~~سبيل الفرض والتمثيل ما استجابوا لكم أي ما أجابوكم وقيل ما نفعوكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها ولا ينبئك مثل ~~خبير يعني نفسه أي لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء قوله تعالى يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله يعني إلى فضله وإحسانه والفقير المحتاج ~~إلى من سواه والخلق كلهم محتاجون إلى الله فهم الفقراء والله هو الغني عن ~~خلقه لا يحتاج إليهم الحميد يعني المحمود في إحسانه إليهم المستحق ms2892 بإنعامه ~~عليهم أن يحمدوه إن يشأ يذهبكم لاتخاذكم أندادا وكفركم بآياته ويأت بخلق ~~جديد يعني يخلق بعدكم من يعبده ولا يشرك به شيئا وما ذلك على الله بعزيز أي ~~يمتنع ولا تزر وازرة وزر أخرى يعني أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا ~~وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ بذنب غيرها فان قلت كيف الجمع بين هذه الآية ~~وبين قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم. قلت هذه الآية في الضالين ~~وتلك في المضلين أنهم يحملون أثقال من أضلوه من الناس مع أثقال أنفسهم وذلك ~~كله من كسبهم وإن تدع مثقلة إلى حملها معناه وإن تدع نفس مثقلة بذنوبها إلى ~~حمل ذنوب غيرها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى يعني ولو كان المدعو ذا ~~قرابة كالأب والأم والابن والأخ قال ابن عباس يعلق الأب والأم بالابن فيقول ~~يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي إنما تنذر الذين ~~يخشون ربهم بالغيب يعني يخافون ربهم بالغيب يعني لم يروه والمعنى وإنما ~~ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى يعني أصلح ~~وعمل خيرا فإنما يتزكى لنفسه يعني لها ثوابه وإلى الله المصير وما يستوي ~~الأعمى والبصير يعني الجاهل والعالم وقيل الأعمى عن الهدى وهو الشرك ~~والبصير بالهدى وهو المؤمن. # ### || [سورة فاطر (35): الآيات 20 الى 32] # ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ~~ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت ~~إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير (24) # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ~~ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ms2893 (28) إن ~~الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~يرجون تجارة لن تبور (29) # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) والذي أوحينا إليك من ~~الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) # PageV03P455 # ولا الظلمات ولا النور يعني الكفر والإيمان ولا الظل ولا الحرور يعني ~~الجنة والنار وقال ابن عباس: الحرور الريح الحارة بالليل والسموم بالنهار ~~وما يستوي الأحياء ولا الأموات يعني المؤمنين والكفار وقيل العلماء والجهال ~~إن الله يسمع من يشاء يعني حتى يتعظ ويجيب وما أنت بمسمع من في القبور يعني ~~الكفار شبههم بالأموات في القبور لأنهم لا يجيبون إذا دعوا إن أنت إلا نذير ~~أي ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا يعني ~~بشيرا بالثواب لمن آمن ونذيرا بالعقاب لمن كفر وإن من أمة أي من جماعة ~~كثيرة فيما مضى إلا خلا أي سلف فيها نذير أي نبي منذر. فان قلت كم من أمة ~~في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخل فيها نذير. قلت: إذا ~~كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلا أن تندرس، وحين اندرست آثار ~~رسالة عيسى عليه السلام بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم وآثار نذارته ~~باقية إلى يوم للقيامة لأنه لا نبي بعده وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ~~جاءتهم رسلهم بالبينات أي بالمعجزات الدالة على نبوتهم وبالزبر أي الصحف ~~وبالكتاب المنير أي الواضح قيل أراد بالكتاب التوراة والإنجيل والزبور وقيل ~~ذكر الكتاب بعد الزبر تأكيدا ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء يعني المطر فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها يعني ~~أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب والرطب ونحوها وقيل يعني ألوانها ~~في الحمرة والصفرة والخضرة وغير ذلك مما لا يحصر ولا يعد ومن الجبال ms2894 جدد ~~بيض وحمر يعني الخطط والطرق في الجبال مختلف ألوانها يعني منها ما هو أبيض ~~ومنها ما هو أحمر ومنها ما هو أصفر وغرابيب سود يعني شديدة السواد كما يقال ~~أسود غربيب تشبيها بلون الغراب ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ~~يعني خلق مختلف ألوانه كذلك يعني كاختلاف الثمرات والجبال وتم الكلام ها ~~هنا، ثم ابتدأ فقال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء قال ابن عباس ~~يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني وقيل: عظموه وقدروا ~~قدره وخشوه حق خشيته ومن ازداد به علما ازداد به خشية (ق) عن عائشة قالت ~~صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال «ما بال أقوام يتنزهون عن ~~الشيء أصنعه فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» قولها فرخص فيه أي ~~لم يشدد فيه قولها فتنزه عن أقوام أي تباعد عنه وكرهه قوم (ق) عن أنس قال ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال «لو تعلمون ~~ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجوههم لهم خنين الخنين بالخاء المعجمة، هو البكاء مع غنة وانتشاق ~~الصوت من الأنف وقال مسروق كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا ~~وقال رجل للشعبي أفتني أيها العالم فقال الشعبي إنما العالم من خشي الله عز ~~وجل وقال مقاتل أشد الناس خشية لله أعلمهم به، وقال الربيع بن أنس: من لم ~~يخش الله فليس بعالم إن الله عزيز أي من ملكه غفور يعني لذنوب عباده وهو ~~تعليل لوجوب الخشية لأنه المثيب المعاقب وإذا كان كذلك فهو أحق أن يخشى ~~ويتقى. قوله عز وجل إن الذين يتلون كتاب الله أي يداومون على قراءته ~~ويعلمون ما فيه ويعملون به وأقاموا الصلاة أي ويقيمون الصلاة في أوقاتها ~~وأنفقوا مما رزقناهم يعني في سبيل الله سرا وعلانية يرجون ms2895 تجارة لن تبور ~~يعني لن تفسد ولن تهلك والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله قال ابن عباس سوى الثواب يعني مما لم تر عين ولم ~~تسمع أذن إنه غفور شكور قال ابن عباس: يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير ~~من أعمالهم والذي أوحينا إليك من الكتاب يعني القرآن هو الحق مصدقا لما بين ~~يديه يعني من الكتب إن الله بعباده لخبير بصير. # قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب يعني أوحينا إليك الكتاب وهو القرآن ثم ~~أورثناه يعني حكمنا بتوريثه وقيل أورثناه بمعنى نورثه الذين اصطفينا من ~~عبادنا قال ابن عباس يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله اصطفاهم ~~على سائر الأمم واختصهم بكرامته بأن جعلهم أتباع سيد الرسل وخصهم بحمل أفضل ~~الكتب ثم قسمهم ورتبهم فقال تعالى # PageV03P456 # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات روي عن أسامة بن زيد ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلهم من هذه الأمة» ذكره البغوي ~~بغير سند وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه ~~الآية «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله قال هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم ~~في الجنة» أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ ~~هذه الآية على المنبر ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فقال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور ~~له» قال أبو قلابة أحد رواته فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه أخرجه ~~البغوي بسنده وروى بسنده عن ثابت «أن رجلا دخل المسجد فقال اللهم ارحم ~~غربتي وآنس وحشتي وسق إلي جليسا صالحا فقال أبو الدرداء لئن كنت صادقا لأنا ~~أسعد بك منك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات ms2896 قال أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد ~~فيحاسب حسابا يسيرا وأما ظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم ~~يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة عن قول الله عز وجل ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا الآية. فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما السابق ~~فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما ~~الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا» وقال ابن عباس السابق المؤمن ~~المخلص والمقتصد المرائي والظالم الكافر، نعمة الله غير الجاحد لها لأنه ~~حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال «جنات عدن يدخلونها» وقيل الظالم هم أصحاب ~~المشأمة والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق هم السابقون المقربون من الناس ~~كلهم وقيل: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوت سيئاته ~~وحسناته والظالم من رجحت سيئاته على حسناته وقيل الظالم من كان ظاهره خيرا ~~من باطنه والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه والسابق الذي باطنه خير من ~~ظاهره وقيل الظالم التالي للقرآن ولم يعمل به والمقتصد التالي له العامل به ~~والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه وقيل الظالم أصحاب الكبائر ~~والمقتصد أصحاب الصغائر والسابق الذي لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة وقيل الظالم ~~الجاهل، والمقتصد المتعلم والسابق العالم. فان قلت لم قدم الظالم ثم ~~المقتصد ثم السابق. قلت: قال جعفر الصادق بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا ~~يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ثم ثنى بالمقتصدين، ~~لأنهم بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في ~~الجنة وقيل رتبهم الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العباد ثلاثة معصية ~~وغفلة ثم توبة، ثم قربة فإذا عصى الرجل دخل في حيز الظالمين، فإذا تاب دخل ~~في جملة المقتصدين فإذا صحت توبته وكثرت عبادته ومجاهدته ms2897 دخل في عداد ~~السابقين، وقيل قدم الظالم لكثرة الظلم وغلبته ثم المقتصد قليل بالإضافة ~~إلى الظالمين، والسابق أقل من القليل فلهذا أخرهم ومعنى سابق بالخيرات أي ~~بالأعمال الصالحة إلى الجنة، أو إلى رحمة الله بإذن الله أي بأمر الله ~~وإرادته ذلك هو الفضل الكبير يعني إيراثهم الكتاب، واصطفاءهم ثم أخبر ~~بثوابهم فقال تعالى: # ### || [سورة فاطر (35): الآيات 33 الى 35] # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) # جنات عدن يدخلونها يعني الأصناف الثلاثة يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها # PageV03P457 # حرير # تقدم تفسيره وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن قال ابن عباس حزن ~~النار وقيل حزن الموت وقيل حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات وأنهم لا ~~يدرون ما يصنع بهم وقيل حزن زوال النعم وتقليب القلوب وخوف العاقبة وقيل ~~حزن أهوال يوم القيامة وهموم الحصر والمعيشة في الدنيا وقيل ذهب عن أهل ~~الجنة كل حزن كان لمعاش أو معاد. روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا ~~في نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» إن ربنا لغفور شكور يعني غفر العظيم من ~~الذنوب وشكر القليل من الأعمال الذي أحلنا يعني أنزلنا دار المقامة أي ~~الإقامة من فضله أي لا بأعمالنا لا يمسنا فيها نصب أي لا يصيبنا فيها عناء ~~ولا مشقة ولا يمسنا فيها لغوب أي إعياء من التعب. قوله تعالى: # ### || [سورة فاطر (35): الآيات 36 الى 43] # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ms2898 ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) ~~استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا أي فيستريحوا مما هم ~~فيه ولا يخفف عنهم من عذابها أي من عذاب النار كذلك نجزي كل كفور وهم ~~يصطرخون أي يستغيثون ويصيحون فيها يقولون ربنا أخرجنا أي من النار نعمل ~~صالحا غير الذي كنا نعمل أي في الدنيا من الشرك والسيئات فيقول الله تعالى ~~توبيخا لهم أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر قيل: هو البلوغ وقيل ثمان ~~عشرة سنة وقيل أربعون سنة وقال ابن عباس ستون سنة ويروى ذلك عن علي وهو ~~العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «أعذر الله إلى كل امرئ آخر أجله حتى بلغ ستين سنة» عنه ~~بإسناد الثعلبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعمار أمتي ما بين ~~الستين إلى السبعين» وجاءكم النذير يعني محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن ~~قاله ابن عباس: وقيل هو الشيب والمعنى أو لم نعمركم حتى شبتم. ويقال الشيب: ~~نذير الموت وفي الأثر ms2899 «ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب ~~الموت» فذوقوا أي يقال لهم ذوقوا العذاب فما للظالمين من نصير أي لهم من ~~مانع يمنعهم من عذابه إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور # يعني إنه إذا علم ذلك وهو أخفى ما يكون، فقد علم غيب كل شيء في العالم. ~~قوله تعالى هو الذي جعلكم خلائف في الأرض أي يخلف بعضكم بعضا وقيل جعلكم ~~أمة خلفت من قبلها من الأمم ورأت ما ينبغي أن يعتبر به، وقيل جعلكم خلفاء ~~في أرضه وملككم منافعها ومقاليد التصرف فيها لتشكروه بالتوحيد والطاعة فمن # PageV03P458 # كفر # أي جحد هذه النعمة وغطمها فعليه كفره أي وبال كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا يعني غضبا وقيل المقت أشد البغض ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا يعني في الآخرة قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ~~يعني الأصنام جعلتموها شركاء بزعمكم أروني ماذا خلقوا من الأرض يعني أي جزء ~~استبدوا بخلقه من الأرض أم لهم شرك في السماوات أي خلق في السموات والأرض ~~أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه أي على حجة وبرهان من ذلك بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم يعني الرؤساء بعضا إلا غرورا يعني قولهم هؤلاء الأصنام ~~شفعاؤنا عند الله. قوله عز وجل إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا يعني ~~لكي لا تزولا فيمنعهما من الزوال والوقوع وكانتا جديرتين بأن تزولا وتهدهد ~~العظم كلمة الشرك ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده يعني ليس يمسكهما ~~أحد سواه إنه كان حليما غفورا يعني غير معاجل بالعقوبة حيث أمسكهما وكانتا ~~قد همتا بعقوبة الكفار لولا حلمه وغفرانه وأقسموا بالله جهد أيمانهم يعني ~~كفار مكة وذلك لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا لعن الله اليهود ~~والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله لو جاءنا نذير لنكونن أهدى ~~دينا منهم وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد كذبوه ~~فأنزل الله هذه الآية وأقسموا بالله ms2900 جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير يعني رسول ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم يعني اليهود والنصارى فلما جاءهم نذير يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ما زادهم مجيئه إلا نفورا يعني تباعدا عن الهدى ~~استكبارا في الأرض يعني عتوا وتكبرا عن الإيمان به ومكر السيئ يعني عمل ~~القبيح وهو اجتماعهم على الشرك وقيل هو مكرهم برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله يعني لا يحل ولا يحيط إلا بأهله ~~فقتلوا يوم بدر قال ابن عباس عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك فهل ينظرون ~~أي ينظرون إلا سنت الأولين يعني أن ينزل العذاب بهم كما نزل بمن مضى من ~~الكفار فلن تجد لسنت الله تبديلا أي تغييرا ولن تجد لسنت الله تحويلا أي ~~تحويل العذاب عنهم إلى غيرهم. ### || [سورة فاطر (35): الآيات 44 الى 45] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم معناه أنهم ~~يعتبرون بمن مضى وبآثارهم وعلامات هلاكهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ~~ليعجزه أي ليفوت عنه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا أي من الجرائم ما ترك على ظهرها أي ظهر ~~الأرض من دابة أي من نسمة تدب عليها يريد بني آدم وغيرهم كما أهلك من كان ~~في زمن نوح بالطوفان إلا من كان في السفينة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى يعني ~~يوم القيامة فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما يريد أهل طاعته وأهل معصيته وقيل بصيرا بمن يستحق العقوبة ~~وبمن يستحق الكرامة والله ms2901 سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء الثالث من تفسير الخازن ويليه الجزء الرابع، وأوله سورة يس عليه ~~الصلاة والسلام # PageV03P459 ### |EDITOR| # فهرس المحتويات # تفسير سورة الرعد الآيتان: 1، 2: 3 الآيات: 3 - 7: 4 الآيات: 8 - 11: 6 ~~الآيتان: 12، 13: 8 الآيات: 14 - 17: 10 الآيات: 18 - 21: 14 الآيات: 22 - ~~28: 15 الآيات: 29 - 31: 18 الآيات: 32 - 36: 20 الآيات: 37 - 39: 22 ~~الآيات: 40 - 43: 24 تفسير سورة مريم الآيتان: 1، 2: 27 الآيات: 3 - 14: 28 ~~الآيات: 15 - 22: 31 الآيات: 23 - 27: 34 الآيات: 28 - 31: 37 الآيات: 32 - ~~37: 38 الآيات: 38 - 43: 42 الآية: 44: 43 الآيات: 45 - 48: 44 الآيات: 49 ~~- 52: 46 تفسير سورة الحجر الآيات: 1 - 3: 47 الآيات: 4 - 17: 248 الآيات: ~~18 - 22: 51 الآيات: 23 - 30: 53 الآيات: 31 - 41: 55 الآيات: 42 - 45: 56 ~~الآيات: 46 - 60: 57 الآيات: 61 - 70: 59 الآيات: 71 - 80: 60 الآيات: 81 - ~~88: 61 الآيات: 89 - 95: 62 الآيات: 96 - 99: 65 تفسير سورة النحل الآيتان: ~~1، 2: 66 الآيات: 3 - 12: 67 الآيات: 13 - 23: 70 الآيات: 24 - 32: 72 ~~الآيات: 33 - 38: 76 الآيات: 39 - 50: 77 الآيات: 51 - 60: 81 الآيات: 61 - ~~67: 83 الآيات: 68 - 71 85 الآيات: 72 - 77: 89 الآيات: 78 - 80: 91 ~~الآيات: 81 - 88: 92 الآيات: 89 - 97: 94 الآيات: 98 - 102: 97 الآيات: 103 ~~- 105: 98 الآيات: 106 - 117: 100 # PageV03P460 # الآيات: 118 - 123: 104 الآيات: 124 - 128: 105 تفسير سورة الإسراء ~~الآية: 1: 109 الآيات: 2 - 4: 117 الآيات: 5 - 7: 121 الآيات: 8 - 19: 124 ~~الآيات: 20 - 25: 126 الآيات: 26 - 38: 128 الآيات: 39 - 46: 130 الآيات: ~~47 - 57: 132 الآيات: 58 - 64: 134 الآيات: 65 - 69: 136 الآيتان: 70، 71: ~~137 الآيات: 72 - 76: 138 الآيات: 77 - 79: 139 الآيات: 80 - 84: 143 ~~الآيات: 85 - 88: 144 الآيات: 89 - 93: 146 الآيات: 94 - 97: 147 الآيات: ~~98 - 101: 148 الآيات: 102 - 109: 149 الآيتان: 110، 111: 150 تفسير سورة ~~الكهف الآيات: 1 - 10: 152 الآيات: 11 - 17: 159 الآيات: 18 - 20: 160 ~~الآيات: 21 - 25: 161 الآيات: 26 - 29: 162 الآيات: 30 - 33: 163 الآيات: ~~34 - 44: 164 الآيات: 45 - 48: 165 الآيات: 49 - 51: 167 الآيات: 52 - 60: ~~168 الآيتان: 61، 62: 170 الآيات: 63 - 71: 171 الآيات: 72 - 77: 172 ~~الآيات: 78 - 82: 173 الآيات: 83 - 91: 175 الآيات: 92 - 94: 177 الآيات: ~~95 - 98: 178 الآيات: 99 ms2902 - 105: 179 الآيات: 106 - 110: 180 تفسير سورة ~~مريم الآيات: 1 - 10: 182 الآيات: 11 - 22: 183 الآيات: 23 - 28: 185 ~~الآيات: 29 - 37: 186 الآيات: 38 - 46: 188 الآيات: 47 - 57: 189 الآيات: ~~58 - 62: 191 الآيات: 63 - 71: 193 الآية: 72: 195 الآيات: 73 - 77: 196 ~~الآيات: 78 - 91: 197 الآيات: 92 - 98: 198 تفسير سورة طه الآيات: 1 - 5: ~~200 الآيات: 7 - 14: 201 الآيات: 15 - 23 202 الآيات: 24 - 40: 203 الآيات: ~~41 - 48: 205 الآيات: 49 - 61: 206 الآيات: 62 - 75: 207 الآيات: 76 - 86: ~~209 الآيات: 87 - 96: 210 الآيات: 97 - 108: 212 الآيات: 109 - 119: 213 ~~الآيات: 120 - 129: 215 الآيات: 130 - 135: 218 # PageV03P461 # تفسير سورة الأنبياء الآيات: 1 - 10: 220 الآيات: 11 - 23: 221 الآيات: ~~24 - 33: 223 الآيات: 34 - 43: 225 الآيات: 44 - 57: 226 الآيات: 58 - 68: ~~228 الآيات: 69 - 71: 230 الآيات: 72 - 79: 231 الآيتان: 80، 81: 233 ~~الآيتان: 82، 83: 234 الآية: 84: 239 الآيات: 85 - 87: 240 الآيات: 88 - ~~92: 242 الآيات: 93 - 100: 243 الآيات: 101 - 107: 245 الآيات: 108 - 112: ~~246 تفسير سورة الحج الآيتان: 1، 2: 247 الآيات: 3 - 5: 248 الآيات: 6 - ~~13: 249 الآيات: 14 - 18: 250 الآيات: 19 - 24: 252 الآيات: 25 - 28: 253 ~~الآيتان: 29، 30 255 الآيات: 31 - 34: 256 الآيات: 35 - 40: 258 الآيات: 41 ~~- 47: 259 الآيات: 48 - 52: 260 الآيات: 54 - 58: 262 الآيات: 59 - 71: 263 ~~الآيات: 72 - 77: 264 الآية: 78: 266 تفسير سورة المؤمنين الآيتان: 1، 2: ~~267 الآيات: 3 - 18: 268 الآيات: 19 - 29: 270 الآيات: 30 - 44: 271 ~~الآيات: 45 - 60: 272 الآيات: 61 - 71: 273 الآيات: 72 - 88: 275 الآيات: ~~89 - 101: 276 الآيات: 102 - 114: 277 الآيات: 115 - 118: 278 تفسير سورة ~~النور الآيات: 1 - 3: 279 الآيات: 5 - 7: 280 الآيتان: 8، 9: 283 الآيتان: ~~10، 11: 284 الآيات: 12 - 21: 288 الآيات: 22 - 26: 289 الآيات: 27 - 30: ~~290 الآية: 31: 292 الآية: 32: 294 الآية: 33: 295 الآيتان: 34، 35: 296 ~~الآية: 36: 298 الآيات: 37 - 40: 299 الآيات: 41 - 45: 300 الآيات: 46 - ~~55: 302 الآيات: 56 - 58: 304 الآيات: 59 - 61: 305 الآيتان: 62، 63: 306 ~~الآية: 64: 307 تفسير سورة الفرقان الآيات: 1 - 8: 308 الآيات: 9 - 17: 309 ~~الآيات: 18 - 23: 311 الآيات: 24 - 29: 312 الآيات: 30 - 40: 313 # PageV03P462 # الآيات: 41 - 48: 314 الآيات: 49 - 57: 316 الآيات: 58 - 64: 317 الآيات: ~~65 - 70: 318 الآيات: 71 - 77: 319 تفسير سورة الشعراء الآيات: 1 ms2903 - 8: 321 ~~الآيات: 9 - 22: 322 الآيات: 23 - 41: 323 الآيات: 42 - 61: 325 الآيات: 62 ~~- 81: 326 الآيات: 82 - 102: 327 الآيات: 103 - 129: 328 الآيات: 130 - ~~155: 328 الآيات: 156 - 188: 230 الآيات: 189 - 214: 331 الآيات: 215 - ~~227: 333 تفسير سورة النمل الآيات: 1 - 10: 337 الآيات: 11 - 16: 338 ~~الآيات: 17 - 20: 340 الآيتان: 21، 22: 342 الآيات: 23 - 28: 343 الآيات: ~~29 - 35: 345 الآيات: 36 - 39: 346 الآيات: 40 - 44: 347 الآيات: 45 - 49: ~~349 الآيات: 50 - 63: 349 الآيات: 64 - 78: 351 الآيات: 79 - 82: 352 ~~الآيات: 83 - 87: 354 الآيات: 88 - 93: 355 تفسير سورة القصص الآيات: 1 - ~~7: 356 الآيات: 8 - 12: 358 الآيات: 13 - 18: 359 الآيات: 19 - 24: 361 ~~الآيات: 25 - 28: 362 الآيات: 29 - 35: 363 الآيات: 36 - 45: 365 الآيات: ~~46 - 53: 366 الآيات: 54 - 61: 367 الآيات: 62 - 75: 369 الآيات: 76 - 79: ~~370 الآيات: 80 - 82: 371 الآيات: 83 - 88: 373 تفسير سورة العنكبوت ~~الآيات: 1 - 8: 375 الآيات: 9 - 18: 376 الآيات: 19 - 29: 378 الآيات: 30 - ~~40: 380 الآيات: 41 - 45: 381 الآيات: 46 - 53: 382 الآيات: 54 - 60: 383 ~~الآيات: 61 - 69: 384 تفسير سورة الروم الآيات: 1 - 3: 386 الآيات: 4 - 7: ~~387 الآيات: 8 - 18: 388 الآيات: 19 - 27 389 الآيات: 28 - 33: 391 الآيات: ~~34 - 42: 392 الآيات: 43 - 54: 393 الآيات: 55 - 60: 394 تفسير سورة لقمان ~~الآيات: 1 - 6: 396 الآيات: 7 - 15: 397 الآيات: 16 - 20: 398 الآيات: 21 - ~~32: 400 الآيتان: 33، 34: 401 # PageV03P463 # تفسير سورة السجدة الآيات: 1 - 5: 402 الآيات: 6 - 14: 403 الآيتان: 15، ~~16: 404 الآيات: 17 - 26: 406 الآيات: 27 - 30: 407 تفسير سورة الأحزاب ~~الآيات: 1 - 4: 408 الآيتان: 5، 6: 409 الآيات: 7 - 9: 410 الآيات: 10 - ~~18: 416 الآيات: 19 - 23: 417 الآيات: 24 - 29: 419 الآيات: 27 - 29: 420 ~~الآيات: 30 - 35: 324 الآيات: 33 - 35: 425 الآيتان: 36، 37: 426 الآيات: ~~38 - 44: 429 الآيات: 45 - 50: 430 الآيتان: 51، 52: 432 الآية: 53: 433 ~~الآيات: 54 - 56: 434 الآيات: 57 - 67: 436 الآيات: 68 - 72: 437 الآية: ~~73: 440 تفسير سورة سبأ الآيات: 1 - 4: 441 الآيات: 5 - 12: 442 الآيتان: ~~13، 14: 443 الآيات: 15 - 16: 445 الآيات: 17 - 22: 446 الآيات: 23 - 31: ~~447 الآيات: 32 - 39: 449 الآيات: 40 - 49: 450 الآيات: 50 - 54: 451 تفسير ~~سورة فاطر الآيتان: 1، 2: 452 الآيات: 3 - 10: 453 الآيات: 11 - 19: 454 ~~الآيات: 20 ms2904 - 32: 455 الآيات: 33 - 35: 457 الآيات: 36 - 43: 458 الآيتان: ~~44، 45: 459 # PageV03P464 # الجزء الرابع ### | سورة يس # مكية وهي ثلاث وثمانون آية وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة وثلاثة آلاف حرف. ~~عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لكل شيء ~~قلبا وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر ~~مرات» أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب وفي إسناده شيخ مجهول. وعن معقل بن ~~يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقرءوا على موتاكم يس» أخرجه ~~أبو داود وغيره. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة يس (36): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # قول عز وجل: يس قال ابن عباس: هو قسم، وعنه أن معناه يا إنسان بلغة طيئ ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وقيل يا سيد البشر وقيل هو اسم للقرآن ~~والقرآن الحكيم أي ذي الحكمة لأنه دليل ناطق بالحكمة وهو قسم وجوابه إنك ~~لمن المرسلين أي أقسم بالقرآن أن محمدا صلى الله عليه وسلم لمن المرسلين ~~وهو رد على الكفار حيث قالوا لست مرسلا على صراط مستقيم معناه وإنك على ~~صراط مستقيم، وقيل معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على طريقة مستقيمة ~~تنزيل العزيز الرحيم يعني القرآن تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه لتنذر ~~قوما ما أنذر آباؤهم يعني لم تنذر آباؤهم لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من العذاب فهم ~~غافلون أي عما يراد بهم من الإيمان والرشد. ### || [سورة يس (36): الآيات 7 الى 11] # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ms2905 فبشره بمغفرة وأجر كريم ~~(11) # لقد حق القول أي وجب العذاب. على أكثرهم فهم لا يؤمنون فيه إشارة إلى ~~إرادة الله تعالى السابقة فيهم فهم لا يؤمنون لما سبق لهم من القدر بذلك. # قوله عز وجل: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا نزلت في أبي جهل وصاحبيه ~~المخزوميين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي ~~ليرضخن رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه انثنت ~~يده إلى عنقه ولزق الحجر، بيده فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط ~~الحجر فقال له رجل من # PageV04P003 # بني مخزوم أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله ~~تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه ~~فقالوا له ما صنعت فقال: ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة ~~الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا قيل هذا على وجه التمثيل، ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن ~~الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك، وقيل حبسناهم عن الإنفاق في سبيل ~~الله بموانع كالأغلال، وقيل إنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل، وقيل إنها ~~وصف في الحقيقة وهي ما سينزله الله عز وجل بهم في النار فهي يعني الأيدي ~~إلى الأذقان جمع ذقن وهو أسفل اللحيين لأن الغل بجمع اليد إلى العنق فهم ~~مقمحون يعني رافعو رؤوسهم مع غض البصر وقيل أراد أن الأغلال رفعت رؤوسهم ~~فهم مرفعو الرؤوس برفع الأغلال لها وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~معناه منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى ~~الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، وقيل حجبناهم بالظلمة عن أذى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: فأغشيناهم يعني فأعميناهم فهم لا ~~يبصرون يعني سبيل الهدى وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون يعني ~~من يرد الله إضلاله لم ينفعه الإنذار إنما تنذر من اتبع ms2906 الذكر يعني إنما ~~ينفع إنذارك من اتبع القرآن فعمل بما فيه وخشي الرحمن بالغيب أي خافه في ~~السر والعلن فبشره بمغفرة يعني لذنوبه وأجر كريم يعني الجنة. # ### || [سورة يس (36): الآيات 12 الى 13] # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) # قوله تعالى: إنا نحن نحي الموتى يعني للبعث ونكتب ما قدموا أي من الأعمال ~~من خير وشر وآثارهم أي ونكتب ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة (م) عن جرير بن ~~عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سن في الإسلام ~~سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ~~ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير ~~أن ينقص من أوزارهم شيء» وقيل نكتب خطاهم إلى المسجد، عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله تعالى عنه قال «كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا النقلة ~~إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث حسن غريب (خ) عن أنس رضي الله عنه قال: أراد بنو سلمة أن ~~يتحولوا إلى قرب المسجد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة ~~فقال: «يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟» فأقاموا. قوله تعرى يعني تخلى ~~فتترك عراء وهو الفضاء من الأرض الخالي الذي لا يستره شيء (م). عن جابر قال ~~خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب ~~المسجد» فقالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال: «بني سلمة دياركم تكتب ~~آثاركم». فقالوا ما يسرنا إذا تحولنا. قوله بني سلمة أي يا بني سلمة ms2907 وقوله: ~~دياركم أي الزموا دياركم (ق). عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ~~ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ~~ينام». # قوله تعالى: وكل شيء أحصيناه أي حفظناه وعددناه وأثبتناه في إمام مبين ~~يعني اللوح المحفوظ. # قوله عز وجل: واضرب لهم مثلا يعني صف لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب ~~القرية يعني أنطاكية إذ جاءها المرسلون يعني رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. # (ذكر القصة في ذلك) قال العلماء بأخبار الأنبياء بعث عيسى عليه السلام ~~رسولين من الحواريين إلى أهل # PageV04P004 # إنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار ~~صاحب ياسين فسلما عليه فقال الشيخ لهما من أنتما فقالا رسولا عيسى عليه ~~الصلاة والسلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال الشيخ لهما ~~أمعكما آية قالا نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله قال الشيخ ~~إن لي ابنا مريضا منذ سنين قالا: فانطلق بنا نطلع على حاله فأتى بهما إلى ~~منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في ~~المدينة وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان لهم ملك يعبد ~~الأصنام اسمه انطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى خبرهما إليه فدعا بهما، ~~وقال: من أنتما قالا: رسولا عيسى عليه الصلاة والسلام، قال: وفيم جئتما ~~قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر فقال ~~ولنا إله دون آلهتنا قالا نعم الذي أوجدك وآلهتك قال لهما: قوما حتى أنظر ~~في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما وقال وهب بعث عيسى عليه السلام ~~هذين الرجلين إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما ~~فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا ~~وجلد كل واحد منهما مائتي جلدة فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة ~~والسلام رأس الحواريين ms2908 شمعون الصفا على أثرهما ليبصرهما، فدخل شمعون البلد ~~متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه ~~وأنس به وأكرمه ورضي عشرته فقال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين في ~~السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما، فقال: ~~حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما ~~عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله ~~الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا، قالا: إنه ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون: وما آيتكما؟ قال: ما تتمناه فأمر ~~الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ~~ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذ بندقتين من طين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا ~~مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك إن أنت سألت إلهك حتى يصنع ~~لك مثل هذا كان لك الشرف ولإلهك، فقال له الملك ليس لي عنك سر مكتوم فإن ~~إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع وكان شمعون يدخل مع ~~الملك على الصنم ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين ~~إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا إلهنا قادر ~~على كل شيء فقال الملك إن هاهنا ميتا قد مات منذ سبعة أيام ابن دهقان وأنا ~~أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا، فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح ~~فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سرا فقام الميت وقال: إني ميت ~~منذ سبعة أيام ووجدت مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما ~~أنتم عليه فآمنوا بالله ثم قال فتحت أبواب السماء فنظرت شابا حسن الوجه ~~يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك ومن الثلاثة قال شمعون وهذان وأشار بيده إلى ~~صاحبيه فعجب الملك من ذلك فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبره ~~بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن ms2909 معه قوم وكفر آخرون وقيل بل كفر الملك وأجمع ~~على قتل الرسل هو وقومه فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة فجاء يسعى ~~إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين فذلك قوله تعالى: # ### || [سورة يس (36): الآيات 14 الى 20] # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ~~(14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ ~~المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا ~~عذاب أليم (18) # قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصا ~~المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) # PageV04P005 # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما قال وهب اسمهما يوحنا وبولس وقال كعب ~~صادق وصدوق فعززنا بثالث يعني قوينا برسول ثالث وهو شمعون وقيل شلوم وإنما ~~أضاف الله تعالى الإرسال إليه لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما بعثهم ~~بإذن الله عز وجل فقالوا يعني الرسل جميعا لأهل أنطاكية إنا إليكم مرسلون ~~قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء يعني لم يرسل رسولا إن ~~أنتم إلا تكذبون يعني فيما تزعمون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون يعني ~~وإن كذبتمونا وما علينا إلا البلاغ المبين أي بالآيات الدالة على صدقنا ~~قالوا إنا تطيرنا بكم أي تشاءمنا منكم وذلك لأن المطر حبس عنهم فقالوا ~~أصابنا ذلك بشؤمكم لئن لم تنتهوا أي تسكتوا عنا لنرجمنكم يعني لنقتلنكم ~~وقيل بالحجارة وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم يعني شؤمكم معكم ~~بكفركم وتكذيبكم يعني أصابكم الشؤم من قبلكم وقال ابن عباس حظكم من الخير ~~والشر أإن ذكرتم معناه اطيرتم لأن ذكرتم ووعظتم بل أنتم قوم مسرفون أي في ~~ضلالكم وشرككم متمادون في غيكم. # قوله عز وجل: وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى هو حبيب النجار وقيل كان ~~قصارا وقال وهب كان يعمل الحرير وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان منزله ~~عند أقصى باب من أبواب ms2910 المسجد وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه فإذا أمسى قسمه ~~نصفين نصف لعياله ويتصدق بنصفه فلما بلغه أن قومه كذبوا الرسل وقصدوا قتلهم ~~جاءهم قال يا قوم اتبعوا المرسلين وقيل كان في غار يعبد ربه فلما بلغه خبر ~~الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال لهم أتسألون على هذا أجرا قالوا لا فأقبل على ~~قومه وقال يا قوم اتبعوا المرسلين. # ### || [سورة يس (36): الآيات 21 الى 27] # اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم ~~فاسمعون (25) # قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) # اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون أي لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ~~وتربحون صحة دينكم فيحصل لكم خير الدنيا والآخرة فلما قال ذلك قالوا له أو ~~أنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم فقال وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون قيل أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم لأن ~~الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى الزجر فكان بهم أليق ~~وقيل معناه وأي شيء بي إذا لم أعبد خالقي وإليه تردون عند البعث فيجزيكم ~~بأعمالكم أأتخذ من دونه آلهة أي لا أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر ~~أي بسوء ومكروه لا تغن عني أي لا تدفع عني شفاعتهم شيئا أي لا شفاعة لها ~~فتغني عني ولا ينقذون أي من ذلك المكروه وقيل من العذاب إني إذا لفي ضلال ~~مبين أي خطأ ظاهر إني آمنت بربكم فاسمعون أي فاشهدوا لي بذلك قيل هو خطاب ~~للرسل وقيل هو خطاب لقومه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد ~~فقتلوه. قال ابن مسعود ووطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقيل كانوا ~~يرمونه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي حتى أهلكوه وقبره بأنطاكية فلما ~~لقي ms2911 الله تعالى: قيل له ادخل الجنة فلما أفضى إلى الجنة ورأى نعيمها قال يا ~~ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين تمنى أن يعلم قومه أن ~~الله تعالى غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل فلما قتل غضب الله عز وجل ~~له فعجل لهم العقوبة فأمر جبريل عليه الصلاة والسلام فصاح بهم صيحة واحدة ~~فماتوا عن آخرهم فذلك قوله تعالى: # PageV04P006 # ### || [سورة يس (36): الآيات 28 الى 32] # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم ~~إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء يعني الملائكة وما كنا ~~منزلين أي ما كنا لنفعل هذا بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما تظنون ثم بين ~~عقوبتهم فقال تعالى: إن كانت إلا صيحة واحدة قال المفسرون أخذ جبريل ~~بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي ميتون يا حسرة ~~على العباد يعني يا لها حسرة وندامة وكآبة على العباد والحسرة أن يركب ~~الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له حتى يبقى قلبه حسيرا، قيل تحسروا على ~~أنفسهم لما عاينوا من العذاب حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة فتمنوا الإيمان ~~حيث لم ينفعهم وقيل تتحسر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل وقيل يقول ~~الله تعالى يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل ثم بين ~~سبب تلك الحسرة فقال تعالى: ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن قوله ~~تعالى: ألم يروا أي ألم يخبروا خطاب لأهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون أي ~~من الأمم الخالية من أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنهم إليهم ~~لا يرجعون أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون بهم وإن كل لما جميع لدينا ms2912 ~~محضرون يعني أن جميع الأمم يحضرون يوم القيامة. ### || [سورة يس (36): الآيات 33 الى 42] # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~فإذا هم مظلمون (37) # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه ~~منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في ~~الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) # وآية لهم يعني تدلهم على كمال قدرتنا على إحياء الموتى الأرض الميتة ~~أحييناها أي بالمطر وأخرجنا منها أي من الأرض حبا يعني الحنطة والشعير وما ~~أشبههما فمنه يأكلون أي من الحب وجعلنا فيها يعني في الأرض جنات يعني ~~بساتين من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره يعني من ~~الثمر الحاصل بالماء وما عملته أيديهم يعني من الزرع والغرس الذي تعبوا فيه ~~وقرئ عملت بغير هاء، وقيل ما للنفي والمعنى ولم تعمله أيديهم وليس من ~~صنيعهم بل وجدوها معمولة وقيل أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق ~~مثل النيل والفرات ودجلة أفلا يشكرون يعني نعمة الله تعالى سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها يعني الأصناف كلها مما تنبت الأرض أي من الأشجار والثمار ~~والحبوب ومن أنفسهم يعني الذكر والأنثى ومما لا يعلمون يعني مما خلق الله ~~تعالى من الأشياء في البر والبحر من الدواب. # قوله عز وجل: وآية لهم يعني تدلهم على قدرتنا الليل نسلخ أي ننزع ونكشط ~~منه النهار فإذا هم مظلمون يعني فإذا هم في الظلمة وذلك أن الأصل هي الظلمة ~~والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة ~~والشمس تجري لمستقر لها يعني إلى مستقر لها قيل إلى انتهاء سيرها عند ~~انقضاء الدنيا وقيام ms2913 الساعة وقيل تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها، ~~الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول # PageV04P007 # منازلها وهو أنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها ~~وقيل مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء. ~~وقرأ ابن مسعود والشمس تجري لا مستقر لها أي لا قرار ولا وقوف فهي جارية ~~أبدا إلى يوم القيامة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو ذر ~~قال «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله والشمس تجري لمستقر لها قال ~~مستقرها تحت العرش» وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين ~~غربت الشمس «أتدري أين تذهب الشمس» قال الله ورسوله أعلم قال «إنها تذهب ~~حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن ~~فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها» فذلك قوله ~~تعالى: # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم أخرجاه في الصحيحين، قال ~~الشيخ محيي الدين النووي اختلف المفسرون فيه فقال جماعة بظاهر الحديث. قال ~~الواحدي فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن ~~تطلع، وقيل تجري إلى وقت لها وأصل لا تتعداه وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها ~~عند انقضاء الدنيا وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها ~~والله أعلم ذلك يعني الذي ذكر من جرى الشمس على ذلك التقدير والحساب الذي ~~يكل النظر عن استخراجه وتتحير الأفهام عن استنباطه تقدير العزيز يعني ~~الغالب بقدرته على كل شيء مقدور العليم يعني المحيط علما بكل شيء. # قوله تعالى: والقمر قدرناه منازل يعني قدرنا له منازل وهي ثمانية وعشرون ~~منزلا ينزل كل ليلة في منزل منها لا يتعداه يسير فيها من ليلة المستهل إلى ~~الثامنة والعشرين ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص فإذا كان في آخر منازله ~~رق وتقوس فذلك قوله تعالى: حتى عاد كالعرجون القديم وهو العود الذي عليه ~~شماريخ العذق ms2914 إلى منبته من النخلة والقديم الذي أتى عليه الحول فإذا قدم ~~عتق ويبس وتقوس واصفر فشبه القمر به عند انتهائه إلى آخر منازله لا الشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر يعني لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ولا ~~يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو قوله تعالى: ولا الليل سابق النهار ~~يعني هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل لا يدخل ~~أحدهما في سلطان الآخر فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ~~ضوء فإذا اجتمعا وأدرك أحدهما صاحبه قامت القيامة. وقيل معناه أن الشمس لا ~~تجتمع مع القمر في فلك واحد ولا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل ~~وكل في فلك يسبحون أي والشمس والقمر في فلك يسيرون. # قوله عز وجل: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم يعني أولادهم في الفلك المشحون ~~يعني المملوء وخلقنا لهم من مثله يعني مثل الفلك ما يركبون يعني من الإبل، ~~وهي سفائن البر. وقيل أراد بالفلك المشحون سفينة نوح عليه الصلاة والسلام ~~ومعنى الآية أن الله عز وجل حمل آباءهم الأقدمين في أصلاب الذين كانوا في ~~السفينة فكانوا ذرية لهم ومنه قول العباس: # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # وإنما ذكر ذريتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأبلغ في التعجب من ~~قدرته فعلى هذا القول يكون قوله من مثله أي من مثل ذلك الفلك ما يركبون أي ~~من السفن والزوارق في الأنهار الكبار والصغار # PageV04P008 # ### || [سورة يس (36): الآيات 43 الى 49] # وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى ~~حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) ~~وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة ms2915 ~~تأخذهم وهم يخصمون (49) # وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم يعني لا مغيث لهم ولا هم ينقذون يعني ينجون ~~من الغرق قال ابن عباس ولا أحد ينقذهم من عذابي إلا رحمة منا ومتاعا إلى ~~حين يعني إلا أن يرحمهم الله ويمتعهم إلى انقضاء آجالهم وإذا قيل لهم اتقوا ~~ما بين أيديكم وما خلفكم قال ابن عباس ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا ~~لها وما خلفكم يعني الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. # وقيل ما بين أيديكم يعني وقائع الله تعالى بمن كان قبلكم من الأمم وما ~~خلفكم يعني الآخرة لعلكم ترحمون أي لتكونوا على رجاء الرحمة وجواب إذا ~~محذوف تقديره وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا ويدل على الحذف قوله تعالى: وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم أي دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~كانوا عنها معرضين قوله عز وجل: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم أي مما ~~أعطاكم الله نزلت في كفار قريش وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة أنفقوا ~~على المساكين مما زعمتم أنه لله تعالى من أموالكم وهو ما جعلوه لله من ~~حروثهم وأنعامهم قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم أي أنرزق من لو يشاء ~~الله أطعمه أي رزقه قيل كان العاص بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قال له ~~اذهب إلى ربك فهو أولى مني بك، ويقول قد منعه أفأطعمه أنا ومعنى الآية أنهم ~~قالوا لو أراد الله أن يرزقهم لرزقهم فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا نطعم ~~من لم يطعمه وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون لا نعطي من حرمه الله وهذا ~~الذي يزعمون باطل لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع ~~الدنيا من الفقير لا بخلا وأعطى الدنيا الغني لا استحقاقا وأمر الغني ~~بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من مال ~~الغني ولا اعتراض لأخذ في مشيئة الله وحكمته في خلقه والمؤمن يوافق أمر ~~الله تعالى وقيل قالوا هذا على سبيل الاستهزاء إن أنتم ms2916 إلا في ضلال مبين ~~قيل هو من قول الكفار للمؤمنين ومعناه ما أنتم إلا في خطأ بين باتباعكم ~~محمدا وترك ما نحن عليه. وقيل هو من قول الله تعالى للكفار لما ردوا من ~~جواب المؤمنين ويقولون متى هذا الوعد يعني يوم القيامة والبعث إن كنتم ~~صادقين قال الله تعالى: ما ينظرون أي ينتظرون إلا صيحة واحدة قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما يريد النفخة الأولى تأخذهم وهم يخصمون أي في أمر ~~الدنيا من البيع والشراء ويتكلمون في الأسواق والمجالس وفي متصرفاتهم ~~فتأتيهم الساعة أغفل ما كانوا عنها، وقد صح في حديث أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ولتقومن الساعة وقد نشر ~~الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف ~~الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ~~ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» أخرجه البخاري وهو طرف ~~من حديث. ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ~~ليتا فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» اللقحة بفتح ~~اللام وكسرها الناقة القريبة العهد من النتاج وقوله وهو يليط حوضه يعني ~~يطينه ويصلحه، وكذلك يلوط حوض إبله وأصله من اللوط. وقوله أصغى ليتا الليت ~~صفحة العنق وأصغى يعني أمال عنقه يسمع. ### || [سورة يس (36): الآيات 50 الى 55] # فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) # قوله تعالى: فلا يستطيعون توصية أي لا يقدرون على الإيصاء بل أعجلوا عن ~~الوصية فماتوا ms2917 ولا إلى # PageV04P009 # أهلهم يرجعون # يعني لا يقدرون على الرجوع إلى أهلهم لأن الساعة لا تمهلهم بشيء ونفخ في ~~الصور هذه النفخة الثانية وهي نفخة البعث وبين النفختين أربعون سنة (ق) عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ~~بين النفختين أربعون، قالوا يا أبا هريرة أربعين يوما قال أبيت، قالوا ~~أربعين شهرا قال أبيت، قالوا أربعين سنة قال أبيت ثم ينزل من السماء ماء ~~فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظما واحدا وهو ~~عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» فإذا هم من الأجداث أي القبور إلى ~~ربهم ينسلون أي يخرجون منها أحياء قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا قال ~~ابن عباس إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين ~~فيرقدون فإذا بعثوا بعد الثانية وعاينوا أهوال القيامة دعوا بالويل. وقيل ~~إذا عاين الكفار جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا ~~يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون أقروا حين لا ~~ينفعهم الإقرار. وقيل قالت لهم الملائكة ذلك، وقيل يقول الكفار من بعثنا من ~~مرقدنا فيقول المؤمنون هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة ~~واحدة يعني النفخة الأخيرة فإذا هم جميع لدينا محضرون أي للحساب فاليوم لا ~~تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون قوله تعالى: إن أصحاب الجنة ~~اليوم في شغل قال ابن عباس في افتضاض الأبكار وقيل في زيارة بعضهم بعضا ~~وقيل في ضيافة الله تعالى، وقيل في السماع وقيل شغلوا بما في الجنة من ~~النعيم عما فيه أهل النار من العذاب الأليم فاكهون قال ابن عباس فرحون وقيل ~~ناعمون وقيل معجبون بما هم فيه. # ### || [سورة يس (36): الآيات 56 الى 60] # هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما ~~يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ~~ألم أعهد إليكم يا بني ms2918 آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) # هم وأزواجهم في ظلال يعني أكنان القصور على الأرائك يعني السرر في الحجال ~~متكؤن يعني ذوو اتكاء تحت تلك الظلال لهم فيها فاكهة أي في الجنة ولهم ما ~~يدعون يعني ما يتمنون ويشتهون والمعنى أن كل ما يدعون أي أهل الجنة يأتيهم ~~سلام قولا من رب رحيم يعني يسلم الله عز وجل عليهم روى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بينا ~~أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد ~~أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله عز وجل سلام ~~قولا من رب رحيم ينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما ~~داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» وقيل ~~تسلم الملائكة عليهم من ربهم وقيل تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب ~~يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم وقيل يعطيهم السلامة يقول اسلموا السلام ~~الأبدية وامتازوا اليوم أيها المجرمون يعني اعتزلوا وانفردوا وتميزوا اليوم ~~من المؤمنين الصالحين وكونوا على حدة، وقيل إن لكل كافر في النار بيتا ~~فيدخل ذلك البيت ويردم بابه فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى فعلى هذا ~~القول يمتاز بعضهم عن بعض. # قوله عز وجل: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أي ألم آمركم وأوصيكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان يعني لا تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية الله ~~إنه لكم عدو مبين أي ظاهر العداوة. ### || [سورة يس (36): الآيات 61 الى 65] # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا ~~تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ~~(64) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) # PageV04P010 # وأن اعبدوني أي أطيعوني ووحدوني هذا صراط مستقيم أي لا صراط أقوم منه ~~قوله تعالى: ولقد أضل ms2919 منكم جبلا كثيرا أي خلقا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ~~يعني ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس ويقال لهم لما دنوا من ~~النار هذه جهنم التي كنتم توعدون يعني بها في الدنيا اصلوها يعني ادخلوها ~~اليوم بما كنتم تكفرون قوله تعالى: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون معنى الآية أن الكفار ينكرون ويجحدون كفرهم ~~وتكذيبهم الرسل، ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم ~~وتنطق جوارحهم ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت عونا لهم على المعاصي صارت ~~شاهدة عليهم وذلك أن إقرار الجوارح أبلغ من إقرار اللسان. # فإن قلت ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاما ونطق الرجل شهادة؟ # قلت إن اليد مباشرة والرجل حاضرة وقول الحاضر على غيره شهادة بما رأى ~~وقول الفاعل إقرار على نفسه بما فعل (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~«سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هل نرى ربنا ~~يوم القيامة قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا ~~لا يا رسول الله قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة ~~قالوا لا قال فو الذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في ~~رؤية أحدهما قال فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك ~~وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب، فيقول أفظننت أنك ~~ملاقي، فيقول لا فيقول اليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ~~ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى ~~يا رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول اليوم أنساك كما نسيتني، ثم ~~يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت ~~وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا إذا قال ثم يقول له الآن ~~نبعث شاهدنا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد ms2920 علي فيختم على فيه ويقال ~~لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك الذي يسخط ~~الله عليه» قوله أي فل يعني يا فلان قوله وأسودك أي أجعلك سيدا قوله وأذرك ~~ترأس أي تتقدم على القوم بأن تصير رئيسهم وتربع أي تأخذ المرباع وهو ما ~~يأخذه رئيس الجيش لنفسه من الغنائم وهو ربعها، وروى ترتع بتاءين أي تتنعم ~~وتنبسط من الرتع قوله وذلك ليعذر من نفسه أي ليقيم الحجة عليها بشهادة ~~أعضائه عليه (م) عن أنس بن مالك قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضحك فقال هل تدرون مم أضحك، قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ~~ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز ~~على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام ~~الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله ~~ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» قوله لا ~~أجيز أي لا أقبل شاهدا على قوله بعدا لكن وسحقا أي هلاكا، قوله فعنكن كنت ~~أناضل أي أجادل وأخاصم قوله تعالى: # ### || [سورة يس (36): الآيات 66 الى 69] # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء ~~لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه ~~في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين (69) # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها ~~جفن ولا شق والمعنى ولو # PageV04P011 # نشاء لأعمينا أعينهم الظاهرة كما أعمينا قلوبهم فاستبقوا الصراط أي ~~فبادروا إلى الطريق فأنى يبصرون أي كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم والمعنى ~~ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فكيف يبصرون الطريق ~~حينئذ وقال ابن عباس يعني لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم ~~وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم نفعل ~~ذلك بهم ms2921 ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم يعني ولو نشاء لجعلناهم قردة ~~وخنازير في منازلهم وقيل لجعلناهم حجارة لا أرواح فيها فما استطاعوا مضيا ~~أي لا يقدرون أن يبرحوا ولا يرجعون أي إلى ما كانوا عليه وقيل لا يقدرون ~~على الذهاب ولا الرجوع ومن نعمره ننكسه في الخلق أي نرده إلى أرذل العمر ~~شبه الصبي في أول الخلق وقيل نضعف جوارحه بعد قوتها وننقصها بعد زيادتها ~~وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان في ضعف من جسده وخلو من عقل وعلم في حال ~~صغره ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن بلغ أشده واستكمل قوته ~~وعقله وعلم ما له وما عليه فإذا انتهى إلى الغاية واستكمل النهاية رجع ينقص ~~حتى يرد إلى ضعفه الأول فذلك نكسه في الخلق أفلا يعقلون أي فيعتبرون ~~ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت ~~قوله عز وجل: وما علمناه الشعر وما ينبغي له قيل إن كفار قريش قالوا إن ~~محمدا شاعر وما يقوله شعر فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له أي ما يسهل له ذلك وما يصلح منه بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت ~~له ذلك كما جعلناه أميا لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض ~~قال العلماء ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه ~~منكسرا كما روي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا ~~البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ~~يا نبي الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا: أشهد أنك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمناه الشعر وما ينبغي له» هذا حديث ~~مرسل وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقد قيل لها «هل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول: # ويأتيك بالأخبار من لم تزود». # أخرجه الترمذي ms2922 وفي رواية لغيره «أن عائشة رضي الله عنها سئلت هل كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان الشعر أبغض الحديث ~~إليه ولم يتمثل إلا بيت أخي بني قيس طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم يزود # فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس ~~هكذا يا رسول الله فقال: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي». # فإن قلت قد صح من حديث جندب بن عبد الله قال «بينما نحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ أصابه حجر فدمت إصبعه فقال: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» # أخرجاه في الصحيحين ولهما من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # «اللهم إن العيش عيش الآخره ... فأكرم الأنصار والمهاجرة» # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب» # قلت ما هذا إلا من كلامه الذي يرمي به من غير صنعة فيه ولا تكلف له إلا ~~أن اتفق كذلك من غير قصد إليه وإن جاء موزونا كما يتفق في كثير من إنشاءات ~~الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون يدخل في # PageV04P012 # وزن البحور، ومع ذلك فإن الخليل لم يعد المشطور من الرجز شعرا ولما نفى ~~أن يكون القرآن من جنس الشعر قال تعالى: إن هو إلا ذكر يعني ما هو إلا ذكر ~~من الله تعالى يعظ به الإنس والجن ليس بشعر لأنه ليس على أساليب الشعر ولا ~~يدخل في بحوره وقرآن مبين أي إنه كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في ~~المتعبدات وينال بتلاوته الثواب والدرجات، وفيه بيان الحدود والأحكام وبيان ~~الحلال والحرام فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين وأقاويل ~~الشعراء الكاذبين. # ### || [سورة يس (36): الآيات 70 الى 78] # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) أولم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها ms2923 لهم فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون ~~الله آلهة لعلهم ينصرون (74) # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) # لينذر أي يا محمد وقرئ بالياء أي القرآن من كان حيا يعني مؤمنا حي القلب ~~لأن الكافر كالميت الذي لا يتدبر ولا يتفكر ويحق القول أي وتجب حجة العذاب ~~على الكافرين قوله عز وجل: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أي ~~تولينا خلقه بإبداعنا له من غير إعانة أحد في إنشائه كقول القائل عملت هذا ~~بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد وقيل عملناه بقوتنا وقدرتنا وإنما قال ~~ذلك لبدائع الفطرة التي لا يقدر عليها إلا هو أنعاما إنما خص الأنعام ~~بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلق الله تعالى وإيجاده لأن النعم أكثر ~~أموال العرب والنفع بها أعم فهم لها مالكون أي خلقناها لأجلهم فملكناهم ~~إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك. # وقيل معناه فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # أي لا أضبط رأس البعير والمعنى لم تخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم ~~لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة مسخرة لهم وهو قوله تعالى: وذللناها ~~لهم فمنها ركوبهم أي الإبل ومنها يأكلون أي الغنم ولهم فيها منافع أي من ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها ومشارب أي من ألبانها أفلا ~~يشكرون أي رب هذه النعم واتخذوا من دون الله آلهة يعني الأصنام لعلهم ~~ينصرون أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط لا يستطيعون نصرهم قال ابن ~~عباس لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب وهم لهم جند محضرون أي ~~الكفار جند الأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ~~ولا تستطيع لهم نصرا وقيل ms2924 هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه ~~أتباعه الذين عبدوه في الدنيا كأنهم جند محضرون في النار فلا يحزنك قولهم ~~يعني قول كفار مكة في تكذيبك يا محمد إنا نعلم ما يسرون أي في ضمائرهم من ~~التكذيب وما يعلنون أي من عبادة الأصنام وقيل ما يعلنون بألسنتهم من الأذى. # قوله تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة أي من نطفة قذرة خسيسة ~~فإذا هو خصيم مبين أي جدل بالباطل بين الخصومة والمعنى العجب من جهل هذا ~~المخاصم مع مهانة أصله كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز لمجادلته في إنكاره ~~البعث، وكيف لا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة ويدع الخصومة، نزلت في ~~أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث وأتاه ~~بعظم قد رم وبلي ففتته بيده وقال أترى يحيي الله هذا بعد ما رم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك النار فأنزل الله تعالى هذه الآيات ~~وضرب لنا مثلا ونسي # PageV04P013 # خلقه # أي بدأ أمره قال من يحي العظام وهي رميم أي بالية والمعنى وضرب لنا مثلا ~~في إنكار البعث بالعظم البالي حين فتته بيده وتعجب ممن يقول إن الله تعالى ~~يحييه ونسي أول خلقه وأنه مخلوق من نطفة. ### || [سورة يس (36): الآيات 79 الى 83] # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون (83) # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة أي خلقها أول مرة وابتدأ خلقها وهو بكل ~~خلق أي من الابتداء والإعادة عليم أي يعلم كيف يخلق لا يتعاظمه شيء من خلق ~~المبدأ أو المعاد الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ ms2925 بالراء والخاء المعجمة والأخرى ~~العفار بالعين المهملة فمن أراد النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما ~~خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتخرج منهما النار بإذن ~~الله تعالى، تقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر ~~منها وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر نارا وقال الحكماء في كل شجر ~~نار إلا العناب فإذا أنتم منه توقدون أي تقدحون فتوقدون النار من ذلك الشجر ~~ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى أي هو ~~القادر على ذلك وهو الخلاق يعني يخلق خلقا بعد خلق العليم أي بجميع ما خلق ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أي إحداث شيء وتكوينه أن يقول له كن أن يكونه من ~~غير توقف فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء أي هو مالك كل شيء والمتصرف ~~فيه وإليه ترجعون أي تردون بعد الموت والله أعلم. # PageV04P014 ### | سورة الصافات # مكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية وثمانمائة وستون كلمة وثلاثة آلاف ~~وثمانمائة وستة وعشرون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب (6) # قوله عز وجل: والصافات صفا قال ابن عباس هم الملائكة يصفون كصفوف الخلق ~~في الدنيا للصلاة (م) عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قلنا وكيف تصف الملائكة عند ~~ربهم قال يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» لفظ أبي داود، وقيل هم ~~الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد وقيل ~~أراد بالصافات الطير تصف أجنحتها في الهواء فالزاجرات زجرا يعني الملائكة ~~تزجر السحاب وتسوقه وقيل هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبيح فالتاليات ~~ذكرا يعني الملائكة يتلون ذكر الله تعالى وقيل هم قراء ms2926 القرآن وهذا كله قسم ~~أقسم الله عز وجل بهذه الأشياء وقيل فيه إضمار تقديره ورب الصافات ~~والزاجرات والتاليات وجواب القسم قوله تعالى: إن إلهكم لواحد وذلك أن كفار ~~مكة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه ~~على شرف ذواتها وكمال مراتبها والرد على عبدة الأصنام في قولهم ثم وصف نفسه ~~فقال تعالى: رب السماوات والأرض وما بينهما يعني أنه المالك القادر العالم ~~المنزه عن الشريك. # وقوله ورب المشارق قيل أراد والمغارب فاكتفى بأحدهما قال السدي المشارق ~~ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب فإن الشمس تطلع كل يوم في مشرق وتغرب ~~في مغرب. فإن قلت قد قال في موضع آخر رب المشرق ورب المغربين وقال رب ~~المشرق والمغرب فكيف وجه الجمع بين هذه الآيات. # قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب وأراد ~~بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وبالمغربين مغرب الصيف ومغرب الشتاء ~~وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي وقيل كل موضع شرقت عليه الشمس فهو ~~مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب وقيل أراد مشارق الكواكب. # قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا يعني التي تلي الأرض وهي أدنى ~~السموات إلى الأرض بزينة الكواكب قال ابن عباس بضوء الكواكب لأن الضوء ~~والنور من أحسن الصفات وأكملها ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء لكانت ~~شديدة الظلمة عند غروب الشمس، وقيل زينتها أشكالها المتناسبة والمختلفة في ~~الشكل كشكل الجوزاء وبنات نعش وغيرها. وقيل إن الإنسان إذا نظر في الليلة ~~المظلمة إلى السماء ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة متلألئة على سطح أزرق ~~نظر غاية الزينة. # PageV04P015 # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 7 الى 11] # وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل ~~جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ~~(10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) # وحفظا من كل شيطان مارد أي وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات يرمون ~~بالشهب لا يسمعون إلى الملإ ms2927 الأعلى يعني إلى الملائكة والكتبة لأنهم سكان ~~السماء وذلك أن شياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة ~~فيخبرون به أولياءهم الإنس ويوهمون بذلك أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله من ~~ذلك بهذه الشهب وهو قوله تعالى: ويقذفون أي يرمون بها من كل جانب أي آفاق ~~السماء دحورا أي يبعدونهم عن مجالس الملائكة ولهم عذاب واصب أي دائم إلا من ~~خطف الخطفة أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة فأتبعه أي لحقه شهاب ثاقب أي ~~كوكب مضيء قوي لا يخطئه بل يقتله ويحرقه أو يخبله. # وقيل سمي النجم الذي ترمى به الشياطين ثاقبا لأنه يثقبهم. # فإن قلت كيف يمكن أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا ~~يصلون إلى مقصودهم ثم يعودون إلى مثل ذلك. # قلت إنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعا في ~~السلامة ورجاء نيل المقصود كراكب البحر يغلب على ظنه حصول السلامة. # وقوله عز وجل: فاستفتهم يعني سل أهل مكة أهم أشد خلقا أم من خلقنا يعني ~~من السموات والأرض والجبال وهو استفهام تقرير أي هذه الأشياء أشد خلقا، ~~وقيل أم من خلقنا يعني من الأمم الخالية والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا ~~من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب. # ثم ذكر مم خلقوا فقال الله تعالى: إنا خلقناهم من طين لازب يعني آدم من ~~طين جيد حر لاصق لزج يعلق باليد وقيل من طين نتن. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 12 الى 19] # بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون ~~(14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (16) # أوآباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة ~~فإذا هم ينظرون (19) # بل عجبت قرئ بالضم على إسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب من ~~الآدميين لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء وتعظيمه والعجب من الله ~~تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة فإن كانت قبيحة فيترتب ms2928 عليها العقاب وإن ~~كانت حسنة فيترتب عليها الثواب، وقيل قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون ~~بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث «عجب ربكم من شاب ليست له صبوة» ~~وفي حديث آخر «عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم»، وقوله من ~~إلكم الإل أشد القنوط وقيل هو رفع الصوت بالبكاء. # وسئل الجنيد رحمه الله تعالى عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شيء ~~ولكن وافق رسوله ولما عجب رسوله قال «وإن تعجب فعجب قولهم» أي هو كما تقوله ~~وقرئ بفتح التاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي عجبت من تكذيبهم ~~إياك وهم يسخرون من تعجبك وقيل عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا ~~القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك # PageV04P016 # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما ~~سمع المشركون القرآن وسخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال الله تعالى بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون أي وإذا ~~وعظوا لا يتعظون وإذا رأوا آية قال ابن عباس يعني انشقاق القمر يستسخرون أي ~~يستهزئون. # وقيل يستدعي بعضهم بعضا إلى أن يسخر وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أي بين ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم ~~داخرون أي صاغرون فإنما هي زجرة واحدة أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث فإذا ~~هم ينظرون يعني أحياء. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 20 الى 26] # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~(21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤلون (24) # ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين يعني يوم الحساب والجزاء هذا يوم الفصل أي ~~القضاء وقيل بين المحسن والمسيء الذي كنتم به تكذبون أي في الدنيا احشروا ~~أي اجمعوا الذين ظلموا أي أشركوا ms2929 وقيل هو عام في كل ظالم وأزواجهم أي ~~أشباههم وأمثالهم فكل طائفة مع مثلها فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا ~~مع أهل الزنا وقيل أزواجهم أي قرناءهم من الشياطين يقرن كل كافر مع شيطانه ~~في سلسلة وقيل أزواجهم المشركات وما كانوا يعبدون من دون الله أي في الدنيا ~~يعني الأصنام والطواغيت وقيل إبليس وجنوده فاهدوهم إلى صراط الجحيم قال ابن ~~عباس أي دلوهم إلى طريق النار وقفوهم أي احبسوهم إنهم مسؤلون لما سيقوا إلى ~~النار حبسوا عند الصراط للسؤال قال ابن عباس عن جميع أقوالهم وأفعالهم ~~ويروى عنه عن لا إله إلا الله وروى عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما «1» ~~أفناه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه ~~فيما أبلاه» وفي رواية. # «عن شبابه فيما أبلاه» أخرجه الترمذي وله عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «قال ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به ~~لا يفارقه وإن دعا رجل رجلا ثم قرأ وقفوهم إنهم مسؤلون ما لكم لا تناصرون ~~أي تقول لهم خزنة جهنم توبيخا لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وهذا جواب ~~لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر قال الله تعالى: بل هم اليوم ~~مستسلمون قال ابن عباس خاضعون. وقيل منقادون والمعنى هم اليوم أذلاء ~~منقادون لا حيلة لهم. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 27 الى 37] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) # فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~(35) ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) # بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) # وأقبل ms2930 بعضهم على بعض يعني الرؤساء والأتباع يتساءلون يعني يتخاصمون قالوا ~~يعني الرؤساء للأتباع إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين يعني من قبل الدين ~~فتضلوننا وتروننا أن الدين ما تضلوننا به. وقيل كان الرؤساء يحلفون لهم أن ~~الدين الذي يدعونهم إليه هو الحق والمعنى أنكم حلفتم لنا فوثقنا بأيمانكم ~~وقيل عن PageV04P017 # اليمين أي عن العزة والقدرة والقول الأول أصح قالوا يعني الرؤساء للأتباع ~~بل لم تكونوا مؤمنين يعني لم تكونوا على حق حتى نضلكم عنه بل كنتم على ~~الكفر وما كان لنا عليكم من سلطان يعني من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا ~~بل كنتم قوما طاغين يعني ضالين فحق علينا يعني وجب علينا جميعا قول ربنا ~~يعني كلمة العذاب وهي قوله لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين إنا لذائقون ~~يعني أن الضال والمضل جميعا في النار فأغويناكم فأضللناكم عن الهدى ~~ودعوناكم إلى ما كنا عليه إنا كنا غاوين أي ضالين قال الله تعالى: فإنهم ~~يومئذ في العذاب مشتركون يعني الرؤساء والأتباع إنا كذلك نفعل بالمجرمين ~~قال ابن عباس الذين جعلوا لله شركاء ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك ~~العذاب باستكبارهم عن التوحيد فقال تعالى: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون أي يتكبرون عن كلمة ~~التوحيد ويمتنعون منها ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون يعنون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ردا عليهم بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين يعني أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله من الدين والتوحد ونفي ~~الشرك. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 38 الى 49] # إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا ~~عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) # في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) ~~بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) # وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون أي في الدنيا ~~من الشرك والتكذيب إلا أي لكن ms2931 وهو استثناء منقطع عباد الله المخلصين أي ~~الموحدين أولئك لهم رزق معلوم يعني بكرة وعشيا وقيل حين يشتهونه يؤتون به ~~وقيل إنه معلوم الصفة من طيب طعم ولذة ورائحة وحسن منظر ثم وصف ذلك الرزق ~~فقال تعالى: فواكه جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وكل طعام يؤكل ~~للتلذذ لا للقوت. وقيل إن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ ~~الصحة بالأقوات لأن أجسادهم خلقت للأبد فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ ثم ~~إن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم كما قال تعالى: وهم مكرمون أي بثواب الله ~~تعالى ثم وصف مساكنهم فقال تعالى: في جنات النعيم على سرر متقابلين يعني لا ~~يرى بعضهم قفا بعض ثم وصف شرابهم فقال تعالى: يطاف عليهم بكأس من معين كل ~~إناء فيه شراب يسمى كأسا وإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء وقد تسمى الخمر ~~نفسها كأسا قال الشاعر: # وكأسا شربت على لذة ومعنى معين أي من خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها ~~العيون بيضاء يعني أن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن لذة أي لذيذة للشاربين ~~لا فيها غول أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقيل لا إثم فيها ولا وجع البطن ~~ولا صداع وقيل الغول فساد يلحق في خفاء وخمر الدنيا يحصل منها أنواع من ~~الفساد ومنها السكر وذهاب العقل ووجع البطن وصداع الرأس والبول والقيء ~~والخمار والعربدة وغير ذلك ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة ولا هم عنها ~~ينزفون أي لا تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون وقيل معناه لا ينفد شرابهم ثم ~~وصف أزواجهم فقال تعالى: وعندهم قاصرات الطرف أي حابسات الأعين غاضات ~~العيون قصرن أعينهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم عين أي حسان الأعين ~~عظامها كأنهن بيض مكنون أي مصون مستور شبههن ببيض النعام لأنها تكنها ~~بالريش من الريح والغبار فيكون لونها أبيض في صفرة ويقال هذا من أحسن ألوان # PageV04P018 # النساء وهو أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة والعرب تشبه المرأة ببيض ~~النعامة وتسميهن ببيضات ms2932 الخدور. # قوله عز وجل: # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 50 الى 62] # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين (59) # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) أذلك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم (62) # فأقبل بعضهم على بعض يعني أهل الجنة في الجنة يتساءلون أي يسأل بعضهم ~~بعضا عن حاله في الدنيا قال قائل منهم أي من أهل الجنة إني كان لي قرين أي ~~في الدنيا ينكر البعث قيل كان قرينه شيطانا وقيل كان من الإنس قيل كانا ~~أخوين وقيل كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ~~وهما اللذان قص الله عز وجل خبرهما في سورة الكهف في قوله: واضرب لهم مثلا ~~رجلين يقول أإنك لمن المصدقين أي بالبعث أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمدينون أي مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكاري قال الله تعالى لأهل الجنة ~~هل أنتم مطلعون أي إلى النار وقيل يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة هل ~~أنتم مطلعون أي لننظر كيف منزلة أخي في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به ~~منا فاطلع أي المؤمن قال ابن عباس إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى ~~النار فرآه في سواء الجحيم أي فرأى قرينه في وسط النار سمي وسط الشيء سواء ~~لاستواء الجوانب منه قال تالله إن كدت لتردين أي والله لقد كدت أن تهلكني ~~وقيل تغويني ومن أغوى إنسانا فقد أرداه وأهلكه ولولا نعمة ربي أي رحمة ربي ~~وإنعامه علي بالإسلام لكنت من المحضرين أي معك في النار أفما نحن بميتين ~~إلا موتتنا الأولى أي في الدنيا وما نحن بمعذبين قيل يقول هذا أهل الجنة ~~للملائكة حين يذبح الموت فتقول الملائكة لهم لا فيقولون إن هذا لهو الفوز ms2933 ~~العظيم وإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ~~ولا يعذبون ليفرحوا بدوام النعيم لا على طريق الاستفهام لأنهم قد علموا ~~أنهم ليسوا بميتين ولا معذبين ولكن أعادوا الكلام ليزدادوا سرورا بتكراره ~~وقيل يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره قال الله تعالى: ~~لمثل هذا أي المنزل والنعيم الذي ذكره في قوله: أولئك لهم رزق معلوم فليعمل ~~العاملون هذا ترغيب في ثواب الله تعالى وما عنده بطاعته. # قوله تعالى: أذلك أي الذي ذكره لأهل الجنة من النعيم. خير نزلا أي رزقا ~~أم شجرة الزقوم التي هي نزل أهل النار والزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم ~~يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهة وقيل هي شجرة تكون ~~بأرض تهامة من أخبث الشجر. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 63 الى 74] # إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها ~~كأنه رؤس الشياطين (65) فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ثم إن ~~لهم عليها لشوبا من حميم (67) # ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على ~~آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين (72) # فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) # إنا جعلناها فتنة للظالمين أي للكافرين وذلك أنهم قالوا كيف تكون في ~~النار شجرة والنار تحرق الشجر، وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش إن محمدا ~~يخوفنا بالزقوم والزقوم بلسان بربر الزبد والتمر، وقيل هو # PageV04P019 # بلغة أهل اليمن فأدخلهم أبو جهل بيته وقال يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد ~~والتمر فقال أبو جهل تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد فقال الله تعالى: إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم أي في قعر النار وأغصانها ترتفع إلى دركاتها طلعها ~~أي ثمرها سمي طلعا لطلوعه كأنه رؤس الشياطين قال ابن عباس هم الشياطين ~~بأعيانهم شبهها لقبحهم عند الناس. # فإن قلت قد شبهها بشيء لم يشاهد فكيف وجه التشبيه. # قلت إنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين وإن لم يشاهدوا فكأنه قيل إن ~~أقبح ms2934 الأشياء في الوهم والخيال رؤوس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها في قبح ~~المنظر والعرب إذا رأت منظرا قبيحا قالت كأنه رأس شيطان قال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # شبه سنان الرمح بأنياب الغول ولم يرها وقيل إن بين مكة واليمن شجرة قبيحة ~~منتنة تسمى رؤوس الشياطين فشبهها بها وقيل أراد بالشياطين الحيات والعرب ~~تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانا فإنهم لآكلون منها أي من ثمرها فمالؤن ~~منها البطون وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم ثم إن لهم عليها ~~لشوبا أي خلطا ومزاجا من حميم أي من ماء شديد الحرارة يقال إنهم إذا أكلوا ~~الزقوم وشربوا عليه الحميم شاب الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوبا لهم ثم ~~إن مرجعهم لإلى الجحيم وذلك أنهم يردون إلى الجحيم بعد شراب الحميم إنهم ~~ألفوا أي وجدوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون أي يسرعون وقيل يعملون ~~مثل عملهم ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين أي من الأمم الخالية ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين أي وأرسلنا فيهم رسلا منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين أي ~~الكافرين وكانت عاقبتهم العذاب إلا عباد الله المخلصين أي الموحدين نجوا من ~~العذاب والمعنى انظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله المخلصين. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 75 الى 91] # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في ~~العالمين (79) # إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا ~~الآخرين (82) وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) # إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) ~~فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) # فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) # ولقد نادانا نوح أي دعا ربه على قومه وقيل دعا ربه أن ينجيه من الغرق ~~فلنعم المجيبون نحن أي دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه ونجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم أي من الغم الذي لحق ms2935 قومه وهو الغرق وجعلنا ذريته هم الباقين يعني ~~أن الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام قال ابن عباس لما خرج نوح من ~~السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم، عن سمرة بن ~~جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل وجعلنا ذريته هم ~~الباقين قال «هم سام وحام ويافث» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي ~~رواية أخرى سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم وقيل سام أبو ~~العرب وفارس والروم وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج ~~وما هنالك وتركنا عليه في الآخرين أي أبقينا له حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده ~~من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة سلام على نوح في العالمين أي سلام عليه ~~منا في العالمين وقيل # PageV04P020 # تركنا عليه في الآخرين أن يصلي عليه إلى يوم القيامة إنا كذلك نجزي ~~المحسنين أي جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين، إنه من عبادنا ~~المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين يعني الكفار. # قوله عز وجل: وإن من شيعته أي من شيعة نوح لإبراهيم يعني أنه على دينه ~~وملته ومنهاجه وسنته إذ جاء ربه بقلب سليم أي مخلص من الشرك والشك وقيل من ~~الغل والغش والحقد والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون استفهام توبيخ أإفكا آلهة دون الله تريدون أي أتأفكون إفكا وهو أسوأ ~~الكذب وتعبدون آلهة سوى الله تعالى: فما ظنكم برب العالمين يعني إذا ~~لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ~~قال ابن عباس كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون ~~ويتعاملون به لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ~~ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع فكانوا ~~يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين ويضعون بين أيديهم الطعام قبل ~~خروجهم إلى عيدهم وزعموا التبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه فقالوا ~~لإبراهيم ألا ms2936 تخرج معنا إلى عيدنا فنظر في النجوم فقال إني سقيم قال ابن ~~عباس أي مطعون وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما وقيل مريض وقيل معناه ~~متساقم وهو من معاريض الكلام وقد تقدم الجواب عنه في سورة الأنبياء وقيل ~~إنه خرج معهم إلى عيدهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم ~~أشتكي رجلي فتولوا عنه مدبرين أي إلى عيدهم فدخل إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام على الأصنام فكسرها وهو قوله تعالى: فراغ أي مال إلى آلهتهم ميلة ~~في خفية فقال أي للأصنام استهزاء بها ألا تأكلون يعني الطعام الذي بين ~~أيديكم. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 92 الى 99] # ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون ~~(94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين (98) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) # ما لكم لا تنطقون فراغ أي مال عليهم ضربا باليمين أي ضربهم بيده اليمنى ~~لأنها أقوى من الشمال في العمل. وقيل بالقوة والقدرة عليهم وقيل أراد ~~باليمين القسم وهو قوله تعالى وتالله لأكيدن أصنامكم فأقبلوا إليه يعني إلى ~~إبراهيم يزفون أي يسرعون وذلك أنهم أخبروا بصنع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا ~~إليه ليأخذوه قال لهم إبراهيم على وجه الحجاج أتعبدون ما تنحتون أي بأيديكم ~~من الأصنام والله خلقكم وما تعملون أي وعملكم. وقيل وخلق الذي تعملونه ~~بأيديكم من الأصنام وفي الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ~~قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم قيل إنهم بنوا له حائطا من الحجر ~~طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه من الحطب وأوقدوا ~~عليه النار وطرحوه فيها وهو قوله تعالى: # فأرادوا به كيدا أي شرا وهو أن يحرقوه فجعلناهم الأسفلين يعني المقهورين ~~حيث سلم الله إبراهيم ورد كيدهم وقال يعني إبراهيم إني ذاهب إلى ربي أي ~~مهاجر إلى ربي وأهجر دار الكفر قاله بعد خروجه من النار سيهدين أي إلى حيث ~~أمرني بالمصير إليه وهو أرض ms2937 الشام فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد ~~فقال: ### || [سورة الصافات (37): الآيات 100 الى 103] # رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي ~~قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103) # PageV04P021 # رب هب لي من الصالحين يعني هب لي ولدا صالحا فبشرناه بغلام حليم قيل غلام ~~في صغره حليم في كبره وفيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش وينتهي في السن حتى ~~يوصف بالحلم. # قوله تعالى: فلما بلغ معه السعي قال ابن عباس يعني المشي معه إلى الجبل ~~وعنه أنه لما شب حتى بلغ سعيه سعى مع إبراهيم، والمعنى بلغ أن يتصرف معه ~~ويعينه في عمله وقيل السعي العمل لله تعالى وهو العبادة قيل كان ابن ثلاث ~~عشرة سنة وقيل سبع سنين قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قيل إنه لم ~~ير في منامه أنه ذبحه وإنما أمر بذبحه. وقيل بل رأى أنه يعالج ذبحه ولم ير ~~إراقة دمه ورؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا فعلوه واختلف العلماء من ~~المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه على قولين مع اتفاق أهل ~~الكتابين على أنه إسحاق، قال قوم هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة عمر وعلي ~~وابن مسعود والعباس ومن التابعين، ومن بعدهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير ~~وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي واختلفت الروايات عن ابن ~~عباس فروى عنه أنه إسحاق وروي أنه إسماعيل، ومن ذهب إلى أنه إسحاق قال كانت ~~هذه القصة بالشأم وروي عن سعيد بن جبير قال رأى إبراهيم ذبح إسحاق في ~~المنام وهو بالشأم فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر من ~~منى فلما أمره الله بذبح الكبش ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت ~~له الأودية والجبال، والقول الثاني أنه إسماعيل وإليه ذهب عبد الله بن سلام ~~والحسن وسعيد بن المسيب ms2938 والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي ~~والكلبي ورواية عطاء بن أبي رباح ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال المفدي ~~إسماعيل، وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتج من ذهب ~~إلى أن الذبيح إسحاق بقوله تعالى: فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي ~~أمر بذبح من بشر به وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق كما قال تعالى ~~في سورة هود: فبشرناها بإسحاق وقوله وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين بعد ~~قصة الذبح يدل على أنه تعالى إنما بشره بالنبوة لما تحمل من الشدائد في قصة ~~الذبح فثبت بما ذكرناه أن أول الآية وآخرها يدل على أن إسحاق هو الذبيح ~~وبما ذكر أيضا في كتاب يعقوب إلى ولده يوسف لما كان بمصر من يعقوب إسرائيل ~~الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. # واحتج من ذهب إلى أن الذبيح هو إسماعيل بأن الله تعالى ذكر البشارة ~~بإسحاق بعد الفراغ من قصة الذبيح فقال تعالى: وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين فدل على أن المذبوح غيره وأيضا فإن الله تعالى قال في سورة هود ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده ~~بنافلة وهو يعقوب بعده ووصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله وإسماعيل ~~وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد ~~بقوله: إنه كان صادق الوعد لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى له ~~بذلك وقال القرطبي سأل عمر بن عبد العزيز رجلا من علماء اليهود وكان أسلم ~~وحسن إسلامه أي ابني إبراهيم أمره الله تعالى بذبحه فقال إسماعيل ثم قال يا ~~أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك ولكن يحسدونكم يا معشر العرب على أن ~~يكون أباكم هو الذي أمر الله تعالى بذبحه ويدعون أنه إسحاق أبوهم ومن ~~الدليل أيضا أن قرني الكبش كانا معلقين على الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى ~~أن احترق البيت في زمن ابن الزبير. قال الشعبي رأيت ms2939 قرني الكبش منوطين ~~بالكعبة. وقال ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس ~~الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وحش يعني يبس وقال الأصمعي سألت ~~أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال يا أصمعي أين ذهب ~~عقلك متى كان إسحاق بمكة إنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه ~~والله تعالى أعلم. # (ذكر الإشارة إلى قصة الذبح) قال العلماء بالسير وأخبار الماضين لما دعا ~~إبراهيم ربه فقال: رب هب لي من الصالحين وبشر به قال هو # PageV04P022 # إذا لله ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له أوف بنذرك. هذا هو السبب ~~في أمر الله تعالى إياه بالذبح فقال لإسحاق انطلق نقرب لله قربانا فأخذ ~~سكينا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال فقال الغلام يا أبت أين ~~قربانك فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا ~~أبت افعل ما تؤمر. وقال محمد بن إسحاق كان إبراهيم عليه السلام إذا زار ~~هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة ~~فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما ~~كان يؤمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أمر في المنام بذبحه وذلك أنه رأى ~~ليلة التروية كأن قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح ~~تروى في نفسه أي فكر من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من ~~الشيطان؟ فمن ثم سمي ذلك اليوم يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانيا ~~فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي ذلك اليوم يوم عرفة. وقيل رأى ذلك ~~ثلاث ليال متتابعات فلما عزم على نحره سمي ذلك اليوم يوم النحر فلما تيقن ~~ذلك أخبر به ابنه فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ~~أي في الرأي على وجه المشاورة. # فإن قلت: لم شاوره في أمر قد ms2940 علم أنه حتم من الله تعالى وما الحكمة في ~~ذلك. # قلت لم يشاوره ليرجع إلى رأيه وإنما شاوره ليعلم ما عنده فيما نزل به من ~~بلاء الله تعالى وليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته ويثبت قدمه ~~ويصبره إن جزع ويراجع نفسه ويوطنها ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به ويكتسب ~~المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله. # فإن قلت لم كان ذلك في المنام دون اليقظة وما الحكمة في ذلك؟ قلت إن هذا ~~الأمر كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح. # فورد في المنام كالتوطئة له ثم تأكد حال النوم بأحوال اليقظة فإذا تظاهرت ~~الحالتان كان أقوى في الدلالة ورؤيا الأنبياء وحي وحق قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر يعني قال الغلام لأبيه افعل ما أمرت به قال ابن إسحاق وغيره لما أمر ~~إبراهيم بذلك قال لابنه يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب ~~نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب أخبره بما أمر الله به فقال افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين إنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على ~~سبيل التبرك وأنه لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله تعالى ولا قوة ~~على طاعة الله إلا بتوفيق الله فلما أسلما يعني انقادا وخضعا لأمر الله ~~وذلك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أسلم ابنه وأسلم الابن نفسه وتله ~~للجبين يعني صرعه على الأرض قال ابن عباس أضجعه على جبينه على الأرض فلما ~~فعل ذلك قال له ابنه يا أبت أشدد رباطي كيلا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ~~ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن واستحد شفرتك وأسرع مر ~~السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها ~~السلام مني وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها ~~عني، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله ففعل ~~إبراهيم ما أمره به ابنه ثم أقبل ms2941 عليه يقبله وهو يبكي وقد ربطه والابن يبكي ~~ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك شيئا. ثم إنه حدها مرتين أو ثلاثا ~~بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا. قيل ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس ~~على حلقه والأول أبلغ في القدرة وهو منع الحديد عن اللحم، قالوا فقال الابن ~~عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول ~~بينك وبين أمر الله تعالى وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع منها ففعل إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام ذلك ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت ونودي يا إبراهيم ~~قد صدقت الرؤيا. وروي عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قالوا لما رأى ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ابنه قال الشيطان لئن لم أفتن عند هذا آل ~~إبراهيم لا أفتن منهم أحدا أبدا فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام ~~فقال لها هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك قالت # PageV04P023 # ذهب به ليحتطب من هذا الشعب قال لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه قالت كلا ~~هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك قال إنه يزعم أن الله أمره بذلك قالت إن كان ~~ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه. فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن ~~وهو يمشي على أثر أبيه فقال له يا غلام هل تدري أن يذهب بك أبوك قال نحتطب ~~لأهلنا من هذا الشعب قال لا والله ما يريد إلا أن يذبحك قال، ولم قال إن ~~ربه أمره بذلك قال فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة فلما امتنع الغلام ~~أقبل على إبراهيم فقال له أين تريد أيها الشيخ قال هذا الشعب لحاجة لي فيه ~~قال والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا فعرفه ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال إليك عني يا عدو الله فو الله لأمضين ~~لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئا مما أراد وامتنعوا ~~منه بعون الله تعالى ms2942 وروى عن ابن عباس أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ~~أراد أن يذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب ~~إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند ~~الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه ~~بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر الله عز وجل وهو قوله تعالى: فلما ~~أسلما وتله للجبين. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 104 الى 106] # وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ~~(105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) # وناديناه أي فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي حصل المقصود ~~من تلك الرؤيا حيث ظهر منه كمال الطاعة والانقياد لأمر الله تعالى وكذلك ~~الولد. # فإن قلت كيف قيل قد صدقت الرؤيا وكان قد رأى الذبح ولم يذبح وإنما كان ~~تصديقها لو حصل منه الذبح. # قلت جعله مصدقا لأنه بذل وسعه ومجهوده وأتى بما أمكنه وفعل ما يفعله ~~الذابح فقد حصل المطلوب وهو إسلامهما لأمر الله تعالى وانقيادهما لذلك، ~~فلذلك قال له قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين يعني جزاه الله ~~بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ولده والمعنى إنا كما عفونا عن ذبح ولده ~~كذلك نجزي المحسنين في طاعتنا إن هذا لهو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر ~~حيث اختبره بذبح ولده. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 107 الى 116] # وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم ~~(109) كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد مننا على موسى وهارون (114) ~~ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين ~~(116) # وفديناه بذبح عظيم قيل نظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن ~~فقال هذا فداء ابنك فاذبحه دونه فكبر إبراهيم وكبر جبريل وكبر الكبش، فأخذه ~~إبراهيم وأتى به المنحر من منى فذبحه قال أكثر المفسرين كان هذا الذبح كبشا ~~رعى ms2943 في الجنة أربعين خريفا وقال ابن عباس الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي ~~قربه ابن آدم قيل حق له أن يكون عظيما وقد تقبل مرتين وقيل سمي عظيما لأنه ~~من عند الله تعالى. وقيل لعظمه في الثواب وقيل لعظمه وسمنه وقال الحسن ما ~~فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير وتركنا عليه في الآخرين ~~أي تركنا له ثناء حسنا فيمن بعده سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه ~~من عبادنا المؤمنين قوله تعالى: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين أي بوجود ~~إسحاق وهذا على قول من يقول إن الذبيح هو إسماعيل ومعناه أنه بشر بإسحاق ~~بعد هذه القصة جزاء لطاعته وصبره ومن جعل الذبيح هو إسحاق قال معنى الآية # PageV04P024 # وبشرناه بنبوة إسحاق. وكذا روى عن ابن عباس قال بشر به مرتين حين ولد ~~وحين نبىء وباركنا عليه يعني على إبراهيم في أولاده وعلى إسحاق أي يكون ~~أكثر الأنبياء من نسله ومن ذريتهما محسن أي مؤمن وظالم لنفسه أي كافر مبين ~~أي ظاهر الكفر، وفيه تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة ~~الابن. # قوله عز وجل: ولقد مننا على موسى وهارون أي أنعمنا عليهما بالنبوة ~~والرسالة ونجيناهما وقومهما يعني بني إسرائيل من الكرب العظيم يعني الذي ~~كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم وقيل هو إنجاؤهم من الغرق ونصرناهم يعني ~~موسى وهارون وقومهما فكانوا هم الغالبين أي على القبط. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 117 الى 123] # وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا ~~عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (121) # إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن إلياس لمن المرسلين (123) # وآتيناهما الكتاب يعني التوراة المستبين المستنير وهديناهما الصراط ~~المستقيم أي دللناهما على طريق الجنة وتركنا عليهما في الآخرين أي الثناء ~~الحسن سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا ~~المؤمنين قوله عز وجل: وإن إلياس لمن المرسلين روي عن ابن مسعود أنه قال ~~إلياس هو إدريس وكذلك هو في مصحفه وقال أكثر المفسرين ms2944 هو نبي من أنبياء بني ~~إسرائيل قال ابن عباس هو ابن عم اليسع وقال محمد بن إسحاق هو الياس بن بشر ~~بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. # (ذكر الإشارة إلى القصة) قال محمد بن إسحاق وعلماء السير والأخبار لما ~~قبض الله عز وجل حزقيل النبي عليه الصلاة والسلام عظمت الأحداث في بني ~~إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله عز ~~وجل، فبعث الله عز وجل إليهم إلياس نبيا وكان الأنبياء يبعثون من بعد موسى ~~عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة وكان ~~يوشع لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وإن سبطا منهم حصل في قسمته ~~بعلبك ونواحيها وهم الذين بعث إليهم إلياس وعليهم يومئذ ملك اسمه آجب وكان ~~قد أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام وكان له صنم من ذهب طوله عشرون ذراعا ~~وله أربعة وجوه اسمه بعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة ~~سادن وجعلوهم أنبياء فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة ~~والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك وكان إلياس يدعوهم إلى ~~عبادة الله عز وجل وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك ~~فإنه آمن به وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة ~~جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب فغصبت من رجل مؤمن جنينة كان يتعيش ~~منها فأخذتها وقتلته فبعث الله سبحانه وتعالى إلياس إلى الملك وزوجته وأمره ~~أن يخبرهما أن الله عز وجل قد غضب لوليه حين قتل ظلما وآلى على نفسه أنهما ~~إن لم يتوبا عن صنيعهما ويرد الجنينة على ورثة المقتول أهلكهما في جوف ~~الجنينة ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها ولا يتمتعان فيها إلا قليلا، فجاء ~~إلياس فأخبر الملك بما أوحى الله إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة فلما ~~سمع الملك ذلك غضب واشتد غضبه عليه وقال يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا ~~إليه إلا باطلا، ms2945 وهم بتعذيب إلياس وقتله فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج ~~عنه هاربا ورجع الملك إلى عبادة بعل ولحق إلياس بشواهق الجبال فكان يأوي ~~إلى الشعاب والكهوف فبقي سبع سنين على ذلك خائفا مستخفيا يأكل من نبات ~~الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه وقد وضعوا عليه العيون والله يستره منهم: ~~فلما طال # PageV04P025 # الأمر على إلياس وسكنى الكهوف في الجبال وطال عصيان قومه ضاق بذلك ذرعا ~~فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود يا إلياس ما هذا الحزن ~~والجزع الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي ~~سلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال يا رب تميتني وتلحقني ~~بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني فأوحى الله تعالى إليه يا إلياس ما ~~هذا باليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها وإنما صلاحها وقوامها بك وبأشباهك ~~وإن كنتم قليلا ولكن سلني أعطك فقال إلياس إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني ~~إسرائيل قال الله عز وجل وأي شيء تريد أن أعطيك، قال تملكني خزائن السماء ~~سبع سنين فلا تسير عليهم سحابة إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم قطرة إلا بشفاعتي ~~فإنه لا يذلهم إلا ذلك قال الله عز وجل يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن ~~كانوا ظالمين، قال فست سنين قال أنا أرحم بخلقي من ذلك قال فخمس سنين قال ~~أنا أرحم بخلقي ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك قال إلياس ~~فبأي شيء أعيش يا رب قال أسخر لك جيشا من الطير ينقل لك طعامك وشرابك من ~~الريف والأرض التي لم تقحط قال إلياس قد رضيت فأمسك الله عز وجل عنهم المطر ~~حتى هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا وإلياس على حاله ~~مستخفيا من قومه يوضع له لرزق حيث كان وقد عرف قومه ذلك. قال ابن عباس أصاب ~~بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال لها أعندك طعام قالت نعم ~~شيء من دقيق وزيت قليل قال ms2946 فدعا به ودعا فيه بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها ~~دقيقا وملأ خوابيها زيتا فلما رأوا ذلك عندها قالوا من أين لك هذا قالت مر ~~بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته # فعرفوه وقالوا ذلك إلياس فطلبوه فوجوده فهرب منهم ثم إنه آوى إلى بيت ~~امرأة من بني إسرائيل ولها ابن يقال له اليسع بن أخطوب بن ضر فآوته وأخفت ~~أمره فدعا لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس وآمن به ~~وصدقه ولزمه وذهب معه حيثما ذهب. وكان إلياس قد كبر وأسن واليسع غلام شاب ~~ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص ~~من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر، فيزعمون أن إلياس قال: يا ~~رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم يرجعون ~~عما هم فيه ينزعون عن عبادة غيرك فقيل له نعم. فجاء إلياس إلى بني إسرائيل ~~فقال: # إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر ~~بخطاياكم وإنكم على باطل فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم ~~فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ~~فنزعتم ودعوت الله تعالى ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، فقالوا أنصفت ~~فخرجوا بأوثانهم ودعوها فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء فقالوا يا ~~إلياس إنا قد أهلكنا فادع الله لنا، فدعا إلياس ومعه اليسع بالفرج فخرجت ~~سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم ~~أرسل الله عز وجل عليهم المطر وأغاثهم وحييت بلادهم فلما كشف الله تعالى ~~عنهم الضر نقضوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه ~~فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون ~~انظر يوم كذا وكذا فاخرج إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه ~~فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كان ms2947 بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار ~~وقيل لونه كالنار حتى وقف بين أيدي إلياس فوثب عليه فانطلق به الفرس فناداه ~~اليسع يا إلياس ما تأمرني فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك ~~علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل وكان ذلك آخر العهد به ورفع الله ~~تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فصار ~~إنسيا ملكيا أرضيا سماويا وسلط الله عز وجل على آجب الملك وقومه عدوا لهم ~~فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم فقتل آجب وامرأته أزبيل في الجنينة ~~التي اغتصبتها امرأة الملك من ذلك المؤمن فلم تزل جثتاهما ملقاتين في تلك ~~الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما ونبأ الله سبحانه وتعالى اليسع ~~وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا ~~يعظمونه وحكم الله تعالى فيهم قائم # PageV04P026 # إلى أن فارقهم اليسع، روى السدي عن يحيى بن عبد العزيز عن أبي راود قال ~~إلياس والخضر يصومان رمضان ببيت المقدس ويوفيان الموسم في كل عام وقيل إن ~~إلياس موكل بالفيافي والخضر موكل بالبحار فذلك قوله تعالى وإن إلياس لمن ~~المرسلين. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 124 الى 128] # إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) ~~الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد ~~الله المخلصين (128) # إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا يعني أتعبدون بعلا وهو صنم كان لهم ~~يعبدونه ولذلك سميت مدينتهم بعلبك قيل البعل الرب بلغة أهل اليمن وتذرون أي ~~وتتركون عبادة أحسن الخالقين فلا تعبدونه الله ربكم ورب آبائكم الأولين ~~فكذبوه فإنهم لمحضرون أي في النار إلا عباد الله المخلصين أي من قومه الذين ~~آمنوا به فإنهم نجوا من العذاب. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 129 الى 143] # وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن المرسلين (133) # إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا ~~الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ms2948 (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143) # وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين قرئ آل ياسين بالقطع قيل أراد ~~آل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل آل القرآن لأن ياسين من أسماء القرآن وفيه ~~بعد وقرئ الياسين بالوصل ومعناه إلياس وأتباعه من المؤمنين إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين قوله تعالى: وإن لوطا لمن المرسلين إذ ~~نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين أي الباقين في العذاب ثم دمرنا # أي أهلكنا الآخرين وإنكم # أي أهل مكة لتمرون عليهم # أي على آثارهم ومنازلهم مصبحين # أي في وقت الصباح وبالليل # أي وبالليل في أسفاركم أفلا تعقلون # أي فتعتبرون بهم. # قوله عز وجل: وإن يونس لمن المرسلين # أي من جملة رسل الله تعالى إذ أبق # أي هرب إلى الفلك المشحون # أي المملوء قال ابن عباس ووهب كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج ~~كالمستور منهم فقصد البحر فركب السفينة فاحتبست السفينة فقال الملاحون ها ~~هنا عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت على يونس فاقترعوا ثلاثا وهي تقع على ~~يونس فقال أنا الآبق وزج نفسه في الماء. # وقيل إنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب فأراد ~~أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب وذهب ~~المركب وجاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب فأخذ الابن الأصغر فبقي ~~فريدا فجاء مركب فركبه وقعد ناحية من القوم فلما مرت السفينة في البحر ركدت ~~فقال الملاحون إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل وقوف السفينة فيما نراه من غير ~~ريح ولا سبب ظاهر فاقترعوا فمن خرج سهمه نغرقه فلأن يغرق واحد خير من غرق ~~الكل فاقترعوا فخرج سهم يونس فذلك قوله تعالى: فساهم # أي فقارع فكان من المدحضين # يعني من المقرعين المغلوبين في سورة يونس والأنبياء فالتقمه الحوت أي ~~ابتلعه وهو مليم أي آت بما ms2949 يلام عليه فلولا أنه كان من المسبحين أي من ~~الذاكرين الله عز وجل قبل ذلك # PageV04P027 # وكان كثير الذكر وقال ابن عباس من المصلحين وقيل من العابدين. قال الحسن ~~ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا فشكر الله تعالى له ~~طاعته القديمة قال بعضهم اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة فإن يونس ~~كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى فلما وقع في الشدة في بطن الحوت شكر الله ~~تعالى له ذلك فقال فلولا أنه كان من المسبحين. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 144 الى 147] # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وقيل لولا أنه كان يسبح في بطن الحوت بقوله ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي ~~لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. # قوله عز وجل: فنبذناه أي طرحناه إنما أضاف النبذ إلى نفسه وإن كان الحوت ~~هو النابذ لأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى: بالعراء أي بالأرض ~~الخالية عن الشجر والنبات. وقيل بالساحل وهو سقيم أي عليل كالفرخ الممعط ~~وقيل كان قد بلي لحمه ورق عظمه ولم تبق له قوة قيل إنه لبث في بطن الحوت ~~ثلاثة أيام وقيل سبعة وقيل عشرين يوما وقيل أربعين وقيل التقمه ضحى ولفظه ~~عشية وأنبتنا عليه شجرة من يقطين يعني القرع قيل إن كل نبت يمتد وينبسط على ~~وجه الأرض كالقرع والقثاء والبطيخ ونحوه فهو يقطين، قيل أنبتها الله تعالى ~~له ولم تكن قبل ذلك وكانت معروشة ليحصل له الظل وفي شجر القرع فائدة وهي أن ~~الذباب لا يجتمع عندها فكان يونس يستظل بتلك الشجرة ولو كانت منبسطة على ~~الأرض لم يكن أن يستظل بها قيل وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة ~~وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي فنام نومة ثم استيقظ وقد يبست الشجرة ~~وأصابه ms2950 حر الشمس فحزن حزنا شديدا وجعل يبكي فأرسل الله تعالى إليه جبريل ~~وقال أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف من أمتك قد أسلموا وتابوا ~~وأرسلناه إلى مائة ألف قيل أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ~~ما أصابه والمعنى وكنا أرسلناه إلى مائة ألف فلما خرج من بطن الحوت أمر أن ~~يرجع إليهم ثانيا وقيل كان إرساله إليهم بعد خروجه من بطن الحوت وقيل يجوز ~~أن يكون إرساله إلى قوم آخرين غير القوم الأولين أو يزيدون قال ابن عباس ~~معناه ويزيدون وقيل معناه بل يزيدون وقيل أو على أصلها والمعنى أو يزيدون ~~في تقدير الرائي إذا رآهم قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على ذلك فالشك على ~~تقدير المخلوقين والأصح هو قول ابن عباس الأول. # وأما الزيادة فقال ابن عباس كانوا عشرين ألفا، ويعضده ما روي عن أبي بن ~~كعب رضي الله عنه قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال يزيدون عشرين ألفا» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن وقيل يزيدون بضعا وثلاثين ألفا وقيل سبعين ألفا. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 148 الى 160] # فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) ~~أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~ولد الله وإنهم لكاذبون (152) # أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون ~~(155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان ~~الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) # PageV04P028 # فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب فمتعناهم إلى حين ~~أي إلى انقضاء آجالهم. # قوله عز وجل: فاستفتهم أي فسل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ ألربك ~~البنات ولهم البنون وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أن ~~الملائكة بنات الله. # والمعنى جعلوا لله البنات ولهم البنين وذلك باطل لأن العرب كانوا ~~يستنكفون من البنات والشيء الذي ms2951 يستنكف منه المخلوق كيف ينسب للخالق أم ~~خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون أي حاضرون خلقنا إياهم ألا إنهم من إفكهم ~~أي من كذبهم ليقولون ولد الله أي في زعمهم وإنهم لكاذبون أي فيما زعموا ~~أصطفى البنات أي في زعمكم على البنين وهو استفهام توبيخ وتقريع ما لكم كيف ~~تحكمون أي بالبنات لله ولكم بالبنين أفلا تذكرون أي أفلا تتعظون أم لكم ~~سلطان مبين أي برهان بين على أن لله ولدا فأتوا بكتابكم # يعني الذي لكم فيه حجة إن كنتم صادقين # أي في قولكم وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا قيل أراد بالجنة الملائكة سموا ~~جنة لاجتنانهم عن الأبصار. # قال ابن عباس هم حي من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس قالوا هم بنات ~~الله فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فمن أمهاتهم قالوا سروات الجن. # وقيل معنى النسب أنهم أشركوا في عبادة الله تعالى. # وقيل هو قول الزنادقة الخير من الله والشر من الشيطان ولقد علمت الجنة ~~إنهم يعني قائلي هذا القول لمحضرون أي في النار سبحان الله عما يصفون نزه ~~الله تعالى نفسه عما يقولون إلا عباد الله المخلصين هذا استثناء من ~~المحضرين والمعنى أنهم لا يحضرون. # ### || [سورة الصافات (37): الآيات 161 الى 171] # فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم ~~(163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) # وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) # فإنكم يعني يا أهل مكة وما تعبدون أي من الأصنام ما أنتم عليه أي على ما ~~تعبدون بفاتنين أي بمضلين أحدا إلا من هو صال الجحيم أي إلا من سبق له في ~~علم الله تعالى الشقاوة وأنه سيدخل النار. # قوله تعالى إخبارا عن حال الملائكة وما منا إلا له مقام معلوم يعني أن ~~جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة ملك إلا له مقام ~~معلوم ms2952 يعبد ربه فيه. وقال ابن عباس ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك ~~يصلي أو يسبح. وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أطت السماء ~~وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع ~~جبهته لله ساجدا» أخرجه الترمذي. وهو طرف من حديث قيل الأطيط أصوات الأقتاب ~~وقيل أصوات الإبل وحنينها، ومعنى الحديث ما في السماء من الملائكة قد ~~أثقلها حتى أطت وهذا مثل مؤذن بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط وقيل معنى ~~إلا له مقام معلوم أي في القرب والمشاهدة وقيل يعبد الله على مقامات مختلفة ~~كالخوف والرجاء والمحبة والرضا وإنا لنحن الصافون يعني الملائكة صفوا ~~أقدامهم في عبادة الله تعالى كصفوف الناس في الصلاة في الأرض وإنا لنحن ~~المسبحون أي المصلون لله تعالى وقيل المنزهون لله تعالى عن كل سوء يخبر ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ~~ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار قوله عز وجل: وإن كانوا ليقولون يعني كفار ~~مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لو أن عندنا ذكرا من الأولين يعني ~~كتابا مثل كتاب الأولين لكنا عباد الله المخلصين أي لأخلصنا العبادة لله ~~فكفروا به أي فلما # PageV04P029 # أتاهم الكتاب كفروا به فسوف يعلمون فيه تهديد لهم قوله عز وجل: ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين يعني تقدم وعدنا لعبادنا المرسلين بنصرهم. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 172 الى 182] # إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى ~~حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) # فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) ~~وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على ~~المرسلين (181) # والحمد لله رب العالمين (182) # إنهم لهم المنصورون أي بالحجة البالغة إن جندنا # أي حزبنا المؤمنين هم الغالبون # أي لهم النصرة في العاقبة فتول أي أعرض عنهم حتى حين قال ابن عباس يعني ~~الموت وقيل إلى يوم بدر وقيل حتى آمرك بالقتال وهذه الآية منسوخة ms2953 بآية ~~القتال وقيل إلى أن يأتيهم العذاب وأبصرهم أي إذا نزل بهم العذاب فسوف ~~يبصرون أي ذلك فعند ذلك قالوا متى هذا العذاب قال الله عز وجل: أفبعذابنا ~~يستعجلون فإذا نزل يعني العذاب بساحتهم أي بحضرتهم وقيل بفنائهم فساء صباح ~~المنذرين أي فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا العذاب (ق) عن أنس رضي الله ~~عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فلما دخل القرية قال الله ~~أكبر خربت خيبر إنا إذا أنزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث ~~مرات» ثم كرر ذكر ما تقدم تأكيدا لوعيد العذاب فقال تعالى: وتول عنهم حتى ~~حين وقيل المراد من الآية الأولى ذكر أحوالهم في الدنيا وهذه ذكر أحوالهم ~~في الآخرة فعلى هذا القول يزول التكرار وأبصر أي العذاب إذا نزل بهم فسوف ~~يبصرون ثم نزه نفسه فقال تعالى: سبحان ربك رب العزة أي الغلبة والقدرة وفيه ~~إشارة إلى كمال القدرة وأنه القادر على جميع الحوادث عما يصفون أي عن اتخاذ ~~الشركاء والأولاد وسلام على المرسلين أي الذين بلغوا عن الله عز وجل ~~التوحيد والشرائع لأن أعلى مراتب البشر أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره ~~وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا جرم يجب على كل أحد الاقتداء بهم ~~والاهتداء بهداهم والحمد لله رب العالمين أي على هلاك الأعداء ونصرة ~~الأنبياء وقيل الغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوه ولا يخلوا به ولا ~~يغفلوا عنه لما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال «من أحب أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين» ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P030 ### | سورة ص # ويقال لها سورة داود عليه الصلاة والسلام وهي مكية وهي ست وقيل ثمان ~~وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة ص (38): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم ms2954 # ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) # قوله عز وجل: ص قيل هو قسم وقيل اسم للسورة وقيل هو مفتاح اسمه الصمد ~~وصادق الوعد والصبور وقيل معناه صدق الله وعن ابن عباس صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن ذي الذكر قال ابن عباس أي ذي البيان وقيل ذي الشرف وهو ~~قسم قيل وجوابه قد تقدم وهو قوله تعالى ص أقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم لصادق وقيل جواب القسم محذوف تقديره والقرآن ~~ذي الذكر ما الأمر كما تقول الكفار دل على هذا المحذوف، قوله تعالى: بل ~~الذين كفروا وقيل بل الذين كفروا موضع القسم وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره ~~بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر وقيل جوابه «إن كل إلا كذب ~~الرسل» وقيل جوابه «إن هذا لرزقنا» وقيل «إن ذلك لحق تخاصم أهل النار» وهذا ~~ضعيف لأنه تخلل بين القسم وهذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقيل بل لتدارك ~~كلام ونفي آخر ومجاز الآية أن الله تعالى أقسم بص والقرآن ذي الذكر بل ~~الذين كفروا من أهل مكة في عزة أي حمية وجاهلية وتكبر عن الحق وشقاق أي ~~خلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من ~~الأمم الخالية فنادوا أي استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة ولات حين ~~مناص أي ليس الحين حين فرار وتأخر قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا ~~فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فلما نزل بهم ~~العذاب ببدر قالوا مناص فأنزل الله عز وجل: ولات حين مناص أي ليس الحين حين ~~هذا القول. ### || [سورة ص (38): الآيات 4 الى 8] # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما سمعنا بهذا ms2955 في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب (8) # وعجبوا يعني كفار مكة أن جاءهم منذر منهم يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم ~~وقال الكافرون هذا ساحر كذاب قوله عز وجل: أجعل الآلهة إلها واحدا وذلك أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال ~~الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين ~~رجلا أكبرهم سنا الوليد بن المغيرة امشوا إلى أبي طالب فأتوا إلى أبي طالب ~~وقالوا له أنت شيخنا # PageV04P031 # وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنما أتيناك لتقضي بيننا وبين ~~ابن أخيك فأرسل إليه أبو طالب فدعا به فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليه قال له يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على ~~قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وماذا يسألونني» قالوا ارفض ~~آلهتنا وندعك وإلهك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتعطوني كلمة واحدة ~~تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم» فقال أبو جهل لله أبوك لنعطينكها ~~وعشرة أمثالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قولوا لا إله إلا الله» ~~فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا كيف يسمع الخلق إله واحد إن ~~هذا لشيء عجاب أي عجب وانطلق الملأ منهم أي من مجلسهم الذي كانوا فيه عند ~~أبي طالب أن امشوا أي يقول بعضهم لبعض امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا ~~على عبادة آلهتكم إن هذا لشيء يراد أي لأمر يراد بنا وذلك أن عمر رضي الله ~~عنه لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا إن هذا الذي نراه من زيادة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا وقيل يراد بأهل الأرض وقيل ~~يراد بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يملك علينا ما سمعنا بهذا أي بالذي يقوله ~~محمد من التوحيد في الملة الآخرة قال ابن عباس يعنون ms2956 النصرانية لأنها آخر ~~الملل وإنهم لا يوحدون الله بل يقولون ثالث ثلاثة وقيل يعنون ملة قريش وهي ~~دينهم الذي هم عليه إن هذا إلا اختلاق أي كذب وافتعال أأنزل عليه الذكر أي ~~القرآن من بيننا أي يقول أهل مكة ليس هو بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله ~~تعالى: بل هم في شك من ذكري أي وحيي وما أنزلت بل لما يذوقوا عذاب أي لو ~~ذاقوه لما قالوا هذا القول. # ### || [سورة ص (38): الآيات 9 الى 12] # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) # أم عندهم خزائن رحمة ربك يعني مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا العزيز أي ~~في ملكه الوهاب الذي وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم أم لهم ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما أي ليس لهم ذلك فليرتقوا في الأسباب يعني إن ~~ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء ليأتوا منها ~~بالوحي إلى من يختارون. وقيل أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء ~~إلى سماء وهذا أمر توبيخ وتعجيز جند ما هنالك أي هؤلاء الذين يقولون هذا ~~القول جند ما هنالك مهزوم أي مغلوب من الأحزاب يعني أن قريشا من جملة ~~الأجناد الذين تجمعوا وتحزبوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا أخبر ~~الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جند ~~المشركين فجاء تأويلها يوم بدر وهناك إشارة إلى مصارعهم ببدر ثم قال عز وجل ~~معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~قال ابن عباس: ذو البناء المحكم. وقيل ذو الملك الشديد الثابت والعرب تقول ~~هو في عز ثابت الأوتاد يريدون بذلك أنه دائم شديد وقال الأسود بن يعفر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد # وقيل ذو قوة وأصل هذا أن بيوتهم تثبت بالأوتاد، وقيل ذو القوة والبطش. ~~وفي ms2957 رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما والجنود والجموع الكثيرة يعني أنهم ~~يقرون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء وسميت الأجناد أوتادا لكثرة ~~المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وقيل الأوتاد جمع الوتد ~~وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها، فكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين ~~أربعة أوتاد يشد كل طرف منه إلى وتد فيتركه حتى يموت. وقيل يرسل عليه ~~العقارب والحيات. وقيل كانت له أوتاد وأحبال وملاعب يلعب عليها بين يديه. # PageV04P032 # ### || [سورة ص (38): الآيات 13 الى 17] # وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا ~~داود ذا الأيد إنه أواب (17) # وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب أي الذين تحزبوا على ~~الأنبياء فأعلم الله تعالى أن مشركي قريش حزب من أولئك الأحزاب إن كل إلا ~~كذب الرسل فحق عقاب أي إن أولئك الطوائف والأمم الخالية لما كذبوا أنبياءهم ~~وجب عليهم العذاب فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين إذا نزل بهم العذاب وفي ~~الآية زجر وتخويف للسامعين وما ينظر أي ينتظر هؤلاء أي كفار مكة إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق أي رجوع والمعنى أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم ~~إذا جاءت لم ترد ولم تصرف وقالوا ربنا عجل لنا قطنا أي حظنا ونصيبنا من ~~الجنة التي تقول وقيل نصيبنا من العذاب قاله النضر بن الحارث استعجالا منه ~~بالعذاب وقال ابن عباس يعني كتابنا والقط الصحيفة التي حصرت كل شيء قيل لما ~~نزلت في الحاقة فأما من أوتي كتابه بيمينه وأما من أوتي كتابه بشماله قالوا ~~استهزاء عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب وقيل قطنا أي حسابنا يقال ~~لكتاب الحساب قط وقيل القط كتاب الجوائز، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم اصبر على ما يقولون أي على ما يقول الكفار من ms2958 التكذيب واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد قال ابن عباس ذا القوة في العبادة (ق) عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وأحب الصلاة ~~إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» وقيل معناه ~~ذا القوة في الملك إنه أواب أي رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عن كل ما يكره ~~وقال ابن عباس مطيع لله عز وجل وقيل مسبح بلغة الحبشة. ### || [سورة ص (38): الآيات 18 الى 20] # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له ~~أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن أي بتسبيحه إذا سبح بالعشي والإشراق أي غدوة ~~وعشية والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها وفسره ابن عباس بصلاة الضحى ~~وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس في قوله بالعشي والإشراق قال كنت ~~أمر بهذه الآية لا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال «يا ~~أم هانئ إن هذه صلاة الإشراق» قلت والذي أخرجاه في الصحيحين من حديث أم ~~هانئ في صلاة الضحى، قالت أم هانئ: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة بنته تستره بثوب فسلمت عليه فقال من هذه قلت ~~أم هانئ بنت أبي طالب فقال مرحبا يا أم هانئ فلما فرغ من غسله قام وصلى ~~ثمان ركعات ملتحفا بثوب قالت أم هانئ وذلك ضحى» ولهما عن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى قال «ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير ~~أم هانئ فإنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة ~~فاغتسل وصلى ثمان ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع ms2959 ~~والسجود». # قوله تعالى: والطير أي وسخرنا له الطير محشورة أي مجموعة إليه تسبح معه ~~كل له أواب أي رجاع إلى طاعته مطيع له بالتسبيح معه وشددنا ملكه أي قويناه ~~بالحرس والجنود، قال ابن عباس كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابا ~~كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. وروي عن ابن عباس أن رجلا من بني إسرائيل ~~ادعى على رجل من عظمائهم، عند داود عليه الصلاة والسلام فقال هذا غصبني ~~بقرة فسأله داود فجحده فسأل الآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود ~~قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله إلى داود في منامه أن اقتل المدعى عليه ~~فقال هذه رؤيا ولست أعجل عليه حتى أتثبت فأوحي إليه مرة أخرى فلم يفعل ~~فأوحي إليه الثالثة أن # PageV04P033 # يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل إليه داود فقال إن الله عز وجل أوحى إلي أن ~~أقتلك فقال تقتلني بغير بينة فقال داود نعم والله لأنفذن أمر الله فيك فلما ~~عرف الرجل أنه قاتله، قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ~~ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته فبذلك أوخذت فأمر به داود فقتل فاشتدت ~~هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى وشددنا ملكه ~~وآتيناه الحكمة يعني النبوة والإصابة في الأمور وفصل الخطاب قال ابن عباس ~~يعني بيان الكلام وقال ابن مسعود علم الحكم والتبصر بالقضاء وقال علي بن ~~أبي طالب هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام الخصوم ~~ينقطع وينفصل به. وقال أبي بن كعب فصل الخطاب الشهود والأيمان وقيل إن فصل ~~الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله تعالى والثناء عليه أما بعد إذا أراد ~~الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود عليه الصلاة والسلام. ### || [سورة ص (38): الآيات 21 الى 22] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء ms2960 الصراط (22) # قوله عز وجل: وهل أتاك أي وقد أتاك يا محمد نبأ الخصم أي خبر الخصم ~~فاستمع له نقصصه عليك. وقيل ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من ~~الأخبار العجيبة والتشويق إلى استماع كلام الخصماء والخصم يقع على الواحد ~~والجمع إذ تسوروا المحراب أي صعدوا وعلوا المحراب أي بالبيت الذي كان يدخل ~~فيه داود يشتغل بالطاعة والعبادة والمعنى أنهم أتوا المحراب من سوره وهو ~~أعلاه، وفي الآية قصة امتحان داود عليه الصلاة والسلام. واختلف العلماء ~~بأخبار الأنبياء في سبب ذلك وسأذكر ما قاله المفسرون ثم أتبعه بفصل فيه ذكر ~~نزاهة داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم لأن ~~منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها فلا ينسب إليها إلا ما يليق بها وأما ما ~~قاله المفسرون «1» إن داود عليه الصلاة والسلام تمنى يوما من الأيام منزلة ~~آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وذلك أنه كان قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوم ~~يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل ويوم لنسائه وأشغاله. ~~وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال يا رب أرى ~~الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه أنهم ابتلوا ~~ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها ابتلي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنمرود ~~وذبح ابنه، وابتلي إسحاق بالذبح وبذهاب بصره وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف. ~~فقال داود عليه الصلاة والسلام رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضا ~~فأوحى الله عز وجل إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس. فلما كان اليوم ~~الذي وعده الله به دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور ~~فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من ~~كل لون حسن وجناحاها من الدر والزبرجد فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها فمد ~~يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فلما قصد ~~أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من ms2961 نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت ~~فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت من الكوة فنظر داود أين ~~تقع فيبعث من يصيدها له، فأبصر امرأة في بستان على شاطئ بركة تغتسل وقيل ~~رآها تغتسل على سطح لها فرآها من أجمل النساء خلقا فعجب داود من حسنها ~~وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجابا ~~بها فسأل عنها فقيل هي شايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا وزوجها في غزاة ~~بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود فكتب داود إلى ابن أخته أن أبعث ~~أوريا إلى موضع كذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم PageV04P034 # على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ~~فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد ~~منه بأسا فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا ~~وكذا أشد منه بأسا فبعثه فقتل في المرة الثالثة فلما انقضت عدة المرأة ~~تزوجها داود فهي أم سليمان عليه الصلاة والسلام. وقيل إن داود أحب أن يقتل ~~أوريا فيتزوج امرأته فهذا كان ذنبه. وقال ابن مسعود: كان ذنب داود أنه ~~التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته. وقيل كان ذلك مباحا لهم غير أن الله ~~عز وجل لم يرض لداود ذلك لأنه رغبة في الدنيا وازدياد من النساء وقد أغناه ~~الله تعالى عنها بما أعطاه من غيرها. وقيل في سبب امتحان داود أنه كان جزأ ~~الدهر أجزاء يوما لنسائه ويوما للعبادة ويوما للحكم بين بني إسرائيل ويوما ~~يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا ~~هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا، فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ~~ذلك وقيل إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلى اعتصم ~~فلما كان يوم عبادته أغلق عليه الأبواب وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على ~~قراءة ms2962 التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت حمامة وذكر نحو ما تقدم فلما دخل ~~بالمرأة لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله عز وجل الملكين إليه. وقيل إن داود ~~عليه السلام ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانوا ~~يصلون معه فلما استأنس منهم قال أخبروني بأي شيء أنتم موكلون، قالوا نكتب ~~صالح أعمالك ونوافقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه: ليت شعري كيف أكون لو ~~خلوني ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون فأوحى الله تعالى إلى الملكين أن ~~يعتزلاه ليعلم أنه لا غنى له عن الله تعالى فلما فقدهم جد واجتهد في ~~العبادة إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه فأراد الله تعالى أن يعرفه ضعفه فأرسل ~~طائرا من طيور الجنة وذكر نحو ما تقدم. وقيل إن داود قال لبني إسرائيل ~~لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلى وقيل إنه أعجبه عمله فابتلى فبعث الله إليه ~~ملكين في صورة رجلين وذلك في يوم عبادته فطلبا أن يدخلا عليه فمنعهما الحرس ~~فتسورا عليه المحراب فما شعر إلا وهما بين يديه جالسان وهو يصلي يقال كانا ~~جبريل وميكائيل فذلك قوله عز وجل: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ ~~دخلوا على داود ففزع منهم أي خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير إذنه ~~فقال لهما من أدخلكما علي قالوا لا تخف خصمان أي نحن خصمان بغى بعضنا على ~~بعض أي تعدى وخرج عن الحد جئناك لتقضي بيننا. # فإن قلت إذ جعلتهما ملكين فكيف يتصور البغي منهما والملائكة لا يبغي ~~بعضهم على بعض؟. # قلت هذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما والمعنى رأيت ~~خصمين بغى أحدهما على الآخر فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط أي لا تجر في حكمك ~~واهدنا إلى سواء الصراط # أي أرشدنا إلى طريق الحق والصواب فقال لهما داود تكلما فقال أحدهما. ### || [سورة ص (38): آية 23] # إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب (23) # إن هذا أخي على ms2963 ديني وطريقتي لا من جهة النسب له تسع وتسعون نعجة يعني ~~امرأة ولي نعجة واحدة أي امرأة واحدة والعرب تكني بالنعجة عن المرأة وهذا ~~على سبيل التعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي فقال ~~أكفلنيها قال ابن عباس أي أعطنيها وقيل معناه انزل عنها وضمها إلي واجعلني ~~كافلها والمعنى طلقها لأتزوجها وعزني في الخطاب يعني غلبني وقهرني في القول ~~لأنه أفصح مني في الكلام وإن حارب كان أبطش مني لقوة ملكه والمعنى أن ~~الغلبة كانت له علي لضعفي في يده وإن كان الحق وهذا كله تمثيل لأمر داود مع ~~أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا ~~امرأة واحدة فضمها داود إلى نسائه. # PageV04P035 # ### || [سورة ص (38): الآيات 24 الى 25] # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب (25) # قال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه أي بضمها إلى نعاجه. فإن قلت ~~كيف قال داود لقد ظلمك ولم يكن سمع قول الآخر قلت معناه إن كان الأمر كما ~~تقول فقد ظلمك وقيل إنما قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول وإن كثيرا من ~~الخلطاء أي الشركاء ليبغي بعضهم على بعض أي يظلم بعضهم بعضا إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يظلمون أحدا وقليل ما هم أي هم قليل وما ~~صلة. # والمعنى أن الصالحين الذين لا يظلمون قليل فلما قضى داود بينهما نظر ~~أحدهما إلى صاحبه وضحك وصعد إلى السماء فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه ~~فذلك قوله تعالى: وظن داود أي أيقن وعلم أنما فتناه أي ابتليناه وامتحناه ~~وقال ابن عباس: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا في ~~صورتهما وعرجا وهما يقولان قضى الرجل على نفسه فعلم داود أنه إنما عنى به. ~~وروى البغوي بإسناد ms2964 الثعلبي عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن داود النبي صلى الله عليه وسلم حين نظر إلى المرأة فهم ~~ففظع على بني إسرائيل أوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين ~~يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به ومن قدم بين يدي التابوت ~~لم يرجع حتى يقتل أو يهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان يقصان ~~عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه ~~على رأسه وأكلت الأرض من جبهته وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد ما ~~بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا ~~في الخلق من بعده. فجاء جبريل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله ~~تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود: إن الرب قادر على أن يغفر لي ~~الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم ~~القيامة فقال رب دمي الذي عند داود، فقال جبريل ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت ~~لأفعلن قال نعم فعرج جبريل وسجد داود ما شاء الله تعالى ثم نزل جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فقال سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل لداود ~~إن الله تعالى يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود ~~فيقول: # هو لك يا رب فيقول الله تعالى فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا عن ~~دمك فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان داود. # (فصل في تنزيه داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق به وما ينسب إليه) ~~اعلم أن من خصه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته وشرفه على كثير من خلقه ~~وائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب إليه ما لو ~~نسب إلى آحاد الناس لاستنكف أن يحدث به ms2965 عنه فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض ~~أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ذلك. روى سعيد بن المسيب والحارث الأعور عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال من حدثكم بحديث داود على ما يرويه ~~القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حد الفرية على الأنبياء. وقال القاضي ~~عياض: لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا ~~وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك ولا ورد في ~~حديث صحيح والذي نص عليه الله في قصة داود وظن داود أن ما فتناه وليس في ~~قصة داود وأوريا خبر ثابت ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم وهذا هو الذي ينبغي ~~أن يعول عليه من أمر داود. قال الإمام فخر الدين حاصل القصة يرجع إلى السعي ~~في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم فلا يليق ~~بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسلام. هذا وقال غيره إن الله تعالى أثنى ~~على داود قبل هذه القصة وبعدها وذلك يدل على استحالة ما نقوله من # PageV04P036 # القصة فكيف يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم ولو جرى ذلك من بعض الناس في ~~كلامه لاستهجنه العقلاء وقالوا أنت في مدح شخص كيف تجري ذمه أثناء مدحك ~~والله تعالى منزه عن مثل هذا في كلامه القديم. # فإن قلت في الآية ما يدل على صدور الذنب منه وهو قوله تعالى وظن داود ~~إنما فتناه وقوله فاستغفر ربه وقوله وأناب وقوله فغفرنا له ذلك. # قلت ليس في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف ~~المقامات وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها فإذا نزلوا من ~~ذلك إلى طبع البشرية عاتبهم الله تعالى على ذلك وغفره لهم كما قيل «حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين». # فإن قلت فعلى هذا القول والاحتمال فما معنى الامتحان في الآية؟ # قلت ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود عليه ~~الصلاة والسلام ما زاد على ms2966 أن قال للرجل. انزل لي عن امرأتك وأكفلنيها، ~~فعاتبه الله تعالى على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا وقيل إن ~~داود تمنى أن تكون امرأة أوريا له فاتفق أن أوريا هلك في الحرب فلما بلغ ~~داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ثم تزوج امرأته، فعاتبه ~~الله تعالى على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله تعالى. ~~وقيل إن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها فلما غاب في غزاته ~~خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه الله تعالى ~~على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسعة وتسعون امرأة ويدل على ~~صحة هذا الوجه قوله وعزني في الخطاب فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في ~~الخطبة ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها، فعوتب داود بسببين أحدهما: خطبته ~~على خطبة أخيه والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه. وقيل إن ذنب ~~داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة وإنما هو بسبب الخصمين ~~وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر وقيل هو قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه فحكم على خصمه بكونه ظالما بمجرد الدعوى فلما كان ~~هذا الحكم مخالفا للصواب اشتغل داود بالاستغفار والتوبة فثبت بهذه الوجوه ~~نزاهة داود عليه الصلاة والسلام مما نسب إليه والله أعلم. # وقوله عز وجل: فاستغفر ربه أي سأل ربه الغفران وخر راكعا أي ساجدا، عبر ~~بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه انحناء. وقيل معناه وخر ساجدا بعد ~~ما كان راكعا والله تعالى أعلم بمراده. # (فصل) اختلف العلماء في سجدة ص هل هي من عزائم السجود، فذهب الشافعي رحمه ~~الله تعالى إلى أنها ليست من عزائم سجود التلاوة قال: لأنها توبة نبي فلا ~~توجب سجدة التلاوة. وقال أبو حنيفة: هي من عزائم سجود التلاوة واستدل بهذه ~~الآية على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجود التلاوة، وعن أحمد: في سجدة ~~ص ms2967 روايتان وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها (خ). عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: سجدة ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم سجد فيها قال مجاهد قلت لابن عباس أسجد في ص فقرأ ومن ذريته داود ~~وسليمان حتى أتى فبهداهم اقتده فقال نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم فسجدها ~~داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وللنسائي «عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال سجدها داود توبة فنسجدها شكرا» عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه قال «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ص ~~وهو على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر ~~قرأها فلما بلغ السجدة تشوف الناس لسجوده فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشوفتم # PageV04P037 # فنزل وسجد وسجدوا» أخرجه أبو داود قوله تشوف الناس يعني تهيئوا وتأهبوا ~~واستعدوا للسجود وعن ابن عباس قال «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت ~~الشجرة لسجودي فسمعتها تقول اللهم اكتب لي بها أجرا وحط عني بها وزرا ~~واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه الصلاة ~~والسلام». قال ابن عباس: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة ثم ~~سجد فقال مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة» أخرجه الترمذي قال المفسرون ~~سجد داود أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ~~ساجدا تمام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه ~~وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة وكان من دعائه في سجوده سبحان الملك ~~الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور سبحان الحائل بين ~~القلوب سبحان خالق النور إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته ms2968 إذ ~~نزلت بي سبحان خالق النور إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه ~~صائر سبحان خالق النور إلهي الويل لداود يوم يكشف عنه الغطاء، فيقال هذا ~~داود الخاطئ سبحان خالق النور إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ~~ينظر الظالمون من طرف خفي، سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم ~~القيامة يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد ~~المغفرة إلا من عند سيده سبحان خالق النور، إلهي أنا لا أطيق حر شمسك فكيف ~~أطيق حر نارك سبحان خالق النور إلهي أنا لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت ~~جهنم سبحان خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه سبحان ~~خالق النور إلهي كيف تستر الخطاؤون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا، ~~سبحان خالق النور إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي سبحان خالق النور ~~إلهي اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور إلهي ~~أعوذ بوجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني سبحان خالق النور إلهي فررت إليك ~~بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين سبحان ~~خالق النور وقيل مكث داود أربعين يوما لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع ~~عينيه حتى غطى رأسه فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم أظمآن أنت فتسقى أمظلوم ~~أنت فتنصر فأجيب في غير ما طلب ولم يجب في ذكر خطيئته بشيء فحزن حتى هاج ما ~~حوله من العشب فاحترق من حر جوفه ثم أنزل الله تعالى له التوبة والمغفرة. ~~قال وهب: إن داود أتاه نداء أني قد غفرت لك قال يا رب كيف وأنت لا تظلم ~~أحدا قال اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، قال فانطلق ~~داود وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره ثم نادى يا أوريا فقال من هذا الذي ~~قطع علي لذتي وأيقظني قال أنا داود قال # ما جاء بك يا نبي الله قال أسألك أن تجعلني ms2969 في حل مما كان مني إليك قال ~~وما كان منك إلي قال عرضتك للقتل قال بل عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى ~~الله تعالى إليه يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالغيب ألا أعلمته ~~إنك قد تزوجت امرأته، قال فرجع فناداه فأجابه فقال من هذا الذي قطع علي ~~لذتي وأيقظني قال أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله أليس قد عفوت عنك قال ~~نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها قال فسكت ولم يجبه ~~ودعاه مرة فلم يجبه وعاوده فلم يجبه فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم ~~نادى الويل لداود ثم الويل الطويل لداود إذا وضعت الموازين بالقسط سبحان ~~خالق النور الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين ~~إلى النار سبحان خالق النور فأتاه نداء من السماء يا داود قد غفرت لك ذنبك ~~ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك قال يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني ~~قال يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه ~~فأقول له رضيت عبدي فيقول يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي، فأقول هذا ~~عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي قال يا رب الآن قد عرفت أنك قد ~~غفرت لي فذلك قوله فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب أي رجع فغفرنا له ذلك أي ~~الذنب وإن له عندنا أي يوم القيامة بعد المغفرة لزلفى أي لقربة ومكانة وحسن ~~مآب أي حسن مرجع ومنقلب. # PageV04P038 # قال وهب بن منبه إن داود عليه الصلاة والسلام لما تاب الله عليه بكى على ~~خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارا وكان أصاب الخطيئة وهو ابن ~~سبعين سنة فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني ~~إسرائيل، ويوم لنسائه ويوم يسيح في الجبال والفيافي والساحل ويوم يخلو في ~~دار له فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ms2970 ~~ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته ~~بالمزامير فيبكي وتبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم ~~مثل الأنهار ثم يجيء إلى الجبال ويرفع صوته ويبكي فتبكي معه الجبال ~~والحجارة والطير والدواب حتى تسيل من بكائهم الأودية ثم يجيء إلى الساحل ~~فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطين الماء فإذا أمسى رجع ~~فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه إن اليوم يوم نوح داود على نفسه ~~فليحضره من يساعده ويدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط فيها ثلاث فرش من ~~مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي ~~أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود عليه الصلاة والسلام ~~صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فلا يزال يبكي حتى ~~يغرق الفرش من دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان ~~فيحمله ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول يا رب اغفر ما ~~ترى فلو عادل بكاء داود بكاء أهل الدنيا لعدله. وعن الأوزاعي مرفوعا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مثل عيني داود عليه الصلاة والسلام ~~كالقربتين ينقطان ماء ولقد خدت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض». # وقال وهب: لما تاب الله تعالى على داود قال: يا رب أغفرت لي فكيف لي أن ~~لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة، قال فوسم الله ~~تعالى خطيئته في يده اليمنى فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها ~~وما قام خطيبا في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته ~~وكان يبدأ إذا دعا واستغفر بالخاطئين قبل نفسه. وعن الحسن قال: كان داود ~~عليه الصلاة والسلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين يقول تعالوا إلى ~~داود الخاطئ ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه وكان يجعل خبز الشعير ~~اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه وكان يذر عليه ms2971 ~~الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين قال وكان داود عليه الصلاة ~~والسلام قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر فلما كان من خطيئته ما ~~كان صام الدهر كله وقام الليل كله. وقال ثابت كان داود إذا ذكر عقاب الله ~~انخلعت أوصاله فلا يشهدها إلا الأسر وإذا ذكر رحمة الله تراجعت وقيل إن ~~الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى ~~قراءته. # وقيل إنها قالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك. # ### || [سورة ص (38): الآيات 26 الى 28] # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) # قوله عز وجل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي لتدبر أمر الناس بأمر ~~نافذ الحكم فيهم فاحكم بين الناس بالحق أي بالعدل ولا تتبع الهوى أي لا تمل ~~مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى فيضلك عن سبيل الله أي عن دين الله ~~وطريقه إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب أي ~~بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقيل بتركهم العمل بذلك اليوم وقيل بترك ~~العدل في القضاء. # قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا قال ابن عباس: لا ~~لثواب ولا لعقاب. # PageV04P039 # وقيل معناه ما خلقناهما عبثا لا لشيء ذلك ظن الذين كفروا يعني أهل مكة هم ~~الذين ظنوا أنما خلقناهم لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب فويل للذين كفروا ~~من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض قيل إن ~~كفار قريش قالوا للمؤمنين إنما نعطي في الآخرة من الخير ما تعطون فنزلت هذه ~~الآية أم نجعل المتقين يعني الذين اتقوا الشرك ms2972 وهم أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم كالفجار يعني الكفار والمعنى لا نجعل الفريقين سواء في الآخرة. ### || [سورة ص (38): الآيات 29 الى 32] # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) ~~ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) # كتاب أنزلناه إليك أي هذا كتاب يعني القرآن أنزلناه إليك مبارك أي كثير ~~خيره ونفعه ليدبروا آياته أي ليتدبروا ويتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه ~~اللطيفة وقيل تدبر آياته اتباعه في أوامره ونواهيه وليتذكر أي وليتعظ أولوا ~~الألباب أي ذوو العقول والبصائر. # قوله تعالى: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد قيل إن سليمان عليه الصلاة والسلام غزا أهل دمشق ونصيبين ~~فأصاب منهم ما أصاب وهو ألف فرس وقيل ورثها من أبيه وقيل إنها كانت خيلا من ~~البحر لها أجنحة فصلى سليمان عليه الصلاة والسلام الصلاة الأولى التي هي ~~الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه فعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه ~~لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم ~~لذلك وقال ردوها علي فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقربا إلى الله ~~تعالى وطلبا لمرضاته حيث اشتغل بها عن طاعته وكان ذلك مباحا له وإن كان ~~حراما علينا وبقي منها مائة فرس فالذي في أيدي الناس من الخيل يقال إنه من ~~نسل تلك المائة فلما عقرها الله تعالى أبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع ~~وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، وقوله تعالى: إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد قيل هي الخيل القائمة على ثلاث قوائم مقيمة الرابعة على طرف الحافر ~~من رجل أو يد وقيل الصافن القائم وجاء في الحديث «من سره أن يقوم له الناس ~~صفونا فليتبوأ مقعده من النار» أي قياما الجياد: أي الخيار السراع في الجري ~~واحده جواد قال ابن عباس يريد الخيل السوابق فقال إني أحببت حب الخير أي ~~آثرت ms2973 حب الخير وأراد بالخير الخيل سميت به لأنه معقود في نواصيها الخير ~~الأجر والغنيمة وقيل حب الخير يعني المال ومنه الخيل التي عرضت عليه عن ذكر ~~ربي يعني صلاة العصر حتى توارت أي استترت الشمس بالحجاب أي ما يحجبها من ~~الأبصار يقال إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه. ### || [سورة ص (38): الآيات 33 الى 34] # ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان وألقينا على ~~كرسيه جسدا ثم أناب (34) # ردوها علي أي ردوا الخيل علي فطفق مسحا بالسوق جمع ساق والأعناق أي جعل ~~يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين وكان ذلك ~~مباحا له لأن نبي الله سليمان لم يكن ليقدم على محرم ولم يكن ليتوب عن ذنب ~~وهو ترك الصلاة بذنب آخر وهو عقر الخيل، وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله ~~تعالى على عقره الخيل إذ كان ذلك أسفا على ما فاته من فريضة ربه عز وجل، ~~وقيل إنه ذبحها وتصدق بلحومها. وقيل معناه إنه حبسها في سبيل الله تعالى ~~وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة. وحكي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ~~معنى ردوها علي يقول بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس ردوها # PageV04P040 # علي فردوها عليه فصلى العصر في وقتها قال الإمام فخر الدين بل التفسير ~~الحق المطابق لألفاظ القرآن أن نقول إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في ~~دينهم كما أنه كذلك في ديننا ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام احتاج إلى ~~غزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ~~ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد بقوله عن ~~ذكر ربي ثم إنه عليه الصلاة والسلام أمر بإعدائها وإجرائها حتى توارت ~~بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر برد الخيل إليه وهو قوله ردوها علي فلما ~~عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور الأول تشريف ~~لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني أنه ms2974 أراد أن يظهر أنه في ~~ضبط السياسة والمملكة يبلغ إلى أنه يباشر الأمور بنفسه الثالث أنه كان أعلم ~~بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره فكان يمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم ~~هل فيها ما يدل على المرض فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن ~~ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات والعجب من الناس كيف قبلوا هذه ~~الوجوه السخيفة فإن قيل فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما قولك فيه، ~~فنقول: لنا هاهنا مقامات المقام الأول أن يدعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء ~~من تلك الوجوه التي ذكروها وقد ظهروا الحمد لله أن الأمر كما ذكرنا ظهورا ~~لا يرتاب عاقل فيه، المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية يدل عليه إلا ~~أنه كلام ذكره الناس وأن الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء ولم ~~يدل دليل على صحة هذه الحكايات. # قوله عز وجل: ولقد فتنا سليمان أي اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه وكان سبب ~~ذلك ما ذكر عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر ~~يقال لها صيدون وبها ملك عظيم الشأن ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في ~~البحر وكان الله تعالى قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في ~~بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر ~~الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب ~~فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا ~~فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه وأحبها ~~حبا لم يحبه شيئا من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ ~~دمعها فشق ذلك على سليمان، فقال لها ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع ~~الذي لا يرقأ، قالت: إني أذكر أبي وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه ~~فيحزنني ذلك فقال سليمان: فقد أبدلك الله ملكا هو أعظم من ms2975 ملكه وسلطانا ~~أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك قالت إن ذلك كذلك ولكني ~~إذ ذكرته أصابني ما تراه من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته ~~في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي ~~عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها ~~في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا ~~أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه فألبسته ثيابا مثل ثيابه التي كان ~~يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو إليه في ولائدها فتسجد له ~~ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه وتروح في كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا ~~يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا. وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا له وكان ~~لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا سليمان ~~أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني ~~الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله ~~تعالى وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير ~~أمرهم. فقال: افعل فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من ~~أنبياء الله تعالى وأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله تعالى به ~~حتى انتهى إلى سليمان فقال: ما كان أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في ~~صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك ثم ~~انصرف، فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى ملئ غضبا فلما دخل سليمان داره دعاه ~~فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت # PageV04P041 # عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي ~~خيرا في صغري وسكت عما سوى ذلك من ms2976 أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر ~~عمري؟ قال آصف: إن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، ~~فقال سليمان في داري؟ قال: في دارك قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون قد عرفت ~~أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك. # ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر ~~بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا ~~الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم ~~خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله ~~تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللا إلى الله تعالى ~~وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره فلم يزل كذلك يومه حتى ~~أمسى ثم رجع إلى داره وكانت له أم ولد يقال لها أمينة كان إذا دخل الخلاء ~~أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه ~~إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها ثم دخل مذهبه، فأتاها ~~شيطان اسمه صخر المارد في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال: خاتمي أمينة ~~فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه ~~الطير والوحش والجن والإنس وخرج سليمان فأتى أمينة وقد تغيرت حالته وهيأته ~~عند كل من رآه فقال: يا أمينة خاتمي قالت من أنت قال سليمان بن داود فقالت ~~كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه فعرف سليمان أن ~~خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا ~~سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء ~~يقول يزعم أنه سليمان. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل ~~الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه ~~بأرغفة ويشوي ms2977 الأخرى فيأكلها. # فمكث على ذلك أربعين صباحا عدة ما كان يعبد الوثن في داره ثم إن آصف ~~وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة فقال آصف يا ~~معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم قالوا نعم فقال ~~أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن من خاصة أمره ما أنكرنا في ~~عامة الناس وعلانيتهم فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ما ~~أنكرنا؟ فقلن: أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الحسن: ما كان الله سبحانه وتعالى ليسلط ~~الشيطان على نساء نبيه صلى الله عليه وسلم قال وهب: ثم إن آصف خرج على بني ~~إسرائيل فقال ما في الخاصة أشد مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار ~~الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض ~~الصيادين وقد عمل له سليمان صدر يومه فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان ~~إحداهما بأرغفة وبقر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه ~~وجعله في يده ووقع لله ساجدا وعكفت عليه الطير والجن وأقبل الناس عليه وعرف ~~الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ~~ذنبه وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر فطلبوه حتى أخذوه فأتي به فأدخله في جوف ~~صخرة وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذفوه في البحر. ~~وقيل في سبب فتنة سليمان عليه الصلاة والسلام أن جرادة كانت أبر نسائه عنده ~~وكان يأتمنها على خاتمه، فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب ~~أن تقضي له فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله نعم وذكروا نحو ما تقدم. # وقيل إن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده فأعاده في يده فسقط وكان فيه ~~ملكه فأيقن سليمان بالفتنة فأتاه آصف فقال: إنك مفتون بذلك والخاتم لا ~~يتماسك في يدك ففر إلى الله ms2978 تعالى تائبا فإني أقوم مقامك وأسير بسيرتك إلى ~~أن يتوب الله عليك. ففر سليمان إلى الله تعالى تائبا وأعطى آصف الخاتم ~~فوضعه في يده فثبت في # PageV04P042 # يده فأقام آصف في ملك سليمان بسيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله تعالى ~~على سليمان ملكه وتاب عليه فرجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في ~~يده فثبت فهو الجسد الذي ألقي على كرسيه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: ~~احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ~~ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي فابتلاه الله تعالى وذكر نحو ما تقدم من ~~حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه، قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ~~ما نقله الأخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه وتصرفه في أمته ~~بالجور في حكمه وإن الشياطين لا يسلطون على مثله هذا وقد عصم الله تعالى ~~الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس ~~يجاهد في سبيل الله تعالى فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء ~~الله، فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وايم ~~الله الذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسنا ~~أجمعين» وفي رواية لأطوفن بمائة امرأة فقال له الملك قل إن شاء الله فلم ~~يقل ونسي قال العلماء والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه وهي عقوبته ~~ومحنته لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل نسي ~~أن يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله ومراده فيه وقيل إن المراد ~~بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم ~~لبعض إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء فسبيلنا ms2979 أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم ~~بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين ~~فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذا ألقى ذلك الولد ميتا على كرسيه فعاتبه ~~الله على خوفه من الشياطين ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه ~~فذلك قوله عز وجل: وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب # أي رجع إلى ملكه بعد الأربعين يوما وقيل أناب إلى الاستغفار وهو قوله: ### || [سورة ص (38): آية 35] # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) # قال رب اغفر لي أي سأل ربه المغفرة وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أي ~~لا يكون لأحد من بعدي وقيل لا تسلبنيه في باقي عمري وتعطيه غيري كما سلبته ~~مني فيما مضى من عمري إنك أنت الوهاب فإن قلت قول سليمان لا ينبغي لأحد من ~~بعدي مشعر بالحسد والحرص على الدنيا. # قلت لم يقل ذلك حرصا على طلب الدنيا ولا نفاسة بها ولكن كان قصده في ذلك ~~أن لا يسلط عليه الشيطان مرة أخرى وهذا على قول من قال إن الشيطان استولى ~~على ملكه. # وقيل سأل ذلك ليكون علما وآية لنبوته ومعجزة دالة على رسالته ودلالة على ~~قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ورد ملكه إليه وزاده فيه وقيل كان ~~سليمان ملكا ولكنه أحب أن يخص بخاصية كما خص داود بإلانة الحديد وعيسى ~~بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فسأل شيئا يختص به كما روى في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه ~~فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ~~فذكرت دعوة أخي سليمان: # رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا» قوله تعالى: # ### || [سورة ص (38): الآيات 36 الى 42] # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ms2980 (36) والشياطين كل بناء وغواص ~~(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ~~(39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) # PageV04P043 # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء أي لينة ليست بعاصفة حيث أصاب أي حيث ~~أراد والشياطين أي وسخرنا له الشياطين كل بناء أي يبنون له ما يشاء وغواص ~~يعني يستخرجون له اللئالئ من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر ~~وآخرين أي وسخرنا له آخرين وهم مردة الشياطين مقرنين في الأصفاد أي مشدودين ~~في القيود سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد هذا عطاؤنا أي قلنا له هذا عطاؤنا ~~فامنن أي أحسن إلى من شئت أو أمسك أي عمن شئت بغير حساب أي لا حرج عليك ~~فيما أعطيت ولا فيما أمسكت قال الحسن: ما أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا ~~عليه تبعة إلا سليمان فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم تكن عليه تبعة وقيل ~~هذا في أمر الشياطين يعني هؤلاء الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم فخل ~~عنه وأمسك أي احبس من شئت منهم في العمل وقيل في الوثاق لا تبعة عليك فيما ~~تتعاطاه وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب لما ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه ~~في الدنيا أتبعه بما أنعم به عليه في الآخرة. # قوله عز وجل: واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب أي ~~بمشقة وعذاب أي ضر وذلك في المال والجسد وقد تقدمت قصة أيوب اركض يعني أنه ~~لما انقضت مدة ابتلائه قيل له اركض أي اضرب برجلك يعني الأرض ففعل فنبعت ~~عين ماء عذب هذا مغتسل بارد أمره الله تعالى أن يغتسل منه ففعل فذهب كل داء ~~كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء ~~عذب أخرى فشرب منه فذهب كل داء كان في باطنه فذلك قوله عز وجل: وشراب. # ### || [سورة ص (38): الآيات ms2981 43 الى 52] # ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) # واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) # ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا أي إنما فعلنا ذلك معه على سبيل ~~التفضل والرحمة لا على اللزوم وذكرى لأولي الألباب يعني سلطنا البلاء عليه ~~فصبر، ثم أزلناه عنه وكشفنا ضره فشكر فهو موعظة لذوي العقول والبصائر وخذ ~~بيدك ضغثا أي ملء كفك من حشيش أو عيدان أو ريحان فاضرب به ولا تحنث وكان قد ~~حلف أن يضرب امرأته مائة سوط فشكر الله حسن صبرها معه فأفتاه في ضربها وسهل ~~له الأمر وأمره بأن يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار فيضربها به ضربة ~~واحدة ففعل ولم يحنث في يمينه وهل ذلك لأيوب خاصة أم لا؟ فيه قولان أحدهما ~~أنه عام. # وبه قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والثاني أنه خاص بأيوب. # قال مجاهد واختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده مائة سوط فجمعها وضربه ~~بها ضربة واحدة. # فقال مالك والليث بن سعيد وأحمد لا يبر. # وقال أبو حنيفة والشافعي إذا ضربه ضربة واحدة فأصابه كل سوط على حدة فقد ~~بر واحتجوا بعموم هذه الآية إنا وجدناه صابرا أي على البلاء الذي ابتليناه ~~به نعم العبد إنه أواب # PageV04P044 # قوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أي اذكر صبرهم فإبراهيم ~~ألقي في النار فصبر وإسحاق أضجع للذبح في قول فصبر ويعقوب ابتلي بفقد ولده ~~وذهاب بصره فصبر: أولي الأيدي قال ابن عباس أولي القوة في طاعة الله تعالى: # والأبصار أي في المعرفة بالله تعالى، وقيل: المراد باليد أكثر الأعمال ~~وبالبصر أقوى الإدراكات فعبر بهما ms2982 عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر ~~وللإنسان قوتان عالمية وعاملية وأشرف ما يصدر عن القوة العالمية معرفة الله ~~تعالى وأشرف ما يصدر عن القوة العاملية طاعته وعبادته فعبر عن هاتين ~~القوتين بالأيدي والأبصار إنا أخلصناهم أي اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين ~~بخالصة ذكرى الدار قيل معناه أخلصناهم بذكرى الآخرة فليس لهم ذكرى غيرها، ~~وقيل نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكراها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكراها وقيل ~~كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله تعالى، وقيل أخلصوا بخوف الآخرة وهو ~~الخوف الدائم في القلب وقيل أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار يعني من الذين اختارهم الله تعالى واتخذهم صفوة وصفاهم من ~~الأدناس والأكدار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل أي اذكرهم بفضلهم وصبرهم ~~لتسلك طريقهم وكل من الأخيار قوله عز وجل: هذا ذكر أي الذي يتلى عليكم ذكر ~~وقيل شرف وقيل جميل تذكرون به وإن للمتقين لحسن مآب أي حسن مرجع ومنقلب ~~يرجعون وينقلبون إليه في الآخرة ثم ذكر ذلك فقال تعالى: جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب قيل تفتح أبوابها لهم بغير فتح لها بيد بل بالأمر يقال لها انفتحي ~~انغلقي متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف ~~أتراب أي مستويات الأسنان والشباب والحسن بنات ثلاث وثلاثين سنة وقيل ~~متآخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. # ### || [سورة ص (38): الآيات 53 الى 60] # هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا ~~وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق (57) # وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا ~~النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) # هذا ما توعدون ليوم الحساب أي قيل للمؤمنين هذا ما توعدون، وقيل هذا ما ~~يوعد به المتقون إن هذا لرزقنا ما له من نفاد أي دائم ما له من نفاد ~~وانقطاع بل هو دائم كلما أخذ منه شيء عاد مثله في مكانه. # قوله تعالى: هذا أي ms2983 الأمر الذي ذكرناه وإن للطاغين يعني الكافرين لشر مآب ~~يعني لشر مرجع يرجعون إليه ثم بينه فقال تعالى: جهنم يصلونها أي يدخلونها ~~فبئس المهاد أي الفراش هذا فليذوقوه حميم وغساق معناه هذا حميم وهو الماء ~~الحار وغساق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار ~~بحرها وقيل هو ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج ~~الزناة وقيل الغساق عين في جهنم وقيل هو البارد المنتن والمعنى هذا حميم ~~وغساق فليذوقوه وآخر من شكله أي مثل الحميم والغساق أزواج أي أصناف أخر من ~~العذاب هذا فوج مقتحم معكم قال ابن عباس هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم ~~دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة هذا فوج يعني جماعة الأتباع مقتحم ~~معكم النار أي داخلوها كما دخلتموها أنتم قيل إنهم يضربون بالمقامع حتى ~~يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع قالت القادة لا مرحبا بهم أي الأتباع ~~إنهم صالوا النار أي داخلوها كما صليناها نحن قالوا أي قال الأتباع للقادة ~~بل أنتم لا مرحبا بكم أي لا رحبت بكم الأرض والعرب تقول مرحبا وأهلا وسهلا ~~أي أتيت رحبا وسعة أنتم قدمتموه لنا يعني وتقول الأتباع للقادة أنتم بدأتم ~~بالكفر قبلنا وشرعتموه لنا وقيل معناه أنتم قدمتم لنا هذا العذاب بدعائكم ~~إيانا إلى الكفر فبئس القرار أي فبئس دار القرار جهنم. # PageV04P045 # ### || [سورة ص (38): الآيات 61 الى 67] # قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا ~~لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله ~~إلا الله الواحد القهار (65) # رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) # قالوا يعني الأتباع ربنا من قدم لنا هذا أي شرعه وسنه لنا فزده عذابا ~~ضعفا في النار أي ضعف عليه العذاب في النار. # قال ابن عباس حيات وأفاعي وقالوا يعني كفار قريش وصناديدهم وأشرافهم وهم ~~في ms2984 النار ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم أي في الدنيا من الأشرار يعنون ~~بذلك فقراء المؤمنين مثل عمار وخباب وصهيب وبلال وسليمان وإنما سموهم ~~أشرارا لأنهم كانوا على خلاف دينهم أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار ~~يعني أن الكفار إذا دخلوا النار نظروا فلم يروا فيها الذين كانوا يسخرون ~~منهم فقالوا ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريا لم يدخلوا معنا ~~النار أم دخلوها فزاغت عنهم الأبصار أي أبصارنا فلم نرهم حين دخلوا. وقيل ~~معناه أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا وقيل معناه أم كانوا خيرا ~~منا ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا إن ذلك ~~أي الذي ذكر لحق ثم بين ذلك فقال تعالى: تخاصم أهل النار أي في النار وإنما ~~سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع لأمر حبا بكم وقول الأتباع للقادة بل ~~أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة. # قوله عز وجل: قل أي يا محمد لمشركي مكة إنما أنا منذر أي مخوف وما من إله ~~إلا الله الواحد يعني الذي لا شريك له في ملكه القهار أي الغالب وفيه شعار ~~بالترهيب والتخويف ثم أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال تعالى: رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار فكونه ربا يشعر بالتربية ~~والإحسان والكرم والجود وكونه غفارا يشعر بأنه يغفر الذنوب وإن عظمت ويرحم ~~قل هو نبأ عظيم يعني القرآن قاله ابن عباس وقيل يعني القيامة. ### || [سورة ص (38): الآيات 68 الى 75] # أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن ~~يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا ~~من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) ~~قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) # أنتم عنه معرضون أي لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي وأن ما ms2985 جئت به ~~لم أعلمه إلا بوحي من الله تعالى: ما كان لي من علم بالملإ الأعلى يعني ~~الملائكة إذ يختصمون يعني في شأن آدم حين قال الله تعالى: إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. # فإن قلت كيف يجوز أن يقال إن الملائكة اختصموا بسبب قولهم أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء والمخاصمة مع الله تعالى لا تليق ولا تمكن. # قلت لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة وهو علة ~~لجواز المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة إن يوحى إلي أي إنما علمت ~~هذه المخاصمة بوحي من الله تعالى إلي إلا أنما أنا نذير مبين يعني إلا أنما ~~أنا نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتاني ربي في أحسن صورة قال أحسبه ~~قال في المنام فقال يا محمد هل تدري فيم # PageV04P046 # يختصم الملأ الأعلى قلت لا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ~~ثديي أو قال في نحري فعلمت ما في السموات وما في الأرض قال يا محمد هل تدري ~~فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات والكفارات المكث في المساجد ~~بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء على المكاره ومن ~~فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال يا محمد ~~إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين ~~وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون قال والدرجات إفشاء السلام ~~وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام» وفي رواية «فقلت لبيك وسعديك في ~~المرتين» وفيها «فعلمت ما بين المشرق والمغرب» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ~~غريب. # (فصل: في الكلام على معنى هذا الحديث) وللعلماء في هذا الحديث وفي أمثاله ~~من أحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو مذهب السلف إمراره كما جاء من غير ~~تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والإيمان به ms2986 من غير تأويل له والسكوت عنه وعن ~~أمثاله مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # المذهب الثاني: هو تأويل الحديث، وقيل الكلام على معنى الحديث نتكلم على ~~إسناده فنقول قال البيهقي: هذا حديث مختلف في إسناده فرواه زهير بن محمد عن ~~يزيد بن يزيد عن جابر عن خالد بن الحلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي ~~كثير عن زيد بن سلام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن عامر عن ~~معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه موسى بن خلف العمي عن يحيى ~~عن زيد عن جده ممطور وهو أبو سلام عن ابن السكسكي عن مالك بن يخامر وقيل ~~فيه غير ذلك، ورواه أبو أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس وقال فيه أحسبه قال ~~في المنام، ورواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن الحلاج عن ابن عباس قال ~~البخاري عبد الرحمن بن عائش الحضرمي له حديث واحد إلا أنهم يضطربون فيه وهو ~~حديث الرؤية. قال البيهقي وقد روى من طرق كلها ضعاف وفي ثبوته نظر وأحسن ~~طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف وفيهما ما يدل على ~~أن ذلك كان في المنام. # فأما تأويله فإن الصورة هي التركيب والمصور هو المركب ولا يجوز أن يكون ~~الباري تبارك وتعالى مصورا ولا أن يكون له صورة لأن الصور مختلفة والهيئات ~~متضادة ولا يجوز إضافة ذلك إليه سبحانه وتعالى فاستحال أن يكون مصورا وهو ~~الخالق الباري المصور فقوله أتاني ربي في أحسن صورة يحتمل وجهين أحدهما ~~وأنا في أحسن صورة كأنه زاده جمالا وكمالا وحسنا عند رؤيته وفائدة ذلك ~~تعريفه لنا أن الله تعالى زين خلقته وحسن صورته عند رؤيته لربه وإنما ~~التغيير وقع بعد لشدة الوحي وثقله. # الوجه الثاني: أن الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله تعالى ms2987 والمعنى ~~أنه رآه في أحسن صفاته من الإنعام عليه والإقبال والاتصال إليه وأنه تلقاه ~~بالإكرام والإعظام والإجلال. وقد يقال في صفات الله تعالى إنه جميل ومعناه ~~أنه مجمل في أفعاله وذلك نوع من الإحسان والإكرام فذلك من حسن صفة الله ~~تعالى وقد يكون حسن الصورة أيضا يرجع إلى صفاته العلية من التناهي في ~~العظمة والكبرياء والعلو والعز والرفعة حتى لا منتهى ولا غاية وراءه، ويكون ~~معنى الحديث على هذا تعريفنا ما تزايد من معارفه صلى الله عليه وسلم عند ~~رؤية ربه عز وجل فأخبر عن عظمته وعزته وكبريائه وبهائه وبعده عن شبه الخلق ~~وتنزيهه عن صفات النقص وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقوله صلى ~~الله عليه وسلم «فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي» فتأويله أن ~~المراد باليد النعمة والمنة والرحمة وذلك شائع في لغة العرب فيكون معناه ~~على هذا الإخبار بإكرام الله تعالى إياه وإنعامه عليه بأن شرح صدره ونور ~~قلبه وعرفه ما لا يعرفه أحد حتى وجد برد النعمة والمعرفة في قلبه وذلك لما ~~نور قلبه وشرح صدره # PageV04P047 # فعلم ما في السموات وما في الأرض بإعلام الله تعالى إياه وإنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون إذ لا يجوز على الله تعالى ولا على صفات ~~ذاته مماسة أو مباشرة أو نقص وهذا هو أليق بتنزيهه وحمل الحديث عليه وإذا ~~حملنا الحديث على المنام وأن ذلك كان في المنام فقد زال الإشكال وحصل الغرض ~~ولا حاجة بنا إلى التأويل. # ورؤية البارئ عز وجل في المنام على الصفات الحسنة دليل على البشارة ~~والخير والرحمة للرائي وسبب اختصام الملأ الأعلى وهم الملائكة في الكفارات ~~وهي الخصال المذكورة في الحديث في أيها أفضل وسميت هذه الخصال كفارات لأنها ~~تكفر الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه، وإنما سماه ~~مخاصمة لأنه ورد مورد سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة فلهذا السبب ~~حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه والله تعالى أعلم. # قوله عز وجل: إذ ms2988 قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين أي آدم فإذا ~~سويته أي أتممت خلقه ونفخت فيه من روحي أضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك على ~~سبيل التشريف كبيت الله وناقة الله ولأن الروح جوهر شريف قدسي يسري في بدن ~~الإنسان سريان الضوء في الفضاء وكسريان النار في الفحم فقعوا له ساجدين ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر أي تعظم وكان من الكافرين قال ~~يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي توليت خلقه أستكبرت أي تعظمت ~~بنفسك عن السجود له أم كنت من العالين أي من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن ~~السجود لكونك منهم فأجاب إبليس بقوله: ### || [سورة ص (38): الآيات 76 الى 88] # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) # إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين (85) # قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # قال أنا خير منه يعني لو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له ~~فكيف وأنا خير منه. ثم بين كونه خيرا منه فقال خلقتني من نار وخلقته من طين ~~والنار أشرف من الطين وأفضل منه وأخطأ إبليس في القياس لأن مآل النار إلى ~~الرماد الذي لا ينتفع به والطين أصل كل ما هو نام ثابت كالإنسان والشجرة ~~المثمرة ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من الرماد وأفضل. وقيل: هب ~~أن النار خير من الطين بخاصية فالطين خير منها وأفضل بخواص وذلك مثل رجل ~~شريف نسيب لكنه عار عن كل فضيلة فإن نسبه يوجب رجحانه بوجه واحد، ورجل ليس ~~بنسيب ولكنه فاضل عالم فيكون أفضل من ذلك النسيب بدرجات كثيرة قال فاخرج ~~منها أي من الجنة وقيل من السماء. ms2989 وقيل من الخلقة التي كان فيها وذلك لأن ~~إبليس تجبر وافتخر بالخلقة فغير الله تعالى خلقته فاسود وقبح بعد حسنه ~~ونورانيته فإنك رجيم أي مطرود وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين فإن قلت إذا ~~كان الرجم بمعنى الطرد وكذلك اللعنة لزم التكرار فما الفرق. # قلت الفرق أن يحمل الرجم على الطرد من الجنة أو السماء وتحمل اللعنة على ~~معنى الطرد من الرحمة فتكون أبلغ وحصل الفرق وزال التكرار. # فإن قلت كلمة إلى لانتهاء الغاية وقوله إلى يوم الدين يقتضي انقطاع ~~اللعنة عنه عند مجيء يوم الدين. # PageV04P048 # قلت معناه أن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا كان يوم القيامة زيد له ~~مع اللعنة من أنواع العذاب ما ينسى بذلك اللعنة فكأنها انقطعت عنه قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يعني ~~النفخة الأولى قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال ~~فالحق والحق أقول أي أنا أقول الحق وقيل الأول قسم يعني فبالحق وهو الله ~~تعالى أقسم بنفسه لأملأن جهنم منك أي بنفسك وذريتك وممن تبعك منهم أجمعين ~~يعني من بني آدم قل ما أسئلكم عليه أي على تبليغ الرسالة من أجر أي جعل وما ~~أنا من المتكلفين أي المتقولين القرآن من تلقاء نفسي وكل من قال شيئا من ~~تلقاء نفسه فقد تكلف له (ق) عن مسروق قال: دخلنا على ابن مسعود فقال يا ~~أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم ~~أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل ~~ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين لفظ البخاري إن هو يعني القرآن ~~إلا ذكر أي موعظة للعالمين أي للخلق أجمعين ولتعلمن يعني أنتم يا أهل مكة ~~نبأه أي خبر صدقه بعد حين قال ابن عباس: بعد الموت، وقيل يوم القيامة وقيل ~~من بقي علم بذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد الموت. ms2990 وقال الحسن بن ~~آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P049 ### | سورة الزمر # نزلت بمكة إلا قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم وقوله ~~تعالى: الله نزل أحسن الحديث وقيل قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم عوضا ~~عن قوله الله نزل أحسن الحديث وقيل فيها ثلاث آيات مدنيات من قوله: قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم إلى قوله: لا تشعرون وهي اثنتان وقيل خمس ~~وسبعون آية وألف ومائة واثنتان وسبعون كلمة وأربعة آلاف وتسعمائة وثمانية ~~أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) # قوله عز وجل: تنزيل الكتاب أي هذا الكتاب وهو القرآن تنزيل من الله ~~العزيز الحكيم أي لا من غيره إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق أي لم ننزله ~~باطلا لغير شيء فاعبد الله مخلصا له الدين أي الطاعة ألا لله الدين الخالص ~~أي شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل ~~يعني الخالص من الشرك وما سوى الخالص ليس بدين الله الذي أمر به لأن رأس ~~العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي والذين اتخذوا ~~من دونه أي من دون الله أولياء يعني الأصنام ما نعبدهم أي قالوا ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى يعني قربة وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من ~~خلقكم وخلق السموات والأرض ومن ربكم قالوا الله فقيل لهم فما معنى عبادتكم ~~الأصنام فقالوا ليقربونا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده إن الله يحكم بينهم ~~في ms2991 ما هم فيه يختلفون أي من أمر الدين إن الله لا يهدي أي لا يرشد لدينه من ~~هو كاذب أي من قال إن الآلهة تشفع له كفار أي باتخاذه الآلهة دون الله ~~تعالى لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى أي لاختار مما يخلق ما يشاء يعني ~~الملائكة ثم نزه نفسه فقال تعالى: سبحانه أي تنزيها له عن ذلك وعما لا يليق ~~بطهارة قلبه هو الله الواحد أي في ملكه الذي لا شريك له ولا ولد القهار أي ~~الغالب الكامل القدرة. # PageV04P050 # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 5 الى 7] # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من ~~نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل يعني يغشى هذا هذا، وقيل يدخل أحدهما على الآخر وقيل ينقص ~~من أحدهما ويزيد في الآخر فما نقص من الليل زاد في النهار وما نقص من ~~النهار زاد في الليل ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمس عشرة ~~ساعة وقيل الليل والنهار عسكران عظيمان يكر أحدهما على الآخر وذلك بقدرة ~~قادر عليهما قاهر لهما وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يعني إلى يوم ~~القيامة ألا هو العزيز الغفار معناه أن خلق هذه الأشياء العظيمة يدل على ~~كونه سبحانه وتعالى عزيزا كامل القدرة مع أنه غفار عظيم الرحمة والفضل ~~والإحسان خلقكم من نفس واحدة يعني آدم ثم جعل منها زوجها يعني حواء، ولما ~~ذكر الله تعالى قدرته في خلق ms2992 السموات والأرض وتكوير الليل على النهار ثم ~~أتبعه بذكر خلق الإنسان عقبه بذكر خلق الحيوان فقال تعالى: وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج يعني الإبل والبقر والغنم والمعز والمراد بالأزواج ~~الذكر والأنثى من هذه الأصناف، وفي تفسير الإنزال وجوه. قيل إنه هنا بمعنى ~~الإحداث والإنشاء وقيل إن الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا ~~بالماء وهو ينزل من السماء فكان التقدير أنزل الماء الذي تعيش به الأنعام ~~وقيل إن أصول هذه الأصناف خلقت في الجنة ثم أنزلت إلى الأرض يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم لما ذكر الله تعالى أصل خلق الإنسان ثم أتبعه بذكر الأنعام عقبه ~~بذكر حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان وهي كونها مخلوقة في بطون الأمهات ~~وإنما قال في بطون أمهاتكم لتغليب من يعقل ولشرف الإنسان على سائر الخلق ~~خلقا من بعد خلق يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة في ظلمات ثلاث قال ابن عباس ~~ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وقيل ظلمة الصلب وظلمة الرحم وظلمة ~~البطن ذلكم الله ربكم أي الذي خلق هذه الأشياء ربكم له الملك أي لا لغيره ~~لا إله إلا هو أي لا خالق لهذا الخلق ولا معبود لهم إلا الله تعالى: فأنى ~~تصرفون أي عن طريق الحق بعد هذا البيان. # قوله عز وجل: إن تكفروا فإن الله غني عنكم يعني أنه تعالى ما كلف ~~المكلفين ليجر إلى نفسه نفعا أو ليدفع عن نفسه ضررا وذلك لأنه تعالى غني عن ~~الخلق على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ولأنه لو كان ~~محتاجا لكان ذلك نقصانا والله تعالى منزه عن النقصان فثبت بما ذكرنا أنه ~~غني عن جميع العالمين فلو كفروا وأصروا عليه فإن الله تعالى غني عنهم ثم ~~قال الله تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر يعني أنه تعالى وإن كان لا ينفعه ~~إيمان ولا يضره كفر إلا أنه لا يرضى لعباده الكفر قال ابن عباس لا يرضى ~~لعباده المؤمنين بالكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم: إن عبادي ليس لك ms2993 ~~عليهم سلطان فعلى هذا يكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى بقوله عينا يشرب ~~بها عباد الله يريد بعض عباد الله وأجراه قوم على العموم، وقال لا يرضى ~~لأحد من عباده الكفر ومعنى الآية لا يرضى لعباده أن يكفروا به وهو قول ~~السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله تعالى وإن كان بإرادته لأن الرضا ~~عبارة عن مدح الشيء والثناء عليه بفعله والله تعالى لا يمدح الكفر ولا يثني ~~عليه ولا يكون في ملكه إلا ما أراد وقد لا يرضى به ولا يمدح عليه وقد بان ~~الفرق بين الإرادة والرضا وإن تشكروا أي تؤمنوا بربكم وتطيعوه يرضه لكم ~~فيثيبكم عليه ولا تزر وازرة وزر أخرى تقدم بيانه ثم إلى ربكم مرجعكم أي في ~~الآخرة فينبئكم بما كنتم تعملون أي في الدنيا إنه عليم بذات الصدور يعني ~~بما في القلوب، قوله تعالى: # PageV04P051 # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 8 الى 10] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (9) قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # وإذا مس الإنسان ضر أي بلاء وشدة دعا ربه منيبا أي راجعا إليه مستغيثا به ~~ثم إذا خوله أي أعطاه نعمة منه نسي أي ترك ما كان يدعوا إليه من قبل ~~والمعنى نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه وجعل لله أندادا يعني ~~الأصنام ليضل عن سبيله أي ليرد عن دين الله تعالى قل أي لهذا الكافر تمتع ~~بكفرك قليلا أي في الدنيا إلى انقضاء أجلك إنك من أصحاب النار قيل نزلت في ~~عتبة بن ربيعة وقيل في أبي حذيفة المخزومي وقيل ms2994 هو عام في كل كافر أمن هو ~~قانت قيل فيه حذف مجازه كمن هو غير قانت، وقيل مجازه الذي جعل لله أندادا ~~أخير أم من هو قانت. وقيل معنى الآية تمتع بكفرك إنك من أصحاب النار ويا من ~~هو قانت أنت من أصحاب الجنة. قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر وعمر. وعن ابن ~~عمر: أنها نزلت في عثمان. وقيل: إنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان وقيل: ~~الآية عامة في كل قانت وهو المقيم على الطاعة، وقال ابن عمر: القنوت قراءة ~~القرآن وطول القيام، وقيل: القانت القائم بما يجب عليه آناء الليل أي ساعات ~~الليل أوله ووسطه وآخره ساجدا وقائما أي في الصلاة وفيه دليل على ترجيح ~~قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه وذلك لأن الليل أستر فيكون أبعد عن ~~الرياء ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا ~~صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي وهو ~~الخشوع في الصلاة ومعرفة من يصلى له، وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنة ~~الراحة فيكون قيامه أشق على النفس فيكون الثواب فيه أكثر يحذر أي يخاف ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه قيل المغفرة وقيل الجنة وفيه فائدة وهي أنه قال في ~~مقام الخوف يحذر الآخرة فلم يضف الحذر إليه تعالى، وقال في مقام الرجاء ~~ويرجو رحمة ربه وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأولى أن ينسب إلى الله ~~تعالى ويعضد. هذا ما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له كيف نجدك قال أرجو الله ~~يا رسول الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمعان في ~~قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما يرجو منه وآمنه مما ~~يخاف أخرجه الترمذي قل هل يستوي الذين يعلمون أي ما عند الله من الثواب ~~والعقاب والذين لا يعلمون ذلك، وقيل: الذين يعلمون عمار ms2995 وأصحابه. والذين لا ~~يعلمون أبو حذيفة المخزومي، وقيل افتتح الله الآية بالعمل وختمها بالعلم ~~لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات وهو النهاية فإذا حصل ~~للإنسان دل ذلك على كماله وفضله إنما يتذكر أولوا الألباب قوله تعالى: قل ~~يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم أي بطاعته واجتناب معاصيه للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة يعني للذين آمنوا وحسنوا العمل حسنة يعني الجنة وقيل الصحة ~~والعافية في هذه الدنيا وأرض الله واسعة قال ابن عباس يعني ارتحلوا من مكة ~~وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي ~~في بلد فليهرب منه وقيل نزلت في مهاجري الحبشة وقيل نزلت في جعفر بن أبي ~~طالب: وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم لما نزل بهم البلاء وصبروا وهاجروا إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال علي بن أبي طالب كل مطيع يكال له كيلا ~~ويوزن له وزنا إلا الصابرين فإنه يحثي لهم حثيا. وروي أنه يؤتى بأهل البلاء ~~فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صبا بغير حساب حتى ~~يتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما يذهب به أهل ~~البلاء من الفضل. # PageV04P052 # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 11 الى 16] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) # قوله عز وجل: قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين أي مخلصا ~~له التوحيد أي لا أشرك به شيئا وأمرت لأن أكون أول المسلمين أي من هذه ~~الأمة قيل أمره أولا بالإخلاص وهو من عمل القلب ثم أمره ثانيا بعمل الجوارح ~~لأن ms2996 شرائع الله تعالى لا تستفاد إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ~~المبلغ فكان هو أول الناس شروعا فيها فخص الله سبحانه وتعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بهذا الأمر لينبه على أن غيره أحق بذلك فهو كالترغيب لغيره ~~قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ما حملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك ~~وقومك فتأخذ بها فأنزل الله تعالى هذه الآيات ومعنى الآية زجر الغير عن ~~المعاصي لأنه مع جلالة قدره وشرف طهارته ونزاهته ومنصب نبوته إذا كان خائفا ~~حذرا من المعاصي فغيره أولى بذلك قل الله أعبد مخلصا له ديني فإن قلت ما ~~معنى التكرار في قوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وفي قوله قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني. قلت هذا ليس بتكرار لأن الأول الإخبار بأنه مأمور ~~من جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة والإخلاص، والثاني أنه إخبار بأنه أمر ~~أن يخص الله تعالى وحده بالعبادة ولا يعبد أحدا غيره مخلصا له دينه، لأن ~~قوله أمرت أن أعبد الله لا يفيد الحصر وقوله: الله أعبد يفيد الحضر والمعنى ~~الله أعبد ولا أعبد أحدا غيره ثم أتبعه بقوله فاعبدوا ما شئتم من دونه ليس ~~أمرا بل المراد منه الزجر والتهديد والتوبيخ ثم بين كمال الزجر بقوله قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يعني أزواجهم وخدمهم يوم القيامة قال ~~ابن عباس: وذلك أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلا وأهلا في الجنة فمن عمل ~~بطاعة الله تعالى كان ذلك المنزل والأهل ومن عمل بمعصية الله تعالى دخل ~~النار وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله تعالى فخسر نفسه ~~وأهله ومنزله وقيل خسران النفس بدخول النار وخسران الأهل بأن يفرق بينه ~~وبين أهله ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار أي أطباق ~~وسرادقات ومن تحتهم ظلل أي فراش ومهاد وقيل أحاطت ms2997 النار بهم من جميع الجهات ~~والجوانب. # فإن قلت الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمي ما تحته بالظلة، قلت فيه وجوه ~~الأول أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. الثاني أن الذي تحته من ~~النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات. الثالث أن الظلة التحتانية ~~لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة سميت باسمها لأجل ~~المماثلة والمشابهة ذلك يخوف الله به عباده أي المؤمنين لأنهم إذا سمعوا ~~حال الكفار في الآخرة خافوا فأخلصوا التوحيد والطاعة لله عز وجل وهو قوله ~~تعالى: يا عباد فاتقون أي فخافون. قوله تعالى: ### || [سورة الزمر (39): الآيات 17 الى 21] # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر ~~عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار (19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) # PageV04P053 # والذين اجتنبوا الطاغوت يعني الأوثان أن يعبدوها وأنابوا إلى الله أي ~~رجعوا إلى عبادة الله تعالى بالكلية وتركوا ما كانوا عليه من عبادة غيره ~~لهم البشرى أي في الدنيا وفي الآخرة أما في الدنيا فالثناء عليهم بصالح ~~أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة فعند الخروج ~~من القبر وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة وفي الجنة ~~ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح ~~والريحان فبشر عباد الذين يستمعون القول يعني القرآن فيتبعون أحسنه أي أحسن ~~ما يؤمرون به فيعملون به وهو أن الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من ~~الظالم وذكر العفو عنه والعفو أحسن الأمرين وقيل ذكر العزائم والرخص ~~فيتبعون الأحسن وهو ms2998 العزائم وقيل يستمعون القرآن وغيره من الكلام فيتبعون ~~القرآن لأنه كله حسن وقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أسلم أبو بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنه جاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن ~~أبي وقاص وسعيد بن زيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزلت فيهم فبشر عباد ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقيل نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر كانوا ~~في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله وهم زيد بن عمرو وأبو ذر وسلمان ~~الفارسي أولئك الذين هداهم الله أي إلى عبادته وتوحيده وأولئك هم أولوا ~~الألباب أفمن حق عليه كلمة العذاب قال ابن عباس: سبق في علم الله تعالى أنه ~~في النار وقيل كلمة العذاب قوله لأملأن جهنم وقيل قوله هؤلاء في النار ولا ~~أبالي أفأنت تنقذ من في النار أي لا تقدر عليه، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يريد أبا لهب وولده لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية أي منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل هي أرفع منها تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد أي وعدهم الله تلك الغرف والمنازل ~~وعدا لا يخلفه (ق) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون ~~الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم فقالوا ~~يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» قوله الغابر أي الباقي في الأفق أي في ~~ناحية المشرق أو المغرب. # قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه أي أدخل ذلك الماء ~~ينابيع في الأرض أي عيونا وركايا ومسالك ومجاري في الأرض كالعروق في الجسد ~~قال الشعبي كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ثم يخرج به أي بالماء زرعا ~~مختلفا ألوانه أي مثل أصفر وأخضر وأحمر وأبيض وقيل أصنافه ms2999 مثل البر والشعير ~~وسائر أنواع الحبوب ثم يهيج أي ييبس فتراه أي بعد خضرته ونضرته مصفرا ثم ~~يجعله حطاما أي فتاتا متكسرا إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب قوله عز وجل: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 22 الى 23] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # أفمن شرح الله صدره أي وسعه للإسلام وقبول الحق كمن طبع الله تعالى على ~~قلبه فلم يهتد فهو على نور من ربه أي على يقين وبيان وهداية. # روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود قال «تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على # PageV04P054 # نور من ربه قلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره قال إذا دخل النور القلب ~~انشرح وانفسح قلنا يا رسول الله فما علامات ذلك قال الإنابة إلى دار الخلود ~~والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت» فويل للقاسية قلوبهم ~~من ذكر الله القسوة جمودة وصلابة تحصل في القلب. # فإن قلت كيف يقسو القلب عن ذكر الله وهو سبب لحصول النور والهداية؟ # قلت إنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به قست قلوبهم عن الإيمان ~~به وقيل إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن قبول الحق ~~فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة كحر الشمس يلين الشمع ~~ويعقد الملح فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عن سماعه ولا يزيد الكافرين ~~إلا قسوة قال مالك بن ديار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب ~~الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة أولئك في ضلال مبين قيل: نزلت هذه ~~الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي أبي بن خلف، ms3000 وقيل: في علي ~~وحمزة وفي أبي لهب وولده وقيل في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي ~~جهل. # قوله عز وجل: الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن وكونه أحسن الحديث لوجهين ~~أحدهما من جهة اللفظ والآخر من جهة المعنى، أما الأول فلأن القرآن من أفصح ~~الكلام وأجزله وأبلغه وليس هو من جنس الشعر ولا من جنس الخطب والرسائل بل ~~هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، وأما الوجه الثاني وهو كون القرآن من أحسن ~~الحديث لأجل المعنى فلأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف مشتمل على أخبار ~~الماضين وقصص الأولين وعلى أخبار الغيوب الكثيرة وعلى الوعد والوعيد والجنة ~~والنار كتابا متشابها أي يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا مثاني أي ~~يثني فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام تقشعر أي ~~تضطرب وتشمئز منه جلود الذين يخشون ربهم والمعنى تأخذهم قشعريرة وهي تغيير ~~يحدث في جلد الإنسان عند ذكر الوعيد والوجل والخوف. وقيل المراد من الجلود ~~القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله أي ~~لذكر الله تعالى قيل إذا ذكرت آيات الوعيد والعذاب اقشعرت جلود الخائفين ~~لله وإذا ذكرت آيات الرعد والرحمة لانت جلودهم وسكنت قلوبهم وقيل حقيقة ~~المعنى أن جلودهم تقشعر عند الخوف وتلين عند الرجاء. روي عن العباس بن عبد ~~المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا اقشعر جلد العبد من ~~خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» وفي ~~رواية «حرمه الله تعالى على النار» قال بعض العارفين: السيارون في بيداء ~~جلال الله إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإذا لاح لهم جمال من عالم ~~الجمال عاشوا. وقال قتادة: هذا نعت أولياء الله الذي نعتهم الله به بأن ~~تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان ~~عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان، وروي عن عبد الله بن عروة بن ~~الزبير قال «قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر ms3001 الصديق رضي الله تعالى عنهما كيف ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ ~~قالت: كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال عبد ~~الله: فقلت لها إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه، ~~قالت: # أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مر ~~برجل من أهل العراق ساقط فقال ما بال هذا قالوا إنه إذا قرئ عليه القرآن أو ~~سمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر: إن ~~الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وذكر عن ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن فقال بيننا وبينهم أن ~~يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره ~~فإن رمى بنفسه فهو صادق: فإن قلت لما ذكرت الجلود وحدها أولا في جانب الخوف ~~ثم قرنت معها القلوب ثانيا في الرجاء قلت إذا ذكرت الخشية التي محلها ~~القلوب اقشعرت الجلود من ذكر آيات # PageV04P055 # الوعيد في أول وهلة وإذا ذكر الله ومبني أمره على الرأفة والرحمة ~~استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم وقيل إن ~~المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لأن الخير مطلوب بالذات ~~والخوف ليس بمطلوب وإذا حصل الخوف اقشعر منه الجلد وإذا حصل الرجاء اطمأن ~~إليه القلب ولان الجلد ذلك أي القرآن الذي هو أحسن الحديث هدى الله يهدي به ~~من يشاء أي هو الذي يشرح الله به صدره لقبول الهداية ومن يضلل الله أي يجعل ~~قلبه قاسيا منافيا لقبول الهداية فما له من هاد أي يهديه. قوله عز وجل: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 24 الى 26] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) ~~فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ms3002 ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(26) # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أي شدته يوم القيامة قيل يجر على وجه في ~~النار وقيل يرمى به في النار منكوسا فأول شيء تمسه النار وجهه، وقيل هو ~~الكافر يرمى به منكوسا في النار مغلولة يداه إلى عنقه وفي عنقه صخرة من ~~كبريت مثل الجبل العظيم فتشعل النار في تلك الصخرة وهي في عنقه فحرها ~~ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه وعنقه ومعنى الآية ~~أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن العذاب وقيل للظالمين أي تقول لهم ~~الخزنة ذوقوا ما أي وبال ما كنتم تكسبون أي في الدنيا من المعاصي كذب الذين ~~من قبلهم أي من قبل كفار مكة كذبوا الرسل فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ~~يعني وهم غافلون آمنون من العذاب فأذاقهم الله الخزي أي العذاب والهوان في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39): الآيات 27 الى 31] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ~~ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون أي يتعظون قرآنا ~~عربيا أي فصيحا أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته غير ذي عوج أي منزها عن ~~التناقض، وقال ابن عباس: غير مختلف. # وقيل: غير ذي لبس وقيل: غير مخلوق ويروى ذلك عن مالك بن أنس وحكي عن ~~سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين إن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق لعلهم ~~يتقون # أي الكفر والتكذيب. # فإن قلت ما الحكمة في تقديم التذكر في الآية الأولى على التقوى في هذه ~~الآية. # قلت سبب تقديم التذكر أن الإنسان إذا تذكر وعرف ووقف على فحوى الشيء ~~واختلط بمعناه واتقاه واحترز منه. قوله تعالى: # ضرب الله ms3003 مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون أي متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم ~~والشكس السيء الخلق المخالف للناس لا يرضى بالإنصاف ورجلا سلما لرجل أي ~~خالصا له فيه ولا منازع والمعنى واضرب يا محمد لقومك مثلا وقل لهم ما ~~تقولون في رجل مملوك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع كل واحد يدعي ~~أنه عبده وهم يتجاذبونه في مهن شتى فإذا عنت لهم حاجة يتدافعونه فهو متحير ~~في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجاته وفي رجل آخر ~~مملوك قد سلم لمالك واحد يخدمه على سبيل # PageV04P056 # الإخلاص وذلك السيد يعين خادمه في حاجاته فأي هذين العبدين أحسن حالا ~~وأحمد شأنا، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتى والمؤمن ~~الذي يعبد الله وحده فكان حال المؤمن الذي يعبد إلها واحدا أحسن وأصلح من ~~حال الكافر الذي يعبد آلهة شتى وهو قوله تعالى: هل يستويان مثلا وهذا ~~استفهام إنكار أي لا يستويان في الحال والصفة قال تعالى: الحمد لله أي لله ~~الحمد كله وحده دون غيره من المعبودين، وقيل لما ثبت أن لا إله إلا الله ~~الواحد الأحد الحق بالدلائل الظاهرة والأمثال الباهرة قال: الحمد لله على ~~حصول هذه البينات وظهور هذه الدلالات بل أكثرهم لا يعلمون أي المستحق ~~للعبادة هو الله تعالى وحده لا شريك له. # قوله تعالى: إنك ميت أي ستموت وإنهم ميتون أي سيموتون وذلك أنهم كانوا ~~يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر الله تعالى أن الموت ~~يعمهم جميعا فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني وقيل نعى إلى نبيه نفسه ~~وإليكم أنفسكم والمعنى أنك ميت وإنهم ميتون وإن كنتم أحياء فإنكم في عداد ~~الموتى ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال ابن عباس يعني المحق ~~والمبطل والظالم والمظلوم عن عبد الله بن الزبير قال: # «لما نزلت ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون، قال الزبير: يا رسول ~~الله أتكون علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال: نعم، فقال: إن ms3004 ~~الأمر إذا لشديد» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وقال ابن عمر رضي الله ~~عنهما: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل ~~الكتابين ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قلنا كيف نختصم وديننا واحد ~~وكتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها فينا نزلت ~~وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ~~ونبينا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيف ~~قلنا نعم هو هذا وعن إبراهيم قال: لما نزلت هذه الآية ثم إنكم يوم القيامة ~~عند ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان قالوا هذه ~~خصومتنا (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون ~~دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له ~~حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه» (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من ~~لا درهم له ولا متاع قال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة ~~وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ~~فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ~~أخذت من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». قوله تعالى: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 32 الى 36] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك ~~بالذين من دونه ms3005 ومن يضلل الله فما له من هاد (36) # فمن أظلم ممن كذب على الله فزعم أن له ولدا أو شريكا وكذب بالصدق إذ جاءه ~~أي بالقرآن وقيل بالرسالة إليه أليس في جهنم مثوى أي منزلة ومقام للكافرين. # قوله تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به أي والذي صدق به، قال ابن عباس: ~~الذي جاء بالصدق هو # PageV04P057 # رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به هو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أيضا بلغه إلى الخلق، وقيل: الذي جاء بالصدق هو جبريل ~~عليه الصلاة والسلام جاء بالقرآن وصدق به محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر ~~رضي الله تعالى عنه وقيل وصدق به المؤمنون وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء ~~وصدق به الأتباع. وقيل: الذي جاء بالصدق أهل القرآن وهو الصدق يجيئون به ~~يوم القيامة وقد أدوا حقه فهم الذين صدقوا به أولئك هم المتقون أي الذين ~~اتقوا الشرك لهم ما يشاؤن عند ربهم أي من الجزاء والكرامة ذلك جزاء ~~المحسنين أي في أقوالهم وأفعالهم ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا أي يستره ~~عليهم بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون أي يجزيهم بمحاسن ~~أفعالهم ولا يجزيهم بمساويها. # قوله عز وجل: أليس الله بكاف عبده يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقرئ ~~عباده يعني الأنبياء عليهم الصلاة السلام قصدهم قومهم بالسوء فكفاهم الله ~~تعالى شر من عاداهم ويخوفونك بالذين من دونه وذلك أنهم خوفوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم مضرة الأوثان وقالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم ~~خبل أو جنون ومن يضلل الله فما له من هاد. # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 37 الى 42] # ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ms3006 ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا ~~أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~وما أنت عليهم بوكيل (41) # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز أي منيع في ملكه ذي انتقام ~~أي منتقم من أعدائه ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله يعني ~~أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم، وذلك متفق عليه ~~عند جمهور الخلائق فإن فطرة الخلق شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل عجائب ~~السموات والأرض وما فيها من أنواع الموجودات علم بذلك أنها من ابتداع قادر ~~حكيم ثم أمره الله تعالى أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون من دون الله لا قدرة ~~لها على جلب خير أو دفع ضر وهو قوله تعالى: قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله يعني الأصنام إن أرادني الله بضر أي بشدة وبلاء هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة أي بنعمة وخير وبركة هل هن ممسكات رحمته فسألهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~قل حسبي الله أي هو ثقتي وعليه اعتمادي عليه يتوكل المتوكلون أي عليه يثق ~~الواثقون قل يا قوم اعملوا على مكانتكم أي اجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم ~~وهو أمر تهديد وتقريع إني عامل أي بما أمرت به من إقامة الدين فسوف تعلمون ~~من يأتيه عذاب يخزيه أي أنا وأنتم ويحل عليه عذاب مقيم أي دائم وهو تهديد ~~وتخويف إنا أنزلنا عليك الكتاب يعني القرآن للناس بالحق أي ليهتدي به كافة ~~الخلق فمن اهتدى فلنفسه أي ترجع فائدة هدايته إليه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~أي يرجع وبال ضلالته ms3007 عليه وما أنت عليهم بوكيل أي لم توكل بهم ولا تؤاخذ ~~عنهم قيل هذا منسوخ بآية القتال. # قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس أي الأرواح حين موتها أي فيقبضها عند فناء ~~أكلها وانقضاء أجلها # PageV04P058 # وهو موت الأجساد والتي لم تمت في منامها والنفس التي يتوفاها عند النوم ~~وهي التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان نفس هي التي تكون بها ~~الحياة وتفارقه عند الموت وتزول بزوالها الحياة والنفس الأخرى هي التي يكون ~~بها التمييز وهي التي تفارقه عند النوم ولا يزول بزوالها التنفس فيمسك التي ~~قضى عليها الموت أي فلا يردها إلى جسدها ويرسل الأخرى أي يرد النفس التي لم ~~يقض عليها الموت إلى جسدها إلى أجل مسمى أي إلى أن يأتي وقت موتها، وقيل إن ~~للإنسان نفسا وروحا فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح وقال علي بن أبي ~~طالب: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا ~~انتبه من النوم عادت الروح إلى الجسد بأسرع من لحظة. وقيل: إن أرواح ~~الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله تعالى فإذا أرادت ~~الرجوع إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح ~~الأحياء إلى أجسادها إلى حين انقضاء مدة آجالها (ق). عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا آوى أحدكم إلى فراشه ~~فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربي ~~وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين». # فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها وبين ~~قوله قل يتوفاكم ملك الموت وبين قوله تعالى حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا. # قلت: المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى وملك الموت هو القابض للروح بإذن ~~الله تعالى ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الروح من سائر ~~البدن فإذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت إن في ذلك ms3008 لآيات لقوم يتفكرون أي ~~في البعث وذلك أن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث وقيل ~~إن في ذلك دليلا على قدرتنا حيث لم نغلط في إمساك ما نمسك من الأرواح ~~وإرسال ما نرسل منها. قوله تعالى: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 43 الى 45] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من ~~دونه إذا هم يستبشرون (45) # أم اتخذوا من دون الله شفعاء يعني الأصنام قل يا محمد أولو كانوا يعني ~~الآلهة لا يملكون شيئا أي من الشفاعة ولا يعقلون أي إنكم تعبدونهم وإن ~~كانوا بهذه الصفة قل لله الشفاعة جميعا أي لا يشفع أحد إلا بإذنه فكان ~~الاشتغال بعبادته أولى لأنه هو الشفيع في الحقيقة وهو يأذن في الشفاعة لمن ~~يشاء من عباده له ملك السماوات والأرض أي لا ملك لأحد فيهما سواه ثم إليه ~~ترجعون أي في الآخرة. # قوله تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت أي نفرت وقال ابن عباس انقبضت عن ~~التوحيد وقيل استكبرت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة قيل إذا اشمأز القلب من ~~عظم غمه وغيظه انقبض الروح إلى داخله فيظهر على الوجه أثر ذلك مثل الغبرة ~~والظلمة وإذا ذكر الذين من دونه يعني الأصنام إذا هم يستبشرون أي يفرحون ~~والاستبشار أن يمتلئ القلب سرورا حتى يظهر على الوجه فيتهلل. قوله عز وجل: # PageV04P059 # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 46 الى 50] # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله ~~معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) ~~فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته ms3009 على علم ~~بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون (50) # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة وصف نفسه بكمال ~~القدرة وكمال العلم أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون أي من أمر ~~الدنيا (م) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال «سألت عائشة رضي الله تعالى عنها ~~بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ ~~قالت كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم». # قوله عز وجل: ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ~~من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون يعني ظهر ~~لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا أنه نازل بهم في الآخرة، وقيل ظنوا أن لهم ~~حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بعبادة ~~الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا، وروي أن محمد بن ~~المنكدر جزع عند الموت فقيل له في ذلك فقال أخشى أن يبدو لي ما لم أكن ~~أحتسب وبدا لهم سيئات ما كسبوا يعني مساوي أعمالهم من الشرك والظلم أولياء ~~الله تعالى: وحاق يعني نزل بهم ما كانوا به يستهزؤن فإذا مس الإنسان ضر ~~يعني شدة دعانا ثم إذا خولناه يعني أعطيناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم يعني من الله تعالى علم أني له أهل وقيل على خير علمه الله عنده بل هي ~~فتنة يعني تلك النعمة استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون يعني أنها استدراج من الله تعالى: قد قالها الذين من قبلهم يعني ~~قارون فإنه قال إنما أوتيته على علم عندي فما أغنى ms3010 عنهم ما كانوا يكسبون ~~يعني فما أغنى الكفر من العذاب شيئا. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 51 الى 53] # فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) # فأصابهم سيئات ما كسبوا أي جزاؤها وهو العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال ~~تعالى والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أي ~~بفائتين لأن مرجعهم إلى الله تعالى: أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء أي يوسع الرزق لمن يشاء ويقدر أي يقتر ويقبض على من يشاء إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون أي يصدقون. # قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية «أن ناسا من أهل ~~الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا الحرمات فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا محمد إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا بأن ~~لما عملنا كفارة فنزلت والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات قال يبدل شركهم إيمانا وزناهم إحصانا ونزلت قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله» أخرجه النسائي. وعن ~~ابن عباس أيضا قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى ~~الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو ~~زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله تعالى إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # PageV04P060 # فقال: وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ms3011 لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد ~~في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فقال وحشي نعم هذا فجاء فأسلم» ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة ~~والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا ~~فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ~~ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا به فأنزل الله تعالى هذه الآية فكتبها عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا جميعا وهاجروا. وعن ابن عمر أيضا قال كنا ~~معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا ~~إلا وهي مقبولة حتى نزلت أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم، ~~فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر والفواحش ~~قال فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا هلك فنزلت هذه الآية فكففنا عن ~~القول في ذلك وكنا إذا رأينا من أصحابنا من أصاب شيئا من ذلك خفنا عليه وإن ~~لم يصب منها شيئا رجونا له وقوله أسرفوا على أنفسهم أي تجاوزوا الحد في كل ~~فعل مذموم قيل هو ارتكاب الكبائر وغيرها من الفواحش لا تقنطوا من رحمة الله ~~أي لا تيأسوا من رحمة الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله من ~~الكبائر إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فإن قلت حمل هذه ~~الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها وذلك لا ~~يمكن. # قلت المراد منها التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له ~~من العذاب، فإن اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله إذ لا أحد من العصاة إلا ~~ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة ms3012 فمعنى قوله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا أي إذا تاب وصحت التوبة غفرت ذنوبه ومن مات قبل أن يتوب فهو ~~موكول إلى مشيئة الله تعالى فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ~~ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته فالتوبة واجبة على كل أحد وخوف العقاب ~~مطلوب فلعل الله تعالى يغفر مطلقا ولعله يعذب ثم يعفو بعد ذلك والله أعلم. # (فصل في ذكر أحاديث تتعلق بالآية) روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل ~~المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال لم تقنط ~~الناس ثم قرأ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي أخرجه الترمذي، وقال حديث ~~حسن غريب (ق). عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل ~~هل له توبة فأتى راهبا فسأله فقال هل لي من توبة قال لا فقتله وجعل يسأل ~~فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فضرب صدره تخوفا فاختصمت فيه ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى ~~الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينها فوجد أقرب إلى هذه بشبر فغفر ~~له» لفظ البخاري ولمسلم قال «فدل على راهب فأتاه فقال له إن رجلا قتل تسعة ~~وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم ~~أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم ~~ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون ~~الله تعالى فاعبد الله معهم ms3013 ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى ~~إذا كان نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ~~فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما ~~فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى ~~أيهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض # PageV04P061 # الذي أراد فقبضته ملائكة الرحمة» (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل أسرف على نفسه وفي رواية لم ~~يعمل خيرا قط وفي رواية لم يعمل حسنة قط فلما حضره الموت قال لبنيه إذا مت ~~فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فو الله لئن قدر على ربي ليعذبني ~~عذابا ما عذبه أحدا فلما مات فعل به ذلك فأمر الله تعالى الأرض فقال اجمعي ~~ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب ~~أو قال مخافتك فغفر له بذلك» وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «كان في بني إسرائيل رجلان متحابان أحدهما مذنب والآخر في العبادة ~~مجتهد فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول له أقصر فوجده يوما ~~على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر ~~لك الله أو قال لا يدخلك الجنة فقبض الله أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين ~~فقال الرب تبارك وتعالى للمجتهد أكنت على ما في يدي قادرا وقال للمذنب اذهب ~~فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة «تكلم ~~والله بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» أخرجه أبو داود عن أنس قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «قال الله عز وجل يا ابن آدم إنك ما دعوتني ~~ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان ~~السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم ms3014 لو أنك أتيتني بقراب ~~الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» أخرجه ~~الترمذي، قوله عنان السماء العنان السحاب وقيل هو ما عن لك منها وقراب ~~الأرض بضم القاف هو ما يقارب ملأها. قوله عز وجل: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 54 الى 55] # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون (55) # وأنيبوا إلى ربكم أي ارجعوا إليه بالتوبة والطاعة وأسلموا له أي أخلصوا ~~له التوحيد من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون أي لا تمنعون منه واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم يعني القرآن لأنه كله حسن ومعنى الآية على ما ~~قاله الحسن الزموا طاعة الله واجتنبوا معصيته فإنه أنزل في القرآن ذكر ~~القبيح ليجتنب وذكر الأدون لئلا يرغب فيه وذكر الأحسن لتؤثره وتأخذ به وقيل ~~الأحسن إتباع الناسخ وترك العمل بالمنسوخ من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون يعني غافلين عنه. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 56 الى 58] # أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) # أن تقول نفس أي لئلا تقول وقيل معناه بادروا واحذروا أن تقول وقيل خوف أن ~~تصيروا إلى حال أن تقول نفس يا حسرتى أي يا ندمي ويا حزني والتحسر الاغتمام ~~والحزن على ما فات على ما فرطت في جنب الله أي على ما قصرت في طاعة الله، ~~وقيل في أمر الله وقيل في حق الله وقيل على ما ضيعت في ذات الله وقيل معناه ~~على ما قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى: وإن كنت لمن الساخرين ~~أي المستهزئين بدين الله وبكتابه وبرسوله وبالمؤمنين قيل لم يكفه أن ضيع ~~طاعة الله حتى سخر بأهلها أو تقول لو أن ms3015 الله هداني أي أرشدني إلى دينه ~~وطاعته لكنت من المتقين أي الشرك أو تقول حين ترى العذاب أي عيانا لو أن لي ~~كرة أي رجعة إلى الدنيا فأكون من المحسنين أي الموحدين ثم أجاب الله تعالى ~~هذا التأويل بأن الأعذار زائلة والتعليل باطل وهو قوله تعالى: # PageV04P062 # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 59 الى 66] # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون (61) الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات ~~والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين (66) # بلى قد جاءتك آياتي يعني القرآن فكذبت بها أي قلت ليست من الله واستكبرت ~~أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين ويوم القيامة ترى الذين كذبوا ~~على الله أي زعموا أن له ولدا وشريكا وقيل هم الذين يقولون الأشياء إلينا ~~إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل وجوههم مسودة قيل هو سواد مخالف لسائر ~~أنواع السواد أليس في جهنم مثوى للمتكبرين أي عن الإيمان. # قوله تعالى: وينجي الله الذين اتقوا أي الشرك بمفازتهم أي الطرق التي ~~تؤديهم إلى الفوز والنجاة وقرئ بمفازاتهم أن ينجيهم بفوزهم بالأعمال الحسنة ~~من النار لا يمسهم السوء أي لا يصيبهم المكروه ولا هم يحزنون الله خالق كل ~~شيء أي مما هو كائن أو يكون في الدنيا والآخرة وهو على كل شيء وكيل أي إن ~~الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها له مقاليد السماوات والأرض أي ~~مفاتيح خزائن السموات والأرض واحدها مقلاد مثل مفتاح وقيل إقليد على غير ~~قياس قيل هو فارسي معرب قال الراجز: # لم يؤذها الديك بصوت تغريد ... ولم يعالج غلقها بإقليد # والمعنى أن الله تعالى مالك أمرها ms3016 وحافظها وهو من باب الكناية لأن حافظ ~~الخزائن ومدبر أمرها هو الله الذي يملك مقاليدها، وقيل مقاليد السموات ~~خزائن الرحمة والرزق والمطر ومقاليد الأرض النبات والذين كفروا بآيات الله ~~أي جحدوا بآياته الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون قوله عز وجل: قل أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه ~~فوصفهم بالجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأنه هو المستحق للعبادة فمن عبد ~~غيره فهو جاهل ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك أي ~~الذي عملته قبل الشرك، وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~به غيره لأن الله عز وجل عصم نبيه صلى الله عليه وسلم من الشرك وفيه تهديد ~~لغيره ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين أي لإنعامه عليك. # قوله تعالى. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 67 الى 68] # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) # وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره ثم أخبر ~~عن عظمته فقال والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (ق) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «جاء ~~جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا محمد إن الله يضع السماء ~~على إصبع # PageV04P063 # والأرض على إصبع والجبال على إصبع والشجر والأنهار على إصبع وسائر الخلق ~~على إصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال وما ~~قدروا الله حق قدره وفي رواية «والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على ~~إصبع ثم يهزهن وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ~~تعجبا وتصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حق قدره الآية (ق) عن ابن ms3017 عمر رضي ~~الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوي الله السموات يوم ~~القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين ~~المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين ~~المتكبرون، وفي رواية يقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها ثم يقول أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وفي رواية يقول: أنا الله ويقبض أصابعه ~~أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني أقول أساقط ~~هو برسول الله صلى الله عليه وسلم» لفظ مسلم وللبخاري «أن الله يقبض يوم ~~القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه ويقول أنا الملك» (خ) عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يقبض الله الأرض ~~ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض» قال أبو سليمان ~~الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من صفة اليدين شمال لأن الشمال محمل ~~النقص والضعف وقد روى كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة إنما هي ~~صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث ~~انتهى الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهذا مذهب أهل السنة والجماعة وقال ~~سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت ~~عليه. # قوله عز وجل: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض أي ماتوا ~~من الفزع وهي النفخة الأولى إلا من شاء الله تقدم في سورة النمل تفسير هذا ~~الاستثناء وقال الحسن إلا من يشاء الله يعني الله وحده ثم نفخ فيه أي في ~~الصور أخرى مرة أخرى وهي النفخة الثانية فإذا هم قيام أي من قبورهم ينظرون ~~أي ينتظرون أمر الله فيهم (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين النفختين أربعون قالوا أربعون يوما، ~~قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرا، قال أبو هريرة: أبيت، ms3018 قالوا: # أربعون سنة قال: أبيت، ثم ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ~~ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه ~~يركب الخلق يوم القيامة» قوله تعالى: # ### || [سورة الزمر (39): الآيات 69 الى 73] # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين (73) # وأشرقت الأرض بنور ربها وذلك حين يتجلى الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء ~~بين خلقه فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس في اليوم الصحو وقيل ~~بعدل ربها وأراد بالأرض عرصات القيامة ووضع الكتاب أي كتاب الأعمال وقيل ~~اللوح المحفوظ لأن فيه أعمال جميع الخلق من المبدأ إلى المنتهى وجيء ~~بالنبيين يعني ليكونوا شهداء على أممهم والشهداء قال ابن عباس يعني الذين ~~يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل يعني ~~الحفظة وقضي بينهم بالحق أي بالعدل وهم لا يظلمون أي لا يزاد في # PageV04P064 # سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم ووفيت كل نفس ما عملت أي ثواب ما عملت وهو ~~أعلم بما يفعلون يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأفعالهم لا يحتاج إلى كاتب ~~ولا إلى شاهد. # قوله تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم يعني سوقا عنيفا زمرا أفواجا ~~بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة وقيل جماعات متفرقة واحدتها زمرة حتى إذا ~~جاؤها فتحت أبوابها يعني السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة وقال لهم خزنتها يعني ~~توبيخا وتقريعا ألم يأتكم رسل منكم أي من أنفسكم ومن جنسكم ms3019 يتلون عليكم ~~آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب أي ~~وجبت على الكافرين وهي قوله لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين قيل ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين قوله عز وجل: وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا فإن قلت عبر عن الفريقين بلفظ السوق فما الفرق بينهما. # قلت المراد بسوق أهل النار طردهم إلى العذاب بالهوان والعنف كما يفعل ~~بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم ~~لأنهم يذهبون إليها راكبين أو المراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة ~~والرضوان فشتان ما بين السوقين حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها فإن قلت قال في ~~أهل النار فتحت بغير واو وهنا زاد حرف الواو فما الفرق. # قلت فيه وجوه أحدها أنها زائدة الثاني إنها واو الحال مجازه وقد فتحت ~~أبوابها فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم إليها وحذف الواو في ~~الآية الأولى لبيان أن أبواب جهنم كانت مغلقة قبل مجيئهم إليها ووجه الحكمة ~~في ذلك أن أهل الجنة إذا جاءوها ووجدوا أبوابها مفتحة حصل لهم السرور ~~والفرح بذلك وأهل النار إذا رأوها مغلقة كان ذلك نوع ذلك وهوان لهم. الثالث ~~زيدت الواو هنا لبيان أن أبواب الجنة ثمانية ونقصت هناك لأن أبواب جهنم ~~سبعة والعرب تعطف بالواو فيما فوق السبعة تقول سبعة وثمانية. # فإن قلت حتى إذا جاءوها شرط فأين جوابه؟ # قلت فيه وجوه أحدها أنه محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في ~~الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني أن الجواب هو قوله وقال لهم خزنتها ~~سلام عليكم بغير واو الثالث تقديره فادخلوها خالدين دخلوها فحذف دخلوها ~~لدلالة الكلام عليه وقال لهم خزنتها سلام عليكم أي أبشروا بالسلامة من كل ~~الآفات طبتم قال ابن عباس معناه طاب لكم المقام وقيل إذا قطعوا النار حبسوا ~~على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا دخلوا ~~الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه ms3020 سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه إذا سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند ~~بابها شجرة يخرج من تحتها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره ~~ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 74 الى 75] # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده أي بالجنة وأورثنا الأرض أي أرض الجنة ~~نتصرف فيها كما نشاء تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه وهو قوله تعالى: ~~نتبوأ أي ننزل من الجنة أي في الجنة حيث # PageV04P065 # نشاء # فإن قلت فما معنى قوله حيث نشاء وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره. # قلت يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وحسنا وزيادة على الحاجة فيتبوأ ~~من جنته حيث يشاء ولا يحتاج إلى غيره وقيل إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~يدخلون الجنة قبل الأمم فينزلون فيها حيث شاؤوا ثم تنزل الأمم بعدهم فيما ~~فضل منها قال الله عز وجل: فنعم أجر العاملين أي ثواب المطيعين في الدنيا ~~الجنة في العقبى وترى الملائكة حافين من حول العرش # أي محدقين محيطين بحافته وجوانبه يسبحون بحمد ربهم وقيل هذا تسبيح تلذذ ~~لا تسبيح تعبد لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وقضي بينهم بالحق بين أهل ~~الجنة وأهل النار بالعدل وقيل الحمد لله رب العالمين أي يقول أهل الجنة ~~شكرا حين تم وعد الله لهم، وقيل ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد في قوله الحمد ~~لله الذي خلق السماوات والأرض وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار ~~الفريقين في منازلهم فنبه بذلك على تحميده في بداءة كل أمر وخاتمته والله ~~تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P066 ### | سورة حم المؤمن # وتسمى سورة غافر وهي مكية قيل غير آيتين وهما قوله تعالى: ms3021 الذين يجادلون ~~في آيات الله والتي بعدها وهي خمس وثمانون آية وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة ~~وأربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ~~قال «إن مثل صاحب القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث ~~فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث ~~الأول فهذا أعجب منه وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل هذه الروضات ~~الدمثات مثل آل حم في القرآن» وعن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن ~~الحواميم وقال ابن مسعود إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات الجنة أتأنق ~~فيهن، وقال سعد بن إبراهيم إن آل حم تسمى العرائس. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة غافر (40): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) # قوله عز وجل: حم قال ابن عباس رضي الله عنهما: حم اسم الله الأعظم وعنه ~~قال الر وحم ون حروف اسمه الرحمن مقطعة وقيل حم اسم للسورة وقيل الحاء ~~افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان، والميم افتتاح أسمائه ملك ومجيد ~~ومنان، وقيل معناه حم بضم الحاء أي قضى ما هو كائن تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز أي الغالب القادر وقيل الذي لا مثل له العليم أي بكل المعلومات غافر ~~الذنب يعني ساتر الذنب وقابل التوب يعني التوبة قال ابن عباس غافر الذنب ~~لمن قال لا إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله شديد العقاب ~~لمن لا يقول لا إله إلا الله ذي الطول يعني السعة والغنى وقيل ذي الفضل ~~والنعم وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه لا إله إلا هو يعني هو ~~الموقوف بصفات الوحدانية التي لا يوصف بها غيره إليه المصير أي مصير العباد ~~إليه في الآخرة قوله تعالى: # PageV04P067 # ### || [سورة غافر (40): الآيات 4 الى 7] ms3022 # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) # ما يجادل يعني ما يخاصم ويحاجج في آيات الله يعني في دفع آيات الله ~~بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على ~~الذين يجادلون في القرآن. # قوله تعالى: ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا وقوله وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن جدالا في القرآن كفر» أخرجه أبو داود ~~وقال المراد في القرآن كفر وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا ~~ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض وإنما أنزل الكتاب يصدق بعضه بعضا فلا ~~تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه» (م) ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: # هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في ~~آية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال «إنما هلك ~~من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» فلا يغررك تقلبهم يعني تصرفهم في البلاد ~~للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم فإن عاقبة أمرهم العذاب كذبت قبلهم قوم ~~نوح والأحزاب من بعدهم يعني الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من ~~بعد قوم نوح وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه قال ابن عباس ليقتلوه ويهلكوه ~~وقيل ليأسروه وجادلوا يعني خاصموا بالباطل ليدحضوا يعني ليبطلوا به الحق ~~الذي جاءت ms3023 به الرسل فأخذتهم فكيف كان عقاب يعني أنزلت بهم من الهلاك ما ~~هموا هم بإنزاله بالرسل وقيل معناه فكيف كان عقابي إياهم أليس كان مهلكا ~~مستأصلا وكذلك حقت أي وجبت كلمة ربك يعني كما وجبت كلمة العذاب على الأمم ~~المكذبة حقت على الذين كفروا يعني من قومك أنهم يعني بأنهم أصحاب النار ~~قوله عز وجل: الذين يحملون العرش قيل حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم ~~القيامة أردفهم الله تعالى بأربعة أخر كما قال الله تعالى: ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية وهم أشرف الملائكة وأفضلهم لقربهم من الله عز وجل وهم ~~على صورة الأوعال وجاء في الحديث إن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ~~ثور ووجه نسر، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجهه مخافة أن ~~ينظر إلى العرش فيصعق وجناحان يهفو بهما في الهواء ليس لهم كلام غير ~~التسبيح والتحميد والتمجيد ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء ~~وقال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة ~~عام، ويروي أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات إلى حجزهم ~~تسبيحهم سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي ~~لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح وقيل إن أرجلهم في الأرض السفلى ~~ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفا من أهل السماء ~~السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفا من التي تليها والتي تليها أشد خوفا ~~من التي تليها. # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أذن لي أن أحدث عن ملك من ~~ملائكة الله عز وجل من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ~~سبعمائة عام» أخرجه أبو داود وأما صفة العرش فقيل إنه جوهرة خضراء وهو من ~~أعظم المخلوقات خلقا وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين ~~القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية كخفقان الطير المسرع ثلاثين ألف ~~عام ms3024 ويكسى العرش كل يوم ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من ~~خلق الله تعالى والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة وقال مجاهد بين ~~السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور ~~وحجاب ظلمة وقيل إن العرش قبلة لأهل السماء كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض ~~قوله: ومن حوله يعني الطائفين به وهم الكروبيون وهم سادات الملائكة، قال ~~وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون ~~بالعرش يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر ~~هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على ~~عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا سبحانك # PageV04P068 # وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر والخلق كلهم إليك ~~راجعون ومن وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على ~~اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ما بين جناحي أحدهم ~~مسيرة ثلاثمائة عام وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام واحتجب الله ~~عز وجل من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار وسبعين حجابا من ~~ظلمة وسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا من در أبيض وسبعين حجابا من ياقوت ~~أحمر وسبعين حجابا من زبرجد أخضر وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من ماء ~~وسبعين حجابا من برد وما لا يعلمه إلا الله عز وجل. # قوله تعالى: يسبحون بحمد ربهم أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق بجلاله ~~والتحميد هو الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ويؤمنون به أي يصدقون ~~بأنه واحد لا شريك له ولا مثل له ولا نظير له. # فإن قلت قدم قوله يسبحون بحمد ربهم على قوله ويؤمنون به ولا يكون التسبيح ~~إلا بعد الإيمان فما فائدة قوله ويؤمنون به. # قلت فائدته التنبيه على شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. ولما كان الله ~~عز وجل محتجبا عنهم بحجب ms3025 جلاله وجماله وكماله وصفهم بالإيمان به. قال شهر ~~بن حوشب حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ~~على حلمك بعد علمك وأربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على ~~عفوك بعد قدرتك قال وكأنهم يرون ذنوب بني آدم ويستغفرون للذين آمنوا أي ~~يسألون الله تعالى المغفرة لهم قيل هذا الاستغفار من الملائكة مقابل لقولهم ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فلما صدر هذا منهم أولا تداركوه ~~بالاستغفار لهم ثانيا وهو كالتنبيه لغيرهم فيجب على كل من تكلم في أحد بشيء ~~يكرهه أن يستغفر له ربنا أي ويقولون ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما أي وسعت ~~رحمتك وعلمك كل شيء وفيه تنبيه على تقديم الثناء على الله تعالى بما هو ~~أهله قيل المطلوب بالدعاء فلما قدموا الثناء على الله عز وجل قالوا فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك أي دينك وقهم عذاب الجحيم قال مطرف أنصح عباد ~~الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 8 الى 10] # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ~~وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم قيل إذا دخل المؤمن الجنة قال: أين أبي وأين أمي ~~وأين ولدي وأين زوجتي، فيقال: إنهم لم يعملوا عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ~~ولهم فيقال أدخلوهم الجنة فإذا اجتمع بأهله في الجنة كان أكمل لسروره ولذته ~~وقهم السيئات أي عقوبات السيئات بأن تصونهم من الأعمال الفاسدة التي توجب ~~العقاب ومن تق السيئات يومئذ يعني من تقه في الدنيا فقد رحمته يعني في ~~القيامة وذلك هو الفوز العظيم يعني النعيم الذي لا ينقطع في جوار مليك لا ~~تصل العقول إلى كنه عظمته وجلاله قوله تعالى: إن ms3026 الذين كفروا ينادون يعني ~~يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم وعاينوا ~~العذاب فيقال لهم لمقت الله يعني إياكم في الدنيا أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون أي اليوم عند حلول العذاب بكم. # PageV04P069 # ### || [سورة غافر (40): الآيات 11 الى 12] # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم ~~لله العلي الكبير (12) # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ثم أماتهم ~~الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهذه موتتان وحياتان ~~وقيل أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في القبر للسؤال ثم أميتوا في قبورهم ثم ~~أحيوا للبعث في الآخرة وذلك أنهم عدوا أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة ~~الموتة الأولى ثم الحياة في القبر ثم الموتة الثانية فيه ثم الحياة للبعث ~~فأما الحياة الأولى التي هي من الدنيا فلم يعدوها لأنها ليست من أقسام ~~البلاء وقيل ذكر حياتين وهي حياة الدنيا وحياة القيامة وموتتين وهي الموتة ~~الأولى في الدنيا ثم الموتة الثانية في القبر بعد حياة السؤال ولم يعدوا ~~حياة السؤال لقصر مدتها فاعترفنا بذنوبنا يعني إنكارهم البعث بعد الموت ~~فلما شاهدوا البعث اعترفوا بذنوبهم ثم سألوا الرجعة بقولهم فهل إلى خروج ~~يعني من النار من سبيل والمعنى فهلا إلى رجوع إلى الدنيا من سبيل لنصلح ~~أعمالنا ونعمل بطاعتك وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط من الخروج وإنما ~~قالوا ذلك تعللا وتحيرا والمعنى فلا خروج ولا سبيل إليه ولهذا جاء الجواب ~~على حسب ذلك وهو قوله تعالى: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم معناه ~~فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى ~~الله وحده كفرتم يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك وإن يشرك به أي ~~غيره تؤمنوا أي تصدقوا ms3027 ذلك الشرك فالحكم لله العلي أي الذي لا أعلى منه ~~الكبير أي الذي لا أكبر منه. ### || [سورة غافر (40): الآيات 13 الى 19] # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ~~(16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) # قوله عز وجل: هو الذي يريكم آياته أي عجائب مصنوعاته التي تدل على كمال ~~قدرته وينزل لكم من السماء رزقا يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق وما يتذكر ~~أي يتعظ بهذه الآيات إلا من ينيب أي يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره ~~فادعوا الله مخلصين له الدين أي الطاعة والعبادة ولو كره الكافرون. # قوله تعالى: رفيع الدرجات أي رافع درجات الأنبياء والأولياء والعلماء في ~~الجنة وقيل معناه المرتفع أي إنه سبحانه وتعالى هو المرتفع بعظمته في صفات ~~جلاله وكماله ووحدانيته المستغني عن كل ما سواه وكل الخلق فقراء إليه ذو ~~العرش أي خالقه ومالكه، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر لأنه أعظم الأجسام ~~والمقصود بيان كمال التنبيه على كمال القدرة فكل ما كان أعظم كانت دلالته ~~على كمال القدرة أقوى يلقي الروح يعني ينزل الوحي سماه روحا لأن به تحيا ~~الأرواح كما تحيا الأبدان بالأرواح من أمره قال ابن عباس: # من قضائه وقيل بأمره وقيل من قوله على من يشاء من عباده يعني الأنبياء ~~لينذر يوم التلاق يعني لينذر النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يوم التلاق ~~وهو يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وقيل يلتقي الخلق ~~والخالق # PageV04P070 # وقيل يلتقي العابدون والمعبودون وقيل يلتقي المرء مع عمله وقيل يلتقي ms3028 ~~الظالم والمظلوم يوم هم بارزون أي خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء ~~لا يخفى على الله منهم شيء أي من أعمالهم وأحوالهم، فإن قلت إن الله تعالى ~~لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص ذلك اليوم، قلت كانوا ~~يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا يراهم ~~وتخفى عليه أعمالهم وهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال ~~لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه في الدنيا لمن الملك اليوم أي يقول ~~الله عز وجل في ذلك اليوم بعد فناء الخلق لمن الملك فلا أحد يجيبه فيجيب ~~نفسه تعالى فيقول لله الواحد القهار أي الذي قهر الخلق بالموت وقيل إذا حضر ~~الأولون والآخرون في يوم القيامة نادى مناد لمن الملك فيجيبه جميع الخلائق ~~في يوم القيامة لله الواحد القهار فالمؤمنون يقولونه تلذذا حيث كانوا ~~يقولونه في الدنيا ونالوا به المنزلة الرفيعة في العقبى والكفار يقولونه ~~على سبيل الذل والصغار والندامة حيث لم يقولوه في الدنيا اليوم تجزى كل نفس ~~بما كسبت يعني يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته لا ظلم اليوم أي إن ~~الخلق آمنون في ذلك اليوم من الظلم لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد إن ~~الله سريع الحساب أي إنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب بل يحاسب الخلق كلهم ~~في وقت واحد. # قوله تعالى: وأنذرهم يوم الآزفة يعني يوم القيامة سميت آزفة لقرب وقتها ~~وكل ما هو آت فهو قريب إذ القلوب لدى الحناجر وذلك أنها تزول عن أماكنها من ~~الخوف حتى تصير إلى الحناجر فلا هي تعود إلى أماكنها ولا هي تخرج من ~~أفواههم فيموتوا ويستريحوا كاظمين أي مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا حتى يضيق ~~القلب عنه ما للظالمين من حميم أي من قريب ينفعهم ولا شفيع أي يشفع لهم ~~يطاع أي فيهم يعلم خائنة الأعين أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل ~~وقيل هو نظر الأعين لما نهى الله عنه وما تخفي الصدور أي يعلم مضمرات ms3029 ~~القلوب. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 20 الى 26] # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع ~~البصير (20) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) # فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) وقال فرعون ذروني أقتل موسى ~~وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) # والله يقضي بالحق أي يحكم بالعدل والذين يدعون من دونه يعني الأصنام لا ~~يقضون بشيء لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء إن الله هو السميع أي ~~لأقوال الخلق البصير بأفعالهم أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض أي المعنى أن ~~العاقل من اعتبر بغيره فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء ~~فلم تنفعهم قوتهم فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق أي يدفع ~~عنهم العذاب ذلك أي ذلك العذاب الذي نزل بهم بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب قوله عز وجل: ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا قالوا يعني # PageV04P071 # فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه قيل هذا القتل غير القتل الأول ~~لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوالدان فلما بعث موسى عليه الصلاة والسلام ~~أعاد القتل عليهم فمعناه أعيدوا عليهم القتل واستحيوا نساءهم أي استحيوا ~~النساء ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى عليه الصلاة والسلام ومظاهرته وما كيد ~~الكافرين أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم ms3030 إلا في ضلال أي يذهب كيدهم ~~باطلا ويحيق بهم ما يريده الله تعالى وقال فرعون أي لملئه ذروني أقتل موسى ~~وإنما قال فرعون هذا لأنه كان في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى وإنما ~~منعوه عن قتله لأنه كان فيهم من يعتقد بقلبه أنه كان صادقا، وقيل قالوا لا ~~تقتله فإنه هو ساحر ضعيف فلا يقدر أن يغلب سحرنا وإن قتلته قالت العامة كان ~~محقا صادقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه وليدع ربه أي وليدع موسى ربه الذي يزعم ~~أنه أرسله إلينا فيمنعه منا إني أخاف أن يبدل دينكم يعني يقول فرعون أخاف ~~أن يغير دينكم الذي أنتم عليه أو أن يظهر في الأرض الفساد يعني بذاك تغيير ~~الدين وتبديله وعبادة غيره. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 27 الى 29] # وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) وقال ~~رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي ~~يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين ~~في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ~~وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) # وقال موسى يعني لما توعده فرعون بالقتل إني عذت بربي وربكم يعني أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام لم يأت في دفع الشدة إلا بأن استعاذ بالله واعتمد عليه ~~فلا جرم أن صانه الله عن كل بلية من كل متكبر أي متعظم عن الإيمان لا يؤمن ~~بيوم الحساب قوله عز وجل: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه قيل كان ~~ابن عم فرعون وقيل كان من القبط وقيل كان من بني إسرائيل، فعلى هذا يكون ~~معنى الآية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسم هذا المؤمن ~~حزبيل عند ابن عباس وأكثر العلماء وقال إسحاق كان اسمه جبريل وقيل حبيب ~~أتقتلون ms3031 رجلا أن يقول أي لأن يقول ربي الله وهذا استفهام إنكار وهو إشارة ~~إلى التوحيد وقوله وقد جاءكم بالبينات من ربكم فيه إشارة إلى تقرير نبوته ~~بإظهار المعجزة والمعنى وقد جاءكم بما يدل على صدقه وإن يك كاذبا فعليه ~~كذبه أي لا يضركم ذلك إنما يعود وبال كذبه عليه وإن يك صادقا أي فكذبتموه ~~يصبكم بعض الذي يعدكم قيل معناه يصبكم الذي يعدكم إن قتلتموه وهو صادق، ~~وقيل بعض على أصلها ومعناه كأنه قاله على طريق الاحتجاج أقل ما في صدقه أن ~~يصيبكم بعض الذي يعدكم وفيه هلاككم فذكر البعض ليوجب الكل إن الله لا يهدي ~~يعني إلى دينه من هو مسرف كذاب أي على الله تعالى (خ) عن عروة بن الزبير ~~قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء ~~الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من ربكم. # قوله عز وجل: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض يعني غالبين في ~~الأرض أي أرض مصر فمن ينصرنا يعني يمنعنا من بأس الله إن جاءنا والمعنى لكم ~~الملك فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب ~~الله تعالى إن حل بكم قال فرعون ما أريكم أي من الرأي والنصيحة إلا ما أرى # PageV04P072 # يعني لنفسي وما أهديكم إلا سبيل الرشاد أي ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى ~~ثم حكى الله تعالى أن مؤمن آل فرعون رد على فرعون هذا الكلام وخوفه أن يحل ~~به ما حل بالأمم قبله بقوله: # ### || [سورة غافر (40): الآيات 30 الى 34] # وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل ms3032 دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم ~~إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما ~~زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك ~~يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) # وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم يعني مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى ~~أتاهم العذاب وما الله يريد ظلما للعباد يعني لا يهلكهم إلا بعد إقامة ~~الحجة عليهم ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يعني يوم القيامة سمي يوم ~~القيامة يوم التناد لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضا ~~فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة وينادى فيه ~~بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا وفلان ~~ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة ~~خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت وقيل ينادي المؤمن هاؤم اقرءوا ~~كتابيه وينادي الكافر يا ليتني لم أوت كتابيه وقيل يوم التناد يعني يوم ~~التنافر من ند البعير إذا نفر وهرب وذلك أنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا ~~هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا عليه فيرجعون إلى ~~المكان الذي كانوا فيه يوم تولون مدبرين يعني منصرفين عن موقف الحساب إلى ~~النار ما لكم من الله من عاصم يعني يعصمكم من عذابه ومن يضلل الله فما له ~~من هاد يعني يهديه ولقد جاءكم يوسف يعني يوسف بن يعقوب من قبل يعني من قبل ~~موسى بالبينات يعني قوله أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار قيل مكث ~~فيهم يوسف عشرين سنة نبيا وقيل إن فرعون يوسف هو فرعون موسى وقيل هو ms3033 فرعون ~~آخر فما زلتم في شك مما جاءكم به قال ابن عباس من عبادة الله وحده لا شريك ~~له والمعنى أنهم بقوا شاكين في نبوته لم ينتفعوا بتلك البينات التي جاءهم ~~بها حتى إذا هلك يعني مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا يعني أقمتم على ~~كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي ~~والتمني من غير حجة ولا برهان عليه بل قالوا ذلك ليكون لهم أساسا في تكذيب ~~الأنبياء الذين يأتون بعده وليس قولهم لن يبعث الله من بعده رسولا تصديقا ~~لرسالة يوسف كيف وقد شكوا فيها وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضمون إلى ~~التكذيب لرسالته كذلك يضل الله من هو مسرف يعني في شركه وعصيانه مرتاب يعني ~~في دينه. # PageV04P073 # ### || [سورة غافر (40): الآيات 35 الى 40] # الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا ~~هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد ~~فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ~~(38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) # الذين يجادلون في آيات الله قيل هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين ~~يجادلون في إبطال آيات الله بالتكذيب بغير سلطان أي بغير حجة وبرهان أتاهم ~~من الله كبر أي ذلك الجدال مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله ~~على كل قلب متكبر جبار قوله عز وجل: وقال فرعون يعني لوزيره يا هامان ابن ~~لي صرحا يعني بناء ظاهرا لا يخفى على الناظرين وإن بعد وقد تقدم ذكره في ~~سورة القصص لعلي أبلغ الأسباب ms3034 أسباب السماوات يعني طرقها وأبوابها من سماء ~~إلى سماء فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه يعني موسى كاذبا أي فيما يدعي ~~ويقول إن له ربا غيري وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما صده الله تعالى عن سبيل الهدى وقرئ وصد بالفتح أي وصد ~~فرعون الناس عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب أي وما كيده في إبطال ~~آيات موسى إلا في خسار وهلاك. # قوله تعالى: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد أي طريق ~~الهدى يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع أي متعة ينتفعون بها مدة ثم ~~تنقطع وإن الآخرة هي دار القرار يعني التي لا تزول والمعنى أن الدنيا فانية ~~منقرضة لا منفعة فيها وأن الآخرة باقية دائمة والباقي خير من الفاني، قال ~~بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة ~~خيرا من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها قيل معناه من عمل الشرك فجزاؤه جهنم خالدا فيها ومن عمل بالمعاصي ~~فجزاؤه العقوبة بقدرها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب يعني لا تبعة عليهم فيما يعطون في ~~الجنة من الخير وقيل يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير. ### || [سورة غافر (40): الآيات 41 الى 46] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا ~~جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى ~~الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب (45) # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب (46) # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ms3035 معناه أنا أدعوكم ~~إلى الإيمان الذي يوجب النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى الشرك الذي يوجب ~~النار ثم فسر ذلك فقال تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم أي ~~لا أعلم أن الذي تدعونني إليه إله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله ~~الحق ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بين أنه يدعوهم إلى الإيمان ~~بقوله وأنا أدعوكم إلى العزيز أي في انتقامه ممن كفر الغفار أي لذنوب أهل ~~التوحيد لا جرم يعني حقا أنما تدعونني إليه يعني الصنم ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا ولا في ~~الآخرة وقيل ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا ولا في الآخرة لأن الأصنام ~~لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها وأن ~~مردنا إلى الله يعني مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحقه وأن المسرفين ~~يعني المشركين # PageV04P074 # هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم أي إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم ~~الذكر وأفوض أمري إلى الله أي أرد أمري إلى الله وذلك أنهم توعدوه لمخالفته ~~دينهم إن الله بصير بالعباد يعني يعلم المحق من المبطل ثم خرج المؤمن من ~~بينهم فطلبوه فلم يقدروا عليه وذلك قوله تعالى: فوقاه الله سيئات ما مكروا ~~يعني ما أرادوا به من الشر قيل إنه نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام وكان ~~قبطيا وحاق يعني نزل بآل فرعون سوء العذاب يعني الغرق في الدنيا والنار في ~~الآخرة وذلك قوله تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا يعني صباحا ومساء ~~قال ابن مسعود «أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم ~~مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم ~~الساعة» وقيل تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا. # ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر أعاذنا الله تعالى منه بمنه ~~وكرمه (ق) عن عبد الله بن عمر ms3036 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ~~أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل ~~الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حين يبعثك الله ~~تعالى إليه يوم القيامة» ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال ~~تعالى: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون ~~أشد العذاب قال ابن عباس ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ ~~أغرقوا. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 47 الى 52] # وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا ~~بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) # قوله تعالى: وإذ يتحاجون أي واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون يعني أهل ~~النار في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا أي في ~~الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا يعني الرؤساء ~~والقادة إنا كل فيها يعني نحن وأنتم إن الله قد حكم بين العباد أي قضى ~~علينا وعليكم وقال الذين في النار يعني حين اشتد عليهم العذاب لخزنة جهنم ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا يعني الخزنة أولم تك تأتيكم ~~رسلكم بالبينات يعني لا عذر لكم بعد مجيء الرسل قالوا بلى أي اعترفوا بذلك ~~قالوا فادعوا يعني أنتم إنا لا ندعوا لكم لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم ~~العذاب قال الله تعالى: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال يعني يبطل ويضل ولا ~~ينفعهم. # قوله عز وجل: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ms3037 الحياة الدنيا قال ابن ~~عباس بالغلبة والقهر، وقيل بالحجة وقيل بالانتقام من الأعداء في الدنيا ~~والآخرة وكل ذلك حاصل لهم فهم منصورون بالحجة على من خالفهم تارة وقد نصرهم ~~الله بالقهر على من عاداهم وأهلك أعداءهم بالانتقام منهم كما نصر يحيى بن ~~زكريا لما قتل فإنه قتل به سبعين ألفا ويوم يقوم الأشهاد يعني وننصرهم يوم ~~القيامة يوم يقوم الأشهاد وهم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ ~~وعلى الكفار بالتكذيب يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم أي إن اعتذروا عن كفرهم ~~لم يقبل منهم ولهم اللعنة أي البعد من الرحمة ولهم سوء الدار يعني جهنم. # PageV04P075 # ### || [سورة غافر (40): الآيات 53 الى 57] # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي ~~الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) # ولقد آتينا موسى الهدى يعني النبوة وقيل التوراة وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب يعني التوراة وقيل سائر الكتب المنزلة على أنبيائهم هدى وذكرى لأولي ~~الألباب قوله تعالى: فاصبر أي يا محمد على أذاهم إن وعد الله حق أي في ~~إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي نسخت آية القتال آية الصبر واستغفر ~~لذنبك يعني الصغائر وهذا على قول من يجوزها على الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وقيل يعني على ترك الأولى والأفضل وقيل على ما صدر منه قبل النبوة ~~وعند من لا يجوز الصغائر على الأنبياء يقول هذا تعبد من الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم ليزيده درجة ولتصير سنة لغيره من بعده وذلك لأن مجامع ~~الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي والأول ~~مقدم وهو التوبة من الذنوب والثاني الاشتغال بالطاعات وهو قوله تعالى: # وسبح بحمد ربك أي نزه ربك عما لا يليق بجلاله وقيل صل شاكرا لربك ms3038 بالعشي ~~والإبكار يعني صلاة العصر وصلاة الفجر وقال ابن عباس الصلوات الخمس إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم يعني كفار قريش إن في صدورهم ~~يعني ما في قلوبهم إلا كبر قال ابن عباس ما حملهم على تكذيبك إلا ما في ~~صدورهم من الكبر والعظمة ما هم ببالغيه يعني ببالغي مقتضى ذلك الكبر وقيل ~~معناه إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن يغلبوه ~~وما هم ببالغي ذلك وقيل نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ ~~سلطانه البر والبحر ويرد الملك إلينا قال الله تعالى: # فاستعذ بالله أي من فتنة الدجال إنه هو السميع يعني لأقوالهم البصير يعني ~~بأفعالهم. # قوله عز وجل: لخلق السماوات والأرض يعني مع عظمهما أكبر من خلق الناس أي ~~من إعادتهم بعد الموت والمعنى أنهم مقرون أن الله تعالى خلق السموات والأرض ~~وذلك أعظم في الصدور من خلق الناس فكيف لا يقرون بالبعث بعد الموت ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون يعني أن الكفار لا يعلمون حيث لا يستدلون بذلك على ~~توحيد خالقها، وقال قوم معنى أكبر من خلق الناس أي أعظم من خلق الدجال ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال. # (فصل في ذكر الدجال) (م) عن هشام بن عروة قال سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» معناه أكبر ~~فتنة وأعظم شوكة من الدجال (ق) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال إنه أعور العين اليمنى كأنها عنبة ~~طافئة» ولأبي داود والترمذي عنه قال «قام النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من ~~نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني سأقول ms3039 لكم فيه قولا لم ~~يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور» (ق) عن أنس رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من نبي إلا وقد أنذر قومه ~~الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر» وفي ~~رواية لمسلم «بين عينيه كافر ثم تهجى ك ف ر ويقرؤه كل مسلم» عن أسماء بنت ~~يزيد الأنصارية قالت «كان # PageV04P076 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال، فقال إن بين يديه ~~ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها. # والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها. والثالثة تمسك ~~السماء قطرها كله والأرض نباتها كله نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ضرس ~~من البهائم إلا هلكت ومن أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: # أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك قال: فيقول: بلى، فيتمثل ~~الشيطان نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه أسنمة ويأتي الرجل قد مات ~~أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك ألست تعلم أني ربك ~~فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أخيه ونحو أبيه قالت: ثم خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم قالت ~~وأخذ بلحمتي الباب فقال مهيم أسماء فقلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا ~~بذكر الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفتي على كل ~~مؤمن، قالت أسماء: # فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينا فما نخبزه حتى نجوع فكيف ~~بالمؤمنين يومئذ، قال: يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس» وفي ~~رواية عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم «يمكث الدجال في الأرض ~~أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام ~~السعفة في النار» هذا حديث أخرجه البغوي بسنده والذي جاء في صحيح مسلم قال ~~«قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض قال أربعون يوما ms3040 يوم كسنة ويوم كشهر ~~ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه قلنا يا رسول الله فذاك اليوم الذي ~~كسنة أتكفينا له صلاة يوم قال لا اقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما ~~إسراعه في الأرض قال كالغيث استذرته الريح» وفي رواية أبي داود عنه «فمن ~~أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته وفيه ثم ~~ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند ~~باب لد فيقتله» (ق) عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد ~~والذي يرى الناس أنه ماء فنار محرقة فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى ~~أنه نار فإنه ماء عذب بارد» (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي ~~قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي ~~النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» (ق) «عن المغيرة بن شعبة قال «ما سأل ~~أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي ما يضرك ~~قلت إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك» عن ~~عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من سمع بالدجال فلينأ ~~منه فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به الشبهات ~~أو قال لما يبعث به من الشبهات» أخرجه أبو داود (ق) عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس ~~نقب من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف ~~المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق» (م) عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ms3041 صلى الله عليه وسلم قال «يأتي المسيح من ~~قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل ~~الشام وهناك يهلك» عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «الدجال يخرج بأرض بالمشرق يقال لها خراسان ~~يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب ~~(م). عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة» عن مجمع بن جارية ~~الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يقتل ابن مريم ~~الدجال بباب لد» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. قال الشيخ محيي الدين ~~النووي: قال القاضي عياض هذه الأحاديث التي وردت في قصة الدجال حجة للمذهب ~~الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده فأقدره على ~~أشياء من المقدورات من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب ~~معه وجنته وناره وإتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض ~~أن تنبت فتنبت ويقع كل ذلك بقدرة الله تعالى وفتنته ثم يعجزه الله تعالى ~~بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره # PageV04P077 # ويقتله عيسى ابن مريم عليه السلام ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، ~~هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من ~~الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للجبائي المعتزلي وموافقيه من ~~الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها ~~مخاريق وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنها لو كانت حقا لضاهت معجزات ~~الأنبياء وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون # ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الربوبية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة ~~حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينه ~~وعن إزالة الشاهة بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل لا ms3042 يغتر به إلا ~~عوام من الناس لشدة الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو خوفا من فتنته لأن ~~فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب ولهذا حذرت الأنبياء من فتنته ~~فأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون بما معه لما سبق من العلم بحاله ~~ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلا بصيرة قوله «قلت يا ~~رسول الله إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله تعالى ~~من ذلك» معناه هذا أهون على الله تعالى من أن يجعل ما خلقه الله عز وجل على ~~يده مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوبهم بل إنما جعله الله له ليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين وليس معناه أنه ليس معه شيء من ~~ذلك لأنه ثبت في الحديث أن معه ماء ونارا فماؤه نار وناره ماء بارد والله ~~تعالى أعلم. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 58 الى 60] # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~(59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) # قوله عز وجل: وما يستوي الأعمى والبصير أي الجاهل والعالم والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولا المسيء أي لا يستوون قليلا ما تتذكرون إن الساعة يعني ~~القيامة لآتية لا ريب فيها أي لا شك في قيامها ومجيئها ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت، قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم فلما عبر عن العبادة ~~بالدعاء جعل الإثابة استجابة عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول على المنبر «الدعاء هو العبادة ثم قرأ وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أخرجه ~~أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله ms3043 صلى الله عليه وسلم «من لم يسأل الله يغضب عليه» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث غريب عن أنس بن مالك قال «الدعاء مخ العبادة» أخرجه الترمذي وعنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب فإن قلت كيف قال ادعوني أستجب لكم وقد يدعو الإنسان ~~كثيرا فلا يستجاب له، قلت الدعاء له شروط منها الإخلاص في الدعاء وأن لا ~~يدعو وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان ~~وأن لا يكون فيه قطيعة رحم فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقا بالإجابة ~~فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من رجل يدعو الله ~~تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له به في الدنيا وإما أن يدخر له ~~في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة ~~رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل قال يقول دعوت ربي فما ~~استجاب لي» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقيل الدعاء هو الذكر والسؤال إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي أي عن توحيدي وقيل دعائي سيدخلون جهنم داخرين أي ~~صاغرين ذليلين. # PageV04P078 # ### || [سورة غافر (40): الآيات 61 الى 69] # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا ~~هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب ms3044 العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من ~~قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ~~أنى يصرفون (69) # قوله عز وجل: الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه أي لتحصل لكم الراحة ~~فيه بسبب النوم والسكون والنهار مبصرا أي لتحصل لكم فيه مكنة التصرف في ~~حوائجكم ومهماتكم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~ذلكم الله ربكم أي ذلكم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو ~~الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية ~~والربوبية وخلق الأشياء كلها وأنه لا شريك له في ذلك فأنى تؤفكون أي فأنى ~~تصرفون عن الحق كذلك أي كما أفكنتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا أي فراشا ~~لتستقروا عليها وقيل منزلا في حال الحياة وبعد الموت والسماء بناء أي سقفا ~~مرفوعا كالقبة وصوركم فأحسن صوركم أي خلقكم فأحسن خلقكم قال ابن عباس خلق ~~ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه ورزقكم ~~من الطيبات قيل هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق ~~الدواب ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي وهذا يفيد الحصر أي ~~لا حي إلا هو فوجب أن يحمل ذلك على الذي يمتنع أن يموت امتناعا تاما ثابتا ~~وهو الله تعالى الذي لا يوصف بالحياة الكاملة إلا هو، والحي هو المدرك ~~الفعال لما يريد وهذه إشارة إلى العلم التام والقدرة التامة ولما نبه على ~~هذه الصفات نبه على كمال الوحدانية بقوله لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين أي فادعوه واحمدوه، قال ابن عباس من ms3045 قال لا ~~إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب ~~العالمين وذلك حين دعي إلى الكفر أمره الله تعالى أن يقول ذلك. # قوله تعالى: هو الذي خلقكم من تراب يعني أصلكم آدم وقيل يحتمل أن كل ~~إنسان خلق من تراب لأنه خلق من النطفة وهي من الأغذية والأغذية من النبات ~~والنبات من التراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ثم لتكونوا شيوخا يعني أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث ~~الطفولية وهي حالة النمو والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف ثم ~~يتناقص بعد ذلك وهي الشيوخة ومنكم من يتوفى من قبل أي من قبل أن يصير شيخا ~~ولتبلغوا أي جميعا أجلا مسمى أي وقتا محدود لا تجاوزونه يعني # PageV04P079 # أجل الحياة إلى الموت ولعلكم تعقلون أي ما في هذه الأحوال العجيبة من ~~القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون أي يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ذلك ~~من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على ~~قدرته كأنه قال من الاقتدار إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله يعني القرآن أنى ~~يصرفون أي عن دين الحق وقيل نزلت في القدرية. # ### || [سورة غافر (40): الآيات 70 الى 78] # الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال ~~في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل ~~لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا ~~من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر ms3046 إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) # الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون فيه وعيد وتهديد ~~ثم وصف ما أوعدهم به فقال تعالى: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ~~يعني يجرون بتلك السلاسل في الحميم ثم في النار يسجرون يعني توقد بهم النار ~~ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله يعني الأصنام قالوا ضلوا عنا أي ~~فقدناهم فلم نرهم بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا قيل إنهم أنكروا عبادتها، ~~وقيل لم نكن ندعوا شيئا ينفع ويضر، وقيل ضاعت عبادتنا لها فكأنا لم نكن ~~ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين أي كما أضل هؤلاء ذلكم أي العذاب ~~الذي نزل بكم بما كنتم تفرحون أي تبطرون وتأشرون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون أي تختالون وتفرحون به ادخلوا أبواب جهنم يعني السبعة خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين يعني عن الإيمان. # قوله تعالى: فاصبر إن وعد الله حق الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ~~بنصرك على الأعداء فإما نرينك بعض الذي نعدهم أي من العذاب في حياتك أو ~~نتوفينك أي قبل أن يحل ذلك بهم فإلينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~منهم من قصصنا عليك أي خبره وحاله في القرآن ومنهم من لم نقصص عليك أي لم ~~نذكر لك حال الباقين منهم وليس منهم أحد إلا أعطاه الله تعالى آيات ~~ومعجزات، وقد جادله قومه وكذبوه فيها وما جرى عليهم يقارب ما جرى عليك ~~فصبروا وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله يعني بأمره وإرادته فإذا جاء أمر الله أي قضاؤه بين الأنبياء ~~والأمم قضي بالحق يعني بالعدل وخسر هنالك المبطلون يعني الذين يجادلون في ms3047 ~~آيات الله بغير حق وفيه وعيد وتهديد لهم. # PageV04P080 ### || [سورة غافر (40): الآيات 79 الى 85] # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها ~~منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر ~~هنالك الكافرون (85) # قوله تعالى: الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم ~~فيها منافع أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ولتبلغوا عليها حاجة ~~في صدوركم أي تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد في أسفاركم وحاجاتكم وعليها وعلى ~~الفلك تحملون أي على الإبل في البر وعلى السفن في البحر يريكم آياته # أي دلائل قدرته أي آيات الله تنكرون # يعني أن هذه الآيات التي ذكرها ظاهرة باهرة فليس شيء منها يمكن إنكاره. # قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض يعني مصانعهم وقصورهم والمعنى لو ~~سار هؤلاء في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة هؤلاء المنكرين المتمردين الهلاك ~~والبوار مع أنهم كانوا أكثر عددا وأموالا من هؤلاء فما أغنى عنهم أي لم ~~ينفعهم ما كانوا يكسبون أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا أي رضوا بما عندهم من العلم قيل هو قولهم لن نبعث ولن نعذب ~~وقيل هو علمهم بأحوال الدنيا سمي ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه وهو في ~~الحقيقة جهل وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فلما رأوا بأسنا أي عذابنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين أي تبرأنا مما كنا نعدل ms3048 بالله ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده يعني ~~أن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة البأس ~~وهو العذاب يعني بتلك السنة أنهم إذا رأوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم ~~عند معاينة العذاب وخسر هنالك الكافرون يعني بذهاب الدارين قيل الكافر خاسر ~~في كل وقت ولكنه يتبين خسرانه إذا رأى العذاب والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P081 ### | سورة فصلت # وتسمى سورة السجدة وسورة المصابيح مكية وهي أربع وخمسون آية وسبعمائة وست ~~وتسعون كلمة وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة ~~وهم بالآخرة هم كافرون (7) # قوله عز وجل: حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته أي بينت وميزت ~~وجعلت معاني مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد قرآنا عربيا أي ~~باللسان العربي لقوم يعلمون أي إنما أنزلناه على العرب بلغتهم ليفهموا منه ~~والمراد ولو كان بغير لسانهم ما فهموه بشيرا ونذيرا نعتان للقرآن أي بشيرا ~~لأولياء الله بالثواب ونذيرا لأعدائه بالعقاب فأعرض أكثرهم أي عنه فهم لا ~~يسمعون أي لا يصغون إليه تكبرا وقالوا يعني مشركي مكة قلوبنا في أكنة أي ~~أغطية مما تدعونا إليه أي فلا نفقه ما تقول وفي آذاننا وقر أي صمم فلا نسمع ~~ما تقول والمعنى أنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ومن ~~بيننا وبينك حجاب أي خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول ~~فاعمل أي أنت على دينك إننا عاملون أي على ديننا قل ms3049 يا محمد إنما أنا بشر ~~مثلكم أي كواحد منكم يوحى إلي أي لولا الوحي ما دعوتكم، قال الحسن: علمه ~~الله تعالى التواضع أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه أي توجهوا إليه ~~بطاعته ولا تميلوا عن سبيله واستغفروه أي من ذنوبكم وشرككم وويل للمشركين ~~الذين لا يؤتون الزكاة قال ابن عباس: لا يقولون لا إله إلا الله لأنها زكاة ~~الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقيل: لا يقرون ~~بالزكاة المفروضة ولا يرون إتيانها واجبا يقال الزكاة قنطرة الإسلام فمن ~~قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقيل: معناه لا ينفقون في طاعة الله ولا ~~يتصدقون، وقيل: لا يزكون أعمالهم وهم بالآخرة هم كافرون أي جاحدون بالبعث ~~بعد الموت. # PageV04P082 # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 8 الى 11] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) قل أإنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها ~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ~~(10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين (11) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قال ابن عباس: غير ~~مقطوع، وقيل: غير منقوص، وقيل: غير ممنون عليهم به، وقيل: غير محسوب. قيل ~~نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن العمل والطاعة يكتب ~~لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه (خ) عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول «إذا كان العبد يعمل عملا ~~صالحا فشغله عنه مرض أو سفر كتب الله تعالى له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح ~~مقيم». # قوله عز وجل: قل أإنكم استفهام بمعنى الإنكار وذكر عنهم شيئين منكرين ~~أحدهما الكفر بالله تعالى وهو قوله تعالى لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وثانيهما وتجعلون له أندادا إثبات الشركاء والأنداد له والمعنى كيف يجوز ~~جعل هذه الأصنام الخسيسة أندادا لله تعالى مع أنه تعالى ms3050 هو الذي خلق الأرض ~~في يومين يعني الأحد والاثنين ذلك رب العالمين أي هو رب العالمين وخالقهم ~~المستحق للعبادة لا الأصنام المنحوتة من الخشب والحجر وجعل فيها رواسي أي ~~جبالا ثوابت من فوقها أي من فوق الأرض وبارك فيها أي في الأرض بكثرة ~~الخيرات الحاصلة فيها وهو ما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار ~~وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه وقدر فيها أقواتها أي قسم في الأرض ~~أرزاق العباد والبهائم وقيل قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش ~~بعضهم من بعض بالتجارة وقيل قدر البر لأهل قطر من الأرض والتمر لأهل قطر ~~آخر والذرة لأهل قطر والسمك لأهل قطر وكذلك سائر الأقوات. # قيل إن الزراعة أكثر الحرف بركة لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض قال ~~الله تعالى: وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام أي مع اليومين الأولين فخلق ~~الأرض في يومين وقدر الأقوات في يومين وهما يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ~~فصارت أربعة أيام رد الآخر على الأول في الذكر سواء للسائلين معناه سواء ~~لمن سأل عن ذلك أي فهكذا الأمر سواء لا زيادة فيه ولا نقصان جوابا لمن سأل ~~في كم خلقت الأرض والأقوات ثم استوى إلى السماء أي عمد إلى خلق السماء وهي ~~دخان ذلك الدخان كان بخار الماء، قيل كان العرش قبل خلق السموات والأرض على ~~الماء فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات والأرض أمر الريح فضربت الماء ~~فارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه السماء ثم أيبس الماء فخلقه أرضا واحدة ~~ثم فتقها فجعلها سبعا. # فإن قلت هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء وقوله والأرض ~~بعد ذلك دحاها مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء فكيف الجمع بينهما. # قلت الجواب المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء بعدها ثم بعد ~~خلق السماء دحا الأرض ومدها. # وجواب آخر وهو أن يقال إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض فعلى هذا يكون ~~معنى الآية خلق الأرض في ms3051 يومين، وليس الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط ~~بل هو عبارة عن التقدير أيضا فيكون المعنى قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد ~~إحداث السماء فعلى هذا يزول الإشكال والله أعلم بالحقيقة فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها أي ائتيا ما أمرتكما به أي افعلاه وقيل افعلا ما ~~أمرتكما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع قالتا ~~أتينا طائعين معناه أتينا بما فينا طائعين فلما وصفهما بالقول أجراهما في ~~الجمع مجرى من يعقل. # PageV04P083 # قيل قال الله تعالى لهما أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد ~~أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ~~ثمرك ونباتك. # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 12 الى 14] # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا ~~تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ~~(14) # وقوله تعالى: فقضاهن سبع سماوات أي أتمهن وفرغ من خلقهن في يومين وهما ~~الخميس والجمعة وأوحى في كل سماء أمرها قال ابن عباس خلق في كل سماء خلقا ~~من الملائكة وخلق ما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى وقيل أوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي وزينا السماء الدنيا ~~أي التي تلي الأرض بمصابيح أي بكواكب تشرق كالمصابيح وحفظا أي وجعلناها ~~يعني الكواكب حفظا للسماء من الشياطين الذين يسترقون السمع ذلك أي الذي ذكر ~~من صنعه وخلقه تقدير العزيز أي في ملكه العليم أي بخلقه وفيه إشارة إلى ~~كمال القدرة والعلم. # قوله تعالى: فإن أعرضوا يعني هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان ~~فقل أنذرتكم أي خوفتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أي هلاكا مثل هلاكهم ~~والصاعقة المهلكة من كل شيء إذ جاءتهم الرسل يعني إلى عاد وثمود من بين ms3052 ~~أيديهم يعني الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم ومن خلفهم يعني ومن بعد الرسل ~~الذين أرسلوا إلى آبائهم وهم الرسل الذين أرسلوا إليهم وهما هود وصالح ~~وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشا كانوا يمرون على بلادهم ألا أي بأن لا ~~تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يعني لو شاء ربنا دعوة ~~الخلق لأنزل ملائكة بدل هؤلاء الرسل فإنا بما أرسلتم به كافرون روى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله قال: «قال الملأ من قريش وأبو جهل قد ~~التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فأتاه ~~فكلمه ثم أتينا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر ~~والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فلما ~~خرج إليه قال: يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم ~~عبد الله فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كان ما بك للرياسة عقدنا لك ~~ألويتنا فكنت رئيسا ما بقيت وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن من ~~أي بنات قريش وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته إلى قوله تعالى فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم ~~ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش ~~والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة ~~أصابته فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما ~~حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من ~~أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمدا أبدا وقال: ms3053 ~~والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة ~~فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله ~~تعالى فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسكت بفيه ~~وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ~~ينزل بكم العذاب» وقال محمد بن كعب القرظي: حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدا ~~حليما قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~وحده في المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا # PageV04P084 # لعله يقبل منا بعضها فنعطيه ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أن أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون قالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه ~~وكلمه فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي ~~إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب وإنك قد أتيت ~~قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت أحلامهم وعيبت آلهتهم وكفرت من مضى من ~~آبائهم فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها فقال صلى الله عليه وسلم قل ~~يا أبا الوليد فقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به مالا جمعنا لك ~~من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا وإن ~~كان هذا الذي بك رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب أو لعل هذا شعر جاش ~~به صدرك فنعذرك فإنكم لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر ~~عليه أحد حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقد فرغت يا ~~أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: فافعل، فقال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته ثم مضى فيها يقرأ فلما ~~سمعها عتبة أنصت وألقى يده خلف ظهره معتمدا عليها يستمع منه ms3054 حتى انتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد ثم قال أسمعت يا أبا الوليد فأنت ~~وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو ~~الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا ~~الوليد قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط ما هو بشعر ولا ~~بسحر ولا كهانة يا معشر قريش أطيعوني يا معشر قريش خلوا بين هذا الرجل وبين ~~ما هو فيه واعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ فإن تصبه العرب ~~فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وأنتم أسعد ~~الناس به قالوا سحرك والله محمد يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي لكم ~~فاصنعوا ما بدا لكم». # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 15 الى 16] # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) # قوله عز وجل: فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة وذلك أن هودا هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل ~~قوتنا وكانوا ذوي أجسام طوال قال الله تعالى ردا عليهم أولم يروا أي أو لم ~~يعلموا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا أي عاصف شديد الصوت وقيل هي الريح الباردة فقيل إن الريح ~~ثمانية، فأربع منها عذاب وهي الريح الصرصر والعاصف والقاصف والعقيم وأربع ~~منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات قيل أرسل عليهم من ~~الريح على قدر خرق الخاتم فأهلكوا جميعا في أيام نحسات أي نكدات مشؤومات ~~ذات نحس وقيل ذات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه وقيل أمسك الله عز وجل ~~عنهم المطر ثلاث سنين ودأبت عليهم الريح من ms3055 غير مطر لنذيقهم عذاب الخزي أي ~~عذاب الذل والهوان وذلك مقابل لقوله فاستكبروا في الأرض بغير الحق في ~~الحياة الدنيا أي ذلك الذي نزل بهم من الخزي والهوان في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أخزى أي أشد إهانة وهم لا ينصرون أي لا يمنعون من العذاب. ### || [سورة فصلت (41): آية 17] # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون (17) # وأما ثمود فهديناهم قال ابن عباس بينا لهم سبيل الهدى وقيل دللناهم على ~~الخير والشر فاستحبوا العمى على الهدى أي اختاروا الكفر على الإيمان ~~فأخذتهم صاعقة العذاب الهون أي ذي الهوان بما كانوا يكسبون أي من الشرك. # PageV04P085 # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 18 الى 24] # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ~~فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد ~~عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون (22) # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون أي يتقون الشرك والأعمال الخبيثة وهم ~~صالح ومن آمن معه من قومه. # قوله تعالى: ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون أي يساقون ~~ويدفعون وقيل يحبس أولهم حتى يلحق آخرهم حتى إذا ما جاؤها يعني النار شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم أي بشراتهم وقيل فروجهم بما كانوا يعملون ~~معناه أن الجوارح تنطق بما كتمت الألسن من عملهم (م) عن أنس رضي الله تعالى ~~عنه قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: هل تدرون مم ~~أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه عز وجل يقول يا رب ألم ~~تجرني من الظلم، قال فيقول بلى فيقول فإني لا أجيز اليوم على ms3056 نفسي إلا ~~شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين عليك ~~شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأعضائه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» وقالوا يعني الكفار ~~الذين يجرون إلى النار لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء معناه أن القادر الذي خلقكم أول مرة في الدنيا وأنطقكم ثم أعادكم ~~بعد الموت قادر على إنطاق الأعضاء والجوارح وهو قوله تعالى: وهو خلقكم أول ~~مرة وإليه ترجعون وقيل تم الكلام عند قوله الذي أنطق كل شيء ثم ابتدأ بقوله ~~وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وقيل إنه ليس من جواب الجلود وما كنتم ~~تستترون أي تستخفون وقيل معناه تظنون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم والمعنى أنكم لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ولا تظنون أنها ~~تشهد عليكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما ~~يظهر (ق). عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «اجتمع عند البيت ~~ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم ~~أترون أن الله تعالى يسمع ما نقول قال الآخر يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إن ~~أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا فأنزل الله ~~تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون # قيل الثقفي هو عبد ياليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية. # قوله تعالى: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أي ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون أرداكم أي أهلككم قال ابن عباس طرحكم في النار فأصبحتم من ~~الخاسرين ثم أخبر عن حالهم بقوله تعالى فإن يصبروا فالنار مثوى لهم أي مسكن ~~وإن يستعتبوا أي يسترضوا ويطلبوا العتبى والمعتب ms3057 هو الذي قبل عتابه وأجيب ~~إلى ما سأل فما هم من المعتبين أي المرضيين. # PageV04P086 # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 25 الى 29] # وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء ~~الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال ~~الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ~~ليكونا من الأسفلين (29) # وقيضنا لهم أي بعثنا ووكلنا وقيل هيأنا لهم وسببنا لهم قرناء أي نظراء من ~~الشياطين حتى أضلوهم فزينوا لهم ما بين أيديهم أي من أمر الدنيا حتى آثروهم ~~على الآخرة وما خلفهم أي فدعوهم إلى التكذيب بالآخرة وإنكار البعث وقيل ~~حسنوا لهم أعمالهم القبيحة الماضية والمستقبلة وحق عليهم القول أي وجب في ~~أمم أي مع أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين قوله ~~تعالى: وقال الذين كفروا يعني مشركي قريش لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~قال ابن عباس: والغطوا فيه من اللغط وهو كثرة الأصوات كان بعضهم يوصي إلى ~~بعض إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر وقيل أكثروا الكلام حتى ~~يتخلط عليه ما يقول وقيل والغوا فيه بالمكاء والصفير وقيل صيحوا في وجهه ~~لعلكم تغلبون يعني محمدا على قراءته فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ~~ولنجزينهم أسوأ يعني بأسوأ الذي كانوا يعملون أي في الدنيا وهو الشرك ذلك ~~أي الذي ذكر من العذاب جزاء أعداء الله ثم بين ذلك الجزاء فقال النار لهم ~~فيها دار الخلد أي دار الإقامة لا انتقال لهم عنها جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون وقال الذين كفروا أي في النار ربنا أي يقولون يا ربنا أرنا الذين ~~أضلانا من الجن والإنس يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا ~~المعصية نجعلهما تحت أقدامنا ms3058 أي في النار ليكونا من الأسفلين أي في الدرك ~~الأسفل من النار وقال ابن عباس: ليكونا أشد عذاب منا. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 30 الى 33] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا ~~من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين (33) # قوله عز وجل: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قال أهل التحقيق كمال ~~الإنسان أن يعرف الحق لذاته لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية معرفة ~~الله تعالى وإليه الإشارة بقوله إن الذين قالوا ربنا الله ورأس الأعمال ~~الصالحة أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط ~~والتفريط فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد فتكون في الأعمال الصالحة. ~~سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: # أن لا تشرك بالله شيئا وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الاستقامة ~~أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. # وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: استقاموا أخلصوا في العمل، وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: # أدوا الفرائض، وهو قول ابن عباس. وقيل استقاموا على أمر الله فعملوا ~~بطاعته واجتنبوا معاصيه، وقيل: # استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله وكان الحسن إذا ~~تلا هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة تتنزل عليهم الملائكة ~~قال ابن عباس عند الموت وقيل إذا قاموا من قبورهم وقيل البشرى تكون في # PageV04P087 # ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث ألا تخافوا أي من الموت وقيل ~~لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا أي على ما خلفتم من ~~أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله وقيل لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فأنا ~~أغفرها لكم وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم أي ms3059 تقول الملائكة ~~عند نزولهم بالبشرى نحن أولياؤكم أي أنصاركم وأحباؤكم وقيل تقول لهم الحفظة ~~نحن كنا معكم في الحياة الدنيا # ونحن أولياؤكم في الآخرة # لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة ولكم فيها # أي في الجنة ما تشتهي أنفسكم # أي من الكرامات واللذات ولكم فيها ما تدعون # أي تتمنون نزلا أي رزقا والنزل رزق النزيل والنزيل هو الضيف من غفور رحيم ~~قال أهل المعاني كل هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية جارية مجرى النزل ~~والكريم إذا أعطى هذا النزل فما ظنك بما بعده من الألطاف والكرامة. # قوله تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله أي إلى طاعة الله تعالى وقيل ~~هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وقيل: هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه ودعا الناس إلى ما أجاب ~~إليه وعمل صالحا في إجابته وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرى أن هذه ~~الآية نزلت في المؤذنين وقيل إن كل من دعا إلى الله تعالى بطريق من الطرق ~~فهو داخل في هذه الآية. # وللدعوة إلى الله تعالى مراتب: # الأولى: دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الله تعالى بالمعجزات ~~وبالحجج والبراهين وبالسيف وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. # المرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى الله تعالى بالحجج والبراهين فقط ~~والعلماء أقسام علماء بالله وعلماء بصفات الله وعلماء بأحكام الله. # المرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى الله تعالى بالسيف فهم يجاهدون ~~الكفار حتى يدخلوا في دين الله وطاعته. # المرتبة الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضا دعاة إلى الله تعالى ~~وإلى طاعته، وعمل صالحا، قيل: # العمل الصالح على قسمين قسم يكون من أعمال القلوب وهو معرفة الله تعالى ~~وقسم يكون بالجوارح وهو سائر الطاعات وقيل: وعمل صالحا صلى ركعتين بين ~~الأذان والإقامة (ق). عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال في الثالثة لمن ~~شاء» عن أنس بن مالك رضي ms3060 الله عنه قال: # «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد» أخرجه أبو داود والترمذي، وقال هذا ~~حديث حسن. وقال إنني من المسلمين قيل ليس الغرض منه القول فقط بل يضم إليه ~~اعتقاد القلب فيعتقد بقلبه دين الإسلام مع التلفظ به. # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 34 الى 38] # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ~~(36) ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) # قوله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة يعني الصبر والغضب والحلم ~~والجهل والعفو والإساءة # PageV04P088 # ادفع بالتي هي أحسن قال ابن عباس أمره بالصبر عند الغضب وبالحلم عند ~~الجهل وبالعفو عند الإساءة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم أي ~~صديق قريب، قيل نزلت في أبي سفيان بن حرب وذلك حيث لان للمسلمين بعد شدة ~~عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا ~~بالإسلام حميما بالقرابة وما يلقاها أي وما يلقى هذه الخصلة والفعلة وهي ~~دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا أي على تحمل المكاره وتجرع الشدائد ~~وكظم الغيظ وترك الانتقام وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم أي من الخير والثواب ~~وقيل الحظ العظيم الجنة يعني ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه أي يبعثه ~~إلى ما لا ينبغي ومعنى الآية وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي ~~هي أحسن فاستعذ بالله أي من شره إنه هو السميع أي لاستعاذتك العليم ~~بأحوالك. # قوله تعالى: ومن آياته أي ومن دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته ~~الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر أي إنهما ms3061 مخلوقان ~~مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم واسجدوا ~~لله الذي خلقهن أي المستحق للسجود والتعظيم هو الله خالق الليل والنهار ~~والشمس والقمر إن كنتم إياه تعبدون يعني أن ناسا كانوا يسجدون للشمس والقمر ~~والكواكب ويزعمون أن سجودهم لهذه الكواكب هو سجود لله عز وجل فنهوا عن ~~السجود لهذه الوسائط وأمروا بالسجود لله الذي خلق هذه الأشياء كلها فإن ~~استكبروا أي عن السجود لله فالذين عند ربك يعني الملائكة يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون أي لا يفترون ولا يملون. # (فصل) وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة وفي موضع السجود فيها قولان ~~للعلماء وهما وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما أنه عند قوله تعالى: إن كنتم ~~إياه تعبدون وهو قول ابن مسعود والحسن وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد ~~لأن ذكر السجدة قبله والثاني وهو الأصح عند أصحاب الشافعي وكذلك نقله ~~الرافعي أنه عند قوله تعالى: وهم لا يسأمون وهو قول ابن عباس وابن عمر ~~وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة لأن عنده يتم الكلام. # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 39 الى 43] # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) إن الذين يلحدون في ~~آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ~~اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ~~وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة ~~وذو عقاب أليم (43) # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير قوله تعالى: إن الذين يلحدون ~~أي يميلون عن الحق في آياتنا أي في أدلتنا قيل بالمكاء والتصدية واللغو ~~واللغط وقيل يكذبون بآياتنا ويعاندون ويشاقون ms3062 لا يخفون علينا تهديد ووعيد ~~قيل نزلت في أبي جهل أفمن يلقى في النار هو أبو جهل خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة المعنى الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار والذين يؤمنون ~~بآياتنا آمنون يوم القيامة قيل هو حمزة وقيل عثمان وقيل عمار بن ياسر ~~اعملوا ما شئتم أمر تهديد ووعيد إنه بما تعملون بصير أي إنه عالم بأعمالكم ~~فيجازيكم عليها # PageV04P089 # إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يعني القرآن وفي جواب إن وجهان أحدهما ~~أنه محذوف تقديره إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم، والثاني جوابه ~~أولئك ينادون من مكان بعيد ثم أخذ في وصف الذكر فقال تعالى: وإنه لكتاب ~~عزيز قال ابن عباس: كريم على الله تعالى، وقيل: العزيز العديم النظير وذلك ~~أن الخلق عجزوا عن معارضته وقيل أعزه الله بمعنى منعه فلا يجد الباطل إليه ~~سبيلا وهو قوله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قيل الباطل ~~هو الشيطان فلا يستطيع أن يغيره وقيل إنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه ~~الباطل من بين يديه أو يزاد فيأتيه الباطل من خلفه فعلى هذا يكون معنى ~~الباطل الزيادة والنقصان وقيل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا ~~يجيء بعده كتاب فيبطله وقيل معناه أن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه ~~سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه وقيل: لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما ~~تقدم من الزمان ولا فيما تأخر تنزيل من حكيم أي في جميع أفعاله حميد أي إلى ~~جميع خلقه بسبب نعمه عليهم ثم عزى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~تكذيبهم إياه فقال عز وجل: ما يقال لك أي من الأذى والتكذيب إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك يعني أنه قد قيل للأنبياء قبلك ساحر كما يقال لك وكذبوا كما ~~كذبت إن ربك لذو مغفرة أي لمن تاب وآمن بك وذو عقاب أليم أي لمن أصر على ~~التكذيب. # ### || [سورة فصلت (41): الآيات 44 الى 47] # ولو جعلناه ms3063 قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج ~~من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين ~~شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) # قوله عز وجل: ولو جعلناه أي هذا الكتاب الذي تقرأه على الناس قرآنا ~~أعجميا يعني بغير لغة العرب لقالوا لولا فصلت آياته يعني هلا بينت آياته ~~بالعربية حتى نفهمهاء أعجمي وعربي يعني أكتاب أعجمي ورسول عربي وهذا ~~استفهام إنكار والمعنى لو نزل الكتاب بلغة العجم لقالوا كيف يكون المنزل ~~عليه عربيا والمنزل أعجميا، وقيل في معنى الآية: أنا لو أنزلنا هذا القرآن ~~بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا كيف أنزلنا الكلام العجمي إلى القوم العرب ~~ولصح قولهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر لأنا لا نفهمه ولا ~~نحيط بمعناه، وأنا لما أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب وهم يفهمونه فكيف ~~يمكنهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر وقيل إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهوديا أعجميا ~~يكنى أبا فكيهة فقال المشركون إنما يعلمه يسار فضربه سيده وقال إنك تعلم ~~محمدا فقال هو والله يعلمني فأنزل الله تعالى هذه الآية قل يا محمد هو يعني ~~القرآن للذين آمنوا هدى يعني من الضلالة وشفاء يعني لما في القلوب من مرض ~~الشرك والشك وقيل شفاء من الأوجاع والأسقام والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى يعني صموا عن استماع القرآن وعموا عنه فلا ينتفعون به أولئك ~~ينادون من مكان بعيد يعني كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم ~~كذلك ms3064 هؤلاء في قلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون ~~ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه يعني فمصدق به ومكذب كما اختلف قومك في ~~كتابك ولولا كلمة سبقت من ربك يعني في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن ~~لقضي بينهم يعني لفرغ من عذابهم وعجل # PageV04P090 # إهلاكهم وإنهم لفي شك منه مريب يعني من كتابك وصدقك من عمل صالحا فلنفسه ~~يعني يعود نفع إيمانه وعمله لنفسه ومن أساء فعليها يعني ضرر إساءته أو كفره ~~يعود على نفسه أيضا وما ربك بظلام للعبيد يعني فيعذب غير المسيء. # قوله عز وجل: إليه يرد علم الساعة يعني إذا سأل عنها سائل قيل له لا يعلم ~~وقت قيام الساعة إلا الله تعالى ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك وما تخرج من ~~ثمرات من أكمامها أي من أوعيتها، وقال ابن عباس: # هو الكفرى قبل أن ينشق وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه أي يعلم قدر ~~أيام الحمل وساعاته ومتى يكون الوضع وذكر الحمل هو أم أنثى ومعنى الآية كما ~~يرد إليه علم الساعة فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من كل شيء كالثمار والنتاج ~~وغيره. # فإن قلت قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشف قولا فيصيب فيه وكذلك ~~الكهان والمنجمون. # قلت أما أصحاب الكشف إذا قالوا قولا فهو من إلهام الله تعالى واطلاعه ~~إياهم عليه فكان من علمه الذي يرد إليه وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم ~~القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا ~~يصيب وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد ~~ويوم يناديهم أي ينادي الله تعالى المشركين فيقول أين شركائي أي الذين ~~تدعون أنها آلهة قالوا يعني المشركين آذناك أي أعلمناك ما منا من شهيد أي ~~يشهد أن لك شريكا وذلك لما رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 48 الى 53] # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) لا يسأم ~~الإنسان من ms3065 دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا ~~من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) ~~وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~(51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~(52) # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل أي يعبدون في الدنيا وظنوا ما لهم من ~~محيص أي مهرب. # قوله تعالى: لا يسأم الإنسان أي لا يمل الكافر من دعاء الخير يعني لا ~~يزال يسأل ربه الخير وهو المال والغنى والصحة وإن مسه الشر أي الشدة والفقر ~~فيؤس أي من روح الله تعالى قنوط أي من رحمته ولئن أذقناه رحمة منا أي ~~آتيناه خيرا وعافية وغنى من بعد ضراء مسته أي من بعد شدة وبلاء أصابه ~~ليقولن هذا لي أي أستحقه بعملي وما أظن الساعة قائمة أي ولست على يقين من ~~البعث ولئن رجعت إلى ربي يقول هذا الكافر أي فإن كان الأمر على ذلك ورددت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى أي الجنة والمعنى كما أعطاني في الدنيا سيعطيني ~~في الآخرة فلننبئن الذين كفروا بما عملوا قال ابن عباس لنوقفنهم على مساوي ~~أعمالهم ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم وإذا مسه الشر أي الشدة والفقر فذو دعاء عريض أي ~~كثير قل أي قل يا محمد لكفار مكة أرأيتم إن كان من عند الله أي هذا القرآن ~~ثم كفرتم به أي جحدتموه من أضل ممن هو في شقاق بعيد أي في خلاف للحق بعيد ~~عنه والمعنى فلا أحد أضل منكم سنريهم آياتنا في الآفاق قال ابن عباس يعني ~~منازل # PageV04P091 # الأمم الخالية وفي أنفسهم ms3066 أي البلاء والأمراض وقيل ما نزل بهم يوم بدر ~~وقيل في الآفاق هو ما يفتح من القرى والبلاد على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين وفي أنفسهم هو فتح مكة حتى يتبين لهم أنه الحق يعني دين الإسلام، ~~وقيل يتبين القرآن أنه من عند الله وقيل يتبين لهم أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم مؤيد من قبل الله تعالى وقيل في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من ~~الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار والنبات وفي أنفسهم يعني من لطيف ~~الحكمة وبديع الصنعة حتى يتبين لهم أنه الحق يعني لا يقدر على هذه الأشياء ~~إلا الله تعالى: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد يعني يشهد أن القرآن من ~~عند الله تعالى، وقيل أولم يكفهم الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله لهم على ~~التوحيد وأنه شاهد لا يغيب عنه شيء. ### || [سورة فصلت (41): آية 54] # ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54) # ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم أي في شك عظيم من القيامة ألا إنه بكل شيء ~~محيط أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، أحاط بكل شيء علما وأحصى ~~كل شيء عددا والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P092 ### | سورة حم عسق # وتسمى سورة الشورى وهي مكية، في قول ابن عباس والجمهور وحكي عن ابن عباس ~~إلا أربع آيات نزلت بالمدينة أولها قل لا أسئلكم عليه أجرا وقيل فيها من ~~المدني ذلك الذي يبشر الله عباده إلى قوله تعالى: # بذات الصدور وقوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون إلى قوله من سبيل ~~وهي ثلاث وخمسون آية وثمانمائة وستون كلمة وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية ~~وثمانون حرفا والله أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~(3) # قوله عز وجل: حم عسق سئل الحسين بن الفضل لم قطع حروف حم عسق ولم يقطع ~~حروف المص والمر وكهيعص، فقال: لأنها بين سور ms3067 أوائلها حم فجرت مجرى نظائرها ~~فكان حم مبتدأ وعسق خبره لأن حم عسق عدت آيتين وعدت أخواتها التي لم تقطع ~~آية واحدة. وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف ~~التهجي واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا فقال ~~معناها حم الأمر أي قضى وبقي عسق على أصله. وقال ابن عباس ح حلمه م مجده ع ~~علمه س سناه ق قدرته أقسم الله عز وجل بها. وقيل إن العين من العزيز والسين ~~من قدوس والقاف من قاهر وقيل ح حرب في قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها ~~العزيز م ملك يتحول من قوم إلى قوم ع عدو لقريش يقصدهم س سنون كسني يوسف ق ~~قدرة الله في خلقه، وقيل هذا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فالحاء حوضه ~~المورود والميم ملكه الممدود والعين عزه الموجود والسين سناؤه المشهود ~~والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه من الملك المعبود وقال ابن عباس ليس ~~من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق فلذلك قال الله تعالى: كذلك ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وقيل معناه كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما ~~أوحينا إلى الذين من قبلك الله العزيز في ملكه الحكيم في صنعه، والمعنى ~~كأنه قيل من يوحي فقال الله العزيز الحكيم ثم وصف نفسه وسعة ملكه فقال ~~تعالى: ### || [سورة الشورى (42): الآيات 4 الى 7] # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ~~وما أنت عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن ~~حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السماوات يتفطرن ~~من فوقهن أي من فوق الأرضين وقيل تنفطر كل واحدة فوق التي تليها من ms3068 عظمة ~~الله تعالى وقيل من قول المشركين اتخذ الله ولدا # PageV04P093 # والملائكة يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عما لا يليق بجلاله وقيل يصلون ~~بأمر ربهم ويستغفرون لمن في الأرض أي من المؤمنين دون الكفار، لأن الكافر ~~لا يستحق أن تستغفر له الملائكة، وقيل يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض أما ~~في حق الكافرين فبواسطة طلب الإيمان لهم ويحتمل أن يكون المراد من ~~الاستغفار لا يعاجلهم بالعقاب وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، ~~وقيل استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم فيدخل فيه المؤمن والكافر ~~ألا إن الله هو الغفور الرحيم يعني أنه تعالى يعطي المغفرة التي سألوها ~~ويضم إليها بمنه وكرمه الرحمة العامة الشاملة. # قوله تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء أي جعلوا له شركاء وأندادا ~~الله حفيظ عليهم يعني رقيب على أحوالهم وأعمالهم وما أنت عليهم بوكيل يعني ~~لم توكل بهم حتى تؤخذ بهم إنما أنت نذير وكذلك أي ومثل ما ذكرنا أوحينا ~~إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى يعني مكة والمراد أهلها ومن حولها يعني ~~قرى الأرض كلها وتنذر يوم الجمع أي وتنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة ~~يجمع الله سبحانه وتعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين ~~لا ريب فيه أي لا شك في الجمع أنه كائن ثم بعد ذلك يتفرقون وهو قوله تعالى: ~~فريق في الجنة وفريق في السعير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما قال «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفه ~~ومعه كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله فقال للذي ~~في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم ~~وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفا في ~~الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من ~~الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يساره هذا كتاب من رب ms3069 ~~العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا ~~نطفا في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون ~~فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة ~~فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل إذا؟ قال اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب ~~الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ثم قال فريق في الجنة وفريق ~~في السعير عدل من الله تعالى» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 8 الى 11] # ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير (11) # قوله تعالى: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة قال ابن عباس: على دين واحد ~~وقيل على ملة الإسلام ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي في دين الإسلام ~~والظالمون أي الكافرون ما لهم من ولي أي يدفع عنهم العذاب ولا نصير أي ~~يمنعهم من العذاب أم اتخذوا يعني الكفار من دونه أولياء فالله هو الولي قال ~~ابن عباس هو وليك يا محمد وولي من تبعك وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير ~~يعني أن من يكون بهذه الصفة فهو الحقيق بأن يتخذ وليا ومن لا يكون بهذه ~~الصفة فليس بولي وما اختلفتم فيه من شيء أي من أمر الدين فحكمه إلى الله أي ~~يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب وقيل علمه إلى الله ~~وقيل تحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حكمه من حكم الله ~~تعالى ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته ذلكم الله يعني الذي يحكم ms3070 بين ~~المختلفين هو الله ربي عليه توكلت يعني في جميع أموري وإليه أنيب # PageV04P094 # يعني وإليه أرجع في كل المهمات فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~يعني من جنسكم أزواجا يعني حلائل، وإنما قال من أنفسكم لأن الله تعالى خلق ~~حواء من ضلع آدم ومن الأنعام أزواجا يعني أصنافا ذكرانا وإناثا يذرؤكم يعني ~~يخلقكم وقيل يكثركم فيه يعني في الرحم وقيل في البطن لأنه قد تقدم ذكر ~~الأزواج وقيل نسلا بعد نسل حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ~~وقيل الضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطب من الناس والأنعام إلا أنه غلب ~~جانب الناس وهم العقلاء على غير العقلاء من الأنعام، وقيل في بمعنى الباء ~~أي يذرؤكم به أي يكثركم بالتزويج ليس كمثله شيء المثل صلة أي ليس كهو شيء ~~وقيل الكاف صلة مجازه ليس مثله شيء، قال ابن عباس: ليس له نظير. # فإن قلت هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى: وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض يقتضي إثبات المثل فما الفرق. # قلت المثل الذي يكون مساويا في بعض الصفات الخارجية على الماهية فقوله ~~ليس كمثله شيء معناه ليس له نظير، كما قاله ابن عباس أو يكون معناه ليس ~~لذاته سبحانه وتعالى مثل وقوله وله المثل الأعلى معناه وله الوصف الأعلى ~~الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد فقد ظهر بهذا التفسير معنى الآيتين ~~وحصل الفرق بينهما وهو السميع يعني لسائر المسموعات البصير يعني المبصرات. # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 12 الى 15] # له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ~~(12) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ms3071 بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك ~~فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا ~~وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) # له مقاليد السماوات والأرض يعني مفاتيح الرزق في السموات يعني المطر وفي ~~الأرض يعني النبات يدل عليه قوله تعالى: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي أنه ~~يوسع على ن يشاء ويضيق على من يشاء لأن مفاتيح الرزق بيده إنه بكل شيء عليم ~~أي من البسط والتضييق. # قوله عز وجل: شرع لكم من الدين أي ما بين وسن لكم طريقا واضحا من الدين، ~~أي دينا تطابقت على صحته الأنبياء وهو قوله تعالى: ما وصى به نوحا أي أنه ~~أول الأنبياء أصحاب الشرائع والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد دينا واحدا ~~والذي أوحينا إليك أي من القرآن وشرائع الإسلام وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب ~~الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة وأولو العزم. # ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من رسله بقوله تعالى: أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه والمراد بإقامة الدين هو توحيد الله والإيمان ~~به وبكتبه ورسله واليوم الآخر وطاعة الله في أوامره ونواهيه وسائر ما يكون ~~الرجل به مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها ~~فإنها مختلفة متفاوتة قال الله # PageV04P095 # تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقيل أراد تحليل الحلال وتحريم ~~الحرام، وقيل تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنه مجمع على تحريمهن، وقيل ~~لم يبعث الله نبيا إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله تعالى ~~بالوحدانية والطاعة وقيل بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة ~~والجماعة وترك الفرقة كبر على المشركين ما تدعوهم إليه أي من التوحيد ورفض ~~الأوثان الله يجتبي إليه من يشاء أي يصطفي لدينه من يشاء من عباده ويهدي ~~إليه من ينيب أي يقبل على طاعته وما تفرقوا يعني أهل الأديان المختلفة، ~~وقال ms3072 ابن عباس: يعني أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم أي بأن الفرقة ~~ضلالة بغيا بينهم أي ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وقيل بغيا منهم على محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولولا كلمة سبقت من ربك أي في تأخير العذاب عنهم إلى أجل ~~مسمى يعني إلى يوم القيامة لقضي بينهم أي بين من آمن وكفر يعني لأنزل ~~العذاب بالمكذبين في الدنيا وإن الذين أورثوا الكتاب أي اليهود والنصارى من ~~بعدهم أي من بعد أنبيائهم وقيل الأمم الخالية لفي شك منه أي من أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلا يؤمنون به مريب يعني مرتابين شاكين فيه فلذلك أي ~~إلى ذلك فادع أي إلى ما وصى الله تعالى به الأنبياء من التوحيد وقيل لأجل ~~ما حدث به من الاختلاف في الدين الكثير فادع أنت إلى الاتفاق على الملة ~~الحنيفية واستقم كما أمرت أي أثبت على الدين الذي أمرت به ولا تتبع أهواءهم ~~أي المختلفة الباطلة وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب أي آمنت بكتب الله ~~المنزلة كلها وذلك لأن المتفرقين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض وأمرت لأعدل ~~بينكم قال ابن عباس أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من ~~الأحكام وقيل لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء وقيل لأعدل بينكم في ~~الحكم إذا تخاصمتم وتحاكمتم إلى الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~يعني أن إله الكل واحد وكل أحد مخصوص بعمل نفسه وإن اختلفت أعمالنا فكل ~~يجازي بعمله لا حجة أي لا خصومة بيننا وبينكم وهذه الآية منسوخة بآية ~~القتال إذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة فلم يكن بينه وبين من لا يجيب ~~خصومة الله يجمع بيننا أي في المعاد لفصل القضاء وإليه المصير. # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 16 الى 18] # والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد (16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك ~~لعل الساعة قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ms3073 آمنوا مشفقون ~~منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) # قوله عز وجل: والذين يحاجون في الله أي يخاصمون في دين الله قيل هم ~~اليهود قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه ~~خصومتهم من بعد ما استجيب له أي من بعد ما استجاب الناس لدين الله تعالى ~~فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم حجتهم داحضة ~~أي خصومتهم باطلة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد أي في الآخرة الله ~~الذي أنزل الكتاب بالحق أي الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والأحكام ~~والميزان أي العدل سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس وما يدريك ~~لعل الساعة قريب أي وقت إتيانها قريب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ~~الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا تكذيبا له متى تكون الساعة فأنزل الله ~~تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها أي ظنا منهم أنها غير آتية والذين آمنوا ~~مشفقون أي خائفون منها ويعلمون أنها الحق أي أنها آتية لا شك فيها ألا إن ~~الذين يمارون أي يخاصمون في الساعة وقيل يشكون فيها لفي ضلال بعيد قوله عز ~~وجل: # PageV04P096 # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 19 الى 23] # الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين ~~مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله ~~عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها ms3074 حسنا إن الله غفور شكور (23) # الله لطيف بعباده أي كثير الإحسان إليهم، قال ابن عباس: حفي بهم وقيل ~~رفيق وقيل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم يدل عليه قوله ~~تعالى: يرزق من يشاء يعني أن الإحسان والبر إنعام في حق كل العباد وهو ~~إعطاء ما لا بد منه فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن ~~يشاء الله أن يرزقه، وقيل لطفه في الرزق من وجهين أحدهما أنه جعل رزقكم من ~~الطيبات والثاني أنه لم يدفعه إليكم مرة واحدة وهو القوي أي القادر على كل ~~ما يشاء العزيز أي الذي لا يغالب ولا يدافع من كان يريد حرث الآخرة أي كسب ~~الآخرة والمعنى من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه أي بالتضعيف ~~الواحدة إلى عشرة إلى ما يشاء الله تعالى من الزيادة، وقيل إنا نزيد في ~~توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعة إليه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~يعني يريد بعمله الدنيا مؤثرا لها على الآخرة نؤته منها أي ما قدر وقسم له ~~منها وما له في الآخرة من نصيب يعني لأنه لم يعمل لها، عن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «بشر هذه الأمة بالسنا ~~والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في ~~الآخرة نصيب» ذكره في جامع الأصول ولم يعزه إلى أحد من الكتب الستة وأخرجه ~~البغوي بإسناده. # قوله تعالى: أم لهم يعني كفار مكة شركاء يعني الأصنام وقيل الشياطين ~~شرعوا لهم من الدين قال ابن عباس شرعوا لهم غير دين الإسلام ما لم يأذن به ~~الله يعني أن تلك الشرائع بأسرها على خلاف دين الله تعالى الذي أمر به وذلك ~~أنهم زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم لا يعلمون غيرها ~~ولولا كلمة الفصل يعني أن الله حكم بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم ~~القيامة لقضي بينهم أي لفرغ من عذاب الذين يكذبونك ms3075 في الدنيا وإن الظالمين ~~يعني المشركين لهم عذاب أليم أي في الآخرة ترى الظالمين يعني يوم القيامة ~~مشفقين أي وجلين خائفين مما كسبوا أي من الشرك والأعمال الخبيثة وهو واقع ~~بهم أي جزاء كسبهم واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ~~لأن هذه الروضات أطيب بقاع الجنة فلذلك خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بها ~~وفيه تنبيه على أن الجنة منازل غير الروضات هي لمن هو دون الذين عملوا ~~الصالحات من أهل القبلة لهم ما يشاؤن عند ربهم أي من الكرامة ذلك هو الفضل ~~الكبير ذلك أي الذي ذكر من نعيم الجنة الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قوله عز وجل: قل لا أسئلكم عليه أي على تبليغ الرسالة أجرا ~~أي جزاء إلا المودة في القربى (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ~~قوله إلا المودة في القربى فقال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال ابن عباس: عجبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بطن من قريش ~~إلا وله فيهم قرابة فقال ألا تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وعن ابن ~~عباس أيضا في قوله إلا المودة في القربى: يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني ~~وتصلوا رحمي، وإليه # PageV04P097 # ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضحاك (خ) عن ابن عمر أن أبا ~~بكر قال: ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته واختلفوا في قرابته، ~~فقيل علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وقيل أهل بيته من تحرم ~~عليه الصدقة من أقاربه وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا في ~~جاهلية ولا في إسلام (م). عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب ~~الله تعالى واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال «وأهل بيتي ~~أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له ms3076 حصين من أهل بيته ~~يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من ~~حرمت عليهم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل ~~عباس». # فإن قلت طلب الأجر على تبليغ الرسالة والوحي لا يجوز لقوله في قصة نوح ~~عليه السلام وغيره من الأنبياء وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين. # قلت لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على تبليغ الرسالة. # بقي الجواب عن قوله إلا المودة في القربى. # فالجواب عنه من وجهين: الأول معناه لا أطلب منكم إلا هذه وهذا في الحقيقة ~~ليس بأجر ومنه قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # معناه إذا كان هذا عيبهم فليس فيهم عيب بل هو مدح فيهم ولأن المودة بين ~~المسلمين أمر واجب وإذا كان كذلك في حق جميع المسلمين كان في أهل بيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أولى فقوله قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى المودة في القربى ليست أجرا في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم فكانت ~~مودتهم وصلتهم لازمة لهم فثبت أن لا أجر البتة، والوجه الثاني أن هذا ~~الاستثناء منقطع وتم الكلام عند قوله قل لا أسألكم عليه أجرا ثم ابتدأ فقال ~~إلا المودة في القربى أي لكن أذكركم المودة في قرابتي الذين هم قرابتكم فلا ~~تؤذوهم وقيل: إن هذه الآية منسوخة وذلك لأنها نزلت بمكة وكان المشركون ~~يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرهم ~~فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه فلما هاجر إلى المدينة ~~وآواه الأنصار ونصروه أحب الله تعالى أن يلحقه بإخوانه من النبيين فأنزل ~~الله تعالى: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله فصارت هذه ~~الآية ناسخة لقوله قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وإليه ذهب ~~الضحاك والحسين بن الفضل، والقول ms3077 بنسخ هذه الآية غير مرضي لأن مودة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه من فرائض الدين وهو قول ~~السلف فلا يجوز المصير إلى نسخ هذه الآية. وروي عن ابن عباس في معنى الآية ~~قول آخر قال: إلا أن توادوا الله وتتقربوا إليه بطاعته وهو قول الحسن قال ~~هو القربى إلى الله يقول إلا التقرب إلى الله تعالى والتودد إليه بالطاعة ~~والعمل الصالح. # وقوله تعالى: ومن يقترف حسنة أي يكتسب طاعة نزد له فيها حسنا أي بالتضعيف ~~إن الله غفور للذنوب شكور أي للقليل من الأعمال حتى يضاعفها. # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 24 الى 25] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) # أم يقولون أي بل يقول كفار مكة افترى على الله كذبا فيه توبيخ لهم معناه ~~أيقع في قلوبهم ويجري # PageV04P098 # على لسانهم أن ينسبوا مثله إلى الكذب وأنه افترى على الله كذبا وهو أقبح ~~أنواع الكذب فإن يشإ الله يختم على قلبك أي يربط على قلبك بالصبر حتى لا ~~يشق عليك أذاهم وقولهم إنه مفتر وقيل معناه يطبع على قلبك فينسيك القرآن ~~وما أتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله بالفعل به ما أخبر به في هذه الآية ~~ويمح الله الباطل أخبره الله تعالى أن ما يقولونه الباطل والله عز وجل ~~يمحوه ويحق الحق بكلماته أي يحق الإسلام بما أنزل من كتابه وقد فعل الله ~~تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام إنه عليم بذات الصدور قال ابن ~~عباس: لما نزلت قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وقع في قلوب ~~قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فأخبره أنهم اتهموه وأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا ~~رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل قوله عز وجل: وهو ms3078 الذي يقبل التوبة عن ~~عباده قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أولياؤه وأهل طاعته. # (فصل في ذكر التوبة وحكمها) قال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب فإن كانت ~~المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: # أحدها: أن يقلع عن المعصية. # والثاني: أن يندم على فعلها. # والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا. # فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته وإن ~~كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة والشرط الرابع أن ~~يبرأ من حق صاحبها فهذه شروط التوبة وقيل التوبة الانتقال عن المعاصي نية ~~وفعلا والإقبال على الطاعات نية وفعلا، وقال سهل بن عبد الله التستري: ~~التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة (خ). عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «والله ~~إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (م) عن الأغر بن ~~بشار المزني قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس توبوا ~~إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» (ق) عن عبد الله بن مسعود قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من ~~رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام ~~نومة فاستيقظ وقذ ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد الحر والعطش أو ما شاء ~~الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ~~ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة ~~العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده الدوية الفلاة والمفازة» (ق) عن أنس رضي ~~الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لله أفرح بتوبة عبده ~~المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» ولمسلم عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3079 «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من ~~أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها ~~فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة ~~عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة فرحه اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة ~~الفرح» عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما لم ~~تطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها» الآية أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ~~ما لم يغرغر» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (م). عن أبي موسى # PageV04P099 # الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله عز ~~وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ~~حتى تطلع الشمس من مغربها» وقوله عز وجل: ويعفوا عن السيئات أي يمحوها إذا ~~تابوا ويعلم ما تفعلون يعين من خير وشر فيجازيهم عليهم. # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 26 الى 28] # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد (28) # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني يجيب المؤمنون الله تعالى فيما ~~دعاهم لطاعته وقيل معناه ويجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا دعوه، وقال ~~ابن عباس: ويثبت الذين آمنوا ويزيدهم من فضله أي سوى ثواب أعمالهم تفضلا ~~منه، وقال ابن عباس: يشفعهم في إخوانهم ويزيدهم من فضله، قال في إخوان ~~إخوانهم والكافرون لهم عذاب شديد قوله عز وجل: ولو بسط الله الرزق لعباده ms3080 ~~قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني ~~قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله تعالى: ولو بسط الله الرزق ~~لعباده أي وسع الله الرزق لعباده لبغوا أي لطغوا وعتوا في الأرض قال ابن ~~عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، وقيل: ~~إن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة رجع إلى مقتضى طبعه وهو ~~التكبر وإذا وقع في شدة ومكروه وفقر انكسر فرجع إلى الطاعة والتواضع، وقيل: ~~إن البغي مع القبض والفقر أقل ومع البسط والغنى أكثر لأن النفس مائلة إلى ~~الشر لكنها إذا كانت فاقدة لآلاته كان الشر أقل وإذا كانت واجدة لها كان ~~الشر أكثر فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان ولكن ينزل بقدر ما يشاء يعني ~~الأرزاق نظرا لمصالح عباده وهو قوله تعالى: إنه بعباده خبير بصير والمعنى ~~أنه تعالى عالم بأحوال عباده وبطبائعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على ~~وفق مصالحهم يدل على ذلك ما روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن جبريل عن الله عز وجل قال «يقول الله عز وجل من أهان لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقرب إلي عبدي ~~المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا إن دعاني أجبته وإن ~~سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن ~~يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني ~~الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى لو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي ms3081 ~~المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر أمر ~~عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير» أخرجه البغوي بإسناده. # قوله عز وجل: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا أي يئس الناس منه وذلك ~~أدعى لهم إلى الشكر قيل حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا ثم ~~أنزل الله عز وجل المطر فذكرهم نعمته لأن الفرح بحصول النعمة بعد الشدة أتم ~~وينشر رحمته أي يبسط بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب وهو الولي ~~أي لأهل طاعته الحميد أي المحمود على ما يوصل إلى الخلق من أقسام رحمته. # PageV04P100 # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 29 الى 33] # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ومن ~~آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ~~ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث أي أوجد فيهما أي في السموات ~~والأرض من دابة. # فإن قلت كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة. # قلت الدبيب في اللغة المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون للملائكة ~~مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما يوصف به الإنسان، وقيل: يحتمل أن الله ~~تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يدبون دبيب الإنسان وهو على ~~جمعهم إذا يشاء قدير يعني يوم القيامة. # قوله عز وجل: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم المراد بهذه المصائب ~~الأحوال المكروهة نحو الأوجاع والأسقام والقحط والغلاء والغرق والصواعق ~~وغير ذلك من المصائب فبما كسبت أيديكم من الذنوب والمعاصي ويعفوا عن كثير ~~قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي ~~نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو ~~الله ms3082 عنه أكثر» وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سخيلة قال: قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه «ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن ~~كثير وسأفسرها لكم يا علي ما أصابكم من مصيبة أي من مرض أو عقوبة أو بلاء ~~في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة ~~وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه» وقال عكرمة: ~~ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو ~~درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها (ق). عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها ~~إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة» وما أنتم بمعجزين أي بفائتين في ~~الأرض هربا يعني لا تعجزوني حيثما كنتم وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير قوله عز وجل: ومن آياته الجوار يعني السفن وهي السيارة في البحر ~~كالأعلام أي كالقصور وكل شيء مرتفع عند العرب فهو علم إن يشأ يسكن الريح أي ~~التي تجري بها السفن فيظللن يعني السفن الجواري رواكد أي ثوابت على ظهره أي ~~ظهر البحر لا تجري إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وهذه صفة المؤمن لأنه ~~يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء. ### || [سورة الشورى (42): الآيات 34 الى 39] # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) # أو يوبقهن أي يغرقهن ويهلكهن بما كسبوا أي بما ms3083 كسبت ركابها من الذنوب ~~ويعف عن كثير أي من ذنوبهم فلا يعاقب عليها ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ~~ما لهم من محيص يعني يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله تعالى ~~ما لهم من مهرب من عذابه فما أوتيتم من شيء أي من زينة الدنيا فمتاع الحياة ~~الدنيا أي ليس هو من زاد المعاد وما عند الله أي من الثواب خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون # PageV04P101 # والمعنى أن المؤمن والكافر يستويان في متاع الحياة الدنيا فإذا صارا إلى ~~الله تعالى كان ما عند الله من الثواب خيرا وأبقى للمؤمن والذين يجتنبون ~~كبائر الإثم يعني كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة وشبه ذلك ~~والفواحش يعني ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~يعني يكظمون الغيظ ويجهلون والذين استجابوا لربهم يعني أجابوا إلى ما دعاهم ~~إليه من طاعته وأقاموا الصلاة يعني المفروضة وأمرهم شورى بينهم يعني ~~يتشاورون فيما يبدو لهم ولا يعجلون ولا ينفردون برأي ما لم يجتمعوا عليه ~~قيل. # ما تشاور قوم إلا هدوا إلى أرشد أمرهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا ~~أصابهم البغي يعني الظلم والعدوان هم ينتصرون يعني ينتقمون من ظالمهم من ~~غير تعد قال ابن زيد جعل الله تعالى المؤمنين صنفين صنف يعفون عمن ظلمهم ~~فبدأ بذكرهم وهو قوله تعالى: وإذا ما غضبوا هم يغفرون وصنف ينتصرون من ~~ظالمهم وهم الذين ذكروا في هذه الآية، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون ~~أن يذلوا أنفسهم فإذا قدروا عفوا. # وقيل: إن العفو إغراء للسفيه وقال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار ~~من مكة وبغوا عليهم ثم مكنهم الله عز وجل في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم ~~ثم بين الله تعالى أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال تعالى: # ### || [سورة الشورى (42): الآيات 40 الى 44] # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~(40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون ms3084 في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ~~ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ومن يضلل الله فما له من ولي من ~~بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) # وجزاء سيئة سيئة مثلها سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما في ~~الصورة وقيل لأن الجزاء يسوء من ينزل به، وقيل هو جزاء القبيح إذا قال ~~أخزاك الله فقل له أخزاك الله ولا تزد وإذا شتمك فاشتمه بمثلها ولا تعتدوا ~~وقيل هو في القصاص في الجراحات والدماء يقتص بمثل ما جنى عليه وقيل إن الله ~~تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع ثم بين أن العفو أولى بقوله ~~تعالى: فمن عفا أي عمن ظلمه وأصلح أي بالعفو بينه وبين الظالم فأجره على ~~الله قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر ~~فليقم فلا يقوم إلا من عفا ثم قرأ هذه الآية إنه لا يحب الظالمين قال ابن ~~عباس: الذين يبدؤون بالظلم ولمن انتصر بعد ظلمه أي بعد ظلم الظالم إياه ~~فأولئك يعني المنتصرين ما عليهم من سبيل أي بعقوبة ومؤاخذة إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس أي يبدؤون بالظالم ويبغون في الأرض بغير الحق أي يعملون ~~فيها بالمعاصي أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر أي لم ينتصر وغفر تجاوز عن ~~ظالمه إن ذلك أي الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور يعني تركه الانتصار لمن عزم ~~الأمور الجيدة التي أمر الله عز وجل بها وقيل إن الصابر يؤتي بصبره الثواب ~~فالرغبة في الثواب أتم عزما ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده يعني ماله ~~من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه أو يمنعه من عذابه وترى الظالمين ~~لما رأوا العذاب يعني يوم القيامة يقولون هل إلى مرد من سبيل يعني أنهم ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا. # PageV04P102 ### || [سورة الشورى (42): الآيات 45 الى 49] # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا ~~إن ms3085 الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في ~~عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله ~~فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السماوات والأرض ~~يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) # وتراهم يعرضون عليها أي على النار خاشعين من الذل أي خاضعين متواضعين ~~ينظرون من طرف خفي يعني يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة في أنفسهم، ~~وقيل ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من الذل، وقيل ينظرون إلى النار بقلوبهم ~~لأنهم يحشرون عميا والنظر بالقلب خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم يعني بأن صاروا إلى النار. وأهليهم يوم القيامة يعني وخسروا ~~أهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم وما كان ~~لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل أي وصول ~~إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى فقد استدت عليهم طرق الخير استجيبوا ~~لربكم أي أجيبوا داعي الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله أي لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة وقيل هو ~~يوم الموت ما لكم من ملجإ يومئذ أي ما لكم من مخلص من العذاب وقيل من الموت ~~وما لكم من نكير أي ينكر حالكم وقيل النكير الإنكار يعني لا تقدرون أن ~~تنكروا من أعمالكم شيئا فإن أعرضوا أي عن الإجابة فما أرسلناك عليهم حفيظا ~~أي تحفظ أعمالهم إن عليك إلا البلاغ أي ليس عليك إلا البلاغ وفيه تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة قال ms3086 ابن عباس: ~~يعني الغنى والصحة فرح بها وإن تصبهم سيئة أي قحط بما قدمت أيديهم أي من ~~الأعمال الخبيثة فإن الإنسان كفور أي لما تقدم من نعمة الله تعالى عليه. # قوله عز وجل: لله ملك السماوات والأرض يعني له التصرف فيهما بما يريد ~~يخلق ما يشاء أي لا يقدر أحد أن يعترض عليه في ملكه وإرادته يهب لمن يشاء ~~إناثا أي فلا يولد له ذكر ويهب لمن يشاء الذكور أي فلا يولد له أنثى. ### || [سورة الشورى (42): الآيات 50 الى 52] # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم (52) # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا أي يجمع بينهما فيولد له الذكور والإناث ويجعل ~~من يشاء عقيما أي فلا يولد له ولد، وقيل هذا في الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. فقوله يهب لمن يشاء إناثا يعني لوطا لم يولد له ذكر إنما ولد له ~~ابنتان ويهب لمن يشاء الذكور يعني إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يولد له ~~أنثى أو يزوجهم ذكرانا وإناثا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ولد له أربع ~~بنين وأربع بنات ويجعل من يشاء عقيما يعني يحيى وعيسى عليهما الصلاة ~~والسلام لم يولد لهما وهذا على وجه التمثيل وإلا فالآية عامة في جميع الناس ~~إنه عليم أي بما يخلق قدير أي على ما يريد أن يخلق. # PageV04P103 # قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا قيل في سبب نزولها: إن ~~اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت ~~نبيا كما كلمه موسى صلى الله عليه وسلم ونظر إليه فقال لم ينظر موسى إلى ~~الله تعالى فأنزل الله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله ms3087 إلا وحيا أي يوحي إليه في المنام أو بالإلهام ~~كما رأى إبراهيم في المنام أن يذبح ولده وهو وحي وكما ألهمت أم موسى أن ~~تقذفه في البحر أو من وراء حجاب أي يسمعه كلامه من وراء حجاب ولا يراه كما ~~كلم موسى عليه الصلاة والسلام أو يرسل رسولا يعني من الملائكة إما جبريل أو ~~غيره فيوحي بإذنه ما يشاء يعني يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ~~ما يشاء وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب في ~~الدنيا ويأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله تعالى في سورة النجم إنه علي أي ~~عن صفات المخلوقين حكيم أي في جميع أفعاله. # قوله عز وجل: وكذلك أي وكما أوحينا إلى سائر رسلنا أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا قال ابن عباس: نبوة، وقيل: قرآنا لأن به حياة الأرواح، وقيل: رحمة ~~وقيل جبريل ما كنت تدري أي قبل الوحي ما الكتاب يعني القرآن ولا الإيمان ~~اختلف العلماء في هذه الآية مع اتفاقهم على أن الأنبياء قبل النبوة كانوا ~~مؤمنين فقيل معناه ما كنت تدري قبل الوحي شرائع الإيمان ومعالمه. # وقال محمد بن إسحاق عن ابن خزيمة الإيمان في هذا الموضع الصلاة دليله وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم يعني صلاتكم ولم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار ~~بالله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة يوحد الله تعالى ~~ويحج ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب وكان يتعبد على ~~دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم تتبين له شرائع دينه إلا بعد الوحي ~~إليه ولكن جعلناه نورا قال ابن عباس يعني الإيمان وقيل القرآن لأنه يهتدي ~~به من الضلالة وهو قوله تعالى: نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي أي ~~لتدعو إلى صراط مستقيم يعني إلى دين الإسلام. ### || [سورة الشورى (42): آية 53] # صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~(53) # صراط الله يعني دين الله الذي شرعه ms3088 لعباده الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض ألا إلى الله تصير الأمور يعني أمور الخلائق في الآخرة فيثيب المحسن ~~ويعاقب المسيء والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P104 ### | سورة الزخرف # مكية وهي تسع وثمانون آية وثلاث وثلاثون كلمة «1» وثلاثة آلاف وأربعمائة ~~حرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه ~~في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) # قوله عز وجل: حم والكتاب المبين أقسم بالكتاب وهو القرآن الذي أبان طرق ~~الهدى من طرق الضلالة وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة وقيل المبين ~~يعني الواضح للمتدبرين وجواب القسم إنا جعلناه أي صيرنا هذا الكتاب عربيا ~~وقيل بيناه وقيل سميناه وقيل وصفناه وقيل أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~يعني معانيه وأحكامه وإنه يعني القرآن في أم الكتاب أي في اللوح المحفوظ، ~~قال ابن عباس: أول ما خلق الله عز وجل القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق ~~في الكتاب عنده ثم قرأ وإنه في أم الكتاب لدينا # أي عندنا فالقرآن مثبت عند الله تعالى في اللوح المحفوظ لعلي حكيم أخبر ~~عن شرفه وعلو منزلته، والمعنى إن كذبتم يا أهل مكة بالقرآن فإنه عندنا لعلي ~~أي رفيع شريف، وقيل على علي جميع الكتب حكيم أي محكم لا يتطرق إليه الفساد ~~والبطلان. # قوله تعالى: أفنضرب عنكم الذكر صفحا معناه أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن ~~إنزال القرآن فلا نأمر ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم ~~الإيمان وهو قوله تعالى: أن كنتم أي لأن كنتم قوما مسرفين والمعنى لا نفعل ~~ذلك قال قتادة والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ~~ولكن الله عز وجل عاد بعائدته وكرامته فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء ~~الله، وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين أي معرضين عنكم، وقيل: ~~معناه أفنطوي الذكر عنكم طيا ms3089 فلا تدعون ولا توعظون وقيل أفنترككم فلا ~~نعاقبكم على كفركم. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 6 الى 12] # وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) # والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) ~~PageV04P105 # وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن ~~يعني كاستهزاء قومك بك وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فأهلكنا أشد ~~منهم بطشا أي أقوى من قومك قوة ومضى مثل الأولين أي صفتهم والمعنى أن كفار ~~قريش سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم مثل ~~ما نزل بالأولين من الخزي والعقوبة. # قوله عز وجل: ولئن سألتهم أي ولئن سألت يا محمد قومك من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم يعني أنهم أقروا بأن الله تعالى خلقهما ~~وأقروا بعزته وعلمه ومع إقرارهم بذلك عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث ~~لفرط جهلهم ثم ابتدأ تعالى دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى: الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا معناه واقفة ساكنة يمكن الانتفاع بها ولما كان المهد ~~موضع راحة الصبي فلذلك سمى الأرض مهادا لكثرة ما فيها من الراحة للخلق وجعل ~~لكم فيها سبلا أي طرقا لعلكم تهتدون يعني إلى مقاصدكم في أسفاركم والذي نزل ~~من السماء ماء بقدر أي بقدر حاجاتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح حتى ~~أهلكهم فأنشرنا به أي بالمطر بلدة ميتا أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة ~~بالمطر كذلك تخرجون أي من قبوركم أحياء والذي خلق الأزواج كلها أي الأصناف ~~والأنواع كلها قيل إن كل ما سوى الله تعالى فهو زوج وهو الفرد المنزه عن ~~الأضداد والأنداد والزوجية وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ms3090 يعني في ~~البر والبحر. # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 13 الى 18] # لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) ~~وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق بنات ~~وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم (17) # أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) # لتستووا على ظهوره أي على ظهور الفلك والأنعام ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه يعني بتسخير المركب في البر والبحر وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا أي ذلل لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مطيقين وقيل ضابطين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون أي لمنصرفون في المعاد (م) عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا للسفر حمد ~~الله تعالى وسبح وكبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين ~~وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن ~~العمل ما ترضى اللهم هون سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في ~~السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر ~~وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد وإذا رجع قالهن وزاد فيهم آئبون ~~تائبون عابدون لربنا حامدون» قوله وعثاء السفر: يعني تعبه وشدته ومشقته ~~وكآبة المنظر وسوء المنقلب الكآبة الحزن والمنقلب المرجع وذلك أن يعود من ~~سفره حزينا كئيبا أو يصادف ما يحزنه في أهل أو مال. # عن علي بن أبي ربيعة قال «شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقد ~~أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى على ~~ظهرها قال الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاث مرات ثم قال الله أكبر ثلاث مرات ms3091 ثم ~~قال سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك ~~فقلت يا أمير المؤمنين مم ضحكك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ~~كما فعلت فقلت يا رسول الله من أي شيء ضحكت قال إن ربك يعجب من عبده إذا ~~قال رب اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب غيرك» أخرجه الترمذي، وقال حديث ~~حسن غريب. # قوله تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا يعني ولدا وهو قولهم الملائكة بنات ~~الله لأن الولد جزء من الأب # PageV04P106 # ومعنى جعلوا هنا حكموا وأثبتوا إن الإنسان لكفور مبين أي لجحود نعم الله ~~تعالى عليه أم اتخذ مما يخلق بنات هذا استفهام إنكار وتوبيخ يقول اتخذ ربكم ~~لنفسه البنات وأصفاكم أي أخلصكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا أي بالجنس الذي جعله للرحمن شبها لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد ~~والمعنى أنهم نسبوا إليه البنات ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له وقد ولد لك ~~بنت اغتم وتربد وجهه غيظا وأسفا وهو قوله تعالى: ظل وجهه أي صار وجهه مسودا ~~وهو كظيم أي من الحزن والغيظ قيل إن بعض العرب ولد له أنثى فهجر بيت امرأته ~~التي ولدت فيه الأنثى فقالت المرأة: # ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا # غضبان أن لا نلد البنينا ... ليس لنا من أمرنا ما شينا # وإنما نأخذ ما أعطينا ... حكمة ربي ذي اقتدار فينا # قوله عز وجل: أومن ينشؤا يعني أو من يتربى في الحلية يعني في الزينة ~~والنعمة والمعنى أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته ولولا ~~نقصانها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية ثم بين نقصان حالها بوجه آخر ~~وهو قوله وهو في الخصام أي المخاصمة غير مبين للحجة وذلك لضعف حالها وقلة ~~عقلها قال قتادة قلما تكلمت امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة ~~عليها. # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 19 الى 23] # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ms3092 أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون (23) # وجعلوا أي وحكموا وأثبتوا الملائكة الذين هم عباد وقرئ عند الرحمن إناثا ~~أشهدوا خلقهم أي حضروا خلقهم حين خلقوا وهذا استفهام إنكار أي لم يشهدوا ~~ذلك ستكتب شهادتهم أي على الملائكة أنهم بنات الله ويسئلون أي عنها، قيل ~~لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريكم أنهم ~~بنات الله، قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله ~~تعالى: ستكتب شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم يعني الملائكة وقيل الأصنام وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا ~~إياها لرضاه منا بذلك قال الله تعالى ردا عليهم. # ما لهم بذلك من علم أي فيما يقولون إن هم إلا يخرصون يعني ما هم إلا ~~كاذبون في قولهم إن الله رضي منا بعبادتها، وقيل يكذبون في قولهم إن ~~الملائكة إناث وإنهم بنات الله أم آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل القرآن ~~بأن يعبدوا غير الله فهم به مستمسكون أي يأخذون بما فيه بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة أي على دين وملة وإنا على آثارهم مهتدون يعني أنهم جعلوا ~~أنفسهم مهتدين باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال ~~هذه المقالة بقوله تعالى: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها أغنياؤها ورؤساؤها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون أي بهم. # PageV04P107 # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 24 الى 31] # قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) وإذ ms3093 قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~(27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) # بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (31) # قال أولو جئتكم بأهدى أي بدين هو أصوب مما وجدتم عليه آباءكم فأبوا أن ~~يقبلوا قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء أي بريء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرني معناه أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله الذي خلقني ~~فإنه سيهدين أي يرشدني إلى دينه وجعلها أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي ~~تكلم بها وهي لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال ~~فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده لعلهم يرجعون أي لعل من أشرك ~~منهم يرجع بدعاء من وحد منهم وقيل لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون ~~عما هم عليه من الشرك إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام بل متعت هؤلاء ~~يعني كفار مكة وآباءهم في الدنيا بالمد في العمر والنعمة ولم أعاجلهم ~~بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق يعني القرآن وقيل الإسلام ورسول هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم مبين أي يبين لهم الأحكام وقيل بين الرسالة وأوضحها بما ~~معه من الآيات والمعجزات وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه فلم يفعلوا بل ~~كذبوا وعصوا وسموه ساحرا وهو قوله تعالى: ولما جاءهم الحق يعني القرآن ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون قوله عز وجل: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم معناه أنهم قالوا منصب النبوة منصب عظيم شريف لا يليق ~~إلا برجل شريف عظيم كثير المال والجاه من إحدى القريتين وهما مكة والطائف ~~واختلفوا في هذا الرجل العظيم قيل الوليد بن المغيرة بمكة وعروة بن مسعود ~~الثقفي بالطائف وقيل عتبة بن ربيعة من ms3094 مكة وكنانة بن عبد ياليل الثقفي من ~~الطائف، وقال ابن عباس: الوليد بن المغيرة من مكة ومن الطائف حبيب بن عمير ~~الثقفي قال الله تعالى ردا عليهم. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 32 الى 35] # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ~~ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) # أهم يقسمون رحمت ربك معناه أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعوها حيث شاؤوا ~~وفيه الإنكار الدال على تجهيلهم والتعجب من اعتراضهم وتحكمهم وأن يكونوا هم ~~المدبرين لأمر النبوة ثم ضرب لهذا مثلا فقال تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين ~~العباد فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا مالكا وهذا مملوكا وهذا قويا وهذا ~~ضعيفا ثم إن أحدا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن ~~قضائنا فإذا عجزوا عن الاعتراض في حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها وذلتها ~~فكيف يقدرون على الاعتراض على حكمنا في تخصيص بعض عبادنا بمنصب النبوة ~~والرسالة والمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض كما شئنا كذلك اصطفينا بالرسالة ~~من شئنا ثم قال تعالى: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ~~يعني لو أننا سوينا بينهم في كل الأحوال لم يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم ~~مسخرا لغيره، وحينئذ يقضي ذلك إلى خراب العالم وفساد حال الدنيا ولكنا ~~فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فتسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء ~~بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش فهذا بماله وهذا بعمله فيلتئم قوام ~~العالم وقيل يملك # PageV04P108 # بعضهم بما له بعضا بالملك ورحمت ربك يعني الجنة خير يعني للمؤمنين مما ~~يجمعون أي يجمع الكفار من الأموال لأن الدنيا على شرف الزوال والانقراض ~~وفضل الله ورحمته يبقى أبد الآبدين. # قوله ms3095 عز وجل: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة أي لولا أن يصيروا كلهم ~~كفارا فيجتمعون على الكفر ويرغبون فيه إذا رأوا الكفار في سعة من الخير ~~والرزق لأعطيت الكفار أكثر الأسباب المفيدة للتنعم وهو قوله تعالى: لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج يعني مصاعد ودرجات من فضة ~~عليها يظهرون يصعدون ويرتقون عليها ولبيوتهم أبوابا أي من فضة وسررا أي ~~ولجعلنا لهم سررا من فضة عليها يتكؤن وزخرفا أي ولجعلنا من ذلك زخرفا وهو ~~الذهب وقيل الزخرف الزينة من كل شيء وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ~~يعني أن الإنسان يستمتع بذلك قليلا ثم ينقضي لأن الدنيا سريعة الزوال ~~والذهاب والآخرة عند ربك للمتقين يعني الجنة خاصة للمتقين الذين تركوا ~~الدنيا. # عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كانت الدنيا عند ~~الله تزن جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن غريب. # وعن المستورد بن شداد جد بني فهر قال «كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا من هوانها ألقوها يا رسول ~~الله قال فإن الدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن. وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«إذا أحب الله عبدا حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث حسن غريب (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 36 الى 39] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم ms3096 في العذاب ~~مشتركون (39) # قوله تعالى: ومن يعش أي يعرض عن ذكر الرحمن أي فلم يخف عقابه ولم يرد ~~ثوابه وقيل يول ظهره عن القرآن نقيض له شيطانا أي نسبب له شيطانا ونضمه ~~إليه ونسلطه عليه فهو له قرين يعني لا يفارقه يزين له العمى ويخيل إليه أنه ~~على الهدى وإنهم يعني الشياطين ليصدونهم عن السبيل يعني يمنعونهم عن الهدى ~~ويحسبون أنهم مهتدون يعني ويحسب كفار بني آدم أنهم على الهدى حتى إذا جاءنا ~~يعني الكافر وحده وقرئ جاءنا على التثنية يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في ~~سلسلة واحدة قال الكافر لقرينه الشيطان يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي ~~بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس ~~والقمر القمران ولأبي بكر وعمر العمران، وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ~~ومشرق الشتاء، والقول الأول أصح فبئس القرين يعني الشيطان قال أبو سعيد ~~الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى ~~النار ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم يعني أشركتم أنكم في العذاب مشتركون يعني ~~لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف عنكم شيئا، لأن كل واحد من الكفار ~~والشياطين له الحظ الأوفر من العذاب وقيل لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم ~~فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الكفر. # PageV04P109 # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 40 الى 44] # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك ~~فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) ~~فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك ~~وسوف تسئلون (44) # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين يعني الكافرين الذين ~~حقت عليهم كلمة العذاب أنهم لا يؤمنون. # قوله عز وجل: فإما نذهبن بك أي بأن نميتك قبل أن نعذبهم فإنا منهم ~~منتقمون أي بالقتل بعدك أو نرينك أي في حياتك الذي وعدناهم أي من العذاب ~~فإنا عليهم مقتدرون أي قادرون على ذلك متى شئنا ms3097 عذبناهم، وأراد به مشركي ~~مكة وقد انتقم منهم يوم بدر وهذا يفيد التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه وعده الانتقام له منهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وهذا قول أكثر ~~المفسرين وقيل عني به ما يكون في أمته وقد كان بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم نقمة شديدة في أمته ولكن أكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي تقربه عينه وأبقى النقمة بعده وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى ~~قبضه الله تعالى: فاستمسك بالذي أوحي إليك يعني القرآن إنك على صراط مستقيم ~~أي على دين مستقيم لا يميل عنه إلا الضال وإنه يعني القرآن لذكر أي لشرف ~~عظيم لك ولقومك وسوف تسئلون يعني عن حقه وأداء شكره وروى ابن عباس «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى ~~نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل قال لقريش» (ق). عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم ~~اثنان» (خ) عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن هذا ~~الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا ~~الدين» وقيل القوم هم العرب والقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك ~~الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم، وقيل ذكر ~~لك أي ذلك شرف لك بما أعطاك الله من النبوة والحكمة ولقومك يعني المؤمنين ~~بما هداهم الله تعالى به وسوف تسألون عن القرآن وعما يلزمكم من القيام ~~بحقه. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 45 الى 50] # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين (46) ~~فلما جاءهم بآياتنا إذا هم ms3098 منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي أكبر ~~من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) # فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) # قوله تعالى: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون اختلف العلماء من هؤلاء والمسؤولون فروي عن ابن عباس في رواية عنه ~~«لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله عز وجل له آدم وولده من ~~المرسلين فأذن جبريل ثم أقام وقال يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ من الصلاة ~~قال له جبريل سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من أرسلنا الآية فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا أسأل قد اكتفيت. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد ~~قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسأل فلم يشك ولم يسأل فعلى هذا ~~القول قال بعضهم هذه الآية نزلت ببيت المقدس ليلة أسري بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال أكثر المفسرين معناه سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول ابن ~~عباس في أكثر الروايات عنه ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن ومقاتل ~~ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة ~~غير الله عز وجل. # PageV04P110 # قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب ~~العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون أي يسخرون وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها أي قرينتها التي قبلها وأخذناهم بالعذاب أي ~~بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه آيات ~~ودلالات لموسى عليه الصلاة والسلام وعذابا لهم وكانت كل واحدة أكبر من التي ~~قبلها لعلهم يرجعون أي عن كفرهم وقالوا يعني لموسى عليه الصلاة والسلام لما ~~عاينوا العذاب يا أيها الساحر أي العالم الكامل الحاذق وإنما قالوا ذلك له ~~تعظيما وتوقيرا لأن السحر كان عندهم علما عظيما ms3099 وصنعة ممدوحة وقيل معناه يا ~~أيها الذي غلبنا بسحره ادع لنا ربك بما عهد عندك أي بما أخبرتنا عن عهده ~~إليك أنا إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله أن يكشفه عنا إننا لمهتدون أي ~~لمؤمنون فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا فذلك قوله سبحانه وتعالى: فلما ~~كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون أي ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 51 الى 57] # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف ~~قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين (55) # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون (57) # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي يعني أنهار النيل الكبار وكانت تجري تحت قصره وقيل معناه تجري بين يدي ~~جناني وبساتيني، وقيل تجري بأمري أفلا تبصرون أي عظمتي وشدة ملكي أم أنا أي ~~بل أنا خير وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين وقيل فيه إضمار مجازه أفلا ~~تبصرون أم تبصرون ثم ابتدأ فقال أنا خير من هذا الذي هو مهين أي ضعيف حقير ~~يعني موسى ولا يكاد يبين أي يفصح بكلامه للثغته التي كانت في لسانه وإنما ~~عابه بذلك لما كان عليه أولا وقيل معناه ولا يكاد يبين حجته التي تدل على ~~صدقه فيما يدعي ولم يرد به أنه لا قدرة له على الكلام فلولا ألقي عليه أي ~~إن كان صادقا أسورة من ذهب قيل إنهم كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ~~ذهب وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون هلا ألقى رب ~~موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيدا تجب طاعته أو جاء معه الملائكة مقترنين ~~أي متتابعين يقارن بعضهم بعضا يشهدون ms3100 له بصدقه ويعينوه على أمره. # قال الله تعالى: فاستخف يعني فرعون قومه يعني القبط أي وجدهم جهالا وقيل ~~حملهم على الخفة والجهل فأطاعوه أي على تكذيب موسى إنهم كانوا قوما فاسقين ~~يعني حيث أطاعوا فرعون فيما استخفهم به فلما آسفونا أي أغضبونا وهو في حق ~~الله وإرادته العقاب وهو قوله تعالى: انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين يعني جعلنا المتقدمين الماضين عبرة وموعظة لمن ~~يجيء من بعدهم. # قوله تعالى: ولما ضرب ابن مريم مثلا قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في ~~مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى ابن ~~مريم عليه الصلاة والسلام وذلك لما نزل قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم وقد تقدم ذكره في سورة الأنبياء ومعنى الآية ولما ضرب عبد ~~الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعبادة النصارى إياه إذا قومك يعني قريشا منه أي من المثل يصدون أي # PageV04P111 # يرتفع لهم ضجيج وصياح وفرح وقيل يقولون إن محمدا ما يريد منا إلا أن ~~نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 58 الى 61] # وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن ~~هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا ~~منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون ~~هذا صراط مستقيم (61) # وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فنعبده ونطيعه ~~ونترك آلهتنا وقيل معنى أم هو يعني عيسى والمعنى قالوا يزعم محمد أن كل ما ~~عبد من دون الله في النار فنحن قد رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير ~~والملائكة في النار قال الله تعالى: ما ضربوه يعني هذا المثل لك إلا جدلا ~~أي خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب ms3101 جهنم هؤلاء الأصنام بل هم قوم خصمون أي بالباطل. عن أبي أمامة رضي الله ~~تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ضل قوم بعد هدى كانوا ~~عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل هم قوم خصمون» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح ثم ذكر عيسى ~~فقال تعالى: إن هو أي ما عيسى إلا عبد أنعمنا عليه أي بالنبوة وجعلناه مثلا ~~أي آية وعبرة لبني إسرائيل يعرفون به قدرة الله على ما يشاء حيث خلقه من ~~غير أب ولو نشاء لجعلنا منكم الخطاب لأهل مكة ملائكة معناه لو نشاء ~~لأهلكناكم ولجعلنا بدلا منكم ملائكة في الأرض يخلفون أي يكونون خلفا منكم ~~يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني، وقيل يخلف بعضهم بعضا وإنه يعني عيسى ~~لعلم للساعة يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها (ق). عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي ~~بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ~~ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» وفي رواية أبي داود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس بيني وبين عيسى نبي وإنه نازل فيكم فإذا ~~رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن ~~رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل ~~الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله تعالى في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ~~ويهلك الدجال ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» ~~(ق) عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم ~~وإمامكم منكم» وفي رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذؤيب فأمكم بكتاب ربكم عز ~~وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ويروى أنه ينزل عيسى وبيده حربة وهي ~~التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في ms3102 صلاة العصر فيتأخر ~~الإمام ليقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل ~~الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن وقيل ~~في معنى الآية وإنه أي وإن القرآن لعلم للساعة أي يعلم قيامها ويخبركم ~~بأحوالها وأهوالها فلا تمترن بها أي لا تشكن فيها، وقال ابن عباس: لا ~~تكذبوا بها واتبعون أي على التوحيد هذا أي الذي أنا عليه صراط مستقيم. # PageV04P112 # ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 62 الى 66] # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) ~~إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) # ولا يصدنكم أي لا يصرفنكم الشيطان أي عن دين الله الذي أمر به إنه يعني ~~الشيطان لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة أي ~~بالنبوة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه أي من أحكام التوراة وقيل من ~~اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى وقيل الذي جاء به عيسى الإنجيل وهو ~~بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم عيسى في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه فاتقوا ~~الله وأطيعون أي فيما آمركم به إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم أي اختلف الفرق المتحزبة بعد عيسى فويل ~~للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون أي ينتظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة أي فجأة والمعنى أنها تأتيهم لا محالة وهم لا يشعرون. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 67 الى 71] # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) # الأخلاء أي على الكفر والمعصية في ms3103 الدنيا يومئذ يعني يوم القيامة بعضهم ~~لبعض عدو أي إن الخلة إذا كانت كذلك صارت عداوة يوم القيامة إلا المتقين أي ~~إلا الموحدين المتحابين في الله عز وجل المجتمعين على طاعته، روي عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه في الآية قال: «خليلان مؤمنان وخليلان كافران مات ~~أحد المؤمنين فقال يا رب إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك صلى الله ~~عليه وسلم ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا ~~تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني فإذا مات خليله المؤمن جمع ~~بينهما فيقول ليثن كل منكما على صاحبه فيقول نعم الأخ ونعم الخليل ونعم ~~الصاحب، قال ويموت أحد الكافرين فيقول رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك ~~وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فيقول ~~ليثن كل منكما على صاحبه فيقول بئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب». # قوله عز وجل: يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون قيل إن الناس ~~حين يبعثون ليس أحد منهم إلا فزع فينادي مناد يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ~~ولا أنتم تحزنون فيرجوها الناس كلهم فيتبعها الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين فييأس الناس كلهم غير المسلمين فيقال لهم ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون أي تسرون وتنعمون يطاف عليهم بصحاف من ذهب جمع صحفة وهي ~~القصعة الواسعة وأكواب جمع كوب وهو إناء مستدير بلا عروة وفيها أي في الجنة ~~ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين عن عبد الرحمن بن سابط قال «قال رجل يا رسول ~~الله هل في الجنة خيل فإني أحب الخيل قال إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن ~~تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت وسأله آخر ~~فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل فإني أحب الإبل قال فلم يقل ما قال ~~لصاحبه فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك» ~~أخرجه الترمذي وأنتم فيها خالدون. # PageV04P113 ### || [سورة ms3104 الزخرف (43): الآيات 72 الى 81] # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ~~ولكن أكثركم للحق كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين (81) # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها ~~تأكلون ورد في الحديث «أنه لا ينزع أحد في الجنة من ثمرها ثمرة إلا نبت ~~مكانها مثلاها» قوله تعالى: إن المجرمين يعني المشركين في عذاب جهنم خالدون ~~لا يفتر عنهم أي لا يخفف عنهم وهم فيه مبلسون أي آيسون من رحمة الله تعالى: # وما ظلمناهم أي وما عذبناهم بغير ذنب ولكن كانوا هم الظالمين أي لأنفسهم ~~بما جنوا عليها ونادوا يا مالك يعني يدعون مالكا خازن النار يستغيثون به ~~فيقولون ليقض علينا ربك أي ليمتنا بل لنستريح والمعنى توسلوا به ليسأل الله ~~تعالى لهم الموت فيجيبهم بعد ألف سنة قاله ابن عباس، وقيل بعد مائة سنة، ~~وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال «إن أهل النار يدعون مالكا فلا ~~يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم» قال إنكم ماكثون قال هانت والله دعوتهم ~~على مالك وعلى رب مالك ومعنى ماكثون مقيمون في العذاب لقد جئناكم بالحق ~~يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون أم ~~أبرموا أمرا أي أحكموا أمرا في المكر بالرسول صلى الله عليه وسلم فإنا ~~مبرمون أي محكمون أمرا في مجازاتهم إن كاد شرا كدتهم بمثله أم يحسبون أنا ~~لا نسمع سرهم ونجواهم أي ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم بلى نسمع ~~ذلك كله ونعلمه ورسلنا يعني الحفظة من الملائكة لديهم يكتبون قوله عز وجل: ~~قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين معناه ms3105 إن كان للرحمن ولد في قولكم ~~وعلى زعمكم فأنا أول من عبد الرحمن فإنه لا شريك له ولا ولد له، وقال ابن ~~عباس: إن كان أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك. ~~وقيل: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك ولكن لا ولد له، ~~وقيل: العابدين بمعنى الآنفين أي أنا أول الجاحدين المنكرين لما قلتم وأنا ~~أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد. وقال الزمخشري في معنى الآية: إن كان ~~للرحمن ولد وصح وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من ~~يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه ~~وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد ~~والإطناب فيه مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد وذلك أنه علق ~~العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق عليها محالا مثلها ثم ~~نزه نفسه عن الولد فقال تعالى: ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 82 الى 88] # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون (88) # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون أي عما يقولونه من الكذب ~~فذرهم يخوضوا أي في باطلهم ويلعبوا أي في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون يعني يوم القيامة وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله يعني هو ~~الإله الذي يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو وهو الحكيم يعني في ~~تدبير خلقه العليم يعني بمصالحهم وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك ms3106 الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة قيل سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول ~~محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية وأراد بالذين يدعون من دونه آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرا ~~والملائكة بقوله إلا من شهد بالحق لأنهم عبدوا من دون الله ولهم شفاعة وقيل ~~المراد بالذين يدعون من دونه عيسى وعزير والملائكة فإن الله تعالى لا يملك ~~لأحد من هؤلاء # PageV04P114 # الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وهي كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله فمن ~~شهدها بقلبه شفعوا له وهو قوله وهم يعلمون أي بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم ~~وقيل يعلمون أن الله عز وجل خلق عيسى وعزيرا والملائكة ويعلمون أنهم عباده ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله يعني أنهم إذا أقروا بأن الله خالق ~~العالم بأسره فكيف قدموا عبادة غيره فأنى يؤفكون يعني يصرفون عن عبادته إلى ~~غيره وقيله يا رب يعني قوله محمد صلى الله عليه وسلم شاكيا الله ربه يا رب ~~إن هؤلاء قوم لا يؤمنون قال ابن عباس: شكا إلى الله تعالى تخلف قومه عن ~~الإيمان، وقال قتادة: # هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 89] # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # فاصفح عنهم يعني أعرض عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب وقل ~~سلام معناه المتاركة، وقيل معناه قل خيرا بدلا من شرهم فسوف يعلمون يعني ~~عاقبة كفرهم وفيه تهديد لهم وقيل معناه يعلمون أنك صادق، قال مقاتل: نسختها ~~آية السيف والله تعالى أعلم. # PageV04P115 ### | سورة الدخان # مكية وهي سبع وقيل تسع وخمسون آية وثلاثمائة وست وأربعون كلمة وألف ~~وأربعمائة وأحد وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الدخان (44): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) # قوله عز وجل: حم والكتاب المبين يعني المبين ما ms3107 يحتاج الناس إليه من حلال ~~وحرام وغير ذلك من الأحكام إنا أنزلناه في ليلة مباركة قيل هي ليلة القدر ~~أنزل الله تعالى فيها القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ثم نزل ~~به جبريل نجوما على حسب الوقائع في عشرين سنة، وقيل هي ليلة النصف من شعبان ~~عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر ~~من عدد شعر غنم بني كلب» أخرجه الترمذي. إنا كنا منذرين أي مخوفين عقابنا ~~فيها أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل كل أمر حكيم أي محكم، قال ابن ~~عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر ~~والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان وقيل هي ليلة النصف ~~من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات، وروى البغوي بسنده ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن ~~الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى» وعن ابن عباس «إن الله يقضي ~~الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر» أمرا ~~أي أنزلنا أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ومن ~~قبله من الأنبياء. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 6 الى 11] # رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل ~~هم في شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) # يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) # رحمة من ربك قال ابن عباس رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من ~~الرسل وقيل أنزلناه في ليلة مباركة رحمة من ربك إنه هو السميع أي لأقوالهم ~~العليم أي بأحوالهم رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين أي إن ~~الله رب السموات ms3108 والأرض وما بينهما لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب ~~آبائكم الأولين قوله تعالى: بل هم في شك أي من هذا القرآن يلعبون أي يهزئون ~~به لاهون عنه فارتقب أي يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا ~~عذاب أليم (ق) عن مسروق قال: كنا # PageV04P116 # جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد ~~الرحمن إن قاصا عند باب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس ~~الكفار ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام فقام عبد الله وجلس وهو غضبان ~~فقال يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئا فليقل به ومن لا يعلم شيئا ~~فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم فإن الله عز ~~وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين» «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال ~~اللهم سبعا كسبع يوسف» وفي رواية «لما دعا قريشا فكذبوه واستعصوا عليه قال: ~~اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود ~~والميتة من الجوع وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان فأتاه أبو ~~سفيان فقال يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا ~~فادع الله لهم قال الله عز وجل: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى ~~قوله عائدون قال عبد الله فيكشف عذاب الآخرة يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون فالبطشة يوم بدر وفي رواية للبخاري قالوا: # ### || [سورة الدخان (44): الآيات 12 الى 16] # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول ~~مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فقيل له إن كشفناه عنهم عادوا فدعا ربه ~~فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك ms3109 قوله تعالى: فارتقب يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله إنا منتقمون قوله حصت كل شيء بالحاء ~~والصاد المهملتين أي أهلكت واستأصلت كل شيء (ق). عن عبد الله بن مسعود قال: # «خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان قيل أصابهم من الجوع ~~كالظلمة في أبصارهم وسبب ذلك أن في سنة القحط العظيم تيبس الأرض بسبب ~~انقطاع المطر ويرتفع الغبار ويظلم الهواء والجو وذلك يشبه الدخان وقيل هو ~~دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين ~~حتى يكون الرجل رأسه كالرأس الحنيذ يعني المشوي ويعتري المؤمن منه كهيئة ~~الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه، وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن ~~يدل عليه ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج ~~من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، قال حذيفة: يا ~~رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية يوم تأتي السماء بدخان مبين يملأ ما ~~بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة ~~الزكام وأما الكافر فكمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» أنى لهم ~~الذكرى أي كيف يتذكرون ويتعظون بهذه الحالة وقد جاءهم رسول مبين معناه وقد ~~جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على يد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرات والآيات البينات الباهرة ثم تولوا عنه ~~أي أعرضوا عنه وقالوا معلم أي يعلمه بشر مجنون أي تلقي إليه الجن هذه ~~الكلمات حال ما يعرض له الغشي إنا كاشفوا العذاب أي الجوع قليلا أي زمنا ~~يسيرا قيل إلى يوم بدر إنكم عائدون أي إلى كفركم يوم نبطش البطشة الكبرى هو ~~يوم بدر إنا منتقمون أي منكم في ذلك اليوم، وهو قول ابن مسعود وأكثر ~~العلماء وفي رواية عن ابن عباس أنه يوم القيامة. # PageV04P117 # ### || [سورة الدخان (44): الآيات 17 الى ms3110 27] # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) ~~واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ~~ومقام كريم (26) # ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) # قوله تعالى: ولقد فتنا قبلهم أي قبل هؤلاء قوم فرعون وجاءهم رسول كريم ~~يعني على الله وهو موسى بن عمران عليه السلام أن أدوا إلي عباد الله يعني ~~أطلقوا إلي بني إسرائيل ولا تعذبوهم إني لكم رسول أمين يعني على الوحي وأن ~~لا تعلوا على الله يعني لا تتجبروا عليه بترك طاعته إني آتيكم بسلطان مبين ~~يعني ببرهان بين على صدق قولي فلما قال ذلك توعده بالقتل فقال وإني عذت ~~بربي وربكم أن ترجمون أن تقتلون وقال ابن عباس: تشتمون وتقولوا هو ساحر ~~وقيل ترجموني بالحجارة وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون أي فاتركون لا معي ولا ~~علي، وقال ابن عباس: اعتزلوا أذاي باليد واللسان فلم يؤمنوا فدعا ربه أن ~~هؤلاء قوم مجرمون أي مشركون فأسر بعبادي ليلا أي أجاب الله دعاءه وأمره أن ~~يسري ببني إسرائيل بالليل إنكم متبعون أي يتبعكم فرعون وقومه واترك البحر ~~أي إذا قطعته أنت وأصحابك رهوا أي ساكنا والمعنى لا تأمره أن يرجع بل اتركه ~~على حالته حتى يدخله فرعون وقومه، وقيل اتركه طريقا يابسا وذلك أنه لما قطع ~~موسى البحر رجع ليضربه بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون بجنوده فقيل لموسى ~~اترك البحر كما هو إنهم جند مغرقون يعني أخبر موسى بإغراقهم ليطمئن قلبه في ~~تركه البحر كما هو كم تركوا أي بعد الغرق من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ~~أي مجلس شريف حسن ونعمة أي وعيش لين رغد كانوا فيها أي في تلك النعمة ~~فاكهين أي ناعمين وقرئ فكهين أي أشرين بطرين. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 28 ms3111 الى 37] # كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا ~~منظرين (29) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه ~~كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) # وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي ~~إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) ~~أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) # كذلك أي أفعل بمن عصاني وأورثناها قوما آخرين يعني بني إسرائيل فما بكت ~~عليهم السماء والأرض وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض ~~أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده ولا ~~لهم على الأرض عمل صالح فتبكي الأرض عليه. # عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما من مؤمن إلا وله ~~بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه» فذلك قوله ~~تعالى: فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين أخرجه الترمذي وقال ~~حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، قيل: بكاء السماء حمرة ~~أطرافها، وقال مجاهد: # ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا فقيل: أو تبكي، ~~فقال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا ~~تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل وقيل المراد أهل ~~السماء وأهل الأرض وما كانوا منظرين أي لم يمهلوا حين أخذهم العذاب لتوبة ~~ولا لغيرها قوله عز وجل: ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين أي من ~~قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل من فرعون إنه كان عاليا أي ~~جبارا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم أي علمه الله تعالى فيهم على ~~العالمين أي عالمي زمانهم وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين أي نعمة ~~بينة من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والنعم التي أنعمنا ~~بها عليهم وقيل ابتلاؤهم بالرخاء والشدة إن ms3112 هؤلاء يعني # PageV04P118 # مشركي مكة ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى أي لا موتة لنا إلا هذه التي ~~نموتها في الدنيا ولا بعث بعدها وهو قوله وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين بعد ~~موتتنا هذه فأتوا بآبائنا أي الذين ماتوا قبل إن كنتم صادقين أي إنا نبعث ~~أحياء بعد الموت قيل طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيي لهم قصي بن ~~كلاب ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال تعالى: أهم خير أم قوم تبع أم ~~ليسوا خيرا من قوم تبع يعني في الشدة والقوة والكثرة قيل هو تبع الحميري ~~وكان من ملوك اليمن سمي تبعا لكثرة أتباعه وقيل كل واحد من ملوك اليمن يسمى ~~تبعا لأنه يتبع صاحبه الذي قبله كما يسمى في الإسلام خليفة وكان تبع هذا ~~يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه. # عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تسبوا ~~تبعا فإنه كان قد أسلم» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» وعن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا» وكان ~~من قصته على ما ذكر محمد بن إسحاق وغيره، وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: ~~كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق حتى ~~حير الحيرة وبنى سمرقند ورجع من قبل المشرق فجعل طريقه على المدينة وقد كان ~~حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع على خرابها ~~واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ~~فخرجوا لقتاله فكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك ~~وقال: إن هؤلاء لكرام فبينا هو كذلك إذ جاءه حبران عالمان من أحبار بني ~~قريظة وكانا ابني عم اسم أحدهما كعب والآخر أسد حين سمعا ما يريد من إهلاك ms3113 ~~المدينة وأهلها فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل ~~بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فإن هذه المدينة مهاجر نبي يخرج من ~~هذا الحي من قريش اسمه محمد مولده بمكة وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت فيه ~~يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه وفي عدوهم، قال تبع ومن ~~يقاتله وهو نبي قالا يسير إليه قومه فيقتتلون ها هنا فتناهى لقولهما عما ~~كان يريد بالمدينة ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما ~~وأكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن ~~فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا له إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ ~~وزبرجد وفضة قال أي بيت هذا قالوا بيت بمكة وإنما أراد هذيل هلاكه لأنهم ~~عرفوا أنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك فذكر الملك ذلك للأحبار، فقالوا: ما ~~نعلم لله في الأرض بيتا غير هذا البيت الذي بمكة فاتخذه مسجدا وانسك عنده ~~وانحر واحلق رأسك وما أراد القوم إلا هلاكك. وما ناوأه أحد قط إلا هلك ~~فأكرمه واصنع عنده ما يصنعه أهله فلما قالوا له ذلك أخذ أولئك النفر من ~~هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم فلما قدم مكة شرفها الله ~~تعالى نزل بالشعب شعب البطائح وكسا البيت الوصائل وهي برود تصنع باليمن وهو ~~أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به ~~وحلق وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا له ~~لا تدخلها علينا وأنت قد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال: إنه دين خير من ~~دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون ~~إليها فيما يختلفون فيه فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم. # قال تبع أنصفتم فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج ~~الحبران ومصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ~~وخرجت النار فأقبلت حتى ms3114 غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك ~~من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما يتلوان التوراة تعرق جباههما لم ~~تضرهما النار ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ~~ذلك حمير على دينها فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن، وقال الرياشي كان ~~أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يبعث بسبعمائة سنة. # PageV04P119 # وقال كعب ذم الله قومه ولم يذمه. # قوله تعالى: والذين من قبلهم أي من الأمم الكافرة أهلكناهم إنهم كانوا ~~مجرمين. # ### || [سورة الدخان (44): الآيات 38 الى 46] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني ~~مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز ~~الرحيم (42) # إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي ~~الحميم (46) # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق أي ~~بالعدل وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~قوله عز وجل: إن يوم الفصل أي الذي يفصل الله فيه بين العباد ميقاتهم ~~أجمعين أي يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا أي لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئا ولا هم ينصرون أي يمنعون من ~~عذاب الله إلا من رحم الله يعني المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض إنه هو ~~العزيز أي في انتقامه من أعدائه الرحيم أي بأوليائه المؤمنين، قوله تعالى: ~~إن شجرة الزقوم طعام الأثيم أي ذي الإثم وهو أبو جهل كالمهل أي كدردي الزيت ~~الأسود يغلي في البطون أي في بطون الكفار كغلي الحميم يعني كالماء الحار ~~إذا اشتد غليانه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله ~~كالمهل قال كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه» أخرجه ~~الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين سعد وقد تكلم فيه ms3115 من قبل حفظه. # عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت ~~على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ~~صحيح. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 47 الى 56] # خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ~~ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين ~~في مقام أمين (51) # في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم ~~بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) # قوله تعالى: خذوه أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم فاعتلوه أي دافعوه ~~وسوقوه بالعنف إلى سواء الجحيم أي إلى وسط النار ثم صبوا فوق رأسه من عذاب ~~الحميم قيل إن خازن النار يضرب على رأسه فينقب رأسه من دماغه ثم يصب فيه ~~ماء حميما قد انتهى حره ثم يقال له ذق أي هذا العذاب إنك أنت العزيز الكريم ~~أي عند قومك بزعمك وذلك أن أبا جهل لعنه الله كان يقول أنا أعز أهل الوادي ~~وأكرمهم فيقول له خزنة النار هذا على طريق الاستخفاف والتوبيخ إن هذا ما ~~كنتم به تمترون أي تشكون فيه ولا تؤمنون به ثم ذكر مستقر المتقين في مقام ~~أمين أي في مجلس أمنوا فيه من الغير في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق ~~قيل السندس ما رق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وهو معرب إستبر. # فإن قلت كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي. # قلت إذا عرب خرج من أن يكون أعجميا لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا ~~بالتصرف فيه وتغييره عن # PageV04P120 # منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب متقابلين أي يقابل بعضهم بعضا كذلك أي ~~كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون ms3116 واللباس كذلك وأكرمناهم بأن ~~زوجناهم بحور عين أي قرناهم بهن وليس هو من عقد التزويج وقيل جعلناهم ~~أزواجا لهن أي جعلناهم اثنين واثنين الحور من النساء النقيات البيض، وقيل ~~يحار الطرف من بياضهن وصفاء لونهن وقيل الحور الشديدات بياض العينين يدعون ~~فيها بكل فاكهة يعني أرادوها واشتهوها آمنين أي من نفادها ومن مضرتها وقيل ~~آمنين فيها من الموت والأوصاب والشيطان لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى أي لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا إلا ~~وقيل إلا بمعنى لكن، وتقديره ليذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ~~ذاقوها وقيل إنما استثنى الموتة من موت الجنة لأن السعداء حين يموتون ~~يصيرون بلطف الله إلى أسباب الجنة يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم في ~~الجنة فكان موتهم في الدنيا كأنه في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم ~~إياها ووقاهم عذاب الجحيم. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 57 الى 59] # فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ~~(58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # فضلا من ربك يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص من عذاب النار والفوز ~~بالجنة إنما حصل لهم ذلك بفضل الله تعالى وفعل ذلك بهم تفضلا منه ذلك هو ~~الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك أي سهلنا القرآن على لسانك كناية عن غير ~~مذكور لعلهم يتذكرون أي يتعظون فارتقب أي فانتظر النصر من ربك وقيل انتظر ~~لهم العذاب إنهم مرتقبون أي منتظرون قهرك بزعمهم وقيل منتظرون موتك قيل هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب وعمر بن خثعم أحد رواته وهو ضعيف، وقال البخاري: هو ~~منكر الحديث وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حم الدخان ~~ليلة الجمعة غفر له» أخرجه الترمذي وقال هشام أبو المقداد أحد رواته ضعيف ~~والله أعلم. # PageV04P121 ### | سورة الجاثية # وتسمى سورة الشريعة مكية وهي سبع ms3117 وثلاثون آية وأربعمائة وثمان وثمانون ~~كلمة وألفان ومائة وأحد وتسعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) # قوله عز وجل: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السماوات ~~والأرض أي إن في خلق السموات والأرض وهما خلقان عظيمان يدلان على قدرة ~~القادر المختار وهو قوله لآيات للمؤمنين وفي خلقكم أي وخلق أنفسكم من تراب ~~ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا ذا عقل وتمييز وما يبث من دابة أي وما يفرق ~~في الأرض من جميع الحيوانات على اختلاف أجناسها في الخلق والشكل والصورة ~~آيات دلالات تدل على وحدانية من خلقها وأنه الإله القادر المختار لقوم ~~يوقنون يعني أنه لا إله غيره. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 5 الى 11] # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ~~آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) # من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم (11) # واختلاف الليل والنهار يعني بالظلام والضياء والطول والقصر وما أنزل الله ~~من السماء من رزق يعني المطر الذي هو سبب أرزاق العباد فأحيا به أي بالمطر ~~الأرض بعد موتها أي بعد يبسها وتصريف الرياح أي في مهابها فمنها الصبا ~~والدبور والشمال والجنوب ومنها الحارة والباردة وغير ذلك آيات لقوم يعقلون. # فإن قلت ما وجه هذا الترتيب في قوله لآيات للمؤمنين ولقوم يوقنون ~~ويعقلون. # قلت معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا ms3118 في هذه الدلائل النظر الصحيح ~~علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا أنه الإله ~~القادر على كل شيء ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقانا وزال عنهم اللبس ~~فحينئذ استحكم علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في ~~أسرار كتابه تلك آيات الله نتلوها # PageV04P122 # عليك بالحق فبأي حديث بعد الله أي بعد كتاب الله وآياته يؤمنون قوله ~~تعالى: ويل لكل أفاك أثيم أي كذاب صاحب إثم يعني النضر بن الحارث يسمع آيات ~~الله يعني القرآن تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ~~وإذا علم من آياتنا شيئا يعني آيات القرآن اتخذها هزوا أي سخر منها أولئك ~~إشارة إلى من هذه صفته لهم عذاب مهين ثم وصفهم فقال تعالى: من ورائهم جهنم ~~يعني أمامهم جهنم وذلك جهنم وذلك خزيهم في الدنيا ولهم في الآخرة النار ولا ~~يغني عنهم ما كسبوا أي من الأموال شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~أي ولا يغني عنهم ما عبدوا من دون الله من الآلهة ولهم عذاب عظيم هذا يعني ~~القرآن هدى أي هو هدى من الضلالة والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز ~~أليم. # ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 12 الى 17] # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم ~~إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) # وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله أي بسبب ~~التجارة واستخراج منافعه ولعلكم تشكرون ms3119 نعمته على ذلك وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض يعني أنه تعالى خلقها ومنافعها فهي مسخرة لنا من حيث ~~إنا ننتفع بها جميعا منه قال ابن عباس: كل ذلك رحمه منه وقيل كل ذلك تفضل ~~منه وإحسان إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. # قوله عز وجل: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله أي لا ~~يخافون وقائع الله ولا يبالون بمقته، قال ابن عباس: نزلت في عمر بن الخطاب ~~وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر أن يبطش به فأنزل الله هذه ~~الآية وأمره أن يعفو عنه وقيل نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نسخها ~~بآية القتال ليجزي قوما بما كانوا يكسبون أي من الأعمال ثم فسر ذلك فقال ~~تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون. # قوله تعالى: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة والحكم يعني ~~معرفة أحكام الله والنبوة ورزقناهم من الطيبات أي الحلالات وهو ما وسع ~~عليهم في الدنيا وأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم وأنزل عليهم المن والسلوى ~~وفضلناهم على العالمين أي على عالمي زمانهم، قال ابن عباس: لم يكن أحد من ~~العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم وآتيناهم بينات من ~~الأمر أي بيان الحلال والحرام وقيل العلم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وما ~~بين لهم من أمره فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم معناه ~~التعجب من حالهم وذلك لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الاختلاف وهنا صار مجيء ~~العلم سببا لحصول الاختلاف وذلك أنه لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ~~وإنما كان مقصودهم منه طلب الرياسة والتقدم ثم إنهم لما علموا عاندوا ~~وأظهروا النزاع والحسد والاختلاف إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ms3120 كانوا ~~فيه يختلفون. # PageV04P123 # ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 18 الى 23] # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون (22) # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) # ثم جعلناك يا محمد على شريعة أي على طريقة ومنهاج وسنة بعد موسى من الأمر ~~أي من الدين فاتبعها أي اتبع شريعتك الثابتة ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون يعني مراد الكافرين وذلك أنهم كانوا يقولون له أرجع إلى دين آبائك ~~فإنهم كانوا أفضل منك قال الله تعالى: إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا أي ~~لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وإن الظالمين بعضهم ~~أولياء بعض يعني إن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولأولى لهم في ~~الآخرة والله ولي المتقين أي هو ناصرهم في الدنيا ووليهم في الآخرة هذا ~~يعني القرآن بصائر للناس أي معالم للناس في الحدود والأحكام يبصرون به وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون أم حسب الذين اجترحوا السيئات أي اكتسبوا المعاصي والكفر ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات # نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن ~~عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا سواء محياهم ومماتهم # معناه أحسبوا أن حياة الكافرين ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا ~~والمعنى أن المؤمن مؤمن في محياه ومماته في الدنيا والآخرة والكافر كافر في ~~محياه ومماته في الدنيا والآخرة وشتان ما بين الحالين في الحال والمآل ساء ~~ما يحكمون # أي بئس ما يقضون قال مسروق قال لي رجل من أهل مكة ms3121 هذا مقام أخيك تميم ~~الداري ولقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ~~يركع بها ويسجد ويبكي أم حسب الذين اجترحوا السيئات # الآية وخلق الله السماوات والأرض بالحق أي بالعدل ولتجزى كل نفس بما كسبت ~~وهم لا يظلمون ومعنى الآية أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل ~~والرحمة ذلك لا يتم إلا في القيامة ليحصل التفاوت بين المحقين والمبطلين في ~~الدرجات والدركات. # قوله عز وجل: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال ابن عباس: اتخذ دينه ما يهواه ~~فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله ~~وقيل معناه اتخذ معبوده ما تهواه نفسه وذلك أن العرب كانت تعبد الحجارة ~~والذهب والفضة فإذا رأوا شيئا أحسن من الأول رموا بالأول وكسروه وعبدوا ~~الآخر وقيل إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار وأضله الله على علم أي ~~علما منه بعاقبة أمره وقيل على ما سبق في علم الله أنه ضال قبل أن يخلقه ~~وختم على سمعه وقلبه أي فلم يسمع الهدى ولم يعقله بقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة يعني ظلمة فهو لا يبصر الهدى فمن يهديه من بعد الله أي من بعد أن ~~أضله الله أفلا تذكرون قال الواحدي ليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا ~~حيلة لأن الله صرح بمنعه إياه عن الهدى حتى أخبر أنه ختم على سمعه وقلبه ~~وبصره. # PageV04P124 # ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 24 الى 27] # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم ~~يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) # وقالوا يعني منكري البعث. ما هي إلا حياتنا الدنيا يعني ما الحياة ms3122 إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا يعني يموت الآباء ويحيا الأبناء وقيل تقديره نحيا ~~ونموت وما يهلكنا إلا الدهر يعني وما يفنينا إلا ممر الزمان واختلاف الليل ~~والنهار وما لهم بذلك من علم يعني لم يقولوه عن علم علموه إن هم إلا يظنون ~~(ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: ~~«يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» وفي ~~رواية «يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر ~~فإني أنا الدهر أقلب ليلة ونهاره فإذا شئت قبضتهما» وفي رواية «يسب ابن آدم ~~الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» ومعنى هذه الأحاديث أن العرب كان من ~~شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم ~~من المصائب والمكاره فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر ~~الله عز وجل عنهم بقوله وما يهلكنا إلا الدهر فإذا أضافوا إلى الدهر ما ~~نالهم من الشدائد وسبوا فاعلها كان مرجع سبهم إلى الله تعالى إذا هو الفاعل ~~في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر لا الدهر فنهوا عن سبب الدهر ~~قيل لهم لا تسبوا فاعل ذلك فإنه هو الله عز وجل والدهر متصرف فيه يقع به ~~التأثير كما يقع بكم والله أعلم. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين معناه أن منكري البعث احتجوا بأن قالوا إن صح ~~ذلك فأتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث قل الله يحييكم ثم ~~يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون يعني في ~~ذلك اليوم يظهر خسران أصحاب الأباطيل وهم الكافرون يصيرون إلى النار. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 28 الى 32] # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ~~(28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ms3123 إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ~~(30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما ~~مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما ~~الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) # وترى كل أمة جاثية أي باركة على الركب وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ~~ينتظر القضاء قال سلمان الفارسي إن في القيامة ساعة هي عشر سنين يخر الناس ~~فيها جثاة على الركب حتى إبراهيم ينادي ربه لا أسألك إلا نفسي كل أمة تدعى ~~إلى كتابها أي الذي فيه أعمالها ويقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون أي ~~من خير وشر هذا كتابنا يعني ديوان الحفظة. # فإن قلت كيف أضاف الكتاب إليهم أولا بقوله تدعى إلى كتابها وإليه ثانيا ~~بقوله هذا كتابنا. # قلت لا منافاة بينهما فإضافته إليهم لأنه كتاب أعمالهم وإضافته إليه لأنه ~~تعالى هو آمر الحفظة بكتبه ينطق عليكم بالحق أي يشهد عليكم ببيان شاف كأنه ~~ينطق وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي ~~نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم وكتابتها وإثباتها عليكم وقيل نستنسخ أي نأخذ ~~نسخته وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان له ثواب ~~وعليه عقاب ويطرح منه اللغو نحو قولهم هلم واذهب، وقيل الاستنساخ من اللوح ~~المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا # PageV04P125 # يكون إلا من أصل فينسخ كتاب من كتاب فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته أي جنته ذلك هو الفوز المبين أي الظفر الظاهر وأما ~~الذين كفروا أي يقال لهم أفلم تكن آياتي تتلى عليكم يعني آيات القرآن ~~فاستكبرتم أي عن الإيمان بها وكنتم قوما مجرمين يعني كافرين منكرين قوله عز ~~وجل: # وإذا قيل إن وعد الله حق أي البعث كائن والساعة لا ريب فيها أي لا شك في ~~أنها كائنة قلتم ما ندري ms3124 ما الساعة أي أنكرتموها وقلتم إن نظن إلا ظنا أي ~~ما نعلم ذلك إلا حدسا وتوهما وما نحن بمستيقنين أي إنها كائنة. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 33 الى 37] # وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ~~ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ~~(36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # وبدا لهم أي في الآخرة سيئات ما عملوا أي في الدنيا والمعنى بدا لهم جزاء ~~سيئاتهم وحاق بهم أي نزل بهم ما كانوا به يستهزؤن وقيل اليوم ننساكم كما ~~نسيتم لقاء يومكم هذا أي تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين أي ما لكم من مانعين يمنعونكم من العذاب ذلكم أي ~~هذا الجزاء بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا يعني حين ~~قلتم لا بعث ولا حساب فاليوم لا يخرجون منها أي من النار ولا هم يستعتبون ~~أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله والإيمان به لأنه لا يقبل ذلك ~~اليوم عذر ولا توبة فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين معناه ~~فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السموات والأرض والعالمين فإن مثل ~~الربوبية والعامة توجب الحمد والثناء على كل حال وله الكبرياء أي وكبروه ~~فإن له الكبرياء والعظمة في السماوات والأرض وحق لمثله أن يكبر ويعظم وهو ~~العزيز الحكيم (م) عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «العز إزاره والكبرياء رداؤه» قال الله تعالى: «فمن ينازعني ~~عذبته» لفظ مسلم وأخرجه البرقاني وأبو مسعود رضي الله عنهما يقول الله عز ~~وجل: # «العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئا منهما عذبته» ولأبي داود عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ~~«الكبرياء ردائي ms3125 والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار». # (شرح غريب ألفاظ الحديث) قيل هذا الكلام خرج على ما تعتاده العرب في بديع ~~استعاراتهم وذلك أنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثياب يقولون شعار فلان ~~الزهد ولباسه التقوى فضرب الله عز وجل الإزار والرداء مثلا له في انفراده ~~سبحانه وتعالى بصفة الكبرياء والعظمة، والمعنى أنهما ليسا كسائر الصفات ~~التي يتصف بها بعض المخلوقين مجازا كالرحمة والكرم وغيرهما وشبههما بالإزار ~~والرداء لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الإنسان ولأنه لا يشاركه ~~في إزاره وردائه أحد فكذلك الله تعالى لا ينبغي أن يشاركه فيهما أحد لأنهما ~~من صفاته اللازمة له المختصة به التي لا تليق بغيره والله أعلم. # PageV04P126 ### | سورة الأحقاف # مكية وقيل غير قوله قل أرأيتم وقيل وقوله فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل فإنهما نزلتا بالمدينة وهي أربع وقيل خمس وثلاثون آية وستمائة وأربع ~~وأربعون كلمة وألفان وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) # قوله عز وجل: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق أي بالعدل وأجل مسمى يعني يوم القيامة وهو ~~الأجل الذي ms3126 ينتهي إليه فناء السموات والأرض والذين كفروا عما أنذروا أي ~~خوفوا به في القرآن من البعث والحساب معرضون أي لا يؤمنون به قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله يعني الأصنام أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه ~~بيان ما تقولون أو أثارة من علم أي بقية من علم يؤثر عن الأولين ويسند ~~إليهم وقيل برواية عن علم الأنبياء وقيل علامة من علم وقيل هو الخط وهو خط ~~كانت العرب تخطه في الأرض إن كنتم صادقين أي في أن لله شريكا ومن أضل ممن ~~يدعوا من دون الله من لا يستجيب له يعني الأصنام لا تجيب عابد بها إلى شيء ~~يسألونها إلى يوم القيامة يعني لا تجيب أبدا ما دامت الدنيا وهم عن دعائهم ~~غافلون يعني لأنها جمادات لا تسمع ولا تفهم وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين أي جاحدين وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين سموا القرآن سحرا أم يقولون افتراه أي ~~اختلق القرآن محمد من قبل نفسه قال الله عز وجل قل يا محمد إن افتريته فلا ~~تملكون لي من الله شيئا أي لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذبني على ~~افترائي فكيف أفتري على الله من أجلكم هو أعلم أي الله أعلم بما تفيضون فيه ~~أي تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن # PageV04P127 # والقول فيه أنه سحر كفى به شهيدا بيني وبينكم أي إن القرآن جاء من عنده ~~وهو الغفور الرحيم أي في تأخير العذاب عنكم وقيل هو دعاء لهم إلى التوبة ~~ومعناه أنه غفور لمن تاب منكم رحيم به. # ### || [سورة الأحقاف (46): آية 9] # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) # قوله تعالى: قل يا محمد ما كنت بدعا أي بديعا من الرسل أي ms3127 لست بأول مرسل ~~قد بعث قبلي كثير من الأنبياء فكيف تنكرون نبوتي وما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقيل معناه ما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم يوم القيامة ولما نزلت هذه الآية فرح المشركون وقالوا واللات والعزى ما ~~أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وما له علينا من مزية وفضل ولولا أنه ~~ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فأنزل الله عز ~~وجل: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقالت الصحابة هنيئا لك يا ~~نبي الله قد علمت ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله عز وجل: ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار الآية وأنزل وبشر المؤمنين ~~بأن لهم من الله فضلا كبيرا فبين الله ما يفعل به وبهم وهذا قول أنس وقتادة ~~والحسن وعكرمة قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر ~~بغفران ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك (خ) عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم ~~العلاء امرأة من الأنصار وكانت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنه ~~اقتسم المهاجرون قرعة قالت فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا ~~فوجع وجعه الذي توفي فيه فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد ~~أكرمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه، فقلت: ~~بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أما هو فقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا ~~رسول الله ما يفعل بي قالت فو الله لا أزكي بعده أحد يا رسول قالت ورأيت ~~لعثمان في النوم عينا تجري فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ~~فقال ذاك عمله» وفي رواية غير البخاري قالت «لما قدم المهاجرون المدينة ms3128 ~~اقترعت الأنصار على سكناهم قالت فطار لنا عثمان بن مظعون وفيه والله ما ~~أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم وقيل في معنى قوله ما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم هذا في الدنيا أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة وأن من كذبه ~~في النار» فعلى هذا الوجه فقد اختلفوا فيه فقال ابن عباس لما اشتد البلاء ~~بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنام وهو بمكة أرض ذات سباخ ونخل رفعت له يهاجر إليها فقال له أصحابه متى ~~تهاجر إلى الأرض التي أريت فسكت فأنزل الله هذه الآية وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم أأترك في مكاني أم أخرج وأنا وأنتم إلى الأرض التي رفعت لي وقيل ~~«لا أرى إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدنيا أما أنا فلا أدري أخرج كما ~~أخرجت الأنبياء من قبلي أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء من قبلي وأما أنتم ~~أيها المصدقون فلا أدري أتخرجون معي أم تتركون أم ماذا يفعل بكم ولا أدري ~~ما يفعل بكم أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم أم أي ~~شيء يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة ثم أخبره الله عز وجل أن يظهر دينه ~~على الأديان كلها فقال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله» وقال في أمته «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون» فأعلمه ما يصنع به وبأمته وقيل معناه لا أدري إلى ~~ماذا يصير أمري وأمركم ومن الغالب والمغلوب ثم أخبره أنه يظهر دينه على ~~الأديان وأمته على سائر الأمم. # وقوله: إن أتبع إلا ما يوحى إلي معناه ما أتبع غير القرآن الذي يوحى إلي ~~ولا أبتدع من عندي شيئا وما أنا إلا نذير مبين أي أنذركم العذاب وأبين لكم ~~الشرائع. # PageV04P128 ### || [سورة الأحقاف (46): آية 10] # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل ms3129 على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) # قل أرأيتم أي أخبروني ماذا تقولون إن كان من عند الله يعني القرآن وكفرتم ~~به أيها المشركون وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أي أنه من عند الله ~~فآمن يعني الشاهد واستكبرتم أي عن الإيمان به والمعنى إذا كان الأمر كذلك ~~أليس قد ظلمتم وتعديتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين واختلفوا في هذا ~~الشاهد فقيل هو عبد الله بن سلام آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشهد بصحة ~~نبوته واستكبر اليهود فلم يؤمنوا يدل عليه ما روى عن أنس بن مالك قال: بلغ ~~عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو في أرض يخترف ~~النخل فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة ~~وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ~~ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن آنفا جبريل ~~قال فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أول ~~أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله ~~أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة ~~فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كان الشبه لها قال أشهد أنك رسول الله ~~ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني ~~بهتوني عندك فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام فقالوا أعلمنا وابن أعلمنا وخيرنا ~~وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيتم إن أسلم عبد الله ~~قالوا أعاذه الله من ذلك زاد في رواية فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج عبد ~~الله إليهم ms3130 فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا ~~شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه» زاد في رواية «فقال يعني عبد الله بن سلام هذا ~~الذي كنت أخاف يا رسول الله» أخرجه البخاري في صحيحه (ق). «عن سعد بن أبي ~~وقاص قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحي يمشي على الأرض إنه من ~~أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال وفيه نزلت وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~على مثله» قال الراوي لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث وقيل الشاهد هو ~~موسى بن عمران عليه السلام قال مسروق في هذه الآية والله ما نزلت في عبد ~~الله بن سلام لأن آل حم نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة ~~ونزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه ومثل ~~القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن وكل يصدق الآخر ~~فيكون المعنى وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن إنها من عند الله ~~كما شهد محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن أنه كلام الله فآمن من آمن ~~بموسى والتوراة واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن إن ~~لا يهدي القوم الظالمين. قيل إنه تهديد وهو قائم مقام جواب الشرط المحذوف ~~والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين ~~بل تكونون ضالين. # PageV04P129 # ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 11 الى 15] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ~~حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده ~~وبلغ أربعين سنة ms3131 قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ~~(15) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا يعني من اليهود للذين آمنوا لو كان خيرا ~~يعني دين محمد صلى الله عليه وسلم ما سبقونا إليه يعنون عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، وقيل نزلت في مشركي مكة قالوا لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما ~~سبقنا إليه فلان وقيل الذين كفروا أسد وغطفان قالوا للذين آمنوا يعني جهينة ~~ومزينة لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم قال الله ~~تعالى وإذ لم يهتدوا به يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان فسيقولون ~~هذا إفك قديم يعني كذب متقدم ومن قبله يعني من قبل القرآن كتاب موسى يعني ~~التوراة إماما يعني جعلناه إماما يقتدى به ورحمة يعني من الله لمن آمن به ~~وهذا كتاب يعني القرآن مصدق يعني للكتب التي قبله لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا يعني مشركي مكة وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا ~~يعملون تقدم تفسيره. # قوله عز وجل: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا أي يوصل إليهما إحسانا وهو ضد ~~الإساءة حملته أمه كرها يعني حين أثقلت وثقل عليها الولد ووضعته كرها يريد ~~شدة الطلق وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # يعني ومدة حمله إلى أن ينفصل من الرضاع وهو الفطام ثلاثون شهرا. فأقل مدة ~~الحمل ستة أشهر وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا. قال ابن عباس: إذا ~~حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا وإذا حملت ستة أشهر أرضعت ~~أربعة وعشرين شهرا حتى إذا بلغ أشده أي نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه ~~وهو ما بين ثمان عشرة سنة إلى أربعين سنة وهو قوله تعالى: وبلغ أربعين سنة ~~قيل: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص وقد تقدمت القصة. وقيل إنها على ~~العموم والأصح أنها نزلت ms3132 في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وذلك أنه ~~صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشام فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين ~~فقال له الراهب من الرجل الذي في ظل السدرة فقال هو محمد بن عبد الله بن ~~عبد المطلب فقال الراهب: هذا والله نبي وما استظل تحتها بعد عيسى أحد إلا ~~هذا وهو نبي آخر الزمان، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فكان لا ~~يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر، فلما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أربعين سنة أكرمه الله تعالى بنبوته واختصه برسالته فآمن به ~~أبو بكر وصدقه وهو ابن ثمان وثلاثين سنة فلما بلغ أربعين سنة دعا ربه عز ~~وجل: قال رب أوزعني أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي أي ~~بالإيمان والهداية. وقال علي بن أبي طالب في قوله ووصينا الإنسان بوالديه ~~حسنا في أبي بكر أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم ~~أبواه غيره أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده وأن أعمل صالحا ترضاه قال ابن ~~عباس: أجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال ~~ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضا فقال وأصلح لي في ~~ذريتي فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع لأبي بكر إسلام ~~أبويه: أبوه قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو وابنه عبد ~~الرحمن وابن عبد الرحمن أبي عتيق محمد فهؤلاء أربعة أبو بكر وأبوه وابنه ~~عبد الرحمن وابن ابنه محمد كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا ~~ولم يجتمع ذلك لأحد من الصحابة غير أبي بكر وقوله: إني تبت إليك أي رجعت ~~إليك إلى كل ما تحب ms3133 وإني من المسلمين أي: وأسلمت بقلبي ولساني. # PageV04P130 # ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 16 الى 17] # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق ~~فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها ~~في الدنيا وكلها حسن فالأحسن بمعنى الحسن فيثيبهم عليها ويتجاوز عن سيئاتهم ~~فلا يؤاخذهم بها في أصحاب الجنة أي مع أصحاب الجنة وعد الصدق يعني الذي ~~وعدهم بأن يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم ووعده صدق وقيل: # وعدهم بأن يدخلهم الجنة الذي كانوا يوعدون يعني في الدنيا على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: والذي قال لوالديه يعني إذ دعواه ~~إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت أف لكما وهي كلمة كراهية ~~أتعدانني أن أخرج يعني من قبري حيا وقد خلت القرون من قبلي يعني فلم يبعث ~~منهم أحد وهما يستغيثان الله يعني يستصرخان بالله عليه ويقولان له ويلك آمن ~~إن وعد الله حق يعني بالبعث فيقول ما هذا يعني الذي تدعونني إليه إلا ~~أساطير الأولين قال ابن عباس نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل ~~إسلامه وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى ويقول أحيوا لي عبد الله ~~بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون. وأنكرت عائشة أن ~~يكون قد نزل هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر (خ). عن يوسف بن ماهك قال: كان ~~مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع ~~له، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم ~~يقدروا عليه، فقال له مروان: # هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما فقالت عائشة من وراء ~~الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا ms3134 ما أنزل الله في سورة النور ~~من براءتي والقول الصحيح أنه ليس المراد من الآية شخص معين بل المراد كل ~~شخص كان موصوفا بهذه الصفة وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الصحيح والإيمان ~~بالبعث فأبى وأنكر. # وقيل نزلت في كل كافر عاق لوالديه قال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في ~~عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه يبطله قوله تعالى: ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 18 الى 20] # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ~~(19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) # أولئك الذين حق عليهم القول أعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب ~~وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المؤمنين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب أي ~~وجب عليهم العذاب في أمم أي مع أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام ~~فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقيل لكل واحد من الفريقين المؤمنين ~~والكافرين والبار والعاق درجات يعني منازل ومراتب عند الله يوم القيامة ~~بأعمالهم فيجازيهم عليها قيل درجات الجنة تذهب إلى علو ودرجات النار تذهب ~~إلى أسفل وليوفيهم أعمالهم يعني جزاء أعمالهم وهم لا يظلمون قوله عز وجل: # ويوم يعرض الذين كفروا على النار يعني يجاء بهم فيكشف لهم عنها ويقال لهم ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها يعني أن كل ما قدر لكم من ~~الطيبات واللذات فقد أفنيتموه في الدنيا وتمتعتم به فلم يبق لكم بعد ~~استيفاء حظكم منها شيء فاليوم تجزون عذاب الهون أي الذي فيه ذل وخزي بما ~~كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون علق هذا العذاب بأمرين، ~~أحدهما: الاستكبار وهو الترفع، ويحتمل أن ms3135 يكون عن الإيمان، والثاني: الفسق ~~وهو المعاصي، والأول من عمل القلوب، والثاني من عمل الجوارح. # PageV04P131 # (فصل) لما وبخ الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات، آثر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب ~~الآخرة (ق) «عن عمر بن الخطاب قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أستأنس يا رسول الله. ~~قال: نعم فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر ~~إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم ~~ولا يعبدون الله فاستوى جالسا ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم ~~عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا رسول الله (ق). «عن ~~عائشة قالت: ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» (ق) «عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ~~نارا إنما هو الأسودان التمر والماء إلا أن نؤتى باللحيم» وفي رواية أخرى ~~قالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ~~وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال عروة: قلت: يا ~~خالة فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا» عن ابن عباس قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا ~~يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» أخرجه الترمذي وله عن أنس قال: ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أخفت في الله ما لم يخف أحد وأوذيت ~~في الله ما لم يؤذ أحد ولقد أتى علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ~~طعام إلا شيء ms3136 يواري إبط بلال (خ). «عن أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من ~~أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم ~~فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ~~ترى عورته» (خ). «عن إبراهيم بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام ~~وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة إن غطي رأسه ~~بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. قال: وأراه قال: قتل حمزة وهو خير مني، ~~فلم يوجد ما يكفن فيه إلا برده. ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وقد خشيت أن ~~تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام» وقال ~~جابر بن عبد الله: «رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال ما هذا يا ~~جابر؟ قلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: كلما اشتهيت يا جابر اشتريت، ~~أما تخاف هذه الآية: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا؟. # ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 21 الى 25] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم ~~عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه ~~عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين (25) # قوله تعالى: واذكر أخا عاد يعني هودا عليه السلام إذ أنذر قومه بالأحقاف ~~قال ابن عباس: # الأحقاف واد بين عمان ومهرة. وقيل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت ~~بموضع يقال له مهرة. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود، رجعوا ~~إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم. وقيل: إن عادا كانوا أحياء باليمن وكانوا ~~أهل رمل مشرفين ms3137 على البحر بأرض يقال لها الشحر. والأحقاف: جمع حقف وهو ~~المستطيل من الرمل فيه اعوجاج كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا. وقيل: ~~الأحقاف ما استدار من الرمل وقد خلت النذر أي # PageV04P132 # مضت الرسل من بين يديه أي من قبل هود ومن خلفه أي من بعده ألا تعبدوا إلا ~~الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم والمعنى: أن هودا قد أنذرهم بذلك ~~وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو ~~إنذاره قالوا أجئتنا لتأفكنا أي لتصرفنا عن آلهتنا أي عبادتها فأتنا بما ~~تعدنا أي من العذاب إن كنت من الصادقين يعني أن العذاب نازل بنا قال يعني ~~هودا إنما العلم عند الله يعني هو يعلم متى يأتيكم العذاب وأبلغكم ما أرسلت ~~به يعني من الوحي الذي أنزله الله علي وأمرني بتبليغه إليكم ولكني أراكم ~~قوما تجهلون يعني قدر العذاب الذي ينزل بكم فلما رأوه يعني رأوا ما يوعدون ~~به من العذاب ثم بينه فقال تعالى: عارضا يعني رأوا سحابا عارضا وهو السحاب ~~الذي يعرض في ناحية السماء ثم يطبق السماء مستقبل أوديتهم وذلك أنه خرجت ~~عليهم سحابة سوداء من ناحية واد يقال له المغيث وكان قد حبس عنهم المطر مدة ~~طويلة فلما رأوا تلك السحابة استبشروا بها ثم قالوا هذا عارض ممطرنا قال ~~الله ردا عليهم بل هو ما استعجلتم به يعني من العذاب ثم بين ماهية ذلك ~~العذاب فقال تعالى: ريح فيها عذاب أليم ثم وصف تلك الريح فقال تعالى: تدمر ~~كل شيء بأمر ربها يعني تهلك كل شيء مرت به من رجال عاد وأموالهم يقال: إن ~~تلك الريح كانت تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة فلما رأوا ~~ذلك، دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت الأبواب وصرعتهم. ~~وأمر الله الريح، فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية ~~أيام لهم أنين. ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل واحتملتهم فرمت بهم في ~~البحر. وقيل: إن هودا عليه السلام لما أحس بالريح، ms3138 خط على نفسه وعلى من معه ~~من المؤمنين خطا فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة والريح التي تصيب ~~قومه شديدة عاصفة مهلكة وهذه معجزة عظيمة لهود عليه السلام. وقيل: إن الله ~~تعالى أمر خازن الريح أن يرسل عليهم مثل مقدار الخاتم فأهلكهم الله بهذا ~~القدر وفي هذا إظهار كمال القدرة (ق) «عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى ترى منه لهواته إنما كان يتبسم» ~~زاد في رواية: «وكان إذا رأى غيما عرف في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا ~~رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيت غيما عرف في وجهك ~~الكراهة؟ فقال: يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح ~~وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا» وفي رواية قالت «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه ~~فإذا أمطرت السماء سري عنه فرفعته عائشة ذلك فقال وما أدري لعله كما قال ~~قوم هود فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا» الآية وفي ~~رواية أخرى قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم ~~إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما ~~فيها وشر ما أرسلت به» وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر ~~فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: لعله يا عائشة كما ~~قال قوم عاد فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ~~المخيلة: السحاب الذي يظن فيه مطر. وتخيلت السماء: إذا تغيمت. # وقولها: سري عنه أي كشف وأزيل عنه ما كان به من الغم والحزن. # وقوله تعالى: فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم قرئ بالتاء مفتوحة على أنه خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: # ما ترى يا محمد إلا مساكنهم خاوية عاطلة من السكان ليس فيها أحد وقرئ ~~بالياء ms3139 مضمومة والمعنى لا يرى إلا آثار مساكنهم لأن الريح لم تبق منها إلا ~~الآثار والمساكن المعطلة كذلك نجزي القوم المجرمين يخوف بذلك كفار مكة ثم ~~قال تعالى: # PageV04P133 # ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 26 الى 28] # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه الخطاب لأهل مكة يعني مكناهم فيما لم ~~نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول الأعمار وكثرة الأموال وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في ~~أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء يعني أنه لما أنزل بهم العذاب ما ~~أغنى ذلك عنهم شيئا إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤن يعني ونزل بهم العذاب الذي كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء ولقد ~~أهلكنا ما حولكم من القرى الخطاب لأهل مكة يعني أهلكنا قرى ديار ثمود وهي ~~الحجر وسدوم وهي قرى قوم لوط بالشام وقرى قوم عاد باليمن يخوف أهل مكة بذلك ~~وصرفنا الآيات يعني وبينا لهم الحجج والدلائل الدالة على التوحيد لعلهم ~~يرجعون يعني عن كفرهم فلم يرجعوا فأهلكناهم بسبب كفرهم وتماديهم في الكفر ~~فلولا يعني فهلا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة يعني أنهم ~~اتخذوا الأغنام آلهة يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى والقربان كل ما يتقرب ~~به إلى الله تعالى: بل ضلوا عنهم يعني بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند ~~نزول العذاب بهم وذلك إفكهم يعني كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى ~~الله تعالى وتشفع لهم عنده وما كانوا يفترون يعني يكذبون بقولهم إنها آلهة ms3140 ~~وإنها تشفع لهم. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 29] # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) # قوله عز وجل: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن الآية. # (ذكر القصة في ذلك) قال المفسرون: لما مات أبو طالب عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان في حياته يحوطه وينصره ويمنعه ممن يؤذيه، فلما مات وجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحشة من قومه، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف ~~النصرة له والمنعة من قومه فروى محمد بن إسحاق عن زيد بن زياد عن محمد بن ~~كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد ~~إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ~~ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمير. وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس ~~إليهم، فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام ~~معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله ~~أرسلك. وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث: لا أكلمك ~~كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك ~~الكلام وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي» وكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبلغ قومه فيزيد ذلك في تجرئهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم ~~وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع إليه الناس وألجؤوه إلى حائط ~~لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه، فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه منهم، ~~فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي ~~من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله ms3141 عليه وسلم تلك المرأة التي من ~~بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، فأنت رؤوف ~~وأنت أرحم الراحمين، وأنت # PageV04P134 # رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ~~ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور ~~وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي ~~غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك» فلما رأى ~~ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس ~~فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك ~~الرجل وقل له يأكل منه. ففعل عداس ذلك ثم أقبل بالطبق حتى وضعه بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: كل. فلما رفع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يده قال: بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن ~~هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ فقال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل ~~نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن ~~متى؟ # فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه قال فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك، فقد ~~أفسده عليك. فلما جاءهم عداس قال له: ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا ~~الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل. لقد ~~أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. فقال ms3142 له: ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن ~~دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف ~~راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف حتى إذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل ~~يصلي فمر به نفر من جن نصيبين كانوا قاصدين اليمن وذلك حين منعوا من استراق ~~السمع من السماء ورموا بالشهب فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى ~~قومهم منذرين وقد آمنوا به وأجابوا لما سمعوا القرآن فقص الله خبرهم عليه ~~فقال تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن وفي الآية قول آخر وسيأتي في سورة ~~الجن وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس. وروي أن الجن لما رجموا ~~بالشهب بعث إبليس سراياه ليعرف الخبر فكان أول بعث بعث من أهل نصيبين وهم ~~أشراف الجن وساداتهم فبعثهم إلى تهامة. وقال أبو حمزة: بلغنا أنهم من بني ~~الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس فلما رجعوا إلى قومهم ~~قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا وقال جماعة: بل أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله عز وجل ~~إليه نفرا من الجن وهم من أهل نينوى وجمعهم له فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني فأطرقوا ~~ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فتبعه عبد الله بن مسعود قال عبد ~~الله بن مسعود لم يحضر معه أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة ~~دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط لي خطا ثم ~~أمرني أن أجلس فيه وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك فانطلق حتى قام عليهم ~~فافتتح القرآن فجعلت أرى مثال النسور تهوي وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى لا ~~أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل ms3143 قطع السحاب ذاهبين ففرغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منهم مع الفجر فانطلق إلي فقال لي نمت فقلت: لا والله يا رسول ~~الله لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم ~~اجلسوا فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ثم قال: هل رأيت شيئا؟ ~~قلت: نعم رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألوني ~~المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فقالوا يا رسول ~~الله يقذرها الناس علينا فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم ~~والروث قال: فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال: إنهم لا يجدون ~~عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ~~فقلت: يا رسول الله سمعت لغطا شديدا فقال إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم ~~فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأتاني فقال لهم معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ ~~التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ وقال: تمرة طيبة وماء طهور. # PageV04P135 # قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط ~~فأفزعوه حين رآهم ثم قال أظهروا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط. فقال: ما ~~أشبههم بالنفر. الذين صرفوا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ~~قلت حديث التوضؤ بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه الخلافيات ~~بأسانيده وأجاب عنها كلها. # والذي صح عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة فقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو ~~اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ~~فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا ليلة بات ms3144 قوم قال أتاني ~~داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرنا آثارهم ~~وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في ~~أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن. زاد في رواية قال ~~الشعبي: وكانوا من جن الجزيرة أخرجه مسلم في صحيحه وأما تفسير الآية: فقوله ~~تعالى: وإذ صرفنا إليك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني واذكر إذ ~~بعثنا إليك يا محمد نفرا من الجن. # واختلفوا في عدد أولئك النفر فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين ~~فجعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروي عن زر بن ~~حبيش قال: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. # وروي أن الجن ثلاثة أصناف: صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء وصنف ~~على صور الحيات والكلاب وصنف يحلون ويظعنون ونقل بعضهم أن أولئك الجن كانوا ~~يهودا فأسلموا. قالوا في الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففهم اليهود والنصارى ~~والمجوس وعبدة الأصنام وفي مسلمهم مبتدعة ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ~~ذلك من المذاهب والبدع وأطبق المحققون من العلماء على أن الكل مكلفون. سئل ~~ابن عباس هل للجن ثواب؟ # فقال: نعم وعليهم عقاب يستمعون القرآن فلما حضروه الضمير يعود إلى القرآن ~~يعني: فلما حضروا القرآن وقيل يحتمل أنه يعود على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. ويكون المعنى: فلما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأجل استماع ~~القرآن قالوا أنصتوا يعني قال بعضهم لبعض اسكتوا لنسمع قراءته ولا يحول ~~بيننا وبين سماعه شيء فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض ~~من شدة حرصهم على سماعه فلما قضي أي فرغ من قراءته ولوا أي رجعوا إلى قومهم ~~منذرين يعني داعين لهم إلى الإيمان مخوفين لهم من المخالفة ذلك بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لهم وذلك بعد إيمانهم لأنهم لا يدعون غيرهم إلى ms3145 ~~سماع القرآن والتصديق إلا بعد إيمانهم به وتصديقهم له. # ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 30 الى 33] # قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أولم يروا ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ~~بلى إنه على كل شيء قدير (33) # قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا قال عطاء: كان ~~دينهم اليهودية ولذلك قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ~~مصدقا لما بين يديه يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء وذلك أن كتب ~~الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد وتصديق الأنبياء والإيمان ~~بالمعاد والحشر والنشر وجاء هذا الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم كذلك فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتب يهدي إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم يعني: يهدي إلى دين الحق وهو دين الإسلام ويهدي إلى طريق ~~الجنة يا قومنا أجيبوا داعي # PageV04P136 # الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه لا يوصف بهذا غيره وفي الآية ~~دليل على أنه مبعوث إلى الإنس والجن جميعا قال مقاتل لم يبعث الله نبيا إلى ~~الإنس والجن قبله وآمنوا به. # فإن قلت قوله تعالى أجيبوا داعي الله أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل ~~فيه الأمر بالإيمان فلم أعاد ذكره بلفظ التعيين. # قلت: إنما أعاده لأن الإيمان أهم أقسام المأمور به وأشرفها فلذلك ذكره ~~على التعيين فهو من باب ذكر العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم قال بعضهم: لفظة من هنا زائدة والتقدير يغفر ~~لكم ذنوبكم وقيل: هي على أصلها وذلك أن الله يغفر من الذنوب ما كان قبل ~~الإسلام ms3146 فإذا أسلموا جرت عليهم أحكام الإسلام فمن أتى بذنب أخذ به ما لم ~~يتب منه أو يبقى تحت خطر المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء آخذه بذنبه ~~واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من ~~النار. وتأولوا قوله: يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم. وإليه ذهب ~~أبو حنيفة. وحكي عن الليث قال: ثوابهم أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: ~~كونوا ترابا مثل البهائم. وعن أبي الزناد قال: إذا قضى بين الناس، قيل ~~لمؤمني الجن: عودوا ترابا، فيعودون، ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني ~~كنت ترابا. وقال الآخرون: # لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس وهذا هو ~~الصحيح وهو قول ابن عباس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. قال الضحاك: الجن ~~يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وقال أرطأة بن المنذر: # سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم وقرأ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان قال: فالإنسيات للإنس والجنيات للجن وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني ~~الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها يعني في الجنة. # وقوله تعالى: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض يعني لا يعجز ~~الله فيفوته وليس له من دونه أولياء يعني أنصارا يمنعونه من الله أولئك ~~يعني الذين لم يجيبوا داعي الله في ضلال مبين قوله تعالى: أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن يعني أنه تعالى خلق هذا ~~الخلق العظيم ولم يعجز عن إبداعه واختراعه وتكوينه بقادر على أن يحيي ~~الموتى يعني أن إعادة الخلق وإحياءه بعد الموت أهون عليه من إبداعه وخلقه ~~فالكل عليه هين إبداع الخلق وإعادته بعد الموت وهو قوله بلى إنه على كل شيء ~~قدير يعني من إماتة الخلق وإحيائهم لأنه قادر على كل شيء. ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 34 الى 35] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم ms3147 تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ ~~فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) # ويوم يعرض الذين كفروا على النار فيه إضمار تقديره فيقال لهم أليس هذا ~~بالحق يعني هذا العذاب هو الذي وعدكم به الرسل وهو الحق قالوا بلى وربنا ~~هذا اعتراف منهم على أنفسهم بعد ما كانوا منكرين لذلك وفيه توبيخ وتقريع ~~لهم فعند ذلك قال لهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قوله عز وجل: فاصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله ~~تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر على أذى قومه قال ابن عباس ~~ذوو الحزم وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. # واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم فقال ابن زيد: كل الرسل كانوا ~~أولي عزم لم يبعث الله نبيا إلا # PageV04P137 # كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. وهذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين ~~الرازي. قال: لأن لفظة من في قوله من الرسل للتبين لا للتبعيض كما تقول: ~~ثوب من خز كأنه قيل له اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم وصفهم ~~بالعزم لقوة صبرهم وثباتهم وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس ~~لعجلة كانت فيه ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ولا تكن كصاحب ~~الحوت وقال قوم: أولي العزم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ~~ثمانية عشر نبيا لقوله بعد ذكرهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وقال ~~الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشرة لأعداء الله. وقيل: هم ~~ستة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، وهم المذكورون على النسق في ~~سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، ~~وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، في قول، ويعقوب صبر على فقد ~~ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على الجب والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن ~~عباس وقتادة: ms3148 هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وخمسة قد ذكرهم الله على التخصيص ~~والتعيين في قوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم وفي قوله: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية روى ~~البغوي بسنده عن عائشة قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من ~~أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ولم يرض إلا أن كلفني ~~ما كلفهم فقال: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وإني والله لا بد لي من ~~طاعته والله لأصبرن كما صبروا ولأجهدن كما جهدوا ولا قوة إلا بالله». # قوله تعالى: ولا تستعجل لهم يعني اصبر على أذاهم لا تستعجل بنزول العذاب ~~عليهم فإنه نازل بهم لا محالة كأنه صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر فأحب ~~أن ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمره الله تعالى بالصبر وترك الاستعجال ثم ~~أخبر بقرب العذاب فقال تعالى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون يعني من العذاب في ~~الآخرة لم يلبثوا يعني في الدنيا إلا ساعة من نهار يعني أنهم إذا عاينوا ~~العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه قدر ساعة من نهار لأن ما مضى ~~وإن كان طويلا فهو يسير إلى ما يدوم عليهم من العذاب وهو أبد الآبدين بلا ~~انقطاع ولا فناء وتم الكلام عند قوله ساعة من نهار ثم ابتدأ فقال تعالى: ~~بلاغ أي هذا القرآن وما فيه من البينات والهدى بلاغ من الله إليكم. ~~والبلاغ: بمعنى التبليغ فهل يهلك يعني: بالعذاب إذا نزل إلا القوم الفاسقون ~~يعني الخارجين عن الإيمان بالله وطاعته قال الزجاج: تأويله لا يهلك من رحمة ~~الله وفضله إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم ما في الرجاء لرحمة الله آية ~~أقوى من هذه الآية والله أعلم. # PageV04P138 # سورة محمد صلى الله عليه وسلم # مدنية ms3149 وهي ثمان وثلاثون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة محمد (47): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) # قوله عز وجل: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم يعني أبطلها ~~ولم يتقبلها منهم. وأراد بالأعمال: ما كانوا يفعلون من أعمال البر في إطعام ~~الطعام، وصلة الأرحام وفك العاني وهو الأسير، وإجارة المستجير، ونحو ذلك. ~~وقال بعضهم: أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة كأن قائلا ~~قال: # كيف يهلك القوم الفاسقون ولهم أعمال صالحة كإطعام الطعام ونحوه من ~~الأعمال والله لا يضيع لعامل عمله ولو كان مثقال ذرة من خير فأخبر بأن ~~الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم يعني أبطلها لأنها ~~لم تكن لله ولا بأمره إنما فعلوها من عند أنفسهم ليقال عنهم ذلك فلهذا ~~السبب أبطلها الله تعالى وقال الضحاك: # أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعل الدائرة عليهم. قال ~~بعضهم: المراد بقوله، الذين كفروا هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر وهم ~~رؤوس كفار قريش منهم أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~وغيرهم. وقيل: هم جميع كفار قريش وقيل هم كفار أهل الكتاب وقيل هو عام ~~فيدخل فيه كل كافر وصدوا عن سبيل الله يعني ومنعوا غيرهم عن الدخول في دين ~~الله وهو الإسلام أو منعوا أنفسهم من الدخول في الإسلام أضل أعمالهم يعني ~~أبطلها لأنها كانت لغير الله ومنه قوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا والذين آمنوا وعملوا الصالحات قال ابن عباس الذين ~~كفروا مشركو قريش، والذين آمنوا هم الأنصار وقيل مؤمنو أهل الكتاب وقيل هو ~~عام فيدخل فيه كل مؤمن آمن بالله ورسوله وهذا هو الأولى ليشمل جميع ms3150 ~~المؤمنين وآمنوا بما نزل على محمد يعني القرآن الذي أنزله الله على محمد ~~وإنما ذكره بلفظ الاختصاص مع ما يجب من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الله تعظيما لشأن القرآن الكريم وتنبيها على أنه لا ~~يتم الإيمان إلا به وأكد ذلك بقوله: وهو الحق من ربهم وقيل: معناه أن دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق لأنه ناسخ للأديان كلها ولا يرد عليه نسخ ~~وقال سفيان الثوري في قوله آمنوا بما نزل على محمد يعني لم يخالفوه في شيء ~~كفر عنهم سيئاتهم يعني ستر بأيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر ~~والمعاصي لرجوعهم وتوبتهم منها فغفر لهم بذلك ما كان منهم وأصلح بالهم يعني ~~حالهم وشأنهم وأمرهم بالتوفيق في أمور الدين والتسليط على أمور الدنيا بما ~~أعطاهم من النصر على أعدائهم. وقيل أصلح بالهم يعني قلوبهم لأن القلب إذا # PageV04P139 # صلح صلح سائر الجسد وقال ابن عباس عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح ~~يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ~~يعني الشيطان وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم يعني القرآن ومعنى الآية ~~ذلك الأمر وهو إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات المؤمنين كائن بسبب إتباع ~~الكفار الباطل وإتباع المؤمنين الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ~~الضمير في أمثالهم راجع إلى الناس على أنه تعالى يضرب للناس أمثال أنفسهم ~~أو أنه راجع إلى الفريقين على معنى أنه تعالى ضرب أمثال الفريقين للناس ~~ليعتبروا بها قال الزجاج كذلك يضرب الله أمثال حسنات المؤمنين وأمثال أعمال ~~الكافرين للناس. ### || [سورة محمد (47): آية 4] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) # قوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا من اللقاء وهو الحرب فضرب الرقاب ~~يعني: فاضربوا رقابهم ضربا. وضرب ms3151 الرقاب، عبارة عن القتل، إلا أن المراد ~~ضرب الرقاب فقط دون سائر الأعضاء وإنما خص الرقاب بالضرب، لأن قتل الإنسان ~~أشنع ما يكون بضرب رقبته فلذلك خصت بالذكر في الأمر بالقتل ولأن الرأس من ~~أشرف أعضاء البدن فإذا أبين عن بدنه كان أسرع إلى الموت والهلاك بخلاف غيره ~~من الأعضاء حتى إذا أثخنتموهم يعني بالغنم في القتل وقهرتموهم مأخوذ من ~~الشيء الثخين الغليظ. والمعنى: إذا اثقلتموهم بالقتل والجراح ومنعتموهم ~~النهوض والحركة فشدوا الوثاق يعني في الأسرى والمعنى فأسروهم وشدوا وثاقهم ~~حتى لا يفلتوا منكم والوثاق اسم لما يوثق به أي يشد به فإما منا بعد وإما ~~فداء يعني بعد الأسر إما أن تمنوا عليهم منا بإطلاقهم من غير عوض وإما أن ~~تفادوهم فداء. # (فصل: في حكم الآية) اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة ~~بقوله فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم وبقوله فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وهذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وإليه ذهب الأوزاعي ~~وأصحاب الرأي قالوا لا يجوز لمن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء ~~بل إما القتل أو الاسترقاق أيهما رأى الإمام. ونقل صاحب الكشاف عن مجاهد ~~قال ليس اليوم من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق ويجوز أن يكون ~~المراد أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا لقبول الجزية ~~إن كانوا من أهل الذمة ويراد بالفداء أن يفادى بأسراهم أسرى المسلمين فقد ~~رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة والمشهور عنه أنه لا يرى فداءهم لا بمال ~~ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية ~~محكمة والإمام بالخيار في الرجال البالغين من الكفار إذا أسروا بين أن ~~يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو ~~بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة ~~والعلماء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس: لما كثر ~~المسلمون واشتد سلطانهم أنزل ms3152 الله عز وجل في الأسارى فإما منا بعد وإما ~~فداء وهذا القول هو الصحيح ولأنه به عمل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ~~بعده (ق) عن أبي هريرة قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ~~فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه في سارية من سواري ~~المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ~~عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد ~~المال فسل تعط منه ما شئت فتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من ~~الغد قال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن ~~تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا # PageV04P140 # ثمامة قال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم ~~وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: # أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله ما كان على ~~الأرض أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من ~~دين أبغض من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي والله ما كان من بلد أبغض ~~إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد ~~العمرة فماذا ترى فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم ~~مكة قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» لفظ مسلم بطوله ms3153 واختصره البخاري عن عمران بن حصين قال «أسر ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف ~~قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففداه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالرجلين للذين أسرتهما ثقيف» أخرجه الشافعي في مسنده ~~وأخرجه مسلم وأبو داود بلفظ أطول من هذا. # وقوله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها يعني أثقالها وأحمالها والمراد أهل ~~الحرب يعني حتى يضعوا أسلحتهم ويمسكوا عن القتال وأصل الوزر: ما يحمله ~~الإنسان فسمى الأسلحة وزرا لأنها تحمل. وقيل: الحرب هم المحاربون مثل الشرب ~~والركب. وقيل: الأوزار الآثام. ومعناه: حتى يضع المحاربون أوزارهم بأن ~~يتوبوا من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. وقيل: معناه حتى تضع حربكم وقتالكم ~~أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا. ومعنى الآية: أثخنوا المشركين ~~بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام ويكون الدين كله لله فلا ~~يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام وجاء في ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن ~~يقاتل آخر متى الدجال» هكذا ذكره البغوي بغير سند قال الكلبي معناه حتى ~~يسلموا أو يسالموا. قال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم ذلك يعني ~~الذي ذكر وبين من حكم الكفار ولو يشاء الله لانتصر منهم يعني ولو شاء الله ~~لأهلكهم بغير قتال وكفاكم أمرهم ولكن يعني ولكن أمركم بالقتال ليبلوا بعضكم ~~ببعض يعني فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى ~~العذاب والذين قتلوا في سبيل الله يعني الشهداء وقرئ قاتلوا وهم المجاهدون ~~في سبيل الله فلن يضل أعمالهم يعني فلن يبطلها بأن يوفيهم ثواب أعمالهم ~~التي عملوها لله تعالى قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أحد وقد ~~فشت في المسلمين الجراحات والقتل. # ### || [سورة محمد (47): الآيات 5 الى 7] # سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ms3154 ينصركم ويثبت أقدامكم (7) # سيهديهم يعني أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور في الآخرة إلى ~~الدرجات العلي ويصلح بالهم ويرضي أعمالهم ويقبلها ويدخلهم الجنة عرفها لهم ~~يبين لهم منازلهم في الجنة حتى اهتدوا إلى مساكنهم لا يخطئونها ولا يستدلون ~~عليها كأنهم ساكنوها منذ خلقوا فيكون المؤمن أهدى إلى درجته ومنزله وزوجته ~~وخدمه منه إلى منزله وأهله في الدنيا هذا قول أكثر المفسرين. ونقل عن ابن ~~عباس عرفها لهم طيبها لهم من العرف وهو الريح الطيبة وطعام معرف أي مطيب. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله يعني تنصروا دين الله ~~ورسوله وقيل: تنصروا أولياء الله وحزبه ينصركم يعني على عدوكم ويثبت ~~أقدامكم يعني عند القتال وعلى الصراط. # PageV04P141 # ### || [سورة محمد (47): الآيات 8 الى 14] # والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما ~~تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ~~(13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) # والذين كفروا فتعسا لهم قال ابن عباس: يعني بعدا لهم. وقال أبو العالية: ~~سقوطا لهم وقال الضحاك: # خيبة لهم. وقال ابن زيد: شقاء لهم. وقيل: التعس في الدنيا العثرة وفي ~~الآخرة التردي في النار. يقال للعاثر: # تعسا إذا دعوا عليه ولم يريدوا قيامه وضده لعا إذا دعوا له وأرادوا قيامه ~~وفي هذا إشارة جليلة وهي أنه تعالى لما قال في حق المؤمنين ويثبت أقدامكم، ~~يعني في الحرب والقتال، كان من الجائز أن يتوهم متوهم أن الكافر أيضا يصبر ~~ويثبت قدمه في الحرب والقتال فأخبر الله تعالى أن لكم الثبات أيها المؤمنون ~~ولهم العثار والزوال ms3155 والهلاك وقال في حق المؤمنين بصيغة الوعد لأن الله ~~تعالى لا يجب عليه شيء وقال في حق الكفار بصيغة الدعاء عليهم وأضل أعمالهم ~~يعني أبطل أعمالهم لأنها كانت في طاعة الشيطان ذلك يعني التعس والإضلال ~~بأنهم كرهوا ما أنزل الله يعني القرآن الذي فيه النور والهدى وإنما كرهوه ~~لأن فيه الأحكام والتكاليف الشاقة على النفس لأنهم كانوا قد ألفوا الإهمال ~~وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك والأخذ بالجد والاجتهاد في ~~طاعة الله فلهذا السبب كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم يعني فأبطل ~~أعمالهم التي عملوها في غير طاعة الله ولأن الشرك محبط للعمل. # ثم خوف الكفار فقال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم يعني من الأمم الماضية والقرون الخالية الكافرة دمر الله ~~عليهم يقال: دمره الله. يعني أهلكه، ودمر عليه إذا أهلك ما يختص به والمعنى ~~أهلك الله عليهم ما يختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وللكافرين يعني ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم أمثالها يعني إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبما جاءهم به من عند الله وهذا التضعيف إنما يكون في الآخرة ذلك يعني ~~الإهلاك والهوان بأن أي بسبب أن الله مولى الذين آمنوا يعني هو ناصرهم ~~ووليهم ومتولي أمورهم وأن الكافرين لا مولى لهم يعني لا ناصر لهم وسبب ذلك ~~أن الكفار لما عبدوا الأصنام وهي جماد لا تضر ولا تنفع ولا تنصر من عبدها ~~فلا جرم ولا ناصر لهم والفرق بين قوله: «وأن الكافرين لا مولى لهم وبين ~~قوله ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق أن المولى هنا بمعنى الناصر والمولى ~~هناك بمعنى الرب والمالك والله تعالى رب كل أحد من الناس ومالكهم فبان ~~الفرق بين الآيتين ولما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا ~~ذكر حالهم في الآخرة فقال تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار يعني هذا لهم في الآخرة والذين كفروا يتمتعون ~~يعني في الدنيا بشهواتها ولذاتها ms3156 ويأكلون كما تأكل الأنعام يعني ليس لهم ~~همة إلا بطونهم وفروجهم وهم مع ذلك لاهون ساهون عما يراد بهم في غد ولهذا ~~شبههم بالأنعام لأن الأنعام لا عقل لها ولا تمييز وكذلك الكافر لا عقل له ~~ولا تمييز لأنه لو كان له عقل ما عبد ما يضره ولا ينفعه. قيل: المؤمن في ~~الدنيا يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع وإنما وصف الكافر بالتمتع في ~~الدنيا لأنها جنته وهي سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من ~~النعيم العظيم الدائم والنار مثوى لهم يعني مقام الكفار في الآخرة. ~~والثواء: المقام في المكان مع الاستقرار فيه، فالنار مثوى الكافرين ~~ومستقرهم. # قوله تعالى: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك يعني أخرجك ~~أهلها. والمراد بالقرية: مكة. قال ابن عباس: كم من رجال هي أشد قوة من أهل ~~مكة أهلكهم الله يدل عليه قوله أهلكناهم # PageV04P142 # ولم يقل أهلكناها فلا ناصر لهم يعني فلا مانع يمنعهم من العذاب والهلاك ~~الذي حل بهم قال ابن عباس: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار ~~التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأحب بلاد الله إلي ~~ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك، فأنزل الله هذه الآية أفمن كان ~~على بينة من ربه يعني على يقين من دينه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون معه كمن زين له سوء عمله وهو الكافر أبو جهل ومن معه من المشركين ~~واتبعوا أهواءهم يعني في عبادة الأوثان. # ### || [سورة محمد (47): الآيات 15 الى 17] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله ms3157 على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) # قوله عز وجل: مثل الجنة التي وعد المتقون لما بين الله عز وجل حال ~~الفريقين في الاهتداء والضلال بين في هذه الآية ما أعد لكل واحد من ~~الفريقين فبين أولا ما أعد للمؤمنين المتقين فقال تعالى: مثل الجنة التي ~~وعد المتقون يعني صفة الجنة. قال سيبويه: المثل هو الوصف فمعناه وصف الجن ~~وذلك لا يقتضي مشبها به. # وقيل: الممثل به محذوف غير مذكور والمعنى مثل الجنة التي وعد المتقون مثل ~~عجيب وشيء عظيم وقيل: # الممثل به مذكور وهو قوله: كمن هو خالد في النار فيها يعني الجنة التي ~~وعد المتقون أنهار من ماء غير آسن يعني غير متغير ولا منتن. يقال: أسن ~~الماء وأجن إذا تغير طعمه وريحه وأنهار من لبن لم يتغير طعمه يعني كما ~~تتغير ألبان الدنيا فلا يعود حامضا ولا قارصا ولا ما يكره من الطعوم وأنهار ~~من خمر لذة للشاربين يعني ليس فيها حموضة ولا عفوصة ولا مرارة ولم تدنسها ~~الأرجل بالدوس ولا الأيدي بالعصر وليس من شرابها ذهاب عقل ولا صداع ولا ~~خمار بل هي لمجرد الالتذاذ فقط وأنهار من عسل مصفى يعني ليس فيه شمع كعسل ~~الدنيا ولم يخرج من بطون النحل حتى يموت فيه بعض نحله بل هو خالص صاف من ~~جميع شوائب عسل الدنيا. # عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في ~~الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (م) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة» قال ~~الشيح محيي الدين النووي في شرح مسلم: # سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون فأما سيحان جيحان المذكوران في الحديث ~~اللذان هما من أنهار الجنة فهما في بلاد الأرمن فسيحان نهر أردنة وجيحان ~~نهر المصيصة وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان هذا هو الصواب في ms3158 موضعهما ~~ثم ذكر كلاما بعد هذا طويلا. ثم قال: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة، ~~ففيه تأويلان الثاني، وهو الصحيح، أنها على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة. ~~فالجنة مخلوقة موجودة اليوم هذا مذهب أهل السنة. وقال كعب الأحبار: نهر ~~دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر ~~سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر هكذا نقله ~~البغوي عنه. # وقوله تعالى: ولهم فيها من كل الثمرات في ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة ~~إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا الحاجة فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب لأنها ~~للتفكه واللذة ومغفرة من ربهم فإن قلت: المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا ~~بعد المغفرة، فكيف يكون له فيها المغفرة. # قلت ليس بلازم أن يكون المعنى ولهم مغفرة فيها لأن الواو لا تقتضي ~~الترتيب فيكون المعنى ولهم فيها من # PageV04P143 # كل الثمرات ولهم مغفرة قبل دخولهم إليها، وجواب آخر وهو أن المعنى ولهم ~~مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون ويشربون بخلاف الدنيا فإن ~~مأكولها يترتب عليه حساب وعقاب ونعيم الجنة لا حساب عليه ولا عقاب فيه قوله ~~تعالى: كمن هو خالد في النار يعني من هو في هذا النعيم المقيم الدائم كمن ~~هو خالد في النار يتجرع من حميمها وهو قوله وسقوا ماء حميما يعني شديد الحر ~~قد استعرت عليه جهنم منذ خلقت، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم ~~فإذا شربوه فقطع أمعاءهم يعني فخرجت من أدبارهم والأمعاء جمع معي وهو جميع ~~ما في البطن من الحوايا. # وقال الزجاج: قوله كمن هو خالد في النار راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى ~~قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ~~وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم. # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحميم ليصب على ~~رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه ~~وهو ms3159 الصهر ثم يعاد» كما كان أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن صحيح. # عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله يسقى من ماء صديد ~~يتجرعه قال: يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا دنا منه وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا ~~شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. قال الله تعالى: ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~ويقول: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه» أخرجه الترمذي وقال ~~حديث غريب. # قوله تعالى: ومنهم يعني ومن هؤلاء الكفار من يستمع إليك وهم المنافقون ~~يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه تهاونا به وتغافلا عنه حتى إذا خرجوا ~~من عندك يعني أن هؤلاء المنافقين الذين كانوا عندك يا محمد يستمعون كلامك ~~فإذا خرجوا من عندك قالوا يعني المنافقين للذين أوتوا العلم يعني من ~~الصحابة ماذا قال آنفا يعني ما الذي قال محمد الآن وهو من الائتناف. يقال: ~~ائتنفت الأمر أي ابتدأته قال مقاتل: # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا ~~من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال ابن عباس وقد سئلت فيمن سئل أولئك يعني المنافقين الذين طبع الله ~~على قلوبهم يعني فلم يؤمنوا ولم ينتفعوا بما سمعوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واتبعوا أهواءهم يعني في الكفر والنفاق والمعنى أنهم لما تركوا ~~إتباع الحق أمات الله قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل فعند ذلك اتبعوا أهواءهم في ~~الباطل والذين اهتدوا يعني المؤمنين لما بين الله أن المنافق يسمع ولا ~~ينتفع بل هو مصر على متابعة الهوى بين حال المؤمن المهتدي الذي ينتفع بما ~~يستمع فقال تعالى: والذين اهتدوا يعني بهداية الله إياهم إلى الإيمان زادهم ~~هدى يعني أنهم كلما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جاء به عن ~~الله عز وجل آمنوا بما سمعوا منه وصدقوه فيزيدهم ذلك هدى مع هدايتهم ~~وإيمانا مع إيمانهم وآتاهم تقواهم يعني وفقهم للعمل بما أمرهم به وهو ~~التقوى. وقال ms3160 سعيد بن جبير: آتاهم ثواب تقواهم، وقيل: آتاهم نفس تقواهم، ~~بمعنى أنه تعالى بين لهم التقوى. # ### || [سورة محمد (47): الآيات 18 الى 19] # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) # قوله عز وجل: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة يعني الكافرين ~~والمنافقين الذين قعدوا عن الإيمان فلم يؤمنوا فالساعة بغتة تفجؤهم وهم على ~~كفرهم ونفاقهم ففيه وعيد وتهديد والمعنى لا ينظرون إلى الساعة والساعة آتية ~~لا محالة وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بادروا بالأعمال ~~سبعا فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو # PageV04P144 # مرضا مفسدا أو هرما مقيدا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو ~~الساعة والساعة أدهى وأمر» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وقوله تعالى: فقد ~~جاء أشراطها أي أماراتها وعلاماتها واحدها شرط. # ولما كان قيام الساعة أمرا مستبطأ في النفوس وقد قال الله تعالى: فهل ~~ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فكأن قائلا قال متى يكون قيام الساعة ~~فقال تعالى: فقد جاء أشراطها قال المفسرون: من أشراط الساعة انشقاق القمر ~~وبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق). عن سهل بن سعد قال: «رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال بإصبعه هكذا الوسطى والتي تلي الإبهام وقال: ~~بعثت أنا والساعة كهاتين وفي رواية قال بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير ~~بإصبعيه يمدهما» (ق) عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت ~~أنا والساعة كهاتين كفضل أحدهما على الأخرى وضم السبابة والوسطى وفي رواية ~~قال بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى» قيل معنى الحديث أن ~~المراد أن ما بين مبعثه صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة شيء يسير كما بين ~~الإصبعين في الطول وقيل هو إشارة إلى قرب المجاورة (ق) عن أنس قال عند قرب ~~وفاته ألا ms3161 أحدثكم حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تقوم الساعة أو قال من أشراط ~~الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنى ويذهب الرجال ~~ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم. وفي رواية ويظهر الزنى ويقل ~~الرجال ويكثر النساء» (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويبقى ~~الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل وفي رواية: يرفع العلم ويثبت ~~الجهل أو قال ويظهر الجهل» (خ) عن أبي هريرة قال: «بينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حديثه فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال ~~وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة قال: ~~ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال وكيف ~~إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». # وقوله تعالى: فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم يعني فمن أين لهم التذكر ~~والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة. وقيل: معناه كيف يكون حالهم إذا ~~جاءتهم الساعة فلا تنفعهم الذكرى ولا تقبل منهم التوبة ولا يحتسب بالإيمان ~~في ذلك الوقت فاعلم أنه لا إله إلا الله الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # وأورد على هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله وأنه لا إله إلا ~~هو فما فائدة هذا الأمر. # وأجيب عنه بأن معناه: دم على ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل ~~للجالس: اجلس أي دم على ما أنت عليه من الجلوس أو يكون معناه ازدد علما إلى ~~علمك. وقيل: إن هذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد به ~~غيره من أمته. قال أبو العالية وسفيان بن عيينة: ms3162 هذا متصل بما قبله. معناه: ~~إذا جاءتهم فاعلم أنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله ~~الذي لا إله إلا هو. وقيل: معناه فاعلم أنه لا إله إلا الله وأن جميع ~~الممالك تبطل عند قيامها فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله الذي لا إله إلا هو ~~واستغفر لذنبك أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع أنه ~~مغفور له ليستن به أمته وليقتدوا به في ذلك (م) عن الأغر المزني أغر مزينة ~~قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر ~~في اليوم مائة مرة وفي رواية قال: توبوا إلى ربكم فو الله إني لأتوب إلى ~~ربي عز وجل مائة مرة في اليوم» (خ) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة وفي ~~رواية أكثر من سبعين مرة» قوله: إنه ليغان على قلبي الغين التغطية والستر ~~أي يلبس على قلبي ويغطي وسبب ذلك ما أطلعه عليه من أحوال أمته بعده فأحزنه ~~ذلك حتى كان يستغفر لهم. وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين ~~ومصالحهم حتى يرد أنه قد شغل بذلك وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبادة عن ~~أرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه عز وجل وصفاء وقته معه وخلوص # PageV04P145 # همه من كل شيء سواه فلهذا السبب كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله فإن ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: هو مأخوذ من الغين وهو الغيم الرقيق ~~الذي يغشى السماء فكان هذا الشغل والهم يغشى قلبه صلى الله عليه وسلم ~~ويغطيه عن غيره فكان يستغفر الله منه وقيل هذا الغين هو السكينة التي تغشى ~~قلبه صلى الله عليه وسلم وكأن سبب استغفاره لها إظهار العبودية والافتقار ~~إلى الله تعالى. # وحكى الشيخ محيي الدين النووي عن القاضي عياض، أن المراد به الفترات ~~والغفلات من الذكر الذي كان شأنه صلى الله ms3163 عليه وسلم الدوام عليه فإذا فتر ~~وغفل عد ذلك ذنبا واستغفر منه وحكى الوجوه المتقدمة عنه. وعن غيره. وقال ~~الحارث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال وإن كانوا آمنين ~~من عذاب الله تعالى. وقيل: # يحتمل أن هذا الغبن حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما ~~قال: أفلا أكون عبدا شكورا. # وقيل في معنى الآية: استغفر لذنبك أي لذنوب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات ~~يعني من غير أهل بيته وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة حيث أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم يعني متصرفكم ومنتشركم في ~~أعمالكم في الدنيا ومثواكم يعني مصيركم إلى الجنة أو إلى النار وقيل: ~~متقلبكم في أشغالكم بالنهار ومثواكم بالليل إلى مضاجعكم وقيل: # متقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن ومثواكم في الدنيا ~~وفي القبور والمعنى أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها ~~وإن دق وخفي. # ### || [سورة محمد (47): الآيات 20 الى 22] # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) # قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة وذلك أن المؤمنين كانوا ~~حراصا على الجهاد في سبيل الله فقالوا: فهلا أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد؟ ~~لكي نجاهد فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال قال مجاهد: كل سورة ذكر ~~فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض يعني نفاقا وهم المنافقون ينظرون إليك يعني شزرا وكراهية منهم للجهاد ~~وجبنا عن لقاء العدو نظر المغشي عليه من الموت يعني كما ينظر الشاخص بصره ~~عند معاينة الموت فأولى لهم فيه وعيد وتهديد وهو معنى قولهم في التهديد ~~وليك وقاربك ms3164 ما تكره وتم الكلام عند هذا. # ثم ابتدأ بقوله طاعة وقول معروف فعلى هذا هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره ~~طاعة وقول معروف أمثل لهم وأولى بهم. # والمعنى: لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. وقيل: هو متصل ~~بما قبله واللام في لهم بمعنى الباء مجازة فأولى بهم طاعة الله وطاعة رسوله ~~وقول معروف بالإجابة والمعنى لو أطاعوا وأجابوا لكانت الطاعة والإجابة أولى ~~بهم وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء عنه فإذا عزم الأمر فيه حذف ~~تقديره فإذا عزم صاحب الأمر وقيل: هو على أصله ومجازه كقولنا: جاء الأمر ~~ودنا الوقت وهذا أمر متوقع. ومعنى الآية: فإذا عزم الأمر خالف المنافقون ~~وكذبوا فيما وعدوا به فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم يعني الصدق وقيل: معناه ~~لو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة لكان ذلك خيرا لهم فهل عسيتم أي ~~فلعلكم إن توليتم يعني أعرضتم # PageV04P146 # عن سماع القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض يعني تعودوا إلى ما ~~كنتم عليه في الجاهلية من الفساد في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدم ~~وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام وتقطعوا أرحامكم قال قتادة ~~كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا ~~الأرحام وعصوا الرحمن؟ # (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الرحمن شجنة من ~~الرحمن فقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته». وفي رواية قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت ~~الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مه فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ~~قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها الشجنة: القرابة المشتبكة ms3165 ~~كاشتباك العروق. والحقو. مشد الإزار من الإنسان وقد يطلق على الإزار، ولما ~~جعل الرحم شجنة من الرحمن، استعار لها الاستمساك به والأخذ كما يستمسك ~~القريب من قريبه والنسيب من نسيبه. ومعنى صلة الرحم: مبرة الأقارب والإحسان ~~إليهم وقطع الرحم ضد صلتها والعائذ اللائذ المستجير قال القاضي عياض: الرحم ~~التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني وليست بجسم وإنما هي قرابة ~~ونسب يجمعه رحم والده فيتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما. والمعاني لا ~~يتأتى منها القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن ~~استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة وأصلها ~~وعظيم إثم قاطعها ولهذا سمي العقوق قطعا كأنه قطع ذلك السبب المتصل قال: # ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها ~~بهذا بأمر الله عز وجل هذا كلام القاضي عياض في معنى هذا الحديث والله أعلم ~~وقيل في الآية في قوله إن توليتم هو من الولاية يعني فهل عسيتم إن توليتم ~~أمر الناس أن تفسدوا في الأرض، يعني بالظلم، وتقطعوا أرحامكم، ومعنى ~~الاستفهام في قوله: فهل عسيتم للتقرير المذكور والمعنى هل يتوقع منكم ~~الإفساد. # فإن قلت: عسى طمع وترج وتوقع وذلك على الله محال لأنه تعالى عالم بكل شيء ~~فما معناه. # قلت: قال بعضهم معناه: يفعل بكم فعل المترجي المبتلي. وقال بعضهم معناه ~~كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال الزمخشري: معناه أنه لما عهد منكم ~~إحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان يا ~~هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا. # ### || [سورة محمد (47): الآيات 23 الى 26] # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين ms3166 كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) # أولئك إشارة إلى من إذا تولى أفسد في الأرض وقطع الأرحام الذين لعنهم ~~الله يعني أبعدهم من رحمته وطردهم عن جنته فأصمهم يعني عن سماع الحق وأعمى ~~أبصارهم يعني عن طريق الهدى وذلك أنهم لما سمعوا القرآن فلم يفهموه ولم ~~يؤمنوا به وأبصروا طريق الحق فلم يسلكوه ولم يتبعوه، فكانوا بمنزلة الصم ~~العمى، وإن كان لهم أسماع وأبصار في الظاهر أفلا يتدبرون القرآن يعني ~~يتكفرون فيه وفي مواعظه وزواجره وأصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما ~~يؤول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم وقت ~~تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف وخلوص النية أم على قلوب ~~أقفالها # PageV04P147 # يعني بل على قلوب أقفالها وجعل القفل مثلا لكل مانع للإنسان من تعاطي فعل ~~الطاعة. يقال: فلان مقفل عن كذا، بمعنى ممنوع منه. # فإن قلت: إذا كان الله تعالى قد أصمهم وأعمى أبصارهم وأقفل على قلوبهم ~~وهو بمعنى الختم فكيف يمكنهم تدبر القرآن مع هذه الموانع الشديدة. # قلت: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا، لأن الله أمر بالإيمان لمن سبق في ~~علمه أنه لا يؤمن فكذلك هنا والله يفعل ما يريد لا اعتراض لأحد عليه. وقيل: ~~إن قوله أفلا يتدبرون القرآن المراد به التأسي. وقيل: إن هذه الآية محققة ~~للآية المتقدمة وذلك أن الله تعالى لما قال: أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ~~وأعمى أبصارهم فكان قوله أفلا يتدبرون القرآن كالتهييج لهم على ترك ما هم ~~فيه من الكفر الذي استحقوا بسببه اللعنة أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على ~~الكفر والله أعلم بمراده. # وروى البغوي بإسناد الثعلبي، عن عروة بن الزبير قالا: «تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شاب من أهل ~~اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها فما زال الشاب ~~في نفس عمر حتى ولي فاستعان به» هذا حديث مرسل وعروة بن ms3167 الزبير تابعي من ~~كبار التابعين وأجلهم لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ولد سنة ~~اثنتين وعشرين وقيل غير ذلك. # قوله عز وجل: إن الذين ارتدوا على أدبارهم يعني رجعوا القهقهرى كفارا من ~~بعد ما تبين لهم الهدى يعني من بعد ما وضح لهم طريق الهداية. قال قتادة: هم ~~كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما عرفوه ووجدوا ~~نعته في كتابهم. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون آمنوا أولا ثم ~~كفروا ثانيا الشيطان سول لهم يعني زين لهم القبيح حتى رأوه حسنا وأملى لهم ~~قرئ بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله يعني أمهلوا ومد ~~لهم في العمر وقرئ وأملى لهم بفتح الألف واللام بمعنى وأملى لهم الشيطان ~~بأن مد لهم في الأمل. # فإن قلت: الإملاء والإمهال لا يكونان إلا من الله لأنه الفاعل المطلق ~~وليس للشيطان فعل قط على مذهب أهل السنة، فما معنى هذه القراءة. # قلت إن المسول والمملي هو الله تعالى في الحقيقة وليس للشيطان فعل إنما ~~أسند إليه ذلك من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على يده ولسانه فالشيطان ~~يمنيهم ويزين لهم القبيح ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا بدنياكم ~~ورئاستكم إلى آخر العمر ذلك إشارة إلى التسويل والإملاء بأنهم يعني بأن أهل ~~الكتاب أو المنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله وهم المشركون سنطيعكم ~~في بعض الأمر يعني من التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم وترك ~~الجهاد معه والقعود عنه وكانوا يقولون ذلك سرا فأخبر الله نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم خبرهم ثم قال: والله يعلم إسرارهم يعني أنه تعالى لا تخفى ~~عليه خافية من أمرهم. # PageV04P148 # ### || [سورة محمد (47): الآيات 27 الى 32] # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) أم حسب الذين في قلوبهم مرض ~~أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله ms3168 يعلم أعمالكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) # فكيف إذا توفتهم الملائكة يعني فكيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك يعني ذلك الضرب بأنهم يعني بسبب أنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله يعني ترك الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس: ~~بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكرهوا رضوانه يعني ~~كرهوا ما فيه رضوان الله عز وجل وهو الإيمان والطاعة والجهاد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأحبط أعمالهم التي عملوها من أعمال البر لأنها لم تكن ~~لله ولا بأمره أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق وهم المنافقون أن لن ~~يخرج الله أضغانهم يعني يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرف ~~المؤمنون نفاقهم واحدها ضغن وهو الحقد الشديد. وقال ابن عباس: حسدهم ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم لما قال تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم ~~مرض أن لن يخرج الله أضغانهم فكأن قائلا قال لم لم يخرج أضغانهم ويظهرها ~~فأخبر تعالى أنه إنما أخر ذلك لمحض المشيئة لا لخوف منهم فقال تعالى: ولو ~~نشاء لأريناكهم لا مانع لنا من ذلك. والإراءة بمعنى التعريف والعمل. وقوله: ~~فلعرفتهم لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزم منه المعرفة ~~الحقيقية كما يقال: عرفته فلم يعرف فكان المعنى هنا عرفناكهم تعريفا تعرفهم ~~به ففيه إشارة إلى قوة ذلك التعريف الذي لا يقع معه اشتباه وقوله بسيماهم ~~يعني بعلامتهم أي نجعل لك علامة تعرفهم بها. قال أنس: ما خفي على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين وكان يعرفهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول يعني في معنى القول وفحواه ومقصده وللحن ~~معنيان صواب وخطأ صرف الكلام وإزالته عن التصريح إلى المعنى والتعريض وهذا ~~محمود من حيث البلاغة ومنه قوله صلى الله ms3169 عليه وسلم: «فلعل بعضكم ألحن ~~بحجته من بعض» وإليه قصد بقوله ولتعرفنهم في لحن القول وأما اللحن المذموم ~~فظاهر وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب أو التصحيف. ~~ومعنى الآية: وإنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضون به من القول من ~~تهجين أمرك وأمر المسلمين وتقبيحه والاستهزاء به فكان بعد هذا لا يتكلم ~~منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه بقوله ويستدل بفحوى كلامه على ~~فساد باطنه ونفاقه ثم قال الله تعالى: والله يعلم أعمالكم يعني أعمال جميع ~~عباده فيجازي كلا على قدر عمله. # قوله تعالى ولنبلونكم يعني ولنعاملنكم معاملة المختبر فإن الله تعالى ~~عالم بجميع الأشياء قبل كونها ووجودها حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~يعني إنا نأمركم بالجهاد حتى يظهر المجاهد ويتبين من يبادر منكم ويصبر عليه ~~من غيره لأن المراد من قوله: حتى نعلم، أي علم الوجود والظهور ونبلوا ~~أخباركم يعني نظهرها ونكشفها ليتبين من يأتي القتال ولا يصبر على الجهاد إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول يعني خالفوه فيما أمرهم به ~~من الجهاد وغيره من بعد ما تبين لهم الهدى يعني من بعد ما ظهر لهم أدلة ~~الهدى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لن يضروا الله شيئا يعني إنما يضرون ~~أنفسهم بذلك والله تعالى منزه عن ذلك وسيحبط أعمالهم يعني وسيبطل أعمالهم ~~فلا يرون لها ثوابا في الآخرة لأنها لم تكن لله تعالى قال ابن عباس: # هم المطعمون يوم بدر. # PageV04P149 ### || [سورة محمد (47): الآيات 33 الى 37] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم (35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول لما ذكر ~~الله عز وجل الكفار ms3170 بسبب مشاقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله ~~المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: ولا تبطلوا ~~أعمالكم قال عطاء: يعني بالشرك والنفاق والمنى. داوموا على ما أنتم عليه من ~~الإيمان والطاعة ولا تشركوا فتبطل أعمالكم. # وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيانه. ~~وقال الكلبي: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والسمعة لأن الله لا يقبل من ~~الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقال الحسن: لا تبطلوا أعمالكم ~~بالمعاصي والكبائر. قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرون أنه لا يضرهم مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه ~~الآية فخافوا من الكبائر بعد أن نحبط أعمالهم واستدل بهذه الآية من يرى ~~إحباط الطاعات بالمعاصي ولا حجة لهم فيها وذلك لأن الله تعالى يقول: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقال تعالى: وإن ~~تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فالله تعالى أعدل وأكرم من أن ~~يبطل طاعات سنين كثيرة بمعصية واحدة وروى ابن عمر أنه قال: كنا نرى أنه لا ~~شيء من حسناتنا إلا مقبولا حتى نزل ولا تبطلوا أعمالكم فقلنا ما هذا الذي ~~يبطل أعمالنا. فقلنا: الكبائر والفواحش حتى نزل إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فكففنا عن ذلك القول وكنا نخاف على من أصاب ~~الكبيرة ونرجو لمن لم يصبها واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل حتى ~~لو دخل في صلاة تطوع أو صوم تطوع لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه ~~ولا دليل لهم في الآية ولا حجة لأن السنة مبينة للكتاب «وقد ثبت في ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائما فلما رجع إلى البيت وجد ~~حيسا فقال لعائشة قربيه فلقد أصبحت صائما فأكل» وهذا معنى الحديث ms3171 وليس ~~بلفظه وفي الصحيحين أيضا أن سلمان زار أبا الدرداء فصنع له طعاما فلما قربه ~~إليه قال. كل فإني صائم قال لست بآكل حتى تأكل فأكل معه وقال مقاتل في معنى ~~الآية لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطل أعمالكم نزلت في ~~بني أسد وسنذكر القصة في تفسير سورة الحجرات إن شاء الله تعالى: إن الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم قيل نزلت في ~~أهل القليب وهم أبو جهل وأصحابه الذين قتلوا ببدر وألقوا في قليب بدر ~~وحكمها عام في كل كافر مات على كفره فالله لا يغفر له لقوله تعالى: إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فلا تهنوا الخطاب فيه لأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم هو عام لجميع المسلمين يعني فلا تضعفوا أيها ~~المؤمنون وتدعوا إلى السلم يعني ولا تدعوا الكفار إلى الصلح أبدا منع الله ~~المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا وأنتم ~~الأعلون يعني وأنتم الغالبون لهم والعالون عليهم. أخبر الله تعالى أن الأمر ~~للمسلمين والنصرة والغلبة لهم عليهم وإن غلبوا المسلمين في بعض الأوقات ~~والله معكم يعني بالنصر والمعونة ومن كان الله معه فهو العالي الغالب ولن ~~يتركم أعمالكم يعني لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم. وقال ابن عباس وغيره: ~~لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها ثم حض على الآخرة بذم الدنيا ~~فقال تعالى: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي باطل وغرور يعني كيف تمنعكم ~~الدنيا عن طلب الآخرة وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو إلا ما كان منها ~~في عبادة لله عز وجل وطاعته واللعب ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في ~~الحال ولا في المآل ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه ~~أشغله المهمة فهو اللعب وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم يعني يؤتكم جزاء أعمالكم في الآخرة ولا يسئلكم ms3172 أموالكم ~~يعني أن الله تعالى لا يسأل من العباد أموالهم لإيتاء الأجر عليهم، بل ~~يأمرهم بالإيمان والتقوى والطاعة ليثيبهم عليها الجنة. وقيل: معناه ولا ~~يسألكم محمد صلى الله عليه وسلم أموالكم وقيل: معناه لا يسألكم الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم أموالكم # PageV04P150 # كلها في الصدقات إنما يسألكم غيضا من فيض وهو ربع العشر من أموالكم وهو ~~زكاة أموالكم ثم ترد عليكم ليس لله ورسوله فيها حاجة إنما فرضها الله تعالى ~~في أموال الأغنياء وردها على الفقراء فطيبوا بإخراج الزكاة أنفسكم. # وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة ويدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: ~~إن يسئلكموها الضمير عائد إلى الأموال فيحفكم يعني يجهدكم ويطلبها كلها ~~والإحفاء المبالغة في المسألة وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: # أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح تبخلوا يعني بالمال فلا ~~تعطوه ويخرج أضغانكم يعني بغضكم وعداوتكم لشدة محبتكم للأموال قال قتادة ~~علم الله أن الإحفاء بمسألة الأموال مخرج للأضغان. ### || [سورة محمد (47): آية 38] # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم (38) # ها أنتم هؤلاء يعني أنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصفون ثم استأنف وصفهم ~~فقال تعالى: تدعون لتنفقوا في سبيل الله قيل أراد به النفقة في الجهاد ~~والغزو وقيل المراد به إخراج الزكاة وجميع وجوه البر والكل في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل يعني بما فرض عليه إخراجه من الزكاة أو ندب إلى إنفاقه في ~~وجوه البر ومن يبخل يعني بالصدقة وأداء الفريضة فلا يتعداه ضر بخله وهو ~~قوله تعالى: فإنما يبخل عن نفسه أي على نفسه والله الغني يعني عن صدقاتكم ~~وطاعتكم لأنه الغني المطلق الذي له ملك السموات والأرض وأنتم الفقراء يعني ~~إليه وإلى ما عنده من الخيرات والثواب في الدنيا والآخرة وإن تتولوا يعني ~~عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وعن القيام بما أمركم ~~به ms3173 وألزمكم إياه يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم يعني يكونون أطوع ~~لله ورسوله صلى الله عليه وسلم منكم. قال الكلبي: هم كندة والنخع من عرب ~~اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: # هم فارس والروم. # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم قالوا ومن ~~يستبدل بنا قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال ~~هذا وأصحابه» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي إسناده مقال وله رواية أخرى ~~عن أبي هريرة قال: «قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول ~~الله من هؤلاء الذين ذكر الله عز وجل إن تولينا استبدلوا منا ثم لا يكونوا ~~أمثالنا قال وكان سلمان بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان فقال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان ~~الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس» ولهذا الحديث طرق في الصحيح ~~ترد في سورة الجمعة إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. # PageV04P151 ### | سورة الفتح # وهي مدنية (خ) «عن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض ~~سفاره وعمر بن الخطاب كان يسير معه ليلا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم ~~سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر كررت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك فقال عمر: فحركت ~~بعيري حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما لبثت أن سمعت صارخا ~~يصرخ بي فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسلمت عليه فقال: لقد أنزل علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه ~~الشمس ثم قرأ: إنا فتحنا لك فتحا مبينا وأخرجه الترمذي وزاد فيه «وكان في ~~بعض ms3174 أسفاره بالحديبية» (ق) عن أنس قال: لما نزلت إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر إلى قوله فوزا عظيما مرجعه من ~~الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا» ~~لفظ مسلم ولفظ البخاري إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال الحديبية فقال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا مريئا فما لنا فأنزل الله عز وجل ~~ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار قال شعبة: فقدمت ~~الكوفة فحدثت هذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا فعن أنس وأما هنيئا مريئا فعن عكرمة». وأخرجه الترمذي عن قتادة ~~عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لقد أنزلت ~~علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا هنيئا مريئا يا رسول الله لقد بين لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا ~~فنزلت عليه ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار حتى بلغ ~~فوزا عظيما. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) # قوله عز وجل: إنا فتحنا لك فتحا مبينا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وحده والمعنى إنا قضينا وحكمنا لك فتحا مبينا ظاهرا بغير قتال ولا تعب. ~~واختلفوا في هذا الفتح فروى قتادة عن أنس أنه فتح مكة وقال مجاهد: إنه فتح ~~خيبر. وقيل: هو فتح فارس والروم وسائر بلاد الإسلام التي يفتحها الله عز ~~وجل له. # فإن قلت على هذه الأقوال هذه البلاد مكة وغيرها لم تكن ms3175 قد فتحت بعد فكيف ~~قال تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا بلفظ الماضي. # قلت: وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالفتح وجيء به بلفظ الماضي ~~جريا على عادة الله تعالى في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة ~~الكائنة الموجودة كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا وتقديرنا وما قدره ~~وحكم به فهو # PageV04P152 # كائن لا محالة. وقال أكثر المفسرين: إن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية ~~وهو الأصح، وهو رواية عن أنس. # ومعنى الفتح: فتح المغلق المستصعب وكان الصلح مع المشركين يوم الحديبية ~~مستصعبا متعذرا حتى فتحه الله عز وجل ويسره وسهله بقدرته ولطفه. عن البراء ~~قال: تغدون أنتم الفتح فتح مكة ولقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة ~~الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة ~~والحديبية بئر فنزحناها ولم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم ~~صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا وماشيتنا وركابنا. وقال الشعبي ~~في قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال: فتح الحديبية وغفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح ~~المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح ~~الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام ~~في قلوبهم فأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، فعز الإسلام بذلك وأكرم الله عز ~~وجل رسوله صلى الله عليه وسلم. # وقوله عز وجل: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قيل اللام في قوله ~~ليغفر لك الله لام كي والمعنى فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة ~~تمام النعمة بالفتح، وقال الحسن بن الفضل: هو مردود إلى قوله تعالى: ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات» وقال ms3176 ابن جريج: هو راجع إلى قوله في سورة ~~النصر واستغفره إنه كان توابا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك. وقيل: إن ~~الفتح لم يجعل سببا للمغفرة ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة ~~المذكورة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر ~~العزيز. كأنه قال: يسرنا لك الفتح ونصرناك على عدوك وغفرنا لك ذنبك وهديناك ~~صراطا مستقيما ليجتمع لك عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. وقيل: يجوز أن ~~يكون الفتح سببا للغفران لأنه جهاد للعدو وفيه الثواب والمغفرة مع الظفر ~~بالعدو والفوز بالفتح. وقيل: لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة والطواف ~~بالبيت، كان ذلك سببا للمغفرة. ومعنى الآية: ليغفر لك الله جميع ما فرط منك ~~ما تقدم من ذنبك يعني قبل النبوة وما تأخر، يعني بعدها وهذا على قول ما ~~يجوز الصغائر على الأنبياء. وقال عطاء الخراساني: ما تقدم من ذنبك يعني من ~~ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم. وقال سفيان ~~الثوري: ما تقدم من ذنبك مما كان منك قبل النبوة، وما تأخر يعني كل شيء لم ~~تعمله ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد كما تقول: أعط من تراه ومن لم تره ~~واضرب من لقيت ومن لم تلقه فيكون المعنى: ما وقع لك من ذنب وما لم يقع فهو ~~مغفور لك. وقيل المراد منه ما كان من سهو وغفلة، وتأول لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن له ذنب كذنوب غيره فالمراد بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون ~~وقع منه من سهو ونحو ذلك لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين فسماه ذنبا فما ~~كان من هذا القبيل وغيره فهو مغفور له فأعلمه الله عز وجل بذلك وإنه مغفور ~~له ليتم نعمته عليه وهو قوله تعالى: ويتم نعمته عليك يعني بالنبوة وما ~~أعطاك من الفتح والنصر والتمكين ويهديك صراطا مستقيما يعني ويهديك إلى صراط ~~مستقيم وهو الإسلام ويثبتك عليه والمعنى ليجمع لك من الفتح تمام النعمة ~~بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو ms3177 الإسلام. وقيل: معناه ويهدي بك إلى ~~صراط مستقيم وينصرك الله نصرا عزيزا يعني غالبا ذا عز ومنعة وظهور على ~~الأعداء وقد ظهر النصر بهذا الفتح المبين وحصل الأمن بحمد الله تعالى. # فإن قلت: وصف الله تعالى النصر بكونه عزيزا والعزيز هو المنصور صاحب ~~النصر فما معناه؟. # قلت: معناه ذا عزة كقوله عيشة راضية أي ذات رضا. وقيل: وصف النصر بما ~~يوصف به المنصور إسنادا مجازيا. يقال: هذا كلام صادق كما يقال متكلم صادق. ~~وقيل: معناه نصرا عزيزا صاحبه فحذف # PageV04P153 # المضاف إيجازا واختصارا وقيل إنما يحتاج إلى هذه التقديرات إذا كانت ~~العزة من الغلبة. والعزيز: الغالب. # أما إذا قلنا إن العزيز هو النفيس القليل أو العديم النظير، فلا يحتاج ~~إلى هذه التقديرات، لأن النصر الذي هو من الله تعالى عزيز في نفسه لكونه من ~~الله تعالى فصح وصف كونه نصرا عزيزا. # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 4 الى 6] # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند ~~الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا (6) # قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين يعني الطمأنينة ~~والوقار في قلوبهم لئلا تنزعج نفوسهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن ~~طمأنينة إلا التي في سورة البقرة وقد تقدم تفسيرها في موضعها. # ولما قال الله تعالى: وينصرك الله نصرا عزيزا، بين وجه هذا النصر كيف هو، ~~وذلك أنه تعالى جعل السكينة التي هي الطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين ~~ويلزم من ذلك ثبات الأقدام عند اللقاء في الحروب وغيرها فكان ذلك من أسباب ~~النصر الذي وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم وذلك أنه تعالى جعل السكينة والطمأنينة في قلوب المؤمنين ~~سببا لزيادة الإيمان في ms3178 قلوبهم، وذلك أنه كلما ورد عليهم أمر أو نهي، آمنوا ~~به وعملوا بمقتضاه، فكان ذلك زيادة في إيمانهم. وقال ابن عباس: بعث الله عز ~~وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما آمنوا به ~~وصدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد حتى أكمل دينهم، ~~فكلما أمروا بشيء وصدقوه، ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم، وقال الضحاك: يقينا ~~مع يقينهم. وقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا ~~بالحق. وقيل: لما آمنوا بالأصول وهو التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخبر به عن الله عز وجل وآمنوا بالبعث بعد الموت والجنة والنار ~~وآمنوا بالفروع وهي جميع التكاليف البدنية والمالية كان ذلك زيادة في ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض لما قال الله عز وجل: # وينصرك الله نصرا عزيزا، وكان المؤمنون في قلة من العدد والعدد، فكأن ~~قائلا قال: كيف ينصره؟ فأخبره الله عز وجل أن له جنود السموات والأرض وهو ~~قادر على نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ببعض جنوده بل هو قادر على أن يهلك ~~عدوه بصيحة ورجفة وصاعقة ونحو ذلك فلم يفعل بل أنزل سكينة في قلوبكم أيها ~~المؤمنون ليكون نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإهلاك أعدائه على أيديكم ~~فيكون لكم الثواب ولهم العقاب وفي جنود السموات والأرض وجوه: الأول: إنهم ~~ملائكة السموات والأرض. الثاني: أن جنود السموات الملائكة وجنود الأرض جميع ~~الحيوانات الثالث أن جنود السموات مثل الصاعقة والصيحة والحجارة وجنود ~~الأرض مثل الزلال والخسف والغرق ونحو ذلك وكان الله عليما يعني بجميع جنوده ~~الذين في السموات والأرض حكيما يعني في تدبيره وقيل: عليما بما في قلوبكم ~~أيها المؤمنون حكيما حيث جعل النصر لكم على أعدائكم. # قوله عز وجل: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يستدعي سابقا تقديره هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليدخلهم جنات. ~~وقيل: تقديره أن من علمه وحكمته إن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم ~~الفتح والنصر ليشكروه ms3179 على نعمه، فيثيبهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار، وقد تقدم ما روي عن أنس أنه لما نزل قوله تعالى: إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال الصحابة: هنيئا ~~مريئا قد بين الله تعالى ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله عز وجل ~~الآية التي بعدها: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم فإن # PageV04P154 # قلت تكفير السيئات إنما يكون قبل دخولهم الجنة فكيف ذكره بعد دخولهم ~~الجنة، قلت: الواو لا تقتضي الترتيب وقيل إن تكفير السيئات والمغفرة من ~~توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الإدخال بالذكر بمعنى أنه من أهل الجنة ~~وكان ذلك عند الله فوزا عظيما يعني أن ذلك الإدخال والتكفير كان في علم ~~الله تعالى فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~يعني المنافقين والمنافقات من أهل المدينة والمشركين والمشركات من أهل مكة ~~وإنما قدم المنافقين على المشركين هنا وفي غيره من المنافقين كانوا أشد على ~~المؤمنين من الكافرين لأن الكافر يمكن أن يحترز منه ويجاهد لأنه عدو مبين ~~والمنافق لا يمكن أن يحترز منه ولا يجاهد فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر ~~فكان تقديم المنافق بالذكر أولى الظانين بالله ظن السوء يعني أنهم ظنوا أن ~~الله لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم دائرة السوء يعني ~~عليهم دائرة العذاب والهلاك وغضب الله عليهم زيادة في تعذيبهم وهلاكهم ~~ولعنهم يعني وأبعدهم وطردهم عن رحمته وأعد لهم جهنم يعني في الآخرة وساءت ~~مصيرا يعني ساءت جهنم منقلبا. # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 7 الى 10] # ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~(10) # ولله جنود السماوات والأرض تقدم تفسيره بقي ما فائدة التكرير ولم ms3180 قدم ذكر ~~جنود السموات والأرض على إدخال المؤمنين الجنة ولم أخر ذكر جنود السموات ~~والأرض هنا بعد تعذيب المنافقين والكافرين، فنقول: # فائدة التكرار للتأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة ومنهم من ~~هو للعذاب فقدم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع ~~المؤمنين جنود الرحمة فيثبتوهم على الصراط وعند الميزان فإذا دخلوا الجنة ~~أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه، فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى ~~شيء، وأخر ذكر جنود السموات والأرض بعد تعذيب الكافرين والمنافقين ليكون ~~معهم جنود السخط فلا يفارقوهم أبدا. # فإن قلت: قال في الآية الأولى: وكان الله عليما حكيما، وقال في هذه الآية ~~وكان الله عزيزا حكيما فما معناه؟ قلت: لما كان في جنود السموات والأرض من ~~هو للرحمة ومن هو للعذاب وعلم الله ضعف المؤمنين، ناسب أن تكون خاتمة الآية ~~الأولى وكان الله عليما حكيما، ولما بالغ في وصف تعذيب الكافر والمنافق ~~وشدته، ناسب أن تكون خاتمة الآية الثانية وكان الله عزيزا حكيما فهو كقوله: ~~أليس الله بعزيز ذي انتقام وقوله فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر قوله تعالى: إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ذكره في معرض ~~الامتنان عليه حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهدا على أعمال أمته ~~ومبشرا يعني لمن آمن به وأطاعه بالثواب ونذيرا يعني لمن خالفه وعصى أمره ~~بالعقاب ثم بين فائدة الإرسال فقال تعالى: لتؤمنوا بالله ورسوله فالضمير ~~فيه للناس المرسل إليهم وتعزروه يعني ويقووه وينصروه. والتعزير: نصر مع ~~تعظيم وتوقروه يعني وتعظموه والتوقير: التعظيم والتبجيل وتسبحوه من التسبيح ~~الذي هو التنزيه من جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. # قال الزمخشري: والضمائر لله تعالى والمراد بتعزير الله تعالى. تعزير دينه ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر # PageV04P155 # فقد أبعد وقال غيره: الكنايات في قوله ويعزروه ويوقروه راجعة إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وعندها تم الكلام فالوقف علي ويوقروه وقف تام ثم يبتدئ ~~بقوله ويسبحوه بكرة وأصيلا على أن ms3181 الكناية في ويسبحوه راجعة إلى الله تعالى ~~يعني ويصلوا الله أو يسبحوا بالغداة والعشي. # قوله عز وجل: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يعني إن الذين ~~يبايعونك يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا إنما يبايعون الله لأنهم باعوا ~~أنفسهم من الله عز وجل بالجنة وأصل البيعة: العقد الذي يعقده الإنسان على ~~نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له، والمراد بهذه ~~البيعة بيعة الرضوان بالحديبية، وهي قرية ليست بكبيرة بينها وبين مكة أقل ~~من مرحلة أو مرحلتين سميت ببئر هناك. وقد جاء في الحديث أن الحديبية بئر. ~~قال مالك: هي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها من الحل. ويجوز في الحديبية ~~التخفيف والتشديد والتخفيف أفصح وعامة المحدثين يشددونها (ق) عن يزيد بن ~~عبيدة، قال: قالت لسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: على الموت (م) عن معقل بن يسار لقد رأيتني يوم الشجرة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا عن أغصانها من رأسه ~~ونحن أربعة عشرة مائة قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا ~~نفر. # قال العلماء: لا منافاة بين الحديثين ومعناهما صحيح بايعه جماعة منهم ~~سلمة بن الأكوع على الموت فلا يزالون يقاتلون بين يديه حتى يقتلوا أو ~~ينتصروا. وبايعه جماعة منهم معقل بن يسار على أن لا يفروا (خ). عن ابن عمر ~~قال: إن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ~~ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال يعني عمر: ~~يا عبد الله انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ~~فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. وقوله تعالى: يد الله فوق ~~أيديهم قال ابن عباس: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم. # وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبايعونه ~~ويد الله فوق أيديهم كذا نقله البغوي عنه. ms3182 وقال الكلبي: # نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقال الإمام فخر ~~الدين الرازي: يد الله فوق أيديهم يحتمل وجوها، وذلك لأن اليد في الموضعين ~~إما أن تكون بمعنى واحد، وإما أن تكون بمعنيين. # فإن قلنا إنها بمعنى واحد ففيه وجهان: أحدهما: يد الله بمعنى نعمة الله ~~عليهم فوق إحسانهم كما قال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان وثانيهما: ~~يد الله فوق أيديهم أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه، يقال: اليد ~~لفلان، أي الغلبة والنصرة والقوة. # وإن قلنا: إنها بمعنيين، فنقول: اليد في حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفي ~~حق المبايعين بمعنى الجارحة، فيكون المعنى: يد الله فوق أيديهم بالحفظ. ~~وقال الزمخشري: لما قال إنما يبايعون الله أكده تأكيدا على طريقة التخيل، ~~فقال: يد الله فوق أيديهم، يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ~~تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ~~وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده ~~مع الله عز وجل من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله هذا مذهب أهل التأويل وكلامهم في هذه الآية ومذهب السلف السكوت عن ~~التأويل وإمرار آيات الصفات كما جاءت وتفسرها قراءتها والإيمان بها من غير ~~تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. # وقوله تعالى: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه يعني فمن نقض العقد الذي عقده ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ونكث البيعة فإن وبال ذلك وضره يرجع إليه ولا ~~يضر إلا نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله يعني من البيعة فسيؤتيه أجرا ~~عظيما يعني في الآخرة وهو الجنة. # PageV04P156 # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 11 الى 15] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن ms3183 لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ~~(13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله ~~غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ~~فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # قوله تعالى: سيقول لك المخلفون من الأعراب قال ابن عباس ومجاهد يعني ~~أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع والنخع وأسلم وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا، استنفر من حول ~~المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له ~~بحرب أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق الهدى ليعلم الناس أنه لا يريد ~~حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا، واعتلوا بالشغل، فأنزل الله ~~تعالى فيهم سيقول لك يا محمد المخلفون من الأعراب الذين خلفهم الله عز وجل ~~عن صحبتك، إذا رجعت إليهم من عمرتك هذه وعاتبتهم على التخلف عنك شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا يعني النساء والذراري. يعني: لم يكن لنا من يخلفنا فيهم: ~~فلذا تخلفنا عنك فاستغفر لنا أي إنا مع عذرنا معترفون بالإساءة فاستغفر لنا ~~بسبب تخلفنا عنك فأكذبهم الله تعالى فقال الله تعالى: يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم يعني أنهم في طلب الاستغفار كاذبون لأنهم لا يبالون استغفر ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا يعني سوءا أو أراد بكم نفعا وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر أو يجعل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم ~~وأموالهم فأخبرهم الله عز وجل أنه إن أراد شيئا من ذلك لم يقدر أحد على ~~دفعه بل كان الله بما تعملون خبيرا يعني من إظهاركم الاعتذار وطلب ~~الاستغفار وإخفائكم النفاق ms3184 بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا يعني ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون إلى أهليهم وزين ذلك ~~في قلوبكم يعني زين الشيطان ذلك الظن عندكم حتى قطعتم به، حتى صار الظن ~~يقينا عندكم، وذلك أن الشيطان قد يوسوس في قلب الإنسان بالشيء ويزينه له ~~حتى يقطع به وظننتم ظن السوء يعني وظننتم أن الله يخلف وعده وذلك أنهم ~~قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، يريدون بذلك قتلهم فلا يرجعون فأين ~~تذهبون معهم انظروا ما يكون من أمرهم وكنتم قوما بورا يعني وصرتم بسبب ذلك ~~الظن الفاسد قوما بائرين هالكين ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا ~~للكافرين سعيرا. لما بين الله تعالى حال المخلفين عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين حال ظنهم الفاسد وإن ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر حرضهم على ~~الإيمان والتوبة من ذلك الظن الفاسد فقال تعالى: ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~وظن أن الله يخلف وعده فإنه كافر وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك ~~السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لما ذكر الله تعالى حال ~~المؤمنين المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحال الظانين ظن السوء ~~أخبر أن له ملك السموات والأرض ومن كان كذلك فهو يغفر لمن يشاء بمشيئته ~~ويعذب من يشاء ولكن غفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما قوله عز وجل: سيقول المخلفون يعني الذين تخلفوا عن ~~الحديبية إذا انطلقتم يعني إذا سرتم وذهبتم أيها المؤمنون إلى مغانم ~~لتأخذوها يعني غنائم خيبر وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على ~~صلح من غير قتال ولم يصيبوا من الغنائم شيئا وعدهم الله عز وجل فتح خيبر ~~وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا ~~عنهم ولم يصيبوا منهم شيئا ذرونا نتبعكم يعني # PageV04P157 # إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المتخلفين عن الحديبية ~~حيث قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم ms3185 هناك طمع في غنيمة وهنا ~~قالوا: ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله يعني يريدون أن يغيروا ويبدلوا مواعيد الله لأهل الحديبية حيث وعدهم ~~غنيمة خيبر لهم خاصة وهذا قول جمهور المفسرين. وقال مقاتل: يعني أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن لا يسير منهم أحدا إلى خيبر. # وقال ابن زيد: هو قول الله تعالى فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا، والقول الأول أصوب قل أي قل لهم يا محمد لن تتبعونا يعني إلى خيبر ~~كذلكم قال الله من قبل يعني من قبل مرجعنا إليكم غنيمة خيبر لمن شهد ~~الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب فسيقولون بل تحسدوننا يعني يمنعكم الحسد أن ~~نصيب معكم من الغنائم شيئا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا يعني لا يعلمون ~~ولا يفهمون من الله ما لهم وما عليهم من الدين إلا قليلا منهم وهو من تاب ~~منهم وصدق الله ورسوله. # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 16 الى 18] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول ~~يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) # قوله عز وجل: قل للمخلفين من الأعراب لما قال الله للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: قل لن تتبعونا، وكان المخلفون جمعا كثيرا من قبائل متشعبة، وكان فيهم ~~من ترجى توبته وخيره بخلاف الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه، فجعل ~~الله عز وجل لقبول توبتهم علامة، وهي أنهم يدعون إلى قوم أولى بأس شديد، ~~فإن أطاعوا، كانوا من المؤمنين ويؤتيهم الله أجرا حسنا وهو الجنة، وإن ~~تولوا وأعرضوا عما دعوا إليه، كانوا من المنافقين ويعذبهم ms3186 عذابا أليما. ~~واختلفوا في المشار إليهم بقوله ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد من هم فقال ~~ابن عباس ومجاهد: هم أهل فارس. وقال كعب: هم الروم. وقال الحسن: هم فارس ~~والروم. وقال سعيد بن جبير: # هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري وجماعة: هم ~~بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ ~~هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني ~~حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال ابن جريج: دعاهم عمر رضي الله عنه إلى قتال ~~فارس. وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد، وأقوى هذه الأقوال، قول ~~من قال إنهم هوازن وثقيف، لأن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأبعدها قول من قال إنهم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب أما الدليل على صحة ~~القول الأول فهو أن العرب كان قد ظهر أمرهم في آخر الأمر على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم يبق إلا مؤمن تقي طاهر أو كافر مجاهر. # وأما المنافقون، فكان قد علم حالهم لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الصلاة عليهم، وكان الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرب من ~~خالفه من الكفار. وكانت هوازن وثقيف من أشد العرب بأسا وكذلك غطفان فاستنفر ~~النبي صلى الله عليه وسلم العرب لغزوة حنين وبني المصطلق، فصح بهذا البيان ~~أن الداعي هو النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: هذا ممتنع لوجهين: أحدهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن تتبعونا، وقال: لن تخرجوا معي أبدا، ~~فكيف كانوا يتبعونه مع هذا النهي؟ الوجه الثاني: # قوله أولي بأس شديد، ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع قوم أولي ~~بأس شديد، لأن الرعب كان قد دخل قلوب العرب كافة فنقول: الجواب عن الوجه ~~الأول من وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: قل لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبدا ~~مقيد بقيد وهو أن يكون تقديره: قل ms3187 لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبدا ما دمتم ~~على ما أنتم عليه من # PageV04P158 # النفاق والمخالفة وهذا القيد لا بد منه لأن من أسلم وحسن إسلامه وجب عليه ~~الجهاد ولا يجوز منعه من الخروج إلى الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم. ~~الوجه الثاني: في الجواب عن الوجه الأول أن المراد من قوله لن تتبعونا ولن ~~تخرجوا معي أبدا يعني في غزوة خيبر لأنها كانت مخصوصة بمن شهد بيعة الرضوان ~~بالحديبية دون غيرهم. ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يدعهم ~~إلى الجهاد معه أو منعهم من الخروج إلى الجهاد معهما لامتنع أبو بكر وعمر ~~من الإذن لهم في الخروج إلى الجهاد معهما كما امتنعا من أخذ الزكاة من ~~ثعلبة لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها وأما الجواب عن الوجه ~~الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق له حرب مع قوم أولي بأس ~~شديد فغير مسلم لأن الحرب كانت باقية مع قريش وغيرهم من العرب وهم أولو بأس ~~شديد فثبت بهذا البيان أن الداعي للمخلفين هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأما قول من قال إن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب ~~وإن عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم فظاهر في الدلالة وفيه دليل على صحة ~~خلافتهما لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة وعلى مخالفتهما النار. # وقوله تعالى: تقاتلونهم أو يسلمون فيه إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما ~~الإسلام أو القتل فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا يعني الجنة وإن تتولوا ~~يعني تعرضوا عن الجهاد كما توليتم من قبل يعني عام الحديبية يعذبكم عذابا ~~أليما يعني النار ولما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة والأعذار كيف حالنا ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج يعني في التخلف عن الجهاد وهذه أعذر ~~ماهرة في جواز ترك الجهاد، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر ms3188 والفر، لأن ~~الأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنه الاحتراز منه والهرب، ~~وكذلك الأعرج، والمريض. وفي معنى الأعرج: الزمن المقعد والأقطع. وفي معنى ~~المريض: صاحب السعال الشديد والطحال الكبير. والذين لا يقدرون على الكر ~~والفر: فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ~~ذكر وهي: الفقر الذي لا يمكن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاج إليه من مصالح ~~الجهاد والاشغال التي تعوق عن الجهاد كتمريض المريض الذي ليس له من قوم ~~مقامه عليه ونحو ذلك وإنما قدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى مستمر لا ~~يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف الأعرج لأنه يمكن الانتفاع به في ~~الحراسة ونحوها وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد من عذر المريض لإمكان ~~زوال المرض عن قريب ومن يطع الله ورسوله يعني في أمر الجهاد وغيره يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعني يعرض عن الساعة ويستمر على الكفر ~~والنفاق يعذبه عذابا أليما يعني في الآخرة. # قوله عز وجل: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك يعني بالحديبية على ~~أن يناجزوا قريشا ولا يفروا تحت الشجرة وكانت هذه الشجرة سمرة (ق) عن طارق ~~بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا، فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟ ~~قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ~~فأتيت ابن المسيب فأخبرته فقال سعيد: كان أبي ممن بايع تحت الشجرة قال: ~~فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فعميت علينا فلم نقدر عليها. قال سعيد: ~~فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها فأنتم أعلم ~~فضحك. وفي رواية، عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لقد رأيت الشجرة ثم ~~أتيتها بعد عام فلم أعرفها، وروي أن عمر مر بذلك المكان بعد أن ذهبت ~~الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هاهنا وبغضهم يقول هاهنا فلما كثر ~~اختلافهم قال: سيروا. ذهبت الشجرة. (خ) عن ابن عمر قال رجعنا من العام ~~المقبل ms3189 فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها وكانت رحمة من ~~الله تعالى (م) عن أبي الزبير، أنه سمع جابرا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ ~~قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ~~فبايعناه جميعا غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره. زاد في رواية ~~قال: بايعناه على أن لا نفر. ولم نبايعه على الموت. # وأخرجه الترمذي عن جابر في قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة. # PageV04P159 # قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على ~~الموت. (ق) عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. «أنتم اليوم خير أهل الأرض». ~~وكنا ألفا وأربعمائة قال: ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وروى ~~سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة (ق) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان ~~أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين وهذه البيعة تسمى ~~بيعة الرضوان لهذه الآية وكان سبب هذه البيعة على ما ذكر محمد بن إسحاق عن ~~بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي ~~حين نزل الحديبية فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل يقال له «الثعلب» ~~ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأرادوا قتله فمنعتهم الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه ~~إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف على نفسي قريشا وليس بمكة من بني عدي ~~بن كعب أحد وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل هو ~~أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه ~~إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت ms3190 لحرب إنما جاء زائرا لهذا ~~البيت معظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين ~~دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته وحمله بين يديه ثم أردفه وأجاره ~~حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عظماء قريش لعثمان حين ~~فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطف ~~به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته ~~قريش عندها فبلغ، رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم». ودعا الناس ~~إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة وكان الناس يقولون: بايعهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الموت قال بكير بن الأشج: بايعوه على الموت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل على ما استطعتم». وقد تقدم عن جابر ~~ومعقل بن يسار أنهما قالا: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا ~~نفر. وقد تقدم أيضا الجمع بين هذا وبين قول سلمة بن الأكوع بايعناه على ~~الموت وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني أسد يقال له أبو سنان بن ~~وهب، ولم يتخلف عن بيعة الرضوان أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو ~~بني سلمة قال جابر: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته يستتر بها من الناس ~~ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل (م) عن ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل النار أحد ممن بايع ~~تحت الشجرة» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليدخلن الجنة ~~من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. # وقوله تعالى: فعلم ما في قلوبهم يعني من الصدق والإخلاص والوفاء كما علم ~~ما في قلوب المنافقين من المرض والنفاق فأنزل ms3191 السكينة يعني الطمأنينة عليهم ~~يعني على المؤمنين المخلصين حتى ثبتوا وبايعوك على الموت وعلى أن لا يفروا ~~وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن هذه البيعة كانت فيها طاعة الله وطاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وذلك موجب لرضوان الله عز وجل وهو موجب لدخول الجنة ~~ويدل عليه قوله تعالى في الآية المتقدمة ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار فثبت بهذا البيان أن أهل بيعة الرضوان من أهل الجنة، ~~ويشهد لصحة ما قلناه الحديث المتقدم. # فإن قلت الفاء في فعلم للتعقيب وعلم الله قبل الرضا، لأنه تعالى علم ما ~~في قلوبهم من الصدق والإيمان فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في قوله فعلم ما ~~في قلوبهم. # قلت: قوله: ما في قلوبهم، متعلق بقوله: إذ يبايعونك، فيكون تقديره: لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك فعلم ما في قلوبهم من الصدق إشارة إلى أن ~~الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب بل عند المبايعة التي عندها علم الله ~~بصدقهم والفاء في قوله: فأنزل السكينة للتعقيب، لأنه تعالى لما علم ما في ~~قلوبهم رضي الله عنهم فأنزل السكينة عليهم. # PageV04P160 # وقوله تعالى: وأثابهم فتحا قريبا يعني خيبر. # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 19 الى 20] # ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ~~ويهديكم صراطا مستقيما (20) # ومغانم كثيرة يأخذونها يعني من أموال أهل خيبر وكانت خيبر ذات نخيل وعقار ~~وأموال فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وكان الله عزيزا يعني ~~منيعا كامل العزة غنيا عن إعانتكم حكيما حيث حكم لكم بالغنائم ولأعدائكم ~~بالهلاك على أيديكم. # قوله تعالى: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها يعني المغانم التي تغنمونها ~~من الفتوحات التي تفتح لكم إلى يوم القيامة فعجل لكم هذه يعني مغانم خيبر ~~وفيه إشارة إلى كثرة الفتوحات والغنائم التي يعطيهم الله عز وجل في ~~المستقبل وإنما عجل لهم هذه كعجالة الراكب أعجلها الله لكم وهي في جنب ما ~~وعدكم الله ms3192 به من الغنائم كالقليل من الكثير وكف أيدي الناس عنكم وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها، همت قبائل من بني أسد ~~وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله عز وجل ~~أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: المعنى إن الله عز وجل كف أيدي أهل ~~مكة بالصلح عنكم لتمام المنة عليكم ولتكون آية للمؤمنين هو عطف على ما تقدم ~~تقديره، فعجل لكم الغنائم لتنتفعوا بها، ولتكون آية للمؤمنين. يعني: # ولتحصل من بعدكم آية تدلهم على أن ما وهبكم الله يحصل مثله لهم. وقيل: ~~لتكون آية للمؤمنين دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره عن ~~الغيوب، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم ~~وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم ويهديكم صراطا مستقيما يعني ويهديكم إلى دين ~~الإسلام ويثبتكم عليه ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية وفتح خيبر. # (ذكر غزوة خيبر) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من ~~الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج إلى خيبر في بقية ~~المحرم سنة سبع (ق). عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما ~~لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم. وإن لم يسمع أذانا ~~أغار عليهم. قال: فخرجنا إلى خيبر فلما انتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم ~~يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال فخرجوا علينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالوا محمد والخميس فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (م) عن ~~سلمة بن الأركع قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ~~عمي عامر يرتجز بالقوم: # تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن ms3193 لاقينا # وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» قال: ~~أنا عامر. قال: «غفر لك ربك» قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي ~~الله لولا متعتنا بعامر. قال: # فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلتهب # PageV04P161 # قال: وبرز له عمي عامر فقال: # قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر # قال: فاختلفا بضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، ~~فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله بطل عمل ~~عمي عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال ذلك؟ قلت: ناس من ~~أصحابك. قال: كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين. ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد ~~فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فأتيت ~~عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية فخرج مرحب فقال: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلتهب # فقال علي رضي الله عنه: # أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة # أوفيهم بالصاع كيل السندره # قال فضرب مرحبا فقتله ثم كان الفتح على يده. أخرجه مسلم بهذا اللفظ وقد ~~أخرج البخاري طرفا منه قال البغوي وقد روى حديث فتح خيبر جماعة منهم سهل بن ~~سعد وأنس بن مالك وأبو هريرة يزيدون وينقصون فيه «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر راية ~~رسول الله صلى ms3194 الله عليه وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر ~~فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فقال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ورسوله ويفتح الله على يديه، فدعا عليا فأعطاه الراية وقال له: امش ~~ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فأتى خيبر فخرج مرحب صاحب الحصن وعلى رأسه ~~مغفر من حجر قد نقبه مثل البيضة وهو يرتجز، فخرج إليه علي بن أبي طالب، ~~فضربه فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج بعد ~~مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز، فخرج إليه الزبير بن العوام فقالت أمه صفية بنت ~~عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله؟ قال: ابنك يقتله إن شاء الله. ثم ~~التقيا، فقتله الزبير. # ثم كان الفتح ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح الحصون ويقتل ~~المقاتلة ويسبي الذرية ويحوز الأموال» قال محمد بن إسحاق: فكان أول حصونهم ~~افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقت اليهود عليه حجرا فقتله ثم ~~فتح حصن ابن أبي الحقيق فأصاب سبايا منهم صفية بنت حيي بن أخطب جاء بها ~~بلال وبأخرى معها فمر بها على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية، ~~صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «اعزبوا عني هذه الشيطانة» وأمر بصفية فجهزت خلفه وألقى عليها ~~رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى ~~أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد ~~رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في ~~حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز ~~محمدا ثم لطم وجهها لطمة اخضرت منها ms3195 عينها، فأتى بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبها أثر منها فسألها عن ذلك ما هو، فأخبرته الخبر، وأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بزوجها كنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير ~~فسأله، فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل ~~من اليهود فقال لرسول الله: صلى الله عليه وسلم إني رأيت كنانة يطوف # PageV04P162 # بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن ~~وجدناه عندك أنقتلك قال: نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة ~~فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقي، فأبى أن يؤديه إليه فأمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير بن العوام أن يعذبه حتى يستأصل ما ~~عنده فكان الزبير يقدح بزنده على صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه إلى محمد ~~بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة» (ق) عن أنس بن مالك، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر بياض فخذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما دخل القرية قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة ~~قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاثا. قال: وخرج القوم إلى أعمالهم فقالوا ~~محمد والخميس يعني الجيش. قال: فأصبناها عنوة فجمع السبي فجاء دحية فقال: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطني جارية من السبي. قال: اذهب فخذ ~~جارية، فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال: ~~ادعوها فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه ms3196 وسلم قال: خذ جارية ~~من السبي غيرها، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها. فقال له ثابت: ~~يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق، ~~جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم ~~عروسا فقال: من كان عنده شيء فليجئ به. وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر ~~وجعل الآخر يجيء بالسمن قال: وأحسبه ذكر السويق. قال: فحاسوا حيسا فكانت ~~وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم» (ق). عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ~~«أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية ~~فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا». فقال أناس: # نهى عنها لأنها لم تخمس وقال آخرون: إنما نهى عنها البتة (ق) عن أنس: «أن ~~امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فجيء بها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك فقال: ما ~~كان الله ليسلطك على ذلك. أو قال علي قالوا أنقلتها قال لا فما زلت أعرفها ~~في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم». # قال محمد بن إسماعيل قال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما أزال أجد ألم ~~الطعام الذي أكلت بخبير فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم» (خ). عن ~~عائشة قالت: «لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر» (ق) عن ابن عمر «أن ~~عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فأراد إخراج اليهود منها فسألت ~~اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها على أن يكفوا العمل ولهم ms3197 ~~نصف التمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها على ذلك ما ~~شئنا فقروا بها. حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء. قال محمد بن ~~إسحاق: لما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعثوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم ~~ويخلوا له الأموال ففعل بهم ثم إن أهل خيبر سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعاملهم على النصف ففعل على أن لنا إذا شئنا إخراجكم فصالحه أهل ~~فدك على مثل ذلك فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، فلما اطمأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة ~~مصلية، يعني مشوية، وسألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة، ثم جاءت بها ~~فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فأخذها، ~~فلاك منها قطعة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها يعني ابتلعها وأما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: # إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. ثم دعا بها فاعترفت فقال: ما حملك على ~~ذلك؟ فقالت: بلغت من قومي ما لا يخفى عليك فقلت إن كان ملكا استرحنا منه ~~وإن كان نبيا فيسخبرنا. فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بشر # PageV04P163 # على مرضه الذي توفي فيه. فقال: يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ~~ابنك تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري». فكان المسلمون يرون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ماتت شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوة. # عن عبيد الله بن سلمان أن رجلا من أصحاب النبي ms3198 صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي فجعل الناس يتبايعون ~~غنائمهم فجاء رجل فقال: يا رسول الله لقد ربحت اليوم ربحا ما ربحه أحد من ~~أهل هذا الوادي. قال: ويحك وما ربحت قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ~~ثلاثمائة أوقية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئك بخير ~~ربح؟ قال: وما هو يا رسول الله قال: ركعتان بعد الصلاة» أخرجه أبو داود. ### || [سورة الفتح (48): الآيات 21 الى 24] # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ~~ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون ~~بصيرا (24) # قوله تعالى: وأخرى لم تقدروا عليها يعني وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها يعني حفظها لكم حتى تفتحوها ومنعها من غيركم ~~حتى تأخذوها، وقال ابن عباس: علم الله أن يفتحها لكم واختلفوا فيها فقال ~~ابن عباس: هي فارس والروم وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم بل ~~كانوا خولا لهم حتى أقدرهم الله عليها بشرف الإسلام وعزه. وقيل: هي خيبر ~~وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها ~~ففتحها الله لهم. وقيل: هي مكة. وقيل: هو كل فتح فتحه المسلمون أو يفتحونه ~~إلى آخر الزمان وكان الله على كل شيء قديرا أي: من فتح القرى والبلدان لكم ~~وغير ذلك ولو قاتلكم الذين كفروا أي أسد وغطفان وأهل خيبر لولوا الأدبار أي ~~لانهزموا عنكم ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا يعني من تولى الله خذلانه فلا ~~ناصر له ولا مساعد سنة الله التي قد خلت من قبل يعني هذه سنة الله في نصر ~~أوليائه وقهر أعدائه ولن تجد لسنة الله تبديلا قوله عز وجل: وهو ms3199 الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم سبب نزول هذه الآية ما روي عن أنس بن مالك: «أن ~~ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل ~~التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذهم سبايا ~~فاستحياهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ~~من بعد أن أظفركم عليهم» انفرد بإخراجه مسلم وقال عبد الله بن مغفل المزني: ~~«كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال ~~الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن ~~أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح ~~فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله ~~بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم». # ومعنى الآية، أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلوا ~~وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح وهو قوله تعالى: وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم يعني أيدي أهل مكة وأيديكم عنهم أي قضى بينهم وبينكم بالمكافة ~~والمحاجزة ببطن مكة قيل: أراد به الحديبية. وقيل: التنعيم. وقيل: وادي مكة ~~من بعد أن أظفركم عليهم أي مكنكم منهم حتى ظفرتم بهم وكان الله بما تعملون ~~بصيرا قوله عز وجل: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام. # (ذكر صلح الحديبية) روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ~~ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث # PageV04P164 # صاحبه قالا: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية ~~في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه سبعين ~~بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة ~~قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة ms3200 وبعث عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. ~~وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان ~~أتى عتبة الخزاعي. وقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش ~~وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي ~~أيها الناس أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا ~~قعدوا موتورين وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله أو ترون أن نؤم البيت لا نريد ~~قتال أحد ولا حربا فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما ~~جئت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا فتوجه له فمن صدنا عنه ~~قاتلناه قال: امضوا على اسم الله فنفذوا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فو الله ما ~~شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ~~فقال الناس: حل حل. فألحت فقالوا خلأت القصواء فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم من خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال: ~~والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله ~~وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل ~~بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضا فلم يلبث الناس أن ~~نزحوه. وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهما من ~~كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه. فو الله ما زال يجيش لهم ~~بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر ~~من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3201 من أهل تهامة ~~فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية ~~معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ~~وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر. # فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فيه فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا ~~فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله ~~أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال إنا قد ~~جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ~~فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ~~ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. ~~قال: أو لست بالوالد؟ # قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت ~~أهل عكاظ؟ فلما ألحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: ~~فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها ودعوني آتية قالوا ائته فأتاه ~~فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من ~~قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت ~~بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني ~~لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ~~امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما ~~والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي ولم أجزك بها لأجبتك. # قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة ~~بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه ms3202 وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، ~~فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل ~~السيف. وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة ~~رأسه، فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في ~~غدرتك؟ # وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في ~~شيء. # PageV04P165 # ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه قال: فو الله ~~ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك ~~بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون في وضوئه ~~وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له فرجع عروة ~~إلى أصحابه وقال: أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى ~~والنجاشي. والله إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله ~~ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ~~ابتدروا أمره. # وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما ~~يحدون النظر إليه تعظيما له وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من ~~كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم: # وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن ~~فابعثوها له فبعث له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ~~ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد ~~قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة ~~وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي ms3203 يسيل ~~إليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى ~~قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال: يا ~~معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول ~~الحبس عن محله قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك. فغضب الحليس ~~عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا ~~عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن ~~بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحبيش نفرة رجل واحد. فقالوا: مه كف ~~عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل منهم يقال له مكرز بن ~~حفص فقال: دعوني آته. فقال: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو ~~يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء ~~سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم قال معمر قال ~~الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات أكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك ~~اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن ~~الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم. ثم قال له: ~~اكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال سهيل لو كنا ~~نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن هذا البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن ~~عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن ~~كذبتموني اكتب محمد ms3204 بن عبد الله. قال الزهري وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ~~لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها فكتب هذا ما قاضى ~~عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر ~~سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~وعلي أن يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل: والله لأتحدث العرب ~~أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل وعلي أن لا يأتيك ~~منا رجلا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف ~~يرد إلى المشركين من جاء مسلما. # وروي عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ~~شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ~~ثم قال لعلي: امح رسول الله. قال: لا والله لا أمحوك أبدا قال: فأرنيه، ~~فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وفي رواية، فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه ~~محمد بن عبد الله قال البراء: على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من المشركين ~~رده إليهم # PageV04P166 # ومن أتاه من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم ثلاثة أيام ~~ولا يدخلها بجلباب السلاح السيف والقوس ونحوه. # وروى ثابت عن أنس أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا أن ~~من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا: يا رسول ~~الله أنكتب هذا؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم ~~سيجعل الله له فرجا ومخرجا. # (رجعنا إلى حديث الزهري) قال بينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن ~~عمرو يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر ~~المسلمين فقال سهيل هذا: يا محمد أول من أقاضيك عليه ms3205 أن ترده إلي فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد قال فو الله إذا لا ~~أصالحك على شيء أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجره لي. قال: ما أنا ~~بمجيره لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى ~~قريش. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ~~ترون ما لقيت، وكان قد عذب في الله عذابا شديدا، وفي الحديث، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك في ~~المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وإنا لا ~~نغدر، فوثب عمر إلى جنب أبي جندل وجعل يقول: # اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني السيف منه. # قال عمر: ورجوت أن يأخذ السيف فيضربه به فضن الرجل بأبيه وقد كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك، دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا ~~يهلكون وزادهم أمر أبي جندل شرا إلى ما بهم. # قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ قال الزهري في حديثه عن ~~مروان والمسور وروى أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلنا: ألسنا على ~~الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في ~~النار. قال: بلى. قلت: # فلم نعط الدنية في ديننا إذا قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت ~~أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه ~~العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا ~~بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على ~~الباطل؟ قال: ms3206 بلى. # قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فو الله إنه على الحق. ~~قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنه ~~آتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال عمر: فعملت لذلك ~~أعمالا، فلما فرغ من قضية الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ~~ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على أم ~~سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. قالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ~~ثم لا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم ~~أحدا منهم حتى فعل ذلك ونحر بدنة ودعا حالقا فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا ~~فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما قال ابن عمر وابن ~~عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم ~~المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين ~~والمقصرين قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. ~~قال: لأنهم لم يشكوا. # PageV04P167 # قال ابن عمر: وذلك أنه تربص قوم وقالوا: لعلنا نطوف بالبيت. # قال ابن عباس: وأهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في ~~هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك. قال الزهري ~~في حديثه: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر امرأتين يومئذ كانتا ~~في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية قال: ~~فنهاهم أن يردوا النساء وأمرهم أن يردوا الصداق. قال: ثم رجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms3207 إلى المدينة فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد رجل من قريش وهو ~~مسلم وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي ~~ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: العهد الذي ~~جعلت لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا ~~هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله تعالى جاعل لك ~~ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا ~~بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: ~~والله إني لأرى سيفك هذا جيد، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد ~~جربت به ثم جربت به. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأخذه، منه فضربه حتى ~~برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ويلك ما لك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فو الله ما ~~برح حتى طلع أبو بصير متوشح السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله تعالى ~~منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد. # فلما سمع ذلك، عرف أن يرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر وبلغ المسلمين ~~الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير ويل ~~أمه مسعر حرب لو كان معه أحد فخرج عصابة منهم إليه فانفلت أبو جندل فلحق ~~بأبي بصير حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا فو الله ما يسمعون بعير خرجت ~~لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش ms3208 إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسلت إليهم فمن أتاه فهو ~~آمن فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا إليه المدينة وأنزل الله ~~عز وجل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية وكانت ~~حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ~~وحالوا بينه وبين هذا البيت أخرجه البخاري بطوله سوى ألفاظ منه وهي مستثناة ~~في الحديث. منها قوله: فنزع سهما من كنانته، وأعطاه رجلا من أصحابه، إلى ~~قوله: فو الله ما زال يجيش لهم بالري ومنها قوله ثم بعثوا الحليس بن علقمة ~~إلى قوله فقالوا كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به ومنها قوله ~~هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، إلى قوله: وعلي أن يخلوا بيننا وبين ~~البيت. ومنها قوله: وروي عن البراء قصة الصلح، إلى قوله: رجعنا إلى حديث ~~الزهري. ومنها قوله: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ~~أبا جندل، إلى قوله: # قال عمر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا؟ ومنها ~~قوله: قال ابن عمر وابن عباس، إلى قوله: وقال الزهري في حديثه ثم جاء نسوة ~~مؤمنات فهذه الألفاظ لم يخرجها البخاري في صحيحه. # (شرح غريب ألفاظ الحديث) قوله: بضع عشرة، البضع: في العدد بالكسر وقد ~~يفتح هو ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. قوله: ~~وبعث عينا له أي جاسوسا. قوله: وقد جمعوا لك الأحابيش: هم أحياء من القارة ~~انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا. وقيل: هم حلفاء قريش وهم بنو الهون ~~بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة تحالفوا تحت جبل ~~يقال له: حبش فسموا بذلك. وقيل: هو اسم واد بأسفل مكة. # PageV04P168 # وقيل: سموا بذلك لتجمعهم. والتحبيش: التجمع. قوله: فإن قعدوا قعدوا ~~موتورين، أي منقوصين. قوله: # فنفذوا: أي مضوا وتخلصوا. قوله: إن خالد بن الوليد بالغميم، اسم موضع ~~ومنه ms3209 كراع الغميم. وقوله: طليعة الطليعة، الجماعة يبعثون بين يدي الجيش ~~ليطلعوا على أخبار العدو. قوله: وقترة الجيش: هو الغبار الساطع معه سواد. ~~قوله: يركض نذير، النذير: الذي يعلم القوم بالأمر الحادث. قوله: حل حل: هو ~~زجر للناقة. قوله خلأت القصوا: يعني أنها لما توقفت عن المشي وتقهقرت ظنوا ~~ذلك خللا في خلقها وهو كالحران للفرس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~خلأت أي ليس ذلك من خلقها ولكن حبسها حابس الفيل، أي منعها عن المسير. ~~والذي منع الفيل عن مكة هو الله تعالى والقصوا اسم ناقة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم تكن قصوا وهو شق الأذن. قوله: خطة، أي حالة وقضية يعظمون ~~فيها حرمات الله جمع حرمة وهي فروضه وما يجب القيام به يريد بذلك حرمة ~~الحرم ونحوه. قوله: حتى نزل بأقصى الحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، وهي ~~قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية ومكة ~~مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وقال ما لك: هي من الحرم. وقال ابن ~~القصار: # بعضها من الحل حكاه في المطالع. والثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. ~~والتربص: أخذ الشيء قليلا قليلا. # وقوله: فما زال يجيش بالري، يقال: جاشت البئر بالماء إذا ارتفعت وفاضت. ~~والري ضد العطش، والصد الرجوع بعد الورود. وقوله: وكانت خزاعة عيبة، نصح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال فلان عيبة نصح فلان إذا كان موضع سره ~~وثقته في ذلك. قوله: نزلوا على أعداد مياه الحديبية، الماء العد: الكثير ~~الذي لا انقطاع له كالعيون وجمعه أعداد. قوله: ومعهم العوذ المطافيل، ~~العوذ: جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى ولدها، وقيل: هي كل أنثى ~~لها سبع ليال منذ وضعت. والمطافيل: جمع مطفل وهي الناقة معها فصيلها وهذه ~~استعارة استعار ذلك للناس وأراد بهم أن معهم النساء والصبيان. قوله: وإن ~~قريشا قد نهكتهم الحرب أي، أضرت بهم وأثرت فيهم. # وقوله: ماددتهم أي جعلت بيني وبينهم مدة. قوله: وإلا فقد جموا، أي: ~~استراحوا. والجمام: بالجيم ms3210 الراحة بعد التعب. قوله: تنفرد سالفتي السالفة ~~الصفحة والسالفتان صفحتا العنق. وقيل: السالفة حبل العنق وهو ما بينه وبين ~~الكتف وهو كناية عن الموت لأنها لا تنفرد عنه إلا بالموت. قوله: إني ~~استنفرت، يقال: استنفر القوم إذا دعاهم إلى قتال العدو، وعكاظ: اسم سوق ~~كانت في الجاهلية معروفة. وقوله: بلحوا على فيه لغتان التخفيف والتشديد ~~وأصل التبليح: الإعياء والفتور. والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم عنه. ~~قوله: استأصلت قومك. # واجتاح: أصله من الاجتياح إيقاع المكروه بالإنسان ومنه الجائحة ~~والاستئصال والاجتياح متقاربان في مبالغة الأذى. قوله: إني لأرى وجوها ~~وأشوابا: الأشواب، مثل الأوباش وهم الأخلاط من الناس والرعاع. يقال: فلان ~~خليق بذلك أي جدير لا يبعد ذلك من خلقه قوله امصص بظر اللات وهي اسم صنم ~~لهم كانوا يعبدونه والبظر ما تقطعه الخافضة وهي الخاتنة من الهنة التي تكون ~~في فرج المرأة وكان هذا اللفظ شتما لهم يدور في ألسنتهم. # قوله: لولا يدلك عندي اليد النعمة وما يمتن به الإنسان على غيره. قوله: ~~أي غدر معدول عن غادر وهو للمبالغة. وقوله: قد عرض عليكم خطة رشد، يقال: ~~خطة رشد وخطة غي. والرشد والرشاد خلاف الغي والمراد منه أنه قد طلب منكم ~~طريقا واضحا في هدى واستقامة. قوله: وهو من قوم يعظمون البدن أي الإبل تهدى ~~إلى البيت في حج أو عمرة، وتقليدها: هو أن يجعل في رقابها شيء كالقلادة من ~~لحاء الشجر أو نعل أو غيره ليعلم بذلك أنه هدى. والإشعار: هو أن يشق جانب ~~السنام فيسيل دمه عليه وقوله لما رأى الهدى يسيل عليه أي يقبل عليه كالسيل ~~من عرض الوادي أي جانبه. وقوله: هذا مكرز وهو رجل فاجر. الفجور: الميل عن ~~الحق وكل انبعاث في شر فهو فجور. قوله: هذا ما قاضى عليه، أي فاعل من ~~القضاء وهو إحكام الأمر وإمضاؤه وهو في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء ~~الشيء وإتمامه. قوله: ضغطة، هو كناية عن القهر والضيق. قوله: # بجلباب السلاح، بضم الجيم وسكون اللام مع تخفيف الباء ويروى بضم ms3211 اللام ~~أيضا مع التشديد وهو وعاء من # PageV04P169 # أدم شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا ويعلق في مؤخرة الرحل. قوله: يرسف ~~بضم السين وكسرها لغتان، وهو: مشي المقيد. قوله: فأجره لي. قال ابن الأثير: ~~يجوز أن يكون بالزاي من الإجازة أي اجعله جائزا غير ممنوع ولا محرم أو ~~أطلقه لي وإن كان بالراء المهملة فهو من الإجارة والحماية والحفظ وكلاهما ~~صالح في هذا الموضوع. # قوله: فلم نعطى الدنية، أي القضية التي لا نرضى بها أي لم نرض بالأدون ~~والأقل في ديننا؟ قوله: # فاستمسك بغرزه الغرز لكور الناقة كالركاب لسرج الفرس والمعنى: فاستمسك به ~~ولا تفارقه ساعة كما لا تفارق رجل الراكب غرز رحله فإنه على الحق الذي لا ~~يجوز لأحد تركه. قوله: ويل أمه، هذه كلمة تقال للواقع فيما يكره ويتعجب بها ~~أيضا، ومسعر الحرب أي موقدها. يقال: سعرت النار وأسعرتها إذا أوقدتها. ~~والمسعر: # الخشب الذي توقد به النار وسيف البحر بكسر السين جانبه وساحله والله أعلم ~~وأما تفسير الآية فقوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48): آية 25] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) # هم الذين كفروا، يعني كفار مكة، وصدوكم أي منعوكم عن المسجد الحرام أن ~~تطوفوا به والهدي أي وصدوا الهدي وهو البدن التي ساقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكانت سبعين بدنة معكوفا أي محبوسا أن يبلغ محله أي منحره وحيث ~~يحل نحره وهو الحرم ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يعني المستضعفين بمكة ~~لم تعلموهم أي لم تعرفوهم أن تطؤهم أي بالقتل وتوقعوا بهم فتصيبكم منهم ~~معرة بغير علم أي إثم وقيل: غرم الدية، وقيل: كفارة قتل الخطأ، لأن الله ~~أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية. ~~وقيل: هو أن المشركين يعتبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. # والمعرة: المشقة ms3212 يقول: لولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم ~~تعلموهم فيلزمكم به كفارة أو سيئة وجواب لولا محذوف تقديره لأذن لكم في ~~دخول مكة ولكنه حال بينكم وبين ذلك لهذا السبب ليدخل الله في رحمته من يشاء ~~أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح وقيل دخولها لو تزيلوا أي ~~لو تميزوا المؤمنين من الكفار لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما أي ~~بالسبي والقتل بأيديكم وقيل: لعذبنا جواب لكلامين أحدهما لولا رجال. ~~والثاني: لو تزيلوا. ثم قال: ليدخل الله في رحمته من يشاء يعني المؤمنين ~~والمؤمنات في رحمته أي في جنته. قال قتادة: في الآية إن الله تعالى يدفع ~~بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة. # ### || [سورة الفتح (48): الآيات 26 الى 27] # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم ~~تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) # قوله تعالى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية أي الأنفة والغضب وذلك ~~حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت ومنعوا الهدي محله ~~ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وأنكروا أن يكون محمد رسول # PageV04P170 # الله. وقيل: قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، ~~فتحدث العرب أنهم دخلوا علينا رغما منا واللات والعزى لا يدخلونها علينا ~~فكانت هذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم فأنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين أي: حتى لا يدخلهم ما دخلهم في الحمية فيعصون الله في قتالهم ~~وألزمهم كلمة التقوى. # قال ابن عباس: «كلمة التقوى لا إله إلا الله» وأخرجه الترمذي. وقال: حديث ~~غريب. وقال علي وابن عمر: كلمة التقوى لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له ~~الملك وله الحمد وهو على ms3213 كل شيء قدير. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن ~~الرحيم وكانوا أحق بها أي من كفار مكة وأهلها أي كانوا أهلها في علم الله، ~~لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أهل الخير ~~والصلاح وكان الله بكل شيء عليما يعني من أمر الكفار وما كانوا يستحقونه من ~~العقوبة وأمر المؤمنين وما كانوا يستحقونه من الخير. # قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق سبب نزول هذه الآية أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى ~~الحديبية أنه يدخل المسجد الحرام هو وأصحابه آمنين ويحلقوا رؤوسهم فأخبر ~~بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم ~~يدخلوا، شق عليهم ذلك وقال المنافقون: أين رؤياه التي رآها؟ فأنزل الله هذه ~~الآية ودخلوا في العام المقبل. # وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال: «شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما ~~بال الناس؟ قال: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نرجف ~~فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم فلما ~~اجتمع الناس قرأ «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» فقال عمر: أهو فتح يا رسول ~~الله؟ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم والذي نفسي بيده» ففيه دليل على أن ~~المراد من الفتح هو صلح الحديبية، وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل. ~~وقوله: لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق، أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها ~~في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد حق وصدق بالحق أي الذي ~~رآه حق وصدق وقيل: يجوز أن يكون بالحق قسما لأن الحق من أسماء الله تعالى ~~أو قسما بالحق الذي هو ضد الباطل وجوابه لتدخلن المسجد الحرام وقيل: لتدخلن ~~من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3214 لأصحابه حكاية عن رؤياه فأخبر الله عز ~~وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك إن شاء الله آمنين قيل: ~~إنما استثني مع علمه بدخوله تعليما لعباده الأدب وتأكيدا لقوله: «ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله» وقيل: إن بمعنى إذ مجازه إذ شاء ~~الله. وقيل: لما لم يقع الدخول في عام الحديبية وكان المؤمنون يريدون ~~الدخول ويأبون الصلح قال: لتدخلن المسجد الحرام لا بقوتكم وإرادتكم ولكن ~~بمشيئة الله تعالى، وقيل: الاستثناء واقع على إلا من لا على الدخول لأن ~~الدخول لم يكن فيه شك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون» مع أنه لا يشك في الموت محلقين رؤسكم أي كلها ومقصرين أي تأخذون ~~بعض شعوركم لا تخافون أي من عدو في رجوعكم لأن قوله آمنين في حال الإحرام ~~لأنه لا قتال فيه. وقوله: لا تخافون يرجع إلى كمال الأمن بعد الإحرام في ~~حال الرجوع فعلم ما لم تعلموا يعني علم أن الصلاح كان في الصلح وتأخير ~~الدخول وكان ذلك سببا لوطء المؤمنين والمؤمنات. # وقيل: علم أن دخولكم في السنة الثانية ولم تعلموا أنتم فظننتم أنه في ~~السنة الأولى فجعل من دون ذلك أي من قبل دخولكم الحرم فتحا قريبا يعني صلح ~~الحديبية قاله الأكثرون. وقيل: هو فتح خيبر قوله عز وجل: # PageV04P171 ### || [سورة الفتح (48): الآيات 28 الى 29] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق هذا البيان صدق الرؤيا وذلك أن الله ~~تعالى لا يرى رسوله صلى الله عليه وسلم ms3215 ما لا يكون فيحدث الناس فيقع خلافه ~~فيكون سببا للضلال فحقق الله أمر الرؤيا بقوله: «لقد صدق الله رسوله الرؤيا ~~بالحق» وبقوله «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق» وفيه بيان وقوع الفتح ~~ودخول مكة وهو قوله تعالى: ليظهره على الدين كله أي يعليه ويقويه على ~~الأديان كلها فتصير الأديان كلها دونه وكفى بالله شهيدا أي في أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية لقلوب المؤمنين وذلك أنهم تأذوا من قول ~~الكفار لو نعلم أنه رسول الله ما صددناه عن البيت فقال الله تعالى: وكفى ~~بالله شهيدا. أي: في أنه رسول الله، ثم قال تعالى: محمد رسول الله أي هو ~~محمد رسول الله الذي سبق ذكره في قوله أرسل رسوله. قال ابن عباس: شهد له ~~بالرسالة ثم ابتدأ فقال والذين معه يعني أصحابه المؤمنين أشداء على الكفار ~~أي غلاظ أقوياء كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة رحماء بينهم أي: ~~متعاطفون متوادون بعضهم لبعض كالولد مع الوالد. كما قال في حقهم: «أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين» تراهم ركعا سجدا أخبر عن كثرة صلاتهم ~~ومداومتهم عليها يبتغون أي يطلبون فضلا من الله يعني الجنة ورضوانا أي أن ~~يرضى عنهم. وفيه لطيفة وهو أن المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله تعالى ~~والمرائي بعمله لا يبتغي له أجرا وذكر بعضهم في قوله: والذين معه يعني أبا ~~بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم عثمان بن عفان ~~تراهما ركعا سجدا علي بن أبي طالب يبتغون فضلا من الله ورضوانا بقية ~~الصحابة سيماهم أي علامتهم في وجوههم من أثر السجود واختلفوا في هذه السيما ~~على قولين: أحدهما: أن المراد في يوم القيامة قيل: هي نور وبياض في وجوههم ~~يعرفون به يوم القيامة أنهم سجدوا لله في الدنيا وهي رواية عن ابن عباس. ~~وقيل: تكون مواضع السجود في وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقيل: يبعثون غرا ~~محجلين يوم القيامة يعرفون بذلك. والقول الثاني: إن ذلك في الدنيا وذلك ~~أنهم استنارت ms3216 وجوههم بالنهار من كثرة صلاتهم بالليل. وقيل: هو السمت الحسن ~~والخشوع والتواضع. # قال ابن عباس: ليس بالذي ترون ولكنه سيما الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. ~~والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن يعرفون به وقيل هو صفوة ~~الوجه من سهر الليل ويعرف ذلك في رجلين أحدهما سهر الليل في الصلاة ~~والعبادة والآخر في اللهو واللعب فإذا أصبحا ظهر الفرق بينهما فيظهر في وجه ~~المصلي نور وضياء وعلى وجه اللاعب ظلمة. وقيل: هو أثر التراب على الجباه ~~لأنهم كانوا يصلون على التراب لا على الأثواب. قال عطاء الخراساني: دخل في ~~هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس ذلك مثلهم في التوراة يعني ذلك ~~الذي ذكر صفتهم في التوراة وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ بذكر نعتهم وصفتهم في ~~الإنجيل فقال تعالى: ومثلهم أي صفتهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي إفراطه ~~قبل فراخه. قيل: هو نبت فما خرج بعده شطؤه فآزره أي: قواه وأعانه وشد أزره ~~فاستغلظ أي غلظ ذلك الزرع وقوي فاستوى أي تم وتلاحق نباته وقام على سوقه ~~جمع ساق أي على أصوله يعجب الزراع أي يعجب ذلك الزرع زراعة وهو مثل ضربه ~~الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل أنهم يكونون ~~قليلا ثم يزدادون ويكثرون قال # PageV04P172 # قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل أنه سيخرج ~~قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قيل الزرع محمد ~~صلى الله عليه وسلم والشطء أصحابه والمؤمنون وقيل: الزرع هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم شطأه أبو بكر فآزره عمر فاستغلظ عثمان فاستوى على سوقه علي بن ~~أبي طالب يعجب الزراع يعني جميع المؤمنين ليغيظ بهم الكفار قيل: هو قول عمر ~~بن الخطاب لأهل مكة بعد ما أسلم لا يبعد الله سرا بعد اليوم. وقيل: قوتهم ~~وكثرتهم ليغيظ بهم الكفار. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. # (فصل في ms3217 فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) (ق) عن عبد الله بن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال خير الناس قرني ثم الذين ~~يلونهم» (م). # عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث». قوله: خير ~~الناس قرني ثم الذين يلونهم يعني الصحابة ثم التابعين وتابعيهم والقرن كل ~~أهل زمان قيل هو أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة سنة عن عبد الرحمن بن ~~عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبو بكر في الجنة وعمر بن ~~الخطاب في الجنة وعثمان بن عفان في الجنة وعلي بن أبي طالب في الجنة وطلحة ~~في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص ~~في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». أخرجه ~~الترمذي. # وأخرج عن سعيد بن زيد نحوه وقال: هذا أصح من الحديث الأول عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في ~~أمر الله عمر وأشدهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ~~بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل قوم أمين وأمين هذه ~~الأمة أبو عبيدة بن الجراح وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من ~~أبي ذر أشبه عيسى في ورعه قال عمر فنعرف له ذلك يا رسول الله؟ قال نعم» ~~أخرجه الترمذي مفرقا في موضعين، أحدهما: إلى قوله أبو عبيدة بن الجراح، ~~والآخر إلى أبي ذر (خ). # عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحدا أبو بكر وعمر وعثمان ~~فرجف بهم فقال: اثبت أحد أراه ضربه برجله فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». # عن ابن مسعود: «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقتدوا بالذين بعدي ~~من أصحابي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدى عثمان وتمسكوا ms3218 بعهد عبد الله بن ~~مسعود» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. (ق) عن عمرو بن العاص أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعثه في جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس ~~أحب إليك؟ قال عائشة فقلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من؟ قال ثم عمر بن ~~الخطاب فعد رجالا» عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار ~~وأعتق بلالا من ماله رحم الله عمرا ليقولن الحق وإن كان مرا تركه الحق وما ~~له من صديق. رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة، رحم الله عليا اللهم أدر ~~الحق معه حيث دار» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. (م) عن زر بن حبيش قال: ~~سمعت عليا يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه ~~لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. عن. # عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من ~~أحد يموت من أصحابي بأرض إلا بعثه الله قائدا ونورا لهم يوم القيامة» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب وقد روي عن أبي بريدة مرسلا وهو أصح. (ق) عن أبي ~~سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فو ~~الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ~~وعن أبي هريرة نحوه أخرجه مسلم عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول ~~الله # PageV04P173 # صلى الله عليه وسلم: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن ~~أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني ~~فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه» أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. # قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم لفظة من في قوله ~~منهم لبيان الجنس لا للتبعيض. كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان، فيكون ~~معنى الآية وعد ms3219 الله الذين آمنوا من جنس الصحابة. وقال ابن جرير: يعني من ~~الشطء الذي أخرجه الزرع وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة ورد الهاء ~~والميم على معنى الشطء لا على لفظه ولذلك لم يقل منه مغفرة وأجرا عظيما ~~يعني الجنة. وقيل: إن المغفرة جزاء الإيمان فإن لكل مؤمن مغفرة والأجر ~~العظيم جزاء العمل الصالح والله تعالى أعلم بمراده. # PageV04P174 ### | سورة الحجرات # (مدنية وهي ثمان عشرة آية وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمة وألف وأربعمائة ~~وستة وسبعون حرفا). # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحجرات (49): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله من ~~التقديم أي لا ينبغي لكم أن يصدر منكم تقديم أصلا. وقيل: لا تقدموا فعلا ~~بين يدي الله ورسوله. والمعنى: لا تقدموا بين يدي أمر الله ورسوله ولا ~~نهيهما. وقيل: لا تجعلوا لأنفسكم تقدما عند النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ~~إشارة إلى احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد لأوامره ونواهيه ~~والمعنى: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو قبل أن يفعله. وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة واختلفوا في معنى ~~الآية فروي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى أي: لا تذبحوا قبل أن يذبح ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن أناسا ذبحوا قبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمروا أن يعيدوا الذبح. (ق) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع ~~فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله ~~لأهله ليس من النسك في شيء» زاد الترمذي في أوله: قال خطبنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم النحر وذكر الحديث. # وروي عن عائشة أنه في النهي عن صوم ms3220 يوم الشك أي لا تصوموا قبل نبيكم عن ~~عمار بن ياسر قال: «من صام في اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى ~~الله عليه وسلم» أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. # وقيل في سبب نزول هذه الآية: ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه قدم وفد ~~من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن ~~معبد بن زرارة. وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا ~~خلافي. # وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله حتى انقضت زاد في رواية ~~فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه حتى يستفهمه أخرجه ~~البخاري. وقيل: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو نزل في كذا أو صنع كذا ~~وكذا، فكره الله ذلك وقيل في معنى الآية لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقيل في القتال وشرائع الدين: لا ~~تقضوا أمرا من دون الله ورسوله واتقوا الله أي في تضييع حقه بمخالفة أمره ~~إن الله سميع أي لأقوالكم عليم أي بأفعالكم. # PageV04P175 # ### || [سورة الحجرات (49): آية 2] # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي أي لا ~~تجعلوا كلامكم مرتفعا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب وذلك، ~~لأن رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام وترك الاحترام. وقوله: لا تقدموا نهي ~~عن فعل وقوله لا ترفعوا أصواتكم نهي عن قول ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه ولا يرفعوا أصواتهم عنده ولا ~~ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا فيقول يا محمد بل يقولون يا رسول الله يا نبي ~~الله ms3221 أن تحبط أعمالكم أي لئلا تحبط. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم وأنتم لا ~~تشعرون أي بذلك. (ق) عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية يا أيها الذين ~~آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية جلس ثابت بن قيس في بيته ~~وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أيشتكي؟ ~~فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى. قال: # فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت: أنزلت ~~هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بل هو من أهل الجنة. # زاد في رواية: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة مسلم وللبخاري ~~نحوه. وروي لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي ~~فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون أنزلت في وأنا رفيع ~~الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم أخاف أن يحبط عملي وأن أكون من أهل ~~النار. فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتا البكاء فأتى ~~امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي ~~فشدي على الضبة بمسمار فضربتها بمسمار. وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو ~~يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره قال اذهب فادعه فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده ~~فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس. فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعوك فقال اكسر الضبة فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms3222 ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن ~~تكون هذه الآية نزلت في فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن ~~تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم لا أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا فأنزل ~~الله تعالى: ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 3 الى 4] # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون (4) # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله الآية. قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل ~~من أهل الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة رأى ثابت ~~من المسلمين بعض انكسار وانهزمت طائفة منهم فقال: أف لهؤلاء. ثم قال ثابت ~~لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع فرآه رجل من ~~الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانا رجلا من المسلمين ~~نزع درعي فذهب به وهو في ناحية من المعسكر عند فرس يستن في طيله وقد وضع ~~على درعي برمته فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي وأت أبا بكر ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن علي دينا حتى يقضيه عني ~~وفلان من رقيقي عتيق فأخبر الرجل خالدا فوجد الدرع والفرس على ما وصفه ~~فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته قال مالك ~~بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. قال أبو هريرة وابن ~~عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا كأخي السرار. وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه ms3223 حتى ~~يستفهمه مما يخفض صوته فأنزل الله تعالى: إن الذين يغضون أي يخفضون أصواتهم ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أي # PageV04P176 # إجلالا له وتعظيما أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى أي اختبرها ~~وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار ليخرج خالصه لهم مغفرة وأجر عظيم قوله عز ~~وجل: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات. قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري فلما ~~علموا أنه توجه نحوهم، هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة وقدم بهم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا ~~وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما في أهله، فلما ~~رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حجرة فعجلوا قبل أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا. حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم، ~~فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى ~~يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم؟ قالوا: نعم. قال ~~سبرة: أنا لا أحكم إلا وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال ~~الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد رضيت. ففادى نصفهم، وأعتق نصفهم فأنزل الله عز وجل: إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وصفهم بالجهل وقلة العقل. وقيل ~~في معنى الآية: أكثرهم إشارة إلى من يرجع منهم عن ذلك الأمر ومن لا يرجع ~~فيستمر على حاله وهم الأكثر. ### || [سورة الحجرات (49): آية 5] # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم فيه بيان لحسن الأدب وهو خلاف ما جاءوا به ~~من سوء الأدب وطلب ms3224 العجلة في الخروج لكان خيرا لهم أي الصبر لأنك كنت ~~تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء. وقيل: لكان حسن الأدب في طاعة الله وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا لهم: وقيل: نزلت الآية في ناس من أعراب تميم ~~وكأن فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر فنادوا على ~~الباب. ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب فقالوا: يا ~~محمد اخرج علينا فإن مدحنا زين وذمنا شين فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقول: # إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين قالوا نحن ناس من تميم جئنا ~~بشاعرنا وخطيبنا جئنا نشاعرك ونفاخرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت، ولكن هاتوا. فقام منهم شاب فذكر فضله وفضل ~~قومه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قم فأجبه. فقام فأجابه وقام شاعرهم فذكر أبياتا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: أجبه. فأجابه فقام الأقرع بن ~~حابس فقال: إن محمد المؤتى له تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم ~~شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعرا وقولا ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما يضرك ما كان قبل هذا. ثم أعطاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكساهم وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت ~~الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فيهم: يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآيات إلى قوله والله غفور ~~رحيم أي لمن تاب منهم. وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: وقال ms3225 بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن ~~أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جنابه فجاؤوا فجعلوا ينادونه: يا محمد ~~يا محمد فأنزل الله هذه الآيات. # PageV04P177 ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 6 الى 9] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة ~~والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا الآية نزلت ~~في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به ~~القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم ~~يريدون قتله، فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوع الوليد فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ~~ونؤدي له ما قبلناه من حق الله فبدا له الرجوع فخشينا أنه إنما رده من ~~الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب ~~رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد خفية في ~~عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على ~~إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم ms3226 وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما تستعمل في ~~الكفار ففعل ذلك خالد. فوافاهم فسمع منهم أذان المغرب والعشاء فأخذ منهم ~~صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبره الخبر فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~يعني الوليد بن عقبة. # وقيل: هو عام نزلت لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهو أولى ~~من حكم الآية على رجل بعينه، لأن الفسوق خروج عن الحق ولا يظن بالوليد ذلك ~~إلا أنه ظن وتوهم فأخطأ، فعلى هذا يكون معنى الآية: # إن جاءكم فاسق بنبإ، أي بخبر، فتبينوا. وقرئ: فتثبتوا، أي: فتوقفوا ~~واطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق أن تصيبوا ~~أي كيلا تصيبوا بالقتل والسبي قوما بجهالة أي جاهلين حاله وحقيقة أمرهم ~~فتصبحوا على ما فعلتم أي من إصابتكم بالخطإ نادمين واعلموا أن فيكم رسول ~~الله أي: فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه فإن الله يخبره ويعرفه ~~حالكم فتفتضحوا لو يطيعكم أي الرسول في كثير من الأمر أي مما تخبرونه به ~~فيحكم برأيكم لعنتم أي لأثمتم وهلكتم عن أبي سعيد الخدري «أنه قرأ واعلموا ~~أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم قال: هذا نبيكم يوحى ~~إليه وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب ولكن الله حبب إليكم الإيمان أي ~~جعله أحب الأديان إليكم وزينه أي حسنه وقربه منكم وأدخله في قلوبكم حتى ~~اخترتموه لأن من أحب شيئا إذا طال عليه قد يسأم منه والإيمان في كل يوم ~~يزداد في القلب حسنا وثباتا وبذلك تطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق قال ابن عباس: يريد الكذب والعصيان جميع معاصي ~~الله تعالى وفي هذه لطيفة، وهو أن الله تعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في ~~مقابلة الإيمان الكامل المزين في القلب المحبب إليه. # والإيمان الكامل: ما اجتمع فيه ثلاثة ms3227 أمور: تصديق بالجنان، وإقرار ~~باللسان، وعمل بالأركان. فقوله: وكره إليكم الكفر في مقابله. # قوله: حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وهو التصديق بالجنان والفسوق ~~وهو الكذب في مقابلة الإقرار باللسان فكره إلى عبده المؤمن الكذب وهو ~~الجحود وحبب إليه الإقرار بشهادة الحق والصدق وهو: لا إله إلا الله. ~~والعصيان في مقابلة العمل بالأركان فكره إليه العصيان وحبب إليه العمل ~~الصالح بالأركان ثم قال تعالى: # أولئك هم الراشدون إشارة إلى المؤمنين المحبب إليهم الإيمان المزين في ~~قلوبهم أي: أولئك هم المهتدون # PageV04P178 # إلى محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق فضلا من الله أي فعل ذلك بكم فضلا منه ~~ونعمة عليكم والله عليم أي بكم وبما في قلوبكم حكيم في أمره بما تقتضيه ~~الحكمة وقيل عليم بما في خزائنه من الخير والرحمة والفضل والنعمة حكيم بما ~~ينزل من الخير بقدر الحاجة إليه على وفق الحكم. # قوله عز وجل: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. (ق) عن أنس قال: قيل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي. فانطلق إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة، فلما ~~أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك. ~~فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا ~~منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه ~~فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم: وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. # ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأصلحوا ~~وكف بعضهم عن بعض. (ق) عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركب على حمار عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود ~~سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال: فسار حتى مر على ~~مجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم ms3228 عبد الله بن أبي. وإذا ~~في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأصنام واليهود وفي المسلمين ~~عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه ~~بردائه ثم قال: لا تغيروا علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف ~~فنزل فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن ~~سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذونا به في ~~مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة: بلى ~~يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المسلمون والمشركون ~~واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى ~~سكتوا ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته. # وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مماراة في حق بينهما ~~فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ~~ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما ~~حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. ~~وقيل: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل وكان بينهما وبين ~~زوجها شيء فرقي بها إلى علية فحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء معه ~~قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا. وقيل: المراد من الطائفتين الأوس والخزرج. فأصلحوا ~~بينهما أي بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما فإن بغت ~~أي تعدت إحداهما على الأخرى وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء أي ترجع إلى أمر الله أي إلى كتابه الذي جعله حكما بين خلقه. ~~وقيل: ترجع إلى طاعته في الصلح الذي أمر به فإن فاءت أي رجعت إلى الحق ~~فأصلحوا بينهما بالعدل أي الذي يحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله ~~وأقسطوا أي اعدلوا إن الله يحب المقسطين أي العادلين. # ### || [سورة ms3229 الحجرات (49): آية 10] # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) # إنما المؤمنون إخوة أي في الدين والولاية ذلك أن الإيمان وقد عقد بين ~~أهله من السبب والقرابة كعقد النسب الملاصق وإن بينهم ما بين الإخوة من ~~النسب والإسلام لهم كالأب قال بعضهم: # أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم # فأصلحوا بين أخويكم أي إذا اختلفا واقتتلا واتقوا الله أي فلا تعصوه ولا ~~تخالفوا أمره لعلكم ترحمون (ق). # PageV04P179 # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا ~~يظلمه ولا يشتمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم ~~كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله ~~تعالى يوم القيامة» والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. # (فصل في حكم قتال البغاة) قال العلماء: في هاتين الآيتين دليل على أن ~~البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم ~~باغين ويدل عليه ما روي عن علي بن أبي طالب، وهو القدوة في قتال أهل البغي، ~~وقد سئل عن أهل الجمل وصفين أمشركون هم؟ فقال: لا إنهم من الشرك فروا. ~~فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: ~~فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. والباغي في الشرع: هو الخارج على ~~الإمام العدل فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام ~~العدل بتأويل محتمل ونصبوا لهم إماما فالحكم فيهم أن يبعث إليهم الإمام ~~ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم وإن لم يذكروا مظلمة ~~وأصروا على البغي قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته. ثم الحكم في قتالهم ~~أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ولا يذفف على جريحهم نادى منادي على يوم ~~الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يقتل أسير ولا يذفف على جريح، وهو بذال معجمة، ~~وهو الإجهاز على الجريح وتحرير قتله وتتميمه. وأتي علي يوم صفين بأسير ms3230 ~~فقال: # لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على ~~الأخرى في حال القتال من نفس ومال فلا ضمان عليها قال ابن شهاب كانت في تلك ~~الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس ~~إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم ~~مالا. # أما من لم تجتمع فيه هذه الشروط الثلاثة: بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة ~~لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما، فلا يتعرض لهم إذا لم ~~ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين فإن فعلوا ذلك فهم كقطاع الطريق في ~~الحكم. # وروي أن عليا سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا الله. فقال علي: ~~كلمة حق أريد بها باطل. # لكم علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا ~~نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. # ### || [سورة الحجرات (49): آية 11] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم الآية نزلت في ~~ثلاثة أسباب: السبب الأول: من أولها إلى قوله خيرا منهم. قال ابن عباس: ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه ~~فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، أخذ أصحابه مجالسهم فظل كل رجل بمجلسه ~~فلا يكاد يوسع أحد لأحد وكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا قام قائما كما هو ~~فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله ms3231 صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب ~~الناس ثم يقول: تفسحوا تفسحوا. فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال: تفسح. فقال له الرجل: أصبت مجلسا ~~فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من ~~هذا؟ قال أنا فلان. قال له ثابت: ابن فلانة وذكر أما له كان يعير بها في ~~الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا فأنزل الله هذه الآية. # PageV04P180 # وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم وكانوا يستهزئون بفقراء ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان ~~وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوه من رثاثة حالهم فأنزل الله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم. أي: لا يستهزئ غني بفقير ولا مستور عليه ~~ذنبه بمن لم يستر ولا ذو حسب بلئيم وأشباه ذلك مما ينتقصه به ولعله عند ~~الله خير منه وهو قوله تعالى: عسى أن يكونوا خيرا منهم السبب الثاني قوله: ~~ولا نساء من نساء أي لا يستهزئ نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن روي عن ~~أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر. ~~وعن ابن عباس: «أنها نزلت في صفية بنت حيي قال لها بعض نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يهودية بنت يهوديين. عن أنس: بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي ~~فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: ~~قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي ~~وعمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفتخر عليك ثم قال: اتقي الله يا حفصة» أخرجه ~~الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. # والسبب الثالث قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب عن ~~أبي جبيرة بن الضحاك وهو أخو ثابت بن الضحاك الأنصاري قال: فينا نزلت هذه ~~الآية في بني سلمة «قدم علينا رسول الله صلى ms3232 الله عليه وسلم وليس منا رجل ~~إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان ~~فيقولون مه يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزل الله هذه الآية ولا ~~تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان أخرجه أبو داود وفي الترمذي ~~قال «كان الرجل منا يكون له اسمان وثلاثة فيدعى ببعضها فعسى أن يكره قال ~~فنزلت هذه الآية ولا تنابزوا بالألقاب.» # قال الترمذي: حديث حسن. قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم أي لا يعيب بعضكم ~~بعضا ولا يطعن بعضكم في بعض. والمراد بالأنفس، الإخوان هنا. والمعنى: لا ~~تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم، فإذا عاب عائب أحدا بعيب، فكأنه ~~عاب نفسه. وقيل: لا يخلو أحد من عيب فإذا عاب غيره فيكون حاملا لذلك على ~~عيبه فكأنه هو العائب لنفسه ولا تنابزوا بالألقاب أي لا تدعوا الإنسان بغير ~~ما سمي به. وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم ~~تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله. وقيل: هو قول الرجل للرجل يا فاسق ~~يا منافق يا كافر. قيل: كان الرجل اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد ~~إسلامه: يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن تقول لأخيك يا كلب ~~يا حمار يا خنزير. وقال بعض العلماء: المراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادى ~~به أو يفيد ذما له، فأما الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها كالأعمش ~~والأعرج وما أشبه ذلك فلا بأس بها إذا لم يكرهها المدعو بها، وأما الألقاب ~~التي تكسب حمدا ومدحا تكون حقا وصدقا فلا يكره كما قيل لأبي بكر: عتيق، ~~ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين ولعلي: أبو تراب ولخالد سيف الله ونحو ~~ذلك بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان أي بئس الاسم أن تقولوا له يا يهودي أو ~~يا نصراني بعد ما أسلم أو يا فاسق بعد ما تاب وقيل معناه أن من فعل ما نهي ~~عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق وبئس الاسم الفسوق بعد ms3233 الإيمان فلا ~~تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق ومن لم يتب أي من ذلك كله فأولئك هم ~~الظالمون أي: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم ومخالفتهم. وقيل: ظلموا الذين قالوا ~~لهم ذلك. # ### || [سورة الحجرات (49): آية 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن قيل: نزلت في ~~رجلين اغتابا رفيقهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو ~~سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدمهما إلى المنزل # PageV04P181 # فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في ~~بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ شيئا لهما ~~فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا. قال: لا غلبتني عيناي فنمت قالا له: ~~انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل طعام وأدم ~~فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال ~~ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا كان عند أسامة طعام ولكن بخل ~~فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالا: لو ~~بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر ~~لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا: والله يا ~~رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما. قال: ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة ~~فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن يعني أن يظن ms3234 ~~بأهل الخير سوءا فنهى الله المؤمن أن يظن بأخيه المؤمن شرا وقيل هو أن يسمع ~~من أخيه المسلم كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه ~~أخوه المسلم فيظن شرا لأن بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا وفي نفس الأمر ~~لا يكون كذلك لجواز أن يكون فاعله ساهيا أو يكون الرائي مخطئا فأما أهل ~~السوء والفسق المجاهرون بذلك فلنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم إن بعض ~~الظن إثم. قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما: إثم، وهو أن يظن ويتكلم به ~~والآخر ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به. وقيل: الظن أنواع فمنه واجب ~~ومأمور به وهو الظن الحسن بالله عز وجل ومنه مندوب إليه وهو الظن الحسن ~~بالأخ المسلم الظاهر العدالة ومنه حرام محظور وهو سوء الظن بالله عز وجل ~~وسوء الظن بالأخ المسلم ولا تجسسوا أي لا تبحثوا عن عيوب الناس نهى الله عن ~~البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى يظهر على ما ستره الله ~~منها (ق). # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا ~~تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم المسلم أخو المسلم ~~لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ~~التقوى هاهنا. # التقوى هاهنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على ~~المسلم حرام دمه وعرضه وماله إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ~~وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم» التجسس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور ~~وأكثر ما يقال في الشر ومنه الجاسوس وبالحاء هو الاستماع إلى حديث الغير. ~~وقيل: معناهما واحد وهو طلب الأخبار. وقوله: ولا تنافسوا أي لا ترغبوا فيما ~~يرغب فيه الغير من أسباب الدنيا وحظوظها والحسد تمني زوال النعمة عن ~~صاحبها. قوله: ولا تدابروا أي لا يعطي كل واحد منكم أخاه ms3235 دبره وقفاه فيعرض ~~عنه ويهجره. # عن ابن عمر قال: «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت ~~رفيع يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ~~ولا تعيروهم ولا تتبعوا عن عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع ~~الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله». قال نافع: ونظر ~~ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك. والمؤمن أعظم حرمة ~~عند الله منك أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب عن زيد بن وهب. قال: أتى ~~ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا ~~عن التجسس ولكن إن يظهر إلينا شيء نأخذ به أخرجه أبو داود وله عن عقبة بن ~~عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن ~~أحيا موءودة» (م) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستر ~~عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة». # PageV04P182 # قوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا أي لا يتناول بعضكم بظهر الغيب بما ~~يسوءه مما هو فيه. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«أتدرون ما الغيبة؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قلت وإن ~~كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه قد ~~بهته». أخرجه مسلم عن عائشة قالت: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من ~~صفية كذا وكذا قال بعض الرواة تعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت بماء ~~البحر لمزجته قالت وحكيت له إنسانا فقال ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا ~~وكذا» أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، قوله: لمزجته أي خالطته ~~مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها وهذا الحديث من أبلغ ~~الزواجر عن الغيبة. # قوله تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ms3236 قال مجاهد: لما ~~قيل أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم ~~هذا فاجتنبوا ذكره بسوء غالبا قيل تأويله إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة ~~أكل لحمه وهو ميت لأنه لا يحس بذلك وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ~~ودمه لأن الإنسان يتألم قلبه إذا ذكر بسوء كما يتألم جسده إذا قطع لحمه ~~والعرض أشرف من اللحم فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحم الناس فترك أعراضهم ~~أولى وقوله لحم أخيه آكد في المنع آكد لأن العدو قد يحمله الغضب على أكل ~~لحم عدوه، وقوله ميتا أبلغ في الزجر. # عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم ~~لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم وفي نسخة وصدورهم فقلت من هؤلاء ~~يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» أخرجه أبو ~~داود وقال ميمون بن سيار بينا أنا نائم إذا بجيفة زنجي وقائل يقول كل يا ~~عبد الله قلت وما آكل؟ قال كل بما اغتبت بعد فلان قلت والله ما ذكرت فيه ~~خيرا ولا شرا قال: ولكنك استمعت ورضيت، فكان ميمون لا يغتاب أحدا ولا يدع ~~أحدا يغتاب أحدا عنده. # قوله تعالى: واتقوا الله أي في أمر الغيبة واجتناب نواهيه إن الله تواب ~~رحيم قوله عز وجل: # ### || [سورة الحجرات (49): آية 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن ~~قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا رسول الله قال انظر في ~~وجوه القوم فنظر فقال ما رأيت يا ثابت؟ قال رأيت أبيض وأحمر وأسود قال فإنك ~~لا تفضلهم إلا بالدين والتقوى فنزلت في ثابت هذه الآية ونزل في ms3237 الذي لم ~~يفسح له يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا الآية. ~~وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا ~~على ظهر الكعبة وأذن فقال عتاب بن أسيد الحمد لله الذي قبض أبي ولم ير هذا ~~اليوم وقال الحارث بن هشام أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال ~~سهيل بن عمرو إن يكره الله شيئا يغيره. # وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء فنزل جبريل ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا وسألهم عما قالوا فأقروا ~~فأنزل الله هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال ~~والإزراء بالفقراء فقال يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى يعني آدم ~~وحواء. والمعنى: إنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونكم ~~أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى إنا خلقنا كل ~~واحد منكم أيها الموجودون من أب وأم فإن كل واحد منكم خلق كما خلق الآخر ~~سواء فلا وجه للتفاخر والتفاضل في # PageV04P183 # النسب وجعلناكم شعوبا جمع شعب بفتح الشين وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ~~ومضر والأوس والخزرج سموا شعوبا لتشعب القبائل منهم وقيل لتجمعهم وقبائل ~~جمع قبيلة وهي دون الشعوب كبكر من ربيعة وتميم من مضر ودون القبائل العمائر ~~واحدتها عمارة بفتح العين وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم ودون العمائر ~~البطون واحدتها بطن وهم كبني غالب ولؤي من قريش ودون البطون الأفخاذ ~~واحدتها فخذ وهم كبني هاشم وبني أمية من لؤي ودون الأفخاذ الفصائل واحدتها ~~فصيلة بالصاد المهملة كبني العباس من بني هاشم ثم بعد ذلك العشائر واحدتها ~~عشيرة وليس بعد العشيرة شيء يوصف. وقيل: الشعوب للعجم، والقبائل: للعرب، ~~والأسباط: # من بني إسرائيل. وقيل: الشعوب الذين لا ينسبون إلى أحد بل ينسبون إلى ~~المدائن والقرى والقبائل الذين ينتسبون إلى آبائهم. # لتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده لا للتفاخر بالأنساب ثم ~~بين ms3238 الخصلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ويكتسب بها الشرف عند الله ~~تعالى فقال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل: أكرم الكرم التقوى، وألأم ~~اللؤم الفجور. # وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. # عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحسب المال ~~والكرم التقوى» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (ق). عن أبي هريرة قال: ~~«سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال أكرمهم عند الله ~~أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ~~ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب ~~تسألون؟ قالوا نعم قال فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» ~~فقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها ومعناه إذا تعلموا أحكام الشرع عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم ~~الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم ~~فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم غيبة الجاهلية ~~وتكبرها يا أيها الناس إن الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين ~~على الله ثم تلا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ثم قال أقول قولي ~~هذا وأستغفر الله لي ولكم» والمحجن عصا محنية الرأس كصولجان وقوله غبية ~~الجاهلية يعني كبرها وفخرها إن الله عليم أي بظواهركم ويعلم أنسابكم خبير ~~أي ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فاجعلوا التقوى زادكم إلى معادكم قيل: ~~التقي هو العالم بالله المواظب على الوقوف ببابه المتقرب إلى جنابه. وقيل: ~~حد التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر والفضائل ولا يغتر ولا ~~يأمن فإن اتفق أن يرتكب منهيا لا يأمن ولا يتكل بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ~~توبة وندامة ومن ارتكب منهيا ولم يتب في الحال واتكل على المهلة وغره طول ~~الأمل فليس بمتق لأن المتقي لم يترك ما أمر ms3239 به ويترك ما نهي عنه وهو مع ذلك ~~خاش لله خائف منه لا يشتغل بغير الله تعالى فإن التفت لحظة إلى نفسه وأهله ~~وولده جعل ذلك ذنبا واستغفر منه وجدد له توبة جعلنا الله وإياكم من ~~المتقين. ### || [سورة الحجرات (49): آية 14] # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) # قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة مجدبة فأظهروا الإسلام، ولم ~~يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالقذرات وأغلوا أسعارها ~~وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقولون: أتتك ~~العرب أنفسهم على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا فأنزل الله فيهم هذه الآية. # PageV04P184 # وقيل: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وهم جهينة ومزينة ~~وأسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم فلما ~~استنفروا للحديبية تخلفوا عنها فأنزل الله عز وجل قالت الأعراب آمنا أي ~~صدقنا قل لم تؤمنوا أي لم تصدقوا بقلوبكم ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا ~~وانقدنا مخافة القتل والسبي ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أخبر أن حقيقة ~~الإيمان هو التصديق بالقلب وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا ~~يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص. (ق) عن سعد بن أبي وقاص قال: # «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فترك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا منهم هو أعجبهم إلي فقلت ما لك عن فلان والله إني ~~لأراه مؤمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلما ذكر ذلك سعد ثلاثا ~~وأجابه بمثل ذلك ثم قال إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في ~~النار على وجهه». ms3240 زاد في رواية قال الزهري: «فترى أن الإسلام الكلمة ~~والإيمان العمل الصالح» لفظ الحميدي اعلم أن الإسلام هو الدخول في السلم ~~وهو الانقياد والطاعة فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان ~~والجنان لقوله لإبراهيم عليه السلام: «أسلم قال أسلمت لرب العالمين» ومنه ~~ما هو انقياد باللسان والقلب وذلك قوله: ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم.» # وقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب مع الثقة وطمأنينة النفس عليه والإسلام ~~هو الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمسلمين مع إظهار الشهادتين. # فإن قلت: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة فكيف يفهم ذلك مع هذا القول. # قلت بين العام والخاص فرق فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل ~~بالقلب وقد يحصل باللسان فالإسلام أعم والإيمان أخص لكن العام في صورة ~~الخاص متحد مع الخاص ولا يكون أمرا غيره فالعام والخاص مختلفان في العموم ~~والخصوص متحدان في الوجود فذلك المؤمن والمسلم. # وقوله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله أي ظاهرا وباطنا سرا وعلانية وقال ~~ابن عباس تخلصوا له الإيمان لا يلتكم أي لا ينقصكم من أعمالكم شيئا أي من ~~ثواب أعمالكم إن الله غفور رحيم ثم بين حقيقة الإيمان فقال تعالى: ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 15 الى 18] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ~~(18) # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا أي لم يشكوا في ~~دينهم وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون أي في ~~إيمانهم ولما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون وعرف الله منهم غير ذلك فأنزل الله عز ms3241 ~~وجل: قل أتعلمون الله بدينكم أي تخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض أي لا تخفى عليه خافية والله بكل شيء ~~عليم أي لا يحتاج إلى إخباركم يمنون عليك أن أسلموا هو قولهم أسلمنا ولم ~~نحاربك يمنون بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين بذلك أن إسلامهم ~~لم يكن خالصا قل لا تمنوا علي إسلامكم أي لا تعتدوا علي بإسلامكم بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان أي لله المنة عليكم أن أرشدكم وأمدكم بتوفيقه ~~حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادعيتم وهو قوله تعالى: إن كنتم صادقين أي ~~إنكم مؤمنون إن الله يعلم غيب السماوات والأرض أي إنه سبحانه وتعالى لا ~~يخفى عليه شيء في السموات والأرض فكيف يخفى عليه حالكم بل يعلم سركم ~~وعلانيتكم والله بصير بما تعملون أي بجوارحكم الظاهرة والباطنة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P185 ### | سورة ق # (مكية وهي خمس وأربعون آية وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة وألف وأربعمائة ~~وأربعة وتسعون حرفا). # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة ق (50): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # قوله عز وجل: ق قال ابن عباس: هو قسم وقيل: هو اسم للسورة وقيل اسم من ~~أسماء الله وقيل اسم من أسماء القرآن وقيل هو مفتاح اسمه القدير والقادر ~~والقاهر والقريب والقابض والقدوس والقيوم. وقيل: معناه قضى الأمر أو قضى ما ~~هو كائن. وقيل: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة ~~التي عليها الأرض والسماء كهيئة القبة وعليه كتفاها وخضرة السماء منه ~~والعالم داخله ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى ويقال هو من وراء الحجاب ~~الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة والقرآن المجيد أي الشريف الكريم على ~~الله الكثير الخير والبركة واختلفوا في وجواب القسم قيل جوابه محذوف ms3242 تقديره ~~لتبعثن وقيل جوابه بل عجبوا وقيل ما يلفظ من قول وقيل قد علمنا ومعنى بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن يخوفهم رجل ~~منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته وصدقه فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب أي معجب غريب أإذا متنا وكنا ترابا أي حين نموت ونبلى نبعث وترك ذكر ~~البعث لدلالة الكلام عليه ذلك رجع بعيد أي يبعد أن نبعث بعد الموت قال الله ~~تعالى: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم ~~وعظامهم لا يعزب عن علمنا شيء وعندنا أي مع علمنا بذلك كتاب حفيظ بمعنى ~~محفوظ أي من التبديل والتغيير وقيل حفيظ بمعنى حافظ أي حافظ لعددهم ~~وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ وقد أثبت فيه ما يكون. ### || [سورة ق (50): الآيات 5 الى 11] # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) ~~ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) # والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج (11) # بل كذبوا بالحق أي بالقرآن لما جاءهم قيل: معناه كذبوا به لما جاءهم. ~~وقيل: كذبوا المنذر لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس قيل معنى ~~اختلاط أمرهم قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم مرة شاعر ومرة ساحر # PageV04P186 # ومرة معلم مجنون ويقولون في القرآن مرة سحر ومرة رجز ومرة مفتري فكان ~~أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم وقيل في هذه الآية من ترك الحق مرج عليه أمره ~~والتبس عليه دينه وقيل ما ترك قوم الحق إلا مرج عليهم أمرهم ثم دلهم على ~~عظيم قدرته فقال تعالى: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها أي: بغير ~~عمد وزيناها أي بالكواكب وما لها من فروج أي: شقوق وصدوع والأرض مددناها أي ~~بسطناها على ms3243 وجه الماء وألقينا فيها رواسي أي: جبالا ثوابت وأنبتنا فيها من ~~كل زوج بهيج أي: من كل صنف حسن كريم يبتهج به أي: # يسر به تبصرة أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى أي تذكرة لكل عبد منيب أي: راجع ~~إلى الله تعالى والمعنى ليتبصر ويتذكر به من أناب ونزلنا من السماء ماء ~~مباركا أي كثير الخير والبركة فيه حياة كل شيء وهو المطر فأنبتنا به أي: ~~بذلك الماء جنات أي بساتين وحب الحصيد يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي ~~تحصد والنخل باسقات أي: طوالا وقيل مستويات لها طلع أي: ثمر يطلع ويظهر ~~ويسمى طلعا قبل أن يتشقق نضيد أي: متراكب بعضه على بعض في أكمامه فإذا تشقق ~~وخرج من أكمامه فليس بنضيد رزقا أي: جعلنا ذلك رزقا للعباد وأحيينا به أي: ~~بالمطر بلدة ميتا فأنبتنا فيها الكلأ والعشب كذلك الخروج أي: من القبور ~~أحياء بعد الموت. قوله تعالى: # ### || [سورة ق (50): الآيات 12 الى 18] # كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الأول ~~بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد (18) # كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب ~~الأيكة قيل: كان لوط مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم ولذلك قال إخوان لوط ~~وقوم تبع هو أبو كرب أسعد تبع الحميري وقد تقدم قصص جمعهم قيل ذم الله عز ~~وجل قوم تبع ولم يذمه وذم فرعون لأنه هو المكذب المستخف لقومه فلهذا خص ~~بالذكر دونهم كل كذب الرسل فحق وعيد أي: كل هؤلاء المذكورين كذبوا رسلهم ~~فحق وعيدي أي وجب لهم عذابي وقيل فحق وعيدي للرسل بالنصر أفعيينا بالخلق ~~الأول هذا جواب لقولهم ذلك رجع بعيد والمعنى أعجزنا حين خلقناهم أولا فنعيا ~~بالإعادة ثانيا ms3244 وذلك لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث بل هم في ~~لبس أي شك من خلق جديد وهو البعث. # قوله عز وجل: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه أي ما يحدث به ~~قلبه فلا تخفى علينا سرائره وضمائره ونحن أقرب إليه من حبل الوريد بيان ~~لكمال علمه أي نحن أعلم به منه والوليد العرق الذي يجري فيه الدم ويصل إلى ~~كل جزء من أجزاء البدن وهو بين الحلقوم والعلباوين ومعنى الآية أن أجزاء ~~الإنسان وأبعاضه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب عن علم الله شيء. وقيل: يحتمل أن ~~يكون المعنى ونحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه ويجري فيه أمرنا كما يجري ~~الدم في عروقه إذ يتلقى المتلقيان أي يتلقن الملكان الموكلان به وبعمله ~~ومنطقه فيكتبانه ويحفظانه عليه عن اليمين وعن الشمال يعني أن أحدهما عن ~~يمينه والآخر عن شماله فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب ~~السيئات قعيد أي قاعد وكل واحد منهما قعيد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. ~~وقيل: أراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح ما يلفظ من قول أي ما يتكلم من ~~كلام يخرج من فيه إلا لديه رقيب أي حافظ عتيد أي حاضر أينما كان سوى وقت ~~الغائط وعند جماعة فإنهما يتأخران عنه فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في هاتين ~~الحالتين حتى لا يؤذي الملائكة بدنوهما منه وهو على تلك # PageV04P187 # الحالة حتى يكتبا ما يتكلم به أنهما يكتبان عليه كل شيء يتكلم به حتى ~~أتيته في مرضه وقيل لا يكتبان إلا ما له أجر وثواب أو عليه وزر وعقاب. ~~وقيل: إن مجلسهما تحت الشعر على الحنك وكان الحسن البصري يعجبه أن ينظف ~~عنفقته روى البغوي بإسناد الثعلبي. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ~~صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ~~ساعات لعله يسبح أو يستغفر. # قوله تعالى: # ### || [سورة ق (50): الآيات 19 الى 24] # وجاءت سكرة الموت ms3245 بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم ~~الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) # وجاءت سكرة الموت أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله بالحق ~~أي بحقيقة الموت وقيل بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه ~~بالعيان وقيل بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة ذلك ما كنت ~~منه تحيد أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك الذي كنت عنه تميل. وقيل: تهرب ~~وقال ابن عباس: تكره ونفخ في الصور يعني نفخة البعث ذلك يوم الوعيد أي ذلك ~~اليوم الذي وعد الله الكفار أن يعذبهم فيه وجاءت أي في ذلك اليوم كل نفس ~~معها سائق أي يسوقها إلى المحشر وشهيد أي يشهد عليها بما عملت. قال ابن ~~عباس: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل فيقول الله ~~تعالى لصاحب تلك النفس لقد كنت في غفلة من هذا أي من هذا اليوم في الدنيا ~~فكشفنا عنك غطاءك أي الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا فبصرك اليوم ~~حديد أي قوي ثابت نافذ تبصر ما كنت تتكلم به في الدنيا. وقيل: ترى ما كان ~~محجوبا عنك وقيل نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك وقال قرينه ~~يعني الملك الموكل به هذا ما لدي أي عندي عتيد أي معد محضر. وقيل: يقول ~~الملك هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله ألقيا في ~~جهنم أي يقول الله تعالى لقرينه وقيل هذا أمر للسائق والشهيد كل كفار أي ~~شديد الكفر عنيد أي عاص معرض عن الحق معاند لله فيما أمره به. ### || [سورة ق (50): الآيات 25 الى 30] # مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب ~~الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا ~~تختصموا لدي وقد ms3246 قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد (29) # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) # مناع للخير أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب عليه في ماله معتد أي ظالم لا ~~يقر بتوحيد الله مريب أي: شاك في التوحيد الذي جعل مع الله إلها آخر ~~فألقياه في العذاب الشديد يعني النار قال قرينه يعني الشيطان الذي قيض لهذا ~~الكافر ربنا ما أطغيته قيل: هذا جواب لكلام مقدر وهو أن الكافر حين يلقى في ~~النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني فيقول الشيطان ربنا ما أطغيته أي ما أضللته ~~وما أغويته ولكن كان في ضلال بعيد أي عن الحق فيتبرأ منه شيطانه وقال ابن ~~عباس: قرينه يعني الملك يقول الكافر رب إن الملك زاد علي في الكتابة فيقول ~~الملك ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل ولكن كان في ~~ضلال بعيد أي طويل لا يرجع عنه إلى الحق قال الله تعالى: لا تختصموا لدي أي ~~لا تعتذروا عندي بغير عذر وقيل هو # PageV04P188 # خصامهم مع قرنائهم وقد قدمت إليكم بالوعيد أي بالقرآن وأنذرتكم على ألسن ~~الرسل وحذرتكم عذابي في الآخرة لمن كفر ما يبدل القول لدي أي لا تبديل ~~لقولي وهو قوله عز وجل: لأملأن جهنم وقضيت عليكم ما أنا قاض فلا يغير قولي ~~ولا يبدل وقيل معناه ولا يكذب عندي ولا يغير القول عن وجهه، لأني علام ~~الغيوب وأعلم كيف ضلوا وهذا القول هو الأولى يدل عليه أنه قال ما يبدل ~~القول لدي ولم يقل ما يبدل قولي وما أنا بظلام للعبيد أي: فأعاقبهم بغير ~~جرم. وقيل: معناه فأزيد على إساءة المسيء أو أنقص من إحسان المحسن. # قوله عز وجل: يوم نقول لجهنم هل امتلأت بيان لما سبق لها من وعد الله ~~تعالى إياها أنه يملؤها من الجنة والناس وهذا السؤال من الله تعالى لتصديق ~~خبره وتحقيق وعده وتقول يعني جهنم هل من مزيد يعني تقول قد امتلأت ولم يبق ~~في موضع لم ms3247 يمتلئ فهو استفهام إنكاري. وقيل: هو بمعنى الاستزادة. وهو رواية ~~عن ابن عباس. فعلى هذا يكون السؤال وهو قوله: هل امتلأت؟ قبل دخول جميع ~~أهلها فيها. # وروي عن ابن عباس: «إن الله تعالى سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ~~ولا يملؤها شيء فتقول ألست قد أقسمت لتملأني فيضع قدمه عليها فيقول هل ~~امتلأت؟ فتقول قط قط قد امتلأت وليس في مزيد» (ق) عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول ~~هل من مزيد حتى يضع رب العرش- وفي رواية رب العزة- فيها قدمه فيزوي بعضها ~~إلى بعض وتقول قط قط بعزتك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا ~~فيسكنهم فضول الجنة. ولأبي هريرة نحوه وزاد «ولا يظلم الله من خلقه أحدا». # (فصل) هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله ~~مذهبان: # أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في ~~تأويلها بل نؤمن بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها ولها ~~معنى يليق بها وظاهرها غير مراد والمذهب الثاني وهو قول جمهور المتكلمين ~~أنها تتأول بحسب ما يليق بها فعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث. فقيل: ~~المراد بالقدم المقدم وهو سائغ في اللغة. والمعنى: حتى يضع الله فيها من ~~قدمه لها من أهل العذاب. وقيل: المراد به قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير ~~في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم. وقيل: إنه يحتمل أن في المخلوقات من تسمى ~~بهذه التسمية وخلقوا لها. قال القاضي عياض: أظهر التأويل أنهم قوم استحقوها ~~وخلقوا لها قال المتكلمون: ولا بد من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل القطعي ~~العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى والله أعلم. # قوله: قط قط أي: حسبي حسبي. قد اكتفيت. وفيها ثلاث لغات: إسكان الطاء، ~~وكسرها منونة، وغير منونة. وقوله: ولا يظلم الله من خلقه ms3248 أحدا، يعني: أنه ~~يستحيل الظلم في حق الله تعالى فمن عذبه بذنب أو بغير ذنب فذلك عدل منه ~~سبحانه وتعالى وقوله تعالى. # ### || [سورة ق (50): الآيات 31 الى 34] # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من ~~خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) # وأزلفت الجنة أي قربت وأدنيت للمتقين أي الذين اتقوا الشرك غير بعيد يعني ~~أنها جعلت عن يمين العرش بحيث يراها أهل الموقف قبل أن يدخلوها هذا ما ~~توعدون أي يقال لهم الذي وعدتم به في الدنيا على ألسنة الأنبياء لكل أواب ~~أي رجاع عن المعصية إلى الطاعة. قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ~~ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقيل: ~~هو التواب، وقال ابن # PageV04P189 # عباس: هو المسيح. وقيل: هو المصلي حفيظ قال ابن عباس الحافظ لأمر الله ~~وعنه هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها وقيل: حفيظ لما ~~استودعه الله من حقه. وقيل: هو المحافظ على نفسه المتعهد لها المراقب لها. ~~وقيل: هو المحافظ على الطاعات والأوامر من خشي الرحمن بالغيب أي خاف الرحمن ~~فأطاعه وإن لم يره وقيل: خافه في الخلوة بحيث لا يراه أحد إذا ألقى الستر ~~أغلق الباب وجاء بقلب منيب أي مخلص مقبل على طاعة الله ادخلوها أي يقال ~~لأهل هذه الصفة: ادخلوا الجنة بسلام أي بسلامة من العذاب والهموم. وقيل: ~~بسلام من الله وملائكته عليهم وقيل: بسلامة من زوال النعم ذلك يوم الخلود ~~أي في الجنة لأنه لا موت فيها. # ### || [سورة ق (50): الآيات 35 الى 39] # لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم ~~بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ms3249 ~~الشمس وقبل الغروب (39) # لهم ما يشاؤن فيها وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما ~~سألوا ثم يزيد الله عبيده ما لم يسألوا مما لم يخطر بقلب بشر وهو قوله ~~تعالى: ولدينا مزيد وقيل: المزيد، هو النظر إلى وجهه الكريم قيل: يتجلى لهم ~~الرب تبارك وتعالى في كل جمعة في دار كرامته فلهذا هو المزيد. # قوله تعالى: وكم أهلكنا قبلهم أي قبل كفار مكة من قرن هم أشد منهم بطشا ~~يعني سطوة والبطش الأخذ بصولة وعنف فنقبوا في البلاد أي ساروا وتقلبوا في ~~البلاد وسلكوا كل طريق هل من محيص أي فلم يجدوا لهم محيصا أي مهربا من أمر ~~الله وقيل: لا يجدون لهم مفرا من الموت بل يموتون فيصيرون إلى عذاب الله ~~وفيه تخويف لأهل مكة لأنهم على مثل سبيلهم إن في ذلك لذكرى أي إن فيما ذكر ~~من إهلاك القرى تذكرة وموعظة لمن كان له قلب. قال ابن عباس: أي عقل. وقيل: ~~له قلب حاضر مع الله واع عن الله أو ألقى السمع أي استمع القرآن واستمع ما ~~يقال له لا يحدث نفسه بغيره وهو شهيد أي حاضر القلب ليس بغافل ولا ساه. # قوله تعالى: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب أي إعياء وتعب قال المفسرون نزلت في اليهود حيث قالوا: خلق الله ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ثم ~~استراح يوم السبت واستلقى على العرش فلذلك تركوا العمل فيه فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ردا عليهم وتكذيبا لهم في قولهم استراح يوم السبت بقوله ~~تعالى: وما مسنا من لغوب. # قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: والظاهر أن المراد الرد على ~~المشركين والاستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما فقوله وما مسنا من ~~لغوب أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة ثانيا كما قال الله ~~تعالى: أفعيينا بالخلق الأول الآية وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة ~~فهو إما تحريف منهم أو ms3250 لم يعلموا تأويله وذلك أن الأحد والاثنين أزمنة ~~مستمرة بعضها بعد بعض فلو كان خلق السموات والأرض ابتدئ يوم الأحد لكان ~~الزمان قبل الأجساد والزمان لا ينفك عن الأجساد فيكون قبل خلق الأجسام ~~أجسام لأن اليوم عبارة عن زمان سير الشمس من الطلوع إلى الغروب وقبل ~~السموات والأرض لم يكن شمس ولا قمر لكن اليوم قد يطلق ويراد به الوقت ~~والحين وقد يعبر به عن مدة الزمان أي مدة كانت قوله عز وجل: فاصبر على ما ~~يقولون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: اصبر يا محمد على ما يقولون أي ~~من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد وهذا قبل # PageV04P190 # الأمر بقتالهم وسبح بحمد ربك أي صل حامدا لله قبل طلوع الشمس أي صلاة ~~الصبح وقبل الغروب يعني صلاة المغرب. قال ابن عباس: صلاة الظهر والعصر. ### || [سورة ق (50): الآيات 40 الى 41] # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ~~(41) # ومن الليل فسبحه يعني صلاة المغرب والعشاء. وقيل: يعني صلاة الليل أي وقت ~~صلى وأدبار السجود قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما: أدبار ~~السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر. وهي ~~رواية عن ابن عباس. # ويروى مرفوعا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر» (م) عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» يعني ~~بذلك سنة الفجر، عن ابن مسعود، قال: «ما أحصى ما سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر يقل يا ~~أيها الكافرون وقل هو الله أحد» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. # وقيل: في قوله وأدبار السجود: التسبيح باللسان في أدبار الصلوات ~~المكتوبات (خ) عن ابن عباس قال: # أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني ~~قوله وأدبار السجود (م). عن ms3251 أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ~~ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون ثم قال: تمام ~~المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» (خ) عنه «أن فقراء المسلمين أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات ~~والنعيم المقيم فقال وما ذاك؟ قالوا صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا ~~وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون به ~~من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من ~~جاء بمثله تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا». # قوله تعالى: واستمع يوم يناد المناد يعني استمع يا محمد حديث يوم ينادي ~~المنادي. وقيل: معناه انتظر صيحة القيامة والنشور. قال المفسرون: المنادي ~~هو إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي بالحشر فيقول: يا أيتها العظام ~~البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله ~~يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: من مكان قريب قيل: إن صخرة ~~بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا وقيل: هي في وسط الأرض. ### || [سورة ق (50): الآيات 42 الى 45] # يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ~~المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم ~~بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # يوم يسمعون الصيحة بالحق أي الصيحة الأخيرة ذلك يوم الخروج أي من القبور ~~إنا نحن نحيي أي في الدنيا ونميت يعني عند انقضاء الأجل وإلينا المصير أي ~~في الآخرة وقيل: تقديره نميت في الدنيا ونحيي للبعث وإلينا المصير بعد ~~البعث يوم تشقق الأرض عنهم سراعا أي يخرجون سراعا إلى المحشر وهو قوله ~~تعالى: ms3252 ذلك حشر علينا يسير أي هين نحن أعلم بما يقولون يعني كفار مكة في ~~تكذيبك وما أنت عليهم بجبار أي بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا ~~وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فذكر بالقرآن من يخاف وعيد أي ما أوعدت به من ~~عصاني من العذاب قال ابن عباس: «قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» أي عظ بالقرآن من يخاف وعيدي والله أعلم ~~بمراده. # PageV04P191 ### | سورة الذاريات # (مكية وهي ستون آية وثلاثمائة وستون كلمة وألف ومائتان وتسعة وثلاثون ~~حرفا) بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) # قوله عز وجل: والذاريات ذروا يعني الرياح التي تذر التراب فالحاملات وقرا ~~يعني السحاب يحمل ثقلا من الماء فالجاريات يسرا يعني السفن تجري في الماء ~~جريا سهلا فالمقسمات أمرا يعني الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما ~~أمروا به وقيل: هم أربعة: جبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء الأمين عليه وصاحب ~~الغلظة، وميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصور واللوح، ~~وعزرائيل صاحب قبض الأرواح. وقيل: هذه الأوصاف الأربعة في الرياح لأنها ~~تنشئ السحاب وتسيره ثم تحمله وتقله ثم تجري به جريا سهلا ثم تقسم الأمطار ~~بتصريف السحاب أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها ولما فيها من ~~الدلالة على عجيب صنعته وقدرته. والمعنى: أقسم بالذاريات بهذه الأشياء، ~~وقيل: فيه مضمر تقديره ورب الذاريات ثم ذكر جواب القسم فقال تعالى: ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 5 الى 14] # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك (7) إنكم ~~لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ~~(14) # إن ما توعدون أي من الثواب والعقاب يوم القيامة لصادق أي الحق وإن الدين ~~أي الحساب والجزاء لواقع أي لكائن ثم ابتدأ قسما آخر فقال تعالى: والسماء ~~ذات الحبك قال ابن عباس: ms3253 ذات الخلق الحسن المستوي، وقيل: ذات الزينة حبكت ~~بالنجوم وقيل: ذات البنيان المتقن وقيل: ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته ~~الريح وحبك الرمل ولكنها لا ترى لبعدها من الناس وجواب القسم قوله إنكم ~~يعني يا أهل مكة لفي قول مختلف يعني في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم ~~يقولون في القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين وفي محمد صلى الله عليه وسلم ~~ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وقيل: لفي قول مختلف أي مصدق ومكذب يؤفك عنه من ~~أفك أي يصرف عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه وهو من حرمه الله الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وقيل: معناه أنهم كانوا يتلقون الرجل ~~إذا أراد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقولون إنه ساحر وشاعر وكان ~~ومجنون فيصرفونه عن الإيمان به قتل الخراصون أي: الكذابون وهم المقتسمون ~~الذين اقتسموا عقاب مكة واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليصرفوا الناس عن الإسلام. وقيل: هم الكهنة الذين هم في غمرة أي في غفلة ~~وعمى وجهالة ساهون أي # PageV04P192 # لاهون غافلون عن أمر الآخرة والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه ~~يسئلون أيان يوم الدين أي يقولون يا محمد متى يوم الجزاء يعني يوم القيامة ~~تكذيبا واستهزاء قال الله تعالى: يوم هم أي يكون هذا الجزاء في يوم هم على ~~النار يفتنون أي يدخلون ويعذبون بها وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا فتنتكم أي ~~عذابكم هذا الذي كنتم به تستعجلون أي في الدنيا تكذيبا به. # ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 15 الى 18] # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) # قوله تعالى: إن المتقين في جنات وعيون يعني في خلال الجنات عيون جارية ~~آخذين ما آتاهم أي ما أعطاهم ربهم أي من الخير والكرامة إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين أي قبل دخولهم الجنة كانوا محسنين في الدنيا ثم وصف إحسانهم فقال ~~تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون أي ms3254 كانوا ينامون قليلا من الليل ~~ويصلون أكثره. وقال ابن عباس: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا ~~إما من أولها أو من أوسطها عن أنس بن مالك في قوله: «كانوا قليلا من الليل ~~ما يهجعون» قال: كانوا بين المغرب والعشاء أخرجه أبو داود. # وقيل: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة وقيل: قل ليلة أتت عليهم هجعوها ~~كلها، ووقف بعضهم على قوله: كانوا قليلا، أي من الناس ثم ابتدأ من الليل ما ~~يهجعون أي لا ينامون بالليل البتة بل يقومون الليل كله في الصلاة والعبادة ~~وبالأسحار هم يستغفرون أي ربما مدوا عبادتهم إلى وقت السحر ثم أخذوا في ~~الاستغفار وقيل: معناه يستغفرون من تقصيرهم في العبادة وقيل: يستغفرون من ~~ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل وقيل: معناه يصلون بالأسحار ~~لطلب المغفرة (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من ~~يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» ولمسلم قال: ~~«فيقول أنا الملك أنا الملك» وذكر الحديث وفيه «حتى يضيء الفجر» وزاد في ~~رواية «من يقرض غير عديم ولا ظلوم». # (فصل) هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان: # أحدهما: وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ~~ويترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب تبارك وتعالى عن ~~صفات الأجسام. # المذهب الثاني: وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أن الصعود والنزول من ~~صفات الأجسام والله تعالى يتقدس عن ذلك. فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة ~~والألطاف الإلهية وقربها من عباده والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف. ~~وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل، لأن ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر ~~الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وفي ذلك الوقت تكون النية خالصة ~~والرغبة إلى الله تعالى متوفرة فهو مظنة لقبول الإجابة والله تعالى أعلم ~~(ق). # عن ابن عباس ms3255 رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام ~~من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك ~~الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ~~ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق وقولك الحق والجنة حق ~~والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك ~~توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما ~~أسررت وما أعلنت». زاد في رواية: «وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت ~~المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك» زاد النسائي: «ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي # PageV04P193 # العظيم» (خ) عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم ثم قال اللهم اغفر لي، أو قال دعا أستجيب له فإن توضأ ~~وصلى قبلت صلاته» قوله تعار من الليل يقال: تعار الرجل من نومه إذا انتبه ~~وله صوت وقوله عز وجل: # ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 19 الى 24] # وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) فو رب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) # وفي أموالهم حق أي نصيب قيل إنه ما يصلون به رحما أو يقرون به ضيفا أو ~~يحملون به كلا أو يعينون به محروما وليس بالزكاة قاله ابن عباس. وقيل: إنه ~~الزكاة المفروضة للسائل أي الذي يسأل الناس ويطلب منهم والمحروم قيل هو ~~الذي ليس له في الغنائم سهم ولا يجري عليه من الفيء شيء قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: المحروم الذي ليس له في فيء الإسلام سهم. ms3256 وقيل: معناه الذي حرم ~~الخير والعطاء، وقيل: المحروم، المتعفف الذي لا يسأل. وقيل: هو صاحب ~~الجائحة الذي أصيب زرعه وثمره أو نسل ماشيته وقيل: هو المحارف المحروم في ~~الرزق والتجارة وقيل: هو المملوك وقيل: هو المكاتب، وأظهر الأقوال، أنه ~~المتعفف لأنه قرنه بالسائل والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا ~~يسأل إنما يفطن له متيقظ وفي الأرض آيات أي عبر من البحار والجبال والأشجار ~~والثمار وأنواع النبات للموقنين أي بالله الذي يعرفونه ويستدلون عليه ~~بصنائعه وفي أنفسكم أي آيات إذ كنتم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن ~~تنفخ الروح. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان ~~والطبائع وقيل: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ويخرج من ~~سبيلين وقيل: يعني تقويم الأدوات السمع والبصر والنطق والعقل إلى غير ذلك ~~من العجائب المودعة في ابن آدم أفلا تبصرون يعني كيف خلقكم فتعرفوا قدرته ~~على البعث وفي السماء رزقكم قال ابن عباس هو المطر وهو سبب الأرزاق وما ~~توعدون يعني من الثواب والعقاب. وقيل: من الخير والشر. وقيل: الجنة والنار ~~ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال: فو رب السماء والأرض إنه لحق أي ما ذكر ~~من الرزق وغيره مثل ما أنكم تنطقون أي بلا إله إلا الله. # وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي ومعناه إنه لحق كما أنك ~~تتكلم. وقيل: إن معناه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة وقال بعض الحكماء ~~معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك ~~كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره. # قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم يعني هل أتاك يا محمد حديث الذين ~~جاءوا إبراهيم بالبشرى فاستمع نقصصه عليك وقد تقدم ذكر عددهم وقصتهم في ~~سورة هود المكرمين قيل: سماهم مكرمين لأنهم كانوا ملائكة كراما عند الله. ~~وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وهو أكرم الخلق على الله ms3257 يومئذ وضيف الكريم ~~مكرمون. # وقيل: لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أكرمهم بتعجيل قراهم وخدمته إياهم ~~بنفسه وطلاقة وجهه لهم. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سماهم مكرمين لأنهم كانوا غير مدعوين (ق) ~~عن أبي شريح العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. # PageV04P194 # ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 25 الى 34] # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء ~~بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا ~~تخف وبشروه بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز ~~عقيم (29) # قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من ~~طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون أي غرباء لا نعرفكم. # قال ابن عباس: قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم وقيل: إنما أنكر أمرهم، ~~لأنهم دخلوا بغير استئذان وقيل: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض ~~فراغ أي عدل ومال إلى أهله فجاء بعجل سمين أي جيد وكان مشويا. قيل: كان ~~عامة مال إبراهيم البقر فجاء بعجل فقربه إليهم هذا من آداب المضيف أن يقدم ~~الطعام إلى الضيف ولا يحوجهم السعي إليه فلما لم يأكلوا قال ألا تأكلون ~~يعني أنه حثهم على الأكل. وقيل: # عرض عليهم الأكل من غير أن يأمرهم فأوجس أي فأضمر منهم خيفة لأنهم لم ~~يتحرموا بطعامه قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم أي يبلغ ويعلم وقيل: عليم ~~أي نبي فأقبلت امرأته قيل لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان بل كانت في ~~البيت فهو كقول القائل أقبل يفعل كذا إذا أخذ فيه في صرة أي في صيحة ~~والمعنى أنها أخذت تولول وذلك من عاد النساء إن سمعن شيئا فصكت وجهها قال ~~ابن عباس: لطمت وجهها. وقيل: جمعت أصابعها وضربت جبينها تعجبا وذلك من عادة ~~النساء أيضا إذا ms3258 أنكرن شيئا وقالت عجوز عقيم معناه: أتلد عجوز عقيم وذلك ~~لأن سارة لم تلد قبل ذلك قالوا كذلك قال ربك أي كما قلنا لك قال ربك إنك ~~ستلدين غلاما إنه هو الحكيم العليم ثم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ~~علم حالهم وأنهم من الملائكة قال فما خطبكم أي فما شأنكم وما طلبكم أيها ~~المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين يعني قوم لوط لنرسل عليهم حجارة ~~من طين قيل هو الآجر مسومة أي معلمة قيل على كل حجر اسم من يهلك به. # وقيل: معلمه بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا عند ربك للمسرفين ~~قال ابن عباس يعني المشركين لأن الشرك أسرف الذنوب وأعظمها. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 35 الى 43] # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) وفي موسى ~~إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ~~(39) # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود ~~إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) # فأخرجنا من كان فيها أي في قرى قوم لوط من المؤمنين فما وجدنا فيها غير ~~بيت أي أهل بيت من المسلمين يعني لوطا وابنتيه وصفهم الله تعالى بالإيمان ~~والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. # لأن الإسلام أعم من الإيمان. وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه فإذا ~~سمي المؤمن مسلما، لا يدل على اتحاد مفهوميهما وتركنا فيها أي في مدينة قوم ~~لوط آية أي عبرة للذين يخافون العذاب الأليم والمعنى تركنا فيها علامة ~~للخائفين تدلهم على أن الله مهلكهم فيخافون مثل عذابهم قوله عز وجل: وفي ~~موسى أي وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ~~أي حجة ظاهرة فتولى أي أعرض عن الإيمان بركنه أي بجمعه وجنوده الذين كان ~~يتقوى بهم وقال ساحر أو مجنون فأخذناه ms3259 وجنوده فنبذناهم في اليم أي ~~فأغرقناهم في البحر هو مليم # أي آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسل وفي # PageV04P195 # عاد أي وفي إهلاك عاد أيضا آية وعبرة إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم يعني ~~التي لا خير فيها ولا بركة فلا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا ما تذر من شيء أتت ~~عليه أي من أنفسهم وأموالهم وأنعامهم إلا جعلته كالرميم أي كالشيء الهالك ~~البالي وهو ما يبس وديس من نبات الأرض كالشجر والتبن ونحوه وأصله من رم ~~العظم إذا بلي وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين يعني إلى وقت انقضاء ~~آجالهم وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. # ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 44 الى 51] # فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام ~~وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) ~~والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه ~~نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) # فعتوا عن أمر ربهم أي تكبروا عن طاعة ربهم فأخذتهم الصاعقة أي بعد مضي ~~ثلاثة أيام من بعد عقر الناقة وهي الموت في قول ابن عباس. وقيل: أخذهم ~~العذاب والصاعقة كل عذاب مهلك وهم ينظرون أي يرون ذلك العذاب عيانا فما ~~استطاعوا من قيام أي فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض من ~~تلك الصرعة وما كانوا منتصرين أي ممتنعين منا وقيل: ما كانت عندهم قوة ~~يمتنعون بها من أمر الله وقوم نوح قرئ بكسر الميم ومعناه وفي يوم نوح وقرئ ~~بنصبها ومعناه: وأغرقنا قوم نوح من قبل أي من قبل هؤلاء وهم عاد وثمود وقوم ~~فرعون إنهم كانوا قوما فاسقين أي خارجين عن الطاعة. # قوله تعالى: والسماء بنيناها بأيد أي بقوة وقدرة وإنا لموسعون قيل: هو من ~~السعة: أي أوسعنا السماء بحيث صارت الأرض وما يحيط ms3260 بها من السماء والفضاء ~~وبالنسبة إلى سعة السماء كالحلقة الملقاة في الفلاة وقال ابن عباس: معناه ~~قادرون على بنائها كذلك وعنه لموسعون أي الرزق على خلقنا وقيل: معناه وإنا ~~ذوو السعة والغنى والأرض فرشناها أي بسطناها ومهدناها لكم فنعم الماهدون أي ~~نحن ومن كل شيء خلقنا زوجين أي صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض والشمس ~~والقمر والليل والنهار والبر والبحر والسهل والجبل والصيف والشتاء والجن ~~والإنس والذكر والأنثى والنور والظلمة والإيمان والكفر والسعادة والشقاوة ~~والحق والباطل والحلو والمر والحامض لعلكم تذكرون أي فتعلمون أن خالق ~~الأزواج فرد لا نظير له ولا شريك معه ففروا إلى الله أي: قل يا محمد ففروا ~~إلى الله أي فاهربوا من عذابه إلى ثوابه بالإيمان والطاعة وقال ابن عباس ~~ففروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبد الله ففروا مما سوى الله ~~إلى الله إني لكم منه نذير أي مخوف مبين أي بين الرسالة بالحجة الظاهرة ~~والمعجزة الباهرة والباهرة القاطع ولا تجعلوا مع الله إلها آخر أي وحدوده ~~ولا تشركوا به شيئا إني لكم منه نذير مبين قيل: إنما كرر قوله إني لكم منه ~~نذير مبين عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا ~~مع العمل كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان وأنه لا يفوز عند الله إلا ~~الجامع بينهما. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 52 الى 57] # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) # كذلك أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك ما أتى الذين من قبلهم ~~أي من قبل كفار # PageV04P196 # مكة والأمم الخالية من رسول يعني يدعوهم إلى الإيمان والطاعة إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون قال الله تعالى أتواصوا به أي أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضا ~~بالتكذيب وتواطؤوا عليه وفيه توبيخ ms3261 لهم بل هم قوم طاغون أي لم يتواصلوا ~~بهذا القول لأنهم لم يتلاقوا على زمان واحد بل جمعتهم على ذلك علة واحدة ~~وهي الطغيان وهو الحامل لهم على ذلك القول فتول عنهم أي أعرض عنهم فما أنت ~~بملوم أي لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وبذلت المجهود وما قصرت فيما أمرت ~~به. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم فأنزل الله عز وجل: وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين فطابت نفوسهم بذلك والمعنى عظ بالقرآن كفار مكة فإن الذكرى تنفع ~~من علم الله أنه يؤمن منهم وقيل: معناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن ~~الذكرى تنفعهم. # قوله عز وجل: وما خلقت الجن والإنس أي من المؤمنين إلا ليعبدون قيل هذا ~~خاص بأهل طاعته من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس «وما خلقت الجن والإنس ~~من المؤمنين إلا ليعبدون» وقيل: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا ~~لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي وهو ما جبلوا عليه من الشقاوة ~~والسعادة. وقال علي بن أبي طالب إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم أن يعبدوني ~~وأدعوهم إلى عبادتي. وقيل: معناه إلا ليعرفوني وهذا حسن لأنه لو لم يخلقهم ~~لم يعرف وجوده وتوحيده. وقيل: معناه إلا ليخضعوا لي ويتذللوا لأن معنى ~~العبادة في اللغة التذلل والانقياد وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء ~~الله متذلل للمشيئة لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له. وقيل: معناه إلا ~~ليوحدوني فأما المؤمن فيوحده اختيارا في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده ~~اضطرارا في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ما أريد منهم من رزق أي ما ~~أريد أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم لأني أنا الرزاق المتكفل ~~لعبادي بالرزق القائم لكل نفس بما يقيمها من قوتها وما أريد أن يطعمون أي ~~أن يطعموا أحدا من خلقي وإنما أسند ms3262 الإطعام إلى نفسه لأن الخلق كلهم عيال ~~الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه لما صح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت ~~فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي ~~فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك ~~فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك ~~عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم ~~استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك ~~عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي» أخرجه مسلم ثم ~~بين أن الرزاق هو لا غيره فقال تعالى: ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 58 الى 60] # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # إن الله هو الرزاق أي لجميع خلقه ذو القوة المتين يعني هو القوي الشديد ~~المقتدر البليغ القوة والقدرة الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة فإن للذين ~~ظلموا أي من أهل مكة ذنوبا أي نصيبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم أي مثل ~~نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود فلا يستعجلون أي بالعذاب ~~لأنهم أخروا إلى يوم القيامة يدل عليه قوله عز وجل فويل للذين كفروا من ~~يومهم الذي يوعدون يعني يوم القيامة وقيل: يوم بدر والله تعالى أعلم ~~بمراده. # PageV04P197 ### | سورة الطور # (مكية وهي تسع وأربعون آية وثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة وألف وخمسمائة ~~حرف) بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الطور (52): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) # قوله عز وجل: والطور أراد به الجبل الذي كلم الله موسى عليه الصلاة ~~والسلام بالأرض المقدسة وقيل: بمدين وكتاب مسطور أي مكتوب ms3263 في رق يعني ~~الأديم الذي يكتب فيه المصحف منشور أي مبسوط. # واختلفوا في الكتاب، فقيل: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى ~~يسمع صرير الأقلام. وقيل: # هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو دواوين الحفظة يخرج إليهم يوم القيامة منشورا ~~فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. # وقيل: هو القرآن. ### || [سورة الطور (52): الآيات 4 الى 10] # والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك ~~لواقع (7) ما له من دافع (8) # يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) # والبيت المعمور يعني بكثرة الغاشية والأهل وهو بيت في السماء السابعة ~~قدام العرش بحيال الكعبة يقال له الصراع حرمته في السماء كحرمة الكعبة في ~~الأرض وصح في حديث المعراج من أفراد مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى البيت المعمور في السماء السابعة قال: فإذا هو يدخله كل يوم ~~سبعون ألف ملك لا يعودون إليه وفي رواية أخرى قال فانتهيت إلى بناء فقلت ~~للملك ما هذا؟ قال بناء بناه الله للملائكة يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك ~~لا يعودون يسبحون الله ويقدسونه. # وفي أفراد البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك» والسقف المرفوع ~~يعني السماء والبحر المسجور يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور وهو ~~قول ابن عباس. وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ~~نارا فيزاد بها في نار جهنم وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو وقال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يركبن رجل البحر إلا غازيا أو معتمرا أو ~~حاجا فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا وقيل: المسجور المملوء وقيل: هو ~~اليابس الذي ذهب ماؤه ونضب. وقيل: هو المختلط العذب بالملح. # وروي عن علي أنه قال البحر المسجور هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع ~~سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد بعد ~~النفخة الأولى منه أربعين صباحا ms3264 فينبتون من قبورهم أقسم الله # PageV04P198 # بهذه الأشياء لما فيها من عظيم قدرته وجواب القسم قوله تعالى: إن عذاب ~~ربك لواقع يعني إنه لحق وكائن ونازل بالمشركين في الآخرة ما له من دافع أي ~~مانع. # قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أسارى بدر فدفعت له وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته ~~يقرأ والطور إلى قوله إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع فكأنما صدع قلبي حين ~~سمعت ولم يكن أسلم يومئذ فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أني أقوم ~~من مكاني حتى يقع بي العذاب ثم بين أنه متى يقع فقال تعالى: يوم تمور ~~السماء مورا أي تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة وقيل: تتحرك ~~وتختلف أجزاؤها بعضها من بعض وتضطرب وتسير الجبال سيرا أي تزول عن أماكنها ~~وتصير هباء منثورا والحكمة في مور السماء وسير الجبال الإنذار والأعلام بأن ~~لا رجوع ولا عود إلى الدنيا وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال ~~والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدم بذلك فلما لم ~~يبق لهم عود إليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة. # ### || [سورة الطور (52): الآيات 11 الى 21] # فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار ~~جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون (15) # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) ~~إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر ~~مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) # فويل أي شدة عذاب يومئذ للمكذبين أي يوم القيامة الذين هم في خوض أي ~~يخوضون في الباطل يلعبون أي غافلون لأهون عما يراد بهم يوم يدعون أي يدفعون ms3265 ~~إلى نار جهنم دعا يعني دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي ~~الكفار إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعون بها دفعا إلى ~~النار على وجوههم وزجا في أقفيتهم حتى يردوا إلى النار، فإذا دنوا منها، ~~قال لهم خزنتها: هذه النار التي كنتم بها تكذبون أي في الدنيا أفسحر هذا ~~ذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر وأنه يغطي على ~~الأبصار فوبخوا بذلك وقيل لهم: أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها أي ~~قاسوا شدتها فاصبروا أي على العذاب أو لا تصبروا أي عليه سواء عليكم أي ~~الصبر والجزع إنما تجزون ما كنتم تعملون أي من الكفر والتكذيب في الدنيا. # قوله تعالى: إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين أي معجبين بذلك ناعمين بما ~~آتاهم ربهم أي من الخير والكرامة ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا أي يقال لهم ~~كلوا واشربوا هنيئا أي مأمون العاقبة من التخمة والسقم بما كنتم تعملون أي ~~في الدنيا من الإيمان والطاعة متكئين على سرر مصفوفة أي موضوعة بعضها إلى ~~بعض وزوجناهم بحور عين والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني ألحقنا ~~أولادهم الصغار والكبار بإيمانهم فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان ~~آبائهم فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه ألحقنا بهم ذريتهم ~~يعني المؤمنين في الجنة بدرجات آبائهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم ~~تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم هذه رواية عن ابن عباس. وفي رواية أخرى ~~عنه، أن معنى الآية والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم يعني البالغين بإيمان ~~ألحقنا بهم ذرياتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم أخبر ~~الله تعالى أنه # PageV04P199 # يجمع لعبده المؤمن من ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا ~~إليه فيدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمله من غير أن ينقص الآباء من ~~أعمالهم شيئا وذلك قوله تعالى: وما ألتناهم من عملهم من شيء يعني: وما ~~نقصنا الآباء من أعمالهم شيئا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يرفع ذرية المؤمن ms3266 في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم ~~عينه ثم قرأ والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم إلى ~~آخر الآية. # عن علي قال: «سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في ~~الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هما في النار فلما رأى ~~الكراهية في وجهها قال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما قالت يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فولدي منك قال: في الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذرياتهم» أخرج هذين الحديثين البغوي بإسناد الثعلبي. # كل امرئ أي كافر بما كسب أي عمل من الشرك رهين أي مرتهن بعمله في النار ~~والمؤمن لا يكون مرتهنا بعمله لقوله «كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب ~~اليمين» ثم ذكر ما وعدهم به من الخير والنعمة فقال تعالى: # ### || [سورة الطور (52): الآيات 22 الى 23] # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ~~ولا تأثيم (23) # وأمددناهم بفاكهة يعني زيادة عما كان لهم ولحم مما يشتهون أي من أنواع ~~اللحوم يتنازعون أي يتعاطون ويتناولون فيها أي في الجنة كأسا لا لغو فيها ~~أي لا باطل فيها ولا رفث ولا تخاصم ولا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا ولا ~~تأثيم أي لا يكون فيها ما يؤثمهم ولا يجري بينهم ما فيه لغو وإثم كما يجري ~~بين شربة الخمر في الدنيا. وقيل: لا يأثمون في شربها. ### || [سورة الطور (52): الآيات 24 الى 30] # ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون (30) # ويطوف عليهم أي للخدمة غلمان لهم كأنهم أي في الحسن ms3267 والبياض والصفاء لؤلؤ ~~مكنون أي مخزون مصون لم تمسه الأيدي وقال عبد الله بن عمرو ما من أحد من ~~أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل واحد منهم على عمل غير عمل صاحبه وعن ~~قتادة قال: «ذكر لنا أن رجلا قال يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ ~~قال: فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. # قوله تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون يعني يسأل بعضهم بعضا في الجنة ~~قال ابن عباس: # يتذاكرون ما كانوا فيه من الخوف والتعب في الدنيا قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا أي في الدنيا مشفقين أي خائفين من العذاب فمن الله علينا أي بالمغفرة ~~ووقانا عذاب السموم يعني عذاب النار وقيل: هو اسم من أسماء جهنم إنا كنا من ~~قبل أي في الدنيا ندعوه أي نخلص الدعاء والعبادة له إنه هو البر قال ابن ~~عباس: اللطيف وقيل: يعني الصادق فيما وعد. وقيل: البر العطوف على عباده ~~المحسن إليهم الذي عم بره جميع خلقه الرحيم بعبيده. # قوله عز وجل: فذكر يعني فعظ يا محمد بالقرآن كفار مكة فما أنت بنعمة ربك ~~أي برحمته وعصمته وقيل: بإنعامه عليك بالنبوة بكاهن ولا مجنون الكاهن هو ~~الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر بما في غد من غير وحي والمعنى أنك لست كما ~~يقول كفار مكة إنه كاهن أو مجنون إنما تنطلق بالوحي نزلت في الذين اقتسموا ~~أعقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والشعر ~~والجنون أم يقولون يعني هؤلاء المقتسمين # PageV04P200 # شاعر أي هو شاعر نتربص به أي ننتظر به ريب المنون يعني حوادث الدهر ~~وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أو يتفرق عنه أصحابه ~~وإن أباه مات وهو شاب ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه والمنون اسم للموت ~~وللدهر وأصله القطع سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. # ### || [سورة الطور (52): الآيات 31 الى 37] # قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم ms3268 قوم ~~طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) # أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم ~~المصيطرون (37) # قل تربصوا أي انتظروا بي الموت فإني معكم من المتربصين أي من المنتظرين ~~حتى يأتي أمر الله فبكم فعذبوا يوم بدر بالقتل والسبي أم تأمرهم أحلامهم أي ~~عقولهم بهذا وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول فأزرى الله ~~بعقولهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل أم هم قوم طاغون أي يتجاوزون ~~الحد في الطغيان والكفر أم يقولون تقوله أي اختلق القرآن من تلقاء نفسه ~~والتقول التكلف ولا يستعمل إلا في الكذب والمعنى ليس الأمر كما زعموا بل لا ~~يؤمنون أي بالقرآن استكبارا ثم ألزمهم الحجة فقال تعالى: فليأتوا بحديث ~~مثله أي مثل القرآن في نظمه وحسنه وبيانه إن كانوا صادقين يعني إن محمد ~~تقوله من قبل نفسه أم خلقوا من غير شيء. # قال ابن عباس: من غير رب خالق. والمعنى: أم خلقوا من غير شيء خلقهم ~~فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة ~~الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق أم هم الخالقون أي ~~لأنفسهم وذلك في البطلان أشد لأن ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان ~~قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به وليوحدوه وليعبدوه وقيل: في ~~معنى الآية: أخلقوا باطلا فلا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون أم هم الخالقون ~~أي لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر أم خلقوا السماوات والأرض يعني ليس الأمر ~~كذلك بل لا يوقنون أي بالحق وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث وأن ~~الله تعالى هو خالقهم وخالق السموات والأرض فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم ~~وخالقهم أم عندهم خزائن ربك يعني النبوة ومفاتيح الرسالة فيضعونها حيث ~~شاؤوا وقيل: خزائن المطر والرزق أم هم المصيطرون أي المسلطون الجبارون. # وقيل: الأرباب القاهرون فلا ms3269 يكونون تحت أمر ولا نهي ويفعلون ما يشاءون. ### || [سورة الطور (52): الآيات 38 الى 45] # أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ~~ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) # أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ~~ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) # أم لهم سلم يعني مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه أي يستمعون عليه ~~الوحي من السماء فيعلمون أن ما هم عليه حق فهم به مستمسكون فليأت مستمعهم ~~أي إن ادعوا ذلك بسلطان مبين أي بحجة بينة أم له البنات ولكم البنون هذا ~~إنكار عليهم حيث جعلوا لله ما يكرهون لأنفسهم أم تسئلهم أجرا أي جعلا على ~~ما جئتهم به من النبوة ودعوتهم إليه من الدين فهم من مغرم مثقلون يعني ~~أثقلهم ذلك المغرم الذي سألتهم فمنعهم عن الإسلام أم عندهم الغيب أي علم ~~الغيب وهو ما غاب عنهم حتى علموا أن ما يخبرهم به الرسول من أمر القيامة ~~والبعث باطل. وقيل: هو جواب لقولهم نتربص به ريب المنون، والمعنى: اعلموا ~~أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون أي يحكمون قال ابن عباس: معناه أم عندهم ~~اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما # PageV04P201 # فيه ويخبرون الناس به أم يريدون كيدا أي مكرا بك ليهلكوك فالذين كفروا هم ~~المكيدون أي المجزيون بكيدهم والمعنى أن ضرر كيدهم يعود عليهم ويحيق مكرهم ~~بهم وهو أنهم مكروا به في دار الندوة ليقتلوه فقتلوا ببدر أم لهم إله غير ~~الله يعني يرزقهم وينصرهم سبحان الله عما يشركون المعنى: أنه نزه نفسه عما ~~يقولون. # قوله تعالى: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا هذا جواب لقولهم فأسقط علينا ~~كسفا من السماء يقول لو عذبناهم بسقوط قطعة من السماء عليهم لم ينتهوا عن ~~كفرهم يقولوا لمعاندتهم هذا سحاب مركوم أي بعضه على بعض يسقينا فذرهم حتى ~~يلاقوا أي يعاينوا يومهم الذي ms3270 فيه يصعقون أي يموتون ويهلكون. ### || [سورة الطور (52): الآيات 46 الى 49] # يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا ~~دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون أي لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ~~ولا يمنعهم من العذاب مانع وإن للذين ظلموا أي كفروا عذابا دون ذلك أي ~~عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة قال ابن عباس يعني القتل يوم بدر وقيل: هو ~~الجوع والقحط سبع سنين وقيل: هو عذاب القبر ولكن أكثرهم لا يعلمون أي أن ~~العذاب نازل بهم. # قوله عز وجل: واصبر لحكم ربك أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم ~~به فإنك بأعيننا. # أي بمرأى منا. # قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقيل: معناه إنك بحيث نراك ونحفظك فلا ~~يصلون إليك بمكروه وسبح بحمد ربك حين تقوم أي: وقل حين تقوم من مجلسك: ~~سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت بذلك إحسانا وإن كان غير ~~ذلك كان كفارة لك. # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: # سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان ~~كفارة لما بينهما» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. # وقال ابن عباس: معناه حين تقوم من منامك. وقيل: هو ذكر الله بالليل من ~~حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة وعن عاصم بن حميد قال: «سألت ~~عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل فقالت ~~سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشرا وحمد الله عشرا ~~وسبح عشرا وهلل عشرا واستغفر عشرا وقال اللهم اغفر لي وارحمني واهدني ~~وارزقني وعافني وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة» أخرجه أبو ms3271 داود ~~والنسائي وقيل: إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك يدل عليه ما ~~روي عن عائشة قالت «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال ~~سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك» أخرجه ~~الترمذي وأبو داود وقد تكلم في أحد رواته. # وقوله تعالى: ومن الليل فسبحه أي فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وإدبار ~~النجوم يعني الركعتين قبل صلاة الفجر ذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء ~~الصبح هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وإدبار ~~السجود الركعتان بعد المغرب» أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. وقيل: إدبار ~~النجوم هي فريضة صلاة الصبح (ق) عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور» والله تعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. # PageV04P202 ### | سورة النجم # (مكية وهي اثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمة وألف وأربعمائة وخمسة ~~أحرف) بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة النجم (53): الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن ~~هو إلا وحي يوحى (4) # قوله عز وجل: والنجم إذا هوى قال ابن عباس يعني الثريا إذا سقطت وغابت ~~والعرب تسمي الثريا نجما ومنه قولهم إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء ~~وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: «ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة ~~شيء إلا رفع» أراد بالنجم الثريا، وقيل: هي نجوم السماء كلها وهويها غروبها ~~فعلى هذا لفظه واحد ومعناه الجمع. وروي عن ابن عباس أنه الرجوم من النجوم ~~وهي ما ترمى به الشياطين عند استراق السمع. وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم ~~القيامة. وقيل: أراد بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في ~~عشرين سنة وهو قول ابن عباس أيضا. وقيل: النجم هو النبت الذي لا ساق له ~~وهويه سقوطه إذا ms3272 يبس على الأرض. وقيل: النجم هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهويه نزوله ليلة المعراج من السماء وجواب القسم قوله تعالى: ما ضل صاحبكم ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى وما غوى أي ما جهل. ~~وقيل: الفرق بين الضلال والغي أن الضلال هو أن لا يجد السالك إلى مقصده ~~طريقا أصلا والغواية أن لا يكون له طريق إلى مقصده مستقيم وقيل: إن الضلال ~~أكثر استعمالا من الغواية وما ينطق عن الهوى أي بالهوى والمعنى لا يتكلم ~~بالباطل وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه إن هو أي ما ~~هو يعني القرآن وقيل: نطقه في الدين إلا وحي من الله يوحى إليه. ### || [سورة النجم (53): الآيات 5 الى 11] # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا ~~فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # علمه شديد القوى يعني جبريل علم محمدا صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله ~~إليه عز وجل وكونه شديد القوى أنه اقتلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى ~~بلغ بها السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه بالوحي ~~على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف ذو مرة أي ذو قوة وشدة. وقال ابن عباس: ذو ~~منظر حسن وقيل: ذو خلق طويل حسن. # فاستوى يعني جبريل عليه الصلاة والسلام وهو يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج بالأفق الأعلى عند مطلع الشمس ~~وقيل: فاستوى يعني جبريل وهو كناية عن جبريل أيضا أي قام في صورته التي ~~خلقه الله فيها وهو بالأفق الأعلى وذلك أن جبريل عليه الصلاة والسلام كان ~~يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P203 # في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء قبله فسأله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين مرة في ~~الأرض ومرة في السماء فأما التي في الأرض ms3273 فبالأفق الأعلى والمراد بالأفق ~~الأعلى جانب المشرق وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بحراء، فطلع ~~له جبريل عليه الصلاة والسلام من ناحية المشرق، فسد الأفق إلى المغرب فخر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فنزل جبريل عليه، الصلاة والسلام ~~في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو قوله تعالى: ~~ثم دنا فتدلى وأما التي في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من ~~الأنبياء على تلك الصورة التي خلق عليها إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~قوله تعالى: ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. # اختلف العلماء في معنى هذه الآية فروي عن مسروق بن الأجدع قال «قلت ~~لعائشة فأين قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى؟ قالت ذلك جبريل كان ~~يأتيه في صورة الرجل وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد ~~الأفق» أخرجاه في الصحيحين. # وعن زر بن حبيش في قوله تعالى: فكان قاب قوسين أو أدنى وفي قوله ما كذب ~~الفؤاد ما رأى وفي قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: فيها كلها أن ابن ~~مسعود قال «رأى جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح» زاد في رواية ~~أخرى «رأى جبريل في صورته» أخرجه مسلم والبخاري في قوله تعالى: فكان قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى فعلى هذا يكون معنى الآية ثم دنا ~~جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكان منه قاب قوسين أو أدنى أي: بل أدنى وبه قال ابن عباس والحسن ~~وقتادة. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنا لأن التدلي سبب الدنو. ~~وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي فقرب ~~منه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وقد ورد في الصحيحين في حديث المعراج من ~~رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ms3274 ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى ~~كان منه قاب قوسين أو أدنى. # وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس والتدلي هو النزول إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال الحافظ عبد الحق في كتابه. الجمع بين الصحيحين، بعد ذكر ~~حديث أنس من رواية شريك، وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير ~~معروفة. # وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين كابن شهاب وثابت البناني ~~وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به وفي رواية شريك قدم وآخر ~~وزاد ونقص فيحتمل أن هذا اللفظ من زيادة شريك في الحديث وقال الضحاك دنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل فتدلى أي فأهوى للسجود فكان منه قاب ~~قوسين أو أدنى والقاب القدر والقوس الذي يرمي به وهو رواية عن ابن عباس. ~~وقيل: معناه حيث الوتر من القوس فأخبر أنه كان بين جبريل ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم مقدار قوسين وهذا إشارة إلى تأكيد القرب وأصله أن الحليفين من ~~العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد بينهما خرجا بقوسيهما فألصقا ~~بينهما يريد أن بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال ~~عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قدر ذراعين والقوس الذراع التي يقاس بها من ~~قاس يقيس أو أدنى بل أقرب فأوحى # أي فأوحى الله إلى عبده # محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل وقال سعيد بن جبير: أوحى إليه ألم يجدك يتيما ~~فآوى إلى قوله ورفعنا لك ذكرك وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء ~~حتى تدخلها أنت وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك قوله عز وجل: ما كذب الفؤاد قرئ ~~بالتشديد أي ما كذب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى أي بعينه تلك الليلة بل ~~صدقه وحققه وقرئ بالتخفيف أي ما كذب فؤاد محمد الذي رآه بل صدقه والمعنى: ms3275 ~~ما كذب الفؤاد فيما رأى. واختلفوا في الذي رآه، فقيل: رأى جبريل وهو قول ~~ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقيل: هو الله عز وجل ثم اختلفوا في معنى ~~الرؤية فقيل جعل بصره في فؤاده وهو قول ابن عباس (م). عن ابن عباس ما # PageV04P204 # كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال: رآه بفؤاده مرتين وذهب جماعة ~~إلى أنه رآه بعينه حقيقة وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة قالوا: رأى ~~محمد ربه عز وجل. وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: إن الله عز وجل اصطفى ~~إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية. وقال كعب: إن ~~الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين ~~أخرجه الترمذي بأطول من هذا. وكانت عائشة تقول: لم ير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ربه. وتحمل الآية على رؤية جبريل. # عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أماه هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري ~~مما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب. من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد ~~كذب ثم قرأت: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وما ~~كان لبشر أن يكلمه إلا الله وحيا أو من وراء حجاب. ومن حدثك أنه يعلم ما في ~~غد فقد كذب. ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت ومن حدثك أن محمدا كتم أمرا فقد كذب ثم قرأت يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجاه في الصحيحين (م) ~~عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: نور ~~أني أراه». # قوله عز وجل: # ### || [سورة النجم (53): الآيات 12 الى 16] # أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى ~~(14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) # أفتمارونه على ما يرى يعني أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين ~~أسري ms3276 به وقالوا له صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك ~~مما جادلوه به. والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه ~~ولقد رآه نزلة أخرى يعني رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من ~~السماء نزلة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرة عند سدرة ~~المنتهى (م) عن أبي هريرة ولقد رآه نزلة أخرى قال: رأى جبريل. وعلى قول ابن ~~عباس: يعني نزلة أخرى هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ~~عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه عز ~~وجل في بعضها. # وروي عن ابن عباس أنه رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رآه بعينه عند سدرة ~~المنتهى (م) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لما أسري برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ~~ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها ~~وقال إذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب». # وفي رواية الترمذي إليها ينتهي علم الخلائق لا علم لهم فوق ذلك وفي حديث ~~المعراج المخرج في الصحيحين «ثم صعد بي إلى السماء السابعة ثم قال ثم رفعت ~~إلى سدرة المنتهى» فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة قال: ~~هذه سدرة المنتهى. وفي أفراد مسلم من حديث أنس قال: «ثم عرج بنا إلى السماء ~~السابعة وذكره إلى أن قال فيه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان ~~الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من نور الله ما غشي تغيرت فما ~~أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها» وقال هلال بن يساف سأل ابن ~~عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب إنها سدرة في أصل العرش على ~~رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله ~~عز وجل وعن ms3277 أسماء بنت أبي بكر قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذكر سدرة المنتهى فقال: يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة أو قال ~~يستظل بظلها مائة ألف راكب فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال» أخرجه ~~الترمذي. وقال: مقاتل هي شجرة تحمل الحلي والحلل # PageV04P205 # والثمار من جميع الألوان ولو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل ~~الأرض وهي شجرة طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد عندها جنة المأوى قال ~~ابن عباس: جنة المأوى يأوي إليها جبريل والملائكة وقيل: # يأوي إليها أرواح الشهداء إذ يغشى السدرة ما يغشى قال ابن مسعود: فراش من ~~ذهب وقيل: يغشاها ملائكة أمثال الغربان. وقيل: أمثال الطيور حتى يقعن ~~عليها. وقيل: غشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة من حب الله تعالى أمثال ~~الغربان حتى يقعن عليها وقيل: هو نور رب العزة ويروى في الحديث قال: رأيت ~~على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله عز وجل: # ### || [سورة النجم (53): الآيات 17 الى 19] # ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) أفرأيتم ~~اللات والعزى (19) # ما زاغ البصر وما طغى يعني ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~المقام وفي تلك الحضرة المقدسة الشريفة يمينا وشمالا ولا جاوز ما رأى وقيل: ~~ما أمر به وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام الشريف إذ لم ~~يلتفت إلى شيء سوى ما أمر به. # وفي معنى الآية إن قلنا إن الذي يغشى السدرة فراش من ذهب أي لم يلتفت ~~إليه ولم يشتغل به وفيه بيان أدبه صلى الله عليه وسلم إذ لم يقطع بصره عن ~~المقصود وإن قلنا الذي يغشى السدرة هو نور رب العزة ففيه وجهان: # أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم لم يلتفت عنه يمنة ولا يسرة ولا يشتغل ~~بغير مطالعة ذلك النور. # الوجه الثاني: ما زاغ البصر بصعقة ولا غشية كما أخبر عن موسى بقوله «وخر ~~موسى صعقا» وذلك أنه لما تجلى رب العزة وظهر نوره ms3278 على الجبل قطع نظره وغشي ~~عليه ونبينا صلى الله عليه وسلم ثبت في ذلك المقام العظيم الذي تحار فيه ~~العقول وتزل فيه الأقدام وتميل فيه الأبصار فوصف الله عز وجل قوة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى. # وقوله تعالى: لقد رأى من آيات ربه الكبرى يعني رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الآيات العظام وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره ورجوعه ~~وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآيات الكبرى (م) عن عبد الله بن مسعود ~~قال: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى. قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح (خ) ~~عنه قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء. # (فصل من كلام الشيخ محيي الدين النووي في معنى قوله تعالى ولقد رآه نزلة ~~أخرى وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء) قال ~~القاضي عياض اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه ليلة ~~الإسراء فأنكرته عائشة كما وقع في صحيح مسلم. وجاء مثله عن أبي هريرة ~~وجماعة وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين. # وروي عن ابن عباس أنه رآه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن وكان يحلف ~~على ذلك وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل وحكى أصحاب ~~المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه ووقف بعض مشايخنا ~~في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز ورؤية الله عز وجل في الدنيا ~~جائزة وسؤال موسى إياها دليل على جوازها إذ لا يجهل نبي ما يجوز أن يمتنع ~~على ربه. واختلفوا في أن نبينا صلى الله عليه وسلم هل كلم ربه ليلة الإسراء ~~بغير واسطة أم لا، فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه. وعزا بعضهم ~~هذا القول إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس وكذلك اختلفوا ms3279 في قوله: ~~ثم دنا فتدلى فالأكثر على أن هذا # PageV04P206 # الدنو والتدلي منقسم بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم أو مختص ~~بأحدهما من الآخر أو من سدرة المنتهى. # وذكر ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه أو من الله فعلى هذا القول يكون الدنو ~~والتدلي متأولا ليس على وجهه بل كما قال جعفر بن محمد الدنو من الله لا حد ~~له ومن العباد بالحدود فيكون معنى دنو النبي صلى الله عليه وسلم وقربه منه ~~ظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه واطلاعه من غيبه وأسرار ~~ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه. والدنو من الله تعالى له إظهار ذلك وعظيم ~~بره وفضله العظيم لديه ويكون قوله تعالى: قاب قوسين أو أدنى، هنا عبارة عن ~~لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ومن الله تعالى إجابة الرغبة وإبانة المنزلة هذا آخر كلام القاضي ~~عياض. # قال الشيخ محيي الدين: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية. قال: ~~والحجج في المسألة وإن كانت كثيرة ولكن لا تتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ~~ابن عباس: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين» وعن عكرمة قال: سئل ابن عباس هل رأى ~~محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قال: # نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: رأى محمد ~~ربه عز وجل وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل. # والأصل في المسألة حديث ابن عباس حبر هذه الأمة وعالمها والمرجوع إليه في ~~المعضلات وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ربه عز وجل فأخبره أنه رآه ولا يقدح في هذا حديث عائشة لأن عائشة ~~لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لم أر ربي وإنما ms3280 ذكرت ما ~~ذكرت متأولة لقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا ولقوله لا تدركه الأبصار والصحابي إذا قال قولا ~~وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة وإذا قد صحت الروايات عن ابن عباس أنه ~~تكلم في هذه المسألة بإثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها لأنها ليست مما ~~يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسمع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن ~~عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ~~ذكر اختلاف عائشة وابن عباس ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم إن ابن ~~عباس أثبت ما نفاه غيره والمثبت مقدم على النفي هذا كلام صاحب التحرير في ~~إثبات الرؤية. # قال الشيخ محيي الدين فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس ~~وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم إن عائشة لم تنف الرؤية بحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان معها حديث لذكرته وإنما اعتمدت ~~على الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها، فنقول: أما احتجاج عائشة رضي ~~الله تعالى عنها بقوله تعالى: لا تدركه الأبصار فجوابه ظاهر، فإن الإدراك ~~هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه ~~نفي الرؤية بغير إحاطة وهذا الجواب في نهاية الحسن مع اختصاره. وأما ~~احتجاجها بقوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا الآية، فالجواب ~~عنه من أوجه: أحدها أنه لا يلزم مع الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز ~~وجود الرؤية من غير كلام، الوجه الثاني: أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. # الوجه الثالث: ما قاله بعض العلماء إن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة ~~وهذا القول وإن كان محتملا لكن الجمهور. ms3281 # على أن المراد بالوحي هنا إلهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى وحيا ~~وأما قوله تعالى: أو من وراء حجاب # PageV04P207 # فقال الواحدي وغيره معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه سبحانه ~~من حديث لا يرونه وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا عن موضع ويدل على ~~تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب حيث لم ير المتكلم وقول ~~عائشة في أول الحديث «لقد قف شعري» فمعناه قام شعري من الفزع لكوني سمعت ما ~~لا ينبغي أن يقال تقول العرب عند إنكار الشيء: قف شعري واقشعر جلدي واشمأزت ~~نفسي وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر «نور أني أراه» فهو بتنوين ~~نور وبفتح الهمزة في أني وتشديد النون المفتوحة ومعناه: حجابه نور فكيف ~~أراه قال الماوردي الضمير في أراه عائد على الله تعالى والمعنى أن النور ~~يمنعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ~~ما حال بين الرائي وبينه وفي رواية رأيت نورا معناه: رأيت النور فحسب ولم ~~أر غيره وفي رواية ذاته نور أني أراه ومعناه هو خالق النور المانع من رؤيته ~~فيكون من صفات الأفعال ومن المستحيل أن تكون ذات الله نورا إذ النور من ~~جملة الأجسام والله يتعالى عن ذلك هذا مذهب جميع أئمة المسلمين والله أعلم. # قوله عز وجل: أفرأيتم اللات والعزى هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة ~~يعبدونها واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل فقالوا من الله اللات ومن ~~العزيز العزى. وقيل: العزى تأنيث الأعز. والمعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة ~~التي تعبدونها من دون الله هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة ~~شيء وكان اللات بالطائف وقيل: بنخلة كانت قريش تعبده وقرئ اللات بالتشديد ~~(خ). عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان اللات رجلا يلت السويق للحاج. ~~قيل: فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. وقيل: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ ~~منها السمن ويأخذ منها الأقط ويجمع رسلها ثم يتخذ حيسا فيطعم ms3282 الحاج وكان ~~ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقيل: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة ~~بن غنم وكان يسلأ السمن فيضعه على صخرة فتأتيه العرب فتلت به أسوقتهم فلما ~~مات الرجل حولها ثقيف إلى منازلها فمرت الطائف على موضع اللات وأما العزى ~~فقيل هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد فقطعها فجعل يضربها بالفأس ويقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك # فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ويقال: ~~إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قطعتها. فقال: ما ~~رأيت؟ فقال ما رأيت شيئا فقال ما قطعت فعاودها ومعه المعول فقطعها واجتثت ~~أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بذلك فقال: تلك العزى ولن تعبد أبدا. # وقيل: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن سالم الغطفاني. وقيل: إنه قدم مكة ~~فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بينهما فرجع إلى بطن نخلة فقال ~~لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم ~~قالوا فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من ~~المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذ من الصفا وقال الصفا ثم وضع الذي ~~أخذ من المروة. وقال: هذه المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار وأسندها إلى شجرة. ~~وقال: هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة الثلاث حتى ~~افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأمر برفع الحجارة وأمر خالد بن ~~الوليد بالعزى فقطعها وقيل: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. وقوله تعالى: # PageV04P208 # ### || [سورة النجم (53): الآيات 20 الى 23] # ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى ~~(22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) # ومناة قيل: هي لخزاعة ms3283 كانت بقديد وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها في ~~الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت حذو قديد وقيل: هي بيت بالمشلل كانت تعبده ~~بنو كعب. وقيل: مناة، صنم لهذيل وخزاعة وكانت تعبدها أهل مكة وقيل: اللات ~~والعزى ومناة أصنام من الحجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها الثالثة الأخرى ~~الثالثة نعت لمناة إذ هي الثالثة في الذكر وأما الأخرى فإن العرب لا تقول ~~الثالثة الأخرى وإنما الأخرى هنا نعت للثلاثة قال الخليل: قالها لوفاق رؤوس ~~الآي كقوله «مآرب أخرى» ولم يقل أخر. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة ~~الثالثة. # وقيل: هي صفة ذم كأنه تعالى قال ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة. فعلى ~~هذا فالأصنام ترتب مراتب، وذلك لأن اللات كان صنما على صورة آدمي والعزى ~~شجرة فهي نبات ومناة صخرة فهي جماد وهي في أخريات المراتب. ومعنى الآية: هل ~~رأيتم هذه الأصنام حق الرؤية، وإذا رأيتموها علمتم أنها لا تصلح للعبادة ~~لأنها لا تضر ولا تنفع وقيل: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة ~~بنات الله ألكم الذكر وله الأنثى. وقيل: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام ~~والملائكة بنات الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك فقال الله عز ~~وجل منكرا عليهم ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى قال ابن عباس: أي ~~قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم وقيل: قسمة عوجاء غير معتدلة ~~إن هي أي ما هذه الأصنام إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم والمعنى: أنكم ~~سميتموها آلهة وليست حقيقة ولا بمعبودة حقيقة وقيل: معناه قلتم لبعضها عزى ~~ولا عزة لها فلا يكون لها مسمى حقيقة. # ما أنزل الله بها من سلطان أي حجة بما تقولون إنها آلهة إن يتبعون إلا ~~الظن أي في قولهن إنها آلهة وما تهوى الأنفس يعني هو ما زين لهم الشيطان من ~~عبادة الأصنام وقيل: وضعوا عبادتهم بمقتضى شهواتهم والذي ينبغي أن تكون ~~العبادة بمقتضى الشرع لا بمتابعة هوى النفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أي ~~البيان بالكتاب ms3284 المنزل والنبي المرسل أن الأصنام ليست بآلهة وأن العبادة لا ~~تصلح إلا لله الواحد القهار. قوله تعالى: ### || [سورة النجم (53): الآيات 24 الى 30] # أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~(26) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما ~~لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من ~~العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) # أم للإنسان ما تمنى معناه أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة ~~الأصنام أي ليس الأمر كما يظن ويتمنى فلله الآخرة والأولى أي لا يملك أحد ~~فيها شيئا أبدا إلا بإذنه وقيل: معناه أن الإنسان إذا اختار معبودا على ما ~~تمناه واشتهاه فلله الآخرة والأولى يعاقبه على فعله ذلك إن شاء في الدنيا ~~والآخرة وإن شاء أمهله إلى الآخرة وكم من ملك في السماوات أي ممن يعبدهم ~~هؤلاء ويرجون شفاعتهم عند الله لا تغني شفاعتهم شيئا يعني أن الملائكة، مع ~~علو منزلتهم، لا تغني شفاعتهم، شيئا فكيف تشفع الأصنام مع حقارتها ثم أخبر ~~أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه فقال تعالى: إلا من بعد أن يأذن الله أي في ~~الشفاعة لمن يشاء ويرضى أي من أهل التوحيد قال ابن عباس يريد لا تشفع ~~الملائكة إلا لمن رضي الله عنه وقيل: إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من ~~الملائكة في الشفاعة لمن شاء الشفاعة له إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعني ~~الكفار الذين أنكروا البعث ليسمون الملائكة تسمية الأنثى أي بتسمية الأنثى ~~حيث قالوا إنهم بنات الله. فإن قلت كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية ~~الإناث. # PageV04P209 # قلت المراد منه بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمناسبته رؤوس ~~الآي وقيل: إن كل واحد من الملائكة يسمونه تسمية ms3285 الأنثى وذلك لأنهم إذا ~~قالوا الملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتا وهي تسمية الأنثى وما ~~لهم به من علم يعني بالله فيشركون به ويجعلون له ولدا وقيل: ما يستيقنون أن ~~الملائكة أناث إن يتبعون إلا الظن يعني في تسمية الملائكة بالإناث وإن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا يعني لا يقوم الظن مقام العلم الذي هو الحق وقيل ~~معناه إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء بالعلم واليقين لا بالظن والتوهم ~~وقيل: # الحق هو الله تعالى والمعنى أن الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا يعني القرآن. # وقيل: عن الإيمان ولم يرد إلا الحياة الدنيا يعني أنهم لا يؤمنون بالآخرة ~~حتى يردوها ويعملوا لها وفيه إشارة إلى إنكارهم الحشر ثم صغر رأيهم فقال ~~تعالى: ذلك مبلغهم من العلم أي ذلك نهاية علمهم وقلة عقولهم أن آثروا ~~الدنيا على الآخرة وقيل: معناه أنهم لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن ~~الملائكة بنات الله وأنهم يشفعون لهم فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن ~~والإيمان إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى أي هو عالم ~~بالفريقين ويجازيهم بأعمالهم. # ### || [سورة النجم (53): الآيات 31 الى 32] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # ولله ما في السماوات وما في الأرض وهذه إشارة إلى كمال قدرته وغناه وهو ~~معترض بين الآية الأولى وبين قوله ليجزي الذين أساؤا بما عملوا. والمعنى: # إذا كان أعلم بهم جازى كل أحد بما يستحقه فيجزي الذين أساؤوا أي أشركوا ~~بما عملوا من الشرك ويجزي الذين أحسنوا أي وحدوا ربهم بالحسنى يعني الجنة ~~وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك كامل القدرة ~~فلذلك قال ولله ما في ms3286 السموات وما في الأرض ثم وصف المحسنين فقال عز وجل: # الذين يجتنبون كبائر الإثم قيل: الإثم، الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ~~وقيل: هو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، وقيل: هو فعل ما لا يحل وقيل: ~~الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر وجمعه آثام والكبيرة متعارفة في كل ذنب ~~تعظم عقوبته وجمعه كبائر والفواحش جمع فاحشة، وهي ما عظم قبحه من الأفعال ~~والأقوال وقيل: هي ما فحش من الكبائر إلا اللمم أي إلا ما قل وصغر من ~~الذنوب وقيل: هي مقاربة المعصية من قولك ألممت بكذا إذا قاربته من غير ~~مواقعة واختلفوا في معنى الآية فقيل هذا استثناء صحيح واللمم من الكبائر ~~والفواحش ومعنى الآية: إلا إن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب أو يقع الوقعة ثم ~~ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عن ابن عباس. وقال عبد الله ~~بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقال أبو صالح: # سئلت عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا ~~يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أعانك عليها ملك كريم. عن ابن عباس في ~~قوله عز وجل: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما» ~~أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب وقيل: أصل اللمم والإلمام ما يعمله ~~الإنسان الحين بعد الحين ولا يكون له إعادة ولا إقامة وقيل: هو استثناء ~~منقطع مجازه لكن اللمم ولم يجعل اللمم من الكبائر والفواحش ثم اختلفوا في ~~معناه فقيل هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به في الإسلام وذلك أن # PageV04P210 # المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن سلم. وقيل: اللمم هو صغار ~~الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك مما هو دون الزنى وهو قول ابن ~~مسعود وأبي هريرة ومسروق والشعبي والرواية الأخرى عن ابن عباس (ق) ms3287 عن ابن ~~عباس قال «ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا ~~محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج ~~يصدق ذلك أو يكذبه». # ولمسلم قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان ~~زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها ~~البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» ~~وقيل: اللمم على وجهين، أحدهما أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حدا في ~~الدنيا ولا عذابا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس وصوم رمضان ما ~~لم يبلغ الكبائر والفواحش. # والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه ~~وقيل: هو ما لم على القلب أي خطر وقيل: اللمم النظرة من غير عمد فهو مغفور ~~فإن أعاد النظر فليس بلمم فهو ذنب والله سبحانه وتعالى أعلم. # (فصل: في بيان الكبيرة وحدها وتمييزها عن الصغيرة) قال العلماء: أكبر ~~الكبائر الشرك بالله وهو ظاهر لا خفاء به لقوله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم ~~ويليه القتل بغير حق فأما ما سواهما من الزنا واللواط وشرب الخمر وشهادة ~~الزور وأكل مال اليتيم بغير حق والسحر وقذف المحصنات وعقوق الوالدين ~~والفرار من الزحف وأكل الربا وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها النص فلها ~~تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد ~~المرتبة عليها. فعلى هذا يقال في كل واحدة منها: هي من أكبر الكبائر ~~بالنسبة إلى ما دونها. # وقد جاء عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي قال هي إلى السبعين ~~أقرب. # وفي رواية إلى سبعمائة أقرب وقد اختلف العلماء في حد الكبيرة وتمييزها عن ~~الصغيرة فجاء عن ابن عباس: كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة. وبهذا قال ~~الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وحكاه القاضي عياض عن المحققين واحتج ms3288 ~~القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله كبيرة وذهب ~~الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر ~~وكبائر وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأئمة. وإذا ~~ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلف في ضبطها، فروي عن ابن ~~عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب وعن ~~الحسن نحو هذا وقيل: هي ما وعد الله عليه بنار في الآخرة وأحد في الدنيا. ~~وقال الغزالي: في البسيط الضابط الشامل في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم ~~عليها المرء من غير استشعار خوف أو استحداث ندم كالمتهاون في ارتكابها ~~والمستجرئ عليها اعتيادا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما ~~تحمل عليه فلتات النفس وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن ندم يمتزج به تنغيص ~~التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس بكبيرة. وقال الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام في كتابه القواعد: # إذا أردت معرفة الفرق بين الكبيرة والصغيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد ~~الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ~~ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر فمن أمسك امرأة محصنة ~~لمن يزني بها أو أمسك مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم ممن أكل ~~درهما # PageV04P211 # من مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين ~~مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته فإن تسببه إلى هذه المفسدة أعظم من توليه ~~يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم ~~أنه يقتل بسببه. ولو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يؤخذ منه ثمرة بسبب كذبه ~~لم يكن ذلك من الكبائر. # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه الكبيرة: كل ذنب كبر وعظم عظما ~~بحيث يصح معه أنه يطلق عليه اسم الكبيرة ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق ~~فهذا حد الكبيرة ولها أمارات منها الحد ms3289 ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ~~ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها ما وصف فاعلها بالفسق أو يضاف إليه اللعن ~~كلعن الله من غير منار الأرض ونحو ذلك والله أعلم. # وقوله تعالى: إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب ~~وأناب. # وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس قالا: لا كبيرة في الإسلام أي لا كبيرة ~~مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار معناه أن الكبيرة أيضا تمحى بالاستغفار ~~والتوبة والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار وقيل في حد الإصرار هو أن يتكرر منه ~~الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه وتم الكلام على قوله إن ربك واسع ~~المغفرة ثم ابتدأ فقال تعالى: هو أعلم بكم أي قبل أن يخلقكم وهو قوله: إذ ~~أنشأكم من الأرض يعني خلق أباكم آدم من التراب وإذ أنتم أجنة جمع جنين في ~~بطون أمهاتكم سمي جنينا لاستتاره في بطن أمه فلا تزكوا أنفسكم قال ابن ~~عباس: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي ~~صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال. ~~وقيل في معنى الآية: هو أعلم بكم أيها المؤمنون علم حالكم من أول خلقكم إلى ~~آخر يومكم فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته ~~أنا خير منك أو أنا أزكى منك أو أتقى منك فإن العلم عند الله وفيه إشارة ~~إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على التقوى وهو قوله ~~تعالى: هو أعلم بمن اتقى يعني بمن بر وأطاع وأخلص العمل وقيل في معنى الآية ~~فلا تزكوا أنفسكم يعني لا تنسبوها إلى زكاء العلم وزيادة الخير والطاعات ~~وقيل لا تنسبوها إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها ~~فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم ~~وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. قيل: نزلت من ناس كانوا يعملون أعمالا ~~حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فأنزل ms3290 الله فيهم هذه الآية. قوله عز ~~وجل: # ### || [سورة النجم (53): الآيات 33 الى 36] # أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) # أفرأيت الذي تولى نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي صلى الله ~~عليه وسلم على دينه فغيره بعض المشركين وقالوا: أتركت دين الأشياخ وضللت. ~~قال: إني خشيت عذاب الله فضمن له الذي عاتبه إن أعطاه كذا من ماله ورجع إلى ~~الشرك أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى للذي عيره بعض ~~الذي ضمن له من المال ومنعه تمامه فأنزل الله أفرأيت الذي تولى يعني أدبر ~~وأعرض عن الإيمان وأعطى يعني لصاحبه الذي عيره قليلا وأكدى أي بخل بالباقي. ~~وقيل: أعطى قليلا يعني من الخير بلسانه وأكدى يعني قطعه وأمسك ولم يعم ~~بالعطية. # وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بعض الأمور. # وقيل: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم ~~الأخلاق فذلك قوله: وأعطى # PageV04P212 # قليلا وأكدى يعني لم يؤمن به ومعنى الآية أكدى يعني قطع وأصله من الكدية ~~وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر أعنده علم الغيب فهو يرى أي ما غاب ~~عنه يعني أن صاحبه يتحمل عنه عذابه أم لم ينبأ يعني يخبر بما في صحف موسى ~~يعني أسفار التوراة. # ### || [سورة النجم (53): الآيات 37 الى 41] # وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) # وإبراهيم يعني ويخبر بما في صحف إبراهيم الذي وفى يعني كمل وتمم مما أمر ~~به وقيل: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه وقيل وفي فرض عليه وقيل ~~قام بذبح ولده وقيل استكمل الطاعة. وقيل: وفي بما فرض عليه في سهام الإسلام ~~وهو قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن والتوفية الإتمام. وقيل: # وفي شأن ms3291 المناسك. وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إبراهيم الذي وفي عمله كل يوم بأربع ركعات أول النهار. # عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك ~~وتعالى أنه قال «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» ~~أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب ثم بين ما في صحفهما فقال تعالى: ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى. والمعنى: لا تؤخذ ~~نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه ~~الإثم. وقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره كان الرجل ~~يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده حتى كان إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله تعالى: ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى أي عمل وهذا في صحف إبراهيم وموسى أيضا قال ابن ~~عباس هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى: ألحقنا بهم ذريتهم فأدخل ~~الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقيل كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى فأما هذه ~~الأمة فلها ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما روي عن ابن عباس «أن امرأة رفعت ~~صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج؟ قال نعم ولك أجرا» أخرجه مسلم وعنه ~~«أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت ~~عنها؟ قال نعم». # وفي رواية أن سعد بن عبادة أخا بني سعد وذكر نحوه وأخرجه البخاري وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: # «إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي افتلتت نفسها وأظنها ~~لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم.» أخرجاه في الصحيحين. ~~وفي حديث ابن عباس دليل لمذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حج ~~الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام بل يقع تطوعا. ms3292 ~~وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه وإنما يكون ذلك تمرينا للعبادة. وفي الحديثين ~~الآخرين دليل على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها. وهو إجماع ~~العلماء. # وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك ويصح ~~الحج عن الميت حجة الإسلام وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي ~~واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم فالراجع جوازه عنه للأحاديث ~~الصحيحة فيه والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. ~~وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها. وبه قال أحمد بن حنبل وأما الصلوات ~~وسائر التطوعات فلا يصله عند الشافعي والجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب ~~الجميع والله أعلم. # وقيل: أراد بالإنسان الكافر. والمعنى: ليس له من الخير إلا ما عمل هو ~~فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له ~~في الآخرة خير وروي أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان أعطى # PageV04P213 # العباس قميصا ألبسه إياه فلما مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قميصه ليكفن فيه فلم يبق له في الآخرة حسنة يثاب عليها. وقيل: ليس للإنسان ~~إلا ما سعى هو من باب العدل فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء ~~من فضله وكرمه وأن سعيه سوف يرى أي يراه في ميزانه يوم القيامة وفيه بشارة ~~للمؤمن وذلك أن الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر ~~بأعماله الفاسدة فيزداد غما ثم يجزاه أي السعي الجزاء الأوفى أي الأتم ~~والأكمل. والمعنى: أن الإنسان يجزى جزاء سعيه الجزاء الأوفى. قوله عز وجل: # ### || [سورة النجم (53): الآيات 42 الى 47] # وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا ~~(44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) # وأن عليه النشأة الأخرى (47) # وأن إلى ربك المنتهى أي إليه منتهى الخلق ومصيرهم إليه في الآخرة وهو ~~مجازيهم بأعمالهم وفي المخاطب بهذا وجهان أحدهما أنه عام تقديره وأن إلى ~~ربك أيها السامع ms3293 أو العاقل كائنا من كان المنتهى فهو تهديد بليغ للمسيء وحث ~~شديد للمحسن ليقلع المسيء عن إساءته ويزداد المحسن في إحسانه الوجه الثاني ~~أن المخاطب بهذا النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا، ففيه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. والمعنى: لا تحزن فإن إلى ربك المنتهى. وقيل. في معنى ~~الآية: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال. وروى البغوي بإسناد الثعلبي ~~عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأن إلى ربك المنتهى ~~قال لا فكرة في الرب. # وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في ~~الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة». ومعناه: لا فكرة في الرب أي انتهى الأمر ~~إليه لأنك إذا نظرت إلى سائر الموجودات الممكنة علمت أن لا بد لها من موجد ~~وإذا علمت أن موجدها هو الله تعالى فقد انتهى الأمر إليه فهو إشارة إلى ~~وجوده ووحدانيته سبحانه وتعالى: وأنه هو أضحك وأبكى أي هو القادر على إيجاد ~~الضدين في محل واحد الضحك والبكاء ففيه دليل على أن جميع ما يعمله الإنسان ~~فبقضاء الله وقدره وخلقه حتى الضحك والبكاء وقيل أضحك أهل الجنة في الجنة ~~وأبكى أهل النار في النار قيل أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر ~~وقيل: أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء عن جابر بن ~~سمرة قال «جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة وكان أصحابه ~~يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم ~~إذا ضحكوا» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. # وفي رواية سماك بن حرب: فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وسئل ابن عمر: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل (ق). # عن أنس قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ~~فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ms3294 كثيرا فغطى أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين» وهو بالخاء المعجمة أي بكاء مع صوت ~~يخرج من الأنف وأنه هو أمات وأحيا أي أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: ~~أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: # أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى أي من كل حيوان وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة ~~فيخلق بعضها ذكرا وبعضها أنثى وهذا شيء لا يصل إليه فهم العقلاء ولا ~~يعلمونه وإنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه لا بفعل الطبيعة من نطفة إذا تمنى ~~أي تصب في الرحم. وقيل: # تقدر. وفي هذا تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق الله منها ~~أعضاء مختلفة وطباعا متباينة وخلق منها الذكر والأنثى وهذا من عجيب صنعته ~~وكمال قدرته ولهذا لم يؤكده بقوله وأنه هو خلق لأنه لم يدع أحد إيجاد نفسه ~~ولا خلقها ولا خلق غيره كما لم يقدر أحد أن يدعي خلق السموات والأرض وأن ~~عليه النشأة # PageV04P214 # الأخرى أي الخلق الثاني بعد الموت للبعث يوم القيامة. ### || [سورة النجم (53): الآيات 48 الى 56] # وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى ~~(50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) # والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا ~~نذير من النذر الأولى (56) # وأنه هو أغنى وأقنى أي أغنى الناس بالأموال وأعطى القنية وهي أصول ~~الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. وقيل: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال ~~وما يدخرونه بعد الكفاية. وأقنى: بالإبل والبقر والغنم. # وقيل: أقنى أي أخدم. # وقال ابن عباس: أغنى وأقنى، أي أعطى فأرضى. وقيل: أغنى يعني رفع حاجته ~~ولم يتركه محتاجا إلى شيء لأن الغنى ضد الفقر، وأقنى: أي زاد فوق الغنى ~~وأنه هو رب الشعرى أي أنه رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد الشعرى وأول من سن ~~لهم ذلك الرجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها وقال: لأن النجوم تقطع ~~السماء عرضا والشعرى تقطعها طولا ms3295 فهي مخالفة لها فعبدها وعبدتها خزاعة فلما ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي ~~كبشة تشبيها له في خلافه إياهم كما خالفهم أبو كبشة وعبد الشعرى وهو كوكب ~~يضيء خلف الجوازء ويسمى كلب الجبار أيضا وهما اثنتان: يمانية وشامية يقال ~~لإحداهما العبور والأخرى الغميصاء. سميت بذلك لأنها أخفى من العبور والمجرة ~~بينهما. وأراد بالشعرى هنا العبور وأنه أهلك عادا الأولى وهم قوم هود ~~أهلكوا بريح صرصر وكان لهم عقب فكانوا عادا أخرى وقيل: الأخرى إرم. وقيل: # الأولى يعني أول الخلق هلاكا بعد قوم نوح وثمود وهم قوم صالح أهلكهم الله ~~بالصيحة فما أبقى يعني منهم أحدا وقوم نوح من قبل يعني أهلك قوم نوح من قبل ~~عاد وثمود بالغرق إنهم كانوا هم أظلم وأطغى يعني لطول دعوة نوح إياهم ~~وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب والمؤتفكة يعني قرى قوم لوط أهوى أي ~~أسقط وذلك أن جبريل رفعها إلى السماء ثم أهوى بها فغشاها أي ألبسها الله ما ~~غشى يعني الحجارة المنضودة المسومة فبأي آلاء ربك تتمارى أي تشك أيها ~~الإنسان. وقيل: أراد الوليد بن المغيرة. قال ابن عباس: تتمارى أي تكذب هذا ~~نذير يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من النذر الأولى أي رسول من الرسل ~~المتقدمة أرسل إليكم كما أرسلت الرسل إلى قومهم وقيل: أنذر محمد كما أنذرت ~~الرسل من قبله. ### || [سورة النجم (53): الآيات 57 الى 62] # أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون ~~(59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) # فاسجدوا لله واعبدوا (62) # أزفت الآزفة أي قربت القيامة واقتربت الساعة ليس لها من دون الله كاشفة ~~أي مظهرة ومبينة متى تقوم. وقيل: معناه ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا ~~وقعت إلا الله غير أنه لا يكشفها. وقيل: الكاشفة مصدر بمعنى الكشف ~~كالعافية. والمعنى: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. وقيل: معناه ليس لها رد ~~يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد. # قوله تعالى: ms3296 أفمن هذا الحديث يعني القرآن تعجبون تنكرون وتضحكون أي ~~استهزاء ولا تبكون أي مما فيه من الوعيد وأنتم سامدون أي لاهون غافلون قاله ~~ابن عباس. وعنه، أن السمود هو الغناء بلغة أهل اليمن وكانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا. ولعبوا وأصل السمود في اللغة، رفع الرأس، مأخوذ، من سمد ~~البعير إذا رفع رأسه وجد في سيره والسامد اللاهي والمعنى. وقيل: معناه ~~أشرون بطرون. وقال مجاهد: غضاب # PageV04P215 # مبرطمون قيل له: وما البرطمة؟ قال: الإعراض فاسجدوا لله يعني أيها ~~المؤمنون شكرا على الهداية. وقيل: # هذا محمول على سجود التلاوة. وقيل: على سجود الفرض في الصلاة واعبدوا أي ~~اعبدوا الله وإنما قال: # واعبدوا، إما لكونه معلوما، وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ~~تعالى (ق) عن عبد الله بن مسعود: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصباء أو ~~تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا قال عبد الله فلقد رأيته بعد قتل ~~كافر» زاد البخاري في رواية له قال: «أول سورة نزلت فيها سجدة النجم وذكره» ~~وقال في آخره وهو «أمية بن خلف» (خ). # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه ~~المسلمون والمشركون والجن والإنس (ق) عن زيد بن ثابت قال: «قرأت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها» ففي هذا الحديث دليل على أن ~~سجود التلاوة غير واجب وهو قول الشافعي وأحمد وقال عمر بن الخطاب: إن الله ~~لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وذهب قوم إلى وجوبها على القارئ والمستمع وهو ~~قول سفيان وأصحاب الرأي والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P216 ### | سورة القمر # (مكية وهي خمس وخمسون آية وثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة وألف وأربعمائة ~~وثلاثون وعشرون حرفا) بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة القمر (54): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~(2) وكذبوا واتبعوا ms3297 أهواءهم وكل أمر مستقر (3) # قوله عز وجل: اقتربت الساعة أي دنت القيامة وانشق القمر قيل: فيه تقديم ~~وتأخير تقديره انشق القمر واقتربت الساعة وانشقاق القمر من آيات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الظاهرة ومعجزاته يدل عليه ما روي عن أنس: «أن أهل مكة ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر ~~مرتين». # أخرجه البخاري ومسلم. وزاد الترمذي فنزلت اقتربت الساعة وانشق القمر إلى ~~قوله سحر مستمر ولهما عن ابن مسعود. قال: «انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا» وفي ~~رواية أخرى قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق ~~القمر فلقتين، فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه. فقال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «اشهدوا» ولهما عن ابن عباس قال: «إن القمر انشق في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» (م) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «انشق القمر ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة ~~فوق الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا» وعن جبير بن مطعم ~~قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فقالت ~~قريش سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس ~~كلهم» أخرجه الترمذي وزاد غيره فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد ~~رأوه فيكذبونهم. # قال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. وروى مسروق عن عبد الله بن ~~مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: ~~سحركم ابن أبي كبشة فسألوا السفارة فقالوا: نعم. قد رأيناه فأنزل الله ~~تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر. فهذه الأحاديث الصحيحة قد وردت بهذه المعجزة ~~العظيمة، مع شهادة القرآن المجيد بذلك فإنه أدل دليل وأقوى مثبت له وإمكانه ~~لا يشك فيه مؤمن وقد أخبر عنه الصادق فيجب الإيمان به واعتقاد ms3298 وقوعه. # وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح صحيح مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها ~~بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة وذلك لما أعمى الله قلبه ولا إنكار ~~للعقل فيها لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره ~~في آخر أمره. فأما قول بعض الملاحدة لو وقع هذا النقل متواترا واشترك أهل ~~الأرض كلهم في رؤيتهم له ومعرفته ولم يختص بها أهل مكة فأجاب العلماء عن ~~هذا بأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة ~~وهم مغطون بثيابهم فقل من يتفكر في السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ # PageV04P217 # النادر. ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء في ~~الليل من العجائب والأنوار والطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا يتحدث ~~به إلا آحاد الناس ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرناه من غفلة الناس. وكان ~~هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها، فلم ~~يتأهب غيرهم لها. قال العلماء: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري ~~والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن ~~قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم وقيل في معنى الآية ينشق ~~القمر يوم القيامة وهذا قول باطل لا يصح وشاذ لا يثبت لإجماع المفسرين على ~~خلافه ولأن الله ذكره بلفظ الماضي وحمل الماضي على المستقبل بعيد يفتقر إلى ~~قرينة تنقله أو دليل يدل عليه وفي قوله تعالى: وإن يروا آية يعرضوا دليل ~~على وجود هذه الآية العظيمة وقد كان ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى: وإن يروا آية أي تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالآية هنا انشقاق القمر يعرضوا أي عن التصديق بها ويقولوا سحر ~~مستمر أي دائم مضطرد. # وكل شيء دام حاله قيل فيه: مستمر. # وذلك لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات فقالوا هذا سحر مستمر: وقيل ~~مستمر أي قوي محكم شديد بعلوه ms3299 يعلو كل سحر. # قيل: مستمر أي ذاهب سوف يبطل ويذهب ولا يبقى وإنما قالوا ذلك تمنية ~~لأنفسهم وتعليلا وكذبوا يعني النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة ~~الله واتبعوا أهواءهم أي ما زين لهم الشيطان من الباطل وقيل: هو قولهم إنه ~~سحر القمر وكل أمر مستقر أي لكل أمر حقيقة فما كان منه في الدنيا فسيظهر ~~وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقيل: كل أمر مستقر. فالخير مستقر بأهله في ~~الجنة، والشر مستقر بأهله في النار، وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين ~~حين يعرفون حقيقته بالثواب أو العقاب. وقيل: معناه لكل حديث منتهى. وقيل: ~~ما قدر فهو كائن وواقع لا محالة. وقيل: هو جواب قولهم سحر مستمر يعني ليس ~~أمره بذاهب كما زعمتم بل كل أمر من أموره مستقر وإن أمر محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سيظهر إلى غاية يتبين فيها أنه حق. # ### || [سورة القمر (54): الآيات 4 الى 7] # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) ~~فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر (7) # ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي من أخبار الأمم الماضية المكذبة ~~في القرآن ما فيه مزدجر أي منتهى وموعظة حكمة بالغة يعني القرآن حكمة تامة ~~قد بلغت الغاية فما تغن النذر يعني أي غنى تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم ~~فتول عنهم أي أعرض عنهم نسختها آية القتال يوم يدع الداع أي اذكر يا محمد ~~يوم يدع الداعي وهو إسرافيل ينفخ في الصور قائما على صخرة بيت المقدس إلى ~~شيء نكر أي منكر فظيع لم يروا مثله، فينكرونه استعظاما له خشعا وقرئ خاشعا ~~أبصارهم أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب يخرجون من الأجداث يعني من القبور ~~كأنهم جراد منتشر مثل في كثرتهم وتموج بعضهم في بعض حيارى فزعين. ### || [سورة القمر (54): الآيات 8 الى 14] # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح ~~فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون ms3300 وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ~~ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر (12) # وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) # PageV04P218 # مهطعين مسرعين مادي أعناقهم مقبلين إلى الداع يعني إلى صوت الداعي وهو ~~إسرافيل وقيل ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم يقول الكافرون هذا يوم عسر أي ~~صعب شديد وفيه إشارة إلى أن ذلك اليوم يوم شديد على الكافرين لا على ~~المؤمنين. # قوله تعالى: كذبت قبلهم أي قبل أهل مكة قوم نوح فكذبوا عبدنا يعني نوحا ~~وقالوا مجنون وازدجر أي زجروه على دعوته ومقالته بالشم والوعيد بقولهم لئن ~~لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين فدعا يعني نوحا ربه وقال أني مغلوب أي ~~مقهور فانتصر أي فانتقم لي منهم ففتحنا أبواب السماء قيل هو على ظاهره ~~وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا يستبعد ذلك لأنه قد صح في الحديث أن للسماء ~~أبوابا. وقيل: هو على الاستعارة، فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب بماء ~~منهمر أي منصب انصبابا شديدا لم ينقطع أربعين يوما وفجرنا الأرض عيونا أي ~~وجعلنا الأرض كلها عيونا تسيل بالماء فالتقى الماء يعني ماء السماء وماء ~~الأرض على أمر قد قدر أي قضى عليهم في أم الكتاب. # وقيل قدر الله أن يكون الماءان سواء فكانا على ما قدر وحملناه يعني نوحا ~~على ذات ألواح يعني سفينة ذات ألواح. وأراد بالألواح، خشب السفينة العريضة. ~~ودسر هي المسامير التي تشد بها الألواح وقيل الدسر صدر السفينة. وقيل: هي ~~عوارض السفينة وأضلاعها. # وقيل: الألواح: جانبا السفينة، والدسر: أصلها وطرفاها. تجري يعني السفينة ~~بأعيننا يعني بمرأى منا. وقيل: بحفظنا. وقيل: بأمرنا جزاء لمن كان كفر يعني ~~فعلنا ذلك به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لنوح لأنه كان كفر به ~~وجحد أمره. وقيل لمن بمعنى لما أي جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه ~~عند الذين أغرقهم. وقيل: جزاء لما صنع بنوح وأصحابه. # ### || [سورة القمر (54): الآيات 15 الى 24] # ولقد تركناها ms3301 آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) # تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا ~~منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) # ولقد تركناها آية يعني الفعلة التي فعلنا بهم آية يعتبر بها. وقيل: أراد ~~السفينة. قال قتادة: أبقاها الله تعالى بأرض الجزيرة عبرة حتى نظر إليها ~~أوائل هذه الأمة فهل من مدكر يعني متذكر معتبر متعظ خائف مثل عقوبتهم (ق) ~~عن ابن مسعود قال «قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكر فردها علي» ~~وفي رواية أخرى «سمعته يقرؤها فهل من مدكر دالا» فكيف كان عذابي ونذر يعني ~~إنذاري ولقد يسرنا القرآن يعني سهلنا القرآن للذكر يعني ليتذكر ويعتبر به ~~قال سعيد بن جبير يسرناه للحفظ والقراءة وليس شيء من كتب الله تعالى يقرأ ~~كله ظاهرا إلا القرآن فهل من مدكر يعني متعظ بمواعظه وفيه الحث على تعليم ~~القرآن والاشتغال به لأنه قد يسره الله وسهله على من يشاء من عباده بحيث ~~يسهل حفظه للصغير والكبير والعربي والعجمي وغيرهم. # قوله تعالى: كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر أي إنذاري لهم بالعذاب إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا أي شديدة الهبوب في يوم نحس أي يوم شؤم مستمر أي ~~دائم الشؤم استمر على جميعهم بنحو سنة فلم يبق منهم أحد إلا هلك فيه. # وقيل: كان ذلك اليوم يوم الأربعاء في آخر الشهر تنزع الناس أي الريح ~~تقلعهم ثم ترمي بهم على # PageV04P219 # رؤوسهم فتدق رقابهم. قيل: كانت تنزعهم من حفرهم كأنهم أعجاز نخل قال ابن ~~عباس: أصول نخل منقعر أي منقطع من مكانه ساقط على الأرض. قيل: كانت الريح ~~تبين رؤوسهم من أجسامهم فتبقي أجسامهم بلا رؤوس كعجز النخلة الملقاة فكيف ~~كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت ثمود ms3302 بالنذر أي ~~بالإنذار الذي جاء به صالح فقالوا أبشرا منا واحدا يعني آدميا واحدا منا ~~نتبعه أي ونحن جماعة كثيرون إنا إذا لفي ضلال أي خطأ وذهاب عن الصواب وسعر ~~قال ابن عباس: عذاب. وقيل: شدة عذاب وقيل إنا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من ~~طاعته. وقيل: لفي جنون. وقيل: لفي بعد عن الحق. # ### || [سورة القمر (54): الآيات 25 الى 31] # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب ~~الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) # فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) # أألقي الذكر عليه يعني أأنزل الوحي عليه من بيننا بل هو كذاب أشر أي بطر ~~متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة سيعلمون غدا أي حين ينزل بهم ~~العذاب. وقيل: يعني يوم القيامة وإنما ذكر الغد للتقريب من الكذاب الأشر أي ~~صالح أم من كذبه إنا مرسلوا الناقة أي باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي ~~سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة حمراء ناقة ~~عشراء فقال الله تعالى إنا مرسلو الناقة فتنة أي محنة واختبارا لهم ~~فارتقبهم أي فانتظر ما هم صانعون واصطبر أي على أذاهم ونبئهم أي أخبرهم أن ~~الماء قسمة بينهم أي بين الناقة وبينهم لها يوم ولهم يوم وإنما قال تعالى ~~بينهم تغليبا للعقلاء كل شرب أي نصيب من الماء محتضر أي يحضره من كانت ~~نوبته فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها وإذا كان يومهم حضروا شربهم. وقيل: ~~يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة فإذا جاءت حضروا اللبن فنادوا صاحبهم ~~يعني قدار بن سالف فتعاطى أي فتناول الناقة بسيفه فعقر يعني الناقة فكيف ~~كان عذابي ونذر ثم بين عذابهم فقال تعالى: إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ~~يعني صيحة جبريل فكانوا كهشيم المحتظر قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو ~~الرجل يحظر لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون السباع ms3303 فما سقط من ذلك فداسته ~~الغنم فهو الهشيم. وقيل: هو الشجر البالي الذي يهشم حين تذروه الرياح. # والمعنى: أنهم صاروا كيبيس الشجر إذا بلي وتحطم وقيل كالعظام النخرة ~~المحترقة وقيل هو التراب يتناثر من الحائط. ### || [سورة القمر (54): الآيات 32 الى 42] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا ~~أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي ~~من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم ~~بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر (40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) # كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر. # قوله تعالى: كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا يعني الحصباء ~~وهي الحجارة التي دون ملء الكف وقد يكون الحاصب الرامي، فعلى هذا، يكون ~~المعنى إنا أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم أي يرميهم بالحجارة ثم استثنى. # PageV04P220 # فقال تعالى: إلا آل لوط يعني لوطا وابنتيه نجيناهم يعني من العذاب بسحر ~~نعمة من عندنا أي جعلناه نعمة منا عليهم حيث نجيناهم كذلك نجزي أي كما ~~أنعمنا على آل لوط كذلك نجزي من شكر يعني أن من وحد الله لم يعذبه مع ~~المشركين ولقد أنذرهم أي لوط بطشتنا يعني أخذنا إياهم بالعقوبة فتماروا ~~بالنذر أي شكوا بالإنذار ولم يصدقوا وكذبوا ولقد راودوه عن ضيفه أي طلبوا ~~منه أن يسلم إليهم أضيافه فطمسنا أعينهم وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط ~~عالجوا الباب ليدخلوا عليهم فقالت الرسل للوط خل بينهم وبين الدخول فإنا ~~رسل ربك لن يصلوا إليك فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه فتركهم عميا بإذن ~~الله يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب وأخرجهم لوط عميا لا يبصرون. # ومعنى: فطمسنا أعينهم، يعني صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شق. وقيل: ~~طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل فقالوا لقد رأيناهم حين دخلوا فأين ذهبوا؟ ~~فلم يروهم فذوقوا عذابي ونذر يعني ما ms3304 أنذركم به لوط من العذاب ولقد صبحهم ~~بكرة أي جاءهم وقت الصبح عذاب مستقر يعني دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى ~~عذاب الآخرة فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قوله ~~عز وجل: ولقد جاء آل فرعون النذر يعني موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام. ~~وقيل: النذر، الآيات التي أنذرهم بها موسى كذبوا بآياتنا كلها يعني الآيات ~~التسع فأخذناهم يعني بالعذاب أخذ عزيز مقتدر يعني غالب في انتقامه قادر على ~~إهلاكهم لا يعجزه عما أراد ثم خوف كفار مكة فقال تعالى: # ### || [سورة القمر (54): الآيات 43 الى 48] # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع ~~منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) # أكفاركم خير من أولئكم يعني أقوى وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي مثل قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون وهذا استفهام إنكار، أي، ليسوا بأقوى ~~منهم أم لكم براءة # يعني من العذاب في الزبر أي في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم ~~الخالية أم يقولون يعني كفار مكة نحن جميع يعني أمرنا منتصر يعني من ~~أعدائنا والمعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منصرون ممن عادانا. ولم يقل ~~منصرون لموافقة رؤوس الآي. وقيل: معناه نحن كل واحد منا منتصر كما يقال: ~~كلهم عالم، يعني: كل واحد منهم عالم. قال الله تعالى: سيهزم الجمع يعني ~~كفار مكة ويولون الدبر يعني الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي. # وقيل في الإفراد، إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة، فلا ~~يتخلف أحد عن الهزيمة ولا يثبت أحد للزحف فهم في ذلك كرجل واحد (خ). # عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة يوم بدر ~~«اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد هذا اليوم أبدا فأخذ ~~أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ms3305 فقد ألححت على ربك فخرج وهو في الدرع ~~وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر» بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ~~فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر. # وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما نزلت سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر، رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر فعلمت تأويلها ~~بل الساعة موعدهم يعني جميعا والساعة أدهى وأمر، أي أعظم داهية وأشد مرارة ~~من الأسر والقتل يوم بدر. # PageV04P221 # قوله عز وجل: إن المجرمين يعني المشركين في ضلال وسعر قيل في بعد عن الحق ~~وسعر أي نار تسعر عليهم. # وقيل: في ضلال في الدنيا ونار مسعرة في الآخرة. وقيل: في ضلال، أي عن ~~طريق الجنة وسعر أي عذاب الآخرة ثم بين عذابهم فقال تعالى: يوم يسحبون أي ~~يجرون في النار على وجوههم ويقال لهم ذوقوا مس سقر أي ذوقوا أيها المكذبون ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر. # ### || [سورة القمر (54): الآيات 49 الى 51] # إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد ~~أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) # إنا كل شيء خلقناه بقدر أي مقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه ~~قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس: كل شيء بقدر ~~حتى وضعك يدك على خدك. # (فصل في سبب نزول الآية وما ورد في القدر وما قيل فيه) (م) «عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله ~~مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» قال وعرشه ~~على الماء (م). # عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية إن المجرمين في ضلال وسعر إلى قوله إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر (م) عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى ms3306 ~~الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر الله تعالى قال: وسمعت عبد الله بن عمر ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو ~~الكيس والعجز». # عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن عبد ~~حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» أخرجه ~~الترمذي. وله عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن عبد ~~حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه ~~لم يكن ليصيبه» وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون ~~وهو منكر الحديث. وفي حديث جبريل المتفق عليه: وتؤمن بالقدر خيره وشره. ~~قال: صدقت ففيه ذم القدرية. # عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة مجوس ومجوس ~~هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم ~~فلا تعودوه وهم من شيعة الدجال وحق على الله أن يلحقهم بالدجال». # أخرجه أبو داود وله عن أبي هريرة مثله «وزاد فلا تجالسوهم ولا تفاتحوهم ~~في الكلام». # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صنفان من أمتي ليس ~~لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ~~غريب. # وروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا ~~فينادي نداء يسمعه الأولون والآخرون أي خصماء الله فتقوم القدرية فيأمر بهم ~~إلى النار يقول الله ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر». # قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله، لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن ~~يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن قال: والله لو أن ~~قدريا ms3307 صام حتى يصير كالحبل، وصلى حتى يصير كالوتر، # PageV04P222 # ثم أخذ ظلما حتى يذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر ثم ~~قيل له ذق مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر. قال الشيخ محيي الدين النووي ~~رحمه الله اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أن الله تعالى قدر ~~الأشياء في القدم وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ~~سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسن ما قدرها الله تعالى ~~وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها ~~وإنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها وكذبوا على ~~الله سبحانه وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة ~~قدرية، لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت ~~القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة ~~عليه. وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ولكن تقول ~~الخير من الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # وحكى أبو محمد بن قتيبة في كتابه غريب الحديث، وأبو المعالي إمام الحرمين ~~في كتابه الإرشاد في أصول الدين، أن بعض القدرية قالوا: لسنا بقدرية بل ~~أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر. قال ابن قتيبة وإمام الحرمين: هذا ~~تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهته وتواقح، فإن أهل الحق يفرضون أمورهم إلى ~~الله تعالى. # ويضيفون القدر والأفعال إلى الله تعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ~~ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره ~~وينفيه عن نفسه. # قال إمام الحرمين: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القدرية مجوس ~~هذه الأمة» شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس ~~فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن. ولا خفاء باختصاص هذا الحديث ~~بالقدرية. وحديث: القدرية مجوس هذه الأمة، رواه أبو حازم عن ابن عمر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد ms3308 ~~الله في المستدرك على الصحيحين. وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي ~~حازم عن ابن عمر وقال الخطابي: إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا ~~لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس لقولهم بالأصلين: النور والظلمة يزعمون أن ~~الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون ~~الخير إلى الله والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق كل شيء الخير ~~والشر جميعا لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى ~~خلقا وإيجادا وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا. قال الخطابي: وقد ~~يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله تعالى العبد وقهره ~~على ما قدره وقضاه وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم ~~علم الله تعالى بما يكون من اكساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها ~~خيرها وشرها. قال: والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر. ويقال: # قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه ~~الخلق كقوله تعالى: فقضاهن سبع سماوات أي خلقهن. وقد تظاهرت الأدلة القطعية ~~من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل العقد والحل من السلف والخلف على ~~إثبات قدر الله سبحانه وتعالى وقد قرر ذلك أئمة المتكلمين أحسن تقرير ~~بدلائله القطعية السمعية والعقلية والله أعلم. # وأما معاني الأحاديث المتقدمة، فقوله: جاء مشركو قريش إلى قوله إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدره الله وقضاه ~~وسبق به علمه وإرادته فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله تعالى مراد له، ~~وكذلك قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة وعرشه على الماء المراد منه تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو ~~غيره لا أصل القدر فإن ذلك أزلي لا أول له وقوله وعرشه على الماء أي قبل أن ~~يخلق السموات والأرض، وقوله: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس. أو قال: الكيس # PageV04P223 # والعجز. العجز: عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله بالتسويف به ms3309 ~~وتأخيره عن وقته. وقيل: يحتمل العجز عن الطاعات ويحتمل العموم في أمور ~~الدنيا والآخرة والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور. # ومعنى الحديث: أن العاجز قدر عجزه والكيس قدر كيسه. # قوله تعالى: وما أمرنا إلا واحدة أي وما أمرنا إلا مرة واحدة وقيل معناه ~~وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة كن فيكون لا مراجعة فيه ~~فعلى هذا إذا أراد الله سبحانه وتعالى شيئا قال له كن فيكون فهنا بان فرق ~~بين الإرادة والقول فالإرادة قدر والقول قضاء وقوله واحدة فيه بيان أنه لا ~~حاجة إلى تكرير القول بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر كلمح البصر قال ابن عباس: ~~يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وعن ابن عباس أيضا: معناه وما ~~أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر ولقد أهلكنا أشياعكم أي ~~أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة فهل من مدكر أي متعظ بأن ذلك ~~حق فيخاف ويعتبر. ### || [سورة القمر (54): الآيات 52 الى 55] # وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في ~~جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # وكل شيء فعلوه يعني الأشياع من خير وشر في الزبر أي في كتب الحفظة وقيل ~~في اللوح المحفوظ وكل صغير وكبير أي من الخلق وأعمالهم وآجالهم مستطر أي ~~مكتوب. # قوله عز وجل: إن المتقين في جنات أي بساتين ونهر أي أنهار وإنما وحده ~~لموافقة رؤوس الآي وأراد أنها الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. # وقيل: معناه في ضياء وسعة ومنه النهار والمعنى لا ليل عندهم في مقعد صدق ~~أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وقيل في مجلس حسن وقيل في مقعد لا كذب ~~فيه لأن الله صادق فمن وصل إليه امتنع عليه الكذب فهو في مقعد صدق عند مليك ~~قيل معناه قرب المنزلة والتشريف لا معنى المكان مقتدر أي قادر لا يعجزه شيء ~~وقيل مقربين عند مليك أمره في الملك والاقتدار أعظم شيء، فلا شيء إلا وهو ms3310 ~~تحت ملكه وقدرته فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة ~~بأسرها. قال جعفر الصادق: وصف الله تعالى المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا ~~أهل الصدق، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # تم الجزء السادس من تفسير الخازن ويليه الجزء السابع وأوله سورة الرحمن # PageV04P224 ### | سورة الرحمن علا، وعز وجل # (وهي مكية وذكر ابن الجوزي أنها مدنية في قول من قولين عن ابن عباس وهي ~~ست وسبعون آية وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة وألف وستمائة وستة وثلاثون ~~حرفا). # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # قوله عز وجل: الرحمن علم القرآن قيل لما نزلت اسجدوا للرحمن قال كفار مكة ~~وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فأنزل الله الرحمن يعني الذي ~~أنكرتموه هو الذي علم القرآن، وقيل هذا جواب لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه ~~بشر فقال تعالى الرحمن علم القرآن يعني علم محمدا القرآن وقيل علم القرآن ~~يسره للذكر ليحفظ ويتلى وذلك أن الله عز وجل عد نعمه على عباده فقدم أعظمها ~~نعمة وأعلاها رتبة وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي الله إلى أنبيائه ~~وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه وأكثره ذكرا وأحسنه في أبواب الدين أثرا ~~وهو سنام الكتب السماوية المنزلة على أفضل البرية خلق الإنسان يعني آدم ~~عليه الصلاة والسلام قاله ابن عباس علمه البيان يعني أسماء كل شيء وقيل ~~علمه اللغات كلها فكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية وقيل الإنسان ~~اسم جنس وأراد به جميع الناس، فعلى هذا يكون معنى علمه البيان أي النطق ~~الذي يتميز به عن سائر الحيوانات، وقيل علمه الكتابة والفهم والإفهام حتى ~~عرف ما يقول وما يقال له وقيل علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به وقيل أراد ~~بالإنسان محمدا صلى الله عليه وسلم علمه البيان يعني بيان ما يكون وما كان ~~لأنه صلى الله عليه وسلم ينبئ عن خبر الأولين والآخرين وعن يوم الدين، وقيل ~~علمه بيان الأحكام من الحلال والحرام والحدود ms3311 والأحكام. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 5 الى 11] # الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع ~~الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان (9) # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) # الشمس والقمر بحسبان قال ابن عباس يجريان بحساب ومنازل لا يتعديانها وقيل ~~يعني بهما حساب الأوقات والآجال ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر ~~أحد كيف يحسب ما يريد، وقيل الحساب هو الفلك تشبيها بحسبان الرحى وهو ما ~~يدور الحجر بدورانه والنجم والشجر يسجدان قيل النجم ما ليس له ساق من ~~النبات كالبقول والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء وسجودها سجود ظلها وقيل ~~النجم هو الكوكب، وسجوده طلوعه والقول الأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر في ~~مقابلة الشمس والقمر ولأنهما أرضيان في مقابلة سماءين والسماء رفعها أي فوق ~~الأرض ووضع الميزان قيل أراد بالميزان العدل لأنه آلة العدل والمعنى أنه ~~أمر بالعدل يدل عليه قوله ألا تطغوا في الميزان أي لا تجاوزوا العدل وقيل ~~أراد به الآلة التي يوزن بها للتوصل إلى الإنصاف والانتصاف وأصل الوزن ~~التقدير أن لا تطغوا في الميزان أي لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في # PageV04P225 # الميزان وأقيموا الوزن بالقسط يعني بالعدل وقيل أقيموا لسان الميزان ~~بالعدل وقيل الإقامة باليد والقسط بالقلب ولا تخسروا أي لا تنقصوا الميزان ~~أي لا تطففوا في الكيل والوزن أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء ~~وزيادة وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية ~~به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه والأرض وضعها أي خفضها مدحوة على ~~الماء للأنام يعني للخلق الذين بثهم فيها وهو كل ما ظهر عليها من دابة وقيل ~~للإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها فيها يعني في الأرض فاكهة يعني ~~من أنواع الفاكهة وقيل ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى والنخل ذات ~~الأكمام يعني الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف وهو ~~الطلع ما لم ينشق وكل شيء ستر شيئا فهو كم ms3312 وقيل أكمامها ليفها واقتصر على ~~ذكر النخل من بين سائر الشجر لأنه أعظمها وأكثرها بركة. # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 12 الى 15] # والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان ~~من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) # والحب يعني جميع الحبوب التي يقتاب بها كالحنطة والشعير ونحوهما وإنما ~~أخر ذكر الحب على سبيل الارتقاء إلى الأعلى لأن الحب أنفع من النخل وأعم ~~وجودا في الأماكن ذو العصف قال ابن عباس يعني التبن وعنه أنه ورق الزرع ~~الأخضر إذ قطع رؤوسه ويبس وقيل هو ورق كل شيء يخرج منه الحب يبدو صلاحه ولا ~~ورق وهو العصف ثم يكون سوقا ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام ~~الحب والريحان يعني الرزق قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل ريحان في ~~القرآن فهو رزق وقيل هو الريحان الذي يشم، وقيل: # العصف التبن والريحان ثمرته فذكر قوت الناس والأنعام ثم خاطب الجن والإنس ~~فقال تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان يعني أيها الثقلان يريد هذه الأشياء ~~المذكورة وكرر هذه الآية في هذه الصورة في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة ~~وتأكيدا في التذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه وفصل بين كل نعمتين بما ~~ينبههم عليها ليفهمهم النعم ويقررهم بها كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع ~~إليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم ~~تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن حاملا فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا ~~الكلام شائع في كلام العرب حسن تقريرا وذلك لأن الله تعالى ذكر في هذه ~~السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليمه البيان وخلق الشمس ~~والقمر والسماء والأرض إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه وخاطب الجن والإنس ~~فقال فبأي آلاء ربكما تكذبان من الأشياء المذكورة لأنها كلها منعم بها ~~عليكم. عن جابر رضي الله تعالى عنه قال «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال ms3313 لقد ~~قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما أتيت على قوله ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب وفي رواية غيره «كانوا أحسن منكم ردا وفيه ولا ~~بشيء» قوله تعالى: خلق الإنسان من صلصال يعني من طين يابس له صلصلة وهو ~~الصوت منه إذا نقر كالفخار يعني الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. # فإن قلت قد اختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان الذي هو آدم فقال تعالى ~~من تراب وقال من حمإ مسنون وقال من طين لازب وقال من ماء مهين وقال هنا من ~~صلصال كالفخار قلت ليس في هذه العبارات اختلاف بل المعنى متفق وذلك أن الله ~~تعالى خلقه أولا من تراب ثم جعله طينا لازبا لما اختلط بالماء ثم حمأ ~~مسنونا وهو الطين الأسود المنتن فلما يبس صار صلصالا كالفخار وخلق الجان ~~وهو أبو الجن. وقيل هو إبليس من مارج من نار يعني الصافي من لهب النار الذي ~~لا دخان فيه، وقيل هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر ~~الذي يعلو النار إذا أوقدت. # PageV04P226 # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 16 الى 25] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (25) # فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين يعني مشرق الصيف وهو غاية ارتفاع ~~الشمس ومشرق الشتاء وهو غاية انحطاط الشمس. ورب المغربين يعني مغرب الصيف ~~ومغرب الشتاء، وقيل يعني مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرب الشمس ومغرب القمر ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين يعني أرسل البحرين العذب والملح ~~متجاورين متلاقين لا فصل بين الماءين لأن من شأنهما الاختلاط وهو قوله: ~~يلتقيان لكن الله تعالى منعهما عما في طبعهما بالبرزخ وهو قوله: بينهما ~~برزخ أي حاجز من قدرة الله لا يبغيان أي ms3314 لا يبغي أحدهما على صاحبه وقيل لا ~~يختلطان ولا يتغيران وقيل لا يطغيان على الناس بالغرق وقيل مرج البحرين بحر ~~الروم وبحر الهند وأنتم الحاجز بينهما وقيل بحر فارس والروم بينهما برزخ ~~يعني الجزائر وقيل بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان في كل عام فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان يخرج منهما قيل إنما يخرج من البحر الملح دون العذب فهو كقوله ~~وجعل القمر فيهن نورا وقيل أراد يخرج من أحدهما فحذف المضاف وقيل لما التقى ~~البحران فصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرج منهما كما يقال يخرج من ~~البحر ولا يخرج من جميع البحر ولكن من بعضه وقيل يخرج من السماء وماء البحر ~~قيل إذا أمطرت السماء تفتح الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة صارت لؤلؤة ~~على قدر القطرة، وقوله تعالى: اللؤلؤ قيل هو ما عظم من الدر والمرجان صغاره ~~وقيل بعكس ذلك وقيل المرجان هو الخرز الأحمر فبأي آلاء ربكما تكذبان وله ~~الجوار يعني السفن الكبار المنشآت أي المرفوعات التي يرفع خشبها بعضه على ~~بعض وقيل هي ما رفع قلعها من السفن أما ما لم يرفع قلعها فليست من المنشآت ~~وقيل معنى المنشآت المحدثات المخلوقات المسخرات في البحر كالأعلام أي ~~كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل شبه السفن في البحر بالجبل في البر فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 26 الى 31] # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (30) # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) # كل من عليها أي على الأرض من حيوان وإنما ذكره بلفظة من تغليبا للعقلاء ~~فان أي هالك لأن وجود الإنسان في الدنيا عرض فهو غير باق وما ليس بباق فهو ~~فان ففيه الحث على العبادة وصرف الزمن اليسير إلى الطاعة ويبقى وجه ربك ~~يعني ذاته والوجه يعبر به عن الجملة. # وفي المخاطب وجهان أحدهما أنه كل واحد والمعنى ويبقى وجه ربك أيها ~~الإنسان السامع. # والوجه ms3315 الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ذو ~~الجلال أي ذو العظمة والكبرياء ومعناه الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه ~~والإكرام أي المكرم لأنبيائه وأوليائه وجميع خلقه بلطفه وإحسانه إليهم مع ~~جلاله وعظمته فبأي آلاء ربكما تكذبان عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» أخرجه الترمذي وقال الحاكم ~~حديث صحيح الإسناد ومعنى ألظوا الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها. # قوله تعالى: يسئله من في السماوات والأرض يعني من ملك وإنس وجن فلا ~~يستغني عن فضله أهل السموات والأرض قال ابن عباس فأهل السموات يسألونه ~~المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة وقيل كل # PageV04P227 # أحد يسأل الرحمة وما يحتاج إليه في دينه أو دنياه وفيه إشارة إلى كمال ~~قدرة الله تعالى وأن كل مخلوق وإن جل وعظم فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه ~~مفتقر إلى الله تعالى: كل يوم هو في شأن قيل نزلت ردا على اليهود حيث قالوا ~~إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا قال المفسرون من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ~~ويعز قوما ويذل قوما ويشفي مريضا ويمرض صحيحا ويفك عانيا ويفرج عن مكروب ~~ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلا ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في ~~خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال ~~«إن مما خلق الله عز وجل لوحا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور ~~وكتابه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ~~ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله تعالى: كل يوم هو في شأن قال ابن ~~عيينة الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة ~~والشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة أيام الدنيا الاختبار بالأمر والنهي ~~والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب ~~والثواب والعقاب، وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت ~~ومعناه إن الله ms3316 عز وجل كتب ما يكون في كل يوم وقدر ما هو كائن فإذا جاء ذلك ~~الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيوجده في ذلك الوقت وقال أبو سليمان الداراني ~~في هذه الآية له في كل يوم إلى العبيد بر جديد وقيل شأنه تعالى أنه يخرج في ~~كل يوم وليلة ثلاثة عساكر عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وعسكرا ~~من الأرحام إلى الدنيا وعسكرا من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعا إلى ~~الله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان سنفرغ لكم أيه الثقلان قيل هو وعيد من ~~الله تعالى للخلق بالمحاسبة وليس هو فراغ عن شغل لأن الله تعالى لا يشغله ~~شأن عن شأن فهو كقول القائل لمن يريد تهديده لأتفرغن لك وما به شغل وهذا ~~قول ابن عباس وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن وقيل معناه سنقصدكم ~~بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم فهو كقول للقائل الذي لا شغل له قد فرغت ~~لك وقيل معناه أن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور فقال سنفرغ لكم مما ~~وعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم فننجز لكم ما وعدناكم فنتم ذلك ونفرغ ~~منه فهو على طريق المثل وأراد بالثقلين الإنس والجن سميا ثقلين لأنهما ثقلا ~~على الأرض أحياء وأمواتا، وقيل كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» ~~فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما وقال جعفر بن محمد الصادق سمي الإنس والجن ~~ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب. # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 32 الى 35] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) # فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا أي ~~تخرجوا من أقطار السماوات والأرض أي جوانبهما وأطرافهما فانفذوا أي فاخرجوا ~~والمعنى إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض ms3317 ~~فاهربوا واخرجوا منها فحيثما كنتم يدرككم الموت وقيل يقال لهم هذا يوم ~~القيامة والمعنى إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فتعجزوا ~~ربكم حتى لا يقدر عليكم فاخرجوا وقيل معناه إن استطعتم أن تهربوا من قضائي ~~وتخرجوا من ملكي ومن سمائي وأرضي فافعلوا وقدم الجن على الإنس في هذه الآية ~~لأنهم أقدر على النفوذ والهرب من الإنس وأقوى على ذلك ثم قال تعالى: لا ~~تنفذون إلا بسلطان يعني لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر وغلبة وأني لكم ~~ذلك لأنكم حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني وقال ابن عباس معناه إن ~~استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ~~بينة من الله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان وفي الخبر «يحاط على الخلق ~~بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادي» يا معشر # PageV04P228 # الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض الآية فذلك ~~قوله تعالى: يرسل عليكما شواظ من نار قال أكثر المفسرين هو اللهب الذي لا ~~دخان فيه وقيل هو اللهب الأخضر المنقطع من النار ونحاس وقيل هو الدخان وهو ~~رواية عن ابن عباس وقيل هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم وهو الرواية ~~الثانية عن ابن عباس وقال ابن مسعود النحاس المهل وقيل يرسل عليهما هذا مرة ~~وهذا مرة وقيل يجوز أن يرسلا معا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر فلا ~~تنتصران أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون لكم ناصر منه. # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 36 الى 41] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (40) # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) # فبأي آلاء ربكما تكذبان فإذا انشقت السماء أي انفرجت فصارت أبوابا لنزول ~~الملائكة وقيل المراد منه خراب السماء وذلك لما قال كل من عليها فان إشارة ~~إلى أهل الأرض ذكر في هذه الآية بيان حال سكان السماء وقيل فيه تهويل ~~وتعظيم للأمر لأن فيه ms3318 إشارة إلى ما هو أعظم من إرسال الشواظ على الإنس ~~والجن وهو تشقق السماء وذوبانها وهو قوله تعالى: فكانت وردة كالدهان جمع ~~دهن شبه تلون السماء عند انشقاقها بتلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب ~~إلى الحمرة وقيل إن السماء تتلون يومئذ ألوانا كألوان الفرس الورد يكون في ~~الربيع أصفر وفي أول الشتاء أحمر فإذا اشتد البرد صار أغبر فشبه السماء في ~~تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه وقيل كالدهان أي كعصير الزيت لأنه ~~يتلون في الساعة ألوانا وقيل تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصلها حر ~~جهنم وقيل كالدهان أي كالأديم الأحمر فبأي آلاء ربكما تكذبان فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه إنس ولا جان قيل لا يسألون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم لأن الله ~~تعالى علمها منهم وكتبتها الحفظة عليهم وهذه رواية عن ابن بعاس وعنه لا ~~تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفون بسيماهم دليله ما بعده وعن ابن عباس ~~أيضا في الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون # قال لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكنه يسألهم لم ~~عملتم كذا وكذا وقيل إنها مواطن فيسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها وعن ابن ~~عباس أيضا قال لا يسألون سؤال شفقة ورحمة إنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ ~~وقيل لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف ~~المجرمون بسيماهم، يعني بسواد وجوههم وزرقة عيونهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ~~قيل تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ظهره وقيل تجعل رؤوسهم على ~~ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة وقيل يسحب بعضهم بالنواصي وبعضهم ~~بالأقدام ثم يلقون في النار. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 42 الى 46] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) ~~يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان (46) # فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه جهنم أي يقال لهم هذه جهنم ثم يلقون فيها ~~التي يكذب بها المجرمون يعني المشركين ms3319 يطوفون بينها وبين حميم آن يعني قد ~~انتهى حره أي أنهم يسعون بين الحميم وبين الجحيم فإذا استغاثوا من النار ~~جعل عذابهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل وقال كعب الأحبار آن واد من ~~أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى ~~تنخلع أوصالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا فيلقون في النار ~~فذلك قوله تعالى: يطوفون بينها وبين حميم آن فبأي آلاء ربكما # PageV04P229 # تكذبان فإن قلت هذه الأمور المذكورة في هذه الآيات من قوله: كل من عليها ~~فان إلى هنا ليست نعما فكيف عقبها بقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان. # قلت المذكور في هذه الآيات مواعظ وزواجر وتخويف وكل ذلك نعمة من الله ~~تعالى لأنها تزجر العبد عن المعاصي فصارت نعما فحسن ختم كل آية منها بقوله ~~تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه من عباده ~~المؤمنين فقال تعالى: ولمن خاف مقام ربه يعني مقامه بين يدي ربه للحساب ~~فترك الشهوة والمعصية وقيل قيام ربه عليه يعني اطلاعه عليه وهو الذي يهم ~~بالمعصية فيذكر الله واطلاعه عليه فيدعها من مخافة الله وقيل لمن راقب الله ~~في السر والعلانية بعمله فما عرض له من محرم تركه من خشيته وما عمل من خير ~~أخلصه لله ولا يحب أن يطلع عليه أحد قيل إن المؤمنين خافوا ذلك المقام ~~فعملوا لله مع الإخلاص ودأبوا الليل والنهار جنتان يعني جنة عدن وجنة نعيم ~~وقيل جنة بخوفه ربه وجنة بتركه شهوته. # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة ~~الله الجنة» أخرجه الترمذي قوله أدلج الإدلاج مخففا سير أول الليل ومثقلا ~~سير آخر الليل والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أول الأمر ~~فإن من سار أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل وروى البغوي بسنده عن أبي ذر ~~«أنه ms3320 سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان فقلت وإن زنى وإن سرق؟ فقال وإن زنى وإن سرق ثم قال ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان فقلت الثانية وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال وإن زنى ~~وإن سرق ثم قال ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت الثالثة وإن زنى وإن سرق يا ~~رسول الله؟ فقال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر». # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 47 الى 54] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(49) فيهما عينان تجريان (50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) # فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) متكئين على ~~فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) # فبأي آلاء ربكما تكذبان ثم وصف الجنتين فقال تعالى: ذواتا أفنان أي أغصان ~~واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولا وقيل ذواتا ظلال وهو ظل الأغصان على ~~الحيطان، وقال ابن عباس ذواتا ألوان يعني ألوان الفواكه وجمع عطاء بين ~~القولين فقال في كل غصن فنون من الفاكهة وقيل ذواتا فضل وسعة على ما ~~سواهما، فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان قال ابن عباس بالكرامة ~~والزيادة لأهل الجنة وقيل تجريان بالماء الزلال إحداهما التسليم والأخرى ~~السلسبيل وقيل إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان أي صنفان ونوعان وقيل معناه إن ~~فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبا ويابسا قال ابن عباس ما في الدنيا ثمرة ~~حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان متكئين على فرش جمع فراش بطائنها جمع بطانة والتي تلي الأرض من تحت ~~الظهارة من إستبرق وهو ما غلظ من الديباج قال ابن مسعود وأبو هريرة هذه ~~البطائن فما ظنكم بالظهائر وقيل لسعيد بن جبير البطائن من إستبرق فما ~~الظهائر؟ قال هي مما قال الله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ms3321 قرة ~~أعين، وعنه أيضا قال بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد وقال ابن عباس ~~وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر وقيل ~~ظواهرها من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم وهذا يدل على نهاية شرف هذه ~~الفرش لأنه ذكر أن بطائنها من الإستبرق ولا بد أن تكون الظهائر خيرا من ~~البطائن فهو مما لا يعلمه البشر، وجنى الجنتين دان يعني أن ثمرهما قريب ~~يناله القائم والقاعد والنائم وهذا بخلاف ثمر الدنيا # PageV04P230 # فإنها لا تنال إلا بكد وتعب قال ابن عباس تدنو الشجرة حتى يجنيها ولي ~~الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وقيل لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 55 الى 58] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان (56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) # فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن فإن قلت الضمير إلى ماذا يعود؟ # قلت إلى الجنتين وإنما جمع بقوله فيهن لاشتمال الجنتين على مساكن وقصور ~~ومجالس قاصرات الطرف أي غاضات الأعين قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا ينظرن ~~إلى غيرهم ولا يردن سواهم قيل تقول الزوجة لزوجها وعزة ربي ما أرى في الجنة ~~شيئا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك لم يطمثهن أي لم ~~يجامعهن ولم يفرعهن والمعنى لم يدمهن بالجماع وقيل معناه لم يمسهن ومنه قول ~~الفرزدق: # خرجن إلي لم يطمثن قبل ... وهن أصح من بيض النعام # أي لم يمسسني والمعنى لم يطأهن ولم يغشهن إنس قبلهم أي قبل أزواجهن من ~~أهل الجنة، ولا جان قيل إنما نفي الجن لأن لهم أزواجا في الجنة منهم وفي ~~الآية دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي وسئل ضمرة بن حبيب هل للجن ~~ثواب؟ فقال نعم وقرأ هذه الآية ثم قال الإنسيات للإنس والجنيات للجن وقال ~~مجاهد في هذه الآية إذا جامع ولم يسم انطوى الجني على إحليله فجامع معه ~~واختلف في هؤلاء اللواتي لم يطمثن فقيل هن الحور العين ms3322 لأنهن خلقن في الجنة ~~فلم يمسهن أحد قبل أزواجهن وقيل إنهن من نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا ~~كما وصفهن. # لم يمسهن منذ أنشئن خلقا آخر أحد وقيل هن الآدميات اللاتي متن أبكارا ~~ومعنى الآية المبالغة في نفي الطمث عنهن لأن ذلك أقر لأعين أزواجهن إذا لم ~~يغشهن أحد غيرهم فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان أراد صفاء ~~الياقوت في بياض المرجان وهو صغار اللؤلؤ وأشده بياضا وقيل شبه لونهن ببياض ~~اللؤلؤ مع حمرة الياقوت لأن أحسن الألوان البياض المشوب بحمرة والأصح أنه ~~شبههن بالياقوت لصفائه لأنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيت السلك ~~من ظاهره لصفائه وقال عمرو بن ميمون إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين ~~حلة فيرى مخ ساقها من وراء الحلل كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء ~~يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها ~~وذلك لأن الله تعالى يقول كأنهن الياقوت والمرجان فأما الياقوت فإنه حجر لو ~~أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه أخرجه الترمذي قال وقد روي عن ~~ابن مسعود بمعناه ولم يرفعه وهو أصح (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر ~~زاد في رواية ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون ~~فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب ومجامرهم ~~الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من ~~الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة ~~وعشيا، وللبخاري قلوبهم على قلب رجل واحد وزاد فيه ولا يسقمون قوله مجامرهم ~~الألوة يعني بخورهم العود. # PageV04P231 # ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 59 الى 66] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ms3323 ~~ربكما تكذبان (61) ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) # مدهامتان (64) فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) # فبأي آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان أي ما جزاء من أحسن ~~في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة وقال ابن عباس هل جزاء من قال لا إله ~~إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. روى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ثم قال هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا ~~الله ورسوله أعلم قال يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة، وروى ~~الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال في هذه الآية يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي ~~إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي، وقيل في معنى الآية هل جزاء من أتى ~~بالفعل الحسن إلا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن وفي الآية إشارة إلى رفع ~~التكليف في الآخرة لأن الله وعد المؤمنين بالإحسان وهو الجنة فلو بقي ~~التكليف في الآخرة وتركه العبد لاستحق العقاب على ترك العمل والعقاب ترك ~~الإحسان إليه فلا تكليف فبأي آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما جنتان أي ومن ~~دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان وقال ابن عباس من دونهما في الدرج وقيل ~~في الفضل وقال أبو موسى الأشعري جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة ~~للتابعين وقال ابن جريج هن أربع جنان: جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل ~~فاكهة زوجان وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ورمان، (ق) ~~عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جنتان ~~من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم ~~وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وقال ~~الكناني ومن دونهما جنتان ms3324 يعني أمامهما وقبلهما يدل عليه قول الضحاك ~~الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والجنتان الأخريان من ياقوت وزبرجد وهما أفضل ~~من الأوليين فبأي آلاء ربكما تكذبان ثم وصف الجنتين فقال تعالى: مدهامتان ~~أي سوداوان من ريهما وشدة خضرتهما لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان أي فوارتان بالماء لا ينقطعان ~~وقال ابن عباس والضحاك ينضخان بالخير والبركة على أهل الجنة وقال ابن مسعود ~~ينضخان بالمسك والكافور على أولياء الله وقال أنس بن مالك ينضخان بالمسك ~~والعنبر في دور أهل الجنة كطش المطر. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 67 الى 76] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) # حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر ~~وعبقري حسان (76) # فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان يعني فيهما من أنواع ~~الفواكه كلها وإنما عطف النخل والرمان بالواو وإن كانا من جملة الفواكه ~~تنبيها على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه وعلى هذا القول عامة المفسرين ~~وأهل اللغة قالوا إنما فضلهما بالذكر للتخصيص والتفضيل فهو كقوله من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال خصهما بالذكر وإن كان من جملة ~~الملائكة لشرفهما وفضلهما وقيل بعضهم ليس النخل والرمان من الفواكه لأن ~~ثمرة النخل فاكهة وطعام وثمرة الرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه ولهذا ~~قال أبو حنيفة إذا حلف لا يأكل الفاكهة فأكل رطبا أو رمانا لم يحنث وخالفه ~~صاحباه وهذا القول خلاف قول أهل اللغة ولا حجة له في الآية وروى البغوي ~~بسنده عن ابن عباس موقوفا قال نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكرمها ذهب أحمر ~~وسعفها كسوة لأهل الجنة منها حللهم وثمرها مثل القلال أو الدلاء أشد بياضا ~~من اللبن وأحلى من العسل وألين # PageV04P232 # من الزبد ليس له عجم وروي أن الرمانة من رمان الجنة مثل البعير المقتب ~~وقيل إن نخل أهل الجنة ms3325 نضيد وثمرها كالقلال كلما نزعت منها واحدة عادت ~~مكانها أخرى العنقود منها اثني عشر ذراعا، فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن أي ~~في الجنان الأربع خيرات حسان روي عن أم سلمة قالت قلت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبرني عن قوله خيرات حسان قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه، فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات أي مخدرات مستورات لا يخرجن لكوامتهن وشرفهن ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لو أن امرأة من نساء أهل الجنة ~~أطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأت ما بينهما ريحا ~~ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» وقيل قصرن أطرافهن وأنفسهن على ~~أزواجهن فلا يبغين بهم بدلا في الخيام قيل هي البيوت. قال ابن الأعرابي ~~الخيمة لا تكون إلا من أربعة أعواد ثم تسقف بالثمام ويقال خيم فلان خيمة ~~إذا بناها من جريد النخل وخيم بها إذا قام بها وتظلل فيها وقيل كل خيامها ~~من در ولؤلؤ وزبرجد مجوف تضاف إلى القصور في الجنة. (ق) عن أبي موسى ~~الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من ~~لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء وفي رواية عرضها ستون ميلا للمؤمن فيها ~~أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا فبأي آلاء ربكما تكذبان لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان تقدم تفسيره، فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على ~~رفرف خضر قيل الرفرف رياض الجنة خضر مخصبة ويروى هذا عن ابن عباس وقيل إن ~~الرفرف البسط، وعن ابن عباس الرفرف فضول المجالس والبسط منه وقيل هي مجالس ~~خضر فوق الفرش وقيل هي المرافق وقيل الزرابي وقيل كل ثوب عريض عند العرب ~~فهو رفرف وعبقري حسان قيل هي الزرابي والطنافس الثخان وقيل هي الطنافس ~~الرقاق وقيل كل ثوب موشى عند العرب فهو عبقري وقال الخليل كل جليل نفيس ~~فاخر من الرجال وغيرهم فهو عبقري عند العرب ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في عمر «فلم أر عبقريا ms3326 يفري فريه» وأصل هذا فيما قيل إنه نسب إلى عبقر ~~وهي أرض يسكنها الجن فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع عجيب وذلك أن العرب ~~تعتقد في الجن كل صفة عجيبة وأنهم يأتون بكل أمر عجيب ولما كانت عبقر ~~معروفة بسكنى الجن نسبوا إليها كل شيء عجيب بديع. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 77 الى 78] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام قيل لما ختم ~~نعم الدنيا بقوله «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» وفيه إشارة إلى أن ~~الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية ختم نعمة الآخرة بهذه الآية وهو ~~إشارة إلى تمجيده وتحميده (م) عن ثوبان قال «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما ~~يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» أخرجه ~~أبو داود والنسائي غير قولها لم يقعد إلا مقدار ما يقول والله أعلم بمراده. # PageV04P233 ### | سورة الواقعة # (مكية وهي سبع وتسعون آية وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وألف وسبعمائة ~~وثلاثة أحرف) روى البغوي بسنده عن أبي ظبية عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه ~~فاقة أبدا». # وكان أبو ظبية لا يدعها أبدا، وأخرجه ابن الأثير في كتابه جامع الأصول لم ~~يعزه، والله تعالى أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت ~~الأرض رجا (4) # وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) # قوله عز وجل: إذا وقعت الواقعة يعني إذا قامت القيامة وقيل إذا نزلت صيحة ms3327 ~~القيامة وهي النفخة الأخيرة وقيل الواقعة اسم للقيامة كالآزفة، ليس لوقعتها ~~يعني لمجيئها كاذبة # يعني ليس لها كذب والمعنى أنها تقع حقا وصدقا وقيل معناه ليس لوقعتها قصة ~~كاذبة أي كل ما أخبر الله عنها وقص من خبرها قصة صادقة غير كاذبة وقيل ~~معناه ليس لوقعتها نفس كاذبة أي إن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم ~~تكذب نفس أخبرت عن وقوعها، خافضة رافعة أي تخفض أقواما إلى النار وترفع ~~أقواما إلى الجنة وقال ابن عباس تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع ~~أقواما كانوا في الدنيا مستضعفين وقيل تخفض أقواما بالمعصية وترفع أقواما ~~بالطاعة، إذا رجت الأرض رجا أي إذا حركت وزلزلت زلزالا وذلك أن الله عز وجل ~~إذا أوحى إليها اضطربت فرقا وخوفا قال المفسرون ترج كما يرج الصبي في المهد ~~حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما فيها من جبال وغيرها وهو قوله تعالى: ~~وبست الجبال بسا أي فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول وقيل صارت ~~كثيبا مهبلا بعد أن كانت شامخة وقيل معناه قلعت من أصلها وسيرت على وجه ~~الأرض حتى ذهب بها فكانت هباء منبثا أي غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع ~~الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء، وكنتم أزواجا أي أصنافا ثلاثة ثم فسر ~~الأزواج فقال تعالى: فأصحاب الميمنة يعني أصحاب اليمين. # والميمنة ناحية اليمين وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن ~~عباس هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله ~~تعالى: «هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي» وقيل هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ~~وقيل هم الذين كانوا ميامين أي مباركين على أنفسهم وكانت أعمالهم صالحة في ~~طاعة الله وهم التابعون بإحسان ما أصحاب الميمنة تعجيب من حالهم في ~~السعادة. والمعنى أي شيء هم. # PageV04P234 # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 9 الى 16] # وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك ~~المقربون (11) في جنات النعيم (12) ثلة من الأولين (13) # وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين عليها ms3328 متقابلين (16) # وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة يعني أصحاب الشمال وهم الذين يؤخذ بهم ~~ذات الشمال إلى النار وقال ابن عباس هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج ~~الذرية وقال الله تعالى لهم: «هؤلاء إلى النار ولا أبالي» وقيل هم الذين ~~يؤتون كتبهم بشمائلهم وقيل هم المشائيم على أنفسهم وكانت أعمالهم في ~~المعاصي لأن العرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى، والسابقون السابقون قال ابن ~~عباس هم السابقون إلى الهجرة السابقون في الآخرة إلى الجنة وقيل هم ~~السابقون إلى الإسلام وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين من المهاجرين ~~والأنصار وقيل هم السابقون إلى الصلوات الخمس وقيل إلى الجهاد وقيل هم ~~المسارعون إلى التوبة وإلى ما دعا الله إليه من أعمال البر والخير وقيل هم ~~أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. # فإن قلت لم أخر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم عن أصحاب اليمين. # قلت فيه لطيفة وذلك أن الله تعالى ذكر في أول السورة من الأمور الهائلة ~~عند قيام الساعة تخويفا لعباده فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب وإما مسيء ~~فيرجع عن إساءته خوفا من العقاب فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا ثم ~~ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر ليجتهد أصحاب اليمين في القرب من جهنم ثم أثنى على السابقين فقال ~~تعالى: أولئك المقربون يعني من الله في جواره وفي ظل عرشه ودار كرامته وهو ~~قوله: في جنات النعيم قوله تعالى: ثلة أي جماعة غير محصورة العدد، من ~~الأولين يعني من الأمم الماضية من لدن آدم إلى زمن نبينا وقليل من الآخرين ~~يعني من هذه الأمة وذلك لأن الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوهم من الأمم ~~الماضية أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وقيل إن الأولين ~~هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل من الآخرين أي ممن جاء بعدهم ~~من الصحابة، على سرر موضونة أي منسوجة من الذهب والجوهر وقيل موضونة يعني ~~مصفوفة متكئين عليها أي على السرر متقابلين يعني لا ينظر ms3329 بعضهم في قفا بعض ~~وصفوا بحسن العشرة في المجالسة وقيل لأنهم صاروا أرواحا نورانية صافية ليس ~~لهم أدبار وظهور. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 17 الى 23] # يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون ~~(21) # وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) # يطوف عليهم أي للخدمة ولدان أي غلمان مخلدون لا يموتون ولا يهرمون ولا ~~يتغيرون ولا ينتقلون من حالة إلى حالة وقيل مخلدون مفرطون والخلد القرط وهو ~~الحلقة تعلق في الأذن واختلفوا في هؤلاء الولدان فقيل هم أولاد المؤمنين ~~الذين ماتوا أطفالا وفيه ضعف لأن الله أخبر أنه يلحقهم بآبائهم ولأن من ~~المؤمنين من لا ولد له فلو خدمه ولد غيره كان منقصة بأبي الخادم وقيل هم ~~صغار الكفار الذين ماتوا قبل التكليف وهذا القول أقرب من الأول لأنه قد ~~اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب فقال الأكثرون هم في النار تبعا ~~لآبائهم وتوقف فيهم طائفة والمذهب الثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه ~~المحققون أنهم من أهل الجنة ولكل مذهب دليل ليس هذا موضعه، وقيل هم أطفال ~~ماتوا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها ومن قال ~~بهذه الأقوال يعلل بأن الجنة ليس فيها ولادة والقول الصحيح الذي لا معدل ~~عنه إن شاء الله إنهم ولدان خلقوا في الجنة لخدمة أهل الجنة كالحور وإن لم ~~يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق عليهم اسم الولدان لأن العرب تسمي الغلام ~~وليدا ما لم يحتلم والأمة وليدة وإن أسنت، بأكواب جمع كوب وهي الأقداح ~~المستديرة الأفواه لا آذان لها ولا عرا وأباريق جمع إبريق وهي ذوات ~~الخراطيم والعرا سميت أباريق # PageV04P235 # لبريق لونها من الصفاء وقيل لأنها يرى باطنها كما يرى ظاهرها، وكأس من ~~معين أي من خمرة جارية لا يصدعون عنها أي لا تصدع رؤوسهم من شربها وعنها ~~كناية عن الكأس وقيل لا يتفرقون عنها ولا ينزفون أي لا يغلب على عقولهم ولا ~~يسكرون منها وقرئ بكسر الزاي ومعناه لا ms3330 ينفد شرابهم، وفاكهة مما يتخيرون أي ~~يأخذون خيارها ولحم طير مما يشتهون قال ابن عباس يخطر على قلبه لحم الطير ~~فيطير ممثلا بين يديه على ما اشتهى وقيل إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ~~ما يشتهي ثم يطير. # فإن قلت هل في تخصيص الفاكهة بالتخير واللحم بالاشتهاء بلاغة؟. # قلت نعم وكيف لا وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة وفصاحة والذي يظهر فيه ~~أن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم وإذا حضرا عند ~~الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة فالجائع مشته والشبعان غير مشته بل هو مختار ~~وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم إلى الفاكهة أكثر ~~فيتخيرنها ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن بخلاف اللحم وإذا اشتهاه ~~حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل ولهذا قدم الفاكهة ~~على اللحم والله أعلم، وحور عين أي ويطوف عليهم حور عين وقيل لهم حور عين ~~وجاء في تفسير حور أي بيض عين أي ضخام العيون كأمثال اللؤلؤ المكنون أي ~~المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء ~~فيكون في نهاية الصفاء روي «أنه سطع نور في الجنة فقيل ما هذا؟ قيل ضوء ثغر ~~حوراء ضحكت» وروي «أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد ~~الأسورة من ساعديها وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها وفي رجليها نعلان من ذهب ~~شراكها من لؤلؤ يصران بالتسبيح». # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 24 الى 31] # جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا ~~قيلا سلاما سلاما (26) وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود ~~(28) # وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) # جزاء بما كانوا يعملون أي فعلنا ذلك بهم جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا ~~بطاعتنا لا يسمعون فيها أي في الجنة، لغوا قيل اللغو ما يرغب عنه من الكلام ~~ويستحق أن يلغى وقيل هو القبيح من القول والمعنى ليس فيها لغو فيسمع ولا ~~تأثيما قيل معناه ms3331 أن بعضهم لا يقول لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم ~~كما يتكلم به أهل الدنيا وقيل معناه لا يأتون تأثيما أي ما هو سبب التأثيم ~~من قول أو فعل قبيح إلا قيلا معناه لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا سلاما ~~سلاما يعني يسلم بعضهم على بعض وقيل تسلم الملائكة عليهم أو يرسل الرب ~~بالسلام إليهم وقيل معناه أن قولهم يسلم في اللغو. # ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب ~~اليمين لما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى: في ~~سدر مخضود أي لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي قطع ونزع منه وهذا قول ابن عباس ~~وقيل هو الموقر حملا قيل ثمرها أعظم من القلال وهو النبق قيل لما نظر ~~المسلمون إلى وج وهو واد مخصب بالطائف فأعجبهم سدره فقالوا ليت لنا مثل هذا ~~فأنزل الله هذه الآية وطلح قيل هو الموز عند أكثر المفسرين وقيل هو شجر له ~~ظل بارد طيب وقيل هو شجر أم غيلان له شوك ونور طيب الرائحة فخوطبوا ووعدوا ~~بمثل ما يحبون ويعرفون إلا أن فضله على شجر الدنيا كفضل الجنة على الدنيا ~~منضود أي متراكم قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره ليست له سوق بارزة بل من ~~عروقه إلى أغصانه ثمر وليس شيء من ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا مثل ~~الباقلاء والجوز ونحوهما بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه، وظل ~~ممدود أي دائم لا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا وذلك لأن الجنة ظل كلها لا # PageV04P236 # شمس فيها. (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة واقرءوا إن ~~شئتم وظل ممدود» وعن ابن عباس في قوله وظل ممدود قال شجرة في الجنة على ساق ~~يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها فيشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل ~~الله عز وجل ريحا من الجنة ms3332 فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا وماء مسكوب ~~أي مصبوب يجري دائما في غير أخدود ولا ينقطع. # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 32 الى 36] # وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) # وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة قال ابن عباس لا تنقطع إذا جنيت ولا ~~تمتنع من أحد إذا أراد أخذها وقيل لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان ~~كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء ولا يوصل إليها إلا بالثمن وقيل لا يحظر ~~عليها كما يحظر على بساتين الدنيا وجاء في الحديث «ما قطعت ثمرة من ثمار ~~الجنة إلا أبدل الله عز وجل مكانها ضعفين» وفرش مرفوعة قال علي مرفوعة على ~~الأسرة وقيل بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «في قوله: وفرش مرفوعة قال ارتفاعها كما بين السماء ~~والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب ~~قال الترمذي قال بعض أهل العلم معنى هذا الحديث ارتفاعها كما بين السماء ~~والأرض يقول ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات والدرجات ما بين كل درجتين ~~بين السماء والأرض وقيل أراد بالفرش النساء والعرب تسمي المرأة فراشا ~~ولباسا على الاستعارة فعلى هذا القول يكون معنى مرفوعة أي رفعن بالفضل ~~والجمال على نساء الدنيا ويدل على هذا التأويل قوله في عقبه، إنا أنشأناهن ~~إنشاء أي خلقناهن خلقا جديدا قال ابن عباس يعني الآدميات العجائز الشمط ~~يقول خلقناهن بعد الكبر والهرم خلقا آخر، فجعلناهن أبكارا يعني عذارى. عن ~~أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~أنشأناهن إنشاء قال إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وضعف بعض رواته وروى البغوي بسنده عن الحسن ~~قال «أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ادع الله أن ~~يدخلني الجنة فقال يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز قال فولت تبكي قال ms3333 ~~أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى قال إنا أنشأناهن إنشاء ~~فجعلناهن أبكارا هذا حديث مرسل وروي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إنا أنشأناهن إنشاء قال عجائزكن في ~~الدنيا عمشا رمصا فجعلناهن أبكارا وقال المسيب بن شريك هن عجائز الدنيا ~~أنشأهن الله بقدرته خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا وقيل إنهن ~~فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا وقيل هن الحور العين أنشأهن الله ~~لم تقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 37 الى 40] # عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من ~~الآخرين (40) # عربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها قاله ابن عباس في رواية عنه وعنه ~~أنها الملقة وقيل الغنجة وعن أسامة بن زيد عن أبيه عربا قال حسان الكلام ~~أترابا يعني أمثالا في الخلق وقيل مستويات في السن على سن واحد بنات ثلاث ~~وثلاثين، عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يدخل أهل الجنة ~~الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث وثلاثين سنة» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث حسن غريب لأصحاب اليمين يعني أنشأهن لأصحاب اليمين وقيل ~~هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين يعني من المؤمنين الذين هم ~~قبل هذه الأمة وثلة من الآخرين يعني من مؤمني هذه الأمة يدل عليه ما روى ~~البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن رويم قال «لما أنزل الله عز وجل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين بكى عمر فقال يا ~~نبي الله آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل الله عز وجل ~~وثلة من الأولين وثلة من الآخرين فدعا # PageV04P237 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال قد أنزل الله تعالى فيما قلت فقال ~~رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آدم ~~إلينا ثلة ومنا إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها الأسودان ms3334 من رعاة الإبل ~~ممن قال لا إله إلا الله»، (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ~~ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع إلى سواد عظيم فظننت أنهم ~~أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم ~~فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ~~ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض القوم في ~~أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ~~ولم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ما الذي تخوضون فيه فأخبروه فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا ~~يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله ~~أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام رجل آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن ~~يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة» الرهيط تصغير رهط وهم دون العشرة وقيل ~~إلى الأربعين. (ق) عن عبد الله بن مسعود قال «كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قبة نحوا من أربعين فقال أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ ~~قلنا نعم قال أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا نعم قال والذي نفس محمد ~~بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس ~~مؤمنة مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور ~~الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» وعن بريدة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة ~~وأربعون من سائر الأمم» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وذهب جماعة إلى أن ~~الثلثين جميعا من ms3335 هذه الأمة وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح ~~والضحاك قالوا ثلة من الأولين من سابقي هذه الأمة وثلة من الآخرين من هذه ~~الأمة أيضا في آخر الزمان يدل على ذلك ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن ~~عباس في هذه الآية ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «هما جميعا من أمتي» وهذا القول هو اختيار الزجاج قال معناه ~~جماعة ممن تبع النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وعاينه وجماعة ممن آمن به ~~وكان بعده ولم يعاينه. # فإن قلت كيف قال في الآية الأولى وقليل من الآخرين وقال في هذه الآية ~~وثلة من الآخرين؟. # قلت: الآية الأولى في السابقين الأولين وقليل ممن يلحق بهم من الآخرين ~~وهذه الآية في أصحاب اليمين وهم كثيرون من الأولين والآخرين وحكي عن بعضهم ~~أن هذه ناسخة للأولى واستدل بحديث عروة بن رويم ونحوه والقول بالنسخ لا يصح ~~لأن الكلام في الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ. قوله تعالى: # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 41 الى 56] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) # وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن ~~منها البطون (53) فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) # هذا نزلهم يوم الدين (56) # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال قد تقدم أنه بمعنى التعجب من حالتهم وهم ~~الذين يعطون كتبهم بشمائلهم ثم بين منقلبهم وما أعد لهم من العذاب فقال ~~تعالى: في سموم أي في حر النار وقيل في ريح شديد الحرارة وحميم أي ماء حار ~~يغلي، وظل من يحموم يعني في ظل من دخان شديد السواد قيل إن النار # PageV04P238 # سواد وأهلها سود وكل شيء فيها أسود وقيل اليحموم اسم من أسماء النار لا ms3336 ~~بارد ولا كريم يعني لا بارد المنزل ولا كريم المنظر وذلك لأن فائدة الظل ~~ترجع إلى أمرين أحدهما دفع الحر والثاني حسن المنظر وكون الإنسان فيه مكرما ~~وظل أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار، ثم بين بما استحقوا ~~ذلك فقال تعالى: إنهم كانوا قبل ذلك يعني في الدنيا، مترفين يعني منعمين ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم يعني على الذنب الكبير وهو الشرك وقيل الحنث ~~العظيم اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك ~~يدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون فرد الله تعالى عليهم بقوله قل إن ~~الأولين والآخرين يعني الآباء والأبناء، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم يعني ~~أنهم يجمعون ويحشرون ليوم الحساب ثم إنكم أيها الضالون يعني عن الهدى ~~المكذبون أي بالبعث والخطاب لكفار مكة وقيل إنه عام مع كل ضال مكذب، لآكلون ~~من شجر من زقوم تقدم تفسيره فمالؤن منها البطون فشاربون عليه من الحميم ~~فشاربون شرب الهيم يعني الإبل العطاش قيل إن الهيام داء يصيب الإبل فلا ~~تروى معه ولا تزال تشرب حتى تهلك وقيل الهيم الأرض ذات الرمل التي لا تروى ~~بالماء قيل يلقى على أهل النار العطش فيشربون من الحميم شرب الهيم فلا ~~يروون هذا نزلهم يعني ما ذكر من الزقوم والحميم أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد ~~لهم يوم الدين يعني يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله ~~تعالى: # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 57 الى 65] # نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ~~(65) # نحن خلقناكم يعني ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك فلولا أي فهلا تصدقون ~~يعني بالبعث بعد الموت. # قوله عز وجل: ms3337 أفرأيتم ما تمنون يعني ما تصبون في الأرحام من النطف أأنتم ~~تخلقونه أي أنتم تخلقون ما تمنون بشرا أم نحن الخالقون أي إنه خلق النطفة ~~وصورها وأحياها فلم لا تصدقون بأنه واحد قادر على أن يعيدكم كما أنشأكم ~~احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق، نحن قدرنا بينكم الموت يعني ~~الآجال فمنكم من يبلغ الكبر والهرم ومنكم من يموت صبيا وشابا وغير ذلك من ~~الآجال القريبة والبعيدة وقيل معناه إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه ~~سواء شريفهم ووضيعهم فعلى هذا القول يكون معنى قدرنا قضينا، وما نحن ~~بمسبوقين يعني لا يفوتني شيء أريده ولا يمتنع مني أحد وقيل معناه وما نحن ~~بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم وهو قوله تعالى: على أن نبدل ~~أمثالكم # أي نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم في أسرع حين وننشئكم # أي نخلقكم في ما لا تعلمون # أي من الصور والمعنى نغير حليتكم إلى ما هو أسمح منها من أي خلق شئنا ~~وقيل نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم أي إن ~~أردنا أن نفعل ذلك بكم ما فاتنا، وقال سعيد بن المسيب فيما لا تعلمون في ~~حواصل طيور سود كأنها الخطاطيف تكون ببرهوت وهو واد باليمن وهذه الأقوال ~~كلها تدل على المسخ وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم قدر ولو ~~شاء أن يمسخهم في غير صورهم قدر، وقال بعض أهل المعاني هذا يدل على النشأة ~~الثانية يكونها الله تعالى في وقت لا يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما ~~علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل ويكون التقدير على هذا وما نحن # PageV04P239 # بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمونه يعني وقت البعث والقيامة، وفيه ~~فائدة وهو التحريض على العمل الصالح لأن التبديل والإنشاء هو الموت والبعث ~~وإذا كان ذلك واقعا في الأزمان ولا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان ~~على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة ولقد علمتم النشأة الأولى أي الخلقة ~~الأولى ولم تكونوا شيئا ms3338 وفيه تقرير للنشأة الثانية يوم القيامة فلولا ~~تذكرون أي بأني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم أول مرة. # قوله تعالى: أفرأيتم ما تحرثون لما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق وما فيه ~~من دلائل الوحدانية ذكر بعده الرزق لأن به البقاء وذكر أمورا ثلاثة المأكول ~~والمشروب وما به إصلاح المأكول والمشروب ورتبه ترتيبا حسنا فذكر المأكول ~~أولا لأنه هو الغذاء وأتبعه المشروب لأن به الاستمراء ثم النار التي بها ~~الإصلاح وذكر من أنواع المأكول الحب لأنه هو الأصل ومن المشروب الماء لأنه ~~أيضا هو الأصل وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية، فقوله ~~أفرأيتم ما تحرثون أي ما تثيرون من الأرض وتلقون فيه البذر أأنتم تزرعونه ~~أي تنبتونه وتنشئونه حتى يشتد ويقوم على سوقه أم نحن الزارعون معناه أأنتم ~~فعلتم ذلك أم الله ولا شك في أن إيجاد أحب في السنبل ليس بفعل أحد غير الله ~~تعالى وإن كان إلقاء البذر من فعل الناس، لو نشاء لجعلناه يعني ما تحرثونه ~~وتلقون فيه من البذر، حطاما أي تبنا لا قمح فيه وقيل هشيما لا ينتفع به في ~~مطعم ولا غيره وقيل هو جواب لمعاند يقول نحن نحرثه وهو بنفسه يصير زرعا لا ~~بفعلنا ولا بفعل غيرنا فرد الله علي هذا المعاند بقوله لو نشاء لجعلناه ~~حطاما فهل تقدرون أنتم على حفظه أو هو يدفع عن نفسه بنفسه تلك الآفات التي ~~تصيبه ولا يشك أحد في أن دفع الآفات ليس إلا بإذن الله وحفظه، فظلتم تفكهون ~~أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم وقيل تندمون على نفقاتكم وقيل تندمون على ~~ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك العقوبة وقيل تتلاومون وقيل تحزنون ~~وقيل هو تلهف على ما فات. # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 66 الى 73] # إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) ~~أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا ~~تشكرون (70) # أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) ~~نحن جعلناها تذكرة ms3339 ومتاعا للمقوين (73) # إنا لمغرمون أي وتقولون فحذف القول ومعنى الغرم ذهاب المال بغير عوض وقيل ~~معناه لموقع بنا وقال ابن عباس رضي الله عنهما لمعذبون يعني أنهم عذبوا ~~بذهاب أموالهم بغير فائدة والمعنى إنا غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب بغير ~~عوض، بل نحن محرومون أي ممنوعون والمعنى حرمنا الذي كنا نطلبه من الريع في ~~الزرع، أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~ذكرهم الله تعالى نعمه عليهم بإنزال المطر الذي لا يقدر عليه إلا الله عز ~~وجل: لو نشاء جعلناه أجاجا قال ابن عباس شديد الملوحة وقيل مرا لا يمكن ~~شربه فلولا أي فلا تشكرون يعني نعمة الله عليكم أفرأيتم النار التي تورون ~~يعني تقدحون من الزند أأنتم أنشأتم شجرتها يعني التي تقدح منها النار وهي ~~المرخ والعفار وهما شجرتان تقدح منهما النار وهما رطبتان وقيل أراد جميع ~~الشجر الذي توقد منه النار أم نحن المنشؤن نحن جعلناها يعني نار الدنيا ~~تذكرة أي للنار الكبرى إذا رأى الرائي هذه النار ذكر بها نار جهنم فيخشى ~~الله ويخاف عقابه وقيل موعظة يتعظ بها المؤمن. (ق) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ناركم هذه التي توقدون جزء من ~~سبعين جزءا من نار جهنم قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها ~~فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها» ومتاعا أي بلغة ومنفعة للمقوين ~~يعني للمسافرين والمقوي النازل في الأرض القواء وهي القفر # PageV04P240 # الخالية البعيدة من العمران والمعنى أنه ينتفع بها أهل البوادي والسفار ~~فإن منفعتهم أكثر من المقيم فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب الشماع ويهتدي بها ~~الضال إلى غير ذلك من المنافع هذا قول أكثر المفسرين وقيل المقوين الذين ~~يستمتعون بها في الظلمة ويصطلون بها من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز ~~إلى غير ذلك من المنافع وقيل المقوي من الأضداد يقال للفقير مقو لخلوه من ~~المال ويقال للغني مقو لقوته على ما يريد والمعنى أن فيها متاعا ms3340 ومنفعة ~~للفقراء والأغنياء جميعا لا غنى لأحد عنها. # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 74 الى 79] # فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) # لا يمسه إلا المطهرون (79) # فسبح باسم ربك العظيم لما ذكر الله ما يدل على وحدانيته وقدرته وإنعامه ~~على سائر الخلق خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون خطابا لكل فرد ~~من الناس فقال تعالى فسبح باسم ربك أي برأ الله ونزهه عما يقول المشركون في ~~صفته والاسم يكون بمعنى الذات والمعنى فسبح بذات ربك العظيم. # قوله عز وجل: فلا أقسم قال أكثر المفسرين معناه فأقسم ولا صلة مؤكدة وقيل ~~لا على أصلها وفي معناها وجهان أحدهما أنها ترجع إلى ما تقدم ومعناها النهي ~~وتقديره فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج. # الوجه الثاني: أن لا رد لما قاله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر ~~وكهانة والمعنى ليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم فقال أقسم والمعنى لا ~~والله لا صحة لقول الكفار وقيل إن لا هنا معناها النفي فهو كقول القائل لا ~~تسأل عما جرى وهو يريد تعظيم الأمر لا النهي عن السؤال، بمواقع النجوم قال ~~ابن عباس أراد نجوم القرآن فإنه كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متفرقا وقيل أراد مغارب النجوم ومساقطها وقيل أراد منازلها وقيل انكدارها ~~وانتثارها يوم القيامة وقيل مواقعها في اتباع الشياطين عند الرجم وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم قيل هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن ~~والمعنى إن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمته لانتفعتم بذلك ~~وقيل معنى لو تعلمون أي فاعلموا عظمته وقيل إنه اعتراض بين القسم والمقسم ~~عليه والمعنى فأقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم أي إن الكتاب الذي أنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم لقرآن كريم أي عزيز مكرم لأنه كلام الله تعالى ~~ووحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وقيل الكريم الذي من شأنه ms3341 أن يعطي ~~الكثير وسمي القرآن كريما لأنه يفيد الدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين ~~وقيل الكريم اسم جامع لما يحمد والقرآن الكريم لما يحمد فيه من الهدى ~~والنور والبيان والعلم والحكم فالفقيه يستدل به ويأخذ منه والحكيم يستمد ~~منه ويحتج به والأديب يستفيد منه ويتقوى به فكل عالم يطلب أصل علمه منه ~~وقيل سمي كريما لأن كل أحد يناله ويحفظه من كبير وصغير وذكي وبليد بخلاف ~~غيره من الكتب، وقيل إن الكلام إذا كرر مرارا يسأمه السامعون ويهون في ~~الأعين وتمله الآذان والقرآن عزيز كريم لا يهون بكثرة التلاوة ولا يخلق ~~بكثرة الترداد ولا يمله السامعون ولا يثقل على الألسنة بل هو غض طري يبقى ~~أبد الدهر كذلك في كتاب مكنون أي مصون مستور عند الله تعالى في اللوح ~~المحفوظ من الشياطين من أن يناله بسوء وقيل المراد بالكتاب المصحف ومعنى ~~مكنون مصون محفوظ من التبديل والتحريف والقول الأول أصح، لا يمسه أي ذلك ~~الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك ~~والذنوب والأحداث يروى هذا القول عن ابن عباس وأنس وهو قول سعيد بن جبير ~~وأبي العالية وقتادة وابن زيد وقيل هم السفرة الكرام البررة وعلى القول ~~الثاني من أن المراد بالكتاب المصحف فقيل معنى لا يمسه إلا المطهرون أي من ~~الشرك وكان ابن عباس ينهى أن تمكن اليهود والنصارى من # PageV04P241 # قراءة القرآن قال الفراء لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به وقيل معناه لا ~~يقرأه إلا الموحدون وقال قوم معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث ~~والجنابات وظاهر الآية نفي ومعناها نهي قالوا لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا ~~للمحدث حمل المصحف ولا مسه وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل ~~العلم وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء يدل عليه ما روى مالك في الموطأ ~~عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إن في الكتاب الذي كتبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم «أن لا ms3342 تمس القرآن إلا طاهرا» ~~أخرجه مالك مرسلا وقد جاء موصولا عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ~~أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بهذا ~~والصحيح فيه الإرسال وروى الدارقطني بسنده عن سالم عن أبيه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لا يمس القرآن إلا طاهر» والمراد بالقرآن المصحف ~~سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع، كما روي «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» وأراد به المصحف وقال الحكم ~~وحماد وأبو حنيفة يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه بغلافه. # فإن قلت: إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب هو اللوح المحفوظ وأن المراد ~~من «لا يمسه إلا المطهرون» هم الملائكة ولو كان المراد نفي الحدث لقال لا ~~يمسه إلا المتطهرون من التطهر فكيف يصح قول الشافعي لا يصح للمحدث مس ~~المصحف. # قلت من قال إن الشافعي أخذه من صريح الآية حمله على التفسير الثاني وهو ~~القول بأن المراد من الكتاب هو المصحف ومن قال إنه أخذه من طريق الاستنباط ~~قال المس بطهر صفة دالة على التعظيم والمس بغير طهر نوع استهانة وهذا لا ~~يليق بمباشرة المصحف الكريم والصحيح أنه أخذه من السنة ودليله ما تقدم من ~~الأحاديث والله أعلم. قوله تعالى: # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 80 الى 84] # تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) # تنزيل من رب العالمين صفة للقرآن أي القرآن منزل من عند رب العالمين سمي ~~المنزل تنزيلا على اتساع اللغة يقال للمقدور قدر وللمخلوق خلق وفيه رد على ~~من قال إن القرآن شعر أو سحر أو كهانة فقال الله تعالى بل القرآن تنزيل من ~~رب العالمين. # قوله عز وجل: أفبهذا الحديث يعني القرآن أنتم أي يا أهل مكة مدهنون قال ~~ابن عباس مكذبون وقيل كافرون والمدهن والمداهن الكذاب والمنافق والإدهان ~~الجري في الباطل على خلاف الظاهر ms3343 هذا أصله ثم قيل للمكذب والكافر مدهن وإن ~~صرح بالتكذيب والكفر، وتجعلون رزقكم أي حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون ~~قال الحسن في هذه الآية خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب وقال ~~جماعة من المفسرين معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون أي بنعمة الله عليكم ~~وهذا في الاستسقاء بالأنواء وذلك أنهم كانوا إذا مطروا يقولون مطرنا بنوء ~~كذا ولا يرون ذلك المطر من فضل الله عليهم فقيل لهم أتجعلون رزقكم أي شكركم ~~بما رزقكم التكذيب فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله تعالى ~~ونعمه وكذب بما جاء به القرآن والمعنى أتجعلون بدل الشكر التكذيب، (ق) عن ~~يزيد بن خالد الجهني قال «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ~~بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل ~~تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن ~~بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ~~وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» رواه مسلم ~~وفيه عن ابن عباس # PageV04P242 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه وزاد فنزلت هذه الآية فلا أقسم ~~بمواقع النجوم إلى قوله وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، وفيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أنزل الله من السماء من ~~بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث فيقولون الكوكب ~~كذا وكذا وفي رواية بكوكب كذا وكذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم ~~تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا» وفي رواية بكوكب كذا وكذا ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. # قوله في أثر سماء أي أثر مطر والنوء الكوكب يقال ناء النجم ينوء إذا سقط ~~وغاب وقيل ناء إذا نهض ms3344 وطلع واختلف العلماء في معنى الحديث وكفر من قال ~~مطرنا بنوء كذا على قولين أحدهما أنه كفر بالله تعالى سالب لأصل الإيمان ~~مخرج عن ملة الإسلام وذلك فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ ~~للمطر كما كان بعض الجاهلية يزعم فمن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول ~~هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء منهم الشافعي وهو ظاهر الحديث وعلى هذا لو ~~قال مطرنا بنوء كذا وكذا وهو معتقد أن إيجاد المطر من الله ورحمته وأن ~~النوء ميقات له ومراده إنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل ~~النجم كما جاء عن عمر أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس كم بقي من نوء ~~الثريا؟ فقال إن العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد وقوعها فو ~~الله ما مضت تلك السبع حتى غيث الناس وإنما أراد عمركم بقي من الوقت الذي ~~جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر فهذا جائز لا كفر فيه واختلفوا في ~~كراهية هذا والأظهر أنها كراهية تنزيه لا إثم فيها ولا تحريم وسبب هذه ~~الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بقائلها ولأنها من ~~شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم، والقول الثاني في تأويل أصل الحديث أن ~~المراد بالكفر كفر النعمة لله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكواكب ~~وهذا جار فيمن لا يعتقد تدبير الكواكب ويؤيد هذا التأويل حديث أبي هريرة ~~«ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين» فقوله ~~بها يدل على أنه كفر بالنعمة والله أعلم. # قوله تعالى: فلولا أي فهلا إذا بلغت الحلقوم أي النفس أو الروح إلى ~~الحلقوم عند الموت وأنتم يعني يا أهل الميت حينئذ تنظرون يعني إلى الميت ~~متى تخرج نفسه وقيل تنظرون إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون ~~شيئا. # ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 85 الى 92] # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ~~ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما ms3345 إن كان من المقربين (88) فروح وريحان ~~وجنة نعيم (89) # وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين (92) # ونحن أقرب إليه منكم أي بالعلم والقدرة والرؤية وقيل ورسلنا الذين يقبضون ~~روحه أقرب إلى الميت منكم ولكن لا تبصرون أي الذين حضروه من الملائكة لقبض ~~روحه وقيل لا تبصرون أي لا تعلمون ذلك فلولا إن كنتم غير مدينين أي مملوكين ~~وقيل محاسبين ومجزيين ترجعونها إن كنتم صادقين أي تردون نفس هذا الميت إلى ~~جسده بعد ما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله فلولا إذا بلغت الحلقوم وعن قوله ~~فلولا إن كنتم غير مدينين بجواب واحد وهو قوله ترجعونها والمعنى إن كان ~~الأمر كما تقولون إنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي فهلا تردون نفس من يعز ~~عليكم إذا بلغت الحلقوم وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو ~~الله تعالى فآمنوا به ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال ~~تعالى: فأما إن كان من المقربين يعني السابقين. فروح أي فله روح وهو الراحة ~~وقيل فله فرح وقيل رحمة وريحان أي وله استراحة وقيل رزق وقيل هو الريحان ~~الذي يشم قال أبو العالية لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن # PageV04P243 # من ريحان الجنة فيشمه فتقبض روحه وجنة نعيم أي وله جنة النعيم يفضي إليها ~~في الآخرة قال أبو بكر الوراق الروح النجاة من النار والريحان رضوان دار ~~القرار وأما إن كان يعني المتوفى من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ~~أي فسلامة لك يا محمد منهم والمعنى فلا تهتم لهم فإنهم سلموا من عذاب الله ~~أو إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة وقيل هو أن الله يتجاوز عن سيئاتهم ~~ويقبل حسناتهم وقيل معناه مسلم لك أنهم من أصحاب اليمين أو يقال لصاحب ~~اليمين مسلم لك أنك من أصحاب اليمين وقيل فسلام عليك من أصحاب اليمين، وأما ~~إن كان من المكذبين أي بالبعث الضالين أي عن الهدى وهم ms3346 أصحاب الشمال. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 93 الى 95] # فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) # فنزل من حميم أي الذي يعد لهم حميم جهنم وتصلية جحيم أي وإدخال نار عظيمة ~~إن هذا يعني ما ذكر من قصة المحتضرين لهو حق اليقين أي لا شك فيه وقيل إن ~~هذا الذي قصصناه عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما أعد الله لأوليائه من ~~النعم وما أعد لأعدائه من العذاب الأليم وما ذكر مما يدل على وحدانيته يقين ~~لا شك فيه، فسبح باسم ربك العظيم أي فنزه ربك العظيم عن كل سوء وقيل معناه ~~فصل بذكر ربك العظيم وبأمره. # عن عقبة بن عامر الجهني قال «لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى ~~قال اجعلوها في سجودكم» أخرجه أبو داود عن حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فكان يقول في ركوعه «سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي ~~الأعلى وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل وما أتى على آية عذاب إلا وقف ~~وتعوذ» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وله عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة». (م) عن ~~أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبرك بأحب الكلام إلى ~~الله تعالى قال سبحان الله وبحمده». (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان ~~إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» هذا الحديث آخر حديث في ~~صحيح البخاري والله أعلم. # PageV04P244 ### | سورة الحديد # مدنية وهي تسع وعشرون آية وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة وألفان وأربعمائة ~~وستة وسبعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات ~~والأرض ms3347 يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) # قوله عز وجل: سبح لله ما في السماوات والأرض يعني كل ذي روح وغيره يسبح ~~الله تعالى فتسبيح العقلاء تنزيه الله عز وجل عن كل سوء وعما لا يليق ~~بجلاله وتسبيح غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه فقيل تسبيحه دلالته ~~على صانعه فكأنه ناطق بتسبيحه وقيل تسبيحه بالقول يدل عليه قوله «ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم» أي قولهم والحق أن التسبيح هو القول الذي لا يصدر إلا من ~~العاقل العارف بالله تعالى وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان أحدهما أنها ~~تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني أن جميع الموجودات بأسرها منقادة له يتصرف ~~فيها كيف يشاء فإن حملنا التسبيح المذكور في الآية على القول كان المراد ~~بقوله ما في السموات والأرض من في السموات وهم الملائكة ومسبحي الأرض وهم ~~المؤمنون العارفون بالله وإن حملنا التسبيح على التسبيح المعنوي فجميع ~~أجزاء السموات وما فيها من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك وجميع ذرات الأرضين وما ~~فيها من جبال وبحار وشجر ودواب وغيره ذلك كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال ~~عظمة الله جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء. # فإن قلت قد جاء في بعض فواتح السور سبح بلفظ الماضي وفي بعضها يسبح بلفظ ~~المضارع فما معناه. # قلت فيه إشارة إلى كون جميع الأشياء مسبحا لله أبدا غير مختص بوقت دون ~~وقت بل هي كانت مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل وهو ~~العزيز أي الغالب الكامل القدرة الذي لا ينازعه شيء، الحكيم أي الذي جميع ~~أفعاله على وفق الحكمة والصواب له ملك السماوات والأرض أي أنه الغني عن ms3348 ~~جميع خلقه وكلهم محتاجون إليه، يحيي ويميت أي يحيي الأموات للبعث ويميت ~~الأحياء في الدنيا وهو على كل شيء قدير قوله عز وجل: هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن يعني هو الأول قبل كل شيء بلا ابتداء كان هو ولم يكن شيء ~~موجودا والآخر بعد فناء كل أحد بلا انتهاء يفني الأشياء ويبقى هو والظاهر ~~الغالب العالي على كل شيء والباطن العالم بكل شيء هذا معنى قول ابن عباس ~~وقيل هو الأول بوجوده ليس قبله شيء # PageV04P245 # والآخر ليس بعده شيء وقيل هو الأول بوجوده في الأزل وقيل الابتداء والآخر ~~بوجوده في الأبد وبعد الانتهاء والظاهر بالدلائل الدالة على وحدانيته ~~والباطن الذي احتجب عن العقول أن تكيفه، وقيل هو الأول الذي سبق وجوده كل ~~موجود والآخر الذي يبقى بعد كل مفقود وقال الإمام أبو بكر بن الباقلاني ~~معناه أنه تعالى الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في ~~الأزل، ويكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق ~~أجسامهم قال وتعلقت المعتزلة بهذا الاسم فاحتجوا لمذهبهم في فناء الأجسام ~~وذهابها بالكلية قالوا معناه أنه الباقي بعد فناء خلقه ومذهب أهل الحق يعني ~~أهل السنة بخلاف ذلك وأن المراد الآخر بصفاته بعد ذهاب صفاتهم كما يقال آخر ~~من بقي من بني فلان فلان يراد حياته ولا يراد فناء أجسام موتاه وذهابها ~~بالكلية هذا آخر كلام ابن الباقلاني، وقيل هو الأول السابق للأشياء والآخر ~~الباقي بعد فناء الأحياء والظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة الزاهرة ~~وشواهده الدالة على وحدانيته والباطن الذي احتجب عن أبصار الخلق فلا تستوي ~~عليه الكيفية وقيل هو الأول القديم والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن ~~العليم، وقيل هو الأول ببره إذ عرفك توحيده والآخر بجوده إذ عرفك طريق ~~التوبة عما جنيت والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذا عصيت ~~يستر عليك، وقال الجنيد هو الأول بشرح القلوب والآخر بغفران الذنوب والظاهر ~~بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب وسأل عمر كعبا عن هذه الآية فقال معناها ~~أن علمه بالأول ms3349 كعلمه بالآخر وعلمه الظاهر كعلمه بالباطن وهو بكل شيء عليم ~~(م) عن سهيل بن أبي صالح قال كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام ~~أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول «اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش ~~العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن ~~أعوذ بك من شرك كل شيء أنت آخذ بناصيته» وفي رواية «من شر كل دابة أنت آخذ ~~بناصيتها اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من ~~الفقر» وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي ~~هريرة أيضا قال «بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم ~~سحاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ~~ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها ~~الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال سماءان بعد ما بينهما خمسمائة سنة حتى عد سبع ~~سموات ما بين كل سماء كما بين السماء والأرض، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما ~~بين السماءين ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال # فإنها الأرض ثم قال هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم ~~قال فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل ~~أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل ~~إلى الأرض السابعة السفلى ms3350 لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب قال الترمذي قال ~~بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث إنما أراد لهبط على علم الله وقدرته ~~وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه ~~في كتابه. # العنان اسم للسحاب ومعنى روايا الأرض الحوامل والرقيع اسم للسماء وقيل هو ~~اسم لسماء الدنيا قوله عز وجل: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها تقدم تفسيره وهو معكم أين ما كنتم أي بالعلم والقدرة فليس ~~ينفك أحد من تعليق علم الله تعالى وقدرته أينما كان من أرض أو سماء برا ~~وبحرا وقيل هو معكم بالحفظ والحراسة. # PageV04P246 # وقوله تعالى: والله بما تعملون بصير يدل على صحة القول الأول، له ملك ~~السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 6 الى 10] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) ~~آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) وما لكم ~~ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا ~~وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور تقدم ~~تفسيره. # قوله تعالى: آمنوا بالله ورسوله لما ذكر أنواعا من الدلائل الدالة على ~~التوحيد والعلم والقدرة شرع يخاطب كفار قريش ويأمرهم بالإيمان بالله ورسوله ~~ويأمرهم بترك الدنيا والإعراض عنها والنفقة في جميع وجوه البر وهو قوله ~~تعالى: ms3351 وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني المال الذي كان بيد غيركم ~~فأهلكهم وأعطاكم إياه فكنتم في ذلك المال خلفاء عمن مضى فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم يعني وأي عذر لكم في ترك الإيمان بالله والرسول يدعوكم إليه وينبهكم ~~عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبرهان والحجج، وقد أخذ ميثاقكم أي أخذ ~~الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم ~~سواه وقيل أخذ ميثاقكم حيث ركب فيكم العقول ونصب لكم الأدلة والبراهين ~~والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول، إن كنتم مؤمنين أي يوما ما فالآن أحرى ~~الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهو قوله تعالى: هو الذي ينزل على عبده يعني محمدا صلى الله عليه وسلم آيات ~~بينات يعني القرآن ليخرجكم يعني الله بالقرآن وقيل الرسول بالدعوة من ~~الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان وإن الله بكم لرؤف ~~رحيم قوله تعالى: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات ~~والأرض يقول أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقربكم من الله تعالى وأنتم ~~ميتون تاركون أموالكم لغيركم فالأولى أن تنفقوها أنتم فيما يقربكم إلى الله ~~تعالى وتستحقون به الثواب ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله ~~وبالجهاد فقال تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل يعني فتح ~~مكة في قول أكثر المفسرين وقيل هو صلح الحديبية، والمعنى لا يستوي في الفضل ~~من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع ~~من أنفق ماله وقاتل بعد الفتح أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا قال الكلبي إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنه ~~أول من أسلم وأول من أنفق ماله في سبيل الله وذهب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال عبد الله ms3352 بن مسعود أول من أظهر إسلامه سبع منهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه ~~عباءة قد خلها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة ~~قد خلها في صدره بخلال فقال أنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله عز وجل ~~يقول اقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن الله يقرئك السلام ويقول لك أراض ~~أنت في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو بكر أأسخط على ربي إني على ربي راض إني ~~على ربي راض» وكلا وعد الله الحسنى يعني الجنة قال عطاء درجات الجنة # PageV04P247 # تتفاضل فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها، والله بما تعملون خبير. # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 11 الى 13] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول ~~المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من ~~قبله العذاب (13) # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا أي صادقا محتسبا بالصدقة طيبة بها نفسه ~~وسمي هذا الإنفاق قرضا من حيث إنه وعد به الجنة تشبيها بالقرض قال بعض ~~العلماء القرض لا يكون حسنا حتى تجمع فيه أوصاف عشرة وهي أن يكون المال من ~~الحلال وأن يكون من أجود المال وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه وأن تصرف ~~صدقتك إلى الأحوج إليها وأن تكتم الصدقة ما أمكنك وأن لا تتبعها بالمن ~~والأذى وأن تقصد بها وجه الله ولا ترائي بها الناس وأن تستحقر ما تعطي ~~وتتصدق به وإن كان كثيرا وأن يكون ms3353 من أحب أموالك إليك وأن لا ترى عز نفسك ~~وذل الفقير فهذه عشرة أوصاف إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضا حسنا، فيضاعفه ~~له يعني يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا، وله أجر كريم يعني وذلك الأجر كريم ~~في نفسه. # قوله عز وجل: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يعني على الصراط يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم أي عن أيمانهم وقيل أراد جميع الجوانب فعبر بالبعض عن ~~الكل وذلك دليلهم إلى الجنة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ~~ودون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» وقال عبد ~~الله بن مسعود يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتي نوره كالنخلة ~~ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على إبهامه فيطفأ ~~مرة ويوقد مرة وقيل في معنى الآية يسعى نورهم بين أيديهم أي يعطون كتبهم ~~بأيمانهم وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ~~آمنوا انظرونا أي انتظرونا نقتبس من نوركم أي نستضيء من نوركم قيل تغشى ~~الناس ظلمة شديدة يوم القيامة فيعطي الله المؤمنين نورا على قدر أعمالهم ~~يمشون به على الصراط ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم فبينما هم يمشون ~~إذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله تعالى يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا ~~أتمم لنا نورنا مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين وقيل بل ~~يستضيئون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون بقوا في ~~الظلمة وقالوا للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم قال ابن ~~عباس يقول لهم المؤمنون وقيل يقول لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من حيث جئتم ~~وقيل ارجعوا إلى الدنيا فاعملوا فيها أعمالا يجعلها الله لكم نورا وقيل ~~معناه لا نور لكم عندنا فارجعوا وراءكم ms3354 فالتمسوا أي اطلبوا لأنفسكم هناك ~~نورا أي لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا فيرجعون في طلب النور فلا يجدون ~~شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين فذلك قوله تعالى: ~~فضرب بينهم أي المؤمنين والمنافقين بسور وهو حائط بين الجنة والنار له أي ~~لذلك السور باب باطنه فيه الرحمة أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة ~~وظاهره من قبله العذاب أي من قبل ذلك الظاهر العذاب وهو النار وروي عن عبد ~~الله بن عمر قال إن السور الذي ذكر في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي ~~باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم وقال ابن شريح كان كعب ~~يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله ~~تعالى: فضرب بينهم بسور له باب الآية. # PageV04P248 # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 14 الى 15] # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ ~~منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (15) # ينادونهم يعني ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم ~~وبقوا في الظلمة ألم نكن معكم أي في الدنيا نصلي ونصوم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم أي أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي ~~والشهوات وكلها فتنة وتربصتم أي بالإيمان والتوبة وقيل تربصتم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وارتبتم أي شككتم في نبوته ~~وفيما أوعدكم به وغرتكم الأماني أي الأباطيل وذلك ما كنتم تتمنون من نزول ~~الدوائر بالمؤمنين حتى جاء أمر الله يعني الموت وقيل هو إلقاؤهم في النار ~~وهو قوله تعالى: وغركم بالله الغرور يعني الشيطان قال قتادة ما زالوا على ~~خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار فاليوم لا يؤخذ منكم فدية أي عوض ~~وبدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب وقيل معناه لا يقبل منكم إيمان ولا توبة ~~ولا من الذين كفروا يعني المشركين وإنما ms3355 عطف الكفار على المنافقين وإن كان ~~المنافق كافرا في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير ~~المنافق فحسن عطفه على المنافق مأواكم النار أي مصيركم، هي مولاكم أي وليكم ~~وقيل هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعنى هي التي تلي عليكم لأنها ~~ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وقيل معنى الآية لا مولى ~~لكم ولا ناصر لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له وبئس المصير. ### || [سورة الحديد (57): الآيات 16 الى 18] # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ~~ولهم أجر كريم (18) # قوله تعالى: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله قيل نزلت في ~~المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم قالوا لسلمان الفارسي ذات يوم حدثنا ~~عن التوراة فإن فيها العجائب فنزل نحن نقص عليك أحسن القصص فأخبرهم أن ~~القرآن أحسن من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوه مثل ~~ذلك فنزل الله نزل أحسن الحديث الآية فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا ~~فسألوه فنزلت هذه الآية فعلى هذا القول يكون تأويل قوله: ألم يأن للذين ~~آمنوا يعني في العلانية باللسان ولم يؤمنوا بالقلب، وقيل نزلت في المؤمنين ~~وذلك أنهم لما قدموا المدينة أصابوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ~~ما كانوا عليه فعوتبوا ونزل في ذلك ألم يأن للذين آمنوا الآية قال ابن ~~مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين ~~أخرجه مسلم وقال ابن عباس إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ~~رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال ألم يأن يعني أما حان للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم أي ترق وتلين ms3356 وتخضع قلوبهم لذكر الله أي لمواعظ الله وما ~~نزل من الحق يعني القرآن ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل يعني ~~اليهود والنصارى، فطال عليهم الأمد أي الزمان الذي بينهم وبين أنبيائهم ~~فقست قلوبهم قال ابن عباس مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن ~~والمعنى أن الله نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى ~~الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر روي عن أبي موسى الأشعري أنه بعث إلى ~~قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا # PageV04P249 # القرآن فقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم قاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد ~~فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وكثير منهم فاسقون يعني الذين ~~تركوا الإيمان بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: اعلموا أن الله ~~يحي الأرض أي بالمطر بعد موتها أي يخرج منها النبات بعد يبسها فكذلك يقدر ~~على إحياء الموتى وقال ابن عباس يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتة ~~منيبة وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة وإلا فقد علم إحياء الأرض ~~بالمطر مشاهدة قد بينا لكم الآيات أي الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لعلكم ~~تعقلون إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا أي بالنفقة والصدقة ~~في سبيل الله يضاعف لهم أي ذلك القرض ولهم أجر كريم أي ثواب حسن وهو الجنة. # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 19 الى 20] # والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) اعلموا أنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة ~~عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) # والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون أي الكثير والصدق قال مجاهد ~~كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية فعلى هذا الآية عامة في كل ~~من آمن بالله ورسوله وقيل إن الآية خاصة في ثمانية نفر من ms3357 هذه الأمة سبقوا ~~أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم لما عرف من صدق ~~نيته، والشهداء عند ربهم قيل أراد بالشهداء المؤمنين المخلصين قال مجاهد كل ~~مؤمن صديق شهيد وتلا هذه الآية وقيل هم التسعة الذين تقدم ذكرهم وقيل تم ~~الكلام عند قوله هم الصديقون ثم ابتدأ والشهداء عند ربهم وهم الأنبياء ~~الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس وقيل هم الذين استشهدوا في ~~سبيل الله، لهم أجرهم أي بما عملوا من العمل الصالح ونورهم يعني على الصراط ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم لما ذكر حال المؤمنين ~~أتبعه بحال الكافرين. # قوله عز وجل: اعلموا أنما الحياة الدنيا أي مدة الحياة في هذه الدار ~~الدنيا وإنما أراد من صرف حياته في غير طاعة الله فحياته مذمومة ومن صرف ~~حياته في طاعة الله فحياته خير كلها ثم وصفها بقوله لعب أي باطل لا حاصل له ~~كلعب الصبيان ولهو أي فرح ساعة ثم ينقضي عن قريب وزينة أي منظر يتزينون به ~~وتفاخر بينكم يعني إنكم تشتغلون في حياتكم بما يفتخر به بعضكم على بعض ~~وتكاثر في الأموال والأولاد أي مباهاة بكثرة الأموال والأولاد وقيل بجمع ما ~~لا يحل له فيتطاول بماله وخدمه وولده على أولياء الله تعالى وأهل طاعته ثم ~~ضرب لهذه الحياة مثلا فقال تعالى: كمثل غيث أعجب الكفار أي الزراع إنما سمي ~~الزراع كفارا لسترهم الأرض بالبذر نباته أي ما نبت بذلك الغيث ثم يهيج أي ~~ييبس فتراه مصفرا أي بعد خضرته ثم يكون حطاما أي يتحطم ويتكسر بعد يبسه ~~ويفنى وفي الآخرة عذاب شديد أي لمن كانت حياته بهذه الصفة قال أهل المعاني ~~زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا وهذه صفة حياة الكافرين وحياة من ~~يشتغل باللعب واللهو ورغب في العمل للآخرة بقوله: ومغفرة من الله ورضوان أي ~~لأوليائه وأهل طاعته وقيل عذاب شديد لأعدائه ومغفرة من الله ورضوان ms3358 ~~لأوليائه لأن الآخرة إما عذاب وإما جنة وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~أي لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة فمن اشتغل في الدنيا بطلب الآخرة فهي له ~~بلاغ إلى ما هو خير منه وقيل متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة. # PageV04P250 # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 21 الى 25] # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ~~ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ~~ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) # قوله عز وجل: سابقوا إلى مغفرة من ربكم معناه لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في ~~غير ما أنتم عليه بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة والمعنى ~~سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار إلى مغفرة أي إلى ما يوجب المغفرة وهي ~~التوبة من الذنوب وقيل سابقوا إلى ما كلفتم به من الأعمال فتدخل فيه التوبة ~~وغيرها، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض قيل إن السموات السبع والأرضين ~~السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكان عرض الجنة في قدرها جميعا وقال ~~ابن عباس إن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة وقيل إن الله تعالى شبه ~~عرض الجنة بعرض السموات والأرضين ولا شك أن الطول يكون أزيد من العرض فذكر ~~العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ~~ويقع في نفوسهم وأفكارهم وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه ~~عرض الجنة بعرض السموات والأرض على ما يعرفه الناس، أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله فيه ms3359 أعظم رجاء وأقوى أمل لأنه ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ~~ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر يدل عليه قوله في سياق الآية ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله تعالى لا بعمله، ~~والله ذو الفضل العظيم (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته» وقد تقدم الكلام على ~~معنى هذا الحديث والجمع بينه وبين قوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون في ~~تفسير سورة النحل. # قوله تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض يعني عدم المطر وقلة النبات ونقص ~~الثمار، ولا في أنفسكم يعني الأمراض وفقد الأولاد إلا في كتاب يعني في ~~اللوح المحفوظ من قبل أن نبرأها أي من قبل أن نخلق الأرض والأنفس وقال ابن ~~عباس من قبل أن نبرأ المصيبة إن ذلك على الله يسير أي إثبات ذلك على كثرته ~~هين على الله عز وجل: لكيلا تأسوا أي تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا ~~تفرحوا أي لا تبطروا بما آتاكم أي أعطاكم قال عكرمة ليس أحد إلا وهو يفرح ~~ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا قال صاحب الكشاف: إن قلت ما من ~~أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح ~~قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ~~ورجاء ثواب الصابرين والفرح المطغي الملهي عن الشكر فأما الحزن الذي لا ~~يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع ~~الشكر فلا بأس بهما والله أعلم وقال جعفر بن محمد الصادق يا ابن آدم ما لك ~~تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك ~~الموت، والله لا يحب كل مختال أي متكبر بما أوتي من ms3360 الدنيا فخور أي بذلك ~~الذي أوتي على الناس الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل قيل هذه الآية ~~متعلقة بما قبلها والمعنى والله لا يحب الذين يبخلون يريد إذا رزقوا مالا ~~وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم # PageV04P251 # يبخلون به ولا ينفقونه في سبيل الله ووجوه الخير ولا يكفيهم أنهم بخلوا ~~به حتى يأمروا الناس بالبخل وقيل إن الآية كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله ~~وإنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبخلوا ببيان ~~نعته ومن يتول قال ابن عباس عن الإيمان فإن الله هو الغني أي عن عباده ~~الحميد أي إلى أوليائه. # قوله عز وجل: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي بالدلالات والآيات والحجج ~~وأنزلنا معهم الكتاب أي المتضمن للأحكام وشرائع الدين والميزان يعني العدل ~~أي وأمرنا بالعدل وقيل المراد بالميزان هو الآلة التي يوزن بها وهو يرجع ~~إلى العدل أيضا وهو قوله ليقوم الناس بالقسط أي ليتعاملوا بينهم بالعدل، ~~وأنزلنا الحديد قيل إن الله تعالى أنزل مع آدم عليه الصلاة والسلام لما ~~أهبط إلى الأرض السندان والمطرقة والكلبتين وروي عن ابن عمر يرفعه «إن الله ~~أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض الحديد والنار والماء والملح» وقيل ~~أنزلنا هنا بمعنى أنشأنا وأحدثنا الحديد وذلك أن الله تعالى أخرج لهم ~~الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه وإلهامه، فيه بأس شديد أي قوة شديدة ~~فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهي آلة الضرب ومنافع للناس أي ومنه ما ~~ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحو ذلك، إذ الحديد آلة لكل ~~صنعة فلا غنى لأحد عنه وليعلم الله أي وأرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه ~~الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليرى الله من ينصره أي من ينصر دينه ~~ورسله بالغيب أي الذين لم يروا الله ولا الآخرة وإنما يحمد ويثاب من أطاع ~~بالغيب وقال ابن عباس ينصرونه ولا يبصرونه إن الله قوي في أمره عزيز في ~~ملكه. # ### || [سورة الحديد (57): الآيات 26 الى 27] # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ms3361 وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب معناه أنه ~~تعالى شرف نوحا وإبراهيم بالرسالة وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب فلا يوجد ~~نبي إلا من نسلهما فمنهم أي من الذرية مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا أي ~~اتبعنا على آثارهم برسلنا والمعنى بعثنا رسولا بعد رسول إلى أن انتهت ~~الرسالة إلى عيسى ابن مريم وهو قوله تعالى: وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه أي على دينه، رأفة ورحمة يعني أنهم ~~كانوا متوادين بعضهم لبعض، ورهبانية ابتدعوها ليس هذا عطفا على ما قبله ~~والمعنى أنهم جاءوا بها من قبل أنفسهم وهي ترهبهم في الجبال والكهوف ~~والغيران والديرة فروا من الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة ~~وترك النكاح واستعمال الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك ما ~~كتبناها عليهم أي ما فرضناها نحن عليهم إلا ابتغاء رضوان الله أي لكنهم ~~ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها يعني أنهم يرعوا تلك ~~الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وضموا إليها التثليث والاتحاد وكفروا بدين ~~عيسى ودخلوا في دين ملوكهم وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فذلك قوله تعالى: فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وهم الذين ثبتوا على الدين الصحيح، وكثير منهم فاسقون وهم الذين ~~تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى صلى الله عليه وسلم وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~ابن مسعود «اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك ~~سائرهن: فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة ms3362 لم ~~تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين ~~الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل فيهم ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» قال صلى الله عليه وسلم «من آمن بي ~~وصدقني واتبعني فقد رعاها # PageV04P252 # حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون». وعنه قال كنت رديف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي «يا ابن أم عبد هل تدري من أين ~~أخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ظهرت عليهم الجبابرة ~~بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث ~~مرات فلم يبق منم إلا القليل فقالوا إن ظهرنا لهؤلاء فتنونا ولم يبق أحد ~~يدعو إليه تعالى فتعالوا لنتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي ~~وعدنا عيسى به- يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم- فتفرقوا في غيران الجبال ~~وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية ~~ورهبانية ابتدعوها إلى فآتينا الذين آمنوا منهم أي من الذين ثبتوا عليها ~~أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية ~~أمتي؟ قلت الله ورسوله أعلم قال الهجرة والصلاة والجهاد والصوم والحج ~~والعمرة والتكبير على التلاع»، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال «إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله» وعن ابن ~~عباس قال «كانت ملوك بعد عيسى عليه الصلاة والسلام بدلوا التوراة والإنجيل ~~وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ~~فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن ~~فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ~~ما بدلوا منها فقالوا ما تريدون إلى ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا فقالت ~~طائفة منهم ابنوا لنا اسطوانا ثم ارفعونا فيه ثم أعطونا شيئا نرفع به ~~طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم وطائفة قالت دعونا نسيح في ms3363 الأرض ونهيم ونشرب ~~كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة منهم ابنوا ~~لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر ~~عليكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال ففعلوا ذلك فمضى أولئك ~~على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب فجعل # الرجل يقول نكون في مكان فلان نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ~~ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا ~~بهم فذلك قول الله عز وجل: ورهبانية ابتدعوها يعني ابتدعها الصالحون فما ~~رعوها حق رعايتها يعني الآخرين الذين جاءوا من بعدهم فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وكثير منهم فاسقون وهم ~~الذين جاءوا من بعدهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا ~~القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا ~~به وصدقوه فقال الله تعالى: ### || [سورة الحديد (57): الآيات 28 الى 29] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وتصديقهم له وقال ويجعل لكم نورا تمشون به القرآن واتباعهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال لئلا يعلم أهل الكتاب الذين يتشبهون بكم ألا يقدرون ~~على شيء من فضل الله الآية أخرجه النسائي موقوفا على ابن عباس وقال قوم ~~انقطع الكلام عند قوله ورحمة ثم قال ورهبانية ابتدعوها وذلك أنهم تركوا ~~الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة ~~والختان، «فما رعوها» يعني الملة والطاعة حق رعايتها كناية عن غير مذكور ~~فآتينا الذين آمنوا ms3364 منهم أجرهم وهم أهل الرأفة والرحمة وكثير منهم فاسقون ~~وهم الذين غيروا وبدلوا وابتدعوا الرهبانية ويكون معنى قوله: ابتغاء رضوان ~~الله على هذا التأويل: ما كتبناها عليهم ولكن ابتغاء رضوان الله وابتغاء ~~رضوان الله اتباع ما أمر به دون الترهب لأنه لم يأمر به. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الخطاب لأهل الكتابين من ~~اليهود والنصارى يعني يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد ~~وآمنوا به وهو قوله تعالى: وآمنوا برسوله يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~يؤتكم # PageV04P253 # كفلين أي نصيبين من رحمته يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى والإنجيل ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب ~~آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك الذي أدى حق ~~مواليه وحق الله ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها ~~فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران»، ويجعل لكم نورا تمشون به يعني ~~على الصراط وقال ابن عباس: النور هو القرآن وقيل هو الهدى والبيان أي يجعل ~~لكم سبيلا واضحا في الدين تهتدون به ويغفر لكم أي ما سلف من ذنوبكم قبل ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ~~قيل لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله: أولئك يؤتون أجرهم مرتين، ~~قالوا للمسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم ~~وكتابنا ومن لم يؤمن فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا فنزل لئلا يعلم أي ~~ليعلم ولا صلة أهل الكتاب يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وحسدوا المؤمنين ألا يقدرون يعني أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله ~~والمعنى جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم الذين لم ~~يؤمنوا به أنهم لا أجر لهم ولا نصيب من فضل الله وقيل لما نزل في مسلمي أهل ms3365 ~~الكتاب أولئك يؤتون أجرهم مرتين افتخروا على المسلمين بزيادة الأجر فشق ذلك ~~على المسلمين فنزل لئلا يعلم أهل الكتاب يعني المؤمنين منهم أن لا يقدرون ~~على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يعني الذي خصكم به فإنه فضلكم على ~~جميع الخلائق وقيل يحتمل أن يكون الأجر الواحد أكثر من الأجرين وقيل قالت ~~اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا ~~به فأنزل هذه الآية فعلى هذا يكون فضل الله النبوة يؤتيه من يشاء يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وهو قوله وأن الفضل بيد الله أي في ملكه وتصرفه ~~يؤتيه من يشاء لأنه قادر مختار، والله ذو الفضل العظيم (خ) عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على ~~المنبر يقول «إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى ~~غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ~~ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ~~فأعطينا قراطين قيراطين فقال أهل الكتابين أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين ~~قيراطين وأعطيتنا قيراطا ونحن أكثر عملا قال الله تعالى هل ظلمتكم من أجركم ~~شيئا قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء» وفي رواية «إنما أجلكم في أجل ~~من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وإنما مثلكم ومثل ~~اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على ~~قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل ~~لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف ~~النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر ~~إلى غروب الشمس على قيراطين قراطين ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر ms3366 ~~إلى غروب الشمس ألا لكم الأجر مرتين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر ~~عملا وأقل عطاء قال الله عز وجل وهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال فإنه ~~فضلي أصيب به من شئت» أي أعطيه من شئت (خ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل ~~رجل استأجر قوما يعملون له إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار ~~فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال # لهم لا تفعلوا اعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر ~~آخرين بعدهم فقال اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا ~~حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا ~~فيه فقال أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر ~~قوما أن يعملوا بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر ~~الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV04P254 ### | سورة المجادلة # مدنية وهي اثنان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة وألف وسبعمائة ~~واثنان وتسعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المجادلة (58): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) # قوله عز وجل: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها «نزلت في خولة بنت ~~ثعلبة وقيل اسمها جميلة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وكان به ~~لمم وكانت هي حسنة الجسم فأرادها فأبت عليه فقال لها أنت علي كظهر أمي ثم ~~ندم على ما قال وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال ما أظنك ~~إلا قد حرمت علي فقالت والله ما ذاك طلاق فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعائشة تغسل شق رأسه فقالت يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني ms3367 ~~وأنا شابة غنية ذات أهل ومال حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر ~~سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه وتنعشني به فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ~~ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت له صحبتي ونثرت ~~له بطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم ~~أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه هتفت وقالت أشكو إلى الله فاقتي ~~ووحدتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ~~ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول اللهم أشكو إليك اللهم فأنزل على ~~لسان نبيك فرجي وهذا كان أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه ~~الآخر فقالت انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله فقالت عائشة أقصري ~~حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه ~~الوحي أخذه مثل السبات فلما قضي الوحي قال ادعي لي زوجك فتلا عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية (ق) ~~عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة خولة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمته في جانب البيت وما أسمع ما تقول فأنزل ~~الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله الآية وأما ~~تفسير الآية فقوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك أي تحاورك وتخاصمك ~~وتراجعك في زوجها أي في أمر زوجها وتشتكي إلى الله أي شدة حالها وفاقتها ~~ووحدتها، والله يسمع تحاوركما أي مراجعتكما الكلام إن الله سميع أي لمن ~~يناجيه ويتضرع ms3368 إليه بصير أي بمن يشكو إليه ثم ذم الظهار فقال تعالى: ### || [سورة المجادلة (58): آية 2] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) # الذين يظاهرون منكم من نسائهم يعني يقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا ما هن ~~أمهاتهم أي ما اللواتي # PageV04P255 # يجعلونهن من زوجاتهن كالأمهات بأمهات والمعنى ليس هن بأمهاتهم إن أمهاتهم ~~أي ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم يعني المظاهرين ليقولون منكرا من ~~القول يعني لا يعرف في الشرع وزورا يعني كذبا وقيل إنما وصفه بكونه منكرا ~~من القول وزورا لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا والزوجة لا تحرم عليه بهذا ~~القول تحريما مؤبدا فلا جرم صار ذلك منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو ~~غفور عفا الله عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. # (فصل في أحكام الظهار: وفيه مسائل) المسألة الأولى: في معناه لغة قيل إن ~~مشتق من الظهر وهو العلو وليس هو من ظهر الإنسان إذ ليس الظهر بأولى من ~~سائر الأعضاء التي هي مواضع التلذذ والمباضعة فثبت بهذا أنه مأخوذ من الظهر ~~الذي هو العلو لأن امرأة الرجل مركب له وظهر يدل عليه قول العرب في الطلاق ~~نزلت عن امرأتي أي طلقتها وفي قولهم أنت علي كظهر أمي حذف وإضمار لأن ~~تأويله ظهرك علي أي ملكي إياك وعلوي عليك حرام كعلوي أمي وعلوه عليها حرام. # المسألة الثانية: كان الظهار من أشد طلاق أهل الجاهلية لأنه في التحريم ~~آكد ما يمكن فإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له وإلا ~~لم يعد نسخا لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في أحكام الجاهلية وعادتهم. # المسألة الثالثة: في الألفاظ المستعملة لهذا المعنى في الشريعة وعرف ~~الفقهاء الأصل في هذا قوله أنت علي كظهر أمي وأنت مني أو معي أو عندي كظهر ~~أمي وكذا لو قال أنت علي كبطن أمي لو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو ~~رأسك أو يدك علي ms3369 كظهر أمي أو شبه عضوا منها بعضو من أعضاء أمه يكون ذلك ~~ظهارا وقال أبو حنيفة إن شبهها ببطن أمه أو بفرجها أو بفخذها يكون ظهارا ~~وإن بشبهها بعضو غير هذه الأعضاء لا يكون ظهارا ولو قال أنت علي كأمي أو ~~كروح أمي وأراد به الإعزاز والإكرام لا يكون ظهارا حتى ينويه ويريده ولو ~~شبهها بجدته فقال أنت علي كظهر جدتي يكون ظهارا وكذلك لو شبهها بامرأة ~~محرمة عليه بالقرابة بأن قال أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي أو شبهها ~~بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهارا على الأصح. # المسألة الرابعة: فيمن يصح ظهاره قال الشافعي الضابط في هذا أن كل من صح ~~طلاقه صح ظهاره فعلى هذا يصح ظهار الذمي وقال أبو حنيفة لا يصح احتج ~~الشافعي بعموم قوله والذين يظاهرون من نسائهم واحتج أبو حنيفة بأن هذا خطاب ~~للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين وأجيب عنه بأن هذا خطاب ~~يتناول جميع الحاضرين فلم قلتم إنه مختص بالمؤمنين. # ### || [سورة المجادلة (58): آية 3] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) # قوله تعالى: والذين يظاهرون من نسائهم يعني يمتنعون بهذا اللفظ من جماعهن ~~ثم يعودون لما قالوا اختلف العلماء في معنى العود في قوله «ثم يعودون لما ~~قالوا» ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية ثم بيان أقوال الفقهاء فنقول ~~قال الفراء لا فرق في اللغة بين أن يقال يعودون لما قالوا وفيما قالوا وقال ~~أبو علي الفارسي كلمة إلى اللام تتعاقبان كقوله وأوحي إلى نوح وبأن ربك ~~أوحى لها وأما لفظة «ما» في قوله لما فهي بمعنى الذي والمعنى يعودون إلى ~~الذي قالوا وفي الذي قالوا. وفيه وجهان: # PageV04P256 # أحدهما: إنه لفظ الظهار والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. # الوجه الثاني: أن المراد لما قالوا أي القول فيه وهو الذي حرموه على ~~أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول منزلة المقول فيه وعلى هذا المعنى قوله ms3370 ثم ~~يعودون لما قالوا أي يعودون إلى شيء وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك ~~القول ثم إذا فسر هذا اللفظ بالوجه الأول يجوز أن يكون المعنى عاد لما فعل ~~أي فعله مرة أخرى وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقال عاد لما فعل أي نقض ما ~~فعل وذلك أن من فعل شيئا ثم أراد أن يفعله ثانيا فقد عاد إليه وكذا من فعل ~~شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه بالتصرف فيه فقد ظهر بما تقدم أن قوله ثم ~~يعودون لما قالوا يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بأن يفعلوا مثله مرة ~~أخرى ويحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة وإلى ~~هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين ثم اختلفوا فيه على وجوه: # الأول: وهو قول الشافعي إن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد ~~الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن ~~وصله بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه فإذا سكت ~~عن الطلاق فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم فحينئذ تجب ~~عليه الكفارة وفسر ابن عباس العود بالندم فقال يندمون فيرجعون إلى الألفة. # الوجه الثاني: في تفسير العود وهو قول أبي حنيفة إنه عبارة عن استباحة ~~الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة وذلك أنه لما شبهها بالأم في حرمة ~~هذه الأشياء ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضا لقوله أنت علي كظهر أمي. # الوجه الثالث: وهو قول مالك إن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها وهو ~~قريب من قول أبي حنيفة. # الوجه الرابع: وهو قول الحسن وقتادة وطاوس والزهري إن العود إليها عبارة ~~عن جماعها وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأها قال العلماء والعود المذكور ~~هنا هب أنه صالح للجماع أو للعزم عليه أو لاستباحته إلا أن الذي قاله ~~الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به ~~يتحقق مسمى العود وأما ms3371 الباقي فزيادة لا دليل عليه وأما الاحتمال الأول في ~~قوله ثم يعودون أي يفعلون مثل ما فعلوه فعلى هذا الاحتمال في الآية وجوه ~~أيضا الأول قال مجاهد والثوري العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وتجب ~~الكفارة به والمراد من العود هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ذلك ~~أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار فجعل الله حكم الظهار في الإسلام على ~~خلاف حكمه عندهم فمعنى ثم يعودون لما قالوا أي في الإسلام فيقولون في ~~الإسلام مثل ما كانوا يقولون في الجاهلية فكفارته كذا وكذا على الوجه ~~الثاني قال أبو العالية إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد وإلا لم يكن عود وهذا ~~قول أهل الظاهر واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله ثم يعودون لما قالوا يدل على ~~إعادة ما فعلوه وهذا لا يكون إلا بالتكرير وإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة ~~عليه. # وقوله تعالى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المراد بالتماس المجامعة فلا ~~يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، ذلكم توعظون به يعني أن ~~غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه والله بما تعملون أي من ~~التكفير وتركه خبير ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة فقال تعالى: ### || [سورة المجادلة (58): آية 4] # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ~~(4) # فمن لم يجد أي الرقبة فصيام شهرين أي فكفارته وقيل فعليه صيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن # PageV04P257 # يتماسا فمن لم يستطع أي الصيام (ف) - كفارته فإطعام ستين مسكينا ذلك أي ~~الفرض الذي وصفناه، لتؤمنوا بالله ورسوله أي لتصدقوا الله فيما أمر به ~~وتصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الله تعالى: وتلك حدود ~~الله يعني ما وصف من الكفارة في الظهار وللكافرين أي لمن جحد هذا وكذب به ~~عذاب أليم أي في نار جهنم يوم القيامة. # (فصل: في أحكام الكفارة، وما يتعلق بالظهار) وفيه مسائل: ms3372 # المسألة الأولى: اختلفوا فيما يحرمه الظهار فللشافعي قولان: أحدهما أنه ~~يحرم الجماع فقط. والقول الثاني وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاع ~~وهو قول أبي حنيفة. # المسألة الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال الشافعي وأبو حنيفة لكل ~~ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد فإن عليه كفارة ~~واحدة وقال مالك من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة ~~واحدة. # المسألة الثالثة: الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة سواء أراد ~~التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام وعند مالك إن أراد التكفير ~~بالإطعام يجوز له الوطء قبله لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل ~~المسيس ولم يقل في الإطعام «من قبل أن يتماسا» فدل على ذلك. وعند الآخرين ~~الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام فإن جامع قبل أن يكفر ~~لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد وسفيان وقال بعضهم وإن واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ~~وهو قول عبد الرحمن بن مهدي. # المسألة الرابعة: كفارة الظهار مرتبة فيجب عليه عتق رقبة مؤمنة وقال أبو ~~حنيفة هذه الرقبة تجزي سواء كانت مؤمنة أو كافرة لقوله تعالى: فتحرير رقبة ~~فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب. # دليلنا أنا أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان فكذا هنا ~~وحمل المطلق على المقيد أولى. # المسألة الخامسة: الصوم فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فإن ~~أفطر يوما متعمدا أو نسي النية يجب عليه استئناف الشهرين ولو شرع في الصوم ~~ثم جامع في خلال الشهرين بالليل عصى الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة ~~لكن لا يجب عليه استئناف الشهرين وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين. # المسألة السادسة: إن عجز عن الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة بحيث لا يصبر ~~عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينا كل مسكين مد من الطعام الذي يقتات به ~~أهل البلد من حنطة أو شعير أو ms3373 أرز أو ذرة أو تمر أو نحو ذلك وقال أبو حنيفة ~~يعطي لكل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو صاعا من ~~شعير ولو أطعم مسكينا واحدا ستين جزءا لا يجزيه عند الشافعي وقال أبو حنيفة ~~يجزيه. # حجة الشافعي ظاهر الآية وهو أن الله تعالى أوجب إطعام ستين مسكينا فوجب ~~رعاية ظاهر الآية وحجة أبي حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل. # وأجيب عنه بأن إدخال السرور على قلب ستين مسكينا أولى من إدخال السرور ~~على قلب مسكين واحد. # المسألة السابعة: إذا كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى الخدمة أو له ثمن ~~الرقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم وقال ~~مالك والأوزاعي يلزمه الإعتاق إذا كان واجدا للرقبة أو ثمنها وإن كان ~~محتاجا # PageV04P258 # إليه وقال أبو حنيفة إن كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان ~~محتاجا إليه، وإن كان واجدا لثمن الرقبة لكنه محتاج إليه فله أن يصوم. # المسألة الثامنة: قال أصحاب الشافعي الشبق المفرط والغلمة الهائجة عذر في ~~الانتقال من الصيام إلى الإطعام والدليل عليه ما روي عن سلمة بن صخر ~~البياضي قال «كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان ~~خفت أن أصيب من امرأتي شيئا تتايع بي حتى أصبحت فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر ~~رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذا انكشف لي منها شيء فما لبثت أن نزوت ~~عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر قال فقلت امشوا معي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا والله فانطلقت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فقال أنت بذاك يا سلمة قلت أنا بذاك يا رسول الله ~~مرتين وأنا صابر لأمر الله فاحكم بما أمرك الله به. قال حرر رقبة قلت والذي ~~بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين ~~متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من ms3374 الصيام قال فأطعم وسقا من تمر ستين ~~مسكينا قلت والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشين لا نملك لنا طعاما قال ~~فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من ~~تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء ~~الرأي ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي ~~بصدقتكم وبنو بياضة بطن من بني زريق» أخرجه أبو داود. # قوله نزوت عليها أي وثبت عليها وأراد به الجماع وقوله تتايع به التتايع ~~الوقوع في الشر واللجاج فيه والوسق ستون صاعا، وقوله وحشين يقال رجل وحش ~~إذا لم يكن له طعام وأوحش الرجل إذا جاع. # وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني ~~فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها إلى الفرض قال يعتق رقبة قلت لا يجد قال فليصم شهرين ~~متتابعين قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين ~~مسكينا قلت ما عنده شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق من تمر قلت يا رسول ~~الله وأنا أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا ~~ارجعي إلى ابن عمك» أخرجه أبو داود وفي رواية «قلت إن أوسا ظاهر مني وذكرت ~~أن به لمما وقالت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له في منافع ~~وذكرت نحوه» العرق بفتح العين والراء المهملتين زنبيل يسع ثلاثين صاعا وقيل ~~خمسة عشر صاعا وقولها إن به لمما اللمم طرف من الجنون وقال الخطابي لبس ~~المراد من اللمم هنا الجنون والخبل إن لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحال ~~لم يلزمه شيء بل معنى اللمم هاهنا الإلمام بالنساء وشدة الحرص والشبق والله ~~أعلم. # PageV04P259 # ### || [سورة المجادلة ms3375 (58): الآيات 5 الى 8] # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) # قوله عز وجل: إن الذين يحادون الله ورسوله أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ~~ويخالفون أمرهما، كبتوا أي ذلوا وأخزوا وأهلكوا كما كبت الذين من قبلهم أي ~~كما أخزي من كان قبلهم من أهل الشرك، وقد أنزلنا آيات بينات يعني فرائض ~~وأحكاما. وللكافرين أي الذين لم يعملوا بها وجحدوها عذاب مهين يوم يبعثهم ~~الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله أي حفظ الله أعمالهم ونسوه أي ~~نسوا ما كانوا يعملون في الدنيا، والله على كل شيء شهيد قوله تعالى: ألم تر ~~أي ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض يعني أنه سبحانه ~~وتعالى عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات ~~ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة # أي من أسرار ثلاثة وهي المسارة والمشاورة والمعني ما من شيء يناجي به ~~الرجل صاحبه وقيل ما يكون من متناجين ثلاثة يسارر بعضهم بعضا إلا هو رابعهم ~~أي بالعلم يعني يعلم نجواهم كأنه حاضر معهم ومشاهدهم كما تكون نجواهم ~~معلومة عند الرابع الذي يكون معهم ولا خمسة إلا هو سادسهم فإن قلت لما خص ~~الثلاثة والخمسة. # قلت: أقل ما يكفي ms3376 في المشاورة ثلاثة حتى يتم الغرض فيكون اثنان ~~كالمتنازعين في النفي والإثبات والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ تحمد ~~تلك المشاورة ويتم ذلك الغرض وهكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من واحد ~~يكون حكما بينهم مقبول القول وقيل إن العدد الفرد أشرف من الزوج فلهذا خص ~~الله تعالى الثلاثة والخمسة ثم قال تعالى: ولا أدنى من ذلك ولا أكثر يعني ~~ولا أقل من ثلاثة وخمسة ولا أكثر من ذلك العدد إلا هو معهم أين ما كانوا أي ~~بالعلم والقدرة، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى نزلت في اليهود والمنافقين ~~وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ~~ويتغامزون بأعينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون بما يسوءهم فيحزن ~~المؤمنين لذلك ويقولون ما نراهم إلا قد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في ~~السرايا قتل أو هزيمة فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم فلما طال على المؤمنين ~~وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون ~~المؤمنين فلم ينتهوا فأنزل الله ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى أي ~~المناجاة فيما بينهم، ثم يعودون لما نهوا عنه أي يرجعون إلى المناجاة التي ~~نهوا عنها ويتناجون بالإثم والعدوان يعني ذلك السر الذي كان بينهم لأنه إما ~~مكر وكيد بالمسلمين أي شيء يسوءهم وكلاهما إثم وعدوان، ومعصية الرسول وذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه وعادوا ~~إليها وقيل معناه يوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول وإذا جاؤك يعني اليهود ~~حيوك بما لم يحيك به الله وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون السام عليك والسام الموت وهم يوهمونه بأنهم يسلمون عليه ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد فيقول عليكم ويقولون في أنفسهم يعني إذا ~~خرجوا من عنده قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول يريدون لو كان نبيا لعذبنا ~~الله بما نقول من ms3377 الاستخفاف به قال الله تعالى: حسبهم جهنم يصلونها فبئس ~~المصير المعنى أن تقديم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة وإذا لم ~~تقتض المشيئة والمصلحة تقديم العذاب فعذاب جهنم يوم القيامة كافيهم (ق) عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا السام عليك قالت عائشة ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة ~~قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق ~~في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد قلت عليكم» وللبخاري «إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا السام عليك فقال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله ~~وغضب عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة عليك بالرفق وإياك ~~والعنف والفحش قالت أو لم تسمع ما قالوا؟ قال أو لم تسمعي ما قلت رددت ~~عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» السام الموت قال الخطابي عامة ~~المحدثين يروون إذا سلم عليكم أهل الكتاب فإنما يقولون السام عليكم فقولوا ~~وعليكم الحديث فيثبتون الواو في وعليكم وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو ~~قال وهو # PageV04P260 # الصواب لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه مردودا عليهم بعينه وإذا ~~أثبت الواو وقع الاشتراك معهم لأن الواو تجمع بين الشيئين، والعنف ضد الرفق ~~واللين، والفحش الرديء من القول. ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 9 الى 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (10) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول في المخاطبين بهذه الآية قولان أحدهما أنه خطاب ~~للمؤمنين وذلك أنه لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول أتبعه بأن نهى المؤمنين أن يسلكوا مثل ms3378 طريقهم وأن يفعلوا ~~كفعلهم فقال لا تتناجوا بالإثم وهو ما يقبح من القول والعدوان وهو ما يؤدي ~~إلى الظلم ومعصية الرسول وهو ما يكون خلافا عليه. # والقول الثاني: وهو الأصح أنه خطاب للمنافقين والمعنى. يا أيها الذين ~~آمنوا بألسنتهم وقيل آمنوا بزعمهم كأنه قال لهم لا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى أي بالطاعة وترك المعصية واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان أي من تزيين الشيطان وهو ما ~~يأمرهم به. من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ليحزن الذين آمنوا إنما يزين ~~ذلك ليحزن المؤمنين (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث» زاد ابن ~~مسعود في رواية «فإن ذلك يحزنه» وهذه الزيادة لأبي داود وليس بضارهم شيئا ~~يعني ذلك التناجي وقيل الشيطان ليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله أي إلا ما ~~أراد الله تعالى وقيل إلا بإذن الله في الضر وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي ~~فليكل المؤمنون أمرهم إلى الله تعالى ويستعيذوا به من الشيطان فإن من توكل ~~على الله لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه. # ### || [سورة المجادلة (58): آية 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~الآية قيل في سبب نزولها «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرم أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم ثم سلموا على القوم فردوا ~~عليهم ثم قاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا وشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله قم يا فلان وأنت يا فلان فأقام من ~~المجلس بقدر أولئك النفر ms3379 الذين كانوا بين يديه من أهل بدر فشق ذلك على من ~~أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل ~~الله هذه الآية» وقيل نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تقدمت القصة في سورة ~~الحجرات، وقيل كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون ~~القرب منه فكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا تضاموا في مجلسهم فأمرهم الله أن ~~يفسح بعضهم لبعض وقيل كان ذلك يوم الجمعة في الصفة والمكان ضيق والأقرب أن ~~المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتضامون فيه تنافسا ~~على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصا على استماع كلامه فأمر ~~الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه وقرئ في المجلس لأن ~~لكل واحد مجلسا ومعناه ليفسح كل رجل في مجلسه فافسحوا أي فأوسعوا في المجلس ~~أمروا بأن يوسعوا في المجالس لغيرهم، يفسح الله لكم أي يوسع الله لكم في ~~الجنة والمجالس فيها (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم # PageV04P261 # يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح الله لكم»، (م) عن جابر بن عبد الله ~~قال «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن ~~يقول افسحوا» ذكره الحميدي في أفراد مسلم موقوفا على جابر ورفعه غير ~~الحميدي وقيل في معنى الآية إن هذا في مجالس العرب ومقاعد القتال كان الرجل ~~يأتي القوم وهم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ~~ورغبتهم في الشهادة فأمروا بأن يوسعوا لإخوانهم لأن الرجل الشديد البأس قد ~~يكون متأخرا عن الصف الأول والحاجة داعية إلى تقدمه فلا بد من التفسح له ثم ~~يقاس على ذلك سائر المجالس كمجالس العلم والقرآن والحديث والذكر ونحو ذلك ~~لأن كل من وسع على عباد الله أنواع ms3380 الخير والراحة وسع الله عليه خيري ~~الدنيا والآخرة. وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي إذا قيل ارتفعوا عن مواضعكم ~~حتى توسعوا لإخوانكم فارتفعوا وقيل كان رجال يتثاقلون عن الصلاة في الجماعة ~~إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية والمعنى إذا نودي إلى الصلاة ~~فانهضوا إليها وقيل إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى كل خير ~~فانهضوا إليه ولا تقصروا عنه، يرفع الله الذين آمنوا منكم أي بطاعتهم لله ~~ولرسوله وامتثال أوامره في قيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم والذين ~~أوتوا العلم أي ويرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم ~~درجات أي على من سواهم في الجنة قيل يقال للمؤمن الذي ليس بعالم إذا انتهى ~~إلى باب الجنة أدخل ويقال للعالم قف فاشفع في الناس أخبر الله عز وجل أن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمروا أن أولئك المؤمنين مثابون فيما ~~ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا به من الإكرام والله بما ~~تعملون خبير قال الحسن قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال يا أيها الناس افهموا ~~هذه الآية ولنرغبنكم في العلم فإن الله تعالى يقول يرفع المؤمن العالم فوق ~~المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقيل إن العالم يحصل له بعلمه من المنزلة ~~والرفعة ما لا يحصل لغيره لأنه يقتدي بالعالم في أقواله وفي أفعاله كلها عن ~~قيس بن كثير قال قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما ~~أقدمك يا أخي قال حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أما جئت لحاجة غيره؟ قال لا قال أما قدمت # في تجارة؟ قال لا قال ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال نعم قال فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك ~~الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن ~~العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ms3381 وفضل ~~العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء ~~وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما أورثوا العلم فمن أخذه فقد ~~أخذ بحظ وافر» أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه، (ق) عن معاوية بن أبي سفيان ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من يريد الله به خيرا يفقهه ~~في الدين» وعن ابن عباس مثله أخرجه الترمذي وروى البغوي بسنده عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده ~~أحد المجلسين يدعون إلى الله ويرغبون إليه والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه ~~فقال كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه». # أما هؤلاء فيدعون إلى الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ~~ويعلمون الجاهل فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم» قوله تعالى: ### || [سورة المجادلة (58): آية 12] # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة يعني ~~إذا أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا أمام ذلك صدقة ~~وفائدة ذلك إعظام مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الإنسان إذا وجد ~~الشيء بمشقة استعظمه # PageV04P262 # وإن وجده بسهولة استحقره ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل ~~المناجاة قال ابن عباس إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأكثروا حتى شق عليه فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ويثبطهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقيل نزلت في الأغنياء وذلك أنهم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته ~~فأما الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا ms3382 ~~واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة وقال مجاهد ~~نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب تصدق بدينار ~~وناجاه ثم نزلت الرخصة فكان علي يقول آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد ~~قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة. وعن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال لما نزلت يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى دينارا قلت لا ~~يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال إنك لزهيد ~~قال فنزلت. # ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 13 الى 16] # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ~~(16) # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات الآية قال فبي خفف الله عن هذه ~~الأمة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قوله قلت شعيرة أي وزن شعيرة من ~~ذهب وقوله إنك لزهيد يعني قليل المال قدرت على قدر حالك. # فإن قلت في هذه الآية منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ لم ~~يعمل بها أحد غيره. # قلت هو كما قلت وليس فيها طعن على غيره من الصحابة ووجه ذلك أن الوقت لم ~~يتسع ليعملوا بهذه الآية ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل بها وعلى ~~تقدير اتساع الوقت ولم يفعلوا ذلك إنما هو مراعاة لقلوب الفقراء الذين لم ~~يجدوا ما يتصدقون به لو احتاجوا إلى المناجاة فيكون ذلك سببا لحزن الفقراء ~~إذ لم يجدوا ما يتصدقون به عند مناجاته ووجه آخر وهو أن هذه المناجاة ms3383 لم ~~تكن من المفروضات ولا من الواجبات ولا من الطاعات المندوب إليها بلى إنما ~~كلفوا هذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ولما كانت هذه المناجاة أولى بأن ~~تترك لم يعملوا بها وليس فيها طعن على أحد منهم، وقوله: ذلك خير لكم يعني ~~تقديم الصدقة على المناجاة لما فيه من طاعة الله وطاعة رسوله وأطهر أي ~~لذنوبكم فإن لم تجدوا يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به فإن الله ~~غفور رحيم يعني أنه تعالى رفع عنهم ذلك أأشفقتم قال ابن عباس أبخلتم ~~والمعنى أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم وهو قوله أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات فإذ لم تفعلوا أي ما أمرتم به، وتاب الله عليكم أي تجاوز عنكم ونسخ ~~الصدقة قال مقاتل بن حيان كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي ما كان إلا ~~ساعة من نهار ثم نسخ فأقيموا الصلاة أي المفروضة وآتوا الزكاة أي الواجبة ~~وأطيعوا الله ورسوله أي فيما أمر ونهى والله خبير بما تعملون أي إنه محيط ~~بأعمالكم ونيتكم. # قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم نزلت في ~~المنافقين وذلك أنهم تولوا اليهود ونصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم ~~فأراد بقوله قوما غضب الله عليهم اليهود ما هم يعني المنافقين منكم أي من ~~المؤمنين في الدين والولاء ولا منهم يعني ولا من اليهود ويحلفون على الكذب ~~وهم # PageV04P263 # يعلمون أي أنهم كذبة «نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق وكان يجالس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار ينظر ~~بعيني شيطان فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه ~~فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله هذه الآية» أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم يعني الكاذبة جنة ms3384 أي يستجنون بها من ~~القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم فصدوا عن سبيل الله يعني أنهم صدوا ~~المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم بسبب أيمانهم، وقيل معناه صدوا ~~الناس عن دين الله الذي هو الإسلام فلهم عذاب مهين يعني في الآخرة. ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 17 الى 22] # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين ~~يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن ~~الله قوي عزيز (21) # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة من الله شيئا أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له يعني كاذبين أنهم ~~ما كانوا مشركين كما يحلفون لكم أي في الدنيا وقيل كان الحلف جنة لهم في ~~الدنيا فظنوا أنه ينفع في الآخرة أيضا ويحسبون أنهم على شيء يعني من ~~أيمانهم الكاذبة ألا إنهم هم الكاذبون يعني في أقوالهم وأيمانهم، استحوذ ~~عليهم الشيطان أي غلب واستولى عليهم وملكهم فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك ~~في الأذلين يعني في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة لأن ذل أحد ~~الخصمين على حسب عز الخصم الثاني. # ولما كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من ينازعه غير متناهية كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي أي قضى ذلك قضاء ثابتا قيل غلبة الرسل على نوعين فمنهم من ms3385 ~~يؤمر بالحرب فهو غالب بالحرب ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة، إن الله ~~قوي أي على نصر رسله وأوليائه عزيز أي غالب على أعدائه. # قوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله أخبر الله تعالى أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين وأن من كان ~~مؤمنا لا يوالي من كفر لأن من أحب أحدا امتنع أن يحب عدوه فإن قلت قد أجمعت ~~الأمة على أنه تجوز مخالفتهم ومعاشرتهم فما هذه المودة المحظورة قلت المودة ~~المحظورة هي مناصحتهم وإرادة الخير لهم دينا ودنيا مع كفرهم، فأما ما سوى ~~ذلك فلا حظر فيه ثم إنه تعالى بالغ في الذكر عن مودتهم بقوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم يعني أن الميل إلى هؤلاء من أعظم ~~أنواع الميل ومع هذا فيجب أن يطرح الميل إلى هؤلاء والمودة لهم بسبب مخالفة ~~الدين قيل نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وستأتي ~~قصته في سورة الممتحنة وروي عن عبد الله بن مسعود في # PageV04P264 # هذه الآية قال ولو كانوا آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه ~~الجراح يوم أحد أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دعا ~~ابنه يوم بدر إلى البراز وقال يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم «متعنا بنفسك يا أبا بكر» أو إخوانهم يعني ~~مصعب بن عمير قتل أخاه عبد الله بن عمير أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل ~~خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبا عبيدة ~~قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر، أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان أي أثبت التصديق في قلوبهم فهي مؤمنة موقنة مخلصة وقيل حكم لهم ~~بالإيمان وإنما ذكر القلوب لأنها موضعه وأيدهم بروح منه أي قواهم بنصر منه ~~وإنما سمى نصره إياهم روحا لأن به حيي أمرهم. ms3386 # وقيل بالإيمان وقيل بالقرآن وقيل بجبريل وقيل برحمته ويدخلهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه إنما ذكر رضوانه ~~عليهم بعد دخولهم الجنة لأن أعظم النعم وأجل المراتب ثم لما ذكر هذه النعم ~~أتبعه بما يوجب ترك المودة لأعداء الله سبحانه وتعالى فقال أولئك حزب الله ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون والله أعلم بمراده. # PageV04P265 ### | سورة الحشر # قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس سورة الحشر فقال قل سورة النضير وهي ~~مدنية أربع وعشرون آية وأربعمائة وخمس وأربعون كلمة وألف وتسعمائة وثلاثة ~~عشر حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحشر (59): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) # قوله عز وجل: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم قال المفسرون: نزلت هذه ~~السورة في بني النضير وهم طائفة من اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ~~فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدرا وظهر على المشركين قال بنو النضير والله إنه النبي الأمي الذي ~~نجد نعته في التوراة لا ترد له راية فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا ~~وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ونقضوا العهد ~~الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في ~~أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون ~~كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين من ~~قريش وكعب بن الأشرف في أربعين من اليهود المسجد الحرام وأخذ بعضهم على بعض ~~الميثاق بين أستار الكعبة ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد ms3387 عليه كعب وأبو ~~سفيان وأمره بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة» وقد تقدمت القصة ~~في سورة آل عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة ~~حين أتاهم يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية ~~الضمري في منصرفه من بئر معونة فهموا بطرح حجر على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الحصن فعصمه الله منهم وأخبره بذلك وقد تقدمت القصة في سورة ~~المائدة. # فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس ~~بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا يا محمد واعية ~~على أثر واعية وباكية على أثر باكية قال نعم فقالوا ذرنا نبك شجونا ثم ~~ائتمر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من المدينة فقالوا الموت ~~أقرب إلينا من ذلك ثم تنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال ودس المنافقون عبد الله ~~بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصين فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا ~~نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة وحصنوها ثم ~~إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج ~~إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف ~~بيننا وبينك فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى ~~كانوا في براز من الأرض فقال بعض اليهود لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون ~~رجلا من أصحابه كلهم يحب الموت قبله ولكن أرسلوا إليه كيف # PageV04P266 # نفهم ونحن ستون اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا ~~فيسمعون منك فإن آمنوا بك آمنا بك وصدقناك، فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر وأرادوا الفتك ~~برسول الله صلى ms3388 الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها ~~وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان من ~~الغد صبحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ~~ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما ~~يأمرهم به فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من ~~أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر ~~أموالهم. # وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم ~~وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، وقيل أعطى كل ثلاثة نفر بعيرا وسقاء ~~ففعلوا ذلك وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام إلا أهل ~~بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة ~~بالحيرة، فذلك قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59): آية 2] # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب يعني بني النضير من ديارهم يعني ~~التي كانت بالمدينة. # قال ابن إسحاق كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان لأول الحشر قال الزهري ~~كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ~~ذلك لعذبهم في الدنيا قال ابن عباس من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه ~~الآية فكان هذا ms3389 أول حشر إلى الشام قال النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا ~~قالوا إلى أين؟ قال إلى أرض المحشر ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام ~~وقيل إنما قال لأول الحشر لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة ~~العرب ثم أجلي آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقيل كان هذا: أول الحشر ~~من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من ~~أرض الشام في أيام عمر، وقيل كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار تحشرهم ~~يوم القيامة من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث ~~قالوا ما ظننتم يعني أيها المؤمنين أن يخرجوا أي من المدينة لعزتهم ومنعتهم ~~وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخل كثير وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله فأتاهم الله أي ~~أتاهم أمر الله وعذابه من حيث لم يحتسبوا وهو أن الله أمر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، وقذف في قلوبهم الرعب أي ~~الخوف الشديد بقتل سيدهم كعب بن الأشرف يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين قال الزهري وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن ~~لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون ما ~~استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها وقيل كانوا يقلعون ~~العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم ~~وبغضا وقيل كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من ~~داخلها وقال ابن عباس كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم ~~المقاتل وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها ~~فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فاعتبروا يعني فاتعظوا وانظروا ما نزل بهم يا أولي ~~الأبصار يعني يا ذوي العقول والبصائر. # PageV04P267 ### || [سورة الحشر (59): الآيات 3 الى 5] # ولولا أن كتب الله ms3390 عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ~~(4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء يعني الخروج من الوطن لعذبهم في الدنيا ~~يعني بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك أي ~~الذي لحقهم ونزل بهم بأنهم شاقوا الله ورسوله أي خالفوا الله ورسوله ومن ~~يشاق الله فإن الله شديد العقاب قوله تعالى: ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصولها فبإذن الله الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وأحرقها فجزع أعداء الله ~~عند ذلك وقالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع ~~النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض فوجد المسلمون في ~~أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا. # واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا وقال ~~بعضهم بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل ~~من قطعه من الإثم وأن ذلك كان بإذن الله تعالى (ق) عن ابن عمر قال: حرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزل ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ~~البويرة اسم موضع لبني النضير وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # قال ابن عباس النخل كلها لينة ما خلا العجوة وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة، وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر ~~الألوان وقيل النخل كلها لينة إلا العجوة والبرنية وقيل اللينة النخل كلها ~~من غير استئناف وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه هي لون من النخل وقيل كرام ~~النخل وقيل هي ضرب من النخل ms3391 يقال لتمرها اللون وهو شديد الصفرة ويرى نواه ~~من خارج يغيب فيه الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبه إليهم وكانت النخلة ~~الواحدة ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم ~~ذلك وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل قائما ~~هو لمن غلب عليه فأخبر الله أن قطعها كان بإذنه، وليخزي الفاسقين يعني ~~اليهود والمعنى ولأجل إخزاء اليهود أذن الله في قطعها احتج العلماء بهذه ~~الآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق ~~وكذلك قطع أشجارهم ونحوها. # ### || [سورة الحشر (59): آية 6] # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) # قوله عز وجل: وما أفاء الله على رسوله أي ما رد الله على رسوله منهم أي ~~من يهود بني النضير فما أوجفتم عليه يعني أوضعتم وهو سرعة السير من خيل ولا ~~ركاب يعني الإبل التي تحمل القوم وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم ~~وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم كما ~~فعل بغنائم خيبر فبين الله تعالى في هذه الآية أنها لم يوجف المسلمون عليها ~~خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة وإنما كانوا يعني بني ~~النضير على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشيا ولم يركب إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان على جمل، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من أعدائه ~~والله على كل شيء قدير أي فهي له خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر ~~كانت بهم حاجة وهم # PageV04P268 # أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة (ق) عن مالك بن ~~أوس النضري أن عمر دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال هل لك يا أمير المؤمنين في ~~عثمان وعبد الرحمن بن ms3392 عوف والزبير وسعد يستأذنون؟ قال نعم فأدخلهم فلبث ~~قليلا ثم جاء يرفأ فقال هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال نعم فأذن لهما ~~فلما دخلا قال العباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا فقال القوم أجل ~~يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر قال مالك بن أوس يخيل ~~إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك فقال عمر اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه ~~تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا ~~نورث ما تركنا صدقة» يريد بذلك نفسه قالوا نعم ثم أقبل عمر على العباس وعلي ~~وقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «لا نورث ما تركنا صدقة» قالا نعم قال عمر إن الله ~~خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره فقال «وما ~~أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب» الآية قال فقسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير فو الله ما استأثرها ~~عليكم ولا أخذها دونكم فقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة ثم ما بقي يجعله مجعل مال ~~الله فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ثم أنشدكم بالله الذي ~~بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا نعم قال ثم نشد عباسا وعليا ~~بمثل ما نشد القوم أتعلمان ذلك؟ # قالا نعم قال فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر أنا ~~ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنتم حينئذ وأقبل على علي وعباس وقال تذاكران أن ~~أبا بكر عمل فيه كما تقولان والله يعلم إنه لصادق راشد تابع للحق ثم توفى ~~الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ms3393 فقبضته ~~سنتين من إمارتي أعمل فيهما بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر والله يعلم إني فيه لصادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني كلاكما ~~وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فقلت لكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «لا نورث ما تركنا صدقة» قلتم ادفعها إلينا فلما بدا لي أن أدفعها ~~إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهدا لله وميثاقه لتعملان ~~فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وما عملت فيه منذ ~~وليت وإلا فلا تكلماني فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما أفتلتمسان ~~مني قضاء غير ذلك فو الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء ~~غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفعاه إلي فإني أكفيكماه. # ### || [سورة الحشر (59): آية 7] # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) # قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى يعني من أموال كفار أهل ~~القرى قال ابن عباس هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة فلله وللرسول ~~ولذي القربى يعني بني هاشم وبني المطلب واليتامى والمساكين وابن السبيل قد ~~تقدم تفسيره في سورة الأنفال في حكم الغنيمة وقسمتها وأما حكم الفيء فإنه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته يضعه حيث يشاء فكان ينفق على أهله ~~منه نفقة سنتهم ويجعل ما بقي مجعل مال الله في الكراع والسلاح عدة في سبيل ~~الله. # واختلف العلماء في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم ~~هو للأئمة بعده وللشافعي فيه قولان أحدهما أنه للمقاتلة والثاني هو لمصالح ~~المسلمين ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم من المصالح. # واختلفوا في تخميس مال الفيء فذهب قوم إلى أنه يخمس فخمس لأهل خمس ~~الغنيمة وأربعة للمقاتلة أو للمصالح وذهب ms3394 الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل مصرف ~~جميعه واحد ولجميع المسلمين فيه حق قرأ عمر بن # PageV04P269 # الخطاب «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى حتى بلغ للفقراء المهاجرين ~~إلى قوله والذين جاءوا من بعدهم» ثم قال هذه استوعبت المسلمين عامة قال وما ~~على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم كي لا ~~يكون الفيء دولة والدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم بين الأغنياء ~~منكم يعني بين الرؤساء والأقوياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء وذلك أن ~~أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع ثم ~~يصطفي بعده ما شاء فجعله الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما ~~أمره به وما آتاكم الرسول فخذوه أي من مال الفيء والغنيمة وما نهاكم عنه أي ~~من الغلول وغيره فانتهوا وهذا نازل في أموال الفيء وهو عام في كل ما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو نهي عنه من قول أو عمل من واجب أو مندوب أو ~~مستحب أو نهى عن محرم فيدخل فيه الفيء وغيره (ق) عن عبد الله بن مسعود أنه ~~قال «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات ~~خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن ~~فأتته فقالت ما حديث بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا وذكرته فقال عبد الله وما ~~لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى ~~فقالت المرأة لقد قرأت لوحي المصحف فما وجدته فقال إن كنت قرأته لقد وجدته ~~قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الوشم هو ~~غرز العضو من الإنسان بالإبرة ثم يحشى بكحل والمستوشمة هي التي تطلب أن ~~يفعل بها ذلك والنامصة هي التي تنتف الشعر من الوجه والمتفلجة هي التي ~~تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة وقيل هي التي تتفلج في مشيتها فكل ذلك ~~منهي عنه (ق) عن ms3395 عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد» عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا ~~ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به ونهيت عنه فيقول لا ~~أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه» أخرجه أبو داود والترمذي. # وقال هذا حديث حسن الأريكة كل ما أتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة أو ~~نحو ذلك واتقوا الله أي في أمر الفيء إن الله شديد العقاب أي على ترك ما ~~أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه ثم بين من له الحق في ~~الفيء فقال عز وجل: # ### || [سورة الحشر (59): آية 8] # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني ألجأهم كفار مكة ~~إلى الخروج يبتغون فضلا من الله أي رزقا وقيل ثوابا من الله ورضوانا أي ~~أخرجوا من ديارهم طلبا لرضا الله عز وجل: # وينصرون الله ورسوله أي بأنفسهم وأموالهم والمراد بنصر الله نصر دينه ~~وإعلاء كلمته أولئك هم الصادقون أي في إيمانهم قال قتادة المهاجرون الذين ~~تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله واختاروا الإسلام ~~على ما كانوا فيه من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ~~ليقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار ~~غيرها (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة ~~إلى الجنة بأربعين خريفا» وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل ~~أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة» ms3396 أخرجه أبو داود. # PageV04P270 # ### || [سورة الحشر (59): آية 9] # والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # قوله عز وجل: والذين تبوؤا الدار والإيمان يعني الأنصار توطنوا الدار وهي ~~المدينة واتخذوها سكنا من قبلهم يعني أنهم أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان ~~وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين والمعنى والذين ~~تبوءوا الدار من قبل المهاجرين وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ ~~يحبون من هاجر إليهم وذلك أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم وأشركوهم في ~~أموالهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حزازة وغيظا وحسدا مما أوتوا أي أعطي ~~المهاجرين من الفيء دونهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال ~~بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة فطابت أنفس ~~الأنصار بذلك ويؤثرون على أنفسهم أي ويؤثر الأنصار المهاجرين بأموالهم ~~ومنازلهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أي فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به (ق) ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ما عندي ~~إلا الماء ثم أرسل به إلى أخرى فقالت مثل ذلك وقلن كلهن مثل ذلك فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من يضيفه يرحمه الله فقام رجل من الأنصار يقال له ~~أبو طلحة فقال أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق به إلى رحله ~~فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت لا إلا قوت صبياني قال فعلليهم بشيء ~~ونوميهم فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل فإذا هوى بيده ليأكل فقومي إلى ~~السراج كي تصلحيه فأطفئيه ففعلت فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين فلما أصبح ~~غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقد عجب الله أو ضحك الله من ms3397 فلان وفلانة» زاد في رواية «فأنزل الله ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». (ق) عن أبي هريرة قال «قالت ~~الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال لا ~~فقالوا تكفونا ونشرككم في الثمر قالوا سمعنا وأطعنا» (خ) عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع ~~لهم البحرين فقالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها فقال أما ~~لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه سيصيبكم أثرة بعدي» وفي رواية ~~«ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» الأثرة بفتح الهمزة ~~والثاء والراء وضبطه بعضهم بضم الهمزة وإسكان الثاء والأول أشهر ومعناه ~~الاستئثار وهو أن يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم عليكم ولا يجعل ~~لكم في الأمر نصيب وقيل هو من آثر إذا أعطى أراد يستأثر عليكم غيركم فيفضل ~~في نصيبه من الفيء والاستئثار الانفراد بالشيء وقيل الأثرة الشدة والأول ~~أظهر وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير ~~للأنصار «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه ~~الغنيمة وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئا من الغنيمة ~~فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا ~~نشاركهم فيها فأنزل الله عز وجل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» والشح في كلام العرب البخل مع الحرص وقد ~~فرق بعض العلماء بين البخل والشح فقال البخل نفس المنع والشح هو الحالة ~~النفسانية التي تقتضي ذلك المنع. # ولما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال الله تعالى: ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون أي الفائزون بما أرادوا وروي أن رجلا قال لابن مسعود ~~إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال إني أسمع الله يقول ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ms3398 عبد ~~الله ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ~~ظلما ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل وقال ابن عمر ليس الشح أن يمنع الرجل ~~ماله إنما الشح أن تطمع عين الرجل فيما ليس له وقيل الشح هو الحرص الشديد ~~الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم وقيل من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن ~~أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله بإعطائه فقد وقاه شح نفسه (م) عن جابر رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اتقوا الظلم فإن الظلم ~~ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن ~~سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال «شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع» أخرجه أبو داود الهلع # PageV04P271 # أشد الجزع والمراد منه أن الشحيح يجزع جزعا شديدا ويحزن على شيء يفوته أو ~~يخرج من يده والخالع الذي خلع فؤاده لشدة خوفه وفزعه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في ~~جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» أخرجه النسائي. ### || [سورة الحشر (59): آية 10] # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) # قوله تعالى: والذين جاؤ من بعدهم يعني من بعد المهاجرين والأنصار وهم ~~التابعون لهم إلى يوم القيامة يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان أخبر أنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة ولإخوانهم الذين سبقوهم ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا أي غشا وحسدا وبغضا للذين آمنوا ربنا إنك ~~رؤف رحيم فكل من كان في قلبه غل أو بغض لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن ~~الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل المهاجرين ثم ms3399 من بعدهم التابعون ~~الموصوفون بما ذكر فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام ~~المؤمنين وليس له في المسلمين نصيب وقال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة ~~منازل الفقراء المهاجرون والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاءوا من ~~بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه الثلاث منازل (ق) عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (م) عن عروة بن الزبير قال قالت ~~عائشة «يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسبوهم» عن عبد الله بن مغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن ~~أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى ~~الله فيوشك أن يأخذه» أخرجه الترمذي وقال مالك بن أنس: من انتقص أحدا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه غل عليهم فليس له حق في ~~فيء المسلمين ثم تلا هذه الآية ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - إلى- ~~والذين جاؤ من بعدهم- إلى- رؤف رحيم وقال مالك بن مغول قال الشعبي يا مالك ~~تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ # قالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قال حواري عيسى وسئلت ~~الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم والسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا تقوم ~~لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم أعاذنا الله وإياكم من ~~الأهواء المضلة. # وروي عن جابر قال قيل لعائشة إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر ms3400 فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب ~~الله أن لا يقطع عنهم الأجر. # وروي أن ابن عباس سمع رجلا ينال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: من أمن المهاجرين الأولين أنت؟ # قال لا قال أفمن الأنصار أنت؟ قال لا قال فأنا أشهد بأنك لست من التابعين ~~لهم بإحسان. قوله عز وجل: # ### || [سورة الحشر (59): الآيات 11 الى 12] # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) # ألم تر إلى الذين نافقوا يعني أظهروا خلاف ما أضمروا وهم عبد الله بن أبي ~~ابن سلول وأصحابه # PageV04P272 # يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود من بني قريظة ~~وبني النضير وإنما جعل المنافقين إخوانهم لأنهم كفار مثلهم لئن أخرجتم أي ~~من المدينة لنخرجن معكم أي منها ولا نطيع فيكم أحدا أبدا يعني إن سألنا أحد ~~خلافكم وخذلانكم فلا نطيعه فيكم وإن قوتلتم لننصرنكم أي لنعيننكم ولنقاتلن ~~معكم والله يشهد إنهم يعني المنافقين لكاذبون أي فيما قالوا ووعدوا ثم أخبر ~~الله عن حال المنافقين فقال تعالى: لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم وكان الأمر كذلك فإنهم أخرجوا ولم يخرج المنافقون معهم وقوتلوا ~~فلم ينصروهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار يعني لو قدروا نصرهم أو لو قصدوا ~~نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين ثم لا ينصرون يعني بني النضير لا يصيرون ~~منصورين إذا انهزم ناصروهم. ### || [سورة الحشر (59): الآيات 13 الى 16] # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا ~~يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ~~ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ms3401 ~~فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16) # لأنتم يعني يا معشر المسلمين أشد رهبة في صدورهم من الله أصل الرهبة ~~والرهب الخوف الشديد مع حزن واضطراب والمعنى أنهم يرهبون ويخافون منكم أشد ~~من رهبتهم من الله ذلك أي الخوف منكم بأنهم قوم لا يفقهون يعني عظمة الله ~~تعالى: لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أي لا يبرزون لقتالكم إنما ~~يقاتلونكم متحصنين بالقرى والجدران وهو قوله تعالى: أو من وراء جدر وقرئ ~~جدر بأسهم بينهم شديد أي بعضهم فظ على بعض أو عداوة بعضهم بعضا شديدة وقيل ~~بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن ~~خلق الله تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى أي متفرقة مختلفة قال قتادة أهل الباطل ~~مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم مختلفة شهاداتهم وهم مجتمعون في عداوة أهل ~~الحق وقيل أراد أن دين المنافقين وآراءهم يخالف دين اليهود وآراءهم ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون ثم ضرب لليهود مثلا فقال تعالى: كمثل الذين من قبلهم ~~قريبا يعني مشركي مكة ذاقوا وبال أمرهم يعني القتل ببدر وكان ذلك قبل غزوة ~~بني النضير وقال ابن عباس «كمثل الذين من قبلهم» يعني بني قينقاع وقيل مثل ~~قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان ولهم عذاب أليم أي في الآخرة ثم ~~ضرب مثلا آخر للمنافقين واليهود جميعا في تخاذلهم وتخلى بعضهم عن بعض فقال ~~تعالى كمثل الشيطان أي مثل المنافقين مع بني النضير وخذلانهم إياهم كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر وذلك ما روي عن عطاء وغيره عن ابن عباس قال ~~كان راهب في الفترة يقال له برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله ~~فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين ~~وقال ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء وهو ~~الذي تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وجاء في صورة جبريل ليوسوس إليه على ~~وجه الوحي فلحقه جبريل عليه السلام فدفعه ms3402 إلى أقصى أرض الهند لإبليس أنا ~~أكفيك أمره فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا ~~فناداه فلم يجبه وكان لا يفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا ~~في كل عشرة أيام مرة فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل ~~الصومعة فلما انفتل برصيصا من صلاته اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي ~~في هيئة حسنة على هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه أي لام ~~نفسه حين لم يجبه فقال له إنك ناديتني وكنت مشتغلا عنك فما حاجتك قال ~~الأبيض حاجتي أني جئت لأكون معك فأتأدب بأدبك وأقتبس من عملك ونجتمع على ~~العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال برصيصا إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن ~~الله # PageV04P273 # سيجعل لك فيما للمؤمنين نصيبا إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك ~~الأبيض وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما فلما انفتل ~~بعدها رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض قال له ما حاجتك؟ ~~قال حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام ~~حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة ولا ينفتل عن صلاته إلا كذلك ~~وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه ~~شأن الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا إني منطلق فإن لي صاحبا غيرك ~~ظننت أنك أشد اجتهادا مما رأيت وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك ~~على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته لما رأى من كثرة اجتهاد ولما ودعه الأبيض ~~قال له إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهو خير لك مما أنت فيه يشفي الله ~~بها السقم ويعافي بها المبتلى والمجنون قال برصيصا أنا أكره هذه المنزلة ~~لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم الناس شغلوني عن العبادة فلم يزل به ~~الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال قد ms3403 والله أهلكت الرجل فانطلق ~~الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم ~~جنونا أفأعالجه؟ قالوا نعم فعالجه فلم يفد فقال لهم إني لا أقوى على جنته ~~ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم ~~الذي إذا دعا به أجيب قال انطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب # عنه الشيطان فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم ~~فيعافون فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل ولها ثلاثة ~~إخوة وكان أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عم تلك الجارية ملك ~~بني إسرائيل فخنقها وعذبها، ثم جاء إليهم كما كان يأتي الناس في صورة متطبب ~~فقال لهم أعالجها؟ قالوا نعم فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن ~~سأرشدكم إلى من تثقون به تدعونها عنده فإذا جاء شيطانها دعا لها فإذا علمتم ~~أنها قد عوفيت تردونها صحيحة قالوا ومن هو؟ قال برصيصا قالوا وكيف لنا أن ~~يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك قال فانطلقوا فابنوا صومعة إلى جنب ~~صومعته حتى تشرف عليه فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها وقولوا له هذه ~~أمانة عندك فاحتسب أمانتك قال فانطلقوا فسألوه ذلك فأبى عليهم فبنوا صومعة ~~على ما أمرهم الأبيض ثم انطلقوا فوضعوا الجارية في صومعتها وقالوا يا ~~برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن ~~صلاته حتى عاين الجارية وما هي عليه من الجمال فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر ~~عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب الشيطان عنها ثم ~~أقبل برصيصا على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فكانت تكشف عن نفسها وتتعرض ~~لبرصيصا فجاءه الشيطان وقال له ويحك واقعها فلم تجد مثلها وستتوب بعد ذلك ~~فتدرك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل كذلك يأتيها حتى ~~حملت وظهر حملها فقال له الشيطان ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن ~~تقتلها وتتوب؟ ms3404 فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها فلم أقف عليه فقتلها ثم انطلق ~~بها فدفنها إلى جانب الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها بالليل فأخذ بطرف ~~إزارها فبقي خارجا من التراب ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته إذ ~~جاء إخوتها يتعاهدون أختهم وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ~~ويوصونه بها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال قد جاء شيطانها فذهب بها ~~ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم ~~في منامه فقال ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه دفنها في موضع كذا ~~وكذا فقال هذا حلم وهو من الشيطان إن برصيصا خير من ذلك فتتابع عليه ثلاث ~~ليال فلم يكترث به فانطلق الشيطان إلى أوسطهم فقال الأوسط مثل ما قال ~~الأكبر ولم يخبر به أحدا فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك قال الأصغر لأخويه ~~والله لقد رأيت كذا وكذا فقال الأوسط أنا والله قد رأيت مثله فقال الأكبر ~~أنا والله قد رأيت مثله فانطلقوا إلى برصيصا فقالوا يا برصيصا ما فعلت ~~أختنا فقال أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني فقالوا لا والله لا ~~نتهمك واستحيوا منه وانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال ويحكم إنها لمدفونة في ~~موضع كذا وكذا وإن طرف # PageV04P274 # إزارها خرج من التراب فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوه في النوم فمشوا ~~في مواليهم وغلمانهم معهم الفؤوس والمساحي فهدموا صومعة برصيصا وأنزلوه ~~منها وكتفوه ثم انطلقوا به للملك فأقر على نفسه وذلك أن الشيطان أتاه فوسوس ~~له فقال له تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة اعترف فلما اعترف ~~أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة فلما صلب أتاه الأبيض فقال يا برصيصا ~~أتعرفني؟ قال لا فقال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات وكنت إذا دعوت بهن ~~يستجاب لك ويحك ما اتقيت الله في أمانتك خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني ~~إسرائيل أما استحيت فلم يزل يعيره ويعنفه حتى قال في آخر ذلك ألم يكفك ما ~~صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت ms3405 أشباهك من الناس وفضحت نفسك فإن مت على هذه ~~الحالة لن تفلح أبدا ولن يفلح أحد من نظرائك قال فكيف أصنع؟ قال تطيعني في ~~خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك قال وما ~~هي؟ قال تسجد لي قال ما أستطيع أفعل قال بطرفك افعل فسجد له برصيصا فقال يا ~~برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، فلما كفر قال ~~إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين قال الله تعالى: ### || [سورة الحشر (59): آية 17] # فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) # فكان عاقبتهما يعني الشيطان وذلك الإنسان أنهما في النار خالدين فيها ~~وذلك جزاء الظالمين قال ابن عباس ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير ~~والمنافقين من أهل المدينة وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بإجلاء بني النضير فدس المنافقون إلى اليهود وقالوا لا تجيبوا محمدا إلى ما ~~دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم ~~فأجابوهم ودربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين فخذلوهم ~~وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله فكان عاقبة الفريقين النار ~~قال ابن عباس فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون في بني إسرائيل إلا بالتقية ~~والكتمان وطمع أهل الفسق والفجور في الأحبار ورموهم بالبهتان والقبيح حتى ~~كان من أمر جريج الراهب ما كان فلما برأه الله مما رموه به من الزنا انبسطت ~~الرهبان بعده وظهروا للناس وكانت قصة جريج على ما روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ~~عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب يوسف وكان جريج رجلا صالحا عابدا فاتخذ ~~صومعة فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فيها فقالت يا جريج فقال يا رب أمي ~~وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت فلما كان من الغد أتته فقالت يا جريج فقال ~~يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت ms3406 فلما كان من الغد أتته فقالت يا ~~جريج فقال يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر ~~في وجوه المومسات فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته وكانت امرأة بغي يتمثل ~~بحسنها معهم، فقالت إن شئتم لافتننه لكم قال فتعرضت له فلم يلتفت إليها ~~فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ~~ولدت قالت هو من جريج فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال ~~ما شأنكم فقالوا زنيت بهذه البغي فولدت منك فقال أين الصبي فجاؤوا فقال ~~دعوني حتى أصلي فصلى؟ فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من ~~أبوك قال فلان الراعي قال فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا له ~~نبني لك صومعتك من ذهب قال أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا. وبينا صبي يرضع ~~من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة ذو شارة حسنة فقالت أمه اللهم اجعل ~~ابني مثل هذا فترك الثدي وأقبل عليه فنظر إليه فقال اللهم لا تجعلني مثل ~~هذا ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع قال فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه فجعل يمصها قال ومر ~~بجارية وهم يضربونها ويقولون زنيت وسرقت وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل ~~فقالت أمه اللهم لا تجعل ابني مثلها فترك الرضاع ونظر إليها فقالت اللهم ~~اجعلني مثلها فهنالك تراجعا الحديث، # PageV04P275 # فقالت مر رجل حسن الهيئة فقالت اللهم اجعل ابني مثله فقلت اللهم لا ~~تجعلني مثله ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت وسرقت فقلت اللهم ~~لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها فقال إن ذلك الرجل كان جبارا ~~فقلت اللهم لا تجعلني مثله وإن هذه يقولون لها زنيت ولم تزن وسرقت ولم تسرق ~~فقلت اللهم اجعلني مثلها» أخرجه مسلم بتمامه وهذا لفظه وأخرجه البخاري ~~مفرقا حديث جريج تعليقا وحديث المرأة وابنها خاصة. # المومسات الزواني جمع مومسة وهي المرأة الفاجرة والبغي الزانية أيضا ~~وقوله يتمثل ms3407 بحسنها أي يتعجب منه ويضرب به المثل وقوله ذو شارة حسنة أي ~~صاحب جمال ظاهر في الهيئة والملبس والمركب ونحو ذلك والجبار العاتي المتكبر ~~القاهر للناس. ### || [سورة الحشر (59): الآيات 18 الى 23] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي ~~لينظر أحدكم إلى شيء قدم لنفسه من الأعمال عملا صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه ~~والمراد بالغد يوم القيامة وقربه على الناس كان يوم القيامة يأتي غدا وكل ~~ما هو آت فهو قريب، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون قيل كرر الأمر ~~بالتقوى تأكيدا وقيل معنى الأول اتقوا الله في أداء الواجبات ومعنى الثاني ~~واتقوا الله فلا تأتوا المنهيات ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي تركوا أمر ~~الله فأنساهم أنفسهم أي أنساهم حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا ينفعها ~~وعنده أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون لما أرشد المؤمنين إلى ما يصلحهم بقوله «ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~هدد الكافرين بقوله نسوا الله فأنساهم أنفسهم بين الفرق بين الفريقين بقوله ~~لا يستوي أصحاب النار يعني الذين هم في العذاب الدائم وأصحاب الجنة يعني ~~الذين هم في النعيم المقيم ثم أتبعه بقوله أصحاب الجنة هم الفائزون ومعلوم ~~أن من جعل له النعيم المقيم فقد فاز فوزا عظيما. # قوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ms3408 ~~الله قيل معناه أنه لو جعل في الجبل تمييزا وعقلا كما جعل فيكم وأنزل عليه ~~القرآن لخشع أي تطأطأ وخضع وتشقق وتصدع من خشية الله والمعنى أن الجبل مع ~~صلابته ورزانته مشقق من خشية الله، وحذر من أن لا يؤدي حق الله تعالى في ~~تعظيم القرآن والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والأحكام كأنه لم ~~يسمعها. # وصفه بقساوة القلب فهو غافل عما يتضمنه القرآن من المواعظ والأمثال ~~والوعيد وتمييز الحق من الباطل والواجب مما لا يجب بأحسن بيان وأوضح برهان ~~ومن وقف على هذا وفهمه أوجب له الخشوع والخشية وهذا تمثيل لأن الجبل لا ~~يتصور منه الخشوع والخشية إلا أن يخلق الله تعالى له تمييزا وعقلا يدل على ~~أنه تمثيل. # قوله تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون أي الغرض من هذا ~~التمثيل التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار وقساوتها وغلظ طباعهم. # PageV04P276 # ولما وصف القرآن بالعظم أتبعه بوصف عظمته فقال تعالى: هو الله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة يعني أنه تعالى أعلم بما غاب عن العباد مما ~~لم يعاينوه ولم يعلموه وعلم ما شاهدوه وما علموه وقيل استوى في علمه تعالى ~~السر والعلانية والموجود والمعدوم وقيل علم حال الدنيا والآخرة هو الرحمن ~~الرحيم اسمان مشتقان اشتقاقهما من الرحمة وهما صفتان لله تعالى ومعناهما ذو ~~الرحمة ورحمة الله إرادته الخير والنعمة والإحسان إلى خلقه وقيل إن الرحمن ~~أشد مبالغة من الرحيم ولهذا قيل هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن إحسانه ~~تعالى في الدنيا يعم المؤمن والكافر وفي الآخرة يختص إحسانه وإنعامه ~~بالمؤمنين هو الله الذي لا إله إلا هو الملك أي المتصرف بالأمر والنهي في ~~جميع خلقه المالك لهم فهم تحت ملكه وقهره وإرادته القدوس أي الطاهر عن كل ~~عيب المنزه عما لا يليق به وقيل هو الذي كثرت بركته السلام أي الذي سلم من ~~النقائص وكل آفة تلحق الخلق. # فإن قلت على هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق فيكون كالتكرار ~~وذلك لا يليق ms3409 بفصاحة القرآن. # قلت الفرق بينهما أن القدوس إشارة إلى براءته عن جميع العيوب والنقائص في ~~الماضي والحاضر والسلام إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص ~~في المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليما، ~~وقيل السلام أي سلم خلقه ممن ظلمه، المؤمن قال ابن عباس هو الذي أمن الناس ~~من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه وقيل هو المصدق لرسله بإظهار المعجزات لهم ~~والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب ~~المهيمن قال ابن عباس أي الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء ~~وقيل هو القائم على خلقه برزقه وأنشد في معناه: # ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرب والنكر # أي القائم على الناس بعده وقيل هو الرقيب الحافظ، وقيل هو المصدق وقيل هو ~~القاضي وقيل هو بمعنى الأمين والمؤتمن وقيل بمعنى العلي ومنه قول العباس ~~يمدح النبي صلى الله عليه وسلم في أبيات منها: # حتى احتوى بينك المهيمن من ... خندف عليا زانها النطق # وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى هو أعلم بتأويله وأنشدوا في ~~معناه: # جل المهيمن عن صفات عبيده ... ولقد تعالى عن عقول أولي النهى # راموا بزعمهم صفات مليكهم ... والوصف يعجز عن مليك لا يرى # العزيز أي الذي لا يوجد له نظير وقيل الغالب القاهر الجبار قال ابن عباس ~~الجبار هو العظيم وجبروت الله عظمته فعلى هذا هو صفة ذات وقيل هو من الجبر ~~يعني الذي يغني الفقير ويجبر الكسير فعلى هذا هو صفة فعل وهو سبحانه وتعالى ~~كذلك يجبر كل كسير ويغني كل فقير وقيل هو الذي يجبر الخلق ويقهرهم على ما ~~أراد: وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال هو القهار الذي إذا أراد أمرا فعله ~~لا يحجزه عنه حاجز وقيل الجبار هو الذي لا ينال ولا يداني والجبار في صفة ~~الله تعالى صفة مدح وفي صفة الناس صفة ذم وكذلك المتكبر في صفة الناس صفة ~~ذم لأن المتكبر ms3410 هو الذي يظهر من نفسه الكبر وذلك نقص في حقه لأنه ليس له ~~كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة فإذا أظهر الكبر كان كذابا في فعله فكان ~~مذموما في حق الناس وأما المتكبر في صفة الله تعالى فهو صفة مدح لأن له ~~جميع صفات العلو والعظمة ولهذا قال في آخر الآية سبحان الله عما يشركون ~~كأنه قيل إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك نقصا في حقه أما الله تعالى فله ~~العلو والعظمة والعزة والكبرياء فإن أظهر ذلك # PageV04P277 # كان ضم كمال إلى كمال قال ابن عباس المتكبر هو الذي تكبر بربوبيته فلا ~~شيء مثله وقيل هو الذي تكبر عن كل سوء وقيل هو المتعظم عما لا يليق بجماله ~~وجلاله وقيل هو المتكبر عن ظلم عباده وقيل الكبر والكبرياء الامتناع، وقيل ~~هو ذو الكبرياء وهو الملك سبحان الله عما يشركون أي من ادعاء الكبر ~~لأنفسهم. ### || [سورة الحشر (59): آية 24] # هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (24) # هو الله الخالق أي المقدر لما يوجده فهو سبحانه وتعالى قدر أفعاله على ~~وجوه مخصوصة فهو راجع إلى الإرادة، وقيل المقدر لقلب الشيء بالتدبير إلى ~~غيره البارئ أي المخترع المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود المصور أي الذي ~~يخلق صورة الخلق على ما يريده وقيل معناه الممثل للمخلوقات بالعلامات التي ~~يتميز بعضها عن بعض وقيل الخالق المبدئ للخلق المخترع له على غير مثال سبق ~~البارئ المنشئ لما يريد بخلقه فيظهره من العدم إلى الوجود المصور لما خلقه ~~وأنشأه على صور مختلفة وأشكال متباينة وقيل معنى التصوير التخطيط والتشكيل ~~فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا وإنما قدم الخالق على البارئ لأن تأثير ~~الإرادة مقدم على تأثير القدرة وقدم البارئ على المصور لأن إيجاد الذات ~~مقدم على إيجاد الصفات له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «من ms3411 قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكل به سبعين ألف ملك ~~يصلون عليه حتى يمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي ~~كان كذلك» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب والله أعلم. # PageV04P278 ### | سورة الممتحنة # (مدنية وهي ثلاث عشرة آية وثلاثمائة وثمان وأربعون كلمة وألف وخمسمائة ~~وعشرة أحرف) بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الممتحنة (60): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية ~~(ق) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ~~معها كتاب فخذوه منها، قال فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ~~فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجي ~~الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ~~ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~حاطب ما هذا فقال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرا ملصقا في قريش ولم ~~أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ~~وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون ~~بها قرابتي وما فعلته كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ms3412 قد صدقكم فقال عمر دعني يا ~~رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد ~~شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقالوا اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء إلى قوله سواء السبيل روضة خاخ موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة ~~وقيل إنه موضع قريب من مكة والأول أصح والظعينة المرأة المسافرة سميت بذلك ~~لملازمتها الهودج والعقاص الشعر المضفور قال المفسرون نزلت هذه الآية في ~~حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي ~~بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسلمة جئت؟ قالت لا ~~قال أمهاجرة جئت؟ قالت لا قال فما جاء بك؟ قالت كنتم الأهل والعشيرة ~~والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني ~~وتحملوني فقال لها وأين أنت من شباب مكة وكانت مغنية نائحة قالت ما طلب مني ~~شيء بعد وقعة بدر فحث عليها بني عبد المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها ~~فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكة ~~وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في ~~الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريدكم فخذوا حذركم فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي # PageV04P279 # صلى الله عليه وسلم بما فعل فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانا فقال انطلقوا ~~حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها وإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها فخرجوا ~~حتى أدركوها في ذلك المكان ms3413 الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~لها أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب فبحثوا وفتشوا متاعها فلم ~~يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي والله ما كذبنا ولا كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسل السيف وقال أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن ~~عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذوائبها وكانت قد خبأته في شعرها فخلوا ~~سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فأتاه فقال له ~~هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت؟ فقال والله ما كفرت منذ ~~أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا منهم وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ لي عندهم يدا وقد علمت أن الله ~~تعالى # ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعذره فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا ~~المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمل لعل الله قد ~~اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله في شأن ~~حاطب بن أبي بلتعة: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء يعني ~~أصدقاء وأنصارا تلقون إليهم بالمودة أي بأسباب المحبة وقيل معناه تلقون ~~إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم وقد ~~كفروا أي وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق يعني القرآن يخرجون الرسول ~~وإياكم يعني من مكة أن تؤمنوا أي لأن آمنتم، كأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم هذا شرط جوابه متقدم والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا ~~في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. # وقوله: تسرون إليهم بالمودة أي ms3414 بالنصيحة وأنا أعلم بما أخفيتم أي من ~~المودة للكفار وما أعلنتم أي أظهرتم بألسنتكم منها ومن يفعله منكم أي ~~الإسرار وإلقاء المودة إليهم فقال: فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ طريق الهدى ~~ثم أخبر عن عداوة الكفار فقال تعالى: # ### || [سورة الممتحنة (60): الآيات 2 الى 5] # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا ~~لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله ~~بما تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت ~~العزيز الحكيم (5) # إن يثقفوكم أي يظفروا بكم ويروكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء أي بالضرب والقتل والشم والسب وودوا أي تمنوا لو تكفرون أي ~~ترجعون إلى دينهم كما كفروا والمعنى أن أعداء الله لا يخلصون المودة ~~لأولياء الله ولا يناصحونهم لما بينهم من الخلاف فلا تناصحوهم أنتم ولا ~~توادوهم لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم أي لا يدعونكم ولا يحملنكم ذوو ~~أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى خيانة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم ونقل أخبارهم وموالاة أعدائهم فإنه لا تنفعكم ~~أرحامكم ولا أولادكم الذين عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة يفصل بينكم أي ~~يدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار والله بما تعملون بصير قوله تعالى: ~~قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم يخاطب حاطبا # PageV04P280 # والمؤمنين ويأمرهم بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذين معه ~~أي من أهل الإيمان إذ قالوا لقومهم يعني المشركين إنا برآؤا منكم جمع بريء ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم أي جحدناكم وأنكرنا دينكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده والمعنى أن ms3415 إبراهيم ~~عليه السلام وأصحابه تبرؤوا من قومهم وعادوهم لكفرهم فأمر حاطبا والمؤمنين ~~أن يتأسوا بهم إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك يعني لكم أن تتأسوا ~~بإبراهيم في جميع أموره إلا في الاستغفار لأبيه المشرك فلا تتأسوا به فإن ~~إبراهيم كان قد قال لأبيه لأستغفرن لك فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ ~~منه وما أملك لك من الله من شيء هذا من قول إبراهيم لأبيه يعني ما أغني عنك ~~ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به وإنما وعده بالاستغفار رجاء ~~إسلامه وكان من دعاء إبراهيم ومن معه من المؤمنين ربنا عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا أي لا تظهرهم علينا ~~فيظنوا أنهم على الحق، وقيل معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك ~~فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك واغفر لنا ربنا إنك أنت ~~العزيز الحكيم. # ### || [سورة الممتحنة (60): الآيات 6 الى 8] # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين (8) # لقد كان لكم فيهم يعني في إبراهيم ومن معه أسوة حسنة أي اقتداء حسن لمن ~~كان يرجوا الله واليوم الآخر أي إن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب ~~الآخرة ومن يتول أي يعرض عن الإيمان ويوالي الكفار فإن الله هو الغني أي عن ~~خلقه الحميد أي إلى أهل طاعته وأوليائه فلما أمر الله المؤمنين بعداوة ~~الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة وعلم ~~الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم أي من كفار مكة مودة ففعل الله تعالى ذلك بأن أسلم كثير ~~منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم ms3416 وتزوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ولان لهم أبو سفيان والله قدير أي علي ~~جعل المودة بينكم والله غفور رحيم أي لمن تاب منهم وأسلم ثم رخص في صلة ~~الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال تعالى: لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم أي لا ينهاكم ~~الله عن بر الذين لم يقاتلوكم وتقسطوا إليهم أي وتعدلوا فيهم بالإحسان ~~إليهم والبر إن الله يحب المقسطين أي العادلين قال ابن عباس نزلت في خزاعة ~~وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا ~~يعينوا عليه أحدا فرخص الله في برهم وقال عبد الله بن الزبير نزلت في أمه ~~وهي أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها ~~المدينة بهدايا ضبابا وأقطا وسمنا وهي مشركة فقالت أسماء لا أقبل منك هدية ~~ولا تدخلي علي بيتا حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها ~~منزلها وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها»، (ق) عن أسماء بنت أبي بكر ~~الصديق رضي الله تعالى عنهما قالت «قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ ~~عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم فاستفتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها قال نعم ~~صليها»، زاد في رواية قال ابن عيينة فأنزل الله فيها لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ثم ذكر الله الذي نهى عن صلتهم وبرهم فقال ~~تعالى: # PageV04P281 ### || [سورة الممتحنة (60): الآيات 9 الى 10] # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا ms3417 هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم وهم مشركو مكة أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الآية ~~(خ) عن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما ~~اشترط سهيل بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يأتيك منا أحد وإن ~~كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وكره المؤمنون ذلك وأبي ~~سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فرد يومئذ أبا جندل ~~إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن ~~كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن ~~خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون ~~عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها حتى أنزل الله ~~فيهن إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن- إلى- ولا ~~هم يحلون لهن قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يمتحن بهذه الآية يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات- إلى قوله غفور رحيم قال ~~عروة قالت عائشة فمن أقرت بهذا الشرط منهن؟ قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد بايعتك كلاما يكلمها والله ما مست يده يد امرأة قط في ~~المبايعة ولا بايعهن إلا بقوله وقال ابن عباس «أقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من ~~أهل مكة رده إليهم ms3418 ومن أتى مكة من أصحابه لم يردوه إليه وكتبوا بذلك كتابا ~~وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد فراغ الكتاب وأقبل ~~زوجها مسافر من بني مخزوم وقيل هو صيفي بن الراهب في طلبها وهو كافر فقال ~~يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية ~~الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات أي من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن قال ابن عباس امتحانها ~~أن تستحلف ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا لحدث أحدثته ولا ~~التماس دنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا حلفت على ذلك لم يردها فاستحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبيعة فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها فتزوجها عمر بن ~~الخطاب قال المفسرون المراد بقوله يا أيها الذين آمنوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن بنفسه فكان يمسك من جاءه من النساء ~~بعد الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن ويرد من جاء من الرجال. # واختلف العلماء هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما فقيل قد ~~كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظا صريحا فنسخ الله تعالى ردهن من العقد ومنع ~~منه وأبقاه في الرجال على ما كان في العقد وقيل لم يشترط ردهن في العقد ~~لفظا صريحا وإنما أطلق العهد فكان ظاهره العموم لاشتماله على النساء وعلى ~~الرجال فبين الله تعالى خروجهن من عموم العقد وفرق بينهن وبين الرجال في ~~الحكم، الله أعلم بإيمانهن أي هذا الامتحان لكم والله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # إي إذا أقررن بالإيمان فلا تردوهن إلى الكفار لأن الله لم يبح مؤمنة ~~لكفار وآتوهم يعني أزواجهن ما أنفقوا أي عليهن من المهر الذي دفعوه إليهن، ~~ولا جناح عليكم أن ms3419 تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي مهورهن # PageV04P282 # أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن كان ~~لهن أزواج كفار في دار الحرب لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار ~~ووقفت الفرقة بانقضاء عدتها فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي زوجته وبه ~~قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة تقع ~~الفرقة باختلاف الدارين، ولا تمسكوا بعصم الكوافر جمع عصمة وهي ما اعتصم به ~~من العقد: والسبب نهى الله تعالى المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات ~~يقول الله تعالى وإن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت ~~عصمة الزوجية بينهما. # قال الزهري لما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا بمكة ~~مشركتين قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما ~~على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية وهي أم ابنه ~~عبيد الله فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غنم وهما على شركهما. # وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله ~~فهاجر طلحة وبقيت هي على دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها بعده في ~~الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت وهاجرت ولحقت ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة مشركا ثم أتى المدينة ~~فأسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسئلوا أي أيها المؤمنون ما ~~أنفقتم يعني إن لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاطلبوا ما أنفقتم من ~~المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم وليسئلوا يعني المشركين الذين لحقت ~~أزواجهم بكم ما أنفقوا من المهر ممن تزوجها منكم ذلكم حكم الله يحكم بينكم ~~والله عليم حكيم قال الزهري ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبين قريش لأمسك النساء ولم يرد الصداق وكذلك صنع بمن ~~جاء من المسلمات قبل ms3420 العهد فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله ~~تعالى وأدوا ما أمروا به من أداء نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون ~~أن يقروا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله عز وجل: # ### || [سورة الممتحنة (60): آية 11] # وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) # وإن فاتكم أيها المؤمنون شيء من أزواجكم إلى الكفار أي فلحقن بهم مرتدات ~~فعاقبتم معناه غزوتم فغنمتم وأصبتم من الكفار عقبي وهي الغنيمة وقيل معناه ~~ظهرتم وكانت العاقبة لكم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم أي إلى الكفار مثل ما ~~أنفقوا معناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مرتدات مثل ما ~~أنفقوا عليها من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار قال ابن عباس ~~لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان ~~وكان تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة «1» بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم ~~سلمة وكانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر بها أبت وارتدت وبروع ~~بنت عقبة وكانت تحت شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة وتزوجها ~~عمرو بن عبد ود وهند بنت أبي جهل بن هشام وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل ~~وأم كلثوم وكانت تحت عمر بن الخطاب فكلهن رجعن عن الإسلام فأعطى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة واختلف القول في رد مهر ~~من أسلمت من النساء إلى زوجها هل كان واجبا أو مندوبا وأصل هذه المسألة أن ~~الصلح هل كان وقع على رد النساء أم لا فيه قولان أحدهما أنه وقع على رد ~~الرجال والنساء جميعا لما روي أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته ثم صار الحكم ~~في رد PageV04P283 # النساء منسوخا بقوله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار فعلى هذا كان رد المهر ~~واجبا. والقول الثاني أن الصلح لم يقع على رد النساء لأنه روي عن ms3421 علي أنه ~~قال لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته وذلك لأن الرجل لا يخشى ~~عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا ~~يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى ~~المخرج من الكفر بإظهار كلمة الكفر مع التورية وإضمار كلمة الإيمان ~~وطمأنينة القلب عليه ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية فعلى ~~هذا كان المهر مندوبا. # واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة ~~الكفار فقال قوم لا يجب وزعموا أن الآية منسوخة وهم عطاء ومجاهد وقتادة قال ~~قوم الآية غير منسوخة ويرد عليهم ما أنفقوا قوله تعالى: # واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون. # ### || [سورة الممتحنة (60): آية 12] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية قال المفسرون لما فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من بيعة الرجال وهو على الصفا أتته ~~النساء يبلغنه وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي ~~سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعرفها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعهن على أن لا يشركن بالله ~~شيئا فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا أمرا وما رأيناك أخذته ~~على الرجال وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا يسرقن فقالت هند إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت ~~من ماله هنات فلا أدري يحل لي أم لا فقال أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما ~~مضى وفيما غبر فهو حلال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها ms3422 فقال لها ~~وإنك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال ولا يزنين ~~فقالت هند أو تزني الحرة؟ فقال ولا يقتلن أولادهن فقالت هند ربيناهم صغارا ~~وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم ~~بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يأتين ~~ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن فقالت هند والله إن البهتان لقبيح وما ~~تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، ولا يعصينك في معروف فقالت هند ما جلسنا ~~مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فأقر النسوة بما أخذ عليهن من ~~البيعة قال ابن الجوزي وجملة من أحصى من المبايعات أربعمائة وسبعة وخمسون ~~امرأة ولم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام، (ق) عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء ~~بالكلام بهذه الآية على أن لا يشركن بالله شيئا وما مست يد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يد امرأة لا يملكها» وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ولا ~~يقتلن أولادهن أراد به وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام ~~في كل نوع من قتل الولد ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن يعني ~~لا تلحق المرأة بزوجها غير ولده وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود فتقول ~~لزوجها هذا ولدي منك فهذا هو البهتان المفتري وليس المراد منه نهيهن عن ~~الزنا لأن النهي عنه قد تقدم ذكره ومعنى بين أيديهن وأرجلهن أن الولد إذا ~~وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ولا يعصينك في معروف أي في كل ما تأمرهن ~~به أو تنهاهن عنه وقيل في كل أمر وافق طاعة الله وكل أمر فيه رشد وقيل هو ~~النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثياب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه ~~وأن لا تحدث المرأة الرجال الأجانب ولا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر مع ~~غير ذي محرم، قال ابن عباس في قوله # PageV04P284 # ولا يعصينك ms3423 في معروف إنما هو شرط شرطه الله على النساء أخرجه البخاري (ق) ~~عن أم عطية قالت «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا ~~يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت فلانة ~~أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~فانطلقت ثم رجعت فبايعها»، (ق) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى ~~الجاهلية» عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات قالت «كان فيما أخذ علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه ~~أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا» أخرجه أبو داود ~~عن أنس رضي الله عنه «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على النساء حين ~~بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله نساء أسعدننا في الجاهلية فنسعدهن ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في الإسلام» أخرجه النسائي، ~~(م) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ~~ودرع من جرب» وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال «لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم النائحة والمستمعة» أخرجه أبو داود، وقوله تعالى: فبايعهن ~~يعني إذا بايعنك على هذه الشروط فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور ~~رحيم عن أميمة بنت رقية قالت «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة ~~فقال لنا فيما استطعتن وأطقتن قلنا الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا قلت ~~يا رسول الله بايعنا قال سفيان يعني صافحنا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن صحيح. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 13] # يا أيها الذين آمنوا لا ms3424 تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم يعني من ~~اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار ~~المسلمين يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم فنهاهم الله عن ذلك» قد ~~يئسوا من الآخرة يعني اليهود وذلك أنهم عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوا به فيئسوا من أن يكون لهم ثواب ~~أو خير في الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور يعني كما يئس الذين ماتوا ~~على الكفر وصاروا في القبور من أن يكون لهم ثواب في الآخرة وذلك أن الكفار ~~إذا دخلوا قبورهم أيسوا من رحمة الله تعالى وقيل معناه كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم والمعنى: أن اليهود الذين عاينوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار ~~من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P285 ### | سورة الصف # وفيها قولان: أحدهما أنها مدنية وهو قول ابن عباس والجمهور. # والثاني أنها مكية وهي أربع عشرة آية ومائتان وإحدى وعشرون كلمة وتسعمائة ~~حرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الصف (61): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) # قوله عز وجل: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا ~~أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون قيل سبب نزولها ما روي عن عبد ~~الله بن سلام رضي الله عنه قال «قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا فأنزل ~~الله تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ms3425 قال عبد الله بن سلام فقرأها علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه الترمذي وقال المفسرون إن المؤمنين ~~قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعلمناه ولبذلنا فيها أموالنا وأنفسنا ~~فأنزل الله عز وجل: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وأنزل الله هل ~~أدلكم على تجارة الآية فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين وكرهوا الموت ~~وأحبوا الحياة فأنزل الله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون وقيل لما أخبر الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب أهل بدر قالت الصحابة لئن لقينا ~~قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية وقيل نزلت في ~~شأن القتال كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم وضربت ولم يضرب ~~فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في المنافقين وذلك أنهم كانوا يعدون النصر ~~للمؤمنين وهم كاذبون. ### || [سورة الصف (61): الآيات 3 الى 6] # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني ~~وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين (5) وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ~~فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) # كبر مقتا عند الله أي عظم بغضا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون معناه أن ~~يعدوا من أنفسهم شيئا ولم يفوا به إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا ولا يزولون عن أماكنهم كأنهم بنيان مرصوص ~~أي قد رص بعضه ببعض وألزق بعضه إلى بعض وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل ومنه # PageV04P286 # الحديث «تراصوا في الصف» ومعنى الآية إن الله يحب من يثبت في الجهاد في ~~سبيله ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه أي واذكر يا محمد لقومك ms3426 إذ قال موسى ~~لقومه بني إسرائيل يا قوم لم تؤذونني قيل: إنهم كانوا يؤذونه بأنواع من ~~الأذى التعنت منها قولهم أرنا الله جهرة وقولهم لن نصبر على طعام واحد ~~ومنها أنهم رموه بالأدرة وقد تعلمون أني رسول الله إليكم يعني تؤذونني ~~وأنتم عالمون علما قطعيا أني رسول الله إليكم والرسول يعظم ويوقر ويحترم ~~ولا يؤذي فلما زاغوا أي عدلوا ومالوا عن الحق أزاغ الله قلوبهم أي أمالها ~~عن الحق إلى غيره والله لا يهدي القوم الفاسقين أي لا يهدي من سبق في علمه ~~أنه فاسق خارج عن طاعته وهدايته وهذا تنبيه على عظم إيذاء الرسل حتى إن ~~أذاهم يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم أي إني رسول أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به ~~في التوراة مصدقا لما بين يدي من التوراة أي مقر معترف بأحكام التوراة وكتب ~~الله وأنبيائه جميعا ممن قد تقدم ومبشرا برسول يأتي من بعدي أي يصدق ~~بالتوراة على مثل تصديقي فكأنه قيل ما اسمه فقال اسمه أحمد عن أبي موسى قال ~~«أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يأتوا النجاشي» وذكر الحديث، ~~وفيه قال سمعت النجاشي يقول أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس لأتيته حتى ~~أحمل نعليه» أخرجه أبو داود وعن عبد الله بن سلام قال مكتوب في التوراة صفة ~~محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه فقال أبو داود المدني قد بقي في البيت موضع ~~قبر أخرجه الترمذي عن كعب الأحبار أن الحواريين قالوا لعيسى صلى الله عليه ~~وسلم يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال نعم «1» يأتي بعدكم أمة حكماء علماء ~~أبرار أتقياء كأنهم في الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى ~~الله منهم باليسير من العمل (ق) عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى ms3427 الله عليه وسلم «لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا ~~الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي يوم ~~القيامة وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي وقد سماه الله تعالى رؤوفا رحيما» ~~وأحمد يحتمل معنيين أحدهما أنه مبالغة من الفاعل ومعناه أن الأنبياء كلهم ~~حمادون لله عز وجل وهو أكثر حمدا لله من غيره والثاني أنه مبالغة من ~~المفعول ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو ~~أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن والأخلاق التي يحمد بها من غيره، فلما ~~جاءهم بالبينات قيل هو عيسى صلى الله عليه وسلم وقيل هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم قالوا هذا سحر مبين أي ظاهر. ### || [سورة الصف (61): الآيات 7 الى 14] # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) # يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر ~~المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) ~~PageV04P287 # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب أي ومن أقبح ظلما ممن بلغ افتراؤه أن ~~يكذب على الله وذلك أنهم علموا أن ما نالوه من نعمة فمن الله ثم كفروا به ~~وهو يدعى إلى الإسلام معنى الآية أي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام الذي له ms3428 فيه سعادة الدارين فيجعل مكان ~~إجابته افتراء الكذب على الله بقوله هذا سحر مبين والله لا يهدي القوم ~~الظالمين أي لا يوفقهم للهداية علم من حالهم عقوبة لهم يريدون ليطفؤا نور ~~الله بأفواههم يعني إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن هذا سحر والله ~~متم نوره يعني متم للحق ومظهره ومبلغه غايته وقال ابن عباس مظهر دينه ولو ~~كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله أي ~~ليعليه على الأديان المخالفة له ولقد فعل ذلك فلم يبق دين من الأديان إلا ~~وهو مغلوب ومقهور بدين الإسلام ولو كره المشركون، قوله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم نزلت هذه الآية حين ~~قالوا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه وإنما سماه تجارة ~~لأنهم يربحون فيه رضا الله عز وجل ونيل جنته والنجاة من النار ثم بين تلك ~~التجارة فقال تعالى: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم أي الذي آمركم به من الإيمان والجهاد في سبيله إن ~~كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم هذا جواب قوله تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون ~~لأن معناه معنى الأمر والمعنى آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله أي إذا ~~فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة ~~في جنات عدن ذلك الفوز العظيم يعني هذا الجزاء الذي ذكر هو الفوز العظيم، ~~وأخرى تحبونها أي ولكم تجارة أخرى وقيل لكم خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ~~ثواب الآخرة وتلك الخصلة نصر من الله وفتح قريب، قيل هو النصر على قريش ~~وفتح مكة وقيل فتح مدائن فارس والروم وبشر المؤمنين أي يا محمد بالنصر في ~~الدنيا والجنة في الآخرة ثم حضهم على نصر الدين وجهاد المخالفين فقال ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله أي مع الله والمعنى انصروا دين الله كما نصر ~~الحواريون ms3429 دين الله لما قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله وكانوا اثني عشر رجلا أول من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام ~~وحواري الرجل صفيه وخلاصته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «حواري» الزبير ~~فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة قال ابن عباس في زمن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق فرقة قالوا كان الله ~~فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه وفرقة قالوا كان عبد الله ورسوله ~~فرفعه وهم المؤمنون واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا فظهرت ~~الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم فأصبحوا ظاهرين أي غالبين وقيل معناه فأصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة ~~بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى روح الله وكلمته والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. # PageV04P288 ### | سورة الجمعة # (مدنية وهي إحدى عشرة آية ومائة وثلاثون كلمة وسبعمائة وعشرون حرفا) بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الجمعة (62): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم (3) # قوله عز وجل: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم هو الذي بعث في الأميين يعني العرب وكانت العرب أمة أمية لا تكتب ~~ولا تقرأ حتى بعث فيهم نبي الله وقيل الأمي هو الذي على ما خلق عليه كأنه ~~منسوب إلى أمه رسولا منهم يعني محمد صلى الله عليه وسلم يعلمون نسبه وهو من ~~جنسهم وقيل أميا مثلهم وإنما كان أميا لأن نعته في كتب الأنبياء النبي ~~الأمي وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة على ما أتى به من ~~الوحي والحكمة ms3430 ولتكون حاله مشاكلة لحال أمته الذين بعث فيهم وذلك أقرب إلى ~~صدقه يتلوا عليهم آياته أي التي يبين رسالته وقيل آياته التي يتميز بها ~~الحلال من الحرام والحق من الباطل ويزكيهم أي يطهرهم من دنس الشرك ويعلمهم ~~الكتاب أي القرآن وقيل الفرائض والحكمة قيل هي السنة وإن كانوا من قبل أي ~~من قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لفي ضلال مبين وآخرين منهم أي من ~~المؤمنين الذين ظهروا يدينون بدينهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن ~~المسلمين كلهم أمة واحدة، وقيل أراد بالآخرين العجم وهو قول ابن عمر وسعيد ~~بن جبير ورواية عن مجاهد يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~«كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة فتلاها فلما ~~بلغ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء الذين لم ~~يلحقوا بنا فلم يكلمه حتى سأله ثلاثا قال وسلمان الفارسي فينا فوضع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان وقال والذي نفسي بيده لو كان ~~الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» أخرجاه في الصحيحين، وقيل هم جميع ~~من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة لما ~~يلحقوا بهم لم يدركوهم ولكنهم جاءوا بعدهم وقيل لم يلحقوا بهم في الفضل ~~والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة وهو العزيز أي الغالب الذي ~~قهر الجبابرة الحكيم أي الذي جعل كل مخلوق يشهد بوحدانيته. # PageV04P289 # ### || [سورة الجمعة (62): الآيات 4 الى 8] # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها الذين هادوا إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل إن الموت الذي ~~تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون ms3431 إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون (8) # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يعني الإسلام وقيل النبوة خص بها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم والله ذو الفضل العظيم أي على خلقه حيث أرسل فيهم رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة يعني اليهود حيث كلفوا القيامة بها ~~والعمل بما فيها وليس هو من الحمل على الظهر وإنما هو من الحمالة والحميل ~~والكفيل ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها، كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا جمع سفر الكتب العظام من العلم سمى سفرا لأنه سفر عما فيه من ~~المعنى وهذا مثل ضربه الله تعالى لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ~~والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم شبهوا إذا لم ينتفعوا بما في التوراة ~~الدال على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب ولا ~~يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود الذين يقرءون التوراة ولا ينتفعوا ~~بها لأنهم خالفوا ما فيها وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم ~~يعمل بما فيه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ولهذا قال ميمون بن مهران ~~يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية ثم ذم هذا ~~المثل والمراد منهم ذمهم فقال تعالى: بئس مثل القوم يعني بئس مثلا مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما أتي من ~~آيات القرآن وقيل المراد من الآيات آيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والله لا يهدي القوم الظالمين أي لا يهدي ~~من سبق في علمه أن يكون ظالما وقيل يعني الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب آيات ~~الله وأنبيائه قل أي قل يا محمد يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء ~~لله من دون الناس أي من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتمنوا الموت ~~ادعوا على أنفسكم إن كنتم صادقين يعني فيما زعمتم أنكم أبناء ms3432 الله وأحياؤه ~~فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه لأن الآخرة خير لأولياء الله من الدنيا ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم أي بسبب ما قدموا من الكفر والتكذيب والله ~~عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم أي لا ينفعكم ~~الفرار منه ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون فيه ~~وعيد وتهديد. ### || [سورة الجمعة (62): آية 9] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة أي الوقت الصلاة من ~~يوم الجمعة أي في يوم الجمعة وأراد بهذا النداء الإذن عند قعود الإمام على ~~المنبر للخطبة لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه ~~«كان إذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال» (خ) عن السائب بن ~~يزيد قال «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد ~~النداء الثاني على الزوراء» زاد في رواية «فثبت الأمر على ذلك»، ولأبي داود ~~قال «كان يؤذن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم ~~الجمعة على باب المسجد وذكر نحوه» الزوراء موضع عند سوق المدينة قريب من ~~المسجد وقيل كان مرتفعا كالمنارة. # واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فقيل لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ~~وقيل لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه فاجتمعت فيه المخلوقات وقيل ~~لاجتماع الجماعات فيه للصلاة وقيل أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي ~~قال أبو سلمة أول من قال أما بعد كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة ~~وكان يقال لها # PageV04P290 # يوم العروبة، عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين ms3433 سموا الجمعة وقالوا ~~لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم فهلم فلنجعل يوما نجتمع ~~فيه فنذكر اسم الله تعالى ونصلي فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد ~~للنصارى فاجعلوه يوم العروبة ثم أنزل الله تعالى في ذلك اليوم يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة الآية عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء ~~يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقال له ابنه عبد الرحمن يا أبت إذا سمعت ~~النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة ~~بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون» ~~أخرجه أبو داود وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ~~أصحاب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة مهاجرا نزل قباء ~~على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين ~~امتد الضحى فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس وأسس ~~مسجدهم ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا إلى المدينة فأدركته صلاة ~~الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واديهم وقد اتخذوا في ذلك الموضع مسجدا ~~فجمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب. # وقوله تعالى: فاسعوا إلى ذكر الله أي فامضوا إليه واعملوا له وليس المراد ~~من السعي الإسراع في المشي وإنما المراد منه العمل وكان عمر بن الخطاب يقرأ ~~فامضوا إلى ذكر الله وقال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الاقدام ولقد ~~نهوا أن يأتوا إلى الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية ~~والخشوع. # وعن قتادة في هذه الآية فاسعوا إلى ذكر الله قال السعي أن تسعى بقلبك ~~وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله: فلما بلغ معه السعي بقوله فلما مشى ~~معه (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ms3434 ولا تسرعوا ~~فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» وفي رواية «فإذا أقيمت الصلاة فلا ~~تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة» وذكره زاد مسلم «فإن أحدكم إذا ~~كان يعمد إلى الصلاة فهو في الصلاة» والمراد بقوله فاسعوا إلى ذكر الله ~~الصلاة وقال سعيد بن المسيب هو موعظة الإمام وذروا البيع يعني البيع ~~والشراء لأن البيع اسم يتناولهما جميعا وهو من لوازمه وإنما يحرم البيع ~~والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري عند خروج الإمام وقال الضحاك إذا ~~زالت الشمس حرم البيع والشراء ذلكم أي الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع ~~والشراء خير لكم أي من المبايعة في ذلك الوقت إن كنتم تعلمون أي من مصالح ~~أنفسكم والله تعالى أعلم. # (فصل: في فضل الجمعة وأحكامها وإثم تاركها) وفيه مسائل: # (المسألة الأولى): في فضلها (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ~~وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج لما منها»، زاد في رواية «ولا تقوم الساعة إلا ~~في يوم الجمعة» (ق) عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة ~~فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل فيها شيئا إلا أعطاه ~~إياه وأشار بيده يقللها» (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من ~~اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ~~ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة ~~فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح ~~في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا أحرم الإمام حضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر»، وفي رواية «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ~~ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون ~~الذكر» قوله من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة معناه غسلا كغسل الجنابة (م) ~~عنه أن رسول الله صلى الله ms3435 عليه وسلم # PageV04P291 # قال «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه ~~وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا» قوله ومن مس ~~الحصى فقد لغا معناه أنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله الكلام فجعله ~~كاللغو (خ) عن عبادة قال أدركني أبو عيسى وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على ~~النار» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرجت إلى الطور فرأيت كعب الأحبار ~~فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~فيما حدثته أن قلت له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير يوم طلعت عليه ~~الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه وفيه تقوم ~~الساعة وما دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا ~~من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل ~~الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه» قال كعب ذاك في كل سنة يوما فقلت بل في كل ~~جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو ~~هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في ~~يوم الجمعة فقال عبد الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي قال أبو هريرة فقلت ~~أخبرني بها ولا تكن عني، وفي رواية تضن علي قال هي آخر ساعة في يوم الجمعة ~~قال أبو هريرة قلت وكيف تقول آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيها قال ~~عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم «من جلس مجلسا ~~ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها» قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك ~~أخرجه ms3436 مالك في الموطأ والنسائي (خ) عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من ~~دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلم يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ~~ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة» الأخرى عن أوس بن ~~أوس الثقفي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من غسل واغتسل ~~وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ واستمع كان له بكل خطوة ~~أجر عمل سنة صيامها وقيامها» أخرجه أبو داود والنسائي قال أبو داود سئل ~~مكحول عن غسل واغتسل قال غسل رأسه وجسده. # (المسألة الثانية): في إثم تاركها (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي ~~هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره «لينتهين ~~أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» ~~عن أبي الجعد الضمري وكان له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~«ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» أخرجه أبو داود والنسائي وللترمذي ~~نحوه (م) عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم ~~يتخلفون عن الجمعة «هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون ~~عن الجمعة بيوتهم». # (المسألة الثالثة): في تأكيد وجوبها قال العلماء صلاة الجمعة هي من فروض ~~الأعيان فتجب على كل مسلم حر بالغ عاقل ذكر مقيم إذا لم يكن له عذر في ~~تركها ومن تركها من غير عذر استحق الوعيد أما الصبي والمجنون فلا جمعة ~~عليهما لأنهما ليسا من أهل الفرض ولا جمعة على النساء بالاتفاق يدل عليه ما ~~روي عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الجمعة حق واجب ~~على كل مسلم في جماعة إلا على أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض»، ~~أخرجه أبو ms3437 داود وقال طارق «رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الجمعة على من سمع ~~النداء» أخرجه أبو داود وقال رواه جماعة ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الجمعة على من آواه الليل إلى ~~أهله»، أخرجه الترمذي ولا تجب الجمعة على العبيد وقال الحسن وقتادة ~~والأوزاعي تجب على العبد المكاتب وعن أحمد في العبيد روايتان وتجب الجمعة ~~على أهل القرى والبوادي إذا سمعوا النداء من موضع تقام فيه الجمعة يلزمهم ~~الحضور وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والشرط ~~أن يبلغهم # PageV04P292 # نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة ~~فكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور ~~الجمعة وقال سعيد بن المسيب تجب الجمعة على من آواه المبيت وقال الزهري تجب ~~على كل من كان على ستة أميال وقال ربيعة على أربعة أميال، وقال مالك والليث ~~على ثلاثة أميال وقال أبو حنيفة لا جمعة على أهل السواد سواء كانت القرية ~~قريبة أو بعيدة دليل الشافعي ومن وافقه ما روي البخاري عن ابن عباس قال «إن ~~أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد ~~القيس بجؤاثى من البحرين» ولأبي داود نحوه فيه بجؤاثى قرية من قرى البحرين. # (المسألة الرابعة): في تركها لعذر كل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو ~~خوف جاز له ترك الجمعة وكذا له تركها بعذر المطر والوحل يدل على ذلك ما روي ~~عن ابن عباس «أنه خطب في يوم ذي ردغ فأمر المؤذن فلما بلغ حي على الصلاة ~~قال قل الصلاة في الرحال فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا ذلك فقال كأنكم ~~أنكرتم هذا ms3438 إن هذا فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم وإنها ~~عزمة وإني كرهت أن أخرجكم» زاد في رواية «فتمشون في الطين والدحض والزلق»، ~~أخرجه البخاري ومسلم وكل من لا تجب عليه الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام ~~الجمعة سقط عنه فرض الظهر ولكن لا يكمل به عدد الذين تنعقد بهم الجمعة إلا ~~صاحب العذر فإنه إذا حضر كمل به العدد. # (المسألة الخامسة): في العدد الذي تنعقد به الجمعة اختلف أهل العلم في ~~العدد الذي تنعقد به الجمعة فقيل لا تنعقد بأقل من أربعين رجلا وهو قول ~~عبيد الله بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق ~~قالوا لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا من أهل الكمال وذلك بأن يكونوا ~~أحرارا بالغين عاقلين مقيمين في موضع لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا إلا ظعن ~~حاجة، وشرط عمر بن عبد العزيز أن يكون فيهم وال والوالي غير شرط عند ~~الشافعي وقال علي بن أبي طالب: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب ~~الرأي ثم عند أبي حنيفة تنعقد بأربعة والوالي شرط عنده وقال الأوزاعي وأبو ~~يوسف تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال وقال الحسن تنعقد باثنين وكسائر ~~الصلوات وقال ربيعة تنعقد باثني عشر رجلا ولا يكمل العدد بمن لا تجب عليه ~~الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والصبي ولا تنعقد إلا في موضع واحد من ~~البلد وبه قال الشافعي ومالك وأبو يوسف وقال أحمد تصح بموضعين إذا كثر ~~الناس وضاق الجامع. # (المسألة السادسة): لا يجوز أن يسافر الرجل يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن ~~يصلي الجمعة وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل ~~خروج الوقت أما إذا سافر قبل الزوال وبعد طلوع الفجر فإنه يجوز غير أنه ~~يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة كحج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح ~~يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة يدل على جوازه ما روي عن ابن ms3439 ~~عباس قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية ~~فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال ما ~~منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال أردت أن أصلي معك ثم أتبعهم فقال لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم» أخرجه الترمذي وروى أن عمر رأى رجلا ~~عليه أهبة السفر وسمعه يقول لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر ~~اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. # وللجمعة شرائط وسنن وآداب مذكورة في كتب الفقه وفي هذا القدر كفاية والله ~~أعلم. # PageV04P293 ### || [سورة الجمعة (62): الآيات 10 الى 11] # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) # قوله عز وجل: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض أي إذا فرغ من صلاة ~~الجمعة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم وابتغوا من فضل الله ~~يعني الرزق وهذا أمر إباحة قال ابن عباس إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن ~~شئت فصل إلى العصر وقيل قوله فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا ولكن لعيادة ~~مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله وقيل وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم ~~وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال ~~اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت ~~خير الرازقين واذكروا الله كثيرا أي إذا فرغتم من الصلاة ورجعتم إلى ~~التجارة والبيع والشراء فاذكروا الله كثيرا قيل باللسان وقيل بالطاعة قيل ~~لا تكون من الذاكرين الله كثيرا حتى تذكره قائما وقاعدا ومضطجعا لعلكم ~~تفلحون قوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما (ق) ~~عن جابر قال «بينما نحن ms3440 نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير ~~تحمل طعاما فانفتلوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~إثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما» وفي رواية «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ~~فجاءت عير من الشام وذكر نحوه» وفيه «إلا اثنا عشر رجلا فيهم أبو بكر وعمر» ~~ولمسلم «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة قال فخرج ~~الناس إليها فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم» وذكر الحديث وهو حجة من ~~يرى صحة الجمعة باثني عشر رجلا. # وأجيب عنه بأنه ليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون الحديث حجة ~~لاشتراط هذا العدد وقال ابن عباس في رواية عنه لم يبق في المسجد إلا ثمانية ~~رهط قال الحسن وأبو مالك «أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن ~~خليفة الكلبي بتجارة زيت وطعام من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ~~فلما رأوه بالبقيع قاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا رهط فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال ~~بكم الوادي نارا» وقال مقاتل «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم ~~الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم لم تبق ~~عاتق بالمدينة إلا أتته وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وزيت ~~وغيره وينزل عند أحجار الزيت وهو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن ~~الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وذلك قبل أن ~~يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس ~~ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ms3441 ~~كم بقي في المسجد؟ فقالوا اثني عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء فأنزل الله هذه الآية» وأراد ~~باللهو الطبل وكانت العير إذا قدمت استقبلوها بالطبل والتصفيق، وقوله تعالى ~~انفضوا أي تفرقوا وذهبوا نحوها والضمير في إليها راجع إلى التجارة لأنها ~~أهم إليهم وتركوك قائما اتفقوا على أن القيام كان في الخطبة للجمعة قال ~~علقمة «سئل ابن مسعود أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ ~~قال أما تقرؤون وتركوك قائما» قال العلماء الخطبة فريضة في صلاة الجمعة ~~وقال داود الظاهري هي مستحبة ويجب أن يخطب الإمام قائما خطبتين يفصل بينهما ~~بجلوس وقال أبو حنيفة وأحمد لا يشترط القيام ولا القعود وتشترط الطهارة في ~~الخطبة عند الشافعي في أحد القولين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد ~~الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله هذه الثلاث شروط ~~في الخطبتين جميعا ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن ويدعو للمؤمنين في ~~الثانية ولو ترك واحدة من هذه الخمسة لم تصح خطبته ولا جمعته عند الشافعي ~~وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه وهذا ~~القدر لا يقع عليه اسم الخطبة وهو مأمور بالخطبة والسنة للإمام إذا صعد ~~المنبر أن يستقبل الناس وأن يسلم عليهم خلافا لأبي حنيفة ومالك وهل يحرم ~~الكلام في حال الخطبة فيه خلاف بين العلماء والأصح أنه يحرم على المستمع ~~دون الخاطب ويستحب أن يصلي تحية المسجد إذا دخل والإمام يخطب خلافا لأبي ~~حنيفة ومالك. # PageV04P294 # (ذكر الأحاديث الواردة الدالة على هذه الأحكام) (ق) عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما» وفي ~~رواية أخرى «كان يخطب يوم الجمعة وهو قائم ثم يقوم فيتم كما يفعلون الآن» ~~(م) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ms3442 الناس» زاد في رواية «فمن حدثك أنه ~~كان يخطب جالسا فقد كذب»، (م) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجد ~~وعبد الرحمن بن الحكم يخطب جالسا فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا ~~وقد قال الله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، ~~(م) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال «كنت أصلي مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا» زاد أبو داود ويقرأ آيات ~~من القرآن ويذكر الناس عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» أخرجه أبو داود ~~والترمذي ولأبي داود عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كل # كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» عن ابن مسعود رضي الله عنه «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال الحمد لله نستعينه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ~~ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فإنه لا يضر ~~إلا نفسه ولا يضر الله شيئا» وفي رواية أن يونس سأل ابن شهاب عن تشهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فذكر نحوه وقال فيه «ومن يعصيهما فقد ~~غوى ونسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب ~~سخطه إنما نحن به وله» أخرجه أبو داود (م) عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه قال «كانت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ~~ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى ~~كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين ~~إصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما ms3443 بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى ~~هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من ~~نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي» عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر ~~استقبلناه بوجوهنا أخرجه الترمذي (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت والإمام يخطب ~~فقد لغوت» عن نافع أن ابن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة ~~فحصبهما أن اصمتا أخرجه مالك في الموطأ قال ابن شهاب خروج الإمام يقطع ~~الصلاة وكلامه يقطع الكلام «فأما صفة صلاة الجمعة» فركعتان يجهر فيهما ~~بالقراءة ولجواز الجمعة خمس شروط الوقت وهو وقت الظهر ما بين زوال الشمس ~~إلى دخول وقت العصر والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإن فقد شرط من ~~هذه الشروط لخمس يجب أن يصلي ظهرا ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل ~~تمام العدد وهو أربعون عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل ~~افتتاح الصلاة أو انفض واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة بل يصلي ~~الظهر ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين ~~شرط إلى آخر الصلاة كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة فلو نقص واحد قبل ~~أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها ظهرا، وفيه قول آخر وهو أنه إن ~~بقي معه اثنان أتمها جمعة وقيل إن بقي معه واحد أتمها جمعة وعند المزني إن ~~انفضوا بعد ما صلى بهم الإمام ركعة أتمها جمعة وإن بقي وحده وإن كان في ~~الركعة الأولى يتمها أربعا وإن انفض من العدد واحدا، وبه قال أبو حنيفة لكن ~~في العدد الذي يشترط كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم ~~الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعا (خ) عن ms3444 أنس رضي الله ~~عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (م) عن ~~عبيد الله بن أبي رافع قال «استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى ~~مكة فصلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد الحمد سورة الجمعة في الأولى وإذا ~~جاءك المنافقون في الثانية قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له إنك # PageV04P295 # قرأت سورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة فقال أبو هريرة إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة»، (م) عن النعمان ~~بن بشير رضي الله تعالى عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية قال وإذا ~~اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين» عن سمرة بن جندب ~~رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بسبح ~~اسم ربك الأعلى وهل # أتاك حديث الغاشية» أخرجه أبو داود والنسائي. # وقوله تعالى: قل ما عند الله أي ما عند الله من الثواب والأجر على الصلاة ~~والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة الذي جاء ~~بهما دحية والله خير الرازقين يعني أنه تعالى موجد الأرزاق وأصلها منه ~~فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا، والله تعالى أعلم. # PageV04P296 ### | سورة المنافقين # مدنية وهي إحدى عشرة آية ومائة وثمانون كلمة وتسعمائة وستة وسبعون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المنافقون (63): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون (3) # قوله عز وجل: إذا جاءك المنافقون يعني عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال تعالى: والله ms3445 يعلم ~~إنك لرسوله أي هو الذي أرسلك فهو عالم بك والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~يعني في قولهم نشهد إنك لرسول الله لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا وذلك لأن ~~حقيقة الإيمان أن يواطئ اللسان القلب وكذلك الكلام فمن أخبر عن شيء واعتقد ~~خلافه أو أضمر خلاف ما أظهر فهو كاذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم ~~نشهد إنك لرسول الله وسماه كذبا لأن قولهم خالف اعتقادهم اتخذوا أيمانهم ~~جنة أي سترة يسترون بها من القتل ومعنى أيمانهم ما أخبر الله عنهم من حلفهم ~~إنهم لمنكم وقولهم نشهد إنك لرسول الله فصدوا عن سبيل الله أي أعرضوا ~~بأنفسهم عن طاعة الله وطاعة رسوله وقيل منعوا الناس عن الجهاد وعن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم إنهم ساء ما كانوا يعملون يعني حيث آثروا الكفر ~~على الإيمان ذلك بأنهم آمنوا أي في الظاهر وذلك إذا رأوا المؤمنين أقروا ~~بالإيمان ثم كفروا أي في السر وذلك إذا خلوا مع المشركين وفيه تأكيد لقوله ~~والله يشهد إنهم لكاذبون فطبع على قلوبهم أي بالكفر فهم لا يفقهون أي ~~الإيمان وقيل لا يتدبرون القرآن. ### || [سورة المنافقون (63): الآيات 4 الى 6] # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ~~يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا ~~قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) # وإذا رأيتهم يعني المنافقين مثل عبد الله بن أبي ابن سلول تعجبك أجسامهم ~~يعني أن لهم أجساما ومناظر حسنة وإن يقولوا تسمع لقولهم أي فتحسب أنه صدق ~~قال ابن عباس كان عبد الله بن أبي ابن سلول جسيما فصيحا ذلق اللسان فإذا ~~قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله كأنهم خشب مسندة أي أشباح بلا أرواح ~~وأجسام بلا # PageV04P297 # أحلام شبههم بالخشب المسندة إلى جدر وليست بأشجار مثمرة ينتفع بها يحسبون ~~كل صيحة ms3446 عليهم يعني أنهم لا يسمعون صوتا في العسكر بأن ينادي مناد أو تنفلت ~~دابة أو تنشد ضالة إلا ظنوا من خبثهم وسوء ظنهم أنهم يرادون بذلك وظنوا ~~أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب وقيل إنهم على خوف ووجل من أن ينزل ~~فيهم أمر يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وتم الكلام عند قوله عليهم ثم ابتدأ ~~فقال تعالى: هم العدو فاحذرهم أي لا تأمنهم فإنهم وإن كانوا معك ويظهرون ~~تصديقك أعداء لك فاحذرهم ولا تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار ~~ينقلون إليهم أسرارك قاتلهم الله أي لعنهم الله أنى يؤفكون أي يصرفون عن ~~الحق. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم أي ~~أمالوها وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار ورأيتهم يصدون أي يعرضون عما ~~دعوا إليه وهم مستكبرون أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أي يا محمد أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين). # (ذكر القصة: في سبب نزول هذه الآية) قال محمد بن إسحاق وغيره من أصحاب ~~السير إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه ~~وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء ~~من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحم الناس ~~واقتتلوا فهزم الله تعالى بني المصطلق وأمكن منهم وقيل من قتل منهم ونقل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها عليهم ~~فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له ~~من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه ~~وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني ~~يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين وأعان ms3447 جهجاها رجل من ~~المهاجرين يقال له جعال وكان فقيرا فقال عبد الله بن أبي الجعال وإنك لهناك ~~فقال جعال وما يمنعني أن أفعل ذلك فغضب عبد الله بن أبي وعنده رهط من قومه ~~فيهم زيد بن أرقم وهو غلام حديث السن فقال عبد الله بن أبي افعلوها قد ~~نافرونا وكاثرنا في بلادنا والله ما مثلنا زائدة ومثلهم إلا كما قال القائل ~~سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ثم أقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم ~~وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم ~~يركبوا رقابكم ولتحولوا إلى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول ~~محمد فقال زيد بن أرقم أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين فقال عبد الله بن أبي ~~اسكت لقد كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ~~بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال دعني أضرب عنقه ~~يا رسول الله قال كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن أذن ~~بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ~~فارتحل الناس وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي ~~فأتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني فقال عبد الله بن أبي والذي ~~أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وإن زيدا لكاذب وكان عبد الله في قومه ~~شريفا عظيما فقال من حضر من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى أن يكون ~~الغلام قد وهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله فعذره النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفشت الملامة لزيد في الأنصار وكذبوه وقال له عمه وكان زيد معه ما أردت إلى ~~أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ms3448 ومقتوك وكان زيد يساير النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه ~~بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رحت في ~~ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما ~~بلغك ما قال صاحبك # PageV04P298 # عبد الله بن أبي فقال أسيد وما قال؟ قال يزعم أنه إن رجع إلى المدينة ~~أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد أنت والله يا رسول الله تخرجه هو والله ~~الذليل وأنت والله العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء ~~الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد سلبته ملكا ~~وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أبيه فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما ~~بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ~~ما كان بها رجل أبر بوالديه مني # وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد ~~الله بن أبي يمشي على الأرض فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا قالوا ~~وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى أمسى وليلته حتى أصبح وصدر ~~يومه حتى آذتهم الشمس فنزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا ~~نياما وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن حديث عبد الله بن أبي الذي كان منه ~~بالأمس ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال لها نقعاء ~~فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها وضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وذلك بالليل فقال ms3449 رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخافوا فإنما هبت لموت ~~عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة فقيل من هو؟ قال رفاعة بن زيد بن ~~التابوت فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم بمكان ~~ناقته ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبره ~~بقول المنافق وبمكان ناقته فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~وقال ما أزعم أني أعلم الغيب ولا أعلمه ولكن الله أخبرني بقول المنافق ~~وبمكان ناقتي هي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب ~~فإذا هي كما قال فجاؤوا بها فآمن ذلك المنافق وحسن إيمانه فلما قدموا ~~المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات في ذلك اليوم وكان من عظماء ~~اليهود وكهفا للمنافقين فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~قال زيد بن أرقم جلست في البيت لما بي من الهم والحياء فأنزل الله عز وجل ~~سورة المنافقين في تصديق زيد بن أرقم وتكذيب عبد الله بن أبي فلما نزلت أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن زيد وقال يا زيد إن الله قد صدقك وأوفى ~~بإذنك (ق) عن زيد بن أرقم قال «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لا تنفقوا علي من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله وقال لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا كذب زيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل ~~الله بتصديقي إذا جاءك المنافقون قال ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليستغفر لهم قال فلووا رؤوسهم وقوله كأنهم خشب مسندة قال كانوا رجالا ~~أجمل شيء» (ق) عن جابر قال «غزونا مع رسول ms3450 الله صلى الله عليه وسلم وقد بات ~~معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا ~~فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار وقال ~~المهاجري يا للمهاجرين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى ~~الجاهلية ثم قال ما شأنهم فأخبر بسكعة المهاجري الأنصاري فقال دعوها فإنها ~~خبيثة وقال عبد الله بن أبي ابن سلول أقد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر ألا أقتل يا نبي الله هذا الخبيث ~~لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أنه كان يقتل ~~أصحابه» ولمسلم رواية «وفيها فقال لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو ~~مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره» وزاد ~~الترمذي فيه «فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله لا تنقلب حتى تقر أنك أنت ~~الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل» قال أصحاب السير وكان ~~عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله حتى ~~أناخ على مجامع طرق المدينة فلما جاء عبد الله بن أبي قال له ابنه وراءك ~~قال ويلك ما لك قال لا والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل فشكا عبد الله بن أبي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما # صنع ابنه عبد الله فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه يدخل ~~فقال عبد الله أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم فدخل ~~قالوا فلما نزلت هذه السورة وتبين كذب المنافقين قيل يا أبا حباب إنه # PageV04P299 # قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك ~~فلوى رأسه وقال أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد ~~أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ms3451 صلى الله عليه وسلم فأنزل الله وإذا قيل ~~لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم الآية ونزل. ### || [سورة المنافقون (63): الآيات 7 الى 9] # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون (8) يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا أي يتفرقوا ~~عنه ولله خزائن السماوات والأرض يعني بيده مفاتيح الرزق فلا يعطي أحد أحدا ~~شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته ولكن المنافقين لا يفقهون يعني أن ~~أمر الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ~~يعني من غزوة بني المصطلق ليخرجن الأعز منها الأذل فرد الله عليهم بقوله ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فعزة الله تعالى قهره وغلبته على من دونه ~~وعزة رسوله صلى الله عليه وسلم إظهار دينه على الأديان كلها وعزة المؤمنين ~~نصر الله إياهم على أعدائهم ولكن المنافقين لا يعلمون أي ذلك لو علموا ما ~~قالوا هذه المقالة قال أصحاب السير فلما نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ~~ابن سلول لم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات على نفاقه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أي لا تشغلكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله يعني عن الصلوات الخمس والمعنى لا تشغلكم أموالكم ولا ~~أولادكم كما شغلت المنافقين عن ذكر الله ومن يفعل ذلك أي ومن شغله ماله ~~وولده عن ذكر الله فأولئك هم الخاسرون أي في تجارتهم حيث آثروا الفاني على ~~الباقي. ### || [سورة المنافقون (63): الآيات 10 الى 11] # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها ms3452 والله خبير بما تعملون (11) # وأنفقوا من ما رزقناكم قال ابن عباس يريد زكاة الأموال من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت أي دلائل الموت ومقدماته وعلاماته فيسأل الرجعة فيقول رب لولا ~~أخرتني أي هلا أمهلتني وقيل لو أخرت أجلي إلى أجل قريب فأصدق أي فأزكي مالي ~~وأكن وقرئ وأكون من الصالحين أي المؤمنين وقيل نزلت هذه الآية في المنافقين ~~ويدل على هذا أن المؤمن لا يسأل الرجعة وقيل نزلت في المؤمنين والمراد ~~بالصلاح هنا الحج قال ابن عباس: ما من أحد يموت وكان له مال ولم يؤد زكاته ~~أو أطاق الحج ولم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت وقرأ هذه الآية وأكن من ~~الصالحين أي أحج وأزكي ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها يعني أنه تعالى لا ~~يؤخر من حضر أجله وانقضت مدته والله خبير بما تعملون يعني أنه لو رد إلى ~~الدنيا وأجيب إلى ما سأل ما حج وما زكى وقيل هو خطاب شائع لكل عامل عملا من ~~خير أو شر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P300 ### | سورة التغابن # وهي مدنية في قول الأكثر وقيل هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم إلى آخر ثلاث آيات وهي ثماني عشرة ~~آية ومائتان وإحدى وأربعون كلمة وألف وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة التغابن (64): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) # قوله عز وجل: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~يعني أنه تعالى متصرف في ملكه كيف يشاء تصرف اختصاص لا شريك له فيه وله ~~الحمد لأن أصول النعم كلها منه وهو الذي يحمد على كل حال فلا محمود في جميع ~~الأحوال إلا هو وهو على كل شيء قدير يعني أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ~~كما يشاء ms3453 بلا مانع ولا مدافع هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن قال ابن ~~عباس: إن الله تعالى خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ثم يعيدهم يوم القيامة كما ~~خلقهم مؤمنا وكافرا (م) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ~~وخلق للنار أهلا خلقهم لهم وهم في أصلاب آبائهم» (ق) عن أنس رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «وكل الله بالرحم ملكا فيقول أي رب ~~نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال يا رب أذكر ~~أم أنثى أشقي أم سعيد فما الزرق فما الأجل فيكتب ذلك وهو في بطن أمه» وقال ~~جماعة في معنى الآية إن الله تعالى خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن الله ذكر ~~الخلق ثم وصفهم بفعلهم فقال فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم اختلفوا في تأويلها ~~فروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة ومنكم ~~مؤمن حياته كافر في العاقبة وقال عطاء بن أبي رباح فمنكم كافر بالله مؤمن ~~بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب وقيل فمنكم كافر أي بأن الله خلقه ~~وهم الدهرية وأصحاب الطبائع ومنكم مؤمن أي بأن الله خلقه وجملة القول فيه ~~أن الله تعالى خلق الكافر وكفره فعلا له وكسبا وخلق المؤمن وإيمانه فعلا له ~~وكسبا فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ~~وبمشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك ~~منه وقدره عليه وعلمه منه والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأن الله ~~تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه هذا طريق أهل السنة فمن سلك هذا أصاب الحق ~~وسلم من مذهب الجبرية والقدرية والله بما تعملون بصير أي أنه عالم بكفر ~~الكافر وإيمان المؤمن. # PageV04P301 # ### || [سورة التغابن (64): الآيات 3 الى 6] # خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ms3454 ما ~~في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ~~ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) # خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم أي إنه أتقن وأحكم صوركم ~~على وجه لا يوجد مثله في الحسن والمنظر من حسن القامة والمناسبة في الأعضاء ~~وقد علم بهذا أن صورة الإنسان أحسن صورة وأكملها وإليه المصير أي المرجع في ~~القيامة يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم ~~بذات الصدور معناه أنه لا تخفى عليه خافية فاستوى في علمه الظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم قوله تعالى: ألم يأتكم يخاطب كفار مكة نبأ الذين كفروا من ~~قبل يعني خبر الأمم الخالية فذاقوا وبال أمرهم أي جزاء أعمالهم وهو ما ~~لحقهم من العذاب في الدنيا ولهم عذاب أليم أي في الآخرة ذلك أي الذي نزل ~~بهم من العذاب بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا معناه ~~أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرا وذلك لقلة عقولهم وسخافة أحلامهم ولم ~~ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فكفروا أي جحدوا وأنكروا وتولوا أي أعرضوا ~~واستغنى الله أي عن إيمانهم وعبادتهم والله غني أي عن خلقه حميد أي في ~~أفعاله ثم أخبر الله تعالى عن إنكارهم البعث فقال تعالى: ### || [سورة التغابن (64): الآيات 7 الى 13] # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11) # وأطيعوا الله ms3455 وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل أي قل لهم يا محمد بلى وربي لتبعثن أي ~~يوم القيامة ثم لتنبؤن أي لتخبرن بما عملتم وذلك على الله يسير أي أمر ~~البعث والحساب يوم القيامة فآمنوا بالله ورسوله لما ذكر حال الأمم الماضية ~~المكذبة وما نزل بهم من العذاب قال فآمنوا أنتم بالله ورسوله لئلا ينزل بكم ~~ما نزل بهم من العقوبة والنور الذي أنزلنا يعني القرآن سماه نورا لأنه ~~يهتدى به في ظلمات الضلال كما يهتدى بالنور في الظلمة والله بما تعملون ~~خبير يعني أنه مطلع عليكم عالم بأحوالكم جميعا فراقبوه وخافوه. # قوله عز وجل: يوم يجمعكم ليوم الجمع يعني يوم القيامة يجمع الله فيه ~~الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين ذلك يوم التغابن من الغبن وهو ~~فوت الحظ والمراد في المجازاة والتجارة وذلك أنه إذا أخذ الشيء بدون قيمته ~~فقد غبن والمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة وذلك لأن كل كافر له أهل ~~ومنزل في الجنة لو أسلم فيظهر يومئذ غبن كل كافر يتركه الإيمان ويظهر غبن ~~كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وقيل إن قوما في النار يعذبون وقوما في الجنة ~~ينعمون فلا غبن أعظم من هذا وقل هو غبن المظلوم للظالم لأن المظلوم مغبون ~~في الدنيا فصار في الآخرة غابنا لظالمه وأصل الغبن في البيع والشراء وقد ~~ذكر الله في حق الكافرين «انهم خسروا وغبنوا في شرائهم فقال تعالى: اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة وقال في حق المؤمنين # PageV04P302 # هل أدلكم على تجارة وقال إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة فخسرت صفقة الكافرين وربحت صفقة المؤمنين ومن يؤمن بالله على ما ~~جاءت به الرسل من الإيمان بالبعث والجنة والنار ويعمل صالحا أي في إيمانه ~~إلى أن يموت على ذلك يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا ms3456 أي بوحدانية الله وقدرته ~~وكذبوا بآياتنا أي الدالة على البعث أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله أي بقضاء الله وقدره وإرادته ومن ~~يؤمن بالله أي يصدق أنه لا يصيبه مصيبة من موت أو مرض أو ذهاب مال ونحو ذلك ~~إلا بقضاء الله وقدره وإذنه يهد قلبه أي يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه ~~لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضاء الله تعالى وقدره وقيل ~~يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والله بكل شيء عليم وأطيعوا ~~الله أي فيما أمر وأطيعوا الرسول أي فيما جاء به عن الله وما أمركم به فإن ~~توليتم أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~الله لا إله إلا هو أي لا معبود ولا مقصود إلا هو وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون. # ### || [سورة التغابن (64): الآيات 14 الى 16] # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله ~~عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا ~~لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم عن ابن عباس قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد ~~فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم الآية أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن صحيح وعنه قالوا لهم صبرنا على إسلامكم فلا صبر لنا على فراقكم ~~فأطاعوهم وتركوا الهجرة فقال تعالى فاحذروهم أي أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة ~~وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر ثم ~~هاجر ms3457 فرأى الذين قد سبقوه بالهجرة فقد فقهوا في الدين فهم أن يعاقب زوجته ~~وولده الذين ثبطوه ومنعوه عن الهجرة لما لحقوا به ولا ينفق عليهم ولا ~~يصيبهم بخير فأمره الله بالعفو والصفح عنهم وقال عطاء بن يسار نزلت في عوف ~~بن مالك الأشجعي وكان ذا أهل وولد فإذا أراد أن يغزو بكوا عليه ورققوه ~~وقالوا إلى من تدعنا فيرق عليهم فيقيم فأنزل الله تعالى إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم بحملهم إياكم على ترك طاعة الله فاحذروهم أي أن تقبلوا ~~منهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا أي فلا تعاقبوهم على خلافكم فإن الله غفور ~~رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة أي بلاء واختبار وشغل عن الآخرة وقد يقع ~~الإنسان بسببهم في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام وغصب مال الغير ونحو ~~ذلك الله عنده أجر عظيم # يعني الجنة والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب أولادكم ولا تؤثروهم على ما ~~عند الله من الأجر العظيم قال بعضهم لما ذكر الله العداوة أدخل من للتبعيض ~~فقال إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ولم يذكر من ~~في قوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنهم لم يخلوا من الفتنة واشتغال ~~القلب بهم وكان عبد الله بن مسعود يقول لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك ~~من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى أهل ومال وولد إلا يشتمل على فتنة ~~ولكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. # PageV04P303 # عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق ~~الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم ~~أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. # وقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم أي ما أطقتم وهذه الآية ناسخة لقوله ~~«اتقوا الله حق تقاته» واسمعوا وأطيعوا أي لله ولرسوله فيما يأمركم ms3458 به ~~وينهاكم عنه وأنفقوا أي من أموالكم حق الله الذي أمركم به خيرا لأنفسكم أي ~~ما أنفقتم في طاعة الله ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون تقدم تفسيره. ### || [سورة التغابن (64): الآيات 17 الى 18] # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # إن تقرضوا الله قرضا حسنا القرض الحسن هو التصدق من الحلال مع طيبة نفس ~~يعني إن تقرضوا أي تنفقوا في طاعة الله متقربين إليه بالإنفاق يضاعفه لكم ~~أي يجزكم بالضعف إلى سبعمائة إلى ما يشاء من الزيادة ويغفر لكم والله شكور ~~يعني يحب المتقربين إليه حليم أي لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبهم عالم ~~الغيب والشهادة العزيز الحكيم والله أعلم. # PageV04P304 ### | سورة الطلاق # مدنية وهي اثنتا عشرة آية ومائتان وتسع وأربعون كلمة وألف وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الطلاق (65): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) # قوله عز وجل: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء نادى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم خاطب أمته لأنه المقدم عليهم فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة ~~في ذلك الخطاب وقيل معناه يا أيها النبي قل لأمتك فأضمر القول إذا طلقتم ~~النساء أي إذا أردتم تطليقهن فطلقوهن لعدتهن أي لزمان عدتهن وهو الطهر ~~لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها وتحصل في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها ~~زمان العدة وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن فطلقوهن في قبل عدتهن وهذا في ~~المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها نزلت هذه الآية في عبد الله ~~بن عمر كان قد طلق امرأته في حال الحيض (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه ~~طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ms3459 لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم ~~تحيض ثم تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التي ~~أمر الله أن يطلق لها النساء» زاد في رواية «كان عبد الله طلقها تطليقة ~~فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم» ~~وفي رواية لمسلم «إنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» ولمسلم من حديث ~~أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل عمر وأبو الزبير ~~يسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال «طلق ابن عمر امرأته وهي حائض ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليراجعها فردها وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قال ابن عمر وقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» «1». # (فصل) اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة وكذلك في الطهر الذي ~~جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم وإن شاء طلق قبل أن يمس، والطلاق ~~السني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه وهذا في حق امرأة تلزمها العدة ~~بالأقراء فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي ~~لم تحض أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق PageV04P305 # الحامل بعد ما جامعها أو طلق التي لم تر الدم لا يكون بدعيا ولا سنة، ولا ~~بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم ليطلقها طاهرا ~~أو حاملا» والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه لا يكون بدعيا لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته قبل أن يعرف ~~حالها ولولا جوازه في جميع الأحوال لأمره أن يتعرف الحال ولو طلق ms3460 امرأته في ~~حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا عصى الله تعالى ووقع الطلاق لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لم يأمره ~~بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في حال الطهر الذي ~~يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن ~~عمر ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر وما رواه نافع عن ابن عمر ثم يمسكها حتى ~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر فأمر استحباب استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني ~~حتى لا تكون مراجعته إياها للطلاق كما أنه يكره النكاح للطلاق، ولا بدعة في ~~الجمع بين الطلقات الثلاث عند بعض أهل العلم فلو طلق امرأته في حال الطهر ~~ثلاثا لا يكون بدعيا وهو قول الشافعي وأحمد وذهب بعضهم إلى أنه بدعة وهو ~~قول مالك وأصحاب الرأي. # قوله تعالى: وأحصوا العدة أي عدة أقرائها فاحفظوها قيل أمر بإحصاء العدة ~~لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا، وقيل للعلم ببقاء زمان ~~الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى واتقوا الله ربكم أي واخشوا الله ولا ~~تعصوه فيما أمركم به لا تخرجوهن من بيوتهن يعني إذا كان المسكن الذي طلقها ~~فيه الزوج له بملك أو إكراء وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكري ~~لها منزلا غيره ولا يجوز للزوج أن يخرج المرأة من المسكن الذي طلقها فيه ~~ولا يخرجن يعني ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض عدتها لحق الله تعالى ~~فإن خرجت لغير ضرورة أثمت فإن وقعت ضرورة بأن خافت هدما أو غرقا جاز لها أن ~~تخرج إلى منزل آخر وكذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل أو شراء قطن ~~جاز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا، يدل على ذلك أن رجالا استشهدوا بأحد ~~فقالت نساؤهم نستوحش في بيوتنا فأذن لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها ms3461 وأذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لخالة جابر وقد كان طلقها زوجها أن تخرج لجذاذ ~~نخلها فإذا لزمتها العدة في السفر تعتد في أهلها ذاهبة وراجعة والبدوية ~~تتبوأ حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق ~~المقيم. # وقوله تعالى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال ابن عباس: الفاحشة المبينة ~~بذاءتها على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقيل أراد بالفاحشة أن تزني ~~فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود وقيل ~~معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها والفاحشة ~~النشوز وقيل خروجها قبل انقضاء عدتها فاحشة وتلك حدود الله يعني ما ذكر من ~~سنة الطلاق وما بعده من الأحكام ومن يتعد حدود الله أي فيطلق لغير السنة أو ~~تجاوز هذه الأحكام فقد ظلم نفسه أي ضر نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا أي يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين وهذا يدل على أن ~~المستحب أن يفرق الطلقات ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة حتى إذا ندم أمكنه ~~المراجعة. # عن محارب بن دثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما أحل الله شيئا ~~أبغض إليه من الطلاق» وأخرجه أبو داود مرسلا وله في رواية عنه عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» عن ثوبان ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من ~~غير بأس به حرام عليها رائحة الجنة» وأخرجه أبو داود والترمذي. # PageV04P306 ### || [سورة الطلاق (65): آية 2] # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) # قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن أي إذا قربن من انقضاء عدتهن فأمسكوهن أي ~~راجعوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم أي ms3462 على الرجعة وعلى الفراق أمر بالإشهاد على الرجعة ~~وعلى الطلاق. # عن عمران بن حصين أنه سئل عن رجل يطلق امرأته ثم يقع عليها ولم يشهد على ~~طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها ~~وعلى رجعتها ولا تعد. أخرجه أبو داود وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي ~~حنيفة كما في قوله وأشهدوا إذا تبايعتم وعند الشافعي هو واجب في الرجعة ~~مندوب إليه في الفرقة وفائدة هذا الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد وأن لا ~~يتهم في إمساكها وأن لا يموت أحد الزوجين فيدعي الآخر ثبوت الزوجية ليرث ~~وقيل أمر بالإشهاد للاحتياط مخافة أن تنكر الزوجة المراجعة فتنقضي العدة ~~فتنكح زوجا غيره وأقيموا الشهادة يعني أيها الشهود لله أي طلبا لمرضاة الله ~~وقياما بوصيته والمعنى اشهدوا بالحق وأدوها على الصحة ذلكم يوعظ به من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا قيل معناه ومن يتق ~~الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة. # وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك أسر ابن له يسمى مالكا فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أسر العدو ابني وشكا إليه أيضا ~~فاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ~~ولا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل ~~عنه العدو فأصاب منهم إبلا وجاء بها إلى أبيه. # وعن ابن عباس قال: غفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي ~~أربعة آلاف شاة فنزلت ومن يتق الله يجعل له مخرجا أي في ابنه. ### || [سورة الطلاق (65): آية 3] # ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) # ويرزقه من حيث لا يحتسب يعني ما ساق من الغنم وقيل أصاب غنما ومتاعا ثم ~~رجع إلى أبيه فانطلق أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره ms3463 الخبر وسأله ~~أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم ~~ونزلت الآية وقال ابن مسعود ومن يتق الله يجعل له مخرجا من كل شيء ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب هو أن يعلم أنه من قبل الله وأن الله رازقه وقال الربيع بن ~~خثيم يجعل له محرجا من كل شيء ضاق على الناس وقيل محرجا من كل شدة وقيل ~~مخرجا عما نهاه الله عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه يعني من يتق الله ~~فيما نابه كفاه ما أهمه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لو أنكم ~~تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» ~~إن الله بالغ أمره أي منفذ أمره وممض في خلقه ما قضاه قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا أي جعل لكل شيء من شدة أو رخاء أجلا ينتهى إليه وقال مسروق في هذه ~~الآية إن الله بالغ أمره توكل عليه أم لم يتوكل عليه غير أن المتوكل يكفر ~~عنه سيئاته ويعظم له أجرا. # ### || [سورة الطلاق (65): الآيات 4 الى 5] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا (5) # قوله عز وجل: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم قيل لما نزلت والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن # PageV04P307 # ثلاثة قروء قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري يا رسول الله فما عدة من ~~تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى فأنزل الله عز وجل: واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم يعني القواعد اللاتي قعدن عن الحيض فلا يرجى أن يحضن وهن العجائز ~~الآيسات من الحيض إن ارتبتم أي شككتم في حكمهن ولم تدروا ما عدتهن فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن يعني الصغائر اللاتي لم يحضن بعد فعدتهن أيضا ~~ثلاثة أشهر أما الشابة التي ms3464 كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغ سن الآيسات ~~فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة ~~أقراء وتبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر وهذا قول عثمان وعلي وزيد بن ~~ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي وحكي ~~عن عمر أنها تتربص تسعة أشهر فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهو قول مالك ~~وقال الحسن تتربص سنة فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهذا كله في عدة الطلاق ~~وأما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشر سواء كانت ممن تحيض أو لا ~~تحيض وأما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها وهو قوله ~~تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (ق) «عن سبيعة الأسلمية أنها ~~كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها ~~في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من ~~نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار ~~فقال لها ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح وأنت والله ما أنت بناكح ~~حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي ~~حتى أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني ~~قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي» لفظ البخاري ولمسلم نحوه ~~وزاد قال ابن شهاب ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير ~~أنها لا يقربها زوجها حتى تطهر ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا أي يسهل ~~عليه أمر الدنيا والآخرة ذلك أي ذلك الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله ~~إليكم أي لتعلموا به ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا # ### || [سورة الطلاق (65): الآيات 6 الى 7] # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ms3465 ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا (7) # قوله تعالى: أسكنوهن يعني مطلقات نسائكم من حيث سكنتم من وجدكم أي من ~~سعتكم وطاقتكم فإن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة وإن كان فقيرا ~~فعلى قدر الطاقة ولا تضآروهن أي لا تؤذوهن لتضيقوا عليهن يعني في مساكنهن ~~فيخرجن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن أي فيخرجن من عدتهن. # (فصل: في حكم الآية) اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة ~~والسكنى ما دامت في العدة ونعني بالسكنى مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي ~~طلقها الزوج فيها ملك الزوج يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة ~~عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه ~~أن يكتري لها دارا تسكنها وأما المعتدة البائنة بالخلع أو بالطلاق الثلاث ~~أو باللعان فلها السكنى حاملا كانت أو غير حامل عند أكثر أهل العلم وروي عن ~~ابن عباس أنه قال لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن والشعبي. # PageV04P308 # واختلفوا في نفقتها فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا، ~~يروى ذلك، عن ابن عباس وهو قول الحسن والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد ومنهم ~~من أوجبها بكل حال يروى ذلك عن ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي، وبه قال ~~الثوري وأصحاب الرأي وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق النفقة إلا أن ~~تكون حاملا لقوله تعالى: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ~~وأما الدليل على ذلك من السنة فما روي عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص ~~طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك ~~علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3466 فذكرت ذلك له فقال لها ~~ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها ~~أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت ~~فآذنيني قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما ~~معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد فكرهته ثم قال انكحي أسامة بن ~~زيد فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به» أخرجه مسلم واحتج بهذا الحديث ~~من لم يجعل لها سكنى وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في ~~بيت عبد الله بن أم مكتوم ولا حجة له فيه لما روي عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها وقال سعيد بن المسيب ~~إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان في لسانها ذرابة: وأما ~~المعتدة عن وطء الشهبة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا ~~نفقة وإن كانت حاملا وأما المعتدة عن وفاة الزوج فلا نفقة لها عند أكثر أهل ~~العلم وروي عن علي أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع وهو قول ~~شريح والشعبي والنخعي والثوري. # واختلفوا في سكناها وللشافعي فيه قولان: # أحدهما: أنه لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء وهو قول علي وابن عباس وعائشة ~~وبه قال عطاء والحسن وهو قول أبي حنيفة. # والثاني: أن لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله ~~بن عمر وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق. # واحتج من أوجب لها السكنى بما روي عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت ~~أبي سعيد الخدري «أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن ~~ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا ~~كان بطرف القدوم ms3467 لحقهم فقتلوه قالت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ~~ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت فقال كيف قلت فرددت ~~عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب ~~أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي ~~فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به» أخرجه أبو داود والترمذي، فمن قال ~~بهذا القول قال إذنه لفريعة أولا بالرجوع صار منسوخا بقوله آخرا «امكثي في ~~بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» ومن لم يوجب السكنى قال أمرها بالمكث في بيتها ~~آخرا استحبابا لا وجوبا. # قوله عز وجل: فإن أرضعن لكم يعني أولادكم فآتوهن أجورهن يعني على ~~إرضاعهن، وفيه دليل على أن اللبن وإن كان قد خلق لمكان الولد فهو ملك للأم ~~وإلا لم يكن لها أن تأخذ عليه أجرا وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على ~~الأزواج في حق الأولاد وأتمروا بينكم بمعروف أي ليقبل بعضكم من بعض إذا ~~أمره بالمعروف وقيل يتراضى الأب والأم على أجر مسمى والخطاب للزوجين جميعا ~~أمرهم أن يأتوا بالمعروف وما هو الأحسن ولا يقصدوا الضرار، وقيل المعروف ~~هاهنا لا أن يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا المرأة في حق # PageV04P309 # الولد ورضاعه وإن تعاسرتم أي في حق الولد وأجرة الرضاع فأبى الزوج أن ~~يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه بل ~~يستأجر للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله: فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من ~~سعته أي على قدر غناه ومن قدر أي ضيق عليه رزقه فكان بمقدار القوت فلينفق ~~مما آتاه الله أي على قدر ما آتاه الله من المال لا يكلف الله نفسا أي في ~~النفقة إلا ما آتاها يعني ms3468 من المال والمعنى لا يكلف الفقير مثل ما يكلف ~~الغني في النفقة سيجعل الله بعد عسر يسرا أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة. قوله ~~تعالى: ### || [سورة الطلاق (65): الآيات 8 الى 12] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم ~~عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) الله الذي ~~خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل ~~شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # وكأين من قرية عتت أي عصت وطغت والمراد أهل القرية عن أمر ربها ورسله أي ~~وأمر رسله فحاسبناها حسابا شديدا أي بالمناقشة والاستقصاء وقيل حاسبها ~~بعملها في الكفر فجزاها النار وهو قوله وعذبناها عذابا نكرا أي منكرا فظيعا ~~وقيل في الآية تقديم وتأخير مجازها فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط ~~والسيف وسائر أنواع البلاء وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا فذاقت وبال ~~أمرها أي شدة أمرها وجزاء كفرها وكان عاقبة أمرها خسرا أي خسرانا في الدنيا ~~والآخرة أعد الله لهم عذابا شديدا يخوف كفار مكة أن ينزل بهم مثل ما نزل ~~بالأمم الماضية فاتقوا الله يا أولي الألباب أي يا ذوي العقول ثم نعتهم ~~فقال تعالى: # الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا يعني القرآن رسولا أي وأرسل إليكم ~~رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات قرئ مبينات بالخفض أي تبين الحلال من ~~الحرام والأمر والنهي وقرئ بالنصب ومعناه أنها واضحات ليخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ~~ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها ms3469 أبدا قد أحسن الله له رزقا يعني الجنة التي ~~لا ينقطع نعيمها وقيل يرزقون طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة الله الذي ~~خلق سبع سماوات يعني بعضها فوق بعض ومن الأرض مثلهن أي في العدد يتنزل ~~الأمر بينهن أي الوحي إلى خلقه من السماء العليا إلى الأرض السفلى وقيل هو ~~ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره ينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل ~~والنهار وبالصيف والشتاء ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاته وينقله من حال ~~إلى حال فيحكم بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك هذا، وقيل في كل سماء ~~من سماواته وأرض من أرضيه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه لتعلموا ~~أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما يعني أنه سبحانه ~~وتعالى عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية وأنه قادر على الإنشاء بعد الإفناء ~~وكل الكائنات جارية تحت قدرته داخلة في علمه والله تعالى أعلم. # PageV04P310 ### | سورة التحريم # (مدنية وهي اثنتا عشرة آية ومائتان وسبع وأربعون كلمة وألف وستون حرفا) ~~بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التحريم (66): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) # قوله عز وجل: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم ذكر سبب نزولها، (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل وكان إذا انصرف من العصر ~~دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر ~~مما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من ~~عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له ~~فذكرت ذلك لسودة وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له يا رسول الله ~~أكلت مغافير فإنه سيقول لا فقولي ما هذه الريح التي أجد وكان رسول الله ms3470 صلى ~~الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة ~~عسل فقولي له جرست نحله العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك فلما دخل ~~على سودة قالت تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذي ~~قلت لي وإنه لعلى الباب فرقا منك فلما دنا منها قالت له سودة يا رسول الله ~~أكلت مغافير؟ قال لا قالت فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال سقتني حفصة شربة ~~عسل قال جرست نحله العرفط فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ثم دخل على صفية ~~فقالت له مثل ذلك فلما دخل على حفصة قالت له يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ ~~قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه قلت لها اسكتي» ~~(ق) عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند ~~زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فتواطيت أنا وحفصة أنا أيتنا دخل عليها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ~~فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن ~~أعود له فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله إن تتوبا إلى ~~الله لعائشة وحفصة وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا لقوله «بل شربت عسلا ~~ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا» زاد في رواية «يبتغي بذلك مرضاة ~~أزواجه». # (شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما) قولها كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب الحلواء والعسل الحلواء بالمد وهو كل شيء حلو وذكر العسل ~~بعدها وإن كان داخلا في جملة الحلواء تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ~~ذكر الخاص بعد العام قولها في الحديث الثاني فتواطيت أنا وحفصة هكذا ذكر في ~~الرواية وأصله فتواطأت أي اتفقت أنا وحفصة قولها إني لأجد منك ريح مغافير ~~هو بغين معجمة وفاء بعدها ms3471 ياء وراء وهو صمغ حلو كالناطف وله رائحة كريهة ~~ينضحه شجر يقال له العرفط بضم العين المهملة وبالفاء يكون بالحجاز وقيل ~~العرفط نبات له ورق عريض يفرش على الأرض له شوكة # PageV04P311 # وثمره خبيث الرائحة، وقال أهل اللغة العرفط من شجر العضاه وهو كل شجر له ~~شوك، وقيل رائحته كرائحة النبيذ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن ~~يوجد منه رائحة كريهة قولها جرست نحله العرفط هو بالجيم والراء وبالسين ~~المهملتين ومعناه أكلت نحله العرفط فصار منه العسل قولها في الحديث الثاني ~~فقال شربت عسلا عند زينب بنت جحش وفي الحديث الأول أن الشرب كان عند حفصة ~~بنت عمر بن الخطاب وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتي تظاهرن عليه قال ~~القاضي عياض والصحيح الأول قال النسائي إسناد حديث حجاج بن محمد عن ابن ~~جريج صحيح حيد غاية وقال الأصيلي حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب الله ~~وأكمل فائدة يريد قوله تعالى: وإن تظاهرا عليه وهما ثنتان لا ثلاثة وأنهما ~~عائشة وحفصة كما اعترف به عمر في حديث ابن عباس وسيأتي الحديث قال وقد ~~انقلبت الأسماء على الراوي في الرواية الأخرى يعني الحديث الأول الذي فيه ~~أن الشرب كان عند حفصة قال القاضي عياض: والصواب أن شرب العسل كان عند زينب ~~بنت جحش ذكره الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم وكذا ذكره القرطبي أيضا ~~وقال المفسرون في سبب النزول «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين ~~نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة ~~أبيها فأذن لها فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته مارية ~~القبطية فأدخلها بيت حفصة وخلا بها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست ~~عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي ~~فقال ما يبكيك؟ قالت إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ووقعت عليها ~~في يومي وعلى فراشي أما رأيت لي حرمة وحقا ما كنت ms3472 تصنع هذا بامرأة منهن ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي ~~فهي علي حرام ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن فلما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت ألا ~~أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية وقد أراحنا ~~الله منها وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج ~~النبي بها صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى حلف أن لا يقربها عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها بها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها ~~على نفسه فأنزل الله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية ~~أخرجه النسائي قال العلماء الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل لا ~~في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح قال ~~النسائي إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية. # وأما التفسير فقوله يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك أي من العسل أو ~~ملك اليمين على اختلاف الرواية فيه وهذا التحريم تحريم امتناع عن الانتفاع ~~بها أو بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حراما بعد ما أحله الله فالنبي «صلى ~~الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك حلال تبتغي مرضاة ~~أزواجك أي تطلب رضاهن بترك ما أحل الله لك والله غفور رحيم أي غفر لك ذلك ~~التحريم. ### || [سورة التحريم (66): الآيات 2 الى 3] # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ ~~أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أي بين ms3473 وأوجب لكم تحليل أيمانكم بالكفارة ~~وهو ما ذكر في سورة المائدة فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويراجع أمته فأعتق ~~رقبة والله مولاكم أي وليكم وناصركم وهو العليم أي بخلقه الحكيم أي فيما ~~فرض من حكمه. # (فصل) اختلف العلماء في لفظ التحريم فقيل ليس هو بيمين فإن قال لزوجته ~~أنت علي حرام أو قال حرمتك فإن # PageV04P312 # نوى طلاقا فهو طلاق وإن نوى ظهارا فظهار وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق ~~فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت وإن ~~نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين وإن قال لطعام حرمته على نفسي ~~فلا شيء عليه وهذا قول أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين وإليه ~~ذهب الشافعي وإن لم ينو شيئا ففيه قولان للشافعي أحدهما أنه يلزمه كفارة ~~اليمين، والثاني لا شيء عليه وأنه لغو فلا يترتب عليه شيء من الأحكام وذهب ~~جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما ~~لم يقربها كما لو حلف أن لا يطؤها وإن حرم طعاما فهو كما لو حلف أن لا ~~يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (ق) عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» وفي رواية «إذا حرم امرأته ليس بشيء وقال ~~لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» لفظ الحميدي. # قوله تعالى: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا يعني ما أسر إلى حفصة من ~~تحريم مارية على نفسه واستكتمها ذلك وهو قوله لا تخبري بذلك أحدا وقال ابن ~~عباس أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة قال الكلبي أسر إليها إن أباك ~~وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، وقيل لما رأى الغيرة في وجه ~~حفصة أراد أن يراضيها فسرها بشيئين بتحريم مارية على نفسه وأن الخلافة بعده ~~في أبي بكر وأبيها عمر فلما ms3474 نبأت به أي أخبرت بذلك حفصة عائشة وأظهره الله ~~عليه أي أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على قول حفصة لعائشة عرف بعضه ~~قرئ بتخفيف الراء أي عرف بعض الذي فعلته حفصة فغضب من إفشاء سره وجازاها ~~عليه بأن طلقها فلما بلغ عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه جبريل عليه السلام وأمره بمراجعتها ~~وقيل لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وإنما هم بطلاقها فأتاه ~~جبريل فقال لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة وقرئ عرف ~~بالتشديد، ومعناه عرف حفصة بعض الحديث وأخبرها ببعض ما كان منها وأعرض عن ~~بعض أي لم يعرفها إياه ولم يخبرها به قال الحسن ما استقصى كريم قط قال الله ~~تعالى عرف بعضه وأعرض عن بعض والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ~~حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كره أن ينتشر ذلك في الناس فلما نبأها به أي أخبر حفصة ~~بما أظهره الله عليه قالت يعني حفصة من أنبأك هذا أي من أخبرك بأني أفشيت ~~السر قال نبأني العليم أي بما تكنه الضمائر الخبير أي بخفيات الأمور. # ### || [سورة التحريم (66): آية 4] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # قوله عز وجل: إن تتوبا إلى الله يخاطب عائشة وحفصة أي من التعاون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيذاء له فقد صغت قلوبكما أي زاغت ومالت ~~عن الحق واستوجبتما أن تتوبا وذلك بأن سرهما ما كره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو اجتناب مارية، (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «لم أزل ~~حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم اللتين قال الله عز وجل إن تتوبا إلى ms3475 الله فقد صغت قلوبكما حتى حج عمر ~~وحججت معه فلما كان عمر ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتاني ~~فصببت على يديه فتوضأ فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما قال عمر وا عجبا لك يا ابن العباس قال الزهري كره منه ما سأله عنه ~~ولم يكتمه قال هما عائشة وحفصة ثم أخذ يسوق الحديث قال كنا معشر قريش قوما ~~نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا ~~يتعلمن من نسائهم قال وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي فغضبت يوما ~~على امرأتي فإذا هي تراجعني # PageV04P313 # فأنكرت أن تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك فو الله إن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فانطلقت فدخلت على ~~حفصة فقلت أتراجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت نعم فقلت أتهجره ~~إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت نعم قلت لقد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت ~~أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~هي قد هلكت لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني ~~ما بدا لك ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منك يريد عائشة وكان لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما ويأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه ~~بمثل ذلك وكنا نتحدث أن غسان تبعث الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم ~~نوبته ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال حدث أمر عظيم قلت ~~ماذا أجاءت غسان؟ قال لا بل أعظم من ذلك وأهول طلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه قلت قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون حتى إذا ~~صليت الصبح شددت على ثيابي ثم ms3476 نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت أطلقكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت لا أدري ها هو ذا معتزل في هذه المشربة ~~فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال قد ذكرتك له ~~فصمت فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم فجلست قليلا ~~ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال قد ذكرتك ~~له فصمت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر ~~فدخل ثم خرج فقال قد ذكرتك له فصمت فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني فقال ~~ادخل فقد أذن لك فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو ~~متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه فقلت أطلقت يا رسول الله نساءك فرفع ~~رأسه إلي وقال لا فقلت الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله قد كنا معشر قريش ~~نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا ~~يتعلمن من نسائهم فغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني فأنكرت إذ راجعتني ~~فقالت ما تنكر أن أراجعك فو الله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فقلت قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر ~~أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~هي قد هلكت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد دخلت ~~علي حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منك فتبسم أخرى فقلت استأنس يا رسول الله قال نعم قال فجلست ~~فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا # أهبة ثلاثة فقلت يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على ~~فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا ثم قال أفي شك أنت يا ابن ~~الخطاب أولئك قوم عجلت ms3477 لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا ~~رسول الله وكان قد أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من أجل ذلك الحديث حين أفشته ~~حفصة لعائشة من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى» قال الزهري فأخبرني ~~عروة عن عائشة قالت «لما مضت تسع وعشرون دخل علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدأ بي فقلت يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت ~~في ليلة تسع وعشرين أعدهن فقال إن الشهر يكون تسعا وعشرين زاد في رواية ~~وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة ثم قال يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا ~~عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ثم قال يا أيها النبي قل لأزواجك إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها حتى بلغ إلى قوله عظيما قالت عائشة قد علم ~~رسول الله والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه فقلت أفي هذا أستأمر ~~أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة»، زاد في رواية «أن عائشة قالت ~~لا تخبر نساءك أني اخترتك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ~~أرسلني مبلغا ولم يرسلني متعنتا» ولمسلم عن ابن عباس عن عمر نحوه وفيه قال ~~«دخلت عليه فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن ~~فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما ~~تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول فنزلت ~~هذه الآية عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير»، وفيه أنه ~~استأذن رسول # PageV04P314 # الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له وأنه ~~قام على باب المسجد فنادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نساءه. # (شرح بعض ألفاظه) قوله فعدلت معه بالإداوة أي فملت معه بالركوة فتبرز أي ~~أتى البراز وهو الفضاء من ms3478 الأرض لقضاء الحاجة. # العوالي جمع عالية وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة قوله ولا يغرنك أن كانت ~~جارتك يريد بها الضرة وهي عائشة أوسم منك أي أكثر حسنا وجمالا منك قوله ~~فكنا نتناوب النزول التناوب هو أن يفعله الإنسان مرة ويفعله الآخر بعده ~~المشربة بضم الراء وفتحها الغرفة قوله فإذا هو متكئ على رمال حصير يقال ~~رملت الحصير إذا ضفرته ونسجته والمراد به أنه لم يكن على السرير وطاء سوى ~~الحصير قوله ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا أهبة ثلاثة الأهبة والأهب جمع ~~إهاب وهو الجلد قوله من شدة موجدته الموجدة الغضب. # قوله تعالى: وإن تظاهرا عليه أي تعاونا على إيذاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله هو مولاه أي وليه وناصره وجبريل يعني وجبريل وليه وناصره ~~أيضا وإنما أفرده وإن كان داخلا في جملة الملائكة تعظيما له وتنبيها على ~~علو منزلته ومكانته وصالح المؤمنين روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب صالح ~~المؤمنين أبو بكر وعمر وقيل هم المخلصون من المؤمنين الذين ليسوا بمنافقين ~~وقيل هم الأنبياء والملائكة بعد ذلك أي بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين ~~ظهير أي أعوان للنبي صلى الله عليه وسلم ينصرونه. ### || [سورة التحريم (66): آية 5] # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) # عسى ربه أي واجب من الله إن طلقكن يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن ثم وصف الأزواج اللواتي كان يزوجه بهن فقال مسلمات ~~أي خاضعات لله بالطاعة مؤمنات أي مصدقات بتوحيد الله تعالى: قانتات أي ~~طائعات وقيل داعيات وقيل مصليات بالليل تائبات أي تاركات للذنوب، لقبحها أو ~~كثيرات التوبة عابدات وكثيرات العبادة سائحات أي صائمات وقيل مهاجرات وقيل ~~يسحن معه حيث ساح ثيبات جمع ثيب وهي التي تزوجت ثم بانت بوجه من الوجوه ~~وأبكارا أي عذارى جمع بكر وهذا من باب الإخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه ~~قال إن طلقكن وقد علم أنه لا يطلقهن ms3479 فأخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله ~~أزواجا خيرا منهن تخويفا لهن. # PageV04P315 # ### || [سورة التحريم (66): الآيات 6 الى 9] # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها ~~الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم قال ابن عباس بالانتهاء عما ~~نهاكم الله عنه والعمل بطاعته وأهليكم يعني مروهم بالخير وانهوهم عن الشر ~~وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك، نارا وقودها الناس والحجارة يعني الكبريت، ~~لأنه أشد الأشياء حرا وأسرع إيقادا عليها ملائكة يعني خزنة النار وهم ~~الزبانية غلاظ أي فظاظ على أهل النار شداد يعني أقوياء يدفع الواحد منهم ~~بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار لم يخلق الله الرحمة فيهم لا يعصون ~~الله ما أمرهم أي لا يخالفون الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ويفعلون ما ~~يؤمرون أي لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامره والانتقام من أعدائه يا أيها ~~الذين كفروا لا تعتذروا اليوم أي يقال لهم لا تعتذروا اليوم وذلك حين ~~يعاينون النار وشدتها لأنه قد قدم إليهم الإنذار والإعذار فلا ينفعهم ~~الاعتذار لأنه غير مقبول بعد دخول النار إنما تجزون ما كنتم تعملون يعني أن ~~أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا أي ذات نصح ~~تنصح صاحبها بترك العود إلى الذنب الذي تاب منه قال عمر بن الخطاب وأبي بن ~~كعب ومعاذ التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن ~~إلى الضرع ms3480 وقال الحسن هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا ~~يعود إليه وقال الكلبي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال ~~سعيد بن المسيب معناه توبة تنصحون بها أنفسكم وقال محمد بن كعب القرظي ~~التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان ~~وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان. # (فصل) وقال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب على الفور ولا يجوز تأخيرها ~~سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله ~~تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاث شروط: # أحدها: أن يقلع عن المعصية والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم ~~على أن لا يعود إليها أبدا فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا ~~وإن فقد شرط منها لم تصح توبته فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها ~~أربعة هذه الثلاثة المتقدمة والرابع أن يبرأ من حق صاحبها فإن كانت المعصية ~~مالا ونحوه رده إلى صاحبه وإن كان حد قذف أو نحوه مكنه من نفسه أو طلب عفوه ~~وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب العبد من جميع الذنوب فإن تاب من ~~بعضها صحت توبته من ذلك الذنب وبقي عليه ما لم يتب منه هذا مذهب أهل السنة، ~~وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة (م) عن الأغر ~~بن يسار المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس ~~توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (خ) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «والله إني لأستغفر الله ~~وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، (ق) عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من ~~أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة الحديث (م) عن أبي موسى الأشعري ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ms3481 وسلم قال «إن الله يبسط يده بالليل ~~ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من ~~مغربها» عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. # وقوله تعالى: عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم هذا إطماع من الله تعالى ~~لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلا وتكرما لا وجوبا عليه ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه # أي لا يعذبهم بدخول النار نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يعني على ~~الصراط يقولون ربنا يعني إذا انطفأ نورا المنافقين أتمم لنا نورنا واغفر ~~لنا إنك على كل شيء قدير يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير تقدم تفسيره. # PageV04P316 ### || [سورة التحريم (66): الآيات 10 الى 12] # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ~~ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين (12) # قوله تعالى: ضرب الله مثلا أي بين شبها وحالا للذين كفروا امرأت نوح ~~واسمها واعلة وامرأت لوط واسمها واهلة وقيل اسمها والعة ووالهة كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام وقوله من ~~عبادنا إضافة تشريف وتعظيم فخانتاهما قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بغت ~~امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما وكانت امرأة ~~نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن أحد أخبرت به الجبابرة من قومها وأما ~~امرأة لوط فإنها كانت تدل قومها على أضيافه إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت ~~النار وإذا نزل به ضيف بالنهار ms3482 دخنت لتعلم قومها بذلك وقيل أسرتا النفاق ~~وأظهرتا الإيمان فلم يغنيا عنهما من الله شيئا أي لم يدفعا عن امرأتيهما مع ~~نبوتهما عذاب الله وقيل ادخلا النار مع الداخلين وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~للصالحين والصالحات من النساء وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره ولا يضر ~~المطيع معصية غيره وإن كانت القرابة متصلة بينهم وأن القريب كالأجانب بل ~~أبعد وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبيا كامرأة نوح وامرأة لوط لما ~~خانتاهما لم يغن هذان الرسولان عن امرأتيهما شيئا فقطع بهذه الآية طمع من ~~يرتكب المعصية ويتكل على صلاح غيره وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين ~~عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ثم ضرب مثلا آخر ~~يتضمن أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعا وأن وصلة المسلم بالكافر لا ~~تضر المؤمن فقال تعالى: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون يعني آسية ~~بنت مزاحم قال المفسرون لما غلب موسى السحرة آمنت به امرأة فرعون فلما تبين ~~لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس فكانت ~~تعذب في الشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة إذ قالت رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة فكشف الله لها عن بيتها في الجنة وقيل إن فرعون أمر بصخرة ~~عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ~~فأبصرت بيتها في الجنة، من درة بيضاء وانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد ~~لا روح فيه ولم تجد ألما وقيل رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي تأكل ~~وتشرب فيها ونجني من فرعون وعمله يعني وشركه وقال ابن عباس عمله يعني جماعه ~~ونجني من القوم الظالمين يعني الكافرين ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~أي عن الفواحش والمحصنة العفيفة فنفخنا فيه أي في جيب درعها ولذلك ذكر ~~الكناية من روحنا إضافة تمليك وتشريف كبيت الله وناقة الله وصدقت بكلمات ~~ربها يعني الشرائع التي شرعها الله لعباده بكلماته المنزلة على أنبيائه ~~وكتبه يعني الكتب ms3483 المنزلة على إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم الصلاة ~~والسلام، وكانت من القانتين يعني كانت من القوم القانتين أي المطيعين وهم ~~رهطها وعشيرتها لأنهم كانوا أهل بيت صلاح وطاعة الله عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حسبك من نساء العالمين ~~مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح. والله أعلم بمراده. # PageV04P317 ### | سورة الملك # مكية وهي ثلاثون آية وثلاثمائة وثلاثون كلمة وألف وثلاثمائة وثلاثة عشر ~~حرفا. # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«إن من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده ~~الملك» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ولأبي داود نحوه، وفيه «تشفع لصاحبها» ~~عن ابن عباس قال «ضرب بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خباءه على ~~قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ضربت خبائي على قبر إنسان وأنا ~~لا أحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الملك (67): الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) # قوله عز وجل: تبارك الذي بيده الملك أي له الأمر والنهي والسلطان فيعز من ~~يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير أي من الممكنات الذي خلق الموت ~~والحياة قيل أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل الله الدنيا دار حياة ~~وفناء وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء وإنما قدم الموت لأنه أقرب إلى قهر ~~الإنسان، وقيل قدمه لأنه أقدم وذلك لأن الأشياء كانت ms3484 في الابتداء في حكم ~~الموتى كالتراب والنطفة والعلقة ونحو ذلك ثم طرأ عليها الحياة وقال ابن ~~عباس خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات ~~وخلقت الحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا ~~تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها ~~فألقاها في العجل فخار وحيي وقيل إن الموت صفة وجودية مضادة للحياة، وقيل ~~الموت عبارة عن زوال القوة الحيوانية وإبانة الروح عن الجسد وضده الحياة ~~وهي القوة الحساسة مع وجود الروح في الجسد وبه سمي الحيوان حيوانا وقيل إن ~~الموت نعمة لأن الفاصل بين حال التكليف في هذه الدار وحال المجازاة في دار ~~القرار والحياة أيضا نعمة إذ لو لاها لم يتنعم أحد في الدنيا ولم يصل إليه ~~الثواب في الآخرة ليبلوكم أي ليختبركم فيما بين الحياة إلى الموت أيكم أحسن ~~عملا روي عن ابن عمر مرفوعا أحسن عملا أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع ~~في طاعته وقال الفضيل بن عياض أحسن عملا أخلصه وأصوبه، وقال أيضا العمل لا ~~يقبل حتى يكون خالصا صوابا فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة ~~وقيل أيكم أزهد في الدنيا وهو العزيز أي الغالب المنتقم ممن عصاه الغفور أي ~~لمن تاب إليه ورجع عن إساءته. # PageV04P318 # ### || [سورة الملك (67): الآيات 3 الى 8] # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ~~ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها ~~سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) # تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) # قوله تعالى: الذي خلق سبع سماوات طباقا يعني طبقا على طبق بعضها فوق بعض ~~كل سماء مقبية على الأخرى وسماء الدنيا كالقبة ms3485 على الأرض قال كعب الأحبار ~~سماء الدنيا موج مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفر أو ~~قال نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء وما بين السماء ~~إلى الحجب السبعة صحار من نور، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أي ما ترى يا ~~ابن آدم في شيء مما خلق الرحمن اعوجاجا ولا اختلافا ولا تناقضا بل خلقهن ~~مستقيمة مستوية فارجع البصر أي كرر النظر هل ترى من فطور أي من شقوق وصدوع ~~ثم ارجع البصر كرتين قال ابن عباس مرة بعد مرة ينقلب أي ينصرف إليك فيرجع ~~البصر خاسئا أي صاغرا ذليلا مبعدا لم ير ما يهوي وهو حسير أي كليل منقطع لم ~~يدرك ما طلب ولقد زينا السماء الدنيا أي القربى من الأرض وهي التي يراها ~~الناس بمصابيح أي بكواكب كالمصابيح في الإضاءة وهي أعلام الكواكب، وقال ابن ~~عباس بنجوم لها نور وقيل خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء وعلامات يهتدى ~~بها في ظلمات البر والبحر ورجوما للشياطين وهو قوله تعالى: وجعلناها رجوما ~~للشياطين قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع. # فإن قلت جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها وجعلها رجوما للشياطين ~~يقتضي زوالها فكيف الجمع بين هاتين الحالتين. # قلت قالوا إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب بل يجوز أن تنفصل من ~~الكواكب شعلة وترمي الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب ومثلها كمثل قبس يؤخذ ~~من النار وهي على حالها وأعتدنا لهم أي وأعتدنا للشياطين بعد الاحتراق في ~~الدنيا عذاب السعير أي في الآخرة وهي النار الموقدة وللذين كفروا بربهم أي ~~ليس العذاب مختصا بالشياطين بل لكل من كفر بالله من إنس وجن عذاب جهنم وبئس ~~المصير ثم وصف جهنم فقال تعالى: إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا هو أول صوت ~~نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات وهي تفور أي تغلي بهم كغلي المرجل وقيل تفور ~~بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل، تكاد تميز أي تتقطع من الغيظ من ~~تغيظها عليهم كلما ألقي فيها ms3486 فوج أي جماعة سألهم خزنتها يعني سؤال توبيخ ~~وتقريع ألم يأتكم نذير أي رسول ينذركم. ### || [سورة الملك (67): الآيات 9 الى 16] # قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ~~مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) # قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا يعني للرسول ما نزل الله من شيء ~~وهذا اعتراف منهم بأنه أزاح # PageV04P319 # عللهم ببعثة الرسل ولكنهم كذبوا وقالوا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا ~~في ضلال كبير فيه وجهان أحدهما وهو الأظهر أنه من جملة قول الكفار للرسل ~~والثاني يحتمل أن يكون من كلام الخزنة للكفار والمعنى لقد كنتم في الدنيا ~~في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أي من الرسل ما جاءوا به أو نعقل أي نفهم ~~منهم، قال ابن عباس لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ما كنا في أصحاب ~~السعير وقيل معناه لو كنا نسمع سمع من يعي ونعقل عقل من يميز وننظر ونتفكر ~~ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم هو في معنى الجمع أي بتكذيبهم ~~الرسل وقولهم «ما نزل الله من شيء» فسحقا أي بعدا لأصحاب السعير قوله عز ~~وجل: إن الذين يخشون ربهم بالغيب أي يخافون ربهم ولم يروه فيؤمنوا به خوفا ~~من عذابه لهم مغفرة أي لذنوبهم وأجر كبير يعني جزاء أعمالهم الصالحة وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به قال ابن عباس نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما قالوا فقال بعضهم لبعض أسروا ~~قولكم كي لا يسمع إله محمد فأخبره ms3487 الله أنه لا يخفى عليه خافية فقال تعالى: ~~إنه عليم بذات الصدور ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ألا يعلم من خلق يعني ألا ~~يعلم من خلق مخلوقه، وقيل ألا يعلم الله من خلق والمعنى ألا يعلم الله ما ~~في صدور من خلق وهو اللطيف أي باستخراج ما في الصدور الخبير بما فيها من ~~السر والوسوسة. # قوله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا الذلول المنقاد من كل شيء ~~والمعنى جعلها لكم سهلة لا يمتنع المشي فيها لحزونتها وغلظها فامشوا في ~~مناكبها أمر إباحة وكذا قوله وكلوا من رزقه ومناكبها جوانبها وأطرافها ~~ونواحيها وقيل طرقها وفجاجها وقال ابن عباس جبالها والمعنى هو الذي سهل لكم ~~السلوك في جبالها وهو أبلغ التذلل وكلوا من رزقه أي مما خلقه الله لكم في ~~الأرض وإليه النشور أي وإليه تبعثون من قبوركم ثم خوف كفار مكة فقال تعالى: ~~أأمنتم من في السماء قال ابن عباس يعني عقاب من في السماء إن عصيتموه أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أي تتحرك بأهلها وقيل تهوي بهم والمعنى أن ~~الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى يقلبهم إلى أسفل وتعلو الأرض ~~عليهم وتمور فوقهم أي تجيء وتذهب. # ### || [سورة الملك (67): الآيات 17 الى 27] # أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد ~~كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أمن هذا الذي هو جند ~~لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أمن هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو ~~الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) # فلما رأوه زلفة ms3488 سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) # أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا يعني ريحا ذات حجارة كما فعل ~~بقوم لوط فستعلمون أي عند الموت في الآخرة كيف نذير أي إنذاري إذا عاينتم ~~العذاب ولقد كذب الذين من قبلهم أي من قبل كفار مكة وهم الأمم الخالية فكيف ~~كان نكير أي إنكاري عليهم أليس وجدوا العذاب حقا. # قوله عز وجل: أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي باسطات أجنحتهن في الجو ~~عند طيرانها ويقبضن أي يضممن أجنحتهن إذا ضربن بهن جنوبهن بعد البسط ما ~~يمسكهن أي حال القبض والبسط # PageV04P320 # إلا الرحمن والمعنى: أن الطير مع ثقلها وضخامة جسمها لم يكن بقاؤها ~~وثبوتها في الجو إلا بإمساك الله عز وجل إياها وحفظه لها إنه بكل شيء بصير ~~يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية أمن هذا الذي هو جند لكم استفهام إنكار ~~أي لا جند لكم ينصركم أي يمنعكم من دون الرحمن أي من عذاب الله قال ابن ~~عباس أي من ينصركم مني إن أردت عذابكم إن الكافرون إلا في غرور أي من ~~الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ~~يعني من ذا الذي يرزقكم المطر إن أمسكه الله عنكم بل لجوا أي تمادوا في عتو ~~أي نبو وتكبر ونفور أي تباعد عن الحق ثم ضرب مثلا للكافر والمؤمن فقال ~~تعالى: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أي كابا رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب ~~والعين لا يبصر يمينا ولا شمالا وهو الكافر أكب على الكفر والمعاصي في ~~الدنيا فحشره الله على وجهه يوم القيامة أهدى أي هو أهدى، أمن يمشي سويا أي ~~قائما معتدلا لا يبصر الطريق على صراط مستقيم يعني المؤمن يمشي يوم القيامة ~~سويا قل هو الذي أنشأكم أي خلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة يعني ~~أنه تعالى ركب فيكم هذه القوى لكنكم ضيعتموها فلم تقبلوا ما سمعتموه ولا ~~اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم ما عقلتموه ms3489 فكأنكم ضيعتم هذه النعم ~~فاستعملتموها في غير ما خلقت له فلهذا قال قليلا ما تشكرون وذلك لأن شكر ~~نعم الله صرفها في وجه مرضاته فلما صرفتموها في غير مرضاته فكأنكم ما شكرتم ~~رب هذه النعم الواهب لها قل هو الذي ذرأكم أي خلقكم وبثكم في الأرض وإليه ~~تحشرون أي يوم القيامة والمعنى أن القادر على الإبداء قادر على الإعادة ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين هذا سؤال يحتمل وجهين: أحدهما أنه ~~سؤال عن نزول العذاب بهم والثاني أنه سؤال عن يوم القيامة فأجاب الله عن ~~ذلك بقوله قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين أمره بإضافة العلم ~~إلى الله تعالى وتبليغ ما أوحي إليه فلما رأوه يعني العذاب في الآخرة على ~~قول أكثر المفسرين، وقيل يعني العذاب ببدر زلفة أي قريبا سيئت وجوه الذين ~~كفروا أي اسودت وعلتها الكآبة والمعنى قبحت وجوههم بالسواد وقيل لهم أي ~~وقالت لهم الخزنة هذا الذي كنتم به تدعون من الدعاء أي تتمنون وتطلبون أن ~~يعجله لكم وقيل من الدعوى أي تدعون أنه باطل. ### || [سورة الملك (67): الآيات 28 الى 30] # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # قل يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ~~أي من المؤمنين أو رحمنا أي فأبقانا وأخر في آجالنا فمن يجير الكافرين من ~~عذاب أليم أي إنه واقع بهم لا محالة وقيل في معنى الآية قل أرأيتم إن ~~أهلكني الله أي فعذبني ومن معي أو رحمنا أي فغفر لنا فنحن مع إيماننا ~~خائفون أن يهلكنا بذنوبنا لأن حكمه نافذ فينا فمن يجيركم أو يمنعكم من عذاب ~~أليم وأنتم كافرون وهذا قول ابن عباس، قل أي قل لهم في إنكارك عليهم ~~وتوبيخك لهم هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا # أي نحن ms3490 آمنا به وعبدناه وأنتم كفرتم به فستعلمون أي عند معاينة العذاب من ~~هو في ضلال مبين أي نحن أم أنتم وهذا تهديد لهم ثم ذكرهم ببعض نعمه عليهم ~~على طريق الاحتجاج فقال تعالى: قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم قيل يريد ماء زمزم ~~وقيل غيرها من المياه غورا أي غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الأيدي ولا ~~الدلاء فمن يأتيكم بماء معين أي ظاهر تراه العيون وتناله الأيدي والدلاء، ~~وقال ابن عباس معين أي جار والمقصود من الآية أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ~~عليهم ويريهم قبح ما هم عليه من الكفر والمعنى أخبروني إن صار ماؤكم ذاهبا ~~في الأرض فمن يأتيكم بماء معين فلا بد أن يقولوا هو الله تعالى فيقال لهم ~~حينئذ فلم تجعلون معه من لا يقدر على شيء أصلا شريكا له في العبودية فهذا ~~محال، والله أعلم. # PageV04P321 ### | سورة ن # مكية وهي اثنان وخمسون آية وثلاثمائة كلمة وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القلم (68): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) # قوله عز وجل: ن قال ابن عباس هو الحوت الذي على ظهره الأرض وعنه «إن أول ~~ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط ~~الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال فإن الجبال لتفخر ~~على الأرض ثم قرأ ن والقلم وما يسطرون» قيل اسم النون بهموت وقيل لوثيا وعن ~~علي بلهوث. # قال أصحاب السير والأخبار: لما خلق الله الأرض وفتقها سبع أرضين بعث من ~~تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخلت تحت الأرضين السبع وضبطها فلم يكن ~~لقدميه موضع قرار فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن ~~وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدمه فأخذ الله ~~ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة سنة وفوضعها بين ~~سنام الثور إلى أذنه فاستقر عليها قدما الملك وقرون ذلك الثور خارجة من ~~أقطار الأرض ومنخراه ms3491 في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر ~~وإذا رد نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله تعالى صخرة ~~كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال ~~لقمان لابنه فتكن في صخرة فلم يكن للصخرة مستقر فخلق الله تعالى نونا وهو ~~الحوت العظيم فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر والبحر ~~على متن الريح والريح على القدرة قيل فكل الدنيا بما عليها حرفان قال لها ~~الجبار سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس كوني فكانت. # قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهر الأرض فوسوس ~~إليه فقال له أتدري ما على ظهرك يا ليوثا من الأمم والدواب والشجر والجبال ~~لو نفضتهم لألقيتهم على ظهرك فهم ليوثا أن يفعل ذلك فبعث له دابة فدخلت ~~منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها فأذن لها فخرجت قال ~~كعب الأحبار فو الذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ~~ذلك عادت كما كانت وعن ابن عباس أيضا أن النون هو الدواة ومنه قول الشاعر: # إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجام # أراد بالنون الدواة وعن ابن عباس أيضا أن نونا حرف من حروف الرحمن إذا ~~جمعت الرحمن وقيل هو # PageV04P322 # مفتاح اسمه ناصر ونصير وقيل اسم للسورة والقلم هو القلم الذي كتب الله به ~~الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ويقال أول ما خلق الله ~~القلم فنظر إليه فانشق نصفين ثم قال اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى ~~على اللوح المحفوظ بذلك وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه وما يسطرون أي ~~وما يكتب الحفظة من أعمال بني آدم وقيل إن حملنا القلم على ذلك القلم ~~المعين فيحتمل أن يكون المراد وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ويكون ~~الجمع في وما يسطرون للتعظيم لا للجمع. # ### || [سورة القلم (68): الآيات 2 الى 4] # ما أنت بنعمة ms3492 ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق ~~عظيم (4) # ما أنت يا محمد بنعمة ربك بمجنون هذا جواب القسم أقسم الله بنون والقلم ~~وما يسطرون وما أنت بنعمة ربك بمجنون وهو رد لقولهم يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون والمعنى إنك لا تكون مجنونا قد أنعم الله عليك بالنبوة ~~والحكمة فنفى عنه الجنون وقيل معناه ما أنت بمجنون والنعمة لله وهو كما ~~يقال ما أنت بمجنون والحمد لله وقيل إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من ~~الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والأخلاق الحميدة والبراءة ~~من كل عيب والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ~~ينفي حصول الجنون فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم ~~إنك لمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون أي غير منقوص ولا مقطوع ومنه قول لبيد: # عبس كواسب ما يمن طعامها أي ما يقطع يصف بذلك كلابا ضارية، وقيل في معنى ~~الآية إنه غير مكدر عليك بسبب المنة والقول هو الأول ومعناه إن لك على ~~احتمالك الطعن وصبرك على هذا القول القبيح وافترائهم عليك أجرا عظيما دائما ~~لا ينقطع، وقيل إن لك على إظهار النبوة وتبليغ الرسالة ودعاء الخلق إلى ~~الله تعالى والصبر على ذلك وبيان الشرائع لهم أجرا عظيما فلا تمنعك نسبتهم ~~إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الأمر العظيم الذي قد حملته ثم وصفه بما ~~يخالف حال المجنون فقال تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم وهذا كالتفسير لقوله ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة ~~عليه ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه ولما كانت أخلاق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كاملة حميدة وأفعاله المرضية الجميلة وافرة وصفها الله ~~تعالى بأنها عظيمة وحقيقة الخلق قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان ~~بالأفعال الحميدة والآداب المرضية فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه ويدخل في حسن ~~الخلق التحرز من الشح والبخل والتشديد في المعاملات ويستعمل في حسن الخلق ~~التحبب إلى الناس ms3493 بالقول والفعل والبذل وحسن الأدب والمعاشرة بالمعروف مع ~~الأقارب والأجانب والتساهل في جميع الأمور والتسامح بما يلزم من الحقوق ~~وترك التقاطع والتهاجر واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى مع طلاقة الوجه ~~وإدامة البشر فهذه الخصال تجمع جميع محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال ولقد كان ~~جميع ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا وصفه الله تعالى بقوله ~~وإنك لعلى خلق عظيم، وقال ابن عباس معناه على دين عظيم لا دين أحب إلي ولا ~~أرضى عندي منه وهو دين الإسلام وقال الحسن هو آداب القرآن سئلت عائشة رضي ~~الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وقال ~~قتادة هو ما كان يأتمر من أوامر الله وينتهي عنه من مناهي الله تعالى ~~والمعنى وإنك لعلى الخلق الذي أمرك الله به في القرآن وقيل سمى الله خلقه ~~عظيما لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين والله سبحانه وتعالى أعلم. # (فصل: في فضل حسن الخلق وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) من ~~ذلك ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله بعثني لتمام ~~مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال» (م) عن # PageV04P323 # النواس بن سمعان قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس»، عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» ~~أخرجه أبو داود وعنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أكمل ~~الناس إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. # عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما من شيء أثقل في ~~ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ms3494 صحيح، وله عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال «إن من أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم ~~القيامة أحاسنكم أخلاقا»، (ق) عن البراء رضي الله عنه قال «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير» ~~(ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال «إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا» وكان يقول «خياركم أحاسنكم ~~أخلاقا» (ق) عن أنس رضي الله عنه قال «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا» زاد ~~الترمذي «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا وما مسست ~~خزا قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ~~(خ) عنه قال «إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق ~~به حيث شاءت» زاد في رواية «ويجيب إذا دعي» وعنه قال «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون ~~الرجل ينزع يده ولا يصرف وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ولم ير مقدما ~~ركبتيه بين يدي جليس له» أخرجه الترمذي، (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ~~ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم»، زاد مسلم ~~عنها «وما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا ~~خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى» (ق) عن ms3495 أنس قال «كنت أمشي مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي ~~فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي ~~عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء»، (ق) ~~عنه رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ~~وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان فطيما كان إذا جاءنا قال يا أبا عمير ما ~~فعل النغير لنغير كان يلعب به» النغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر ~~المنقار (م) عن الأسود قال «سألت عائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعل في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ~~ويخرج إلى الصلاة» المهنة الخدمة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال «ما ~~رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه الترمذي قوله ~~تعالى: # ### || [سورة القلم (68): الآيات 5 الى 8] # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) # فستبصر أي يا محمد ويبصرون يعني أهل مكة إذا نزل بهم العذاب بأيكم ~~المفتون قال ابن عباس معناه بأيكم المجنون وقيل الباء بمعنى «في» معناه ~~فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون في فريقك أو فريقهم وقيل المفتون هو ~~الشيطان الذي فتن بالجنون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين معناه إنهم رموه بالجنون والضلال ووصفوا أنفسهم بالعقل والهداية ~~فأعلم الله تعالى أنه هو العالم بالفريقين الضال والمهتدي والمجنون والعاقل ~~فلا تطع المكذبين يعني مشركي مكة وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله ~~أن يطيعهم. # PageV04P324 # ### || [سورة القلم (68): الآيات 9 الى 10] # ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) # ودوا لو تدهن فيدهنون أصل ms3496 الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام ~~وقيل أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما أبطن ~~ومعنى الآية أنهم تمنوا أن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم ~~فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى به فتلين لهم ويلينون لك وقيل ~~معناه ودوا لو تكفر فيكفرون وهو أن تعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة ولا ~~تطع كل حلاف أي كثير الحلف بالباطل مهين أي ضعيف حقير ذليل وقيل هو من ~~المهانة وهي قلة الرأي والتمييز وقال ابن عباس كذاب وهو قريب من الأول لأن ~~الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل هو ~~الأسود بن عبد يغوث وقيل هو الأخنس بن شريق. ### || [سورة القلم (68): الآيات 11 الى 15] # هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) ~~أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) # هماز أي مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعيب وقيل هو الذي يغمز بأخيه في ~~المجلس مشاء بنميم أي فتان يسعى بالنميمة ليفسد بين الناس مناع للخير أي ~~بخيل بالمال وقال ابن عباس مناع للخير أي يمنع ولده وعشيرته عن الإسلام ~~يقول لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا، معتد أي ظلوم ~~يتعدى الحق أثيم أي فاجر يتعاطى الإثم عتل أي غليظ جاف وقيل هو الفاحش ~~السيئ الخلق وقيل هو الشديد في الخصومة بالباطل وقيل هو الشديد في كفره ~~وقيل العتل الأكول الشروب القوي الشديد ولا يزن في الميزان شعيرة يدفع ~~الملك من أولئك سبعين ألفا في النار دفعة واحدة بعد ذلك زنيم أي مع ما ~~وصفناه به من الصفات المذمومة زنيم وهو الدعي الملصق في القوم وليس منهم ~~قال ابن عباس يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم قيل إنما ادعاه أبوه ~~بعد ثمان عشرة سنة وقيل الزنيم هو الذي له زنمة كزنمة الشاة وقال ابن عباس ~~في هذه الآية نعت ms3497 من لا يعرف حتى قيل زنيم فعرف وكانت له زنمة في عنقه يعرف ~~بها وعنه أيضا قال يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها قال ابن قتيبة لا ~~نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن ~~المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة أن كان ذا مال ~~وبنين قرئ على الخبر ومعناه فلا تطع كل حلاف مهين لأن كان ذا مال وبنين أي ~~لا تطعه لماله وبنيه وقرئ أأن كان ذا مال وبنين بالاستفهام ومعناه ألأن كان ~~ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين أي جعل مجازاة النعم ~~التي خولها من المال والبنين الكفر بآياتنا وقيل لأن كان ذا مال وبنين ~~تطيعه ثم أوعده فقال تعالى: ### || [سورة القلم (68): الآيات 16 الى 20] # سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ~~(19) فأصبحت كالصريم (20) # سنسمه على الخرطوم أي على الأنف والمعنى نسود وجهه فنجعل له علما يعرف به ~~في الآخرة وهو سواد الوجه فعبر بالأنف عن الوجه وقال ابن عباس سنسمه بالسيف ~~وفعل به ذلك يوم بدر، وقيل معناه سنلحق به شيئا لا يفارقه أي سنسمه ميسم ~~سوء يريد نلحق به عارا لا يفارقه كما أن السمة لا تمحى ولا يعفى أثرها. # وقد ألحق الله به بما ذكر من عيوبه عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في ~~الآخرة كالوسم على الخرطوم الذي لا يخفى قط وقيل معناه سنكويه على وجهه. # وقوله تعالى: إنا بلوناهم أي اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع كما بلونا ~~أصحاب الجنة روي عن # PageV04P325 # ابن عباس في قوله تعالى: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة قال بستان ~~باليمن يقال له الضروان دون صنعاء بفرسخين يطؤه أهل الطريق وكان غرسه قوم ~~من أهل الصلاة وكان لرجل فمات فورثه ثلاث بنين له وكان يترك للمساكين إذا ~~صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل إذا طرح من ms3498 فوق النخل إلى البساط وكل شيء ~~يخرج من المنجل إلى البساط فهو أيضا للمساكين وإذا حصدوا زرعهم فكل شيء ~~تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا فلما مات ~~الأب وورثه بنوه هؤلاء الإخوة الثلاثة قالوا والله إن المال قليل وإن ~~العيال كثير وإنما كان هذا الأمر يفعل لما كان المال كثيرا والعيال قليلا ~~فأما إذا قل المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل فتحالفوا بينهم يوما ~~أن يغدوا غدوة قبل خروج الناس فليصر من نخلهم فذلك قوله تعالى: إذ أقسموا ~~أي تحالفوا ليصرمنها أي ليقطعن ثمرها مصبحين أي إذا أصبحوا قبل أن يخرج ~~إليهم المساكين وقبل أن يعلم بها المساكين، ولا يستثنون أي ولم يقولوا إن ~~شاء الله وقيل لا يستثنون شيئا للمساكين من ثمر جنتهم فطاف عليها طائف من ~~ربك أي عذاب من ربك ولا يكون الطائف إلا بالليل وهو قوله تعالى: وهم نائمون ~~وكان ذلك الطائف نارا أنزلت من السماء فأحرقتها وهو قوله تعالى: فأصبحت أي ~~الجنة كالصريم أي كالليل الأسود المظلم وقيل تصرم منها الخير فليس فيها شيء ~~ينتفع به وقال ابن عباس كالرماد الأسود وهو بلغة خزيمة. # ### || [سورة القلم (68): الآيات 21 الى 31] # فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا ~~وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد ~~قادرين (25) # فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم ~~أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون (30) # قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) # فتنادوا أي فنادى بعضهم بعضا مصبحين يعني لما أصبحوا أن اغدوا على حرثكم ~~يعني الثمار والزرع والأعناب إن كنتم صارمين أي قاطعين ثماركم فانطلقوا أي ~~مشوا إليها وهم يتخافتون أي يتسارون يقول بعضهم لبعض سرا أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد أي على قصد ومنع وقيل معناه على جد وجهد ~~وقيل على أمر مجتمع قد أسسوه بينهم وقيل على حنق ms3499 وغضب من المساكين وقال ابن ~~عباس على قدرة قادرين أي عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم ~~وبينها أحد فلما رأوها أي رأوا الجنة محترقة قالوا إنا لضالون أي لمخطئون ~~الطريق أضللنا عن مكان جنتنا وليست هذه جنتنا بل نحن محرومون أي قال بعضهم ~~قد حرمنا خيرها ونفعها بمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء قال أوسطهم أي ~~أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم ألم أقل لكم لولا تسبحون أي هلا تستثنون أنكر عليهم ~~ترك الاستثناء في قولهم ليصرمنها مصبحين سماه تسبيحا لأنه تعظيم لله وإقرار ~~بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا بمشيئته، وعلى التفسير الثاني أن الاستثناء ~~بمعنى لا يتركون شيئا للمساكين من ثمر جنتهم يكون معنى لولا تسبحون أي ~~تتوبون وتستغفرون الله من ذنوبكم وتفريطكم ومنعكم حق المساكين وقيل كان ~~استثناؤهم سبحان الله وقيل هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم من نعمه ~~قالوا سبحان ربنا معناه أنهم نزهوه عن الظلم فيما فعل وأقروا على أنفسهم ~~بالظلم فقالوا إنا كنا ظالمين أي بمنعنا المساكين حقوقهم فأقبل بعضهم على ~~بعض يتلاومون أي يلوم بعضهم بعضا قالوا يا ويلنا دعوا على أنفسهم بالويل ~~إنا كنا طاغين أي في منعنا حق الفقراء والمساكين وقيل معناه طغينا في نعم ~~الله فلم نشكرها ولم نصنع ما كان يصنع آباؤنا من قبل ثم رجعوا إلى أنفسهم ~~فقالوا: # PageV04P326 ### || [سورة القلم (68): الآيات 32 الى 42] # عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ~~(34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) # أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان ~~علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم ~~(40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) # عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون قال ابن مسعود بلغني ~~أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم ms3500 بها جنة يقال لها الحيوان ~~فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا قال الله تعالى: كذلك العذاب أي كفعلنا بهم ~~نفعل بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا يخوف بذلك كفار مكة ثم قال تعالى: ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ثم أخبر بما أعد الله للمتقين فقال تعالى: إن ~~للمتقين عند ربهم جنات النعيم أي عند ربهم في الآخرة ولما نزلت هذه الآية ~~قال المشركون إنا نعطي في الآخرة أفضل مما تعطون فقال الله تعالى تكذيبا ~~للمشركين أفنجعل المسلمين كالمجرمين يعني أن التسوية بين المسلم والمجرم ~~غير جائزة فكيف يكون أفضل أو يعطى أفضل منه ولما قال تعالى ذلك على سبيل ~~الاستبعاد والإنكار قال لهم على طريق الالتفات ما لكم كيف تحكمون يعني هذا ~~الحكم المعوج أم لكم كتاب أي نزل من عند الله فيه أي في ذلك الكتاب تدرسون ~~أي تقرؤون إن لكم فيه أي في ذلك الكتاب لما تخيرون أي تختارون وتشتهون أم ~~لكم أيمان علينا بالغة معناه ألكم عهود ومواثيق مؤكدة عاهدناكم عليها ~~فاستوثقتم بها منا إلى يوم القيامة أي لا تنقطع تلك الأيمان والعهود إلى ~~يوم القيامة إن لكم أي في ذلك العهد لما تحكمون أي لأنفسكم من الخير ~~والكرامة عند الله تعالى ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم سلهم ~~أيهم بذلك زعيم أي أيهم كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين أم لهم ~~شركاء أي بل لهم شركاء يعني ما كانوا يجعلونه لله شريكا وإنما أضاف الشركاء ~~إليهم لأنهم هم جعلوها شركاء لله، وقيل معنى شركاء شهداء يشهدون بصدق ما ~~ادعوه فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين أي في دعواهم يوم يكشف أي فليأتوا ~~بشركائهم في ذلك اليوم لتنفعهم وتشفع لهم عن ساق أي عن أمر فظيع شديد قال ~~ابن عباس هو أشد ساعة في القيامة تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم ~~فظيع يحتاج فيه إلى الجد ومقاساة الشدة شمر عن ساقك إذا قام في ذلك الأمر ~~ويقال إذا اشتد الأمر في ms3501 الحرب كشفت الحرب عن ساق وسئل ابن عباس عن هذه ~~الآية فقال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب ~~أما سمعتم قول الشاعر: # سن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق # ثم قال ابن عباس هو يوم كرب وشدة وأنشد أهل اللغة أبياتا في هذا المعنى ~~فمنها ما أنشده أبو عبيدة لقيس بن زهير: # فإن شمرت لك عن ساقها ... فدنها ربيع ولا تسأم # ومنها قول جرير: # ألا رب ساهي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقد كثر مثل هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل للأمر العظيم الشديد (ق) ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالوا يا محمد هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في ~~رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما ~~تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان ~~يوم القيامة # PageV04P327 # أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من ~~الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد ~~الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون ~~قالوا كنا نعبد عزيرا ابن الله قال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد ~~فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون ~~إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى ~~فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ~~ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا ~~فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم ms3502 بعضها بعضا ~~فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم ~~رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فماذا تنتظرون لتتبع كل ~~أمة ما كانت تعبد فيقولون يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا ~~إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله ~~شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية ~~لتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد من تلقاء نفسه ~~إلا أذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره ~~طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في ~~صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب ~~الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله وما ~~الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال ~~لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد ~~الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس في نار جهنم حتى إذا خلص ~~المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة لله في ~~استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيام لإخوانهم الذين في النار فيقولون ~~ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم ~~صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ~~ركبتيه، ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن ~~وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ~~ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ~~نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ~~أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا ms3503 فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير ~~فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا، وكان أبو ~~سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فيقول الله عز وجل ~~شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض ~~قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في ~~نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل ~~السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصفر أو ~~أخضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم ~~الخواتم تعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير ~~عمل عملوه # ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون ~~ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي فلا أسخط عليكم أبدا» لفظ مسلم ~~والبخاري نحوه بمعناه. # (فصل: في شرح ألفاظ الحديث وما يتعلق به) أما الرؤية وما يتعلق بها ~~فسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. # قوله «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب ~~العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية أبي هريرة فيأتيهم الله ~~في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك # PageV04P328 # هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي ~~يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه» قال الشيخ محيي الدين ~~النووي رحمه الله وغيره اعلم أن هذا الحديث من أكبر أحاديث الصفات وأعظمها ~~وللعلماء فيه وفي أمثاله قولان: # أحدهما: وهو قول معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون ~~يجب علينا ms3504 أن نؤمن بها ونعتقد أن لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع ~~اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم ~~والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين وهذا القول هو مذهب ~~جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم وقال الخطابي هذا ~~الحديث تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن ~~معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا ~~الباب. # والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على ~~حسب مواقعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله فعلى هذا المذهب يقال في ~~قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن ~~العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء ~~هنا عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا ~~وقيل المراد بيأتيهم الله يأتيهم بعض ملائكته قال القاضي عياض وهذا الوجه ~~أشبه عندي بالحديث قال ويكون هذا الملك هو الذي جاءهم في الصورة التي ~~أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق قال أو يكون معناه ~~يأتيهم الله في صورة أي يصور ويظهر لهم من صور ملائكته ومخلوقاته التي لا ~~تشبه صفات الإله ليختبرهم وهذا آخر امتحان المؤمنين فإذا قال لهم هذا الملك ~~أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه علامة من علامات المخلوقات مما ينكرونه ~~ويعلمون بذلك أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فالمراد ~~بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى الله تعالى لهم في الصفة التي يعلمونها ~~ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له سبحانه ~~وتعالى لأنهم على هذه الصفة يرونه شيئا من مخلوقاته وقد علموا أنه لا يشبه ~~شيئا من مخلوقاته فيعلمون بذلك أنه ربهم فيقولون أنت ربنا وإنما عبر عن ~~الصفة بالصورة لمشابهتها إياها ms3505 ولمجانسة الكلام فإنه تقدم ذكر الصورة. # وقوله في حديث أبي سعيد «أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه ~~فيها» معنى رأوه فيها أي علموها وهي صفته المعلومة للمؤمنين وهي أنه لا ~~يشبهه شيء وقولهم «نعوذ بالله منك لا نشرك بالله» إنما استعاذوا منه لما ~~قدمناه من كونهم رأوا عليه سمات المخلوق. # قوله «فيكشف عن ساق وفي رواية للبخاري يكشف ربنا عن ساقه» ذكر هذه ~~الرواية البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، قال أبو سليمان الخطابي فيحتمل ~~أن يكون معنى قوله فيكشف عن ساقه أي عن قدرته التي تكشف عن الشدة وضبط يكشف ~~بفتح الياء وضمها وقد تقدم تفسير كشف الساق وقيل المراد بالساق في هذا ~~الحديث نور عظيم. وورد ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روي ~~عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~«يوم يكشف عن ساق قال نور عظيم يخرون له سجدا تفرد به روح بن حبان مولى عمر ~~بن عبد العزيز وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها وموالي عمر بن ~~عبد العزيز كثيرون ففي إسناده مجهول أيضا وقال ابن فورك ومعنى ذلك ما يتجدد ~~للمؤمن عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف قال القاضي عياض وقيل قد ~~يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة ~~عظيمة وقد تكون ساقا مخلوقة جعلها الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن ~~السوق المعتادة، قيل معناه كشف الحزن وإزالة للرعب عنهم وما كان غلب على ~~عقولهم من الأهوال فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك ويتجلى الله لهم فيخرون ~~سجدا قال # PageV04P329 # الخطابي وهذه الرؤية في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي هي في ~~الجنة لكرامة أولياء الله وإنما هذه الرؤية امتحان الله لعباده وقوله فلا ~~يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله له في السجود ولا ~~يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ms3506 هذا السجود ~~امتحان من الله تعالى لعباده ومعنى طبقة واحدة أي فقارة واحدة كالصحيفة فلا ~~يقدر على السجود وقوله ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها ~~أول مرة معناه ثم يرفعون رؤوسهم وقد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم ~~فيقولون أنت ربنا وقوله ثم يضرب الجسر على جهنم الجسر بفتح الجيم وكسرها ~~لغتان وهو الصراط وتحل للشفاعة بكسر الحاء وقيل بضمها من حل ومعناه وتقع ~~الشفاعة ويؤذن فيها قوله دحض مزلة أي تزلق فيه الأقدام ولا تثبت قوله فيه ~~خطاطيف جمع خطاف وهو الذي يخطف الشيء وكلاليب جمع كلوب وهو الحديدة التي ~~يعلق بها اللحم والحسك الذي يقال له السعدان نبت له شوك عظيم من كل جانب ~~قوله فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس في نار جهنم معناه أنهم ثلاثة أقسام قسم ~~يسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم يكردس أي يلقى ويسقط ~~في جهنم وفي هذا إثبات الصراط وهو مذهب أهل السنة وأهل الحق وهو جسر يجعل ~~على متن جهنم وهو أرق من الشعر وأحد من السيف فيمر عليه الناس كلهم ~~فالمؤمنون ينجون على حسب منازلهم وأعمالهم والآخرون يسقطون في جهنم أعاذنا ~~الله منها، ومعنى مناشدة المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ~~شفاعتهم لهم وقوله فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير ومثقال نصف دينار ~~من خير ومثقال ذرة قال القاضي عياض قيل معنى الخير اليقين قال والصحيح أن ~~معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ ~~وإنما يكون هذا الخير زائدا عليه من عمل صالح وذكر خفي وعمل من أعمال القلب ~~من شفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى أو نية صادقة ومثقال الذرة مثل ~~لأقل الخير لأن ذلك أقل المقادير وقول المؤمنين لم نذر فيها خيرا أي صاحب ~~خير وقوله تعالى: «شفعت الملائكة هو بفتح الفاء وشفع النبيون وشفع المؤمنون ~~ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها ms3507 قوما لم يعملوا ~~خيرا قط» هؤلاء الذين معهم مجرد الإيمان فقط ولم يعملوا خيرا قط وتفرد الله ~~تعالى بعلم ما تكنه القلوب فالرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان فقط ~~ومعنى قبض قبضة أي جمع جماعة. # قوله قد عادوا حمما أي صاروا فحما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة جمع ~~فوهة وهي أول النهر. # قوله فيخرجون كاللؤلؤ أي في الصفاء في رقابهم الخواتم قيل معناه أنه يعلق ~~في رقابهم أشياء من ذهب أو غير ذلك مما يعرفون بها والله أعلم. # قوله تعالى: ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود يعني الكفار ~~والمنافقين تصير أصلابهم كصياصي البقر أو كصفيحة نحاس فلا يستطيعون السجود. ### || [سورة القلم (68): آية 43] # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من السجود ~~ووجوههم أشد بياضا من الثلج وقد علاها النور والبهاء وتسود وجوه الكفار ~~والمنافقين ويغشاهم ذل وخسران وندامة وقد كانوا يدعون إلى السجود يعني في ~~دار الدنيا كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة وذلك أنهم ~~كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون وهم سالمون يعني أنهم ~~كانوا يدعون إلى الصلاة وهم أصحاء فلا يأتونها قال كعب الأحبار والله ما ~~نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعة. # PageV04P330 ### || [سورة القلم (68): الآيات 44 الى 51] # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم ~~إن كيدي متين (45) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ~~(48) # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) # قوله عز وجل: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث أي دعني والمكذبين بالقرآن وخل ~~بيني وبينهم ولا تشغل قلبك بهم وكلهم إلي فإني أكفيك إياهم سنستدرجهم أي ~~سنأخذهم بالعذاب من حيث لا يعلمون فعذبوا ms3508 يوم بدر بالقتل والأسر، وقيل في ~~معنى الآية كلما أذنبوا ذنبا جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار والتوبة. # وهذا هو الاستدراج لأنهم يحسبونه تفضيلا لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة ~~سبب إهلاكهم فعلى العبد المسلم إذا تجددت عنده نعمة أن يقابلها بالشكر وإذا ~~أذنب ذنبا أن يعاجله بالاستغفار والتوبة. وأملي لهم أي أمهلهم وأطيل لهم ~~المدة. وقيل معناه أمهلهم إلى الموت فلا أعاجلهم بالعقوبة إن كيدي متين أي ~~عذابي شديد وقيل الكيد ضرب من الاحتيال فيكون بمعنى الاستدراج المؤدي إلى ~~العذاب أم تسئلهم أجرا أي على تبليغ الرسالة فهم من مغرم مثقلون المغرم ~~الغرامة والمعنى أتطلب منهم أجرا فيقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم ~~فيثبطهم ذلك عن الإيمان أم عندهم الغيب فهم يكتبون أي عندهم اللوح المحفوظ ~~فهم يكتبون منه ما يحكمون به وهو استفهام على سبيل الإنكار فاصبر لحكم ربك ~~أي اصبر على أذاهم لقضاء ربك قيل إنه منسوخ بآية السيف ولا تكن في الضجر ~~والعجلة كصاحب الحوت يعني يونس بن متى إذ نادى ربه أي في بطن الحوت وهو ~~مكظوم أي مملوء غما لولا أن تداركه نعمة من ربه أي حين رحمه وتاب عليه، ~~لنبذ بالعراء أي لطرح بالفضاء من بطن الحوت على الأرض وهو مذموم أي يذم ~~ويلام بالذنب. وقيل في معنى الآية لولا أن تداركته نعمة من ربه لبقي في بطن ~~الحوت إلى يوم القيامة ثم ينبذ بعراء القيامة أي بأرضها وفضائها فإن قلت هل ~~يدل قوله وهو مذموم على كونه كان فاعلا للذنب. # قلت الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن كلمة لولا دلت على أنه لم يحصل ~~منه ما يوجب الذم الثاني لعل المراد منه ترك الأفضل فإن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين الثالث لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة يدل عليه قوله ~~تعالى: فاجتباه ربه والفاء للتعقيب أي اصطفاه ورد عليه الوحي وشفعه في قومه ~~فجعله من الصالحين أي النبيين. # قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم وذلك أن الكفار ~~أرادوا أن يصيبوا النبي ms3509 صلى الله عليه وسلم بالعين فنظرت قريش إليه وقالوا ~~ما رأينا مثله ولا مثل حججه، وقيل كانت العين في بني أسد حتى أن كانت ~~الناقة أو البقرة لتمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول لجاريته خذي المكتل ~~والدراهم فائتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر. وقيل كان ~~رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب خبائه فتمر به ~~الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا ~~حتى يسقط ما عناه فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وإن ~~يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قال ابن عباس: معناه ينفذونك وقيل ~~يصيبونك بعيونهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وقيل يصرعونك وقيل ~~يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا ~~قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، ومنه قولهم نظر إلي ~~نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يهلكني يدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر ~~بسماع القرآن وهو قوله لما سمعوا الذكر لأنهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة ~~ويحدون النظر إليه بالبغضاء ويقولون إنه لمجنون أي ينسبونه إلى الجنون إذا ~~سمعوه يقرأ القرآن قال تعالى ردا عليهم. # PageV04P331 ### || [سورة القلم (68): آية 52] # وما هو إلا ذكر للعالمين (52) # وما هو يعني القرآن إلا ذكر للعالمين قال ابن عباس موعظة للمؤمنين قال ~~الحسن: دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية (ق)، عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «العين حق» زاد البخاري ~~«ونهى عن الوشم» (م) عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» وعن ~~عبيد الله بن رفاعة الزرقي «أن أسماء بنت عميس كانت تقول يا رسول الله إن ~~ولد جعفر تسرع إليهم ms3510 العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم ولو كان شيء سابق القدر ~~لسبقته العين» أخرجه الترمذي قوله العين حق أخذ بظاهر هذا الحديث جماهير ~~العلماء وقالوا العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل على فساد قولهم ~~«أن كل معنى ليس مخالفا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل ~~فإنه من مجوزات العقول فإذا أخبر الشارع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز ~~تكذيبه ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند قابلة هذا الشخص الذي ~~هو العائن لشخص آخر فتؤثر فيه بقدرة الله تعالى وفعله وقوله ولو كان شيء ~~سابق القدر لسبقته العين، فيه إثبات القدر وأنه حق والمعنى أن الأشياء كلها ~~بقدر الله ولا يقع شيء إلا على حسب ما قدر الله وسبق به علمه ولا يقع شرر ~~العين وغيره من الخير والشر إلا بقدرة الله وفيه صحة إثبات العين وأنها ~~قوية الضرر إذا وافقها القدر، والله أعلم. # PageV04P332 ### | سورة الحاقة # مكية وهي اثنتان وخمسون آية ومائتان وست وخمسون كلمة وألف وأربع وثلاثون ~~حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) # قوله عز وجل: الحاقة يعني القيامة سميت حاقة من الحق الثابت يعني أنها ~~ثابتة الوقوع لا ريب فيها. # وقيل لأن فيها تحقيق الأمور فتعرف على الحقيقة وفيها يحق الجزاء على ~~الأعمال أي يجب. وقيل الحاقة النازلة التي حقت فلا كاذبة لها. وقيل الحاقة ~~هي التي تحق على القوم أي تقع بهم، ما الحاقة استفهام ومعناه التفخيم ~~لشأنها والتهويل لها والمعنى أي شيء هي الحاقة وما أدراك ما الحاقة أي إنك ~~لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال على أنه من العظم ~~والشدة أمر لا تبلغه دراية أحد ولا فكره وكيف قدرت حالها فهي أعظم من ذلك. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 4 الى 10] # كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ms3511 حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) # وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) # كذبت ثمود وعاد بالقارعة قال ابن عباس بالقيامة سميت قارعة لأنها تقرع ~~قلوب العباد بالمخافة. وقيل كذبت بالعذاب أي الذي أوعدهم نبيهم حتى نزل بهم ~~فقرع قلوبهم فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية أي طغيانهم وكفرهم. وقيل الطاغية ~~الصيحة الشديدة المجاوزة الحد في القوة. وقيل الطاغية الفرقة التي عقروا ~~الناقة فأهلك قوم ثمود بسببهم وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر أي شديدة الصوت ~~في الهبوب لها صرصرة. وقيل هي الباردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد ~~وكثر فهي تحرق بشدة بردها عاتية أي عتت على خزنتها فلم تطعهم ولم يكن لهم ~~عليهم سبيل وجاوزت الحد والمقدار فلم يعرفوا مقدار ما خرج منها. وقيل عتت ~~على عاد فلم يقدروا على دفعها عنهم بقوة ولا حيلة سخرها عليهم أي أرسلها ~~وسلطها عليهم وفيه رد على من قال إن سبب ذلك كان باتصال الكواكب فنفى هذا ~~المذهب بقوله سخرها عليهم وبين الله تعالى أن ذلك بقضائه وقدره وبمشيئته لا ~~باتصال الكواكب، سبع ليال وثمانية أيام ذات برد ورياح شديدة. قال وهب هي ~~الأيام التي سماها العرب العجوز لأنها أيام ذات برد ورياح شديدة وسميت ~~عجوزا لأنها تأتي في عجز الشتاء وقيل لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربها ~~فاتبعتها الريح حتى قتلتها حسوما أي متتابعة دائمة ليس فيها فتور، وذلك أن ~~الريح المهلكة # PageV04P333 # تتابعت عليهم في هذه الأيام فلم يكن لها فتور ولا انقطاع حتى أهلكتهم، ~~وقيل حسوما شؤما وقيل لهذه الأيام حسوما لأنها تحسم الخير عن أهلها والحسم ~~القطع. والمعنى أنها حسمتهم بعذاب الاستئصال فلم تبق منهم أحدا فترى القوم ~~فيها أي في تلك الليالي والأيام صرعى أي هلكى جمع صريع قد صرعهم الموت ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية أي ساقطة وقيل خالية الأجواف شبههم بجذوع نخل ساقطة ~~ليس لها رؤوس فهل ترى لهم من باقية أي من نفس ms3512 باقية، قيل إنهم لما أصبحوا ~~موتى في اليوم الثامن كما وصفهم الله تعالى بقوله أعجاز نخل خاوية حملتهم ~~الريح فألقتهم في البحر فلم يبق منهم أحد. # قوله تعالى: وجاء فرعون ومن قبله قرئ بكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه ~~من جنوده وأتباعه وقرئ بفتح القاف وسكون الباء أي ومن قبله من الأمم ~~الكافرة المؤتفكات يعني قرئ قوم لوط يريد أهل المؤتفكات، وقيل يريد الأمم ~~الذين ائتفكوا بخطيئتهم وهو قوله بالخاطئة أي بالخطيئة والمعصية وهو الشرك ~~فعصوا رسول ربهم، قيل يعني موسى بن عمران وقيل لوطا والأولى أن يقال المراد ~~بالرسول كلاهما لتقدم ذكر الأمتين جميعا فأخذهم أخذة رابية يعني نامية وقال ~~ابن عباس شديدة وقيل زائدة على عذاب الأمم. # ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 11 الى 17] # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن ~~واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا ~~دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) # وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية (17) # إنا لما طغى الماء أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه وذلك ~~في زمن نوح عليه الصلاة والسلام وهو الطوفان حملناكم في الجارية يعني حملنا ~~آباءكم وأنتم في أصلابهم فصح خطاب الحاضرين في الجارية أي السفينة التي ~~تجري في الماء لنجعلها # أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه، ~~لكم تذكرة # أي عبرة وموعظة وتعيها # أي تحفظها أذن واعية # أي حافظة لما جاء من عند الله. وقيل أذن سمعت وعقلت ما سمعت وقيل لتحفظها ~~كل أذن فتكون عظة وعبرة لمن يأتي بعد والمراد صاحب الإذن والمعنى ليعتبر ~~ويعمل بالموعظة. # قوله عز وجل: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة يعني النفخة الأولى وحملت ~~الأرض والجبال أي رفعت من أماكنها فدكتا دكة واحدة أي كسرتا وفتتتا حتى ~~صارتا هباء منبثا والضمير عائد إلى الأرض والجبال فعبر عنهما بلفظ الاثنين ~~فيومئذ وقعت الواقعة أي قامت ms3513 القيامة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية أي ~~ضعيفة لتشققها والملك يعني الملائكة على أرجائها يعني نواحيها وأقطارها وهو ~~الذي لم ينشق منها قال الضحاك تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب ~~فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ويحمل عرش ربك فوقهم أي فوق رؤوسهم يعني ~~الحملة يومئذ أي يوم القيامة ثمانية يعني ثمانية أملاك، وجاء في الحديث ~~أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ~~ثمانية على صورة الأوعال بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. ~~الأوعال تيوس الجبل وروى السدي عن أبي مالك قال إن الصخرة التي تحت الأرض ~~السابعة ومنتهى علم الخلائق على أرجائها يحملها أربعة من الملائكة لكل واحد ~~منهم أربعة وجوه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر فهم قيام عليها قد ~~أحاطوا بالسموات والأرض ورؤوسهم تحت العرش، وعن عروة بن الزبير قال حملة ~~العرش منهم من صورته على صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم ~~من صورته على صورة الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد. وعن ابن عباس قال ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في شيء من الشعر فقال: # PageV04P334 # رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث يرصد # عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أذن لي أن أحدث ~~عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ~~سبعمائة عام أخرجه أبو داود بإسناد صحيح غريب عن العباس بن عبد المطلب رضي ~~الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم قال «كنت جالسا في البطحاء في عصابة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم إذ مرت سحابة فنظروا إليها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما اسم هذه قلنا نعم هذا السحاب قال ~~والمزن قالوا والمزن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والعنان قالوا ~~والعنان ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ms3514 كم بعد ما بين ~~السماء والأرض؟ # قالوا لا والله ما ندري قال: فإن بعد ما بينهما إما قال واحدة وإما قال ~~اثنتان وإما ثلاث وسبعون سنة وبعد التي فوقها كذلك وكذلك حتى عدهن سبع ~~سموات كذلك ثم فوق السماء السابعة بحرا أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ~~وفوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ~~ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء والله عز وجل ~~فوق ذلك» أخرجه الترمذي وأبو داود زاد في رواية «وليس يخفى عليه من أعمال ~~بني آدم شيء»، عن ابن مسعود قال ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ~~وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وفضاء كل سماء وأرض مسيرة خمسمائة عام ~~وما بين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء ~~مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم». أخرجه أبو سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهما موقوفا على ابن مسعود ~~قال ابن خزيمة اختلاف خبر العباس وابن مسعود في قدر المسافة على اختلاف سير ~~الدواب. وعن ابن عباس قال: # «لحملة العرش قرون ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن ~~كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة ~~عام». # وعن عبد الله بن عمر قال «الذين يحملون العرش ما بين موق أحدهم إلى مؤخر ~~عينيه خمسمائة عام» وعن شهر بن حوشب قال «حملة العرش ثمانية فأربعة منهم ~~يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم ~~يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك» وروي عن ابن عباس ~~في قوله يومئذ ثمانية قال ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله ~~عز وجل: # ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 18 الى 24] # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو ms3515 في عيشة راضية ~~(21) في جنة عالية (22) # قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) # يومئذ تعرضون أي على الله تعالى للحساب لا تخفى منكم خافية أي فعلة ~~خافية. والمعنى أنه تعالى عالم بأحوالكم لا يخفى عليه شيء منها وأن عرضكم ~~يوم القيامة عليه ففيه المبالغة والتهديد، وقيل معناه لا يخفى منكم يوم ~~القيامة ما كان مخفيا في الدنيا فإنه يظهر أحوال الخلائق فالمحسنون يسرون ~~بإحسانهم والمسيئون يحزنون بإساءتهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما ~~عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي ~~فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» أخرجه الترمذي وقال ولا يصح هذا الحديث من قبل أن ~~الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فأما من أوتي أي أعطي كتابه بيمينه فيقول هاؤم أي تعالوا ~~اقرؤا كتابيه والمعنى أنه # PageV04P335 # لما بلغ الغاية في السرور وعلم أنه من الناجين بإعطاء كتابه بيمينه أحب ~~أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا له، وقيل يقول ذلك لأهله وأقربائه إني ظننت ~~أي عملت وأيقنت وإنما أجرى الظن مجرى العلم لأن الظن في الغالب يقوم مقام ~~العلم في العادات والأحكام أني ملاق حسابيه أي في الآخرة والمعنى أني كنت ~~في الدنيا أستيقن أني أحاسب في الآخرة فهو في عيشة راضية أي في حالة من ~~العيش مرضية وذلك بأنه لقي الثواب وأمن من العقاب في جنة عالية رفيعة ~~قطوفها دانية أي ثمارها قريبة لمن يتناولها ينالها قائما وقاعدا ومضطجعا ~~يقطفونها كيف شاؤوا كلوا أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم أي بما ~~قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية أي الماضية يريد أيام ~~الدنيا. # ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 25 الى 34] # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما ms3516 أغنى عني ماليه (28) هلك عني ~~سلطانيه (29) # خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) # وأما من أوتي كتابه بشماله، قيل تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه ~~بها. وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها فيقول ~~يا ليتني لم أوت كتابيه وذلك لما نظر في كتابه ورأى قبائح أعماله مثبتة ~~عليه تمنى أنه لم يؤت كتابه لما حصل له من الخجل والافتضاح ولم أدر ما ~~حسابيه أي لم أدر أي شيء حسابي لأنه لا طائل ولا حاصل له وإنما كله عليه لا ~~له يا ليتها كانت القاضية تمنى أنه لم يبعث للحساب والمعنى يا ليت الموتة ~~التي متها في الدنيا كانت القاضية عن كل ما بعدها والقاطعة للحياة أي ما ~~أحيا بعدها قال قتادة تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره منه إليه أي من ~~الموت في الدنيا لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من الموت ما أغنى ~~عني ماليه أي لم يدفع عني يساري ومالي من العذاب شيئا هلك عني سلطانيه أي ~~ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا وقيل ضلت عنه حجته حين شهدت عليه ~~الجوارح بالشرك وقيل معناه زال عني ملكي وقوتي وتسلطي على الناس وبقيت ~~ذليلا حقيرا فقيرا خذوه أي يقول الله تعالى لخزنة جهنم خذوه فغلوه أي ~~أجمعوا يديه إلى عنقه ثم الجحيم صلوه أي أدخلوه معظم النار لأنه كان يتعاظم ~~في الدنيا ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة ذرعها أي ~~مقدارها والذرع التقدير بالذراع من اليد أو غيرها سبعون ذراعا قال ابن عباس ~~بذرع الملك. وقال نوف البكالي سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد ~~مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان كل ذراع سبعون ذراعا، ~~وقال الحسن الله أعلم أي ذراع هو عن عبد الله بن عمرو ms3517 بن العاص رضي الله ~~عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أن رضاضة مثل هذه وأشار ~~إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت ~~الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت في رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل ~~والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. # الرضاض: الحصباء الصغار، وقوله مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة. # الجمجمة قدح من خشب وجمعه جماجم والجمجمة الرأس وهو أشرف الأعضاء وقال ~~وهب لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها وقوله تعالى: فاسلكوه أي أدخلوه ~~فيها قال ابن عباس تدخل في دبره وتخرج من منخره. وقيل تدخل في فيه وتخرج من ~~دبره إنه كان لا يؤمن بالله العظيم أي لا يصدق بوحدانية الله وعظمته، ولا ~~يحض على طعام المسكين أي ولا يحث نفسه على إطعام المسكين ولا يأمر أهله ~~بذلك وفيه دليل على تعظيم الجرم في حرمان المساكين لأن الله تعالى عطفه على ~~الكفر وجعله قرينه. قال الحسن في هذه # PageV04P336 # الآية أدركت أقواما يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلا وعن بعضهم أنه ~~كان يأمر أهله بكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة ~~بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام. # ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 35 الى 45] # فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا ~~الخاطؤن (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) # إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل (44) # لأخذنا منه باليمين (45) # فليس له اليوم هاهنا حميم أي ليس له في الآخرة قريب ينفعه أو يشفع له ولا ~~طعام إلا من غسلين يعني صديد أهل النار مأخوذ من الغسل كأنه غسالة جروحهم ~~وقروحهم وقيل هو شجر يأكله أهل النار لا يأكله إلا الخاطؤن أي الكافرون. # قوله عز وجل: فلا أقسم قيل إن لا صلة والمعنى أقسم. وقيل لا ms3518 رد لكلام ~~المشركين كأنه قال ليس الأمر كما يقول المشركون ثم قال تعالى أقسم وقيل لا ~~هنا نافية للقسم على معنى أنه لا يحتاج إليه لوضوح الحق فيه كأنه قال لا ~~أقسم على أن القرآن قول رسول كريم فكأنه لوضوحه استغنى عن القسم. # وقوله بما تبصرون وما لا تبصرون يعني بما ترون وتشاهدون وبما لا ترون وما ~~لا تشاهدون أقسم بالأشياء كلها فيدخل فيه جميع المكونات والموجودات، وقيل ~~أقسم بالدنيا والآخرة. وقيل بما تبصرون يعني على ظهر الأرض وما لا تبصرون ~~أي ما في بطنها. وقيل بما تبصرون يعني الأجسام وما لا تبصرون يعني الأرواح. ~~وقيل بما تبصرون يعني الإنس وما لا تبصرون يعني الملائكة والجن. وقيل بما ~~تبصرون من النعم الظاهرة وما لا تبصرون من النعم الباطنة. وقيل بما تبصرون ~~هو ما أظهره الله من مكنون غيبه لملائكته واللوح والقلم وجميع خلقه وما لا ~~تبصرون هو ما استأثر الله بنعمه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه، ثم ذكر المقسم ~~عليه فقال تعالى إنه يعني للقرآن لقول رسول كريم يعني تلاوة رسول كريم وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الرسول هو جبريل عليه السلام فعلى هذا يكون ~~المعنى إنه لرسالة رسول كريم والقول الأول أصح لأنهم لم يصفوا جبريل بالشعر ~~والكهانة وإنما وصفوا بهما محمدا صلى الله عليه وسلم. # فإن قلت قد توجه هنا سؤال وهو أن جمهور الأمة وهم أهل السنة مجمعون على ~~أن القرآن كلام الله فكيف يصح إضافته إلى الرسول. # قلت أما إضافته إلى الله تعالى فلأنه هو المتكلم به وأما إضافته إلى ~~الرسول فلأنه هو المبلغ عن الله تعالى ما أوحى إليه ولهذا أكده بقوله تنزيل ~~من رب العالمين ليزول هذا الإشكال. قال ابن قتيبة لم يرد أنه قول الرسول ~~وإنما أراد أنه قول الرسول المبلغ عن الله تعالى. وفي الرسول ما يدل على ~~ذلك فاكتفى به عن أن يقول عن الله تعالى وقوله تعالى: وما هو بقول شاعر ~~يعني أن هذا القرآن ليس بقول ms3519 رجل شاعر ولا هو من ضروب الشعر ولا تركيبه ~~قليلا ما تؤمنون أراد بالقليل عدم إيمانهم أصلا. والمعنى أنكم لا تصدقون ~~بأن القرآن من عند الله تعالى: ولا بقول كاهن أي وليس هو بقول رجل كاهن ولا ~~هو من جنس الكهانة قليلا ما تذكرون يعني لا تتذكرون البتة تنزيل أي هو ~~تنزيل يعني القرآن، من رب العالمين وذلك أنه لما قال إنه لقول رسول كريم ~~أتبعه بقوله تنزيل من رب العالمين ليزول هذا الإشكال. # قوله تعالى: ولو تقول علينا أي اختلق علينا محمد بعض الأقاويل يعني أتى ~~بشيء من عند نفسه لم نقله نحن ولم نوجه إليه لأخذنا منه باليمين أي لأخذناه ~~بالقوة والقدرة وانتقمنا منه باليمين أي بالحق. قال # PageV04P337 # ابن عباس لأخذناه بالقوة والقدرة قال الشماخ يمدح عرابة ملك اليمن: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة فعبر عن القوة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه. والمعنى ~~لأخذنا منه اليمين أي سلبناه القوة فعلى هذا المعنى الباء زائدة. وقيل معنى ~~الآية ذللناه وأهناه كفعل السلطان بمن يريد أن يهينه، يقول لبعض أعوانه خذ ~~بيده فأقمه. وإنما خص اليمين بالذكر لأنه أشرف العضوين. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 46 الى 52] # ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة ~~للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) # وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) # ثم لقطعنا منه الوتين قال ابن عباس يعني نياط القلب، وقيل هو حبل الظهر. ~~وقيل هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه. وقيل هو ~~عرق يتصل من القلب بالرأس، قال ابن قتيبة لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد ~~منه أنه لو كذب علينا لأمتناه فكان كمن قطع وتينه والمعنى أنه لو كذب علينا ~~وتقول علينا قولا لم نقله لمنعناه من ذلك إما بواسطة إقامة الحجة عليه بأن ~~نقيض له من يعارضه ويظهر للناس كذبه فيكون ذلك إبطالا لدعواه، وإما أن نسلب ~~عنه قوة ms3520 التكلم بذلك القول الكذب حتى لا يشتبه الصادق بالكاذب، وإما أن ~~نميته، فما منكم من أحد عنه حاجزين أي مانعين يحجزوننا عن عقوبته والمعنى ~~أن محمدا لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم مع علمه أنه لو تكلمه لعاقبناه ولا ~~يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه وإنما قال حاجزين بلفظ الجمع وهو وصف أحد ردا ~~على معناه وإنه يعني القرآن وذلك أنه لما وصفه بأنه تنزيل من رب العالمين ~~بواسطة جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين ما هو فقال تعالى: لتذكرة ~~أي لعظة للمتقين أي لمن اتقى عقاب الله وإنا لنعلم أن منكم مكذبين فيه وعيد ~~لمن كذب بالقرآن وإنه يعني القرآن لحسرة على الكافرين يعني يوم القيامة ~~والمعنى أنهم يندمون على ترك الإيمان به لما يرون من ثواب من آمن به وإنه ~~لحق اليقين معناه أنه حق معين لا بطلان فيه ويقين لا شك ولا ريب فيه فسبح ~~باسم ربك العظيم أي نزه ربك العظيم واشكره على أن جعلك أهلا لإيحائه إليك، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P338 ### | سورة سأل سائل # وتسمى المعارج مكية وهي أربع وأربعون آية ومائتان وأربع وعشرون كلمة ~~وتسعة وعشرون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المعارج (70): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) # قوله عز وجل: سأل سائل قرئ بغير همزة وفيه وجهان الأول أنه لغة في السؤال ~~والثاني أنه من السيل. ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب وقيل سال واد من أودية ~~جهنم. وقرئ سأل سائل بالهمز من السؤال بعذاب قيل الباء بمعنى عن أي عذاب ~~واقع أي نازل وكائن وعلى من ينزل ولمن ينزل ولمن ذلك العذاب فقال الله ~~تعالى مجيبا لذلك السؤال. # ### || [سورة المعارج (70): الآيات 2 الى 4] # للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح ~~إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # للكافرين وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب ~~قال بعضهم لبعض: من أهل هذا العذاب ولمن هو سلوا عنه محمدا ms3521 فسألوه فأنزل ~~الله تعالى سأل سائل بعذاب واقع للكافرين أي هو للكافرين. والباء صلة ومعنى ~~الآية دعا داع وطلب طالب عذابا واقعا للكافرين. وهذا السائل هو النضر بن ~~الحارث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب فقال «اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك» الآية فنزل به ما سأل فقتل يوم بدر صبرا وهذا قول ابن عباس، ليس له ~~دافع أي أن العذاب واقع بهم لا محالة سواء طلبوه أو لم يطلبوه إما في ~~الدنيا بالقتل وإما في الآخرة، لأن العذاب واقع بهم في الآخرة لا يدفعه ~~دافع من الله أي بعذاب من الله، والمعنى ليس لذلك العذاب الصادر من الله ~~للكافرين دافع يدفعه عنهم ذي المعارج قال ابن عباس ذي السموات سماها معارج ~~لأن الملائكة تعرج فيها. وقيل ذي الدرجات وهي المصاعد التي تعرج الملائكة ~~فيها. وقيل ذي الفواضل والنعم وذلك لأن أفضاله وأنعامه مراتب وهي تصل إلى ~~الخلق على مراتب مختلفة، تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه الصلاة ~~والسلام وإنما أفرده بالذكر وإن كان من جملة الملائكة لشرفه وفضل منزلته. ~~وقيل إن الله تعالى إذا ذكر الملائكة في معرض التخويف والتهويل أفرد الروح ~~بالذكر وهذا يقتضي أن الروح أعظم الملائكة إليه أي إلى الله عز وجل في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة أي من سني الدنيا. والمعنى أنه لو صعد غير الملك ~~من بني آدم من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر ~~الله تعالى من فوق السماء السابعة لما صعد في أقل من خمسين ألف سنة والملك ~~يقطع ذلك كله في ساعة واحدة وأقل من ذلك وذكر أن مقدار ما بين الأرض ~~السابعة السفلى إلى منتهى العرش مسافة خمسين ألف سنة. وقيل إن ذلك اليوم هو ~~يوم # PageV04P339 # القيامة قال الحسن هو يوم القيامة وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين ~~الناس في مقدار خمسين ألف سنة من سني الدنيا وليس يعني أن مقدار طول ذلك ~~اليوم خمسون ألف سنة دون غيره من ms3522 الأيام لأن يوم القيامة له أول وليس له ~~آخر لأنه يوم ممدود لا آخر له. ولو كان له آخر لكان منقطعا وهذا الطول في ~~حق الكفار دون المؤمنين. # قال ابن عباس يوم القيامة يكون على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وروى ~~البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فما أطول هذا اليوم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة ~~يصليها في الدنيا» وقال ابن عباس معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم ~~غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة. وقال عطاء ويفرغ الله تعالى منها ~~في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وقال الكلبي يقول الله تعالى لو وليت ~~حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في ~~خمسين ألف سنة وأنا أفرغ منه في ساعة من نهار. وقال يمان هو يوم القيامة ~~فيه خمسون موطنا كل موطن ألف سنة فعلى هذا يكون المعنى ليس له دافع من الله ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وقيل معناه سأل سائل بعذاب واقع في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة وفيه تقديم وتأخير. # ### || [سورة المعارج (70): الآيات 5 الى 14] # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) # فاصبر أي يا محمد على تكذيبهم إياك صبرا جميلا أي لا جزع فيه وهذا قبل أن ~~يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف، إنهم يرونه أي العذاب بعيدا أي غير كائن ~~ونراه قريبا أي كائنا لا محالة لأن كل ما هو آت قريب، وقيل الضمير في يرونه ~~بعيدا يعود إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة والمعنى أنهم يستبعدونه على ms3523 ~~جهة الانكسار والإحالة ونحن نراه قريبا في قدرتنا غير بعيد علينا فلا يتعذر ~~علينا إمكانه يوم تكون السماء كالمهل أي كعكر الزيت وقال الحسن كالفضة ~~المذابة وتكون الجبال كالعهن أي الصوف المصبوغ. وإنما شبه الجبال بالمصبوغ ~~من الصوف لأنها ذات ألوان أحمر وأبيض وغرابيب سود ونحو ذلك فإذا بست الجبال ~~وسيرت أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. وقيل العهن الصوف الأحمر وهو ~~أضعف الصوف وأول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم تصير ~~هباء منثورا ولا يسئل حميم حميما أي لا يسأل قريب قريبه لشغله بشأن نفسه ~~والمعنى لا يسأل الحميم حميمه كيف حالك ولا يكلمه لهول ذلك اليوم وشدته. ~~وقيل لا يسأله الشفاعة ولا يسأله الإحسان إليه ولا الرفق به كما كان يسأله ~~في الدنيا وذلك لشدة الأمر وهول يوم القيامة يبصرونهم أي يرونهم وليس في ~~القيامة مخلوق من جن أو إنس إلا وهو نصف عين صاحبه فيبصر الرجل أباه وأخاه ~~وقرابته فلا يسألهم ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه. وقال ابن عباس ~~يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعد ذلك، وقيل يعرف الحميم حميمه ~~ومع ذلك لا يسأله عن حاله لشغله بنفسه. وقيل يبصرونهم أي يعرفونهم أما ~~المؤمن فيعرف ببياض وجهه وأما الكافر فيعرف بسواد وجهه يود المجرم أي يتمنى ~~المشرك لو يفتدي من عذاب يومئذ أي عذاب يوم القيامة ببنيه وصاحبته أي زوجته ~~وأخيه وفصيلته أي عشيرته وقيل قبيلته وقيل أقربائه الأقربين التي تؤويه أي ~~تضمه ويأوي إليها ومن في الأرض جميعا يعني أنه يتمنى لو ملك هؤلاء وكانوا ~~تحت يده ثم إنه يفتدي بهم جميعا ثم ينجيه أي ذلك الفداء من عذاب الله. # PageV04P340 # ### || [سورة المعارج (70): الآيات 15 الى 23] # كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى ~~(18) إن الإنسان خلق هلوعا (19) # إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) ~~الذين هم على صلاتهم دائمون (23) # كلا أي لا ينجيه من عذاب الله شيء ثم ابتدأ فقال تعالى إنها ms3524 لظى يعني ~~النار ولظى اسم من أسمائها وقيل: الدركة الثانية من النار سميت لظى لأنها ~~تتلظى أي تلتهب، نزاعة للشوى يعني الأطراف كاليدين والرجلين مما ليس بمقتل. ~~والمعنى أن النار تنزع الأطراف فلا تترك عليها لحما ولا جلدا. وقال ابن ~~عباس: تنزع العصب والعقب وقيل تنزع اللحم دون العظام وقيل تأكل الدماغ كله ~~ثم يعود كما كان ثم تأكله فذلك دأبها. وقيل لمكارم خلقه ومحاسن وجهه ~~وأطرافه، تدعوا يعني النار إلى نفسها من أدبر أي عن الإيمان وتولى أي عن ~~الحق فتقول له إلي يا مشرك إلي يا منافق إلي إلي. قال ابن عباس تدعو الكافر ~~والمنافق بأسمائهم بلسان فصيح ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقيل تدعو ~~أي تعذب قال أعرابي لآخر دعاك الله أي عذبك الله وجمع فأوعى يعني وتدعو من ~~جمع المال في الوعاء ولم يؤد حق الله منه، إن الإنسان خلق هلوعا # قال ابن عباس الهلوع الحريص على ما لا يحل. وقيل شحيحا بخيلا. وقيل ضجورا ~~وقيل جزوعا، وقيل ضيق القلب والهلع شدة الحرص وقلة الصبر وقال ابن عباس ~~تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى: إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ~~يعني إذا أصابه الفقر لم يصبر وإذا أصابه المال لم ينفق. وقال ابن كيسان ~~خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويهرب مما يكره ثم تعبده بإنفاق ما يحب ~~والصبر على ما يكره. قيل أراد بالإنسان هنا الكافر وقيل هو على عمومه ثم ~~استثنى الله عز وجل فقال تعالى: إلا المصلين وهذا استثناء الجمع من الواحد ~~لأن الإنسان واحد وفيه معنى الجمع الذين هم على صلاتهم دائمون يعني ~~يقيمونها في أوقاتها وهي الفرائض. # فإن قلت كيف قال على صلاتهم دائمون ثم قال بعده على صلاتهم يحافظون؟ # قلت معنى إدامتهم عليها أن يواظبوا على أدائها، وأن لا يتركوها في شيء من ~~الأوقات وأن لا يشتغلوا عنها بغيرها إذا دخل وقتها، والمحافظة عليها ترجع ~~إلى الاهتمام بحالها وهو أن يأتي بها العبد على أكمل الوجوه. # وهذا ms3525 إنما يحصل بأمور ثلاثة منها ما هو سابق للصلاة كاشتغاله بالوضوء ~~وستر العورة وإرصاد المكان الطاهر للصلاة، وقصد الجماعة وتعلق القلب بدخول ~~وقتها وتفريغه عن الوسواس والالتفات إلى ما سوى الله عز وجل. # وأما الأمور المقارنة للصلاة فهي أن لا يلتفت في الصلاة يمينا ولا شمالا ~~وأن يكون حاضر القلب في جميعها بالخشوع والخوف وإتمام ركوعها وسجودها. وأما ~~الأمور الخارجة عن الصلاة فهو أن يحترز عن الرياء والسمعة خوف أن لا تقبل ~~منه مع الابتهال والتضرع إلى الله تعالى في سؤال قبولها وطلب الثواب ~~فالمداومة على الصلاة ترجع إلى نفسها والمحافظة عليها ترجع إلى أحوالها ~~وهيئاتها. وروى البغوي بسنده عن أبي الخير قال سألنا عقبة بن عامر عن قوله ~~عز وجل الذين هم على صلاتهم دائمون أهم الذين يصلون أبدا؟ قال لا ولكنه إذا ~~صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه. # PageV04P341 ### || [سورة المعارج (70): الآيات 24 الى 39] # والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون ~~بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير ~~مأمون (28) # والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) # والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم ~~أن يدخل جنة نعيم (38) # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) # والذين في أموالهم حق معلوم يعني الزكاة المفروضة لأنها مقدرة معلومة. ~~وقيل هي صدقة التطوع وذلك بأن يوظف الرجل على نفسه شيئا من الصدقة يخرجه ~~على سبيل الندب في أوقات معلومة للسائل يعني الذي يسأل والمحروم يعني ~~الفقير المتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم والذين يصدقون بيوم الدين أي ~~يؤمنون بالبعث بعد الموت والحشر والنشر والجزاء يوم القيامة والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون أي خائفون ثم أكد ذلك الخوف فقال تعالى: إن عذاب ربهم غير ~~مأمون ms3526 يعني أن الإنسان لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغي ولا ~~اجتنب المحظورات بالكلية كما ينبغي بل قد يكون وقع منه تقصير من الجانبين ~~فلا جرم ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء. # قوله تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون تقدم تفسيره في سورة المؤمنين. # قوله تعالى: والذين هم بشهاداتهم قائمون أي يقومون فيها عند الحكام ولا ~~يكتمونها ولا يغيرونها وهذه الشهادة من جملة الأمانات إلا أنه خصها بالذكر ~~لفضلها لأن بها تحيا الحقوق وتظهر وفي تركها تموت وتضيع، وقيل أراد ~~بالشهادة الشهادة له بأن لا إله إلا الله واحد لا شريك له ولهذا عطف عليها ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون ثم ذكر ما أعده لهم فقال تعالى: أولئك يعني ~~من هذه صفته في جنات مكرمون قوله تعالى: # فمال الذين كفروا أي فما بالهم قبلك مهطعين أي مسرعين مقبلين إليك مادي ~~أعناقهم ومديمي النظر إليك متطلعين نحوك، نزلت في جماعة من الكفار كانوا ~~يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يسمعون كلامه ويستهزئون به ويكذبونه ~~فقال الله تعالى ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما ~~يسمعون منك عن اليمين وعن الشمال عزين يعني أنهم كانوا عن يمينه وعن شماله ~~مجتمعين حلقا وفرقا، والعزون جماعات في تفرقة أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل ~~جنة نعيم قال ابن عباس: معناه أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي نعيم كما ~~يدخلها المسلمون ويتنعمون فيها وقد كذبوا نبيي، كلا أي لا يدخلها ثم ابتدأ ~~فقال تعالى إنا خلقناهم مما يعلمون أي من الأشياء المستقذرة من نطفة ثم من ~~علقة ثم من مضغة نبه الله على أنهم خلقوا من أصل واحد وشيء واحد وإنما ~~يتفاضلون بالمعرفة ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة. روى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن بشر بن جحاش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصق يوما ~~في كفه ووضع ms3527 عليها إصبعه فقال «يقول الله عز وجل يا ابن آدم أنى تعجزني وقد ~~خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك ومشيت بين بردين والأرض منك وئيد ~~فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة»، وأخرجه ابن ~~الجوزي في تفسيره بلا إسناد. وقيل في معنى الآية إنا خلقناهم من أجل ما ~~يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقيل معناه إنا خلقناهم ممن ~~يعلمون ويعقلون ولم نخلقهم كالبهائم بلا علم ولا عقل. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 40 الى 44] # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) # فلا أقسم يعني وأقسم وقد تقدم بيانه برب المشارق والمغارب يعني مشرق كل ~~يوم من السنة # PageV04P342 # ومغربه. وقيل يعني مشرق كل نجم ومغربه إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم ~~معناه إنا لقادرون على إهلاكهم وعلى أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله وما نحن ~~بمسبوقين أي بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بمن هو خير منكم فذرهم ~~يخوضوا أي في أباطيلهم ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~نسختها آية القتال ثم فسر ذلك فقال تعالى: يوم يخرجون من الأجداث يعني ~~القبور سراعا أي إلى إجابة الداعي كأنهم إلى نصب يعني إلى شيء منصوب كالعلم ~~والراية ونحوه. وقرئ بضم النون والصاد وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ~~يوفضون أي يسرعون ومعنى الآية أنهم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى الداعي ~~مستبقين إليه كما كانوا يستبقون إلى نصبهم ليستلموها خاشعة أبصارهم أي ~~ذليلة خاضعة ترهقهم ذلة أي يغشاهم هوان ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون يعني ~~يوم القيامة الذي كانوا يوعدون به في الدنيا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P343 ### | سورة نوح # مكية وهي ثمان وعشرون آية ومائتان وأربعة وعشرون كلمة وتسعمائة وتسعة ~~وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة نوح (71): الآيات 1 الى 8] # بسم ms3528 الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) # قوله عز وجل: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك أي بأن خوف قومك ~~وحذرهم من قبل أن يأتيهم عذاب أليم يعني الغرق بالطوفان والمعنى إنا ~~أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا قال يا قوم إني لكم نذير مبين أي ~~أنذركم وأبين لكم أن اعبدوا الله أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا واتقوه أي ~~وخافوه بأن تحفظوا أنفسكم مما يؤثمكم وأطيعون أي فيما آمركم به من عبادة ~~الله وتقواه يغفر لكم من ذنوبكم أي يغفر لكم ذنوبكم. ومن صلة وقيل يغفر لكم ~~ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان وذلك بعض الذنوب ويؤخركم إلى أجل مسمى أي ~~إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون، ~~معناه يقول آمنوا قبل الموت تسلموا من العذاب فإن أجل الله وهو الموت إذا ~~جاء لا يؤخر، قال الزمخشري إن قلت كيف قال ويؤخركم مع الإخبار بامتناع ~~تأخير الأجل وهل هذا إلى تناقض قلت قضى مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف ~~سنة وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة فقيل لهم آمنوا يؤخركم ~~إلى أجل مسمى أي إلى وقت سماه الله وضربه أمدا تنتهون إليه لا تتجاوزونه ~~وهو الوقت الأطول تمام الألف. ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل لا يؤخر كما ~~يؤخر هذا الوقت ولم تكن حيلة فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير عنكم وحيث ~~يمكنكم الإيمان، قال يعني نوحا عليه الصلاة والسلام رب إني دعوت ms3529 قومي ليلا ~~ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أي نفارا وإدبارا عن الإيمان وإني كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم أي ليؤمنوا بك فتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا ~~يسمعوا دعوتي واستغشوا ثيابهم أي غطوا وجوههم بثيابهم لئلا يرون وأصروا على ~~كفرهم واستكبروا عن الإيمان بك استكبارا أي تكبرا عظيما ثم إني دعوتهم ~~جهارا أي معلنا قال ابن عباس: بأعلى صوتي. # PageV04P344 # ### || [سورة نوح (71): الآيات 9 الى 17] # ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم ~~جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) # وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) # ثم إني أعلنت لهم أي كررت لهم الدعاء معلنا وأسررت لهم إسرارا قال ابن ~~عباس يريد الرجل بعد الرجل أكلمه سرا بيني وبينه أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا وذلك أن قوم ~~نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين ~~سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم فقال لهم استغفروا ربكم أي من الشرك واطلبوا ~~المغفرة بالتوحيد حتى يفتح عليكم أبواب نعمه وذلك لأن الاشتغال بالطاعة ~~يكون سببا لاتساع الخير والرزق. # وأن الكفر سبب لهلاك الدنيا فإذا اشتغلوا بالإيمان والطاعة حصل ما ~~يحتاجون إليه في الدنيا. وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالناس ~~فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع فقيل له ما سمعناك استسقيت فقال طلبت الغيث ~~بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر ثم قرأ استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~الآية قوله بمجاديح السماء واحدها مجدح وهو نجم من النجوم. وقيل هو الدبران ~~وقيل هي ثلاثة كواكب كالأثافي تشبيها بالمجدح الذي له شعب وهي عند العرب من ~~الأنواء الدالة على المطر فجعل عمر الاستغفار مشبها بالأنواء مخاطبة لهم ~~بما يعرفون وكانوا يزعمون أن من شأنها المطر لا ms3530 أنه يقول بالأنواء. # وعن بكر بن عبد الله أن أكثر الناس ذنوبا أقلهم استغفارا وأكثرهم ~~استغفارا أقلهم ذنوبا. وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال له استغفر ~~الله وشكا آخر إليه الفقر وقلة النسل وآخر قلة ريع أرضه فأمرهم كلهم ~~بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح أتاك رجال يشكون أنواعا فأمرتهم كلهم ~~بالاستغفار؟ فتلا هذه الآية وقوله يرسل السماء عليكم أي يرسل ماء السماء ~~وذلك لأن ماء المطر ينزل من السماء إلى السحاب ثم ينزل من السحاب إلى ~~الأرض. وقيل أراد بالسماء السحاب، وقيل أراد بالسماء المطر من قول الشاعر # إذا نزل السماء بأرض قوم ... فحلوا حيثما نزل السماء # يعني المطر مدرارا أي كثير الدر وهو حلب الشاة حالا بعد حال. وقيل مدرارا ~~أي متتابعا ويمددكم بأموال وبنين أي يكثر أموالكم وأولادكم ويجعل لكم جنات ~~أي البساتين ويجعل لكم أنهارا وهذا كله مما يميل طبع البشرية إليه ما لكم ~~لا ترجون لله وقارا قال ابن عباس أي لا ترون لله عظمة. وقيل معناه لا ~~تخافون عظمته فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار العظمة من التوقير وهو التعظيم. ~~وقيل التعظيم وقيل معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشركون له نعمة وقيل ~~معناه ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا وقد ~~خلقكم أطوارا يعني تارة بعد تارة وحالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى ~~تمام الخلق. وقيل معناه خلقكم أصنافا مختلفين لا يشبه بعضكم بعضا وهذا مما ~~يدل على وحدانية الله وسعة قدرته ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~أي بعضها فوق بعض. # وجعل القمر فيهن نورا يعني في سماء الدنيا وقوله فيهن هو كما يقال أتيت ~~بني تميم وإنما أتى رجلا منهم وجعل الشمس سراجا يعني مصباحا مضيئة. قال عبد ~~الله بن عمرو إن الشمس والقمر وجوههما إلى السموات وضوء الشمس والقمر فيهن ~~جميعا وأقفيتهما إلى الأرض ويروى هذا عن ابن عباس أيضا، والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا أراد مبدأ ms3531 خلق آدم وأصل خلقه من الأرض والناس كلهم من ولده ~~وقوله نباتا اسم جعل في موضع المصدر أي إنباتا. وقيل تقديره أنبتكم فنبتم ~~نباتا وفيه دقيقة لطيفة وهي أنه لو قال أنبتكم إنباتا كان المعنى أنبتكم ~~إنباتا عجيبا غريبا ولما قال أنبتكم نباتا كان المعنى أنبتكم نباتا عجيبا ~~وهذا الثاني أولى لأن الإنبات صفة الله # PageV04P345 # تعالى وصفة الله تعالى غير محسوسة لنا فلا يعرف أن ذلك الإنبات إنبات ~~عجيب كامل إلا بواسطة إخبار الله تعالى وهذا المقام مقام الاستدلال على ~~كمال قدرة الله تعالى فكان هذا موافقا لهذا المقام فظهر بهذا أن العدول عن ~~تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر اللطيف. # ### || [سورة نوح (71): الآيات 18 الى 23] # ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) # ثم يعيدكم فيها أي في الأرض بعد الموت ويخرجكم أي منها يوم البعث إخراجا ~~يعني إخراجا حقا لا محالة والله جعل لكم الأرض بساطا أي فرشها لكم مبسوطة ~~تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه لتسلكوا منها سبلا فجاجا أي طرقا ~~واسعة. # قوله تعالى: قال نوح رب إنهم عصوني أي لم يجيبوا دعوتي واتبعوا من لم ~~يزده ماله وولده إلا خسارا يعني اتبع السفلة والفقراء القادة والرؤساء ~~الذين لم تزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة ~~ومكروا مكرا كبارا يعني كبيرا عظيما يقال كبيرا وكبارا بالتشديد والتخفيف ~~والتشديد أشد وأعظم في المبالغة والماكرون هم الرؤساء والقادة ومكرهم ~~احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح عليه الصلاة والسلام وتحريش السفلة على أذاه ~~وصد الناس عن الإيمان به والميل إليه والاستماع منه. وقيل مكرهم هو قولهم ~~لا تذرن آلهتكم وتعبدوا إله نوح، وقال ابن عباس في مكرهم قالوا قولا عظيما. ~~وقيل افتروا على الله الكذب وكذبوا رسله وقالوا ms3532 يعني القادة للأتباع لا ~~تذرن آلهتكم أي لا تتركن عبادتها ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا هذه أسماء آلهتهم وإنما أفرد بالذكر وإن كانت داخلة في جملة قوله لا ~~تذرن آلهتكم لأنهم كانت لهم أصنام هذه الخمسة المذكورة هي أعظمها عندهم. ~~قال محمد بن كعب هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان ~~أتباعهم يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال ~~لهم: لو صورتم صورهم كان ذلك أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ذلك ثم نشأ ~~قوم بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم. فابتداء عبادة ~~الأوثان كان من ذلك وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صورة ~~أولئك القوم الصالحين من المسلمين، (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~صارت الأوثان التي كانت تعبد قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب ~~بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم صارت لبني ~~غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي ~~الكلاع. وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس في قوله ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا، قال كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا ~~أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها ~~أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت ~~الأوثان، وروي عن ابن عباس أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب فلم ~~تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام أخر فاللات ~~كانت لثقيف والعزى لسليم وغطفان وجشم، ومناة كانت # PageV04P346 # لخزاعة بقديد وإساف ونائلة وهبل كانت لأهل مكة. ولذلك سمت العرب أنفسهم ~~بعبد ود وعبد يغوث وعبد العزى ونحو ذلك من الأسماء. ### || [سورة نوح (71): الآيات 24 الى 28] # وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال ms3533 نوح رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) # وقد أضلوا كثيرا أي ضل بسبب الأصنام كثير من الناس. وقيل أضل كبراء قوم ~~نوح كثيرا من الناس ولا تزد الظالمين إلا ضلالا يعني ولا تزد المشركين ~~بعبادتهم الأصنام إلا ضلالا وهذا دعاء عليهم وذلك أن نوحا عليه السلام كان ~~قد امتلأ قلبه غضبا وغيظا عليهم فدعا عليهم. # فإن قلت كيف يليق بمنصب النبوة أن يدعو بمزيد الضلال وإنما بعث ليصرفهم ~~عنه. # قلت إنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى: ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وقيل إنما أراد بالضلال في أمر الدنيا ~~وما يتعلق بها لا في أمر الآخرة مما خطيئاتهم أغرقوا أي بالطوفان فأدخلوا ~~نارا أي في حالة واحدة وذلك في الدنيا كانوا يغرقون من جانب ويحترقون من ~~جانب. واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة عذاب القبر وذلك لأن الفاء تقتضي ~~التعقيب في قوله تعالى أغرقوا فأدخلوا نارا، وهذا يدل على أنه إنما حصل ~~دخول النار عقيب الإغراق ولا يمكن حمله على عذاب الآخرة لأنه يبطل دلالة ~~الفاء، وقيل معناه أنهم سيدخلون نارا في الآخرة فعبر عن المستقبل بلفظ ~~الماضي لصدق الوعد في ذلك والأول أصح فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ~~يعني تنصرهم وتمنعهم من العذاب الذي نزل بهم وقال نوح رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا يعني أحد يدور في الأرض فيذهب ويجيء من الدوران. وقيل ~~أصله من الدار أي نازل دار إنك إن تذرهم يضلوا عبادك قال ابن عباس وغيره ~~كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي ~~حذرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا إنما ~~قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم ms3534 وأعقم بعد ذلك ~~أرحام النساء وأيبس أصلاب الرجال وذلك قبل نزول العذاب بأربعين سنة. وقيل ~~بسبعين سنة وأخبر الله نوحا أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا ~~عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكم جميعا ولم يكن معهم صبي وقت العذاب لأن الله ~~تعالى أعقمهم قبل العذاب رب اغفر لي وذلك أنه لما دعا على الكفار قال رب ~~اغفر لي يعني ما صدر مني من ترك الأفضل، وقيل يحتمل أنه لما دعا على الكفار ~~قال رب اغفر لي يعني ما صدر مني من ترك الأفضل. وقيل يحتمل أنه حين دعا على ~~الكفار أنه إنما دعا عليهم بسبب تأذيه منهم فكان ذلك الدعاء عليهم ~~كالانتقام منهم فاستغفر من ذلك لما فيه من طلب حظ النفس أو لأنه ترك ~~الاحتمال. ولوالدي وكان اسم أبيه ملك بن متوشلخ واسم أمه سمخاء بنت أنوش ~~وكانا مؤمنين وقيل لم يكن بين آدم ونوح عليهما السلام من آبائه كافر وكان ~~بينهما عشرة آباء ولمن دخل بيتي مؤمنا أي داري وقيل مسجدي وقيل سفينتي ~~وللمؤمنين والمؤمنات وهذا عام في كل مؤمن آمن بالله وصدق الرسل، وإنما بدأ ~~بنفسه لأنها أولى بالتخصيص والتقديم ثم ثنى بالمتصلين به لأنهم أحق بدعائه ~~من غيرهم ثم عمم جميع المؤمنين والمؤمنات ليكون ذلك أبلغ في الدعاء، ولا ~~تزد الظالمين إلا تبارا أي هلاكا ودمارا فاستجاب الله تعالى دعاءه فأهلكهم ~~جميعا والله أعلم. # PageV04P347 ### | سورة الجن # وهي ثمان وعشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة وثمانمائة وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الجن (72): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # قوله عز وجل: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن اختلف الناس قديما ~~وحديثا في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف بوجودهم جمع ms3535 ~~منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية ~~إلا أنهم أضعف. وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد ~~اعترفوا بوجود الجن لكن اختلفوا في ماهيتهم، فقيل الجن حيوان هوائي يتشكل ~~بأشكال مختلفة، وقيل إنها جواهر وليست بأجسام ولا أعراض ثم هذه الجواهر ~~أنواع مختلفة بالماهية فبعضها خيرة كريمة محبة للخيرات وبعضها دنيئة خسيسة ~~شريرة محبة للشرور والآفات ولا يعلم عدة أنواعهم إلا الله تعالى، وقيل إنهم ~~أجسام مختلفة الماهية لكن تجمعهم صفة واحدة وهي كونهم حاصلون في الحيز ~~موصوفون بالطول والعرض والعمق، وينقسمون إلى لطيف وكثيف وعلوي وسفلي ولا ~~يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الأجسام ~~في الماهية وأن يكون لها علم مخصوص وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة أو شاقة ~~يعجز البشر عن مثلها. وقد يتشكلون بأشكال مختلفة وذلك بإقدار الله تعالى ~~إياهم على ذلك، وقيل إن الأجسام متساوية في تمام الماهية وليست البنية شرطا ~~للحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه، وشذ تأويل المعتزلة من هذه الأمة ~~فأنكروا وجود الجن وقالوا البنية شرط للحياة وإنه لا بد من صلابة البنية ~~حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة، وهذا قول منكر وصاحب هذا القول ينكر ~~خرق العادات ورد ما ثبت وجوده بنص الكتاب والسنة. # (فصل) اختلف الرواة هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجن فأثبتها ابن ~~مسعود فيما رواه عنه مسلم في صحيحه وقد تقدم حديثه في تفسير سورة الأحقاف ~~عند قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن وأنكرها ابن عباس فيما رواه ~~عنه البخاري ومسلم. قال ابن عباس «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه ~~عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم ~~الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم فقيل حيل بيننا وبين خبر ~~السماء وأرسلت علينا الشهب؟ قالوا وما ذاك إلا من شيء قد حدث ms3536 فاضربوا مشارق ~~الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا ~~يضربون مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ # PageV04P348 # وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا ~~الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فأنزل الله ~~تعالى على نبيه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن زاد في رواية «وإنما ~~أوحي إليه قول الجن» أخرجاه في الصحيحين، قال القرطبي في شرح مسلم في حديث ~~ابن عباس هذا معناه أنه لم يقصدهم بالقراءة بل لما تفرقوا يطلبون الخبر ~~الذي حال بينهم وبين استراق السمع، صادف هؤلاء النفر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي بأصحابه وعلى هذا فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم باستماعهم ~~ولم يكلمهم وإنما أعلمه الله عز وجل بما أوحي إليه من قوله قل أوحى إلي أنه ~~استمع نفر من الجن وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى وجن آخرون. # والحاصل من الكتاب والسنة العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون ~~متعبدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن فمن دخل في دينه فهو من المؤمنين ~~ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين المبعدين ~~المعذبين فيها والنار مستقره. وهذا الحديث يقتضي أن الرجم بالنجوم ولم يكن ~~قبل المبعث. وذهب قوم إلى أنه كان قبل مبعثه وآخرون إلى أنه كان لكن زاد ~~بهذا المبعث وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين هذا آخر كلام القرطبي ~~والله أعلم. # عكاظ سويقة معروفة بقرب مكة كان العرب يقصدونها في كل سنة مرة في ~~الجاهلية وأول الإسلام وتهامة كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة ~~لتغير هوائها. ومكة من تهامة معدودة ونخلة واد من أودية مكة قريب منها. ms3537 # وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: قل أوحي إلي أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يظهر لأصحابه واقعة الجن وكما أنه مبعوث إلى الإنس فهو أيضا ~~مبعوث إلى الجن لتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا ~~إعجازه فآمنوا به وقوله استمع نفر من الجن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة ~~قيل كانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل سبعة سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا أي لما رجعوا إلى قومهم، إنا سمعنا قرآنا عجبا قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما بليغا أي ذا عجب يعجب منه لبلاغته وفصاحته يهدي إلى الرشد ~~أي يدعو إلى الصواب يعني التوحيد والإيمان فآمنا به أي بالقرآن ولن نشرك ~~بربنا أحدا أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. وفيه دليل على أن أولئك ~~النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهودا وقيل كانوا نصارى وقيل كانوا مجوسا ~~ومشركين وأنه تعالى جد ربنا أي جلال ربنا وعظمته، ومنه قول أنس «كان الرجل ~~إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا» أي عظم قدره وقيل الجد الغنى. ومنه ~~الحديث «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أي لا ينفع ذا الغنى غناه. وقال ابن ~~عباس: عظمت قدرة ربنا وقيل أمر ربنا وقيل فعله وقيل آلاؤه ونعماؤه على خلقه ~~وقيل علا ملك ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا أي أنه تعالى جلال ربنا وعظمته ~~عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به ~~والله تعالى منزه عن كل نقص وأنه كان يقول سفيهنا يعني جاهلنا قيل هو إبليس ~~على الله شططا أي كذبا وعدوانا وهو وصفه تعالى بالشريك والولد أي الشطط وهو ~~مجاوزة الحد في كل شيء. # ### || [سورة الجن (72): الآيات 5 الى 9] # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ms3538 (8) ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا أي كنا نظن أن الإنس ~~والجن صادقون في قولهم إن لله # PageV04P349 # صاحبة وولدا وأنهم لا يكذبون على الله في ذلك فلما سمعنا القرآن علمنا ~~أنهم قد كذبوا على الله. # قوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن وذلك أن الرجل ~~من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. روى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي إلى ~~المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا ~~المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب ~~الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله فأتى ~~الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمته فأنزل الله على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، فزادوهم رهقا ~~وذكره ابن الجوزي في تفسيره بغير سند ومعنى الآية زاد الإنس الجن ~~باستعاذتهم بقادتهم رهقا، قال ابن عباس إثما. وقيل طغيانا وقيل غيا وقيل ~~شرا وقيل عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا وعظمة ويقولون ~~يعني عظماء الجن سدنا الجن والإنس. والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان ~~المحارم وأنهم ظنوا يعني الجن كما ظننتم أي يا معشر الكفار من الإنس أن لن ~~يبعث الله أحدا يعني يقول الجن وأنا لمسنا السماء أي طلبنا بلوغ السماء ~~الدنيا واستماع كلام أهلها فوجدناها ملئت حرسا يعني من الملائكة شديدا ~~وشهبا أي من النجوم وأنا كنا نقعد منها أي من السماء مقاعد للسمع يعني كنا ~~نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن قد ملئت المقاعد كلها ~~فمن يستمع الآن يجد له شهابا ms3539 رصدا أي أرصد له ليرمى به. وقيل شهابا من ~~الكواكب ورصدا من الملائكة، عن ابن عباس قال «كان الجن يصعدون إلى السماء ~~يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا عليها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا ~~وأما ما زاد فيكون باطلا. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا ~~مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس ~~ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فأخبروه فقال هذا الحدث في ~~الأرض»، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال ابن قتيبة إن الرجم كان ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في ~~شدة الحراسة وكانوا يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث منعوا من ذلك أصلا ~~فعلى هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض. # وطلب السبب إنما كان لكثرة الرجم ومنعهم عن الاستراق بالكلية. # ### || [سورة الجن (72): الآيات 10 الى 16] # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا (14) # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أي برمي الشهب أم أراد بهم ربهم رشدا ~~ومعنى الآية لا ندري هل المقصود من المنع من الاستراق هو شر أريد بأهل ~~الأرض أم أريد بهم صلاح وخير وأنا منا الصالحون أي المؤمنون المخلصون ومنا ~~دون ذلك أي دون الصالحين مرتبة. قيل المراد بهم غير الكاملين في الصلاح وهم ~~المقتصدون فيدخل فيهم الكافر وغيره كنا طرائق قددا أي جماعات متفرقين ~~وأصنافا مختلفة ms3540 والقدة القطعة من الشيء، قال مجاهد يعنون مسلمين وكافرين. ~~وقيل أهواء مختلفة وشيعا متفرقة لكل فرقة هوى كأهواء الناس وذلك أن الجن ~~فيهم القدرية والمرجئة والرافضة والخوارج وغير ذلك من أهل الأهواء، فعلى ~~هذا # PageV04P350 # التفسير يكون معنى طرائق قددا أي سنصير طرائق قددا وهو بيان للقسمة ~~المذكورة أي كنا ذوي مذاهب مختلفة متفرقة، وقيل معناه كنا في اختلاف ~~أحوالنا مثل الطرائق المختلفة وأنا ظننا الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي ~~علمنا وأيقنا أن لن نعجز الله في الأرض أي لن نفوته إن أراد بنا أمرا ولن ~~نعجزه هربا أي إن طلبنا فلن نعجزه أينما كنا وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ~~أي لما سمعنا القرآن آمنا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا أي نقصانا من عمله وثوابه ولا رهقا يعني ظلما وقيل مكروها يغشاه ~~وأنا منا المسلمون وهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنا ~~القاسطون أي الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس وهم الذين جعلوا لله ~~أندادا فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا أي قصدوا طريق الله وتوخوه أما القاسطون # يعني الذين كفرواكانوا لجهنم حطبا # يعني وقودا للنار يوم القيامة. # فإن قلت قد يتمسك بظاهر هذه الآية من لا يرى لمؤمني الجن ثوابا وذلك لأن ~~الله تعالى ذكر عقاب الكافرين منهم ولم يذكر ثواب المؤمنين منهم. # قلت ليس فيه تمسك له وكفى بقوله فأولئك تحروا رشدا فذكر سبب الثواب والله ~~أعدل وأكرم من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد. # فإن قلت كيف يعذب الجن بالنار وقد خلقوا منها. # قلت وإن خلقوا من النار فقد تغيروا عن تلك الهيئة وصاروا خلقا آخر والله ~~تعالى قادر أن يعذب النار بالنار قوله عز وجل: وأن لو استقاموا على ~~الطريقة. # اختلفوا فيمن يرجع الضمير إليه فقيل هو راجع إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ~~ووصفهم والمعنى لو استقام الجن على الطريقة المثلى الحسنى لأنعمنا عليهم ~~وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع وقيل معناه لو ms3541 ثبت الجن ~~الذين سمعوا القرآن. على الطريقة التي كانوا عليها قبل استماع القرآن ولم ~~يسلموا لأسقيناهم ماء غدقا أي لوسعنا الرزق عليهم. # ### || [سورة الجن (72): الآيات 17 الى 19] # لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا (19) # لنفتنهم فيه وقيل الضمير راجع إلى الإنس وتم الخبر عن الجن ثم رجع إلى ~~خطاب الإنس فقال تعالى: وأن لو استقاموا يعني كفار مكة على الطريقة يعني ~~على طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين «لأسقيناهم ماء غدقا» ~~يعني كثيرا وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين. # والمعنى لو آمنوا لوسعنا عليهم في الدنيا ولأعطيناهم ماء كثيرا وعيشا ~~رغدا. وإنما ذكر الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله أصله من المطر ~~وقوله «لنفتنهم فيه» أي لنختبرهم كيف شكرهم فيما خولوا فيه. وقيل في معنى ~~الآية لو استقاموا أي ثبتوا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرا ~~ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا لهم حتى يفتنوا به فنعذبهم ~~والقول الأول أصح لأن الطريقة معرفة بالألف واللام وهي طريقة الهدى والقول ~~بأن الآية في الإنس أولى لأن الإنس هم الذين ينتفعون بالمطر ومن يعرض عن ~~ذكر ربه أي عن عبادة ربه وقيل عن مواعظه يسلكه أي يدخله عذابا صعدا، قال ~~ابن عباس شاقا وقيل عذابا لا راحة فيه وقيل لا يزداد إلا شدة. # قوله تعالى: وأن المساجد لله يعني المواضع التي بنيت للصلاة والعبادة، ~~وذكر الله تعالى فيدخل فيه # PageV04P351 # مساجد المسلمين والكنائس والبيع التي لليهود والنصارى فلا تدعوا مع الله ~~أحدا قال قتادة كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله ~~فيها فأمر الله عز وجل المؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد ~~كلها. وقيل أراد بالمساجد بقاع الأرض كلها لأن الأرض كلها جعلت مسجدا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون المعنى فلا تسجدوا على الأرض لغير الله ~~تعالى، قال ms3542 سعيد بن جبير «قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم كيف لنا أن ~~نشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك فنزلت وأن المساجد لله» وروي عنه أيضا أن ~~المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة الجبهة واليدان ~~والركبتان والقدمان والمعنى أن هذه الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة ~~لله فلا تسجدوا عليها لغيره، (م) عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه ~~وركبتاه وقدماه» الآراب الأعضاء، (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~«أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء وأن لا نكف شعرا ~~ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والقدمين» وفي رواية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء على الجبهة وأشار بيده إلى ~~أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفف الثياب ولا الشعر» كف شعره ~~عقصه وغرز طرفه في أعلى الضفيرة وقد نهي عن ذلك. # قوله عز وجل: وأنه لما قام عبد الله يعني النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه ~~يعني يعبد الله ويقرأ القرآن وذلك حين كان يصلي الفجر ببطن نخلة كادوا يعني ~~الجن يكونون عليه لبدا يعني يركب بعضهم بعضا من الازدحام عليه حرصا على ~~استماع القرآن، قاله ابن عباس. وعنه أيضا أنه من قول النفر من الجن الذين ~~رجعوا إلى قومهم فأخبروهم عن طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له ~~واقتدائهم به في الصلاة. وقيل في معنى الآية لما قدم عبد الله بالدعوة ~~تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به ويطفئوا نور ~~الله فأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر هذا الأمر وينصره على من ناوأه ~~وعاداه. وأصل البلد الجماعة بعضهم فوق بعض. ### || [سورة الجن (72): الآيات 20 الى 27] # قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ms3543 (22) إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) # قل يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ على الأمر إنما أدعوا ربي وذلك أن ~~كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن ~~نجيرك فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ~~قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا» أي لا أقدر على أن أدفع عنكم ضرا ولا ~~أسوق إليكم رشدا وإنما الضار والنافع والمرشد والمغوي هو الله تعالى. قل ~~إني لن يجيرني من الله أحد أي لم يمنعني منه أحد إن عصيته ولن أجد من دونه ~~ملتحدا أي ملجأ ألجأ إليه وقيل حرزا أحترز به وقيل مدخلا في الأرض مثل ~~السرب أدخل فيه إلا بلاغا من الله ورسالاته أي ففيه الجوار والأمن والنجاة. ~~وقيل معناه ذلك الذي يجبرني من عذاب الله يعني التبليغ وقيل إلا بلاغا من ~~الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه. وقيل معناه لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا لكن أبلغ بلاغا عن الله عز وجل فإنما أنا مرسل لا أملك إلا ما ملكت، ~~ومن يعص الله ورسوله يعني ولم يؤمن فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى ~~إذا رأوا ما يوعدون يعني العذاب يوم القيامة فسيعلمون أي عند نزول العذاب ~~من أضعف ناصرا وأقل عددا أهم أم المؤمنون قل إن أدري أي ما أدري أقريب ما ~~توعدون يعني العذاب وقيل يوم القيامة أم يجعل له # PageV04P352 # ربي أمدا أي أجلا وغاية تطول مدتها والمعنى أن علم وقت العذاب غيب لا ~~يعلمه إلا الله عز وجل عالم الغيب أي هو عالم ما غاب عن ms3544 العباد فلا يظهر أي ~~فلا يطلع على غيبه أي الغيب الذي يعلمه وانفرد به أحدا أي من الناس ثم ~~استثنى فقال تعالى: إلا من ارتضى من رسول يعني إلا من يصطفيه لرسالته ~~ونبوته فيظهره على ما يشاء من الغيب حتى يستدل على نبوته بما يخبر به من ~~المغيبات فيكون ذلك معجزة له وآية دالة على نبوته. قال الزمخشري وفي هذا ~~إبطال الكرامات لأن الذين تضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين ~~فليسوا برسل وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وفيه ~~أيضا إبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في ~~السخط. قال الواحدي وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما ~~يكون من حياة أو موت ونحو ذلك فقد كفر بما في القرآن. فأما الزمخشري فأنكر ~~كرامات الأولياء جريا على قاعدة مذهبه في الاعتزال ووافق الواحدي وغيره من ~~المفسرين في إبطال الكهانة والتنجيم قال الإمام فخر الدين ونسبة الآية في ~~الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم فينبغي أن ~~يجعلها دالة على المنع من الكرامات قال: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على ~~شيء من ذلك والذي تدل عليه أن قوله فلا يظهر على غيبه أحدا ليس فيه صيغة ~~عموم فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر الله تعالى خلقه على غيب واحد من ~~غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا ~~يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئا من ~~الغيوب لأحد ثم إنه يجوز أن يطلع الله على شيء من المغيبات غير الرسل ~~كالكهنة وغيرهم وذكر ما يدل على صحة قوله. # والذي ينبغي أن مذهب أهل السنة إثبات كرامات الأولياء خلافا للمعتزلة ~~وأنه يجوز أن يلهم الله بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر به ~~وهو من إطلاع الله إياه على ذلك. ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي ms3545 ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد كان فيمن كان قبلكم من ~~الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء وإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر بن ~~الخطاب» أخرجه البخاري قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون. # ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~«قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن ~~الخطاب منهم»، ففي هذا إثبات كرامات الأولياء ولا يقال لو جازت الكرامة ~~للولي لما تميزت معجزة النبي عن غيرها ولا نسد الطريق إلى معرفة الرسول من ~~غيره فنقول الفرق بين معجزة النبي وكرامة الولي أن المعجزة أمر خارق للعادة ~~مع عدم المعارضة مقرون بالتحدي، ولا يجوز للولي أن يدعي خرق العادة مع ~~التحدي إذ لو ادعاه الولي لكفر من ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة ~~وقد يظهر على يد الولي أمر خارق للعادة من غير دعواه. وهذا أيضا يدل على ~~ثبوت نبوة النبي لأن الكرامة إنما تظهر على يد من هو معتقد للرسول متابع له ~~فلو لم تكن نبوته حقا لما ظهر الخارق على يد متابعه. وأما الكاهن فليس ~~بمتبع للرسول وقد انسد باب الكهانة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فمن ~~ادعى منهم اطلاعا على غيب فقد كفر بما جاء به القرآن وكذلك حكم المنجم ~~والله تعالى أعلم، وقوله تعالى: فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه أي من بين ~~يدي الرسول ومن خلفه وذكر البعض دال على جميع الجهات رصدا أي حفظه من ~~الملائكة يحفظونه من الشيطان أن يسترق السمع من الملائكة ويحفظونه من الجن ~~أن يسمعوا الوحي فيلقوه إلى الكهنة فيخبروا به قبل الرسول. # وقيل إن الله تعالى كان إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك يخبره ~~فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون الشيطان ~~عنه فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان فاحذره وإن جاء ملك ms3546 ~~قالوا له هذا رسول ربك. # PageV04P353 ### || [سورة الجن (72): آية 28] # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (28) # ليعلم أي ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن أي أن جبريل قد بلغ إليه ~~رسالات ربه وقيل معناه ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن ~~الله قد حفظهم ودفع عنهم. وقيل معناه ليعلم الله أن الرسل قد أبلغوا رسالات ~~ربهم فيعلم الله ذاك ظاهرا موجودا فيوجب فيه الثواب وأحاط بما لديهم أي علم ~~الله ما عند الرسل فلا يخفى عليه شيء من أمورهم وأحصى كل شيء عددا قال ابن ~~عباس: أحصى ما خلق وعرف ما خلق لم يفته شيء حتى مثاقيل الذر والخردل، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P354 ### | سورة المزمل # مكية قيل غير آيتين منها وهما قوله واصبر على ما يقولون وقيل غير آية وهي ~~إن ربك يعلم أنك تقوم الآية وهي عشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة ~~وثمانمائة وثمانية وثلاثون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المزمل (73): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) # قوله عز وجل: يا أيها المزمل هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصله ~~المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف. # قال المفسرون كان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه أول ما جاءه ~~جبريل فرقا منه فكان يقول زملوني زملوني حتى أنس به. وقيل خرج يوما من ~~البيت وقد لبس ثيابه فناداه جبريل يا أيها المزمل، وقيل معناه متزمل النبوة ~~أي حاملها والمعنى زملت هذا الأمر فقم به واحمله فإنه أمر عظيم وإنما لم ~~يخاطب بالنبي والرسول لأنه كان في أول الأمر ومبدئه، ثم خوطب بالنبي ~~والرسول بعد ذلك، وقيل كان صلى الله عليه وسلم قد نام وهو متزمل في ثوبه ~~فنودي يا أيها المزمل قم الليل أي للصلاة والعبادة واهجر هذه الحالة واشتغل ~~بالصلاة والعبودية وكان قيام الليل فريضة في ابتداء ms3547 الإسلام إلا قليلا أي ~~صل الليل إلا قليلا تنام فيه وهو الثلث ثم بين قدر القيام فقال تعالى: نصفه ~~أي قم نصف الليل أو انقص منه قليلا أي إلى الثلث. ### || [سورة المزمل (73): آية 4] # أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # أو زد عليه أي على النصف إلى الثلثين خيره بين هذه المنازل فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير وكان الرجل منهم لا ~~يدري متى ثلث الليل أو متى نصفه أو متى ثلثاه، فكان يقوم الليل كله حتى ~~يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم ~~فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها عنهم بقوله فاقرؤا ما تيسر منه قيل ليس في ~~القرآن سورة نسخ آخرها أولها إلا هذه السورة وكان بين نزول أولها ونزول ~~آخرها سنة. وقيل ستة عشر شهرا. وكان قيام الليل فرضا ثم نسخ بعد ذلك في حق ~~الأمة بالصلوات الخمس وثبتت فريضته على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك (م) عن سعد بن هشام قال «انطلقت إلى ~~عائشة فقلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان القرآن. قلت فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت ~~ألست تقرأ المزمل قلت بلى قالت فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك ~~الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ~~فصار قيام الليل تطوعا بعد الفريضة». # PageV04P355 # وقوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا قال ابن عباس بينه بيانا وعنه أيضا ~~«اقرأه على هينتك ثلاث آيات وأربعا وخمسا»، وقيل الترتيل هو التوقف والترسل ~~والتمهل والإفهام وتبيين القراءة حرفا حرفا أثره في أثر بعض بالمد والإشباع ~~والتحقيق. وترتيلا تأكيد في الأمر به وأنه لا بد للقارئ ms3548 منه، وقيل إن الله ~~تعالى لما أمر بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن حتى يتمكن المصلي من حضور ~~القلب والتأمل والفكر في حقائق الآيات ومعانيها فعند الوصول إلى ذكر الله ~~تعالى يستشعر بقلبه عظمة المذكور وجلاله وعند ذكر الوعد والوعيد يحصل ~~الرجاء والخوف وعند ذكر القصص والأمثال يحصل الاعتبار فيستنير القلب عند ~~ذلك بنور المعرفة، والإسراع في القراءة لا يحصل فيها ذلك فظهر بذلك أن ~~المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب عند القراءة. # (فصل) (خ) عن قتادة قال «سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد ~~الرحمن ويمد الرحيم» عن أم سلمة رضي الله عنها وقد سألها يعلى بن مالك عن ~~قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته فقالت «ما لكم وصلاته ثم نعتت ~~قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا»، أخرجه النسائي وللترمذي قالت ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول الحمد لله رب العالمين ~~ثم يقف الرحمن الرحيم، ثم يقف وكان يقول مالك يوم الدين ثم يقف» وفي رواية ~~أبي داود قالت «قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يقطع قراءته آية آية» ~~(ق) عن عبد الله بن مغفل قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح فرجع في قراءته»، (ق) عن أبي وائل شقيق بن ~~سلمة قال «جاء رجل إلى ابن مسعود قال إني لأقرأ المفصل في ركعة قال عبد ~~الله هذا كهذ الشعر إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع ~~في القلب فرسخ نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود إني لأعرف النظائر التي ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في كل ركعة» وفي رواية ~~«فذكر عشرين سورة من المفصل» الهذ سرعة القطع والمراد به هنا سرعة القراءة ms3549 ~~والعجلة فيها، وقوله لا يجاوز تراقيهم التراقي جمع ترقوة وهي العظم الذي ~~بين ثغرة النحر والعاتق وعند مخرج الصوت، والنظائر جمع نظير وهو الشبه ~~والمثل. عن عائشة رضي الله عنها قالت «قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ~~من القرآن»، أخرجه الترمذي وللنسائي عن أبي ذر نحوه وزاد «والآية إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» عن سهل بن سعد قال «خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ فقال: الحمد لله كتاب الله ~~واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود اقرءوا القرآن قبل أن يقرأه ~~أقوام يقيمونه كما يقال السهل يتعجل لقراءته ولا يتأجله» أخرجه أبو داود ~~وزاد غيره في رواية «لا يجاوز تراقيهم» عن جابر رضي الله عنه قال خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا العربي والعجمي فقال: # اقرءوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقومونه كما يقوم القدح يتعجلونه ولا ~~يتأجلونه» أخرجه أبو داود عن ابن مسعود قال «لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه ~~هذ الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» ~~قوله تعالى: # ### || [سورة المزمل (73): الآيات 5 الى 6] # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ~~(6) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قال ابن عباس شديدا. وقيل ثقيلا يعني كلاما ~~عظيما جليلا ذا خطر وعظمة لأنه كلام رب العالمين وكل شيء له خطر ومقدار فهو ~~ثقيل والمعنى فصير نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل الشاق، وقيل ~~سماه ثقيلا لما فيه من الأوامر والنواهي فإن فيه مشقة وكلفة على الأنفس ~~وقيل ثقيلا لما فيه من الوعد والوعيد والحلال والحرام والحدود والفرائض ~~والأحكام. وقيل ثقيلا على المنافقين لأنه يبين عيوبهم ويظهر نفاقهم، وقيل ~~هو خفيف على اللسان بالتلاوة ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة. وقيل ~~ثقيلا أي ليس # PageV04P356 # بالخفيف ولا السفساف لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى. وقيل معناه أنه قول ~~مبين في صحته وبيانه ونفعه كما ms3550 تقول هذا كلام رصين وهذا قول له وزن إذا ~~استجدته وعلمت أنه صادق الحكمة والبيان. وقيل سماه ثقيلا لما فيه من المحكم ~~والمتشابه والناسخ والمنسوخ. وقيل ثقيلا في الوحي وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم «كان إذا نزل عليه القرآن والوحي يجد له مشقة»، (ق) عن عائشة رضي الله ~~عنها «أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني في ~~مثل صلصلة الجرس وهذا أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل ~~إلي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه ~~الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا» (م) عن ~~عبادة بن الصامت قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي ~~كرب لذلك وتربد له وجهه» وفي رواية «كان إذا نزل عليه الوحي عرفنا ذلك في ~~فيه وغمض عينيه وتربد وجهه» قوله مثل صلصلة الجرس الصلصلة الصوت الشديد ~~الصلب اليابس من الأشياء الصلبة كالجرس ونحوه. قوله فيفصم أي ينفصل عني ~~ويفارقني وقد وعيت ما قال أي حفظت. وقولها ليتفصد عرقا أي يجري عرقه كما ~~يجري الدم من الفاصد. قوله تربد وجهه الربدة في الألوان غبرة مع سواد، ~~وقوله تعالى: إن ناشئة الليل أي ساعاته كلها وكل ساعة منه ناشئة، لأنها ~~تنشأ عن التي قبلها وقال ابن أبي مليكة سألت ابن عباس وابن الزبير عنها ~~فقالا الليل كله ناشئة وهي عبارة عن الأمور التي تحدث وتنشأ في الليل وقالت ~~عائشة الناشئة القيام بعد النوم. وقيل هي قيام آخر الليل وقيل أوله، وقيل ~~أي ساعة قام الإنسان من الليل فقد نشأ. روي عن زين العابدين علي بن الحسين ~~أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء ويقول هذه ناشئة الليل، وقيل كل صلاة بعد ~~العشاء الآخرة فهي ناشئة الليل، وقيل ناشئة الليل قيامه وقيل ناشئة الليل ~~وطاؤه هي أشد وطئا قرئ بكسر ms3551 الواو مع المد يعني من المواطأة والموافقة وذلك ~~لأن مواطأة القلب اللسان والسمع والبصر تكون بالليل أكثر مما تكون بالنهار. ~~وقرئ وطأ بفتح الواو وسكون الطاء أي أشد على المصلي وأثقل. من صلاة النهار ~~لأن الليل جعل للنوم والراحة فكان قيامه على النفس أشد وأثقل وقال ابن عباس ~~كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطأ يقول هي أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم ~~من القيام وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وقيل أثبت للخير ~~وأحفظ للقراءة من النهار وقيل هي أوطأ للقيام وأسهل على المصلي من ساعات ~~النهار لأنه خلق لتصرف العباد والليل والخلوة برب العباد ولأن الليل أفرغ ~~للقلب من النهار ولا يعرض له في الليل حوائج وموانع مثل النهار وأمنع من ~~الشيطان وأبعد من الرياء وهو قوله تعالى: وأقوم قيلا أي أصوب قراءة وأصح ~~قولا من النهار لهدأة الناس وسكون الأصوات وقيل معناه أبين قولا بالقرآن. # والحاصل أن عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا وأبعد عن الرياء وأكثر ~~بركة وأبلغ في الثواب وأدخل في القبول. # ### || [سورة المزمل (73): الآيات 7 الى 10] # إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون ~~واهجرهم هجرا جميلا (10) # إن لك في النهار سبحا طويلا أي تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في حوائجك ~~واشتغالك. وقيل فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك أفضل من الليل واذكر اسم ~~ربك أي بالتوحيد والتعظيم والتقديس والتسبيح وتبتل إليه تبتيلا قال ابن ~~عباس أخلص إليه إخلاصا وقيل تفرغ لعبادته وانقطع إليه انقطاعا والمعنى بتل ~~إليه نفسك واقطعها عن كل شيء سواه. وقيل التبتل رفض الدنيا وما فيها ~~والتماس ما عند الله. وقيل معناه وتوكل عليه توكلا واجتهد في العبادة وقيل ~~يقال للعابد إذا ترك كل شيء وأقبل على العبادة قد تبتل أي انقطع عن كل شيء ~~إلا من عبادة الله وطاعته. # PageV04P357 # فإن قلت كيف قال تبتيلا مكان تبتلا ولم يجيء ms3552 على مصدره؟ # قلت جاء تبتيلا على بتل نفسك إليه تبتيلا فوقع المصدر موضع مقارنة في ~~المعنى ويكون التقدير وبتل نفسك إليه تبتيلا فهو كقوله والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا، وقيل لأن معنى تبتل بتل نفسك فجيء به على معناه مراعاة لحق ~~الفواصل. وقيل الأصل في تبتل أن يقال تبتلت تبتيلا وتبتلت تبتيلا فتبتيلا ~~محمول على معنى بتل إليه تبتيلا وقيل إنما عدل عن هذه العبارة لدقيقة لطيفة ~~وهي أن المقصود إنما هو التبتل فأما التبتيل فهو تصرف والمشتغل بالتصرف لا ~~يكون متبتلا إلى الله تعالى لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إليه إلا ~~أنه لا بد من التبتيل حتى يحصل التبتل فذكر أولا التبتل لأنه المقصود وذكر ~~التبتيل ثانيا إشعارا بأنه لا بد منه رب المشرق والمغرب يعني أن التبتل ~~والانقطاع لا يليق إلا لله تعالى الذي هو رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا أي فوض أمرك إليه وتوكل عليه. وقيل معناه اتخذ يا محمد ربك ~~كفيلا بما وعدك من النصر على الأعداء واصبر على ما يقولون أي من التكذيب لك ~~والأذى واهجرهم هجرا جميلا أي واعتزلهم اعتزالا حسنا لا جزع فيه وهذه الآية ~~منسوخة بآية القتال. ### || [سورة المزمل (73): الآيات 11 الى 19] # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما ~~(12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا (15) # فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما ~~يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) # وذرني والمكذبين أي دعني ومن كذبك لا تهتم به فإني أكفيكه أولي النعمة أي ~~أصحاب النعم والترفه نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل نزلت في المطعمين ~~ببدر ومهلهم قليلا يعني إلى يوم بدر فلم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر. وقيل ~~أراد بالقليل أيام الدنيا ثم وصف عذابهم فقال تعالى: إن ms3553 لدينا أي عندنا في ~~الآخرة أنكالا يعني قيودا عظاما ثقالا لا تنفك أبدا وقيل أغلالا من حديد ~~وجحيما وطعاما ذا غصة أي غير سائغ في الحلق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم ~~والضريع وعذابا أليما أي وجيعا يوم ترجف الأرض والجبال أي تتزلزل وتتحرك ~~وهو يوم القيامة وكانت الجبال كثيبا مهيلا يعني رملا سائلا وهو الذي إذا ~~أخذت منه شيئا يتبعك ما بعده إنا أرسلنا إليكم يعني يا أهل مكة رسولا يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا عليكم أي بالتبليغ وإيمان من آمن منكم وكفر ~~من كفر كما أرسلنا إلى فرعون رسولا يعني موسى بن عمران عليه الصلاة ~~والسلام، قيل إنما خص فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل لأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم كما أن ~~فرعون ازدرى بموسى وآذاه لأنه رباه فعصى فرعون الرسول فأخذناه أي فرعون ~~أخذا وبيلا أي شديدا ثقيلا يعني عاقبناه عقوبة غليظة، خوف بذلك كفار مكة ثم ~~خوفهم يوم القيامة فقال تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم أي كيف لكم بالتقوى يوم ~~القيامة إن كفرتم أي في الدنيا، المعنى لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم ~~القيامة. وقيل معنى الآية فكيف تتقون العذاب يوم القيامة، وبأي شيء تتحصنون ~~من عذاب ذلك اليوم، وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدنيا يوما يجعل الولدان ~~شيبا يعني شيوخا شمطا من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه ~~الصلاة والسلام قم، فابعث بعث النار من ذريتك. (ق) عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل يوم ~~القيامة: يا آدم فيقول لبيك وسعديك» زاد في رواية «والخير في يديك فينادى ~~بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار قال يا رب، وما بعث النار؟ ~~قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب ~~الوليد # PageV04P358 # وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب ms3554 الله شديد، فشق ذلك على الناس ~~حتى تغيرت وجوههم قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعا وتسعين ومنكم واحد ثم ~~قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة ~~البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار، وإني ~~لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم ~~قال شطر أهل الجنة فكبرنا» أما ما يتعلق بمعنى الحديث فقوله أن تخرج من ~~ذريتك بعث النار فمعناه ميز أهل الجنة من أهل النار، وأما الرقمة بفتح ~~الراء وإسكان القاف فهي الأثرة في باطن عضد الحمار. # وقوله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة وثلث أهل الجنة، وشطر أهل الجنة ~~فيه البشارة العظيمة لهذه الأمة وجعلهم ربع أهل الجنة أولا ثم الثلث ثم ~~الشطر لفائدة حسنة، وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء ~~الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته وفيه تكرير ~~البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله وحمده على ~~إنعامه عليهم، وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة، وسرورهم بها، وأما ما. ~~يتعلق بمعنى الآية الكريمة، والحديث في قوله تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدان شيبا وقوله صلى الله عليه وسلم «ويشيب الوليد» ففيه ~~وجهان: الأول عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، فعلى هذا هو على ~~ظاهره الثاني أنه في القيامة، فعلى هذا يكون ذكر الشيب مجازا، لأن القيامة ~~ليس فيها شيب، وإنما هو مثل في شدة الأمر، وهوله يقال في اليوم الشديد يوم ~~تشيب فيه نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم والأحزان إذا تعاقب على ~~الإنسان أسرع فيه الشيب. قال المتنبي: # والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم # فلما كان الشيب من لوازم كثرة الهموم والأحزان جعلوه كناية عن الشدة ~~والهول، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا حقيقة لأن الطفل ms3555 ~~لا تمييز له، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال ~~يبلغون سن الشيخوخة والشيب. السماء منفطر به وصف اليوم بالشدة أيضا وأن ~~السماء مع عظمها تنفطر به، وتتشقق فما ظنك بغيرها من الخلائق، وقيل تتشقق ~~لنزول الملائكة، وقيل به أي بذلك المكان، وقيل الهاء ترجع إلى الرب سبحانه ~~وتعالى أي بأمره وهيبته. كان وعده مفعولا أي كائنا لا محالة فيه، ولا خلف ~~إن هذه أي آيات القرآن تذكرة أي مواعظ يتذكر بها فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا بالإيمان والطاعة. قوله تعالى: ### || [سورة المزمل (73): آية 20] # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل أي أقل من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه أي تقوم نصفه وثلثه وطائفة من الذين معك يعني المؤمنين، وكانوا ~~يقومون معه الليل والله يقدر الليل والنهار يعني أن العالم بمقادير الليل ~~والنهار وأجزائهما وساعاتهما هو الله تعالى. لا يفوته علم ما يفعلون، فيعلم ~~القدر الذي يقومون من الليل والذي ينامون منه. علم أن لن تحصوه يعني أن لن ~~تطيقوا معرفته على الحقيقة. قيل قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: علم أن لن ~~تحصوه أي لن تطيقوه، قيل كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر ~~الله به من القيام فقال تعالى: علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة ذلك ~~فتاب عليكم أي فعاد عليكم بالعفو # PageV04P359 # والتخفيف، والمعنى عفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه ورفع المشقة عنكم فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن فيه ms3556 قولان: # أحدهما: أن المراد بهذه القراءة. القراءة في الصلاة، وذلك لأن القراءة ~~أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم. ~~وقال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء، قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ~~ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد، وأول آية من البقرة، ثم قام في ~~الثانية، فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل ~~علينا بوجهه فقال: إن الله تعالى يقول فاقرؤوا ما تيسر منه، وقيل نسخ ذلك ~~التهجد، واكتفي بما تيسر ثم نسخ ذلك أيضا بالصلوات الخمس وذلك في حق الأمة ~~وثبت قيام الليل في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ومن الليل فتهجد ~~به نافلة لك. # القول الثاني: أن المراد بقوله فاقرؤوا ما تيسر من القرآن دراسته، وتحصيل ~~حفظه وأن لا يعرض للنسيان، فقيل يقرأ مائة آية ونحوها، وقيل إن قراءة ~~السورة القصيرة كافية. روى البغوي بإسناده عن أنس رضي الله عنه أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من قرأ خمسين آية في يوم أو ليلة لم ~~يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، ~~لم يحاججه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من ~~الأجر». # وذكره الشيخ محيي الدين في كتابه الأذكار ولم يضعفه وقال: في رواية «من ~~قرأ أربعين آية بدل خمسين وفي رواية عشرين» وفي رواية عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ عشر آيات لم يكتب ~~من الغافلين» (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ~~ليلة قلت بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير قال فصم صوم داود وكان ~~أعبد الناس واقرأ القرآن في كل شهر مرة قال قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل ~~من ذلك ms3557 قال فاقرأه في كل عشر قال: # قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ~~ذلك» ثم ذكر الله حكمة النسخ والتخفيف. فقال تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى ~~يعني أن المريض يضعف عن التهجد بالليل فخفف الله عز وجل عنه لأجل ضعفه ~~وعجزه عنه وآخرون يضربون في الأرض يعني المسافرين للتجارة يبتغون من فضل ~~الله أي يطلبون من رزق الله وهو الربح في التجارة وآخرون يقاتلون في سبيل ~~الله يعني الغزاة والمجاهدين، وذلك لأن المجاهد والمسافر مشتغل في النهار ~~بالأعمال الشاقة، فلو لم ينم بالليل لتوالت عليه أسباب المشقة، فخفف الله ~~عنهم لذلك. روي عن ابن مسعود: قال «أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن ~~المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم ~~قرأ عبد الله: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون ~~في سبيل الله» فاقرؤا ما تيسر منه أي من القرآن وإنما أعاده للتأكيد ~~وأقيموا الصلاة يعني المفروضة وآتوا الزكاة أي الواجبة. وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم وقرى الضيف، وقيل يريد ~~سائر الصدقات، وذلك بأن يخرجها على أحسن وجه من كسب طيب، ومن أكثر الأموال ~~نفعا للفقراء ومراعاة النية والإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى بما يخرج ~~والصرف إلى المستحق. وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله أي ثوابه ~~وأجره هو خيرا وأعظم أجرا يعني أن الذي قدمتم لأنفسكم خير من الذي أخرتموه ~~ولم تقدموه وروى البغوي بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه قالوا يا رسول الله ما منا أحد ~~إلا ما له أحب إليه من مال وارثه قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم إلا ~~ذلك يا رسول الله قال ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا ~~كيف يا رسول الله؟ قال: إنما قال أحدكم ما ms3558 قدم ومال وارثه ما أخر» ~~واستغفروا الله أي لذنوبكم وتقصيركم في قيام الليل إن الله غفور رحيم أي ~~لجميع الذنوب، والله تعالى أعلم. # PageV04P360 ### | سورة المدثر # وهي مكية وقيل غير آية من آخرها وهي ست وخمسون آية ومائتان وخمس وخمسون ~~كلمة وألف حرف وعشرة أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المدثر (74): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) # والرجز فاهجر (5) # قوله عز وجل: يا أيها المدثر (ق) عن يحيى بن كثير قال «سألت أبا سلمة بن ~~عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال يا أيها المدثر قلت يقولون اقرأ ~~باسم ربك قال أبو سلمة سألت جابرا عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت فقال لي ~~جابر لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «جاورت ~~بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت ~~عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا. # فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني» وصبوا علي ماء باردا فنزلت يا أيها ~~المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر وذلك قبل أن تفرض ~~الصلاة وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي- وذكر نحوه- فإذا ~~هو قاعد على عرش في الهواء- يعني جبريل- فأخذتني رجفة شديدة» (ق) عن جابر ~~رضي الله عنه من رواية الزهري «عن أبي سلمة عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال لي في حديثه: فبينما أنا أمشي سمعت ~~صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض فجثثت منه رعبا فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز ~~وجل يا أيها المدثر إلى والرجز فاهجر وفي رواية «فجئثت منه حتى هويت إلى ~~الأرض فجئت إلى أهلي» وذكره وفيه قال أبو سلمة الرجز الأوثان قال ثم حمى ~~الوحي بعد وتتابع. # فإن قلت دل هذا الحديث على أن ms3559 سورة المدثر أول ما نزل من القرآن، ويعارضه ~~حديث عائشة رضي الله عنها المخرج في الصحيحين أيضا في بدء الوحي، وسيأتي في ~~موضعه إن شاء الله تعالى وفيه «فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ~~فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ- ما لم يعلم- فرجع بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده» الحديث. # قلت الصواب الذي عليه جمهور العلماء أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق، كما صرح به في حديث عائشة، وقول من قال إن سورة ~~المدثر أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ضعيف لا يعتد به، وإنما كان ~~نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر، ~~ويدل عليه أيضا قوله في الحديث وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال وأنزل ~~الله تعالى يا أيها المدثر ويدل # PageV04P361 # عليه أيضا قوله «فإذا الملك الذي جاءني بحراء ثم قال وأنزل الله تعالى: ~~يا أيها المدثر» وأيضا قوله «ثم حمي الوحي بعد وتتابع» فالصواب إن أول ما ~~نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق وإن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر فحصل بهذا الذي بيناه الجمع ~~بين الحديثين، والله أعلم قوله «فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض» ~~يريد به السرير الذي يجلس عليه وقوله يحدث عن فترة الوحي، أي عن احتباسه ~~وعدم تتابعه، وتواليه في النزول قوله «فجئثت منه» روى بجيم مضمومة ثم همزة ~~مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير وروى بثاءين مثلثتين بعد الجيم، ~~ومعناه فرعبت منه وفزعت. وقوله «وحمي الوحي بعد وتتابع» أي كثر نزوله، ~~وازداد بعد فترته من قولهم حميت الشمس والنار إذا ازداد حرهما، وقوله وصبوا ~~علي ماء فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصب عليه ماء حتى يسكن فزعه والله أعلم. # وأما التفسير فقوله عز وجل: يا أيها المدثر أصله المتدثر وهو الذي يتدثر ms3560 ~~في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ~~سماه مدثرا لقوله صلى الله عليه وسلم دثروني، وقيل معناه يا أيها المدثر ~~بدثار النبوة والرسالة من قولهم ألبسه الله لباس التقوى، فجعل النبوة ~~كالدثار واللباس، مجازا قم فأنذر أي حذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا ~~والمعنى قم من مضجعك ودثارك، وقيل قم قيام عز واشتغل بالإنذار الذي تحملته ~~وربك فكبر أي عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان وثيابك فطهر فيه أربعة أوجه: ~~أحدها أن ينزل لفظ الثياب والتطهير على الحقيقة، والثاني أن ينزل لفظ ~~الثياب على الحقيقة والتطهير على المجاز والثالث أن ينزل لفظ الثياب على ~~المجاز، والتطهير على الحقيقة والرابع أن ينزل لفظ الثياب والتطهير على ~~المجاز. # أما الوجه الأول: فمعناه وثيابك فطهر من النجاسات والمستقذرات، وذلك أن ~~المشركين لم يكونوا يحترزون عنها فأمر صلى الله عليه وسلم بصون ثيابه من ~~النجاسات، وغيرها خلافا للمشركين. # الوجه الثاني: معناه وثيابك فقصر وذلك لأن المشركين كانوا يطولون ثيابهم ~~ويجرون أذيالهم على النجاسات وفي الثوب الطويل من الخيلاء والكبر والفخر ما ~~ليس في الثوب القصير فنهى عن تطويل الثوب وأمر بتقصيره لذلك، وقيل معناه ~~وثيابك فطهر عن أن تكون مغصوبة أو محرمة بل تكون من وجه حلال وكسب طيب. # الوجه الثالث: معناه حمل الثوب على النفس قال عنترة: # وشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # يريد نفسه والمعنى ونفسك فطهر عن الذنوب والريب وغيرهم وكنى بالثياب عن ~~الجسد لأنها تشتمل عليه. # الوجه الرابع: وهو حمل الثياب والتطهير على المجاز، فقيل معناه وقلبك ~~فطهر عن الصفات المذمومة، وقيل معناه وخلقك فحسن وسئل ابن عباس عن قوله، ~~وثيابك فطهر فقال: لا تلبسها على معصية ولا غدر أما سمعت قول غيلان بن سلمة ~~الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء هو طاهر الثياب، وتقول لمن غدر ~~إنه لدنس الثوب، والسبب في ذلك أن الثوب كالشيء ms3561 الملازم للإنسان فلهذا ~~جعلوه كناية عن الإنسان كما يقال الكرم في ثوبه والعفة في إزاره، وقيل إن ~~من طهر باطنه طهر ظاهره. # وقوله تعالى: والرجز فاهجر يعني أترك الأوثان ولا تقربها وقال ابن عباس: ~~اترك المآثم، وقيل الشرك والمعنى اترك كل ما أجب لك العذاب من الأعمال ~~والأقوال. # PageV04P362 # ### || [سورة المدثر (74): الآيات 6 الى 14] # ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ ~~يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10) # ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) # ولا تمنن تستكثر يعني لا تعط مالك مصانعة لتعطي أكثر منه هذا قول أكثر ~~المفسرين وهذا النهي مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما نهي عن ذلك ~~تنزيها لمنصب النبوة لأن من أعطى شيئا لغيره يطلب منه الزيادة عليه لا بد ~~وأن يتواضع لذلك الذي أعطاه، ومنصب النبوة بحل عن ذلك وهذا غير موجود في حق ~~الأمة، فيجوز لغيره من الأمة ذلك كما قيل هما رباءان حلال وحرام فالحلال ~~الهدية يهديها الرجل لغيره ليعطيه أكثر منها وأما الحرام فالربا المحرم بنص ~~الشرع، وقيل معناه لا تعط شيئا لمجازاة الدنيا أعط لله وأراد به وجه الله. ~~وقيل معناه لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، ولا يكثرن عملك في عينك فإنه ~~مما أنعم الله به عليك وأعطاك. وقيل معناه لا تمنن على أصحابك بما تعلمهم ~~من أمر الدين وتبلغهم من أمر الوحي كالمستكثر بذلك عليهم، وقيل لا تمنن ~~عليهم بنبوتك فتأخذ منهم على ذلك أجرا تستكثر به، وقيل معناه لا تمنن لا ~~تضعف عن الخير تستكثر منه، وقيل معناه لا تمنن على الناس بما تنعم عليهم ~~وتعطيهم استكثارا منك لتلك العطية، فإن المن يحبط العمل ولربك فاصبر أي على ~~طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب الله تعالى وقيل معناه فاصبر لله على ما ~~أوذيت فيه، وقيل معناه إنك حملت أمرا عظيما فيه محاربة العرب والعجم، فاصبر ~~على ذلك لله عز وجل، وقيل معناه فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله ms3562 فإذا نقر ~~في الناقور أي نفخ في الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وهي النفخة ~~الأولى، وقيل الثانية وهو الأصح فذلك يومئذ يعني يوم النفخة وهو يوم ~~القيامة يوم عسير أي شديد على الكافرين يعني يعسر عليهم في ذلك اليوم ~~الأمر، فيعطون كتبهم بشمائلهم وتسود وجوههم غير يسير أي غير هين. # فإن قلت ما فائدة قوله غير يسير وعسير مغن عنه. # قلت: فائدة التكرار التأكيد كقوله: أنا محب لك غير مبغض، وقيل لما كان ~~على الكافرين غير يسير دل على أنه يهون على المؤمنين بخلاف الكفار فإنه ~~عليهم عسير لا يسر فيه ليزداد غيظ الكافرين وبشارة المؤمنين قوله تعالى: ~~ذرني ومن خلقت وحيدا أي خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد، ~~وقيل معناه خلقته وحدي لم يشاركني في خلقه أحد، والمعنى ذرني وإياه، فأنا ~~أكفيكه نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان يسمى الوحيد في ~~قومه. وجعلت له مالا ممدودا أي كثير يمد بعضه بعضا دائما غير منقطع، وقيل ~~ما يمد بالنماء كالزرع والضرع والتجارة واختلفوا في مبلغه، فقيل كان ألف ~~دينار وقيل أربعة آلاف درهم، وقيل ألف ألف وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال ~~فضة وعنه كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم، وكان له غنم كثيرة وعبيد ~~وجوار: وقيل كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفا، وقيل كان ~~له غلة شهر بشهر، وبنين شهودا أي حضورا بمكة لا يغيبون عنه لأنهم كانوا ~~أغنياء غير محتاجين إلى الغيبة لطلب الكسب، وقيل معنى شهودا أي رجالا ~~يشهدون معه المحافل والمجامع، قيل كانوا عشرة وقيل سبعة وهم الوليد بن ~~الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة نفر خالد ~~وهشام وعمارة ومهدت له تمهيدا أي بسطت له في العيش وطول العمر بسطا مع ~~الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان الوليد من أكابر قريش وكان يدعى ~~ريحانة قريش. # PageV04P363 # ### || [سورة المدثر (74): الآيات 15 الى 18] # ثم يطمع أن أزيد ms3563 (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) ~~إنه فكر وقدر (18) # ثم يطمع أي يرجو أن أزيد أي أزيده مالا وولدا وتمهيدا كلا أي لا أفعل ولا ~~أزيده قالوا فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله وولده حتى ~~هلك إنه كان لآياتنا عنيدا أي معاندا والمعنى أنه كان معاندا في جميع دلائل ~~التوحيد والقدرة والبعث والنبوة منكرا للكل، وقيل كان كفره كفر عناد وهو ~~أنه كان يعرف هذا بقلبه وينكره بلسانه وهو أقبح الكفر وأفحشه سأرهقه صعودا ~~يعني سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصعود عقبة في النار يتصعد ~~فيها الكافر سبعين خريفا ثم يهوي فيها سبعين خريفا فهو كذلك أبدا» أخرجه ~~الترمذي. وقال حديث غريب وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سأرهقه صعودا. قال هو جبل من نار يكلف أن ~~يصعده فإذا وضع يده ذابت فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها ~~عادت وقال الكلبي: الصعود صخرة ملساء في النار يكلف الكافر أن يصعدها لا ~~يترك يتنفس في صعوده يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع من ~~حديد فيصعدها في أربعين عاما، فإذا بلغ ذروتها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أن ~~يصعدها يجذب من أمامه، ويضرب من خلفه فذلك دأبه أبدا قوله عز وجل إنه فكر ~~وقدر أي فكر في الأمر الذي يريده ونظر فيه وتدبره ورتب في قلبه كلاما، ~~وهيأه لذلك لأمر وهو المراد بقوله وقدر أي وقدر ذلك الكلام في قلبه وذلك أن ~~الله تعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم إلى قوله المصير قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ~~يصلي والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لاستماعه أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى ms3564 مجلس قومه من ~~بني مخزوم فقال والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا ~~من كلام الجن، والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن ~~أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلي ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش صبأ والله ~~الوليد ولتصبون قريش كلهم فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق حتى جلس إلى ~~جنب الوليد حزينا فقال له الوليد ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ # فقال وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر ~~سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي ~~قحافة لتنال من فضل طعامهم. فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم ~~مالا وولدا؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام ثم قام ~~مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه ~~يخنق قط؟ قالوا اللهم لا، قال تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا ~~اللهم لا قال تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا ~~قال تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب، قالوا اللهم لا وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه، فقالت قريش ~~للوليد فما هو فتفكر في نفسه، ثم قال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين ~~الرجل، وأهله، وولده، ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر. فذلك قوله عز ~~وجل: إنه فكر أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقدر في نفسه ماذا ~~يمكنه أن يقول في محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 19 الى 29] # فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم ~~أدبر واستكبر (23) # فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر ~~(26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) # لواحة للبشر (29) # فقتل كيف ms3565 قدر أي عذب، وقيل لعن كيف قدر وهو على طريق التعجب والإنكار ~~والتوبيخ ثم قتل كيف قدر كرره للتأكيد، وقيل معناه لعن على أي حال قدر من ~~الكلام ثم نظر أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده ثم عبس وبسر أي كلح وقطب ~~وجهه كالمهتم المتفكر في شيء يدبره ثم أدبر أي عن الإيمان واستكبر أي حين ~~دعى إليه فقال إن هذا الذي يقوله محمد ويقرؤه إلا سحر يؤثر يروى ويحكى عن ~~السحرة إن هذا إلا قول البشر يعني يسارا وجبرا فهو يأثره عنهما الله قال ~~الله تعالى: سأصليه أي سأدخله # PageV04P364 # سقر هو اسم من أسماء جهنم وقيل آخر دركاتها وما أدراك ما سقر أي وما ~~أعلمك أي شيء هي سقر، وإنما ذكره على سبيل التهويل والتعظيم لأمرها لا تبقي ~~ولا تذر قيل هما بمعنى كما تقول صد عني وأعرض عني وقيل لا بد من الفرق وإلا ~~لزم التكرار فقيل معناه لا تبقى أحدا من المستحقين للعذاب إلا أخذته، ثم لا ~~تذر من لحوم أولئك شيئا إلا أكلته وأهلكته، وقيل لا يموت فيها ولا يحيا أي ~~لا تبقى من فيها حيا ولا تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا وأعيدوا، ~~وقيل لا تبقى لهم لحما ولا تذر منهم عظما، وقيل لكل شيء ملال وفترة إلا ~~جهنم ليس لها ملال ولا فترة فهي لا تبقى عليهم ولا تذرهم لواحة للبشر جمع ~~بشرة أي مغيرة للجلد حتى تجعله أسود قال مجاهد: تلفح الجلد حتى تدعه أشد ~~سوادا من الليل وقال ابن عباس: محرقة للجلد، وقيل تلوح لهم جهنم حتى يروها ~~عيانا. # ### || [سورة المدثر (74): الآيات 30 الى 32] # عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~وما يعلم جنود ربك إلا ms3566 هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) # عليها تسعة عشر أي على النار تسعة عشر من الملائكة وهم خزنتها مالك ومعه ~~ثمانية عشر جاء في الأثر «إن أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي يخرج ~~لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة قد نزعت منهم الرحمة ~~يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم» وقال عمرو بن دينار: إن ~~أحدهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر وقال ابن عباس: لما ~~نزلت هذه الآية. قال أبو جهل: لقريش ثكلتكم أمهاتكم أسمع من ابن أبي كبشة ~~يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم يعني الشجعان أفيعجز كل عشر منكم ~~أن تبطش بواحد منهم يعني خزنة جهنم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة بن خلف ~~الجمحي أنا أكفيكم منهم سبعة عشر عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني ~~أنتم اثنين ويروى عنه أنه قال أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة ~~بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله ~~تعالى: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة يعني لا رجالا آدميين فمن ذا يغلب ~~الملائكة وإنما جعلهم ملائكة ليكونوا من غير جنس المعذبين وأشد منهم لأن ~~الجنسية مظنة الرأفة والرحمة وما جعلنا عدتهم أي عددهم في القلة إلا فتنة ~~للذين كفروا أي ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا، وقيل فتنتهم هي قولهم لم لم ~~يكونوا عشرين، وما الحكمة في تخصيص هذا العدد وقيل فتنتهم هي قولهم كيف ~~يقدر هذا العدد، القليل على تعذيب جميع من في النار. # وأجيب عن قولهم لم لم يكونوا عشرين بأن أفعال الله تعالى لا تعلل ولا ~~يقال فيها لم، وتخصيص الزبانية بهذا العدد لأمر اقتضته الحكمة، وقيل وجه ~~الحكمة في كونهم تسعة عشر أن هذا العدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، ~~ووجه ذلك أن الآحاد أقل الأعداد وأكثرها تسعة، وأقل الكثير عشرة فوقع ~~الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير وأكثر القليل لهذه الحكمة، وما سوى ذلك ms3567 ~~من الأعداد فكثير لا يدخل تحت الحصر. # وأجيب عن قولهم كيف يقدر هذا العدد القليل على تعذيب جميع أهل النار، ~~وذلك بأن الله جل جلاله يعطي هذا القليل من القوة والقدرة ما يقدرون به على ~~ذلك، فمن اعترف بكمال قدرة الله، وأنه على كل شيء قدير وأن أحوال القيامة ~~على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذا الاستبعاد بالكلية. ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب يعني أن هذا العدد مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك أن العدد كان موجودا في كتابهم وأخبر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV04P365 # على وفق ما عندهم من غير سابقة دراسة، وتعلم علم إنما حصل له ذلك بالوحي ~~السماوي، فازدادوا بذلك إيمانا وتصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ولا ~~يرتاب أي ولا يشك الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون يعني في عددهم وإنما قال ~~ولا يرتاب وإن كان الاستيقان يدل على نفي الارتياب ليجمع لهم بين إثبات ~~اليقين ونفي الشك، وذلك أبلغ وآكد لأن فيه تعريضا بحال غيرهم كأنه قال: ~~وليخالف حالهم حال الناس المرتابين من أهل الكفر، والنفاق وليقول الذين في ~~قلوبهم مرض أي شك ونفاق والكافرون أي مشركو مكة. # فإن قلت لم يكن بمكة نفاق فكيف قال، وليقول الذين في قلوبهم مرض وهم ~~المنافقون وهذه السورة مكية. # قلت لأنه كان في علم الله تعالى أن النفاق سيحدث فأخبره عما سيكون وهو ~~كسائر الإخبار بالغيوب فعلى هذا تصير الآية معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه إخبار عن غيب سيقع وقد وقع على وفق الخبر، وقيل يحتمل أن يراد بالذين ~~في قلوبهم مرض أهل مكة لأن فيهم من هو شاك وفيهم من هو قاطع بالكذب ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا يعني أي شيء أراد الله بهذا المثل العجيب، وإنما سموه ~~مثلا لأنه استعارة من المثل المضروب لأنه مما غرب من الكلام وبدع استغرابا ~~منهم لهذا العقد واستبعادا له، والمعنى ms3568 أي غرض قصد في جعل الملائكة تسعة ~~عشرة لا عشرين ومرادهم بذلك إنكار هذا من أصله وإنه ليس من عند الله فلهذا ~~سموه مثلا كذلك أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق به كذلك يضل ~~الله من يشاء ويهدي من يشاء لأن الله تعالى بيده الهداية والإضلال وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو هذا جواب لأبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر، ~~والمعنى أن الخزنة تسعة عشر، ولهم أعوان وجنود من الملائكة لا يعلم عددهم ~~إلا الله تعالى خلقوا لتعذيب أهل النار وقيل كما أن مقدورات الله تعالى غير ~~متناهية فكذلك جنوده غير متناهية، وما هي يعني النار إلا ذكرى للبشر أي إلا ~~تذكرة وموعظة للناس، وقيل ما هي يعني آيات القرآن ومواعظه إلا تذكرة للناس ~~يتعظون بها كلا أي لا يتعظون ولا يتذكرون، وقيل معناه ليس الأمر كما يقول ~~من زعم أنه يكفي أصحابه خزنة النار وقيل كلا هنا بمعنى حقا والقمر. # ### || [سورة المدثر (74): الآيات 33 الى 41] # والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا ~~للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) # كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) ~~عن المجرمين (41) # والليل إذ أدبر أي ولى ذاهبا، وقيل دبر بمعنى أقبل تقول العرب دبرني فلان ~~أي جاء خلفي فالليل يأتي خلف النهار والصبح إذا أسفر أي أضاء وتبين وهذا ~~قسم وجوابه إنها لإحدى الكبر يعني إن سقر لإحدى الأمور العظام، وقيل أراد ~~بالكبر دركات النار وهي سبعة جهنم ولظى والحطمة والسعير وسقر والجحيم ~~والهاوية نذيرا للبشر قيل يحتمل أن يكون نذيرا صفة للنار، والمعنى أن النار ~~نذير للبشر قال الحسن: والله ما أنذر بشيء أدهى من النار، وقيل يجوز أن ~~يكون نذيرا صفة لله تعالى، والمعنى أنا لكم منها نذير فاتقوها وقيل هو صفة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر لمن ~~شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر أي ms3569 يتقدم في الخير والطاعة أو يتأخر عنهما فيقع ~~في الشر والمعصية، والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر، وقد ~~تمسك بهذه الآية من يرى أن العبد غير مجبور على الفعل وأنه متمكن من فعل ~~نفسه. # وأجيب عنه بأن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى وقيل إضافة المشيئة إلى ~~المخاطبين على سبيل التهديد كقوله اعملوا ما شئتم وقيل هذه المشيئة لله ~~تعالى، والمعنى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. # قوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة أي مرتهنة في النار بكسبها ومأخوذة ~~بعملها إلا أصحاب # PageV04P366 # اليمين فإنهم غير مرتهنين بذنوبهم في النار، ولكن الله يغفرها لهم، وقيل ~~معناه فكوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يفك الراهن رهنه بأداء الحق ~~الذي عليه. # واختلفوا في أصحاب اليمين من هم فقيل هم المؤمنون المخلصون، وقيل هم ~~الذين يعطون كتبهم بإيمانهم، وقيل هم الذين كانوا على يمين آدم يوم أخذ ~~الميثاق وحين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» وقيل هم ~~الذين كانوا ميامين أي مباركين على أنفسهم، وروى عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنهم أطفال المسلمين وهو أشبه بالصواب لأن الأطفال لم يكتسبوا ~~إثما يرتهنون به وعن ابن عباس قال هم الملائكة في جنات أي هم في بساتين ~~يتساءلون عن المجرمين أي يتساءلون المجرمين وعن صلة فيقولون لهم. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 42 الى 51] # ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين ~~(44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) # حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن ~~التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) # ما سلككم في سقر قيل وهذا يقوي قول من قال إن أصحاب اليمين هم الأطفال ~~لأنهم لم يعرفوا الذنوب التي توجب النار، وقيل معناه يسأل بعضهم بعضا عن ~~المجرمين، فعلى هذا التفسير يكون معنى ما سلككم، أي يقول المسؤولون ~~للسائلين قلنا للمجرمين ما سلككم، أي أدخلكم وقيل ما حبسكم في سقر، وهذا ~~سؤال ms3570 توبيخ وتقريع قالوا مجيبين لهم لم نك من المصلين أي لله في الدنيا ولم ~~نك نطعم المسكين أي لم نتصدق عليه وكنا نخوض مع الخائضين أي في الباطل وكنا ~~نكذب بيوم الدين أي بيوم الجزاء على الأعمال وهو يوم القيامة حتى أتانا ~~اليقين يعني الموت قال الله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين قال ابن ~~مسعود: تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى ~~في النار إلا أربعة ثم تلا قالوا لم نك من المصلين الآية، وقال عمران بن ~~حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون. روى البغوي بسنده عن ~~أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصف أهل ~~النار فيعذبون قال فيمر بهم الرجل من أهل الجنة، فيقول للرجل منهم يا فلان ~~فيقول ما تريد فيقول أما تذكر رجلا سقاك شربة يوم كذا وكذا قال فيقول وإنك ~~لأنت هو فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه قال، ثم يمر بهم الرجل من أهل الجنة ~~فيقول يا فلان فيقول ما تريد فيقول أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا ~~وكذا، فيقول وإنك لأنت هو فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه» فما لهم عن ~~التذكرة معرضين أي عن مواعظ القرآن كأنهم حمر جمع حمار مستنفرة قرئ بالكسر ~~أي نافرة وقرئ بالفتح أي منفرة مذعورة محمولة على النفار فرت من قسورة قيل ~~القسورة جماعة الرماة لا واحد له من لفظه، وهي رواية عن ابن عباس وعنه أنها ~~القناص وعنه قال: هي حبال الصيادين، وقيل معناه فرت من رجال أقوياء وكل ضخم ~~شديد عند العرب قسورة وقسور وقيل القسورة لغط القوم وأصواتهم وقيل القسورة ~~شدة سواد ظلمة الليل وقال أبو هريرة: هي الأسد وذلك لأن الحمر الوحشية إذا ~~عاينت الأسد هربت فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ القرآن هربوا منه شبههم بالحمر في البلادة والبله، وذلك أنه لا يرى ~~مثل نفار حمر الوحش إذا خافت من شيء. ### || [سورة المدثر (74): الآيات ms3571 52 الى 56] # بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون الآخرة ~~(53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو ~~أهل التقوى وأهل المغفرة (56) # بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة قال المفسرون إن كفار قريش ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P367 # ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسوله نؤمر فيه ~~باتباعك، وقيل إن المشركين قالوا يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل ~~كان يصبح، وعند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك كلا أي لا يؤتون الصحف ~~وهو ردع لهم عن هذه الاقتراحات بل لا يخافون الآخرة أي لا يخافون عذاب ~~الآخرة والمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام ~~الأدلة، لأنه لما حصلت المعجزات الكثيرة كفت في الدلالة على صحة النبوة ~~فطلب الزيادة يكون من باب التعنت كلا أي حقا إنه تذكرة يعني إنه عظة عظيمة ~~فمن شاء ذكره أي اتعظ به فإنما يعود نفع ذلك عليه وما يذكرون إلا أن يشاء ~~الله أي إلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة أي هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا به ويطيعوه، وهو ~~حقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم وذنوبهم وقيل هو أهل أن تتقى محارمه، ~~وأهل أن يغفر لمن اتقاه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال في هذه الآية: هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال الله تبارك، وتعالى ~~أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له أخرجه ~~الترمذي، وقال حديث غريب وفي إسناده سهيل بن عبد الله القطيعي وليس بالقوي ~~في الحديث وقد تفرد به عن ثابت، والله تعالى أعلم بمراده. # PageV04P368 ### | سورة القيامة # مكية وهي أربعون آية ومائة وتسع وتسعون كلمة وستمائة واثنان وخمسون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة القيامة (75): الآيات 1 الى 3] ms3572 # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه (3) # قوله عز وجل: لا أقسم بيوم القيامة اتفقوا على أن المعنى أقسم، واختلفوا ~~في لفظ لا فقيل إدخال لفظة لا على القسم مستفيض في كلام العرب وأشعارهم، ~~قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # قالوا: وفائدتها تأكيد القسم كقولك لا والله ما ذاك كما تقول تريد والله ~~فيجوز حذفها. لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها، وقيل إنها صلة كقول الله ~~تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب وفيه ضعف لأنها لا تزاد إلا في وسط الكلام لا ~~في أوله. # وأجيب عنه بأن القرآن في حكم السورة الواحدة بعضه متصل ببعض يدل عليه أنه ~~قد يجيء ذكر الشيء في سورة، ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله: يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون وجوابه في سورة ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإذا ~~كان كذلك كان أول هذه السورة جاريا مجرى الوسط وفيه ضعف أيضا لأن القرآن في ~~حكم السورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن سورة بما بعدها فذلك غير ~~جائز، وقيل لا رد لكلام المشركين المنكرين للبعث أي ليس الأمر كما زعموا، ~~ثم ابتدأ فقال أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللوامة، وقيل الوجه فيه أن ~~يقال إن لا هي للنفي، والمعنى في ذلك كأنه قال لا أقسم بذلك اليوم ولا بتلك ~~النفس إلا إعظاما لهما فيكون الغرض تعظيم المقسم به وتفخيم شأنه، وقيل ~~معناه لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب فإنه إثباته أظهر من أن ~~يقسم عليه. وروى البغوي في تفسير القيامة عن المغيرة بن شعبة قال: يقولون ~~القيامة وقيامة أحدهم موته وشهد علقمة جنازة فلما دفنت قال أما هذا فقد ~~قامت قيامته وفيه ضعف لاتفاق المفسرين على أن المراد به القيامة الكبرى ~~لسياق الآيات في ذلك. وقوله ولا أقسم بالنفس اللوامة قيل هي التي تلوم على ~~الخير والشر ولا تصبر على السراء والضراء، وقيل اللوامة ms3573 هي التي تندم على ~~ما فات فتقول لو فعلت ولو لم تفعل وقيل ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي ~~تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا تقول هلا ازددت وإن عملت شرا تقول يا ليتني ~~لم أفعل وقال الحسن: هي نفس المؤمن إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ما ~~أردت بكلامي ما أردت بأكلي، وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه، ولا يعاتبها، ~~وقيل هي النفس الشريفة التي تلوم النفوس العاصية يوم القيامة بسبب ترك ~~التقوى، وقيل هي النفس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في ~~الطاعة وقيل هي النفس الشقية العاصية يوم القيامة بسبب ترك التقوى، وقيل هي ~~النفس الشقية تلوم نفسها # PageV04P369 # حين تعاين أهوال يوم القيامة فتقول «يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله» ~~فإن قلت أي مناسبة بين يوم القيامة، وبين النفس اللوامة حتى جمع بينهما في ~~القسم. # قلت وجه المناسبة أن في يوم القيامة تظهر أحوال النفوس اللوامة من ~~الشقاوة أو السعادة فلهذا حسن الجمع بينهما في القسم وقيل إنما وقع القسم ~~بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبدا تستحقر فعلها ~~واجتهادها في طاعة الله تعالى وقيل إنه تعالى أقسم بيوم القيامة ولم يقسم ~~بالنفس اللوامة فكأنه قال أقسم بيوم القيامة تعظيما لها ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة تحقيرا لها لأن النفس الكافرة أو الفاجرة لا يقسم بها، فإن قلت ~~المقسم به هو يوم القيامة، والمقسم عليه هو يوم القيامة، فيصير حاصله أنه ~~أقسم بيوم القيامة على وقوع القيامة وفيه إشكال. # قلت إن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربها في الحقيقة، فكأنه ~~قال أقسم برب القيامة، وقيل لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه وجواب ~~القسم محذوف تقديره لتبعثن ثم لتحاسبن يدل عليه قوله تعالى: # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه وقيل جواب القسم قوله: # ### || [سورة القيامة (75): الآيات 4 الى 5] # بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) # بلى قادرين على أن نسوي بنانه ومعنى ms3574 أيحسب الإنسان أيظن هذا الكافر أن ~~العظام بعد تفرقها ورجوعها رميما، ورفاتا مختلطة بالتراب وبعد ما نسفتها ~~الريح فطيرتها في أباعد الأرض أن لن نجمع عظامه، أي لا يمكننا جمعها مرة ~~أخرى وكيف خطر بباله هذا الخاطر الفاسد، وما علم أن القادر على الإبداء ~~قادر على الإعادة نزلت هذه الآية في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة وهو ختن ~~الأخنس بن شريق الثقفي وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اكفني ~~جاري السوء يعني عديا والأخنس وذلك أن عديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا محمد حدثني متى تكون القيامة وكيف أمرها وحالها فأخبره النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال عدي بن ربيعة لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، ولم أؤمن ~~بك أو يجمع الله العظام فأنزل الله عز وجل. أيحسب الإنسان يعني هذا الكافر ~~أن لن نجمع عظامه يعني بعد التفرق والبلاء فنحييه ما كان أول مرة، وقيل ذكر ~~العظام وأراد بها نفسه جميعها لأن العظام قالب النفوس، ولا يستوي الخلق إلا ~~باستوائها، وقيل إنما خرج على وفق قول هذا المنكر، أو يجمع الله العظام بلى ~~قادرين يعني على جمع عظامه، وتأليفها وإعادتها إلى التركيب الأول والحالة، ~~والهيئة الأولى وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو أن نسوي بنانه يعني أنامله ~~فنجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، أو كحافر الحمار، فلا يقدر ~~أن يرتفق بها بالقبض والبسط والأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرهما، ~~وقيل معناه أظن الكافر أن لن نقدر على عظامه بلى نقدر على جمع عظامه حتى ~~نعيد السلاميات على صغرها إلى أماكنها، ونؤلف بينها حتى نسوي البنان فمن ~~يقدر على جمع العظام الصغار، فهو على جمع كبارها أقدر وهذا القول أقرب إلى ~~الصواب، وقيل إنما خص البنان بالذكر لأنه آخر ما يتم به الخلق. # قوله تعالى: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه أي ليدوم على فجوره فيما ~~يستقبله من الزمان ما عاش لا ينزع عن المعاصي ولا يتوب وقال سعيد بن جبير ~~يقدم الذنب ms3575 ويؤخر التوبة، ويقول سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت وهو على ~~سوء حاله وشر أعماله، وقيل هو طول الأمل يقول أعيش فأصيب من الدنيا كذا ~~وكذا ولا يذكر الموت وقال ابن عباس: يكذب بما أمامه من البعث والحساب، وأصل ~~الفجور الميل وسمي الكافر والفاسق فاجرا لميله عن الحق. # PageV04P370 # ### || [سورة القيامة (75): الآيات 6 الى 13] # يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس ~~والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) # كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم ~~وأخر (13) # يسئل أيان يوم القيامة أي متى يكون يوم القيامة والمعنى أن الكافر يسأل ~~سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة قال الله تعالى: فإذا برق البصر أي شخص ~~البصر عند الموت فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا، ~~وقيل تبرق أبصار الكفار عند رؤية جهنم، وقيل برق إذا فزع وتحير لما يرى من ~~العجائب، وقيل برق أي شق عينه وفتحها من البريق وهو التلألؤ وخسف القمر أي ~~أظلم وذهب ضوءه، وجمع الشمس والقمر يعني أسودين مكورين كأنهما ثوران ~~عقيران، وقيل يجمع بينهما في ذهاب الضوء، وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر ~~فهناك نار الله الكبرى يقول الإنسان يعني الكافر المكذب يومئذ أي القيامة ~~أين المفر أي المهرب وهو موضع الفرار كلا أي لا ملجأ لهم يهربون إليه وهو ~~قوله لا وزر أي لا حرز ولا ملجأ ولا جبل، وكانوا إذا فزعوا لجئوا إلى الجبل ~~فتحصنوا به، فقيل لهم لا جبل لكم يومئذ تتحصنون به وأصل الوزر الجبل ~~المنيع، وكل ما التجأت إليه وتحصنت به فهو وزر ومنه قول كعب بن مالك. # الناس آلت علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر # ومعنى الآية أنه لا شيء يعصمهم من أمر الله تعالى لا حصن ولا جبل يوم ~~القيامة يستندون إليه من النار إلى ربك يومئذ المستقر # يعني مستقر الخلق وقال عبد الله بن مسعود: إليه المصير والمرجع وهو بمعنى ~~الاستقرار، وقيل إلى ms3576 ربك مستقرهم أي موضع قرارهم من جنة أو نار، وذلك مفوض ~~إلى مشيئته فمن شاء أدخله الجنة برحمته ومن شاء أدخله النار بعدله ينبؤا ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # قال ابن مسعود وابن عباس: بما قدم قبل موته من عمل صالح أو سيئ وما أخر ~~بعد موته من سنة حسنة، أو سيئة يعمل بها، وعن ابن عباس أيضا بما قدم من ~~المعصية وأخر من الطاعة، وقيل بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه، ~~وقيل بأول عمله وآخره وهو ما عمله في أول عمره وفي آخره، وقيل بما قدم من ~~ماله لنفسه قبل موته وما أخر من ماله لورثته. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 14 الى 21] # بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) # ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) # بل الإنسان على نفسه بصيرة # أي بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه ويشهدون عليه بعمله وهي ~~سمعه وبصره وجوارحه، وإنما دخلت الهاء في البصيرة لأن المراد من الإنسان ~~جوارحه، وقيل معناه بل الإنسان على نفسه عين بصيرة وفي رواية عن ابن عباس ~~بل الإنسان على نفسه شاهد فتكون الهاء للمبالغة كعلامة ولو ألقى معاذيره # يعني ولو اعتذر بكل عذر وجادل عن نفسه، فإنه لا ينفعه لأنه قد شهد عليه ~~شاهد من نفسه، وقيل معناه ولو اعتذر فعليه من نفسه ما يكذب عذره، وقيل إن ~~أهل اليمن يسمون الستر معذارا وجمعه معاذير، فعلى هذا يكون معناه ولو أرخى ~~الستور وأغلق الأبواب ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه، وهذا في حق ~~الكافر لأنه ينكر يوم القيامة فتشهد عليه جوارحه بما عمل في الدنيا. # قوله عز وجل: لا تحرك به لسانك لتعجل به # (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: # لا تحرك به لسانك لتعجل به # قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان ms3577 مما يحرك ~~شفتيه قال ابن جبير: # قال ابن عباس أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركها ~~فحرك شفتيه فأنزل الله عز وجل لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه # قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. قال فاستمع وأنصت # PageV04P371 # ثم إن علينا أن تقرأه، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه ~~جبريل بعد ذلك استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~قرأه، وفي رواية كما وعده الله تعالى لفظ الحميدي، ورواه البغوي من طريق ~~البخاري وقال فيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل ~~بالوحي، كان مما يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله ~~عز وجل الآية، التي في لا أقسم بيوم القيامة لا تحرك به لسانك لتعجل به إن ~~علينا جمعه وقرآنه، قال إن علينا أن نجمعه في صدرك، وتقرأه فإذا قرأناه، ~~فاتبع قرآنه، فإذا أنزلناه فاستمع ثم إن علينا بيانه علينا أن نبينه ~~بلسانك. قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى ~~وفي رواية كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه يخشى أن ينفك منه فقيل له لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، أي نجمعه في صدرك وقرآنه أن ~~تقرأه، ومعنى الآية لا تحرك بالقرآن لسانك، وإنما جاز هذه الإضمار وإن لم ~~يجر له ذكر لدلالة الحال عليه لتجعل به أي بأخذه إن علينا جمعه # أي جمعه في صدرك وحفظك إياه وقرآنه # أي قراءته علينا والمعنى سنقرئك يا محمد بحيث تصير لا تنساه فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه # أي لا تكن قراءتك مقارنة لقراءة جبريل عليك بل اسكت حتى يتم جبريل ما ~~يوحى إليك، فإذا فرغ جبريل من القراءة، فخذ أنت فيها، وجعل قراءة جبريل ~~قراءته لأنه بأمره نزل بالوحي ونظيره. «من يطع الرسول فقد أطاع الله» وقيل ~~معناه اعمل به واتبع حلاله، وحرامه، والقول الأول أولى لأن ms3578 هذا ليس موضع ~~الأمر باتباع حلاله وحرامه وإنما هو موضع الأمر بالاستماع حتى يفرغ جبريل ~~من قراءته فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا نزل عليه جبريل ~~بالوحي أصغى إليه فإذا فرغ من قراءته وعاه النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه ~~ثم إن علينا بيانه أي أن نبينه بلسانك فتقرأه كما أقرأك جبريل وقيل إذا ~~أشكل شيء من معانيه فنحن نبينه لك، وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والحلال ~~والحرام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أشكل عليه شيء سأل ~~جبريل عن معانيه لغاية حرصه على العلم فقيل له نحن نبينه لك. # قوله تعالى: كلا أي حقا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة أي تختارون ~~الدنيا على العقبى وتعملون لها يخاطب كفار مكة. # ### || [سورة القيامة (75): الآيات 22 الى 29] # وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن ~~أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقي (26) # وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) # وجوه يومئذ أي يوم القيامة ناضرة من النضارة، وهي الحسن قال ابن عباس: ~~حسنة وقيل مسرورة بالنعيم، وقيل ناعمة، وقيل مسفرة مضيئة، وقيل بيض يعلوها ~~نور وبهاء وقيل مشرقة بالنعيم. إلى ربها ناظرة قال ابن عباس وأكثر ~~المفسرين: تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب قال الحسن حق لها أن تنظر وهي تنظر ~~إلى الخالق سبحانه وتعالى، وروي عن مجاهد وأبي صالح أنهما فسرا النظر في ~~هذه الآية بالانتظار قال مجاهد تنتظر من ربها ما أمر لها به وقال أبو صالح: ~~تنتظر الثواب من ربها، قال الأزهري: ومن قال إن معنى قوله إلى ربها ناظرة ~~بمعنى منتظرة فقد أخطأ لأن العرب لا تقول نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته ~~إنما تقول نظرت فلانا أي انتظرته ومنه قول الحطيئة: # وقد نظرتكم أعشاء صادرة ... للورد طال بها حوزي وتنساسي # فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت نظرت في الأمر احتمل أن ~~يكون تفكر فيه وتدبر بالقلب، وهذا آخر كلامه ويشهد لصحة ms3579 هذا أن النظر ~~الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير ولم يوصل في موضع بإلى كقوله ~~انظرونا نقتبس من نوركم وقوله هل ينظرون إلا تأويله- هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله والوجه إذا وصف بالنظر وعدي بإلى لم يحتمل غير الرؤية، وأما ~~قوله أنظر إلى الله ثم إليك على معنى أتوقع فضل الله ثم # PageV04P372 # فضلك، فيكون النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب إنما يجوز هذا إذا لم ~~يسند إلى الوجه، فإذا أسند النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا ~~الانتظار وإذا بطل المعنيان لم يبق لبقاء الرؤية كلام وإن شق ذلك عليهم، ~~والأحاديث الصحيحة تعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية وسنذكرها إن ~~شاء الله تعالى. # (فصل: في إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى في الآخرة) قال علماء ~~أهل السنة رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، وأجمعوا على ~~وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله سبحانه، وتعالى دون الكافرين ~~بدليل قوله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وزعمت طوائف من أهل ~~البدع كالمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من ~~خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلا، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، وقد ~~تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فمن بعدهم من سلف الأمة على ~~إثبات رؤية الله تعالى، وقد رواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها ~~أجوبتها مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها ~~مشهورة مستفاضة في كتب الكلام، وليس هذا موضع ذكرها، ثم مذهب أهل الحق أن ~~الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة ~~المرئي ولا غير ذلك. # وأما الأحاديث الواردة في إثبات الرؤية فمنها ما روي عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه، وأزواجه، ونعيمه وخدمه، ~~وسروره مسيرة ألف سنة، ms3580 وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة أخرجه ~~الترمذي وقال: هذا حديث غريب، وقال: وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ولم ~~يرفعه (ق) عن جرير بن عبد الله قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر ~~لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، ~~وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب» ~~قوله «لا تضامون» روي بفتح التاء وتشديد الميم وقد تضم التاء مع التشديد ~~أيضا ومعناه لا ينضم بعضكم إلى بعض ولا تزدحمون وقت النظر إليه، وروي ~~بتخفيف الميم ومعناه لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض وقوله: ~~«إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر» معناه تشبيه الرؤية بالرؤية في ~~الوضوح وزوال الشك والمشقة لا تشبيه المرئي بالمرئي عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه «أن أناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر، قالوا: لا يا ~~رسول الله قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا يا رسول الله ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم سترونه كذلك» أخرجه أبو داود ~~وأخرجه الترمذي. وليس عنده في أوله أن أناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا قوله ليس دونها سحاب. قال الترمذي وقد روي مثل هذا الحديث عن أبي ~~سعيد وهو صحيح، وهذا الحديث طرف من حديث طويل قد أخرجه البخاري ومسلم، ~~ومعنى تضارون وتضامون واحد. # عن أبي رزين العقيلي قال: «قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخليا به يوم ~~القيامة؟ قال نعم قلت وما آية ذلك في خلقه؟ قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى ~~القمر ليلة البدر مخليا به قلت ms3581 بلى قال: فالله أعظم إنما هو خلق من خلق ~~الله يعني القمر فالله أجل وأعظم» أخرجه أبو داود (م) عن صهيب رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ~~فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف ~~الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى» ~~والأحاديث في الباب كثيرة وهذا القدر كاف والله أعلم. قوله عز وجل: ووجوه ~~يومئذ باسرة أي عابسة كالحة # PageV04P373 # متغيرة مسودة قد أظلمت ألوانها، وعدمت آثار النعمة، والسرور منها لما ~~أدركها من اليأس من رحمة الله تعالى: # وذلك حين يميز بين أهل الجنة والنار تظن أي تستيقن والظن هنا بمعنى ~~اليقين أن يفعل بها فاقرة أن يفعل بهم أمر عظيم من العذاب والفاقرة الداهية ~~العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار الظهر ويقصمه وقيل الفاقرة دخول ~~النار، وقيل هي أن تحجب تلك الوجوه عن رؤية الله تعالى: كلا أي حقا إذا ~~بلغت يعني النفس كناية عن غير مذكور التراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ~~ثغرة النحر والعاتق ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت ومنه ~~قول دريد بن الصمة: # ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي # وقيل # يعني وقال من حضره من راق # أي هل من طبيب يرقيه ويداويه مما نزل به ويشفيه ويخلصه من ذلك برقيته ~~ودوائه، وقيل لما نزل به من قضاء الله ما نزل التمسوا له الأطباء، فلم ~~يغنوا عنه من قضاء الله شيئا، وقيل هذا من قول الملائكة الذين يحضرونه عند ~~الموت يقول بعضهم لبعض من يرقى بروحه إذا خرجت فيصعد بها ملائكة الرحمة أو ~~ملائكة العذاب، وظن أي أيقن الذين بلغت روحه التراقي أنه الفراق يعني ~~الخروج من الدنيا وفراق المال والأهل والولد والتفت أي اجتمعت الساق بالساق ~~أي الشدة بالشدة يعني شدة مفارقة الدنيا مع شدة الموت وكربه، وقيل شدة ~~الموت بشدة الآخرة، وقيل تتابعت ms3582 عليه الشدائد لا يخرج من كرب إلا جاءه ما ~~هو أشد منه، وقال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة فكان في آخر يوم من ~~أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وقيل الناس يجهزون جسده والملائكة ~~يجهزون روحه، وقيل هما ساقا الميت إذا لفتا في الكفن، وقيل هما ساقاه عند ~~الموت ألا تراه كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى عند النزع، وقيل إذا مات ~~يبست ساقاه فالتفت إحداهما بالأخرى. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 30 الى 40] # إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) # ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من ~~مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ~~(39) # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) # إلى ربك يومئذ المساق أي مرجع العباد إلى الله تعالى يساقون إليه يوم ~~القيامة ليفصل بينهم. # قوله تعالى: فلا صدق ولا صلى يعني أبا جهل لم يصدق بالقرآن، ولم يصل لله ~~تعالى: ولكن كذب وتولى أي أعرض عن الإيمان والتصديق ثم ذهب إلى أهله يتمطى ~~أي يتبختر ويختال في مشيته، وقيل أصله يتمطط أي يتمدد من المط، وقيل من ~~المطا وهو الظهر لأنه يلويه. أولى لك فأولى هذا وعيد على وعيد من الله ~~تعالى لأبي جهل. وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد ومعناه، ويل لك مرة بعد ~~مرة وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكرهه، وقيل معناه أنك أجدر بهذا العذاب. ~~وأحق وأولى به. يقال ذلك لمن يصيبه مكروه يستوجبه قال قتادة: ذكر لنا «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي جهل ~~بالبطحاء وقال له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى» فقال أبو جهل أتوعدني يا ~~محمد والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا وإني لأعز من مشى بين ~~جبليها فلما كان يوم بدر صرعه وقتله أشد قتلة. وكان نبي الله يقول صلى الله ~~عليه ms3583 وسلم «إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل» أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى أي هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب في ~~الآخرة ألم يك نطفة أي ماء قليلا من مني يمنى أي يصيب في الرحم، والمعنى ~~كيف يليق بمن خلق من شيء قذر مستقذر أن يتكبر ويتمرد عن الطاعة. ثم كان ~~علقة أي صار الإنسان علقة بعد النطفة # PageV04P374 # فخلق فسوى أي فقدر خلقه وسواه وعدله وقيل نفخ فيه الروح وكمل أعضاءه فجعل ~~منه أي من الإنسان الزوجين أي الصنفين ثم فسرهما فقال الذكر والأنثى أي خلق ~~من مائة أولادا ذكورا وإناثا أليس ذلك أي الذي فعل وأنشأ الأشياء أول مرة ~~بقادر على أن يحيي الموتى أي بقادر على إعادته بعد الموت عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ منكم والتين ~~والزيتون، فانتهى إلى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل بلى وأنا على ~~ذلك من الشاهدين. ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى، فليقل بلى ومن قرأ والمرسلات فبلغ، فبأي حديث بعده ~~يؤمنون فليقل آمنا بالله» أخرجه أبو داود وله عن موسى بن أبي عائشة قال ~~«كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ~~قال سبحانك بلى فسألوه عن ذلك فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم» ~~والله سبحانه وتعالى أعلم: # PageV04P375 ### | سورة هل أتى # وتسمى سورة الإنسان أيضا وهي مدنية كذا قال مجاهد، وقتادة والجمهور، وقيل ~~مكية يحكى ذلك عن ابن عباس وعطاء بن يسار ومقاتل، وقيل فيها مكي ومدني، ~~فالمكي منها قوله ولا تطع منهم آثما أو كفورا وباقيها مدني قاله الحسن ~~وعكرمة وقيل إن المدني من أولها إلى قوله تعالى: إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا ومن هذه الآية إلى آخرها مكي حكاه الماوردي وهي إحدى وثلاثون آية ~~ومائتان وأربعون كلمة وألف وأربعة وخمسون حرفا. ms3584 # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) # قوله عز وجل: هل أتى أي قد أتى على الإنسان يعني آدم عليه الصلاة والسلام ~~حين من الدهر يعني مدة أربعين سنة وهو من طين ملقى (م) عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لما صور الله آدم في الجنة ~~تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطوف به وينظر إليه فلما رآه أجوف ~~عرف أنه خلف لا يتمالك» قوله يطوف أي يدور حوله فلما رآه أجوف أي صاحب جوف ~~وقيل هو الذي داخله خال قوله عرف أنه خلق لا يتمالك، أي لا يملك نفسه ~~ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند ~~الغضب. # وروي في تفسير الآية أن آدم بقي أربعين سنة طينا، وبقي أربعين سنة حمأ ~~مسنونا وأربعين سنة صلصالا كالفخار فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة لم يكن ~~شيئا مذكورا أي لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به وذلك ~~قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئا ولم يكن شيئا يذكر. # روي عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: لم يكن شيئا مذكورا فقال عمر ~~ليتها تمت يعني ليته بقي على ما كان عليه ويروى نحوه عن أبي بكر وابن ~~مسعود، وقيل المراد بالإنسان جنس الإنسان وهم بنو آدم بدليل قوله إنا خلقنا ~~الإنسان فالإنسان في الموضعين واحد فعلى هذا يكون معنى قوله حين من الدهر ~~طائفة من الدهر غير مقدرة لم يكن شيئا مذكورا يعني أنهم كانوا نطفا في ~~الأصلاب. ثم علقا، ومضغا في الأرحام لم يذكروا بشيء إنا خلقنا الإنسان يعني ~~ولد آدم من نطفة أي مني الرجل ومني المرأة أمشاج أي أخلاط قال ابن عباس ~~وغيره: يعني ماء الرجل، وماء ms3585 المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد ~~فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا صاحبه كان الشبه ~~له وما كان من عصب، وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء ~~المرأة، وقيل الأمشاج اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة # PageV04P376 # صفراء. وكل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي تكون ~~في النطفة، وقيل هي نطفة مشجت أي خلطت بدم وهو دم الحيض فإذا حبلت المرأة ~~ارتفع دم الحيض، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظما ~~ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر، وقيل إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا ~~من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ~~فعلى هذا يكون التقدير من نطفة ذات أمشاج. نبتليه أي لنختبره بالأمر والنهي ~~فجعلناه سميعا بصيرا قيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناه سميعا بصيرا ~~لنبتليه لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وقيل معناه إنا خلقنا ~~الإنسان من هذه الأمشاج للابتلاء والامتحان ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه ~~الابتلاء، وهو السمع والبصر وهما كنايتان عن الفهم والتمييز وقيل المراد ~~بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس ~~وأشرفها. # ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 3 الى 5] # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل ~~وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) # إنا هديناه السبيل أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، ~~وعرفناه طريق الخير والشر، وقيل معناه أرشدناه إلى الهدى لأنه لا يطلق اسم ~~السبيل إلا عليه والمراد من هداية السبيل نصب الدلائل، وبعثه الرسل وإنزال ~~الكتب. إما شاكرا وإما كفورا يعني إما موحدا طائعا لله، وإما مشركا بالله ~~في علم الله وذلك أن الله تعالى بين سبيل التوحيد ليتبين شكر الإنسان من ~~كفره، وطاعته عن معصيته، وقيل في معنى الآية إما مؤمنا سعيدا وإما كافرا ~~شقيا. وقيل معناه الجزاء أي بينا له الطريق إن ms3586 شكر أو كفر، وقيل المراد من ~~الشاكر الذي يكون مقرا معترفا بوجوب شكر خالقه سبحانه وتعالى عليه، والمراد ~~من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه ثم بين ما للفريقين فوعد الشاكر، ~~وأوعد الكافر فقال تعالى: إنا أعتدنا أي هيأنا في جهنم للكافرين سلاسل يعني ~~يشدون بها وأغلالا أي في أيديهم تغل بها إلى أعناقهم وسعيرا يعني وقودا لا ~~توصف شدته وهذا من أعظم أنواع الترهيب والتخويف ثم ذكر ما أعد للشاكرين ~~الموحدين فقال تعالى: إن الأبرار يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم ~~المطيعين لربهم، واحدهم بار وبر وأصله التوسع فمعنى البر المتوسع في الطاعة ~~يشربون من كأس يعني فيها شراب كان مزاجها كافورا قيل يمزج لهم شرابهم ~~بالكافور ويختم بالمسك. # فإن قلت إن الكافور غير لذيذ، وشربه مضر فما وجه مزج شرابهم به. # قلت قال أهل المعاني: أراد بالكافور بياضه، وطيب ريحه وبرده. لأن الكافور ~~لا يشرب وقال ابن عباس: # هو اسم عين في الجنة والمعنى أن ذلك الشراب يمازجه شراب ماء هذه العين ~~التي تسمى كافورا، ولا يكون في ذلك ضرر لأن أهل الجنة لا يمسهم ضرر فيما ~~يأكلون، ويشربون وقيل هو كافور لذيذ طيب الطعم ليس فيه مضرة، وليس ككافور ~~الدنيا ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم بمزج شرابهم. بذلك الكافور والمسك ~~والزنجبيل. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 6 الى 9] # عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما ~~كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) # عينا بدلا من الكافور وقيل أعني عينا يشرب بها أي يشرب منها عباد الله ~~قال ابن عباس أولياء الله يفجرونها تفجيرا أي يقودونها إلى حيث شاؤوا من ~~منازلهم وقصورهم تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم. # قوله تعالى: يوفون بالنذر لما وصف الله تعالى ثواب الأبرار في الآخرة وصف ~~أعمالهم في الدنيا التي # PageV04P377 # يستوجبون بها هذا الثواب والمعنى كانوا في الدنيا يوفون بالنذر والنذر ~~الإيجاب. والمعنى يوفون بما فرض الله ms3587 عليهم فيدخل فيه جميع الطاعات من ~~الأيمان والصلاة، والزكاة والصوم والحج، والعمرة، وغير ذلك من الواجبات، ~~وقيل النذر في عرف الشرع واللغة أن يوجب الرجل على نفسه شيئا ليس بواجب ~~عليه، وذلك بأن يقول: لله علي كذا وكذا من صدقة أو صلاة أو صوم أو حج أو ~~عمرة يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله. وذلك بأن يقول إن شفى الله مريضي أو ~~قدم غائبي كان لله علي كذا، ولو نذر في معصية لا يجب الوفاء به (خ) عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به» وفي ~~رواية «فليطعه ولا يعصه» وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا ~~نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين» أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ~~(ق) عن ابن عباس قال: «استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأمره أن يقضيه عنها» أخرجه ~~الجماعة. وفي الآية دليل على وجوب الوفاء بالنذر، وهذا مبالغة في وصفهم ~~بأداء الواجبات لأن من وفي بما أوجبه على نفسه كان لما أوجبه الله عليه ~~أوفى. # ويخافون يوما كان شره مستطيرا أي منتشرا فاشيا ممتدا، وقيل استطار خوفه ~~في أهل السموات والأرض، وفي أولياء الله وأعدائه، وقيل فشا سره في السموات. ~~فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة وكورت الشمس، والقمر، وفي الأرض ~~فتشققت الجبال وغارت المياه وكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء، والمعنى ~~أنهم يوفون بالنذر وهم خائفون من شر ذلك اليوم وهوله وشدته. # قوله عز وجل: ويطعمون الطعام على حبه أي حب الطعام وقلته وشهوتهم له ~~والحاجة إليه فوصفهم الله تعالى: بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بالطعام، ~~ويواسون به أهل الحاجة، وذلك لأن أشرف أنواع الإحسان والبر إطعام الطعام. ~~لأن به قوام الأبدان، وقيل على حب الله عز وجل أي لحب الله مسكينا يعني ms3588 ~~فقيرا وهو الذي لا مال له ولا يقدر على الكسب ويتيما أي صغيرا وهو الذي لا ~~أب له يكتسب له، وينفق عليه وأسيرا قيل هو المسجون من أهل القبلة يعني من ~~المسلمين، وقيل هو الأسير من أهل الشرك. أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم ~~وإن أسراهم يومئذ أهل الشرك. فعلى هذا الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا ~~على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا يجوز أن يعطوا من الصدقة الواجبة ~~كالزكاة والكفارة، وقيل الأسير المملوك، وقيل الأسير المرأة لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان» يعني أسرى، وقيل ~~غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك. # واختلفوا في سبب نزول الآية، فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو ~~الدحداح صام يوما فلما كان وقت الإفطار جاءه مسكين، ويتيم، وأسير فأطعمهم ~~ثلاثة أرغفة، وبقي له ولأهله رغيف واحد. فنزلت هذه الآية فيه، وروي عن ابن ~~عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وذلك أنه عمل ليهودي ~~بشيء من شعير فقبض ذلك الشعير فطحن منه ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه ~~فلما فرغ أتى مسكين فسأل فأعطوه ذلك ثم عمل الثلث الثاني فلما فرغ أتى يتيم ~~فسأل فأعطوه ذلك، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم نضجه أتى أسير من المشركين ~~فسأل فأعطوه ذلك وطووا يومهم وليلتهم فنزلت هذه الآية. وقيل هذه عامة في كل ~~من أطعم المسكين واليتيم والأسير لله تعالى وآثر على نفسه إنما نطعمكم لوجه ~~الله أي لأجل وجه الله تعالى: لا نريد منكم جزاء ولا شكورا قيل إنهم لم ~~يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم. فأثنى به عليهم، وقيل قالوا ذلك ~~منعا للمحتاجين من المكافأة، وقيل قالوا ذلك ليقتدي بهم غيرهم في ذلك وذلك ~~أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى لا يراد به غيره. فهذا هو ~~الإخلاص، وتارة يكون لطلب المكافأة أو لطلب الحمد من الناس أو لهما، وهذان ~~القسمان مردودان لا يقبلهما الله تعالى ms3589 لأن فيهما شركا، ورياء فنفوا ذلك ~~عنهم بقولهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. # PageV04P378 # ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 10 الى 16] # إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على ~~الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت ~~قطوفها تذليلا (14) # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا (16) # إنا نخاف من ربنا يوما يعني أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا ~~لطلب مكافأتكم عبوسا وصف ذلك اليوم بالعبوس مجازا كما يقال نهاره صائم، ~~والمراد أهله والمعنى تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته وقيل وصف اليوم ~~بالعبوس لما فيه من الشدة. قمطريرا يعني شديدا كريها يقبض الوجوه والجباه ~~بالتعبيس، وقيل العبوس الذي لا انبساط فيه، والقمطرير الشديد، وقيل هو أشد ~~ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء فوقاهم الله شر ذلك اليوم أي الذي ~~يخافونه ولقاهم نضرة أي حسنا في وجوههم وسرورا أي في قلوبهم وجزاهم بما ~~صبروا أي على طاعة الله واجتناب معصيته، وقيل على الفقر والجوع مع الوفاء ~~بالنذر والإيثار جنة وحريرا أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير متكئين فيها أي ~~في الجنة على الأرائك جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولا تسمى أريكة إلا ~~إذا اجتمعا لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا يعني لا يؤذيهم حر الشمس، ولا ~~برد الزمهرير كما كان يؤذيهم في الدنيا والزمهرير أشد البرد وحكى الزمخشري ~~قولا أن الزمهرير هو القمر وعن ثعلب أنه في لغة طيئ وأنشد: # وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر # والمعنى أن الجنة ضياء لا يحتاج فيها إلى شمس وقمر ودانية عليهم ظلالها ~~أي قريبة منهم ظلال أشجارها وذللت أي سخرت وقربت قطوفها أي ثمارها تذليلا ~~أي يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين، ويتناولونها كيف شاؤوا وعلى أي ~~حال أرادوا. ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب قيل هي الكيزان التي لا عرى ms3590 ~~لها كالقدح ونحوه كانت قواريرا قوارير من فضة قال أهل التفسير أراد بياض ~~الفضة في صفاء القوارير وهو الزجاج، والمعنى أن آنية أهل الجنة من فضة ~~بيضاء في صفاء الزجاج، والمعنى يرى ما في باطنها من ظاهرها، قال الكلبي: إن ~~الله تبارك وتعالى جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة ~~فجعل منها قوارير يشربون فيها، وقيل إن القوارير التي في الدنيا من الرمل ~~والقوارير التي في الجنة من الفضة، ولكنها أصفى من الزجاج. قدروها تقديرا ~~أي قدروا الكؤوس على قدر ريهم، وكفايتهم لا تزيد ولا تنقص. والمعنى أن ~~السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها لهم ثم يسقونهم. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 17 الى 21] # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ~~ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور ~~من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) # ويسقون فيها أي في الجنة كأسا كان مزاجها زنجبيلا قيل إن الزنجبيل هو اسم ~~للعين التي يشرب منها الأبرار يوجد منها طعم الزنجبيل يشرب بها المقربون ~~صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة، وقيل هو النبت المعروف، والعرب كانوا يجعلون ~~الزنجبيل في شرابهم لأنه يحصل فيه ضرب من اللذع قال الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأريا مشورا # الأري العسل والمشور المستخرج من بيوت النحل وقال المسيب بن علس: # PageV04P379 # فكأن طعم الزنجبيل ... به إذ ذقته سلافة الخمر # فلما كان الزنجبيل مستطابا عند العرب وصف الله تعالى شراب أهل الجنة ~~بذلك، وقيل إن شرب أهل الجنة على برد الكافور، وطعم الزنجبيل وريح المسك ~~قال ابن عباس: كل ما ذكر الله تعالى في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له ~~مثل في الدنيا، وذلك لأن زنجبيل الجنة لا يشبه زنجبيل الدنيا عينا فيها ~~تسمى سلسبيلا أي سلسلة منقادة لهم يصرفونها حيث شاؤوا وقيل حديدة الجرية ~~سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليها في طرقهم، ومنازلهم تنبع من أصل العرش من ms3591 ~~جنة عدن إلى سائر الجنان، وقيل سميت بذلك لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في ~~الحلق ومعنى تسمى أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا صفة لا اسم ~~ويطوف عليهم ولدان مخلدون أي في الخدمة وقيل مخلدون مسرورون ومقرطون إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا يعني في بياض اللؤلؤ الرطب وحسنه، وصفائه، ~~واللؤلؤ إذا انتثر على البساط كان أصفى منه منظوما، وقيل إنما شبهوا ~~بالمنثور لانتثارهم في الخدمة. # قوله عز وجل: وإذا رأيت قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل لكل ~~واحد ممن يدخل الجنة والمعنى إذا رأيت ببصرك ونظرت به ثم يعني إلى الجنة ~~رأيت نعيما أي لا يوصف عظمه وملكا كبيرا قيل هو أن أدناهم منزلة من ينظر في ~~ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه، وقيل هو أن رسول رب العزة من ~~الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه وهو استئذان الملائكة عليهم وقيل معناه ~~ملكا لا زوال له ولا انتقال عاليهم أي فوقهم ثياب سندس خضر وهو ما رق من ~~الديباج وإستبرق وهو ما غلظ منه وكلاهما داخل في اسم الحرير وحلوا أساور من ~~فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا يعني طاهرا من الأقذار والأردان لم تمسه ~~الأيدي، ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا وقيل إنه لا يستحيل بولا، ولكنه ~~يستحيل رشحا في أبدانهم كرشح المسك، وذلك أنهم يؤتون بالطعام ثم من بعده ~~يؤتون بالشراب الطهور فيشربون منه فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج ~~من جلودهم أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهواتهم، وقيل الشراب ~~الطهور هو عين ماء على باب الجنة من شرب منه نزع الله ما كان في قلبه من غل ~~وغش وحسد. # ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 22 الى 28] # إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك ~~بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن ms3592 خلقناهم ~~وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) # إن هذا كان لكم جزاء أي يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدتهم ~~نعيمها. إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله لكم إلى هذا الوقت. فهو لكم ~~بأعمالكم، وقيل هو إخبار من الله تعالى لعباده المؤمنين أنه قد أعده لهم في ~~الآخرة وكان سعيكم مشكورا أي شكرتكم عليه وآتيتكم أفضل منه، وهو الثواب، ~~وقيل شكر الله لعباده هو رضاء منهم بالقليل من الطاعة وإعطاؤه إياهم الكثير ~~من الخيرات. # قوله عز وجل: إنا نحن نزلنا عليك أي يا محمد القرآن تنزيلا قال ابن عباس: ~~متفرقا آية بعد آية ولم ننزله جملة واحدة، والمعنى أنزلنا عليك القرآن ~~متفرقا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، والمقصود من ذلك تثبيت ~~قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرح صدره وإن الذي أنزله إليه وحي منه ~~ليس بكهانة، ولا سحر لتزول تلك الوحشة التي حصلت له من قول الكفار إنه سحر ~~أو كهانة. فاصبر لحكم ربك أي لعبادته فهي من # PageV04P380 # الحكمة المحضة، وقيل معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن في القتال، ~~وقيل هو عام في جميع التكاليف، أي فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به ~~سواء كان تكليفا خاصا كالعبادات والطاعات أو عاما متعلقا بالغير كالتبليغ، ~~وأداء الرسالة وتحمل المشاق وغير ذلك. ولا تطع منهم آثما أو كفورا قيل أراد ~~به أبا جهل، وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه ~~أبو جهل عنها، وقال لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه، وقيل أراد بالآثم عتبة ~~بن ربيعة، وبالكفور الوليد بن المغيرة وذلك أنهما قالا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء، والمال فارجع عن هذا الأمر، وقال ~~عتبة أنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد أنا أعطيك من ~~المال حتى ترضى فارجع عن هذا الأمر فأنزل الله تعالى هذه الآية. # فإن قلت هل من فرق بين الآثم والكفور قلت نعم. ms3593 الآثم هو المقدم على ~~المعاصي أي معصية كانت، والكفور هو الجاحد فكل كفور آثم، ولا ينعكس لأن من ~~عبد غير الله فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان لأنه لما عبد غير الله فقد ~~عصاه وجحد نعمه عليه. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا قيل المراد من الذكر ~~الصلاة، والمعنى وصل لربك بكرة يعني صلاة الصبح وأصيلا يعني صلاة الظهر ~~والعصر ومن الليل فاسجد له يعني صلاة المغرب والعشاء فعلى هذا تكون الآية ~~جامعة لمواقيت الصلاة الخمس وسبحه ليلا طويلا يعني صلاة التطوع بعد ~~المكتوبة وهو التهجد بالليل، وقيل المراد من الآية هو الذكر باللسان، ~~والمقصود أن يكون ذاكرا لله تعالى في جميع الأوقات في الليل والنهار بقلبه ~~وبلسانه. قوله عز وجل: إن هؤلاء يعني كفار مكة يحبون العاجلة يعني الدار ~~العاجلة، وهي الدنيا. ويذرون وراءهم يعني أمامهم يوما ثقيلا يعني شديدا وهو ~~يوم القيامة والمعنى أنهم يتركونه فلا يؤمنون به، ولا يعملون له نحن ~~خلقناهم وشددنا أي قوينا وأحكمنا أسرهم أي خلقهم وقيل أوصالهم شددنا بعضها ~~إلى بعض بالعروق والأعصاب، وقيل الأسر مجرى البول والغائط، وذلك أنه إذا ~~خرج الأذى انقبضا. وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا أي إذا شئنا أهلكناهم، ~~وآتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 29 الى 31] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء ~~الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما (31) # إن هذه أي السورة تذكرة أي تذكير وعظة فمن شاء اتخذ أي لنفسه في الدنيا ~~إلى ربه سبيلا أي وسيلة بالطاعة، والتقرب إليه وهذه مما يتمسك بها القدرية ~~يقولون اتخاذ السبيل هو عبارة عن التقرب إلى الله تعالى، وهو إلى اختيار ~~العبد، ومشيئته قال أهل السنة ويرد عليهم قوله عز وجل في سياق الآية. وما ~~تشاؤن إلا أن يشاء الله أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله تعالى لأن الأمر ~~إليه، ومشيئة الله مستلزمة لفعل العبد فجميع ما يصدر عن العبد بمشيئة ms3594 الله ~~جل جلاله وتعالى شأنه إن الله كان عليما أي بأحوال خلقه وما يكون منهم ~~حكيما أي حيث خلقهم مع علمه بهم يدخل من يشاء في رحمته أي في دينه وقيل في ~~جنته فإن فسرت الرحمة بالدين كان ذلك من الله تعالى وإن فسرت بالجنة كان ~~دخول الجنة بسبب مشيئة الله جل جلاله وتعالى شأنه وفضله وإحسانه لا بسبب ~~الاستحقاق والظالمين يعني المشركين أعد لهم عذابا أليما أي مؤلما، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P381 ### | سورة المرسلات # (مكية وهي خمسون آية ومائة وثمانون كلمة وثمانمائة وستة عشر حرفا) بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # قوله عز وجل: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات ~~فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا اعلم أن المفسرين ذكروا في هذه الكلمات ~~الخمس وجوها: # الأول: أن المراد بأسرها الرياح ومعنى المرسلات عرفا الرياح أرسلت ~~متتابعة كعرف الفرس، وقيل عرفا أي كثيرا فالعاصفات عصفا يعني الرياح ~~الشديدة الهبوب، والناشرات نشرا. يعني الرياح اللينة، وقيل هي الرياح التي ~~أرسلها نشرا بين يدي رحمته، وقيل هي الرياح التي تنشر السحاب، وتأتي بالمطر ~~فالفارقات فرقا يعني الرياح التي تفرق السحاب، وتبدده فالملقيات ذكرا يعني ~~أن الرياح إذا أرسلت عاصفة شديدة قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيرت ~~الآثار. فيحصل بذلك خوف للعباد في القلوب، فيلجئون إلى الله تعالى ~~ويذكرونه، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر، والمعرفة في القلوب عند ~~هبوبها. # الوجه الثاني: أن المراد بأسرها الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ومعنى ~~والمرسلات عرفا. الملائكة الذين أرسلوا بالمعروف من أمر الله، ونهيه وهذا ~~القول رواية عن ابن مسعود فالعاصفات عصفا يعني الملائكة تعصف في طيرانهم، ~~ونزولهم كعصف الرياح في السرعة، والناشرات نشرا يعني أنهم إذا نزلوا إلى ~~الأرض نشروا أجنحتهم، وقيل هم الذين ينشرون الكتب، ودواوين الأعمال يوم ~~القيامة فالفارقات فرقا. قال ابن عباس: يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين ~~الحق والباطل، فالملقيات ذكرا يعني الملائكة تلقي الذكر ms3595 إلى الأنبياء، وقيل ~~يجوز أن يكون الذكر هو القرآن خاصة فعلى هذا يكون الملقى هو جبريل وحده، ~~وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. # الوجه الثالث: أن المراد بأسرها آيات القرآن، ومعنى المرسلات عرفا آيات ~~القرآن المتتابعة في النزول على محمد صلى الله عليه وسلم بكل عرف وخير ~~فالعاصفات عصفا يعني آيات القرآن تعصف القلوب بذكر الوعيد حتى تجعلها ~~كالعصف وهو النبت المتكسر، والناشرات نشرا يعني آيات القرآن تنشر أنوار ~~الهداية والمعرفة في قلوب المؤمنين. فالفارقات فرقا يعني آيات القرآن تفرق ~~بين الحق والباطل فالملقيات ذكرا يعني آيات القرآن هي الذكر الحكيم الذي ~~يلقى الإيمان والنور في قلوب المؤمنين. # PageV04P382 # ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 5 الى 23] # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) # وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم ~~الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) # ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) ~~كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) # ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) # الوجه الرابع: أنه ليس المراد من هذه الكلمات الخمس شيئا واحدا بعينه ~~فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا ~~والناشرات نشرا الرياح ويكون المراد بقوله فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا ~~الملائكة. # فإن قلت وما المجانسة بين الرياح والملائكة حتى جمع بينهما في القسم قلت ~~الملائكة روحانيون فهم بسبب لطافتهم، وسرعة حركاتهم شابهوا الرياح فحصلت ~~المجانسة بينهما من هذا الوجه فحسن الجمع بينهما في القسم عذرا أو نذرا أي ~~للإعذار والإنذار من الله، وقيل عذرا من الله ونذرا منه إلى خلقه، وهذه ~~كلها أقسام وجواب القسم قوله تعالى: إنما توعدون أي من أمر الساعة ومجيئها ~~لواقع أي لكائن نازل لا محالة، وقيل معناه إن ما توعدون به من الخير والشر ~~لواقع بكم. ثم ذكر متى يقع فقال تعالى: فإذا النجوم طمست أي محي نورها وقيل ~~محقت وإذا السماء فرجت أي شقت وقيل فتحت وإذا ms3596 الجبال نسفت أي قلعت من ~~أماكنها وإذا الرسل أقتت وقرئ وقتت بالواو ومعناهما وأحد أي جمعت لميقات ~~يوم معلوم، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم لأي يوم أجلت أي أخرت وضرب ~~الأجل لجميعهم كأنه تعالى يعجب لعباده من تعظيم ذلك اليوم، والمعنى جمعت ~~الرسل في ذلك اليوم لتعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم، ثم بين ذلك اليوم ~~فقال تعالى: ليوم الفصل قال ابن عباس يوم فصل الرحمن فيه بين الخلائق ثم ~~أتبع ذلك تعظيما وتهويلا فقال تعالى: وما أدراك ما يوم الفصل أي وما أعلمك ~~بيوم الفصل وهو له وشدته ويل يومئذ للمكذبين أي بالتوحيد والنبوة والمعاد ~~والبعث والحساب. # قوله تعالى: ألم نهلك الأولين يعني الأمم الماضية بالعذاب في الدنيا حين ~~كذبوا رسلهم ثم نتبعهم الآخرين يعني السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب، ~~وهم كفار قريش، أي نهلكهم بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم كذلك نفعل ~~بالمجرمين أي إنما نفعل بهم ذلك لكونهم مجرمين ويل يومئذ للمكذبين ألم ~~نخلقكم من ماء مهين يعني النطفة فجعلناه في قرار مكين يعني الرحم إلى قدر ~~معلوم يعني وقت الولادة وهو معلوم لله تعالى لا يعلم ذلك غيره فقدرنا قرئ ~~بالتشديد من التقدير، أي قدرنا ذلك تقديرا فنعم القادرون أي المقدرون له ~~وقرئ بالتخفيف من القدرة، أي قدرنا على خلقه، وتصويره كيف شئنا فنعم ~~القادرون حيث خلقناه في أحسن صورة وهيئة. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 24 الى 32] # ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) ~~وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين ~~(28) # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ~~ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) # ويل يومئذ للمكذبين أي المنكرين للبعث لأن القادر على الابتداء قادر على ~~الإعادة ألم نجعل الأرض كفاتا يعني وعاء وأصله الضم والجمع أحياء وأمواتا ~~يعني تكفتهم أحياء على ظهرها بمعنى تضمهم في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا ~~في بطنها في قبورهم، ولذلك تسمى الأرض أما لأنها تضم الناس ms3597 كالأم تضم ولدها ~~وجعلنا فيها أي في الأرض رواسي شامخات يعني جبالا عاليات وأسقيناكم ماء ~~فراتا يعني عذابا # PageV04P383 # ويل يومئذ للمكذبين يعني أن هذا كله أعجب عن البعث فالقادر عليه قادر على ~~البعث. # قوله عز وجل: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون يعني يقال للمكذبين بيوم ~~القيامة في الدنيا انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون وهو العذاب ثم فسره بقوله ~~انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب يعني دخان جهنم إذا سطع وارتفع تشعب، وتفرق ~~ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم. فيقال لهم كونوا فيه إلى أن يفرغ من ~~الحساب كما يكون أولياء الله تعالى في ظل عرشه، وقيل يخرج عنق من النار ~~فيتشعب ثلاث شعب على رؤوسهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم لا ظليل أي إن ذلك ~~الظل لا يظل من حر ولا يغني من اللهب أي لا يرد عنهم لهب جهنم والمعنى أنهم ~~إذا استظلوا بذلك الظل لا يدفع عنهم حر اللهب إنها يعني جهنم ترمي بشرر جمع ~~شرارة وهي ما تطاير من النار كالقصر يعني كالبناء العظيم ونحوه قيل هي أصول ~~الشجر، والنخل العظام واحدتها قصرة وسئل ابن عباس عن قوله، ترمي بشرر ~~كالقصر فقال هي الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة ~~أذرع، وفوق ذلك ودونه وندخرها للشتاء، وكنا نسميها القصر. # ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 33 الى 48] # كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل ~~يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) # كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ~~ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ ~~للمكذبين (47) # وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) # كأنه يعني الشرر جمالت جمع الجمال، وقال ابن عباس: هي حبال السفن يجمع ~~بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الجمال (صفر) جمع أصفر يعني أن لون ذلك ~~الشرر أصفر وأنشد بعضهم: # دعتهم بأعلى صوتها ms3598 ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى # وقيل الصفر هنا معناه الأسود لأنه جاء في الحديث أن شرر نار جهنم أسود ~~كالقير، والعرب تسمى سود الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من الصفرة، وقيل ~~هي قطع النحاس، والمعنى أن هذا الشرر يرتفع كأنه شيء مجموع غليظ أصفر. ويل ~~يومئذ للمكذبين قوله عز وجل: هذا يوم لا ينطقون يعني بحجة تنفعهم قيل هذا ~~في بعض مواطن القيامة ومواقفها، وذلك لأن في بعضها يتكلمون وفي بعضها ~~يختصمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون عطف ~~على يؤذن واختير ذلك لأن رؤوس الآي بالنون فلو قال فيتعذروا لم يوافق ~~الآيات، والعرب تستحب وفاق الفواصل كما تستحب وفاق القوافي، والقرآن نزل ~~على ما تستحب العرب من موافقة المقاطع، والمعنى لا يكون إذن واعتذار قال ~~الجنيدي: أي عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه. # فإن قلت قد توهم أن لهم عذرا، ولكن قد منعوا من ذكره. # قلت ليس لهم عذر في الحقيقة لأنه قد تقدم الإعذار والإنذار في الدنيا فلم ~~يبق لهم عذر في الآخرة، ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا أن لهم عذرا فلم يؤذن ~~لهم في ذلك العذر الفاسد ويل يومئذ للمكذبين يعني أنه لما تبين إنه لا عذر ~~لهم، ولا حجة فيما أتوا به من الأعمال السيئة، ولا قدرة لهم على دفع العذاب ~~عنهم لا جرم قال في حقهم ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل يعني بين أهل ~~الجنة وأهل النار، وقيل هو الفصل بين العباد # PageV04P384 # في الحقوق والمحاكمات جمعناكم والأولين يعني مكذبي هذه الأمة والذين ~~كذبوا أنبياءهم من الأمم الماضية. فإن كان لكم كيد فكيدون أي إن كانت لكم ~~حيلة تحتالون بها لأنفسكم فاحتالوا وهم يعلمون أن الحيل يومئذ منقطعة لا ~~تنفع وهذا في نهاية التوبيخ والتقريع فلهذا عقبة بقوله ويل يومئذ للمكذبين ~~قوله عز وجل إن المتقين أي الذين اتقوا الشرك في ظلال جمع ظل وهو ظل ~~الأشجار وعيون أي في ظلهم عيون ماء وفواكه مما يشتهون ms3599 أي يتلذذون بها كلوا ~~واشربوا أي ويقال لهم كلوا واشربوا، وهذا القول يحتمل أن يكون من جهة الله ~~تعالى بلا واسطة، وما أعظمها من نعمة أو يكون من جهة الملائكة على سبيل ~~الإكرام هنيئا أي خالص اللذة لا يشوبه تنغيص بما كنتم تعملون أي في الدنيا ~~من الطاعات إنا كذلك نجزي المحسنين قيل المقصود منه تذكير الكفار ما فاتهم ~~من النعم العظيمة، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل ~~ذلك الخير العظيم. فلما لم يفعلوا ذلك وقعوا في قوله. ويل يومئذ للمكذبين ~~قوله عز وجل: كلوا وتمتعوا قليلا يقول الكفار مكة كلوا وتمتعوا قليلا في ~~الدنيا إلى منتهى آجالكم، وهذا وإن كان ظاهر اللفظ أمرا إلا أنه في المعنى ~~نهي بليغ وزجر عظيم إنكم مجرمون أي مشركون بالله مستحقون للعقاب لا جرم ~~أتبعه بقوله ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون أي وإذا قيل ~~لهم صلوا مع محمد وأصحابه لا يصلون فعبر عن الصلاة بلفظ الركوع لأنه ركن من ~~أركانها وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 49 الى 50] # ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50) # ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون أي بعد نزول القرآن إذا لم ~~يؤمنوا به فبأي شيء يؤمنون والله أعلم. # PageV04P385 ### | سورة النبأ # وتسمى سورة عم يتساءلون والتساؤل مكية وهي أربعون آية ومائة وثلاث وسبعون ~~كلمة وتسعمائة وسبعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة النبإ (78): الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) # ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) ~~وخلقناكم أزواجا (8) # قوله عز وجل: عم أصله عن ما يتساءلون عن أي شيء يتساءلون يعني المشركين ~~ولفظه استفهام، ومعناه التفخيم كقولك، أي شيء زيد إذا عظمت شأنه، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد، وأخبرهم بالبعث بعد ~~الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون ms3600 فيما بينهم فيقول بعضهم لبعض ماذا ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر عما ذا تساؤلهم فقال تعالى: عن ~~النبإ العظيم يعني الخبر العظيم الشأن قال الأكثرون هو القرآن، وقيل هو ~~البعث وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به الذي هم فيه مختلفون ~~فمن فسر النبأ العظيم بالقرآن قال اختلافهم فيه هو قولهم إنه سحر أو شعر أو ~~كهانة أو نحو ذلك مما قالوه في القرآن، ومن فسر النبأ العظيم بالبعث قال ~~اختلافهم فيه فمن مصدق به، وهم المؤمنون ومن مكذب به، وهم الكافرون ومن ~~فسره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال اختلافهم فيه كاختلافهم في القرآن ~~كلا هي ردع وزجر وقيل هي نفي لاختلافهم، والمعنى ليس الأمر كما قالوا ~~سيعلمون أي عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر يعني في القيامة ثم كلا سيعلمون ~~وعيد على أثر وعيد، وقيل معناه كلا سيعلمون يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ~~وكفرهم ثم كلا سيعلمون يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم وإيمانهم ثم ذكر أشياء ~~من عجائب صنائعه ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا أنه قادر على إيجاد ~~العالم وفنائه بعد إيجاده وإيجاده مرة أخرى للبعث والحساب، والثواب، ~~والعقاب فقال تعالى: ألم نجعل الأرض مهادا أي فراشا وبساطا لتستقر عليها ~~الأقدام والجبال أوتادا يعني للأرض حتى لا تميد وخلقناكم أزواجا يعني ~~أصنافا ذكورا وإناثا. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 9 الى 18] # وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا ~~(11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) # وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ~~ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ~~(18) # وجعلنا نومكم سباتا أي راحة لأبدانكم وليس الغرض أن السبات للراحة بل ~~المقصود منه أن النوم يقطع التعب ويزيله، ومع ذلك تحصل الراحة، وأصل السبت ~~القطع، ومعناه أن النوم يقطع عن الحركة والتصرف في # PageV04P386 # الأعمال وجعلنا الليل لباسا أي غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته عن العيون، ~~ولهذا سمي الليل لباسا على وجه المجاز، ووجه النعمة ms3601 في ذلك هو أن الإنسان ~~يستتر بظلمة الليل عن العيون إذا أراد هربا من عدو ونحو ذلك. وجعلنا النهار ~~معاشا أي سببا للمعاش والتصرف في المصالح وقال ابن عباس تبتغون فيه من فضل ~~الله وما قسم لكم من رزقه وبنينا فوقكم سبعا شدادا يعني سبع سموات محكمة ~~ليس يتطرق عليها شقوق ولا فطور على ممر الزمان إلى أن يأتي أمر الله تعالى: ~~وجعلنا سراجا وهاجا يعني الشمس مضيئة منيرة، وقيل الوهاج الوقاد، وقيل جعل ~~في الشمس حرارة ونورا والوهج يجمع النور والحرارة وأنزلنا من المعصرات يعني ~~الرياح التي تعصر السحاب. وهي رواية عن ابن عباس: وقيل هي الرياح ذوات ~~الأعاصير، وعلى هذا المعنى تكون من بمعنى الباء، أي وأنزلنا بالمعصرات، ~~وذلك لأن الريح تستدر المطر من السحاب، وقيل هي السحاب وفي الرواية الأخرى ~~عن ابن عباس المعصرات السحابة التي حان لها أن تمطر، ولما تمطر وقيل ~~المعصرات المغيثات والعاصر هو الغيث، وقيل المعصرات السموات، وذلك لأن ~~المطر ينزل من السماء إلى السحاب ماء ثجاجا أي صبابا مدرارا متتابعا يتلو ~~بعضه بعضا، ومنه الحديث «أفضل الحج العج والثج»، أي رفع الصوت بالتلبية وصب ~~دماء الهدي لنخرج به أي بذلك الماء حبا أي ما يأكله الإنسان كالحنطة ونحوها ~~ونباتا أي ما ينبت في الأرض من الحشيش مما يأكل منه الأنعام وجنات ألفافا ~~أي ملتفة بالشجر ليس بينها خلال فدل على البعث بذكر ابتداء الخلق ثم أخبر ~~عنه بقوله تعالى: إن يوم الفصل أي الحساب كان ميقاتا أي لما وعده الله من ~~الثواب والعقاب وقيل ميقاتا يجمع فيه الخلائق ليقضي بينهم يوم ينفخ في ~~الصور يعني لنفخة الأخيرة فتأتون أفواجا يعني زمرا زمرا من كل مكان للحساب. # ### || [سورة النبإ (78): الآيات 19 الى 25] # وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم ~~كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) # لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) # وفتحت السماء فكانت أبوابا يعني فكانت ذوات أبواب لنزول الملائكة، وقيل ~~تنحل وتتناثر حتى ms3602 يصير فيها أبواب وطرق وسيرت الجبال أي عن وجه الأرض فكانت ~~سرابا أي هباء منبثا كالسراب في عين الناظر إن جهنم كانت مرصادا أي طريقا ~~وممرا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار وروي عن ابن عباس «إن على ~~جسر جهنم سبع محابس يسئل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله فإن ~~جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلوات فإن جاء بها تامة جاز إلى ~~الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، ~~فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى ~~السادس، فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن ~~المظالم فإن خرج منها، وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكملت به أعماله ~~فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة»، وقيل كانت مرصادا أي معدة لهم، وقيل هو من ~~رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته، والمرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، ~~والمعنى إن جهنم ترصد الكفار أي تنتظرهم للطاغين أي الكافرين مآبا أي مرجعا ~~يرجعون إليها لابثين فيها أي في جهنم أحقابا جمع حقب وهو ثمانون سنة كل سنة ~~اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوم كل يوم ألف سنة يروى ذلك عن علي بن أبي ~~طالب، وقيل الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة. # فإن قلت الأحقاب وإن طالت فهي متناهية وعذاب الكفار في جهنم غير متناه ~~فما معنى قوله أحقابا. # قلت ذكروا فيه وجوها: # أحدها: ما روي عن الحسن قال: إن الله تعالى لم يجعل على النار مدة بل قال ~~لابثين فيها أحقابا، فو الله ما # PageV04P387 # هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل حقب آخر، ثم آخر إلى الأبد فليس للأحقاب عدة ~~إلا الخلود وروي عن عبد الله بن مسعود قال: «لو علم أهل النار أنهم يلبثون ~~في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة ~~عدد حصى الدنيا لحزنوا». ms3603 # الوجه الثاني: أن لفظ الأحقاب لا يدل على نهاية، والحقب الواحد متناه، ~~والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون فيها أي في تلك الأحقاب بردا ~~ولا شرابا إلا حميما وغساقا، فهذا توقيت لأنواع العذاب الذي يبدلونه ولا ~~توقيت للبثهم فيها. # الوجه الثالث: أن الآية منسوخة بقوله فلن نزيدكم إلا عذابا يعني أن العدد ~~قد ارتفع والخلود قد حصل. # لا يذوقون فيها بردا قال ابن عباس: البرد النوم وقيل بردا أي روحا وراحة، ~~وقيل لا يذوقون بردا ينفعهم. # ولا شرابا أي يغنيهم عن عطش إلا حميما وغساقا أي لكن يشربون حميما قيل هو ~~الصفر المذاب، وقيل هو الماء الحار الذي انتهى حره وغساقا قال ابن عباس ~~الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده، وقيل هو صديد أهل النار. # ### || [سورة النبإ (78): الآيات 26 الى 37] # جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا ~~(28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) # إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) # جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا (37) # جزاء وفاقا أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، وقيل وافق العذاب الذنب فلا ~~ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. إنهم كانوا لا يرجون حسابا أي ~~لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم ~~يحاسبون وكذبوا بآياتنا أي التي جاءت بها الأنبياء، وقيل كذبوا بدلائل ~~التوحيد والنبوة والبعث والحساب كذابا، أي تكذيبا قال الفراء هي لغة يمانية ~~فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال، قال وقد سألني أعرابي منهم يستفتيني ~~الحلق أحب إليك أم القصار يريد التقصير وكل شيء أي من الأعمال أحصيناه أي ~~بيناه وأثبتناه كتابا أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ، وقيل معناه وكل شيء ~~علمناه علما لا يزول ولا يتغير ولا يتبدل والمعنى أنا عالم بجميع ما فعلوه ~~من خير وشر، وأنا أجازيهم على قدر أعمالهم جزاء وفاقا فذوقوا أي يقال لهم ~~ذوقوا فلن ms3604 نزيدكم إلا عذابا قيل هذه الآية أشد آية في القرآن على أهل النار ~~كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه. # قوله عز وجل: إن للمتقين مفازا أي فوزا أي نجاة من العذاب، وقيل فوزا بما ~~طلبوه من نعيم الجنة، ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا لأنهم فازوا ~~بمعنى نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم. # ثم فسره فقال حدائق جمع حديقة وهي البستان المحوط فيه كل ما يشتهون ~~وأعنابا التنكير يدل على تعظيم ذلك العنب وكواعب جمع كاعب يعني جواري نواهد ~~قد تكعبت ثديهن أترابا يعني مستويات في السن وكأسا دهاقا قال ابن عباس: ~~مملوءة مترعة، وقيل متتابعة، وقيل صافية لا يسمعون فيها أي في الجنة، وقيل ~~في حالة شربهم لأن أهل الدنيا يتكلمون بالباطل في حالة شربهم لغوا أي باطلا ~~من الكلام ولا كذابا أي تكذيبا والمعنى أنه لا يكذب بعضهم بعضا ولا ينطقون ~~به جزاء من ربك عطاء حسابا أي جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء حسابا أي كافيا ~~وافيا، وقيل حسابا يعني كثيرا، وقيل جزاء بقدر أعمالهم رب السماوات والأرض # PageV04P388 # وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا أي لا يقدر الخلق أن يكلموا الرب ~~إلا بإذنه، وقيل لا يملكون منه خطابا أي لا يملكون شفاعة إلا بإذنه في ذلك ~~اليوم. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 38 الى 40] # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم ~~عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ~~(40) # يوم يقوم الروح والملائكة صفا قيل هو جبريل عليه الصلاة والسلام وقال ابن ~~عباس: الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوفا أعظم منه، فإذا كان يوم ~~القيامة قام وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون من عظم خلقه ~~مثلهم، وقال ابن مسعود: الروح ملك عظيم أعظم من السموات والأرض والجبال وهو ~~في السماء الرابعة يسبح الله كل يوم اثني ms3605 عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل ~~تسبيحة ملكا يجيء يوم القيامة صفا وحده، وقيل الروح خلق على صورة بني آدم ~~وليسوا بناس يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند وقال ابن عباس ~~الروح خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم، ~~وعنه أنهم بنو آدم يقومون صفا والملائكة صفا، وقيل يقوم سماطان سماط من ~~الروح وسماط من الملائكة لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إجلالا لعظمته تعالى ~~جل جلاله وتعالى عطاؤه وشأنه من هول ذلك اليوم إلا من أذن له الرحمن أي في ~~الكلام وقال صوابا أي حقا في الدنيا وعمل به، وقيل قال لا إله إلا الله قيل ~~الاستثناء يرجع إلى الروح والملائكة، ومعنى الآية لا يشفعون إلا في شخص أذن ~~الرحمن في الشفاعة له، وذلك الشخص ممن كان يقول صوابا في الدنيا، وهو لا ~~إله إلا الله ذلك اليوم الحق أي الكائن الواقع لا محالة وهو يوم القيامة. ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي سبيلا يرجع إليه وهو طاعة الله وما يتقرب به ~~إليه نا أنذرناكم # أي خوفناكم في الدنياذابا قريبا # أي في الآخرة وكل ما هو آت قريب وم ينظر المرء ما قدمت يداه # يعني من خير أو شر مثبتا في صحيفته ينظر إليه يوم القيامة. يقول الكافر ~~يا ليتني كنت ترابا # قال عبد الله بن عمرو «إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر ~~الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة ~~الحماء من الشاة القرناء نطحتها. فإذا فرغ من القصاص قيل لها كوني ترابا ~~فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» وقيل يقول الله عز وجل للبهائم ~~بعد القصاص إنا خلقناكم وسخرناكم لبني آدم وكنتم مطيعين لهم أيام حياتكم ~~فارجعوا إلى ما كنتم عليه كونوا ترابا، فإذ رأى الكافر ذلك تمنى، وقال يا ~~ليتني كنت في الدنيا في صورة بعض هذه البهائم، وكنت اليوم ترابا وإذا قضى ~~الله بين الناس وأمر بأهل ms3606 الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل ~~لسائر الأمم سوى الناس والجن عودوا ترابا فيعودون ترابا فحينئذ يقول الكافر ~~يا ليتني كنت ترابا، وقيل معناه إن الكافر إذا رأى ما أنعم الله به على ~~المؤمنين من الخير، والرحمة، قال يا ليتني كنت ترابا يعني متواضعا في طاعة ~~الله في الدنيا، ولم أكن جبارا متكبرا، وقيل إن الكافر ها هنا هو إبليس، ~~وذلك أنه عاب آدم وكونه خلق من تراب، وافتخر عليه بأنه خلق من نار فإذا كان ~~يوم القيامة، ورأى ما فيه آدم وبنوه المؤمنين من الثواب والرحمة، وما هو ~~فيه من الشدة والعذاب قال يا ليتني كنت ترابا قال أبو هريرة رضي الله عنه ~~يقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P389 ### | سورة النازعات # مكية وهي ست وقيل خمس وأربعون آية ومائة وسبع وتسعون كلمة وسبعمائة ~~وثلاثة وخمسون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة النازعات (79): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) # قوله عز وجل: والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات ~~سبقا اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات هل هي صفات لشيء واحد أم ~~لأشياء مختلفة على أوجه واتفقوا على أن المراد بقوله فالمدبرات أمرا وصف ~~لشيء واحد وهم الملائكة: # الوجه الأول: في قوله تعالى: والنازعات غرقا يعني الملائكة تنزع أرواح ~~الكفار من أقاصي أجسامهم. # كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، والغرق من الإغراق أي، ~~والنازعات إغراقا وقال ابن مسعود: # «إن ملك الموت، وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب ~~من الصوف المبتل، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء» والناشطات نشطا ~~الملائكة تنشط نفس المؤمن أي تسلها سلا رفيقا فتقبضها كما ينشط العقال من ~~يد البعير، وإنما خص النزع بنفس الكافر والنشط بنفس المؤمن، لأن بينهما ~~فرقا فالنزع جذب بشدة والنشط جذب برفق، والسابحات سبحا يعني الملائكة ~~يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم ~~يستخرجونها ms3607 كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة، وقيل هم الملائكة ~~ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد إذا أسرع في جريه. يقال له سابح ~~فالسابقات سبقا يعني الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل هم ~~الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. # الوجه الثاني: في قوله والنازعات غرقا يعني النفس حين تنزع من الجسد، ~~فتغرق في الصدر ثم تخرج والناشطات نشطا، قال ابن عباس: هي نفوس المؤمنين ~~تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة، وذلك لأنه يعرض عليه مقعده في ~~الجنة قبل أن يموت وقال علي بن أبي طالب: هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، ~~والأظفار حتى تخرج من أفواههم بالكرب والغم. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 3 الى 7] # والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف ~~الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) # والسابحات سبحا يعني أرواح المؤمنين حين تسبح في الملكوت فالسابقات سبقا ~~يعني استباقها إلى الحضرة المقدسة. # الوجه الثالث: في قوله تعالى: والنازعات غرقا يعني النجوم تنزع من أفق ~~إلى أفق تطلع ثم تغيب والناشطات نشطا، يعني النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي ~~تذهب والسابحات سبحا، يعني النجوم # PageV04P390 # والشمس والقمر يسبحون في الفلك. فالسابقات سبقا يعني النجوم يسبق بعضها ~~بعضا في السير. # الوجه الرابع: في قوله تعالى والنازعات غرقا. يعني خيل الغزاة تنزع في ~~أعنتها وتغرق في عرقها وهي الناشطات نشطا لأنها تخرج بسرعة إلى ميدانها، ~~وهي السابحات في جريها، وهي السابقات سبقا لاستباقها إلى الغاية. # الوجه الخامس: في قوله والنازعات غرقا يعني الغزاة حين تنزع قسيها في ~~الرمي فتبلغ غاية المد وهو قوله غرقا، والناشطات نشطا، أي السهام في الرمي ~~والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا يعني الخيل والإبل حين يخرجها أصحابها إلى ~~الغزو. # الوجه السادس: ليس المراد بهذه الكلمات شيئا واحدا، فقوله والنازعات يعني ~~ملك الموت ينزع النفوس غرقا حتى بلغ بها الغاية، والناشطات نشطا يعني النفس ~~تنشط من القدمين بمعنى تجذب، والسابحات سبحا يعني السفن، فالسابقات سبقا ~~يعني مسابقة نفوس المؤمنين إلى الخيرات والطاعات. # أما قوله: فالمدبرات أمرا، فأجمعوا على أنهم ms3608 الملائكة قال ابن عباس: هم ~~الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله عز وجل: العمل بها وقال عبد الرحمن بن ~~سابط يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك ~~الموت، واسمه عزرائيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل ~~فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ~~ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى أقسم الله بهذه الأشياء لشرفها، ولله أن ~~يقسم بما يشاء من خلقه، أو يكون التقدير، ورب هذه الأشياء، وجواب القسم ~~محذوف تقديره لتبعثن، ولتحاسبن، وقيل جوابه «إن في ذلك لعبرة لمن يخشى» ~~وقيل هو قوله: # ### || [سورة النازعات (79): الآيات 8 الى 14] # قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ~~(10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) # فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) # قلوب يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة يعني النفخة الأولى يتزلزل ويتحرك لها ~~كل شيء، ويموت منها جميع الخلق تتبعها الرادفة يعني النفخة الثانية ردفت ~~الأولى وبينهما أربعون سنة، وقال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، ~~والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله عز وجل وقيل الراجفة التي تزلزل الأرض، ~~والجبال والرادفة التي تشق السماء، وقيل الراجفة القيامة والرادفة البعث ~~يوم القيامة روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي بن كعب قال: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: أيها الناس اذكروا الله ~~جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه. # قوله عز وجل: قلوب يومئذ واجفة أي خافقة قلقة مضطربة، وقيل وجله زائلة عن ~~أماكنها أبصارها خاشعة أي أبصار أهلها خاشعة ذليلة، والمراد بها لكفار ~~بدليل قوله تعالى: يقولون يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون ~~بعد الموت. أإنا لمردودون في الحافرة يعني أنرد إلى أول الحال، وابتداء ~~الأمر فنصير أحياء بعد الموت كما كنا أول مرة والعرب تقول رجع فلان في ~~حافرته، أي رجع من حيث جاء فالحافرة عنده اسم لابتداء الشيء وأول الشيء ~~ويقال رجع فلان في حافرته ms3609 أي في طريقه الذي جاء منه يحفره بمشيئته، فحصل ~~بأثر قدميه حفر فهي محفورة في الحقيقة، وقيل الحافرة الأرض التي تحفر فيها ~~قبورهم سميت حافرة لأنها يستقر عليها الحافر، والمعنى أإنا لمردودون إلى ~~الأرض فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها، وقيل الحافرة النار أإذا كنا عظاما ~~نخرة أي بالية وقرئ ناخرة وهما بمعنى، وقيل الناخرة المجوفة التي يمر فيها ~~الريح # PageV04P391 # فتنخر أي توصت قالوا يعني المنكرين للبعث إذا عاينوا أهوال القيامة تلك ~~إذا كرة خاسرة أي رجعة غابنة يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا ~~بعد الموت. فإنما هي يعني النفخة الأخيرة زجرة واحدة أي صيحة واحدة يجمعون ~~بها جميعا فإذا هم بالساهرة يعني وجه الأرض سميت ساهرة لأن عليها نوم ~~الحيوان وسهرهم، وقيل هي التي كثر الوطء عليها كأنها سهرت، والمعنى أنهم ~~كانوا في بطن الأرض. فلما سمعوا الصيحة صاروا على وجهها، وقيل هي أرض الشام ~~وقيل أرض القيامة، وقيل هي أرض جهنم. # ### || [سورة النازعات (79): الآيات 15 الى 27] # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) # فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى ~~(23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) # قوله عز وجل: هل أتاك حديث موسى يا محمد وذلك أنه صلى الله عليه وسلم شق ~~عليه حين كذبه قومه، فذكر له قصة موسى عليه الصلاة والسلام وأنه كان يتحمل ~~المشاق من قومه ليتأسى به إذ ناداه ربه بالواد المقدس أي المطهر طوى هو اسم ~~واد بالشام عند الطور اذهب إلى فرعون إنه طغى أي علا وتكبر وكفر بالله فقل ~~هل لك إلى أن تزكى أي تتطهر من الشرك والكفر، وقيل معناه تسلم وتصلح العمل ~~وقال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله وأهديك إلى ربك أي أدعوك إلى عبادة ~~ربك وتوحيده فتخشى ms3610 يعني عقابه وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى ~~شاملة لجميع قومه لأن فرعون كان أعظمهم فكانت دعوته دعوة لجميع قومه فأراه ~~أي أرى موسى فرعون الآية الكبرى يعني اليد البيضاء والعصا فكذب يعني فرعون ~~بأنها من الله وعصى أي تمرد وأظهر التجبر ثم أدبر أي أعرض عن الإيمان يسعى ~~يعمل الفساد في الأرض فحشر أي فجمع قومه وجنوده فنادى أي لما اجتمعوا فقال ~~يعني فرعون لقومه أنا ربكم الأعلى أي لا رب فوقي، وقيل أراد أن الأصنام ~~أرباب وهو ربها وربهم فأخذه الله نكال الآخرة والأولى أي عاقبة فجعله عبرة ~~لغيره بأن أغرقه في الدنيا ويدخله النار في الآخرة، وقيل أراد بالآخرة ~~والأولى كلمتي فرعون وهما قوله ما علمت لكم من إله غيري وقوله أنا ربكم ~~الأعلى وكان بينهما أربعون سنة إن في ذلك أي في الذي فعل بفرعون حين كذب ~~وعصى لعبرة أي عظة لمن يخشى أي يخاف الله عز وجل ثم عاتب منكري البعث فقال ~~تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها معناه أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق ~~السماء عندكم في تقديركم. # فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد، لأن خلق الإنسان على صغره ~~وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها وعظم أحوالها كان يسيرا فبين ~~تعالى: أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك كان خلقكم بعد الموت أهون على ~~الله تعالى: فكيف تنكرون ذلك مع علمكم بأنه خلق السموات والأرض ولا تنكرون ~~ذلك. ثم إنه تعالى ذكر كيفية خلق السماء والأرض فقال تعالى: # PageV04P392 ### || [سورة النازعات (79): الآيات 28 الى 44] # رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك ~~دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) # متاعا لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) # وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41) يسئلونك عن الساعة أيان ~~مرساها (42) # فيم أنت من ms3611 ذكراها (43) إلى ربك منتهاها (44) # رفع سمكها يعني علو سمتها، وقيل رفعها بغير عمد فسواها أي أتقن بناءها، ~~فليس فيها شقوق، ولا فطور، وأغطش أي أظلم ليلها والغطش الظلمة وأخرج أي ~~وأظهر وأبرز ضحاها أي نهارها، وإنما عبر عن النهار بالضحى لأنه أكمل أجزاء ~~النهار في النور، والضوء، وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما ~~يجريان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهي في السماء ثم وصف كيفية خلق الأرض. ~~فقال تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها أي بسطها ومدها قال أمية بن أبي الصلت: # دحوت البلاد فسويتها ... وأنت على طيها قادر # فإن قلت ظاهر هذه الآية، يقتضي أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله ~~تعالى بعد ذلك وقد قال تعالى: في حم السجدة ثم استوى إلى السماء فكيف الجمع ~~بين الآيتين وما معناهما. # قلت خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض ~~بمعنى مدها وبسطها. ثالثا، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال ~~الإشكال قال ابن عباس: خلق الله الأرض بأقواتها، من غير أن يدحوها قبل ~~السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقيل ~~معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله عتل بعد ذلك زنيم أي مع ذلك أخرج منها ~~ماءها ومرعاها أي فجر من الأرض عيونها، ومرعاها أي رعيها، وهي ما يأكله ~~الناس، والأنعام واستعير الرعي للإنسان على سبيل التجوز. # والجبال أرساها أي أثبتها متاعا لكم ولأنعامكم أي الذي أخرج من الأرض هو ~~بلغة لكم ولأنعامكم. # قوله عز وجل: فإذا جاءت الطامة الكبرى يعني النفخة الثانية، التي فيها ~~البعث، وقيل الطامة القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتعلو عليه، ~~والطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع. يوم يتذكر الإنسان ما سعى أي ما ~~عمل في الدنيا من خير، أو شر. وبرزت الجحيم لمن يرى يعني أنه ينكشف عنها ~~الغطاء فينظر إليها الخلق فأما من طغى أي كفر وآثر الحياة الدنيا أي على ~~الآخرة فإن الجحيم هي المأوى أي لمن هذه صفته ms3612 وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى أي المحارم التي يشتهيها وقيل هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر ~~مقامه بين يديه جل جلاله للحساب فيتركها لذلك فإن الجنة هي المأوى أي لمن ~~هذه صفته. # قوله عز وجل: يسئلونك أي يا محمد عن الساعة أيان مرساها أي متى ظهورها ~~وقيامها فيم أنت من ذكراها أي لست في شيء من علمها وذكراها حتى تهتم لها ~~وتذكر وقتها إلى ربك منتهاها أي منتهى علمها لا يعلم متى تقوم الساعة إلا ~~هو، وقيل معناه فيم إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قال أنت يا محمد ~~من ذكراها، أي من علامتها، لأنك آخر الرسل، وخاتم الأنبياء، فكفاهم ذلك ~~دليلا على دنوها، ووجوب الاستعداد لها. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 45 الى 46] # إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحاها (46) # إنما أنت منذر من يخشاها أي إنما ينفع إنذارك من يخافها. كأنهم يعني ~~الكفار يوم يرونها أي يعاينون يوم القيامة. لم يلبثوا أي في الدنيا، وقيل ~~في قبورهم إلا عشية أو ضحاها. # فإن قلت العشية ليس لها ضحى فما معنى قوله أو ضحاها؟ # قلت قيل إن الهاء والألف صلة، والمعنى لم يلبثوا إلا عشية، أو ضحى، وقيل ~~إضافة الضحى إلى العشية، إضافة إلى يومها، كأنه قال: إلا عشية أو ضحى ~~يومها. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P393 ### | سورة عبس # مكية وهي إحدى وأربعون آية ومائة وثلاثون وخمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة عبس (80): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) # قوله عز وجل: عبس وتولى أي كلح وقطب وجهه وتولى أي أعرض بوجهه. أن جاءه ~~الأعمى يعني ابن أم مكتوم، واسمه عمرو، وقيل عبد الله بن شريح بن مالك بن ~~ربيعة، وقيل عمرو قيس بن زائدة بن الأصم بن زهرة بن رواحة القرشي الفهري من ~~بني عامر بن لؤي، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن ms3613 خالة ~~خديجة بنت خويلد أسلم قديما بمكة، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن ~~خلف، وأخاه أمية بن خلف ويدعوهم إلى الله يرجو إسلامهم فقال ابن أم مكتوم: ~~يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله وجعل يناديه ويكرر النداء، وهو ~~لا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه يقول هؤلاء الصناديد إنما اتبعه ~~الصبيان، والعبيد، والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين كان ~~يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول مرحبا بمن ~~عاتبني الله فيه ويقول له هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في ~~غزوتين وكان من المهاجرين الأولين، وقيل قتل شهيدا بالقادسية قال أنس: ~~رأيته يوم القادسية، وعليه درع ومعه راية سوداء، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت «أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجعل يقول يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عظماء قريش من المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل ~~على الآخرين ويقول أترى بما أقول بأسا فيقول لا ففي هذا أنزلت» أخرجه ~~الترمذي، وقال حديث غريب وما يدريك أي أي شيء يجعلك داريا لعله يزكى أي ~~يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك. ### || [سورة عبس (80): الآيات 4 الى 15] # أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ~~ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) # وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) ~~في صحف مكرمة (13) # مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) # أو يذكر أي يتعظ فتنفعه الذكرى أي الموعظة أما من استغنى قال ابن عباس: ~~عن الله وعن الإيمان بما له ms3614 من المال فأنت له تصدى أي تتعرض له، وتقبل عليه ~~وتصغى إلى كلامه وما عليك ألا يزكى أي لا يؤمن، ولا يهتدي وإنما عليك ~~البلاغ وأما من جاءك يسعى يعني يمشي يعني ابن أم مكتوم # PageV04P394 # وهو يخشى أي الله عز وجل فأنت عنه تلهى أي تتشاغل وتعرض عنه كلا أي لا ~~تفعل بعدها مثلها إنها يعني الموعظة وقيل آيات القرآن تذكرة أي موعظة للخلق ~~فمن شاء أي من عباد الله ذكره أي اتعظ به يعني القرآن ثم وصف جلالة القرآن، ~~ومحله عنده فقال عز وجل في صحف مكرمة يعني القرآن في اللوح المحفوظ مرفوعة ~~أي رفيعة القدر عند الله، وقيل مرفوعة في السماء السابعة مطهرة يعني الصحف ~~لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة بأيدي سفرة قال ابن عباس: يعني كتبة، ~~وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر ومنه قيل للكتاب سفر، وقيل هم ~~الرسل من الملائكة إلى الأنبياء واحدهم سفير، ثم أثنى عليهم. بقوله: # ### || [سورة عبس (80): الآيات 16 الى 25] # كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة ~~خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) # ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) # كرام أي هم كرام على الله بررة أي مطيعين له جمع بار. # قوله عز وجل: قتل الإنسان أي لعن الكافر وطرد ما أكفره أي أشد كفره بالله ~~مع كثرة إحسانه إليه، وأياديه عنده وهذا على سبيل التعجب، أي أعجبوا من ~~كفره وقيل معناه أي شيء حمله على الكفر، نزلت هذه الآية في عتبة بن أبي ~~لهب، وقيل في أمية بن خلف، وقيل في الذين قتلوا يوم بدر، وقيل الآية عامة ~~في كل كافر، ثم بين من أمره ما كان ينبغي أن يعلم أن الله تعالى: خالقه منه ~~فقال تعالى: من أي شيء خلقه لفظه استفهام ومعناه التقرير، ثم فسر ذلك فقال ~~تعالى من نطفة خلقه فقدره يعني خلقه أطوارا نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ms3615 إلى آخر ~~خلقه، وقيل قدره يعني خلق رأسه، وعينيه ويديه، ورجليه على قدر ما أراده ثم ~~السبيل يسره أي سهل له طريق خروجه من بطن أمه، وقيل سهل له العلم بطريق ~~الحق والباطل، وقيل يسر على كل أحد ما خلق له وقدر عليه. ثم أماته فأقبره ~~أي جعل له قبرا يوارى فيه، وقيل جعله مقبورا، ولم يجعله ملقى للسباع، ~~والوحوش والطيور، أو أقبره معناه ستره الله بحيث يقبر وجعله ذا قبر يدفن ~~فيه، وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات. ثم قال تعالى: ثم إذا شاء ~~أنشره أي أحياه بعد موته للبعث، والحساب وإنما قال تعالى ثم إذا شاء أنشره ~~لأن وقت البعث غير معلوم لأحد فهو إلى مشيئة الله تعالى متى شاء أن يحيي ~~الخلق أحياهم كلا ردع وزجر للإنسان عن تكبره وتجبره وترفعه، وعن كفره ~~وإصراره على إنكار التوحيد، وإنكار البعث والحساب لما يقض ما أمره أي لم ~~يفعل ما أمره به ربه، ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ~~ليعتبر فإنه موضع الاعتبار فقال تعالى: فلينظر الإنسان إلى طعامه إلى قدرة ~~ربه فيه أي كيف قدره ربه، ويسره ودبره له وجعله سببا لحياته، وقيل مدخل ~~طعامه ومخرجه. ثم بين ذلك فقال تعالى: أنا صببنا الماء صبا يعني المطر. ### || [سورة عبس (80): الآيات 26 الى 37] # ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) # وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت الصاخة (33) يوم ~~يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) # وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # ثم شققنا الأرض شقا أي بالنبات فأنبتنا فيها أي بذلك الماء حبا يعني ~~الحبوب التي يتغدى بها الإنسان وعنبا يعني أنه غذاء من وجه، وفاكهة من وجه، ~~فلهذا أتبعه الحب وقضبا يعني القت وهو الرطب سمي بذلك لأنه يقتضب، أي يقطع ~~في كل الأيام، وقيل القضب هو العلف كله الذي تعلف به الدواب. # PageV04P395 # وزيتونا وهو ما يعصر منه الزيت ونخلا وحدائق جمع حديقة ms3616 غلبا يعني غلاظ ~~الأشجار، وقيل الغلب الشجر الملتف بعضه على بعض. وقال ابن عباس: طوالا ~~وفاكهة يعني جميع ألوان الفاكهة وأبا يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه ~~الناس مما يأكله الدواب والأنعام، وقيل فاكهة ما يأكله الناس، والأب ما ~~يأكله الدواب. وقال ابن عباس: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس. والأنعام روى ~~إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: وفاكهة وأبا فقال أي سماء تظلني، ~~وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (خ) عن أنس أن عمر قرأ ~~وفاكهة وأبا قال فما الأب، ثم قال ما كلفنا أو قال ما أمرنا بهذا لفظ ~~البخاري، وزاد غيره ثم قال اتبعوا ما بين لكم هذا الكتاب وما لا فدعوه. ~~متاعا لكم يعني الفواكه والحب، والعشب منفعة لكم ولأنعامكم ثم ذكر أهوال ~~القيامة فقال تعالى: فإذا جاءت الصاخة يعني صيحة القيامة سميت صاخة لأنها ~~تصخ أسماع الخلق، أي تبالغ في أسماعهم حتى تكاد تصمها يوم يفر المرء من ~~أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه أي إنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله ~~بنفسه، والمراد من الفرار التباعد، والسبب في ذلك الاحتراز عن المطالبة ~~بالحقوق فالأخ يقول ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان قصرت في برنا، ~~والصاحبة تقول لم توفني حقي والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل ~~أول من يفر هابيل من أخيه قابيل، والنبي صلى الله عليه وسلم من أمه ~~وإبراهيم عليه الصلاة والسلام من أبيه ولوط من صاحبته ونوح من ابنه، وقيل ~~يفر المؤمن من موالاة هؤلاء، ونصرتهم والمعنى أن هؤلاء الذين كانوا ~~يقربونهم في الدنيا، ويتقوون بهم ويتعززون بهم يفرون منهم في الدار الآخرة، ~~وفائدة الترتيب كأنه قيل يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه لأنهما أقرب من ~~الإخوة بل من الصاحبة، والولد لأن تعلقه بهما أشد من تعلقه بالأبوين لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه أي يشغله شأن نفسه عن شأن غيره عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحشرون حفاة ms3617 عراة غرلا، فقالت امرأة أيبصر ~~أحدنا، أو يرى بعضنا عورة بعض قال: يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولما ذكر الله تعالى حال ~~القيامة، وأهوالها بين حال المكلفين، وأنهم على قسمين منهم السعداء ~~والأشقياء. فوصف السعداء بقوله تعالى: ### || [سورة عبس (80): الآيات 38 الى 42] # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ~~ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # وجوه يومئذ مسفرة أي مشرقة مضيئة من أسفر الصبح إذا أضاء، وقيل مسفرة من ~~قيام الليل، وقيل من أثر الوضوء، وقيل من الغبار في سبيل الله ضاحكة أي عند ~~الفراغ من الحساب مستبشرة أي بالسرور فرحة بما تنال من كرامة الله، ~~ورضوانه. ثم وصف الأشقياء فقال تعالى: ووجوه يومئذ عليها غبرة أي سواد ~~وكآبة للهم الذي نزل بهم ترهقها قترة أي تعلوها، وتغشاها ظلمة، وكسوف وقال ~~ابن عباس: تغشاها ذلة والفرق بين الغبرة والقترة أن الغبرة ما كان أسفل في ~~الأرض، والقترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء أولئك أي الذين صنع بهم ~~هذا هم الكفرة الفجرة جميع كافر وفاجر والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. # PageV04P396 ### | سورة التكوير # مكية وهي تسع وعشرون آية ومائة، وأربع كلمات وخمسمائة وثلاثون حرفا. # عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى ~~يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت إذا ~~السماء انشقت» أخرجه الترمذي. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة التكوير (81): الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) # قوله عز وجل: إذا الشمس كورت قال ابن عباس: أظلمت، وغورت، وقيل اضمحلت، ~~وقيل لفت كما تلف العمامة، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ومعناه أن ~~الشمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها، قال ابن ~~عباس: يكور الله الشمس، ms3618 والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث ~~عليها ريحا دبورا فتضربها فتصير نارا. (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» قيل إن الشمس، والقمر، ~~جمادان فإلقاؤهما في النار يكون سببا لازدياد الحر في جهنم. # وإذا النجوم انكدرت أي تناثرت من السماء، وسقطت على الأرض. قال الكلبي ~~وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما، فلا يبقى نجم إلا وقع وإذا الجبال سيرت أي ~~عن وجه الأرض، فصارت هباء منثورا. وإذا العشار عطلت يعني النوق الحوامل ~~التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها ~~حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب فإذا كان ذلك اليوم عطلت، وتركت ~~هملا بلا راع أهملها أهلها، وقد كانوا لازمين لأذنابها ولم يكن مال أعجب ~~إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. وإذا الوحوش يعني من دواب البر ~~حشرت أي جمعت يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض. وقال ابن عباس: # حشرها موتها قال: وحشر كل شيء موته غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم ~~القيامة. وإذا البحار سجرت قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارا تضطرم، وقيل فجر ~~بعضها في بعض العذاب، والملح حتى صارت البحار كلها بحرا واحدا وقيل صارت ~~مياهها من حميم أهل النار، وقيل سجرت أي يبست، وذهب ماؤها فلم تبق فيها ~~قطرة. # قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ~~ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض، فبينما هم كذلك إذ ~~تناثرت النجوم فتحركت، واضطربت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدواب، ~~والطير، والوحش، وماج بعضهم في بعض. فذلك قوله تعالى: إذا الشمس كورت وإذا ~~النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا ~~البحار سجرت # PageV04P397 # فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر، فإذا هو ~~نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة ~~السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما ms3619 هم كذلك إذ جاءتهم ريح ~~فأماتتهم، وعن ابن عباس قال: هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا، وستة في ~~الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه. وهو قوله تعالى: وإذا النفوس زوجت روى النعمان ~~بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية، فقال: يقرن بين الرجل ~~الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في ~~النار، وقيل ألحق كل امرئ بشيعته اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، وقيل ~~يحشر الرجل مع صاحب عمله، وقيل زوجت النفوس بأعمالها، وقيل زوجت نفوس ~~المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين، وقيل معنى زوجت ردت ~~الأرواح إلى الأجساد. # ### || [سورة التكوير (81): الآيات 8 الى 13] # وإذا الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10) وإذا ~~السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) # وإذا الجنة أزلفت (13) # وإذا الموؤدة سئلت يعني الجارية التي دفنت، وهي حية سميت بذلك لما يطرح ~~عليها من التراب، فيئدها، أي يثقلها حين تموت، وكانت العرب تفعل ذلك في ~~الجاهلية. تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة، وروي عن ابن عباس قال: ~~كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها حفرت حفيرة، فتمخضت ~~على رأس الحفيرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإذا ولدت غلاما ~~حبسته، وقيل كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها حية ~~ألبسها جبة صوف، أو شعر وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا أراد ~~قتلها تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى ~~أحمائها، وقد حفر بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ~~فإذا نظرت دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض، عن ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الوائدة، والموءودة في ~~النار» أخرجه أبو داود، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد، ولم يئد فافتخر ~~به الفرزدق في شعره فقال: # ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد # بأي ذنب قتلت معناه تسأل الموءودة، فيقال لها، بأي ms3620 ذنب قتلت، ومعنى ~~سؤالها لها توبيخ قاتلها. # لأنها قتلت بغير ذنب. وإذا الصحف نشرت يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب ~~وإذا السماء كشطت أي نزعت، وطويت، وقيل قلعت كما يقلع السقف، وقيل كشفت، ~~وأزيلت عمن فيها. وإذا الجحيم سعرت أوقدت لأعداء الله تعالى وإذا الجنة ~~أزلفت أي قربت لأولياء الله. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 14 الى 22] # علمت نفس ما أحضرت (14) فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل ~~إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس (18) # إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين ~~(21) وما صاحبكم بمجنون (22) # علمت نفس ما أحضرت يعني عند ذلك تعمل كل نفس ما أحضرت من خير، أو شر وهذا ~~جواب لقوله إذا الشمس كورت إلى هنا. # قوله عز وجل: فلا أقسم لا زائدة والمعنى أقسم، وقد تقدم ذلك في قوله لا ~~أقسم بيوم القيامة. # بالخنس الجوار الكنس يعني النجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت ~~نور الشمس، ونحو هذا المعنى روي عن علي بن أبي طالب، وقيل هي النجوم الخمسة ~~زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، # PageV04P398 # تخنس في مجاريها، أي ترجع وراءها في الفلك، وتنكس، أي تستر وقت اختفائها، ~~وقيل إنها تخنس، أي تتأخر عن مطالعها، والكنس معناه أنها لا ترى بالنهار، ~~وقيل هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس، وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء، ~~والكنوس هو أن تأوي إلى كناسها، وهو الموضع الذي يأوي إليه الوحوش. والليل ~~إذا عسعس أي أقبل بظلامه وقيل أدبر، والعسعسة رقة الظلام، وذلك يكون في طرف ~~الليل. والصبح إذا تنفس أي أقبل وبدا أوله وقيل أسفر. # وفي تنفسه قولان أحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما فجعل ذلك نفسا ~~على المجاز الثاني، أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس وجد راحة، ~~فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، ولما ذكر ~~المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى: إنه يعني القرآن لقول رسول كريم ~~يعني جبريل عليه الصلاة والسلام والمعنى أن جبريل نزل به عن الله عز وجل: ~~ذي قوة ms3621 وكان من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها ~~على جناحه، فرفعها إلى السماء، ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه ~~الصلاة والسلام على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى ~~أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من ~~السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف عند ذي العرش مكين أي في ~~المنزلة والجاه مطاع ثم أي في السموات تطيعه الملائكة، ومن طاعة الملائكة ~~له أنهم فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله أمين يعني على وحي الله تعالى إلى ~~أنبيائه وما صاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يخاطب كفار مكة بمجنون ~~وهذا أيضا من جواب القسم أقسم على أن القرآن نزل به جبريل وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ليس بمجنون كما يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، ~~وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه فنفى الله عنه الجنون، وكون القرآن من ~~عند نفسه. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 23 الى 29] # ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول ~~شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) # لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~(29) # ولقد رآه يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه الصلاة والسلام ~~على صورته التي خلق فيها بالأفق المبين يعني بالأفق الأعلى من ناحية المشرق ~~حيث تطلع الشمس، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام «إني أحب أن أراك في ~~صورتك التي تكون فيها في السماء قال: لن تقوى على ذلك قال، بلى قال، فأين ~~تشاء أن أتخيل لك قال بالأبطح، قال لا يسعني ذلك، قال: فبمنى قال لا يسعني ~~ذلك قال فبعرفات، قال: لا يسعني ذلك قال بحراء قال إن يسعني فواعده فخرج ms3622 ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. فإذا هو بجبريل قد أقبل من حيال ~~عرفات بخشخشه، وكلكله قد ملأ ما بين المشرق، والمغرب، ورأسه في السماء، ~~ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول ~~جبريل عن صورته، وضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت ~~إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى ~~كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله جل جلاله وعلا علاؤه وشأنه حتى ~~يصير كالصعو، يعني العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته» وما هو يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب أي الوحي وخبر السماء، وما اطلع عليه ~~مما كان غائبا عن علمه من القصص والأنباء. بضنين قرأ بالظاء، ومعناه بمتهم ~~والمظنة التهمة، وقرئ بضنين بالضاد، ومعناه ببخيل يقول إنه يأتيه علم ~~الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ~~حتى يأخذ عليه حلوانا، وهو أجرة الكاهن، وقراءة الظاء أولى لأنهم لم ~~يبخلوه، وإنما اتهموه، فنفى الله عنه تلك التهمة، ولو أراد البخل لقال وما ~~هو بالغيب. وما هو يعني # PageV04P399 # القرآن بقول شيطان رجيم يعني إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة كما قالت ~~قريش، وقيل كانوا يقولون إن شيطانا يلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك عنه، ~~فأين تذهبون أي فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان، وقيل ~~معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم. إن هو يعني ما ~~في القرآن إلا ذكر للعالمين أي موعظة للخلق أجمعين لمن شاء منكم أن يستقيم ~~أي يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به ثم بين أن مشيئة العبد موقوفة بمشيئته ~~فقال تعالى: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين أعلمهم الله أن ~~المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة ~~الله، وتوفيقه، وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى ولا ~~شرا إلا بخذلانه، ms3623 ومشيئته والله تعالى أعلم. # PageV04P400 ### | سورة الانفطار # مكية وهي تسع عشرة آية وثمانون كلمة وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) # قوله عز وجل: إذا السماء انفطرت أي انشقت وإذا الكواكب انتثرت أي تساقطت ~~وإذا البحار فجرت أي فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح، فصارت بحرا ~~واحدا، وقيل معنى فجرت فاضت. # وإذا القبور بعثرت أي بحثرت، وقلب ترابها وبعث من فيها منه الموتى أحياء. ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت يعني علمت في ذلك اليوم ما قدمت من عمل صالح، أو ~~سيئ، وأخرت بعدها من حسنة أو سيئة، وقيل ما قدمت من الصدقات وأخرت من ~~الزكوات، وهذه أحوال يوم القيامة. قوله عز وجل: يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم أي ما خدعك، وسول لك الباطل حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ما أوجب ~~عليك، والمعنى ماذا أمنك من عقابه، قيل نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل في ~~أبي الشريق، واسمه أسيد بن كلدة، وقيل كلدة بن خلف، وكان كافرا ضرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله وأنزل الله هذه الآية، وقيل الآية عامة ~~في كل كافر وعاص، يقول ما الذي غرك، قيل غره حمقه، وجهله وقيل تسويل ~~الشيطان له، وقيل غره عفو الله عنه حيث لم يعاجله بالعقوبة في أول مرة بربك ~~الكريم، أي المتجاوز عنك، فهو بكرمه لك لم يعاجلك بعقوبته بل بسط لك المدة ~~لرجاء التوبة. قال ابن مسعود «ما منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به يوم ~~القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم! ماذا عملت؟ فيما علمت يا ~~ابن آدم؟ ماذا أجبت المرسلين»، وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم ~~القيامة فيقول لك يا ابن آدم ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول. ms3624 قال: أقول ~~غرني ستورك المرخاة، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، وقال ما غرك ~~بي أقول غرني بربك بي سالفا وآنفا، وقال أبو بكر الوراق لو قال لي ما غرك ~~بربك الكريم لقلت غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة. إنما قال بربك ~~الكريم دون سائر أسمائه، وصفاته كأنه لقنه حجته في الإجابة حتى يقول غرني ~~كرم الكريم. ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 7 الى 15] # الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون ~~بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) # يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم ~~(14) يصلونها يوم الدين (15) # الذي خلقك أي أوجدك من العدم إلى الوجود فسواك أي جعلك سويا سالم ~~الأعضاء، تسمع # PageV04P401 # وتبصر فعدلك أي عدل خلقك في مناسبة الأعضاء فلم يجعل بعضها أطول من بعض، ~~وقيل معناه جعلك قائما معتدلا حسن الصورة، ولم يجعلك كالبهيمة المنحنية في ~~أي صورة ما شاء ركبك أي في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم، وجاء في ~~الحديث «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ: ~~في أي صورة ما شاء ركبك»، وقيل معناه إن شاء ركبك في صورة إنسان، وإن شاء ~~في صورة دابة أو حيوان، وقيل في أي صورة ما شاء ركبك من الصور المختلفة ~~بحسب الطول، والقصر، والحسن، والقبح والذكورة، والأنوثة، وفي هذه دلالة على ~~قدرة الصانع المختار القادر. وذلك أنه لما اختلفت الهيئات، والصفات دل ذلك ~~على كمال القدرة، واتساع الصنعة، وأن المدبر المختار هو الله تعالى. # قوله عز وجل: كلا بل تكذبون بالدين أي بيوم الحساب والجزاء وإن عليكم ~~لحافظين يعني رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كراما أي على الله ~~كاتبين أي يكتبون أقوالكم وأعمالكم يعلمون ما تفعلون يعني من خير أو شر. ~~قوله عز وجل إن الأبرار يعني الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء ما افترض ~~الله عليهم، واجتناب معاصيه. لفي نعيم يعني نعيم الجنة وإن ms3625 الفجار لفي جحيم ~~روي أن سليمان بن عبد الملك قال: لأبي حازم المزني ليت شعري ما لنا عند ~~الله، فقال له: اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله، قال: ~~أين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال: عند قوله إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار ~~لفي جحيم قال سليمان فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين يصلونها يوم ~~الدين يعني يوم القيامة لأنه يوم الجزاء. ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 16 الى 19] # وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما ~~يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19) # وما هم عنها بغائبين أي عن النار ثم عظم شأن ذلك اليوم فقال تعالى: وما ~~أدراك ما يوم الدين قيل المخاطب بذلك هو الكافر، وهو على وجه الزجر له، ~~وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: والمعنى أي شيء أعلمك به لو لم ~~نعرفك أحواله ثم ما أدراك ما يوم الدين التكرير لتعظيم ذلك اليوم، وتفخيم ~~شأنه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا أي لا تملك نفس كافرة لنفس كافرة شيئا من ~~المنفعة والأمر يومئذ لله يعني أنه لم يملك الله في ذلك أحدا شيئا كما ~~ملكهم في الدنيا، والله أعلم. # PageV04P402 ### | سورة المطففين # مدنية في قول ومكية في قول: وقيل فيها ثمان آيات مكية وهي من قوله: إن ~~الذين أجرموا إلى آخرها، وقيل فيها آية مكية، وهي قوله تعالى: إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين وقيل إنها نزلت بين مكة، والمدينة زمن ~~الهجرة، وهي ست وثلاثون آية ومائة وتسع وستون كلمة وسبعمائة وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة المطففين (83): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) # قوله عز وجل: ويل أي قبح وهي كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال ويل له ~~وويل عليه، وقيل ويل اسم واد في جهنم للمطففين يعني الذين ينقصون المكيال ~~والميزان لأنه لا يكاد المطفف يسرق في ms3626 الكيل والوزن، إلا الشيء اليسير ~~الطفيف قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا ~~من أخبث الناس كيلا. # فأنزل الله عز وجل: ويل للمطففين فأحسنوا الكيل، وقيل لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل ~~بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية وجعل الويل للمطففين ثم بين ~~من هم. فقال تعالى: الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون يعني أنهم إذا ~~اكتالوا من الناس، ومن وعلى يتعاقبان، وقيل معناه إذا اكتالوا من الناس، أي ~~اشتروا شيئا استوفوا عليهم لأنفسهم الكيل والوزن. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 3 الى 7] # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم ~~عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) # وإذا كالوهم أو وزنوهم يعني وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم للناس كما يقال ~~نصحتك ونصحت لك. # يخسرون أي ينقصون الكيل والوزن وهذا الوعيد يلحق من يأخذ لنفسه زائدا ~~ويدفع إلى غيره ناقصا، ويتناول الوعيد القليل والكثير لكن إذا لم يتب منه ~~فإن تاب منه ورد الحقوق إلى أهلها قبلت توبته ومن فعل ذلك، وأصر عليه كان ~~مصرا على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي ~~مبنية على أمر الكيل والوزن والذرع، فلهذا السبب عظم الله أمر الكيل ~~والوزن، قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول له اتق الله أوف الكيل ~~والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، وقال قتادة: ~~أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك، قال الفضيل: ~~بخس الميزان سواد يوم القيامة. ألا يظن أي ألا يعلم ويستيقن أولئك أي الذين ~~يفعلون هذا الفعل، وهم المطففون أنهم مبعوثون ليوم عظيم يعني يوم القيامة ~~يوم يقوم الناس يعني من قبورهم لرب العالمين أي لأمره وجزائه وحسابه (ق) عن ~~نافع «أن ابن عمر تلا ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم ms3627 يقوم الناس ~~لرب العالمين، قال يقوم أحدهم في # PageV04P403 # رشحه إلى أنصاف أذنيه»، وروي مرفوعا عن المقداد قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول «تدنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى تكون ~~منهم كمقدار ميل» زاد الترمذي أو ميلين «قال سليم بن عامر والله ما أدري ما ~~يعني بالميل مسافة الأرض، أو الميل ما تكتحل به العين قال فيكون الناس على ~~قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ~~ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيديه إلى فيه» قوله عز وجل: كلا قيل إنه ردع وتنبيه أي ليس ~~الأمر على ما هم عليه من بخس الكيل والميزان، فليرتدعوا عنه فعلى هذا تم ~~الكلام هنا، وقيل كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا إن كتاب الفجار أي ~~الذي كتبت فيه أعمالهم لفي سجين قال ابن عمر هي الأرض السابعة السفلى، ~~وفيها أرواح الكفار وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن البراء قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة ~~تحت العرش» وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني ~~عن قول الله عز وجل إن كتاب الفجار لفي سجين قال إن روح الفاجر يصعد بها ~~إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن ~~تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس ~~فيخرج لها من سجين رق، فليتم ويختم ويوضع تحت جند إبليس لمعرفتها الهلاك ~~بحساب يوم القيامة، وقيل هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة ~~السماء منها فتقلب، ويجعل كتاب الفجار تحتها، قال وهب: هي آخر سلطان إبليس ~~وجاء في الحديث «الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب في جهنم مفتوح»، وقيل ~~معناه لفي سجين لفي خسار وضلال، وقيل إنه مشتق من السجن، ومعناه لفي حبس ~~وضيق شديد. # ### || [سورة ms3628 المطففين (83): الآيات 8 الى 14] # وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) # إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون (14) # وما أدراك ما سجين أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك، وقيل إنما ~~قال ذلك تعظيما لأمر سجين كتاب مرقوم ليس هذا تفسيرا للسجن وإنما هو بيان ~~للكتاب المذكور في قوله إن كتاب الفجار والمعنى إن كتاب الفجار مرقوم أي ~~مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى ~~يحاسبوا به، ويجازوا عليه، وقيل مرقوم رقم عليه بشر كأنه علم بعلامة يعرف ~~بها أنه كافر، وقيل مرقوم أي مختوم وهو بلغة حمير ويل يومئذ للمكذبين قيل ~~إنه متصل بقوله يوم يقوم الناس لرب العالمين ومعنى الآية ويل لمن كذب بهذا ~~اليوم، وقيل معناه مرقوم بالشقاوة، ثم قال ويل يومئذ للمكذبين أي في ذلك ~~اليوم من ذلك الكتاب المرقوم عليهم بالشقاوة الذين يكذبون بيوم الدين أي ~~بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء وما يكذب به أي بيوم القيامة إلا كل معتد أي ~~متجاوز عن نهج الحق أثيم هو مبالغة في الآثم وهو المرتكب الإثم والمعاصي ~~إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين أي أكاذيب الأولين. # قوله عز وجل: كلا أي لا يؤمن ثم استأنف فقال بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن العبد إن أخطأ ~~خطيئة نكت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد ~~فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي قال الله: بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأصل الران الغلبة ومعنى الآية ~~أن الذنوب والمعاصي غلبت على قلوبهم وأحاطت بها، وقيل هو الذنب على الذنب ~~حتى يميت القلب وقال ابن عباس: ران على قلوبهم طبع عليها، وقيل الرين أن ~~يسود ms3629 القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين والإقفال ~~أشد من الطبع وقيل الرين التغطية، والمعنى أنه يغشى القلب شيء كالصدى ~~فيغطيه فعند ذلك يموت القلب. # PageV04P404 # ### || [سورة المطففين (83): الآيات 15 الى 20] # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما ~~أدراك ما عليون (19) # كتاب مرقوم (20) # كلا قال ابن عباس يريد لا يصدقون وقيل معناه ليس الأمر كما يقولون إن لهم ~~في الآخرة خيرا ثم استأنف فقال تعالى: إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قيل عن ~~كرامته ورحمته ممنوعون، وقيل إن الله لا ينظر إليهم ولا يزكيهم وهذا ~~التفسير فيه ضعف أما حمله على منع الكرامة والرحمة فهو عدول عن الظاهر بغير ~~دليل، وكذا الوجه الثاني فإن من حجب عن الله فإن الله لا ينظر إليه نظر ~~رحمة، ولا يزكيه والذي ذهب إليه أكثر المفسرين أنهم محجوبون عن رؤية الله، ~~وهذا هو الصحيح واحتج بهذه الآية من أثبت الرؤية للمؤمنين قالوا: # لولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، ووجه آخر وهو أنه تعالى ذكر الحجاب في ~~معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله ~~في حق المؤمنين، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمنين قال الحسن: لو ~~علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في ~~الدنيا. # وقيل كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته وسئل مالك ~~عن هذه الآية، فقال: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، ~~وقال الشافعي في قوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون دلالة على أن أولياء ~~الله يرون الله جل جلاله وعنه كما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه ~~بالرضا، ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبون عن الله يدخلون النار. فقال عز ~~من قائل ثم إنهم لصالوا الجحيم أي لداخلو النار ثم يقال أي تقول لهم الخزنة ~~هذا ms3630 أي هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون يعني في الدنيا كلا أي ليس الأمر ~~كما يتوهمه الفجار من إنكار البعث، وقيل كلا أي لا يؤمنون بالعذاب الذي ~~يصلونه، ثم بين محل كتاب الأبرار فقال تعالى: إن كتاب الأبرار لفي عليين ~~جمع علي من العلو، وقيل هو موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه وتقدم ~~من حديث البراء المرفوع إن عليين في السماء السابعة تحت العرش وقال ابن ~~عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، وقيل هو ~~قائمة العرش اليمنى وقال ابن عباس في رواية عنه في الجنة، وقيل هي سدرة ~~المنتهى، وقيل معناه علو بعد علو وشرف بعد شرف، وقيل هي مراتب عالية محفوفة ~~بالجلالة وقد عظمها الله وأعلاها. وما أدراك ما عليون تنبيها له على عظم ~~شأنه كتاب مرقوم ليس تفسير العليين، والمعنى أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في ~~عليين فيه ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، وقيل مكتوب فيه أعمالهم وعليون ~~محل الملائكة وضده سجين، وهو محل إبليس وجنوده. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 21 الى 27] # يشهده المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) ~~تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) # ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) # يشهده المقربون يعني الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، أي يحضرون ذلك ~~المكتوب ومن قال إنه كتاب الأعمال قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى ~~عليين المقربون من الملائكة لكرامة المؤمن. # قوله تعالى: إن الأبرار يعني المطيعين لله لفي نعيم يعني نعيم الجنة على ~~الأرائك جمع أريكة وهي الأسرة في الحجال ينظرون أي إلى ما أعد الله لهم من ~~نعيم الجنة، وقيل ينظرون إلى أعدائهم كيف يعذبون في النار، وقيل ينظرون إلى ~~ربهم سبحانه وتعالى تعرف في وجوههم نضرة النعيم يعني أنك إذا رأيتهم تعرف ~~أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النور والحسن والبياض، قيل ~~النضرة في الوجه والسرور في # PageV04P405 # القلب يسقون من رحيق يعني ms3631 الخمر الصافية الطيبة البيضاء مختوم يعني ختم ~~على ذلك الشراب ومنع من أن تمسه الأيدي إلى أن يفك ختمه الأبرار. # فإن قلت قد قال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهار من خمر والنهر لا ~~يختم عليه فكيف طريق الجمع بين الآيتين، قلت يحتمل أن يكون المذكور في هذه ~~الآية. في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار، وإنما ختم ~~عليها لشرفها ونفاستها ختامه مسك أي طينته التي ختم عليه بها مسك بخلاف خمر ~~الدنيا فإن ختامها طين وقال ابن مسعود مختوم أي ممزوج ختامه أي آخر طعمه، ~~وعاقبته مسك، وقيل يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل، ليحصل لهم ~~هذا الشراب المختوم بالمسك وقيل أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس ~~الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن ويبخل ومزاجه من ~~تسنيم أي شراب ينصب عليهم من غرفهم ومنازلهم وقيل يجري في الهواء مسنما ~~فيصب في أواني أهل الجنة على قدر ملئها فإذا امتلأت أمسك وأصل هذه الكلمة ~~من العلو ومنه سنام البعير لأنه أعلاه، وقيل هو شراب اسمه تسنيم وهو من ~~أشرف شراب أهل الجنة وقال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونه ~~صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة، وسئل ابن عباس عن قوله من تسنيم فقال: هذا مما ~~قال الله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. # ### || [سورة المطففين (83): الآيات 28 الى 34] # عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) # وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) # عينا يشرب بها أي منها وقيل يشربها المقربون أي صرفا وقوله عز وجل: إن ~~الذين أجرموا أي أشركوا يعني كفار قريش أبا جهل والوليد بن المغيرة والعاص ~~بن وائل وأصحابهم من مترفي ms3632 أهل مكة كانوا من الذين آمنوا أي من عمار وخباب ~~وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين يضحكون أي منهم ويستهزئون بهم وإذا ~~مروا بهم # يعني مر المؤمنون الفقراء بالكفار الأغنياء يتغامزون # يعني يتغامز الكفار والغمز الإشارة بالجفن والحاجب أي يشيرون إليها ~~بالأعين استهزاء بهم وإذا انقلبوا إلى أهلهم يعني الكفار انقلبوا فكهين أي ~~معجبين بما هم فيه، وقيل ينقلبون بذكرهم كأنهم يتفكهون بحديثهم وإذا رأوهم ~~يعني رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إن هؤلاء لضالون أي هم في ~~ضلال يأتون محمدا ويرون أنهم على شيء. قال الله عز وجل: وما أرسلوا يعني ~~المشركين عليهم يعني على المؤمنين حافظين أي لأعمالهم والمعنى أنهم لم ~~يوكلوا بحفظ أعمالهم قوله عز وجل: فاليوم يعني في الآخرة الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون وسبب هذا الضحك أن الكفار لما كانوا في الدنيا يضحكون من ~~المؤمنين لما هم فيه من الشدة والبلاء فلما أفضوا إلى الآخرة انعكس ذلك ~~الأمر فصار المؤمنون في السرور والنعيم وصار الكفار في العذاب والبلاء، ~~فضحك المؤمنون من الكافرين لما رأوا حالهم وقال أبو صالح: تفتح للكافرين ~~أبواب النار وهم فيها ويقال لهم اخرجوا فإذا انتهوا إليها أغلقت دونهم ~~فيفعل ذلك بهم مرارا والمؤمنون ينظرون إليهم ويضحكون منهم وقال كعب بين ~~الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه في الدنيا من الكفار ~~اطلع عليه من تلك الكوى وهو يعذب فيضحك منه فذلك قوله تعالى: فاليوم الذين ~~آمنوا من الكفار يضحكون. # PageV04P406 ### || [سورة المطففين (83): الآيات 35 الى 36] # على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) # على الأرائك جمع أريكة وهو السرير ويتخذ في الحجلة وهي الكلة يزين بها ~~البيت، وأرائك الجنة من الدر والياقوت ينظرون يعني إليهم وهم في النار ~~يعذبون قال الله تعالى هل ثوب الكفار أي جوزي الكفار ما كانوا يفعلون أي ~~بالمؤمنين من الاستهزاء والضحك وهذا الاستفهام بمعنى التقرير، وثوب، وأثيب ~~بمعنى، قال أوس: # سأجزيك أو يجزيك عني مثوب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي # والله ms3633 سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P407 ### | سورة الانشقاق # (مكية وهي خمس وعشرون آية ومائة وسبع كلمات وأربعمائة وثلاثون حرفا) بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) # قوله عز وجل: إذا السماء انشقت يعني عند قيام الساعة وهي من علاماتها ~~وأذنت لربها أي سمعت أمر ربها بالانشقاق، وأطاعته من الأذن وهو الاستماع ~~وحقت أي حق لها أن تطيع أمر ربها وإذا الأرض مدت يعني مد الأديم العكاظي ~~وزيد في سعتها، وقيل سويت فلا يبقى فيها بناء ولا جبل وألقت ما فيها أي ~~أخرجت ما في بطنها من الموتى والكنوز وتخلت أي من ذلك الذي كان في بطنها من ~~الموتى والكنوز وأذنت لربها وحقت واختلفوا في جواب إذا فقيل جوابه محذوف ~~تقديره إذا كان هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب أو العقاب، وقيل جوابه يا ~~أيها الإنسان إنك كادح والمعنى إذا انشقت السماء لقي كل كادح ما عمله وقيل ~~جوابه وأذنت وحينئذ تكون الواو زائدة يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا أي ساع إليه في عملك سعيا والكدح عمل الإنسان وجهده في الأمرين الخير ~~والشر، وقيل معناه عامل لربك عملا وقيل معناه إنك كادح في لقاء ربك وهو ~~الموت، والمعنى أن هذا الكدح يستمر بك إلى الموت، وقيل معناه إنك تكدح في ~~دنياك كدحا تصير به إلى ربك. فملاقيه أي فملاق جزاء عملك. ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 8 الى 17] # فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي ~~كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) # إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به ~~بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) # فسوف يحاسب حسابا يسيرا سوف من الله واجب والحساب اليسير هو أن تعرض عليه ~~أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية ms3634 ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن ~~المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا مناقشة ولا ~~يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه فإنه متى طولب ~~بذلك لم يجد عذرا، ولا حجة فيفتضح (ق) عن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت لا ~~تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: من حوسب عذب قال: فقلت، أو ليس يقول الله عز وجل فسوف يحاسب حسابا # PageV04P408 # يسيرا قالت فقال إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب عذب. وينقلب إلى ~~أهله يعني في الجنة من الحور العين والآدميات مسرورا أي بما أوتي من الخير ~~والكرامة وأما من أوتي كتابه وراء ظهره يعني أنه تغل يده اليمنى إلى عنقه، ~~وتجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيعطي كتابه بشماله من وراء ظهره، وقيل تخلع ~~يده الشمال فتخرج من وراء ظهره فيعطي بها كتابه فسوف يدعوا ثبورا يعني عند ~~إعطائه كتابه بشماله من وراء ظهره يعلم أنه من أهل النار فيدعو بالويل ~~والهلاك، فيقول يا ويلاه يا ثبوراه ويصلى سعيرا أي ويقاسي التهاب النار ~~وحرها إنه كان في أهله يعني في الدنيا مسرورا يعني باتباع هواه وركوب ~~شهواته إنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع إلينا ولن يبعث والحور الرجوع بلى ليس ~~الأمر كما ظن بل يحور إلينا، ويبعث ويحاسب إن ربه كان به بصيرا أي من يوم ~~خلقه إلى أن يبعث قوله عز وجل: فلا أقسم بالشفق تقدم الكلام فلا أقسم في ~~سورة القيامة. # وأما الشفق فقال مجاهد: هو النهار كله وحجته في ذلك أنه عطف عليه فيجب أن ~~يكون المذكور أولا هو النهار فعلى هذا الوجه يكون القسم بالليل والنهار ~~اللذين فيهما معاش العالم وسكونه، وقيل هو ما بقي من النهار وقال ابن عباس، ~~وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس، وهو مذهب ~~عامة العلماء، وقيل هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة ms3635 وهو مذهب أبي حنيفة ~~والليل وما وسق أي جمع وضم ما كان منتشرا بالنهار من الخلق والدواب والهوام ~~وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه، وقيل وما عمل فيه ويحتمل أن ~~يكون ذلك تهجد العباد، فيجوز أن يقسم به. # ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 18 الى 21] # والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) ~~وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) # والقمر إذا اتسق أي اجتمع وتم نوره وذلك في الأيام البيض، وقيل استدار ~~واستوى، ولما ذكر المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى لتركبن قرئ بفتح ~~الباء وهو خطاب الواحد والمعنى لتركبن يا محمد طبقا عن طبق يعني سماء بعد ~~سماء وقد فعل الله ذلك معه ليلة أسري به، فأصعده سماء بعد سماء، وقيل درجة ~~بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى: وقيل معناه لتركبن حالا ~~بعد حال (خ) عن ابن عباس قال: # لتركبن طبقا عن طبق حالا بعد حال هذا لنبيكم صلى الله عليه وسلم ومعنى ~~هذا يكون لك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة فلا ~~يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم وقرئ لتركبن بضم الباء، وهو الأشبه ويكون ~~خطاب الجمع والمعنى لتركبن أيها الناس حالا بعد حال وأمرا بعد أمر، وذلك في ~~موقف القيامة تتقلب بهم الأحوال فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي ~~كانوا عليها في الدنيا. وقال ابن عباس يعني الشدائد وأهوال الموت ثم البعث ~~ثم العرض، وقيل حال الإنسان حالا بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم ~~كهل ثم شيخ، وقيل معناه لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. (ق) عن أبي سعيد ~~الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لتتبعن سنن من كان قبلكم وأحوالهم ~~شبرا بعد شبر وذراعا بعد ذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول ~~الله اليهود والنصارى قال فمن»، وقيل في معنى الآية إنه أراد به السماء ~~تتغير لونا بعد لون فتصير تارة وردة كالدهان ms3636 وتارة كالمهل وتنشق مرة وتطوي ~~أخرى فما لهم لا يؤمنون يعني بالبعث والحساب وهو استفهام إنكار وإذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون يعني لا يصلون فعبر بالسجود عن الصلاة لأنه جزء ~~منها، وقيل أراد به سجود التلاوة وهذه السجدة أحد سجدات القرآن عند الشافعي ~~ومن وافقه (ق) عن رافع قال «صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء ~~انشقت فسجد، فقلت ما هذا قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ~~فلا أزال # PageV04P409 # أسجد فيها حتى ألقاه ولمسلم عنه قال: «سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في اقرأ باسم ربك إذا السماء انشقت. ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 22 الى 25] # بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم ~~(24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) # بل الذين كفروا يكذبون يعني بالقرآن والبعث والله أعلم بما يوعون يعني ~~يجمعون في صدورهم من التكذيب فبشرهم بعذاب أليم يعني على عنادهم وكفرهم إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون يعني غير مقطوع ولا منقوص ~~في الآخرة، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P410 ### | سورة البروج # مكية وهي اثنتان وعشرون آية ومائة وتسع كلمات وأربعمائة وخمسة وستون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة البروج (85): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # قوله عز وجل: والسماء ذات البروج يعني البروج الاثني عشر وإنما حسن القسم ~~بها لما فيها من عجيب حكمة الباري جل جلاله، وهو سير الشمس والقمر الكواكب ~~فيها على قدر معلوم لا يختلف وقيل البروج والكواكب العظام سميت بروجا ~~لظهورها واليوم الموعود يعني يوم القيامة وشاهد ومشهود عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم ~~القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة ما طلعت الشمس ولا غربت ~~على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير ~~إلا استجاب ms3637 الله له ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه» أخرجه الترمذي ~~وضعف أحد رواته من قبل حفظه وهذا قول ابن عباس والأكثرين أن الشاهد يوم ~~الجمعة والمشهود يوم عرفة وقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر وقيل ~~الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة وإنما حسن القسم بهذه الأيام لعظمها ~~وشرفها، واجتماع المسلمين فيها، وقيل الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم ~~القيامة، وقيل الشاهد هم الأنبياء والمشهود أي عليهم هم الأمم وقيل الشاهد ~~هو الملك والمشهود أي عليه هو آدم وذريته، وقيل الشاهد هذه الأمة ونبيها ~~صلى الله عليه وسلم والمشهود عليهم هم الأمم المتقدمة، وقيل الشاهد ~~الأنبياء والمشهود له هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن الأنبياء قبله شهدوا ~~له بالنبوة وقوله، والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود أقسام ~~أقسم الله تعالى بها لشرفها، وعظمها. وجواب القسم قوله تعالى: قتل أصحاب ~~الأخدود أي لعن وقتل وقيل جوابه إن بطش ربك لشديد والأخدود الشق المستطيل ~~في الأرض. # واختلفوا فيهم فروي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كان ~~ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت ~~فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك ~~إليه راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، ~~وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من الساحر قعد إلى الراهب وسمع ~~كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر، فقل ~~حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على ~~دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر فأخذ ~~حجرا ثم قال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه ~~الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال ~~له الراهب: أي بني أنت أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ms3638 مبتلى فإن ~~ابتليت فلا تدل علي # PageV04P411 # فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع ~~جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ها هنالك أجمع إن أنت ~~شفيتني قال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوت ~~الله عز وجل فشفاك فآمن به فشفاه الله عز وجل فأتى الملك فجلس إليه كما كان ~~يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك فقال ربي: فقال أو لك رب غيري قال ربي، ~~وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام فجيء بالغلام، فقال له ~~الملك أي بني إنه قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال ~~إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على ~~الراهب فجيء له بالراهب، فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالميشار فوضع ~~الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ~~ارجع عن دينك فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع ~~شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه ~~فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته ~~فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم ~~اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له ~~الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال ~~اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا ~~فاقذفوه، فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة، ~~فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله ~~تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فقال: وما هو قال ~~تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخل ثم خذ سهما ms3639 من كنانتي، ثم ضع ~~السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني به فإنك إن فعلت ~~ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ~~ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم ~~في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام ~~ثلاثا، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد، والله نزل بك حذرك قد آمن ~~الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن ~~دينه فأقحموه فيها ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع ~~فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبري ولا تقاعسي فإنك على الحق». هذا حديث ~~صحيح أخرجه مسلم. # وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في مصلحة ترجع ~~إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك والأكمه هو الذي خلق أعمى، والميشار ~~بالياء وتخفيف الهمزة وروي بالنون وذروة الجبل بالضم والكسر أعلاه، ورجف ~~تحرك واضطرب والقرقور بضم القاف الأولى السفينة الصغيرة وانكفأت انقلبت، ~~والصعيد هنا الأرض البارزة والسكك الطرق والأخدود الشق العظيم في الأرض، ~~وأقحموه أي ارموه وتقاعست أي تأخرت وكرهت الدخول في النار. وقال ابن عباس: ~~«كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شراحيل في ~~الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام ~~يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه يسلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك ~~الغلام ولم يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب ~~حسن القراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك». وذكر نحو حديث صهيب وقال وهب بن منبه: ~~إن رجلا كان قد بقي على دين عيسى، فوقع إلى نجران فأحبوه فسار إليه ذو نواس ~~اليهودي بجنوده من حمير وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد ~~الأخدود وحرق اثني ms3640 عشر ألفا ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا، ~~فاقتحم البحر بفرسه فغرق. # وقال: محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر إن خربة احتفرت في زمن عمر ~~بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن تامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت ~~يده عنها انبعثت دما، وإذا تركت ارتدت مكانها وفي # PageV04P412 # يده خاتم حديد فيه مكتوب ربي الله فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه ~~الذي وجدتم عليه. # وقال: سعيد بن جبير وابن أبزى لما انهزم أهل اسفندهار، قال: عمر بن ~~الخطاب أي شيء يجري على المجوس من الأحكام، فإنهم ليسوا بأهل كتاب، فقال ~~علي بن أبي طالب بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها ~~ملك من ملوكهم، فغلبت على عقله فوقع على أخته فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال ~~لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه قالت: المخرج منه أنك تخطب الناس ~~وتقول إن الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم ~~فحرمته. فقام خطيبا بذلك فقال إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات فقال الناس ~~بأجمعهم معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، ما جاءنا به من نبي، ولا أنزل ~~علينا في كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا، فجرد فيهم السيف فأبوا أن ~~يقروا به فجرد لهم الأخدود، وأوقدوا فيها النيران وعرضهم عليها فمن أبى ~~قذفه في النار ومن أجاب أطلقه. وروي عن علي قال كان أصحاب الأخدود نبيهم ~~حبشي بعث من الحبشة إلى قومه ثم قرأ علي ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك الآية، فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم ~~الكفار، فقتل أصحابه وأخذ من انفلت منهم فأوثقوه ثم خدوا له أخدودا فملؤوها ~~نارا، فمن تبع ذلك النبي رمي به في النار ومن تابعهم تركوه فجاؤوا بامرأة ~~معها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي يا أماه قعي ولا تقاعسي وقيل كانت الأخدود ~~ثلاثة واحدة بنجران باليمن، والأخرى ms3641 بالشام، والأخرى بفارس حرقوا بالنار ~~فأما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي وأما التي بفارس فبختنصر ويزعمون أنهم ~~أصحاب دانيال وأما التي باليمن فذو نواس يوسف فأما التي بالشام وفارس فلم ~~ينزل الله فيهم قرآنا وأنزل في التي بنجران اليمن وذلك أن هذه القصة كانت ~~مشهورة عند أهل مكة، فذكر الله تعالى ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحملهم بذلك على الصبر، وتحمل المكاره في الدين. # ### || [سورة البروج (85): الآيات 5 الى 10] # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) # وقوله تعالى: النار ذات الوقود، هو تعظيم لأمر تلك النار قال الربيع بن ~~أنس نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم، قبل أن تمسهم ~~النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم إذ هم عليها ~~قعود، أي جلوس عند الأخدود وهم يعني الملك الذي خد الأخدود وأصحابه على ما ~~يفعلون بالمؤمنين أي من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم شهود ~~أي حضور وقيل يشهدون أن المؤمنين ضلال حين تركوا عبادة الصنم، وما نقموا ~~منهم قال ابن عباس ما كرهوا منهم إلا أن يؤمنوا بالله، وقيل ما عابوا ولا ~~علموا فيهم عيبا إلا إيمانهم بالله العزيز، يعني إن الذي يستحق العبادة هو ~~الله العزيز الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يدافع، الحميد يعني الذي ~~يستحق أن يحمد ويثنى عليه، وهو أهل لذلك وهو الله جل جلاله، الذي له ملك ~~السماوات والأرض أي فهو المستحق للعبادة والله على كل شيء أي من أفعالهم ~~بالمؤمنين. شهيد وفيه وعد عظيم للمؤمنين ووعيد عظيم للكافرين. # قوله عز وجل: إن الذين فتنوا أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات أي ~~بالنار ثم لم يتوبوا أي لم يرجعوا عما هم عليه من الكفر ms3642 وفيه دليل على أنهم ~~إذا تابوا وآمنوا يقبل منهم، ويخرجون من هذا الوعيد، وأن الله تعالى يقبل ~~منهم التوبة، وأن توبة القاتل مقبولة، وأنهم إن لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ~~ولهم عذاب الحريق يعني لهم عذاب جهنم بكفرهم، ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا ~~المؤمنين، وقيل لهم عذاب الحريق في # PageV04P413 # الدنيا وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي أحرقوا بها المؤمنين ارتفعت ~~إليهم من الأخدود فأحرقتهم، ولهم عذاب جهنم في الآخرة ثم ذكر ما أعد ~~للمؤمنين فقال تعالى: ### || [سورة البروج (85): الآيات 11 الى 20] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو ~~الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) # فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين ~~كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير. قوله عز وجل: إن بطش ربك لشديد قال ابن عباس إن أخذه بالعذاب ~~إذا أخذ الظلمة لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد أي يخلقهم أولا في الدنيا، ثم ~~يعيدهم أحياء بعد الموت ليجازيهم بأعمالهم في القيامة وهو الغفور يعني ~~لذنوب جميع المؤمنين. الودود أي المحب لهم، وقيل المحبوب أي يوده أولياؤه ~~ويحبونه، وقيل يغفر ويود أن يغفر، وقيل هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. ~~ذو العرش أي خالقه ومالكه. المجيد قرئ بالرفع على أنه صفة لله تعالى لأن ~~المجد من صفات التعالي والجلال، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى. وقرئ المجيد ~~بالكسر على أنه صفة للعرش أي للسرير العظيم إذ لا يعلم صفة العرش وعظمته ~~إلا الله تعالى وقيل أراد حسنه فوصفه بالمجيد فقد قيل إن العرش أحسن ~~الأجسام، ثم قال تعالى: فعال لما يريد يعني أنه لا يعجزه شيء ولا يمنع منه ~~شيء طلبه، وقيل فعال لما يريد لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو ~~يدخل أولياءه الجنة برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار لا ~~ينصرهم ms3643 منه ناصر. هل أتاك أي قد أتاك حديث الجنود أي خبر الجموع الكافرة ~~الذين تجندوا على الأنبياء ثم بين من هم فقال تعالى: فرعون يعني وقومه ~~وثمود وكانت قصتهم عند أهل مكة مشهورة بل الذين كفروا أي من قومك يا محمد. ~~في تكذيب يعني لك وللقرآن كما كذب من كان قبلهم من الأمم، ولم يعتبروا بمن ~~أهلكنا منهم والله من ورائهم محيط، أي عالم بهم لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالهم يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. ### || [سورة البروج (85): الآيات 21 الى 22] # بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) # بل هو قرآن مجيد أي كريم شريف كثير النفع والخير ليس هو كما زعم المشركون ~~أنه شعر وكهانة. # في لوح محفوظ قرئ بالرفع على أنه نعت للقرآن، محفوظ يعني أن القرآن من ~~التبديل والتغيير والتحريف، وقرئ محفوظ بالكسر على أنه نعت للوح لأنه يعرف ~~باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب، ومنه تنسخ الكتب وسمي محفوظا لأنه حفظ من ~~الشياطين من الزيادة والنقص، وهو عن يمين العرش، وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن ابن عباس قال «إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه ~~الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله، ~~أدخله الجنة» وقال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، ~~وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، ~~وقلمه من نور، وكلامه سر معقود بالعرش وأصله في حجر ملك والله تعالى أعلم ~~بمراده. # PageV04P414 ### | سورة الطارق # مكية وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومائتان وتسعة وثلاثون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الطارق (86): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) # قوله عز وجل: والسماء والطارق قيل نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم ~~فامتلأ ماء ثم نارا ففزع أبو طالب، وقال: أي ms3644 شيء هذا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله، فعجب أبو طالب فأنزل ~~الله والسماء والطارق يعني النجم يظهر بالليل، وكل ما أتاك بالليل فهو ~~طارق، ولا يسمى ذلك بالنهار، وسمي النجم طارقا لأنه يطرق بالليل قالت هند: # نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق # تريد أن أباها نجم في علوه وشرفه. وما أدراك ما الطارق قيل لم يكن صلى ~~الله عليه وسلم يعرفه، حتى بينه الله له بقوله النجم الثاقب، أي المضيء ~~المنير، وقيل المتوهج، وقيل المرتفع العالي، وقيل هو الذي يرمى به الشيطان ~~فيثقبه أي ينفذه، وقيل النجم الثاقب هو الثريا لأن العرب تسميها النجم، ~~وقيل هو زحل سمي بذلك لارتفاعه، وقيل هو كل نجم يرمى به الشيطان لأنه يثقبه ~~فينفذه، وهذه أقسام أقسم الله بها، وقيل تقديره ورب هذه الأشياء وجواب ~~القسم قوله تعالى: ### || [سورة الطارق (86): الآيات 4 الى 9] # إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق ~~(6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) # يوم تبلى السرائر (9) # إن كل نفس لما عليها حافظ، يعني أن كل نفس عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ~~ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر، قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة، ~~وقيل حافظ من الله تعالى يحفظها، ويحفظ قولها، وفعلها، حتى يدفعها ويسلمها ~~إلى المقادير، ثم يحل عنها، وقيل يحفظها من المهالك والمعاطب إلا ما قدر ~~لها. # قوله عز وجل: فلينظر الإنسان يعني نظر تفكر واعتبار مم خلق أي من أي شيء ~~خلقه ربه، ثم بين ذلك فقال تعالى: خلق من ماء يعني من مني دافق، أي مدفوق ~~مصبوب في الرحم، وأراد به ماء الرجل، وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما ~~وإنما جعله واحدا لامتزاجهما يخرج يعني ذلك الماء وهو المني، من بين الصلب ~~والترائب يعني صلب الرجل، وترائب المرأة، وهي عظام الصدر والنحر. قال ابن ~~عباس: هي موضع القلادة من الصدر، وعنه أنها بين ms3645 ثديي المرأة، قيل إن المني، ~~يخرج من جميع أعضاء الإنسان، وأكثر ما # PageV04P415 # يخرج من الدماغ، فينصب في عرق في ظهر الرجل، وينزل في عروق كثيرة من مقدم ~~بدن المرأة، وهي الترائب، فلهذا السبب خص الله تعالى، هذين العضوين بالذكر ~~إنه على رجعه لقادر يعني إن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل، ~~وقيل قادر على رد الماء في الصلب الذي خرج منه، وقيل قادر على رد الإنسان ~~ماء كما كان من قبل، وقيل معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن ~~الشباب إلى الصبا ومن الصبا، إلى النطفة وقيل إنه على حبس ذلك الماء حتى لا ~~يخرج لقادر، وقيل معناه إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء قادر على ~~إعادته حيا بعد موته، وهو أهون عليه، وهذا القول هو الأصح، والأولى بمعنى ~~الآية لقوله تعالى بعده يوم تبلى السرائر وذلك يوم القيامة. قيل معناه تظهر ~~الخبايا. وقيل معنى تبلى تختبر، وقيل السرائر هي فرائض الأعمال كالصوم، ~~والصلاة، والوضوء، والغسل من الجنابة، فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه عز ~~وجل وذلك لأن العبد قد يقول صليت ولم يصل، وصمت ولم يصم، واغتسلت ولم ~~يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر حتى يظهر من أداها ومن ضيعها. قال عبد ~~الله بن عمر: يبدي الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في وجوه وشينا ~~في وجوه، يعني من أدى الفرائض كما أمر كان وجهه مشرقا، مستنيرا يوم ~~القيامة، ومن ضيعها أو انتقص منها كان وجهه أغبر. ### || [سورة الطارق (86): الآيات 10 الى 17] # فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع ~~(12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) # إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # فما له أي لهذا الإنسان المنكر البعث. من قوة أي يمتنع بها من عذاب الله ~~ولا ناصر أي ينصره من الله، ثم ذكر قسما آخر فقال تعالى والسماء ذات الرجع ~~أي ذات المطر، سمي به لأنه يجيء ويرجع ويتكرر والأرض ذات ms3646 الصدع أي تتصدع ~~وتنبثق عن النبات، والشجر، والأنهار، وجواب القسم. # قوله تعالى: إنه يعني القرآن لقول فصل أي إنه لحق وجد يفصل بين الحق ~~والباطل. وما هو بالهزل أي باللعب والباطل. إنهم يعني مشركي مكة، يكيدون ~~كيدا يعني يحتالون بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين اجتمعوا في ~~دار الندوة وتشاوروا فيه. وأكيد كيدا يعني أجازيهم على كيدهم بأن استدرجهم ~~من حيث لا يعلمون فأنتقم منهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار فمهل ~~الكافرين أي لا تستعجل ولا تدع بهلاكهم. قال ابن عباس: هذا وعيد لهم من ~~الله عز وجل، ثم لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال قليل. فقال تعالى: ~~أمهلهم رويدا يعني قليلا، فأخذهم الله يوم بدر ونسخ الإمهال بآية السيف، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. # PageV04P416 ### | سورة الأعلى # مكية وهي تسع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وأحد وتسعون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # قوله عز وجل: سبح اسم ربك الأعلى أي قل سبحان ربي الأعلى، وهو قول جماعة ~~من الصحابة والتابعين يدل عليه ما روي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ سبح اسم ربك الأعلى، فقال سبحان ربي الأعلى»، ذكره البغوي بإسناد ~~الثعلبي، وقيل معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه الملحدون، فعلى هذا يكون ~~الاسم صلة، وقيل معناه نزه تسمية ربك الأعلى بأن تذكره وأنت له معظم، ~~ولذكره محترم. وقال ابن عباس: سبح أي صل بأمر ربك الأعلى. عن عقبة بن عامر، ~~قال: «لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها ~~في ركوعكم، ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم» أخرجه ~~أبو داود الذي خلق فسوى أي خلق كل ذي روح فسوى اليدين والرجلين والعينين، ~~وقيل خلق الإنسان مستويا معتدل القامة. # والذي قدر فهدى قيل قدر الأرزاق وهدى لاكتسابها، وقيل قدر ms3647 لكل شيء شكله ~~فهدى، أي فعرف كيف يأتي الذكر الأنثى وقيل قدر مدة الجنين في الرحم وهداه ~~إلى الخروج منه، وقيل قدر السعادة لأقوام، والشقاوة لأقوام، ثم هدى كل فريق ~~من الطائفتين لسلوك سبيل ما قدر له، وعليه، وقيل قدر الخير والشر، وهدى ~~إليهما، وقيل قدر أي أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه، وهدى الأنعام وسائر ~~الحيوانات لمراعيها، وهو قوله تعالى: # والذي أخرج المرعى أي أنبت العشب وما ترعاه الأنعام من أخضر وأصفر وأحمر ~~وأبيض وغير ذلك. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 5 الى 14] # فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) # سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) # فجعله يعني المرعى بعد الخضرة غثاء أي هشيما يابسا باليا كالغثاء الذي ~~تراه فوق السيل. # أحوى أي أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس سود. # قوله عز وجل: سنقرئك أي نعلمك القرآن بقراءة جبريل عليك. فلا تنسى يعني ~~ما يقرأ عليك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل جبريل بالوحي، ~~لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها، ~~مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى سنقرئك فلا تنسى فلم ينس شيئا بعد ذلك ~~إلا ما شاء الله يعني أن تنساه وهو ما نسخ الله تعالى تلاوته من القرآن ~~ورفعه من الصدور، وقيل معناه إلا ما شاء الله أن تنساه، ثم تذكره بعد ذلك، ~~كما # PageV04P417 # صح من حديث عائشة رضي الله عنها. قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت ~~أنسيتها من سورة كذا وكذا» وفي رواية «كنت أسقطتهن من سورة كذا» أخرجاه في ~~الصحيحين، وقيل هذا الاستثناء لم يقع، ولم يشأ الله أن ينسيه شيئا. إنه ~~يعلم الجهر يعني من القول والفعل. # وما يخفى ms3648 يعني منهما والمعنى، أنه تعالى يعلم السر والعلانية. ونيسرك ~~لليسرى أي نهون عليك أن تعمل خيرا ونسهله عليك حتى تعمله، وقيل نوفقك ~~للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة، وقيل هو متصل بالكلام الأول، والمعنى ~~إنه يعلم الجهر مما تقرؤوه على جبريل إذا فرغ من التلاوة، وما يخفى مما ~~تقرؤه في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده فقال: ونيسرك لليسرى أي نهون عليك ~~الوحي حتى تحفظه، ولا تنساه. فذكر أي فعظ بالقرآن. إن نفعت الذكرى أي مدة ~~نفع الموعظة، والتذكير، والمعنى عظ أنت، وذكر أن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، ~~إنما عليك البلاغ. سيذكر من يخشى أي سيتعظ من يخشى الله تعالى. يتجنبها # أي الذكرى ويتباعد عنها. شقى # أي في علم الله تعالى، الذي يصلى النار الكبرى أي النار العظيمة الفظيعة، ~~وقيل النار الكبرى هي نار الآخرة، والنار الصغرى هي نار الدنيا ثم لا يموت ~~فيها أي في النار فيستريح ولا يحيى أي حياة طيبة تنفعه. # قوله عز وجل: قد أفلح من تزكى أي تطهر من الشرك وقال لا إله إلا الله ~~قاله ابن عباس: وقيل قد أفلح من كان عمله زاكيا، وقيل هو صدقة الفطر، روي ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: قد أفلح من تزكى قال: أعطى صدقة ~~الفطر. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 15 الى 19] # وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى ~~(17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) # وذكر اسم ربه فصلى قال: خرج إلى العيد فصلى وكان ابن مسعود يقول: رحم ~~الله امرأ تصدق ثم صلى. ثم يقرأ هذه الآية وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى ~~الغداة يعني يوم العيد قال: يا نافع أخرجت الصدقة، فإن قلت نعم مضى إلى ~~المصلى، وإن قلت لا قال: فالآن فأخرج، فإنما هذه الآية في هذا قد أفلح من ~~تزكى، وذكر اسم ربه فصلى. # فإن قلت فما وجه هذا التأويل، وهذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا ~~زكاة فطر. # قلت يجوز أن يكون النزول ms3649 سابقا على الحكم، كما قال: وأنت حل بهذا البلد ~~وهذه السورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، وكذا نزل بمكة سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر، وكان ذلك يوم بدر. قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع ~~سيهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ~~ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. # ووجه آخر وهو أنه كان في علم الله تعالى أنه سيكون ذلك فأخبر عنه، وقيل ~~وذكر اسم ربه فصلى يعني الصلوات الخمس، وقيل أراد بالذكر تكبيرات العيد، ~~وبالصلاة صلاة العيد. # قوله عز وجل: بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى يعني أن الدنيا ~~فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على ~~الباقي قال عرفجة الأشج: كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون ~~لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة. قلنا لا قال: لأن الدنيا حضرت، وعجل ~~لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وإن الآخرة تغيبت وزويت عنا ~~فأحببنا العاجل، وتركنا الآجل، وقيل إن أريد بذلك الكفار، # PageV04P418 # فالمعنى أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإن ~~أريد بذلك المسلمون بالمعنى يؤثرون الاستكثار من الدنيا على الثواب الذي ~~يحصل في الآخرة، وهو خير وأبقى. إن هذا أي الذي ذكر من قوله قد أفلح من ~~تزكى إلى هنا، وهو أربع آيات. لفي الصحف الأولى أي الكتب المتقدمة التي ~~نزلت قبل القرآن، ذكر في تلك الصحف فلاح من تزكى والمصلي وإيثار الدنيا وإن ~~الآخرة خير وأبقى ثم بين ذلك فقال تعالى: # صحف إبراهيم وموسى يعني أن هذا القدر المذكور في صحف إبراهيم وموسى، وقيل ~~إنه مذكور في جميع صحف الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى لأن هذا القدر ~~المذكور في هذه الآيات لا تختلف فيه شريعة، بل جميع الشرائع متفقة عليه. # عن أبي ذر رضي الله عنه قال «دخلت المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن للمسجد تحية فقلت وما تحيته يا رسول الله، قال: ركعتان تركعهما، ~~قلت يا ms3650 رسول الله هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ ~~قال: يا أبا ذر اقرأ قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا، والآخرة خير وأبقى، إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى ~~قلت يا رسول الله، فما كان صحف موسى، قال: كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن ~~بالموت، كيف يفرح؟! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك؟! عجبت لمن رأى الدنيا ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن؟ عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب! عجبت لمن أيقن ~~بالحساب ثم لا يعمل»! أخرج هذا الحديث رزين في كتابه، وذكره ابن الأثير في ~~كتابه جامع الأصول. ولم يعلم عليه شيئا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا ~~أيها الكافرون، وقل هو الله أحد في ركعة ركعة». أخرجه الترمذي والنسائي. ~~وعن عبد العزيز بن جريج قال «سألنا عائشة بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالت كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية ~~بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد المعوذتين»، أخرجه أبو ~~داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب، والله أعلم. # PageV04P419 ### | سورة الغاشية # مكية وهي ست وعشرون آية واثنتان وتسعون كلمة وثلاثمائة واحد وثمانون حرفا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) # قوله عز وجل: هل أتاك أي قد أتاك حديث الغاشية يعني القيامة، سميت غاشية ~~لأنها تغشى كل شيء بأهوالها، وقيل الغاشية النار، سميت بذلك لأنها تغشى ~~وجوه الكفار وجوه يومئذ يعني يوم القيامة خاشعة يعني ذليلة، والمراد ~~بالوجوه أصحابها فعبر بالجزء عن الكل، ولأن الوجه أشرف أعضاء الإنسان، فعبر ~~به عنه. عاملة ناصبة قال ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا ms3651 على ~~غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وأصحاب ~~الصوامع، لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلال بل يدخلون النار يوم القيامة. ~~ومعنى النصب الدؤوب في العمل بالتعب. (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ~~وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أما الرواية فإنها تختص ~~بمن أحدث في دين الإسلام شيئا ابتدعه من عنده فهو مردود عليه لا يقبل منه. ~~وأما الرواية الثانية فإنها تشتمل على كل عامل في دين الإسلام، أو غير دين ~~الإسلام فإنه مردود عليه إذا لم يكن تابعا لنبينا صلى الله عليه وسلم. وقيل ~~في معنى الآية عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في الآخرة في النار. وقيل ~~عاملة ناصبة في النار، لأنها لم تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في ~~النار بمعالجة السلاسل والأغلال، وهي رواية عن ابن عباس قال ابن مسعود: ~~تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وقيل يجرون على وجوههم في النار، ~~وقيل يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار وهو قوله تعالى: تصلى نارا حامية ~~قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله عز وجل: تسقى من عين آنية ~~أي متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت لو وقعت منها قطرة على ~~جبال الدنيا لذابت فيدفعون إليها ورودا عطاشا، فهذا شرابهم، ثم ذكر طعامهم ~~فقال تعالى: # ليس لهم طعام إلا من ضريع قيل هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض تسميه قريش ~~الشبرق فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهي رواية عن ابن ~~عباس، فإذا يبس لا تقربه دابة، وقيل الضريع في الدنيا هو الشوك اليابس الذي ~~له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار، وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه ~~الضريع شيء في النار يشبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا ~~من النار، قال أبو الدرداء: ms3652 إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى ~~يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون ~~أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة ثم ~~يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، # PageV04P420 # ولا مريئة، فإذا أدنوه من وجوههم سلخ جلدة وجوههم، وشواها، فإذا وصل إلى ~~بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم قال المفسرون ~~فلما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع وكذبوا في ~~ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا فإذا يبس لا تأكله فأنزل الله تعالى: # ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 7 الى 17] # لا يسمن ولا يغني من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في ~~جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) # فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق ~~مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) # لا يسمن ولا يغني من جوع يعني إن هذا الطعام لا تقدر البهائم على أكله ~~فكيف يقدر الإنسان على أكله، فهو إذا لا يسمن ولا يغني من جوع. # فإن قلت قد ذكر الله تعالى في هذه الآية أنه لا طعام لهم إلا من ضريع، ~~وذكر في موضع آخر أنه لا طعام لهم إلا من غسلين، فكيف الجمع بينهما؟!. # قلت إن النار دركات فعلى قدر الذنوب تقع العقوبات، فمنهم من طعامه الزقوم ~~لا غير، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين. # ثم وصف أهل الجنة فقال تعالى: وجوه يومئذ ناعمة أي متنعمة ذات بهجة وحسن، ~~ونعمة، وكرامة لسعيها راضية أي لسعيها في الدنيا راضية في الآخرة حيث أعطيت ~~الجنة بعملها. في جنة عالية قيل هو من العلو الذي هو الشرف، وقيل من العلو ~~في المكان، وذلك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، كل درجة كما بين ~~السماء والأرض. لا تسمع فيها لاغية أي ليس فيها لغو ولا باطل. فيها عين ~~جارية على وجه الأرض في غير أخدود، وقيل تجري حيث أرادوا من منازلهم، ~~وقصورهم. فيها ms3653 سرر مرفوعة قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، ~~والياقوت، مرتفعة ما لم يجيء أهلها، فإذا أراد أهلها الجلوس عليها تواضعت ~~لهم حتى يجلسوا عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها وأكواب يعني الكيزان التي لا ~~عرى لها. # موضوعة يعني عندهم بين أيديهم، وقيل موضوعة على حافات العين الجارية كلما ~~أرادوا الشرب منها وجدوها مملوءة. ونمارق مصفوفة يعني وسائد ومرافق مصفوفة، ~~بعضها جنب بعض أينما أراد أن يجلس ولي الله جلس على واحدة، واستند إلى ~~الأخرى. وزرابي يعني البسط العريضة قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل، ~~واحدتها زربية مبثوثة أي مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس. # قوله عز وجل: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت قال أهل التفسير لما نعت ~~الله عز وجل ما في هذه السورة مما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، ~~فذكرهم الله صنعه، فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإنما بدأ بالإبل ~~لأنها من أنفس أموال العرب، ولهم فيها منافع كثيرة والمعنى إن الذي صنع لهم ~~هذا في الدنيا هو الذي صنع لأهل الجنة ما صنع وتكلمت علماء التفسير في وجه ~~تخصيص الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، فقال: مقاتل لأن العرب لم يروا ~~بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهد الفيل إلا النادر منهم، وقال الكلبي لأنها ~~تنهض بحملها وقد كانت باركة، وقال قتادة: لما ذكر الله تعالى ارتفاع سرر ~~الجنة وفرشها قالوا كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال: أما ~~الفيل فإن العرب بعيدة العهد به، ثم هو لا خير فيه لأنه لا يركب على ظهره، ~~ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل أعز مال للعرب، وأنفسه # PageV04P421 # تأكل النوى وألقت وغيره، وتخرج اللبن، ومن منافع الإبل أنها مع عظمها ~~تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف حتى أن الصبي الصغير يأخذ بزمامها ~~فيذهب بها حيث شاء، ومنها أنها فضلت على سائر الحيوانات بأشياء، وذلك أن ~~جميع الحيوانات إنما تقتنى إما للزينة ms3654 أو للركوب، أو للحمل، أو للبن، أو ~~لأجل اللحم، ولا توجد جميع هذه الخصال إلا في الإبل، فإنها زينة، وتركب ~~فيقطع عليها المفازات البعيدة، وتحمل الثقيل، وتحلب الكثير، ويأكل من لحمها ~~الجم الغفير، وتصبر على العطش عدة أيام، ومنها أن يحمل عليها، وهي باركة ثم ~~تنهض بحملها بخلاف سائر الحيوانات، ومنها أنها ترعى في كل نبات في البراري ~~مما لا يرعاه غيرها من الحيوانات، وهي سفن البر يحمل عليها الثقيل، ويقطع ~~عليها المفاوز البعيدة. وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر ~~إلى الإبل كيف خلقت. # فإن قلت كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والأرض والجبال، ولا مناسبة بينهما ~~ولم بدأ بذكر الإبل قبل السماء والأرض والجبال؟ # قلت لما كان المراد ذكر الدلائل الدالة على توحيده وقدرته، وأنه هو ~~الخالق لهذه الأشياء جميعها، وكانت الإبل من أعظم شيء عند العرب فينظرون ~~إليها ليلا ونهارا، ويصاحبونها ظعنا وأسفارا ذكرهم عظيم نعمته عليهم فيها ~~ولهذا بدأ بها ولأنها من أعجب الحيوانات عندهم. ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 18 الى 26] # وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف ~~سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) # إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم ~~(25) ثم إن علينا حسابهم (26) # وإلى السماء كيف رفعت يعني فوق الأرض بغير عمد، ولا ينالها شيء. وإلى ~~الجبال كيف نصبت أي على الأرض نصبا ثابتا راسخا لا يزول. وإلى الأرض كيف ~~سطحت أي بسطت، ومهدت بحيث يستقر على ظهرها كل شيء. قال ابن عباس: المعنى هل ~~يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء أو ينصب مثل الجبال، أو ~~يسطح مثل الأرض غير الله القادر على كل شيء. ولما ذكر الله تعالى دلائل ~~التوحيد ولم يعتبروا ولم يتفكروا فيها خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى فذكر إنما أنت مذكر أي فعظ إنما أنت واعظ لست عليهم بمصيطر أي بمسلط ~~فتكرههم على الإيمان، وهذه الآية منسوخة نسختها آية القتال. إلا من ms3655 تولى ~~وكفر استثناء منقطع عما قبله معناه لكن من تولى وكفر بعد التذكير فيعذبه ~~الله العذاب الأكبر وهو أن يدخله النار، وإنما قال: الأكبر لأنهم عذبوا في ~~الدنيا بأنواع من العذاب مثل الجوع، والقحط والقتل، والأسر، فكانت النار ~~أكبر من هذا كله. إن إلينا إيابهم أي رجوعهم بعد الموت. ثم إن علينا حسابهم ~~يعني جزاءهم بعد الرجوع إلينا، والله أعلم. # PageV04P422 ### | سورة الفجر # مكية وهي تسع وعشرون آية وقيل ثلاثون آية ومائة وتسعون كلمة وخمسمائة ~~وسبعة وتسعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الفجر (89): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) # قوله عز وجل: والفجر أقسم الله عز وجل بالفجر وما بعده لشرفها وما فيها ~~من الفوائد الدينية وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة، على التوحيد، ~~وفيها من الفوائد الدنيوية أنها تبعث على الشكر. # واختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس، أنه قال: الفجر هو ~~انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، ~~وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه ~~نشر الموتى من قبورهم للبعث. وعن ابن عباس أيضا أنه صلاة الفجر، والمعنى ~~أنه أقسم بصلاة الفجر لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة يشهدها ملائكة ~~الليل، وملائكة النهار، وقيل إنه فجر معين. # واختلفوا فيه، فقيل هو فجر أول يوم من المحرم، لأن منه تنفجر السنة، وقيل ~~هو فجر ذي الحجة، لأنه قرن به الليالي العشر، وقيل هو فجر يوم النحر، لأن ~~فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات. وليال عشر قيل إنما نكرها لما فيها من ~~الفضل، والشرف الذي لا يحصل في غيرها. روي عن ابن عباس أنها العشر الأول من ~~ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج، وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من ~~هذه الأيام العشر»، وذكر الحديث، وروي عن ابن عباس قال: هي العشر الأواخر ~~من ms3656 رمضان، لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله، يعني للعبادة ~~وقيل هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. ~~والشفع والوتر قيل الشفع هو الخلق، والوتر هو الله تعالى يروى ذلك عن أبي ~~سعيد الخدري، وقيل الشفع هو الخلق كالإيمان والكفر، والهدى، والضلالة، ~~والسعادة، والشقاوة، والليل، والنهار، والأرض، والسماء، والشمس، والقمر، ~~والبر، والبحر، والنور، والظلمة، والجن، والإنس. والوتر هو الله تعالى، ~~وقيل الخلق كله فيه شفع وفيه وتر. وقيل هما الصلوات منها شفع ومنها وتر عن ~~عمران بن حصين رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع ~~والوتر قال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» أخرجه الترمذي. وقال: حديث ~~غريب وعن ابن عباس قال: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب، وعن عبد ~~الله بن الزبير قال: الشفع النفر الأول، والوتر النفر الأخير، وروي أن رجلا ~~سأله عن الشفع، والوتر، والليالي العشر فقال: أما الشفع والوتر فقول الله ~~عز وجل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه فهما الشفع ~~والوتر، وأما الليالي العشر فالثمان، وعرفة والنحر، وقيل الشفع الأيام، ~~والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة معه، وهو يوم القيامة، # PageV04P423 # وقيل الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار لأنها سبع، فكأنه ~~أقسم بالجنة، والنار. وقيل الشفع أوصاف المخلوقين المتضادة، مثل العز، ~~والذل، والقدرة، والعجز، والقوة، والضعف، والغنى، والفقر، والعلم، والجهل، ~~والبصر، والعمى، والموت، والحياة، والوتر، صفات الله تعالى التي تفرد بها ~~عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وغنى بلا فقر، وعلم بلا جهل، ~~وحياة بلا موت. # ### || [سورة الفجر (89): الآيات 4 الى 8] # والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد ~~(6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) # والليل إذا يسر أي إذا سار وذهب، وقيل إذا جاء، ms3657 وأقبل، وأراد به كل ليلة، ~~وقيل هي ليلة المزدلفة، وهي ليلة النحر التي يسار فيها من عرفات إلى مزدلفة ~~فعلى هذا يكون المعنى والليل الذي يسار فيه. هل في ذلك أي فيما ذكرت قسم ~~مقنع ومكتفي في القسم فهو استفهام بمعنى التأكيد. لذي حجر أي لذي عقل سمي ~~بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي كما سمي عقلا لأنه يعقل ~~صاحبه عن القبائح، وسمي نهيه لأنه ينهى عما لا يحل، ولا ينبغي وأصل الحجر ~~المنع، ولا يقال ذو حجر إلا لمن هو قاهر لنفسه ضابط لها عما لا يليق، كأنه ~~حجر على نفسه ومنعها ما تريد، والمعنى إن من كان ذا لب، وعقل علم أن ما ~~أقسم الله عز وجل به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل تدل على توحيده، ~~وربوبيته. فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. قيل جواب القسم قوله ~~تعالى إن ربك لبالمرصاد، واعترض بين القسم وجوابه قوله تعالى ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد، وقيل جواب القسم محذوف وتقديره ورب هذه الأشياء ليعذبن ~~الكافر يدل عليه قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟ إلى قوله فصب عليهم ~~ربك سوط عذاب # ، وقوله عز وجل ألم تر كيف فعل ربك؟ أي ألم تعلم وإنما أطلق لفظ الرؤية ~~على العلم لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت معلومة عندهم. # وقوله: ألم تر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عام لكل أحد. كيف فعل ~~ربك بعاد إرم ذات العماد المقصود من ذلك تخويف أهل مكة وكيف أهلكهم وهم ~~كانوا أطول أعمارا، وأشد قوة، من هؤلاء فأما عاد فهو عاد بن عوص بن ارم بن ~~سام بن نوح، ومنهم من يجعل عادا اسما للقبيلة لقوله تعالى: وأنه أهلك عادا ~~الأولى وإرم هو جد عاد على ما ذكر في نسبه عاد. وقيل إن المتقدمين من قوم ~~عاد كانوا يسمون بإرم اسم جدهم. # وقيل إرم هم قبيلة من عاد، وكان فيهم الملك، وكانوا بمهرة اسم موضع ~~باليمن وكان ms3658 عاد أباهم فنسبوا إليه وهو إرم بن عاد بن شيم بن سام بن نوح ~~وقال الكلبي: إرم هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود أهل السواد، وأهل ~~الجزيرة، وكان يقال عاد إرم وثمود إرم فأهلك عاد وثمود، وأبقى أهل السواد، ~~وأهل الجزيرة وقال سعيد بن المسيب: إرم ذات العماد دمشق وقيل الإسكندرية، ~~وفيه ضعف لأن منازل عاد كانت من عمان إلى حضرموت، وهي بلاد الرمال ~~والأحقاف. وقيل إن عادا كانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع فإذا ~~هاج العود ويبس رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع ومنازلهم بوادي ~~القرى، وهي التي قال الله تعالى: التي لم يخلق مثلها في البلاد وسموا ذات ~~العماد لأنهم كانوا أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية ~~ابن عباس. وقيل سموا ذات العماد لطول قامتهم يعني طولهم، مثل العماد في ~~الشبه، قال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا، وقوله التي لم يخلق مثلها ~~في البلاد يعني لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول، والقوة، وهم الذين قالوا ~~«من أشد منا قوة». وقيل سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم، فشيد عمده ورفع ~~بناءه، وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا بعده، وقهرا البلاد والعباد ~~فمات شديد وخلص الملك لشداد فملك الدنيا ودانت له # PageV04P424 # ملوكها وكان يحب قراءة الكتب القديمة فسمع بذكر الجنة وصفتها فدعته نفسه ~~إلى بناء مثلها عتوا على الله وتجبرا روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة ~~أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو يسير في صحارى عدن إذ وقع على مدينة ~~في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها ~~أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها، وسل سيفه ~~ودخل من باب المدينة فإذا هو ببابين عظيمين وهما مرصعان بالياقوت الأحمر ~~فلما رأى ذلك دهش، ففتح الباب ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا ~~فيها قصور في كل قصر منها ms3659 غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب، والفضة، ~~وأحجار اللؤلؤ والياقوت وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة ~~يقابل بعضها بعضا وهي مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فلما ~~عاين ذلك ولم ير أحدا هاله ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا في تلك الأزقة أشجار ~~مثمرة، وتحت تلك الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها في قنوات من فضة فقال ~~الرجل في نفسه هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤ ترابها ومن بنادق مسكها ~~وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وحدث بما رأى فبلغ ذلك معاوية، ~~فأرسل إليه فقدم عليه فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية إلى كعب ~~الأحبار فلما أتاه قال له: يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة ~~قال نعم هي إرم ذات العماد بناها شداد بن عاد قال: فحدثني حديثها فقال لما ~~أراد شداد بن عاد عملها أمر عليها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من ~~الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر فخرجت ~~القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة فوقفوا على صحراء نقية من ~~التلال وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا هذه الأرض التي أمر الملك أن نبني ~~فيها فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، ~~وكان عمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه وقد فرغوا منها قال: انطلقوا فاجعلوا ~~حصنا يعني سورا واجعلوا حوله ألف قصر وعند كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر ~~وزير من وزرائي ففعلوا وأمر الملك وزراءه وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة ~~إلى إرم ذات العماد، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين ثم ساروا إليها ~~فلما كانوا من المدينة على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من كان معه ~~صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد ثم قال كعب: وسيدخلها رجل ~~من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يخرج ~~في طلب إبل له ثم # التفت فأبصر ms3660 عبد الله بن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. # ### || [سورة الفجر (89): الآيات 9 الى 10] # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) # قوله عز وجل: وثمود أي وفعل بثمود مثل ما فعل بعاد الذين جابوا أي قطعوا ~~الصخر أي الحجر بالواد يعني بوادي القرى وكانت ثمود أول من قطع الصخر ونحته ~~واتخذوا مساكن في الجبال وبيوتا. # وفرعون ذي الأوتاد سمي بذلك لكثرة جنوده وكثرة مضاربهم وخيامهم التي ~~كانوا يضربونها، إذا نزلوا، وقيل معناه ذي الملك كما قيل في ظل ملك راسخ ~~الأوتاد. # وقيل سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد وروى البغوي بإسناد الثعلبي ~~عن ابن عباس أن فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت عنده امرأة مؤمنة وهي ~~امرأة خازنة حزقيل وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ماشطة بنت ~~فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت ~~تعس من كفر بالله فقالت بنت فرعون وهل لك من إله غير أبي فقالت إلهي وإله ~~أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت ودخلت على أبيها وهي تبكي ~~فقال لها ما يبكيك قالت الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهنا وإله ~~السموات والأرض واحد لا شريك له فأرسل إليها فسألها عن ذلك فقالت صدقت فقال ~~لها: ويحك اكفري بإلهك وقري أني إلهك قالت لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ~~ثم أرسل عليها الحيات والعقارب وقال لها: # PageV04P425 # اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت لو عذبتني سبعين شهرا ما ~~كفرت بالله وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قلبها ثم قال ~~اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعا فقالت لو ذبحت من في ~~الأرض على في ما كفرت بالله عز وجل فأتى بابنتها فلما اضطجعت على صدرها ~~وأراد ذبحها جزعت المرأة فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت وهي من الأربعة ~~الذين تكلموا في المهد صغارا أطفالا وقالت يا أماه لا تجزعي فإن الله قد ~~بنى لك بيتا في ms3661 الجنة فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته فذبحت فلم ~~تلبث الأم أن ماتت فأسكنها الله الجنة قال: وبعث في طلب زوجها حزقيل فلم ~~يقدروا عليه فقيل لفرعون إنه قد رؤي في موضع كذا في جبل كذا فبعث رجلين في ~~طلبه فانتهى إليه الرجلان، وهو يصلي وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلون فلما ~~رأوا ذلك انصرفوا فقال، حزقيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ~~ولم يظهر علي أحد فأيما هذين الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من ~~الدنيا سؤاله وأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل عقوبته في الدنيا واجعل ~~مصيره في الآخرة إلى النار فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر ~~وآمن وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ فقال له فرعون وهل معك ~~غيرك قال نعم فلان فدعا به فقال أحق ما يقول هذا قال ما رأيت مما يقول شيئا ~~فأعطاه فرعون وأجزل وأما الآخر فقتله ثم صلبه قال: وكان فرعون قد تزوج ~~امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع ~~فرعون بالماشطة، فقالت وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي فرعون وأنا مسلمة ~~وفرعون كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا ~~منها، فقالت يا فرعون أنت أشر الخلق وأخبثهم، عمدت إلى الماشطة فقتلتها قال ~~فلعل بك الجنون الذي كان بها، قالت: ما بي جنون وإن إلهها وإلهك وإلهي وإله ~~السموات والأرض واحد لا شريك له فبصق عليها وضربها، وأرسل إلى أبيها وأمها ~~فدعاهما وقال لهما: إن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها، قالت: أعوذ بالله ~~من ذلك، إني أشهد أن ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك له، فقال ~~لها أبوها: # يا آسية ألست من خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق قالت: أعوذ بالله ~~من ذلك إن كان ما يقول حقا فقولا له أي يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه ~~والقمر خلفه والكواكب حوله. فقال لهما فرعون أخرجا عني ثم مدها بين أربعة ~~أوتاد ms3662 يعذبها ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، ~~فعند ذلك «قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله»، فقبض ~~الله روحها وأدخلها الجنة. # ### || [سورة الفجر (89): الآيات 11 الى 15] # الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) # قوله عز وجل: الذين طغوا في البلاد يعني عادا وثمودا وفرعون عملوا ~~بالمعاصي، وتجبروا، ثم فسر ذلك الطغيان بقوله فأكثروا فيها الفساد يعني ~~القتل والفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر فكذلك ~~الفساد يتناول جميع أقسام الإثم. فصب عليهم ربك سوط عذاب يعني لونا من ~~العذاب صبه عليهم، وقيل هو تشبيه بما يكون في الدنيا من العذاب بالسوط، ~~وقيل هو إشارة إلى ما خلط لهم من العذاب، لأن أصل السوط خلط الشيء بعضه ~~ببعض وقيل هذا على الاستعارة، لأن السوط غاية العذاب فجرى ذلك لكل نوع منه. ~~وقيل جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية يقول إن ~~عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. إن ربك لبالمرصاد قال ابن عباس ~~يعني بحيث يرى ويسمع، وقيل عليه طريق العباد، لا يفوته أحد وقيل عليه ممر ~~الناس لأن الرصد والمرصاد الطريق. وقيل ترجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه ~~مصيرهم، وقيل إنه يرصد أعمال بني آدم. والمعنى أنه لا يفوته شيء من أعمال ~~العباد، كما لا يفوت من المرصاد، وقد قيل أرصد النار على طريقهم حتى ~~تهلكهم. # PageV04P426 # قوله عز وجل: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي امتحنه ربه أي بالنعمة ~~فأكرمه أي بالمال ونعمه أي بما يوسع عليه فيقول ربي أكرمن أي بما أعطاني من ~~المال والنعمة. # ### || [سورة الفجر (89): الآيات 16 الى 21] # وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا ~~تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا ~~لما (19) وتحبون المال حبا جما ms3663 (20) # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) # وأما إذا ما ابتلاه يعني بالفقر فقدر عليه أي فضيق عليه، وقيل قتر. رزقه ~~أي وقد أعطاه ما يكفيه. فيقول ربي أهانن أي أذلني بالفقر، قيل نزلت في أمية ~~بن خلف الجمحي الكافر، وقيل ليس المراد به واحدا بعينه، بل المراد جنس ~~الكافر، وهو الذي تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا ~~وقلته فرد الله تعالى على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال ~~تعالى: كلا أي ليس الأمر كذلك، أي لم أبتله بالغنى لكرامته، ولم أبتله ~~بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال، وسعة الرزق ~~وقلته، ولكن الغنى والفقر بتقدير الله جل جلاله وحكمته فقد يوسع على الكافر ~~لا لكرامته، ويضيق على المؤمن لا لهوانه، لكن لأمر اقتضته حكمة الله تعالى، ~~وإنما يكرم المرء بطاعته، ويهينه بمعصيته، وقد يوسع على الإنسان من أصناف ~~المال ليختبره، أيشكر أم يكفر، ويضيق عليه ليختبره، أيصبر أم يضجر، ويقلق. ~~بل لا تكرمون اليتيم أي لا يعطونه حقه الثابت له في الميراث قال مقاتل: كان ~~قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه. ولا تحاضون ~~على طعام المسكين أي لا يطعمون مسكينا، ولا يأمرون بإطعامه، وقرئ ولا ~~يحاضون ومعناه، ولا يحض بعضهم بعضا على ذلك. وتأكلون التراث أي الميراث ~~أكلا لما أي شديدا، والمعنى أنه يأكل نصيبه ونصيب غيره، وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصبيان، ويأكلون نصيبهم، وقيل الآكل اللم ~~الذي يأكل كل شيء يجده لا يسأل أحلال أم حرام، فيأكل الذي له ولغيره. # وتحبون المال حبا جما أي كثيرا والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به، ~~وبحبه. كلا أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه. ~~وقيل معناه لا يفعلون ما أمروا به من إكرام اليتيم وغيره من المسلمين، ثم ~~أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم، وذلك حين لا ينفعهم الندم. فقال تعالى: ~~إذا دكت ms3664 الأرض دكا دكا أي دقت وكسرت مرة بعد مرة، وكسر كل شيء عليها من جبل ~~وبناء وغيره، حتى لا يبقى على ظهرها شيء. ### || [سورة الفجر (89): الآيات 22 الى 28] # وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى ~~له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ~~(25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) # يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) # وجاء ربك اعلم أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة ~~السلف وبعض الخلف، فلم يتكلموا فيها وأجروها كما جاءت من غير تكييف ولا ~~تشبيه ولا تأويل، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، وتأولها ~~بعض المتأخرين، وغالب المتكلمين فقالوا ثبت بالدليل العقلي، أن الحركة على ~~الله محال، فلا بد من تأويل الآية. فقيل في تأويلها وجاء أمر ربك بالمحاسبة ~~والجزاء. وقيل جاء أمر ربك وقضاؤه. وقيل وجاء دلائل آيات ربك فجعل مجيئها ~~مجيئا له تفخيما لتلك الآيات. والملك صفا صفا أي تنزل ملائكة كل سماء صفا ~~صفا على حدة، فيصطفون صفا بعد صف، محدقين بالجن والإنس، فيكونون سبع # PageV04P427 # صفوف. وجيء يومئذ يعني يوم القيامة بجهنم قال ابن مسعود: في هذه الآية ~~تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيط وزفير حتى ~~تنصب عن يسار العرش يومئذ يعني يوم يجاء بجهنم يتذكر الإنسان أي يتعظ ~~الكافر ويتوب. وأنى له الذكرى يعني أنه يظهر التوبة، ومن أين له التوبة. # يقول يا ليتني قدمت لحياتي أي قدمت الخير، والعمل الصالح لحياتي في ~~الآخرة التي لا موت فيها. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد أي لا يعذب أحد في ~~الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ. ولا يوثق وثاقه أحد يعني لا يبلغ أحد من ~~الخلق كبلاغ الله في العذاب، والوثاق هو الأسر في السلاسل، والأغلال، وقرئ ~~لا يعذب، ولا يوثق بفتح الذال والثاء، ومعناه لا يعذب عذاب هذا الكافر أحد، ~~ولا يوثق وثاقه أحد، وهو أمية بن خلف، وذلك لشدة كفره ms3665 وعتوه. # قوله عز وجل: يا أيتها النفس المطمئنة أي الثابتة على الإيمان، والإيقان، ~~المصدقة بما قال الله تعالى، الموقنة التي قد أيقنت بالله تعالى، وبأن الله ~~ربها، وخضعت لأمره، وطاعته، وقيل المطمئنة المؤمنة، الموقنة، وقيل هي ~~الراضية بقضاء الله، وقيل هي الآمنة من عذاب الله، وقيل هي المطمئنة بذكر ~~الله قيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد بأحد، وقيل في حبيب بن عدي ~~الأنصاري، وقيل في عثمان حين اشترى بئر رومة وسبلها وقيل في أبي بكر الصديق ~~والأصح أن الآية عامة في كل نفس مؤمنة مطمئنة، لأن هذه السورة مكية ارجعي ~~إلى ربك أي إلى ما وعد ربك من الجزاء والثواب، قيل يقال لها ذلك عند خروجها ~~من الدنيا. # قال عبد الله بن عمر: إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل إليه ~~ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي ~~إلى روح وريحان، وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، ~~والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة ~~فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك، إلا صلى عليها حتى يؤتى بها الرحمن جل ~~جلاله، فتسجد له ثم يقال لميكائيل اذهب بهذه النفس فاجعلها مع أنفس ~~المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا، طوله ~~وينبذ له فيه الروح والريحان، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم ~~يكن جعل له نور مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس ينام فلا يوقظه ~~إلا أحب أهله إليه، وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين، وأرسل قطعة من ~~بجاد أي من كساء أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال أيتها النفس ~~الخبيثة، اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم، وربك عليك غضبان وقيل في معنى قوله ~~ارجعي إلى ربك أي إلى صاحبك وهو الجسد، وإنما يقال لها ذلك عند البعث فيأمر ~~الله الأرواح أن ترجع إلى أجسادها، وهو قول عكرمة ms3666 وعطاء والضحاك ورواية عن ~~ابن عباس. وقيل ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته راضية أي عن الله بما أعد لك ~~مرضية أي رضي الله عنها، وقيل لها في الدنيا ارجعي إلى ربك راضية مرضية، ~~فإذا كان يوم القيامة قيل لها. ### || [سورة الفجر (89): الآيات 29 الى 30] # فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30) # فادخلي في عبادي أي في جملة عبادي، الصالحين المصطفين وادخلي جنتي قال ~~سعيد بن جبير: # مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته، فجاء طائر لم ير على خلقه طائر قط، ~~فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ~~يدرى من تلاها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي ~~في عبادي وادخلي جنتي، وقال: بعض أهل الإشارة في تفسير هذه الآية يا أيتها ~~النفس المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي إلى ربك بتركها، والرجوع إليه هو سلوك ~~سبيل الآخرة والله أعلم. # PageV04P428 ### | سورة البلد # (مكية وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا) بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة البلد (90): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد (4) # قوله عز وجل: لا أقسم بهذا البلد تقدم الكلام على قوله لا أقسم في أول ~~سورة القيامة، والبلد هي مكة في قول جميع المفسرين. وأنت حل بهذا البلد أي ~~مقيم به، نازل فيه، فكأنه عظم حرمة مكة من أجل أنه صلى الله عليه وسلم مقيم ~~بها وقيل حل أي حلال، والمعنى أحلت لك تصنع فيها ما تريد من القتل، والأسر، ~~ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها، أحل الله عز وجل له مكة يوم ~~الفتح حتى قاتل، وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن ~~صبابة وغيرهما، وأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم آخرين، فقال من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ثم قال بعد ~~ذلك إن ms3667 الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل ~~لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار فهي حرام بحرمة الله إلى يوم ~~القيامة، والمعنى أن الله تعالى لما أقسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها، ~~وشرفها، وحرمتها، ومع ذلك فقد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه يحلها له ~~حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى في الماضي، ~~وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في المستقبل بعد الهجرة، وخروجه منها، فكان ~~كما وعده، وقيل في معنى قوله وأنت حل بهذا البلد، أي أنهم يحرمون أن يقتلوا ~~به صيدا، ويستحلون قتلك فيه، وإخراجك منه. # ووالد وما ولد يعني آدم وذريته أقسم الله تعالى بمكة لشرفها، وحرمتها، ~~وبآدم، وبالأنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر وإن كان من ذريته فلا ~~حرمة له حتى يقسم به، وجواب القسم قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في كبد ~~قال ابن عباس: في نصب، وقيل يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة، وعنه أيضا ~~قال: في شدة من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، وفصاله، ومعاشه، وحياته، ~~وموته وأصل الكبد الشدة، وقيل لم يخلق الله خلقا يكابد، ما يكابد ابن آدم، ~~وهو مع ذلك أضعف الخلق، وعن ابن عباس أيضا قال: الكبد الاستواء، ~~والاستقامة، فعلى هذا يكون المعنى، خلقنا الإنسان منتصبا معتدل القامة، وكل ~~شيء من الحيوان يمشي منكبا، وقيل منتصبا، رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله في ~~خروجه انقلب رأسه إلى أسفل، وقيل في كبد أي في قوة نزلت في أبي الأشد أسيد ~~بن كلدة بن جمح، وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه، ويقول من ~~أزالني عنه فله كذا وكذا فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا، ويبقى من ~~ذلك الأديم بقدر موضع قدميه. # PageV04P429 # ### || [سورة البلد (90): الآيات 5 الى 11] # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) فلا اقتحم العقبة ms3668 (11) # أيحسب أبو الأشد من قوته أن لن يقدر عليه أحد يعني أيظن لشدته في نفسه، ~~أنه لا يقدر عليه الله، وقيل هو الوليد بن المغيرة المخزومي. يقول يعني هذا ~~الكافر أهلكت أي أنفقت مالا لبدا أي كثيرا من التلبيد الذي يكون بعضه فوق ~~بعض. يعني في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم أيحسب أن لم يره أحد يعني أيظن ~~أن لله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وقيل كان ~~كاذبا في قوله، إنه أنفق ولم ينفق جميع ما قال والمعنى أيظن أن الله لم ير ~~ذلك منه فيعلم مقدار نفقته. ثم ذكره نعمه عليه ليعتبر فقال تعالى: ألم نجعل ~~له عينين ولسانا وشفتين يعني أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقروه بها كي ~~يشكره، وجاءه في الحديث «إن الله عز وجل يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما ~~حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق عليه، وإن نازعك بصرك فيما حرمت ~~عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق عليه، وإن نازعك فرجك فيما حرمت عليك ~~فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق عليه». وهديناه النجدين قال أكثر المفسرين ~~طريق الخير والشر والحق، والباطل، والهدى، والضلالة، وقال ابن عباس: ~~الثديين فلا اقتحم العقبة أي فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك ~~الرقاب وإطعام المساكين يكون ذلك خيرا له من إنفاقه في عداوة من أرسله الله ~~إليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه لم يقتحمها ولا جاوزها ~~والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة مثل ضربه الله تعالى: ~~لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال الخير، والبر، فجعله كالذي يتكلف ~~صعود العقبة يقول الله عز وجل: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة، ~~والإطعام، وقيل إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بالعقبة، فإذا أعتق رقبة ~~وأطعم المساكين. كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها، وروي عن ابن عمر أن هذه ~~العقبة جبل في جهنم، وقيل هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها ~~بطاعة الله ومجاهدة النفس، وقيل هي ms3669 الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف ~~مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودا وهبوطا، وأن بجنبيه كلاليب وخطاطيف، ~~كأنها شوك السعدان فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في الناس منكوس، فمن ~~الناس من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر ~~كالفارس، ومنهم من يمر كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من ~~يزحف زحفا ومنهم الزالون ومنهم من يكردس في النار، وقيل معنى الآية: فهلا ~~سلك طريق النجاة ثم بين ما هي. فقال تعالى: ### || [سورة البلد (90): الآيات 12 الى 17] # وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) ~~يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) # ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) # وما أدراك ما العقبة أي وما أدراك ما اقتحام العقبة فك رقبة يعني عتق ~~الرقبة وهو إيجاب الحرية لها، وإبطال الرق، والعبودية عنها، وذلك بأن يعتق ~~الرجل الرقبة التي في ملكه، أو يعطي مكاتبا ما يصرفه في فكاك رقبته ومن ~~أعتق رقبة كانت فداءه من النار (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو ~~منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه» وروى البغوي بسنده عن البراء بن ~~عازب قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~علمني عملا يدخلني الجنة قال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق ~~النسمة، وفك الرقبة قال أوليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، ~~وفك الرقبة أن تعين في ثمنها والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم، ~~فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، ~~فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير» وقيل في معنى الآية وفك رقبة من رق ~~الذنوب بالتوبة وبما يتكلفه من العبادات، والطاعات التي يصير بها إلى رضوان ~~الله، والجنة فهي الحرية الكبرى ويتخلص بها من النار ms3670 أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة أي في يوم ذي مجاعة والسغب الجوع يتيما ذا مقربة أي ذا قرابة يريد ~~يتيما بينك وبينه قرابة أو مسكينا ذا متربة يعني قد لصق بالتراب من # PageV04P430 # فقره وضره وقال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء والمتربة ~~الفقر، ثم بين أن هذه القرب لا تنفع إلا مع الإيمان بقوله ثم كان من الذين ~~آمنوا والمعنى أنه كان مؤمنا تنفعه هذه القرب، وكان مقتحما العقبة، وإن لم ~~يكن مؤمنا لا تنفعه هذه القرب ولا يقتحم العقبة وتواصوا بالصبر يعني وصى ~~بعضهم بعضا على الصبر على أداء الفرائض، وجميع أوامر الله ونواهيه. وتواصوا ~~بالمرحمة أي برحمة الناس وفيه الإشارة إلى تعظيم أمر الله والشفقة على خلق ~~الله. ### || [سورة البلد (90): الآيات 18 الى 20] # أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) ~~عليهم نار مؤصدة (20) # أولئك يعني أهل هذه الخصال أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة عليهم نار مؤصدة يعني مطبقة عليهم أبوابها لا يدخل فيها روح ولا ~~يخرج منها غم. # والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. # PageV04P431 ### | سورة الشمس # مكية وهي خمس عشرة آية وأربع وخمسون كلمة ومائتان وسبعة وأربعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الشمس (91): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # قوله عز وجل: والشمس وضحاها أي إذا بدا ضوءها والضحى حين ترتفع الشمس، ~~ويصفو ضوءها، وقيل الضحى النهار كله لأن الضحى هو نور الشمس، وهو حاصل في ~~النهار كله، وقيل الضحى هو حر الشمس لأن حرها ونورها متلازمان، فإذا اشتد ~~نورها قوى حرها وهذا أضعف الأقوال. والقمر إذا تلاها أي تبعها وذلك في ~~النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في ~~النور، وقيل تلاها في الاستدارة وذلك حين يكمل ضوءه، ويستدير وذلك في ~~الليالي البيض، وقيل تلاها تبعها في الطلوع، وذلك في أول ليلة من الشهر إذا ~~غربت الشمس ظهر الهلال فكأنه ms3671 تبعها. والنهار إذا جلاها يعني جلا ظلمة الليل ~~بضيائه وكشفها بنوره، وهو كناية عن غير مذكور لكونه معروفا والليل إذا ~~يغشاها أي يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق وحاصل هذه الأقسام الأربعة ~~ترجع إلى الشمس في الحقيقة. لأن بوجودها يكون النهار ويشتد الضحى، وبغروبها ~~يكون الليل ويتبعها القمر. ### || [سورة الشمس (91): الآيات 5 الى 8] # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) # والسماء وما بناها أي ومن بناها، وقيل والذي بناها فعلى هذا كأنه أقسم به ~~وبأعظم مخلوقاته، ومعنى بناها خلقها، وقيل ما بمعنى المصدر أي والسماء ~~وبنائها والأرض وما طحاها أي بسطها وسطحها على الماء ونفس وما سواها أي عدل ~~خلقها وسوى أعضاءها هذا إن أريد بالنفس الجسد وإن أريد بها المعنى القائم ~~بالجسد فيكون معنى سواها أعطاها القوى الكثيرة كالقوة الناطقة، والسامعة ~~والباصرة، والمفكرة، والمخيلة وغير ذلك من العلم، والفهم، وقيل إنما نكرها ~~لأنه أراد بها النفس الشريفة المكلفة التي تفهم عنه خطابه، وهي نفس جميع من ~~خلق من الإنس والجن فألهمها فجورها وتقواها قال ابن عباس: بين لها الخير ~~والشر وعنه علمها الطاعة والمعصية، وعنه عرفها ما تأتي وما تتقي، وقيل ~~ألزمها فجورها، وتقواها، وقيل وجعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه ~~إياها للفجور، وذلك لأن الله تعالى خلق في المؤمن التقوى، وفي الكافر ~~الفجور (م) عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل ~~الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم، فقلت ~~بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم، فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا ~~شديدا، وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون فقال ~~لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأختبر عقلك «إن # PageV04P432 # رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ~~أرأيت ms3672 ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم، ومضى عليهم، من ~~قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت ~~الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ~~عز وجل، ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها» (م) عن جابر قال: «جاء ~~سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن ~~فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير أو فيما يستقبل ~~قال: لا بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير قال: ففيم العمل؟ فقال ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له» وهذه أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها وما بعدها ~~لشرفها ومصالح العالم بها، وقيل فيه إضمار تقديره ورب الشمس وما بعدها. # وأورد على هذا القول أنه قد دخل في جملة هذا القسم قوله، والسماء وما ~~بناها وذلك هو الله تعالى، فيكون التقدير رب السماء، ورب من بناها، وهذا ~~خطأ لا يجوز وأجيب عنه بأن ما إن فسرت بالمصدرية فلا إشكال وإن فسرت بمعنى ~~من فيكون التقدير ورب السماء الذي بناها وجواب القسم قوله تعالى: ### || [سورة الشمس (91): الآيات 9 الى 14] # قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ ~~انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) # قد أفلح من زكاها المعنى لقد أفلح من زكاها أي فازت وسعدت نفس زكاها الله ~~أي أصلحها وطهرها من الذنوب، ووفقها للطاعة. وقد خاب من دساها أي خابت ~~وخسرت نفس أضلها الله تعالى، وأفسدها، وأصله من دس الشيء إذا أخفاه فكأنه ~~سبحانه وتعالى أقسم بأشرف مخلوقاته على فلاح من طهره، وزكاه، وخسارة من ~~خذله، وأضله حتى لا يظن أحد أنه يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية من ~~غير قدر متقدم وقضاء سابق (م) عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول «اللهم إني أعوذ بك من ms3673 العجز، والكسل، والبخل، والهرم وعذاب ~~القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها، ومولاها، ~~اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع، ومن ~~دعوة لا يستجاب لها». # قوله عز وجل: كذبت ثمود وهم قوم صالح عليه الصلاة والسلام بطغواها أي ~~بطغيانها وعدوانها، والمعنى أن الطغيان حملهم على التكذيب حتى كذبوا إذ ~~انبعث أشقاها أي قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحا ~~انبعث أشقى القوم وهو قدار بن سالف، وكان رجلا أشقر أزرق العين قصيرا فعقر ~~الناقة (ق) عن عبد الله بن زمعة «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ~~وذكر الناقة، والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا انبعث ~~أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في أهله مثل أبي زمعة» لفظ البخاري ~~قوله عارم أي شديد ممتنع. # قوله تعالى: فقال لهم رسول الله يعني صالحا عليه الصلاة والسلام ناقة ~~الله أي ذروا ناقة الله وإنما قال لهم ذلك لما عرف منهم أنهم قد عزموا على ~~عقرها وإنما أضافها إلى الله تعالى لشرفها كبيت الله. # وسقياها أي وشربها ولا تتعرضوا للماء يوم شربها فكذبوه يعني صالحا ~~فعقروها يعني الناقة فدمدم عليهم ربهم أي فدمر عليهم ربهم وأهلكهم والدمدمة ~~هلاك استئصال، وقيل دمدم أي أطبق عليهم العذاب طبقا حتى لم ينفلت منهم أحد ~~بذنبهم أي فعلنا ذلك بهم بسبب ذنبهم، وهو تكذيبهم صالحا عليه الصلاة ~~والسلام وعقرهم الناقة فسواها أي فسوى الدمدمة عليهم جميعا وعمهم بها، وقيل ~~معناه فسوى بين الأمة وأنزل بصغيرهم، وكبيرهم، وغنيهم، وفقيرهم العذاب، ولا ~~يخاف عقباها أي لا يخاف الله تبعة من أحد في هلاكهم كذا قال ابن عباس: وقيل ~~هو راجع إلى العاقر والمعنى لا يخاف العاقر عقبى ما قدم عليه من عقر ~~الناقة، وقيل هو راجع إلى صالح عليه الصلاة والسلام والمعنى لا يخاف صالح ~~عاقبة ما أنزل الله بهم من العذاب أن يؤذيه أحد بسب ذلك ms3674 والله أعلم. # PageV04P433 ### | سورة والليل # مكية وهي إحدى وعشرون آية وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الليل (92): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # فأما من أعطى واتقى (5) # قوله عز وجل: والليل إذا يغشى أي يغشى النهار بظلمته فيذهب الله بضوئه. ~~أقسم الله تعالى بالليل لأنه سكن لكافة الخلق يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه، ~~ويسكن عن الاضطراب، والحركة، ثم أقسم بالنهار بقوله والنهار إذا تجلى أي ~~بان وظهر بعد الظلمة لأن فيه حركة الخلق في طلب الرزق وما خلق الذكر ~~والأنثى أي ومن خلق فعلى هذا يكون أقسم بنفسه تعالى، والمعنى والقادر ~~العظيم الذي قدر على خلق الذكر، والأنثى من ماء واحد إن أريد به جنس الذكر ~~والأنثى، وقيل هما آدم وحواء، وإنما أقسم بهما لأنه تعالى ابتدأ خلق آدم من ~~طين وخلق منه حواء من غير أم وجواب القسم قوله تعالى: إن سعيكم لشتى أي إن ~~أعمالكم لمختلفة فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها روى أبو مالك الأشعري عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها ~~أو موبقها» قوله موبقها أي مهلكها. # قوله تعالى: فأما من أعطى أي أنفق ماله في سبيل الله عز وجل: واتقى أي ~~ربه، وفيه إشارة إلى الاحتراز عن كل ما لا ينبغي. ### || [سورة الليل (92): الآيات 6 الى 10] # وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب ~~بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) # وصدق بالحسنى قال ابن عباس صدق بقول لا إله إلا الله وعنه صدق بالخلف به، ~~أي أيقن أن الله سيخلف عليه ما أنفقه في طاعته، وقيل صدق بالجنة، وقيل صدق ~~بموعد الله عز وجل الذي وعده أنه يثيبه فسنيسره فسنهيئه في الدنيا لليسرى ~~أي للخلة والفعلة اليسرى، وهو العمل بما يرضاه الله. # قوله عز وجل: وأما من بخل أي بالنفقة في الخير والطاعة واستغنى أي عن ~~ثواب الله ms3675 تعالى فلم يرغب فيه وكذب بالحسنى أي بلا إله إلا الله أو كذب بما ~~وعده الله عز وجل من الجنة والثواب فسنيسره للعسرى أي فسنهيئه للشر بأن ~~نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضى الله تعالى فيستوجب بذلك النار، وقيل ~~نعسر عليه أن يأتي خيرا وفي الآية دليل لأهل السنة وصحة قولهم في القدر وأن ~~التوفيق والخذلان والسعادة والشقاوة بيد الله تعالى، ووجوب العمل بما سبق ~~له في الأزل (ق) عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «كنا في جنازة ~~في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ~~ومعه مخصرة فنكس، وجعل ينكت # PageV04P434 # بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من ~~الجنة» زاد مسلم «1» «وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة فقالوا: يا رسول الله ~~أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من ~~كان من أهل السعادة فيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة، ~~فيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى المخصرة بكسر ~~الميم كالسوط والعصا، ونحو ذلك مما يمسكه الإنسان بيده، والنكت بالتاء ~~المثناة فوق ضرب الأرض بذلك أو غيرها مما يؤثر فيه الضرب، وهذه الآية نزلت ~~في أبي بكر الصديق، وذلك أنه اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق ~~فأعتقه، فأنزل الله تعالى والليل إذا يغشى إلى قوله إن سعيكم لشتى يعني سعي ~~أبي بكر وأمية بن خلف، وقيل كان لرجل من الأنصار نخلة وفرعها في دار رجل ~~فقير وله عيال، فكان صاحب النخلة إذا طلع نخلته ليأخذ منها التمر فربما ~~سقطت التمرة، فيأخذها صبيان ذلك الفقير، فينزل الرجل عن نخلته حتى يأخذ ~~التمرة من أيديهم وإن وجدها في فم أحدهم أدخل إصبعه في فيه حتى يخرجها فشكا ~~ذلك الرجل الفقير إلى النبي صلى الله عليه ms3676 وسلم فلقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم صاحب النخلة فقال له: تعطيني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها ~~نخلة في الجنة فقال الرجل: إن لي نخلا، وما فيه أعجب إلي منها ثم ذهب، فسمع ~~بذلك أبو الدحداح رجل من الأنصار، فقال لصاحب النخلة هل لك أن تبيعها بحش ~~يعني حائطا له فيه نخل، فقال هي لك فأتى أبو الدحداح إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتريها مني بنخلة في ~~الجنة، فقال نعم فقال هي لك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل ~~الفقير جار الأنصاري صاحب النخلة قال خذها لك ولعيالك فأنزل الله هذه ~~الآية، وهذا القول فيه ضعف لأن هذه السورة مكية، وهذه القصة كانت بالمدينة ~~فإن كانت القصة صحيحة تكون هذه السورة قد نزلت بمكة، وظهر حكمها بالمدينة، ~~والصحيح أنها نزلت في أبي بكر الصديق وأمية بن خلف لأن سياق الآيات يقتضي ~~ذلك. # ### || [سورة الليل (92): الآيات 11 الى 18] # وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة ~~والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) # الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) # قوله عز وجل: وما يغني عنه ماله أي الذي بخل به إذا تردى أي إذا مات، ~~وقيل هوى في جهنم إن علينا للهدى أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق ~~الضلالة وذلك أنه لما عرفهم ما للمحسن من اليسرى، وما للمسيء من العسرى ~~أخبرهم أن بيده الإرشاد والهداية وعليه تبيين طريقها، وقيل معناه إن علينا ~~للهدى والإضلال فاكتفى بذكر أحدهما، والمعنى أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ~~وأصرف أعدائي عن العمل بطاعتي، وقيل معناه من سلك سبيل الهدى فعلى الله ~~سبيله. وإن لنا للآخرة والأولى أي لنا ما في الدنيا والآخرة فمن طلبهما من ~~غير مالكهما فقد أخطأ الطريق فأنذرتكم أي يا أهل مكة نارا تلظى أي تتوقد ~~وتتوهج لا يصلاها إلا الأشقى يعني الشقي الذي كذب يعني ms3677 الرسل وتولى أي عن ~~الإيمان وسيجنبها الأتقى يعني التقي الذي يؤتي أي يعطي ماله يتزكى أي يطلب ~~عند الله أن يكون زاكيا لا يطلب بما ينفقه رياء ولا سمعة وهو أبو بكر ~~الصديق في قول جميع المفسرين قال ابن الزبير: كان يبتاع الضعفاء فيعتقهم، ~~فقال له أبوه أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، قال منع ظهري أريد فأنزل ~~الله وسيجنبها الأتقى إلى آخر السورة، وذكر محمد ابن إسحاق قال: كان بلال ~~لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق PageV04P435 # الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس فيطرحه على ~~ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا ~~تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول وهو في ذلك أحد أحد قال محمد بن ~~إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك، ~~وكانت دار أبي بكر في بني جمح فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين ~~قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى فقال أبو بكر أفعل عندي غلام أسود أجلد ~~منه، وأقوى، وهو على دينك أعطيكه قال قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ ~~بلالا فأعتقه، وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل أن يهاجر بلال سابعهم، ~~وهم عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأم عميس ~~وزهرة فأصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات ~~والعزى فقالت: كذبوا ورب البيت ما تضر اللات، والعزى، ولا تنفعان فرد الله ~~تعالى: عليها بصرها وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد ~~الدار، فرآهما أبو بكر وقد بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي تقول والله لا ~~أعتقهما أبدا فقال أبو بكر كلا يا أم فلان فقالت كلا أنت أفسدتهما ~~فأعتقهما، قال فبكم قالت بكذا وكذا قال قد أخذتهما وهما حرتان ومر بجارية ~~من بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها وأعتقها ms3678 فقال عمار بن ياسر: يذكر بلالا ~~وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء وإعتاق أبي بكر إياهم وكان اسم أبي بكر ~~عتيقا فقال في ذلك: # جزى الله خيرا عن بلال وصحبه ... عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل # عشية هما في بلال بسوءة ... ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل # بتوحيد رب الأنام وقوله ... شهدت بأن الله ربي على مهل # فإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن ... لأشرك بالرحمن من خيفة القتل # فيا رب إبراهيم والعبد يونس ... وموسى وعيسى نجني ثم لا تملي # لمن ظل يهوى الغي من آل غالب ... على غير حق كان منه ولا عدل # قال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال ~~له أتبيعه قال نعم أبيعه بنسطاس عبد لأبي بكر وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف ~~دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ~~ماله له فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال أمية أبيعه بغلامك نسطاس اغتنمه ~~أبو بكر، وباعه به فقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت ~~لبلال عنده. فأنزل الله عز وجل: ### || [سورة الليل (92): الآيات 19 الى 21] # وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف ~~يرضى (21) # وما لأحد عنده أي عند أبي بكر من نعمة تجزى أي من يد يكافئه عليها إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى أي لم يفعل ذلك مجازاة لأحد ولا ليد كانت له عنده ~~لكن فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب مرضاته ولسوف يرضى أي بما يعطيه الله ~~عز وجل في الآخرة من الجنة والخير والكرامة جزاء على ما فعل، والله أعلم. # PageV04P436 ### | سورة والضحى # مكية وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة واثنان وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الضحى (93): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) # قوله عز وجل: والضحى اختلفوا في سبب نزول هذه السورة على ثلاثة أقوال: ~~القول الأول (ق) «عن جندب بن سفيان البجلي قال: ms3679 اشتكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو ~~أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل: ~~والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى» وأخرجه الترمذي عن جندب قال ~~كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فدميت إصبعه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # قال: فأبطأ عليه جبريل فقال المشركون قد ودع محمدا ربه فأنزل الله عز ~~وجل: ### || [سورة الضحى (93): الآيات 3 الى 5] # ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى (5) # ما ودعك ربك وما قلى وقيل إن المرأة المذكورة في الحديث المتفق عليه هي ~~أم جميل امرأة أبي لهب. # القول الثاني: قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء ~~الله فاحتبس الوحي عليه. # القول الثالث: قال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس الوحي، وجبريل عنه أن ~~جروا كان في بيته، فلما نزل عليه عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~إبطائه فقال إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. # واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقيل اثنا عشر يوما وقال ابن عباس: ~~خمسة عشر يوما، وقيل أربعون يوما فلما نزل جبريل عليه الصلاة والسلام قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك فقال جبريل: إني ~~كنت إليك أشد شوقا، ولكني عبد مأمور. ونزل وما نتنزل إلا بأمر ربك وأنزل ~~الله هذه السورة قوله عز وجل: والضحى قيل أراد به النهار كله بدليل أنه ~~قابله بالليل كله في قوله، والليل إذا سجى، وقيل وقت الضحى وهي الساعة التي ~~فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحر والبرد في الصيف والشتاء. # والليل إذا سجى قال ابن عباس أقبل بظلامه وعنه إذا ذهب ms3680 وقيل معناه غطى كل ~~شيء بظلامه، وقيل معناه سكن فاستقر ظلامه فلا يزاد بعد ذلك، وهذا قسم أقسم ~~الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى وجواب القسم قوله تعالى: ما ودعك ربك وما ~~قلى أي ما تركك ربك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك، وإنما قال قلى ولم يقل # PageV04P437 # قلاك لموافقة رؤوس الآي، وقيل معناه وما قلى أحدا من أصحابك ومن هو على ~~دينك إلى يوم القيامة. # وللآخرة خير لك من الأولى أي الذي أعطاك ربك في الآخرة خير لك وأعظم من ~~الذي أعطاك في الدنيا، وروى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا» ~~ولسوف يعطيك ربك فترضى قال ابن عباس هي الشفاعة في أمته حتى يرضى (م) عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وقال: ~~اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد، واسأله ما ~~يبكيك، وهو أعلم فأتى جبريل، وسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما قال وهو أعلم، فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له إنا سنرضيك في ~~أمتك ولا نسوءك» (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت ~~دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من ~~أمتي لا يشرك بالله شيئا» عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة ~~فاخترت الشفاعة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا» ~~أخرجه الترمذي قال حرب بن شريح سمعت جعفر بن محمد بن علي يقول إنكم يا معشر ~~أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا ms3681 تقنطوا من رحمة الله وإنا أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى وقيل في معنى الآية ولسوف يعطيك ربك من الثواب فترضى، وقيل ~~من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين فترضى وحمل الآية على ظاهرها من خيري ~~الدنيا والآخرة معا أولى، وذلك أن الله تعالى أعطاه في الدنيا النصر الظفر ~~على الأعداء وكثرة الأتباع، والفتوح في زمنه، وبعده إلى يوم القيامة وأعلى ~~دينه وإن أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والخاصة، ~~والمقام المحمود وغير ذلك، مما أعطاه في الدنيا والآخرة ثم أخبر عن حاله ~~صغيرا وكبيرا قبل الوحي وذكر نعمه عليه وإحسانه إليه. فقال عز وجل: # ### || [سورة الضحى (93): الآيات 6 الى 8] # ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) # ألم يجدك يتيما أي صغيرا فآوى أي ألم يعلمك الله يتيما من الوجود الذي هو ~~بمعنى العلم، والمعنى ألم يجدك يتيما صغيرا حين مات أبوك، ولم يخلف لك ~~مالا، ولا مأوى فجعل لك مأوى تأوي إليه وضمك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن ~~تربيتك وكفاك المؤنة. # وذلك أن عبد الله مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل فكفله جده عبد ~~المطلب، فلما مات عبد المطلب، كفله عمه أبو طالب إلى أن قوي، واشتد وتزوج ~~خديجة، وقيل هو من قولهم درة يتيمة، والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم ~~النظير فآواك إليه وأيدك وشرفك بنبوته واصطفاك برسالته. ووجدك ضالا أي عما ~~أنت عليه اليوم فهدى أي فهداك إلى توحيده ونبوته، وقيل وجدك ضالا عن معالم ~~النبوة وأحكام الشريعة، فهداك إليها وقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل منصرفا من أغنامه، ~~فرده إلى جده عبد المطلب، وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ~~ليلة مظلمة إذ جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته، فعدل به عن ms3682 الطريق، فجاء جبريل ~~عليه السلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى القافلة فمن الله عليه بذلك، وقيل وجدك ضالا نفسك لا تدري من ~~أنت فعرفك نفسك وحالك، وقيل ووجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك إلى ~~الإيمان وإلى إرشادهم، وقيل الضلال هنا بمعنى الحيرة وذلك لأنه كان صلى ~~الله عليه وسلم يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه حتى هداه الله ~~لدينه، وقال الجنيد: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل الله إليك، فهداك لبيانه ~~فهذا ما قيل في هذه الآية ولا يلتفت إلى قول من قال إنه صلى الله عليه وسلم ~~كان قبل النبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام لأن نبينا # PageV04P438 # صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشئوا على التوحيد، ~~والإيمان قبل النبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله ~~تعالى وتوحيده ويدل على ذلك أن قريشا لما عابوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورموه بكل عيب سوى الشرك وأمر الجاهلية فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلا إذ ~~لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه ~~وعيروه به. ويؤكد هذا ما روي في قصة بحير الراهب حين استحلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم باللات والعزى، وذلك حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام فرأى ~~بحيرا علامة النبوة فيه وهو صبي فاختبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما، ويؤكد هذا شرح صدره ~~صلى الله عليه وسلم في حال الصغر واستخراج العلقة منه وقول جبريل هذا حظ ~~الشيطان منك وملؤه حكمة وإيمانا وقوله تعالى: ما ضل صاحبكم وما غوى وقال ~~الزمخشري: ومن قال كان على أمر قومه أربعين سنة فإن أراد أنه على خلوهم من ~~العلوم السمعية، فنعم وإن أراد أنه كان على دين قومه، فمعاذ الله والأنبياء ~~يجب أن يكونوا معصومين ms3683 قبل النبوة وبعدها من الكبائر، والصغائر الشائنة، ~~فما بال الكفر والجهل بالصانع ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء والله أعلم. # قوله عز وجل: ووجدك عائلا فأغنى يعني فقيرا فأغناك بمال خديجة ثم ~~بالغنائم، وقيل أرضاك بما أعطاك من الرزق، وهذه حقيقة الغني (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس ~~الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» العرض بفتح العين والراء المال ~~(م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه» وروى ~~البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سألت ربي عز وجل مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: يا رب إنك آتيت سليمان ~~بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا وفلانا كذا قال يا محمد ألم أجدك ~~يتيما فآويتك؟ # قلت بلى يا رب» قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت بلى يا رب قال ألم أجدك ~~عائلا فأغنيتك؟ قلت بلى يا رب زاد في رواية «ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك ~~وزرك؟ قلت بلى يا رب». # فإن قلت كيف يحسن بالجواد الكريم أن يمن بإنعامه على عبده، والمن مذموم ~~في صفة المخلوق، فكيف يحسن بالخالق تبارك وتعالى. # قلت إنما حسن ذلك لأنه سبحانه وتعالى: قصد بذلك أن يقوي قلبه، ويعده ~~بدوام نعمه عليه فظهر الفرق بين امتنان الله تعالى الممدوح وبين امتنان ~~المخلوق المذموم لأن امتنان الله تعالى زيادة إنعامه، كأنه قال ما لك تقطع ~~رجاءك عني ألست الذي ربيتك وآويتك وأنت يتيم صغير أتظنني تاركك ومضيعك ~~كبيرا. بل لا بد وأن أتم نعمتي عليك فقد حصل الفرق بين امتنان الخالق، ~~وامتنان المخلوق، ثم أوصاه باليتامى، والمساكين، والفقراء فقال عز وجل: ### || [سورة الضحى (93): الآيات 9 الى 11] # فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث ~~(11) # فأما اليتيم ms3684 فلا تقهر أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما، وقيل لا تقهره ~~على ماله فتذهب به لضعفه، وكذا كانت العرب في الجاهلية تفعل في أمر اليتامى ~~يأخذون أموالهم، ويظلمونهم حقوقهم روى البغوي بسنده عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم ~~يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ثم قال: أنا وكافل ~~اليتيم في الجنة هكذا ويشير بإصبعيه» (خ) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة، ~~والوسطى، وفرج بينهما» وأما السائل فلا تنهر يعني السائل على الباب يقول لا ~~تزجره إذا سألك فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا برفق ~~ولا تكهر بوجهك في وجهه وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون ~~زادنا إلى الآخرة وقال إبراهيم النخعي # PageV04P439 # السائل: يريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول هل توجهون إلى ~~أهليكم بشيء وقيل السائل هو طالب العلم فيجب إكرامه وإسعافه بمطلوبه ولا ~~يعبس في وجهه ولا ينهر ولا يلقى بمكروه وأما بنعمة ربك فحدث قيل أراد ~~بالنعمة النبوة أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي أتاك الله، وقيل ~~النعمة هي القرآن أمره أن يقرأه ويقرئه غيره، وقيل أشكره لما ذكره نعمه ~~عليه في هذه السورة من جبر اليتيم والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة ~~والفقر أمره أن يشكره على إنعامه عليه، والتحدث بنعمة الله تعالى شكرها. # عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أعطي عطاء ~~فليجزه إن وجد فإن لم يجد فليثن عليه فإن من أثنى عليه فقد شكره، ومن كتمه ~~فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور» أخرجه الترمذي وله عن ~~أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لا يشكر الناس ~~لا يشكر الله» وله عن أبي هريرة ms3685 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر يقول «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر ~~الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب» ~~والسنة في قراءة أهل مكة أن يكبر من أول سورة الضحى على رأس كل سورة حتى ~~يختم القرآن فيقول الله أكبر وسبب ذلك أن الوحي لما احتبس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال المشركون: هجره شيطانه، وودعه، فاغتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذلك فلما نزلت والضحى كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا ~~بنزول الوحي، فاتخذوه سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P440 ### | سورة ألم نشرح # مكية وهي ثمان آيات وسبع وعشرون كلمة ومائة وثلاثة أحرف بسم الله الرحمن ~~الرحيم # ### || [سورة الشرح (94): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) # قوله عز وجل: ألم نشرح لك صدرك استفهام بمعنى التقرير، أي قد فعلنا ذلك ~~ومعنى الشرح الفتح بما يصده عن الإدراك والله تعالى فتح صدر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم للهدى، والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصده عن إدراك الحق، وقيل ~~معناه ألم نفتح قلبك ونوسعه ونلينه بالإيمان، والموعظة، والعلم، والنبوة، ~~والحكمة، وقيل هو شرح صدره في صغره (م) عن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه ~~فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرجه فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم ~~غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان ~~يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا: إن محمدا قد قتل فاستقبلوه، وهو ممتقع ~~اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره» ووضعنا عنك وزرك أي حططنا ~~عنك وزرك الذي سلف منك في ms3686 الجاهلية فهو كقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر وقيل الخطأ والسهو وقيل ذنوب أمتك فأضافها إليه لاشتغال قلبه ~~بها، وقيل المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها لأن الوزر ~~في اللغة الثقل تشبيها بوزر الجبل، وقيل معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ~~ظهرك لو كان ذلك الوزر حاصلا فسمى العصمة وضعا مجازا. # واعلم أن القول في عصمة الأنبياء قد تقدم مستوفى في سورة طه عند قوله ~~تعالى: وعصى آدم ربه فغوى وعند قوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر. ### || [سورة الشرح (94): الآيات 3 الى 6] # الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع ~~العسر يسرا (6) # الذي أنقض ظهرك أي أثقله وأوهنه حتى سمع له نقيض وهو الصوت الخفي الذي ~~يسمع من المحمل، أو الرحل فوق البعير، فمن حمل الوزر على ما قبل النبوة قال ~~هو اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كان فعلها قبل نبوته إذ لم يرد ~~عليه شرع بتحريمها، فلما حرمت عليه بعد النبوة عدها أوزارا وثقلت عليه ~~وأشفق منها فوضعها الله عنه وغفرها له ومن حمل ذلك على ما بعد النبوة قال: ~~هو ترك الأفضل لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقوله عز وجل: ورفعنا لك ~~ذكرك روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «أنه سأل جبريل عن هذه الآية، ورفعنا لك ذكرك قال: قال ~~الله عز وجل: إذا ذكرت ذكرت معي» قال ابن عباس: # يريد الأذان، والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر، فلو أن عبدا عبد ~~الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ينتفع من ~~ذلك بشيء وكان كافرا، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس ~~خطيب ولا # PageV04P441 # متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله وقال الضحاك: لا تقبل صلاة إلا به ولا تجوز خطبة إلا ms3687 به، وقال مجاهد ~~يريد التأذين وفيه يقول حسان بن ثابت: # أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد # وضم الإله اسم النبي مع اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد # وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد # وقيل رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين، وإلزامهم الإيمان به، والإقرار ~~بفضله، وقيل رفع ذكره بأن قرن اسمه باسمه في قوله «محمد رسول الله» وفرض ~~طاعته على الأمة بقوله: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» ومن يطع الله ورسوله ~~فقد فاز، ونحو ذلك مما جاء في القرآن وغيره من كتب الأنبياء ثم وعده ~~باليسر، والرخاء بعد الشدة والعناء، وذلك أنه كان في شدة بمكة فقال تعالى ~~فإن مع العسر يسرا أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرا ورخاء ~~بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به إن مع العسر يسرا وإنما ~~كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أبشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عسر يسرين» وقال ~~ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخله عليه ويخرجه إنه لن ~~يغلب عسر يسرين قال المفسرون في معنى قوله لن يغلب عسر يسرين إن الله تعالى ~~كرر لفظ العسر، وذكره بلفظ المعرفة، وكرر اليسر بلفظ النكرة، ومن عادة ~~العرب. إذا ذكرت اسما معرفا ثم أعادته كان الثاني هو الأول وإذا ذكرت اسما ~~نكرة ثم أعادته كان الثاني غير الأول كقولك كسبت درهما فأنفقت درهما. ~~فالثاني غير الأول وإذا قلت كسبت درهما، فأنفقت الدرهم فالثاني هو الأول، ~~فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف فكان عسرا واحدا، واليسر مكرر بلفظ ~~التنكير فكانا يسرين، فكأنه قال فإن مع العسر يسرا إن مع ذلك العسر يسرا ~~آخر وزيف أبو على الحسن بن يحيى الجرجاني صاحب النظم هذا القول، وقال قد ~~تكلم الناس في قوله لن يغلب عسر يسرين فلم يحصل منه غير قولهم إن العسر ~~معرفة، واليسر نكرة، فوجب ms3688 أن يكون عسر واحد ويسران وهو قول مدخول فيه إذا ~~قال الرجل إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا فهذا لا يوجب أن يكون ~~الفارس واحدا والسيف اثنين فمجاز قوله لن يغلب عسر يسرين أن الله عز وجل ~~بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك حتى ~~قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فاغتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وظن أن قومه إنما كذبوه لفقره فعدد الله ~~نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الغم. فقال ~~تعالى: فإن مع العسر يسرا أي لا يحرنك الذي يقولون فإن مع العسر الذي في ~~الدنيا يسرا عاجلا، ثم أنجز ما وعده وفتح عليه القرى القريبة، ووسع ذات يده ~~حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبة السنية ثم ابتدأ فضلا آخر من ~~أمور الآخرة فقال تعالى: إن مع العسر يسرا والدليل على ابتدائه تعريه من ~~الفاء والواو، وهذا وعد لجميع المؤمنين، والمعنى أن مع العسر الذي في ~~الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ~~ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية فقوله لن ~~يغلب عسر يسرين أي إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله للمؤمنين في ~~الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما ~~يسر الآخرة، فدائم أبدا غير زائل، أي لا يجتمعان في الغلبة فهو كقوله صلى ~~الله عليه وسلم «شهرا عيد لا ينقصان» أي لا يجتمعان في النقص قال القشيري: ~~كنت يوما في البادية بحالة من الغم فألقي في روعي بيت شعر فقالت: # أرى الموت لمن أصبح ... مغموما له أروح # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف في الهواء: # PageV04P442 # ألا يا أيها المرء ... الذي الهم به برح # وقد أنشد بيتا لم ... يزل في فكره يسنح # إذا اشتد بك العسر ففكر ... في ألم نشرح # فعسر ms3689 بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح # قال فحفظت الأبيات ففرج الله عني وقال إسحاق بن بهلول القاضي: # فلا تيأس إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في دهر طويل # ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل # فإن العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كل قيل # وقال أحمد بن سليمان في المعنى: # توقع لعسر دهاك سرورا ... ترى العسر عنك بيسر تسرى # فما الله يخلف ميعاده ... وقد قال إن مع العسر يسرا # وقال غيره: # وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب ### || [سورة الشرح (94): الآيات 7 الى 8] # فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) # قوله عز وجل: فإذا فرغت فانصب لما عدد الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~نعمه السالفة حثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها وأن لا ~~يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى، والنصب التعب ~~قال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، ~~وارغب إليه في المسألة وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام ~~الليل، وقيل إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وقيل إذا فرغت من جهاد ~~عدوك فانصب في عبادة ربك، وقيل إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في ~~الاستغفار لك وللمؤمنين. قال عمر بن الخطاب إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا ~~سبهللا لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته. # السبهلل الذي لا شيء معه، وقيل السبهلل الباطل وإلى ربك فارغب أي تضرع ~~إليه راغبا في الجنة راهبا من النار، وقيل اجعل رغبتك إلى الله تعالى في ~~جميع أحوالك لا إلى أحد سواه والله أعلم. # PageV04P443 ### | سورة والتين # (مكية وهي ثمان آيات وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسة أحرف) بسم الله ~~الرحمن الرحيم # ### || [سورة التين (95): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) # ثم رددناه أسفل سافلين (5) # قوله عز وجل: والتين والزيتون قال ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون ~~وزيتونكم الذي تعصرون منه ms3690 الزيت، قيل إنما خص التين بالقسم لأنه فاكهة ~~مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه غذاء ويشبه فواكه الجنة لكونه بلا عجم. # ومن خواصه أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يخرج بطريق الرشح ~~ويلين الطبيعة، ويقلل البلغم وأما الزيتون فإنه من شجرة مباركة فيه إدام ~~ودهن يؤكل ويستصبح به وشجرته في أغلب البلاد ولا يحتاج إلى خدمة وتربية ~~وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية ويمكث في الأرض ألوفا من السنين، ~~فلما كان فيهما من المنافع، والمصالح الدالة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم ~~الله بهما، وقيل هما جبلان فالتين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل ~~الذي عليه بيت المقدس، واسمهما بالسريانية طور تينا وطور زيتا لأنهما ~~ينبتان التين والزيتون، وقيل هما مسجدان فالتين مسجد دمشق والزيتون مسجد ~~بيت المقدس، وإنما حسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة، وقيل التين مسجد ~~أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء، وقيل التين مسجد نوح الذي بناه على ~~الجودي والزيتون مسجد بيت المقدس وطور سينين يعني الجبل الذي كلم الله موسى ~~عليه الصلاة والسلام وسينين اسم للمكان الذي فيه الجبل سمي سينين وسيناء ~~لحسنه ولكونه مباركا وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سينين وسيناء وهذا البلد ~~الأمين يعني الآمن، وهو مكة حرسها الله تعالى لأنه الحرم الذي يأمن فيه ~~الناس في الجاهلية والإسلام لا ينفر صيده ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته ~~إلا لمنشد وهذه أقسام أقسم الله بها لما فيها من المنافع والبركة وجواب ~~القسم قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم يعني في أعدل قامة، ~~وأحسن صورة، وذلك أنه تعالى خلق كل حيوان منكبا على وجهه يأكل بفيه إلا ~~الإنسان فإنه خلقه مديد القامة حسن الصورة يتناول مأكوله بيده مزينا ~~بالعلم، والفهم، والعقل، والتمييز، والمنطق. ثم رددناه أسفل سافلين يعني ~~إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله والسافلون هم الضعفاء، ~~والزمنى والأطفال والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة، ~~ولا يهتدي سبيلا لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله، وقيل ms3691 ثم رددناه إلى النار ~~لأنها دركات بعضها أسفل من بعض ثم استثنى. فقال تعالى: # PageV04P444 ### || [سورة التين (95): الآيات 6 الى 8] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد ~~بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى النار أو إلى أسفل ~~سافلين وعلى القول الأول يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى ثم رددناه أسفل ~~سافلين فزال عقله وانقطع عمله فلا تكتب له حسنة لكن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يكتب لهم ~~بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملون في حالة الشباب والصحة وقال ابن ~~عباس: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله عذرهم وأخبرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم فعلى هذا ~~القول السبب خاص وحكمه عام قال عكرمة ما يضر هذا الشيخ كبره إذا ختم الله ~~له بأحسن ما كان يعمل وروي عن ابن عباس: قال إلا الذين قرءوا القرآن وقال: ~~من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر فلهم أجر غير ممنون يعني غير مقطوع ~~لأنه يكتب له بصالح ما كان يعمل قال الضحاك: أجر بغير عمل ثم قال إلزاما ~~للحجة. فما يكذبك يعني يا أيها الإنسان وهو خطاب على طريق الالتفات بعد أي ~~بعد هذه الحجة والبرهان بالدين أي بالحساب والجزاء، والمعنى فما الذي يلجئك ~~أيها الناس إلى هذا الكذب ألا تتفكر في صورتك وشبابك، ومبدأ خلقك، وهرمك، ~~فتعتبر وتقول أن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذبك ~~بالمجازاة، وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى فمن يكذبك أيها ~~الرسول بعد ظهور هذه الدلائل، والبراهين أليس الله بأحكم الحاكمين أي بأقضى ~~القاضين يحكم بينكم وبين أهل التكذيب يوم القيامة عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ والتين والزيتون، ~~فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين، فليقل بلى وأنا على ms3692 ذلك من الشاهدين» أخرجه ~~الترمذي وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فصلى العشاء ~~الأخيرة فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو ~~قراءة منه صلى الله عليه وسلم» والله تعالى أعلم. # PageV04P445 ### | سورة العلق # (مكية وهي تسع عشرة آية واثنتان وتسعون كلمة ومائتان وثمانون حرفا) قال ~~أكثر المفسرين هذه السورة أول سورة نزلت من القرآن وأول ما نزل خمس آيات من ~~أولها إلى قوله ما لم يعلم (ق) عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ~~«أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة» ~~ولمسلم «الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب ~~إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ~~قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى ~~جاءه الوحي» وفي رواية حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال ~~اقرأ قال ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ~~فقال: اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم ~~أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني ~~الجهد ثم أرسلني، فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ~~وربك الأكرم حتى بلغ ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ترجف بوادره حتى دخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ~~ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة أي خديجة ما لي وأخبرها الخبر قال لقد خشيت ~~على نفسي قالت له خديجة كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل ~~الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على ~~نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ~~وهو ابن عم خديجة، وكان امرأ ms3693 تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني ~~فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي ~~فقالت له خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ~~ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا ~~الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ ~~يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مخرجي هم؟ قال نعم لم ~~يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا ~~ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي» زاد البخاري قال: حتى حزن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق ~~الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد ~~إنك رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه، فيرجع ~~فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل لكي يلقي ~~نفسه منه تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. # (فصل) في هذا الحديث دليل صحيح صريح على أن سورة اقرأ أول ما نزل من ~~القرآن وفيه رد على من قال إن المدثر أول ما نزل من القرآن، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك والجمع بين القولين في أول سورة المدثر وهذا الحديث من ~~مراسيل الصحابة لأن عائشة لم تدرك هذه القصة فيحتمل أنها سمعتها من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو من غيره من الصحابة ومرسل الصحابي حجة عند جميع ~~العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وإنما ابتدئ # PageV04P446 # صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، فيأتيه بصريح النبوة بغتة ~~فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأول علامات النبوة توطئه للوحي، وأما ~~التحنث فقد فسر في الحديث بالتعبد، وهو تفسير صحيح لأن أصل التحنث من ~~الحنث، وهو الإثم، والمعنى ms3694 أنه فعل فعلا يخرج به من الإثم وقولها فجأة الحق ~~أي جاءه الحق بالوحي بغتة. # قوله: فغطني بالغين المعجمة، والطاء المشالة المهملة، أي عصرني، وضمني ~~ضما شديدا، وهو قوله حتى بلغ مني الجهد قال العلماء: والحكمة في الغط شغله ~~عن الالتفات إلى غيره، والمبالغة في صفاء قلبه ولهذا كرره ثلاثا. # قوله: زملوني زملوني كذا هو في الروايات مكرر مرتين، ومعناه غطوني ~~بالثياب، وقوله حتى ذهب عنه الروع أي الفزع قولها كلا أبشر فو الله لا ~~يخزيك الله أبدا يروى بضم الياء وبالخاء المعجمة من الخزي أي لا يفضحك ~~الله، ولا يكسرك، ولا يهينك ولا يذلك وروي بفتح الياء وبالحاء المهملة ~~وبالنون أي لا يحزنك من الحزن الذي هو ضد الفرح وقولها وتحمل الكل أي ~~الثقيل والحوائج المهمة، وتكسب المعدوم أي تعطي المال لمن هو معدوم عنده ~~ومعنى كلام خديجة أنك لا يصيبك مكروه لما جعل فيك من مكارم الأخلاق وحميد ~~الفعال. وخصال الخير وذلك سبب السلامة من مصارع السوء. # قولها: وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية وفي رواية ~~مسلم «وكان يكتب الكتاب العربي يكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله تعالى ~~أن يكتب» ومعناهما صحيح وحاصله أنه تمكن من دين النصرانية بحيث صار يتصرف ~~في الإنجيل، فيكتب أي موضع شاء منه بالعبرانية إن أراد، أو بالعربية إن ~~أراد ذلك، قوله هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى هو بالنون والسين ~~المهملة، يعني جبريل عليه الصلاة والسلام ومعنى الناموس صاحب خبر الخير. ~~إنما سمي جبريل بذلك لأن الله خصه بالوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام قوله يا ليتني فيها، أي في أيام النبوة وإظهار الرسالة جذعا أي ~~شابا قويا حتى أبالغ في نصرتك، وهو قوله وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ~~أي قويا بالغا قولها ثم لم يلبث ورقة أن توفي أي فلم يلبث أن مات قبل ظهور ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله كي يتردى التردي الوقوع من علو، وذروة الجبل ~~أعلاه قوله تبدى له أي ظهر له ms3695 قوله فيسكن لذلك جأشه أي قلبه، وقيل الجأش هو ~~ثبوت القلب عند الأمر العظيم المهول، وقيل الجأش هو ما ثار من فزعه وهاج من ~~حزنه والله أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العلق (96): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) # قوله عز وجل: اقرأ باسم ربك قيل الباء زائدة مجازه اقرأ اسم ربك، والمعنى ~~اذكر اسم ربك أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله تأديبا، وقيل الباء على أصلها ~~والمعنى اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل بسم الله، ثم اقرأ فعلى هذا ~~يكون في الآية دليل على استحباب البداءة بالتسمية في أول القراءة، وقيل ~~معناه اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك على ما تتحمله من النبوة وأعباء ~~الرسالة الذي خلق يعني جميع الخلائق وقيل الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا ~~خالق سواه وقيل الذي خلق كل شيء. # PageV04P447 ### || [سورة العلق (96): الآيات 2 الى 10] # خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6) # أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا ~~صلى (10) # خلق الإنسان يعني آدم وإنما خص الإنسان بالذكر من بين سائر المخلوقات ~~لأنه أشرفها، وأحسنها خلقه من علق جمع علقة ولما كان الإنسان اسم جنس في ~~معنى الجمع جمع العلق ولمشاكله رؤوس الآي أيضا اقرأ كرره تأكيدا وقيل الأول ~~اقرأ في نفسك، والثاني اقرأ للتبليغ وتعليم أمتك ثم استأنف. فقال تعالى: # وربك الأكرم يعني الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله في الكرم نظير وقد يكون ~~الأكرم بمعنى الكريم كما جاء الأعز بمعنى العزيز، وغاية الكريم إعطاؤه ~~الشيء من غير طلب العوض، فمن طلب العوض فليس بكريم، وليس المراد أن يكون ~~العوض عينا بل المدح والثواب عوض والله سبحانه وجل جلاله وتعالى علاؤه ~~وشأنه يتعالى عن طلب العوض ويستحيل ذلك في وصفه لأنه أكرم الأكرمين، وقيل ~~الأكرم هو الذي لا الابتداء في كل كرم وإحسان وقيل هو الحليم عن جهل العباد ~~فلا يعجل عليهم ms3696 بالعقوبة، وقيل يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة، والمعنى ~~اقرأ وربك الأكرم لأنه يجزي بكل حرف عشر حسنات الذي علم بالقلم أي الخط ~~والكتابة التي بها تعرف الأمور الغائبة وفيه تنبيه على فضل الكتابة لما ~~فيها من المنافع العظيمة لأن بالكتابة ضبطت العلوم، ودونت الحكم وبها عرفت ~~أخبار الماضين، وأحوالهم وسيرهم ومقالاتهم ولولا الكتابة ما استقام أمر ~~الدين والدنيا قال قتادة: # القلم نعمة من الله عظيمة. لولا القلم لم يقم دين ولم يصلح عيش، فسأل ~~بعضهم عن الكلام، فقال ربح لا يبقى قيل له فما قيده قال الكتابة لأن القلم ~~ينوب عن اللسان ولا ينوب اللسان عنه علم الإنسان ما لم يعلم قيل يحتمل أن ~~يكون المراد علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، فيكون المراد من ذلك معنى ~~واحدا، وقيل علمه من أنواع العلم، والهداية، والبيان، ما لم يكن يعلم، وقيل ~~علم آدم الأسماء كلها، وقيل المراد بالإنسان هنا محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: كلا أي حقا إن الإنسان ليطغى أي يتجاوز الحد، ويستكبر على ~~ربه أن أي لأن رآه استغنى أي رأى نفسه غنيا وقيل يرتفع عن منزلته إلى منزلة ~~أخرى في اللباس والطعام وغير ذلك، نزلت في أبي جهل وكان قد أصاب مالا فزاد ~~في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه إن إلى ربك الرجعى # أي المرجع في الآخرة وفيه تهديد، وتحذير لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان، ~~ثم هو عام لكل طاغ متكبر. ### || [سورة العلق (96): الآيات 9 الى 19] # أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو ~~أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) # ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية ~~كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) # كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) # أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة (م) عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل هل يعفر محمد ~~وجهه بين أظهركم، فقيل ms3697 نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن ~~على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي ~~بيديه، فقيل له ما لك قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» فأنزل ~~الله هذه الآية، لا أدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه كلا إن الإنسان ~~ليطغى إلى قوله كلا لا تطعه قال: وأمره بما أمره به زاد في رواية، فليدع ~~ناديه يعني قومه (خ) عن ابن عباس قال قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند ~~البيت لأطأن على عنقه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لو ~~فعله لأخذته الملائكة» زاد الترمذي عيانا ومعنى أرأيت تعجبا للمخاطب وهو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفائدة التنكير في قوله عبدا تدل على أنه ~~كامل العبودية، والمعنى أرأيت الذي ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية، ~~وهذا دأبه وعادته، وقيل إن هذا الوعيد يلزم لكل من ينهى عن الصلاة عن طاعة ~~الله تعالى، ولا يلزم منه عدم جواز المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي ~~الأوقات المكروهة لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم ~~من ذلك أيضا عدم جواز منع المولى عبده، والرجل زوجته عن قيام الليل، وصوم # PageV04P448 # التطوع والاعتكاف لأن ذلك استيفاء مصلحة إلا أن يأذن فيه المولى أو الزوج ~~أرأيت إن كان على الهدى يعني العبد المنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~أمر بالتقوى يعني في الإخلاص والتوحيد أرأيت إن كذب يعني أبا جهل وتولى أي ~~عن الإيمان وتقدير نظم الآية أرأيت الذي ينهي عبدا إذا صلى وهو على الهدى ~~آمر بالتقوى والناهي مكذب متول عن الإيمان أي أعجب من هذا ألم يعلم يعني ~~أبا جهل بأن الله يرى يعني يرى ذلك الفعل فيجازيه به، وفيه ms3698 وعيد شديد ~~وتهديد عظيم كلا أي لا يعلم ذلك أبو جهل لئن لم ينته يعني عن إيذاء محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعن تكذيبه لنسفعا بالناصية أي لنأخذن بناصيته فلنجرنه ~~إلى النار، يقال سفعت بالشيء إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا والناصية شعر ~~مقدم الرأس والسفع الضرب أي لنضربن وجهه في النار، ولنسودن وجهه ولنذلنه ثم ~~قال على البدل ناصية كاذبة خاطئة أي صاحبها كاذب خاطئ. # قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ~~انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: أتنتهرني فو الله ~~لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا، ورجالا مردا وعن ابن عباس قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فجاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن ~~هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره فقال أبو جهل إنك لتعلم ما بها ~~ناد أكثر مني فأنزل الله تعالى فليدع ناديه سندع الزبانية قال ابن عباس: ~~والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب ~~صحيح، ومعنى فليدع ناديه أي عشيرته وقومه فلينتصر بهم، وأصل النادي المجلس ~~الذي يجمع الناس، ولا يسمى ناديا ما لم يكن فيه أهله سندع الزبانية يعني ~~الملائكة الغلاظ الشداد قال ابن عباس: يريد زبانية جهنم سموا بذلك لأنهم ~~يدفعون أهل النار إليها بشدة مأخوذ من الزبن وهو الدفع كلا أي ليس الأمر ~~على ما هو عليه أبو جهل لا تطعه أي في ترك الصلاة واسجد يعني صل لله واقترب ~~أي من الله (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء» ~~وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة عند الشافعي فيسن للقارئ، والمستمع أن ~~يسجد عند قراءتها يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ~~«سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ باسم ms3699 ربك وإذا السماء ~~انشقت» أخرجه مسلم والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P449 ### | سورة القدر # وهي مدنية وقيل إنها مكية والقول الأول أصح، وهو قول الأكثرين، قيل إنها ~~أول ما نزل بالمدينة وهي خمس آيات وثلاثون كلمة ومائة واثنا عشر حرفا بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة القدر (97): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) # قوله عز وجل: إنا أنزلناه يعني القرآن كناية عن غير مذكور في ليلة القدر ~~وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن العظيم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا ليلة القدر فوضعه في بيت العزة، ثم نزل به جبريل عليه السلام ~~على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقة في مدة ثلاث وعشرين سنة، فكان ~~ينزل بحسب الوقائع، والحاجة إليه، وقيل إنما أنزله إلى السماء الدنيا لشرف ~~الملائكة بذلك ولأنها كالمشترك بيننا وبين الملائكة، فهي لهم سكن ولنا سقف ~~وزينة وسميت ليلة القدر لأن فيها تقدير الأمور، والأحكام، والأرزاق، ~~والآجال، وما يكون في تلك السنة إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة يقدر ~~الله ذلك في بلاده وعباده، ومعنى هذا أن الله يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم ~~بفعل ما هو من وظيفتهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة ويعرفهم إياه، ~~وليس المراد منه أن يحدثه في تلك الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل ~~أن يخلق السموات والأرض في الأزل، قيل للحسين بن الفضل أليس قد قدر الله ~~المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض قال: نعم قيل له فما معنى ليلة القدر ~~قال سوق المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدر، وقيل سميت ليلة القدر ~~لعظم قدرها وشرفها على الليالي من قولهم لفلان قدر عند الأمير، أي منزلة ~~وجاه، وقيل سميت بذلك لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه ~~مقبولا، وقيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها. # (فصل في فضل ليلة القدر وما ورد فيها) (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه قال: ms3700 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، واختلف العلماء في وقتها فقال بعضهم ~~إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت لقوله صلى الله ~~عليه وسلم حين تلاحى الرجلان «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان ~~وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم» وهذا غلط ممن قال بهذا القول لأن آخر ~~الحديث يرد عليهم فإنه صلى الله عليه وسلم قال في آخره «فالتمسوها في العشر ~~الأواخر في التاسعة والسابعة والخامسة»، فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر ~~بالتماسها وعامة الصحابة والعلماء فمن بعدهم على أنها باقية إلى يوم ~~القيامة، روي عن عبد الله بن خنيس مولى معاوية قال قلت لأبي هريرة زعموا أن ~~ليلة القدر رفعت قال كذب من قال ذلك قلت هي في كل شهر رمضان استقبله قال ~~نعم. # ومن قال ببقائها ووجودها اختلفوا في محلها، فقيل هي منتقلة تكون في سنة ~~في ليلة وفي سنة أخرى في # PageV04P450 # ليلة أخرى هكذا أبدا قالوا: وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في أوقاتها ~~المختلفة وقال: مالك والثوري وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، إنها تنتقل في العشر ~~الأواخر من رمضان، وقيل بل تنتقل في رمضان كله، وقيل إنها في ليلة معينة لا ~~تنتقل عنها أبدا في جميع السنين لا تفارقها، فعلى هذا هي في ليلة من السنة ~~كلها وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة، وصاحبيه وروي عن ابن مسعود أنه قال: من ~~يقم الحول يصبها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن. ~~أما إنه علم أنها في شهر رمضان ولكن أراد أن لا يتكل الناس وقال جمهور ~~العلماء: إنها في شهر رمضان، واختلفوا في تلك الليلة فقال أبو رزين ~~العقيلي: في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل هي ليلة سبعة عشر وهي الليلة التي ~~كانت صبيحتها وقعة بدر يحكى هذا عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضا، والحسن ~~والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها ms3701 في العشر الأواخر من رمضان والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (ذكر الأحاديث الواردة في ذلك) (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور العشر الأواخر من رمضان ويقول ~~تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (م) عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض ~~أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان» وذهب الشافعي إلى أنها ~~ليلة إحدى وعشرين (ق) عن أبي هريرة أن أبا سعيد قال «اعتكفنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العشر الأواسط فلما كانت صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ~~فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، ~~وأنا رأيت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين، فلما رجع إلى معتكفه هاجت ~~السماء فمطرنا فو الذي بعثه بالحق لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان ~~المسجد على عريش، ولقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين»، وفي رواية ~~نحوه إلا أنه قال «حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من ~~صبيحتها من اعتكافه قال من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر»، وورد في فضل ~~ليلة القدر اثنان وعشرون حديثا عن عبد الله بن أنيس قال: «كنت في مجلس لبني ~~سلمة وأنا أصغرهم فقالوا من يسأل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة ~~القدر وذلك في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان فخرجت فوافيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر، فقال ~~كم الليلة فقلت اثنتان وعشرون فقال هي الليلة، ثم رجع فقال أو القابلة يريد ~~ثلاثا وعشرين» أخرجه أبو داود. # وذهب جماعة من الصحابة وغيرهم أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين ومال إليه ~~الشافعي أيضا (خ) عن الصنابحي، أنه سأل رجلا هل سمعت في ليلة القدر شيئا ~~قال، أخبرني بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ms3702 في أول السبع من ~~العشر الأواخر، وهذا اللفظ مختصر عن عبد الله بن أنيس قال: «قلت يا رسول ~~الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله فمرني بليلة أنزلها ~~إلى هذا المسجد، فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين قيل لابنه كيف كان أبوك يصنع ~~قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج إلا لحاجة حتى يصلي الصبح، ~~فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها ولحق بباديته» أخرجه ~~أبو داود ولمسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أريت ليلة القدر ~~ثم أنسيتها وأراني أسجد صبيحتها في ماء وطين» قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين ~~فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف وإن أثر الماء والطين على ~~جبهته وأنفه، ويحكى عن بلال وابن عباس والحسن أنها ليلة أربع وعشرين (خ) عن ~~ابن عباس قال التمسوها في أربع وعشرين، وقيل في ليلة خمس وعشرين دليله قوله ~~صلى الله عليه وسلم «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من ~~رمضان»، وقيل هي ليلة سبع وعشرين يحكى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن ~~كعب وابن عباس وإليه ذهب أحمد (م) عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب يقول ~~وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول من قام السنة أصاب ليلة القدر قال أبي: ~~والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي # PageV04P451 # رمضان يحلف، ولا يستثني، فو الله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين وأمارتها ~~أن تطلع الشمس من صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها عن معاوية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «في ليلة القدر، قال ليلة سبع وعشرين» أخرجه أبو داود، وقيل ~~هي ليلة تسع وعشرين دليله قوله «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من ~~رمضان» وقيل هي ليلة آخر الشهر، عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ليلة ms3703 القدر وأنا أسمع، فقال هي في كل رمضان» أخرجه أبو داود ~~قال ويروى موقوفا عليه. # (ذكر ليال مشتركة) عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ليلة القدر «اطلبوها ليلة سبع وعشرين من رمضان، وليلة إحدى وعشرين ~~وليلة ثلاث وعشرين، ثم سكت» أخرجه أبو داود عن عتبة بن عبد الرحمن قال: ~~حدثني أبي قال ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال ما أنا بملتمسها بشيء ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته ~~يقول «التمسوها في تسع يبقين أو في خمس يبقين، أو في ثلاث يبقين أواخر ~~الشهر» قال وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، ~~فإذا دخل العشر الأواخر اجتهد أخرجه الترمذي (خ) عن عبادة بن الصامت قال: ~~«خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من ~~المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا ~~لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» قوله فتلاحى رجلان أي تخاصم ~~رجلان، وقوله فرفعت لم يرد رفع عينها، وإنما أراد رفع بيان وقتها، ولو كان ~~المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، (خ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «هي في العشر في سبع مضين أو سبع يبقين يعني القدر» وفي ~~رواية «في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى» قال أبو عيسى: «روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث ~~وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان» قال ~~الشافعي: كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب ~~على نحو ما يسأل عنه يقال له نلتمسها في كذا، فقال التمسوها في ليلة كذا ~~قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي في ليلة إحدى وعشرين قال البغوي وبالجملة ~~أبهم الله تعالى هذه الليلة ms3704 على الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي شهر رمضان ~~طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة ~~الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في أسمائه، ورضاه في ~~الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى ~~قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها، ومن علاماتها. ما روى ~~الحسن رفعه «إنها ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها ~~بيضاء لا شعاع لها» (ق) عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر» ولمسلم ~~عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من ~~رمضان ما لا يجتهد في غيره» (ق) عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من ~~بعده (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يعتكف العشر الأواخر من رمضان» عن عائشة قالت «قلت يا رسول الله إن علمت ~~ليلة القدر ما أقول فيها قال: قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» ~~أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح أخرجه النسائي وابن ماجة. ### || [سورة القدر (97): الآيات 3 الى 5] # ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # قوله عز وجل: وما أدراك ما ليلة القدر أي شيء يبلغ درايتك قدرها ومبلغ ~~فضلها، وهذا على سبيل # PageV04P452 # التعظيم لها، والتشويق إلى خيرها ثم ذكر فضلها من ثلاثة أوجه: # فقال تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر قال ابن عباس: ذكر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف ~~شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال: يا رب ~~جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا، فأعطاه ms3705 الله تبارك وتعالى ~~ليلة القدر، فقال ليلة القدر خير من ألف شهر التي حمل فيها الإسرائيلي ~~السلاح في سبيل الله لك ولأمتك إلى يوم القيامة، وعن مالك أنه سمع من يثق ~~به من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله، أو ما ~~شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أي لا يبلغوا من العمل مثل الذي ~~يبلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر أخرجه ~~مالك في الموطأ قال المفسرون: معناه العمل الصالح في ليلة القدر خير من ~~العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى ~~فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير والبركة. # الوجه الثاني: من فضلها قوله عز وجل: تنزل الملائكة يعني إلى الأرض وسبب ~~هذا أنهم لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وظهر أن الأمر بخلاف ما قالوه ~~وتبين حال المؤمنين وما هم عليه من الطاعة، والعبادة، والجد، والاجتهاد ~~نزلوا إليهم ليسلموا عليها ويعتذروا مما قالوه، ويستغفروا لهم لما يرون من ~~تقصير قد يقع من بعضهم والروح يعني جبريل عليه الصلاة والسلام قاله أكثر ~~المفسرين: وفي حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت ~~ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون، ويسلمون على كل عبد قائم ~~أو قاعد يذكر الله عز وجل» ذكره ابن الجوزي، وقيل إن الروح طائفة من ~~الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس ~~إلى طلوع الفجر، وقيل إن الروح ملك عظيم ينزل مع الملائكة، تلك الليلة فيها ~~أي في ليلة القدر بإذن ربهم أي بأمر ربهم من كل أمر أي بكل أمر من الخير ~~والبركة، وقيل بكل ما أمر به وقضاه من كل أمر. # الوجه الثالث: من فضلها قوله تعالى: سلام أي سلام على أولياء الله وأهل ~~طاعته قال الشعبي: هو تسليم الملائكة في ليلة القدر على أهل المساجد من حين ~~تغيب الشمس ms3706 إلى أن يطلع الفجر، وقيل الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمنا ~~أو مؤمنة يسلمون عليه من ربه عز وجل، وقيل تم الكلام عند قوله من كل أمر ثم ~~ابتدأ فقال تعالى: سلام هي يعني القدر سلامة وخير ليس فيها شر، وقيل لا ~~يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة، وقيل إن ليلة القدر سالمة ~~لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يحدث فيها أذى حتى مطلع الفجر أي ~~أن ذلك السلام أو السلامة تدوم إلى مطلع الفجر، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بمراده. # PageV04P453 ### | سورة لم يكن # وتسمى سورة البينة وهي مدنية قاله الجمهور، وفي رواية عن ابن عباس أنها ~~مكية هي ثمان آيات، وأربع وتسعون كلمة وثلاثمائة وتسعة وتسعون حرفا بسم ~~الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة البينة (98): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # قوله عز وجل: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ~~والمشركين أي ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان، وذلك أن الكفار كانوا جنسين ~~أحدهما أهل كتاب وسبب كفرهم ما أحدثوه في دينهم، أما اليهود فقولهم عزير ~~ابن الله وتشبيههم الله بخلقه، وأما النصارى فقولهم المسيح ابن الله وثالث ~~ثلاثة وغير ذلك، والثاني المشركون أهل الأوثان الذين لا ينتسبون إلى كتاب ~~الله، فذكر الله الجنسين في قوله: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين أي منتهين عن كفرهم وشركهم وقيل معناه زائلين حتى تأتيهم ~~أي حتى أتتهم لفظه مضارع ومعناه الماضي البينة أي الحجة الواضحة يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم، وشركهم وما كانوا عليه ~~من الجاهلية، ودعاهم إلى الإيمان، فآمنوا فأنقذهم الله من الجهالة والضلالة ~~ولم يكونوا منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم، والآية فيمن آمن من الفريقين، ~~قال الواحدي في بسيطة: وهذه ms3707 الآية من أصعب ما في القرآن نظما، وتفسيرا وقد ~~تخبط فيها الكبار من العلماء. # قال الإمام فخر الدين في تفسيره إنه لم يلخص كيفية الأشكال فيها وأنا ~~أقول وجه الإشكال أن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى ~~تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عما ذا ~~لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير لم يكن الذين ~~كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى ~~لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان ~~الرسول ثم قال بعد ذلك وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول، فحينئذ يحصل بين ~~الآية الأولى والثانية مناقضة في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني قال ~~والجواب عنه من وجوه: # أولها: وأحسنها الوجه، الذي لخصه صاحب الكشاف وهو أن الكفار من الفريقين ~~أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو ~~مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ~~عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال وما # PageV04P454 # تفرق الذين أوتوا الكتاب، أي أنهم كانوا يعدلون اجتماع الكلمة والاتفاق ~~على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا ~~مجيء الرسول، ونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه لست بمنفك ~~مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغني فيرزقه الله الغنى ~~فيزداد فسقا، فيقول واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في ~~الفسق إلا بعد اليسار فيذكره ما كان يقول توبيخا، وإلزاما قال الإمام فخر ~~الدين: وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد وهو أن قوله تعالى لم يكن الذين ~~كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم ms3708 البينة مذكور حكاية عنهم، وقوله وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتاب إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذي وقع كان بخلاف ما ~~ادعوا أو ثانيها أن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن ~~جاءتهم البينة وعلى هذا التقدير يزول الإشكال إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ~~ليس من اللغة في شيء وذكر وجوها أخر قال: والمختار هو الأول ثم فسر البينة ~~فقال تعالى: رسول من الله أي تلك البينة رسول من الله يتلوا أي يقرأ الرسول ~~صلى الله عليه وسلم صحفا أي كتبا يريد ما تضمنه المصحف من المكتوب فيه وهو ~~القرآن لأنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ عن ظهر قلبه لا عن كتاب مطهرة أي ~~من الباطل والكذب والزور، والمعنى أنها مطهرة من القبيح، وقيل معنى مطهرة ~~معظمة، وقيل مطهرة أي لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون فيها أي في الصحف كتب ~~أي الآيات المكتوبة وقيل الكتب بمعنى الأحكام قيمة أي عادلة مستقيمة غير ~~ذات عوج، وقيل قيمة بمعنى قائمة مستقلة بالحجة من قولهم قام بالأمر إذا ~~أجراه على وجهه، ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة يعني جاءتهم البينة في كتبهم أنه نبي مرسل قال ~~المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى ~~بعثه الله تعالى فلما بعث تفرقوا في أمره، واختلفوا فيه، فآمن به بعضهم ~~وكفر به آخرون، ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال تعالى: ### || [سورة البينة (98): الآيات 5 الى 8] # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار ~~جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله ms3709 عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) # وما أمروا يعني هؤلاء الكفار إلا ليعبدوا الله أي وما أمروا إلا أن ~~يعبدوا الله قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة، والإنجيل، إلا بإخلاص ~~العبادة لله موحدين له مخلصين له الدين الإخلاص عبارة عن النية الخالصة، ~~وتجريدها عن شوائب الرياء، وهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ~~ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه والواجب ~~لوجوبه والنية الخالصة لما كانت معتبرة. كانت النية معتبرة فقد دلت الآية ~~على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منويا فلا بد من اعتبار النية في جميع ~~المأمورات، قال أصحاب الشافعي: الوضوء مأمور به ودلت هذه الآية على أن كل ~~مأمور به يجب أن يكون منويا، فتجب النية في الوضوء، وقيل الإخلاص محله ~~القلب وهو أن يأتي بالفعل لوجه الله تعالى مخلصا له، ولا يريد بذلك رياء ~~ولا سمعة ولا غرضا آخر حتى قالوا في ذلك لا يجعل طلب الجنة مقصودا ولا ~~النجاة من النار مطلوبا، وإن كان لا بد من ذلك بل يجعل العبد عبادته لمحض ~~العبودية واعترافا لربه عز وجل بالربوبية، وقيل في معنى مخلصين له الدين ~~مقرين له بالعبودية، وقيل قاصدين بقلوبهم رضا الله تعالى بالعبادة (م) عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» حنفاء # PageV04P455 # أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقيل متبعين ملة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام، وقيل حنفاء أي حجاجا وإنما قدمه على الصلاة والزكاة ~~لأن فيه صلاة وإنفاق مال، وقيل حنفاء أي مختونين محرمين لنكاح المحارم، ~~وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرسل، ولا يفرق بين أحد منهم فمن لم ~~يؤمن بأشرف الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم فليس بحنيف ويقيموا ~~الصلاة أي المكتوبة في أوقاتها ويؤتوا الزكاة أي المفروضة عند محلها وذلك ~~أي الذي أمروا به دين القيمة أي ms3710 الملة المستقيمة والشريعة المتبوعة، وإنما ~~أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين وأنث القيمة ردا إلى ~~الملة، وقيل الهاء في القيمة للمبالغة كعلامة، وقيل القيمة الكتب التي جرى ~~ذكرها، أي وذلك دين أصحاب الكتب القيمة، وقيل القيمة جمع القيم، والقيم، ~~والقائم واحد والمعنى وذلك دين القائمين لله بالتوحيد واستدل بهذه الآية من ~~يقول إن الإيمان قول وعمل لأن الله تعالى ذكر الاعتقاد أولا وأتبعه بالعمل ~~ثانيا ثم قال وذلك دين القيمة والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان بدليل ~~قوله فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ~~ثم ذكر ما للفريقين فقال تعالى: # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فإن قلت لم قدم أهل الكتاب على ~~المشركين. # قلت لأن جنايتهم أعظم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم ~~كانوا يستفتحون به قبل بعثته ويقرون بنبوته، فلما بعث أنكروه وكذبوه وصدوه ~~مع العلم به فكانت جنايتهم أعظم من المشركين فلهذا قدمهم عليهم. # فإن قلت إن المشركين أعظم جناية من أهل الكتاب لأن المشركين أنكروا ~~الصانع والنبوة، والقيامة وأهل الكتاب اعترفوا بذلك غير أنهم أنكروا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك كان كفرهم أخف فلم سوى بين الفريقين ~~في العذاب. # قلت لما أراد أهل الكتاب الرفعة في الدنيا بإنكارهم نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أذلهم الله في الدنيا، وأدخلهم أسفل سافلين في الآخرة ولا يمنع ~~من دخولهم النار مع المشركين أن تتفاوت مراتبهم في العذاب. في نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية أي هم شر الخلق والمعنى أنهم لما استحقوا ~~النار بسبب كفرهم قالوا: فهل إلى خروج من سبيل فقال بل تبقون خالدين فيها، ~~فكأنهم قالوا لم ذلك قال لأنكم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية يعني أنهم بسبب أعمالهم الصالحة واجتنابهم الشرك ~~استحقوا هذا الاسم جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ms3711 ورضوا عنه قيل الرضا ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا ~~عنه، فالرضا به أن يكون ربا ومدبرا، والرضا عنه فيما يقضي ويدبر قال السري: ~~إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك، وقيل: رضي الله أعمالهم، ~~ورضوا عنه بما أعطاهم من الخير والكرامة ذلك أي هذا الجزاء والرضا لمن خشي ~~ربه أي لمن خاف ربه في الدنيا وانتهى عن المعاصي (ق) عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب «إن الله أمرني أن ~~أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قال وسماني قال نعم فبكى» وفي ~~رواية البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب إن الله أمرني ~~أن أقرأ عليك القرآن، قال الله سماني لك، قال نعم قال وقد ذكرت عند رب ~~العالمين قال نعم قيل فذرفت عيناه»: # (شرح غريب الحديث) أما بكاء أبي فإنه بكى سرورا، واستصغارا لنفسه عن ~~تأهله لهذه النعمة العظيمة وإعطائه تلك المنزلة الكريمة، والنعمة عليه فيها ~~من وجهين أحدهما: كونه منصوصا عليه بعينه والثاني قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإنها منقبة عظيمة لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، وقيل إنما ~~بكى خوفا من تقصيره في شكره هذه النعمة. # PageV04P456 # وأما تخصيص هذه السورة بالقراءة، فإنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ~~ومهمات عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، وأما الحكمة في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالقراءة على أبي فهي أن يتعلم أبي القراءة من ألفاظه صلى ~~الله عليه وسلم، وضبط أسلوب الوزن المشروع وقدره بخلاف ما سواه من النعم ~~المستعملة في غيره فكانت قراءته على أبي ليتعلم أبي منه لا ليتعلم هو من ~~أبي وقيل إنما قرأ على أبي ليتعلم غيره التواضع والأدب وأن لا يستنكف ~~الشريف وصاحب الرتبة العالية أن يتعلم القرآن ممن هو دونه، وفيه تنبيه على ~~فضيلة أبي والحث عن الأخذ عنه وتقديمه في ذلك فكان كذلك بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأسا وإما ms3712 ما في القراءة وغيرها، وكان أحد علماء الصحابة رضي ~~الله عنهم أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P457 ### | سورة الزلزلة # وهي مكية وقيل مدنية وهي ثمان آيات وخمس وثلاثون كلمة ومائة وتسعة ~~وأربعون حرفا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا ~~أيها الكافرون تعدل ربع القرآن» أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب وله عن أنس ~~رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن ~~ومن قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد ~~عدلت له ثلث القرآن» وقال حديث غريب. # بسم الله الرحمن الرحيم # ### || [سورة الزلزلة (99): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) # بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) # قوله عز وجل: إذا زلزلت الأرض زلزالها أي تحركت حركة شديدة، واضطربت، ~~وذلك عند قيام الساعة، وقيل تزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما ~~عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، وشجر، وبناء ~~وفي وقت هذه الزلزلة قولان أحدهما: وهو قول الأكثرين، أنها في الدنيا، وهي ~~من أشراط الساعة والثاني أنها زلزلت يوم القيامة. وأخرجت الأرض أثقالها فمن ~~قال إن الزلزلة تكون في الدنيا قال أثقالها كنوزها، وما في بطنها من ~~الدفائن، والأموال فتلقيها على ظهرها يدل على صحة هذا القول، ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تقيء ~~الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب، والفضة، فيجيء القاتل فيقول ~~في هذا قتلت ويجيء القاطع، فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في ~~هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» أخرجه مسلم والأفلاذ ms3713 جمع ~~فلذة وهي القطعة المستطيلة شبه ما يخرج من باطنها بأقطاع كبدها، لأن الكبد ~~مستور في الجوف، وإنما خص الكبد لأنها من أطيب ما يشوى عند العرب من ~~الجزور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن الزلزلة تكون يوم القيامة، قال ~~أثقالها الموتى فتخرجهم إلى ظهرها قيل إن الميت إذا كان في بطن الأرض، فهو ~~ثقل لها وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها، ومنه سميت الجن والإنس بالثقلين ~~لأن الأرض تثقل بهم أحياء وأمواتا. وقال الإنسان ما لها يعني ما لها تزلزلت ~~هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها وفي الإنسان وجهان. أحدهما أنه اسم ~~جنس يعم المؤمن والكافر، وهذا على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، ~~والمعنى أنها حين وقعت لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم ~~بعضا عن ذلك، والثاني أنه اسم للكافر خاصة وهذا على قول من جعلها زلزلة ~~القيامة لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت ~~سأل عنها، وقيل مجاز الآية يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان ما لها، ~~والمعنى أن الأرض تحدث بكل ما عمل على ظهرها من خير أو شر، فتشكوا العاصي، ~~وتشهد عليه وتشكر الطائع وتشهد له «عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV04P458 # هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله ~~أعلم، قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول ~~عمل يوم كذا كذا وكذا فهذه أخبارها» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح بأن ~~ربك أوحى لها أي أمرها بالكلام وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها قال ابن ~~عباس: # أوحى إليها قيل إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق حتى ~~تخبر بما أمر الله به وهذا مذهب أهل السنة. # قوله تعالى: يومئذ يصدر الناس أي عن موقف الحساب بعد العرض أشتاتا أي ~~متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار ليروا ~~أعمالهم قال ابن عباس ms3714 ليروا جزاء أعمالهم، وقيل معناه ليروا صحائف أعمالهم ~~التي فيها الخير والشر وهو قوله تعالى: ### || [سورة الزلزلة (99): الآيات 7 الى 8] # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) # فمن يعمل مثقال ذرة قال وزن نملة صغيرة وقيل هو ما لصق من التراب باليد ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل ~~خيرا أو شرا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة، فأما المؤمن فيرى ~~حسناته وسيئاته فيغفر الله له سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر، فيرد ~~حسناته ويعذبه بسيئاته، وقال محمد بن كعب القرظي فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وولده وأهله وماله حتى يخرج من ~~الدنيا وليس له عند الله خير ومن يعلم مثقال ذرة شرا يره من مؤمن يرى ~~عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وولده وأهله حتى يخرج من الدنيا وليس له ~~عند الله شر قيل نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزلت ويطعمون الطعام ~~على حبه وكان أحدهما يأتيه السائل، فيستقل أن يطعمه التمرة والكسرة، ~~والجوزة ونحو ذلك ويقول هذا ليس بشيء يؤجر عليه إنما يؤجر على ما يعطي ونحن ~~نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب الصغير مثل الكذبة والنظرة وأشباه ذلك ~~ويقول إنما وعد الله النار على الكبائر وليس في هذا، إثم فأنزل الله هذه ~~الآية يرغبهم في القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ويحذرهم من ~~اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكبر والإثم الصغير في عين صاحبه يصير مثل ~~الجبل العظيم يوم القيامة قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وسمي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية الجامعة الفاذة حين سأل عن زكاة الحمير، فقال ما أنزل ~~الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا ms3715 يره وتصدق عمر بن الخطاب وعائشة كل واحد منهما بحبة ~~عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة، قلت إنما كان غرضهما تعليم الغير وإلا فهما ~~من كرماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن ~~وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ آخرها قال حسبي الله قد انتهت الموعظة، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P459 ### | سورة العاديات # وهي مكية في قول ابن مسعود وغيره مدنية في قول ابن عباس، وهي إحدى عشرة ~~آية وأربعون كلمة ومائة وثلاثة وستون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العاديات (100): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # قوله عز وجل: والعاديات ضبحا فيه قولان أحدهما، أنها الإبل في الحج قال ~~علي كرم الله وجهه: هي الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى ~~منى، وعنه قال كانت أول غزاة في الإسلام بدرا، وما كان معنا إلا فرسان فرس ~~للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات؟ فعلى هذا القول يكون ~~معنى ضبحها مد أعناقها في السير وأصله من حركة النار في العود. فالموريات ~~قدحا يعني أن أخفاف الإبل ترمي بالحجارة من شدة عدوها فيضرب الحجر حجرا آخر ~~فيوري النار، وقيل هي النيران بجمع فالمغيرات صبحا يعني الإبل تدفع ~~بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى والسنة أن لا يدفع حتى يصبح والإغارة ~~سرعة السير، ومنه قولهم أشرق ثبير كيما نغير فأثرن به نقعا أي هيجن بمكان ~~سيرها غبارا. ### || [سورة العاديات (100): الآيات 5 الى 11] # فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) # وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) # فوسطن به جمعا أي وسطن بالنقع جمعا وهو مزدلفة، فوجه القسم على هذا أن ~~الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة، وتعريضه بإبل الحج ~~للترغيب وفيه تقريع لمن لم يحج بعد القدرة عليه، فإن الكنود هو الكفور، ms3716 ومن ~~لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك القول الثاني في تفسير والعاديات، قال ابن ~~عباس وجماعة هي الخيل العادية في سبيل الله والضبح صوت أجوافها إذا غدت قال ~~ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات يضبح سوى الفرس، والكلب، والثعلب، وإنما ~~تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من فزع أو تعب، وهو من قول العرب ضبحته ~~النار إذا غيرت لونه، فالموريات قدحا يعني أنها توري النار بحوافرها إذا ~~سارت في الحجارة، وقيل هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها وقال ~~ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل فيوري أصحابها نارا، ~~ويصنعون طعامهم، وقيل هو مكر الرجال في الحرب، والعرب تقول إذا أراد الرجل ~~أن يمكر بصاحبه أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك، فالمغيرات صبحا يعني ~~الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح لأن الناس في غفلة في ذلك الوقت ~~عن الاستعداد، فأثرن به أي بالمكان نقعا أي غبارا فوسطن به جمعا أي دخلن به ~~أي بذلك النقع وهو الغبار، وقيل صرن بعدوهن وسط جمع العدو، وهم الكتيبة ~~وهذا القول في تفسير هذه الآيات أولى بالصحة، وأشبه بالمعنى، لأن الضبح من ~~صفة # PageV04P460 # الخيل، وكذا إيراء النار بحوافرها، وإثارة الغبار أيضا، وإنما أقسم الله ~~بخيل الغزاة لما فيها من المنافع الدينية، والدنيوية، والأجر، والغنيمة، ~~وتنبيها على فضلها، وفضل رباطها في سبيل الله عز وجل، ولما ذكر الله تعالى ~~المقسم به ذكر المقسم عليه. فقال تعالى: إن الإنسان لربه لكنود أي لكفور ~~وهو جواب القسم قال ابن عباس: الكنود الكفور الجحود لنعمة الله تعالى، وقيل ~~الكنود هو العاصي، وقيل هو الذي يعد المصائب، وينسى النعم، وقيل هو قليل ~~الخير مأخوذ من الأرض الكنود، وهي التي لا تنبت شيئا، وقال الفضيل بن عياض ~~الكنود: # الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، وضده ~~الشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة ~~وإنه على ذلك لشهيد قال أكثر المفسرين: وإن الله على كونه كنود الشاهد، ms3717 ~~وقيل الهاء راجعة إلى الإنسان، والمعنى أنه شاهد على نفسه بما صنع وإنه ~~يعني الإنسان لحب الخير أي المال لشديد أي لبخيل والمعنى أنه من أجل حب ~~المال لبخيل، وقيل معناه وإنه لحب المال وإيثار الدنيا لقوي شديد أفلا يعلم ~~يعني هذا الإنسان إذا بعثر أي أثير وأخرج ما في القبور يعني من الموتى وحصل ~~ما في الصدور أي ميز وأبرز ما فيها من الخير والشر إن ربهم بهم أي جمع ~~الكناية لأن الإنسان اسم جنس يومئذ لخبير أي عالم والله تعالى خبير بهم في ~~ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم على كفرهم ~~وإنما خص أعمال القلوب بالذكر في قوله، وحصل ما في الصدور لأن أعمال ~~الجوارح تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا البواعث والإرادات التي في القلوب ~~لما حصلت أعمال الجوارح والله أعلم. # PageV04P461 ### | سورة القارعة # مكية وهي ثمان آيات وست وثلاثون كلمة ومائة واثنان وخمسون حرفا بسم الله ~~الرحمن الرحيم ### || [سورة القارعة (101): الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة ~~راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) # قوله عز وجل: القارعة أصل القرع الصوت الشديد، ومنه قوارع الدهر أي ~~شدائده، والقارعة من أسماء القيامة. سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع، ~~والشدائد وقيل سميت قارعة بصوت إسرافيل لأنه إذا نفخ في الصور مات جميع ~~الخلائق من شدة صوت نفخته، ما القارعة تهويل وتعظيم، والمعنى أنها فاقت ~~القوارع في الهول والشدة وما أدراك ما القارعة معناه لا علم لك بكنهها ~~لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد وكيفما قدرت أمرها فهي أعظم من ذلك ~~يوم يكون الناس كالفراش المبثوث الفراش هذه الطير التي تراها تتهافت في ~~النار سميت بذلك لفرشها، وانتشارها، وإنما شبه الخلق عند البعث بالفراش، ~~لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة. بل كل واحدة ms3718 تذهب إلى غير جهة ~~الأخرى، فدل بهذا التشبيه على أن الخلق في البعث يتفرقون، فيذهب كل واحد ~~إلى غير جهة الآخر، والمبثوث المتفرق، وشبههم أيضا بالجراد فقال: كأنهم ~~جراد منتشر وإنما شبههم بالجراد لكثرتهم قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب ~~بعضه بعضا فشبه الناس عند البعث بالجراد لكثرتهم بموج بعضهم في بعض، ويركب ~~بعضهم بعضا من شدة الهول. وتكون الجبال كالعهن المنفوش أي كالصوف المندوف، ~~وذلك لأنها تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند ~~الندف، وإنما ضم بين حال الناس وحال الجبال، كأنه تعالى نبه على تأثير تلك ~~القارعة في الجبال العظيمة الصلدة الصلبة حتى تصير كالعهن المنفوش، فكيف ~~حال الإنسان الضعيف عند سماع صوت القارعة ثم لما ذكر حال القيامة قسم الخلق ~~على قسمين فقال تعالى: فأما من ثقلت موازينه يعني رجحت موازين حسناته قيل ~~هو جمع موزون، وهو العمل الذي له قدر وخطر عند الله تعالى، وقيل هو جمع ~~ميزان وهو الذي له لسان وكفتان توزن فيه الأعمال فيؤتى بحسنات المؤمن في ~~أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فإن رجحت فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر ~~في أقبح صورة فتخف ميزانه، فيدخل النار، وقيل إنما توزن أعمال المؤمنين فمن ~~ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار، ~~فيقتص منه على قدرها ثم يخرج منها، فيدخل الجنة أو يعفو الله عنه بكرمه، ~~فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه، ورحمته، وأما الكافرون فقد قال: في # PageV04P462 # حقهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا روى عن أبي بكر الصديق أنه قال: إنما ~~ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا، ~~وثقله عليهم وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين ~~من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق ~~لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. # قوله تعالى: فهو في عيشة راضية أي مرضية في الجنة، وقيل في عيشة ذات رضا ~~يرضاها صاحبها وأما من ms3719 خفت موازينه أي رجحت سيئاته على حسناته فأمه هاوية ~~أي مسكنة النار سمي المسكن أما لأن الأصل في السكون الأمهات، وقيل معناه ~~فأم رأسه هاوية في النار، والهاوية اسم من أسماء النار، وهي المهواة التي ~~لا يدرك قعرها فيهوون فيها على رؤوسهم، وقيل كان الرجل إذا وقع في أمر شديد ~~يقال هوت أمه أي هلكت حزنا وثكلا وما أدراك ما هيه يعني الهاوية ثم فسرها ~~فقال نار حامية أي حارة قد انتهى حرها نعوذ بالله وعظمته منها والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV04P463 ### | سورة التكاثر # مكية وهي ثمان آيات وثمان وعشرون كلمة ومائة وعشرون حرفا بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### || [سورة التكاثر (102): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) # قوله عز وجل: ألهاكم التكاثر أي شغلتكم المفاخرة، والمباهاة، والمكاثرة ~~بكثرة المال، والعدد، والمناقب عن طاعة الله ربكم، وما ينجيكم من سخطه، ~~ومعلوم أن من اشتغل بشيء أعرض عن غيره، فينبغي للمؤمن العاقل أن يكون سعيه ~~وشغله في تقديم الأهم وهو ما يقربه من ربه عز وجل. فالتفاخر بالمال والجاه ~~والأعوان، والأقرباء تفاخر بأخس المراتب، والاشتغال به يمنع الإنسان من ~~الاشتغال بتحصيل السعادة الأخروية التي هي سعادة الأبد، ويدل على أن ~~المكاثرة، والمفاخرة بالمال مذمومة، ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية ~~ألهاكم التكاثر «فقال يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت ~~فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ~~(خ) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يتبع الميت ~~ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه ماله وأهله وعمله فيرجع أهله وماله ~~ويبقى عمله» حتى زرتم المقابر أي حتى متم ودفنتم في المقابر يقال لمن مات ~~زار قبره وزار رمسه، فيكون معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن ~~طاعة ربكم حتى أتاكم الموت، وأنتم على ms3720 ذلك قيل نزلت هذه الآية في اليهود، ~~قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ~~ماتوا ضلالا، وقيل نزلت في حيين من قريش، وهما بنو عبد مناف، وبنو سهم بن ~~عمرو، وكان بينهم تفاخر فتعادوا القادة، والأشراف أيهم أكثر فقال بنو عبد ~~مناف نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عددا، وقال بنو سهم مثل ~~ذلك، فكاثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا نعد موتانا فعدوا الموتى حتى زار ~~والقبور، فعدوهم فقالوا هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم بثلاثة ~~أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول ~~أشبه بظاهر القرآن لأن قوله حتى زرتم المقابر يدل على أمر مضى، فكأنه تعالى ~~يعجبهم من أنفسهم ويقول مجيبا هب إنكم أكثر عددا، فماذا ينفع ثم رد الله ~~تعالى عليهم فقال: ### || [سورة التكاثر (102): الآيات 3 الى 8] # كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) ~~لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) # ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # كلا أي ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء بالتكاثر والتفاخر، وقيل المعنى حقا ~~سوف تعلمون وعيد لهم # PageV04P464 # ثم كلا سوف تعلمون كرره توكيدا والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم ~~وتفاخركم إذا نزل بكم الموت، فهو وعيد بعد وعيد، وقيل معناه كلا سوف تعلمون ~~يعني الكافرين ثم كلا سوف تعلمون يعني المؤمنين وصاحب هذا القول يقرأ ~~الأولى بالياء والثانية بالتاء. كلا لو تعلمون علم اليقين أي علما يقينا ~~وجواب لو محذوف والمعنى لو تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر ~~والتفاخر، قال قتادة كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد ~~الموت لترون الجحيم اللام تدل على أنه جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد ~~الوعيد، وإن ما أوعدوا به لا يدخله شك ولا ريب، والمعنى أنكم ترون الجحيم ~~بأبصاركم بعد الموت ثم لترونها يعني مشاهدة عين اليقين وإنما كرر الرؤية ~~لتأكيد الوعيد ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم يعني أن ms3721 كفار مكة كانوا في الدنيا ~~في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه لأنهم لم ~~يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره ثم يعذبون على ترك الشكر، وذلك لأن الكفار ~~لما ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله والاشتغال ~~بشكره سألهم عن ذلك، وقيل إن هذا السؤال يعم الكافر، والمؤمن، وهو الأولى ~~لكن سؤال الكافر توبيخ، وتقريع لأنه ترك شكر ما أنعم الله به عليه، والمؤمن ~~يسأل سؤال تشريف وتكريم لأنه شكر ما أنعم الله به عليه، وأطاع ربه فيكون ~~السؤال في حقه تذكرة بنعم الله عليه. يدل على ذلك ما روي «عن الزبير قال ~~لما نزلت ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم قال الزبير: يا رسول الله وأي نعيم ~~نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال أما أنه سيكون» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث حسن واختلفوا في النعيم الذي يسأل البعد عنه، فروي عن ~~ابن مسعود رفعه قال لتسألن يومئذ عن النعيم قال الأمن، والصحة عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ~~من النعيم أن يقال له ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد» أخرجه ~~الترمذي وقال حديث غريب (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال صلى الله ~~عليه وسلم ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة، قالا الجوع يا رسول الله قال ~~وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا فقاموا معه فأتى رجلا ~~من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا، فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان قالت ذهب يستعذب لنا الماء إذا ~~جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال: ~~الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر، ~~وتمر، ورطب فقال: كلوا وأخذ المدية فقال ms3722 له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياك والحلوب، فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما ~~شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر والذي نفسي ~~بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ~~ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» وأخرجه الترمذي بأطول من هذا «وفيه ظل بارد ~~ورطب طيب وماء بارد» وروي عن ابن عباس قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع ~~والأبصار يسأل الله العبيد يوم القيامة فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، ~~وقيل يسأل عن الصحة والفراغ والمال (خ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»، وقيل ~~الذي يسأل العبد عنه هو القدر الزائد على ما يحتاج إليه فإنه لا بد لكل أحد ~~من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، وقيل يسأل عن تخفيف الشرائع وتيسير القرآن، ~~وقيل عن الإسلام فإنه أكبر النعم، وقيل يسأل عما أنعم به عليكم وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي أنقذكم به من الضلال إلى الهدى، والنور وامتن به ~~عليكم والله أعلم. # PageV04P465 ### | سورة العصر # مكية قاله ابن عباس والجمهور وقيل هي مدنية وهي ثلاث آيات وأربع عشر كلمة ~~وثمانية وستون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العصر (103): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # قوله عز وجل: والعصر قال ابن عباس: هو الدهر قيل أقسم الله به لما فيه من ~~العبر، والعجائب للناظر وقد ورد في الحديث «لا تسبوا الدهر فإن الله هو ~~الدهر» وذلك لأنهم كانوا يضيفون النوائب والنوازل إلى الدهر، فأقسم به ~~تنبيها على شرفه وأن الله هو المؤثر فيه فما حصل فيه من النوائب والنوازل ~~كان بقضاء الله وقدره، وقيل تقديره ورب العصر، وقيل أراد بالعصر الليل ~~والنهار لأنهما يقال لهما العصران، فنبه على شرف الليل والنهار لأنهما ~~خزانتان لأعمال العباد، وقيل أراد بالعصر ms3723 آخر طرفي النهار أقسم بالعشي كما ~~أقسم بالضحى، وقيل أراد صلاة العصر أقسم بها لشرفها ولأنها الصلاة الوسطى ~~في قول بدليل قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لما قيل هي ~~صلاة العصر والذي في مصحف عائشة رضي الله عنها وحفصة والصلاة الوسطى صلاة ~~العصر وفي الصحيحين «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» وقال صلى الله ~~عليه وسلم «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»، وقيل أراد بالعصر ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسم بزمانه كما أقسم بمكانه في قوله لا ~~أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد نبه بذلك على أنه زمانه أفضل الأزمان ~~وأشرفها، وجواب القسم قوله تعالى: إن الإنسان لفي خسر أي لفي خسران ونقصان ~~قيل أراد بالإنسان جنس الإنسان بدليل قولهم كثر الدرهم في أيدي الناس أي ~~الدرهم وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران، لأن الخسران هو تضييع عمره وذلك ~~لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان إما أن تكون تلك الساعة في طاعة أو معصية، ~~فإن كانت في معصية فهو الخسران المبين الظاهر وإن كانت في طاعة، فلعل غيرها ~~أفضل وهو قادر على الإتيان بها فكان فعل غير الأفضل تضييعا وخسرانا، فبان ~~بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران، وقيل إن سعادة الإنسان في طلب الآخرة وحبها ~~والإعراض عن الدنيا ثم إن الأسباب الداعية إلى حب الآخرة خفية، والأسباب ~~الداعية إلى حب الدنيا ظاهرة، فلهذا السبب كان أكثر الناس مشتغلين بحب ~~الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في خسار وبوار قد أهلكوا أنفسهم بتضييع ~~أعمارهم، وقيل أراد بالإنسان الكافر بدليل أنه استثنى المؤمنين فقال تعالى: ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني فإنهم ليسوا في خسر، والمعنى أن كل ~~ما مر من عمر الإنسان في طاعة الله تعالى فهو في # PageV04P466 # صلاح وخير وما كان بضده فهو في خسر وفساد وهلاك. وتواصوا أي أوصى بعض ~~المؤمنين بعضا بالحق يعني بالقرآن والعمل بما فيه، وقيل بالإيمان والتوحيد ~~وتواصوا بالصبر أي على أداء الفرائض وإقامة أمر ms3724 الله وحدوده، وقيل أراد أن ~~الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص وتراجع إلا الذين آمنوا، وعملوا ~~الصالحات فإنهم تكتب أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم ~~وصحتهم وهي مثل قوله لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ~~سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV04P467 ### | سورة الهمزة # مكية وهي تسع آيات وثلاثون كلمة ومائة وثلاثون حرفا بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### || [سورة الهمزة (104): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) # قوله عز وجل: ويل أي قبح، وقيل اسم واد في جهنم لكل همزة لمزة قال ابن ~~عباس هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب وقيل ~~معناهما واحد وهو العياب المغتاب للناس في بعضهم قال الشاعر: # إذا لقيتك من كره تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزا # وقيل بل يختلف معناهما فقيل الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي ~~يعيبك في الوجه، وقيل هو على ضده، وقيل الهمزة الذي يهمز الناس بيده ~~ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم، وقيل هو الذي يهمز بلسانه ~~ويلمز بعينه، وقيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يرمق ~~بعينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه، وقيل الهمزة المغتاب للناس واللمزة الطعان ~~في أنسابهم وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب ~~وأصل الهمز الكسر والقبض على الشيء بالعنف، والمراد منه هنا الكسر من أعراض ~~الناس والغض منهم، والطعن فيهم، ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم، ~~وأفعالهم، وأصواتهم ليضحكوا منه، وهما نعتان للفاعل على نحو سخرة وضحكة ~~للذي يسخر ويضحك من الناس، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقيل نزلت في ~~الأخنس بن شريق بن وهب. كان يقع في الناس ويغتابهم وقال محمد بن إسحاق: ما ~~زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وقيل نزلت في الوليد ~~بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في ~~وجهه، وقيل نزلت في العاص بن وائل ms3725 السهمي، وقيل هي عامة في كل شخص هذه صفته ~~كائنا من كان، وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ والحكم، ومن قال ~~إنها في أناس معينين قال أن يكون اللفظ عاما لا ينافي أن يكون المراد منه ~~شخصا معينا وهو تخصيص العام بقرينة العرف والأولى أن تحمل على العموم في كل ~~من هذه صفته ثم وصفه فقال تعالى: ### || [سورة الهمزة (104): الآيات 2 الى 9] # الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة ~~(4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) # التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) # الذي جمع مالا وإنما وصفه بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة في ~~الهمز واللمز يعني وهو بإعجابه بما جمع من المال يستصغر الناس ويسخر منهم، ~~وإنما نكر مالا لأنه بالنسبة إلى مال هو أكثر منه # PageV04P468 # كالشيء الحقير وإن كان عظيما عند صاحبه فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر ~~بالشيء الحقير وعدده أي أحصاه من العدد، وقيل هو من العدة أي استعده وجعله ~~ذخيرة وغنى له يحسب أن ماله أخلده أي يظن أنه يخلد في الدنيا ولا يموت ~~ليساره وغناه قال الحسن ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من ~~الموت ومعناه أن الناس لا يشكون في الموت مع أنهم يعملون عمل من يظن أنه ~~يخلد في الدنيا ولا يموت كلا رد عليه أي لا يخلده ماله بل يخلده ذكر العلم، ~~والعمل الصالح ومنه قول علي: مات خزان المال، وهم أحياء والعلماء باقون ما ~~بقي الدهر، وقيل معناه حقا لينبذن واللام في لينبذن جواب القسم فدل ذلك على ~~حصول معنى القسم، ومعنى لينبذن ليطرحن في الحطمة أي في النار، وهو اسم من ~~أسمائها مثل سقر ولظى، وقيل هو اسم للدركة الثانية منها وسميت حطمة لأنها ~~تحطم العظام وتكسرها، والمعنى يا أيها الهمزة اللمزة الذي يأكل لحوم الناس، ~~ويكسر من أعراضهم إن وراءك الحطمة التي تأكل اللحوم وتكسر العظام وما أدراك ~~ما الحطمة أي ms3726 نار لا كسائر النيران نار الله إنما أضافها إليه على سبيل ~~التفخيم والتعظيم لها الموقدة أي لا تخمد أبدا عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ~~ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي ~~سوداء مظلمة» أخرجه الترمذي قال ويروى عن أبي هريرة موقوفا وهو أصح التي ~~تطلع على الأفئدة أي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب، والمعنى أنها تأكل كل ~~شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، وإنما خص الفؤاد بالذكر لأنه ألطف شيء في بدن ~~الإنسان، وأنه يتألم بأدنى شيء، فكيف إذا اطلعت عليه واستولت عليه، ثم إنه ~~مع لطافته لا يحترق إذ لو احترق لمات صاحبه، وليس في النار موت، وقيل إنما ~~خصه بالذكر لأن القلب موطن الكفر، والعقائد، والنيات الفاسدة. إنها عليهم ~~مؤصدة أي مطبقة مغلقة في عمد ممددة قال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم ~~بعماد وفي أعناقهم السلاسل سدت عليهم بها الأبواب، وقال قتادة: بلغنا أنهم ~~عمد يعذبون بها في النار، وقيل هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، ~~والمعنى أنها مطبقة عليهم بأوتاد ممدودة، وقيل أطبقت الأبواب عليهم ثم سدت ~~بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا ينفتح عليهم باب، ~~ولا يدخل عليهم روح، وممددة صفة العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة ~~نعوذ بالله من النار، وحرها والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P469 ### | سورة الفيل # مكية وهي خمس آيات وعشرون كلمة وستة وتسعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفيل (105): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) # قوله عز وجل: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل كانت قصة أصحاب الفيل على ~~ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن ~~عباس، وذكره الواقدي أن النجاشي ملك الحبشة كان بعث أرياط إلى اليمن، فغلب ~~عليها فقام رجل من ms3727 الحبشة يقال له أبرهة بن الصباح بن يكسوم، فساخط أرياط ~~في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين، فكان طائفة مع أرياط، وطائفة مع أبرهة، ~~فتزاحفا فقتل أبرهة أرياط، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على اليمن، وأقره ~~النجاشي على عمله، ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج ~~بيت الله عز وجل، فبنى كنيسة بصنعاء، وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك ~~بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب فسمع ~~بذلك مالك بن كنانة فخرج لها ليلا، فدخل وتغوط فيها ولطخ بالعذرة قبلتها، ~~فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي، فقيل صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك ~~البيت سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، ~~فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال ~~له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عظما، وجسما، وقوة، فبعث به إليه، فخرج ~~أبرهة في الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معهم الفيل، فسمعت العرب بذلك، فعظموه ~~ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذو نفر بمن أطاعه ~~من قومه، فقاتلوه فهزمه أبرهة، وأخذ ذا نفر فقال يا أيها الملك استبقني فإن ~~بقائي خير لك من قتلي فاستحياه وأوثقه وكان أبرهة رجلا حليما، ثم سار حتى ~~إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع ~~إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم، وأخذ نفيلا فقال نفيل أيها الملك إني ~~دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه وخرج معه ~~يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال: ~~أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن ~~نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان ~~بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة رجلا من الحبشة يقال ms3728 ~~له الأسود بن مسعود على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع ~~الأسود أموال أصحاب الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل ~~بحناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به ~~إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل ~~مكة، فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال له إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم ~~يأت لقتال، إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، ~~فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا # PageV04P470 # لنا به يد إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت ~~إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه ~~وبين ذلك فو الله ما لنا به قوة قال فانطلق معي إلى الملك، فزعم بعض ~~العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض بنيه حتى قدم على ~~العسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب، فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من ~~غناء فيما نزل بنا؟ قال فما غناء رجل أسير لا يأمن من أن يقتل بكرة أو ~~عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، فأسأله أن يصنع لك ~~عند الملك ما استطاع من خير، ويعظم خطرك، ومنزلتك عنده قال فأرسل إلى أنيس، ~~فأتاه فقال، له إن هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة يطعم الناس في السهل، ~~والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه ~~عنده، فانفعه فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة ~~فقال: أيها الملك هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل، ~~والوحوش في رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له، فيكلمك فقد جاء ~~غير ناصب، ولا مخالف عليك، فأذن له وكان عبد المطلب رجلا جسيما، وسيما فلما ~~رآه أبرهة عظمه، وأكرمه # ، وكره أن يجلس ms3729 معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس ~~عليه، ثم دعاه، فأجلسه معه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك إلى الملك فقال ~~الترجمان: ذلك له فقال له عبد المطلب حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي ~~بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد ~~زهدت الآن فيك قال لم قال جئت إلى بيت هو دينك، ودين آبائك، وهو شرفكم، ~~وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، قال عبد ~~المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال ما كان ليمنعه ~~مني قال فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه، فلما ردت الإبل على عبد المطلب ~~خرج، فأخبر قريشا الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس ~~الجبال تخوفا عليهم من معرة الحبش، ففعلوا وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ ~~حلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا # وقال أيضا: # لا هم إن العبد يمنع ... رحله فامنع رحالك # وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك # جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم و ... كعبتنا فأمر ما بدا لك # ثم ترك عبد المطلب الحلقة، وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة ~~بالمغمس، وقد تهيأ للدخول، وهيأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير مثله في ~~العظم والقوة، ويقال كان معه اثنا عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم، ~~ثم أخذ بإذنه، وقال له أبرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك ببلد الله ~~الحرام، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه، فأدخلوا محاجنهم ~~تحت مراقه، ومرافقه، ففزعوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول ~~ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى ~~الحرم، فبرك وأبى أن يقوم، ms3730 وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل الله عز ~~وجل طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في ~~رجليه وحجر في منقاره أمثال # PageV04P471 # الحمص، والعدس، فلما غشين القوم أرسلناها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة ~~أحدا إلا هلك، وليس كل قوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي ~~جاءوا منه ويتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ~~ينظر إليهم من بعض الجبال وفي ذلك يقول نفيل: # فإنك ما رأيت ولن تراه ... لدى حين المحصب ما رأينا # حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وحصب حجارة تلقى علينا # وكلهم يسائل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا # وخرج القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون في كل منهل، ~~وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله كلما سقطت أنملة ~~تبعتها مدة من قيح، ودم، فانتهى إلى صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فيمن بقي من ~~أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك قال الواقدي: وأما محمود ~~فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم، والفيل الآخر شجعوا، فحصبوا أي رموا ~~بالحصباء، وقال بعضهم انفلت أبو يكسوم وزير أبرهة، وتبعه طير، فحلق فوق ~~رأسه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أنهاها وقع عليه حجر من ذلك ~~الطير، فخر ميتا بين يدي النجاشي قال أمية بن أبي الصلت: # إن آيات ربنا ساطعات ... ما يماري فيهن إلا الكفور # حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يعوي كأنه معقور # وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة يستطعمان ~~الناس، وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل، أن فئة من ~~قريش أججوا نارا حين خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، فدنوا من ساحل البحر، ~~وثم بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل، فنزلوا فأججوا النار واشتووا، فلما ~~ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فهاجت الريح، فاضطرم الهيكل نارا ~~فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبا للبيعة، فبعث أبرهة لهدم الكعبة، وكان ms3731 ~~في مكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة، ~~وكان رجلا نبيها نبيلا تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلا لعبد المطلب فقال ~~له عبد المطلب: ماذا عندك فهذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك؟ فقال أبو مسعود ~~اصعد بنا إلى حراء، فصعد الجبل فقال أبو مسعود لعبد المطلب اعمد إلي مائة ~~من الإبل، فاجعلها لله وقلدها نعلا، واجعلها لله ثم أبثثها في الحرم، فلعل ~~بعض السودان يعقر منها شيئا، فيغضب رب هذا البيت، فيأخذهم ففعل ذلك عبد ~~المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل، فحملوا عليها، وعقروا بعضها وجعل عبد ~~المطلب يدعو فقال أبو مسعود إن لهذا البيت ربا يمنعه فقد نزل تبع ملك اليمن ~~صحن هذا البيت، وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، ~~فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزورا، فانظر نحو ~~البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرا بيضاء نشأت من شاطئ البحر فقال ~~ارمقها ببصرك أين قرارها قال أراها قد دارت على رؤوسنا، قال: هل تعرفها؟ ~~قال والله ما أعرفها ما هي بنجدية، ولا بتهامية، ولا عربية، ولا شامية، ~~قال: ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب في مناقيرها حصى، كأنها حصى الخذف قد ~~أقبلت كالليل يتبع بعضها بعضا أمام كل رفقة طير يقودها أحمر المنقار أسود ~~الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم، فلما ~~توافت الرجال كلهم أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب على كل ~~حجر اسم صاحبه، ثم إنها رجعت من حيث جاءت فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل، ~~فمشيا حتى صعدا ربوة، فلم يؤنسا أحدا ثم دنوا فلم يسمعا حسا فقال بات القوم ~~سامرين، فأصبحوا نياما فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون وكان يقع ~~الحجر على بيضة أحدهم # PageV04P472 # فيخرقها حتى تقع في دماغه، وتخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من ~~شدة وقعه، فعمد عبد المطلب، فأخذ فأسا من فؤوسهم، فحفر حتى أعمق في الأرض، ~~فملأه من ms3732 الذهب الأحمر، والجواهر، وحفر لصاحبه مثله فملأه ثم قال لأبي ~~مسعود اختر إن شئت حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا فقال أبو ~~مسعود فاختر لي على نفسك، فقال عبد المطلب إني أرى أجود المتاع في حفرتي ~~فهي لك وجلس كل واحد منهما على حفرته ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا، ~~وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به، وساد عبد المطلب بذلك قريشا، وأعطته ~~القادة فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال، ~~ودفع الله عز وجل عن كعبته، واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقيل كان قبل ~~مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وقيل بثلاث وعشرين سنة، والأصح ~~الذي عليه الأكثرون من علماء السير، والتواريخ، وأهل التفسير أنه كان في ~~العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون ولد عام ~~الفيل، وجعلوه تاريخا لمولده صلى الله عليه وسلم وأما التفسير فقوله عز وجل ~~ألم تر أي ألم تعلم، وذلك لأن هذه الواقعة كانت قبل مبعثه بزمان طويل إلا ~~أن العلم بها كان حاصلا عنده لأن الخبر بها كان مستفيضا معروفا بمكة وإذا ~~كان كذلك فكأنه صلى الله عليه وسلم علمه وشاهده يقينا، فلهذا قال تعالى ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، قيل كان معهم فيل واحد، وقيل كانوا فيلة ~~ثمانية، وقيل اثني عشر وإنما وحده لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي كان ~~يقال له محمود، وقيل وإنما وحده لو فاق الآي، وفي قصة أصحاب الفيل دلالة ~~عظيمة على قدرة الله تعالى وعلمه، وحكمته إذ يستحيل في العقل أن طيرا تأتي ~~من قبل البحر تحمل حجارة ترمي بها # ناسا مخصوصين، وفيها دلالة عظيمة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزة ~~ظاهرة له وذلك أن الله تعالى إنما فعل ذلك لنصر من ارتضاه، وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم الداعي إلى توحيده، وإهلاك من سخط عليه، وليس ذلك لنصرة ~~قريش، فإنهم كانوا كفارا لا كتاب لهم، والحبشة لهم ms3733 كتاب فلا يخفى على عاقل، ~~أن المراد بذلك نصر محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال أنا الذي فعلت ~~ما فعلت بأصحاب الفيل تعظيما لك، وتشريفا لقدومك، وإذ قد نصرتك قبل قدومك ~~فكيف أتركك قبل ظهورك. ### || [سورة الفيل (105): الآيات 2 الى 5] # ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة ~~من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) # ألم يجعل كيدهم يعني مكرهم، وسعيهم في تخريب الكعبة في تضليل أي تضييع ~~وخسار، وإبطال ما أرادوا أضل كيدهم، فلم يصلوا إلى ما أرادوا من تخريب ~~البيت، بل رجع كيدهم عليهم، فخربت كنيستهم، واحترقت، وهلكوا وهو قوله ~~تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل يعني طيرا كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضا، ~~وقيل أبابيل أقاطيع كالإبل المؤبلة، وقيل أبابيل جماعات في تفرقة قيل لا ~~واحد لها من لفظها، وقيل واحدها أبالة، وقيل أبيل، وقيل أبول مثل عجول قال ~~ابن عباس: كانت طيرا لها خراطيم، كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، وقيل ~~رؤوس كرؤوس السباع، وقيل لها أنياب كأنياب السباع، وقيل طير خضر لها مناقير ~~صفر، وقيل طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار، ~~حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا تصيب شيئا إلا هشمته، ووجه الجمع بين ~~هذه الأقاويل في اختلاف أجناس هذه الطير أنه كانت فيها هذه الصفات كلها ~~فبعضها على ما حكاه ابن عباس، وبعضها على ما حكاه غيره، فأخبر كل واحد بما ~~بلغه من صفاتها، والله أعلم. # قوله عز وجل: ترميهم بحجارة قال ابن مسعود: صاحت الطير، ورمتهم بالحجارة، ~~وبعث الله ريحا، فضربت بالحجارة، فزادتها شدة، فما وقع حجر منها على رجل ~~إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه # PageV04P473 # خرج من دبره من سجيل قيل السجيل اسم علم للديوان الذي كتب فيه عذاب ~~الكفار، واشتقاقه من الإسجال، وهو الإرسال، والمعنى ترميهم بحجارة من جملة ~~العذاب المكتوب المدون بما كتب الله في ذلك الكتاب، وقيل معناه من طين ~~مطبوخ كما يطبخ الأجر، وقيل سجيل حجر، وطين ms3734 مختلط، وأصله سنك، وكل فارسي ~~معرب، وقيل سجيل الشديد. فجعلهم كعصف مأكول يعني كزرع وتبن أكلته الدواب، ~~ثم راثته، فيبس، وتفرقت أجزاؤه شبه تقطع أوصالهم، وتفرقها بتفرق أجزاء ~~الروث، وقيل العصف ورق الحنطة، وهو التبن، وقيل كالحب إذا أكل، فصار أجوف ~~وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف، ~~والله تعالى أعلم. # PageV04P474 ### | سورة قريش # مكية وقيل مدنية والأول أصح وأكثر وهي أربع آيات وسبع عشرة كلمة وثلاثة ~~وسبعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة قريش (106): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) # قوله عز وجل: لإيلاف قريش اختلفوا في هذه اللام، فقيل هي متعلقة بما ~~قبلها وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم بما صنع بالحبشة، ~~فقال فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي هلك أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما ~~ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، ولهذا جعل أبي بن كعب هذه السورة وسورة الفيل ~~واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه ببسم الله الرحمن الرحيم والذي عليه ~~الجمهور من الصحابة وغيرهم، وهو المشهور أن هذه السورة منفصلة عن سورة ~~الفيل وأنه لا تعلق بينهما وأجيب عن مذهب أبي بن كعب في جعل هذه السورة، ~~والسورة التي قبلها سورة واحدة بأن القرآن كالسورة الواحدة يصدق بعضه بعضا ~~ويبين بعضه معنى بعض وهو معارض أيضا بإطباق الصحابة، وغيرهم على الفصل ~~بينهما، وأنهما سورتان فعلى هذا القول اختلفوا في العلة الجالبة للام في ~~قوله لإيلاف، فقيل هي لام التعجب، أي اعجبوا الإيلاف قريش رحلة الشتاء ~~والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته، فهو كقوله على وجه ~~التعجب اعجبوا لذلك، وقيل هي متعلقة بما بعدها تقديره، فليعبدوا رب هذا ~~البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة ~~والإيلاف من ألفت الشيء إلفا وهو بمعنى الائتلاف فيكون المعنى لإيلاف قريش ~~هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تتقطعا، وقيل هو من ألفت كذا، أي لزمته وألفنيه ~~الله ألزمنيه الله، وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فكل من ms3735 ولده النضر، فهو ~~من قريش، ومن لم يلده النضر، فليس بقرشي (م) عن واثلة بن الأسقع قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى ~~قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (م) عن ~~جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الناس تبع لقريش ~~في الخير والشر» (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ~~الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم» عن سعيد بن ~~زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أراد هوان قريش أهانه الله» ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «اللهم أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرهم نوالا» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح غريب. # النكال: العذاب، والمشقة، والشدة، والنوال: العطاء، والخير، وسموا قريشا ~~من القرش، والتقريش وهو الجمع، والتكسب، يقال فلان يقرش لعياله، ويقترش ~~لهم، أي يكتسب وذلك لأن قريشا كانوا قوما تجارا وعلى جمع المال، والأفضال ~~حراصا، وقال أبو ريحانة سأل معاوية عبد الله بن عباس لم سميت قريش قريشا ~~قال لدابة تكون في البحر هي من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من ~~الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا # PageV04P475 # تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم وأنشده ~~شعر الجمحي. # وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا # سلطت بالعلو في لجة البحر ... وعلى سائر البحور جيوشا # تأكل الغث والسمين ولا تترك ... فيه لذي الجناحين ريشا # هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا # ولهم في آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا # يملأ الأرض خيلة ورجالا ... يحشرون المطي حشرا كميشا # وقيل إن قريشا كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب، وأنزلهم ~~الحرم فاتخذوه مسكنا فسموا قريشا لتجمعهم، والتقرش التجمع يقال تقرش القوم ms3736 ~~إذا تجمعوا، وسمي قصي مجمعا لذلك قال الشاعر: # أبو كم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر ### || [سورة قريش (106): الآيات 2 الى 4] # إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف (4) # وقوله تعالى: إيلافهم هو بدل من الأول تفخيما لأمر الإيلاف، وتذكيرا لعظم ~~المنة فيه. رحلة الشتاء والصيف قال ابن عباس كانوا يشتون بمكة ويصيفون ~~بالطائف فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم، ويعبدوا رب هذا البيت، وقال ~~الأكثرون كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في الشتاء إلى اليمن ~~لأنها أدفأ، ورحلة في الصيف إلى الشام، وكان الحرم واديا مجدبا لا زرع فيه، ~~ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم، وكانوا لا يتعرض لهم أحد بسوء، ~~وكانوا يقولون قريش سكان حرم الله وولاة بيته وكانت العرب تكرمهم، وتعزهم، ~~وتعظمهم لذلك، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة ولولا الأمن بجوار ~~البيت لم يقدروا على التصرف، فشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام، فأخصبت ~~تبالة وجرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل حملوا طعامهم ~~في البحر على السفن إلى مكة وأهل البر حملوا على الإبل والحمير فألقى أهل ~~الساحل بجدة وأهل البر بالمحصب وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة وألفوا ~~بالأبطح فامتار أهل مكة من قريب، وكفاهم الله مؤنة الرحلتين جميعا وقال ابن ~~عباس: كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ~~ربحهم بين الغني، والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، وقال الكلبي: كان أول من ~~حمل السمراء يعني القمح إلى الشام، ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف وفيه ~~يقول الشاعر: # قل للذي طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف # هلا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من ضر ومن إكفاف # الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلم للأضياف # والخالطين غنيهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي # والقائمين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف # عمرو العلا هشيم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # سفرين سنهما له ولقومه ... سفر ms3737 الشتاء ورحلة الأصياف # قوله عز وجل: ليعبدوا رب هذا البيت # يعني الكعبة، وذلك أن الإنعام على قسمين أحدهما: دفع # PageV04P476 # ضر، وهو ما ذكره في سورة الفيل، والثاني جلب نفع، وهو ما ذكره في هذه ~~السورة، ولما دفع الله عنهم الضر، وجلب لهم النفع، وهما نعمتان عظيمتان ~~أمرهم بالعبودية، وأداء الشكر، وقيل إنه تعالى لما كفاهم أمر الرحلتين ~~أمرهم أن يشتغلوا بعبادة رب هذا البيت. فإنه هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم ~~من خوف ومعنى الذي أطعمهم من جوع، أي من بعد جوع بحمل الميرة إليهم من ~~البلاد في البر والبحر، وقيل في معنى الآية أنهم لما كذبوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم دعا عليهم، فقال اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف فاشتد عليهم ~~القحط، وأصابهم الجوع، والجهد، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت البلاد، وأخصب أهل مكة بعد ~~القحط، والجهد، فذلك قوله تعالى الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، أي ~~بالحرم وكونهم من أهل مكة حتى لم يتعرض لهم أحد في رحلتهم، وقيل آمنهم من ~~خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم الجذام، وقيل آمنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالإسلام والله أعلم. # PageV04P477 ### | سورة الماعون # مكية وقيل نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل والنصف الثاني بالمدينة في ~~عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. # وهي سبع آيات وخمس وعشرون كلمة ومائة وخمسة وعشرون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الماعون (107): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) # قوله عز وجل: أرأيت الذي يكذب بالدين قيل نزل في العاص بن وائل السهمي، ~~وقيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عمرو بن عائذ المخزومي، وفي رواية عن ~~ابن عباس أنها في رجل من المنافقين، ومعنى الآية هل عرفت الذي يكذب بيوم ~~الجزاء، والحساب، فإن لم تعرفه. ### || [سورة الماعون (107): الآيات 2 الى 7] # فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن ms3738 (6) # ويمنعون الماعون (7) # فذلك الذي يدع اليتيم ولفظ أرأيت استفهام، والمراد به المبالغة في التعجب ~~من حال هذا المكذب بالدين وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل هو خطاب ~~لكل واحد، والمعنى أرأيت يا أيها الإنسان أو يا أيها العاقل هذا الذي يكذب ~~بالدين بعد ظهور دلائله، ووضوح بيانه، فكيف يليق به ذلك الذي يدع اليتيم، ~~أي يقهره، ويدفعه عن حقه، والدع الدفع بعنف، وجفوة، والمعنى أنه يدفعه عن ~~حقه، وماله بالظلم، وقيل يترك المواساة له وإن لم تكن المواساة واجبة، وقيل ~~يزجره، ويضربه، ويستخف به، وقرئ يدعو بالتخفيف، أي يدعوه ليستخدمه قهرا ~~واستطالة. ولا يحض على طعام المسكين أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه ~~يكذب بالجزاء، وهذا غاية البخل، لأنه يبخل بماله وبمال غيره بالإطعام. # قوله تعالى: فويل للمصلين يعني المنافقين، ثم نعتهم فقال تعالى: الذين هم ~~عن صلاتهم ساهون روى البغوي بسنده عن سعد قال «سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال إضاعة الوقت» وقال ابن عباس: هم ~~المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. ويصلون في العلانية إذا حضروا ~~معهم لقوله تعالى الذين هم يراؤن وقال تعالى في وصف المنافقين وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس # ، وقيل ساه عنها لا يبالي صلى أو لم يصل، وقيل لا يرجون لها ثوابا إن ~~صلوا ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، وقيل غافلون عنها ويتهاونون بها، ~~وقيل هم الذين إن صلوا صلوها رياء وإن فاتتهم لم يندموا عليها وقيل هم ~~الذين لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها، ولا سجودها، وقيل لما قال ~~تعالى عن صلاتهم ساهون بلفظة عن علم # PageV04P478 # أنها في المنافقين، والمؤمن قد يسهو في صلاته والفرق بين السهوين أن سهو ~~المنافق هو أن لا يتذكرها، ويكون فارغا عنها، والمؤمن إذا سها في صلاته ~~تداركه في الحال، وجبره بسجود السهو فظهر الفرق بين السهوين، وقيل السهو عن ~~الصلاة هو أن يبقى ناسيا لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة، وهذا ms3739 لا يصدر إلا ~~من المنافق الذي يعتقد أنه لا فائدة في الصلاة، فأما المؤمن الذي يعتقد ~~فائدة صلاته، وأنها عليه واجبة، ويرجو الثواب على فعلها، ويخاف العقاب على ~~تركها، فقد يحصل له سهو في الصلاة يعني أن يصير ساهيا في بعض أجزاء الصلاة ~~بسبب وارد يرد عليه بوسوسة الشيطان أو حديث النفس، وذلك لا يكاد يخلو منه ~~أحد، ثم يذهب ذلك الوارد عنه، فثبت بهذا الفرق أن السهو عن الصلاة من أفعال ~~المنافق والسهو في الصلاة من أفعال المؤمن. الذين هم يراؤن يعني يتركون ~~الصلاة في السر ويصلونها في العلانية، والفرق بين المنافق، والمرائي أن ~~المنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة ~~الخشوع ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح أما من يظهر النوافل ~~ليقتدى به ويأمن على نفسه من الرياء، فلا بأس بذلك وليس بمراء ثم وصفهم ~~بالبخل. فقال تعالى: ويمنعون الماعون روي عن علي أنه قال هي الزكاة، وهو ~~قول ابن عمر والحسن، وقتادة، والضحاك ووجه ذلك أن الله تعالى ذكرها بعد ~~الصلاة فذمهم على ترك الصلاة ومنع الزكاة، وقال ابن مسعود: الماعون الفاس ~~والدلو والقدر، وأشباه ذلك، وهي رواية عن ابن عباس، ويدل عليه ما روي عنه ~~قال كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو، ~~والقدر، أخرجه أبو داود، وقال مجاهد: الماعون العارية وقال عكرمة: الماعون ~~أعلاه الزكاة المفروضة، وأدناه عارية المتاع، وقال محمد بن كعب القرظي: ~~الماعون المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم وقيل أصل الماعون من ~~القلة فسمي الزكاة والصدقة، والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير، وقيل ~~الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء، والملح، والنار، ويلتحق بذلك البئر، ~~والتنور في البيت فلا يمنع جيرانه من الانتفاع بهما، ومعنى الآية الزجر عن ~~البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل قال ~~العلماء ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ~~ويتفضل عليهم ولا يقتصر على ms3740 الواجب، والله أعلم. # PageV04P479 ### | سورة الكوثر # وهي مكية قاله ابن عباس والجمهور، وقيل إنها مدنية قاله الحسن وعكرمة، ~~وقتادة وهي ثلاث آيات وعشر كلمات واثنان وأربعون حرفا بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### || [سورة الكوثر (108): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # قوله عز وجل: إنا أعطيناك الكوثر نهر في الجنة أعطاه الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل الكوثر القرآن العظيم، وقيل هو النبوة، والكتاب، والحكمة، ~~وقيل هو كثرة أتباعه، وأمته، وقيل الكوثر الخير الكثير كما فسره ابن عباس ~~(خ) عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكوثر الخير الكثير الذي ~~أعطاه الله إياه، قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير أن ناسا يزعمون أنه نهر في ~~الجنة، فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله ~~إياه، وأصل الكوثر فوعل من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو ~~كثير القدر والخطر كوثرا، وقيل الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضل بها على ~~جميع الخلق فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد أعطيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة، والحوض المورود، ~~والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام، وإظهاره على الأديان كلها، ~~والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه وبعده إلى يوم القيامة. # وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور العلماء، أنه نهر في الجنة كما ~~جاء مبينا في الحديث (ق) عن أنس قال «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا ما أضحكك يا ~~رسول الله قال أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا ~~أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر، ثم قال أتدرون ما ~~الكوثر، قلنا الله ورسوله أعلم قال، فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل فيه خير ~~كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج ~~العبد منهم، فأقول ms3741 رب إنه من أمتي. # فيقول ما تدري ما أحدث بعدك» لفظ مسلم وللبخاري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لما عرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ ~~المجوف، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه ~~أو طينته مسك أذفر» شك الراوي عن أنس رضي الله عنه قال «سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما الكوثر قال ذلك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد ~~بياضا من اللبن، وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزور، قال عمر إن ~~هذه لناعمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلتها أنعم منها» أخرجه ~~الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. # عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكوثر نهر في الجنة ~~حافتاه من ذهب ومجراه على الدر، والياقوت تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى ~~من العسل وأبيض من الثلج» أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح # PageV04P480 # (خ) «عن عامر بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال سألت عائشة عن ~~قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر، فقالت الكوثر نهر أعطيه نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم شاطئاه در مجوف آنيته كعدد نجوم السماء» (ق) عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حوضي ~~مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء ~~من شرب منها لا يظمأ أبدا» زاد في رواية «وزواياه سواء» (ق) عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أمامكم حوضي ما بين جنبيه ~~كما بين جربا وأذرح» قال بعض الرواة هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة ~~أيام، وفي رواية «فيه أباريق كنجوم السماء من ورده فشرب منه شربة لم يظمأ ~~بعدها أبدا» (ق) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«ما بين ناحيتي وفي رواية لابتي حوضي كما بين صنعاء ms3742 والمدينة» وفي رواية ~~«مثل ما بين المدينة وعمان» وفي رواية قال «إن قدر حوضي كما بين أيلة ~~وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (م) عن أبي ذر رضي ~~الله عنه قال «قلت يا رسول الله ما آنية الحوض قال والذي نفسي بيده لآنيته ~~أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية ~~الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب ~~منه لم يظمأ عرضه، مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة ماؤه أشد بياضا من اللبن ~~وأحلى من العسل» (م) عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي، أي حتى يرفض ~~عليهم، فسئل عن عرضه فقال من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه فقال أشد بياضا ~~من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما: من ذهب، ~~والآخر من الورق» (ق) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت ~~إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي ربي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك» (ق) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«قال ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني، ~~فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فليقالن لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» وفي ~~رواية «يردن علي ناس من أمتي الحديث» وفي آخره «فأقول سحقا لمن بدل بعدي» ~~(ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«يرد علي يوم القيامة رهطان من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن الحوض، ~~فأقول رب أصحابي، فيقول إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على ~~أدبارهم القهقرى» ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه ms3743 وسلم قال «ترد علي ~~أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله قالوا ~~أيا نبي الله تعرفنا قال نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون على غرا ~~محجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إلي فأقول يا رب ~~هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك» (ق) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ~~لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض» (م) عن حذيفة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن حوضي لأبعد من أيلة ~~إلى عدن، والذي نفسي بيده لأذودن عنه الرجل كما يذود الرجل الإبل الغريبة ~~عن إبله قالوا يا رسول الله وتعرفنا؟ قال نعم تردون على غرا محجلين من آثار ~~الوضوء ليس لأحد غيركم» عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال «كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا فقال ما أنتم إلا جزء من مائة # ألف جزء ممن يرد على الحوض، قيل كم كنتم يومئذ قال سبعمائة أو ثمانمائة» ~~أخرجه أبو داود. # (فصل في شرح هذه الأحاديث وذكر ما يتعلق بالحوض) قال الشيخ محيي الدين ~~النووي: قال القاضي عياض أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به ~~من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة، والجماعة لا يتأول، ولا يختلف ~~فيه، وحديثه متواتر النقل رواه الخلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ~~ابن عمر وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب بن # PageV04P481 # عبد الله، وعبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، ~~وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد وأبي ذر وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ~~ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد الله ~~بن زيد وأبي برزة وسويد بن حبلة وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن عازب ~~وأسماء بنت أبي بكر الصديق وخولة بنت ms3744 قيس وغيرهم، قال الشيخ محيي الدين، ~~ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن ~~الخطاب وعائذ بن عمرو وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر ~~البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرة قلت وقد اتفقا ~~على إخراج حديث الحوض وعن جماعة ممن تقدم ذكرهم من الصحابة على ما سبق ذكره ~~في الأحاديث، وفيه بيان ما اتفقا عليه، وانفرد به كل واحد منهما، وأخرجا ~~أيضا حديث الحوض عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وذكرها القاضي عياض، فيمن خرج ~~له في غير الصحيحين قال القاضي عياض وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث ~~متواترا، وأما صفة الحوض ومقداره فقد قال في رواية «حوضي مسيرة شهر وفي ~~رواية ما بين جنبيه كما بين جرباء، وأذرح، وفي رواية كما بين أيلة، وصنعاء ~~اليمن، وفي رواية عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، وفي رواية إن حوضي ~~لأبعد من أيلة إلى عدن» فهذا الاختلاف في هذه الروايات في قدر الحوض ليس ~~موجبا للاضطراب فيها لأنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة ~~عن جماعات من الصحابة سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة ~~ضربها النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك على ~~أفهام السامعين لبعد ما بين هذه البلاد المذكورة لأعلى التقدير الموضوع ~~للتحديد بل لإعلام السامعين عظم بعد المسافة وسعة الحوض وليس في ذكر القليل ~~من هذه المسافة منع من الكثير، فإن الكثير ثابت على ظاهره، وصحت الرواية ~~به، والقليل داخل فيه فلا معارضة، ولا منافاة بينهما وكذلك القول في آنية ~~الحوض من أن العدد المذكور في الأحاديث على ظاهره، وأنها أكثر عددا من نجوم ~~السماء ولا مانع يمنع من ذلك إذ قد وردت الأحاديث الصحيحة الثابتة بذلك ~~وكذلك القول في الواردين إلى الحوض الشاربين منه، وكثرتهم وقوله صلى الله ~~عليه وسلم «ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد الحوض» ms3745 لم يرد به ~~الحصر بهذا العدد المذكور وإنما ضربه مثلا لأكثر العدد المعروف للسامعين ~~ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم «من ورد شرب منه» فهذا صريح في أن ~~جميع الواردين يشربون، وإنما يمنع منه الذين يزدادون، ويمنعون الورود ~~لارتدادهم، وتبديلهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم «فيختلج العبد منهم فأقول ~~رب إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدث بعدك، وفي رواية وليرفعن إلى رجال ~~منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي رب أصحابي، فيقول إنك ~~لا تدري ما أحدثوا بعدك» ونحو هذا من الروايات المذكورة في الأحاديث ~~السابقة، وهذا مما اختلف العلماء في معناه، وفي المراد به من هم، فقيل ~~المراد بهم المنافقون، والمرتدون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل ~~أنهم إذا حشروا عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم ~~فيناديهم، فيقال له ليس هؤلاء ممن وعدت بهم إنهم قد بدلوا بعدك، أي لم ~~يكونوا على ما ظهر من إسلامهم، وقيل المراد بهم من أسلموا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم ارتدوا بعده في زمن أبي بكر الصديق وهم الذين قاتلهم على ~~الردة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~كان يعرفه من # إيمانهم في حياته فيقال له قد ارتدوا بعدك، وقيل المراد بهم أصحاب البدع ~~الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وأصحاب المعاصي، والكبائر الذين ماتوا ~~على التوحيد، ولم يتوبوا من بدعتهم ومعاصيهم فعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء ~~المطرودين عن الحوض بالنار بل يجوز أن يزادوا عنه عقوبة لهم ثم يرحمهم ~~الله، فيدخلهم الجنة من غير عذاب، وقال ابن عبد البر كل من أحدث في الدين ~~كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء فهو من المطرودين عن الحوض قال ~~وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، وغمط الحق، والمعلنون بالكبائر فكل هؤلاء ~~يخاف أن يكونوا ممن عنى بهذا الحديث وقوله من شرب منه لم يظمأ أبدا قال ~~القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد ms3746 الحساب، والنجاة من ~~النار، ويحتمل أن من شرب # PageV04P482 # منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون ~~عذابه بغير ذلك لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد، وصار ~~كافرا، وقيل إن جميع المؤمنين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يعذب الله من شاء ~~من عصاتهم، وقيل إنما يأخذ بيمينه الناجون منهم خاصة، والشرب من الحوض ~~مثله. # (شرح غريب ألفاظ الأحاديث) قوله فيختلج العبد منهم، أي ينتزع ويجذب منهم، ~~قوله ما بين جنبيه كما بين جربا، وأذرح أما جربا فبجيم ثم راء ساكنة ثم باء ~~موحدة ثم ألف مقصورة، ووقع عند بعض رواة البخاري فيها المد والقصر أولى، ~~وهي قرية من الشام، وأما أذرح فبهمزة ثم ذال معجمة ثم راء ثم حاء مهملة، ~~وهي في طرف الشام قريب من الشوبك، وأما عمان فبفتح العين وتشديد الميم ~~بليدة بالبلقاء من أرض الشام، وأما أيلياء فبفتح الهمزة وإسكان المثناة تحت ~~وفتح اللام مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين دمشق ومصر ~~بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة وبينها وبين مصر ثمان مراحل وإلى ~~دمشق اثنا عشر مرحلة وهي آخر الحجاز وأول الشام، وأما صنعاء فهي قاعدة ~~اليمن، وأكبر مدنه، وإنما قيد باليمن في الحديث لأن بدمشق موضعا يعرف ~~بصنعاء دمشق وقد تقدم الكلام على اختلاف هذه المسافات والجمع بين رواتها ~~قوله يشخب فيه ميزابان هو بفتح الياء المثناة تحت وبالشين والخاء ~~المعجمتين، أي يسيل فيه وفي الحديث الآخر يغت بفتح الياء وبالغين المعجمة ~~وكسرها، وتشديد التاء المثناة فوق، أي يدفق منه ميزابان تدفقا شديدا ~~متتابعا قوله إني لبعقر حوضي هو بضم العين المهملة، وإسكان القاف وهو موقف ~~الإبل من الحوض إذا وردته للشرب، وقيل هو مؤخر الحوض قوله أذود الناس، أي ~~أضرب الناس لأهل اليمن بعصاي حتى يرفض عليهم، معناه أطرد الناس عنه غير أهل ~~اليمن، ومعنى يرفض أي يسيل عليهم، وفيه منقبة عظيمة لأهل اليمن قوله أنا ~~فرطكم على الحوض الفرط ms3747 بفتح الفاء والراء هو الذي يتقدم على الواردين ليصلح ~~لهم الحياض، والدلاء ونحوها من آلات الاستقاء، والمعنى أنا سابقكم على ~~الحوض كالمهيئ له قوله سحقا، أي بعدا وفيه دليل لمن قال إنهم أهل الردة إذ ~~لا يقال للمؤمن سحقا بل يشفع قلت في حديث أنس الأول دليل لمن يقول أن سورة ~~الكوثر مدنية وهو الأظهر لقوله بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرنا إذا أغفى إغفاءه يعني نام نومة ثم رفع رأسه متبسما والله أعلم. # قوله تعالى: فصل لربك وانحر معناه أن ناسا كانوا يصلون لغير الله تعالى ~~وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي له وينحر له ~~متقربا إلى ربه بذلك، وقيل معناه فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، وانحر ~~نسكك، وقيل معناه فصل الصلاة المفروضة بجمع، وانحر البدن بمنى وقال ابن ~~عباس: فصل لربك وانحر أي ضع يدك اليمنى على اليسرى في الصلاة عند النحر، ~~وقيل هو رفع اليدين مع التكبير إلى النحر حكاه ابن الجوزي، ومعنى الآية قد ~~أعطيتك ما لا نهاية لكثرته من خير الدارين وخصصتك بما لم أخص به أحدا غيرك، ~~فاعبد ربك الذي أعطاك هذا العطاء الجزيل، والخير الكثير، وأعزك، وشرفك على ~~كافة الخلق، ورفع منزلتك فوقهم فصل له واشكره على إنعامه عليك، وانحر البدن ~~متقربا إليه إن شانئك يعني عدوك ومبغضك هو الأبتر يعني هو الأذل المنقطع ~~دابره نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~خارجا من المسجد وهو داخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد ~~قريش جلوس في المسجد فلما دخل العاص قالوا له من الذي كنت تتحدث معه فقال ~~ذلك الأبتر يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد توفي ابن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من خديجة، وقيل إن العاص بن وائل كان إذا ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك ms3748 انقطع ~~ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السورة وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف، ~~وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش نحن أهل ~~السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر # PageV04P483 # من قومه، فقال أنتم فنزلت فيه ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ونزلت في الذين قالوا إنه أبتر إن شانئك هو الأبتر ~~أي المنقطع من كل خير قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصنبور ~~أرادوا أنه فرد ليس له ولد، فإذا مات انقطع ذكره شبهوه بالنخلة المفردة يدق ~~أسفلها، وتسمى الصنبور، وقيل هي النخلة التي تخرج في أصل أخرى تغرس، وقيل ~~الصنابر سعفات تنبت من جذع النخلة تضربها ودواؤها أن تنقطع تلك الصنابر ~~منها فأراد كفار مكة أن محمدا صلى الله عليه وسلم بمنزلة الصنابر تنبت في ~~جذع نخلة فإذا انقلع استراحت النخلة فكذا محمد إذا مات انقطع ذكره، وقيل ~~الصنبور الوحيد الضعيف الذي لا ولد له ولا عشيرة ولا ناصر من قريب ولا غريب ~~فأكذبهم الله تعالى في ذلك ورد عليهم أشنع رد فقال إن شانئك يا محمد هو ~~الأبتر الضعيف الوحيد، الحقير، وأنت الأعز، الأشرف الأعظم، والله أعلم ~~بمراده. # PageV04P484 ### | سورة قل يا أيها الكافرون # مكية وهي ست آيات وست وعشرون كلمة وأربعة وتسعون حرفا عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن ومن ~~قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد عدلت ~~له ثلث القرآن» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وله عن ابن عباس نحوه، وقال ~~فيه غريب، ووجه كون هذه السورة تعدل ربع القرآن أن القرآن مشتمل على الأمر ~~والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل القلوب، وإلى ما يتعلق ~~بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام وهذه السورة مشتملة على النهي عن ~~عبادة غير الله تعالى وهي ms3749 من الاعتقاد وذلك من أفعال القلوب، فكانت هذه ~~السورة ربع القرآن على هذا التقسيم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الكافرون (109): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # قوله عز وجل: قل يا أيها الكافرون إلى آخر السورة نزلت في رهط من قريش ~~منهم الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل السهمي والوليد بن المغيرة، ~~والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف قالوا يا ~~محمد هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله تعبد آلهتنا سنة، ~~ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا ~~منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ الله أن أشرك به غيره قالوا ~~فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك قال حتى أنظر ما يأتي من ربي فأنزل ~~الله قل يا أيها الكافرون إلى آخر السورة فغدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المسجد الحرام وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم ~~قرأها عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه، وقيل ~~إنهم لقوا العباس، فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا ~~لصدقناه فيما يقول، ولآمنا بإلهه، فأتاه العباس، فأخبره بقولهم، فنزلت هذه ~~السورة وقيل نزلت في أبي جهل والمستهزئين ومن لم يؤمن منهم. # ومعنى ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ الرسالة بجميع ~~ما أوحي إليه فلما قال الله تعالى قل يا أيها الكافرون أداه النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما سمعه من جبريل عليه السلام فكأنه صلى الله عليه وسلم قال ~~أمرت بتبليغ جميع ما أنزل الله علي، وكان فيما نزل عليه ms3750 قل يا أيها ~~الكافرون وقيل إن النفوس تأبى سماع الكلام الغليظ الشنيع من النظير، ولا ~~أشنع ولا أغلظ من المخاطبة بالكفر فكأنه صلى الله عليه وسلم قال ليس هذا من ~~عندي إنما هو من عند الله عز وجل وقد أنزل الله علي قل يا أيها الكافرون ~~والمخاطبون بقوله يا أيها الكافرون كفرة مخصوصون قد سبق في علم الله أنهم ~~لا # PageV04P485 # يؤمنون لا أعبد ما تعبدون في معنى الآية قولان: أحدهما أنه لا تكرار ~~فيها، فيكون المعنى لا أعبد ما تعبدون لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني ~~من عبادة آلهتكم ولا أنتم عابدون ما أعبد أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ~~ما أطلبه منكم من عبادة إلهي ثم قال ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولست في ~~الحال بعباد معبودكم ولا أنتم عابدون ما أعبد أي ولا أنتم في الحال بعابدين ~~معبودي وقيل يحتمل أن يكون الأول للحال، والثاني للاستقبال، وقيل يصلح كل ~~واحد منهما أن يكون للحال، والاستقبال، ولكن يختص أحدهما بالحال والثاني ~~للاستقبال لأنه أخبر أولا عن الحال ثم أخبر ثانيا عن الاستقبال، فيكون ~~المعنى لا أعبد ما تعبدون في الحال ولا أنتم عابدون ما أعبد في الاستقبال ~~وما بمعنى من أي من أعبد ويحتمل أن تكون بمعنى الذي أي الذي أعبد. # القول الثاني: حصول التكرار في الآية، وعلى هذا القول يقال إن التكرار ~~يفيد التوكيد، وكلما كانت الحاجة إلى التوكيد أشد كان التكرار أحسن، ولا ~~موضع أحوج إلى التوكيد من هذا الموضع لأن الكفار راجعوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا المعنى مرارا فحسن التوكيد، والتكرار في هذا الموضع لأن ~~القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة ~~التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف، والإيجاز، ~~وقيل تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~إن سرك أن ندخل في دينك عاما فأدخل في ديننا عاما، فنزلت هذا السورة جوابا ~~لهم على قولهم لكم دينكم ولي دين ms3751 أي لكم كفركم ولي إخلاصي وتوحيدي، ~~والمقصود منه التهديد فهو كقوله: اعملوا ما شئتم وهذه الآية منسوخة بآية ~~القتال، والله أعلم. # PageV04P486 ### | سورة النصر # مدنية وهي ثلاث آيات وسبع عشرة كلمة وسبعة وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النصر (110): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # قوله عز وجل: إذا جاء نصر الله والفتح يعني فتح مكة وكانت قصة الفتح على ~~ما ذكره محمد بن إسحاق، وأصحاب الأخبار «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما صالح قريشا عام الحديبية اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشرين سنة، ~~وقيل عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض وأنه من أحب أن يدخل في ~~عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، ~~وعهدهم دخل فيه. فدخلت بنو بكر في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان بينهما شر قديم ثم إن بني بكر عدت على خزاعة، وهم على ~~ماء لهم أسفل مكة يقال له الوتير، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل ~~من بني بكر حين بقيت خزاعة على الوتير، فأصابوا منهم رجلا، وتحاوروا ~~واقتتلوا، وردفت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل ~~مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على ~~خزاعة ليلتئذ بأنفسهم بكر بن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن ~~عمرو مع عبيدهم، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا ~~إلى إلهك فقال كلمة عظيمة إنه لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري ~~إنكم لتسرفون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه قال: فلما تظاهر بنو بكر ~~وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ms3752 العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة، وكانوا ~~في عقده خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة، وكان ذلك مما أهاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ~~ظهراني الناس فقال: # يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا # قد كنتمو ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا اعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا # وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا # PageV04P487 # هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا # فانصر هداك الله نصرا أيدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال إن هذه السحابة لتشهد ~~بنصر بني كعب، وهم رهط عمرو بن سالم، ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ~~حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبروه بما أصيب ~~منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشدد في ~~العقد ويزيد في المدة، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان ~~بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدد في العقد ~~ويزيد في المدة وقد رهبوا من الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من ~~أين أقبلت يا بديل وظن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سرت في ~~خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي قال: وهل أتيت محمدا قال: لا فلما ~~راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف منها النوى ~~فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته ms3753 فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله ~~لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على ~~فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال: أي بنية أرغبت بي عن هذا ~~الفراش أم رغبت به عني فقالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنت رجل مشرك نجس لم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب، ~~فكلمه فقال أنا لا أشفع لك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فو الله لو لم ~~أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي غلاما يدب بين يديها ~~فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة ~~فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ويحك يا أبا سفيان لقد أرى عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما ~~نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة وقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري ~~بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. فقالت: والله ما ~~بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني قال والله لا ~~أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق ~~بأرضك قال: وترى ذلك مغنيا ms3754 عني شيئا قال لا والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد ~~لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال أيها الناس إني قد أجرت بين ~~الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال: جئت ~~محمدا فكلمته فو الله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده ~~خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب ~~فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بشيء صنعته فو الله ما أدري هل يغني ذلك ~~شيئا أم لا قالوا: وما ذاك قال أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت قالوا فهل ~~أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويلك والله ما زاد على أن لعب بك فما يغني عنك ~~ما قلت قال لا والله ما وجدت غير ذلك قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، وهي تصلح ~~بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي بنية أمركم رسول الله # صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه، قالت نعم. قال فأين ترينه يريد قالت لا ~~والله ما أدري ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى ~~مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى ~~نبغتها في بلادها، فتجهز الناس وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش ~~يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت قصته في ~~تفسير سورة الممتحنة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف ~~على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عامدا إلى مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة ~~فصام النبي صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد بين # PageV04P488 # عسفان، وأمج أفطر ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من ms3755 المسلمين. ~~ولم يتخلف من الأنصار والمهاجرين عنه أحد فلما نزل بمر الظهران، وقد عميت ~~الأخبار عن قريش، ولا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يدرون ما هو فاعل خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام ~~وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به وقد ~~كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ~~قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على ~~سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض فلما نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب. ليلتئذ واصباح قريش، ~~والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه ~~فيستأمنوه إنه الهلاك لقريش إلى آخر الدهر. قال فجلست على بغلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك لعلي أجد حاطبا، ~~أو صاحب لبن أو ذا حاجة يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة قال العباس: فو الله إني ~~لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، ~~وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط. فقال بديل هذه ~~والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان خزاعة أذل وأقل من أن تكون ~~هذه نيرانها، فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال يا أبا الفضل ~~فقلت نعم قال ما لك فداك أبي وأمي قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال: # وما الحيلة قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى ~~آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك فردفني، ورجع صاحباه ~~فخرجت أركض به على بغلة رسول الله ms3756 صلى الله عليه وسلم كلما مررت بنار من ~~نيران المسلمين ينظرون إلي، ويقولون عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من ~~هذا فقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال أبو سفيان عدو الله ~~الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد، ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء ~~قال فاقتحمت عن البغلة سريعا، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه ~~بغير عقد، ولا عهد فدعني أضرب عنقه قال فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم ~~جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، وقلت والله لا ينجيك ~~الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر. فو الله ما تصنع ~~هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ~~فقال مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب ~~لو أسلم، وما ذاك إلا لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب ~~به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به قال فذهبت به إلى رحلي فبات ~~عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال ~~ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ~~ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد قال ويحك يا أبا ~~سفيان ألم يأن لك ms3757 أن تعلم أني رسول الله، قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك ~~وأكرمك، وأوصلك أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا فقال العباس: ويحك ~~أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ~~فتشهد شهادة الحق وأسلم قال العباس: فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان هذا ~~رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ~~أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى ~~تمر به جنود الله قال فخرجت به حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أحبسه قال ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت به قبيلة قال من هؤلاء يا ~~عباس، فأقول سليم فيقول ما لي ولسليم، ثم القبيلة فيقول من هؤلاء، فأقول ~~مزينة فيقول ما لي ولمزينة حتى نفدت القبائل. لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، ~~فإذا أخبرته عنها. فيقول ما لي، ولبني فلان حتى مر رسول الله # PageV04P489 # صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة ~~الحديد، وظهوره فيها وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من ~~الحديد فقال سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المهاجرين، والأنصار. قال ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله ~~يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قلت ويحك إنها النبوة، قال فنعم ~~إذا فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد ~~بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فمه ~~قال: قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا ويحك، وما تغني عنا دارك قال ~~من دخل المسجد، فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم، ~~وإلى المسجد قال ms3758 وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول # الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ولما خرج حكيم ~~بن حزام وبديل بن ورقاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدين إلى ~~مكة بعث في أثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار ~~وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال لا تبرح حيث أمرتك أن تركز ~~رايتي حتى آتيك، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى ~~وقف على راحلته معتجرا بشقه عليه برد حبرة، وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليضع رأسه تواضعا لله عز وجل حين رأى ما أكرمه به من الفتح حتى أن ~~عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ~~وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد، فيمن أسلم من قضاعة، وبني سليم ~~أن يدخلوا من أسفل مكة وبها بنو بكر، وقد استنفرتهم قريش، وبنو الحارث بن ~~عبد مناف ومن كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وأن صفوان ~~بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ~~ليقاتلوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما لا ~~تقاتلا إلا من قاتلكما، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى ~~فقال سعد: حين توجه داخلا اليوم يوم الملحمة اليوم يوم تستحل الحرمة فسمعها ~~رجل من المهاجرين قيل: هو عمر بن الخطاب فقال: لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب أدركه بهذه الراية. فكن أنت ~~الذي تدخن بها، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، وأما خالد بن ~~الوليد، فقدم على قريش وبني بكر، والأحابيش بأسفل مكة، ms3759 فقاتلوه فهزمهم ~~الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلا أو ثلاثة ~~عشر رجلا، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له سلمة بن الميلاء ~~من خيل خالد بن الوليد ورجلان يقال لهما كرز بن جابر، وخنيس بن خالد بن ~~الوليد شذا وسلكا طريقا غير طريقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من ~~قاتلهم إلا نفرا منهم سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركا ~~ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة فاستأمنه له وعبد الله بن خطل رجل من بني ~~تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مصدقا، وكان له مولى يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى ~~أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ، ولم يصنع له شيئا فعدا عليه ~~فقتله ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان يغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نقيد بن وهب، وكان ممن يؤذيه بمكة ومقيس ~~صبابة، وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش ~~مرتدا، وسارة مولاة لبني عبد المطلب، وكانت ممن يؤذيه بمكة، وعكرمة بن أبي ~~جهل فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، ~~فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فخرجت في طلبه حتى أتت به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن الحارث ~~المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة ~~بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت ms3760 إحداهما، وهربت الأخرى ~~حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها وأما سارة فتغيبت # PageV04P490 # حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاشت حتى أوطأها رجل من ~~الناس # فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وأما الحويرث ابن نقيد ~~فقتله علي بن أبي طالب قالت أم هانئ: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأعلى مكة فر إلي رجلين من أحمائي من بني مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي ~~وهب المخزومي قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، ~~فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى ~~مكة، فوجدته يغتسل من جفنة وإن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه ~~فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمان ركعات الضحى، ثم انصرف إلي فقال ~~مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي بن أبي طالب ~~فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا نقتلهما ثم إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج لما اطمأن الناس حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ~~يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه ~~مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم ~~طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد فقال: لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل ~~مأثرة أو دم أو مال يدعى فهي تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج ~~ألا قتل الخطأ شبه العمد بالسوط، والعصا، ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل ~~أربعون منها خلفة في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم ~~نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه ~~الآية: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية ثم قال يا ms3761 معشر قريش ~~ما ترون إني فاعل فيكم، قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال فاذهبوا فأنتم ~~الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكان الله أمكنه ~~منهم عنوة فبذلك سموا أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال: يا رسول الله ~~اجمع لنا بين الحجابة، والسقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ~~عثمان بن طلحة فدعي له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء وبر، قال ~~واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، ~~وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس. فبايعونه على السمع والطاعة فيما ~~استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء قال عروة بن الزبير: خرج ~~صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب الجمحي يا ~~رسول الله إن صفوان بن أمية سيد قومي قد خرج هاربا منك ليقذف بنفسه في ~~البحر، فأمنه يا رسول الله، فقال هو آمن قال: يا رسول الله أعطني شيئا يعرف ~~به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، ~~فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك ~~أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جئتك به؟ فقال ويلك أغرب عني لا تكلمني قال: فداك أبي وأمي أفضل ~~الناس، وأبر الناس وأحلم الناس، وخير الناس ابن عمتك عزه عزك وشرفه شرفك، ~~وملكه ملكك، قال إني أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذلك، وأكرم فرجع به ~~معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم ~~أنك آمنتني قال صدق، قال فاجعلني في ذلك بالخيار شهرين قال: أنت بالخيار ~~أربعة أشهر «قال ابن هشام وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح ~~مكة، ms3762 ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم ~~أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه مكة أرضه، وبلاده ~~يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم ~~يزل بهم حتى أخبروه. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم» ~~قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان فتح ~~مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد ~~نزلوا حنينا (ق) عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام الفتح ~~بقتيل لهم في الجاهلية فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد ~~الله، وأثنى عليه وقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله ~~والمؤمنين ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد # PageV04P491 # من بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار إلا، وإنها ساعتي هذه فلا ينفر ~~صيدها ولا يختلى خلاها، ولا يقطع شوكها، ولا تحل ساقطتها لا لمنشد، ومن قتل ~~له قتيل، فهو بخير النظرين. إما أن يفتدي وإما أن يقيد فقال العباس: إلا ~~الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~الإذخر، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه قال الأوزاعي: يعني الخطبة ~~التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم». # (وأما التفسير) فقوله تعالى: إذا جاء نصر الله يعني إذا جاءك يا محمد نصر ~~الله، ومعونته على من عاداك وهم قريش. # ومعنى مجيء النصر أن جميع الأمور مرتبطة بأوقاتها يستحيل تقدمها عن وقتها ~~أو تأخرها عنه فإذا جاء ذلك الوقت المعين حضر معه ذلك الأمر المقدر، فلهذا ~~المعنى قال إذا جاء نصر ms3763 الله والفتح يعني فتح مكة في قول جمهور المفسرين، ~~وقيل هو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم على الإطلاق، والفرق ~~بين النصر والفتح. أن النصر هو الإعانة والإظهار على الأعداء وهو تحصيل ~~المطلوب، وهو كالسبب للفتح. فلهذا بدأ بذكر النصر وعطف عليه الفتح، وقيل ~~النصر هو إكمال الدين وإظهاره، والفتح هو الإقبال الذي هو تمام النعمة. ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا يعني زمرا وأرسالا القبيلة بأسرها. ~~والقوم بأجمعهم من غير قتال قال الحسن: لما فتح الله على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة قالت العرب بعضها لبعض إذا ظفر الله محمد بأهل الحرم، ~~وكان قد أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فكانوا يدخلون في دين الله ~~أفواجا. بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا واثنين اثنين. وقيل أراد بالناس ~~أهل اليمن (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أتاكم ~~أهل اليمن هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة الإيمان يمان، والحكمة يمانية ودين ~~الله هو الإسلام» وأضافه إليه تشريفا وتعظيما، كبيت الله وناقة الله قوله ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا يعني فإنك حينئذ لا حق به (ق) عن ابن ~~عباس: قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال: بعضهم لم يدخل هذا الفتى ~~معنا، ولنا أبناء مثله فقال إنه ممن قد علمتم قال فدعاهم ذات يوم ودعاني ~~معهم. # قال وما رأيت أنه كان دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. # قال ما تقولون في قول الله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح حتى ختم ~~السورة، فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذ نصرنا، وفتح علينا، ~~وسكن بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس، قال: قلت لا قال ~~فما هو قلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه، فقال إذا جاء نصر ~~الله والفتح، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، قال ~~عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (ق) عن عائشة ms3764 قالت: «ما صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح، إلا يقول ~~فيها سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وفي رواية قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم ~~اغفر لي يتأول القرآن، وفي رواية قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر القول من سبحان الله، وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، وقال أخبرني ربي ~~أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده ~~وأستغفر الله وأتوب إليه قد رأيتها إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا». ~~قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه نعيت ~~إليه نفسه. # وقال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم ~~بالزيادة في العمل الصالح قيل عاش # PageV04P492 # النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين، وقيل في معنى ~~السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~فاشتغل أنت بالتسبيح والتحميد، والاستغفار، فالاشتغال بهذه الطاعة يصير ~~سببا لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة. # وفي معنى التسبيح وجهان: أحدهما نزه ربك عما لا يليق بجلاله ثم احمده. # والثاني فصل لربك لأن التسبيح جزء من أجزاء الصلاة، ثم قيل عني به صلاة ~~الشكر، وهو ما صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ثمان ركعات. # وقيل هي صلاة الضحى. وفي الآية دليل على فضيلة التسبيح، والتحميد حيث جعل ~~ذلك كافيا في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح. # فإن قلت ما معنى هذا الاستغفار، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # قلت إنه تعبد الله بذلك ليقتدي به غيره. إذ لا يأمن كل واحد من نقص يقع ~~في عبادته واجتهاده ففيه تنبيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم ms3765 مع عصمته ~~وشدة اجتهاده ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف بمن هو دونه وقيل هو ترك ~~الأفضل والأولى لا عن ذنب صدر منه صلى الله عليه وسلم وعلى قول من جوز ~~الصغائر على الأنبياء يكون المعنى، واستغفره لما عسى أن يكون قد وقع من تلك ~~الأمور منه، وقيل المراد منه الاستغفار لذنوب أمته، وهذا ظاهر لأن الله ~~تعالى أمره بذلك في قوله واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV04P493 ### | سورة المسد # مكية وهي خمس آيات وعشرون كلمة وسبعة وسبعون حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المسد (111): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) # قوله عز وجل: تبت يدا أبي لهب وتب (ق) «عن ابن عباس قال: لما نزلت وأنذر ~~عشيرتك الأقربين صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، ونادى يا بني فهر ~~يا بني عدي لبطون من قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا ~~لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي ~~تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال ~~فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا ~~جمعتنا؟ فنزلت تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب وفي رواية «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل، فنادى يا صباحاه ~~فاجتمعت عليه قريش». الحديث وذكر نحوه ومعنى تبت خابت وخسرت، والتباب هو ~~الخسار المفضي إلى الهلاك، والمراد من اليد صاحبها وجملة بدنه، وذلك على ~~عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله، وجميعه، وقيل إنه رمى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بحجر، فأدمى عقبه فلهذا ذكرت اليد، وإن كان المراد جملة ~~البدن فهو كقولهم خسرت يده، وكسبت يده فأضيفت الأفعال إلى اليد، وأبو لهب ~~هو عبد ms3766 العزى بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم وكني بأبي ~~لهب لحسنه وإشراق وجهه. # فإن قلت لم كناه وفي الكنية تشريف وتكرمة قلت فيه وجوه أحدها أنه كان ~~مشتهرا بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف الثاني أنه كان اسمه عبد ~~العزى، فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشرك الثالث. أنه لما كان من أهل ~~النار ومآله إلى النار، والنار ذات لهب وافقت حاله كنيته، وكان جديرا بأن ~~يذكر بها. وتب قيل الأول أخرج مخرج الدعاء عليه، والثاني أخرج مخرج الخبر ~~كما يقال أهلكه الله، وقد هلك وقيل تبت يدا أبي لهب، يعني ماله وملكه، كما ~~يقال فلان قليل ذات اليد يعنون به المال، وتب يعني نفسه أي وقد أهلكت نفسه ~~ما أغنى عنه ماله وما كسب قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقرباءه إلى الله تعالى قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا ابن أخي حقا، ~~فأنا أفتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: ما أغنى عنه ماله، أي شيء ~~يغني عنه ماله، أي ما يدفع عنه عذاب الله، وما كسب يعني من المال، وكان ~~صاحب مواش، أي ما جمع من المال أو ما كسب من المال، أي الربح بعد رأس ماله، ~~وقيل وما كسب يعني ولده لأن ولده الإنسان من كسبه، كما جاء في الحديث «إن ~~أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» أخرجه الترمذي ثم أوعده ~~بالنار فقال تعالى: # سيصلى نارا ذات لهب أي نارا تلتهب عليه وامرأته يعني أم جميل بنت حرب بن ~~أمية أخت أبي سفيان بن # PageV04P494 # حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وكانت في نهاية العداوة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. حمالة الحطب قيل كانت تحمل الشوك، والحسك والعضاه بالليل، ~~فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لتؤذيهم بذلك وهي ~~رواية عن ابن عباس فإن قلت إنها كانت من بيت العز والشرف فكيف يليق بها حمل ms3767 ~~الحطب؟ قلت يحتمل أنها كانت مع كثرة مالها، وشرفها في نهاية البخل والخسة، ~~فكان يحملها بخلها على حمل الحطب بنفسها، ويحتمل أنها كانت تفعل ذلك لشدة ~~عداوتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ترى أنها تستعين في ذلك بأحد بل ~~تفعله هي بنفسها، وقيل كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث وتلقي العداوة بين ~~الناس وتوقد نارها، كما توقد النار الحطب يقال فلان يحطب على فلان إذا كان ~~يغري به، وقيل حمالة الخطايا والآثام التي حملتها في عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأنها كانت كالحطب في مصيرها إلى النار. في جيدها أي عنقها ~~حبل من مسد قال ابن عباس: سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا تدخل من فيها، ~~وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها. فتلت من حديد فتلا محكما وقيل هو ~~حبل من ليف، وذلك الحبل هو الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة ~~الحزمة أعيت، فقعدت على حجر تستريح أتاها ملك، فجذبها من خلفها، فأهلكها، ~~وقيل هو حبل من شجر ينبت باليمن يقال له المسد، وقيل قلادة من ودع، وقيل ~~كانت لها خرزات في عنقها، وقيل كانت لها قلادة فاخرة. قالت لأنفقنها في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم. # PageV04P495 ### | سورة الإخلاص # (وهي مكية وقيل مدنية وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة وسبعة وأربعون حرفا) ~~(فصل في فضلها) (خ) عن أبي سعيد الخدري «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله ~~أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له وكان ~~الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها ~~لتعدل ثلث القرآن»، وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة فشق ذلك عليهم فقالوا: ~~أينا يطيق ذلك يا رسول الله فقال: قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن» ~~(م) عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله ms3768 جزأ القرآن ~~ثلاثة أجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءا من القرآن» (م) عن أبي هريرة قال: # «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرأ عليكم ثلث القرآن، ~~فقرأ قل هو الله أحد الله الصمد، حتى ختمها»، وقد ذكر العلماء رضي الله ~~عنهم في كونه صلى الله عليه وسلم جعل سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن أقوال ~~متناسبة متقاربة، فقيل إن القرآن العزيز لا يعدو ثلاثة أقسام، وهي الإرشاد ~~إلى معرفة ذات الله تعالى وتقديسه أو صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله، وسنته ~~مع عباده، ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة، وهو ~~التقديس وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن لأن منتهى ~~التقديس في أن يكون واحدا في ثلاثة أمور لا يكون حاصلا منه من هو من نوعه ~~وشبهه ودل عليه. قوله لم يلد، ولا يكون حاصلا ممن هو نظيره، وشبيهه، ودل ~~عليه قوله ولم يولد، ولا يكون أحد في درجته وإن لم يكن أصلا له، ولا فرعا ~~منه، ودل عليه قوله ولم يكن له كفوا أحد، ويجمع ذلك كله قوله قل هو الله ~~أحد، وجملته وتفصيله، هو قولك لا إله إلا الله فهذا سر من أسرار القرآن ~~المجيد الذي لا تتناهى أسراره، ولا تنقضي عجائبه وقال الإمام فخر الدين ~~الرازي: لعل الغرض منه أن يكون المقصود الأشرف في جميع الشرائع، والعبادات ~~معرفة ذات الله جل جلاله وتعالى علاؤه وثناؤه، ومعرفة أفعاله، وهذه السورة ~~مشتملة على معرفة ذات الله تعالى، فلهذا كانت هذه السورة معادلة لثلث ~~القرآن، وقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله، قيل معناه إن القرآن على ~~ثلاثة أنحاء قصص، وأحكام وصفات الله تعالى، وقل هو الله أحد متضمنة للصفات، ~~فهي ثلث القرآن، وجزء من ثلاثة أجزاء، وقيل معناه أن ثواب قراءتها يتضاعف ~~بقدر ثواب قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف. قوله يتقالها يقال استقللت الشيء، ~~وتقللته وتقاللته أي عددته قليلا في بابه، ونظرت إليه بعين القلة قيل سميت ~~قل هو الله أحد سورة ms3769 الإخلاص. إما لأنها خالصة لله تعالى في صفته أو لأن ~~قارئها قد أخلص لله التوحيد، ومن فوائد هذه السورة أن الاشتغال بقراءتها ~~يفيد الاشتغال بالله، وملازمة الأعراض عما سوى الله تعالى وهي متضمنة تنزيه ~~الله تعالى، وبراءته، عن كل ما لا يليق به لأنها مع قصرها جامعة لصفات ~~الأحدية والصمدانية، والفردانية، وعدم النظير عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد، محيت عنه ذنوب ~~خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين»، وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه فقرأ قل هو الله أحد ~~مائة مرة فإذا كان يوم القيامة يقول # PageV04P496 # الرب جل جلاله يا عبدي ادخل عن يمينك الجنة» أخرجه الترمذي وقال: حديث ~~غريب وعنه «أن رجلا قال يا رسول الله إني أحب هذه السورة قل هو الله أحد، ~~قال حبك إياها أدخلك الجنة» أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال «أقبلت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد الله الصمد، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت قلت: وما وجبت قال الجنة» أخرجه ~~الترمذي، وقال حديث حسن غريب صحيح، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الإخلاص (112): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) # قوله عز وجل: قل هو الله أحد عن أبي بن كعب «أن المشركين قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل الله قل هو الله أحد الله ~~الصمد والصمد الذي لم يلد، ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء ~~يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث، ولم يكن له كفوا أحد. قال لم ~~يكن له شبيه، ولا عديل، وليس كمثله شيء» أخرجه الترمذي وقال: وقد روي عن ~~أبي العالية ms3770 أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا انسب لنا ربك، ~~فأتاه جبريل بهذه السورة قل هو الله أحد وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن ~~كعب، وهذا أصح وقال ابن عباس أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أتيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد قال إلى الله قال صفه ~~لنا أمن ذهب هو أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب، فنزلت هذه السورة، وأهلك ~~الله أربد بالصاعقة وعامر بالطاعون، وقد تقدم ذكرهما في سورة الرعد، وقيل ~~جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا صف لنا ربك ~~لعلنا نؤمن بك، فإن الله تعالى أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء ~~هو، وهل يأكل ويشرب، وممن ورث الربوبية، ولمن يورثها، فأنزل الله هذه ~~السورة قل هو الله أحد يعني الذي سألتموني عنه هو الله الواحد في الألوهية، ~~والربوبية الموصوف بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه، والمثل والنظير، ~~وقيل لا يوصف أحد بالأحدية غير الله تعالى فلا يقال رجل أحد، ودرهم أحد بل ~~أحد صفة من صفات الله تعالى. # استأثر بها فلا يشركه فيها أحد، والفرق بين الواحد، والأحد أن الواحد ~~يدخل في الأحد، ولا ينعكس، وقيل إن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في ~~النفي تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا، وفي النفي ما رأيت أحدا، فتفيد ~~العموم، وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد، والأحد هو المنفرد ~~بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد الله الصمد قال ابن عباس: الصمد الذي لا جوف له ~~وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من حيث اللغة أن الصمد الشيء المصمد ~~الصلب الذي ليس فيه رطوبة، ولا رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد. # فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام، ويتعالى الله جل وعز عن صفات ~~الجسمية، وقيل وجه هذا القول إن الصمد الذي ليس بأجوف، معناه هو الذي لا ~~يأكل، ولا يشرب، وهو الغني عن كل شيء، ms3771 فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال، ~~والقصد بقوله الله الصمد التنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له ~~الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام وقيل الصمد الذي ليس بأجوف ~~شيئان أحدهما دون الإنسان، وهو سائر الجمادات الصلبة والثاني أشرف من ~~الإنسان وأعلى منه وهو البارئ جل وعز وقال أبي بن كعب الصمد الذي لم يلد، ~~ولم يولد لأن من يولد سيموت، ومن يموت يورث منه. وروى البخاري في أفراده عن ~~أبي وائل شقيق بن سلمة قال: الصمد هو السيد الذي انتهى سؤدده، وهي رواية عن ~~ابن عباس، أيضا قال هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد، وقيل هو ~~السيد المقصود # PageV04P497 # في جميع الحوائج المرغوب إليه في الرغائب المستعان به عند المصائب، ~~وتفريج الكرب وقيل هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتلك دالة على أنه ~~المتناهي في السودد والشرف، والعلو والعظمة، والكمال والكرم والإحسان، وقيل ~~الصمد الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول ~~علي، وقيل هو الذي لا تعتريه الآفات ولا تغيره الأوقات وقيل هو الذي لا عيب ~~فيه وقيل الصمد هو الأول الذي ليس له زوال والآخر الذي ليس لملكه انتقال. ~~والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه لأنه محتمل له، فعلى هذا ~~يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى العظيم القادر على كل شيء ~~وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به له الأسماء الحسنى والصفات العليا ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير. # قوله عز وجل: لم يلد ولم يولد وذلك أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات ~~الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله فكذبهم ~~الله عز وجل، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله لم يلد يعني كما ولد عيسى، ~~وعزير، ولم يولد معناه أن من ولد كان له والد فنفى عنه إحاطة النسب من جميع ~~الجهات، فهو ms3772 الأول الذي لم يتقدمه، والد كان عنه وهو الآخر الذي لم يتأخر ~~عنه ولد يكون عنه، ومن كان كذلك فهو الذي لم يكن له كفوا أحد، أي ليس له من ~~خلقه مثل، ولا نظير ولا شبيه فنفى عنه. بقوله ولم يكن له كفوا أحد العديل ~~والنظير، والصاحبة والولد (خ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي ~~لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P498 ### | سورة الفلق # مدنية وقيل مكية والأول أصح وهي خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة وأربعة ~~وسبعون حرفا. # (م) عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ألم تر آيات ~~أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس ~~فيه بيان عظيم فضل هاتين السورتين، وفيه دليل واضح على كونهما من القرآن، ~~وفيه رد على من نسب إلى ابن مسعود خلاف هذا، وفيه بيان أن لفظة قل من ~~القرآن أيضا وأنه من أول السورتين بعد البسملة، وقد اجتمعت الأمة على هذا ~~كله بعد خلاف ذكر فيه (خ) عن زر بن حبيش قال: «سألت أبي بن كعب عن ~~المعوذتين قلت يا أبا الوليد إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم»، وفي رواية مثلها ولم يذكر ابن مسعود عن عبد الله ~~بن حبيب قال «أصابنا طش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~بنا فخرج فقال قلت ما أقول قال قل هو الله أحد الله الصمد، والمعوذتين حين ~~تمسي وحين تصبح تكفيك كل شيء» وفي رواية ms3773 «قال: كنت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطريق مكة فأصبت خلوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنوت ~~منه فقال قل قلت ما أقول قال قل أعوذ برب الفلق، حتى تختمها ثم قل أعوذ برب ~~الناس، حتى تختمها ثم قال: ما تعوذ بالناس بأفضل منهما» أخرجه النسائي عن ~~جابر بمثله، ومعنى الطش الطشيش المطر الضعيف، وهو قول أبي الدرداء. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفلق (113): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # قوله عز وجل: قل أعوذ برب الفلق قال ابن عباس وعائشة: «كان غلام من ~~اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى ~~أخذ من مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه، ~~فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود ~~فنزلت السورتان فيه». (ق) عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى ~~كان يخيل إليه أن يصنع الشيء ولم يصنعه» وفي رواية «أنه يخيل إليه فعل ~~الشيء، وما فعله حتى إذا كان يوم، وهو عندي دعا الله، ودعاه ثم قال أشعرت ~~يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه قلت: # وما ذاك يا رسول الله قد جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند ~~رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب، قال ومن طبه قال لبيد ~~بن الأعصم اليهودي من بني زريق قال: فيما ذا قال في مشط ومشاطة، وجف طلعة ~~ذكر قال فأين هو قال في بئر ذروان، ومن الرواة من قال في بئر بني زريق فذهب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها ~~نخل ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها ~~رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله فأخرجه. ms3774 قال أما أنا فقد عافاني الله ~~وشفاني، وخفت أن أثير # PageV04P499 # على الناس منه شرا». وفي رواية للبخاري «أنه كان يرى أنه يأتي النساء، ~~ولا يأتيهن قال سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك» عن زيد بن ~~أرقم قال «سحر رجل من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى ذلك أياما ~~فأتاه جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لك عقدا في بئر كذا فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها، فجاء بها فحلها فجعل كلما حل ~~عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، ~~فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط» أخرجه النسائي وروي «أنه كان تحت ~~صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة، فإذا فيه مشاطة من رأسه ~~صلى الله عليه وسلم وأسنان من مشطه»، وقيل كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة ~~عقدة وقيل كان مغروزا بالإبر فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة ~~آية سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت ~~عقدة حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من ~~عقال وروي «أنه لبث ستة أشهر، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان» ~~(م) عن أبي سعيد الخدري «أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا ~~محمد اشتكيت قال نعم قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو ~~عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك». # (فصل وقبل الشروع في التفسير نذكر معنى الحديث، وما قيل فيه، وما قيل في ~~السحر، وما قيل في الرقى) قولها في الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر ~~حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء، ولم يصنعه. # قال الإمام المازري: مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات ~~السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكر ذلك، ~~ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه ms3775 إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره ~~الله في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر ~~به، وأنه يفرق بين المرء، وزوجه وهذا كله لا يمكن أن يكون مما لا حقيقة له ~~وهذا الحديث الصحيح مصرح بإثباته، ولا يستنكر في العقل أن الله تعالى يخرق ~~العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي لا يعرفها ~~إلا الساحر، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها ~~الله تعالى على يد من يشاء من عباده. # فإن قلت المستعاذ منه هل هو بقضاء الله، وقدره فذلك قدح في القدرة. # قلت كل ما وقع في الوجود هو بقضاء الله وقدره، والاستشفاء بالتعوذ، ~~والرقى من قضاء الله، وقدره يدل على صحة ذلك. ما روى الترمذي عن ابن أبي ~~خزامة عن أبيه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ~~أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله ~~شيئا، قال: هي من قدر الله تعالى» قال الترمذي: هذا حديث حسن وعن عمر نفر ~~من قدر الله إلى قدر الله تعالى. # (فصل) وقد أنكر بعض المبتدعة حديث عائشة المتفق عليه، وزعم أنه يحط منصب ~~النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. # ورد على هذا المبتدع بأن الذي ادعاه باطل لأن الدلائل القطعية، والنقلية ~~قد قامت على صدقه صلى الله عليه وسلم، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، ~~والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. # وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا، وهو ما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل ~~إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له. # PageV04P500 # وقد قيل إنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، وليس واطئ، وهذا مثل ما ~~يتخيله الإنسان في المنام. فلا يبعد أن يتخيله في اليقظة، ولا حقيقة له، ~~وقيل إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد ما تخيله فتكون ~~اعتقاداته على السداد ms3776 قال القاضي: وقد جاءت في بعض روايات هذا الحديث مبينة ~~أن السحر إنما سلط على بدنه وظواهر جوارحه لا على قلبه وعقله واعتقاده وليس ~~في ذلك ما يوجب لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الزيغ والضلالة، وقوله ما ~~وجع الرجل قال مطبوب أي مسحور قوله، وجف طلعة ذكر يروى بالباء ويروى ~~بالفاء، وهو وعاء طلع النخل. # وأما الرقى والتعاويذ فقد اتفق الإجماع على جواز ذلك إذا كان بآيات من ~~القرآن، أو إذ كانت وردت في الحديث، ويدل على صحته الأحاديث الواردة في ذلك ~~منها حديث أبي سعيد المتقدم أن جبريل رقي النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ~~ما روي عن عبيد بن رفاعة الزرقي «أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن ~~ولد جعفر تسرع إليهم العين. أفأسترقي لهم قال نعم فإنه لو كان شيء سابق ~~القدر لسبقته العين» أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي سعيد الخدري ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول أعوذ بالله من الجان، وعين ~~الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما» أخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن غريب فهذه الأحاديث تدل على جواز الرقية، وإنما المنهي عنه ~~منها ما كان فيه كفر أو شرك أو ما لا يعرف معناه مما ليس بعربي لجواز أن ~~يكون فيه كفر والله أعلم. # (وأما التفسير) فقوله عز وجل قل أعوذ برب الفلق، أراد بالفلق الصبح، وهو ~~قول الأكثرين، ورواية عن ابن عباس لأن الليل ينفلق عن الصبح وسبب تخصيصه في ~~التعوذ أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم قادر على أن يدفع عن ~~المستعيذ ما يخافه، ويخشاه، وقيل إن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، كما ~~أن الإنسان ينتظر طلوع الصباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح، وقيل إن ~~تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين، وإجابة ~~الملهوفين، فكأنه يقول قل أعوذ برب الوقت، الذي يفرج فيه هم المهمومين ~~والمغمومين، وروي عن ابن عباس أن الفلق سجن في جهنم، وقيل هو واد ms3777 في جهنم ~~إذ فتح استعاذ أهل النار من حره، ووجهه أن المستعيذ قال: أعوذ برب هذا ~~العذاب، القادر عليه من شر عذابه، وغيره وروي عن ابن عباس أيضا أن الفلق ~~الخلق، ووجه هذا التأويل، أن الله تعالى فلق ظلمات بحر العدم بإيجاد ~~الأنوار، وخلق منه الخلق، فكأنه قال قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون جميع ~~المحدثات من شر ما خلق قيل يريد به إبليس خاصة لأنه لم يخلق الله خلقا هو ~~شر منه، ولأن السحر لا يتم إلا به وبأعوانه وجنوده، وقيل من شر كل ذي شر، ~~وقيل من شر ما خلق من الجن، والإنس. ومن شر غاسق إذا وقب عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قالت «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال يا ~~عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح، فعلى هذا الحديث المراد به القمر إذا خسف، واسود ومعنى ~~وقب دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيبوبة، وقيل سمي به لأنه إذا خسف اسود، ~~وذهب ضوءه وقيل إذا وقب دخل في المحاق، وهو آخر الشهر وفي ذلك الوقت يتم ~~السحر المورث للتمريض، وهذا مناسب لسبب نزول هذه الآية. وقال ابن عباس: ~~الغاسق الليل إذا وقب أي أقبل بظلمته من المشرق، وقيل سمي الليل غاسقا لأنه ~~أبرد من النهار، والغسق البرد وإنما أمر بالتعوذ من الليل لأن فيه تنشر ~~الآفات، ويقل الغوث وفيه يتم السحر، وقيل الغاسق الثريا إذا سقطت، وغابت، ~~وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها فلهذا أمر بالتعوذ من ~~الثريا عند سقوطها ومن شر النفاثات في العقد يعني السواحر اللاتي ينفثن في ~~عقد الخيط حين يرقين عليها، # PageV04P501 # وقيل المراد بالنفاثات بنات لبيد بن الأعصم اللاتي سحرن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والنفث النفخ مع ريق قليل، وقيل إنه النفخ فقط. # واختلفوا في جواز النفث في الرقى، والتعاويذ الشرعية المستحبة فجوزه ~~الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ويدل عليه ms3778 حديث عائشة قالت: «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات» ~~الحديث وأنكر جماعة التفل، والنفث في الرقى، وأجازوا النفخ بلا ريق قال ~~عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، وقيل النفث في العقد ~~إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان، وإذا كان النفث ~~لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون مذموما، ولا مكروها بل هو مندوب ~~إليه. ومن شر حاسد إذا حسد الحاسد هو الذي يتمنى زوال نعمة الغير، وربما ~~يكون مع ذلك سعي، فلذلك أمر الله تعالى بالتعوذ منه، وأراد بالحاسد هنا ~~اليهود، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم أو لبيد بن الأعصم ~~وحده والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. # PageV04P502 ### | سورة الناس # وهي مدنية وقيل مكية والأول أصح وهي ست آيات وعشرون كلمة وتسعة وسبعون ~~حرفا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الناس (114): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # قوله عز وجل: قل أعوذ برب الناس إنما خصص الناس بالذكر، وإن كان رب جميع ~~المحدثات لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال أعوذ من شر ~~الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم فإنه ~~هو الذي يعيذهم من شرهم، وقيل إن أشرف المخلوقات هم الناس، فلهذا خصهم ~~بالذكر. ملك الناس إله الناس إنما وصف نفسه أولا: بأنه رب الناس، لأن الرب ~~قد يكون ملكا، وقد لا يكون ملكا فنبه بذلك على أنه ربهم، وملكهم ثم إن ~~الملك لا يكون إلها، فنبه بقوله إله الناس على أن الإلهية خاصة بالله ~~سبحانه، وتعالى لا يشاركه فيها أحد، والسبب في تكرير لفظ الناس يقتضي مزيد ~~شرفهم على غيرهم من شر الوسواس يعني الشيطان ذا الوسواس، والوسوسة الهمز، ~~والصوت الخفي. الخناس يعني الرجاع من الذي عادته أن يخنس أي يتأخر. قيل إن ms3779 ~~الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا غفل وسها وسوس، وإذا ذكر الله تعالى ~~خنس الشيطان عنه، وتأخر وقال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب وقيل ~~كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال رأسه كرأس ~~الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويجذبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا ~~لم يذكر الله تعالى رجع، ووضع رأسه على القلب فذلك قوله تعالى: # الذي يوسوس في صدور الناس يعني بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب ~~من غير سماع، والمراد بالصدر القلب من الجنة يعني الجن والناس وفي معنى ~~الآية وجهان: # أحدهما: أن الناس لفظ مشترك بين الجن والإنس، ويدل عليه قول بعض العرب ~~جاء قوم من الجن، فقيل من أنتم قالوا أناس من الجن، وقد سماهم الله تعالى ~~رجالا في قوله يعوذون برجال من الجن فعلى هذا يكون معنى الآية أن الوسواس ~~الخناس يوسوس للجن كما يوسوس للإنس. # الوجه الثاني: أن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة، وهم الجن وقد يكون من ~~الإنس، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس للإنسان تارة، ويخنس أخرى، فكذلك شيطان ~~الإنس قد يوسوس للإنسان كالناصح له فإن قبل زاد في الوسوسة، وإن كره السامع ~~ذلك انخنس وانقبض فكأنه تعالى أمر أن يستعاذ به من شر الجن والإنس جميعا ~~(ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم ينفث # PageV04P503 # فيهما، فيقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم ~~يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه، وما أقبل من جسده يفعل ~~ذلك ثلاث مرات» عن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ ~~عليه، وأمسح عنه بيديه رجاء بركتهما» أخرجه مالك في الموطأ ولهما بمعناه ~~(ق) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ms3780 قال: «لا حسد إلا في اثنتين ~~رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وأطراف النهار، ورجل آتاه ~~الله مالا، فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار» عن ابن عباس قال: «قيل ~~يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال الحال المرتحل قيل، وما ~~الحال المرتحل قال الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل» أخرجه ~~الترمذي، والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده، وأسرار كتابه. # PageV04P504 ms3781